المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة كشف الشخصيات (5) : طه حسين



حازم
03-23-2005, 05:04 PM
بقلم : سليمان الخراشى

ترجمته([1]):

-هو طه حسين، كان مولده سنة 1889 كما كتب طه ترجمته في سجلات المجمع اللغوي واعتمد عليه كتاب –المجمعيون- ومن جعل مولده 1891 فقد أخطأ .

كان السابع من إخوته وإخوانه الذين بلغوا 13 مولوداً وكان والده ذا مركز مرموق في الضاحية حرص على تعليم أولاده فبينهم طالب الطب والقضاء والمجاور في الأزهر وتلميذ الثانوية..

حرص الأب أن يعلمه فأدخله الكتاب وحفظ فيه القرآن الكريم وحفظ الصبي الكثير مما كان يسمع من أدعية وأشعار وأغانٍ! وقصص، وحفظ قواعد التجويد، وحين ترعرع راح أخوه الأزهري يحفظه الألفية ليعده للحياة الجديدة في الأزهر.

أوسع مرجع لصباه ولحياته في القرية وفي الأزهر كتابه "الأيام" الجزء الأول.

كما أن أفضل كتابين يرجع إليهما الباحث تتناول حياته العامة "أديب" و"مذكراته والجزء الثاني من الأيام".

- دخل الأزهر عام 1902.

- ما حفظه في القرية أهله أن يتفوق به على رفاقه في الأزهر ومكنّه أن يتابع دروس شيوخه بوعي وفهم.

- وحدته وعماه جعلتاه ينـزع في تفكيره منـزع التطرف والعنف وهذا ما جعله يصطدم بأساتذته الواحد بعد الآخر.

- تفتح ذهنه واتسعت آفاق تفكيره حين بدأ يحضر دروس الأدب على يد سيد علي المرصفي، والأستاذ ينحو في دروسه منحى اللغويين والنقاد مع ميل للتفقه وللتحليل ويعنى بمفردات اللغة وإظهار ما في البيت من بيان وبديع ومعانٍ.

- أرضت هذه الدروس نفس طه وتعلق بها وحفظ ما كان يعرض له من ديوان الحماسة وغيره.

- نمت فيه الكفايات ومكنته من القدرة على التمييز والتحليل، وبدأت ذاتيته وقابلياته تنضج نضجاً مبكراً وسريعاً، يتناسب مع حدة ذكائه وقوة مداركه.

- ظهرت في هذه الفترة في أقواله وتقريراته، ملكة النقد وكانت مجلبة لإتعابه مع رفاقه ومع مدرسيه.

- كره طه بعد المرحلة الثانية من دراسته الأزهرية دروس الأزهر واجتوى حلقات الشيوخ ما عدا درس الأدب.

- حضر درسين اثنين للإمام محمد عبده فاستهواه حديثه ورغب أن يلازمه لكن الشيخ لم يعد لحلقته وإنما نقل إلى الإفتاء .

- كان عام 1908 عاماً فاصلاً بينه وبين حياة الأزهر وشيوخ الأزهر، في هذا العام فتحت الجامعة المصرية الأهلية فانتمى إليها وقضى فيها سنوات ثلاثاً يختلف إليها وإلى الأزهر. وقد وجد في دروس الجامعة اختلافاً كثيراً ووجد حرية البحث، فشغف بهذه الدروس حباً وتفتحت لها نفسه وكان أثر ذلك عميقاً فيها كما كون في نفسه نزعة التطرف والنقد وهو على استعداد لهذه الخصلة.

- وجد في الجامعة مبتغاه، وفي ظل البحث التحليلي أخرج رسالته عن أبي العلاء المعري "ذكرى أبي العلاء" التي نال بها درجة الدكتوراه بتفوق.

- فلما وزعت مطبوعة ثارت حولها ضجة ورمي بالإلحاد وقدم أحد النواب إلى الجمعية العامة استجواباً أثار به موضوع رسالة طه حسين وطالب بفصله ونزع الشهادة عنه ولولا تداركه رئيس المجلس (سعد زغلول) لتغير مجرى حياته.

- في 5 مارس 1914 سافر على نفقة الجامعة إلى فرنسا ليكمل دراسته فكان ذلك حدثاً لم يتيسر لغيره من أمثاله .

- في "مونبيليه التي يدرس فيها الأدب الفرنسي واللغة اللاتينية تعرف على "سوزان" التي كان لها الأثر الأكبر في وجهته القادمة.

- اجتاز امتحان الليسانس عام 1917 وفي هذا العام تم زواجه بها.

- وفي هذا العام كان طه يستعد للدكتوراه برسالة عن "ابن خلدون" وفلسفته الاجتماعية.

- وفي سنة 1919 قفل إلى مصر وتم تعيينه أستاذاً للتأريخ القديم.

- في عام 1925 ألحقت الجامعة بالحكومة فتم تعيين طه حسين أستاذاً دائماً للأدب العربي بكلية الآداب.

- في أثناء دروسه للتاريخ القديم كان يكتب في "السياسة" حديث الأربعاء على نمط حديث الاثنين الذي كان يكتبه "سان بيف".

- أثارت هذه الأحاديث نقداً وهجوماً من المؤرخين والكتاب لتشويهه فيها تاريخ المسلمين.

- في هذه الفترة كان طه حسين جم النشاط يكتب ويحاضر وينشر ويؤلف حتى فاضت شهرته وغطت سمعة الآخرين.

- أخرج محاضراته (في الظاهرة الدينية عند اليونان) في كتاب عام 1919 يحمل اسم "آلهة اليونان".

- وفي عام 1920 أخرج "صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان".

- وفي عام 1921 أصدرت له مطبعة الجريدة ترجمة لكتاب (الواجب) بالاشتراك مع محمد رمضان.

- وفي عام 1921 أيضاً ترجم كتاب "نظام الاثنين" لارسطو.

- وفي عام 1922 أعيد طبع كتاب "ذكرى أبي العلاء" بعد أن نفدت طبعته الأولى.

- وفي عام 1923 نقل (روح التربية) عن غوستاف لوبون ونشرته الهلال لمشتركيها.

- وفي عام 1924 كتب سلامة موسى مقالاً في الهلال رفع فيه طه حسين إلى زعامة الأدب الحديث .

- وفي عام 1924 نشر طه كتابه "قصص تمثيلية" من الفرنسية.

- وفي عام 1925 أخرج الجزء الأول من كتابه (حديث الأربعاء).

- وفي 1925 نشر كتاباً باسم "قادة الفكر".

- وفي 1926 نشر كتابه "حديث الأربعاء" الجزء الثاني.

- وفي 1926 نشر كتابه "الشعر الجاهلي" فأثار ظهوره ثورة عاصفة كادت تعصف بطه وكرسيه وأدبه، وانبرت أقلام الأدباء والمؤرخين وعلماء المسلمين يردون عليه بأعنف ما عرف النثر الأدبي من النقد والهجاء، وأخرجت المطابع كتباً عديدة في الرد عليه وربحت المكتبة العربية كتباً غاية في الجودة والنقد وأدب الحوار.

- أحيل طه حسين سنة 1926 إلى النيابة وحققت معه وانتهت من قرارها سنة 1927. وكان قرارها فيه تفنيد لمزالق متطرفة ارتكبها طه حسين في كتابه. وتفنيد آراء أخذها من المستشرقين أمثال رينان ومرغليوث وغيرهما، وصودر كتابه وجمع من الأسواق.



نشأته : القرية : الأزهر : باريس : العودة.

-في سنة 1928 عين الدكتور طه عميداً لكلية الآداب فأثار هذا التعيين أزمة حادة للجامعة وللدكتور طه، فقد كان علي الشمسي وزيراً للمعارف وكان وفدياً يحقد على طه فتدخل للحيلولة دون هذا التعيين ويريد أن ينتقم للوفد الذي لم ينس زعماؤه مقالات طه حسين ويعلمون صلاته بالأحرار الدستوريين، وأصر الوزير إلا أن يستقيل وأصر الدكتور طه إلا المباشرة في العمادة، وقبل أن يستقيل بشرط واحد هو أن يعين ويباشر وظيفته ولو ليوم واحد ويوقع بعض الأوراق ثم يقدم استقالته، وبذلك حسم النـزاع واستمر أستاذاً للأدب العربي.

-وفي سنة 1930 انتهت مدة "ميشو" الفرنسي عميداً فاختارت الكلية الدكتور طه حسين عميداً، ووافق وزير المعارف "مراد سيد أحمد" وبعد حين طلب منه أن يستقيل ليصبح رئيساً لتحرير جريدة الشعب لسان حال حزب صدقي باشا فرفض الطلب وآثر البقاء في الجامعة وألحت عليه الجهات الرسمية على قبول رئاسة تحرير الجريدة فأصر على الرفض، وهذا ما جعل صدقي يضمر في نفسه الانتقام من الدكتور طه.

-وابتداءً من 29 مارس 1932 لزم الدكتور بيته وشرع يكتب في جريدة السياسة ويتولى رئاسة تحريرها حين يكون الدكتور هيكل غائباً عن القاهرة. وكان ائتلاف بين الأحرار والوفد فطلب من الدكتور طه أن يكتب في جريدة (كوكب الشرق)التي كان يصدرها حافظ عوض. واستقال من كوكب الشرق واشترى امتياز جريدة الوادي وتولى الإشراف على التحرير واستمر إلى تشرين الثاني 1934 يدير الوادي.

-أعيد في وزارة نسيم إلى الجامعة سنة 1934 وعين أستاذاً في كلية الآداب وفي مارس من سنة 1936 اختير عميداً للكلية واستمر في العمادة حتى مارس 1939 وأعيد انتخابه للعمادة لكن حكومة محمد محمود لم ترض إعادته عميداً فاستقال من العمادة وبقي أستاذاً في الكلية للأدب .

-وفي كانون الأول من عام 1939 عين مراقباً للثقافة في وزارة المعارف واستمر بعمله الرسمي إلى شباط 1942 مع بقائه يلقي محاضراته في كلية الآداب.

-وعاد الوفد سنة 1942 إلى الحكم فاختاره نجيب الهلالي وزير المعارف مستشاراً فنياً بوزارة المعارف ثم انتدب مديراً لجامعة الإسكندرية واستمر في هذين المنصبين إلى تشرين 1944.

-وفي 16 تشرين الأول سنة 1944 أحيل إلى التقاعد واستمر خارج المناصب الحكومية، وفي 13 كانون الثاني 1950 عين وزيراً للمعارف في الوزارة الوفدية .

-ومن سنة 1952 انصرف إلى الإنتاج الفكري وإلى النشاط في المجامع العلمية واللغوية، فهو عضو في مجمع اللغة في القاهرة، والمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، والمجمع المصري في دمشق، والمجمع العلمي العراقي، وعضو مراسل لعدة مجامع علمية في الخارج.

-حصل على الدكتوراه الفخرية من جامعة مدريد وجامعة كمبردج، ونال وسام الباشوية ووسام الليجون دونير مو طبقة كراند أوفيسية، ونال الدكتوراه الفخرية من جامعات ليون، ومونبيليه، ومدريد، وأكسفورد، وانتخب رئيساً للمجمع اللغوي بعد وفاة أحمد لطفي السيد سنة 1963.

-توفي طه حسين عام 1973م.









مؤلفاته:

1- ذكرى أبي العلاء المعري، وهو أول كتاب صدر له نال به رسالة الدكتوراه سنة 1914 وقد طبع لأول مرة بمطبعة الواعظ سنة 1334هـ-1915م في 410 صفحة. وطبع ثانية بمطبعة المعاهد بمصر سنة 1922 في 384 صفحة من غير حذف أو تغيير. وطبع ثالثة بعنوان تجديد ذكرى أبي العلاء في دار المعارف سنة 1937 في 311 صفحة. وطبع طبعة رابعة سنة 1950 ثم طبعة خامسة في دار المعارف سنة 1958.

2- فلسفة ابن خلدون الاجتماعية : وهو رسالة الدكتوراه التي قدمها إلى السوربون سنة 1917 ونال بها إجازة الدكتوراه من جامعة باريس وترجمها عبد الله عنان بعنوان (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية) طبعت بمطبعة الاعتماد لأول مرة سنة 1343هـ-1925م.

3- آلهة اليونان: الظاهرة الدينية عند اليونان وأثرها في المدنية طبع في مطبعة المنار سنة 1919، في 96 صفحة.

4- دروس التأريخ القديم وهي الدروس التي كان يلقيها في الجامعة المصرية بين عام 1919 وعام 1924 شملت اليونان والرومان نشر بعضها في مجلة الجامعة.

5- صحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان، مطبعة الهلال بمصر سنة 1920.

6- الواجب ترجمه عن الفرنسية لمؤلفه جول سيمون وطبع في مطبعة الجريدة سنة 1921 في أربعة أجزاء .

7- نظام الاثنين تأليف أرسطو طاليس ترجمه عن اليونانية وطبع بمطبعة الهلال وأعيد طبعه في دار المعارف في 192 صفحة.

8- روح التربية تأليف جوستاف لوبون عن الفرنسية طبع بمطبعة الهلال في 163 صفحة.

9- قصص تمثيلية لجماعة من أشهر الكتاب الفرنسيين طبع في المطبعة التجارية سنة 1924.

10- قادة الفكر طبع سنة 1925 بمطبعة الهلال بـ135 صفحة. وأعيد طبعه بمطبعة المعارف سنة 1929 ثم أعيد مرات عديدة كان آخرها سنة 1959.

11- حديث الأربعاء، سلسلة مقالات نشرها في السياسة وطبع منها المجلد الأول في المكتبة التجارية بالقاهرة سنة 1925 وطبع الجزء الثاني بمطبعة دار الكتب المصرية سنة 1926، وطبع الجزءان ثانية بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة سنة 1937 وطبع هذان الجزءان في دار المعارف 1959 وطبع الجزء الثالث في دار المعارف سنة 1957 الأول بـ412ص، والثاني بـ347ص، والثالث بـ230 صفحة.

12- في الشعر الجاهلي طبع بمطبعة دار الكتب المصرية سنة 1926 ثم سحب الكتاب من الأسواق.

13- في الأدب الجاهلي وهو كتاب (في الشعر الجاهلي) بعد أن حذف منه فصل وأضيفت إليه فصول، طبع لأول مرة بمطبعة الاعتماد بالقاهرة سنة 1927 بـ375ص، وطبع ثانية في دار المعارف سنة 1958 بـ333ص.

14- في الصيف نشره سنة 1928 ولم يظهر في كتاب إلا سنة 1933 وطبع في بيروت للمرة الثانية مع رحلة الربيع والصيف بدار العلم للملايين سنة 1957.

15- الأيام، الجزء الأول نشر أولاً في الهلال المجلد 35 ج2 ص161-168 وتوالى نشره من سنة 1926-1927 ثم جمع بكتاب وطبع بمطبعة أمين عبد الرحمن في سنة 1929 وأعيد طبعه سنة 1942 ثم في سنة 1949. ثم في سنة 1958.

16- حافظ وشوقي طبع بمطبعة الاعتماد بـ121ص وذلك سنة 1933.

17- على هامش السيرة الجزء الأول المطبعة الرحمانية وقد أعيد مراراً سنة 1935، 1953.

18- نقد النثر لقدامة بن جعفر حققه بالاشتراك مع عبد الحميد العبادي، دار الكتب.

19- دعاء الكروان، وقد أعيد طبعه مراراً منها طبعة دار المعارف سنة 1959 بـ160 صفحة.

20- من بعيد طبع بمطبعة الرحمانية بـ311ص. وأعادت طبعه الشركة العربية للطباعة والنشر سنة 1958 بـ 305صفحة.

21- أديب، طبع بمطبعة الاعتماد سنة 1935 بـ251ص، وأعيد طبعه سنة 1944، وطبع ثالثة سنة 1953 بمطابع جريدة المصري من مجموع كتب للجميع.

22- الحياة الأدبية في جريدة العرب مكتب النشر وأعيد طبعه في كتاب "ألوان" سنة 1958.

23- مع أبي العلاء في سجنه مطبعة المعارف بـ 245ص وطبع مرة أخرى سنة 1956 بـ 336ص.

24- أندروماك لراسين، المطبعة الأميرية ببولاق.

25- من حديث الشعر والنثر، مطبعة الصاوي القاهرة بـ 312ص، وطبع ثانية سنة 1948 وثالثة بدار المعارف سنة 1957 بـ 184ص.

26- القصر المسحور بالاشتراك مع توفيق الحكيم، طبع بدار النشر الحديث سنة 1937.

27- مع المتنبي ظهر في شباط سنة 1937 في جزأين بـ 716 صفحة ضمن مطبوعات لجنة التأليف والترجمة والنشر وأعادت طبعه دار المعارف سنة 1957 بمجلد واحد وأعيد طبعه سنة 1960.

28- الحب الضائع نشرته مجلة الراديو (مسلسلة)، عام 1937-1938 ثم نشر في العدد 100 من سلسلة "اقرأ" التي تصدرها دار المعارف شهرياً 1951.

29- مستقبل الثقافة في مصر جزءان طبعا بمطبعة المعارف سنة 1938 وأعيد طبعه سنة 1944.

30- من الأدب التمثيلي اليوناني، لجنة التأليف والترجمة والنشر. وأعيد في دار المعارف.

31- الأيام، الجزء الثاني طبع سنة 1939 ثم أعيد طبعه بدار المعارف سنة 1956.

32- لحظات، في جزئين طبعته دار المعارف سنة 1942.

33- على هامش السيرة، الجزء الثاني طبعته دار المعارف سنة 1942 وأعيد طبعه في دار المعارف سنة 1953.

34- على هامش السيرة، الجزء الثالث، طبعته دار المعارف سنة 1943 وأعادت طبعه 1955 وسنة 1958 وسنة 1961.

35- صوت باريس، مجموعة قصصية تمثيلية، طبعته دار المعارف 1943 وأعيد طبعه سنة 1956 ضمن كتب للجميع.

36- أحلام شهرزاد، العدد الأول من سلسلة اقرأ طبعته دار المعارف، سنة 1943.

37- شجرة البؤس، طبعته دار المعارف وصدر عن نادي القصة ثانية سنة 1953 ضمن سلسلة الكتاب الذهبي وطبع عن دار المعارف سنة 1958.

38- جنة الشوك عن دار المعارف سنة 1945.

39- فصول في الأدب والنقد. أصدرته دار المعارف سنة 1945.

40- صوت أبي العلاء، العدد 23 من مسلسلة اقرأ عن دار المعارف سنة 1945.

41- زاديج أو القدر مترجم من فولتير، صدر عن مطبعة الكاتب المصري وأعيد طبعه سنة 1960، من دار العلم للملايين، بيروت.

42- أندرية جيد: من أبطال الأساطير اليونانية أوديب أسيوس، صدرته مطبعة الكاتب المصري.

43- المعذبون في الأرض، نشرته مجلة الكاتب المصري سنة 1948، ثم طبع في صيدا سنة 1949 وطبع في سلسلة اقرأ وطبعته الشركة العربية سنة 1958.

44- مرآة الضمير الحديث، قامت بطبعه دار الملايين 1949، وطبع بعنوان نفوس للبيع ضمن مجموعة كتب للجميع سنة 1953.

45- الوعد الحق: طبع في دار المعارف في العدد 86 من سلسلة اقرأ وطبع سنة 1954 و 1954 و 1959 و 1960.

46- جنة الحيوان: طبع بمطابع جريدة المصري سنة 1950.

47- رحلة الربيع، العدد 69 من سلسلة اقرأ طبع دار المعارف سنة 1948، ثم أعيد نشرها مع رحلة الصيف طبعتهما دار العلم للملايين بيروت 1957.

48- ألوان: نشرته دار العلم للملايين بيروت سنة 1952. ثم أعادت طبعه مجدداً سنة 1958.

49- عليٌ وبنوه: الجزء الثاني دار المعارف وطبع مرة ثانية 1961.

50- بين بين : نشرته دار العلم للملايين سنة 1952.

51- شرح لزوم ما لا يلزم لأبي العلاء بالاشتراك مع إبراهيم الأبياري العدد 13 من ذخائر العرب.

52- من هناك، مطبعة روز اليوسف من سلسلة الكتاب الذهبي، 1955، وضم صوت باريس.

53- خصام ونقد نشرته مطابع دار العلم للملايي، بيروت، سنة 1955.

54- نقد وإصلاح: نشرته مطابع دار العلم للملايين، بيروت، سنة 1956 وطبع ثانية سنة 1960.

55- رحلة الربيع والصيف دار الملايين أخرجته سنة 1957 ويضم رحلة الربيع وفي الصيف.

56- مرآة الإسلام، مطبعة المعارف بمصر سنة 1959 بـ 311ص .

57- من لغو الصيف، نشرته دار العلم للملايين، بيروت 1959.

58- من أدب التمثيل الغربي، نشرته دار العلم للملايين سنة 1959.

59- أحاديث نشرته دار العلم للملايين سنة 1959.

60- الشيخان أبو بكر وعمر نشرته دار المعارف بمصر سنة 1960.

61- المذكرات، دار الآداب بيروت شباط 1967.

62- الجزء الأول من الفتنة الكبرى (عثمان)، دار المعارف وكان الجزء الثاني من الفتنة قد صدر بعنوان علي وبنوه سنة 1952.

63- كلمات: في الأدب والنقد أصدرته دار العلم للملايين سنة 1967.

64- خواطر: في الأدب والنقد أصدرته دار العلم للملايين سنة 1967.







ترجمة كتبه وأعماله المجمعية:

ترجمت "الأيام" إلى الإنكليزية والفرنسية والعبرية والصينية والروسية والفارسية والإيطالية والألمانية والمجرية، وقد ترجم الأيام الجزء الثاني إلى الإنكليزية والفرنسية وترجمه كراتشكوفسكي إلى الروسية وظهرت ترجمته سنة 1960.

دعاء الكروان نقل إلى الفرنسية.

وأوديب ومستقبل الثقافة إلى الفرنسية.

والوعد الحق إلى الفارسية.

علي وبنوه إلى الفارسية والأوردية.

-وللدكتور طه حسين مقالات سياسية وأدبية ونقدية واجتماعية، وله مقدمات لكتب عديدة كان يكتبها لأصدقائه وطلابه لو جمعت لأربت على عشرات الكتب.

أما أعماله المجمعية: فقد ساهم …. في لجانه الكثيرة ومنها:

1- لجنة المعجم الكبير وقد اختير مشرفاً عليها منذ إنشائها.

2- لجنة اللهجات.

3- لجنة الأدب.

4- لجنة الأصول.

5- لجنة التأريخ والجغرافيا.

6- لجنة الألفاظ والأساليب.

7- لجنة نشر التراث القديم.

وألقى في المجمع بحوثاً وكلمات منها:

1- كلمة في استقبال الدكتور عبد الحميد بدوي ونشر في المجلة، الجزء السادس ص 218.

2- بحث (فن من الشعر يتطور بأعين الناس)، المجلة، الجزء السابع ص 24.

3- كتاب الرد على النحاة، لابن مضاء، بحث عنه، نشر في المجلة، الجزء السابع ص 76.

4- كلمة في استقبال الأستاذ محمود تيمور، سنة 1950، الجزء الثامن ص 43.

5- كلمة في استقبال الأستاذ محمد توفيق دياب، المجلة، الجزء العاشر ص 151.

6- كلمة في استقبال الأستاذ توفيق الحكيم، سنة 1954، الجزء العاشر ص 175.

7- مشكلة الأعراب المحلية، الجزء الحادي عشر، ص 175.

8- كلمة في استقبال أحمد حسن الباقوري، المجلة ج 13 ص 241.

9- في تأبين الدكتور محمد حسين هيكل، سنة 1957، المجلة ج 13 ص 287.

10- كلمة في تأبين الأستاذ انوليتمان، المجلة، ج 14 ص 334، ألقاها بالنيابة عن الدكتور طه حسين الدكتور محمد عوض محمد، يوم 27 من ذي العقدة سنة 1383هـ 21 نيسان 1963.

11- كلمة في تأبين الدكتور عبد الوهاب عزام، المجلة، ج 14 ص 341.

12- تأبين الأستاذ أحمد لطفي السيد، مجلة المجمع، الجزء الثامن عشر، ص 113.

وقد اختير الدكتور طه حسين لتمثيل المجمع في عدة مؤتمرات مثل مؤتمر اللغويين السادس باريس، والمؤتمر الحادي والعشرين للمستشرقين الذي عقد بباريس أيضاً، والمستشرقين في لندن، وأدار الإدارة العامة للثقافة العربية في الجامعة العربية، وحضر ورأس مهرجانات ومؤتمرات أدبية في أقطار عديدة. (انتهى ملخصاً بتصرف من كتاب (طه حسين بين أنصاره وخصومه) لجمال الدين الألوسي (12-16، 63-65، 69-76).



انحرافاته:

انحرافات هذا الرجل كثيرة جداً، فهو –بلا شك- رأس من رؤوس التغريب في زماننا المعاصر، وقد حاول طيلة حياته إلقاء الشبهات وإثارة الشكوك ومحاربة الإسلام بشتى الطرق، وفق خطة مدروسة صاغها له الغربيون الذين ربوه على أعينهم.



فإليك أخطر انحرافاته التي بثها بين المسلمين:

1- إحياؤه ودعوته إلى مذهب (الشك) الذي تلقاه عن (ديكارت).

يقول الأستاذ أنور الجندي: "يكاد المستشرقون والباحثون الغربيون يجمعون على أن هدف طه حسين الأول الذي أعد له، والذي عمل له خلال حياته كلها من خلال كتاباته سواء منها التي ألقيت في الجامعة كمحاضرات أو نشرت في صحف أو في كتب مطبوعة تجمع على شيء واحد هو: إرساء منهج الشك الفلسفي في حياة الفكر الإسلامي على نحو يسيطر تماماً على التاريخ والنقد الأدبي والمسرح والدراما، واتخاذ كل أساليب البيان للوصول إلى هذه الغاية فقد اتخذ ذلك أول الأمر أسلوبه في الجامعة حيث حمل لواء الدعوة إلى نقد القرآن بوصفه نص أدبي، وتشكيكه في وجود إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام." (كتاب العصر تحت ضوء الإسلام، ص30)

وقد رد الأستاذ محمود شاكر –رحمه الله- على طه حسين مبطلاً مذهبه هذا بقوله "إن إدعاء طه حسين أن القاعدة الأساسية في منهج ديكارت أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل بحثه خالي الذهن خلواً تماماً مما قبل، فإن هذا شيء لا أصل له وتكاد تكون هذه الصياغة كذباً مصفى، بل هو خارج عن طوق البشر.

هبه يستطيع أن يخلي ذهنه خلواً تاماً مما قبل، وأن يتجرد من كل شيء كان يعلمه من قبل، أفيستطيع هو أيضاً أن يتجرد من سلطان اللغة التي غذي بها صغيراً حتى صار إنساناً ناطقاً؟ أفيستطيع أن يتجرد من سطوة الثقافة التي جرت منه مجرى لبن الأم؟ أيستطيع أن يتجرد من بطشة الأهواء التي تستكين ضارعة في أغوار النفس وفي كهوفها كلام يجري على اللسان بلا زمام يضبطه، محصوله أن يتطلب إنساناً فارغاً خاوياً مكوناً من عظام كسيت جلداً؟." (المرجع السابق، ص32).

قلت: وليت طه حسين إذ دعا إلى هذا المذهب كان يهدف إلى أن يكون الشك مقدمة إلى اليقين، إذاً لهان الأمر، ولكنه كان يهدف إلى أن يكون الشك للشك !!

2-تدور فكرة كتابه (في الشعر الجاهلي) على "أن الشعر الجاهلي لا يمثل حياة العرب قبل ظهور الإسلام، أي لا يمثل الحياة التي عاش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الرسالة بمالها من جوانب وأجواء، إذ هو شعر مصطنع مفتعل ولذا لا يعبر عن حقائقها ولا عن ما دار فيها، فهو في جملته يعبر عن حياة جاهلية فيها غلظة وخشونة، وبعيدة عن التمرس السياسي، والنهضة الاقتصادية أو الحياة الدينية الواضحة. مع أن حياة العرب في الجاهلية كانت حياة حضارية" (طه حسين في ميزان العلماء والأدباء، للأستاذ محمود الأستانبولي، ص 129).

"ومنطق المؤلف: بما أن الشعر الجاهلي لا يصح أن يكون مرآة صافية للحياة الجاهلية، وهي الحياة التي نشأ فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وقام بدعوته، وكافح من أجل هذه الدعوة فيها، فالشيء الذي يعبر عن هذه الحياة تعبير صدق، وموثوق به كل الثقة، هو القرآن " (المرجع السابق، ص 130).

ثم ذكر ما يعتقده من صفات الحياة الجاهلية كما جاءت في القرآن قال الدكتور محمد البهي : (ومعنى هذا القول –كما يريد المؤلف أن يفهم قارئه –أن القرآن انطباع للحياة القائمة في وقت صاحبه، وهو النبي، ويمثل لذلك بيئة خاصة : في عقيدتها ولغتها وعاداتها واتجاهها في الحياة، وهي البيئة العربية في الجزيرة العربية) (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، ص 186).

"وإذن: القرآن –بعبارة أخرى- دين محلي لا إنساني عالمي قيمته وخطره في هذه المحلية وحدها، قال به صاحبه! تحت التأثر بحياته التي عاشها وعاش فيها، ولذلك يعبر تعبيراً صادقاً عن هذه الحياة، أما أنه يمثل غير الحياة العربية، أو يرسم هدفاً عاماً للإنسانية في ذاتها، فليس ذلك الكتاب. إنه دين بشري وليس وحياً إلهياً" !! (المرجع السابق، ص 187).

-كان من أخطر وأعظم أقوال طه حسين في هذا الكتاب، قوله:

"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة، ونحن مضطرون أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهود، والقرآن والتوراة من جهة أخرى" !!(نقلاً عن: طه حسين : حياته وفكره في ميزان الإسلام، للأستاذ أنور الجندي، ص 8).

3-أما في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) فقد دعا طه حسين إلى ثلاثة أمور:

1- الدعوة إلى حمل مصر على الحضارة الغربية وطبعها بها وقطع ما يربطها بقديمها وبإسلامها.

2- الدعوة إلى الوطنية وشؤون الحكم على أساس مدني لا دخل فيه للدين، أو بعبارة أصرح: دفع مصر إلى طريق ينتهي بها إلى أن تصبح حكومتها لا دينية.

3- الدعوة إلى إخضاع اللغة العربية لسنة التطور ودفعها إلى طريق ينتهي باللغة الفصحى التي نزل بها القرآن الكريم إلى أن تصبح لغة دينية فحسب كالسريانية والقبطية واللاتينية واليونانية" (طه حسين في ميزان العلماء ، ص 146)

ومن أقواله الشنيعة في هذا الكتاب: دعوته إلى "أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، وما يحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب" (مستقبل الثقافة في مصر، ص 41).

4-أما كتابه (على هامش السيرة) فقد حشاه بالأساطير والروايات الباطلة مبرراً موقفه هذه "بأن هذه الأساطير ترضي ميل الناس إلى السذاجة، وترفه عنهم حين تشق عليهم الحياة" !! (طه حسين في ميزان العلماء، ص 234).

يقول الأستاذ غازي التوبة : "ليس من شك في أن تناول السيرة بقصد الاستراحة من جهد الحياة وعنائها، والترفيه عن النفس، وإرضاء ميل الإنسان إلى السذاجة، وتنمية بعض عواطف الخير، ليس من شك أنها سابقة خطيرة، لا يحسد عليها طه حسين؛ لأن المسلمين كتبوا –دوما وكثيراً- في سيرة نبيهم صلوات الله عليه، ومحصوا أحداثها، وميزوا دقائقها، وبوبوا تفاصيلها، وكان نظرهم –خلال ذلك كله وبعده- يرمق في محمد (صلى الله عليه وسلم) مثلاً أعلى للإنسانية ويلتذ في ذلك، ويشتم منه الصفات العبقة ويلتذ في ذلك –ولم يقفوا عند حدود الرمق والشم والالتذاذ- ولكن سعت أقدامهم في لحظة الرمق والشم والتلذذ نفسها- ومشت على طريق محمد. فزكوا أنفسهم كما زكى محمد نفسه، وعبدوا ربهم كما عبد محمد ربه، وعاملوا الناس كما عامل محمد الناس، وجاهدوا الشرك والباطل كما جاهد محمد الشرك والباطل الخ…

كتب المسلمون الذي كتبوه في سيرة نبيهم، ومحصوا الذي محصوه، وبوبوا الذي بوبوه، قاصدين الاقتداء به، والعمل مثل عمله. وشتان بين ما هدف إليه طه حسين، وما ذهب إليه رواة السيرة" (الفكر الإسلامي، لغازي التوبة، ص، 110).

قلت: وقد صدق محمد حسين هيكل صاحب طه حسين ! في تعليقه على كتاب طه هذا، حين قال: "الخطر ليس على الأدب وحده، ولكن على الفكر الإسلامي كله؛ لأنه يعيد غرس الأساطير والوثنيات والإسرائيليات في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها، وحرروها من آثارها" (طه حسين في ميزان العلماء، ص 236).

5-أما كتابه (الشيخان) فقد مارس فيه ما أتقنه من مذهب (الشك) الذي ورثه من (ديكارت) ! حيث قال في مقدمة الكتاب: "وما أريد أن أفصل الأحداث الكثيرة الكبرى التي حدثت في أيامهما، فذلك شيء يطول، وهو مفصل أشد التفصيل فيما كتب عنهما القدماء والمحدثون. وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين، أشبه بالقصص منه بتسجيل الحقائق التي كانت في أيامهما" !! (نقلاً عن : طه حسين في ميزان العلماء، ص 214).

هكذا دون أدلة، ودون رجوع لأهل الشأن من علماء الحديث، إنما تحكيماً لعقله في أحداث الصحابة وما جرى منهم ولهم.

6-أما كتاب (الفتنة الكبرى) بجزأيه، فقد خاض فيه طه حسين في ما شجر بين الصحابة –رضوان الله عليهم- دون علم، وهو ما نهى عنه علماء أهل السنة –رحمهم الله-، وكان له هدف خبيث من هذا الخوض بينه الأستاذ غازي التوبة بعد أن فنَّد الكتاب بقوله: "إذن ينعي طه في ختام الجزء الأول الخلافة، ويوهِن من عزائم المسلمين الساعية إلى إعادتها، وينبههم إلى أن المسلمين الأوائل تنكبوا عن طريقها منذ أمد بعيد واتبعوا طريق الملك الذي يحل مشكلات الدنيا بالدنيا، فالخلافة تحتاج إلى أولي عزم من الناس، وأين أولو العزم الآن ؟؟!!

وكأن لسان حاله يخاطب مسلمي عصره ويقول لهم: عليكم أيها المسلمون أن تدعوا التفكير في الخلافة، وأن تبطلوا السعي إليها، وأن ترضوا بحكم الديمقراطية كما رضي أصحاب النبي بعد عثمان رضي الله عنه بحل مشكلات الدنيا بوسائل الدنيا ؟؟!!

هذه هي النتيجة التي يصل إليها طه حسين في ختام الجزء الأول، ويا لها من نتيجة مثبطة!!" (الفكر الإسلامي، للتوبة، ص122-123).

-أما الجزء الثاني من الكتاب (علي وبنوه)، فإنه أيضاً لم يخلُ من دسّ، معلناً فيه (انهزام) ! الخلافة على يد علي –رضي الله عنه- وموهماً القارئ أن الإسلام قد انسحب نهائياً من الحياة بهزيمة علي –رضي الله عنه-!! وأن المال قد استولى على النفوس!

الخلاصة كما يقول الأستاذ غازي التوبة: أن طه حسين "كتب (الفتنة الكبرى) مشككاً في حكم الخلافة الإسلامية الأول، وفي إمكانية استمراره، ناعياً على الإسلام افتقاره للنظام المكتوب، معلناً انبثاق مذهب جديد في السلطان يقوم على الجبر والقهر، مبيناً رضوخ المسلمين وارتضاءهم للمذهب الجديد، زاعماً انسحاب الإسلام من مختلف قطاعات الحياة وسيطرة المال والأثرة !!

كتب كل هذا : قاصداً أن يقنع المسلمين بأن الحكومة الإسلامية لا وجود لها بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن طبقت فلأمد محدود لا يتجاوز حياة عمر، ويعود نجاح التطبيق إلى إمكانات عمر الفردية فقط !!

كتب كل هذا: هادفاً أن يُلطخ صورة الخلافة الوضاءة كي يصرف أنظار المسلمين عنها، وأن يثني عزائهم عن السعي إليها بتهويل الصعوبات، فالأمر يحتاج إلى أولي عزم. وأين أولو العزم من الناس ؟ !

ما هي الأسباب التي دفعته إلى الكتابة عن الإسلام؟

يكمن السبب في الوضع الداخلي لمصر، فقد بلغ المد الإسلامي فيها ذُروته العظمى في نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات باغياً إعادة تطبيق الإسلام في مجال الحكم، وإرجاع الخلافة الإسلامية إلى الوجود. وقد كتب طه –في اللحظة نفسها أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات –كي يُشكك هذا المد بعدم جدوى محاولته بالاستناد إلى تاريخ المسلمين نفسه" (الفكر الإسلامي، ص 125-126).

7-أما كتاب (حديث الأربعاء) فقد حاول طه فيه أن يصور للقارئ أن العصر العباسي كان عصر شك ومجون ودعارة وإباحية !! معتمداً في ذلك على قصص أبي نواس وحماد عجرد والوليد بن يزيد ومطيع بن إياس والحسين بن الضحاك ووالبة بن الحباب وإبان بن مروان بن أبي حفصة وغيرهم من المجَّان!



وقد نقد هذا الكتاب (الماجن) كلٌ من:

1- الأديب إبراهيم المازني . (انظر: طه حسين في ميزان العلماء، ص 246)

2- والأستاذ رفيق العظم. (انظر: المرجع السابق، ص 245)

-أخيراً قام الأستاذ أنور الجندي بجمع أهم الانحرافات على هذا الرجل، ولخصها على شكل نقاط، فقال: "أهم الأخطار التي يروج لها فكر طه حسين والتي يجب الحيطة في النظر إليها هي:

أولاً: قوله بالتناقض بين نصوص الكتب الدينية وبما وصل إليه العلم، وقوله: (إن الدين لم ينـزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها) وهذه نظرية شاعت حيناً في الفكر الغربي تحت تأثير المدرسة الفرنسية التي يرأسها اليهودي (دوركايم).

ثانياً: إثارة الشبهات حول ما سماه القرآن المكي والقرآن المدني، وهي نظرية أعلنها اليهودي (جولد زيهر) وثبت فسادها.

ثالثاً: تأييده القائلين بتحريق العرب الفاتحين لمكتبة الإسكندرية وهي نظرية رددها المستشرق (جريفبني) في مؤتمر المستشرقين عام 1924.

رابعاً: عَمِلَ على إعادة طبع (رسائل إخوان الصفا) وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة لإحياء الفكر الباطني المجوسي الذي كان يحمل المؤامرة على الإسلام والدولة الإسلامية.

خامساً: إحياؤه شعر المجون والغزل بالمذكر وكل شعر خارج عن الأخلاق سواء كان جنسياً أو هجاء، وقد أولى اهتمامه بأبي نواس، وبشار والضحاك في دراسات واسعة عرض فيها آراءهم وحلل حياتهم.

سادساً: ترجمة القصص الفرنسي المكشوف، وترجمة شعر بودلير وغيره من الأدب الأجنبي الإباحي الخليع.

سابعاً: إثارة شبهة خطيرة عن أن القرن الثاني الهجري كان عصر شك ومجون.

ثامناً: قدم فكرة فصل الأدب العربي عن الفكر الإسلامي كمقدمة لدفعه إلى ساحة الإباحيات والشك وغيرها وذلك باسم تحريره من التأثير الديني.

تاسعاً: إعلاء الفرعونية وإنكار الروابط العربية والإسلامية ومن ذلك قوله: إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين ولو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه.

العاشر: إشاعة دعوة البحر الأبيض لحساب بعض القوى الأجنبية والقول: بأن المصريين غريبوا العقل والثقافة، وأن الفكر الإسلامي قام على آثار الفكر اليوناني القديم ولذلك فلا مانع من تبعيته في العصر الحديث للفكر الغربي.

الحادي عشر: الادعاء بأن الشاعر أبا الطيب المتنبي (لقيط) وهي دعوى باطلة أقام عليها كتابه (مع المتنبي) متابعاً رأي الاستشراق وهادماً لبطولة شاعر عربي نابه([2]).

الثاني عشر: اتهامه الخطير لابن خلدون بالسذاجة والقصور وفساد المنهج وهو ما نقله عن أستاذه اليهودي (دوركايم).

الثالث عشر: إعادة خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها المفكرون المسلمون منها والتزيد في هذه الإسرائيليات والتوسع فيها وذلك في كتابه (على هامش السيرة) وقد كشف هذا الاتجاه الدكتور محمد حسين هيكل ووصفه مصطفى صادق الرافعي بأنه (تهكم صريح).

الرابع عشر: حملته على الصحابة والرعيل الأول من الصفوة المسلمة وتشبيههم بالسياسيين المحترفين في كتابه (الفتنة الكبرى).

الخامس عشر: إثارة الشبهات حول (أصالة) الأدب العربي والفكر الإسلامي بما زعمه من أثر اليهود والوثنية والنصرانية في الشعر العربي.

السادس عشر: إنكار وجود سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام وإنكار رحلتهما إلى الجزيرة العربية وإعادة بناء الكعبة على نفس النحو الذي أورده العهد القديم وكتابات الصهيونية.

السابع عشر: دعوته إعلاء شأن الأدب اليوناني على الأدب العربي والقول: بأن لليونان فضلاً على العربية والفكر الإسلامي.

الثامن عشر: دعوته إلى الأخذ بالحضارة الغربية (حلوها ومرها وما يحمد منها وما يعاب) في كتابه (مستقبل الثقافة).

التاسع عشر: وصف الفتح الإسلامي لمصر بأنه (استعمار عربي) وعبارته هي: (خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب).

العشرون: إنكار شخصية عبد الله بن سبأ اليهودية وتبرئته مما أورده الطبري ومؤرخو المسلمين من دور ضخم في فتنة مقتل عثمان في كتابه (الفتنة الكبرى) ) انتهى من كتاب: (إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، ص 149-151).

-لمن أراد الزيادة في معرفة انحرافات طه حسين، والرد عليها، فعليه بهذين الكتابين الجامعين:

1- طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام، للأستاذ أنور الجندي.

2- طه حسين في ميزان العلماء والأدباء، للأستاذ محمود مهدي الإستانبولي .



والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

------------------------------------------

([1]) مستفادة من كتاب (طه حسين بين أنصاره وخصومه) لجمال الدين الألوسي. ومراجع ترجمته كثيرة لا تخفى على الباحثين.

([2]) المتنبي لا تخلو أشعاره من المؤاخذات، انظرها إن شئت في رسالة (نظرات شرعية في ديوان المتنبي) لكاتب هذا البحث

حازم
04-01-2005, 01:13 AM
قال محمد سرور بن نايف زين العابدين صـ : 211 من كتابه: دراسات في السيرة النبوية:

هل تاب - طه حسين - قبل موته؟

افضى طه حسين إلى ربه بعد أن رده الله سبحانه وتعالى الى ارذل العمر.

أفضى الى ربه ليحمل أوزاره وحده قال تعالى ( كل نفس بما كسبت رهينة) ويحمل اوزار الذين أضلهم دون ان ينقص ذلك من أوزارهم شيئا0.

أفضى إلى ربه ولا ينفعه ثناء المستشرقين ولا تكريم الملاحدة العلمانيين ولا الأوسمة والألقاب العلمية التي حصل عليها.

وتصدى لطه حسين في أوج عزّه أعلام من العلماء والدعاة جاءوا بنصوص من آرائه وأقواله التي زعم بأنه مبتدع لها ونصوص من كلام المستشرق مرجليوث فكان كلام طه ترجمة حرفية لأقوال أستاذه، وتبين بأنه متبع وليس مبتدعًا، مقلّد وليس مجتهدًا ..........................

.............. إلى أن قال:

والسؤال الذي يفرض نفس:

هل صحيح أن طه حسين رجع عما كان قد قاله في كتابه (الشعر الجاهلي)، وتاب قبل موته ؟

هكذا زعم بعض الكتاب، وقال أحدهم:

" عدل طه حسين عن رأيه في الشعر الجاهلي بعد أن قرأ كتاب الدكتور أحمد الحوفي ( الحياة العربية في الشعر الجاهلي)، ولم يقل كيف علم بذلك ولا مدى صحة هذا الخبر.

وقال آخرون: كان طه حسين قبل موته معتكفا على سماع القرآن مرتلاً، وقال طه نفسه مثل هذا القول في مقابلة أجراها معه أحد المذيعين في إذاعة القاهرة ".

ويواصل محمد سرور (نقلاً ذلك هذا الكاتب) :

إن الذي يهمنا في هذا الشأن: هل كتب طه حسين بحثًا أو مقالاً يعلن فيه رجوعه عن أقواله وآرائه التي اثارت ضجة كبيرة وكفره علماء المسلمين بسببها ؟!

هل أعلن في الإذاعة أو في صحيفة من الصحف أو أمام ملأ من الناس عن تراجعه عن آرائه التي وردت في كتابه (الشعر الجاهلي) ؟!

فليأتنا أنصاره ومحبوه بمقال واحد بل بعبارة واحدة قالها .. فإن قالوا: لقد كتب كلامًا طيبًا في مرآة الإسلام، قلنا:

وفي كتابه (على هامش السيرة) كتب كلاما طيبا وآخر يقطر خبثا ... ومثل هذه الأساليب الملتوية معروفة ومبثوثة في كتب المستشرقين وتلامذتهم.

وإذا كان المعجبون بـ طه حسين أو الذين يحسنون الظنّ به قبل موته بقليل عاجزين عن إبراز أي دليل فنحن نملك دليلا على أنه لم يتراجع عما قاله من زندقة وإلحاد.

قال الدكتور محمد الدسوقي سكرتير طه حسين:

" لقد رافقت العميد في العقد الأخير من عمره، وقرأت له كثيرًا من المؤلفات العربية القديمة والمعاصرة، وجاء ذكر الشعر الجاهلي أكثر من مرة فما سمعت منه إلا شكّه في هذا الشعر وطعنه في صحته. وقد قال لي يوما أنه لايعيد النظر في مؤلفاته عند إعادة طبعها، غير أنه أضاف إلى هذا قائلاً: إن هناك كتابا واحدًا أريد أن أغير فيه بعض الآراء وهو (مستقبل الثقافة في مصر) فقد انتشر التعليم وأصبح مجانا في جميع مراحله كما قويت الصلات العلمية والأدبية بين البلاد العربية على الرغم من الخلافات بين بعض حكامها وهذا يعني أن كتاب (الادب الجاهلي) لا رجوع عما اشتمل عليه من آراء.

وبعد: فإن موقف طه حسين من الشعر الجاهلي لا يمكن الجزم بأنه عدل عنه، اعتمادا على كلمة قالها في مناسبة إهداء بعض المؤلفات إليه ثم يلزم الصمت اكثر من عشرين عاما دون ان يكتب عن رأيه الجديد، ولذا أكرر ما أومأت إليه آنفًا من أن العميد لم يرجع عن رأيه في الشعر الجاهلي والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ". أهـ (نقلاً من مجلة العربي الكويتية العددان: 239 و 243).

لا نعتقد بأن الذين زعموا أن طه حسين قد تراجع عن آرائه يملكون دليلاً واحدًا يردون به على سكرتير طه حسين الذي رافقه في العقد الأخير من عمره ...

ومن المؤسف أن بعض هؤلاء الذين راحوا يدافعون عن طه حسين من دعاة الإسلام غلب عليهم حسن الظن وآفة الأخبار رواتها.

ونحن لا نعرف عن طه حسين إلا عداوته للإسلام والمسلمين، وتقليده الفجّ لأساتذته المستشرقين. لقد كان علما من أعلام الكفر والإلحاد، ورمزًا من رموز الشر والضلالة، وعميلاً من عملاء الغرب، وداعية من دعاة التبرج والاختلاط والفساد، وأسأل الله تعالى أن يجزيه بما يستحق فهو وحده الذي يعلم نوايا عباده وما تخفيه الصدور.

أهـ.

حازم
04-01-2005, 01:15 AM
من مواقف طه حسين تجاه التراث الإسلامي

مجلة البيان ـ العدد 143 ـ رجب 1420 ـ الموافق لـ نوفمبر 1999م
خالد بن سعود العصيمي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإن أعـظـم ما تصاب به الأمة أن يكون مصابها بأبنائها؛ إذ يكون وقع ذلك شديداً عليها؛ لأن الأم الـــرؤوم لا تنتظر من أبنائها إلا البر والإحسـان، فتفاجَأ بالعقوق والعصيان، ولقد أصيبت الأمة الإســلامـيــة بأبـنـــاء لها على مر التاريخ ممن تنكبوا الطريق، وضلوا سواء السبيل؛ فهذا الجهم بن صفوان يحرِّف الكتاب، ويلـوي عنق النصوص لياً، وهذا - أيضاً - واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري - رحمـه الله - يعتزل حلقته ويعلن بدعة شنعاء يبقى أثرها في الأمة ردحاً من الزمن، ويظهـر ابن الراوندي يلوّح بزندقته في مصنفات، أما أهل الفلسفة فيدَّعون فيما يدَّعون: أن الـنـبـوة اكتساب لا اصطفاء، ويعلن الحلاج الصوفي قوله بوحدة الوجود.
وهذه السلسلة الخبيثة باعُها في التاريخ طويل، تبدأ بإبليس يوم عصى رب العالمين ورفض السجود، وتظهر اليوم في مثل سلمان رشدي وحامد نصر أبو زيد وغيرهم.
وطــــه حسين أحد عُقَد هذه السلسلة التي كانت غصة في حلق الأمة، ولما كان أحدَ الذين ذاع صـيـتـهــم في هذا العصر، وراجت أفكارهم وآراؤهم، وكانت تلك الأفكار والآراء ذات صبغة مضللة، ولـما كان تلاميذه وتلاميذهم - وما زالوا - يشيدون به وبهم، فقد رأيت أن أعرض بعض مواقــف طه حسين من التراث الإسلامي ثم أُعقبها بالمناقشة. وليست الكتابة في فكر طه حسين من قبيل الكتابة عن موضوعات عفا عليها الزمن - كما يظن بعض الناس - لأنه وإن تغير الأشـخــــاص الذيــن ينخرون بجسم الأمة ويقوضونها من الداخل، وإن تغيرت أسماؤهم ولغتهم وأسـلــوبـهـم، إلا أن مضامين أفكارهم تتكرر مرة بعد مرة، وحمل المقالات المتشابهة بعضها على بعض أمر لا يشق على المؤمن الفطن.
أهم مواقفه المعادية للتراث الإسلامي:
أولاً: ادعاؤه بشرية القرآن:
1 - لخطورة التصريح بما يعمل على بثه فإن موقفه من القرآن الكريم كان متأرجحاً؛ فهو حيـن يـقــول في القرآن: إنه "المعجزة الكبرى التي آتاها الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم آيةً على صدقه فيما يبلِّغ عن ربه"(1)تجده يشير إلى التشكيك في إلهية القرآن الكريم بتلميح فاضـــح؛ إذ يقول: "ليس يعنيني هنا أن يكون القرآن الكريم قد تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت أو لا يكون. ثم يقول: لِمَ لا يكون أمية بن أبي الصلت قد أخذ من النبي صلى الله عليه وسلم طالما أن مصادر أمية ومحمد واحدة وهي قصص اليهود والنصارى؟"(2).
فهو كي يرد تهمة تأثر القرآن بشعر أمية بن أبي الصلت يأتي بحجة تؤكد بشرية القرآن، وهي أن مـصـــادر أمية ومصادر محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن واحدة، وهي قصص اليهود والنصارى.
2 - دعا إلى جـعــل الكتب المقدسة ومنها القرآن الكريم تحت مجهر النقد لكل من قرأها، فإذا "كان من حق الـنـاس جمـيـعــــاً أن يقرؤوا الكتب المقدسة ويدرسوها ويتذوقوا جمالها الفني، فلِمَ لا يكون من حقهم أن يعـلـنـوا نـتـائـج هذا التذوق والدرس والفهم، ما دام هذا الإعلان لا يمس مكانة هذه الكتب المقدسة من حيث إنها كتب مقدسة، فلا يغض منها ولا يضعها موضع الاستهزاء والسخرية والنقد، وبعبارة أوضح: لِمَ لا يكون من حق الناس أن يعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيثُ هي موضع للبحث الفني والعلمي، بقطع النظر عن مكانتها الدينية؟"(3).
وقد طبق هذه الفكرة فعلاً مع تلاميذه في كلية الآداب؛ حيث طلب منهم أن ينقد كل واحد منهم القرآن الكريم، وأن يكشف عن الآيات الضعيفة فيه والآيات القوية"(4).
بل إن الدكتور طه حسين طبق نموذجاً على الآيـات القـرآنـيــة يـصـــرح فيه أن في القرآن أسلوبين مختلفين:
أحدهما: جاف وهو مستمد من البيئة التي نزل فيها القرآن أول ما نزل في مكة؛ ففي هذا الأسلوب تهديد ووعيد وزجر.
وأسلوب آخر عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واتصل ببيئة اليهود، وهو أسلوب فيه شيء كثير من الليونة والانطلاق(5).
3 - يتـجـاوز طه حسين قضية التشكيك، فينكر بعبارة لا التواء فيها إبراهيم وإسماعيل - عليهما الســلام - وقصة مهاجرهما إلى مكة، ويعدُّ هذه أسطورة لفَّقها العرب بعامة وقريش بخاصة ليحـتـالــوا بها على من عندهم من فرس وروم؛ ليؤكدوا أن لهم أصلاً قديماً يرتبط بتأسيس إبراهيم وإسـمــاعـيــل للكعبة، ثم جاء القرآن فصدَّق هذه الأسطورة؛ ليحتال على اليهود ليؤلف قلوبهم؛ إذ مرجعهم إبراهيم جميعاً(6).
ونقد الشيخ محمد الخضر حـسـيـن منهجه في أفكار هذه القصة بقوله: "ومن حاول الجهر بإنكار ما تتداول نَقْلَه أمةٌ، ويقرره كتاب تدين بصدقه أمم، كان حقاً عليه أن يسلك مسلك ناقدي التاريخ فيبين للناس كيف كان نبأ الواقعة مخالفاً للمعقول أو المحسوس أو التاريخ الثابت الصحيح؛ ولكن المؤلف لم يـسـلـك في إنكار هذه القصة طريقة نقد التاريخ؛ إذن لم يكن مع المؤلف سوى عاطفة غير إسلامـيـــة تزوجت تقليداً لا يُرى، فحملت بهذا البحث وولدته على غير مثال"(7).
4 - قـلـل طـــه حسين من شأن القرآن حينما قال في (الأيام)(8): إن نسخة من ألفية ابن مالك تعدل خمسين نسخة من القرآن الكريم.
ثانياً: جَعْلُهُ السيرة النبوية بمثابة الأسطورة:كتب "على هامش السيرة" تقليداً لكتاب: "على هامش الكتب القديمة" لجيل لومتير، وقد صرح بهذا في كتابه:"الإسلام والغرب"بعد سنوات من صدور"على هامش السيرة"،وملخص سبب تأليفه له من كلامه: أنه قد ساءه أن يكون لليونان أساطـيـرهم، وللرومان أساطيرهم، والناس يقبلون برغبة ملحة على هذه الأساطير، ثم لا يجد الراغــبـون فـي القراءة والمتعة أساطير للعرب يتناقلها الناس، ولأجل هذا أُلِّف هذا الكتاب، ليكون أسطورة عربية(9).
ويقول في موضع آخر من كتابه: "وأحب أن يعلم الناس أيضاً أني وسَّعت عـلـى نفـسـي في القصص، ومنحتها من الحرية في رواية الأخبار واختراع ما لم أجد به بأساً"(10).
حتى قال صديقه الدكتور محمد حـسـيـن هيكل عاتباً عليه صنيعه: "وأستميح الدكتور طه حـسـيـن الـعــذر إن خــالفـتــه فـي اتخـاذ النبي صلى الله عليه وسلم وعصره مادة لأدب الأسطورة"(11).
ثالثاً: الـتـلاعـــب بالحقائق التاريخية المتعلقة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره:
1 - أراد أن يثبت أن النبوة كانت اعتقاداً معروفاً في مكة، والناس يتشوَّفون ظهور النبي، بـل إن كـل فتى في مكة كان يتطلع ويسعى ليكون صاحب هذا الفضل(12)، وفي هذا تجنٍّ على الحقيقة والتاريخ أي تجنٍّ.
2 - ضـخَّـــم الـحـــوادث المتصلة بحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وملأها بالأحاديث الموضوعـــة؛ حتى ليظن القارئ أن أهل مكة كانوا يعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم سيكون نبياً(13).
وأطال النَّفَس في سرد قصته صلى الله عليه وسلم مع خديجة - رضي الله عنها - وميسرة والراهب وورقة بن نوفل، وجلَّلها بثوب الأسطورة الذي قدّه أطول منه، فخلط ما صح من معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بما لم يصح(14).
3 - رد أحاديث صحيحة؛ لأنها خالفت هوى في نفسه، فمثلاً يقول: "فلا حاجة إذن إلى أن نخترع الأحاديث لإثبات ما لا حاجة إلى اتباعه، كالحديث الذي يروى من أن العباس عرف الموت في وجـــــه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يعرف الموت في وجوه بني عبد المطلب(15)" مع أن الحديث مخرج في صحيح البخاري(16).
وردَّ الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه في مرضه الذي توفي فيه: "ايتوني بصحيفة أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبداً"(17).
وردَّ استسقاء عمر بن الخـطــاب - رضي الله عنه - بالعباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - وأن هذا تكلُّف مصدره التملق لبني العباس أثناء حكمهم(18)، والحديث في صحيح البخاري(19).
ويسوِّغ ردَّه للأحاديث التي لا توافـق هــواه بأن "من الواجب على كل مسلم حين يُروى له الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يحـتـاط قـبـــــل الأخــذ به، وأن يعرضه على القــرآن، فإن كان لا يناقض القرآن في قليل ولا كثير، ولا يناقض المـألــوف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعمله أخذ به، وإلا وقف فيه"(20).
ولا شــك أن رد السنة الصحيحة بدعوى أنها تخالف القــرآن أو السير المألوفة طريقة غير علمية ولا منضبطة؛ ولهذا جَرَّأَتْ قليلي البضاعة من العلم والموتورين إلى أن يتكلموا في دين الله، ومـنـهـــجُ العلماء الراسخين قبول الروايات الثابتة، وجمع النصوص الواردة في باب واحد، وبيان الـمـطـلـق فـيـهـــا والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ. وكتبُ شروح الأحاديث الجارية على هذا متوافرة. ولله الحمد.
رابعاً: الطعن في الصحابة الكرام:
1 - وصف طه حسين عمر بن الخـطـــاب - رضي الله عنه - بالعصبية حينما أنكر على حسان بن ثابت - رضي الله عنه - إنـشـاد الشعر في المسجد، فقال حسان: إليك عني يا ابن الخطاب، فوَ اللهِ لقد كنت أنشد في هـــــذا المكان وفيه من هو خير منك" فيفسرها طه حسين بأن الأنصار كانوا يعتزون بنصرهم لـلـنـبي صـلـى الله عـلـيـــه وسلم وانتصافهم من قريش، وعمر كان قرشياً، تكره عصبيته أن تُزدرى قريش، وتذكر مــا أصابها من هزيمة في غزوة بدر(21). وهذا كذب؛ إذ إن عمر - رضي الله عنه - كان صاحب الرأي القائل بقتل أسرى بدر، ونزل القرآن بموافقته.
2 - وتطاول على عثمان - رضي الله عنه - ووصمه بالظلم والطغيان وأنه ما زال يضرب ابن مسعود حتى كسر أضلاعه(22).
3 - وكذب على عائشة - رضي الله عنها - وزعم أنها وقفت على جمـلـهــــا يوم الجمل تخطب الناس وتحثهم على القتال بلسان زلق، ومنطق عذب، وحجة ظاهرة(23).
4 - ويـتـنـاول خالدَ بن الوليد - رضي الله عنه - من غير استحياء ويصفه بـثـلاث مـــن البهتان: فخـالـد عنـيـف وفي سيفه رهق؛ لأنه يحب القتل، وخالد يحب التزوج، وخالد وعشيرته معروفون بالعُجْب والخيلاء(24).
5 - وشتم طه حسين معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه -(25).
6 - جعل طه حسين حَـبْـــرَ هذه الأمة عبدَ الله بن عباس (لصاً) يأخذ ما في بيت المال في البصرة ويهرب إلى الحجاز(26).
7 - وصف أصحاب الشورى الذين اجتمعوا ليختاروا خليفة المسلمين بعد عمر - رضي الله عنه - بإيثار الدنيا ومحبتها(27)، بل وصـف بهـا جملة الصحابة الذين كانوا - كما زعم - ينافقون في عهد خلافة عـمـر - رضي الله عنه - وأنهم كانوا يظهرون شظف العيش إذا دخلوا عليه، وإذا خلوا إلى أنفسهم عادوا إلى لين الحياة(28).
وهذه التهم التي ألصقها طه حسـيـن بالصـحابة فرادى وجماعات هي حق البهتان العظيم الذي لا يمتري فيه أي مسلم.
وهذا البهتان جناية في حق التاريخ الإسلامي، بـل في حق التاريخ الإنساني؛ إذ لا يُعرف جيل كجيل الصحابة في كمال الاستعدادات الفـطــــرية ولا في تمام الصفات الخُلقية التي أهَّلتهم لاصطفاء الله لهم لحمل رسالته إلى العالمين، ولـيـس وراء تهـمــة الصحابة ووصمهم بالشنائع إلا إسقاط محبتهم وتوقيرهم من النفوس، مما يؤدي إلى الـقــدح في عدالتهم، ومن ثَمَّ رد مروياتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم التي هي الدين. وقد تـنـبــه علماء الأمة إلى هذه القضية منذ ظهورها عند بعض المبتدعة، فصنفوا في فضائل الصحابة، وفي حكم سبهم أو سب أحد منهم(29).
خامساً: ادعاءاته ضد نظام الخلافة:
1 - زعم أن نظام الخلافة ليس إلهياً "وأن الحكم أيام النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شرعياً لا رأي للناس فيه؛ وإذا كان الأمر {كذلك} أيام النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتنزل عليه الوحي فأحرى أن يكون الأمر كذلك أيام صاحبيه بعد أن تـقـطـَّع عـــن الناس خبر السماء"(30).
2- ونـظــــــام الحـكـم الإسلامي - عنده - يشبه إلى حد بعيد نظام الحكم الروماني أيام الجمهورية؛ فـقــــد كــان الرومانيون يختارون قناصلهم على نحو يوشك أن يشبه اختيار المسلمين لخلفائهم(31).
3 - وليؤكد أن نظام الخلافة ليس إلهياً، وإنما هو نظام إنساني تأثر بالدين، يذكر أنه قام على عنصرين(32):
الأول: عنصر معنوي وهو الدين؛ فالخليفة يصدر عن وحي أو شيء يشبه الوحي في كل ما يأتي وما يــدع، وهـو مـقــيـــد بما أمر الله به من إقامة الحق وإقرار العدل، وهذا العنصر تلاشى - كما يدعي - بمقتل عمر - رضي الله عنه -.
الثاني: الارستقراطية التي ائـتـلـف منها هذا النظام، وقوامها: الاتصال بالنبي صلى الله عليه وسلم أيام حياته والإذعان لـمــــــا كان يأمر به وينهى عنه في غير تردد؛ والبلاء في سبيله، واختُص بها الأقربـــون من رســول الله صلى الله عليه وسلم وهم قريش.
4 - حكم على نظام الخلافة في الإسلام بـأنــــــه قد أخفق، وأن تجربة الحكم الإسلامي انتهت أيضاً بالإخفاق، أما نظام الشورى الذي وضـعـــه عمر - رضي الله عنه - لاختيار الخليفة فلا يخلو - عنده - من نقص، بل من نقصٍ شديد(33).
سادساً: التعبير عن الفتوح الإسلامية بأنها استعمار:
1 - يقــول - مـثلاً -: "فـلـمــــا كان الفتح ورأت جيوش المسلمين الكثير من حقائق هذه البلاد، ثم استقرت فيها، واستقر المستعمرون العرب فيها كذلك"(34)، ويقول - أيضاً -: "فلما جاء الإسلام سكت الناس عــن الخمر حيناً، صرفهم عنها الدين، وصرفهم عنها جِد الخلفاء، وصرفهم عنها الفتح والاستعمار"(35).
2 - وإذا كانت فتوح الأقاليم تُعد - في تعبير طه حسين - استعماراً فإن فتح مصر عدوان، يقول: "إن المصريين قد خضعوا لـضـروب من البغض وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان، وجاءتهم من العرب والترك والفرنسيين"(36).
3 - أما العثمانيون فهم - عند طه حـسـيـن - مستـعـمـرون، وهـــم السبب في إيقاف سير الحركة العقلية في مصر؛ إذ إن الترك العثمانيين لو لم يوقفوا سير الحركة العقلية في مصر مدة طويلة لكان الذهن المصري من تلقاء نفسه ملائماً للأذهان الأوروبـيـة فـي الأعــصـــــر الحديثة"(37).
4 - وفي مقابل ما سبق تجده يصف الإنجليز - المستعمرين الحقيقيين - بأنهم أصدقاء، ما جــــــاؤوا إلى مصر إلا ليحموا القناة من المعتدين؛ فهو يقول: "نحن نريد أن نضارع الأمم الأوروبـيــة في قوتها الحربية لنرد عن أنفسنا غارة المغير؛ ولنقول لأصدقائنا الإنجليز بعد أعوام: انصرفوا مشكورين فقد أصبحنا قادرين على حماية القناة"(38).
سابعاً: دفاعه عن المتربصين بالإسلام والمسلمين:
1 - تولى طه حسين المحاماة عن الغوغاء الذين أثاروا الفتنة ضد عثمان بن عفان - رضــي الله عنه - إذ إن "الذين ضاقوا بهؤلاء العمال الذين ولاَّهم عثمان وثاروا عليهم،ونقموا من عثمان توليتهم لم يكونوا مخطئين"(39).
2 - يبدو تناقضه في شأن عبد الله بن سبأ اليهودي ودوره في أحداث الفتنة، فيدعي مرة أنه شخصية وهمية منحولة؛ لأنه لم يَرِدْ ذكره في طبقات ابن سعد ولا في أنساب الأشراف للبلاذري(40)، ويثبت وجوده مرة ثانية، ويشكك في أمره ثالثة(41).
3 - يـدافـــع عــن أصحاب عبد الله بن سبأ الذين أثاروا الفتنة في الجمل فيصفهم بأنهم أنصح الناس لعلي - رضـــي الله عنه - وأوفاهم بعهده، وأطوعهم لأمره "فلم يأتمروا ولم يسعوا بالفساد بين الخصمين وإنما سمعوا وأطاعوا وأخلصوا الإخلاص كله"(42).
4 - ويدافع عن الزنادقة في عهد بني العباس - قائلاً -: "ومن الخلفاء العباسيين من غلا في امتحان بعض الناس وأســــرف في قتلهم، يأخذ بعضهم بالشبهة والوشاية وسوء القالة، كالذي صنع المهدي في تتبع الزنادقة"(43).
ومن هذا القبيل فقد ادعى: "أن سبب قتل الحلاَّج وصلبه ليست زندقته، وإنما كان اتصال رجال الدين والغلاة منهم في الرأي بالسلطان وسيطرتهم عليه"(44).
الهوامش:
1) مرآة الإسلام لطه حسين، 81.
2) في الأدب الجاهلي، لطه حسين ،145،147.
3) في الصيف، لطه حسين، 17.
4) أنظر: المرجع السابق، 11ـ17، ومحاكمة فكر طه حسين، 166،167.
5) أنظر: محاكمة فكر طه حسين، 167.
6) أنظر: في الشعر الجاهلي، 37ـ41.
7) نقض كتاب في الشعر الجاهلي، 76,77.
8) 1/71. ولو ادعى أنه في معرض كلام أدبي، لم يرد الاستهزاء.
9) أنظر: على هامش السيرة، 1/173،174،175.
10) المرجع السابق، 1/177.
11) أنظر: محاكمة فكر طه حسين ، 184.
12) أنظر: دارسات في السيرة النبوية، 234.
13) أنظر مثلا ما يتعلق بقصة ولادته صلى الله عليه وسلم في: على هامش السيرة،1/273)
فقد بالغ جدا فيها مع أنه لم يثبت فيها مع أنه لم يثبت فيها إلا حديث واحد.
14) أنظر: على هامش السيرة، 2/376ـ400.
15) الشيخان: 33.
16) صحيح البـخــاري، كـتـاب الـمـغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته
،5/141.
17) انـظـر: مــرآة الإسلام، لطه حسين، 73، والحديث في البخاري، كتاب العلم، باب
كتابة العلم، 1/37.
18) الشيخان، 151.
19) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، 2/15.
20) مرآة الإسلام، 131.
21) في الأدب الجاهلي، لطه حسين،122،123.
22) انظر: الوعد الحق، لطه حسين، 654.
23) انظر: الفتنة الكبرى (على وبنوه): 2/861.
24) الشيخان: 79،80.
25) انظر: الشيخان: 194، والفتنة الكبرى (على وبنوه)، 2/956.
26) انظر: الفتنة الكبرى (على بنوه) 2/934،959.
27) انظر: الفتنة الكبرى (عثمان) 1/705.
28) انظر: الشيخان: 145.
29) انظر: مثلا، صحيح البخاري: باب فضائل أصـحـــــاب النبي صلى الله عليه وسلم،
4/189، وسنن الترمذي، 5/606ـ712، وبقية السنن والمسانيد.
30) الفتنة الكبرى (عثمان): 1/678.
وللرد عليه تنظر: صـحـيـفـة الـمـدينة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم لتنظيم
علاقات الناس في المدينة النبوية، ســيـرة ابن هـشـام، 2/501ـ504. ولبيان مفاهيم مبادئ
هذه الصحيفة انظر: مشكلات في طريق الـتـربـية الإسلامية للدكتور أحمد فرج: 55،56.
31) انظر: الفتنة الكبرى (عثمان): 1/682.
32) انظر: المرجع السابق، 1/683ـ693.
33) انظر: الفتنة الكبرى (عثمان) 1/696،705.
34) الفتنة الكبرى (علي وبنوه)، 2/962.
35) حديث الأربعاء، 2/396.
36) الفتنة الكبرى (عثمان)،1/802.
37) طه حسين مفكرا: 86،وانظر: مستقبل الثقافة في مصر، 47،48.
38) مستقبل الثقافة في مصر، 56.
39) الفتنة الكبرى (عثمان) 1/802
40) انظر: الفتنة الكبرى (علي وبنوه) 2/904 و(عثمان) 1/7759ـ762.
41) وللرد على المشككين في حقيقة ابن سبأ ودوره في الفتنة، ينظر كتاب(عبد الله بن سبأ
وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام) للدكتور سليمان العودة.
42) الفتنة الكبرى، (علي وبنوه)، 2/904.
43) مرآة الإسلام، لطه حسين، 160.
44) المرجع: السابق، 159.

حازم
04-01-2005, 01:17 AM
بقلم : د. إبراهيم عوض


لمصطفى صادق الرافعى الكاتب والشاعر المعروف كتاب بعنوان "تحت راية القرآن" كان فى الأصل مقالات فى جريدة "كوكب الشرق" ردَّ فيها على ما قاله طه حسين فى كتابه "فى الشعر الجاهلى" الصادر عام 1926م والذى سُحِب من الأسواق إثر هذه المقالات الرافعية التى فضحت ما فيه، ثم أعيد طَرْحه العام الذى يليه بعنوان "فى الأدب الجاهلى" بعد أن حُذِف منه ما يسىء للقرآن الكريم وللإسلام وأضيف إليه عدة فصول جديدة. وقد تناول الرافعى فى هذه المقالات طه حسين وكتابه المذكور من عدة جوانب، بيد أننى سأقتصر هنا على مناقشة ما قاله فى دين الرجل، وهو نفس الموضوع الذى أثاره الكتّاب والمعلقون فى جريدة "شباب مصر" فى الأسابيع الأخيرة، وذلك بغية مزيد من التوضيح لبعض ما قالوه فى هذا الصدد. وأود أن أنبه إلى أن ما سأكتبه هنا مأخوذ من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" الصادر فى عام 1987م. وهذا نص ما قلته هناك بدءا من الفقرة الثالثة من الفصل الثانى من الكتاب المذكور (ص/ 15- 26):

"لن نكتفى هنا بترديد رأى الرافعى فى طه حسين بل سنعرضه على النصوص ونقلّبه على كل وجوهه. وأريد أن أصارح القارئ منذ الآن بأن العلم لا يعرف تلك الحساسية التى تصيب بعض الناس حينما يرون من ينتقد هؤلاء الذين يعظّمهم، وتدفعهم إلى القول بأننا ينبغى ألا نتعرض لإيمان هذا الشخص أو ذاك، على أساس أن هذا تدسُّس إلى القلوب نَهَى عنه الإسلام. إن هذا الاعتراض يصح لو أن الباحث يرجم فى هذه القضية بالغيب، لكن إذا كانت هناك نصوص مقطوع بنسبتها إلى قائلها لا يمكن تأويلها فمعنى ذلك أن للباحث الحق فى دراسة الأمر. وقد سبق أن تناول كثير من الدارسين عقائد أمثال يزيد بن الوليد وابن المقفَّع والمتنبِّى والمَعَرّى والحاكم بأمر الله، فلم نسمع من ينكر عليهم، فلِمَ الكيل بمكيالين إذن؟ أيا ما يكن الأمر فإننا هنا بصدد تناول رأى الرافعى فى عقيدة طه حسين، وهذا الرأى جزء من تراثنا الفكرى والأدبى لا أظننا نكون أمناء لو أهلنا التراب عليه. كذلك فإننا لا ندَّعِى أن ما سنصل إليه من نتائج هو كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يقول هذا إلا جاهل أو مغرور، وإنما هو اجتهاد علمى قد يصحّ وقد يخطئ. وإذا كان طه حسين قد رأى أن من العلم أن يقول ما قال فى القرآن الكريم، فلماذا نعيب الرافعى إذا رأى فى موقف طه حسين هذا رأيا؟

إن الرافعى يرى أن طه حسين أداة أوربية استعمارية (تحت راية القرآن/ ط3/ مطبعة الاستقامة/ القاهرة/ 1953م/ 186)، غرضها توهين عُرَى الإسلام (ص/ 199)، ويأخذ عليه أنه لم يصلّ على النبى مرة واحدة فى كتابه ولو بحرف "ص" كما يفعل نصارى العرب (ص/ 207)، ويسميه: "المبشر طه حسين" مرة، و"المستر حسين" أخرى (ص/ 122، 177)، ويشبّه الجامعة (فى مجال العلم) بمستشفيات المبشِّرين (فى مجال الطب) (ص/ 145)، ويكنّيه "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" (ص/ 200، 344، 373)، ويشير إلى دور زوجته فى حياته وتأثيرها عليه (ص/ 349)، ويتهمه بالزندقة (ص/ 129- 130)، وبالإلحاد (ص/ 214، 216، 218) ، ويورد أيضا اتهام الشيخ مفتاح له بأنه كافر وتحديه له أن يقاضيه (ص/ 242- 243). وهو من ثم يدعو إلى إبعاده من الجامعة وحماية النشء من أفكاره (ص/ 188)، ويحرض عليه وزارة المعارف لأنه، كما يقول، يناقض بآرائه ما يقال للطلبة فى كتبها ومدارسها، والمفروض فى نظره ألا يكون هناك تناقض، وإلا فعليها أن تعلن صحة آرائه وتتابعه عليها (ص/ 171).

وحين يدافع أحمد لطفى السيد عن طه حسين على أساس حرية الفكر يردّ الرافعى بأنه لا ينازعه فى معانى حرية الرأى وأشباهها، ولكن النزاع فى الجدل والكفر (ص/ 314، وإن كان ظاهر كلامه قد يوحى بغير هذا). ومن هنا نراه يهاجم حرية الفكر إذا أدت إلى الكفر وتقطيع الأرحام (ص/ 306)، وإن عاد فسلَّم للجامعة بحرية الكفر لا الفكر فقط (يأسا منه، فيما هو واضح، أن يُصِيخ المسؤولون فى الجامعة إليه فى هذه النقطة)، وركز على "الغلطات التاريخية والأدبية التى وقع فيها أستاذها" (ص/ 273).

واتهام الرافعى لطه حسين بالكفر قائم على أساس أن هذا الأخير يرى أن القرآن تأليف لا وحى، وأن النبى عليه الصلاة والسلام رجلُ سياسةٍ لا رسول، وأنه يهاجم الصحابة (ص / 205)، وأنه يرفض الحديث الصحيح (ص/ 194، 205). وفى رأى الرافعى أن طه حسين يهاجم الأدب العربى "لأنه أساس فى حضارة القرآن، ولأن القرآن أساس فى الدين، ولأن الدين ينافى مذهبهم فى الحضارة الغربية التى يعملون لها جهد طاقتهم" (ص/ 306).

والرافعى، رحمه الله، لا يلقى اتهاماته بغير دليل، بل يسوق ما قاله طه حسين من أننا "يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربى وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به" (ص/ 140- 141، والنص موجود فى ص 12 من كتاب "فى الشعر الجاهلى"/ مطبعة دار الكتب/ 1926م)، وقوله: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة... ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى" (تحت راية القرآن/ 145- 146، وفى الشعر الجاهلى/ 26)، وما قاله أيضا من أن قريشا "كانت فى هذا العصر (يقصد عصر ما قبل الإسلام) ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية. وهى بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد فى البلاد وحدة سياسية ودينية مستقلة، وأنه "إذا كان هذا حقا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخى قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التى تتحدث عنها الأساطير. وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تتقبل هذه "الأسطورة" التى تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما قبل ذلك، ولأسباب مشابهة، "أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة" (تحت راية القرآن/ 147، وفى الشعر الجاهلى/ 28- 29)، وكذلك قوله إن القرآن "يَذْكُر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئا آخر هو صحف إبراهيم. ويذكر غير دين اليهود والنصارى دينا آخر هو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التى لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح. وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله، ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها فقد أخذ المسلمون يردّون الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم (تحت راية القرآن/ 148، وفى الشعر الجاهلى/ 81)، وقوله أيضا: وليس يعنينى هنا أن يكون القرآن قد استأثر بشعر أمية بن أبى الصلت أو لا يكون" (تحت راية القرآن/ 141- 150، وفى الشعر الجاهلى/ 83)، وكذلك قوله فى الرد على المستشرق كليمان هوار وزَعْمه أن النبى قد استعان بشعر أمية بن أبى الصلت فى تأليف القرآن: "من ذا الذى يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص كان معروفا بعضه عند اليهود، وبعضه عند النصارى، وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبى، كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبى. ثم كان النبى وأمية متعاصرين، فلم يكون النبى هو الذى أخذ من أمية، ولا يكون أمية هو الذى أخذ من النبى؟" (فى الشعر الجاهلى/ 85)، وهو ما يَلْمَح فيه الرافعى تعريضا من طه حسين بأن النبى هو مؤلف القرآن، وهو نفسه ما يفهمه من قوله فى تعليل مخالفته لمن يرون أن إنكار الشعر الجاهلى يسىء إلى القرآن (على أساس أن القرآن ليس فى حاجة إلى شواهد من الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب): "إن أحدا لم ينكر عربية النبى فيما نعرف"، فهو يرى فى الإشارة الأخيرة أن القرآن هو كلام النبى، وقوله إنه يوجَد "نوع آخر من تأثير الدين فى انتحال (يقصد: "نحل" الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحية أسرته ونسبه فى قريش، فلأمرٍ ما اقتنع الناس أن النبى يجب أن يكون صفوة بنى هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بنى عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة مُضَر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها" (تحت راية القرآن/ 194، وفى الشعر الجاهلى/ 72- 73)، فالرافعى يرى أن هذا تهكم واستهزاء بالحديث الصحيح التالى: "إن الله اصطفى كنانة من وَلَدِ إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم" (نفس المرجع والصفحة). ومثل هذا تكذيبه بوجود امرئ القيس مما يُعَدّ رفضا للحديث الصحيح الذى ورد بذكر هذا الشاعر (ص/ 197)، وقوله: "إن يزيد صورة صادقة من جده أبى سفيان فى السخط على الإسلام وما سنَّه للناس من سُنَن" (ص/ 211).

وبعد، فهذا جُلّ لا كُلّ ما رآه الرافعى رحمه الله مطعنا فى إيمان طه حسين بالإسلام وكتابه ونبيه. والحقيقة أن من الصعب تماما الدفاع عن طه حسين، اللهم إلا فى بعض النقاط الفرعية التى لا تقدم ولا تؤخر فى اتهام الرافعى له، إذ قد يمكن القول مثلا إنه حينما قال إنه لا يعنيه أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أَوْ لاَ لم يُجَوِّز الاحتمالين كما فهم الرافعى، بل قصد أن هذا ليس موضع الرد على كليمان هوار ولا أوانه، لأنه مشغول فقط ببحثه فى الشعر الجاهلى، وإن كان هذا فى الحقيقة لونا من التأويل المتعسف لكلامه. كما قد يمكن القول إن حكمه على أبى سفيان إنما هو رأى ارتآه على سبيل الاجتهاد، ومهما يكن قد أخطأ فيه فإن إحسان القول فى أبى سفيان ليس من دعائم الإسلام، أو إن طه حسين إذا كان يرفض الحديث الشريف الذى ينص على أفضلية الرسول وأسلافه فلأنه يراه غير صحيح رغم وروده فى كتب الصحاح. ثم قد يقول المجادلون إن النبى عليه الصلاة والسلام لا يضره أن يكون أسلافه أو لا يكونوا أفضل البشر...وهكذا. وقد نقبل جدلا كلامه فى عميد الأمويين، لكن هل من السهل أن تخفى علينا نبرة التهكم فى تناوله الحديث الذى يؤكد أفضلية الرسول على جميع البشر؟ وهل يليق بمسلم أن تكون هذه نظرته إلى الرجل الذى يؤمن بنبوته وما يعنيه اصطفاء الله له للقيام بهذه الرسالة العظيمة التى لا يُجْتَبَى لها إلا أفذاذ الأخيار من البشر؟

أيا ما يكن الأمر، فما القول فى مناداته بأن على من يريد دراسة الأدب العربى التجرد من دينه؟ إن هذا معناه شىء واحد هو أن الإسلام يناقض البحث العلمى، فكيف يجمع طه حسين بين الإيمان بالإسلام والإيمان بالمنهج العلمى، وهو يرى أنهما متناقضان؟ إن عليه أن يختار واحدا منهما ما دام الأمر كذلك، لأن من المستحيل، إلا على ذى عقل مضطرب أو مريض بانفصام فى شخصيته، أن يجمع بينهما.

إن طه حسين يعلن أنه، فى شكه فى الشعر الجاهلى، إنما يجرى على منهج ديكارت، فكيف إذن تجاهل أحد القوانين الفطرية التى رأى ديكارت أنها تعلو فوق كل شك، ألا وهو "قانون عدم التناقض"، الذى بمقتضاه لا يمكن أن "يكون" الشىء و"لا يكون" فى نفس الوقت، بل إما أن "يكون" فقط أو "لا يكون"؟ إن تطبيق هذا القانون على النقطة التى نحن بصدها يستلزم أن يؤمن طه حسين إما بالدين أو بالمنهج العلمى ما داما فى رأيه متعارضين (انظر مادة "Descartes"، وبالذات ص 85 من "A Dictionary of Philosophy, Pan Books, 1979" لمؤلفه Antony Flew).

أما قول طه حسين: "إن فى كل منا شخصيتين متمايزتين: إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس، والأخرى شاعرة تلذّ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب فى غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وتساؤله: ما الذى يمنع أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة ناقدة، وأن تكون الثانية مؤمنة دَيِّنة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى؟ ما لك لا تدع للعلم حركته وتغيره، وللدين ثباته واستقراره؟" (انظر "تحت راية القرآن"/ 349- 350) فهو مغالطات بهلوانية: فأولا إذا كان هو يعتقد أن الدين يتميز بالثبات والاستقرار فكيف يطالب باطّراحه والتجرد منه أثناء البحث؟ لقد كان الأحرى به أن يعرف أن بحث الأدب العربى لا يدخل فى نطاق الدين، ومن ثم لم تكن به حاجة (لو كان فعلا يعنى كلامه هذا) إلى دعوته المريبة تلك. وثانيا أنا لا أفهم العلاقة بين الرضا والغضب واللذة والألم والفرح والحزن وبين الإيمان. إن الإيمان هو اقتناع بعقيدة وتشريع ما، والاقتناع من شأن العقل لا من شأن المشاعر، التى كما يصورها هو نفسه لا تستقر على حال، مع أنه قال إن الدين يتميز بالثبات والاستقرار. إن الإسلام هو دين العقل لا التسليم القلبى دونما فهم أو بحث أو اقتناع، على عكس الأديان الأخرى التى يقع المؤمن بها فريسة للصراع بين عقله وعلمه وبين إيمانه وتسليمه، هذا الصراع الذى يظل يؤرقه ولو فى أعماق نفسه إذا حاول أن يكبته هناك فى تلك الأعماق المظلمة بعيدا عن وعيه، أو يدفعه فى نهاية الأمر إلى الكفر.

من هنا يرى الرافعى أن مقال طه حسين الذى اقتطف هو منه ما سبق (وكان طه حسين قد نشره فى جريدة "السياسة" تسويغا لموقفه وآرائه التى بثها فى كتابه "فى الشعر الجاهلى" إنما هو تفسير وتعليل لكفره على أساس من العلم، إذ "يريد أن يثبت فيه أنه من الممكن أن يكون مِثْلُه كافرا أشد الكفر على اعتبار أنه عالم يبحث بعقله، ثم لا يمنع ذلك أن يكون مؤمنا أقوى الإيمان فى شعوره" (المرجع السابق/ 350- 351)، كما يرى أن تسمية الشعور شخصية، والعقل شخصية أخرى، معناه أن النسيان هو أيضا شخصية، والذِّكْر شخصية، والإنسان عدة شخصيات، وأنه حين ينتقل من حالة إلى أخرى إنما ينتقل من شخصية إلى أخرى ويصبح رجلا غير الذى كان، بل يصبح كأن روحا تقمَّصته (السابق/ 351). وكذلك يرى أنه لا بد من التوفيق بين الدين والعلم فيما يختلفان عليه، وإلا كان أحدهما لغوا وعبثا (السابق/ 354)، وهو ما قلناه من قبل. لقد كان على طه حسين فى الحقيقة، بدلا من اللف والدوران، أن يحدد موقفه من الدين، وهو ما فعله فى نفس المقال الذى نحن بصدده، إذ قال: "إن العالِم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث إن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يُحْدِثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة فى تطورها. وإذن فالدين فى نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحى، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، وإنْ رأى دوركايم أن الجماعة تعبد نفسها، أو بعبارة أدق أنها تؤلِّه نفسها" (السابق/ 348- 349).

بهذا يكون موقف طه حسين آنذاك واضحا: فهو لا يؤمن بالإسلام، إن آمن به، على أنه دين سماوى أوحاه الله إلى نبيه محمد، بل على أنه اختراع بشرى. وإذن فالرافعى لم يكن متجنيا عليه قِيد شعرة حين رماه بالكفر والإلحاد. وأحب أن أبادر هنا إلى القول بأننى لا أريد بهذا أن أسىء إلى طه حسين، بل أبحث فقط الأمر بحثا علميا. وإذن أيضا فإن طه حسين حين أعلن من قبل (فى الخطاب الذى أرسله، على أثر الهجوم عليه بسبب كتابه، إلى مدير الجامعة أحمد لطفى السيد) أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لم يكن يعنى ما يقول (السابق/ 165)، إلا أن يكون الخطاب من تأليف لطفى السيد نفسه، وهو فى الواقع به أشبه. ذلك أن الإنسان لا يمكنه أبدا أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو فى ذات الوقت لا يؤمن بوحى ولا بإله، ما دامت الجماعة إنما تؤله نفسها وتعبد فى الحقيقة ذاتها، وما دام الدين لم ينزل من السماء، وإنما نبع من الأرض اختراعا بشريا.

أما قوله إنه لم يتعمد فى كتابه الخروج على الدين فهو خداع لا يجوز فى العقول، لأنه إذا لم يكن وصْف بعض قصص القرآن بأنها أساطير مخترَعة لغايات سياسية، والقول بأن المسلمين هم الذين ردّوا الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم وغير ذلك مما سبق أن أوردناه، هو الخروج على الدين فإنه لا يوجد شىء إذن اسمه الخروج على الدين. وأما تأكيدات طه حسين فى الخطاب الذى أرسله إلى مدير الجامعة بأن دروسه فى المحاضرات قد خلت خلوًّا تامًّا من التعرض للديانات "لأنى أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا"، فقد سبق أن قلنا إنه ليس تحت أيدينا ما يثبت أو ينفى ذلك. لكن السؤال الذى يلح على الذهن هو أنه إذا لم يكن قد تعرض للأديان فى محاضراته، والكتاب مملوء بالتعرض للأديان، والإسلام منها بالذات، فما الذى كان يقوله إذن فى تلك المحاضرات؟ على أن الدكتور طه عاد فأدلى لصحيفة "الإنفورماسيون" بما يلى: "قيل لهؤلاء البسطاء إنى أطعن فى الإسلام، فشهروا الحرب علىّ جميعا. على أنى أقول عاليا إنه ليس فى كتابى كلمة يمكن أن تُؤَوَّل ضد الدين. والعبارة التى يمكن أن أُنْتَقَد من أجلها تضع النصوص المقدسة بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية" (السابق/ 252). وهو كلام لا ظل له من الحقيقة كما بيّنّا. وقد دعت هذه المخادعة الأستاذ الرافعى إلى تكذيبه ووصفه بعدم الحياء والعناد والمكابرة والكذب والسخرية بعقل الأمة (السابق/ 243).

والغريب أن الصحفى السورى سامى الكيالى، الذى رمى من اتهموا طه حسين فى دينه (بسبب ما ورد فى كتابه "فى الشعر الجاهلى" بالرجعية والجمود هو نفسه الذى طبع ونشر لإسماعيل أدهم بحثا بعنوان "طه حسين- دراسة وتحليل" (مطبعة مجلة "الحديث"/ حلب/ 1938م). وفى هذا البحث يمدح أدهم الدكتور طه واصفا إياه بالإلحاد والثورة على الدين، كما يشير إلى رأيه الذى يَعُدّ فيه الدين نتاجا بشريا. والغريب كذلك أن هذا البحث قد أُعِيد نشره فى عدد من أعداد مجلة "الحديث" نفسها التى كان يصدرها الكيالى، وكان ذلك فى نفس العام (عدد نيسان= إبريل)، ولكن بعد أن حُذِفت منه العبارات التى تتحدث عن إلحاد طه حسين وثورته على الدين ونظرته إليه على أنه نتاج بشرى، ووُضِع مكانها بعض النقط. إن هذا يبين حقيقة موقف ذلك الصحفى الذى لا ينبغى أن يخدعنا كلامه، وإلا فكيف يكون وصف طه حسين بالإلحاد من جانب إسماعيل أدهم جميلا، ووصفه بذلك من شيوخ الأزهر وعلماء مصر رجعية وتزمتا؟ كذلك من اللافت للنظر أن الكيالى لم يورد مما قاله طه حسين فى حق القرآن إلا جملة واحدة، ويا ليته أوردها كما هى، بل حرَّفها بما أذهب شناعتها، وزعم فوق هذا أنه إنما قالها على سبيل الاستطراد. فتأمَّل مدى الأمانة العلمية! (انظر كتابه "مع طه حسين"/ سلسلة "اقرأ"- عدد 112/ 1/ 56 وما بعدها)".

وبعد أن فرغنا من مناقشة ما قاله الرافعى فى آراء طه حسين ننتقل إلى تحليل ما قاله فيه هو نفسه.

وقد ذكرنا أنه سماه: "المبشر"، وكنّاه: "أبا ألبرت" و"أبا مرجريت"، وقال إن سلطان زوجته عليه شديد. والحقيقة أن هذه الاتهامات، رغم عدم تفصيل الرافعى للقول فيها، تشير من بعيد إلى ما ذكره كاتب (سكرتير) طه حسين بعد ذلك بعشرات السنين، وهو فريد شحاتة النصرانى (أقول: "النصرانى" حتى لا يُتَّهَم مثلما اتُّهِم الرافعى وغيره بالرجعية والجمود)، إذ كتب أن طه حسين قد تعمَّد لاعتناق النصرانية عند زواجه من سوزان الفرنسية، وكان ذلك فى كنيسة إحدى القرى فى فرنسا (انظر مقال أحمد حسين "العودة لطه حسين مفخرة مصر"/ مجلة الثقافة / نوفمبر 1979م/ 4، وكذلك مقاله "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين فى تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980م/ 8- 9).

والحقيقة أننا، جريا منا على المنهج الصارم الذى نتبعه فى كتاباتنا، لا نستطيع أن نجزم جزما بأن هذا قد حدث، إذ ليس بين أيدينا وثيقة مقطوع بصحتها تشهد على ما قاله كاتب طه حسين، الذى عاشره فى بيته وخارج بيته عشرات السنين واطَّلع عنه على ما لم يطَّلع عليه سواه، وإن كان هذا لا يمنع أن تظهر هذه الوثيقة يوما إن صحت رواية الرجل. كذلك فإن فريد شحاتة بالطبع لم يكن حاضرا طقوس التعميد الذى يشير إليه، فهو لم يكن قد عرف الدكتور طه بعد، وإن كان الحق يقتضى أن أذكر أن فريد هذا كان لصيقا بقلب طه حسين قبل أن يتركه، كما كان موضع أسراره الخطيرة لعشرات من السنين. ويمكن الرجوع فى هذا إلى الحوار الذى أجراه محمد شلبى مع الدكتور طه حسين فى كتابه "مع رواد الفكر والفن" (الهيئة العامة للكتاب/ 1982م/ الحوار كاملا، وبخاصة ص 132). ومع ذلك فهناك عدة ملاحظات لها دلالتها: فزوجة طه حسين، رغم أنها لم تترك شيئا فى حياة زوجها إلا ذكرته فى الكتاب الذى وضعته بعد وفاته عن حياتها معه، ورغم حرصها على أن تصدّ عنه هجوم من هاجموه حتى فى الأمور التى لا تمسها كقضية الشعر الجاهلى مثلا، لم تفتح فمها بكلمة واحدة تدفع بها عنه هذا الاتهام، مع أنها هى الوحيدة المتبقية (فيما أظن) ممن كانوا حاضرين هذا التعميد المشار إليه، بل هى السبب فيه (إن كان قد حدث) باعتبار أن هذا كان شرطا لزواج طه حسين منها، فما معنى عدم نفيها لما قاله واحد من أقرب المقربين إلى زوجها وأسرته؟ ترى لو كان هذا اتهاما باطلا أكانت ستسكت عليه مهما كان تديّنها وحبها لنصرانيتها ورغبتها فى أن تتكثر لدِينها من الأتباع والمتحولين إليه من الديانات الأخرى؟ بل لماذا لم تحاول أن تنفى هذه الدعوى بالباطل لو صح أنها حقيقة؟ أيمكن القول إنها خافت أن تُكَذِّبها سجلات تلك الكنيسة التى قال فريد شحاتة إن عميد الأدب العربى قد تم تعميده فيها إذا عَنّ يوما لأحد الباحثين المهتمين بهذا الموضوع أن يطَّلِع عليها أو ترى الدوائرُ المعنيّةُ فى فرنسا أن تُخْرِج هذه الوثيقة، إن كان لها وجود، وتُذِيعها على الناس عندما تُقَدِّر أنه قد حان الأوان لكشفها من أجل هذا الغرض أو ذاك؟ تلك أسئلة لا يستطيع الباحث فى الظروف الحاليّة أن يجيب عليها إجابة علمية قاطعة تَشْفِى الغليل، ولا يملك إلا أن يقول: فلْننتظر!

على أن الباحث مع ذلك لا يمكنه أن يمر مرور الكرام على الحقائق التالية: أن زوجة طه حسين لم تكن تحبه حين قبلته زوجا. وليس هذا تخمينا منا، فقد ذكرتْ هى هذا ذكرا صريحا فى أكثر من موضع من كتابها (انظر سوزان طه حسين/ معك/ دار المعارف/ 1979م/ 10، 16)، كما ذكر طه حسين قبلها ذلك بنفسه (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1945م/ 108 وما بعدها، 118.وانظر أيضا مقال أحمد حسين "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين فى تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980/ 9- 10، وسامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 29) قائلا إن الذى حثها أو على الأقل شجعها على الزواج منه هو عمها القسيس الكاثوليكى (انظر "معك/ 17، وسامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 29 نقلا عن روبير لاندرى الكاتب الفرنسى). ومتى حصل هذا التشجيع من جانب العم القسيس، الذى كان طه حسين يقول عنه إنه أحب رجل إلى نفسه، ويرى فيه مثله الأعلى ودليله فى الحياة (معك/ 17)؟ فى الربع الأول من القرن العشرين حين كان المد الاستعمارى لبلاد المسلمين ولمصر فى أَوْجِه، ونظرة الأوربيين إلينا على أننا شعوب من الهمج على أشدها، وكراهيتهم لنا بوصفنا مسلمين فى قمتها. أليس غريبا أن يجهد قسيس كاثوليكى فرنسى فى العقد الثانى من القرن العشرين جهده فى إتمام زواج ابنة أخيه من شاب مسلم (أى كافر من وجهة نظره)، وترضى ابنة الأخ بهذا الشاب الذى لم يكن يتمتع بما تصبو إليه الفتيات عادةً من غِنًى أو منزلة اجتماعية عالية أو أناقة أو وسامة، ودَعْنا من أنه كان كفيفا، وكانت فرنسيته بالطبع فى ذلك الوقت مكسَّرة بحيث كان من الصعب عليه، حتى لو كان من أمهر الغَزِلين، أن يستميل قلبها بالكلام الخيالى المنمق. كذلك من المهم أن نلاحظ أنها هى نفسها كانت شديدة التمسك بنصرانيتها. أى أن افتراض لامبالاتها بكونها نصرانية وكونه مسلما ( أى كافرا من وجهة نظرها) هو افتراض غير مقبول. وثمة أمر آخر أرى أن له مغزاه، فقد ذكر طه حسين أنه حينما أتاه خطاب سوزان من قريتها فى الجنوب الفرنسى (هذا الخطاب الذى كان علامة بينهما على أنها رجعت عن موقفها فى رفضها الزواج منه لأنها لا تحبه) قد سافر وحده إلى هناك، ولم يستمع لزملائه المصريين الذين حاولوا أن يصدّوه عن الذهاب إشفاقا عليه (الأيام/ 3/ 112). يعنى أنه، حين أُعْلِنت خِطْبته على سوزان، بل أثناء أشهر ذلك الصيف كله، كان طه حسين وحده بين تلك الأسرة الفرنسية الكاثوليكية، وفيها ذلك العم القسيس الذى عضّد هذا الزواج، بل أغلب الظن أنه هو السبب فى تغيير ابنة أخيه لموقفها فى مدى شهر!

لقد حاول زملاؤه، كما مرّ، أن يصدّوه مشفقين عليه، لكنه أصرّ إصرارا على موقفه، وكان له ما أراد، فلم يحضر معه مصرى ولا مسلم هذه الخِطْبة. أليس لهذه الوقائع دلالتها الخطيرة؟ وتشير زوجة طه حسين إلى أن عمها القسيس، الذى كان متحمسا لزواجها به رغم نفورها منه، قد اصطحب خطيبها، حين زارهم فى قريتهم فى الجنوب الفرنسى، ساعتين تجولا أثناءهما فى الحقول وحدهما. بيَْدَ أنها لم تذكر لنا فيم تحدَّثا، أو ما الذى أخذه عليه العم من عهود قبل أن يعطيه ابنة أخيه. من هنا فإننا من الوجهة التاريخية الموثَّقة نجد أنفسنا كلما اقتربنا من هذه المسألة نصطدم بالصمت. فأى نوع من الصمت هذا؟ حتى الصحفى سامح كريم، الذى ينقل ما كتبه الآخرون عن طه حسين، عندما أتى إلى هذه النقطة أخذ يحوم حولها من غير أن يسميها، مكتفيا بالحديث عن فريد شحاتة ومذكراته عن عمله مع الدكتور طه وغَيْظ هذا منه ووَصْفه له بــ"هذا الشىء الذى أسمّيه: فريد شحاتة"، كل ذلك من غير أن يعرف القارئ الخالى الذهن عَلاَمَ يدور الكلام، وهو ما يجافى أمانة النقل (انظر، فى رحلة الحقول هذه، "معك"/ 17. وبالنسبة لصمت سامح كريم عن الاتهام المذكور انظر كتابه "ماذا يبقى من طه حسين؟"/ دار الشعب/ 1975م/ 124- 125).

كذلك من الملاحظات الدالة المتصلة بتكنية الرافعى لطه حسين: "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" أن السيدة سوزان، فيما أذكر، لم تشر فى كتابها "معك" إلى أنه كان يوجّه أولاده توجيها إسلاميا، ولا أظن من السهل الجواب على ذلك بأنها كنصرانية لا يهمها أن تشير إلى هذا، فإن هذه الملاحظة تصدق أيضا على كتاب "الأيام"، الذى كتبه هو وأفاض فيه القول عن كل شىء يتعلق به وبحياته وحياة أسرته. وبالمناسبة فالذى أعرفه هو أن "مؤنس" ابن الدكتور طه كان يسمَّى فى البيت: "كلود" لا "ألبرت".

ولعله يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن والدة طه حسين حين أخذ طه زوجته إلى كوم أمبو بعد عودته من فرنسا للتعرف إلى أسرته هناك، قد سألته، على حسب ما حكت لنا سوزان نفسها، أىّ نوع من النبيذ يجب شراؤه من أجلها (معك/ 31). فإذا كان هذا هو موقف والدته من أم الكبائر، وهى سيدة صعيدية عجوز غير متعلمة، وفوق ذلك طبعا مسلمة، ومتى؟ فى الربع الأول من القرن العشرين، وكل ذلك من أجل خاطر العروس الوافدة (لاحِظْ أن كل ظروف والدة طه حسين كان من شأنها أن تدفعها إلى الفزع الشديد من مجرد دخول الخمر إلى بيتها)، ألا يساعدنا هذا فى تخيل موقف طه حسين نفسه من أمر ذلك الزواج كله والضريبة التى كان عليه أن يدفعها فى مقابله، وهو الذى كان مُدَلَّها أشدَّ التدله فى سوزان، وكان فوق ذلك معجبا أقوى الإعجاب بالحضارة الأوربية وانغمر فيها فى بلادها انغمارا مطلقا؟

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمعروف أن طه حسين كان يختار سكرتيريه عادة من النصارى، فهل ينبغى أن نمر بهذه الحقيقة أيضا دون أن نلتفت إلى مغزاها؟ لقد اشتغل توفيق شحاتة كاتبا وقارئا له، ثم خلفه أخوه فريد، صاحب القصة الخاصة بتعميد طه حسين قبل زواجه من سوزان، التى لم تكن تحبه وكانت ترفض بفظاظة أن تسمع منه كلمة "الحب" أو أن يتحدث معها مجرد حديث فى موضوع الزواج إن أراد لزمالتهما وصداقتهما أن تستمر، والتى غيّرت رأيها فجأة بعد أن بصَّرها عمّها بمزايا الزواج من هذا الشاب الذى أطراه لها مؤكدا أنه سيتجاوزها باستمرار (انظر، فى هذه النقطة الأخيرة، سامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 28-29، وسوزان طه حسين/ معك/ 17). وإن الباحث ليتساءل: "يتجاوزها فى ماذا؟". وهناك غير الأخوين شحاتة سكرتيران آخران على شاكلتهما، وهما ألبير برزان (أول سكرتيريه) وسليم شحاتة، وإن كان هناك دكتور أزهرى قُدِّر له أن يشتغل مع طه حسين فترة من الوقت قال عنه د. زكريا البرى وزير الأوقاف الأسبق إنه قد لاحظ أن أسلوب حياة الدكتور طه يجرى على غير المعهود فى البيوت المسلمة (انظر مقاله: "الشيخ والأستاذ والدكتور والإمام" بجريدة "النور" فى 11 صفر 1407هـ- 15 أكتوبر 1986م).

والآن بعد أن رأينا هذه المسألة من كل جوانبها المتاحة فإننا نتساءل: هل نما إلى الرافعى فى ذلك الوقت المبكر ما أشار إليه فريدشحاتة بعد ذلك؟ لكن لماذا لم يذكر هذا صراحة، وهو الذى لم يكن هيّابا فى كتاباته؟ لقد لاحظنا أنه لم يجمجم فى تسمية الدكتور طه بــ"المبشر طه حسين" وتكنيته: "أبا مرجريت" وأبا ألبرت"، فهل بلغه ذلك الأمر أو شىء منه، لكنه لسبب أو لآخر لم يذكره؟ إن كان الجواب بالإثبات فمن الذى بلّغه إياه يا ترى؟ إن د. نجيب البهبيتى يتحدث فى كتابه "المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيَّيْن" عن أسرار أخرى تتعلق بأسرة سوزان والمهنة التى كانت تمارسها هى فى باريس...إلخ، وهى أسرار إن كانت جديدة علينا نحن الآن فلا شك أن المبعوثين المصريين فى العاصمة الفرنسية فى ذلك الوقت كانوا يعرفونها، فهل نقل إلى الرافعى واحدٌ من هؤلاء المبعوثين أو ممن لهم بهم اتصالٌ سرَّ هذا التعميد، الذى لا نستطيع مع ذلك من الوجهة التاريخية الموثَّقة أن نجزم به؟ الجواب طبعا: لا نعرف.

ومما قاله الرافعى رحمه الله فى د. طه حسين اتهامه إياه، كما رأينا، بأنه أداة أوربية استعمارية. ويتصل بهذا أنه ينقل، فى كتابه "تحت راية القرآن"، ما كتبته مجلة "الفتح" بعد شهرين من نشره لمقاله المسمَّى: "عصبية طه حسين على الإسلام"، ونَصّه: "ليقل لنا طه حسين كم يتقاضى من رجال التبشير، أو بعبارة أدق: من رجال الدول الغربية من أجرٍ على دعايته تلك لهم وعمله لصالحهم وجهاده من أجلهم، هذا الجهاد الطويل العنيف الذى لا يرهب فيه أمة بأسرها. إن ذلك الأجر لا بد أن يكون عظيما جدا كما يتحدث الناس فى أنديتهم" (تحت راية القرآن"/ 195- 196)، كما سمى فرنسا: وطن طه حسين الجديد (المرجع السابق/ 370).

والواقع أن الباحث الذى يريد أن يحقق هذا الأمر يجد نفسه أمام عدة حقائق لا يستطيع، إذا كان باحثا أمينا، أن يُغْفِلها. وهذه الحقائق، وكلها مستمدة مما كتبه طه حسين نفسه وزوجته، هى:

علاقته الحميمة إلى حد مذهل بالأساتذة الأجانب فى الجامعة، حتى إنهم ليجتمعون عنده فى بيته كل أسبوع مرة، وذلك يوم الأحد (لاحظ!). ومن هؤلاء الأساتذة جريجوار وإميل برهييه وجريدور وسكايف ولالاند وسانياك (معك/ 74- 75). كما أنه هو الذى استقدم كازانوفا الفرنسى للتدريس فى الجامعة، مع أن طه حسين كان لا يزال فى أولى درجاته الجامعية فى سلك التدريس حينذاك، فمن أين له هذا الثقل الوظيفى والإدارى فى الجامعة؟ ومن الذى كان يقف وراءه؟ إن هذا الأستاذ كان هو المشرف على رسالة طه حسين فى باريس، وحين أتى إلى القاهرة كان طه حسين يزوره كل يوم (المرجع السابق/ 76، وانظر "الأيام"/ 3/ 121، وكذلك سامح كريم/ ماذا يبقى من طه حسين؟"/ 76). ومن لا يعرف هذا المستشرق نُحِيله إلى كتابه "Mahomet et La Fin du Monde" ليعرف آراءه السُّود فى الإسلام ونبيه، الذى يتهمه بتلفيق القرآن من عنده، كما يتهم الصحابة الكرام بالعبث بنصه عندما اتضح أن ما قاله الرسول عليه السلام عن قرب قيام الساعة كان محض هراء، فكان لا بد فى زعمه من زيادة بعض النصوص التى تمحو أثر هذه النبوءة الكاذبة. وقد حزن طه حسين لوفاته حزنا شديدا، وأشار إلى ذلك المرحوم الرافعى بقوله إنه حين هلك كان طه حسين هو "نادِبَته" الوحيدة فى مصر (تحت راية القرآن/ 275. كما وصفه بحق بأنه "كَذَبَنُوفا"/ 294).

ويشبه هذا ما كان من ود وتفاهم بين مرجليوث وطه حسين، حتى إن الدكتور طه، حين سافر إلى أوكسفورد لحضور مؤتمر المستشرقين هناك سنة 1928م، نزل هو وأسرته ضيفا عليه، وقامت زوجة هذا المستشرق المتطاول والحاقد على الإسلام ونبيه برعاية طفله المريض (معك/ 91). لقد عاش كاتب هذه السطور عدة سنين فى تلك المدينة التى كان يدرس فى جامعتها للحصول على درجة الدكتورية، ويعرف جيدا كراهية الأساتذة فى تلك الجامعة لكل ما هو مسلم أو إسلامى. ومرجليوث هذا بالذات من أشد المستشرقين بغضا للإسلام وكتابه ونبيه. إنه من هذه الناحية يأتى هو ولامانس البلجيكى فى المقدمة.ومن يرغب فى أن يأخذ فكرة عن هذا البغض القَتّال فليرجع فقط إلى كتابه "Muhammad and the Rise of Islam"، الذى يأخذ فيه جانب وَثَنِيِّى مكة فى كل موقف حتى فى تعذيبهم للمسلمين، كما وقف فى صف اليهود فى جميع مؤامراتهم لقتل النبى الكريم ومحاولتهم تدمير الإسلام الناشئ تدميرا نهائيا. وقد بلغ من سخطه على الرسول ودينه أنْ قد حمل على أحفاد القردة والخنازير حملة شعواء لأنهم، كما يقول، لم يحكموا أمرهم ويتخلصوا منه قبل أن يلتفت لتآمرهم عليه ويتخلص منهم أوّلاً. ولقد وصف هذا الرجل الوقح رسولنا الكريم بأنه "شيخ منسر: a robber- chief" (D. S. Margoliouth, Muhammad and the Rise of Islam, New York- London, 1905, P. 238). وكان يرى أنه ينبغى ألا نعير كلامه صلى الله عليه وسلم كبير ثقة (المرجع السابق/ 263). كما قال عن أبى عامر الراهب (هذا العميل البيزنطى الحاقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى نجاح دينه، والذى بنى له المناقون مسجدا فى أطراف المدينة بعيدا عن عيون المسلمين المخلصين ليلتقوا به فيه لحبك المؤامرات ضد الإسلام ونبيّه وأتباعه) إنه كان عنده قبل هجرة الرسول إلى يثرب ميل إلى الإصلاح الدينى، بيد أن القليل الذى خَبَرَه من محمد بعد هجرته قد أقنعه بأفضلية الوثنية (المرجع السابق/ 290- 291)، وغير ذلك ممما يعج به الكتاب من أقوال شنيعة لا تحترم حقائق التاريخ ولا تلقى بالا للقيم الإنسانية النبيلة التى أرساها محمد عليه الصلاة والسلام، وكان أول وأحسن من استمسك بها. فكيف يمكن أن تقوم مودة حميمة بين مسلم يحب دينه ويؤمن برسوله ولا يقبل أن يسىء إليه أحد وبين مثل هذا المستشرق الوغد الذى كان يكرهه عليه السلام كراهية العمى؟

وممن كانت له علاقة حميمة بالدكتور طه حسين المستشرق الفرنسى لويس ماسينيون، الذى كان يبدى اهتماما شديدا به فى أزماته التى يثيرها، والذى عَرَض عليه ذات مرة وظيفة فى الولايات المتحدة الأمريكية (معك/ 101)، وكان شديد الاحتفاء بابنه مؤنس أثناء دراسته بباريس، إذ كان يأخذه بعد خروجهما من محاضراته التى كان يَحْضُرها له مؤنس فيمشيان معا ويستعلم منه باهتمامٍ وُدِّىٍّ عن كل ما يقوم به أبوه من عمل أو يخطط للقيام به (المرجع السابق/ 253- 254). وماسينيون هذا هو أحد أعمدة الاستعمار الفرنسى فى الشرق الإسلامى العربى. وقد تحدث عن دوره هذا: الصحفى اللبنانى إسكندر الرياشى فى كتابه "رؤساء لبنان"، فليراجعه من شاء. وإننا لنسأل: ما سر هذا الاهتمام الزائد من جانب ماسينيون الاستعمارى وأمثاله بطه حسين؟ لعل ما يلقى بصيصا من الضوء على جواب هذا السؤال أن طه حسين كان يشتغل أثناء الحرب العالمية الثانية مراقبا لإذاعة فرنسا الحرة التى كانت تبث برامجها من دار الإذاعة المصرية.كما أنه قد استقبل الجنرال ديجول حين مجيئه للقاهرة فى إبريل سنة 1941م (السابق/ 129).

ولم تنس السيدة سوزان أن تتحدث عن جوانب من الصداقة الحميمة لزوجها بالمستشرق الفرنسى ريجى بلاشير أيضا. وبلاشير هذا هو الذى عبثت يده النجسة بآيات القرآن الكريم تقطيعا وتقديما وتأخيرا أثناء ترجمته لكتاب الله المجيد، وبلغت به الجرأة أن خطّأ القرآن نحويا وأسلوبيا فى مواضع غير قليلة، كما أضاف إلى سورة "النجم" الجملتين اللتين تسميان بــ"آيتى الغرانيق"، وهو ما لم يجرؤ أحد أن يفعله فى حدود علمنا جاعلاً إياهما جزءا من القرآن، وتعمد تشويه كتابنا الكريم بتفسيرات لا يمكن أن تخطر إلا فى خيال مريض يهذى، كقوله مثلا (مع كايتانى وشبرنجر) إن "جنة المأوى" التى ورد ذكرها فى سورة "النجم" هى فيلا فى ضواحى مكة، وإن "سدرة المنتهى" المذكورة فى ذات السورة هى شجرة بجوار تلك الفيلا. وبطبيعة الحال فالرجل ليس مريضا يهذى، لكنه حاقد يتعصب ضد القرآن ويحاربه بهذه الأساليب السافلة (انظر الهوامش التى خصصها ذلك المستشرق لتلك الآيات فى ترجمته للقرآن، وكذلك الفصل الذى درستُ فيه تلك الترجمة من كتابى "المستشرقون والقرآن"، وهو الفصل الثالث من الباب الأول).

ومن اهتمام المستشرقين والدوائر العلمية الغربية بطه حسين أن المستعرب الإيطالى نلينو مثلا فى مؤتمر المستشرقين الذى انعقد بإيطاليا أثناء الحكم الفاشى قد تنازل لطه حسين عن رئاسة القسم الذى كان يرأسه، وهو ما لم يحدث من قبل كما تقول السيدة سوزان (معك/ 123)، وأن الدكتوراهات الفخرية قد أُغْدِقت عليه إغداقا من الجامعات الأوربية على اختلافها (المرجع السابق/ 162، 172، 177، 180، 251مثلا). إن الصحفى السورى سامى الكيالى المعجب بطه حسين وباتجاهه الدائم نحو قبلة أوربا إعجابا أعمى يشير بفخر إلى هذا الاهتمام الزائد من جانب الجامعات الأوربية بطه حسين (مع طه حسين/ 1/ 123- 124)، مع أن هذا الاهتمام هو دليل على أن الرافعى لم يكن يلقى الكلام على عواهنه حين وصفه بأنه أداة أوربية، وإلا فما هذا الاحتفاء الغريب المريب بطه حسين من دون المفكرين والأدباء العرب الذين كانوا معاصرين له؟ أعَقُمَتْ بلاد المسلمين والعرب ومصر فلم تلد إلا طه حسين؟ إن هؤلاء المحتفين بطه حسين هم أنفسهم الذين يبغضوننا ويبغضون ديننا وأدبنا ولغتنا، وهم الذي استعمرونا وأذاقونا كأس المذلة مُتْرَعَةً ونهبوا بلادنا وقتلوا آباءنا، واقتطعوا من جسدنا وروحنا فلسطين وأعطَوْها لليهود، الذين ساعدهم طه حسين على النجاة بجلدهم عند اقتراب الألمان من العلمين، وهم الذين يُمِدّون إسرائيل بالمال والرجال والسلاح ليذبحونا. فهل يمكن أن يحتفى هؤلاء بأى واحد منا لو رَأَوْا أنه نافع لأمته؟ إن لدينا، والحمد لله، عقولا تفكر!

ومن مظاهر اهتمام المستشرقين بطه حسين كذلك أن بعضهم، حينما أُبْعِد الرجل عن الجامعة، قد أعلنوا أسفهم الشديد وهاجموا المسؤولين عن ذلك وعدّوه من المناضلين عن حرية الفكر. وأعلن برجشتراسر، وكان أيامها أستاذا بالجامعة المصرية، أنه لن يعود إلى الجامعة إلا إذا عاد إليها طه حسين (معك/ 109- 110). وهذا كله مع أن مئات الأساتذة الجامعيين المسلمين يُفْصَلون ويُسْجَنون ويُقَتَّلون فى أنحاء العالم المختلفة، ولم نسمع من أحد من هؤلاء المستشرقين ولو كلمة مجاملة من باب ذر الرماد فى العيون. وبالمناسبة فقد نابنى من الحُبّ جانبٌ بسبب الكتاب الذى أنقل منه هذا الفصل (أو إذا آثرنا الصراحة: بسبب طه حسين وما اقتحمتُه فى ذلك الكتاب من محرّمات وأقداس لا ينبغى أن يقترب منها أحد، وإلا تم التنكيل به حتى يكون عبرة لغيره)، فأوذيت أذى شديدا لم أُوذَه فى حياتى العلمية والوظيفية، ولم يكلِّف أحد من المتباكين على الحرية الفكرية عَيْنَه أن تذرف ولو دمعة واحدة من دموع التماسيح على سبيل التجمُّل، فضلا عن أن يثير الأمرَ فى وسائل الإعلام المحلية، بَلْه العالمية. وكان ذلك قبل مسألة د. نصر أبو زيد بقليل، الذى أخذت وكالات الأنباء فى كل أرجاء الدنيا تطيّر أخباره وتغطى الاحتجاجات التى كانت تظاهره من كل صَوْبٍ وحَدَب، وكأننا بصدد حرب كونية ثالثة! وأحب رغم ذلك ألا يفهمنى أحدٌ خطأً فيتوهم أنى مع اضطهاد الفكر، ولكنى فقط أتساءل عن سر هذا الاهتمام الغريب من قِبَل الدوائر العالمية المعادية للإسلام بطه حسين وأمثاله وقَصْره عليهم، وعليهم وحدهم! ومن المضحك الذى ينبغى إيراده هنا، وشر البلية ما يضحك كما يقول المثل المشهور، أن يبلغ التحمس لطه حسين عند أحد القساوسة المصريين، وهو كمال ثابت قلته (فى رسالته للماجستير عن الدكتور طه)، أن يهاجم، وهو رجل الدين النصرانى، شيوخ الأزهر ويتهمهم بالرجعية واصمًا إياهم بأنهم لم يفهموا الإسلام كما فهمه طه حسين. فالحمد لله الذى جعل هذا القس يفهم الإسلام خيرا من مشايخنا ويقوم فوق ذلك بدور القاضى بينهم وبين الأزهرى السابق الشيخ طه، ويصدر فى النهاية هذا الحكم المهذب العادل (انظر كتابه "طه حسين وأثر الثقافة الفرنسة فى أدبه"/ دار المعارف/ 90- 92).

فإذا عدنا إلى الرافعى واتهامه لطه حسين وجدنا من الصعب أن نرميه بالتجنى وإرسال القول على عواهنه. ومن المؤكد أنه، رحمة الله عليه، كان يعرف عن طبيعة علاقات طه حسين بالمستشرقين ورجال الدين والسياسة الغربيين الشىء الكثير بحكم المعاصرة، وبحكم اهتمامه كأديب ومفكر بقضايا الأدب والتاريخ العربى والإسلامى، وبحكم انغماسه التام فى الحياة الثقافية واتصاله بأقطاب الفكر والأدب والنهضة الإسلامية، وبحكم وجود الاستعمار البريطانى الدنس على أرض المحروسة مما يشجع من لهم علاقة بدوائر الغرب العلمية والسياسية على عدم الاستتار بهذه العلاقات، بالضبط كما هو حادث الآن فى الظروف السُّود التى يمر بها الوطن العربى بل أمة محمد على بكرة أبيها. ويمكن، لمن يريد التعرف إلى بعض العلاقات التى كانت لطه حسين بهذه الدوائر، الرجوع إلى الصفحات التالية: 162، 173- 174، 178، 190، 195، 197، 199، 202، 204، 266...إلخ من كتاب "معك" الذى وضعته زوجته عنه بعد وفاته والذى كان مرجعا أساسيا من مراجعنا فى هذا الفصل. ودعنا من رحلته التى قام بها إلى فلسطين وزار فيها الجامعة العبرية سنة 1927م، تلك الجامعة التى بذل طه حسين جهوده (المشكورة والمقدورة) حتى نجح فى تذليل الاعتراض الذى أبداه رجال البعثات فى مصر على ذهاب أحد الطلاب إليها (المرجع السابق/ 83، 186). وكذلك دعنا من إشرافه على مجلة "الكاتب المصرى" اليهودية، وتسهيله لأصدقائه من اليهود الخروج من مصر عند اقتراب الألمان من العلمين (السابق/ 140). ولعل من الطريف أن نشير هنا إلى ما ذكرته السيدة زوجته فى هذا الكتاب من أن أم وأخت أحد الشبان الإخوانيين، وكان قد حُكِم عليه ضمن آخرين مثله بالإعدام أيام الرئيس عبد الناصر لارتكابهم جرائم قتل (!) كما تقول، ألحتا على الدكتور طه أن يتدخل لإنقاذ الشاب. ولكنه لم يفعل بطبيعة الحال، ربما لأنه لم يكن يهوديا. ومع ذلك فهذه القصة غير مقنعة، إذ لا أظن أن سمعة طه حسين بين الإخوان وأسرهم كانت تشجع المرأتين على أن ترجوا تحقيق مثل هذا الطلب على يديه، وهو الذى هاجمهم أشد هجوم فى بعض ما كتب فى تلك الفترة.علاوة على أننى لا أعرف أن الإخوان قد ارتكبوا جرائم قتل فى عهد عبد الناصر أو حتى اغتيالات سياسية.

وفى النهاية فإنى لا أعرف لماذا لم تذكر السيدة الكاتبة اسم الشاب.
أغلب الظن أن مثل هذا الشاب وأمه وأخته ليس لهم وجود!
والله أعلم.

حازم
04-01-2005, 01:20 AM
رسالة مفتوحة إلى شباب مصر (5)
((((( طه حسين الأكذوبة الكبرى )))))

بقلم : مجدي إبراهيم محرم

يا مجمع اللغة العربية
يا رجال الأزهر الشريف
يا علماء الأمة وفقهاء اللغة
يا مجامع الإفتاء ومراكز الدراسات
يا أساتذة دار العلوم وكليات الآداب
يا مجلس الجامعة العربية ومنظمة مؤتمر الدول الإسلامية 000 يا مجامع البحوث والدراسات اللغوية والإسلامية 0يا جامعة الأزهر الشريف
يا كل السادة القراء
انزعوا لقب عميد الأدب العربي من طه حسين فإنه لا يستحقه انزعوا عنه لقب قاهر الظلام لأنه لايستحق إلا أن يكون طائرا للظلام
لقد وصفنا أبا إيبان بأننا شعب من القطعان فحينما أطلقوا على طه حسين بأنه من دعاة التنوير رددنا خلفهم وحينما إستعطفونا للتضامن مع حالة طه حسين كسبوا ودنا وتأييدنا وحينما وصفوه بصفة من رسولنا الكريم الذين أخرج الأمة من الظلمات إلى النور صدقنا على وصفهم 00وحينما كتبت إحدى الصحف الفرنسية الصهيونية أنه عميد اللغة العربية خرج الغلمان والقطعان ليصدقوا الأكذوبة الكبرى ويطلقوا عليه عميد الأدب العربي

((((((( إقرؤوا يا سادة
كتاب طريق الخلاص للحاخام مناحم كشر الذي خصص فيه فصلا كاملا عن علاقة طه حسين بالصهيونية والماسونية
إقرؤوا كتابات الصهيوني ميخائيل بر وبنيامين بيت حلاجمي الذي يؤكد أن طه حسين يمثل سلاح إسرائيلى لتجنب عودة الهزيمة التي حدثت للصليبيين !!!!
إقرؤوا كتاب المصير لأباإيبان وعلاقته بطه حسين
إقرؤوا يا سادة
يا من تطلبون منا ألا نكتب في التاريخ فمن لم يفهم حركة التاريخ لا يستطيع أن يفهم حاضره ومستقبله
إفهموا كيف كان يتلاعب بنا ذلك الذي تربى في ردهات الأزهر الشريف لينهل من خيراته ثم يتمرد عليه وعلى أهله وعلى ديانته ليتحالف مع الأعداء
إنهم يرغبون منا أن نتحول إلى أمة بلا ذاكرة حتى يسهل علينا فقدانها!!!!!)))))))

****** فهل يمكن أن يكون عميدا للأدب العربي ذلك الكاتب الذي إعتبر الأدب العربي أدبا قريشيا مغزوا ليس له أصل وغازيا ومحتلا كالفينيقيين واليونان والرومان ليستبدل فكرة العروبة بالشرق أوسطية والإنتماء لدائرة الفرعونية تارة والبحر المتوسط تارة أخري و الذوبان مع الغرب تارة ثالثة؟!!!!!!!0

((((( إنكم يا سادة
لو تأملتم الدعوة المستميته لشيمون بيريز أن يذوب العالم العربي في الشرق أوسطية أو البحر متوسطية تاركا مفاهيم العروبة والإسلام
لو تأملتم دعوة بوش وشارون إلى الشرق الأوسط الكبير وأن تكون إسرائيل ضمن هذا التكتل
لو تأملتم الدعوات الجديدة لإلغاء الجامعة العربية لتحل محلها جامعة الشرق الأوسط
لو تأملتم يا سادة كل هذه الأمور لعلمتم وأدركتم سر دعوة طه حسين إلى تخلي مصر عن عروبتها ((( الدخيلة والإستعمارية ))) لتحل محلها الإنتماء إلى الغرب حلوه ومره والإنتماء لحوض البحر المتوسط
ولأدركتم قدم الدعوة الصهيونية ومدى المثابرة الصهيونية من أجل تحقيق هذا الحلم
إنظروا حولكم يا سادة ستجدوا المخططات والترتيبات والتكتيكات والإستراتيجيات كيف تسير حتى لو كانت بخطى حثيثة
إنظروا حولكم يا سادة ليس من أجل تنظيم النسل ولكن لتدركوا حقيقة ما حولكم !!!!!! )))))


إنظروا حولكم واسألوا أنفسكم

***** هل يمكن أن يكون عميدا للأدب العربي ذلك الكاتب الذي يدعي أن الفتح العربي الإسلامي لم يكن إلا دربا من الإستعمار والإحتلال الذي خضع له المصريون كما خضع للفرس والرومان وغيرهم ؟!!!!!!!!!!!0

***** هل يمكن أن يكون عميدا للأدب العربي ذلك الكذاب الذي يدعي أن العرب لم يكن لهم نثر فني وأنهم لم يجيدوا الإنشاء (((( وذلك نقلا عن المسيو مرسيه الصهيوني بالمجلة الإفريقية بالجزائر ))))؟!!!!!!!

ولعل ذلك العاق لدين الإسلام قد قرأ قصة الأدب في العالم عن كتاب جهار الفارسي ويعلم كيف تأثرت اللغة الفرسية والسريانية واكتسحت اللغات الرومية والقبطية واللاتينية واليونانية والعبرية

ولعله أيضا قد قرأ كتاب رنان ( تاريخ اللغات السامية )

وكتاب (( حضارة العرب لجوستاف لوبون)))
وكتاب ((((( تراث الإسلام لأرنولد وجيوم))))))))

وكتاب ((((((تطور النثر الفارسي لمحمد تقي بهار )))))))

وكتاب ((((( القواعد الأساسية لدراسة الفارسية للدكتور إبراهيم أمين الشواربي ))))))

(((((((وهناك العشرات من الكتب والكتاب الذين تناولوا تأثير النثر العربي على الفارسية ولا أدري لماذا يعكس ذلك الصنم الأكبر الحقائق ويزيف التاريخ ولحساب من ؟!!!!))))))

حتى الأمثال العربية القديمة صارت متداولة بين أهل فارس

ولو أنني أشعر أن القارىء لن يمل من التطويل في هذا الموضوع لكتبت عشرات الصفحات عن

(((((( تأثر الأدب الفارسي بالأدب العربي )))))

ولكتبت أسماء المئات من الكتاب والشعراء الفارسيين الذين تأثروا بالأدب العربي

وكيف بهذا العقور المتناقض يتهم القرآن الكريم أنه مأخوذ من شعر الجاهلية وخصوصا من شعر أمية بن أبى الصلت الذي إستفاضت الكتب بأخباره وأشعاره وكان أمية ــ واسمه الحقيقي عبد الله بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي ــ قد إتخذ لنفسه سبيل الهداية في الجاهلية فآمن بوحدانية الخالق وذكر خلق السموات والأرض وحرم على نفسه الخبائث من الأفعال ومن أشعاره التي تفصح عن طبيعة اعتقاده قوله:

الحمد لله ممسانا ومصبحنا
بالخير صبحنا ربي ومسانا
رب الخليقة لم تنفذ خزائنها
مملوءة طبق الآفاق أشطانا

(((((فأين هذه الكتابات وتلك الأشعار من القرآن الكريم إن هذه الفرية من ترديد جاهل وغبى ومغرض فهل لنا الحق في أن نطلق عليه عميدا للأدب بعد أن أهاننا وسفه من ديننا وهو يعلن بإبن السوداء أن لا إله إلا الله ؟!!!!!)))))))

وقيل أن الرسول قد سمع هذه القصيدة ينشدها بعض الصحابة بين يديه فقال عليه الصلاة والسلام آمن شعره وكفر قلبه 0فكيف يقول نبي الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات عن المبدع الذي نقل عنه والعياذ بالله كلماته ؟!!!!

ومن عجب أن أمية بن أبي الصلت الذي امتلأ شعره إيمانا بالله واستفاض توحيدا واعترافا بالحساب والنشور قد مات بعد بعثة الرسول الكريم وقد أبى أن يؤمن بالإسلام
وهناك من المؤرخين من يعلل عدم إيمانه بأنه كان يتمني أن يكون هو نفسه النبي المبعوث إلى الناس ولسنا في مجال الحديث عن شعر بن أبي الصلت ولكننا أردنا أن نكذب مسيلمة الذي أطلقوا عليه عميد الأدب العربي

وإذا كان المجال في الحديث عن النثر الفني فيبدوا أن ذلك المأفون أراد بجهله أن يضلل العامة وهو يعلم أو لا يعلم عن بلاغة وحكمة وفصاحة عبد المطلب جد النبى وأبو طالب بن عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف وغيلان بن سلمة الثقفي والأقرع بن حابس وحاجب بن زرارة وأكثم بن صيفي وهند بنت الخس وحذام بنت الريان وغيرهم وغيرهم

(((((( ومن أراد التوسع فليقرأ ــ بلوغ الأرب ــ وليقرأ النثر ومذاهبه للدكتور شوقي ضيف ــ وليقرأ الأدب في مواكب الحضارة الإسلامية للدكتور مصطفى الشكعة )))

لذلك يا سادتي الكرام أطالبكم بإسقاط التكريم الذي منحتموه لذلك الأعمى البصيرة الذي يهدف من كل ذلك أن يكذب الإعجاز اللغوي للقرآن الكريم إنه مسيلمة الكذاب في ثوبه الجديد !!!!!!!

ومن المؤسف حقا يا سادتي

واعذروني !!!!!
وإعذروني !!!!!
واعذروني !!!!!

حينما أقول أن ذلك الخنيس صنيعة الإستعمار وصنيعة الصهاينة

فلقد أراد أن يطعن في القرآن الكريم
ليهوى في هوة الكفر الصريح !!!!!!!!!!!!
فمن المعروف أنه قال:

((((( للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب المستعربين فيها. ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة وبين الإسلام واليهود والقرآن والتوراة من جهة أخرى)))

هكذا يفجِّر طه حسين قذيفة الكفر الرهيبة المدمرة هذه دون أن يبالي أي قدر من الخسائر تسببه لضمير الأمة المسلمة وإحساسها المرهف نحو دينها وعقيدتها..! تكذيب صريح القرآن الكريم، وادعاء فاجر بأنه ليس مصدرا تاريخا موثوقا به (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).

أرجوكم يا سادة أن تقرؤوا
نعم
أرجوكم
ثم أرجوكم
ثم أرجوكم أن تقرؤوا
وأن تحكموا بالعدل
هل يستحق ذلك الكذاب عمادة الأدب العرب ؟!!!!!

وأن نطلق عليه بطريقة القطعان كما قال أبا إيبان بأنه قاهر الظلام ؟!!!!!!!

وهو يقول
في مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة أكسفورد (سبتمبر 1928م) الذي ألقى طه حسين فيه بحثا عنوانه:

(((((((((((((((((استخدام ضمير الغائب في القرآن))))))))))))

وقد ارتأى فيه ذلك الجاهل :

أن تأويل ضمير الغائب في معظم آيات القرآن باسم الإشارة فيه حلّ لمشكلة عدم المطابقة بين الضمير وما يرجع إليه. وزعم أنه بهذا الرأي يصحح ما يراه بعض المستشرقين من أن في القرآن خطأ نحويا - حاشا لله - إذ يرون الضمير قد رجع إلى متأخر، أو رجع إلى محذوف مفسّر بما يدل عليه من بعض الوجوه.

وقد وصف الرافعي رحمه الله طريقة استبدال اسم الإشارة بضمير الغائب بأنها
((((((((بيع الذهب بالملح !!!!!!!!!)))))))

إشارة إلى أن
رأي طه حسين الذي نقله عن أسياده المستشرقين بلا فهم وبلا علم
إنما هو رأي ساقط بليد تافه، لا تقاس قيمته إلا بقيمة الملح إذا قورن بالذهب في نفاسته0

ويعقب الرافعي قائلا:

((((وكأنه أخذ تلك القاعدة من ذلك الكتاب الذي عثر به في خرائب روما، فرآه مكتوبا قبل الإسلام بمائة سنة، وفيه آراء في الشعر الجاهلي، وفيه قواعد نحوية ضابطة محكمة لا يشذ عنها إلا شاذ، ولا يختلف عليها إلا ما كان خطأ. وفيه أشياء وأراء يقال أن الدكتور طه لا يردّه عن نشرها إلا أنه يطمع أن يجد تحقيقها في كتاب آخر يعثر به في خرائب أثينا!!!!!))))

((((((((نشر هذا الرد في صحيفة كوكب الشرق في 27/11/ 1928 م وقد نشر بحث ذلك الأعمى في عدد نفس الصحيفة في عددها الصادر في 15/ 10/ 1928م ونشرته جريدة الأهرام القاهرية أيضا )))))))))

وهو يشير بذلك إلى ولع الدكتور بالثقافة اليونانية وإغراقه في حب الإغريق، وحُبِّه لهم حبا ملك عليه قلبه حتى نهاية حياته!!!!!!

ويكاد المريب يقول خذوني:

امتنع الدكتور عن نشر بحثه هذا في اللغة العربية
(((((((( حتى حصلت عليه صحيفة الأهرام فنشرته مترجما))))))))
وانكشفت أباطيل الدكتور وفضحه الله على رءوس الأشهاد!!!!!!

((((((هذا هو عميد الأدب !!!! يتكلم عن علوم اللغة ناقلا كعادة اللصوص أفكاره بغرض تظليل العامة

ــــ فمن الذي يدري أن طه حسين كان يسخر ممن يقولون اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار بسم الله الرحمن الرحيم قبل الأكل ويسخر ممن يقول الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا من غير حوّل منا ولا قوة وجعلنا من المسلمين ـــ

هذا الضال المضل يستنكر هو ومن يتبعهم من الكافرين لإستخدام الضمائر في القرآن الكريم
فيحزن هو ومستشرقيه لأن الله يقول:
((( قل هو الله أحد ))
ويتمنى أن يقول قل أنا بدلا من قل هو !!!
ويحزن لأن الله يقول في كتابه :
((((الله لا إله إلا هو الملك القدوس )))
ويتمني لو تم إستبدال إلا هو الملك بإلا أنا الملك
وغيرها وغيرها
فهل رأيتم بعد ذلك تضليل وجهل
إنه يريد أن يستبدل الذهب بالملح
إنه يريد أن يستبدل الغالي الثمين بالرخيص التافه
فهل رأيتم بعد الإعجاز اللغوي البليغ للقرآن الكريم حتى يأتي الجاهل الضال ليحاول العبث به
إنها أمور نفهمها ويفهمها بسطاء المسلمين ويحسون حلاوتها
إن عمر بن الخطاب في جاهليته قد هجد قلبه وحنت روحه وسكنت رعونته أمام آية واحدة من كتاب الله حينما تلت عليه أخته (( طه ما أنزلنا عليك الكتاب لتشقى ))

ولقدزعم طه حسين أن القراءات السبع المجمع عليها لدى العلماء لم تنزل من عند الله، وأن العرب كما قرأتها حسبما استطاعت قراءتها لا كما أوحى الله بها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم

وهو بذلك البهتان ينكر أنها مروية عن الله تعالى كما جاءت على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم متجاهلا الآثار المتواترة والصحيحة التي وردت بهذا الصدد في كتب السنة المعتمدة.

كان يرى أن هناك قرآنا مكيا وقرآنا مدنيا، القرآن المكي يتميز بالبعد

((((((يستخدم الدكتور كلمة (الهروب من المناقشة) ليبرهن على بعده عن التأدب مع كتاب الله تعالى. فيا حسرتنا على العباد الذين يتخذون من التخريف أمارة على جودة التأليف، ويسمونه - كذبا وبهتانا :ــ

عميد الأدب..))))))

عن المناقشة والخلو من المنطق (كذا)! والقرآن المدني يناقش الخصوم بالحجة الهادئة..

والمؤسف ليس هذا الكلام الغث وحده، وإنما المؤسف بالدرجة الأولى هو ما يدل عليه من أن هذا الملحد المجاهر بإلحاده يعتقد أن القرآن الكريم هو من وضع النبي صلى الله عليه وسلم!!!

فهل نعيب على غلمانه في الجهل والشذوذ فرج فوده ونصر أبو زيد وسيد القمني ومنهم من حصل على الدكتوراه والأستاذية من دول غرضها محاربة الإسلام في مجالات الحركة الشيوعية والسياسة بعيدا عن الأدب والبلاغة كرفعت السعيد والعشماوي ونوال السعداوي التي وصل بها الحال أن تنسب نفسها إلى أمها !!!! وغيرهم

وهل هناك ما هو أصرح من هذا الذي قاله العميد في باب الكفر والزندقة؟!!!!!!

وليس كلامه هذا صادرا عن استقراء لما يزعمه قرآنا مكيّا ومدنيا.

فالدارسة المتعمقة للقرآن تُبَيِّن أن الآيات المكيّة مليئة بأقوى البراهين وأقمعها للملحدين الجاحدين. وكثيرا ما حاجّ الله سبحانه كفار مكّة وقارعهم الدليل تلو الدليل وتحداهم المرة بعد المرة فأعلنوا عجزهم وتسليمهم ودخلوا في دين الله أفواجا.

أما ما يزعمه قرآنا مدنيا، ويزعم أنه مُلِئَ بالتشريعات والأحكام ومبادئ الأخلاق.. الخ.. فإنه يردّ ذلك كله- قاتله الله - إلى احتكاك المسلمين بيهود المدينة، الخ ما قاله مما يملأ النفس ألما ووجدا على هذا الآدمي الذي ابتلي به المسلمون حينا من الدهر، ولا زالت سمومه تتسرب على أيدي أشياعه ممن وردوا ورده وشربوا من المستنقع الذي كرَع منه حتى غصّ بريقه..!

زعم أن عدم وضع النقط على الحروف القرآنية في بدء تدوينه قد أدّى إلى حدوث اختلاف في نطقه، فهناك كلمات تنطق هكذا: فتبينوا، فتثبتوا.. الخ.

والحق الذي لا مراء من حوله، مهما أرجف المرجفون، أن القرآن مكلوء برعاية الله إلى أبد الآبدين ودهر الداهرين وذلك بنص قول الحق سبحانه وتعالى:

((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))

وقد أحاط الكثيرون من الدارسين لعلوم القرآن بالكثير مما يتعلق بهذه الأمور

وما قصد طه حسين بهذا الافتراء إلا أن يكسر القداسة التي خص بها القرآن الكريم، سّيما وهو يعلم أن القرآن يتميز عن التوراة والإنجيل بأنه معجز بلفظه، محفوظ في السطور والصدور بنصّه، متعبد بتلاوته

((((((((((((((وهو كما قال (جاك بيرك): "سقف اللغة العربية تقاس عليه ولا يقاس عليها")))))))))))

فكيف يضعه هذا المخّرف موضع الشك والاختلاف؟
ادعى أن لفظة (سورة) مأخوذة من كلمة (شورة) العبرية بمعنى (سلسلة)!!!!!!!!

وأثار الشك في لفظة (قرآن) هل هي عربية أو عبرية أو مأخوذة من لغات أخرى!!!!!!!!!!!!!.

ورأى أن (الكتاب) غير (القرآن)، وأن الكتاب كان موجودا قبل إنزال القرآن، وأن القرآن صورة عربية منه. (نعوذ بالله من ذلك).

ومن أخباره أنه كان يشجع تلاميذه في كلية الآداب على أن ينقدوا القرآن في جرأة ينقدونه باعتباره كتابا أدبيا! يمكن أن يقال فيه هذا كذا، وهذا كذا. ويحاول أن يدرسه دراسة فنية!!

فهل تسلح أولئك الطلاب بالأسلحة العلمية الكافية لدارسة القرآن، فضلا عن ((نقده)) بأمر أستاذهم؟

وهل يملك أستاذهم نفسه، مهما بلغ من علوم اللغة نحوها وصرفها وبلاغتها وأدبها وفقهها ومتنها، أن يمسّ القرآن بكلمة نقد واحد؟

وهل استطاع أساطين البلاغة وفرسان البيان من العرب الخلص إلا أن يسلموا مقاليدهم أمام إعجاز القرآن الكريم وبلاغته فماذا يبلغ هذا الدعيّ من الفقه بلغة الكتاب الكريم وأحكامه العظيمة؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

فماذا بعد أيها الجاهل الذي توجوك بالإمارة
يامن وصفوك بقاهر الظلام وأنت الظلام القادم بخفافيشه ومتطرفيه

إن طه حسين أيها السادة هو أحد الأسباب الرئيسية في الإرهاب العلماني في المنطقة العربية وهو أحد صانعي التطرف الديني أيضا بما يطرحه وغلمانه من فكر مضاد للفطرة والدين

فلقد صارت أفكار طه حسين هي منطق العلمانيين والملحدين والماديين والليبراليين والجدليين وعبدة الشيطان حتي وصل الأمر بأن أعلن أحد الملاحدة بأن الكعبة كانت ضمن مجموعة كعبات وأن الحجر الأسعد ( الأسود ) من وضع البشر وأن عشقهم للكعبات والحجر الأسود هو بسبب عشقهم للآلهة من الأصنام والأحجار

نرد عليه بما ذكره " برثون " في رحلته للحجاز بأنه قال :

" ولا يزال الصائبة اليوم كما كانوا قبل الإسلام يحسبونها " أي الكعبة من البيوت السبعة التي تناظر الكواكب السبعة ويقولون أنها بيت أشرفها دارا وهو زحل وستبقى في الأرض ما بقى زحل في السماء " .

والمشهور عن الصائبة أنهم يوقرون الكعبة في مكة وأنهم يعتقدون أنها من بناء هرمس أو إدريس عليه السلام ، والصابئة هم قوم لا يجاوز عددهم عشرة الآلاف وهم يقيمون في الأقاليم الجنوبية في العراق حيث قام الخليل – عليه السلام كما في رواية العهد القديم و يقول العلامة وايت صاحب كتاب المطالعة العربية أن حروفهم الأبجدية تشبه الحروف النبطية وأن لغتهم تشبه لغة التلمود ، وأنهم يقولون أن لغتهم الأولى سريانية وأنهم كانوا بمصر على عهد الفراعنة الأول ، وتلقوا ديانتهم الأولى عن أحبارهم ثم هجروها حين تحول أهلها عن الدين القويم والمعروف لدينا وللعالم أجمع أن الصابئة قوم قبل الإسلام بآلاف السنين وأنهم يعرفون الكعبة قبل أن يهبط على أرضها أحد من البشر من سلالة إسماعيل عليه السلام ، وهذا يدل على قدم الكعبة قبل العرب وأنها ليست من صنع العرب . والمعروف تاريخياً أن الدول الكبرى حاولت أن تستغني عن مكة بتحويل الطريق منها أو هدم كعبتها فلم تفلح وبقيت لها مكانتها وقداستها كما كانت من أقدم عهودها ، وهي سابقة لكتابة أسفار العهد القديم في التوراة ، فإنها هي " ميشة " المشار إليها في سفر التكوين ، وهي ميشه التي يقول الرحالة بيرتون : " إنها كانت بيتاً مقصوداً لعبادة أناس من أبناء الهند و يقول الرحالون الشرقيون أنها كانت كذلك بيتاً مقصوداً للصابئين الذين أقاموا في جنوب العراق قبل الميلاد بأكثر من عشرة قرون.

ويخبرنا التاريخ أن أبرهة بني " القليس " في صنعاء ، وهو معبد له فلما تم بناؤها أمر بتحويل الحج إليها وكتب إلى النجاشي أنه سيصرف العرب أجمعين إليها ، فذهب إليها بعض العرب وهي الكعبة الجديدة ليدنسونها ، وأن سيدا من سادات تميم فعل ذلك ، فكان من جراء ذلك هجوم أبرهة على مكة في عام الفيل المشهور وهناك محاولات أخرى لهدم الكعبة أخبرنا بها التاريخ ولكنها لم تهدم رغم كره من ذوي السلطان لها في الجنوب ، والفرس والروم في الشمال

ومما هو جدير بالذكر ومما يعتبر ضربة قاضية لكل منكر للكعبة وللحجر الأسود
هو أنه شغل الباحثين و العلماء والمستشرقين من مئات السنين كنه الحجر الأسعد ؛ هل هو من السماء أم الأرض وبعد البحث والتحليل لجزء من الحجر الأسعد

أثبتت الدراسة العلمية أن الحجر الأسعد من أصل سماوي (((((( نيزكي ))))) وليس من أحجار الأرض ، وبذلك أنهى الجدل السائد بين بعض المستشرقين ، وكان بعضهم يقول إن الحجر الأسود من أصل بركاني ، وكانت هذه النتيجة بعد تحليل قطعة صغيرة من الحجر الأسود أخذها العلامة ريتشاد بيرتون بعد أن ادعى أنه مسلم ، وهذا البحث كتب بمجلة آخر ساعة

وهنا سؤال : هل لو بنى العرب أو غيرهم كعبات أخرى للعبادة هل هذا ينقص من كعبة المسلمين شيئاً ، ..
الحقيقة لا
لأن العبادات كلها التي وضعها الحق سبحانه وتعالى على الناس جميعا منذ آدم – عليه السلام – بها صلاة قيام وركوع وسجود ) وأخذ الفراعنة رسما من هذه الصلاة ، وأخذت البوذية صورة من هذه الصلاة فهل نقول أن الصلاة ما دامت قد أخذ من صورتها أناس غير مؤمنين تكون هذه الصلاة – وهي صلاة المؤمنين – صلاة غير معمول بها ، وكذلك بقية العبادات من صيام وغيره – ومن رعاية جوار البيت حلف الفضول الذي تعاهد فيه عظماء قريش لنصر كل مظلوم ورد الحق إلى كل مغصوب ، وأن يكونوا يداً واحدة في قتال كل غاصب .

ويعلق الأستاذ العقاد – رحمه الله – على هذا بقوله في كتاب ( مطلع النور ):

" وما من مقدمة للدعوة المحمدية كانت الزم ولا أكرم من هذه المقدمة تيسيراً لاجتماع الكلمة على الخير ، وتوحيد أبناء الجزيرة

أيها السادة إنني أدعوكم جميعا
أن تتأملوا في قراءتكم لكتب هذا المضلل
كيف يحارب الإسلام بلسان المسلمين وليس أدل على ذلك أكثر مما قاله
الأستاذ السابق بكلية اللاهوت الإنجيلية))) إبراهيم خليل فلوبرس ))))
واحد من الملايين الذين انقادوا لما وجدوا عليه آباءهم من غير بني الإسلام .. تنشأ في الكنيسة .. وترقى في مدارس اللاهوت .. وتبوأ مكانة مرموقة في سلم التبشير .. وبأنامل يديه خط عصارة خبرته الطويلة عدة مئات من الصفحات رسالة للماجستير تحت عنوان:

كيف ندمر الإسلام بالمسلمين ؟ !!!!

وقد كان في علم اللاهوت) متخصصاً لا يجارى .. وفي منظار ( الناسوت ) كان ابن الكنيسة الإنجلية .. الأمريكية يتيه خيلاء .. ولأسباب القوة والمتعة والحماية المتوفرة .. ما كان ( إبراهيم يقيم لعلماء الأزهر ، ـ وقد شفهم شظف العيش ـ أي وزن أو احترام!!!!

الذي قال :
الواقع كنا نؤسس على هذه الدراسات حواراتنا المستقبلية مع المسلمين ونستخدم معرفتنا لنحارب القرآن بالقرآن … والإسلام بالنقاط السوداء في تاريخ المسلمين ! كنا نحاور الأزهريين وأبناء الإسلام بالقرآن لنفتنهم ، فنستخدم
الآيات مبتورة تبتعد عن سياق النص ونخدم بهذه المغالطة أهدافنا ، وهناك كتب لدينا في هذا الموضوع أهمها كتاب ( الهداية ) من 4 أجزاء و ( مصدر الإسلام

) إضافة إلى استعانتنا واستفادنا من كتابات عملاء الاستشراق أمثال طه حسين الذي استفادت الكنيسة من كتابه الشعر الجاهلي مائة في المائة ، وكان طلاب كلية اللاهوت يعتبرونه من الكتب الأساسية لتدريس مادة الإسلام !

وفي كتاب
(على هامش السيرة) فقد حشاه طه حسين بالأساطير والروايات الباطلة مبرراً موقفه هذه "بأن هذه الأساطير ترضي ميل الناس إلى السذاجة، وترفه عنهم حين تشق عليهم الحياة" !!

يقول الأستاذ غازي التوبة : "ليس من شك في أن تناول السيرة بقصد الاستراحة من جهد الحياة وعنائها، والترفيه عن النفس، وإرضاء ميل الإنسان إلى السذاجة، وتنمية بعض عواطف الخير، ليس من شك أنها سابقة خطيرة، لا يحسد عليها طه حسين؛ لأن المسلمين كتبوا –دوما وكثيراً- في سيرة نبيهم صلوات الله عليه، ومحصوا أحداثها، وميزوا دقائقها، وبوبوا تفاصيلها، وكان نظرهم –خلال ذلك كله وبعده- يرمق في محمد (صلى الله عليه وسلم) مثلاً أعلى للإنسانية ويلتذ في ذلك، ويشتم منه الصفات العبقة ويلتذ في ذلك –ولم يقفوا عند حدود الرمق والشم والالتذاذ- ولكن سعت أقدامهم في لحظة الرمق والشم والتلذذ نفسها- ومشت على طريق محمد. فزكوا أنفسهم كما زكى محمد نفسه، وعبدوا ربهم كما عبد محمد ربه، وعاملوا الناس كما عامل محمد الناس، وجاهدوا الشرك والباطل كما جاهد محمد الشرك والباطل الخ…

كتب المسلمون الذي كتبوه في سيرة نبيهم، ومحصوا الذي محصوه، وبوبوا الذي بوبوه، قاصدين الاقتداء به، والعمل مثل عمله. وشتان بين ما هدف إليه طه حسين، وما ذهب إليه رواة السيرة" (الفكر الإسلامي، لغازي التوبة، ص، 110).

وقد صدق محمد حسين هيكل صاحب طه حسين ! في تعليقه على كتاب طه هذا، حين قال:

"الخطر ليس على الأدب وحده، ولكن على الفكر الإسلامي كله؛ لأنه يعيد غرس الأساطير والوثنيات والإسرائيليات في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها، وحرروها من آثارها"

أما كتابه (الشيخان) فقد مارس فيه ما أتقنه من مذهب (الشك) الذي ورثه من (ديكارت) ! حيث قال في مقدمة الكتاب:

"وما أريد أن أفصل الأحداث الكثيرة الكبرى التي حدثت في أيامهما، فذلك شيء يطول، وهو مفصل أشد التفصيل فيما كتب عنهما القدماء والمحدثون. وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث، وأكاد أقطع بأن ما كتب القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين، أشبه بالقصص منه بتسجيل الحقائق التي كانت في أيامهما" !!

هكذا دون أدلة، ودون رجوع لأهل الشأن من علماء الحديث، إنما تحكيماً لعقله في أحداث الصحابة وما جرى منهم ولهم.


أما كتاب (الفتنة الكبرى) بجزأيه

فقد خاض فيه طه حسين في ما شجر بين الصحابة –رضوان الله عليهم- دون علم، وهو ما نهى عنه علماء أهل السنة –رحمهم الله-، وكان له هدف خبيث من هذا الخوض

بينه الأستاذ غازي التوبة بعد أن فنَّد الكتاب بقوله:

"إذن ينعي طه في ختام الجزء الأول الخلافة، ويوهِن من عزائم المسلمين الساعية إلى إعادتها، وينبههم إلى أن المسلمين الأوائل تنكبوا عن طريقها منذ أمد بعيد واتبعوا طريق الملك الذي يحل مشكلات الدنيا بالدنيا، فالخلافة تحتاج إلى أولي عزم من الناس، وأين أولو العزم الآن ؟!!!!!!!!

وكأن لسان حاله يخاطب مسلمي عصره ويقول لهم:

عليكم أيها المسلمون أن تدعوا التفكير في الخلافة، وأن تبطلوا السعي إليها، وأن ترضوا بحكم الديمقراطية كما رضي أصحاب النبي بعد عثمان رضي الله عنه بحل مشكلات الدنيا بوسائل الدنيا ؟؟!!
هذه هي النتيجة التي يصل إليها طه حسين في ختام الجزء الأول، ويا لها من نتيجة مثبطة!!!!!!

أما الجزء الثاني من الكتاب (علي وبنوه)

فإنه أيضاً لم يخلُ من دسّ، معلناً فيه (انهزام) ! الخلافة على يد علي –رضي الله عنه- وموهماً القارئ أن الإسلام قد انسحب نهائياً من الحياة بهزيمة علي –رضي الله عنه-!! وأن المال قد استولى على النفوس !!!!!!!!

الخلاصة كما يقول الأستاذ غازي التوبة:

أن طه حسين "كتب (الفتنة الكبرى) مشككاً في حكم الخلافة الإسلامية الأول، وفي إمكانية استمراره، ناعياً على الإسلام افتقاره للنظام المكتوب، معلناً انبثاق مذهب جديد في السلطان يقوم على الجبر والقهر، مبيناً رضوخ المسلمين وارتضاءهم للمذهب الجديد، زاعماً انسحاب الإسلام من مختلف قطاعات الحياة وسيطرة المال والأثرة !!


كتب كل هذا :

قاصداً أن يقنع المسلمين بأن الحكومة الإسلامية
لا وجود لها بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام

(((( وهو نفس ما يردده غلمانه ولم يأتوا بجديد على فريته بل ظلوا كالببغاوات يرددو ويرددون دون أي إضافه وبجهل متقع كأن لكلمات عميد الإلحادالقداسة وللفكر الإسلامي الخضوع للتكذيب والمنطقية الوضعية والمادية الديالكتيكية الجدلية !!!!!!!!!!))))

وإن طبقت فلأمد محدود لا يتجاوز حياة عمر، ويعود نجاح التطبيق إلى إمكانات عمر الفردية فقط !!

كتب عميد الضلال كل هذا:

هادفاً أن يُلطخ صورة الخلافة الوضاءة كي يصرف أنظار المسلمين عنها، وأن يثني عزائهم عن السعي إليها بتهويل الصعوبات، فالأمر يحتاج إلى أولي عزم. وأين أولو العزم من الناس ؟ !


ما هي الأسباب التي دفعته إلى الكتابة عن الإسلام؟

يكمن السبب في الوضع الداخلي لمصر، فقد بلغ المد الإسلامي فيها ذُروته العظمى في نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات باغياً إعادة تطبيق الإسلام في مجال الحكم، وإرجاع الخلافة الإسلامية إلى الوجود. وقد كتب طه –في اللحظة نفسها أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات –كي يُشكك هذا المد بعدم جدوى محاولته بالاستناد إلى تاريخ المسلمين نفسه"

أما كتاب (حديث الأربعاء)

فقد حاول طه فيه أن يصور للقارئ أن العصر العباسي كان عصر شك ومجون ودعارة وإباحية !!!!!!

معتمداً في ذلك على قصص أبي نواس وحماد عجرد والوليد بن يزيد ومطيع بن إياس والحسين بن الضحاك ووالبة بن الحباب وإبان بن مروان بن أبي حفصة وغيرهم من المجَّان!

وقد نقد هذا الكتاب (الماجن) كلٌ من:

الأديب إبراهيم المازني والأستاذ رفيق العظم.

إن أهم الأخطار التي ظللا يروج لها طه حسين هي:

أولاً:
قوله بالتناقض بين نصوص الكتب الدينية وبما وصل إليه العلم، وقوله: (إن الدين لم ينـزل من السماء وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها) وهذه نظرية شاعت حيناً في الفكر الغربي تحت تأثير المدرسة الفرنسية التي يرأسها اليهودي (دوركايم).

ثانياً:
إثارة الشبهات حول ما سماه القرآن المكي والقرآن المدني، وهي نظرية أعلنها اليهودي (جولد زيهر) وثبت فسادها.

ثالثاً:
تأييده القائلين بتحريق العرب الفاتحين لمكتبة الإسكندرية وهي نظرية رددها المستشرق (جريفبني) في مؤتمر المستشرقين عام 1924.

رابعاً:
عَمِلَ على إعادة طبع (رسائل إخوان الصفا) وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة لإحياء الفكر الباطني المجوسي الذي كان يحمل المؤامرة على الإسلام والدولة الإسلامية.

خامساً:
إحياؤه شعر المجون والغزل بالمذكر وكل شعر خارج عن الأخلاق سواء كان جنسياً أو هجاء، وقد أولى اهتمامه بأبي نواس، وبشار والضحاك في دراسات واسعة عرض فيها آراءهم وحلل حياتهم.

سادساً: ترجمة القصص الفرنسي المكشوف، وترجمة شعر بودلير وغيره من الأدب الأجنبي الإباحي الخليع.

سابعاً:
إثارة شبهة خطيرة عن أن القرن الثاني الهجري كان عصر شك ومجون.

ثامناً:
قدم فكرة فصل الأدب العربي عن الفكر الإسلامي كمقدمة لدفعه إلى ساحة الإباحيات والشك وغيرها وذلك باسم تحريره من التأثير الديني.

والآن يا سادتي الكرام نتوقف عند هذا الحد

لأحدثكم في الحلقة القادمة

((((((((( عن زيارات طائر الظلام للجامعة العبرية والجامعات الأمريكية والتبشيرية والمؤتمرات الإستشراقية وزياراته المتعدده لفلسطين المحتلة وقت قيام دولة الكيان الصهيوني ومحاضراته الدائمة هناك)))))))))))

وإنني لا أنسى أن أطالبكم مرات ومرات بنزع لقب عميد الأدب العربي ممن حارب الأدب العربي

وأن تنزعوا لقب قاهر الظلام ممن ساهم في صنع التطرف والإرهاب في أرض الإسلام 0

حازم
04-05-2005, 11:49 PM
يقول الشيخ ابو اسلام احمد فى كتابه انبياء الفرعونية ص 14

اما طه حسين فيدعو الى قطع الجذور التاريخية وبتر الاصول التى تربط مصر الاسلامية كعقيدة روحية فيصف اهمية الانتماء الى هذه القومية الفرعونية فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) قائلا : انها اعتاق من الشرق الروحى ، لان ... التاريخ يحدثنا بان رضاء مصر عن السلطان العربى بعد الفتح لم يبرا من السخط ولم يخلص من المقاومة والثورة وبانها لم تهنا ولم تطمئن الا حين اخذت تسترد شخصيتها المستقلة فى ظل ابن طوبون ، ومن الخطر ان نلقى فى روح الشباب ، بُغض الحضارة الاوربية التى يعرفونها فتثبط همم وعزائمهم .

ومن نفس المصدر ص 63
يقول الشيخ ابو اسلام عن كتاب طه حسين العشر الجاهلى : هو عبارة عن طعن فى القصص القرآنى معتبرا انها من اساطير الاولين
ويقول الشيخ عن كتاب مستقبل الثقافة فى مصر : دعا المسلمين الى الاخذ بحضارة الغرب حبوها ومرها ما نريده منها وما لا نريده لان حضارة مصر الفرعونية فى حقيقتها جزء من حضارة البحر المتوسط

نفس المصدر ص 69

د. طه حسين : الذى لقب بعميد الادب العربى وهو الكاره الماقت للعروبة وعقيدتها الاسلامية تعلم تعليما ازهريا وكان تلميذا لاحمد لطفى السيد الذى ايده فى مهاجمة الازهر سافر الى فرنسا فى بعثة فتزوج من فرنسية وعاد بها من البعثة متبنيا الرؤية الغربية عموما ورؤية زوجته الفرنسية على وجه التخصيص سائرا على درب ديكارت الذى اتخذ من الشك وسيلة لليقين بكل شىء ، الا اليقين بكتاب الله الكريم والسنة النبوية .

وفى ص 81

يقول الشيخ : قبل سنوات كانت تدرس قصة (الشيخان) لطه حسين على طلاب الثانوية العامة وهى تعتمد على منهج الشك الديكارتى الذى نادى به طه حسين فى مناهج التاريخ بصفة عامة ، وهو تركز على الجانب الفرعونى برغم انها ترتدى ثوب التاريخ الاسلامى فعند الحديث عن الجانب الاسلامى فانه يتم التركيز حول الشخصية المصرية التى صاغت الدين ودافعت عنه .
الى جانب ان التاريخ النصرانى اصبح مقررا فى المناهج باعتباره جزءا من اطار الشخصية الفرعونية القديمة .

الجندى
04-09-2005, 02:38 AM
طه حسين .. رائد التغريب ..! للشيخ / محمد بن إسماعيل المقدم



في يناير 1950م: حمل "حسين سري" (رئيس الديوان) إلى الملك "فاروق" مشروع التشكيل الوزاري الذي سلمه إليه "مصطفى النحاس" رئيس حزب الوفد, أخذ الملك في مراجعته, ولما بلغ اسم "طه حسين" قال فاروق: (مستحيل مستحيل أنتم لا تعرفون خطورة هذا الرجل)
وقال أيضاً: (من المحال أن أوافق على أن يكون وزيراً للمعارف بالذات مستحيل), وتدخل "كريم ثابت" الصليبي وأقنع الملك بالعدول عن موقفه.
فمن هو ذلك الرجل الذي أشفق الطاغية "فاروق" من خطره؟
لعل أغلب أبناء هذا الجيل طرق أسماعهم اسم "طه حسين" الموصوف زوراً بأنه "عميد الأدب العربي", وتخليوه –من جراء الدعاية المسلطة على عقولهم- الرجل المسلم الوقور, تحيطه هالة من الشهرة المدوية, والتاريخ الحافل بالأمجاد.
إن من الواجب على أبناء اليقظة الإسلامية المعاصرة أن يمحصوا حقيقة ذلك الرجل, حتى لا ينخدعوا بالدعايات الكاذبة التي تملأ الآفاق مدحاً في "طه حسين", وتمجيداً له, في حين أنه كان صنيعة لأعداء الإسلام, وداعية للتبعية المطلقة للمدنية الغربية بكل مفاسدها وشرورها.
إن "طه حسين" مسئول عن كثير من مظاهر الفساد والتحلل التي ينوء بها المجتمع اليوم, ولقد خاض معركة بل معارك من أجل "تسميم" الآبار الإسلامية, وتزييف مفهوم الإسلام والتاريخ الإسلامي, معتمداً على سياسة المستشرقين في التحول من المهاجمة العلنية للإسلام إلى خداع المسلمين بتقديم طُعْم ناعم في أول الأبحاث ثم دس السم على مهل متستراً وراء دعوى "البحث العلمي" و"حرية الرأي" !!
وليس المقام مقام (الترجمة) لطه حسين, ولكنه مقام التنبيه إلى دوره الخطير في محاربة الإسلام وتهديد حصونه من داخلها, ثم سرد مقتطفات من أقواله وأفعاله التي تبين مدى حقده على هذا الدين وعلى هذه الأمة, لا أجد أصدق في التعبير عن ذلك من حكم أستاذه "التلمودي" المستشرق "ماسينيون"عليه.
فقد قال الدكتور زكي مبارك: (وقف المستشرق ماسينيون, يوم أديت امتحان الدكتوراه فقال: إنني أقرأ بحثاً لطه حسين أقول: "هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا" (1 ) أهـ, وهاك أمثلة من أقواله الكفرية, ومواقفه الإبليسية:
1-فمن ذلك: تكذيبه القرآن المجيد وسائر الكتب السماوية في قوله:
(للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل, وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً, ولكن ورد هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلاً عن إثبات هذه القضية التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة, ونشأة العرب المستعربة ونحن مضطرون أن نرى في هذه القضية نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة, وبين الإسلام واليهود, والقرآن والتوراة من جهة أخرى) اهـ.
2-ومن ذلك قوله: (إن القرآن المكي يمتاز بالهروب من المناقشة والخلو من المنطق) تعالى الله عما يقول الملحدون علواً كبيراً.
3-ومن ذلك قوله: (ظهر تناقض كبير بين نصوص الكتب الدينية, وبين ما وصل إليه العلم) وقوله: (إن الدين لم ينزل من السماء, وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها), (إن الدين حين يقول بوجود الله ونبوة الأنبياء يثبت أمرين لا يعترف بهما العلم) اهـ.
4-ومن ذلك قوله: (إن الفرعونية متأصلة في نفوس المصريين, وستبقى كذلك بل يجب أن تبقى وتقوى, والمصري الفرعوني قبل أن يكون عربياً, ولا يطلب من مصر أن تتخلى عن فرعونيتها, وإلا كان معنى ذلك: اهدمي يا مصر أبا الهول والأهرام, وانسي نفسك واتبعينا, ولا تطلبوا من مصر أكثر مما تستطيع أن تعطي, مصر لن تدخل في وحدة عربية سواء كانت العاصمة القاهرة أم دمشق أم بغداد, وأؤكد قول أحد الطلبة القائل: "لو وقف الدين الإسلامي حاجزاً بيننا وبين فرعونيتنا لنبذناه" ) اهـ.
5-ومنه قوله في مجلة "كوكب الشرق" (12 أغسطس 1933):
(لم أكن في اللجنة التي وضعت الدستور القديم, ولم أكن بين الذين وضعوا الدستور الجديد, ولم يستشرني أولئك وهؤلاء في هذا النص الذي اشتمل عليه الدستوران جميعاً, والذي أعلن أن للدولة المصرية ديناً رسمياً هو الإسلام, ولو قد استشارني أولئك وهؤلاء لطلبت إليهم أن يتدبروا, وأن يتفكروا قبل أن يضعوا هذا النص في الدستور) اهـ.
6-ومن ذلك أنه دعا طلاب كلية الآداب إلى اقتحام القرآن في جرأة, ونقده بوصفه كتاباً أدبياً يقال فيه: هذا حسن, وهذا (كذا) تعالى الله عن زندقته علواً كبيراً, فقد حكى عنه (عبد الحميد سعيد) قوله: (ليس القرآن إلا كتاباً ككل الكتب الخاضعة للنقد, فيجب أن يجرى عليه ما يجرى عليها, والعلم يحتم عليكم أن تصرفوا النظر نهائياً عن قداسته التي تتصورونها, وأن تعتبروه كتاباً عادياً فتقولوا فيه كلمتكم, ويجب أن يختص كل واحد منكم بنقد شيء من هذا الكتاب, ويبين ما يأخذه عليه)(2 ) اهـ.
7-ومن ذلك: حملته الشديدة على الأزهر الشريف وعلمائه الأفاضل, ورميهم جميعاً بالجمود, وحثه على (استئصال هذا الجمود, ووقاية الأجيال الحاضرة والمقبلة من شره) على حَدِّ تعبيره.
8-ومن ذلك أيضاً تشجيعه لحملة (محمود أبو رية) على السنة الشريفة, ومن ذلك أيضاً تأييده لـ (عبد الحميد بخيت) حين دعا إلى الإفطار في رمضان, وثارت عليه ثائرة علماء المسلمين.
9-ومنه: مطالبته بإلغاء التعليم الأزهري, وتحويل الأزهر إلى جامعة أكاديمية للدراسات الإسلامية, وقد أطلق عليها (الخطوة الثانية) وكانت "الخطوة الأولى" هي إلغاء المحاكم الشرعية التي هلل لها كثيراً.
10-قوله: (خضع المصريون لضروب من البغي والعدوان جاءتهم من الفرس والرومان والعرب أيضاً) اهـ.
11-ومن ذلك أنه أعاد خلط الإسرائيليات والأساطير إلى السيرة النبوية بعد أن نقاها العلماء المسلمون منها, والتزيد في هذه الإسرائيليات والتوسع فيها.
12-ومن ذلك: حملته على الصحابة رضي الله عنهم, وعلى الرعيل الأول من الصفوة المسلمة, وتشبيههم بالسياسين المحترفين الطامعين في السلطان – وحاشهم رضي الله عنهم- وذلك في محاولة منه لإزالة ذلك التقدير الكريم الذي يكنه المؤرخون المسلمون لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى الله عنهم.
13-ومن ذلك: عمله في إعادة طبع رسائل " إخوان الصفا" وتقديمها بمقدمة ضخمة في محاولة إحياء هذا الفكر الباطني المجوسي المدمر, وإحياؤه شعر المجون والفسق, والحديث عن شعرائهما بهالة من التكرم كأبي نواس وبشار وغيرهم, وكذا ترجمة القصص الفرنسي الإباحي الماجن, وطعنه في ابن خلدون والمتنبي وغيرهم.
14-ومن ذلك قوله: (أريد أن أدرس الأدب العربي كما يدرس صاحب العلم الطبيعي علم الحيوان والنبات, ومالي أدرس الأدب لأقصر حياتي على مدح أهل السنة, وذم المعتزلة, من الذي يكلفني أن أدرس الأدب لأكون مبشراً للإسلام, أو هادماً للإلحاد) اهـ.
15-ومنه قوله: (إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمناً وكافراً في وقت واحد, مؤمناً بضميره وكافراً بعقله, فإن الضمير يسكن على الشيء, ويطمئن إليه فيؤمن به, أما العقل فينقد ويبدل ويفكر أو يعيد النظر من جديد, فيهدم ويبني, ويبني ويهدم) اهـ.
16-ومن ذلك قوله : (علينا أن نسير سيرة الأوربيين, ونسلك طريقهم, لنكون لهم أنداداً, فنأخذ الحضارة خيرها وشرها, وحلوها ومرها, وما يُحَبُّ منها وما يكره, وما يحمد منها, وما يُعاب)اهـ.
17-ومن ذلك قوله في تصوير سر إعجابه "بأندريه جيد": (لأنه شخصية متمردة بأوسع معاني الكلمة وأدقها, متمردة على العرف الأدبي, وعلى القوانين الأخلاقية, وعلى النظام الاجتماعي, وعلى النظام السياسي, وعلى أصول الدين), وذكر أنه يحب "أندريه جيد" ويترسم خطاه, ويصور نفسه من خلال شخصيته.
18-ومن ذلك: وصفه لوحشية المستعمرين الفرنسيين وقسوتهم في معاملة المسلمين المغاربة: بأنها (معاناة ومشقة في سبيل الحضارة الفرنسية والمدنية على تلك الشعوب المتوحشة التي ترفض التقدم والاستنارة).
19-ومن ذلك: استقدامه لبعد المستشرقين المحاربين لله ورسوله الطاعنين في القرآن الكريم لإلقاء محاضرات حول الإسلام في الجامعة المصرية لتشكيك الطلاب في القرآن والإسلام.
20-ومن ذلك: تشجيعه تيار التبشير في الجامعة, وحينما اكتُشف هذا المخطط التبشيري قال: (ما يضر الإسلام أن ينقص واحداً, أو تزيد المسيحية واحداً) وعندما تكشف أن هناك كتباً مقررة في قسم اللغة الإنكليزية تتضمن هجوماً على الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الإسلام قوي, ولا يتأثر ببعض الآراء) واكتفى بهذا, في حين ترك للأساتذة الإنكليز مطلق الحرية في هذا العمل.
21-ثم عمد "طه حسين" إلى إخراج كل من له رأي أو أصالة من كلية الآداب, واستبقى أعوانه الذين سار بهم إلى الطريق الذي رسمه, وأعانه على ذلك "لطفي السيد" الذي كان مديراً للجامعة, وفي نفس الوقت تابعاً لخطط "طه حسين", وخاصة في خطة إنشاء معهد "التمثيل والرقص الإيقاعي", ودعوة الطالبات إلى الاختلاط, وتحريضهن على ذلك, ومعارضة الجبهة المسلمة التي حاولت أن تدعو إلى الدين والأخلاق, وهكذا تحولت الجامعة إلى مجتمع متحلل من قيود الأخلاق الإسلامية, فأقيمت حفلات رسمية في دار الأوبرا خليت لها الراقصات المحترفات, ومن ثم عرفت حفلات الرقص والسمر في البيوت مما قصت أخباره بعض الخريجات وغيرها, والرحلات المشتركة, وما كان يجرى في اتحاد الجامعة, ورابطة الفكر العالمي من محاضرات مادية إلحادية, ومقطوعات فرنسية على البيانو, وروايات تمثيلية تقوم على الحب والغرام.. وقد وصل الأمر إلى حد أن أحد الأساتذة "الأجانب" ضاق ذرعاً بذلك الفساد فكتب يقول: " إن خليق بالجامعة أن تمثل المثل الأعلى – "يعني للطلاب"- لا أن تمثل فيهم دور السكير) !.
وكان " طه حسين " يرعى ذلك ويقول: (إن هذا النوع من الحياة الحديثة لن يمضي عليه وقت طويل في مصر, حتى يغير العقلية المصرية تغييراً كبيراً ).
22-وتتابعت خطوات "طه حسين" في كلية الآداب في سبيل خطته, فأقام حفلاً لتكريم "رينان" الفيلسوف الفرنسي الذي هاجم الإسلام أعنف هجوم, ورمي المسلمين والعرب بكل نقيصة في أدبهم وفكرهم, وكذلك جعل "طه حسين" الشعار الفرعوني هو شعار الجامعة, وقد لقى من ذلك كله معارضة شديدة وخصومة واسعة وصلت إلى كل مكان في البلاد العربية, وأرسل إليه الأستاذ "توفيق الفكيكي" من العراق برقية قال فيها: "إن شعاركم الفرعوني سيكسبكم الشنار, وستبقى أرض الكنانة وطن الإسلام والعروبة برغم الفرعونية المندحرة".
23-وذكرت مجلة "النهضة الفكرية" في عددها الصادر في 7 نوفمبر 1932: (أن الدكتور "طه" تعمد في إحدى كنائس فرنسا, وانسلخ من الإسلام من سنين في سبيل شهوة ذاتية)( 3).

صراع حركة اليقظة مع " طه حسين":
ولقد هوجم (طه حسين) منذ اليوم الأول إلى اليوم الأخير, لم تتوقف حركة اليقظة عن متابعته وكشف شبهاته وتزييف آرائه, ودحر مخططه, ولكنه مع كل ذلك كان يقبض الثمن, ويكافأ بكل إصرار على خدماته لأعداء الإسلام, فلقد ظل يترقى في المناصب رغم الحملات التي شنها عليه علماء الإسلام في كافة البقاع الإسلامية, ظل يترقى في مخطط مرسوم من أستاذ إلى عميد إلى مدير جامعة إلى مستشار فني إلى وزير, وظل حتى اللحظات الأخيرة من حياته مشرفاً على اللجنة الثقافية في الجامعة العربية ورئيساً لمجمع اللغة العربية, وله نفوذه الواسع في وزارة المعارف والجامعات وذلك مصداق قول "هاملتون جب" المستشرق:
(سواء قوبلت آراء "طه حسين" بالموافقة أم لم تقابل, فلابد أن يقضي نفوذه الواسع الذي يتمتع به إلى توطيد المبادئ التي يدعو إليها) اهـ.
وقال المستشرق "كاممفاير":
(إن المحاولة الجريئة التي قام بها "طه حسين" ومن يشايعه في الرأي لتخليص دراسة العربية من شباك العلوم الدينية هي حركة لا يمكن تحديد آثارها على مستقبل الإسلام) اهـ.
بل قال هو عن نفسه: (إنني أفكر بالفرنسية, وأكتب بالعربية) اهـ.
وفي تقرير خطير يصف المكر اليهودي الأمريكي لإبادة الجيل المسلم, وبصورة مكشوفة يطالب التقرير بوجوب الإفادة من آراء "طه حسين" ومؤلفاته.
{ وقد دعا التقرير إلى وجوب تأليف "لجنة مكافحة الإسلام تنبع من وكالة الأمن القومي الأمريكي, وقد استعانت هذه اللجنة بعدة شخصيات منها نائب ما يسمى ب (البابا) المسؤول عن التبشير مع الجمعيات الدينية, كما استعانت بتقرير الإدارة البريطانية وغيرها من تقارير الدول الاستعمارية في الغرب والشرق.
وقد جاء في توصيات اللجنة السابقة بالحرف الواحد:
"وجوب تسليط الدعاية والإعلام على مجددي الدين المزعومين كطه حسين وأمثاله" }( 4)اهـ.
هذا وقال الأستاذ الشيخ "عبد ربه مفتاح" من علماء الأزهر في مقالة نشرها الكوكب, مخاطباً "طه حسين" : (وكيف تزعم أيُّها الدكتور أن "بعض" العلماء أثار هذا الأمر-أمر كفرك- وهاأنذا أصرح لك- والتبعة في ذلك عَليَّ وحدى- بأن العلماء أجمعين وعلى بكرة أبيهم يحكمون عليك بالكفر, وبالكفر الصريح الذي لا تأويل فيه ولاتجوُّز, واتحداك, وأطلب منك إلحاح أو رجاء أن تدلني على واحدٍ منهم "وواحد فقط" يحكم عليك بالفسوق والعصيان دون الكفر, أجل إني وأنا من بينهم أتهمك بالكفر, وأتحمل تبعة هذا الإتهام, وعليك تبرئة نفسك من هذا الإتهام الشائن, والمطالبة بما لَكَ من حقوق نحوي)(5 ) اهـ.
وأخيراً: فهذه لمحة خاطفة عن "طه حسين" الرجل الذي تشهد كتبه بأنه لم يكن إلا بوقاً من أبواق الغرب, وواحداً من عملائه الذين أقامهم على حراسة السجن الكبير, يروِّج لثقافاته, ويعظمها, ويؤلف قلوب العبيد ليجمعهم على عبادة جلاديهم, (ويوطد دعائم الود والتفاهم بين الحمار وراكبه, وهي دعائم تفيد الراكب دائماً, ولا تفيد الحمار!)( 6).

كيف واجه المسلمون مؤمرات "طه حسين" ؟أصر (طه حسين) على استبقاء كتب (برناردشو) وغيره التي تهاجم الإسلام في كلية الآداب بحجة أن الإسلام قوي ولن يتأثر بهذا الرأي أو ذاك.
سرت عند ذلك روح الغيرة الإسلامية عند الطلاب, فقاومت مؤمرات (طه حسين) على الإسلام, وحاصرته في مكتبة بكلية الآداب, وكادت تفتك به لولا أن أنقذه بعض الخدم فهرب –واعتكف كمقدمة لخروجه من كلية الآداب.
وأحرق الشباب العربي في الشام كتب (طه حسين) في ميدان عام في العاصمة دمشق, ووصفه العلماء بالإلحاد والزندقة.
وقام بعض تلامذته الذين استيقظ فيهم الشعور بالكرامة والعزة الإسلامية وكشفوا حقيقته بفضح أهدافه, وكشف تزويره وسرقته من كتب المؤلفين الغربيين.(7 )
وتصدى له عشرات العلماء والدعاة والمفكرين لعدوانه المتكرر على حرمات الإسلام, وفضحوا مؤامراته على الإسلام, ومن ذلك المقالة التالية:
بين "حسن البنا" و "طه حسين" :
فقد عقد الأستاذ "حسن البنا" رحمه الله فصلاً في مجلة "التعارف" تحت عنوان: " إذا كان هذا صحيحاً يا دكتور فقد اتفقنا".
كان مما جاء فيه بصدد قضية "الاختلاط" :
( وهل من الدعوة الإسلامية يا دكتور أن تخلط بين الفتيان والفتيات هذا الخلط في كلية الآداب فتحذو حذوها غيرها من الكليات, وتبوء أنت بإثم ذلك كله؟ وتريد للفتيات في صراحة هذا الاختلاط, وتحثهن عليه, وتدعوهن إليه, ولا تقل إن هذا من عمل غيرك, فيداك أوكتا, وفوك نفخ, وما تحمس لهذا, ودعا إليه, وحمل لواءه, واستخدم نفوذه في تحقيقه أحد كما فعلت ذلك أنت, ولعلك تعتبر هذا من مآثرك ومفاخرك, ولكني أخالفك يا دكتور, وأصارحك بأن هذا الاختلاط ليس من الإسلام, وقد رأينا –وسترى- ما كان وما سيكون له من آثار) اهـ.
وقالت (درية شفيق): (في سنة 1932م ظهرت صورة للدكتور "طه حسين" بك في نادي الجامعة وعلى يمينه ويساره الطلبة والطالبات جلوساً يتناولون الشاي, وقامت القيامة لهذه الصورة البريئة التي تضرب المثل للأبوة في وجود العميد و"الأخوة" ! في جلسة الطلبة والطالبات, واتخذت الصورة تكأة يتخلص بها الرجعيون من (طه حسين) و (لطفي السيد), ووقف الرجعيون في مجلس النواب يحملون على الجامعة ورجالها فكرة تعليم البنات فيها, ويرون ذلك فضيحة من الفضائح يجب أن تحول دونها الحكومة)( 8) اهـ.
وفي غرة المحرم 1356هـ (الموافق 14 مارس 1937م) زحف موكب كبير من طلبة الجامعة المصرية والأزهر ودار العلوم يزيد على أربعة آلاف نسمة, ومن خلفهم أضعاف أضعافهم من ولاة أمور الطلاب, واتجه الموكب إلى قصر الأمير (محمد علي) رئيس مجلس الوصاية مطالبين بتعميم التعليم الديني والتربية الإسلامية في جميع أدوار التعليم إلى نهاية درجته العليا, وفصل الشابات عن الشبان في الجامعة المصرية كما هو الحال في أدوار التعليم التي قبل الجامعة, والاهتمام بالتربية بقدر الاهتمام بالتعليم)(9 )هـ.
وانبرى الأديب الكبير (مصطفى صادق الرافعي) يبارك مطالب شباب الجامعة التي تجاوبت بها أصداء البلاد, ويرد على "طه حسين" وأشياعه تحت عنوان:
إلى شباب الجامعة( 10)
(حياكم الله يا شباب الجامعة المصرية, لقد كتبتم الكلمات التي تصرخ منها الشياطين, كلمات لو انتسبن لانتسبت كل واحدة منهن إلى آية مما أنزل به الوحي في كتاب الله.
فطلب تعليم الدين لشباب الجامعة ينتمي إلى هذه الآية: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ﴾ الأحزاب (33)
وطلب الفصل بين الشباب والفتيات ويرجع إلى هذه الآية: ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ﴾ الأحزاب (53)
يريد الشباب مع حقيقة العلم وحقيقة الدين, فإن العلم لا يعلم الصبر ولا الصدق ولا الذمة, يريدون قوة النفس مع قوة العقل, فإن القانون الأدبي في الشعب لا يضعه العقل وحده, ولا ينفذه وحده.
ويريدون قوة العقيدة حتى إذا لم ينفعهم في بعض شدائد الحياة ما تعلموه نفعهم ما اعتقدوه...
لا ... لا ... , يارجال الجامعة ! إن كان هناك شيء اسمه حرية الفكر فليس هناك شيء اسمه حرية الأخلاق.
وتقولون: أوربا وتقليد أوربا؟ ونحن نريد الشباب الذين يعملون لاستقلالنا لا لخضوعنا لأوربا.
وتقولون: إن الجامعات ليست محل الدين, ومن الذي يجهل أنها بهذا صارت محلاً لفوضى الأخلاق؟
وتزعمون أن الشباب تعلموا ما يكفي من الدين في المدارس الإبتدائية الثانوية, فلا حاجة إليه في الجامعة.
أفترون الإسلام دروساً ابتدائية وثانوية فقط؟ أم تريدونه شجرة تغرس هناك لتقلع عندكم؟ (11) اهـ.
====================
الهوامش :
(*)استفدت فقرات هذا الفصل من (طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام) للأستاذ "أنور الجندي) بتصرف, وانظر: (محاكمة فكر طه حسين) له أيضاً.
(1)(زكي مبارك) للأستاذ أنور الجندي ص (132).
(2)من " طه حسين" لأنور الجندي ص (229).
(3)انظر ما قيل حول تنصره في "طه حسين: حياته وفكره في ميزان الإسلام" للأستاذ " أنور الجندي" ص (73-74).
(4)(طه حسين في ميزان العلماء والأدباء) للأستاذ محمود مهدي الاستانبولي, نقلاً عن مجلة (حضارة الإسلام) ع: (4420) بين 1391 (1919).
(5)السابق- ص (552).
(6)انظر : (حصوننا مهددة من داخلها) ص (101) – الطبعة السابعة.
(7)انظر "طه حسين" للأستاذ "أنور الجندي" ص (79).
(8)يقصد الشيخ "حسن البنا" رحمه الله بكلمة (هذا) الإشارة إلى قول "طه حسين" في حفل تكريم أقيم له: (وأتمنى أن يقيض الله للإسلام من يدافع عنه, كما أدافع عنه, وأن ينشره ويحببه للناس كما أبشر به أنا, وكما أحبب مبادئه للناس) اهـ ! وانظر "طه حسين" للأستاذ "أنور الجندي" ص (85-89).
(9)من " تطور النهضة النسائية في مصر" ص (72).
(10)"إهابة" للكاتبة "عزيزة عباس عصفور" ص (128, 133), وقد كان لهذه المطالب صدى واسع لدى المؤيدين والمعارضين, وفي هذا الكتاب "إهابة" جمعت الكاتبة النشرات والمقالات التي باركت تلك الحركات الإسلامية الطلابية, فراجعه إن شئت.
(11)"وحي القلم" (3/184-188) تحت عنوان: (قنبلة بالبارود لا بالماء المقطر), وانظر (إهابة) لعزيزة عباس عصفور ص(78-80) .
* المرجع ( عودة الحجاب ) .

حازم
04-19-2005, 02:36 PM
نظرية طه حسين فى الشعر الجاهلى: سرقة أم ملكية صحيحة؟

بقلم : د. إبراهيم عوض

ما زلتُ أذكر تلك المحاضرة التى كنت ألقيها بين العصر والمغرب فى أحد الأيام من خريف سنة 1989م على طلاب قسم اللغة العربية وآدابها فى كلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة حين قام طالبٌ ممن يُسْعِدون أساتذتَهم بمناقشتهم فيما يقولون ولا يكتفون بالسماع السلبى القاتل، فعلَّق على ما كنتُ كتبتُه عن الدكتور طه حسين فى كتابى "معركة الشعر ا لجاهلى بين الرافعى وطه حسين" قائلا: يبدو لى أنك قد ظلمتَ الدكتور طه فى اتهامك إياه بأنه أخذ نظريته التى تشكك فى الشعر الجاهلى وشعرائه من المستشرق البريطانى ديفيد صمويل مرجليوث. وكعادتى فى مثل تلك الظروف توقفت قليلا وأنا أبتسم للطالب قبل أن أرد عليه بما يشبه الإلهام: "غريبة! كيف فاتنى أن أرجع لما كتبه الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر" عن الشاعر الإغريقى هوميروس صاحب الإلياذة قبل أن أضع كتابى هذا؟ ثم أردفت قائلا: أرجو منك أن تنزل الآن فتستعير ذلك الكتاب من مكتبة الكلية وتحضره لى حتى نستكمل النقاش فى مكتبى، إذ يغلب على ظنى أن طه حسين قد تطرق إلى الحديث عن الشعر الجاهلى فى أول فصول ذلك الكتاب الذى كنت قرأته من زمن غير قريب، وأريد أن أرى ماذا قال فى ذلك الموضوع. ولم يكذّب الطالب خبرا، فما إن انتهت المحاضرة وعدت إلى مكتبى وبرفقتى بعض الطلاب المتحمسين لمتابعة النقاش حتى وجدته ينتظرنى وفى يده الكتاب المستعار. فشكرته وأخذته منه وشرعت أقلب صفحات الفصل المشار إليه، ولم يطل بنا الانتظار، فقد وقعتُ على نصٍّ مهمٍّ جدا للدكتور طه يقول فيه إنه ما كانت الحضارة الإسلامية، التى ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لِتُوجَد لو لم توجد البداوة العربية التى سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم. هكذا بالنص على ما سوف يأتى بيانه. فأريتُ النصّ للطلاب ثم شفعتُ ذلك، وأنا أضحك، بسؤال الطالب الذى فجَّر المسألة قائلا: "أوما تزال عند اتهامك لى بأنى ظلمت طه حسين؟ إن هذا الكتاب، كما يتضح من مقدمته، قد صدر قبل ظهور البحث الذى وضعه مرجليوث عن الشعر الجاهلى بأسابيع قليلة جدا جدا مما يدل على أن الدكتور طه لم يكن، حتى ظهور دراسة مرجليوث، يشك أدنى شك فى صحة الشعر الجاهلى أو فى وجود شعرائه. ثم إنه لم يكتف بذلك، بل ها هو ذا يؤكد أنه لولا وجود ذلك الشعر ما وُجِدت الحضارة الإسلامية. وهو كلام كبير وخطير!".



وبعدها بقليل فوجئت بالأستاذ عبد الرشيد صادق محمودى (الذى كنت قد رددتُ عليه فى كتابى المذكور بأن الدكتور طه لا يمكن أن يكون قد استقى شكه فى الشعر الجاهلى من الكاتب الفرنسى إرنست رينان كما يدَّعِى هو) فوجئت به يكتب فى شهر سبتمبر بــ"الأهرام" ثلاث حلقات يتناول فيها ما قلته عنه معزِّزًا رأيه السابق فى الموضوع ببراهينَ ظنَّها مفحمة مما دفعنى إلى التعليق على ما كتب، مستشهدا فى تعليقى، ضمن ما استشهدتُ، بما قرأته مع طلابى من كلام الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر"، ثم أرسلتُ الجزءَ الأول من هذا التعليق للصحيفة مع أحد الأشخاص، لكن الرسول عاد وأخبرنى، والعهدة عليه، بأنه قد فهم من كلامهم أنهم لا ينوون أن ينشروا ما بعثتُ به إليهم. وكنت أستعد فى ذلك الحين للسفر إلى السعودية مُعَارًا إلى جامعة أم القرى بالطائف فانشغلت بتجهيز أوراق السفر وما إلى ذلك عن متابعة الأمر. وها هى ذى السنون تدور، ويثير الإخوان الكرام فى جريدة "شباب مصر" هذه القضية فأجدها فرصة سانحة لمحاولة نشر ما كنت كتبته آنذاك بعد أن حصلت، بشق الأنفس من خلال البريد المشباكى، على مسوَّدة الجزء الثانى منه (مسوَّدة الجزء الثانى فقط، لا النسخةَ المنقَّحةَ من المقال كله)، وهى فى حال يُرْثَى لها من التهويش والتفكك بعد ذلك الزمن الطويل.



وتدور نظرية عبد الرشيد الصادق محمودى على أن إفادة طه حسين الرئيسية فيما يتعلق بشكّه فى الشعر الجاهلى مستلهَمة من المستشرق الفرنسى إرنست رينان، الذى يؤكد الأستاذ المحمودى أن الدكتور طه كان على علم، قبل أن يضع كتابه "فى الشعر الجاهلى" بسنوات طويلة، بما كتبه هو ورصفاؤه الألمان عن ذلك الشعر (انظر مقاله "منابع ألمانية وفرنسية لشكوك العميد" بالصفحة الثقافية من "أهرام" الجمعة 8 سبتمبر 1989م). والأستاذ المحمودى يريد، فيما هو واضح، أن يخفف من التفاف الحبل حول عنق طه حسين. إنه لا ينفى إفادته من كتابات المستشرقين، لكنْ فرقٌ بين إفادةٍ وإفادة: فطه حسين، فى حالة ثبوت الإفادة من مرجليوث، سارقٌ سرقةً لا يمكن أبرعَ المحامين أن يبرِّئ ساحته منها، أما فى حالة الإفادة من رينان فلن يكون الأمر أمر سرقة، فرينان لا ينكر الشعر الجاهلى، بل تنحصر الإفادة فى أن طه حسين قد استخدم الفكرة التى وجدها عنده حسبما قال، لأنى لم أَطَّلِع بنفسى على الدراسة المذكورة (وهى أن ذلك الشعر لا يعكس اختلاف اللهجات العربية فى الجاهلية ولا يقدّم لنا صورة الحياة الدينية أوانذاك) استخدمها فى نقض الشعر الجاهلى، وعلى هذا فإنه رغم إفادته منه يبقى مفكرًا أصيلاً لا يردِّد آراء غيره. أى أن طه حسين هو ابنُ بَجْدَتها، أو على الأقل صاحب مشاركة أصيلة فى الأمر لا سارقٌ يسطو على أفكار الآخرين. وهذا هو مربط الفرس!



وقد أصدر رينان كتابه "Histoire Generale et Systeme Compare des Langues Semitiques "، الذى تعرَّض فيه للشعر الجاهلى فى 1853م (بالنسبة للجزء الأول)، و1869م (للجزء الثانى)، كما عَرَض رينيه باسيه آراءَ المستشرقين الألمان حول ذلك الموضوع فى كتابه عن "الشعر العربى قبل الإسلام" عام 1880م (انظر، فى تاريخ صدور الكتابين، نجيب العقيقى/ المستشرقون/ ط3/ دار المعارف/ 1964م/ 1/ 202، 223. كما يجد القارئ ترجمة لهذه الأبحاث وغيرها من الأبحاث المشابهة فى كتاب د. عبد الرحمن بدوى: "دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى"). وبالمناسبة فهاتان الحجتان، أو قل: هاتان الشبهتان، لا تصمدان للنظر، فنحن العرب الآن مثلا نتكلم فى حياتنا اليومية اللهجات العامية المختلفة التى كثيرا ما يتعسّر فهمها على غير أصحابها، لكننا حين نكتب نصطنع اللغة الفصحى التى يفهمها الجميع، ولا تعارض بين هذا وذاك، ولا يمكن أن يأتى باحث بعد عدة مئات من السنين فينفى صحة هذا التراث العلمى والأدبى الضخم بحجة أنه لا يعكس ما كنا نتخاطب به من لهجات. ويؤكد هذا أنه سبحانه وتعالى قد وصف القرآن الكريم فى أكثر من موضع منه بأنه نزل بــ"لسانٍ عربىٍّ مبين"، ولم يقل: "بلسانٍ قرشىٍّ أو حجازىٍّ" مثلا، وهذا يعنى أنه كان هناك لسانٌ قومىٌّ للعرب جميعا يتواصلون به رغم اختلاف القبائل واللهجات. كما أن القول بخلو الشعر الجاهلى من الموضوعات الدينية هو دعوى غير صحيحة. وحتى لو كانت صحيحة فليس معنى ذلك أن هذا الشعر مزيَّف، فأقصى ما يمكن أن يقال فيه حينئذ أنه شعر ناقص لا أنه شعر زائف. هذا هو حكم المنطق، ولكن خّلِّنا فيما نحن فيه، فذلك موضوع آخر!



وأريد الآن أن أتتبع أفكار رينان والمستشرقين الألمان فيما كتبه المؤلفون المصريون والمتمصِّرون الذين تناولوا ذلك الشعر حتى أخرج طه حسين كتابه المذكور وكانوا متصلين بكتابات المستشرقين وبيئاتهم كى نعرف مدى انتباه النقاد ورجال الأدب لهذه الأفكار واهتمامهم بها. وأقدم هؤلاء، فيما نعرف، حسن توفيق العدل (1862- 1904م)، الذى كان من أوائل المبعوثين إلى ألمانيا لدراسة الآداب والتربية بجامعاتها، والذى اختاره الألمان للتدريس بالمدرسة الشرقية ببرلين، ثم حاضر بعد ذلك فى كمبردج سنة 1903م، وظل هناك حتى سنة 1904م. وقد كتب العدل "تاريخ آداب اللغة العربية" وطبعه على البالوظة عام 1904م، وتوجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب. فإذا ما قرأنا ما كتبه عن الشعر الجاهلى راعَنا أنه لم يكن يدور بذهنه أى شك فى ذلك الشعر مع أنه عاشر المستشرقين فى أوربا طالبا وأستاذا رَدَحًا من الزمن كما رأينا. وبالنسبة للنقطة الخاصة بلغة الشعر الجاهلى نراه يقول بأن أصحابه كانوا يستعملون لهجة قريش لكونها لغة العرب الأدبية ولحرصهم على شيوع شعرهم بين القبائل العربية جميعا (انظر عبد الحى دياب/ التراث النقدى قبل مدرسة الجيل الجديد/ دار الكاتب العربى/ القاهرة/ 1968م/ 90- 93، ود. عبد العزيز الدسوقى/ تطور النقد العربى الحديث فى مصر/ الهيئة المصرية العامة للكتاب/1977م /183- 186).



ولدينا كذلك سليم البستانى مُعَرِّب الإلياذة الذى كتب مقدمة ضافية لها عرض فيها للشعر الجاهلى وقرر وثاقة الطريقة التى انتقل بها، ومن ثم فذلك الشعر منذ المهلهل بن ربيعة صحيح لديه، وإن لم يخل بعضه من النقد والشبهات (وهذا نص عبارته). وبالمثل نراه يقرِّر أن العرب، وإن اختلفت لهجاتهم، كانوا يؤلفون شعرهم ونثرهم بلهجة قريش لأنها أفصح اللهجات، فضلا عن أن سدانة هذه القبيلة للكعبة كَتَب للهجتها السيادة. كما أكد أن الشعر الجاهلى يصور الحياة العربية فى ذلك الوقت أدق تمثيل (انظر ترجمته للإلياذة/ مطبعة الهلال/ 1904م/ 107،111، 120- 121). ومن هذا يتضح لنا أنه لا يوجد أى انعكاس لشكوك المستشرقين فيما كتب البستانى عن ذلك الشعر. بل إنه لم يذكر أيًّا منهم، اللهم إلا رينان، وفى معرض الثناء على شعر هوميروس مما لا علاقة له بقضية الشك فى الشعر الجاهلى البتة (ص24). والملاحَظ أنه كان مطمئنا تمام الاطمئنان للشعر الجاهلى فى ذات الوقت الذى كان يعى فيه أن بعض الدارسين الغربيين فى أواخر القرن الثامن عشر كانوا يشكون فى وجود هوميروس (ص25).



ومن هؤلاء المؤلفين المطلعين على كتابات المستشرقين والمتصلين بهم اتصالا مباشرا أيضا جرجى زيدان، الذى تبحث فيما سطّره عن الشعر الجاهلى فى كتابه "تاريخ آداب اللغة العربية" المملوء بالمراجع الاستشراقية عن أثر لما كتبه رينان أو نولدكه أو آلفارت عن هذا الشعر ومدى صحته أو عدمها، فلا تجد لشىء من ذلك ظلاًّ أىّ ظل. وحتى فى المسألة الفرعية المتصلة بالمعلَّقات وهل عُلِّقت فعلاً على أستار الكعبة أَوْ لاَ نراه يرفض شك المستشرقين فى ذلك الأمر. وقد يظن بعض القراء أن جورجى زيدان ربما لم يطَّلع على كتابات أولئك المستشرقين فى ذلك الموضوع، فأسارع إلى طمأنتهم بأنه قد ذكر بين مراجعه دراسات هؤلاء المستشرقين الثلاثة وغيرهم حو ل هذا الشعر (انظر كتابه"تاريخ آداب اللغة العربية"/ دار الهلال/ تعليق د. شوقى صيف/ 167) حيث يشير إلى ما كتبه نولدكه وآلفارت ولايال وسلان...إلخ، وكذلك كتابه "العرب قبل الإسلام"/ دار الهلال/ تعليق د. حسين مؤنس/ 35 حيث ذكر كِتَاب رينان الذى نحن بصدده).



أما د. أحمد ضيف، ولعله أول من عَرَض من المصريين لشكّ بعض المستشرقين فى الشعر الجاهلى، فإنه لخص موقف هؤلاء المستشرقين من ذلك الشعر وناقشه ورفض ما فيه من غلوّ، ولكنْ فى ثلاث فقرات ليس غير. والملاحظ أنه لم يذكر أسماء هؤلاء المستشرقين بل اكتفى بالقول بأنهم "جماعة من المستشرقين، خصوصا الألمانيين منهم". والملاحظ أيضا أنه لم يُسَمّ رينان فى هذا السياق، وإنما سماه فى سياق آخر، وهو مناقشته لمدى تمتع العرب بالخيال القادر على خلق الخرافات والأساطير أو حرمانهم منه (انظر كتابه "مقدمة لدراسة بلاغة العرب"/ القاهرة/1921م/ 57- 62).



وإذا كان د. أحمد ضيف هو أول من عرض من المصريين لشك بعض المستشرقين فى الشعر الجاهلى فيما أعلم، فإن الرافعى هو أيضا، فى حدود ما قرأت وما أذكر، أول من عرض لشك علمائنا القدامى فى ذلك الشعر، وذلك فى كتابه "تاريخ آداب العرب"، الذى صدر سنة 1911م. أى أن الرافعى قد تعرض لقضية الشك فى الشعر الجاهلى قبل طه حسين بنحو خمسة عشر عاما، الرافعى المتَّهَم بتقديس القديم لمجرد أنه قديم ومعاداة الجديد لمجرد أنه جديد. ولكى يكون القارئ على بينةٍ من قيمة ما صنع الرافعى أسوق له وصف د. ناصر الدين الأسد للباب الذى عقده فى كتابه لهذا الموضوع، إذ أكد أنه قد "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً"، وإن ذكر أنه لم يتعرض لما قاله المستشرقون فى هذا السبيل (د. ناصر الدين الأسد/ مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية/ ط5/ دار المعارف بمصر/ 1978م/ 377)، وهو ما يشير إلى أن ما كتبه أولئك القوم لم يكن له من الأهمية ما يلفت أنظار كتّابنا فى ذلك الوقت.



فماذا عن طه حسين، الذى يزعم عبد الرشيد الصادق محمودى رغم كل ذلك أنه لابد أن يكون قد اطَّلع على ما كتبه رينان والمستشرقون الألمان قبل أن يكتب كتابه "فى الشعر الجاهلى" بأعوام طوال؟ وفى الجواب عن هذا السؤال سوف أتتبع كتابات طه حسين فى الفترة الممتدة ما بين دخوله الجامعة المصرية سنة 1908م واتصاله من ثم بالمستشرقين اتصالاً مباشرًا فى قاعات الدرس وخارجها إلى تاريخ تأليفه لكتابه: "فى الشعر الجاهلى"، الذى نحن بصدده.



لقد تناول طه حسين كتاب جرجى زيدان "تاريخ آداب اللغة العربية" فى عدة مقالات بمجلة "الهداية" (أعداد يونيه ويوليه، وأغسطس وسبتمبر، وأكتوبر ونوفمبر 1911م) وتعرَّض لبعض ما قاله زيدان حول الشعر الجاهلى، لكن لم تبدر مِنْ فيه كلمةٌ واحدةٌ يحيط بها طائف من الشك فى ذلك الشعر، بل إن كلامه ليدل على أنه كان يأخذ صحته قضية مسلَّمة: ففى المقال الأول مثلا لا يخرج ما قاله فى ذلك الصدد عن الاعتراض على زيدان لتقسيمه شعراء الجاهلية إلى أمراءَ وفرسانٍ وصعاليكَ وأصحاب معلقات بدلا من تقسيمهم على أساس من أشعارهم وما تتأثر به هذه الأشعار من طبيعة الإقليم والدين والأخلاق والعادات ونحو ذلك، أو الاعتراض عليه بأن زوجة امرئ القيس لم يكن اسمها "جندب" بل "أم جندب". وفى المقال الثانى نراه يتحدث عن امرئ القيس وزهير وابن أم كلثوم وعنترة وغيرهم من أصحاب المعلقات حديث المطمئن تمام الاطمئنان إلى حقيقتهم التاريخية وتمثيل أشعارهم للبيئة التى ظهروا فيها خير تمثيل.



وفى محاضرةٍ ألقاها فى 19 شهر أكتوبر من العام نفسه بعنوان "هل تستردّ اللغةُ مجدَها القديم؟" ونُشِرت فى المجلة ذاتها فى عدد أكتوبر- نوفمبر من ذلك العام نراه يتعرض لشعر الجاهليين بما يدل دلالة جازمة على أنه كان خالى البال تماما من الشك فيه: فهو مثلا يتحدث عن اللغة العربية فى الجاهلية مؤكدا أنها لغة فخمة الألفاظ ضخمة المعانى متينة الأساليب رصينة التراكيب كاملة القوى استطاعت أن تعبِّر آدابُها الوجدانية عن كل ما كان العرب يريدون التعبير عنه فى أى مجال من مجالات القول، وأن أشعارها تتفوق على الشعر المصرى فى عصره، ضاربا مثلا على هذا التفوق من شعر امرئ القيس نفسه، الذى سينفى وجوده فيما بعد فى كتابه "فى الشعر الجاهلى"، ومستشهدا على ما يريد تقريره من أفكار وآراء بأشعار الملك الضِّلِّيل وغيره من شعراء الجاهلية كالأعشى وكبشة أخت عمرو بن معديكرب...وهكذا. بل إنه قد عرَّج فى تلك الخطبة على ابن سلام وكتابه "طبقات الشعراء"، وهو أول كتاب يؤصِّل نظرية الشك فى الشعر الجاهلى، ومع هذا لم يتطرق بكلمة واحدة، ولو همسًا، إلى الكلام عن النَّحْل فى ذلك الشعر! ليس ذلك فحسب، إذ نسمعه يقول فى الشعر الجاهلى هذه الكلمة الخطيرة الدلالة: "فى ذلكم العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالْتَهَم كلَّ شىء واحتكم فى كل إنسان، ولم تكن كلمةٌ إلا له، ولا رأىٌ إلا عنه، ولا اعتمادٌ إلا عليه. وكان يكفى للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه، أو يذم الرفيع فيضعه، أو يغرى بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القُوَى، أو يدعو إلى السِّلْم فتصبح الضغائن والأحقاد نَسْيًا منسيًّا". كما تعرّض لابن سلام وكتابه المذكور فى مقاله المنشور بــ"الجريدة" فى عدد 17 مايو 1911م بعنوان "الآداب العربية فى الجامعة"، لكن دون أن يتطرق إلى قضية الشك فى الشعر الجاهلى رغم إشارته البرقية إلى تكذيب ابن سلام لابن إسحاق فيما رواه من أخبار وأشعار عن عاد وثمود وطسم وجديس.



ومعروف أنه قد انتقد فى عام 1911م كتاب مصطفى صادق الرافعى "تاريخ آداب العرب"، الذى خصَّص فيه مؤلفه صفحات طويلة لقضية النَّحْل فى الشعر الجاهلى، ومع ذلك لا تحس فيما كتبه عن هذا الكتاب أنه كان يدور فى خَلَده أى شك فى ذلك الشعر. ومعروف كذلك أن هذا الكتاب الذى لم يعجب طه حسين آنذاك قد أعجبه بعد ذلك بـخمسة عشر عاما حين أثنى عليه ومدحه فى كتابه "فى الشعر الجاهلى". وقد قلت، فى تفسير هذا التغير الحاد فى موقفه ذاك، إنه أراد أن يخدّر الرافعى حتى لا يتعرض بالنقد لما كتبه عن القرآن والنبى فى ذلك الكتاب، وإن هذا التقرب لم يخدع الرافعى فشنّ عليه حملةً صاعقةً (انظر كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"/ القاهرة/ 1987م/ 15- 16). كما نجده، فى كتابه "تجديد ذكرى أبى العلاء"، الذى نشره فى عام 1914م، يستشهد بقصيدة للمرقش من "المفضَّليات" استشهادَ مَنْ لا يجد فيها ولا فى الشعر الجاهلى ما يمكن أن يثير شكوكه (انظر الكتاب المذكور/ دار الكتاب اللبنانى/ بيروت/ 1974م/ 64).



هذا قبل أن يسافر د. طه إلى فرنسا. ثم سافر وعاد، فهل نجد فى كتاباته قبل أن يؤلف بحثه "فى الشعر الجاهلى" ما يدل على أنه عَدَل عن موقفه من هذا الشعر بتأثير إقامته فى فرنسا عدة سنوات وإتقانه اللغة الفرنسية وزيادة اقترابه من المستشرقين وكتاباتهم؟ الجواب: لا. وربما أعاننا على فهم المسألة أن نعرف أن بعثة طه حسين إلى فرنسا إنما كانت لدراسة التاريخ، وأن الكتب التى ذكر فى الجزء الثالث من "الأيام" أنه قرأها هناك لا تتضمن أى شىء يتعلق بالأدب العربى ولا بالشعر الجاهلى على وجه الخصوص، وأن اسم رينان أو نولدكه أو آلفارت لم يرد بين عشرات الأسماء التى وردت فى ذلك الكتاب أو فى كتاب زوجته "معك"، وهو الكتاب الذى روت فيه حياتها معه، وأن الدكتور طه عندما عاد إلى مصر واشتغل بالتدريس فى الجامعة إنما كان يدرّس التاريخ الأوربى القديم حتى العام الدراسى 1925- 1926م حيث تحوَّل إلى تدريس الأدب العربى (الشعر الجاهلى بالذات)، وأن كل الكتب التى ظهرت للدكتور طه منذ عودته من فرنسا حتى ظهور كتابه "فى الشعر الجاهلى" إنما كانت تتعلق على نحوٍ أو على آخر بالتاريخ الأوربى القديم. ومنها كتابه "صحف مختارة من الشعر التمثيلى عند اليونان" (المكتبة التجارية/ 1920م/ 49)، وفيه يشير إلى معلقة امرئ القيس إشارة المطمئن تمام الاطمئنان إلى صحتها



ثم كتب بعد ذلك بسنواتٍ طائفةً من المقالات عن الشعرين العباسى والأموى. وقد تعرَّض، فى عددٍ من هذه المقالات، للكلام عن الشعر الجاهلى وشعرائه، ولكن بطريقة من يؤمن بصحة هذا الشعر إيمانا تاما ولا يتخيل للحظة أنه يمكن أن يكون موضع شك، مما يقطع بأن كل ما قاله أ. عبد الرشيد الصادق من أن طه حسين لا بد أنه اطّلع على رينان والمستشرقين الذين شكّوا فى ذلك الشعر لا يستند إلى أساس. وبالمناسبة لم يَرِدْ لرينان ولا لغيره من المستشرقين الشاكّين فى ذلك الشعر أىّ ذكر فى هذه المقالات. وإلى القراء الكرام بعضا مما قاله عن الشعر الجاهلى فيها:



1- يقول فى مقال منشور بجريدة "السياسة" بتاريخ أول أكتوبر 1924م عن الغزل فى صدر الإسلام: "غزل الجاهليين كان ماديا خالصا فى حين كان فى غزل الإسلاميين شىء غير المادة. ما الذى كان يُعْنَى به امرؤ القيس أو النابغة أو الأعشى إذا تغزّلوا وذَكَروا النساء؟...كان الغزل عندهم ضّرْبًا من الوصف...، وقلما تجد عندهم عناية بالعاطفة أو حرصا على تمثيلها، فإن وَجَدْتَ عندهم هذه العناية لم تلبث أن تزدرى هذه العاطفة ازدراءً لأنها كانت عاطفة مادية غليظة... كانت عواطفهم تصدر عن الشهوات وإيثار اللذة قبل كل شىء".







2- وفى" "السياسة" أيضا بتاريخ 17 أكتوبر 1924م، وتحت عنوان"عَوْدٌ إلى الغزلين- وضّاح اليمن"، نسمعه يقول: "أريد أن أحدثك عن هذا الشاعر الذى يلقبونه بــ"وضّاح اليمن"، والذى فُتِن به بعض أساتذة الأدب المُحْدَثين حتى خُيِّل إليهم أنه اخترع الشعر التمثيلى وأضافه إلى تراثنا القديم... ونَسُوا أن الحوار ليس هو التمثيل، وإنما هو أصل من أصول التمثيل، ونَسُوا أيضا أن هذا الحوار الذى يجدونه فى شعر وضّاح قد سبق إليه الشعراءُ جميعا فى جاهليتهم وإسلامهم، فحاور امرؤ القيس عشيقاته وحاور ابن أبى ربيعة أخدانه".



3- وفى نفس الجريدة بتاريخ 10 ديسمبر 1924م نجده يؤكد أن شعراء الجاهلية لم يكونوا يُعْنَوْن بالغزل إلا بوصفه "وسيلة شعرية إلى ما كانوا يذهبون فيه من مذاهبهم الشعرية المختلفة. ولا نكاد نعرف بين الجاهليين شاعرا قَصَر حياتَه الشعرية على الغزل. بل قليلٌ جدًّا عددُ القصائد الجاهلية التى لم يتناول فيها أصحابُها إلا الغزلَ وحده".



ثم أخيرًا نراه فى الفصل الذى خصصه للشاعر الإغريقى هوميروس من كتابه "قادة الفكر"، الذى صدر فى إبريل 1925م، وهو نفس الشهر الذى وضع فيه مرجليوث دراسته التى يشك فيها فى الشعر الجاهلى جميعه، نراه يستطرد للمقارنة بين بداوة اليونان وأشعارها وبين بداوة عرب الجاهلية وأشعارهم، فلا نجده يشك فى أشعار الجاهلية أى مقدار من الشك، بل يؤمن بها ويؤكد أنها أساس حضارة الإسلام، ولولاها ما كان الخلفاء والعلماء والقواد المسلمون. وقد ألحَّ على هذه الفكرة إلحاحًا كبيرا، فى الوقت الذى ذكر معها شكَّ بعض الباحثين الأوربيين المحدثين فى وجود هوميروس. وهذا نص عبارته: "عَلاَمَ تقوم الحياة العربية فى بداوة العرب وأو ل عهدهم بالإسلام؟ على الشعر... هل كانت توجَد الحضارة الإسلامية التى ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال لو لم توجَد البداوة العربية التى سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم؟" (قادة الفكر/ ط9/ دار المعارف بمصر/ 10- 11). والعجيب أن طه حسين، فى رده بعد ذلك على من انتقدوا غُلُوّه فى الشك فى الشعر الجاهلى، قد احتجّ عليهم بأنهم يجهلون أن النحل غير مقصور على العرب، بل عرفه اليونان والرومان، وأن الدراسات الحديثة قد نسفت اطمئنان الأقدمين إلى صحة إلياذة هوميروس وأوديساه (فى الأدب الجاهلى/ دار المعارف/ 1964/ 113- 116). وفاته أنه هو نفسه كان يعرف ذلك قبلا، لكنه لم ينتفع به، إذ ظل على اطمئنانه إلى الشعر الجاهلى إلى أن ظهرت دراسة مرجليوث.



ظل هذا هو موقف طه حسين، كما قلنا، حتى إبريل 1926م على الأقل، وهو الشهر الذى كتب فيه مرجليوث مقاله الذى يشكك به فى الشعر الجاهلى، والذى نشره فى يوليه من ذلك العام، وإذا بالدكتور طه بعد هذا المقال بنحو عشرة أشهر يصدر كتابه "فى الشعر الجاهلى" مستديرا بزاوية مقدارها مائة وثمانون درجة، إذ انطلق كالإعصار الهائج يشكّ فى ذلك الشعر لا يكاد يُبْقى منه على شىء. ويتساءل الباحث: ترى ما الذى جَدّ؟ والجواب: لم يَجِدّ إلا مقال مرجليوث، فكتاب رينان قد مَرَّ عليه عشرات الأعوام، فضلاً عن أنه لم يشكّ فى ذلك الشعر، وأقل قليلا من ذلك الزمن مرّ على ما كتبه نولدكه وآلفارت وباسيه، وليس فيه اختلاف يُذْكَر عما قاله نقادنا القدماء. كما مرَّت خَمْسُ سنواتٍ على صدور كتاب أحمد ضيف، الذى لم يكن فيه مع هذا ما يثير العقل العربى لعدم خروج آراء المستشرقين التى عرض لها عما وصلَنا من نقادنا القدماء خروجًا لافتًا حسبما سبق القول، علاوة على أن الدكتور ضيف لم يفصّل القول فى عَرْض تلك الآراء التى كان قد مضى عليها فوق ذلك زمن طويل، بل عرضها فى ثلاث فقرات ليس إلا. أما مقال مرجليوث فقد كان طازجا، وكان له دوىٌّ شديد بسبب إغراقه فى التطرف، فضلاً عن أن موقف طه حسين وأفكاره فى كتابه عن الشعر الجاهلى يشبهان إلى حد كبير موقف مرجليوث وأفكاره.



وحَرِىٌّ بالذِّكْر أن مرجليوث، الذى دافع عن طه حسين وحاول أن ينفى تهمة تأثره به كما سنبين بعد قليل، لم يقل إن د. طه قد انطلق من رينان أو نولدكه أو آلفارت. بل إن الدكتور طه هو نفسه لم يقل هذا، ولا قالته زوجته بعد مرور عشرات السنين رغم أنها خاضت فى هذه القضية فى كتابها "معك" فى أكثر من موضع، ولا قاله كذلك أى من الباحثين الذين تناولوا هذه القضية، وكثير منهم تلاميذه، ولا قاله أيضا أحد من المستشرقين الذين تناولوا هذا الجانب من كتابات الدكتور طه مما يمكن أن يجد القارئ عينة منه فى كتاب "طه حسين كما يعرفه كتّاب عصره". كما أن معظمهم يربطون بينه وبين مرجليوث حسبما بينتُ فى كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين". إنما تحكَّك هو بعد ذلك بالأخوين كروازيه ليدفع اتهامه بالسرقة من مرجليوث، والأخوان كروازيه لا علاقة لهما بالشعر الجاهلى، بل بالشك فى شعر هوميروس، وقد رأينا كيف ظل الدكتور طه على ما هو عليه من الاطمئنان التام لشعر الجاهلية وشعرائها حتى بعد قراءته ما كتبه هذان الأخوان، بل حتى بعد أن كتب هو الفصل الخاص بذلك الشاعر الإغريقى الذى كانا يشكان فىوجوده. ولو كان منطلقه من رينان لسارع إلى ذكر هذا منذ البداية، لأن ديَْدَن الدكتور طه أن يصرح بمن يخالفهم فى الرأى، أما من يقتبس أفكارهم فإنه يغفلهم تماما، وموقف رينان وأفكاره يختلفان عن موقفه هو وأفكاره، فوق أن المستشرقين قد ذكروا استمداد د. طه لأفكاره من مرجليوث، ولم يشيروا إلى رينان أو غيره، ومنهم المستشرق الألمانى بروكلمان فى كتابه عن تاريخ الأدب العربى (كارل بروكلمان/ تاريخ الأدب العربى/ دار المعارف/ 1/ ترجمة د. عبد الحليم النجار/ 64). وقد كان أحرى به، لو كان طه حسين قد تأثر بنولدكه أو آلفارت الألمانيين، أن يذكر هذا التأثر انطلاقا على الأقل من اعتزازه بألمانيته.



ومن أغرب الغرائب أن ينبرى مرجليوث مع ذلك كله للدفاع عن طه حسين ضد من رَأَوُا التماثل الشديد بين كتاب الدكتور طه "فى الشعر الجاهلى" ومقاله: "The Origines of Arabic Poetry"، الذى نشره قبل ذلك الكتاب بعشرة شهور على الأقل فى يوليه 1925م بــ"Journal of Asiatic Royal Society"، مؤكدًا فى صفاقة أن الدراستين قد ظهرتا فى نفس الوقت تقريبا، متجاهلا بهذه الطريقة أن فرق عشرة أشهر ليس بالذى يمكن أن يقال معه إن الدراستين قد صدرتا تقريبا فى ذات الوقت. لكنه أكد رغم ذلك أن الفكرة فى كتاب طه حسين مماثلة إلى حد كبير للفكرة التى أدار حولها بحثه عن "أصول الشعر الجاهلى" (انظر كلمته عن كتاب "فى الأدب الجاهلى" لطه حسين فى عدد يوليه 1927م من "Journal of Asiatic Royal Society"). والعهد بالعلماء والكتاب وكل طوائف البشر أنهم حِراصٌ أشد الحرص على إبراز ريادتهم وسبقهم فى مجالات تخصصهم مهما كانت تفاهة ما سبقوا إليه، بل إن كثيرا منهم يلجأ إلى التوسُّل بالباطل من أجل بلوغ هذا الهدف، فما بال مرجليوث يسارع إلى التخلى عن سبقه إلى نظرية الشك فى الشعر الجاهلى بهذه البساطة وبذلك الفُجُور؟ والهدف واضح بطبيعة الحال، فإن إنقاذ رأس طه حسين يستحق هذه التضحية وأكثر منها. إنه رَجُلهم، وهم حريصون على عدم فضيحته، فضلا عن أن صدور إنكار الشعر الجاهلى من كاتب ينتمى إلى الإسلام مصحوبًا بالتشكيك فى القرآن الكريم والنبىّ الذى أتى به أَفْعَل وأقوى ألفَ مرة من صدوره عنه وعن أمثاله من غير العرب والمسلمين. وهذا هو المراد، وكل شىء بجانبه يهون!



كذلك انبرى أيضا د. إبراهيم عبد الرحمن ليدفع عن الدكتور طه التهمة التى تُطْبِق على عنقه قائلا إن مرجليوث قد ذكر أن آراء طه حسين تناقض آراءه هو (انظر كلمته "إلى خصوم طه حسين ومؤيديه: النص الكامل لمقالة مرجليوث فى براءة عميد الأدب العربى"/ الأهرام/ الجمعة 7 فبراير 1986م/ الصفحة الثقافية). وهذا، بطبيعة الحال، غير صحيح، والأستاذ الدكتور نفسه قد سبق فأورد ترجمة كلام المستشرق البريطانى مرةً باعتبار أن الفكرتين متشابهتان، ومرةً باعتبار أنهما متماثلتان إلى حد كبير (انظر كتابه "بين القديم والجديد- دراسات فى الأدب والنقد"/ مكتبة الشباب/ 1983م/ 440- 441). إلا أن المسألة لا تنتهى فصولها عند هذا الحد، إذ كتب الأستاذ الدكتور أن طه حسين كان يحاضر طلابه فى موضوع انتحال الشعر الجاهلى والشك فيه عامًا بعد عام قبل أن ينشر مرجليوث دراسته فى ذات الموضوع فى 1925م، حتى إذا ثبت له صحة ما انتهى إليه فى رواية هذا الشعر أذاعه على الناس فى شكل كتابٍ سنة 1926م (المرجع السابق/ 440). ويؤسفنى أن أقول هنا أيضا إن هذا الكلام غير صحيح البتة، لسبب بسيط جدا هو أن طه حسين لم يسبق له أن حاضر فى الجامعة لا فى هذا الموضوع ولا فى أى موضوع آخر من موضوعات الأدب العربى، إذ كان، كما سبق القول، يدرّس حتى ذلك العام مادة التاريخ اليونانى واللاتينى. بل لم يسبق له أيضا أن حاضر فى هذا الموضوع قط خارج الجامعة أو كتب فيه أى شىء، كتابا كان ذلك الشىء أو مقالا. أما الذى كان يقوم بتدريس مقرر الأدب العربى فى الجامعة قبل ذلك فهو د. أحمد ضيف حسبما جاء فى كتاب د. حمدى السكوت ود. مارسدن جونز: "أعلام الأدب المعاصر فى مصر" (ط2/ دار الكتاب المصرى بالقاهرة، ودار الكتاب اللبنانى ببيروت/ 1402هــ- 1982م/ 30). مقطع الحق أن طه حسين قد سطا على بحث مرجليوث: لقد كان لا يشك فى الشعر الجاهلى، ثم بعد أن ظهر بحث مرجليوث عن ذلك الشعر أصبح فجأة من الشاكِّين فيه. كما أن شكه قد شمل تقريبا كل هذا الشعر بحيث إن الفرق بينه وبين مرجليوث فى مقدار ذلك الشك لا يكاد يُذْكَر. كذلك فإنه اعتمد فى شكه على عدد من الأدلة ارتكن إليها مرجليوث فى نفى شعر الجاهليين، وعلى رأسها الدليل اللغوى والدليل الدينى. ثم لا ننس الروح العدائية التى تتبدَّى فى كتاب طه حسين والتى تذكِّرنا بما كان يظهره المستشرق البريطانى المتطاول الحقود من بغضٍ ضد الإسلام ونبيه، وانحياز إلى صفوف اليهود. وأخيرا فقد اتصل د. طه بأعمال مرجليوث منذ وقت بعيد، فكتاب "الفصول والغايات"، الذى حققه هذا المستشرق لأبى العلاء المعرى، كان أحد مراجعه الأساسية فى رسالته عن الشاعر العباسى الكفيف التى تقدَّم بها للجامعة المصرية سنة 1914م قبل سفره إلى فرنسا. وفوق هذا وذاك فإن المجلة التى نُشِر فيها بحث مرجليوث كانت قد وصلت إلى مصر ولفتت أنظار المصريين المهتمين بهذه المسائل كيعقوب صروف وأحمد تيمور ومصطفى صادق الرافعى ومحمود شاكر قبل صدور كتاب د. طه بشهور. ومن الطبيعى أن تصل هذه المجلة فور صدرورها إلى مصر، على الأقل لأن فريقا من المستشرقين كانوا أساتذة فى الجامعة المصرية، ولا بد أنهم كانوا مشتركين فى مثل هذه المجلة التى لا يكتبها إلا هم ولا يُعْنَى بها أحدٌ آخرُ عنايتَهم، وكان طه حسين زميلاً وصديقًا حميمًا لهم يسهرون عنده مساء كل أَحَد كما حَكَتْ زوجته فى كتابها "معك" (انظر ص 33، وكذلك الفصل الذى عنوانه: "هل كان طه حسين على علم بمقالة مرجليوث فى الشعر الجاهلى؟" من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"/ 64- 77). بل إنى لا أستبعد أن تكون هناك أيدٍ خفيةٌ فى الجامعة قد أزاحت د. احمد ضيف من تدريس الأدب العربى، الذى كان متخصصا فيه، ووضعت فى مكانه طه حسين غير المتخصص كى يدعو لسانٌ ينتسب للإسلام والعروبة بدعوة مرجليوث المنكرة، مع توبلتها بشىء من الهجوم الحارّ على القرآن والرسول الذى أنزله الله عليه فيكون قد "شهد شاهدٌ من أهلها"!



على أن المدافعين عن طه حسين لا يسلِّمون بسهولة، وفيهم أساتذة فضلاء لا أدرى لماذا يحاولون أن يخففوا خطاياه مع معرفتهم التامة بما سببته من بلبلة فكرية ليس لها أساس من علم أو منطق، إذ نراهم يقولون إنه، رغم كل ما يمكن أن يوجَّه إليه من نقد، قد حرّك بكتابه ذاك العقول وهزّ جماهير القراء، وبخاصةٍ المحافظون منهم. ومن هؤلاء د. حمدى السكوت ود. مارسدن جونز فى كتابهما "أعلام الأدب المعاصر فى مصر" (ص20). وقد طالعت نفس الفكرة فى مادة "طه حسين" من "الموسوعة العربية" المنشورة على موقع "كلمات"، إذ وُصِف كتاب "فى الشعر الجاهلي" بأنه "رغم أن الدراسات الحديثة أثبتت خطأه فى بعض الجوانب، إلا أن قيمة الكتاب الفكرية تظل من حيث تشجيعه للموقف النقدى من التراث الأدبى والبلاغى واللغوى العربى والكشف عن خضوع هذا التراث كغيره لقانون التطور التاريخى". ولعلى قرأت أيضا شيئا مثل هذا للدكتور ناصر الدين الأسد رغم أنه قد عرض عرضًا رائعًا، فى كتابه القيم "مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية"، كلَّ ما كُتِب من دراسات وأبحاث تفضح ما فى كتاب طه حسين من سرقة وضعف وتهافت وتسرع وافتئات على حق العلم والتاريخ والدين. بل إنه عند المقارنة بين الرافعى وطه حسين فى هذه المسألة لم يجد مناصا من أن يحكم للأول بأنه "لم يحمِّل نصًّا أكثر مما يحتمل، ولم يعتسف الطريق اعتسافًا إلى الاستنتاج والاستنباط ولا إلى الظن والافتراض، ولم يجعل من الخبر الواحد قاعدةً عامّةً، ولا من الحالات الفردية نظريةً شاملةً" (مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية/ 379)، أما فى الثانى فعلى رغم الكلام الجميل الذى قاله عن أسلوبه وسِحْره نجده يحكم على منهجه قائلا: "ثم استقرّ الموضوع بين يَدَىِ الدكتور طه حسين فخلق منه شيئًا جديدًا لم يعرفه القدماء، ولم يقتحم السبيلَ إليه العربُ المحدثون من قبله، ثم أنكره بعدُ كثير من المحدثين إنكارًا خصبًا يتمثل فى هذه الكتب التى ألفوها فى الرد عليه ونَقْض كتابه. وقد استقى الدكتور طه حسين أكثر مادته، حيث يستشهد ويتمثل بالأخبار والروايات، من العرب القدماء، وسلك بها سبيل مرجليوث فى الاستنباط والاستنتاج والتوسع فى دلالات الروايات والأخبار وتعميم الحكم الفردى الخاص واتخاذه قاعدة عامة، ثم صاغ تلك المادة وهذه الطريقة بإطار من أسلوبه الفنى وبيانه الأخاذ، حتى انتهى إلى ما انتهى إليه من أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا ليست من ا لجاهلية فى شىء، وإنما هى منحولة بعد ظهور الإسلام... فنحن إذن بإزاء نظرية عامة لم نرها فيما عرضنا من آراء العرب القدماء، ونحسب أنها لم تخطر لهم على بال، ولكننا رأيناها واضحة المعالم فيما عرضنا من آراء مرجليوث، ولم يكتف بالإشارة إليها إشارة عابرة، وإنما نصّ عليها نصًّا صريحًا فى عبارات متكررة تختلف ألفاظها وتتفق مراميها، وجاء الدكتور طه حسين فلم يقنع كما قنع مرجليوث بأن يدلنا عليها فى مقالة أو مقالتين، وإنما فصّل لنا القول فى كتابٍ كاملٍ قائمٍ بذاته" (المرجع السابق/ 379- 380).



ومن الذين أَثْنَوْا ثناءً شديدًا على ما صنعه طه حسين وضخّموا، من فرط تحمسهم، دوره فى حقل الأدب والدراسات النقدية تضخيمًا شديدًا د. محمد زكى العشماوى، الذى يقول إن الدكتور طه "فى منهجه في دراسة الأدب ونقده...يعتبر حدا فاصلا بين عهدين، فما قبل طه حسين كانت دراسة الأدب ونقد الأدب مختلفة اختلافا كليا لأنها كانت تهتم بالشروح اللغوية للكلمات، ولم تكن تتعمق فى تحليل النص وفهمه ودراسته وفق منهج يعتمد على الذوق والذوق المعلَّل، وإنما مجرد أحكام جارفة أو كاسحة لا تنهض على مقدمات أو دلائل مقنعة. فلما جاء أرسى دعائم المنهج التحليلى النقدى السليم الذي ينهض على الاحتكام إلى العقل وعلى تذوق الأثر الفنى وتحليله وفق منهج يلتزم الموضوعية وينتهى إلى أحكام دقيقة ومقنعة بحيث خرج الحُكْم من حيز الخصوص إلى حيز العموم... هذا المنهج الذى أرسى دعائمه د. طه حسين هو الذى استفاد منه أساتذة الجامعات من بعده، وهو الذى عدّل الكثير من الأفكار التى كانت شائعة ومستبدة بحقل النقد الأدبى" (من حوار معه فى جريدة "الجمهورية والعالم" المِشْبَاكيّة).



والحق الذى لا جدال فيه، مع احترامى الشديد للدكتور العشماوى ورغم حبى لقراءة طه حسين واستمتاعى بأسلوبه وصوته، هو أنه كان هناك نقاد كبار سبقوا أو عاصروا طه حسين وأضافوا مثلما أضاف فى حقل النقد والدراسات الأدبية، وفى بعض الحالات أفضل مما أضاف، ومنهم حسن توفيق العدل وإبراهيم اليازجى وجرجى زيدان والرافعى وأمين الريحانى وروحى الخالدى وخليل سكاكينى ومحمد حسين هيكل ومحمد لطفى جمعة وأحمد ضيف وميخائيل نعيمة والعقاد وشكرى والمازنى وزكى مبارك وأمين الخولى ومحمد فريد الشوباشى وأحمد حسن الزيات وتوفيق الحكيم...إلخ. فضلا عن أن طه حسين لم يكن هو الذى افترع قضيةَ النَّحْل فى الشعر الجاهلى حتى نغضّ الطَّرْف عن خطاياه العلمية والمنهجية والأخلاقية الضخمة التى ارتكس فيها وهو يتناول ذلك الموضوع كما بينتُ فى كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين"، فقد سبقه من القدماء أبو عمرو بن العلاء وأبو عمرو الشيبانى والأصمعى وأبو عبيدة والسجستانى والجاحظ وابن قتيبة، ناهيك عن ابن هشام فى "السيرة النبوية"، وكذلك ابن سلام فى كتابه "طبقات الشعراء"، الذى تناول فيه هذه المسألة باستفاضة ومنهجية منضبطة تدلان على أستاذية وتمكن حقيقى لا بهلوانية فارغة كلّ همها إحداثُ الضجيج والضحك على ذقن الجمهور. كما سبقه من المحدثين مصطفى صادق الرافعى، الذى عرض فى كتابه "تاريخ آداب العرب" ذلك الموضوعَ عَرْض البصير الخبير الذى يزن كل كلمة من كلامه بميزانٍ دقيقٍ واعٍ حساس، فضلا عمن طَرَق من المستشرقين تلك القضية كما سبق أن أشرنا. وقد فصل القولَ فى هذه النقطة د. ناصر الدين الأسد فى الفصل الثانى والثالث والرابع من الباب الرابع من كتابه "مصادر الشعر الجاهلى وقيمتها التاريخية". والطريف أننى بعد أن كتبتُ هذه الفقرة بيومين رجعتُ إلى كتاب د. السكوت ود. جونز عن مؤلفات طه حسين فوجدتهما يقولان ما قلته، بل ويذكران أيضا عددا من الأسماء التى ذكرتُها مما يؤكد كلامى بأن إسهام طه حسين فى مجال الدراسات الأدبية والنقدية لم ينشأ فى فراغ (انظر كتابهما "أعلام الأدب المعاصر فى مصر"/ 27- 30).



ولعل هذا الموضع أن يكون مناسبا لعرض دفاع د. عبد الرحمن بدوى ومشايعه سامح كريم عن طه حسين. ذلك أن الدكتور طه، فى رأيهما، لم يأت إلا بما أتى به ابن سلام الجُمَحِىّ فى كتابه "طبقات الشعراء"، وعلى هذا فليس ثمة معنى للضجة التى قوبلت بها آراء الدكتور طه ولا لاتهامه بالمروق والانسياق وراء مؤامرات المستشرقين (انظر د. عبد الرحمن بدوى/ دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلى/ دار العلم للملايين/ 1979م/ 10- 11، ومقال سامح كريم فى ذات الموضوع بـالصفحة الثقافية بــ"أهرام" الجمعة 17 يناير 1986م). وجوابنا على هذا هو أن كلام ابن سلام، بفرض أن طه حسين لم يقل شيئا أكثر مما قاله، كان بين يدى الدكتور طه كما بيّنّا قبلاً، فلماذا لم يتأثر به إلا بعد ظهور دراسة مرجليوث؟ بل لقد عرض الرافعى هذه القضية عرضًا مستقصيًا كما رأينا قبل قليل، فكيف لم يلتفت طه حسين إلى ما كتب الرافعى أيضا وظل غافلا عن هذه القضية إلى أن ظهرت دراسة مرجليوث؟ كذلك هناك فرق هائل بين ما قاله ابنُ سلام المدققُ المحققُ المستأنى فى بحثه وحكمه، الواضعُ نصب عينيه بلوغَ الصواب لا التزلفَ إلى أعداء الإسلام، وإثارةَ الضجيج والعجيج والبلبلة دون وجه حقٍّ أو عدل،ٍ والتقحّمَ فى مجال التشكيك فى القرآن الكريم واتهامِه بالكذب وبمراءاة اليهود والرغبةِ فى التقرب إليهم، وبين ما كتبه طه حسين بما فيه من مآخذ قاتلة! ثم إن ابن سلام إنما يشك فى بعض الشعر الجاهلى، وحين تتوفر لديه فقط دواعى هذا الشك، أما طه حسن فينثر الريبة فى كل هذا الشعر تقريبا بناءً على خطرات غير ناضجة وأوهام، فضلا عن أنه قد أثار مسائلَ لم يتطرق إليها ابن سلام كقضية اختلاف اللهجات بين القبائل واتخاذها تكأة للتشكيك فى الشعر الجاهلى، وكذلك الزعم بأن ذلك الشعر لا يعكس عقائد أصحابه...إلخ، فكيف بالله يقال إن هذا هو ذاك؟ وقد انتهى الأمر بهذه الأوهام والخطرات المتهافتة إلى أَنْ هجرها الدارسون ولم يعد أحد يردد شيئا من الكلام الساذج الذى زعمه طه حسين فى كتابه وأصبح من مخلَّفات الماضى لا يجد من يقبل عليه أو يعيره أُذُنًا رغم الجهود الهائلة التى يبذلها المطبّلون والمزمّرون لإحياء العَظْم الرَّمِيم! وقد وصف د. حمدى السكوت ود. مارسدن جونز ما ورد فى كتاب الدكتور طه من آراء بأن بعضها مأخوذ من النقاد العرب القدامى، بينما معظمها للمستشرقين، وليس له شىء فيها تقريبا (انظر كتابهما "أعلام الأدب المعاصر فى مصر"/ 20).



ولقد قيل كلامٌ كثيرٌ وكبيرٌ عن الشك الديكارتى، الذى اتخذه طه حسين، حسبما يدّعى مشايعوه، منهجا فى هذا البحث لتحرير العقول من الجمود ومن تقديس القديم لمجرد كونه قديما. إلا أن الذين يطنطنون بهذا الكلام يَنْسَوْن أن طه حسين لم يُحْسِن استخدامَ هذا المنهج، ومن ثم فاته الانتفاع به كما ينبغى، إذ لم يكن يشك إلا فى الروايات التى لا تعجبه ولا تؤدى إلى ما يريد تقريره منذ البداية، أما الروايات التى يرى أنها مُبْلِغَتُه غايتَه من التشكيك فى الشعر الجاهلى والإساءة إلى القرآن والدين فإنه يقبلها بعُجَرها وبُجَرها دون أى تمحيص حسبما لاحظ الرافعى رحمه الله (مصطفى صادق الرافعى/ تحت راية القرآن/ ط3/ مطبعة الاستقامة/ القاهرة/ 1953م/175). وفى كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" استطعت، من خلال النصوص التى اقتطفتُها من كتاب "فى الشعر الجاهلى"، أن أبين أن الدكتور طه لم يهضم أصلاً منهج الفيلسوف الفرنسى، كما أنه لم يطبق إلا جانبًا واحدا فحسب من جوانبه المتعددة (معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين/ مطبعة الفجر الجديد/ القاهرة/ 1987م/ 105- 115).











والآن نترك القارئ مع النصين التاليين اللذين تعرض فى أولهما الدكتور طه حسين بحماقةٍ وغشمٍ للقرآن الكريم متهمًا إياه بأنه قد استعان بالأساطير الكاذبة بغرض التقرب من اليهود، وفى ثانيهما للرسول عليه السلام يغمز منه ومن الإجلال الذى يشعر المسلمون به تجاهه ويحاول دون أى أساس أن يقلل من شأنه صلى الله عليه وسلم!!!! وقد حُذِف هذان النصان من الطبعة الثانية من كتابه "فى الشعر الجاهلى" سنة 1927م بعد أن غُيِّر عنوانُه وسُمَِىَ: "فى الأدب الجاهلى". وبطبيعة الحال لا يمكن أن يردّد هذا الكلامَ من يؤمن بأن القرآن وحى من عند رب العالمين أو يشعر بالتبحيل للنبى الذى نزل عليه: فالله لا يصطنع الأساطير لأغراض سياسية أو غير سياسية، ولا هو بحاجة للتقرب من اليهود أو الأمريكان، كما أن الرسول الكريم كان فى الذؤابة من قومه نسبًا وشرفًا كما قالت كلمة التاريخ!!!! وقد نقلنا هذين النصين من أحد المواقع التى تظن أنها تستطيع أن تحارب الإسلام بكتاب الدكتور طه وتهزمه!!!! نقلناهما حتى يتبين الحقُّ من الباطل ويعرف القاصى والدانى ما فى كلام الذين يشنّون الغارة على ناقدى الدكتور طه من مكرٍ والتواءٍ حين يقولون إن الرجل لم يتعرض للقرآن ولا للنبى بشىء، وإن من ينتقدونه إنما يرددون كلاما لا أصل له!!!!



الشعر الجاهلي واللغة

على أن هناك شيئا آخر يحظر علينا التسليم بصحة الكثرة المطلقة من هذا الشعر الجاهلي ، ولعله أبلغ في اثبات ما نذهب اليه . فهذا الشعر الذي رأينا أنه لا يمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد على أن يمثل اللغة العربية في العصر الذي يزعم الرواة أنه قيل فيه والأمر هنا يحتاج إلى شيء من الروية والأناة . فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذي نجده في المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة ما معناه ، نريد بها الألفاظ من حيث هي ألفاظ تدل على معانيها ، تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ، وتتطور تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التي يحياها أصحاب هذه اللغة .



نقول أن هذا الشعر الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية . ولنجتهد في تعرف اللغة الجاهلية هذه ما هي ، أو ماذا كانت في العصر الذي يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلي هذا قد قيل فيه . أما الرأي الذي اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية منازلهم الأولى في اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى في الحجاز .



وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فطروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ، كانوا يتكلمون لغة أخرى هي العبرانية أو الكلدانية ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة . وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبهم باسماعيل بن ابراهيم . وهم يروون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ، خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه اسماعيل بن ابراهيم .



على هذا كله يتفق الرواة ، ولكنهم يتفقون على شيء آخر أيضا أثبته البحث الحديث ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (وهي العرب العاربة) ولغة عدنان (وهي العرب المستعربة) . وقد روى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول : ما لسان حمير بلساننا ولا لغتهم بلغتنا .



وفي الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التي كان يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية ، واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمال هذا البلاد . ولدينا الآن نقوش ونصوص تمكننا من اثبات هذا الخلاف في اللفظ وفي قواعد النحو والتصريف أيضا . وإذن فلابد من حل هذه المسألة .



إذا كان أبناء اسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة فكيف بعد ما بين اللغة التي كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التي كان يصطنعها العرب المستعربة ، حتى استطاع أبو عمرو بن العلاء أن يقول إنهما لغتان متمايزتان ، واستطاع العلماء المحدثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التي لا تقبل شكا ولا جدالا ! والأمر لا يقف عند هذا الحد ، فواضح جدا لكل من له المام بالبحث التاريخي عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة في عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .



للتوراة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي ، فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل بن ابراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها . ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعا من الحيلة في اثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى. وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذي أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويثبتون فيه المستعمرات . فنحن نعلم أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون في هذه البلاد ، وانتهت بشيء من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة . فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذي استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التي تجعل العرب واليهود أبناء أعمام ، لا سيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير قليل ؛ فأولئك وهؤلاء ساميون .



ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن ظهور الإسلام وما كان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب ، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين: ديانة النصارى واليهود .



فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة ، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشتراك في الموضوع والصورة والغرض ، كلها ترمي إلى التوحيد ، وتعتمد على أساس واحد هو هذا الذي تشترك فيه الديانات السماوية السامية . ولكن هذه الصلة الدينية معنوية وعقلية يحسن أن تؤيدها صلى أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وبين أهل الكتاب. فما الذي يمنع أن تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود ؟



وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح فقد كانت أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من من النهضة السياسية والاقتصادية ضمن لها السيادة في مكة وماحولها وبسط سلطانها المعنوي على جزء غير قليل من العربية الوثنية . وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين: التجارة من جهة ، والدين من جهة أخرى .



فأما التجارة فنحن نعلم أن قريشا كانت تصطنعها في الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة. وأما الدين فهذه الكعبة التي كانت تجتمع حولها قريش ويحج اليها العرب المشركون في كل عام ، والتي أخذت تبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا ، والتي أخذ هؤلاء العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوي كأنه كان يريد أن يقف في سبيل انتشار اليهودية والمسيحية من ناحية أخرى . فنحن نلمح في الأساطير أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران . ونحن نلمح في الأساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة وبين الكنيسة التي أنشأها الحبشة في صنعاء هي التي دعت إلى حرب الفيل التي ذكرت في القرآن .



فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية ، ونهضة دينية وثنية . وهي بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة ودياناتهم في البلاد العربية .



وإذا كان هذا حقا – ونحن نعتقد أنه حق – فمن المعقول جدا أن تبحث هذه المدينة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تتحدث عنها الأساطير . وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس اسماعيل وابراهيم ، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة باينياس ابن بريام صاحب طروادة .



أمر هذه القصة إذن واضح . فهي حديثة العهد ظهرت قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضا ، وإذن فيستطيع التاريخ الأدبي واللغوي ألا يحفل بها عند ما يريد أن يعترف أصل اللغة العريبة الفصحى . وإذن فنستطيع أن نقول أن الصلة بين اللغة العربية الفصحى التي كانت تتكلمها العدنانية واللغة التي أنت تتكلمها القحطانية في اليمن إنما هي كالصلة بين اللغة العربية وأي لغة أخرى من اللغات السامية المعروفة ، وإن قصة العاربة والمستعربة وتعلم اسماعيل العربية من جرهم ، كل ذلك حديث أساطير لا خطر له ولا غناء فيه .



والنتيجة لهذا البحث كله تردنا إلى الموضوع الذي ابتدأنا به منذ حين ، وهو أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا . ذلك لأننا نجد بين هؤلاء الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا كثيرا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلى عرب اليمن إلى هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير لغة القرآن ، والتي كان يقول عنها أبو عمرو بن العلاء : إن لغتها مخالفة للغة العرب ، والتي أثبت البحث الحديث ، أن لها لغة أخرى غير اللغة العربية .



ولكننا حين نقرأ الشعر الذي يضاف إلى شعراء هذه القحطانية في الجاهلية لا نجد فرقا قليلا ولا كثيرا بينه وبين شعر العدنانية . نستغفر الله ! بل نحن لا نجد فرقا بين لغة هذا الشعر ولغة القرآن . فكيف يمكن فهم ذلك أو تأويله؟ أمر ذلك يسير ، وهو أن هذا الشعر الذي يضاف إلى القحطانية قبل الإسلام ليس من القحطانية في شيء ، لم يقله شعراؤها وإنما حمل عليهم بعد الإسلام لأسباب مختلفة سنبينها حين نعرض لهذه الأسباب التي دعت إلى انتحال الشعر الجاهلي في الإسلام .



الدين وانتحال الشعر



... ونوع آخر من تأثير الدين في انتحال الشعر وإضافته إلى الجاهليين ، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبي من ناحية أسرته ونسبه في قريش . فلأمرٍ ما اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم ، وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف ، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة بني قصي ، وأن يكون قصي صفوة قريش ، وقريش صفوة مضر ، ومضر صفوة عدنان ، وعدنان صفوة العرب ، والعرب صفوة الإنسانية كلها . وأخذ القصاص يجتهدون في تثبيت هذا النوع من التصفية والتنقية وما يتصل منه بأسرة النبي خاصة ، فيضيفون إلى عبدالله وعبدالمطلب وهاشم وعبدمناف وقصي من الأخبار ما يرفع شأنهم ويعلي مكانتهم ويثبت تفوقهم على قومهم خاصة وعلى العرب عامة . وأنت تعلم أن طبيعة القصص عند العرب تستتبع الشعر ، ولا سيما إذا كانت العامة هي التي تراد بهذا القصص ...

حازم
04-19-2005, 02:39 PM
طه حسين بين العولمة والسفسطة

بقلم : د. إبراهيم عوض

أصدر الدكتور طه حسين سنة 1938م كتابًا كان قد ألفه قبل ذلك بسنةٍ عنوانُه "مستقبل الثقافة فى مصر"، حاول فيه أن يضع الأسس التى ينبغى أن تسير عليها العملية التعليمية فى أرض الكِنَانة بعد حصولها على استقلالها الصُّورِىّ سنة 1936م. ولسوف يشعر القارئ بعد قليل، حين يطالع اقتراحات طه حسين فى هذا الصدد، وكأن الأمر لا يتعلق بمصر العربية المسلمة، ولا أن الاقتراحات التى تضمنها الكتاب قد صدرت عن رجل تربى فى الأزهر الشريف وجاء من الصعيد رمز الصلابة والكرامة والعزة الوطنية والدينية، بل يتعلق ببلد لا علاقة له بدين محمد، وصدر عن رجل لا تربطه بالعروبة والإسلام صلة. والكتاب مملوء سفسطةً عجيبةً لا أدرى كيف جَرُؤ طه حسين على الانصياع إليها وتصوَّر أنها يمكن أن تجوز على عقول المصريين، المصريين الذين طالما نافحوا عن الإسلام فى ميادين الوغى والعلم، وأحبوا كتابه ولغته وشريعته وسنة رسوله وبذلوا فى دراسة ذلك كله والحفاظ عليه نور عيونهم وذَوْب عقولهم. ولقد ألَّف الرجل كتابه هذا بعد أن حضر فى باريس صيف عام 1937م عدة مؤتمرات للفكر والتعليم كان فيها، كما يقول، "أشبه شىء بالطالب الذى يختلف إلى الدروس والمحاضرات فى مواظبة وانتظام" (مستقبل الثقافة فى مصر/ دار الكتاب اللبنانى/ بيروت/ 1973م/ 8)، وأحسب أنه قد تلقى فى هذين المؤتمرين التعليمات بالبدء فى تطبيق دعوة الانسلاخ عن الإسلام على أخطر ميدان من ميادين الحياة، ألا وهو ميدان التعليم والثقافة، فلم يضيع وقتا بل شرع من فوره فى أداء المهمة المنوطة به فأَلَّف الكتاب وانتهى منه فى ذلك الصيف نفسه وقبل أن يعود بسلامته من ربوع مهبط الوحى الجديد كما يبيِّن التاريخُ والمكانُ اللذان أملاه فيهما وأثبتهما فى آخره. كذلك فإنى موقنٌ أن القارئ الكريم، بعد أن يتابع معنا ما جاء فى الكتاب من أفكار وما ينادى به مؤلفه من دعوات، سوف يلاحظ على الفور أن ما نسمعه الآن من كلام عن العولمة ووجوب تعديل المناهج الدراسية وتجفيف منابع الفكر الدينى فى بلاد المسلمين ليس وليد الساعة، بل هو كلام قديم. وهذا إن دل على شىء فإنما يدل على أن أعداءنا لا ينامون ولا يأخذون الحياة مأخذ الهزل الذى نتّبعه نحن ولا نريد أن نتخلَّى عنه رغم تتالى الصواعق على رؤوسنا وتسويد الهزائم والمخزيات لوجوهنا وتلطيخها لكرامتنا. لقد سبق أن قرأتُ الكتاب وقرأتُ عنه منذ سنوات بعيدة، ثم عدتُ إليه هذا الأسبوعَ مرة أخرى بتأثير طائفة من المقالات التى قرأتها حوله وحول صاحبه فى بعض المواقع المشباكية، وهذا هو تقريرى عنه أضعه بين يَدَىْ أمتى لعلها أن تفيق من الخَدَر الذى تظنه لذيذا، على حين أن وراءه مزيدا من الكوارث التى لا تقلّ شدةً وفداحةً عما خَبَرَتْه منها فى الفترة الأخيرة، بل قد تكون أشد وأفدح وأنكى.







وأول ما نقف عنده من السفسطة التى تطالعنا بوجهها الكالح الكئيب فى "مستقبل الثقافة فى مصر" ما يهرف به مؤلفه من أن العقل المصرى هو عقل أوربى. ولا أدرى على أى أساس يزعم ذلك، ولا كيف قاله بهذه الجرأة العجيبة. ومع هذا نراه يكرر القول بأن الأوربيين يرفضون انتسابنا إليهم. ولا أفهم ما الذى يريده الدكتور طه أكثر وأقوى من ذلك كى يكفّ عن محاولة الالتحاق بناس يكرهوننا كل هذه الكراهية ويحتقروننا كل هذا الاحتقار! إنه كعاشقٍ أحمقَ ولهانَ واقعٍ فى غرام راقصة من راقصات الكباريهات، ينثر كل أمواله تحت قدميها استجلابًا لرضاها، لكنها لا تزداد على هذا التقرب إلا عُتُوًّا واشمئزازًا وتكبّرًا، فهى تدوس الأموال المنثورة عند قدميها بحذائها وتركلها فى وجهه، لكن صاحبنا لا يفهم ولا يحسّ، وبدلا من أن تفيق كرامته نراه يوغل فى الاستعطاف وينثر المزيد من الفلوس ويترامى بنفسه على حذائها، لعله أن يكون مع الحذاء أوفر حظا منه مع صاحبة الحذاء، إلا أنه لولهه الأعمى المجنون لا يريد أن يفهم أن الحذاء ليس شيئا آخر غير صاحبة الحذاء، وأن الحذاء كصاحبته ليس له قلب. إنه يأتمر بأمرها وينفذ رغبتها، وليس له إرادة مستقلة عن إرادتها، وهى لا تحب صاحبنا المجنون الولهان ، ومن ثم فالحذاء هو أيضا لا يحبه ولا يمكن أن يحبه. كما أنها حريصة على استذلاله وتحقيره بكل ما أوتيت من قوة وجبروت، بيد أنه لا يفهم! أو قل إنه يفهم جيدا، لكنه يتصور أن إبداء مزيد من الهوان والذل كفيل بأن تستقيم الأمور بينه وبين معشوقته الداعرة التى لا تعرف شيئا اسمه العطف والمرحمة!



يقول د. طه حسين، بعد أن حاول بكل ما وُهِبَ من سفسطةٍ وولعٍ بالجدل الباطل إثبات أننا نحن المصريين أوربيون فى عقلنا وتفكيرنا (فأل الله ولا فألك يا شيخ طه! والله إنك لأزهرى قد نَبَتَ لحم جسدك من خبز الأزهر والفول النابت مهما فعلتَ ومهما حاولتَ التبرؤ من جلدك ومما تحت جلدك، ومهما ألصقتَ من قشور الحضارة الأوربية فوق بَشَرَتك، ومهما مضيتَ فى السخف فزعمت لمحدثيك أن أسلافك الأوائل كانوا من الإغريق كما حكى لنا الدكتور زكى مبارك والدكتور نجيب البهبيتى )انظر كريمة زكى مبارك/ زكى مبارك ناقدا/ دار الشعب/ 1978م/ 69، ود. نجيب محمد البهبيتى/ مدخل لدراسة التاريخ والأدب العربيين/ دار الثقافة/ الدار البيضاء/ 1398هــ- 1978م .(61/ أنت يونانى؟ أنت؟ إنما أنت صعيدى قح، وأغلب الظن أنك عربى الأصول، لكنك تكابر على عادتك الذميمة فى العناد ومكايدة جمهور العرب والمسلمين والتقرب إلى الغانية اللعوب التى ضَرِيَتْ على ركل عشاقها الحمقى الولهانين بالحذاء لعلمها أنهم قد ضَرُوا بدورهم على الغرام بهذا الركل والاستزادة منه! وإلا فهل كان اسم جدك البعيد "خريستو" أو "كوستا" أو " كرامانليس" مثلا؟ أما إن كنت يونانيا حقًّا رغم ذلك كله فمعناه أن كلامك عن الفرعونية التى تشهرها فى وجه انتمائنا العربى والإسلامى هو من باب ذر الرماد فى العيون حتى لا نتنبه إلى الحقد الأسود الذى يضمره قلبك تجاه مقومات وجودنا وحضارتنا)، يقول الدكتور طه: "وأما الأوربيون فهم...يبذلون الجهود الخِصْبة الشاقة فى تحقيق الصلات بين المصريين القدماء والحضارة اليونانية التى هى أصل حضارتهم، ثم هم بعد ذلك كله يُعْرِضون عن الحق ويتجاهلون هذه الأوليات، ويَرَوْن فى سيرتهم وسياستهم أن مصر جزء من الشرق، وأن المصريين فريق من الشرقيين. وليس من المهم ولا من النافع الآن أن نبحث عن مصدر هذا التعنت الأوربى الذى يرجع إلى السياسة وإلى المنافع قبل كل شىء، وإنما المهم أن نمضى فى هذه الملاحظة التاريخية حتى يَثْبُت لنا فى وضوحٍ وجلاءٍ أن من السخف الذى ليس بعده سخفٌ اعتبارُ مصر جزءًا من الشرق واعتبارُ العقلية المصرية عقلية شرقية كعقلية الهند والصين" (ص 28). أرأيتم شعورا بالنقص كهذا الشعور؟ أرأيتم انسلاخًا من الإنسان عن أصله وتنكرًا لماضيه ومجد أجداده وآبائه كهذا الانسلاخ؟ والله إنها لمهزلة، فالأوربيون الذين يحاول طه حسين الالتصاق بهم يفرون منه كما يفر السليم من الأجرب، لكنه يصر على الترامى على أقدامهم متهما موقفهم بأنه سخف ما بعده سخف! وفاته أن كل شىء يمكن أن يتم بالإكراه ما عدا الحب، فلا يتم إلا بالتراضى! آمنّا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا ورسولاً، وبالعربية ثقافةً وانتماءً، وبَرِئْنا من كل من يحاول سَلْخَنا عن شرقيتنا العربية الإسلامية وزعزعة أصولنا وإلحاقنا عبثًا وباطلاً بأوربا وتمريغ شرفنا وكرامتنا فوق ذلك فى الرَّغام والطين!



ثم إنه يقيم دعواه المنكَرة الزاعمةَ بأن عقلنا نحن المصريين هو عقل أوربى على أساس أن اليونان كان لها مستعمرات فى بلادنا ذات يوم قبل ألف عامٍ تقريبا من ميلاد المسيح عليه السلام (ص20)، وأُضِيفُ أنا أنها قد احتلتنا نحو ثلاثمائة سنة قبيل الميلاد مما تعمَّد كاتبنا تجاهله. أى أن طه حسين يريد أن يعيدنا إلى ذلك التاريخ البعيد الذى شبع موتًا وشحب فى الذاكرة بل انطمس انطماسًا! أفينبغى أن نقف عند هذه الفترة القصيرة جدا جدا من حياة الأمم والتى لم يعد أحد من المصريين يتذكرها أو يَذْكُرها حتى بلسانه مجرد ذِكْر، فنتعبَّد لها ونلغى كل ما سبقها ولحقها مما ينكرها وينقضها نقضا؟ أترانا، حتى عندما كانت اليونان تحتل بلادنا، قد اعتنقنا لغتها وآمَنَّا بدينها واتخذنا عاداتها وتقاليدها وتشرَّبْنا ثقافتها وجعلناها ثقافة لنا؟ كلا لم يقع شىء من ذلك، بل كما قلتُ: ليس هناك من بين المصريين من يتذكر شيئا من هذه الحقبة التى يرفضها العقل المصرى والشعور المصرى والخلق المصرى والكرامة المصرية والعزة الوطنية: لا على المستوى الحكومى ولا على المستوى الشعبى، ولا على مستوى المثقفين (اللهم إلا من تخصص منهم فى تاريخ تلك الفترة من تاريخنا كما يتخصص أى واحد منا فى اللغة اليابانية مثلا أو فى التاريخ الأوربى) ولا على مستوى الجماهير، على عكس ما فعلناه مع لغة العرب وثقافة العرب والدين السماوىّ الذى حمله إلينا العرب وكثير من عادات العرب وتقاليد العرب، حتى لقد نَسِينا لا الحقبة اليونانية فقط من تاريخ مصر بل ما كنا نتكلمه من لغة وما كان آباؤنا يدينون به من دين أيضًا، اللهم إلا من بقى منا على نصرانيتهم، أما من كان يدين بالعجل أبيس أو الإله أوزيريس أو آمون أو آتون فذهبوا إلى غير رجعة فى بطون التاريخ غير مأسوف عليهم من أحد، لا أعاد الله شيئا من تلك الأديان بعد أن ذقنا حلاوة التوحيد ونهلنا من دين محمد. وبالمناسبة فالنصرانية ليست دينا مصريا، بل هى دين وافد على بلادنا كما أن الإسلام دين وافد من الجزيرة العربية، التى نزل فيها الوحى على محمد عليه السلام، وكل ما فى الأمر (وهذا هو المهم، وهو الفيصل الحاسم) أن الذين اعتنقوا دين محمد هم الأغلبية الساحقة، على حين أن الذين ظلوا يتمسكون بدين النصرانية هم الأقلية. وكلا الفريقين مصرى صميم له احترامه وحقّه فى أن يؤمن بما يقتنع به، أما الحمقى الذين ينظرون شَزْرًا إلى دين الإسلام ويجأرون بأنه دينٌ أجنبىّ وأن الذين يؤمنون به هم أيضا أجانب ينبغى أن يعودوا من حيث أَتَوْا فهم مجانين ليس لهم من مكان يليق بهم إلا فى الخانكة! وقد كان المظنون أن تقول ذلك الأغلبيةُ المسلمةُ لغيرها، لكن المسلمين لا يمكن أن يفكروا على هذا النحو الإجرامى البليد، بل يقولون إن مصر بلد الطائفتين! وعلى أى حال فلم يقل أى من الفريقين، فيما نعلم، إنه صاحب عقلية أوربية، اللهم إلا طه حسين من بين من ينتسبون للإسلام، وإلا سلامة موسى من بين من ينتسبون لدين النصارى!



وعلى ذكر هذا التحمس الطَّاهَوِىّ لليونان ومستعمرات اليونان وتأثير اليونان الفكرى فى مصر الفرعونية أنقل للقارئ هذه السطور التى تصف فيها زوجتُه بعضَ ما كان يفعله فى شتاء 1939م فى تونا الجبل برفقة سامى جبرة المسؤول عن الآثار هناك: "وكان طه، الذى ظل مسؤولا أمدًا طويلاً عن كافة أراضى الحفريات، يحب على نحوٍ خاصٍّ هذه الأرض التى كانت تبدو له وكأنها تخصه، فقد كان يجد فيها حضارة يحبها ما دام العالم الفرعونى كان يتحول هنا تحت تأثير الاندفاعة الهيلينية. كانت موميات القرود فى الأنفاق تهمّه بشكل عابر، غير أنه كان يتوقف فى معبد بيتوزيريس. كان يمشى ببطء بين أكثر القبور تواضعًا أو بين النّصب الجنائزية. وذات يوم دخلنا إلى واحد من هذه القبور. كان يشبه القبورَ الأخرى بدَرَجه الخارجى الضيق. صعدنا إلى الغرفة الصغيرة، وكان قد وُضِع فيها قديما جسدٌ نحيفٌ لفتاة كانت قد ألقت بنفسها فى النيل، اسمها "إيزيدورا"، وتقول الكتابة الموجودة على قبرها إن أباها قد طلب من أجلها القرابين والصلوات. وفجأة لاحظتُ أن طه ابتعد عنا، ثم طلب إلينا أن نحمل إليه مصباحًا قديمًا (وكان ذلك متوافرا)، وأن نشعله بالبَخُور وأن نستمر فى إشعاله. لم يعد سامى يُدِير أشغال تونا، ولا أدرى إذا كان مصباح إيزيدورا لا يزال يشتعل أحيانا" (سوزان طه حسين/ معك/ 135- 136). وقبل أن أمضى أحب أن أتساءل: ما كل هذه الرقة والحِنِّيَّة والرهافة العاطفية؟ أين التنوير والتفكير العلمى الذى يصدع أدمغتنا به حواريّو طه حسين، وهم يَرَوْنه يشعل مصباحا لإيزيدورا المسكينة التى ماتت من آلاف السنين، استجابة لرغبة أبيها فى تقديم القرابين ورفع الابتهالات للآلهة؟ أم إن التمرد (التنويرى) لا يكون إلا فى مواجهة دين محمد الطاهر النظيف من ظلمات الوثنية ونجاسات الخرافة؟



إن الدكتور طه يلجأ إلى حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار حين يقول إن فريقا من المصريين يريدون أن يُلْحِقونا بالشرق، مع أننا لا ننتمى إلى الصين أو فيتنام أو اليابان، فكيف يحسب هؤلاء أننا شرقيون؟ ثم يذهب فيدلل على أنه لا شىء فى ثقافتنا يربطنا بهذه الأمم. وهى، كما قلت، حيلة مكشوفة من حِيَل العيال الصغار، إذ مَنْ بالله من المصريين أو من غير المصريين من أهل منطقتنا هذه يقول إننا شرقيون بذلك المعنى؟ أتحدى طه حسين أو غير طه حسين أن يأتى لى بمن يقول هذا! إن الذين يقولون بشرقيتنا إنما يقصدون أننا عرب مسلمون، فنحن جزء من الشرق العربى المسلم كما يعرف ذلك كل أحد، على حين يَتَبَالَهُ طه حسين ظنًّا منه أنه من الذكاء بحيث يمكن أن يخدعنا فى أمرٍ مكشوفٍ بل مفضوحٍ كهذا، وأننا من الغباء بحيث يمكن أن نبلع بسهولةٍ هذا الطُّعْم الخائب! إن الرجل هنا إنما يُسَفْسِط، وأىّ سفسطة؟ إنها سفسطة ملعونة مخربة مدمرة، وهو يمارسها بكل جرأة وبرود أعصاب وجمود وجه متظاهرا بالبراءة التامة، وهو أبعد ما يكون عن البراءة!



يقول بسفسطته التى لا تضارعها سفسطة أخرى: "وأنا من أشد الناس زهدًا فى الوهم وانصرافًا عن الصور الكاذبة التى لا تصوِّر شيئا، وأنا مقتنع بأن الله وحده هو القادر على أن يخلق شيئا من لاشىء، فأما الناس فإنهم لا يستطيعون ذلك ولا يقدرون عليه. وأنا من أجل هذا مؤمنٌ بأن مصر الجديدة لن تُبْتَكَر ابتكارا، ولن تُخْتَرَع اختراعا، ولن تقوم إلا على مصر القديمة الخالدة، وبأن مستقبل الثقافة فى مصر لن يكون إلا امتدادا صالحا راقيا ممتازا لحاضرها المتواضع المتهالك الضعيف. ومن أجل هذا لا أحب أن نفكر فى مستقبل الثقافة فى مصر إلا على ضوء ماضيها البعيد وحاضرها القريب، لأننا لا نريد ولا نستطيع أن نقطع ما بين ماضينا وحاضرنا من صلة. وبمقدار ما نُقِيم حياتنا المستقبلة على حياتنا الماضية والحاضرة نجنِّب أنفسنا كثيرا من الأخطار التى تنشأ عن الشطط وسوء التقدير والاستسلام للأوهام والاسترسال مع الاحلام! ولكن المسألة الخطيرة حقا والتى لا بد من أن نُجَلِّيَها لأنفسنا تجلية تزيل عنها كل شك، وتعصمها من كل لَبْس، وتُبْرِئها من كل ريب، هى أن نعرف أَمِصْر من الشرق أم من الغرب. وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافى والغرب الجغرافى، وإنما الشرق الثقافى والغرب الثقافى. فقد يظهر أن فى الأرض نوعين من الثقافة يختلفان أشد الاختلاف، ويتصل بينهما صراع بغيض، ولا يَلْقَى كل منهما صاحبه إلا محاربا أو متهيئا للحرب. أحد هذين النوعين هذا الذى نجده فى أوربا منذ العصور القديمة، والآخر هذا الذى نجده فى أقصى الشرق منذ العصور القديمة أيضا. وقد نستطيع أن نضع هذه المسألة وضعًا واضحًا قريبًا يُدْنِيها إلى الأذهان وييسِّرها على الألباب: فهل العقل المصرىّ شرقىّ التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربىّ التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ وبعبارة موجزة جليَّة: أيهما أيسر على العقل المصرى: أن يفهم الرجلَ الصينىَّ أو اليابانىَّ، أو أن يفهم الرجلَ الفرنسىَّ أو الإنجليزىّ؟" (ص16- 17).



أرأيت أيها القارئ الكريم كيف يضع طه حسين المسألة؟ إن مصر إما أن تكون بلدا شرقيا كالصين واليابان وفيتنام، وإما أن تكون بلدا أوربيا، وكأنه لا يوجد من الشرق إلا الشرق الأقصى، فلا شام ولا جزيرة عرب ولا إيران ولا باكستان ولا أفغانستان ولا دول أواسط آسيا المسلمة ولا ليبيا ولا تونس ولا الجزائر التى كانت حبيبتُه فرنسا تحتلها وتعمل على إخراجها عن عروبتها وإسلامها، ولا المغرب ولا موريتانيا ولا السودان ولا الصومال ولا إرتيريا ولا بقية إفريقيا الموحِّدة التى تشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. كذلك من الجلىّ الذى لا يحتاج إلى تنبيه إليه أن طه حسين يتجاهل تجاهلا تامًّا تاريخ مصر الإسلامى، وهو الذى لا تعرف الأغلبيةُ الساحقةُ الماحقةُ من المصريين لها تاريخا غيره، فتراه يرجع بعيدا بعيدا إلى التاريخ القديم الذى كانت مصر متصلة فيه بالإغريق، ثم يقفز قفزة عالية هائلة فوق القرون المتطاولة التى عاشتها مصر فى نور الإسلام لينزل على جذور رقبته فى العصر الحديث الذى كانت إنجلترا تحتل فيه أرض الكنانة وتلتزم مصر باتفاقيات مع الدول الأوربية تجبرها على أن تنحو فى تعليمها وإدارتها وتشريعاتها وسياستها مَنَاحِىَ لا تنسجم، إن لم تتعارض تعارضا عنيفا، مع ثقافتها ودينها ولا يفكر هو فى الدعوة إلى الانعتاق منها بل بالعكس يرى أن على مصر الوفاء بها (ص45- 46، 82، 88، 91- 92 مثلا)! ولأنه بهلوان بارع فإنه يقوم من السقطة دون أن تنكسر له رقبة، ذلك أن أصحاب السيرك قد وضعوا له الحشايا الإسفنجية التى تتلقاه عند سقوطه من حالقٍ تلقيًا حنونًا، لا حبًّا فيه، وإنما فتنةً لنا، نحن المتفرجين البُلْه، عن ديننا وثقافتنا واتجاهنا الروحى والسياسى!



وقد غاظ هذا التقسيمُ البهلوانىُّ المرحومَ سيد قطب فكتب ينتقد صاحبَه قائلاً: "ووَضْعُ المسألة على هذا النحو تتجلى فيه كل مهارة الدكتور فى المناقشة، فهو قد قسَّم الدنيا قسمين اثنين لا ثالث لهما: قسم تمثله الصين واليابان، وإن شئت فضُمَّ إليهما الهند وأندونيسيا، وقسم تمثله فرنسا وإنجلترا، وإن شئت فضُمَّ إليهما كل دول أوربا وأمريكا. فلا بد، للإجابة عن سؤال الدكتور على هذا الوضع، أن تكون مصر أمة غربية لأنها، بلا تردد وبدون شك، تَفْهَم الإنجليزىَّ والفرنسىَّ أكثر مما تَفْهَم الصينىَّ واليابانىَّ فى هذا الزمان! وهذا ما قصد إليه الدكتور من توجيه السؤال على هذا المنوال! ولكن لا ريب أن وجه المسألة يتغير لو كان الشرق الذى يواجهك به غير الصين واليابان والهند وأندونيسيا. أى لو كان هناك قسم ثالث للدنيا يمثله الشرق العربى والغرب العربى، ومصر بينهما حلقة الاتصال. ثم يزداد وجه المسألة تغيرا لو كانت الدنيا أكثر أقساما حسب عقلياتها المختلفة، وهو الواقع، فكانت أوربا وأمريكا تنقسمان بحسب العقلية الديمقراطية والعقلية الدكتاتورية، وبينهما خلاف أساسى لا شك فيه، وكان الشرق ينقسم بحسب أجناسه، وهى كثيرة، وحسب طبيعة بلاده، وهى متغايرة...إلى آخر الأقسام التى لا بد أن يفطن إليها ويدقق فى تمحيصها من يريد وضع مناهج الثقافة حسب العقليات" (سيد قطب/ نقد كتاب "مستقبل الثقافة فى مصر"/ الدار السعودية للنشر والتوزيع/ 1389هـ- 1968م/ 12- 13).



كذلك يقول الأستاذ الدكتور بسفسطته المعهودة إن العلاقة بين الغرب الأوربى والشرق الأقصى كانت دائما علاقة صراع وحروب، متناسيا أنه لم تكن هناك أية علاقات بين هذين القطبين فى التاريخ القديم البتة، أما نحن فمنذ القديم لم تكن لنا بالغرب من علاقة إلا علاقة الصدام الدموى، وبخاصة بعد الإسلام بدءًا بالحروب بينه وبين الدولة البيزنطية التى استطاع الدين الحنيف أن يكسحها من المنطقة إلى الأبد، ومرورًا بالحروب الصليبية التى كسبت فيها أوربا الجولة الأولى إلى أن تمكن المسلمون من لملمة شعثهم وتضميد جراحاتهم ثم تلقين أولئك الأوغاد آلم درس خبروه فى حياتهم وأعادوا هذا الواغش البشرى إلى مقالب الزبالة التى كان قد جاء منها، وكذلك محاكم التفتيش التى ذاق المسلمون على أيدى جلاديها المتوحشين ما لم يذقه بشر حتى تم اقتلاعهم من دينهم وبلادهم، وانتهاءً بالاستعمار الأوربى الذى بسط لعدة عقودٍ سلطانه على المنطقة وأذلها واستغلها أبشع الإذلال والاستغلال، وما زال يبسط سلطانه الإجرامى على بعض أقطارها مثل فلسطين وأفغانستان والعراق. فمتى يا ترى كانت العلاقة بيننا وبين الغرب أيها السوفسطائى علاقة تفاهم وتعاون؟ إنك ومن هم على شاكلتك لستم حَكَمًا على أممكم، فأمثالكم فى كل مكان وزمان إنما ينحازون إلى الأجنبى ويبيعون أنفسهم له رِخَاصًا مقابل عَرَضٍ من الدنيا تافةٍ ضئيل! بل لقد كانت علاقة أوربا بعضها ببعض علاقة خصام وسفك دماء فى كثير من الأحيان، وما الحربان العالميتان منا ببعيد! لكن السوفسطائيين قوم يتبالهون ويَسْتَبْلِهون! أعاذنا الله من السفسطة والسوفسطائيين!



والغريب أن د. طه لا ينكر أن مصر كان لها علاقات ببعض دول الشرق الأدنى (بعضها فقط كما يريد منا أن نفهم، وهى الشام والعراق، فلا كلام عن السودان ولا الصومال ولا ليبيا ولا غيرها من دول الشمال الإفريقى، وكان الله يحب المحسنين!)، لكن أى مصر؟ إنها مصر الفرعونية، وليست مصر العربية المسلمة التى لا نعرف انتماءً لغيرها الآن، كما أن هذه العلاقات لا تشفع عنده لكى تُعَدّ مصر بلدا شرقيا رغم ذلك مع أن الوضع هنا هو نفسه فى حالة الإغريق، بل إن الصلات هنا أكثر وأشد على الأقل بحكم الجوار المباشر الذى لا يفصلنا فيه عن تلك الدول بحر ولا مزاج نفسى وحضارى مختلف أشد الاختلاف (ص19- 20). فلماذا يا ترى؟ إن هذا يذكرِّنا بالمثل الشائع: "عنزة ولو طارت!"، كما يذكِّرنا بقصة ذلك الرجل الجاحد للجميل والذى سبق أن عومل أثناء اغترابه فى بلدٍ من البلاد على يد رجل من أهله معاملةً غايةً فى الكرم والجود، فوعد مُكْرِمَه أنه متى أتى إلى بلده فسوف يرد إليه الجميل أضعافا. ثم حدث أن ساقت الظروف هذا المحسِن إلى بلد الجاحد فذهب إليه أملاً فى أن يجد لديه ما يزيل عنه الشعور بالغربة ووحشتها، لكن صاحبنا أوقفه على الباب وأخذ يتطلع إليه ويتباله منكرا أنه يعرفه أو سبق له أن رآه، والمسكين يخلع مرة قلنسوته، ومرة برنسه، لعل ذلك يساعد الرجل على وضوح الرؤية والتذكر. فما كان من صاحب البيت إلا أن أسرع قائلاً اختصارا للجهد والوقت وتيئيسًا للضيف أن ينتظر منه أية معاملة كريمة: أَرِحْ نفسك يا أخى، فوالله لو أنك خرجت من جلدك نفسه ما عرفتُك!



ثم إن العبرة على كل حال بشعور الشعب وموقفه من علاقات مصر بالدول الأخرى: لقد ظل المصريون ينظرون إلى الإغريق على أنهم محتلون غرباء، فلم يندمجوا فيهم ولا اصطنعوا لغتهم ولا أخذوا عنهم دينهم ولا تثقفوا بثقافتهم، بخلاف ما فعلوا مع العرب حين أتوهم بالإسلام، فقد تعربوا مثلهم لغة وثقافة، وأقبلوا على الدين الذى جاؤوهم به واعتنقوه وتفانَوْا فى التمسك به والدفاع عنه فكريا وعسكريا. ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن ذلك كان سببه حكم العرب لمصر، فقد احتل الإغريق وغير الإغريق مصر وحكموها فلم تسلس مصر قيادها لهم ولم تقتبس منهم لغتهم ولا دينهم ولا عاداتهم وتقاليدهم كما قلنا، كما أن العرب سرعان ما خلَفهم فى حكم مصر الطولونيون مرة، والإخشيد أخرى، والفاطميون ثالثة، والأيوبيون الأكراد رابعة، والمماليك الأوربيون خامسة، والعثمانيون الأتراك سادسة، لكنها خلال تلك النظم السياسية لم يحدث قط أن فكرت فى نبذ الإسلام أو اللسان الذى نزل به كِتَاب الإسلام، بل ظلت قلبًا وقالبًا وروحًا وعقلاً وشعورًا وخلقًا وتشريعًا وعاداتٍ وتقاليدَ بلدًا إسلاميًّا، كما لم يفكر أى من هؤلاء الحكام فى نبذ الإسلام أو لسانه، اللهم إلا أن العثمانيين قد فرضوا لغتهم فى أواخر عهدهم فى بعض مجالات الإدارة، لكنْ سرعان ما انفصلت مصر عنهم عقب ذلك وعادت العربية إلى تألقها كَرَّةً ثانية لم يكسف من نورها خطة الإنجليز فى جعل قسمٍ من مناهج التعليم بلغتهم. بل لقد أصبح يُنْظَر إلى أرض الكِنَانة منذ قرون على أنها زعيمة العالم العربى والإسلامى. ثم يريدنا الدكتور طه حسين الصعيدى الأزهرى، لمجرد أنه ذهب إلى أوربا والتقطه الأوربيون وجعلوا منه صنيعة لهم لقاء ثمنٍ دنيوىٍّ بخسٍ، أن ننزل على سفسطته وننسى هذا كله ونلقى بتلك الكنوز والمكاسب فى البحر ونذهب فنرتمى على أقدام أوربا نستعطفها ونقبل حذاءها حتى ترضى عنا وتقبلنا أتباعا أذلاء لها! أى منطق يقول بهذا يا إلهى؟ وأى عقل يمكن أن يظن أنه ينجح فى إقناع المصريين بهذا؟ لا يا دكتور طه، يفتح الله! إن طه حسين يريد أن يسوّق لنا الوهم الكذوب فيزعم أن العلاقة بين مصر واليونان فى التاريخ القديم كانت علاقة تفاهم ومودة حتى عندما كانت لها مستعمرات فى بلادنا، بخلاف المسلمين العرب الذين يقول إن مصر لم تسلس لهم قيادها بسهولة بل ثارت عليهم معتزة بشخصيتها الوطنية (ص18- 21، 27). ترى أين كانت هذه العزة الوطنية إزاء المستعمرات اليونانية والاحتلال اليونانى؟ ما أغرب عقلك يا دكتور طه حين تسوِّد صفحاتك هنا عن الإسلام بمداد الحقد واللَّدَد فى التشويه والرغبة الآثمة فى التلاعب بحقائق التاريخ ومعانى الوطنية التى تفقأ عين وقلب وعقل كل مكابرٍ عنيدٍ!



ويمضى الدكتور طه فى التظرف قائلا: "قد يقال إن الحضارة الأوربية مادية مسرفة فى المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهى من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوربا ويشقى به العالم كله أيضا... لكنّ مِنْ أجهل الجهل وأخطإ الخطإ أن يقال إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادة الخالصة. إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح، إنها نتيجة الروح الخِصْب المنتج، نتيجة الروح الحى المتصل بالعقل فيَغْذُوه وينمّيه ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج لا نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها الفانى فيها الذى تُفْسِد الأثرةُ عليه أمرَه فلا ينفع ولا ينتفع ولا يفيد ولا يستفيد... ما هذا الشرق الروحى؟ ليس هو شرقنا القريب على كل حال من غير شك، فشرقنا القريب، كما رأيت، هو مهد هذا العقل الذى يزدهى ويزدهر فى أوربا، وهو مصدر هذه الحضارة التى نريد أن نأخذ بأسبابها. وما أعرف أن لهذا الشرق القريب روحا يميزه من أوربا ويتيح له التفوق عليها. ظهرت فى هذا الشرق القريب فنون وعلوم وآداب تأثر بها اليونان والرومان فأنتجوا حضارة أوربا، وأعانهم على ذلك المسلمون، أى أهل هذا الشرق القريب. وظهرت فى هذا الشرق القريب ديانات سماوية أخذ الأوربيون منها كالشرقيين بحظوظهم: فمنهم المسيحى، ومنهم اليهودى، ومنهم المسلم أيضا. أفتكون هذه الديانات روحا فى الشرق، ومادة فى الغرب؟ كلا ليس الشرق الروحى الذى يُفْتَن به بعض الأوربيين صادقين وكاذبين فيخدعوننا به هو الشرق القريب، وإنما هو الشرق البعيد والشرق الأقصى. هو الهند والصين واليابان وما فيها من هذه الديانات والفلسفة التى لا تتصل أو لا تكاد تتصل بدياناتنا وفلسفتنا. فلننظر أى الأمرين نختار لأنفسنا: أنريد أن نعتنق ديانة الصينيين وفلسفتهم ونأخذ بأسباب حضارتهم؟... إن حديث الشرق الروحى هذا حديثٌ لا غَنَاء فيه. هو مضحك إن نظرنا إليه نظرة عامة، فإن المصريين الذين يزهدون فى الحضارة الأوربية ويدعون إلى روحية الشرق يعرفون إذا خَلَوْا إلى أنفسهم أنهم يهزلون ولا يجِدّون، وأنهم لو خُيِّروا لكرهوا أشد الكره أن يَحْيَوْا حياة الصين والهند. ولكن هذا الحديث خطر لأنه يُلْقِى فى رُوع الشباب بغض الحضارة الأوربية التى يعرفونها فيثبِّط هممهم ويُضْعِف عزائمهم ويوجههم نحو هذه الحضارة الشرقية التى يجهلونها فيدفعهم إلى بيداء ليس لها أول ولا آخر" (ص74- 78).



وهذا كله حديثُ سفسطةٍ لا يثبت على محك المناقشة، إذ من قال إن المصريين حينما يدعون إلى الاستعصام بروحانية الشرق إنما يفكرون فى الهند والصين واليابان؟ من قال ذلك منهم يا ترى؟ ولماذا لم يذكر لنا طه حسين بعض أسماء من نادَوْا بذلك! لكنه لم يفعل ولم يكن لِيفعل، لأنه يعرف تمام المعرفة، كما يعرف الواحد منا أبناءه، أنه لا يوجد بين المصريين من يدعو بهذه الدعوة المضحكة! إن روحانية الشرق عند المصريين والعرب والمسلمين أجمعين هى الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار والملائكة والقدر خيره وشره، وأن الدنيا من ثم ليست هى كل شىء، بل هناك حياة أخرى ينبغى أن يعمل الإنسان لها كما يعمل لدنياه، وأن الكائنات التى نراها ونسمعها ونشمها ونلمسها هنا على الأرض ليست هى كل الموجودات، بل هناك الملائكة والجن، وقبل ذلك كله وفوق ذلك كله الله سبحانه وتعالى الخالق الرازق الأول الآخر الظاهر الباطن الجبار الرحيم الكريم المريد القدير! والمسلمون عندما يدعون بهذا لا يريدون الانصراف عن الدنيا والتفوق فيها والاستمتاع بطيباتها كما يحاول الدكتور طه أن يوهم قراءه عبثا، بل يبغون أن يجمعوا بين الحسنيين: الدنيا والآخرة. إن الأوربيين والأمريكان متقدمون من دون أدنى ريب فى العلوم الطبيعية والإنتاج والاقتصاد والاكتشافات والاختراعات والنظام والجَلَد والتخطيط والنَّفَس الطويل والتدبير وفنون الحرب والقتال، وليس هناك من المسلمين الذين يؤبه بهم من يقول بخلاف ذلك. إلا أن هذا لا يجعلنا نصدق ما يدعونا إليه طه حسين من الجرى فى طريقهم كحَذْوِك النعل بالنعل وتقليدهم تقليد القرود والببغاوات، فهم إن تفوقوا فى أمور الدنيا كما لا يستطيع أن ينكر ذلك أحد، مقصّرون فى مجال الإيمان بالله والرسل واليوم الآخر...إلخ. أما القلة القليلة التى تقول إنها تؤمن بذلك فإنها لا ترضينا نحن المسلمين لأنها لا تؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام ولا بقرآنه الذى نزل عليه من السماء، بل تؤمن بأديان يعتقد المسلمون أنه قد أصابها العبث والتحريف، بل استنفدت أغراضها التى أنزلها الله من أجلها وصار واجبا على أتباعها أن يدخلوا فى الإسلام، الدين الخاتم الذى جاء للبشر جميعا.صحيح أن المسلمين بوجه عام متخلفون، لكن هذا لا يقلب الحق باطلا ولا الباطل حقا، فدينهم باقٍ كما هو بطهارته الأصلية الربانية لم يتغير أو يصبه عبث أو تحريف.



وبالمثل لا ينبغى أن يفتّ هذا الوضعُ المزرى والمخزى الذى عليه المسلمون المعاصرون فى أعضادهم أو يثبّط عزائمهم، فإن رحلة الألف ميل إنما تبدأ بخطوة واحدة، فضلا عن أن شرف الغاية وما سوف يجنيه صاحبها من ورائها من كرامة وعزة ومجد، كلّ ذلك كفيلٌ بأن يُقَوِّىَ من روحه المعنوية ويستحثه على بذل الجهد ومضاعفته إلى أن يصل إلى مبتغاه وهو محتفظٌ بحريته واستقلاله، مؤمنٌ بأنه خليق بأن يُتْبَع ولا يَتْبَع وبأنه قد أثبت وفاءه لتاريخه ومجده التالد لم يفرِّط فى شىء منه وأن ربه ينظر إليه من فوق سبع سماوات مبارِكًا له ومباهيًا به ملائكته المقربين لأنه استطاع أن يحقق المعادلة التى فشل الغرب رغم تقدمه المادى والتقنى فى تحقيقها، ألا وهى الجمع بين التفوق والقوة والعزة فى الدنيا وبين النجاة والسعادة فى الآخرة، وذلك بالخلوص من دنس الحضارة الأوربية المتمثل فى الكفر بالله واليوم الآخر، وشرب الخمر وأكل الخنزير، والانحلال والشذوذ الجنسى بكل ألوانه، والاغترار بما وصل إليه الإنسان من علمٍ رغم تفاهته بالنسبة لما فى الكون من أسرار، والتعامل مع الأمم الأخرى بكبر وغطرسة وإجرام وتوحش وتقتيل وتدمير ممنهج لا يعرف شيئا اسمه الرحمة أو الخجل أو الخوف من الله أو مراعاة ما يسمَّى بــ"حقوق الإنسان" أو "الرأى العام العالمى"...إلى آخر ما يضحكون به علينا ويشهرونه فى وجوهنا كى يركّعونا ويُخْضِعونا لهم ولأغراضهم الدنيئة التى يُلْبِسونها أنبل المقاصد مما لا يستطيعه إبليس ذاته.



إن الدكتور طه ينخرط فى فاصل من المنّ علينا بنتائج الحضارة الأوربية التى يذكّرنا أنها قد تغلغلت فى أرجاء حياتنا إلى حد بعيد، مثل السكك الحديدية والبرق والهاتف وطراز الملابس والأثاث وما إلى ذلك مما لا نجد فيه شيئا يُضادّ ديننا أو ظروفنا وتقاليدنا، إلا فى ميدان الملابس، فكثير منا الآن يؤثرون الجلباب مثلا على السترة والسروال والقميص تخففًا من سطوة الحر الشديد فى فصل الصيف على الأقل فى البيت، كما أن المرأة المسلمة لا يلائمها لباس المرأة الأوربية التى لا تلتزم فى سلوكها قيم الحشمة ولا العفة، وهو ما رأينا انعكاسه فى الشارع المصرى فى العقود الأخيرة، إذ عاد ملايين النساء إلى ستر شعورهن وصدورهن وأذرعهن وسيقانهن إحساسًا منهن بأنهن فى الوضع الجديد (الجديد واقعا، وإن كان قديما فى الأصل) أدنى إلى طاعة أوامر دينهن واجتناب مناهيه، بعد أن كنا أيام الجامعة لا نكاد نرى فتاة واحدة من زميلاتنا تفكر فى تغطية رأسها مثلا مجرد تفكير! ولقد ذكرتُ ذلك بالذات ردًّا على قول طه حسين فى نبرة التحدى والمغايظة: "مدَّت أوربا الطرق الحديدية وأسلاك التلغراف والتليفون فمددناها، وجلست أوربا إلى الموائد واتخذت ما اتخذت من آنية الطعام وأدواته وألوانه فصنعنا صنيعها، ثم تجاوزنا ذلك إلى جميع الأنحاء التى يحيا عليها الأوربيون فاصطنعناها لأنفسنا غير متخيِّرين ولا محتاطين ولا مميِّزين بين ما يحسن وما لا يحسن وما يلائم منها وما لا يلائم" (ص41)، "وإنى لأعرف قومًا كرامًا صالحين كانوا ينكرون السفور واختلاط الفتيان والفتيات، يجهرون بهذا الإنكار ويجاهدون فى سبيله، وبناتُهم يذهبن إلى المدارس وإلى المدارس الأجنبية ويتخذن من الأزياء ما ليس بينه وبين الحجاب



صلة" (ص68).ترى ماذا هو قائلٌ الآن لو بُعِث ورأى النساء الآن يخالفن عن رغبته ويُحْبِطْن مشروعه التغريبى الخاص بهن؟



أما ألوان التقدم الأوربى فى الصناعة والحرب والعلوم التطبيقية فكما قلت: لا يوجد مسلم عاقل يرفض منها شيئا. لكن الأمر فى ميدان التشريع مثلا يختلف عن ذلك، فإن تشريعات الإسلام كثيرا ما تتجه وجهة مخالفة بل مناقضة للقانون الأوربى، فما العمل؟ طه حسين يبارك هذا جريا على مبدئه الهادف إلى أن نسير سيرة الأوربيين فى كل شىء سلوكا وشعورا وفكرا وخلقا، فالأوربى عنده هو المثال الأعلى الذى ينبغى علينا أن نحتذيه دون أدنى تفكير ودون همسة تذمر، وإلا كنا متخلفين نستحق اللعنة. إن عقدة الأوربى تطارد طه حسين ولا تتركه يهنأ لحظة فى يقظته أو فى منامه! إنها حالة نفسية تحتاج إلى دراسة وتحليل! إن الأوربى، فى نظره، هو نبىّ العصر، أو قل: إنه إلهه! (الفصل السابع والثامن والتاسع من الكتاب، من ص40 إلى ص60)، أما المسلمون فلا يَرَوْنَ رأيه ولا يستطيعون أن يَرَوْا رأيه، وإلا فمعنى ذلك أن ما جاء به محمد كان عبثا فى عبث، وأن الأوربيين يعرفون مصالح العباد خيرا مما يعلمها الله سبحانه! ترى كيف يستطيع المسلم أن يوفق بين الإيمان بمحمد وبين تلك الخطة التى يدعونا ويلح فى الدعوة إليها طه حسين؟ الواقع أنك لا تستطيع أن تأكل التفاحة وأن تحتفظ بها فى نفس الوقت! ولقد اختار طه حسين أن يأكل التفاحة، وأن يأكلها ببذورها وطينها والأجزاء المعطَّنة منها ولا يغسلها من وَضَرها وسمومها رغم الذباب الذى كان يحط فوقها ويلوثها بألوان الجراثيم والمكروبات ورغم المبيدات الحشرية المرشوشة عليها، فكان كابن نوح حينما ناداه أبوه أن "اركب معنا، ولا تكن مع الكافرين"، فقال: "سَآوِى إلى جبلٍ يعصمنى من الماء". ثم إنه حين هطلت السيول وغرقت الأرض والجبال لم يكن ثمة عاصمٌ من هلاك ذلك اليوم إلا مَنْ رحمه الله، وحال بينه وبين أبيه الموج فكان من المُغْرَقين! إن بِيَد المسيخ الدجال من المغريات ما تنخدع به بل ما تنخلع له قلوب الأغرار المطموسى البصيرة المطسوسين فى نظرهم، فتراهم يسارعون فيه يقولون إنه لا حضارة ولا ثقافة ولا تعليم ولا تشريع ولا ملابس ولا مآكل ولا مشارب ولا مبانى ولا عقائد إلا ما جاءتنا به أوربا! حتى لو كان فى شىء من ذلك هلاكنا؟ إى نعم حتى لو كان فيه هلاكنا!



يقول الدكتور طه فى سفسطة عجيبة: "السبيل إلى ذلك (أى إلى التحضر والعزة والسيادة) ليست فى الكلام يُرْسَل إرسالا ولا فى المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هى واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عِوَجٌ ولا التواء، وهى واحدةٌ فَذَّةٌ ليس لها تعدد. وهى أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاءَ فى الحضارة خَيْرِها وشَرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكْرَه، وما يُحْمَد منها وما يعاب" (ص55). يا ألطاف السماوات! هكذا مرة واحدة، خبط لزق؟ وقد علق بحقٍّ على هذه الدعوة المريضة د. محمد محمد حسين رحمه الله فقال: ”وهو شبيهٌ بقول آغا أوغلى أحمد، أحد غُلاَة الكماليين من الترك فى أحد كتبه: "إنا عزمنا على أن نأخذ كل ما عند الأوربيين، حتى الالتهابات التى فى رئيهم والنجاسات التى فى أمعائهم"“ (د. محمد محمد حسين/ الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر/ ط3/ دار النهضة العربية/ 1392هــ- 1972م/ 2/ 229/ هــ1).



وليس لذلك من معنى إلا أنه ما دامت أوربا تُلْحِد فلا بد لنا نحن أيضا أن نُلْحِد ونكفر بالله وبملائكته ورسله واليوم الآخر، وما دامت أوربا تنظر إلى الرسول على أنه كاذب أو واهم أو مريض بالصَّرْع فلا بد لنا نحن أيضا على سبيل التبعية والجرى على خطا أوربا أن ننظر إليه صلى الله عليه وسلم بنفس العين، وما دامت أوربا تبيح الخنزير والخمر والميسر والزنا واللِّوَاط والسِّحَاق والربا فلا بد لنا أيضا أن نصنع صنيعها فنأكل الخنزير ونشرب الخمر ونلعب الميسر ونزنى ونَلُوط ونُسَاحِق ونُرَابِى...وهكذا، وهكذا. وعلى دين الله وشرعه العَفَاء! أليس هذا بعض ما تتضمنه حضارة اوربا من شر ومرارة وعيوب مما أوصانا طه حسين وشدَّد فى التوصية أن نأخذه مع حضارة أوربا صفقةً واحدةً دون انتقاءٍ أو تطهيرٍ، وكأننا بصدد "شروة طماطم"! إن الرجل حريص أتم الحرص على أن "نرى الأشياء كما يراها (الأوربى)، ونقوِّم الأشياء كما يقوِّمها، ونحكم على الأشياء كما يحكم عليها، ونطلب من الدنيا مثل ما يطلب، ونرفض منها مثل ما يرفض" (ص58). وعلى هذا فإذا سمعناه يقول فى موضع آخر: "فإذا دعَوْنا إلى الاتصال بالحياة الأوربية ومجاراة الأوربيين فى سيرتهم التى انتهت بهم إلى الرقىّ والتفوق فنحن لا ندعو إلى آثامهم وسيئاتهم، وإنما ندعو إلى خير ما عندهم وأنفع ما فى سيرتهم... ونحن، حين ندعو إلى الاتصال بأوربا والأخذ بأسباب الرقىّ التى أخذوا بها، لا ندعو إلى أن نكون صُوَرًا طبق الأصل للأوربيين كما يقال، فذلك شىء لا سبيل إليه ولا يدعو إليه عاقل. والأوربيون يتخذون المسيحية لهم دينا، فنحن لا ندعو إلى أن تصبح المسيحية لنا دينا، وإنما ندعو إلى أن تكون أسباب الحضارة الأوربية هى أسباب الحضارة المصرية لأننا لا نستطيع أن نعيش بغير ذلك، فضلا عن أن نَرْقَى ونَسُود" (ص63)، إذا سمعناه يقول ذلك عرفنا أنه لا يقول ما فى قلبه، وإنما يحاول أن يخدعنا عن نفسه، فهذه طريقة طه حسين: يضرب الضربة، ثم يستدير إليك حين يرى أنك لم تمت بَعْدُ قائلا: "أنا آسفٌ أنْ آلمتُك عن غير قصد"! ثم يمضى مسددا لك اللكمات والضربات المُصْمِيَة التى يريد بها أن يقتلك! وبمناسبة ما قاله طه حسين عن أنه لا يريد للمسلمين أن يعتنقوا المسيحية فإنى لا أستطيع أن أطرد عن ذاكرتى ما خطر لى الآن مما قرأته عن تعميده فى كنيسة إحدى القرى بالجنوب الفرنسى قبيل زواجه من سوزان، أو عن اقتران حفيدته بشاب يابانى، أو ما سمعتُه أواسط ثمانينات القرن الماضى من أستاذةٍ للغة الفرنسية، لها بباريس صلة قوية، عن تنصّر (ا..ـه) رسميا فى فرنسا آنذاك، وإن كنت لا أريد أن أخوض فى هذا الأمر أكثر من هذا لأنى لا أملك بين يدىّ الآن وثائق مكتوبة. كما لا أملك نفسى من ترديد المثل التالى حسبما سمعته ذات يوم من بعض من يختلفون مع طه حسين بسبب موقفه من الإسلام، وهو: "أَسْمَع كلامك يا دكتور طه فأُكَذِّبه، ثم أرى أمورك يا دكتور طه فأزداد تكذيبا"! وبالمثل لا يمكننى فى هذا السياق أن أتجاهل ما قاله المرحوم أنور الجندى فى وصف شخصيته، إذ أكد أن "له من طبائع المكفوفين قدرتهم على المناورة وكسب القلوب والانسحاب السريع فى حالات الخطر"، وأنه ذو طبيعة تجمع بين العناد والخوف، فتراه يندفع إذا خلا له الجو، لكنه سرعان ما يتراجع إذا استشعر الخطر (انظر أنور الجندى/ طه حسين: حياته وفكره فى ميزان الإسلام/ ط2/ دار الاعتصام/ 1397هـ- 1977م/ 25).



وعودا إلى ما كنا فيه نقول إن الدكتور طه يرى، بناءً على هذا، أن التعليم المصرى لا ينبغى أن يقام على أساس من الدين، وإن كان يسلك فى الوصول إلى هذه الغاية سبيلا ملتوية بعض الشىء، إلا أن من السهل على أى ملاحظ أن يكتشف اللعبة. لنقرأ: "الواقع أن آراء الناس ومذاهبهم تختلف بالقياس إلى هذه المسألة (يقصد إدخال مادة "التربية الدينية" فى مقررات التعليم): فمن الناس من يريد أن يكون التعليم مدنيًّا خالصًا وألا يكون الدين جزءا من أجزاء المنهج المقومة له، على أن يُتْرَك للأُسَر النهوض بالتعليم الدينى وألا تقيم الدولة فى سبيل هذا التعليم من المصاعب والعِقَاب ما يجعله عسيرا. ومنهم من يرى أن تعليم الدين واجب كتعليم اللغة وكتعليم التاريخ القومى لأنه جزء مؤسس للشخصية الوطنية فلا ينبغى إهماله ولا التقصير فى ذاته. وواضح جدا أن هذا الرأى الأخير هو مذهب المصريين، وأن من غير المعقول أن يُطْلَب إلى المصريين الآن أن يقيموا التعليم العام فى بلادهم على أساس مدنى خالص، وأن يُتْرَك تعليم الدين للأُسَر" (ص90- 91). إن الرجل يبيع لنا الوهم، فهو من الذين لا يرَوْن أن يكون الدين جزءا من التعليم العام، لكنه يعلم أيضا أن المجاهرة الصريحة بذلك الآن أمرٌ لا يمكن المصريين تقبله. ومن ثم فلا مانع من مسايرة الجو العام الآن، إلى أن تحين اللحظة المناسبة لإقصائه تماما، وعندها تتغير النغمة تماما! إن طه حسين هنا يشبه هنرى كيسنجر صاحب سياسة الــ"خطوة خطوة"! وحتى نعرف مغزى كلامه عن إيكال مهمة التربية الدينية للأسرة ينبغى أن نقرأ كتابه: "الأيام"، الذى لم يخطئ فيه مرة واحدة فيذكر لنا أنه علَّم ابنه أو ابنته شيئا من أمور الإسلام أو فكّر فى تحفيظهما بعضًا من آيات القرآن الكريم! بل إن الكِتَاب، منذ أن دخل فى المرحلة الأوربية من حياة طه حسين، يخلو تماما من كل ذكر للإسلام، فلا كلام عن صلاة أو صيام أو زكاة أو حج أو أى توجيه إسلامى للأطفال ولا ذكر لله ولا للرسول أو الصحابة، وكأن الذى كتبه لا علاقة له بهذا الدين! ونفس هذه الملاحظة تصدق على كتاب"معك" الذى حكت فيه السيدة زوجته ذكرياتها ووقائع حياتها معه، وكذلك كتاب د. محمد الدسوقى: "أيام مع طه حسين" الذى سجل فيه عمله لدى الرجل على مدى عشر سنوات فى أخريات حياته اشتغل فيها كاتبا وقارئا له.



حتى الأزهر يجب، فى رأى الدكتور طه، أن يُلَقَّن طلابُه الفكرةَ القائلةَ بأن الدين ليس أساسًا من أسس القومية: "وهناك شىء يجعل حاجة الأزهر إلى إشراف الدولة على تعليمه الأولى والثانوى ضرورة ماسّة فى هذا الطور من أطوار الحياة المصرية، وهو أن الأزهر، بحكم تاريخه وتقاليده وواجباته الدينية، بيئة محافظة تمثل العهد القديم والتفكير القديم أكثر مما تمثل العهد الحديث والتفكير الحديث. ولا بد من تطورٍ طويلٍ دقيقٍ قبل أن يصل الأزهر إلى الملاءمة بينه وبين التفكير الحديث. والنتيجة الطبيعية لهذا أننا إذا تركنا الصِّبْيَة والأحداث للتعليم الأزهرى الخالص ولم نشملهم بعناية الدولة ورعايتها وملاحظتها الدقيقة المتصلة عرّضناهم لأن يُصَاغوا صيغة قديمة ويُكَوَّنوا تكوينا قديما، وباعدنا بينهم وبين الحياة الحديثة التى لا بد لهم من الاتصال بها والاشتراك فيها، وعرّضناهم لطائفة من المصاعب التى تقوم فى سبيلهم حين يَرْشُدون وحين ينهضون بأعباء الحياة العملية. فالمصلحة الوطنية العامة من جهة، ومصلحة التلاميذ والطلاب من جهة أخرى، تقتضيان إشراف وزارة المعارف على التعليم الأولى والثانوى فى الأزهر. شىء آخر لا بد من التفكير فيه والطبّ له، وهو أن هذا التفكير الأزهرى القديم قد يجعل من العسير على الجيل الأزهرى الحاضر إساغة الوطنية والقومية بمعناهما الأوربى الحديث. وقد سمعتُ منذ عهدٍ بعيدٍ صاحبَ الفضيلة الأستاذ الأكبر يتحدث إلى المسلمين من طريق الراديو فى موسم من المواسم الدينية فيعلن إليهم أن محور القومية يجب أن يكون القِبْلَة المطهَّرة. وهذا صحيح حين يتحدث شيخ من شيوخ المسلمين إلى المسلمين، ولكن الشباب الأزهريين يجب أن يتعلموا فى طفولتهم وشبابهم أن هناك محورا آخر للقومية لا يناقض المحور الذى ذكره الشيخ الأكبر، وهو محور الوطنية التى تحصرها الحدود الجغرافية الضيقة لأرض الوطن. ولست أرى بأسا على الشيخ الأكبر ولا على زملائه أن يتصوروا القومية الإسلامية كما تصورها المسلمون منذ أقدم العصور إلى هذه الأيام، ولكن هناك صورة جديدة للقومية والوطنية قد نشأت فى هذا العصر الحديث، وقامت عليها حياة الأمم وعلاقاتها، وقد نُقِلَت إلى مصر مع ما نُقِل إليها من نتائج الحضارة الحديثة، فلا بد من أن تدخل هذه الصورة الجديدة فى الأزهر. وهى إنما تدخل من طريق التعليم الأولى والثانوى على النحو الذى رسمناه، وبالطريقة التى رسمناها، وبإشراف السلطان العام" (ص98- 99).



ولا أظن القارئ إلا متنبها للحيلة المكشوفة التى يصطنعها الكاتب للتعمية على كراهيته للدين حين يقول فى أثناء حملته على الروح الدينية التى يراها متغلغلة فى الأزهر، إذ يزعم أنه لا تعارض بين القومية الدينية وبين القومية الحديثة كما أخذناها (أو بالأحرى: كما ينبغى فى رأيه أن نأخذها) عن الأوربيين. فهذه، كما سبق القول، هى طريقة طه حسين: يضربك الضربة، ثم يستدير إليك حين يرى أنك لم تمت بعد قائلا: "أنا آسفٌ أنْ آلمتُك عن غير قصد"! ثم يمضى مسددا لك اللكمات والضربات المصمية التى يريد بها أن يقتلك...وهكذا دواليك! وباستثناء مثل هذه الكلمات التى لا تسمن ولا تغنى من جوع لا يجد القارئ موضعا للدين فى هذا الكتاب: لا فى التخطيط ولا فى الاستشهاد بالنصوص ولا فى الدعوة إلى مبدإ ولا فى الحض على قيمة من القيم، بل المعوَّل فى ذلك كله على الفكر الأوربى. ولقد قالها الرجل صريحة لا غمغمة فيها حين أكد أن المسلمين يجب ألا يفكروا فى إقامة دُوَلِهم على اللغة أو الدين، بل على المنافع (والمنافع وحدها)، وكأن الدين واللغة مجرد ردائين نلبسهما إذا دعت الحاجة، فإذا انتفت تلك الحاجة خلعناهما ورمينا بهما فى البحر كما رمى كاتبُنا الهمامُ عمامتَه فى مشهدٍ مسرحىٍّ مثيٍر من فوق سور السفينة أول ما أقلعت به متجهة إلى أوربا بلد السادة الجُدُد وقِبْلَة المثقفين المتنورين الذين لا يتورعون عن بيع ضمائرهم وأرواحهم إلى الشيطان كما فعل فاوست مع مفستوفوليس (مفستفوليس: على قافية إبليس. لعنة الله على المهاويس المناحيس المتاعيس!). بل كأن الدين يمكن أن يتعارض مع المنفعة. فأىّ دينٍ هذا؟ إنه لا يمكن أن يكون دين محمد عليه السلام أبدا! ثم أىّ فهمٍ للدين هذا؟ إنه لا يمكن أن يكون إلا فهم طه حسين وتلامذته ممن يطلون برؤوسهم من الخبايا والأركان المظلمة هذه الأيام النَّحِسات!











ويسفسط أيضًا الدكتور طه حسين فيزعم أن الأزهر كان يَعُدّ دراسة الأدب العربى أمرا محتقَرًا، ومن ثم كان المسؤولون فيه ينظرون إلى دروس الأدب التى كان هو وبعض زملائه يتلقَّوْنها على الشيخ سيد المرصفى على أنها من القشور والأعراض، وأنه لهذا السبب ألغى الشيخ حسّونة النواوى شيخ الأزهر آنذاك دروس الأدب هذه. لكن لسان الدكتور طه يغلبه على نفسه فيقول إنها قد أٌلْغِيَتْ بسبب ما اتُّهِم الشيخ المرصفى وطلاّبه عنده بالابتداع (ص 312). وكان معروفا عن طه حسين وبعض زملائه اللصيقين به أنهم يسخرون من كل شىء ولا يقيمون لأحد وزنا، وأنهم كانوا يجلسون على أحد أبواب الأزهر ويطلقون ألسنتهم فى أساتذتهم وفى ما له جلاله وخطره لدى الأزهريين بل لدى المسلمين بعامة، ناظمين الشعر المقذع فى هجاء زملائهم وشيوخهم غير متحرجين من لفظ أو معنى، علاوة على أن أحدهم كان لوطيًّا كما يقول طه حسين نفسه، وكان لا يدارى شيئا من ميوله الشاذة النجسة، مما أزعج الطلاب فشكَوْهم إلى شيخ الجامع، فما كان من الساخرين الذين لا يرجون لشىء ولا لشخص وقارا إلا أن فرّوا بجلدهم وتفرّقوا شَذَرَ مَذَر! ويستطيع القارئ أن يجد هذا فى الفصل التاسع عشر من الجزء الثانى، والفصل الثانى من الجزء الثالث من كتابه: "الأيام". فهذا هو السبب لا ما يسفسط به الدكتور على عادته ويعمد إليه من لىّ الأمر إلى جهة غير جهته الحقيقية معتمدا على خلابة أسلوبه ومقدرته على قلب الحقائق دون خجل!



ويتظرف سيادته زاعما أن أحد مشايخ الأزهر قد كتب خطابا رسميا إلى محافظة القاهرة فلم يفهم المسؤولون شيئا مما فى الخطاب، وهو ما دفعه إلى أن يعطيه لأحد المطربشين ليكتبه له بلغة مفهومة بعد أن أملى عليه ما يريد باللغة العامية، ثم لم يكتف بذلك بل كان يردد فى فخر وتباهٍ أنه يكتب بلغة لا يستطيع المُطَرْبَشُون أن يفهموا منها شيئا (ص 313)! وهو كلام سخيف لا أدرى كيف طاوعت طه حسين نفسه على تسطيره. أيريد منا أن نصدقه فى هذا السخف التافه؟ فمن الذى علّمه يا ترى وجعله يكتب بهذا الأسلوب الجميل؟ أهى العصفورة؟ ولا يَقُلْ أحد إنه قد تعلم هذا الأسلوب الجميل بعد أن ترك الأزهر، فإن أسلوب الرجل قبل أن يسافر إلى فرنسا، سواء فى مقالاته أو فى خطبه، موجود بين أيدينا، وهو يدل على أن تمكنه من ناصية اللغة العربية سابق على سفره إلى بلاد الفرنسيس بل سابق على انتظامه فى الدراسة بالجامعة الجديدة. ثم إن الأسلوب لا يُكْتَسَب بين يوم وليلة ولا بين عشية وضحاها كما يقولون. بيد أن طه حسين، بسب كراهيته للإسلام ورغبته الحارقة فى التحقير من أمره (وإن كان على نحو غير مباشر حتى لا يحدث له ما حدث سنة 1926م حين هاجم الإسلام بغشم أحمق ولم يلجأ إلى الضرب من تحت لتحت)، لجأ إلى هذا الأسلوب الملفوف فسخر من الأزهر بدلا من أن يعلن نيته صريحة على الملإ فيزورّوا عنه بل يثوروا عليه. وفاته أن اللعبة هذه المرة، وإن كانت أمكر، ليست ماكرة بما فيه الكفاية، إذ لا يمكن أىَّ عاقل أن يصدّق هذا السخف الساخف الذى يزعمه الرجل على أساتذته. وهو معروف بأنه لا يحب أن يترك شيخا من شيوخه الذين علَّموه فى الكتّاب أو فى الأزهر ولا أحدا فى أسرته تقريبا ممن كان لهم الفضل فى تربيته وتعليمه دون أن يشوه صورته، فى الوقت الذى يصور فيه المستشرقين وزوجته تصويرا مشرقا تمام الإشراق كأنه يتحدث عن ملائكة نورانيين مبرَّئين من العيوب والمآخذ التى توجد فى بنى الإنسان!







وسيادته يحاول بكل ما أُوتِىَ من قدرة على الجدل السوفسطائى أن يقلل من شأن الأزهر ودار العلوم فيدعى أن خِرِّيجِيهما لا يصلحون لتدريس اللغة العربية، ويستشهد على ذلك بأن أدباء العصر كالعقاد والمازنى وهيكل وحافظ وشوقى لم يتخرجوا من دار العلوم ولا من الأزهر! وهذا الكلام يحتاج لوقفة، فالملاحظ أن هذه الأسماء التى ذكرها لا تنتمى لجهة علمية واحدة بل لجهات شتى: فالمازنى خِرِّيج المعلمين العليا، وشوقى وهيكل خِرِّيجا الحقوق، وحافظ خِرِّيج المدرسة الحربية...وهكذا، ومن الظلم أن نوازن بين المدارس العليا كلها فى هذا الصدد وبين دار العلوم أو الأزهر وحده. ومع ذلك فيمكننا أن نذكر من الأسماء التى تعلمت فى الأزهر أو فى دار العلوم أو فى الاثنين معًا كُلَّ تعليمها أو معظمه، ثم تلألأت فى سماء الحياة الأدبية والفكرية، العدد الجَمَّ الغفير مثل عبد الرحمن الجبرتى ورفاعة رافع الطهطاوى والشيخ محمد عياد الطنطاوى والشيخ حسين المرصفى وحسن توفيق العدل والشيخ على يوسف والشيخ حمزة فتح الله وحفنى ناصف ومصطفى لطفى المنفلوطى وعبد العزيز جاويش ومحمد المويلحى والشيخ محمد عبد المطلب ومحمد توفيق البكرى وأحمد السكندرى وأحمد الهاشمى وعبد الحميد الديب وعبد الرحمن البرقوقى ومحمد أحمد جاد المولى والشيخ عبد العزيز البشرى ومصطفى عبد الرازق وعلى الجارم ود. زكى مبارك ود. أحمد أمين وعلى الغاياتى ود. عبد الوهاب عزام والشيخ عبد المتعال الصعيدى وإبراهيم مصطفى وهاشم الرفاعى وعبد الوهاب حمودة ومحمود شلتوت وأمين الخولى وسيد قطب وأحمد حسن الزيات وكامل الشناوى ومحمد عبد الحليم عبد الله وإبراهيم سلامة ومحمد نبيه حجاب وأحمد الشايب ود. أحمد الشرباصى وعباس خضر وعمر الدسوقى ود. أحمد أحمد بدوى ود. محمد غنيمى هلال وعبد السلام هارون والشيخ أحمد حسن الباقورى ود. أحمد الحوفى ود. محمود قاسم ود. مهدى علام وطاهر أبو فاشا وخالد محمد خالد والشيخ عبد الحميد كشك والشيخ محمد الغزالى ود. شوقى ضيف...إلخ...إلخ، فضلا عن الدكتور طه نفسه وإِنْ كَرِه ذلك، فهو من الذين يقادون بالسلاسل إلى الأزهر رغم أنوفهم ورغم إلقائه بعمامته فى البحر فى مشهد مسرحى مثير، وعلى نحو لا يليق بمن يحترم نفسه وأمته وشاراتها، بمجرد أن تحركت الباخرة نحو فرنسا (انظر أنور الجندى/ طه حسين: حياته وفكره فى ميزان الإسلام/ 32) مما يومئ إلى أنه قد باع نفسه مبكِّرًا للغرب وبأسلوب فِجّ مُبْتَذَل!



وردًّا على هذا الاستبلاه الطَّاهَوِىّ فى الهجوم على الأزهر والزعم بأنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية وآدابها نسوق الكلمات التالية للأستاذ ميخائيل بهيج مرقس، التى كتبها فى صحيفة "صوت مصر" بتاريخ 4/ 4/ 2005م ونقلها أ. حسنين كروم فى صحيفة "القدس العربى" فى عدد الأربعاء 5/ 4/ 2005م، وهى كلماتٌ دالَّةٌ سأَدَعُها تتحدث بنفسها دون تدخل من جانبى: "وفى عودةٍ للماضى الجميل مع حاضرٍ نحلم أن يكون أكثر جمالا نجد أنه، فيما مضى، كانت بالأزهر أروقةٌ متعددةٌ أهمُّها ما سُمِّىَ بــ"رواق الأقباط"، وكان مخصّصًا لأقباط مصر الراغبين فى إتقان العربية ودراسة علومها وآدابها والنحو والصرف والبلاغة...إلى آخر جمالياتها. وقد نهل من هذا الرواقِ العديدُ من مُبْدِعِى الأقباط فى العربية فى العقود الماضية مما أثرى لغتهم فى كتابة الآداب وفنون الشعر. كما كان هناك أيضا رواقٌ مخصَّصٌ للشوام والمغاربة.. إلخ".



والواقع أن سر كراهية د. طه لقيام الأزاهرة والدَّراعِمَة بتدريس اللغة العربية هو أن طلاب هذين المعهدين كانوا يَدْرُسون المواد الدينية إلى جانب المواد اللغوية والأدبية، وكان طه حسين يريد أن ينحّى الدين عن التدريس ما استطاع. وهذا بَيِّنٌ من كلامه عن أن التعليم ينبغى أن يكون مدنيا لا علاقة للدين به، كما يتضح أيضا من تكرر طرحه للسؤال المتعلق بجواز تضمين البرنامج الدراسى مادة "التربية الدينية" وإجابته فى كل مرة بأننا مضطرون حاليًّا إلى هذا التضمين، بما يشى بكل جلاء بأن هدفه النهائى هو تنحية هذه المادة تمامًا عن المنهج التعليمى، ولكنْ قليلا قليلا بحيث لا يصدم الرأىَ العامَّ فيثور عليه ويقف فى طريقه. لذلك يعمد إلى هذا الأسلوب الماكر الذى يخدّر عواطف القراء حين يتحدث عن أهمية الدين فى صبغ المجتمع بصبغة واحدة رغم أنه قد صرح بموقفه الحقيقى تجاهه حين كرر القول بأننا يجب أن نسير على درب أوربا وننقل كل ما عندها من خيرٍ وشرٍّ، وحلوٍ ومرٍّ، وهو ما لا معنى له إلا أن ننحِّىَ الدين عن حياتنا كما نحّته أوربا عن حياتها وأن نترك مثلا لشهوة الجنس العِنان وأن نقيم أخلاقنا وتقاليدنا وقيمنا وتشريعاتنا على أسس أخرى غير الأسس الدينية. وإلى القارئ هذه السطور التى تومئ إلى موقف طه حسين من تعليم التلاميذ والطلاب فى المدارس شؤون دينهم: "إن الشعب الذى يريد أن ينشئ جيلا صالحا خليقٌ قبل كل شىء بأن يفكر فى المعلمين الذين ينشئون له هذا الجيل. وليس يكفى أن تكون حياة المدرسة صالحة من الناحية المادية والمعنوية، بل يجب أن يكون التعليم فيها صالحًا أيضا. فكما أن الذلة لا تنتج عزة، فكذلك الجهل لا ينتج علما. وما ينبغى أن تكلّف المعلمَ الأولىَّ تعليم الصِّبْيَة تاريخ وطنهم، وهو يجهل هذا التاريخ أو لا يعرفه إلا مشوها منقوصا. وما ينبغى أن تكلفه تعليم الصِّبْيَة جُغْرَافْيا وطنهم، وهو يجهل هذه الجغرافيا ولا يعرف حدود الوطن ولا أقطاره. وقل مثل ذلك فى اللغة، وقل مثل ذلك فى النظام. وقل مثل ذلك فى الدين إن أردت أن يكون الدين جزءا من التعليم الأولى" (ص112). فهأنتذا تلاحظ بكل قوة أنه لم يشترط فى تعليم التاريخ ولا الجغرافيا ولا اللغة ولا النظام شيئا، ولم يُعَلِّقه على "أنك تريد أو لا تريد" أن تكون هذه المواد جزءا من التعليم العام، لكن الأمر فى حالة الدين ليس كذلك، إذ نراه يعلقه على رغبتك فى جعل الدين مادة من مواد المنهج الدراسى. والمقصود بـ"رغبتك" رغبته هو، لكنه الأسلوب الملفوف الماكر الذى يبرع فيه طه حسين، ونبرع نحن بدورنا فى كشفه وفضحه! وقد رأينا الرجل يقول بصراحة إنه لا يمانع "الآن" من قيام الدولة بتعليم الطلاب أمور دينهم، أما فيما بعد فبطبيعة الحال: كلا ثم كلا! وهذه هى السياسة الكيسنجرية الخبيثة! وهو ما يومئ هنا إلى ذلك بقوله: "إن أردتَ" مستعملاً "إن" الشرطية التى تفيد عادةً استبعاد حصول الشىء أو استحالته!



وبالمناسبة فالدكتور طه، بالمقياس الذى ينصبه ويطنطن به، لم يكن يصلح أن يدرّس الأدب العربى. ذلك أنه لم يتخصص فى هذا المجال، فهو أزهرى، أى لا يصلح لهذه المهمة بشهادته هو نفسه عن الأزهريين، كما أنه حين ذهب إلى فرنسا قد درَس التاريخ القديم لا الأدب العربى، فضلا عن أن رسالته التى أحرز بها درجة الدكتورية من هناك كانت عن ابن خلدون، بل إن هذه الدكتوراه ليست دكتوراه الدولة بل دكتوراه السلك الثالث (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1972م/ 130)، وهى أقل كثيرا من دكتوراه الدولة وتُعْطَى عادة للطلبة الأجانب الذين لا يريدون التعمق فى البحث أو ليس عندهم وقت. فلو حاسبنا الرجل بكلامه لقلنا إنه لا يصلح لتدريس اللغة العربية بمقياسه هو نفسه وحسبما تقول الوثائق والشهادات! لكننا لا نقف كثيرا عند هذه الأشياء بغض النظر عن موافقتنا أو مخالفتنا له على هذا أو ذاك مما كتب، وبغض النظر أيضًا عما أخذه من هذا المستشرق أو ذاك، وبغض النظر ثالثًا عما طعن به فى الإسلام وكتابه فى بعض ما وضع من دراسات.



وكلام د. طه هنا يذكِّرنى بما قالته السيدة ملك عبد العزيز زوجة د. محمد مندور عن د. عبد اللطيف عبد الحليم ود. الطاهر مكى الأستاذين الدّرْعَمِيَّيْن اللذين انتقدا زوجها فى أحد برامج الإذاعة منذ عدة سنوات واتهماه بسرقة فصول كتابه "نماذج بشرية" من جان كالفيه أستاذ النقد الفرنسى بجامعة السوربون أيام أن كان مندور يدرس فى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه على مدى تسع سنوات ثم فشل للأسف بعد كل تلك المدة فى أن يحرز شيئا مما ابتُعِث لأجله، ورغم ذلك يملأ أتباعه الدنيا ضجيجًا ودويًّا حول ما حصّله فى فرنسا من ثقافات لم يحصّلها الجن الأزرق أو الأحمر، ولا حتى الأبيض الذى "طلع" للدكتور جابر قميحة ذات ليلة وهو صبى (الصبى هو الأستاذ الدكتور لا العفريت، فأرجو عدم الخلط) وكتب عنه مقالا مضحكا أشاب به شعر رأسى وشعر غير رأسى أيضا! لقد اتهمت السيدةُ مَلَك الأستاذين المذكورين بأنهما، بسبب دَرْعَمِيّتهما (تقصد أنهما رجعيان ضيقا الأفق)، يُسْرِفان فى اتباع المنهج النقدى للعرب القدماء الذى يَكْلَف باتهام الأدباء بالسرقة، ونصحتهما (لوجه الله طبعا دون أن تسألهما أجرًا على ذلك ودون أن يكون لها أىّ مأرب من ورائه) بأن يكتفيا هما وسائر زملائهما من الدّرَاعِمَة بما يُؤْثِره النقد الحديث من الكلام عن "التأثر" أو "توارد الخواطر"، وكأن مهمة النقد الحديث هى تسويغ السرقة وتسميتها اسما لطيفا لا يَمَسّ أحاسيس اللصوص المرهفة التى تجرحها خطرات النسيم، وفاتها أن الحق أحق أن يُتَّبَع وأن السرقة ستظل سرقة، سواء فى أعين النقاد العرب القدماء المتخلفين أو فى أعين النقاد الأجانب المُحْدَثين المتحضرين المحترمين.



ولقد فَرَّغْتُ نفسى فترةً من الوقت لبحث هذه المسألة وغيرها من المسائل المتعلقة بالدكتور مندور وسُمْعَته ومكانته العلمية فوجدت أنه قد سطا فعلا على بعض ما كتب كالفيه من فصول عن النماذج الإنسانية فى الأدب الفرنسى ومَلَخَها من كتابه ونشرها أولاً فى إحدى المجلات فى الأربعينات من القرن المنصرم بعد أن أضاف لها بعض اللمسات، ثم ثَنَّى فأخرجها فى كتاب يباهى بروعته وما فيه من فتحٍ فكرىٍّ ونقدىٍّ هو وحواريوه بدلا من أن يكفأوا على الخبر ماجورا ويحمدوا الله الذى ستر عليهم ولم يفضحهم فضيحة بجلاجل يسمعها الرائح والغادى فى أرجاء المعمورة، أو على الأقل: فى أرجاء المحروسة، لكنهم أَبَوْا إلا عُلُوًّا فى الأرض واشمخرارا، فكان أن بعث الله عليهم واحدا لا هو هنا ولا هو هناك، فقارن بين الكتابين بالفصل والفقرة والجملة والكلمة واضعًا النصوص العربية والفرنسية جنبا إلى جنب كى يستطيع القارئ أن يحكم فى الأمر بنفسه وضميره، فأَلْفَى أن مندور قد سرق حقًّا الناقد الفرنسى الحديث المتحضر الذى لا يجرى على منهج العرب القدماء المتخلفين، فهو لذلك لا يجد أدنى غضاضة فى أن يسطو على نتاج فكره وذَوْب قلبه أحد من الكتاب بحجة أن هذا تأثر لا لصوصية! (يُرْجَع فى هذا إلى كتابى: "د. محمد مندور بين أوهام الادعاء العريضة وحقائق الواقع الصُّلبة"/ مكتبة زهراء الشرق/ 1420هـ- 1999م/ 61- 115 تحت عنوان:”اتهام مندور بسرقة كتابيه: "نماذج بشرية" و"محاضرات عن إبراهيم المازنى"“).



وبالمناسبة أيضا فهيكل الذى يثنى عليه الدكتور طه هنا ويقيم منه مثالا أعلى لا يَقْدِر الأزهريون ولا الدّرَاعِمَة أن يبلغوا شَأْوه هو هو هيكل الذى طعن فيه الدكتور طه ذاته بعد ذلك وشكّك فى أن يكون هو صاحب المؤلفات التى تحمل اسمه. لكن مهلا أيها القارئ، فقد كان الثناء على هيكل حين كان هيكل حيًّا يرزق، وحين كان يشغل المناصب الضِّخام، أما الذمّ والتشكيك فقد كان بعد وفاة الرجل، وتم فى السرّ بين الدكتور طه وكاتبه الذى لم يكن طه حسين يتصور أنه سوف يسجل كلامه ويذيعه فى الناس. وهذا يعطينا جانبا من خلائق الرجل. قال الدكتور محمد الدسوقى، الذى اشتغل كاتبا له فى أخريات حياته لمدة عشر سنوات،: "وللعميد رأى فى مؤلفات الدكتور هيكل، وهو رأى يتعارض مع ما قاله فى رثائه، فقد قال لى: الدكتور هيكل لم يكن يؤلف كتبه، وإنما كان يكتبها له ناس آخرون ثم ينسبها لنفسه، ومع هذا تشتمل على أخطاء علمية واضحة"! أما ماذا قال د. طه فى رثاء هيكل فإن الكاتب يورد لنا منه العبارة التالية: "ذلَّل القصة لكتّابها، وذلَّل السياسة الصحفية لكتَّابها، وشارك زملاءه ومعاصريه فى تذليل اللغة العربية وتمكينها من أن تكون ملْكًا للذين يتكلمونها" (د. محمد الدسوقى/ طه حسين يتحدث عن أعلام عصره/ ط3/ الدار العربية للكتاب/ ليبيا وتونس/ 82). وقد استفزّنى هذا التناقض الصارخ والظالم فى كلام الدكتور طه فرددتُ عليه فى الفصل الخاص بأدب الرحلة عند هيكل من كتابى "محمد حسين هيكل أديبًا وناقدًا ومفكرًا إسلاميًّا"، مبينًا أن لهيكل أسلوبًا مميّزًا فى كل كتاباته التى ظهرت على مدى عشرات السنين، وأن من الصعب تمامًا أن يكتب أحدٌ لهيكل رحلاته بالذات، فهو الذى شاهد وسمع وذاق وشعر، فكيف يستطيع غيره أن يؤلف ذلك بالنيابة عنه، وبخاصة أن ذلك "الأحد" لم ير أو يسمع أو يذق شيئا من هذا كله لأنه لم يكن معه؟ وإننا لنتساءل: أين يا ترى نتاج هذا الشخص الموهوم، على الأقل منذ أن مات هيكل وأصبح هذا الشخص حرًّا طليقًا من القيود التى كان يكبِّله ويحتكره الدكتور هيكل بها أثناء حياته؟ وهل يمكن أن يبقى هذا المؤلف الخيالى مجهولا طوال تلك العقود؟ ثم لماذا لم يصرح لنا الدكتور طه باسمه فيريح ويستريح بدلا من هذا الاتهام الخبيث فى السر والظلام؟ (يمكن الرجوع إلى كتابى المشار إليه/ مكتبة زهراء الشرق/ 1418هـ- 1998م/ 181- 184).



وإنهاءً لهذا الاستطراد نقول إن المذيع الذى تصادف أن تكلم الأستاذان الدَّرْعَمِيّان عن سرقة د. مندور فى برنامجه قد تعرض لعقوبة مالية وإدارية لأنه لم يُسْكِتهما وتركهما يتكلمان فيفضحان رمزا من رموز مصر الثقافية! هكذا قيل له من قِبَل الغيارى على سمعة مصر ومكانتها، وكأن سمعة مصر قائمة على السرقة والتزييف. أى أنه بدلا من أن يردّ المدافعون عن مندور ردًّا علميًّا يثبتون فيه أنه لم يسرق ولم يَسْطُ لجأوا إلى العقاب الظالم الذى لا يرضاه خلق ولا دين ولا قانون! (ليسمح لى القراء بأن أنقل لهم ما قرأته الآن فقط عنوانًا لأحد المقالات فى صحيفة "شهود" المشباكية أثناء كتابتى لهذا الكلام، وهو: "خبراء: إذا هاجمك اللصوص قدِّم لهم الطعام"! انتهى النقل. ولا ريب أن القراء الكرام قد فهموا عنى ما أردت قوله، فالحمد لله، ونرجع إلى موضوعنا). إن هؤلاء الحواريين يتبعون سياسة التكتم والتعتيم والضرب فى الظلام! وهى نفسها السياسة التى عاتب د. إبراهيم مدكور الدكتور محمد الدسوقى على أنه لم يتبعها، إذ نشر ما دار بينه وبين الدكتور طه من أحاديث قال إنه قد أساء بها إلى العميد الذى ظلم فيها أعلام عصره (انظر كتاب محمد الدسوقى المذكور/ 7).











ولقد سبق أن أشرتُ إلى التقارب الفكرى فى الموضوع الذى نتناوله الآن بين طه حسين وسلامة موسى النصرانى، فأُحِبّ أن أقف برهة عند هذه النقطة لإلقاء بعض الضوء عليها: فسلامة موسى كان يدعو بكل قواه إلى أن ننسلخ، كما يقول، عن آسيويتنا ونلتحق بأوربا (الله يخرب بيت أوربا والذين نفضوها رغم تسليمنا بأنها أقوى منا فى هذه المرحلة البائسة من تاريخنا، وأكثر تقدما فى مجال العلوم الطبيعية وما يتصل بها، وأحسن إنتاجا واختراعا وتنظيما وصبرا، لكننا ندرك أيضا أنها ملحدة وتأكل الخنزير وتشرب الخمر وتزنى وتلوط وتساحق وتكره ديننا ورسولنا وربنا، وتبغضنا نحن أيضا وتريد استذلالنا، لا بل هى تستذلنا فعلا وتستذل شعوب الأرض قاطبة وتسرقهم وتستغلهم، وكأن ما سرقته منهم وما أنزلته بهم من عسف وتدمير وتقتيل وانتهاك للأعراض والحريات والكرامات على مدى قرون لم يكفها، فهى كجهنم لا تشبع أبدا ولا ترتوى بل تظل تطلب المزيد والمزيد، ومن ثم لا يمكن أن تكون هى المثال المُرْتَجَى). وكلام سلامة موسى معناه، بالبلدى وبالعربى الفصيح معا، أنه يحرّضنا على كراهية الإسلام والتخلص منه ونبذه، فهو المقصود بقوله إنه "يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوربا". بل إنه، كصاحبه طه حسين، يهاجم النزعة الشرقية التى يعدّها مرضًا ينبغى أن نتداوى منه فلا ندرس الأدب العربى ولا نهتم بالتاريخ العربى ولا ندين بالدين الذى أتانا به النبى العربى ولا نلبس إلا ما يلبس الأوربيون. وفى محاولته نَفْىَ شرقيتنا نراه يضرب الأمثلة من بلاد الشرق الأقصى كما فعل طه حسين، ذاكرًا أندونيسيا والهند والصين، يقصد المسلمين بالذات من أهل تلك البلاد! وكطه حسين أيضا يهاجم سلامة موسى الدين (الإسلامى طبعا، وهل هناك دينٌ غيره مطلوبةٌ رقبتُه؟) ملحًّا على وجوب نَفْيه جملة وتفصيلا من حياتنا. وبالمثل ينادى بالابتعاد فى سياستنا وحكومتنا عن الرابطة الإسلامية واللغوية رافعًا صوتَه فى تحدٍّ ما بعده من تحدٍّ بأن "الجامعة الدينية وقاحة". كما يوصى بوجوب إبعاد الأزهريين عن ميدان التدريس وقَصْره على الذين تعلموا تعليما مدنيا، بالضبط مثلما سمعنا طه حسين ينادى بذلك ويراه هو السبيل الوحيد أمامنا للخروج من التخلف واللحاق بأوربا والفوز برضا الأوربيين عنا، وكأنه الرضا الإلهى الذى إن حُرِمْناه سنَصْلَى قاع الجحيم! ورغم هذا فلا يفوت موسى أن يلاحظ، كما لاحظ طه حسين، أن الأوربيين يحتقروننا ويتبرأون منا، وإن أكد أننا نستحق هذا الاحتقار، وأننا بكراهيتنا لهم إنما نظلمهم ظلمًا بيّنًا لا معنى ولا مسوّغ له. ومع ذلك يحاول أن يخدعنا عن أنفسنا وعقولنا وكرامتنا فيقول إننا أوربيون تاريخًا وتشريحًا: أفلسنا قد عشنا تحت الحكم الرومانى دهرا طويلا، كما أن هيئة وجوهنا تشبه هيئة الوجه الأوربى، فضلا عن أن هناك مئات الألفاظ المشتركة بين الإنجليزية والمصرية القديمة؟ فماذا نريد أكثر من ذلك؟ وهذا كله وغيره من الخبل الفكرى والحقد الدينى المتأجج يجده القارئ فى كتابه: "اليوم والغد"، الذى صدر سنة 1927م، فكان بمثابة دكّ الأرض وتجريفها أمام طه حسين ليقوم هذا بعد ذلك بسفلتتها! وقد تناول د. محمد محمد حسين، رحمه الله رحمة واسعة، ذلك الموضوع بالتفصيل فى كتابه القيِّم: "الاتجاهات الوطنية فى الأدب المعاصر" (2/221- 228).



والآن ألا يلاحظ القارئ أن كل ما نادى به طه حسين هو هو نفسه ما تدعو إليه أمريكا وأوربا هذه الأيام من وجوب تغيير المناهج المدرسية فى بلاد المسلمين وإبعادها عن مجال التأثير الدينى، وربط العالم العربى والإسلامى بأمريكا وأوربا ربط التبعية والذلة والاستعباد تحت دعاوى العولمة، ورمى المتدينين بالتخلف والإرهاب والعجز عن فهم لغة العصر وملاحقة أوضاعه، وتصوير أسلوب الحياة الغربى على أنه الأسلوب الأمثل الذى لا سبيل أمام المسلمين سواه إن أرادوا أن يتقدموا ويتحضروا بما فى ذلك إباحة اللواط والسحاق وتقنين زواج المثليين؟ ألا يلاحظ القارئ أن تلامذة طه حسين وحَوَارِيِّيه ومن يُرَافِئونه على آرائه ومواقفه وبغضه للإسلام هم الذين فى أيديهم وسائل النشر والإعلام فى العالم العربى والإسلامى إلا فى النادر، وأنهم هم الذين يفوزون بالمناصب والجوائز الرسمية وغير الرسمية أيضا، وأنهم هم الذين تُسَلَّط عليهم الأضواء وتُخْلَع عليهم الألقاب الضِّخَام؟ ألا ما أَشْبَه الليلةَ بالبارحة! لكن قومى مضطجعون فى سُرُرهم لا يريدون أن يهبّوا، بل يستلذون ما هم فيه من الكسل والتثاؤب وكأن الدنيا قد دانت لهم، فهم فى رقصٍ وزمرٍ وطبلٍ، على حين تُسَنّ السكاكين لنَحْر أفواج جديدة منهم غير التى نُحِرَت وانتهى أمرها، وهم ولا هم هنا! إنها أمة لم نسمع بمثلها فيما مضى من التاريخ، ولا أحسب أن التاريخ القادم سيعرف أمة مثلها فى الغيبوبة العقلية التى أصابتها وسقوط الهمة التى اعتراها وأَشَلّ إرادةَ الحياة فيها! ربنا يستر، ولكنْ أخشى أن يقال لنا إنكم لا تستحقون الستر!

حازم
04-19-2005, 02:41 PM
كذلك لا انسى ان اشير الى بحث الاخ قاهر الرائع : الوجه الآخر للدكتور طه حسين

http://70.84.212.52/vb/showthread.php?t=1284

حازم
03-06-2006, 11:49 AM
للرفع

هيزم
06-03-2012, 01:20 PM
للرفع
.

سيف الكلمة
10-19-2013, 04:58 PM
قصيدة كنت أعبد الشيطان لطه حسين
تبين الكفر الصريح لطه حسين
http://www.youtube.com/watch?feature=endscreen&NR=1&v=FXxTu2ICHFk

ابن سلامة القادري
10-19-2013, 09:23 PM
أخي الفاضل ما مدى صحة ما قاله العلامة محمود شاكر في رسالته : '' رسالة في طريق إلى ثقافتنا '' عن رجوع طه حسين عن أقواله ؟

((قد بينت في بعض مقالاتي أن الدكتور طه قد رجع عن أقواله التي قالها في الشعر الجاهلي، بهذا الذي كتبه، وببعض ما صارحني به بعد ذلك، وصارح به آخرين، من رجوعه عن هذه الأقوال. ولكنه لم يكتب شيءًا صريحًا يتبرأ به مما قال أو كتب. وهكذا كانت عادة ((الأساتذة الكبار))! يخطئون في العلن، ويتبرأون من خطئهم في السر !!)) انتهى.

"رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" (حاشية ص163) ط/ مكتبة الخانجي - الطبعة الثانية

و أيضا هناك كلام مشابه للدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ عن توبة طه حسين، فلعل ذلك صحيح نرجو ذلك و لو أنه قد سلك فيه مسلك هرقل في تواريه دون اعتراف صريح بالتوبة خشية من حوله.