المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناظرة اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)



المفتري
12-24-2008, 11:50 PM
السلام عليكم،

هذا هو موضوع "اشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي" الذي وعدت بطرحه. و لكني تأخرت في الطرح لأسباب كثيرة يطول شرحها.

هذه المرة، سأقوم بطرح نفس الإشكالات بطريقة مختلفة بعد أن قمت بإعادة صياغتها و إضافة بعض التعديلات التي تجعل الأمور أوضح و أكثر اختصاراً للوقت. قمت أيضاً على قدر المستطاع بحذف كل ما هو مستفز و غير لائق بأن يكتب في منتداكم المحترم.

لمن يحب الإطلاع، الموضوع مازال موجوداً بمنتداه الأصلي.

سأستعرض نقاطي على شكل سؤال و جواب.

لنبدأ،

اشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي

المعروف عن المسلمين أنهم يؤمنوا بأن الله عادل، رحيم، و بكل شيء عليم. سأستعرض بعض النقاط التي في رأيي تتعارض مع هذه الصفات. أود أن يرد الإخوة المسلمون على هذه الإشكالات.

1- الإستشارة في الخلق:

وفقا للدين الإسلامي، الله هو خالق الكون. و قبل خلق الكون لم يكن هناك شيء على الإطلاق إلا "الله" فقط. أي أننا جميعا لم نكن موجودين و كان هو فقط و لاشيء آخر. المتفق عليه أن الله في لحظة معينة بعد كل هذا اللاشيء، بدأ في خلق الكون و ما عليه ثم خلق البشر.

بداية نقول:

س: كيف يخلق الله البشر من العدم من دون استشارتهم؟ هم كانوا في حالهم في العدم، من قال أنهم يريدون تحمل كل هذه المسئولية؟

ج: الله عرض الأمانة على السماوات و الأرض و رفضوها، و عرضها على الجبال فرفضتها. و لكن بنو آدم قبلوا هذه الأمانة، و بالتالي فهم من اختاروا و عليهم تحمل المسئولية.

التحليل:

إجابة السؤال مغزاها الرئيسي هو اسقاط تهمة الظلم عن الله على أساس أن موافقة الإنسان هي التي حسمت الأمر، حيث أنه لو كان الإنسان وافق فهو المسئول عن اختياره، و لو كان غير موافق لكان ذلك ظلماً. و بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي، فمعنى ذلك أنه إذا كان الله عادلاً فلا بد أنه:

1- أن جميع البشر الذين ُخلقوا وافقوا على حمل الأمانة بلا أدنى استثناء.
2- أو أن هناك من هم رفضوا الأمانة و عادوا للعدم تحقيقاً للعدل.

لو كان الله فعلاً عادلاً بنسبة مائة بالمائة، فهذه هي الإختيارات الموجودة.

بالنسبة للإحتمال الثاني: إذا كان الله أعاد الناس الذين رفضوا الأمانة للعدم، فهل يوجد أي سند أو دليل إسلامي يدل على هذا؟ ما الذي يجعل مسلم يؤمن باحتمال كهذا إذا كان لا وجود لسند له في القرآن أو في السنة؟

أما بالنسبة للأول:"أن جميع البشر الذين ُخلقوا وافقوا على حمل الأمانة بلا أدنى استثناء".

فهو يفترض أن كل إنسان عاش في التاريخ و يعيش الآن و سيعيش في المستقبل، عرضت عليه الأمانة يوم ما و وافق عليها. هناك من يؤمنوا بأنها عرضت على آدم فقط و قبلها، و أتينا نحن من بعد ذلك.

أحب فقط أن أنتهي من هذا الإفتراض سريعاً و أوضح أنه في رأيي قمة في الظلم. و ما ذنبي أنا إذا كان آدم وافق أن يتحمل الأمانة؟ أليس من الممكن ألا أريد أنا أن أتحملها و أطالب بالعودة للعدم؟ هذا لا يختلف كثيراً عن مبدأ الخطيئة الموروثة عن آدم الموجود في الديانة المسيحية.

إذا كان من غير المنطقي أن نرث أخطاء آدم، فمن غير المنطقي أيضاً أن نرث الأمانة التي لم نوافق نحن على تحملها و إنما وافق هو.

الآن، و بما أننا اتفقنا أن الإنسان وافق على تحمل الأمانة، فمعنى ذلك أنه لم يرى من مانع قوي ليجعله يرفض، فضلاً عن أنه في الغالب أيضاً أعجبه الموضوع و اهتم به كفاية بحيث يقبل قراراً مصيرياً كهذا.

و بما أننا اتفقنا أيضاً أن كل بشر عرفه التاريخ قبل الأمانة، إذاً، فمن ضمن من قبلوا الأمانة هم ناس كانت مثلاً حياتهم في الدنيا سيئة جداً جداً لدرجة أنهم انتحروا من كثرة وحشية الحياة.

إذاً نحن الآن أمام حقائق لا تقبل النقاش.

س: هل حدث من قبل و عاش في التاريخ بشراً عانوا في حياتهم معاناة مريعة لا توصف إلى حد الإنتحار؟

ج: نعم. حدث كثيراً.

س: ما هو مصير المنتحر؟

ج: النار.

س: هل المنتحر هذا من ضمن هؤلاء الذين قبلوا بخوض الحياة الدنيا عندما عرضت عليه؟

ج: نعم.

س: و لماذا قبلها؟

ج: لأنه لم يكن يعرف أن كل هذه المصائب ستحدث له.

س: هل يمكن أن يكون عرف هذه الأشياء و مع ذلك قبلها؟

ج: لا طبعا.ً لأن الإنتحار عقابه جهنم، و لا يمكن أن يختار أحد شيئاً هو يعرف أنه يؤدي إلى جهنم بكامل إرادته.

س: يعني هو لم يكن يعرف أنه سينتحر؟

ج: طبعاً لأنه لو كان يعرف أن حياته ستكون بهذا السوء و تنتهي بالإنتحار و بالتالي جهنم، ما كان ليوافق.

س: هل كان هناك من يعرف أن كل هذا سيحدث؟

ج: نعم. الله كان يعرف.

س: لماذا تقول أنه كان يعرف؟

ج: لأنه بكل شيء عليم.

س: يعني الله كان يعرف أن كل هذا سيحدث حتى قبل أن يخلق البشر أجمعين؟

ج: نعم.

س: و الله كان يعرف أن الإنسان الفلاني هذا سيوافق على الإختبار و كان يعرف أنه سيرسب فيه و يدخل النار و لم يرحمه من اختياره؟

ج: نعم.

س: هل كان الله في شك مثلاً أن الإنسان هذا قد يعمل صالحاً؟

ج: لا. كان على يقين تام أنه سيدخل النار.

س: إذاً، الله خبأ عنه هذه المعلومة؟

ج: لا توجد اختيارات أخرى. لا يوجد اختلاف أن الله كان يعلم هذه المعلومة. و لو كان قد قالها له فطبعاً لم يكن هذا الإنسان ليوافق على أن يدخل الجحيم. و لكن الإنسان هذا وافق! إذاً معنى ذلك أنه لم يكن يعرف أنه ذاهب للنار. أي أن الله خبأ عنه المعلومة.

س: يعني لا جدال أن الإنسان هذا لم يكن يعرف أنه سيدخل النار؟

ج: نعم. طبعاً.

س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان سيدخل النار؟

ج: طبعاً.

س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان لو عرف معلومة كهذه (أنه سيدخل النار) كان سيتراجع على الفور؟

ج: نعم. طبعاً.

س: و مع ذلك تركه بدون أن يقول له؟

ج: نعم.

س: أكيد الله لن يخبىء معلومة قيمة كهذه على الإنسان هذا. لا بد أن الله لم يكن متأكداً من مصير هذا الإنسان.

ج: الله يعرف كل شيء بأدق التفاصيل، و هو على يقين أن هذا الإنسان سيدخل النار.

س: حتى لو أعطاه مطلق الحرية؟

ج: حتى لو أعطاه مطلق الحرية.

س: هل إعطاء الناس مطلق الحرية يلغي كون الله يعلم بمصائر الناس "مطلقي الحرية"؟

ج: لا. سواء أعطى الله الناس مطلق الحرية في التصرف أم لا، فهو في جميع الحالات يعرف مصائر جميع البشر بأعلى دقة
ممكنة. و الموضوع لا علاقة له بكون الإنسان حر أم لا. الله يعلم كل شيء في كل الحالات.

س: إذاً، الله كان يعرف أنه حتى إذا أعطى هذا الإنسان المنتحر مطلق الحرية في الإختيار، أن تصرفات هذا الإنسان المبنية على حريته الشخصية ستؤدي به للنار؟

ج: نعم.

س: و مع ذلك، و برغم علمه بكل هذا، عرض عليه الأمانة؟

ج: نعم.

س: و رآه و هو يوافق و تركه؟

ج: نعم.

س: لابد إذاً أن الله مجبر على فعل هذا، لأن الرحمة تقتضي أنه إذا كنت أرحم الراحمين، و لست رحيماً فقط، و كنت تعلم أن الإنسان البسيط الجاهل بمصيره هذا سيدخل النار حتى لو أعطيته الحرية الكاملة، فلا بد أن تنقذه من اختياره هذا؟

ج: لا. الله ليس مجبراً على شيء.

س: إذا كان غير مجبراً على شيء، و مع ذلك ترك الإنسان الضال هذا يختار اختياره الهالك بدون ما يحذره، إذا فلا بد أنه غير رحيم به؟ لو كان رحيم لرحمه من هذا الإختيار الذي سيلقي به في نار تلظى؟

ج: لا. الله رحيم. الله رحيم رحمة مطلقة و هو أرحم الراحمين.

س: يعني الله ليس مجبراً على شيء و رحيم رحمة مطلقة في نفس الوقت و فعل لك ذلك في نفس الوقت أيضاً؟

ج: نعم.

س: هل أخبر الله الإنسان الذي كان يعرف أنه سيدخل النار، أن هناك جنة و أنه إذا فعل الصالحات سيدخلها؟

ج: نعم. أخبره طبعاً بأن هناك ثواب و عقاب.

س: يعني، الله أخبر هذا الإنسان أن الجنة تنتظره إذا عمل الصالحات، و كان يعلم أنه لن يعمل الصالحات هذه؟

ج: نعم.

س: يعني كان يعشمه بالجنة و هو يعلم أنه لن يذهب إليها؟

ج: نعم.

س: هل كان يستطيع الله ألا يخلق البشر الذي كان يعرف أنه إذا خلقهم سيدخلوا النار؟

ج: نعم. كان يستطيع ألا يخلقهم و كان ذلك سيرحمهم من العذاب اللانهائي الخالد في جهنم.

س: و مع ذلك خلقهم؟

ج: نعم.

س: ماذا كانت البدائل؟ (لو كان رحيماً)

ج: إما عدم الخلق، أو الخلق و إنقاذ الإنسان من اختياره لما يجهله.

س:و ماذا يحدث في الواقع؟

ج: يتم الخلق و عدم انقاذ هذا الإنسان من اختياره لما يجهله.

س: إذاً لابد أن الله يحتاج هؤلاء البشر؟

ج: لا.

س: إذاً، ما الحاجة الماسة لإله لا يحتاج شيئاً في أن يخلق بشراً هو على يقين تام أنهم سيخلدوا في النار حتى و لو أعطاهم الحرية في الإختيار؟

ج: أن يعبدوه. لا توجد حاجة لذلك أيضاً. الله لا يستفيد بعبادتهم له. هم فقط يتضرروا إذا لم يفعلوها. بل و يتضررون جداً جداً جداً.

س: يتضررون إلى أي مدى؟

ج: إلى مدى لا يمكن وصفه. لا يمكن لعقل بشر أن يتخيله. هول عظيم عظيم. و هذا الهول خلقه أرحم الراحمين.

س: و لماذا كل هذا العذاب الرهيب؟ أليس الله حكيم؟ لماذا ينتقم بهذه الصورة المفزعة من البشر المساكين بالنسبة له؟ أليس المعروف أن يفهم الحكيم (مطلق الحكمة) من أين نبعت تصرفات هؤلاء البشر المساكين، تماماً كما نفهم نحن كيف أن الأطفال يتصرفوا؟ (مع الفارق المهول)؟

ج: هذا هو ما يستحقه الإنسان لأنه قبل الأمانة. و بالتالي فهو مسئول عن تصرفاته.

تعقيب على موضوع "الإنسان مسئول عما يحدث له لأنه هو من اختار"
مثال:

لنفترض أن:

- الإنسان بعدما خلقه الله، وافق 100% على مبدأ أنه سيتم عقابه إذا عمل شراً و إذا عمل شراً سيدخل النار و مع ذلك وافق (على أمل أنه سيحاول ما بوسعه أن يتجنبها(

- الإنسان حر تمام الحرية في اختياراته و 100% من أفعاله نابعة من اختياراته الشخصية بدون أدنى تدخل إلهي على الإطلاق.

أعتقد أن هذا يخلي مسئولية الله الكاملة الآن.

الآن، الله برغم أنه لا يتدخل على الإطلاق في تصرفات (أحمد) مثلاً، إلا أنه يعلم أن أحمد (و من دون أن يلمسه الله) ستؤدي به تصرفاته للنار. و الله كان يعرف ذلك من قبل أن يخلق أحمد.

المبدأ التي يحاول المسلمون اقناعنا به هو أن أحمد الذي اختار بنفسه ذلك، إذاً عليه تحمل المسئولية (و ليس الله). طيب و هو مين اللي خلق أحمد هذا الذي سيختار اختيار هو مش قده؟ مين اللي كان أمامه الإختيار أن لا يخلق هذا الأحمد الذي إذا ُخلق سيفعل كذا و كذا؟

أليس الإمتناع عن خلق أحمد رحمة له؟ (في ظل معرفة أنه سيدخل النار و لو حتى بإرادته؟)

هل أحمد هو المسئول عن وجوده في الدنيا كذلك؟ أم الله؟ هل جاء أحمد فجأة و ظهر و قال أنا أريد أن أتحمل المسئولية؟ أم أن الله هو الذي خلقه ثم بعدما خلقه حمله أمانة هو يعرف أنه غير قادر عليها؟

هذه نقطة. النقطة الأهم هي:

أن هذا المبدأ (مبدأ أنت المسئول عن تصرفاتك) هو مبدأ دنيوي بحت و لا يعمل إلا بمقاييس الدنيا و لا يمكن أن ينسب لله.

لماذا؟!

لأن الله ليس كالبشر. مبدأ (أنا لست مسئولاً) هذا مبدأ بشري منبعه الأساسي هو إخلاء المسئولية الشخصية (منعا ًللضرر) أو (منعاً للمزيد من الضرر).

يعني مثلا في شركات التأمين، الشركة تكتب معك عقد- (و العقد هو اتفاق) - و قد يأتي في تفاصيل العقد أن الشركة (غير مسئولة) عن إصلاح الحوادث المتعمدة و العميل هو المسئول. و هي بذلك تحمي نفسها من الخسائر الفادحة التي قد تلحقها إذا عبث الناس بسياراتهم ثم طلبوا تصليحها. إذاً هذا البند في العقد سببه (الوحيد) هو حماية الشركة من الأضرار المادية التي قد تلحق بها. و بالتالي لتحل الشركة هذا الإشكال فإنها تحمل (المسئولية) على العميل.

ماذا لو كان تصليح السيارات لا يكلف الشركة شيء على الإطلاق؟ هل كانت ستفرض الشركة هذا البند على العملاء؟ على العكس تماماً. ما سيفعلونه حتما هو أنهم سيقولون للعميل: "من حقك أن تفعل ما يجود به خيالك الخصب بالسيارة و نحن سنتكفل بكافة التصليحات". إن هذا يعطي سمعة هائلة للشركة و يدر عليها مبالغ طائلة.

و عليه، فإن مبدأ (تحميل الغير المسئولية) هو مبدأ أساسه (إخلاء المسئولية) من الطرف الآخر خوفا من التحاق أضرار به هو لم يكن مسئول عنها.

لكن، الله كامل. لا يلتحق به ضرر بأي صورة. و من غير اللائق بقدرته المتناهية المصحوبة بعدله و رحمته المتناهيتين أن (يخلي) مسئوليته من عباده خاصة و أنه لن يخسر أي شيء على الإطلاق إذا تحمل المسئولية هو، فضلاً عن حب عبيده له و عبادتهم له (إذا كان هذا ما يريده) إذا فعل.

و لكني (و بالرغم من كل ذلك ) - افترضت أنه غير مسئول بالمرة عن الإنسان و تصرفاته. و السؤال: "حتى إذا كان الله غير مسئول عنا (و هو ما معناه أن الإنسان هو السبب الوحيد في أنه دخل النار)، ألم يكن الله يعرف أنني سأطلب منه أن أكون مسئولا عن تصرفاتي و أن طلبي هذا سيدخلني النار؟ إذاً فلماذا وافق؟ حتى لو كنت أنا المسئول. لماذا يوافق هو؟ ألا يعرف أنني أحمق و أن مصيري سيء و أنني أطلب هذا الطلب فقط (و فقط) لأنني أجهل مصيري؟ طيب هو يعرف. يمكنه أن ينقذ الموقف ... و هو رحيم كذلاك، بل و أرحم الراحمين، و حكيم أيضاً بل و مطلق الحكمة ... لماذا لا ينقذ الإنسان المسكين هذا؟

إذا طلب طفل صغير من أبيه أن يقفز من الشباك لأنه يريد أن يطير كالشخصيات التي يراها في الكارتون. ماذا يكون رد فعل الأب الذي (يحب) ابنه و (يريد مصلحته)؟ يرفض طبعاً لأنه يعرف أن القفز من الشباك يعني الهلاك. و ماذا نقول في الأب الذي يقول لإبنه (اقفز يابني ... أنت حر، و مسئول عن تصرفاتك)؟ أب غير رحيم بإبنه أو لا يحبه أو الإثنين معاً.

الله (يحبنا) و (يريد مصلحتنا) و كان يعرف أن هناك من عباده من هم ذاهبين للنار، و مع ذلك وافق لهم على طلبهم. أين الرحمة؟

إذا تركت طفل عنده عامين في الشارع و رأيته و هو يجري نحو السيارات المندفعة، ماذا ستفعل؟ هل ستتركه لتدعمه السيارات؟ علماً بأن الطفل حر تماما و لا أحد يقيده. هكذا المفروض أن الله يتركنا إلى النار من دون ما ينقذنا منها و منا نحن انفسنا بتصرفاتنا الحمقاء.

لا يمكن الرد بأن الطفل لا يفهم شيئا و لكننا نحن نفهم. لأننا بالمقارنة بالله لا نفقه أي شيء على الإطلاق. و حالنا بالنسبة له أسوأ ألف مرة من حال الطفل الصغير هذا بالنسبة لأبوه الذي تركه.

الطفل لا يعرف أن السيارة ستدعمه، كذلك الإنسان لم يكن يعرف أنه سيدخل النار. الأب يعرف أن السيارة ستدعمه و تركه، و الله يعرف أننا ذاهبين إلى النار و تركنا بعدما خلقنا هو بنفسه عالماً بكل هذا من البداية و ممتنعاً عن منعه من الحدوث و غير مجبراً على فعله.

يصعب علي شخصياً تصور الله (برحمته المطلقة) وهو يشاهد مليارات الناس و هم يتعذبون أقصى عذاب ممكن لفترة طويلة جداً جداً جدا و يصرخون و يستغيثون من العذاب و الله لا يحرك لهم ساكناً.

لو إنسان عادي (لن نقول رحيم) شاهد إنسان يتم تعذيبه في جهنم. سيبكي حزناً لما يراه و إذا أتيحت له الفرصة أن يخرجه، سيخرحه فوراً. و هذا إنسان. المفروض أن الله أرحم منه بكثير جدا.


نعود للأسئلة:

س: من أنت لتقول الله المفروض يفعل كذا أو كذا؟ و ما دخلك أنت بشؤون الله لتعدل عليه؟ دع الخلق للخالق.

ج: هذا السؤال يفترض أن الشخص المطروح عليه السؤال مؤمن بالله و لكنه يتبجح و يعترض على قوانينه و يحاول أن يقحم نفسه فيما لا يقدر عليه. و لكن من قال هذا؟

لو كنت متأكداً من وجود الله، لما ناقشته في أي شيء و لما احدثت جلبة و لا غيره. الجلبة سببها أني لا أؤمن بوجوده و أحاول أن أجد أسباباً منطقية تساعدني على ذلك. و إذا لم تكن الأسباب منطقية، فلا تلوموا عابدي الأصنام و الشمس و النار على شيء. إن كانت تصرفاتهم غير منطقية بالنسبة لك، فأنت أيضاً تصرفاتك غير منطقية بالنسبة لهم. و بحسب منطقك، لا ينبغي لكل شيء أن يكون منطقي و ليعبد كل من شاء ما شاء. كما أنني لا أعدل و لا أقترح، أنا أقول، إذا كان الله رحيم، فلماذا لم يفعل كذا بناء على رحمته؟ بمعنى آخر، كيف تفسر لي كون الله رحيماً علما بأنه كذا كذا (أشياء مناقضة للرحمة)؟

إذاً هو ليس تعديل. هو تسائل مبني على تناقض ...

الدين بالعقل. و ليس الدين فقط، و إنما كل شيء. و إذا كان هناك أشياء لا نستطيع أن نعقلها فيجب أن تكون هذه الأشياء غير حيوية في مشوار تصديق الإنسان و قبوله لفكرة الله. لو كنت أنا مثلاً مقتنع أن الله عادل و رأيت العدل فعلاً و عقلته و رأيت أنه لا يتناف مع العدل الذي أفهمه أنا فعلاً، فهذا شيء مطلوب. و إن تحقق زاد إيماني بالله. و لكن هناك أشياء لا أريد أن أفهمها مثل من خلق الله؟ لا يهمني هذا، و لماذا الله قوي كل هذه القوة؟ و متى تقوم الساعة؟ و كيف خلق الله الشمس؟ هذه هي الأشياء التي يمكن الاستغناء على أساس أن الأشياء الأساسية الأخرى التي تعد بمثابة أساس العقيدة مجاب عنها و لها تفسيرات منطقية.

نهاية الإشكال الأول.

بانتظار الردود.

مراقب 1
12-25-2008, 06:43 AM
الحوار مقتصر على الأخ ناصر الشريعة والزميل المفترى .

ناصر الشريعة
12-25-2008, 03:12 PM
مرحبا بالزميل (المفتري) ثانية بعد طول غياب.

ويسرني أن أشارك في هذا الحوار الذي أسأل الله تعالى أن ينفعني وقارئه به، وسأضيف ردي بعون الله تعالى هذا المساء، والله الموفق لما فيه الخير.

ناصر الشريعة
12-25-2008, 10:00 PM
الزميل (المفتري)

قرأت موضوعك بعد تعديله وتحويره فوجدتك قد أجريت حوارا في نفسك مع شخصية افتراضية صنعتها بأفكارك وحملتها جميع الأجوبة التي ظننت أنها تمثل جواب العارفين من المسلمين، وألقيت عليها سيلا من الأسئلة التي بنيتها على افتراضات غير صحيحة، وانتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، لا تستند إلى ما تحتاجه من قواعد النظر والفكر، واستمر بك الكلام حتى انقطعت إلى ما انقطعت إليه في حديث نفسي مع محاورك الافتراضي، ورؤية شخصية لك حملَّتها المسلمين وهم براء منها، أو لا يكيفونها بالكيفية التي صورتها ونسبتها إليهم، فأنت بين نسبة خاطئة للفكرة، أو نسبة خاطئة لتصورها ودليلها، وهذه ملاحظة إجمالية على منهجك فيما كتبته وأطلت القول به، فلا عجب حينها إن كثرت تلك الإشكالات في فهمك للموضوع.


وكان من الأوفق للحوار أن يكون دائرا بيننا دون توسط شخصية افتراضية أسقطتها على المسلمين، بما تحمله من أخطاء مبعثها تصورك لما سيكون عليه جوابنا، بينما هي في الحقيقة إجابات خاطئة في نفسها، أو ناقصة في تصويرها، ولعلك تراعي في ما نستتبعه من الحوار أن يكون بيننا ثنائيا دون حاجة إلى مسرحة السؤال، أرشدك الله للحق ووفقك إليه.


نظرت في كثير قولك فإذا هو لا يخرج عن ثلاث نقاط، وما عداها تكثير للقول اقتضته مسرحة السؤال، وهذه النقاط هي :

1. الله موصوف بــ ( الرحمة، والعلم، والعدل)

2. تلك الصفات الثلاث تتناقض مع بعضها ومع تعذيب الكفار في النار.

3. خلاصة التناقض يتمثل في خلقهم وتكليفهم بالدين بدون موافقتهم وبدون إعلامهم بأنهم سيعذبون في النار.


موجز الرد على المسألة الأولى:

إن منشأ الغلط في هذه المسألة عند الزميل هو (قصر صفات الله تعالى على ثلاث صفات دون إدراك معانيها ومتعلقاتها، وإهمال دراسة بقية صفات الله تعالى) ولا شك أن هذا أحدث إشكالات كثيرة في تصورات الزميل الملحد، فإن صفات الله تعالى المتعلقة بموضوع الزميل ليست محصورة فيما ذكر، فأين هي صفة الحكمة التي هي جواب جميع إشكالاته، وإني لأعجب من خوض الزميل في هذا الشأن وهو لا يبالي بدراسة هذه الصفة ولا يعرف موضعها وقدرها، بل يظن أن مجرد إثبات صفة الرحمة لله تعالى يعني أن تتناقض صفة الرحمة مع جميع صفات العدل والقهر، وكأن الصفات تتعاند وتتناقض، وكأن تعدد صفات الكمال عنده نقص أو يلزم منه النقص!! وهو معاندة ظاهرة لمفهوم الكمال، ولو عرف أن صفات الله المتعلقة آثارها بالخلق إنما هي تابعة لحكمة الله تعالى، لما كان يحتاج كل هذا القول المبني على إلغاء صفة الحكمة وادعاء تناقض الصفات الإلهية.

ثم أين ذهب الزميل عن صفات القهر التي تتعلق بالفئة التي يدافع عنها ويحامي وهي فئة الكفار المعاندين للحق أو المعرضين عنه، فإن تعلق صفات القهر بهم من كمال الله تعالى في حكمته وقدرته وعلمه، وعدله، فلا يعذب إلا من استحق العذاب وكان قادرا على الطاعة والمعصية فاختار العصيان بعد قيام حجة الله عليه، ومن لم تقم عليه الحجة فلا يعذب، فأين الظلم إذن.

أما تركيزه على صفة الرحمة التي خص الله رحمته في الآخرة بمن كان مؤمنا فقد حاول الزميل صرفها مرارا عن متعلقاتها لتكون حقا مستحقا لإبليس وأتباعه، ثم جعل عقوبة الله لهم ظلما! وخلقه إياهم قادرين على الطاعة والمعصية ظلما أيضا! فصار مفهوم الظلم عند الزميل مرتبطا بمفهوم العدل، فكل ما عدل الله فيه كان ظلما عند الزميل، وهذا من أبين المحال والمعاندة!

وهذه المسألة توضحها المسألة بعدها.


المسألة الثانية: هل صفة الرحمة تتناقض مع تعذيب الكفار في النار.

الجواب: أن السؤل نفسه غلط، فإن صفة الرحمة يراد بها:
- ما يرحم الله به المؤمن والكافر من رحمة الدنيا التي تشمل نعمة الإيجاد والإمداد والرزق والعافية والمال والولد، ونحوها من النعم الدنيوية، فهذه رحمة ثابتة لكل مخلوق، ويحصل الابتلاء لبعض الناس بما يشاء الله تعالى في خلقه حكمة منه واختبارا.
- وأما رحمة الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين، فكيف يقال أنها تتناقض مع الكافرين؟! ومتى كانت الرحمة الأخروية حقا لهم حتى يكون حرمانهم منها تناقضا مع صفة الرحمة؟!

إن الزميل يظن أن كمال رحمة الله تعالى يستلزم أن يجعل إبليس في أعلى الجنان، وأن كل من قتل نبيا أو صالحا أو زنى بأمه ينبغي أن يجعله الله في أعلى الجنان لأن الله رحيم!! فأي فهم هذا لكمال الله تعالى حتى ينسب إلى الله الظلم إذا لم يحكم بهذه الأحكام ؟!

إن رحمة الله تعالى في الآخرة لها متعلقها وهم المؤمنون ، يقول الله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.

وعذابه متعلقه من قامت عليهم الحجة الرسالية فاختاروا الكفر على الإيمان، يقول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

فصار الناس فريقان:
- فريق لهم الرحمة في الآخرة وهم الذين تتعلق بهم صفات الرحمة والعفو والرضى والمغفرة.
- وفريق لهم العذاب في الآخرة، وهم الذين تتعلق بهم صفات القهر والغضب والعقوبة.
فالأولى مقتضى كمال الله في إحسانه وفضله.
والثاني مقتضى كمال الله تعالى في عدله وقهره وسلطانه.
والجميع من مقتضى حكمة الله تعالى وعلمه.

وليس الأمر كما يظن الزميل من أن كل صفة تتناقض مع الأخرى!! فإن التناقض لا يكون إلا مع اتحاد المحل والإضافات والنسب، وليس هنا من ذلك شيء، ففرق بين متعلقات صفات الرحمة والرضى، ومتعلقات صفات القهر والغضب.

إذا علم هذا علم أن دعوى التناقض بين صفات الرحمة وتعذيب الكفار في النار خلط عجيب، وقول غريب، سببه عدم تمييز متعلقات الصفات وآثارها في الخلق، وارتباطها بصفة الحكمة الإلهية، التي هي من أعظم صفات الله عز وجل، فيحار الإنسان في كثير من أمره حين يحاول أن يحيط بجميع حكمة الله تعالى في أحد مخلوقاته فضلا عن جميع حكمته في جميع مخلوقاته، وهي حيرة سببها عجز الإنسان عن الإحاطة بكمال الله تعالى الثابت له، مع شهوده حكمة الله تعالى في كثير من مخلوقاته وآياته، لتكون حجة عليه في إثبات الحكمة، والتسليم لله بما لم يحط به لعجزه.


فإذا تبين ما سبق فإننا نقول:
إن ما ذكره الزميل في تضاعيف كلامه من أسئلة وإيرادات وأجوبة متخيلة عليها لا تقوم على أساس صحيح حتى يصح ما افترعه منه، وشاهد هذا ما سوف أعقب به على ما سأقتبسه من كلامه تدليلا على ذلك، وسوف أضمن ذلك في الرد على المسألة الثالثة.


المسألة الثالثة: تنزه الله تعالى عن الظلم في خلق الخلق وتكليفهم وأمرهم ونهيهم:

وخلاصة القول في هذه المسألة قبل بسطه:

أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.

وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:

أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته.

فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره.

وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!

وعندما يبين هذا المعنى ويوضح لا يجد السائل إلا التهرب من الجواب إلى مسألة أخرى يدخلها ليبتعد عن هذا المعنى الواضح الذي يكفي العاقل المتبصر لدفع شبهة الاحتياج الواهية التي لو قيلت في بعض المحسنين إلى الناس تطوعا لما قبلت فكيف في من كل الإحسان منه جلَّ وعلا، وكل فضل في العالم العلوي والسفلي إنما هو من فيض فضله وكرمه وجوده سبحانه وتعالى.

وليس الغرض هنا تفصيل الكلام في الحكم المتعددة من خلق الخلق، وإنما يكفينا أن ثبوت صفة الحكمة لله تعالى مبطل لكل تشغيب على علة الخلق، فيكفينا اليقين بحكمة الله تعالى، ثم إذا علمت بعض الحكمة زادنا ذلك علما ومعرفة، ولم ينقلنا من شك وريب إلى إيمان وإسلام لم يكن من قبل! فإن من علم بالدليل القاطع كمال الله وحكمته لا يحتاج بعد ذلك لإثبات حكمته بالسؤال عن كل فعل من أفعاله، فحكمة الله تعالى أظهر من ذلك وأبين.


فإذا استبان ما قلنا، فإننا نعلق على الاعتراضات التي وجهها الزميل (المفتري) على هيئة أسئلة وإشكالات:

فقوله:

وفقا للدين الإسلامي، الله هو خالق الكون. و قبل خلق الكون لم يكن هناك شيء على الإطلاق إلا "الله" فقط. أي أننا جميعا لم نكن موجودين و كان هو فقط و لاشيء آخر. المتفق عليه أن الله في لحظة معينة بعد كل هذا اللاشيء، بدأ في خلق الكون و ما عليه ثم خلق البشر.ففي هذا دعوى: (أن الله كان معطلا عن أفعاله منذ الأزل ثم في لحظة معينة خلق البشر)
وهذا تصور غير صحيح فضلا عن أن يكون موافقا للدين الإسلامي كما يقول الزميل! وهو خطأ شائع لدى الكثيرين، ولا يكفي شيوعه لتصحيحه كما هو معلوم.

ويكفينا هنا الإشارة إلى الصواب إذ ليس هذا موضع بسطه:

وهو أن الله عز وجل موصوف بالكمال منذ الأزل، ومن كماله ما اتصفه به من الصفات والأفعال الاختيارية كالخلق والكلام والإيجاد والإعدام، والرزق...، وهذه الصفات والأفعال تقتضي متعلقاتها وآثارها.

فلو قدر أنه في كل وقت كان هناك مخلوقات مسبوق كل واحد منها بعدمه، وقبل كل مخلوق مخلوق مسبوق بعدمه، لم يكن في ذلك إثبات قديم مع الله تعالى، وإنما إثبات ما لا يتناهى من الحوادث التي لا أول لها، وكل حادث منها مسبوق بعدمه.

وهذا هو القول الحق الذي يوافق الكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة.

فإن الله منزه عن أن يكون معطلا عن كمالاته منذ الأزل إلى أن خلق الكون بعد ما لا يتناهى من الزمن! فهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة، وبسبب هذا القول الباطل نشأت بدع كثيرة في الكلام على إثبات الأسماء والصفات والأفعال، وترتب على الخطأ ضلال عظيم في بقية أبواب المعتقد، كما عند الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرها من الفرق المبتدعة الضالة، فضلا عن الرافضة المنحلة عن الدين، الزائغة عن الشرع والعقل.


قوله:

س: كيف يخلق الله البشر من العدم من دون استشارتهم؟ هم كانوا في حالهم في العدم، من قال أنهم يريدون تحمل كل هذه المسئولية؟
جوابه أن يقال:
إن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى، فما الحاجة للاستشارة إذن؟! ثم أن ما يقضي به الله خير للعبد من قضائه لنفسه، وما يضر العبد إلا عصيانه ربه وما يترتب عليه من عقوبة الله تعالى له.

وقولك ( هم كانوا في حالهم في العدم) خطأ واضح، إذ هم في العدم ليس لهم وجود ولا ذات حتى يكون لهم حال! فإن الحال لا تقوم إلا بذات، والمعدوم لا ذات له في الخارج حتى تقول أنهم كانوا في حالهم.

فإن قلت: إنما عنيت أنهم كانوا معدومين فحسب.
فنقول: كنا نظن أننا في حوار فلسفي فظهر أنه غير ذلك.


وأما مسألة إرادة العبد للمسؤولية أو عدم إرادته لها:

فإن العدل والظلم ليس متعلقا بها، وإنما العدل أن يؤتي الإنسان القدرة على الطاعة والمعصية، وتبلغه الحجة الرسالية في ذلك، فإن اختار الطاعة أثيب بالحسنى، وإن اختار المعصية أثيب بالسوأى، فهذا هو العدل والفضل، وهذا أصل المسألة وأسها، لا الكلام عن حال المعدومات المعدومة!

وبهذا يعلم الرد على قولك: ( بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي،) . فليس ذلك الفيصل بفيصل في شيء، إنما الفيصل ما سبق ذكره.

ومسألة المشورة التي ذكرها الزميل وبنى عليها عدة أسئلة ونقاشات مختلفة مبنية على أساس خاطئ، بيانه فيما يلي:

أولا: أن الله عز وجل ينزه عن استشارة مخلوقاته لمنافاة الشورى لكمال الله تعالى، وذلك لما سبق من القول أن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى.
ولكن الله عز وجل يخير من شاء من عباده فيما شاء كيف شاء، والفرق بين الاستشارة والتخيير ليس فرقا لفظيا، وإنما فرق معنوي مؤثر كما هو واضح.

ثانيا: أن التخيير حاصل لهم في الدنيا بين الطاعة والمعصية وهذا كاف في إبطال شبهة الظلم كما سبق بيانه.
فإن قال ملحد: قصدت أن يخيرنا الله بعد أن خلقنا في أمر هذه الحياة.
فيقال له: قد كان ذلك بأن خلقنا في هذه الحياة مختارين لطريق الخير أو الشر، فإن أبى إلا التخيير بين الحياة أو الموت، قيل له: دونك الموت فمت، فما يمنعك عن ذلك ما دمت ملحدًا! أهو الخوف من النار؟!

ثالثا: أنَّ مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا ليس باختياره، ولكنَّ أفعاله الخيرة أو الشريرة هي التي باختياره، فالأولى من مقتضى كمال ملك الله تعالى في خلقه، فيخلق ما يشاء كيف شاء متى شاء، ونفي ذلك يستلزم النقص، والله منزه عن النقص.
والثانية من كمال قدرة الله تعالى أن جعل للعبد القدرة على فعل الخير أو الشر، فأين الظلم في ذلك؟!

رابعا: أن مطالبة الزميل بأن يخير الله الإنسان بين البقاء أو العودة إلى العدم، تناقض، فإن مجرد خلق الله تعالى للإنسان يستلزم عبوديته لله تعالى، وعبوديته لله تعالى تتنافى مع رفضه خلق الله له واعتراضه عليه، بل يلزمه التسليم بخلق الله تعالى له، ويبقى عليه الإحسان في عبوديته لله تعالى لا الكفر به.

ويكون موضوع التخيير ليس الحياة في عبادة الله تعالى أو العدم!!! وإنما يكون موضوع التخيير العبودية لله تعالى بمحض الإرادة والاختيار كما هو الآن، أم بالانقياد الكوني لله تعالى كما هو حال المخلوقات الأخرى، فلا يخرج الأمر عن عبودية الإنسان لله تعالى.
ولا شك أن الحرية والاختيار الذي وهبه الله للإنسان في الدنيا ليس ظلما، وإنما الظلم ظلم العبد لنفسه حين يسيء الاختيار بعد أن بلغته الحجة الرسالية.

خامسا: أن مَثَل ما طالب به الزميل من أمر الشورى والتخيير مثل مولود قال لوالده إنك ظالم! لأنك ولدتني بدون إذني! وكان من حقي لما ولدت أن أخير بين البقاء بينكم أو العودة إلى رحم أمي!! فلو قاله ولد لأبيه لكان قائل ذلك مجنونا، لا لأن والده عاجز عن ذلك فحسب، وإنما لأن ولادته ليست ظلما له، بل لوالده عليه فضل الولادة، وهذا من أسباب بر الأبناء بوالديهم لأنهم سبب في حياتهم، ولا أعني هنا الملاحدة وأبنائهم فإن من العجب أن يكون بينهم بر مع كل هذا الكفر والمناقضة للعقل.
فكيف بمن يقول لخالقه إنك ظالم لأنك خلقتني بدون إذني ولم تخيرني بين البقاء والعدم! فأيهما أقبح اعتراضا؟ المعترض على أبيه أم على خالقه!!

سادسا: أن الله خلق الإنسان لعبادته، فإن قال: أختار العدم على عبادتك!!! ألا يكون اختياره قبحا وعصيانا؟!! فكيف يكون المخلوق مخيرا بين الطاعة والمعصية على السواء ثم يكون جزاء من أبى الطاعة وصدف عنها أن يعفى من التكليف؟!!
ثم يكون المكلف المعرض للعقاب عند التقصير هو الطائع دون من اختيار العصيان من أول الأمر؟!



وأما مسألة إعلام الله للعبد بأنه سيجازى بالحسنى إن أطاع، وسيعاقب إن عصى:

فإن هذا الإعلام حاصل للإنسان في دنياه وعليه يكون التكليف والجزاء، وأما الإشهاد له قبل مجيئه إلى الدنيا من والديه، فإنه أمر غيبي صحت به الأخبار، فأخذ الله الميثاق من آدم وذريته وأشهدهم على وحدانيته، وأثر هذا الميثاق هو الفطرة التي عليها الناس.

وغيبية هذا الميثاق تعني أننا لا نتذكر شيئا منه، ونحن غير مطالبين بتذكره لعجزنا عن ذلك، ولا يصح أن نجعله حجة مستلزمة للعقاب على من لم تبلغه الحجة الرسالية.

ولا يصح القول بأن الميثاق وحده كاف في قيام الحجة على العبد وتعذيب المخالف والكافر، وإنما تلك الحجة الرسالية فحسب، وما عداها من الحجج العقلية والفطرية فهي براهين تدل على الحق، ولا توجب العذاب على أحد بدون بلوغ الحجة الرسالية، فإذا قامت الحجة الرسالية كان التكليف للمرء، فإن أطاع أثيب، وإن عصى عوقب.

ثم يقال:
إن الإعلام مبطل للابتلاء بالتكليف، فأي تكليف سيكون إذا كان المرء يعلم جميع ما سيفعله ويتركه وما سيكون عليه جزاؤه؟!!
ولا يقول هذا من عرف معنى الابتلاء، بل هذا مناقض غاية المناقضة للابتلاء!

فإن قلت: إنما قصدي أن يعلم الكافر أنه سيدخل النار لكفره، لا أنه يعلم جميع تفاصيل حياته.
قلنا لك: هذا الإعلام إذن هو ما صرحت به الحجة الرسالية من تعذيب الكفار، وهو متحقق، فما اعتراضك على ذلك؟
وأما إن قصدتَ أن يكون العلم علما يمتنع معه اختيار الكفر!! فقد أبطلت بذلك الاختيار أصلا وهو الذي شغبت به في موضوعك كله، ورجع القول كما كان في إبطاله.

وجميع ما بنيت عليه قولك في الإعلام يبطل بهذا التفصيل، كقولك أن الله كتم العلم عن الإنسان، فإن هذا باطل بحصول الإعلام والبلاغ بالحجة الرسالية، وأما العلم المانع من اختيار الكفر فهو قهر وجبر لا مجرد إعلام، وهو منافٍ لأصل الكلام وهو حكمة التكليف والابتلاء.


ولا شك أن خلط الزميل بين المسائل أوجب بعض العود إلى ذكر ما سبق من التبيين، ولكن يكفي أن أنبه على أمر هنا فيما كرر الزميل القول فيه من عدم الرحمة في خلق من سيختار الكفر، فأقول:

إن الله خلق أهل الجنة ليرحمهم، وخلق أهل النار ليعاقبهم.

فأما رحمة أهل الجنة فلا إشكال فيها عند الزميل.

وأما تعذيب أهل النار وخلقهم لها:
فإنه وقع على مقتضى العدل، فإن الله أمدهم بكل ما يمكنهم من فعل الخير واجتناب الشر، لكنهم اختاروا الشر على الخير مع علمهم بهما وبجزائهما.

وفي خلقهم وما يصدر عنهم وما يجازون به ظهور آثار كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وملكه وقدرته وعدله.

وصفات القهر لا تضاد صفات الرحمة، فإن المتعلقات مختلفة، والتناقض لا يحصل إلا مع اتحاد المحل والنسب والإضافات، وهذا غير حاصل هنا، وهو المطلوب هنا.

وحرف المسألة أن حكمة الله تعالى سارية في خلق الله وشرعه، وأن جهل الجاهلين بها لا ينفي تحققها، وإنما يثبت جهلهم أو تجاهلهم، والحمد لله رب العالمين.

وفقني الله وإياك إلى صدق الإيمان به، والعلم بكماله، والخضوع لجلاله.

المفتري
12-26-2008, 03:59 AM
قرأت موضوعك بعد تعديله وتحويره فوجدتك قد أجريت حوارا في نفسك مع شخصية افتراضية صنعتها بأفكارك وحملتها جميع الأجوبة التي ظننت أنها تمثل جواب العارفين من المسلمين، وألقيت عليها سيلا من الأسئلة التي بنيتها على افتراضات غير صحيحة، وانتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، لا تستند إلى ما تحتاجه من قواعد النظر والفكر، واستمر بك الكلام حتى انقطعت إلى ما انقطعت إليه في حديث نفسي مع محاورك الافتراضي، ورؤية شخصية لك حملَّتها المسلمين وهم براء منها، أو لا يكيفونها بالكيفية التي صورتها ونسبتها إليهم، فأنت بين نسبة خاطئة للفكرة، أو نسبة خاطئة لتصورها ودليلها، وهذه ملاحظة إجمالية على منهجك فيما كتبته وأطلت القول به، فلا عجب حينها إن كثرت تلك الإشكالات في فهمك للموضوع.


وكان من الأوفق للحوار أن يكون دائرا بيننا دون توسط شخصية افتراضية أسقطتها على المسلمين، بما تحمله من أخطاء مبعثها تصورك لما سيكون عليه جوابنا، بينما هي في الحقيقة إجابات خاطئة في نفسها، أو ناقصة في تصويرها، ولعلك تراعي في ما نستتبعه من الحوار أن يكون بيننا ثنائيا دون حاجة إلى مسرحة السؤال، أرشدك الله للحق ووفقك إليه.


في الواقع يا زميلي. ليس هذا ما حدث على الإطلاق. أنا أفهم كيف أن أسلوب كهذا ممكن أن يكون مستفز جداً بالنسبة لك لدرجة أنك لم تلاحظ أن هذه طريقة عرضي للموضوع و ليس افتراض مني أن هذا رأيك مثلاً. كل الأسئلة و الأجوبة المطروحة هي عبارة عن خليط من الإشكالات التي تسبب لي مشكلة في الإيمان مع بعض الردود التي تلقيتها بالفعل من عدد لا بأس به من المسلمين. قمت بإعادة صياغتها كلها على شكل سؤال و جواب لكي أسهل على القارىء استيعاب الإشكالات و لم أكن أعني بالأسئلة أن هذا هو الواقع.

في أول موضوعي ستجد هذه الجملة:



سأستعرض نقاطي على شكل سؤال و جواب.


و السبب الوحيد أنني كتبت هذه الجملة هو أنني كنت أريد أن أتلافى هذا النوع من الردود (ردك) ... و لكن يبدو أنني فشلت.

ننتقل لردك:



نظرت في كثير قولك فإذا هو لا يخرج عن ثلاث نقاط، وما عداها تكثير للقول اقتضته مسرحة السؤال، وهذه النقاط هي :

1. الله موصوف بــ ( الرحمة، والعلم، والعدل)

2. تلك الصفات الثلاث تتناقض مع بعضها ومع تعذيب الكفار في النار.

3. خلاصة التناقض يتمثل في خلقهم وتكليفهم بالدين بدون موافقتهم وبدون إعلامهم بأنهم سيعذبون في النار.


نسيت تقطتين أخرتين

4. ليس معنى أن الإنسان حر الإختيار، أن الله غير مسئول عنه و يخلي مسئوليته عنه.

5. اشكال في كون المسائل الفاصلة في مشوار تصديق الإنسان لوجود الله هي مسائل "أعلى من تصور البشر" في حين أنه كان من الممكن أن تكون أسهل من ذلك.



موجز الرد على المسألة الأولى:

إن منشأ الغلط في هذه المسألة عند الزميل هو (قصر صفات الله تعالى على ثلاث صفات دون إدراك معانيها ومتعلقاتها، وإهمال دراسة بقية صفات الله تعالى) ولا شك أن هذا أحدث إشكالات كثيرة في تصورات الزميل الملحد، فإن صفات الله تعالى المتعلقة بموضوع الزميل ليست محصورة فيما ذكر، فأين هي صفة الحكمة التي هي جواب جميع إشكالاته، وإني لأعجب من خوض الزميل في هذا الشأن وهو لا يبالي بدراسة هذه الصفة ولا يعرف موضعها وقدرها، بل يظن أن مجرد إثبات صفة الرحمة لله تعالى يعني أن تتناقض صفة الرحمة مع جميع صفات العدل والقهر، وكأن الصفات تتعاند وتتناقض، وكأن تعدد صفات الكمال عنده نقص أو يلزم منه النقص!! وهو معاندة ظاهرة لمفهوم الكمال، ولو عرف أن صفات الله المتعلقة آثارها بالخلق إنما هي تابعة لحكمة الله تعالى، لما كان يحتاج كل هذا القول المبني على إلغاء صفة الحكمة وادعاء تناقض الصفات الإلهية.


لا بد يا زميلي أنك نسيت الإشكال. ردك رائع و لكنه رد لسؤال مختلف للأسف. هذا السؤال المختلف هو: لماذا يعاقب الله الناس في جهنم إذا كان رحيماً؟

هنا تأتي إجابتك المنطقية أن الله حكيم أيضاً و ليس رحيماً فقط.

و لكن الحكمة هي أحسن و أدق تصرف في ظل المعطيات الموجودة. المعطيات الموجودة هي:

هناك انسان ... هذا الإنسان يعمل خيراً و يعمل شراً ... من الرحمة أن أرحمه على كل شيء و لكن من الحكمة أصلاً أن يتم معاقبة المذنب و مكافئة المؤمن.

المشكلة عزيزي، أنني أكلمك في مرحلة ما قبل المعطيات. ما قبل أن يكون هناك جنة و نار و ثواب و عقاب و إنسان. هذا التوقيت لم تكن فيه معطيات أو أشياء يمكن استخدامها "بأدق طريقة ممكنة" لأنه لا توجد أشياء أصلاً. سؤالي هو، حتى لو كان الله حكيماً، فهل من الحكمة أيضاً أن يخلق من يعرف أنه سيذهب إلى النار؟

مرة أخرى، كلامك معناه:

لو الله خلق الإنسان و هو يعلم أنه سيذهب إلى النار فهذا مناقض له إذا كان رحيماً فقط.

لكن بما أنه حكيم كذلك فبالتالي خلقه لبشر هو يعلم أنهم سيدخلوا النار لا غبار عليه.

بهذه الطريقة، أنت يمكنك أن تعلق كل شيء على شماعة الحكمة هذه بحيث لا يمكن لأحد أن يناقشك. إذا اتضح مثلاً أن هناك خطأ صريح بالقرآن، ثم واجهتك به، ستقول لي أن لله حكمة في ذلك. ما الفائدة من النقاش إذاً؟

عزيزي، مهما كان الله حكيماً، هل حكمته تعطي له الضوء الأخضر لكي يخلق من يشاء برغم علمه اليقين أنهم سيدخلون النار؟

دعك من نقطة أخرى في غاية الأهمية. ألا و هي مفهوم لفظة "مطلق".

هل الله مطلق الرحمة، العلم، الحكمة أم لا؟

قبل أن تجيب على السؤال، يجب مراجعة مفهوم "مطلق".

عندما تقول "مطلق القدرة" معناها لا نهائي القدرة. أي أن قدرته تقدر بمالانهاية. هذا هو تعريف المطلق (و ليس تعريف الله بعد).

مرة أخرى، أنا لا أقم بتعريف الله ... أنا أوضح مفهوم كلمة "مطلق" ... مطلق العلم يعني لا نهائي العلم ... يعني علمه لا ينقص. و مطلق الرحمة يعني لا نهائي الرحمة و رحمته لا تنقص. (المالانهاية لا تنقص و المطلق لا ينقص أبداً و إذا نقصت المالانهاية معنى ذلك أنها لم تكن مالانهاية و إذا نقص المطلق (و لو ربع ثانية) معنى ذلك أنه لم يكن مطلقاً كذلك).

إذا كان الله حسب كلامك لا يرحم كل الناس مهما فعلوا و أن هناك استثنائات تقتضي ايقاف الرحمة قليلاً لتحقيق الحكمة أو العدل. إذاً هذه ليست هي الرحمة المطلقة. (إلا لو كان عندك تعريف آخر للرحمة المطلقة)

الرحمة المطلقة بذاتها هي الرحمة التي لا تتوقف مهما حدث. ليست صفة حميدة هي. الرحمة الغير المطلقة أفضل منها لأنها تنقص بحيث تسمح لغيرها من الصفات كالحكمة و العدل بأن يتدخلوا. لكن الرحمة المطلقة شيء أخرق.

و هذه هي الإشكالية. إذا كنت تدعي أن الله أحياناً يعطل رحمته لأي سبب كان، فرحمته غير مطلقة. لو كنت تريد أن تدعي أن رحمته مطلقة، فلا تقل لي أنها قد تنقص أو تتوقف لحظياً لأن هذا يتنافى مع مفهوم الرحمة المطلقة.

أريد القول أن فكرة وجود صفات متناقضة مع بعضها بشكل محدود هي ممكنة. لأن كل منها أو واحدة منها محدودة بحيث يمكن تحقيق الأخرى (حيث أنهما متناقضتين) ... لكن فكرة أن توجد صفتين متناقضتين و مطلقتين في نفس الكيان هذه فكرة خيالية لا معنى لها حيث أنه لا مجال لأي منهما للتواجد مع الأخرى.

على هذا الأساس عزيزي أنا تجاهلت الحكمة المطلقة، ليس لجهل مني بها، و لكن لإيماني أن تواجدها بشكل مطلق غير ممكن الحدوث في نفس الوقت مع الرحمة المطلقة.



ثم أين ذهب الزميل عن صفات القهر التي تتعلق بالفئة التي يدافع عنها ويحامي وهي فئة الكفار المعاندين للحق أو المعرضين عنه، فإن تعلق صفات القهر بهم من كمال الله تعالى في حكمته وقدرته وعلمه، وعدله، فلا يعذب إلا من استحق العذاب وكان قادرا على الطاعة والمعصية فاختار العصيان بعد قيام حجة الله عليه، ومن لم تقم عليه الحجة فلا يعذب، فأين الظلم إذن.


كالعادة، الظلم أن الله كان يعرف أن هناك من ستقم عليهم الحجة و يختاروا العصيان و لم يرحمهم لحظة عرض الأمانة. تدخل الحكمة قد يحل الإشكال بعد الخلق. لأن الخلق تم و اللي حصل حصل و يجب توظيف الحكمة للحصول على أفضل النتائج بناءً على المعطيات الموجودة.

لكن ماذا لو لم يكن هناك معطيات أصلاً؟ لا بشر؟ لا شيء؟



أما تركيزه على صفة الرحمة التي خص الله رحمته في الآخرة بمن كان مؤمنا فقد حاول الزميل صرفها مرارا عن متعلقاتها لتكون حقا مستحقا لإبليس وأتباعه، ثم جعل عقوبة الله لهم ظلما! وخلقه إياهم قادرين على الطاعة والمعصية ظلما أيضا! فصار مفهوم الظلم عند الزميل مرتبطا بمفهوم العدل، فكل ما عدل الله فيه كان ظلما عند الزميل، وهذا من أبين المحال والمعاندة!


لماذا ذهبت يا أخي بعيداً جداً إلى حد أنهم زنوا و قتلوا و عصوا؟ هل أنا أسأل في هذه المرحلة؟

أنا أسأل من قبل ما يفعلوا هم كل هذا.

يا سيدي لو هو خلقهم ثم هم فعلوا هذا فهم لا يستحقوا الرحمة. لكن أنا أقول (ما هو يقدر يلحقهم قبل ما مايستحقوش الرحمة هذه لأنه كان يعرف أن كل هذا سيحدث أصلاً من البداية)

لا تقلق ... "الزميل" لا يحاول أن يعطي حقاً مستحقاً لإبليس و غيره. "الزميل" يرى أن إبليس شرير و سيء و أنه يستحق النار و عدم الرحمة.



- وأما رحمة الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين، فكيف يقال أنها تتناقض مع الكافرين؟! ومتى كانت الرحمة الأخروية حقا لهم حتى يكون حرمانهم منها تناقضا مع صفة الرحمة؟!


كانت الرحمة الأخروية حقاً لهم قبل أن يخلقهم الله من البداية خالص. الإنسان الكافر هذا لو خلقه الله ستؤدي به أفعاله إلى النار. لا يوجد من داع إذاً لخلقه إذا كان معروف أنه سيذهب للنار. و هو من حقه (كالمؤمن) أن ينال ما ناله المؤمن و هو عدم العذاب. لماذا حقه كحق المؤمن؟ ... لأن كلاهما في هذه المرحلة سواء. لا يوجد أحد منهم أفضل من الآخر حيث أن المؤمن لم يبدأ في الطاعة بعد و الكافر لم يبدأ في العصيان بعد. هما الإثنين من حقهم أن يتم المساواة بينهم في كل شيء.

إذا كان كلاهما متساويين في كل شيء في هذه المرحلة، إذاً فيجب أيضاً (في نفس هذه المرحلة) اتخاذ قرار عادلاً بينهم.

لو قرر الله أن يسمح بخلق المؤمن فهذا معناه أنه سمح ببدء سيناريو لهذا المؤمن يؤدي به للجنة.

الكافر أيضاً بما أنه في نفس المرحلة و لا يوجد أي واحد فيهم أفضل من الآخر، فلا بد أن يسمح الله بخلق هذا الكافر و بالتالي السماح ببدء سيناريو لهذا الكافر (الذي لم يكفر بعد) يؤدي به إلى الجنة هو الآخر.

ماذا فعل المؤمن زيادة عن الكافر في هذه المرحلة البدائية من الزمن حتى يتميز عن الكافر بأنه تم السماح له بالتواجد في دنيا نهايتها الجنة بينما الآخر نهايته في النار؟



إن الزميل يظن أن كمال رحمة الله تعالى يستلزم أن يجعل إبليس في أعلى الجنان، وأن كل من قتل نبيا أو صالحا أو زنى بأمه ينبغي أن يجعله الله في أعلى الجنان لأن الله رحيم!! فأي فهم هذا لكمال الله تعالى حتى ينسب إلى الله الظلم إذا لم يحكم بهذه الأحكام ؟!


للأسف ليس هذا ما يظنه "الزميل". أنا لست مريض نفسياً حتى أظن أشياء كهذه. من تظنني يا أخي؟ هل ترى أن أسئلتي و منطقي فاسدين لهذه الدرجة؟

كل اشكال من الإشكالات المكتوبة هي اشكالات منطقية و تطرأ برأس أي انسان طبيعي عنده عقل و يفكر. لا تجعلني أشعر أنني من "أتباع إبليس" الفاسدين الذين يرون أن من حق الشيطان أن يعيش ملكاً. يا أخي أنا إنسان طيب و منطقي. لا تظن بي الظنون.

من أين أتيت أنت بأنني أظن أن من يزني بأمه يجب أن يوضع في أعلى الجنان؟

لماذا يظن المسلمون أن الملحدون "أشرار" و "خبثاء" و "أتباع الشياطين"؟ و أنهم يعرفون أن الإسلام هو الحق و لكنهم يعندون؟ ... نحن بشر مثلكم و نشعر كما تشعرون و نحزن و نفرح و نتألم و نبكي و لكننا فقط لا نقبل فكرة الدين. لسنا من كوكب آخر.

أنا لا أظن في هذا الذي ذكرته. و كما كررت مراراً، أنا أعترض على أن كل هذا كان ممكن أن يتم تفاديه من البداية خصوصاً في ظل العلم اليقيني بحدوثه.



إن رحمة الله تعالى في الآخرة لها متعلقها وهم المؤمنون ، يقول الله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.

وعذابه متعلقه من قامت عليهم الحجة الرسالية فاختاروا الكفر على الإيمان، يقول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

فصار الناس فريقان:
- فريق لهم الرحمة في الآخرة وهم الذين تتعلق بهم صفات الرحمة والعفو والرضى والمغفرة.
- وفريق لهم العذاب في الآخرة، وهم الذين تتعلق بهم صفات القهر والغضب والعقوبة.
فالأولى مقتضى كمال الله في إحسانه وفضله.
والثاني مقتضى كمال الله تعالى في عدله وقهره وسلطانه.
والجميع من مقتضى حكمة الله تعالى وعلمه.


كما قلت. المؤمنين هؤلاء الذين عملوا الصالحات كان ممكن ألا يخلقهم الله. و هم من دونه لا يستطيعوا أن يتواجدوا.

يا زميل. قل لي. هل أنت فعلاً مقتنع أن هذا الذي سأكتبه الآن عادل؟

الله لم يخلق المؤمن بعد

الله لم يخلق الكافر بعد

(المؤمن و الكافر حتى هذه اللحظة سواء لا فرق بينهم)

الله لو خلق المؤمن سيذهب للجنة

الله لو خلق الكافر سيذهب للنار

و لكنه لم يخلقهم بعد (مازالوا سواء)

شيء جيد جداً بالنسبة للمؤمن أن يخلقه لأنه إذا خلقه سيدخل الجنة.

شيء سيء جداً بالنسبة للكافر أن يخلقه لأنه إذا خلقه سيدخل النار.

الله سمح بخلق المؤمن و الكافر

لماذا اختص الله فعل الشيء الجيد للمؤمن فقط في حال أن المؤمن لم يفعل شيء وقتها زيادة عن الكافر تجعله يستحق الحصول على ميزة كهذه؟

هل هذا عدل؟



وليس الأمر كما يظن الزميل من أن كل صفة تتناقض مع الأخرى!! فإن التناقض لا يكون إلا مع اتحاد المحل والإضافات والنسب، وليس هنا من ذلك شيء، ففرق بين متعلقات صفات الرحمة والرضى، ومتعلقات صفات القهر والغضب.


المحل هو واحد و متحد و هو الله. و النسب هي جميعاً مالانهاية. و هذا هو بالضبط ما يضايقني. لا يمكن أن تتواجد صفات لانهائية متناقضة بجانب بعضها في نفس الكيان لأن التضاد يقتضي النقص و المالانهاية لا تنقص.



إذا علم هذا علم أن دعوى التناقض بين صفات الرحمة وتعذيب الكفار في النار خلط عجيب، وقول غريب،


أعتقد أن الموضوع ليس عجيب و لا غريب خصوصاً و إذا كان الله شيء صعب التخيل. من الأحكم هنا أن تقول لي أنك تقدر صعوبة الأمر عليا لأن الإحاطة بصفات الله ليس أمراً سهلاً. و أنا أقل لك هذا لأن أسلوبك يبني سداً كبيراً مع محاورك يجعله يشعر أنه كائن فضائي و أن الوصول إلى حل في النقاش شيء بعيد جداً ... فهو يفكر في "أشياء عجيبة" و "غريبة" على حد قولك ... لا بد أن الأمر معقد جداً إذاً. طبعاً نتيجة هذا الأسلوب أن الطرف الآخر يدرك مدى المسافة الفكرية التي بينه و بينك و بالتالي يخرج من الموضوع بأن إجابة أسئلته ليست عندك. أقول لك كل هذا لأنني أريد أن أوحد الأراضي بيننا على قدر المستطاع للوصول إلى أي شيء. لا يوجد من داع لجعلي أشعر بكل هذه الغرابة. توجد بيننا اختلافات كافية جداً.

نصيحة أخوية: إذا غرضك من كل هذا هو هداية الناس و ليس الخناق و خلاص، يجب أن تصبر و تكون مريح في التعامل حتى تكسب القبول لعل هذا يكون سبباً غي هداية واحد تدخل بسببه الجنة.



سببه عدم تمييز متعلقات الصفات وآثارها في الخلق، وارتباطها بصفة الحكمة الإلهية، التي هي من أعظم صفات الله عز وجل، فيحار الإنسان في كثير من أمره حين يحاول أن يحيط بجميع حكمة الله تعالى في أحد مخلوقاته فضلا عن جميع حكمته في جميع مخلوقاته، وهي حيرة سببها عجز الإنسان عن الإحاطة بكمال الله تعالى الثابت له، مع شهوده حكمة الله تعالى في كثير من مخلوقاته وآياته، لتكون حجة عليه في إثبات الحكمة، والتسليم لله بما لم يحط به لعجزه.


اعتقد أنني تكلمت عن أن اشكالاتي تقع في مرحلة متقدمة قليلاً. و غير ذلك و ذاك ... فأنا تكلمت أيضاً في موضوع آخر أن الإنسان غير مطالب "بالإحاطة" بصفات الله لكي يميز إذا كان هذا الله أم لا. سألصق ما كتبته حقناً للمجهود:

لماذا المسألة بكل هذا التعقيد؟ لماذا لا يكون السيناريو كله سهل الفهم و تكون الأمور الصعبة التصور كلها متعلقة بذات الله نفسها و التي لا دخل لنا بها؟

هل جعْل الموضوع بهذه الصعوبة في التصور له حكمة ما؟ خصوصاً لو كان الموضوع سيجعل ناس كثيرين (مثلي) يؤمنوا و يهتدوا إذا أُجيب عن هذه الأسئلة؟

قد ضربت من قبل في منتدى آخر مثلاً في عدم قدرة تخيل المالانهاية.

لا أحد يستطيع تخيل المالانهاية و لا أنا حتى. لكن، عدم استيعابنا للمالانهاية لا يعني أننا نجهل كل شيء عنها. هناك بعض الأشياء المتعارف عليها و المتفق عليها في المالانهاية. أنا لم و لا أريد أن أتحدث عن الجوانب التي نعجز عن تخيلها. أنا فقط أركز على الأشياء المتفق عليها في المالانهاية.

ما هي الأشياء المتفق عليها في المالانهاية؟ (و التي لا نحتاج تخيلها لكي نستنتجها؟)

1) أنها أكبر بكثير جداً من أي قيمة أخرى محدودة بحيث تجعل الكمية المحدودة هذه بالنسبة لها تقريباً صفر.

2) لا يمكن نقصانها و لا زيادتها حتى لو أضفت عليها مالانهاية أو أنقصت منها مالانهاية.

هذا هو كل ما احتاجه في موضوعي. هذه صفات سهلة الإستيعاب و يمكن على ضوئها تحديد إذا ما كانت قيمة معينة مساوية لمالانهاية أم لا.

و لنجرب فهمنا للخصائص سهلة الإستيعاب علينا التي طرحتها لتوي، ممكن أفترض قيمة و اطبق عليها الإختبار.

عدد المشتركين في هذا المنتدي مثلاً هو 5000 مشترك.

هل 5000 أكبر بكثير جداً من أي قيمة أخرى محدودة بحيث تجعل الكمية المحدودة هذه بالنسبة لها تقريباً صفر؟

لا. لأن الـ 6000 أكبر من الـ 5000.

هل إذا طرحت 50 من الـ 5000 ستنقص الـ 5000؟ نعم.

إذاً، الـ 5000 ليست هي المالانهاية. أنا استطعت استنتاج هذه الحقيقة بدون ما احتاج أن أفهم ما هي المالانهاية، بمعنى آخر، نحن لا نعرف ما هي بالضبط المالانهاية، و لكننا نعرف قطعاً ما هو ليس مالانهاية.

و هذا هو ما أفعله في موضوعي.

إذاً ليس من الضروري أن نكون خارقي التصور حتى نتوصل لإجابة أسئلة سهلة مثل: هل التصرف الفلاني رحيم أم لا؟

كلامك معناه أنني لو كنت غير مقتنع بفكرة العدل الإلهي لعدم قدرتي على الإلمام بها، سيتم محاسبتي و أدخل النار على جحودي و انكاري لله و السبب في ذلك هو عدم قدرتي على التخيل. أليست هذه اشكالية جديدة؟

أنا أقولها الآن: ايماني بالله يفصلني عنه فقط هذه الأسئلة. لو حصلت على اجابات عليها سأؤمن و إن لم أحصل سألحد.

و أنت تقل أنه لا سبيل لي أن أفهم إجابات هذه الأسئلة لأنني محدود التصور.

النتيجة: لن أحصل على الإجابات تلك و بالتالي لن أرتاح أبدأ و سأظل لا أدرياً مثلاً و سأدخل النار.

الإستنتاج: دخلت النار لأنني عجزت عن التخيل.

لماذا لم يخلقني الله قادراً على تخيل هذه الأمور الأساسية؟ بلاش دي.

لماذا لم يجعل هو الإجابة أسهل من ذلك بحيث نستطيع أن نفهمها و نؤمن به من دون الخوض في تعقيدات لا نهائية بحيث يكون الكافر فعلاً هو كافر لأنه عنيد و ليس لأنه يتحجج بعدم الفهم؟ خصوصاً و أن هذه فعلاً مسألة حيوية في مشوار الإيمان و ليس "دلع" مني كأنني مثلاً أقول: "لن أؤمن به حتى يطلعني على كيفية خلق الكون". أنا لم أطلب شيء كبير كهذا و لا يخصني. أنا أطلب شيء صغير و بسيط و يخصني. الله يقول لي أنه عادل معي، و أنا أريد أن أفهم كيف؟ فقط.

أنت تقنعني أنني لا ينبغي أن أفهم كيف. طيب خلاص، ما أروح أبقى بوذي و لا هندوسي و كده كده أنا مش فاهم أي حاجة.



أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.


عزيزي. ألم أتحدث أنا عن موضوع عدم الإجبار هذا؟

طيب أعمل إيه؟

خلاص. أنا سأكتبها بالأحمر و بالخط الكبير لعلها تثبت في أذهان القارئين:

أنا لا أؤمن أن الله يجبرنا على شيء

لو سمحت يا عزيزي لا تذكر لي هذه النقطة. الإشكال أعلى بكثير من كون الإنسان مجبر أم لا. بكثير. أنا لا يهمني إذا كان الإنسان مجبر أم مخير. لا يهمني. ليست هذه القضية. هل رأيتني أسأل: كيف يجبر الله الناس على الأفعال؟

لماذا تردوا دائماً بهذه الإجابة كلما سألنا سؤال عن معرفة الله بالغيب.

هل لمعرفة الله بالغيب أي علاقة بتصرفات الإنسان؟

ما يهمني هو أن معرفة الله تشمل هذه الإختيارات الحرة و لا تهمني الإختيارات الحرة بذاتها. كون الإنسان حر لا يلغي كون الله كان يعلمها قبل أن تحدث. و المشكلة هي أنه كان يعلم و ليست أن الإنسان كان مخير أم مسير.

هل تفهم يا عزيزي مكان الإشكال؟ مكان الإشكال هو شيء أنا و أنت متفقين عليه.

أنا متفق معك أن الله بكل شيء عليم و أنه كان يعلم مصير الكافر قبل أن يخلقه.

و متفق معك أن الإنسان غير مجبر على شيء. و أن الله غير مجبر على شيء كذلك.

الإختلاف ليس في المفاهيم. الإختلاف في قبول هذه المفاهيم.

أنت تقبل أن الله ممكن يعرف أن فلان سيخلد في النار إذا خلقه و مع ذلك خلقه.

و أنا لا أقبل هذا.

و النقاش هو: هل هذا مقبول أم لا.

ليس هل الإنسان مخير أم مسير.



وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:

أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته.

فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره.

وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!


المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة. و أن الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. المقارنة غير منطقية يا عزيزي.

الشمس لأنها مضيئة فالإضاءة تقتضي اشراق نورها على ما حولها.

توازي

الله لأنه (صفات كثيرة) فهذه الصفات تقتضي أن يخلق البشر.

و لكن البشر سيتعذبون و الضوء الصادر عن الشمس لن يتعذب.

الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها.

الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.



وليس الغرض هنا تفصيل الكلام في الحكم المتعددة من خلق الخلق، وإنما يكفينا أن ثبوت صفة الحكمة لله تعالى مبطل لكل تشغيب على علة الخلق، فيكفينا اليقين بحكمة الله تعالى، ثم إذا علمت بعض الحكمة زادنا ذلك علما ومعرفة، ولم ينقلنا من شك وريب إلى إيمان وإسلام لم يكن من قبل! فإن من علم بالدليل القاطع كمال الله وحكمته لا يحتاج بعد ذلك لإثبات حكمته بالسؤال عن كل فعل من أفعاله، فحكمة الله تعالى أظهر من ذلك وأبين.


ثبوت صفة الحكمة؟

صديقي، أنا "لا أدري" و لست مسلماً لكي تقول لي "ثبوت" الحكمة. أنا أريد اثبات أن الله حكيم و لا أتعامل على أن هذه حقيقة واقعة.

أنا لا أفترض أن الله حكيم و رحيم ثم أبني استنتاجاتي على هذا الأساس. أنا أقارن المعلومات المتوفرة لدي عن أفعاله و أقارنها بما أعتقد أنه حكمة و عدل و رحمة.



فإذا استبان ما قلنا، فإننا نعلق على الاعتراضات التي وجهها الزميل (المفتري) على هيئة أسئلة وإشكالات:

فقوله:
ففي هذا دعوى: (أن الله كان معطلا عن أفعاله منذ الأزل ثم في لحظة معينة خلق البشر)
وهذا تصور غير صحيح فضلا عن أن يكون موافقا للدين الإسلامي كما يقول الزميل! وهو خطأ شائع لدى الكثيرين، ولا يكفي شيوعه لتصحيحه كما هو معلوم.

ويكفينا هنا الإشارة إلى الصواب إذ ليس هذا موضع بسطه:

وهو أن الله عز وجل موصوف بالكمال منذ الأزل، ومن كماله ما اتصفه به من الصفات والأفعال الاختيارية كالخلق والكلام والإيجاد والإعدام، والرزق...، وهذه الصفات والأفعال تقتضي متعلقاتها وآثارها.

فلو قدر أنه في كل وقت كان هناك مخلوقات مسبوق كل واحد منها بعدمه، وقبل كل مخلوق مخلوق مسبوق بعدمه، لم يكن في ذلك إثبات قديم مع الله تعالى، وإنما إثبات ما لا يتناهى من الحوادث التي لا أول لها، وكل حادث منها مسبوق بعدمه.

وهذا هو القول الحق الذي يوافق الكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة.

فإن الله منزه عن أن يكون معطلا عن كمالاته منذ الأزل إلى أن خلق الكون بعد ما لا يتناهى من الزمن! فهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة، وبسبب هذا القول الباطل نشأت بدع كثيرة في الكلام على إثبات الأسماء والصفات والأفعال، وترتب على الخطأ ضلال عظيم في بقية أبواب المعتقد، كما عند الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرها من الفرق المبتدعة الضالة، فضلا عن الرافضة المنحلة عن الدين، الزائغة عن الشرع والعقل.


أنا لم أقل أنه كان معطلاً عن كماله. و على العموم ... لن نختلف. موضوع الكون هذا أصلاً ليس هو صلب الموضوع. أنا لا يهمني متى خلق الله الكون أو كيف. أنا يهمني أنه في لحظة ما، لم يكن هناك بشر (و في هذه اللحظة كان الله كامل الصفات و كله تمام) ... ثم بعد ذلك قال الله للملائكة إنه جاعل في الأرض خليفة. أي أنه سيبدأ (أو انتهى لتوه) من خلق آدم و بالتالي الجنس البشري و بالتالي عرض الأمانة عليهم. كل هذه الأشياء ثابتة و لم تتغير و لا علاقة لها بمتى خلق الله من و لماذا؟

كما أنني لم أبني أية استنتاجات على هذه الإفتراضات الخاطئة التي افترضتها. أنا بنيت أسئلتي على ثوابت العقيدة.

عرض الأمانة و العلم و الرحمة المطلقين.



قوله:
جوابه أن يقال:
إن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى، فما الحاجة للاستشارة إذن؟! ثم أن ما يقضي به الله خير للعبد من قضائه لنفسه، وما يضر العبد إلا عصيانه ربه وما يترتب عليه من عقوبة الله تعالى له.


عزيزي. القصد واضح. انظر لسياق الكلام. أكيد أنا لا أقصد أنه "يستشيرهم في شيء" ليستفسر منهم عن شيء. في ماذا سيستشير الله الناس يعني؟ هل كلامي يمكن أن تخرج منه بأنني قصدت أن الله يريد أن يفهم شيء منهم؟

القصد واضح و هو أن الله يجب يعطي لهم حق الإختيار إما بالعودة للعدم أو الإستكمال.



وقولك ( هم كانوا في حالهم في العدم) خطأ واضح، إذ هم في العدم ليس لهم وجود ولا ذات حتى يكون لهم حال! فإن الحال لا تقوم إلا بذات، والمعدوم لا ذات له في الخارج حتى تقول أنهم كانوا في حالهم.


نعم نعم يا صديقي. أنا أعرف أنه لا يوجد شيء اسمه أنهم في حالهم في العدم و هذا اسمه مجاز عن أن كونهم غير موجودين أفضل من كونهم موجودين و يتعذبوا. ثم لماذا تركز على هذه الأمور التي خارج السياق أنا لا أفهم؟ هل تحاول أن تغلطني بأي شكل و خلاص؟ ماذا يضيف للنقاش إذا كان هناك شيء اسمه أن الناس ينفع يكونوا في حالهم في العدم أم لا؟ سواء كان ينفع أو ماينفعش في كلتا الحاتين هو أفضل من التواجد و التعذيب و خلاص. طيب أنا أيضاً ممكن أطلع لك أشياء غير منطقية في ردك و لكنها لا تضيف شيئاً إلا استفزاز الطرف الآخر و خلاص.

يعني أنت في بداية النقاش قلت لي أنني:

"انتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، "

كان ممكن أقول لك: "هو في حاجة اسمها إجابات لها جذور؟ الإجابات أشياء معنوية لا يمكن أن يكون لها جذور!!!"



وأما مسألة إرادة العبد للمسؤولية أو عدم إرادته لها:

فإن العدل والظلم ليس متعلقا بها، وإنما العدل أن يؤتي الإنسان القدرة على الطاعة والمعصية، وتبلغه الحجة الرسالية في ذلك، فإن اختار الطاعة أثيب بالحسنى، وإن اختار المعصية أثيب بالسوأى، فهذا هو العدل والفضل، وهذا أصل المسألة وأسها، لا الكلام عن حال المعدومات المعدومة!


طيب خلاص. ارادة العبد للمسئولية أم لا ليس اسمها عدل أو ظلم. ماذا تحب أن تسمي أنت أن يُحمَل العبد مسئولية من دون أن يوافق على ذلك؟

سميه ما تريد و هيا نناقشه.

أنا لم أتكلم عن حال المعدومات المعدومة =) ... أنا تكلمت عن حال الموجودات الموجودة التي تدخل النار =).

لا أعرف أيضاً ما الهدف من رمي الكلام بهذه الطريقة التهكمية بالإضافة إلى إلقاء علامات تعجب لا تضيف للموضوع شيء إلا اثارة أعصاب الطرف الآخر و جعله أبعد ما يكون عن الاستعداد "للهداية". (لو كان غرضك هو هداية الناس)



وبهذا يعلم الرد على قولك: ( بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي،) . فليس ذلك الفيصل بفيصل في شيء، إنما الفيصل ما سبق ذكره.

ومسألة المشورة التي ذكرها الزميل وبنى عليها عدة أسئلة ونقاشات مختلفة مبنية على أساس خاطئ، بيانه فيما يلي:

أولا: أن الله عز وجل ينزه عن استشارة مخلوقاته لمنافاة الشورى لكمال الله تعالى، وذلك لما سبق من القول أن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى.
ولكن الله عز وجل يخير من شاء من عباده فيما شاء كيف شاء، والفرق بين الاستشارة والتخيير ليس فرقا لفظيا، وإنما فرق معنوي مؤثر كما هو واضح.


طيب أنا كنت قصدي التخيير. أنا آسف =).

كما أن موافقة الإنسان هي للأسف الفيصل بالفعل. ببساطة شديدة لأنه إذا (خَير) الله الإنسان و قال له: "أتريد العودة للعدم أم تريد أن تكمل" ثم اختار الإنسان العدم و تجاهل الله هذا الإختيار، فهذا اسمه ظلم. بلاش ظلم. (شيء سيء) و خلاص. سميه اللي انت عاوره. المهم أنه شيء غير مقبول لا يمكن أن ينسب إلى الله.



ثانيا: أن التخيير حاصل لهم في الدنيا بين الطاعة والمعصية وهذا كاف في إبطال شبهة الظلم كما سبق بيانه.
فإن قال ملحد: قصدت أن يخيرنا الله بعد أن خلقنا في أمر هذه الحياة.
فيقال له: قد كان ذلك بأن خلقنا في هذه الحياة مختارين لطريق الخير أو الشر، فإن أبى إلا التخيير بين الحياة أو الموت، قيل له: دونك الموت فمت، فما يمنعك عن ذلك ما دمت ملحدًا! أهو الخوف من النار؟!


لا يا صديقي. أنا آسف. هذا ليس كاف و لا يبطل أي شيء.

التخيير بعد الخلق لا يحل المشكلة. لأن المشكلة عمرها ما كانت في تصرفات الإنسان نفسه. المشكلة هي السماح بخلقه علماً بمصيره.

امسك صاحبك و ارميه من الشباك من الدور العاشر ثم قل له: أنت الآن غير مقيد و يمكنك أن تفعل ما تريد. أياً كان ما سيفعل، سيسقط أرضاً و يموت. صحيح أنه حر الحركة و يستطيع أن يرفرف و يغني و يركل في الهواء. و لكن كل هذا لن ينقذه. هو سيسقط في النهاية برغم كل شيء و يموت.

ثم ما هو ردك على مثال شركات التأمين؟

و ما هو ردك على الأب الذي يترك ابنه يقفز من الشباك؟



رابعا: أن مطالبة الزميل بأن يخير الله الإنسان بين البقاء أو العودة إلى العدم، تناقض، فإن مجرد خلق الله تعالى للإنسان يستلزم عبوديته لله تعالى، وعبوديته لله تعالى تتنافى مع رفضه خلق الله له واعتراضه عليه، بل يلزمه التسليم بخلق الله تعالى له، ويبقى عليه الإحسان في عبوديته لله تعالى لا الكفر به.


و من الذي جعل الأمر مستلزماً؟

هل الله محكم بقوانين معينة؟

خلق الناس مثلاً و لكنه لا يستطيع اعادتهم للعدم لأنه ملزم بقوانين معينة؟

طبعاً كلامك مضمونه بدون أي مجاملة و لا افتراء (الكلا موجه للإنسان): أنت خلاص اتخلقت من دون تحكمك أو اختيارك و مافيش أي حاجة تقدر تعملها عشان تغير الموضوع ده. فأحسنلك يا حلو تخليك كويس عشان ماتروحش في 60 داهية.



ويكون موضوع التخيير ليس الحياة في عبادة الله تعالى أو العدم!!! وإنما يكون موضوع التخيير العبودية لله تعالى بمحض الإرادة والاختيار كما هو الآن، أم بالانقياد الكوني لله تعالى كما هو حال المخلوقات الأخرى، فلا يخرج الأمر عن عبودية الإنسان لله تعالى.
ولا شك أن الحرية والاختيار الذي وهبه الله للإنسان في الدنيا ليس ظلما، وإنما الظلم ظلم العبد لنفسه حين يسيء الاختيار بعد أن بلغته الحجة الرسالية.


و ما فائدة عرض الأمانة طيب؟

أين "العرض" في الموضوع إذا كان كلامك صحيحاً؟

العرض يحتمل الإختيارات و الدليل أن الجبال رفضت الأمانة و بالتالي لم تحملها.

ما فهمته منك هو أنني طالما موجود الآن فمعنى ذلك أنني قبلت العرض.

طيب بماذا تفسر أنني الآن أرفض هذا العرض؟ أنا أريد العودة للعدم.





خامسا: أن مَثَل ما طالب به الزميل من أمر الشورى والتخيير مثل مولود قال لوالده إنك ظالم! لأنك ولدتني بدون إذني! وكان من حقي لما ولدت أن أخير بين البقاء بينكم أو العودة إلى رحم أمي!! فلو قاله ولد لأبيه لكان قائل ذلك مجنونا، لا لأن والده عاجز عن ذلك فحسب، وإنما لأن ولادته ليست ظلما له، بل لوالده عليه فضل الولادة، وهذا من أسباب بر الأبناء بوالديهم لأنهم سبب في حياتهم، ولا أعني هنا الملاحدة وأبنائهم فإن من العجب أن يكون بينهم بر مع كل هذا الكفر والمناقضة للعقل.
فكيف بمن يقول لخالقه إنك ظالم لأنك خلقتني بدون إذني ولم تخيرني بين البقاء والعدم! فأيهما أقبح اعتراضا؟ المعترض على أبيه أم على خالقه!!


مثال غير دقيق. الأب لا يفرض على الإبن أشياء معينة هو يعرف أنه لن يفعلها ثم يعاقبه على ذلك عقاباً شديداً. الله يفعل ذلك. الأب لا يستطيع أن يعيد الإبن إلى العدم. الله يستطيع. الإبن لو عرف أن أبوه كان يعلم أنه إذا أنجبه لن ينفذ طلباته و بالتالي يعاقب سيطلب العودة للعدم على الفور. لكن الأب لن يستطيع إعادته و لهذا لن يعيده لأن هذا خارج قدرته. الإنسان لو كان يعرف أنه إذا خُلق سيعصي الله و يدخل النار كان سيطالب بالعودة للعدم فوراً. و الله يستطيع أن يعيده و لكنه لن يفعل ذلك بالرغم من أن هذا في قدرته.



سادسا: أن الله خلق الإنسان لعبادته، فإن قال: أختار العدم على عبادتك!!! ألا يكون اختياره قبحا وعصيانا؟!! فكيف يكون المخلوق مخيرا بين الطاعة والمعصية على السواء ثم يكون جزاء من أبى الطاعة وصدف عنها أن يعفى من التكليف؟!!
ثم يكون المكلف المعرض للعقاب عند التقصير هو الطائع دون من اختيار العصيان من أول الأمر؟!


لا. لا يكون قبحاً و عصياناً. العصيان هو أن يفرض عليك الله أشياء ثم لا تنفذها أو تفعل عكسها. و لكن هنا نحن في مرحلة ما قبل فرض الفروض و العصيان. ماذا لو كان هذا الإنسان يرى أنه لن يستطيع حمل الأمانة؟ أليس من حقه شيء كهذا؟ ما هي فائدة السؤال من البداية طيب إذا كان الجواب بالرغبة في العدم هي عصيان في جميع الحالات؟

يعني هو لازم علشان مايبقاش عصيان يوافق الإنسان بالرغم عنه و يدخل النار في النهاية مثلاً؟

ماذا لو كان فعلاً هذا الإنسان سيدخل النار؟ ما قيمة أن يكون رده قبيحاً مثلاً إذا كان هذا الرد القبيح من شأنه أن ينقذه من الجحيم الأبدي؟

باقي ردك سيكون تكرار لما كتبته أنا سابقاً.

أرجو تعليقك على مثال شركات التأمين و مثال الأب الذي طلب منه ابنه أن يقفذ من النافذة و مع ذلك وافق. و أرجو منك الرد علي (إذا سمحت) أن تقرأهم من جديد لتتذكر أبعاد المثال بالكامل.

تحياتي لك.

ناصر الشريعة
12-26-2008, 06:15 PM
حياك الله بهداية الإيمان

قرأت تعليقك فسررت لبعض نقاط الاتفاق فيه، وسوف أضيف ردي هذه الليلة إن فرغت من بعض ما يشغلني الآن، شاكرا لك متابعتك.

ناصر الشريعة
12-26-2008, 09:25 PM
أما نقاط الاتفاق الكبرى التي أشرت إليها، فهي:

أولا: أن علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.

أنا متفق معك أن الله بكل شيء عليم و أنه كان يعلم مصير الكافر قبل أن يخلقه.

و متفق معك أن الإنسان غير مجبر على شيء. و أن الله غير مجبر على شيء كذلك.

ثانيا: أن حكمة الله تعالى وعدله كافٍ في رد إشكال تعذيب المذنبين بعد أن خلقهم الله تعالى.

يا سيدي لو هو خلقهم ثم هم فعلوا هذا فهم لا يستحقوا الرحمة.

ثالثا: لا إشكال فيما يتعلق بخلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار ما دام أنه سيحسن الاختيار كأهل الجنة، وهذا واضح من الحوار إجمالا.



يتبع/ نقاط الاختلاف ...

ناصر الشريعة
12-26-2008, 09:37 PM
وأما نقاط الاختلاف الكبرى فأهمها:

أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

والمسألتان الأخيرتان داخلتان في المسألة الأولى، ولكن أفردتهما بالذكر لاعتناء الزميل (المفتري) بهما.


يتبع/ الكلام على المسألة الأولى من نقاط الاختلاف ...

ناصر الشريعة
12-26-2008, 11:28 PM
المسألة الأولى: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

فإنك أيها الزميل ترى أن مجرد خلق الله لأهل النار مناقض للحكمة والعدل، إلا أن يخيروا في ذلك مع إعلامهم بما سيكون مصيرهم من العذاب حتما، فهذا الفرع الأول للمسألة.

وترى أن الكافر كالمؤمن عند أول خلقه لا يتميز أحدهم عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب، وهذا الفرع الثاني.

وترى أن الخلاص من هذا الظلم لا يكون للكافر إلا بأن يسمح له الله بالرجوع إلى العدم لا غير، لأنه غير حقيق بدخول الجنة مع ثبوت ظلمه وكفره، وهذا الفرع الثالث.

فأما موقفي من هذا السؤال فهو أن مجرد خلق الله تعالى لأهل النار موافق لحكمة الله تعالى وعدله، وأن تخييرهم بين عبادته أو العودة إلى العدم ليس بلازم، ولا هو من مقتضى العدل، بل ينزه الله عن هذا العبث، إذ الله يعلم كل شيء، فإذا كان يعلم أنه سيخلقهم ليخيرهم فيختاروا العدم، فيعدمهم ثانية، فلم لا يقال أن إبقاءهم على العدم الأول هو مقتضى الحكمة والعلم دون الحاجة إلى الإيجاد، ثم الإعدام، بدون تحقق حكمة أو مصلحة، وإنما هو فقط ظهور موجودات لا ترغب في عبادة خالقها، وتفضل العدم على عبادته!

فأين هو موضع الكمال في هذا أيها الزميل؟ ولم لا يكون استمرار العدم الأصلي هو الأولى من هذه السلسلة المتكررة مع كل كافر؟ ويكون عدم هذه الأفراد مع سائر المعدومات أوفق للحكمة؟

ولو أنك قلت: لمَ لا يكون حال الإنسان كحال الجبال التي عرضت عليها أمانة التكليف فأشفقت من التقصير فيها، وأبت أن تعطى حرية الاختيار بين الطاعة والمعصية، واختارت العبودية التامة الدائمة لله تعالى دون صدور مخالفة منها لله تعالى.
لو قلت ذلك لكان قولك أقرب إلى الصواب، ولهذا قال الله تعالى عن الإنسان الذي اختار حمل الأمانة ولم يعتذر منها: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} فالحقيقة هنا أن الإنسان خير فاختار، سواء كان ذلك لكل إنسان إنسان، أو لنوع الإنسان الممثل في آدم عليه السلام.
ولكن الإشكالية هنا أن هذه الحادثة التي تطالب بها، والتي هي واقعة حقيقة كما أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه العزيز: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} هي حادثة لا نتذكرها، ولا نعلم عنها شيئا إلا بإخبار الله لنا، ولهذا لا نطالب أحدا بالإيمان بها إلا بعد الإيمان بما يؤدي إليها من إثبات وحدانية الله تعالى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو الأمر في جميع تفاصيل الغيب التي لا تدرك إلا بطريق الوحي الإلهي.

ولهذا يصير حديثنا ليس في أهمية حصول هذا التخيير، وإنما في إثبات هذه الحادثة لمن لا يؤمن بوجود الله تعالى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنك أيها الزميل إن شئت إثبات حصول هذه الحادثة فلا يمكننا أن نثبتها لك وأنت ترفض نقاش أصول هذه المسألة، ولهذا فإني أدعوك إلى مناقشة هذه الأصول، أو أن تكون مناقشتنا على أساس موقفنا الإسلامي الذي تورد الإشكالات عليه باعتبارك لا أدريا، فانظر ما تراه الأنسب لك لمواصلة هذا الحوار الممتع.

ولنفرض أنك مهتم الآن بمناقشة موقفنا الإسلامي على ما هو عليه، وأنك تصب الإشكالات على ما نقوله ونعتقده بغض النظر عن رأيك الذي هو في حقيقته ليس رأيا لك وإنما شكوك لا أدرية تعرضها للبحث والنظر.

فإن سلكنا هذا الطريق، فلعلك تقول: ما الفائدة من التخيير إذا كنا لا نشعر به الآن؟ وكيف هي حقيقته وكيفيته؟ ولماذا لا نتذكره ولا نحس به؟
فأقول لك: إن هذه الأسئلة تفترض أن الغيب لا بد أن يكون مشاهدا حتى ننتفع بمعرفته، وهذا قلب للحقائق، فالحقيقة كما قلنا أن ذلك التخيير غيب، وأنت تطالب بأن يكون مشاهدا، فيصير التخيير غيبا مشاهدا وهذا تناقض. مع أن الفائدة متحققة بإعلام الله لنا بحصول التخيير لنعرف مظهرا من مظاهر ابتلاء الله للإنسان وما فيه من عدل الله في خلقه، ويكون في إيماننا بذلك زيادة علم وإيمان، كما هو الأمر في الإيمان بجميع تفاصيل الغيب التي لا تدرك بمجرد العقل دون إخبار الوحي.

والمهم هنا ليس الخوض في كيفية التخيير، وإنما يكفينا حصوله حسب موقفنا الإسلامي الذي نفترض أنك تناقشه وتورد الإشكالات عليه، وجميع ما قد تعترض به على حصول التخيير إنما هو راجع إلى الكيفية، وليس إلى التخيير في نفسه، وبما أننا لا نعلم من كيفية التخيير ما إذا كان وقع لكل إنسان إنسان، أو للنوع الإنساني ممثلا في آدم عليه السلام، فلا يمكن أن نتجادل في كيفية مجهولة لجميعنا، إلا أن نقول على سبيل السبر والتقسيم أن التخيير:

إما وقع لكل إنسان، لا سيما إذا راعينا ما بقي في كل إنسان من الفطرة التي هي من أثر حادثة الإشهاد التي هي غير حادثة التخيير وعرض الأمانة، إلا أنها تشير إشارة ما إلى أن الأمر في التخيير كالإشهاد من حيث عموم الخطاب للجميع، فيزول حينها بعض الإشكال عندك أو كله.

وإما وقع لآدم عليه السلام، فنقول إن وقوعه من آدم وهو أبو البشر كان منه بمقتضى الطبع الإنساني، كما كان أكله من الشجرة التي نهي عنها من مقتضى الطبع الإنساني وهو النسيان، فلا يكون في ذلك افتئات على ذريته من بعده، ولو فرضنا أن من ذريته من سيكون خياره كخيار الجبال والسموات فلن يكون إلا لكمال وصلاح في نفسه لا لفساده وخبثه وسوئه كما هو حال الكفار والعصاة الذين خلق الله لهم نارا تناسب خبثهم وفسادهم.

وقد يقول قائل: ما الذي حمل آدم عليه السلام على اختيار حمل الأمانة، أما كان أعلم وأحكم من ذلك؟
فيقال: إن فعل آدم عليه السلام ليس منافيا للعلم والحكمة، لا سيما إذا راعينا أن وصف الجهل والظلم قصد به من ذكرهم الله فيما بعد من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات دون من آمن وأصلح، وإن قصد به آدم فليس ذلك بوصف لازم له، وإنما هو كوصف المعصية الزائل عنه بعد تقبل الله توبته منها فأحدثت له بعد ذلك رحمة من الله تعالى.

ولعل الحامل لآدم عليه السلام على ذلك هو علمه بأن المعروض عليه من الأمانة إنما هو شرف عظيم يحبه الله تعالى من القائمين به على وجهه، ويثيب عليه الثواب العظيم، فأراد آدم عليه السلام أن يتعرض لنفحات كرم الله تعالى، وينال مكرمة الله تعالى له هو وذريته من بعده، كيف لا؟ وقد فضله الله على الملائكة بما علمه من العلوم، حتى أسجدهم له تكريما وتشريفا لشأنه، وخصه بدخول جنته ودار كرامته، وهذا على فرض أن عرض الأمانة عليه كان بعد نيله ذلك التكريم والتشريف، وأما على فرض سبق ذلك إن قيل به فيكون مما خص الله به آدم عليه السلام من خلقته على ما ظهر منه فيما بعد عند تعليمه الأسماء وإنبائه الملائكة بها.

فإن قال قائل: وما ذنب العصاة من ذريته وهم الأكثرون أن أختار أبوهم آدم ما هو الأصلح له وللأقل من بنيه؟
فيقال: ليس ذنبهم اختيار أبيهم، وإنما ذنبهم تركهم ما هو مقدور لهم من الطاعة التي علموا أمر الله بها، وفعلهم ما هو مراد لهم من المعصية التي علموا نهي الله عنها، فذنبهم هو من فعلهم وتركهم، لا من اختيار أبيهم آدم عليه السلام، وكانوا قادرين أن يكونوا كأبيهم صالحين، ولكنهم أعرضوا عن ذلك، وعقوا أباهم، وسلكوا طريق عدوه إبليس، وخطو خطواته حتى أرداهم في الجحيم، فعجبا كيف يجنون على أنفسهم ويجني عليهم إبليس ثم يلام على ذلك آدم عليه السلام؟!

وإذا كنا لم نخرج من مسألة التخيير بغير موافقة الإنسان على حمل الأمانة، وكانت هناك حادثة أخرى غيرها وهي إشهاد الله آدم وذريته على توحيده جلَّ وعلا، فما أثر هذه المسألة على حياتنا؟
فيقال: إن أثرها على حياتنا ظاهر في أمر نشعر به جميعا وهو اضطرار القلب والشعور إلى الفكر في وجود خالق لهذا الكون، وهو اضطرار قلبي لا يمكنه دفعه عنه مهما أقنع المرء نفسه أنه لا إله، واضطرار العقل إلى البحث في ذلك والجدل فيه بالحق أو الباطل، وهذا ما نسميه دليل الفطرة، وهي مهما حرفت وبدلت لا تزول بالكلية عن الإنسان بل تبقى على قدر ما فيها، ولها صحوات حتى في أكثر الناس إلحادا وكفرا كفرعون وعباد الأوثان والأصنام لا سيما عند الشدائد والأهوال.

فإذا قال قائل: ولم لم يكن علمنا بحادثة التخيير وحادثة الإشهاد أعظم وضوحا، وأجلى بيانا من مجرد الشعور الذي يخبو عند أكثر العصاة، ولا يكاد يتنبه له إلا في الشدائد، أما كان الأولى أن يكون علمنا بذلك من الأمور التي هي في حكم المعاينة وإن كانت غيبا في الوقت نفسه؟
فيقال: هذا صحيح لو كان المراد أن لا يقع من العبد عصيان، ولكن وجود العصيان مراد لله تعالى كونا لا شرعا، وهذه مسألة من أهم المسائل التي ينبغي أن تعلم في هذا الموضوع.

فإن إرادة الله عز وجل نوعان:
النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية: وهي خاصة بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الصالحة، فلا يكون الكفر والعصيان مرادا لله شرعا ودينا، ولكن هذه الإرادة لا تتحقق إلا في الطائع، وأما العاصي فإنه مخالف لإرادة الله تعالى الشرعية ولدينه بما شاءه الله تعالى كونا من إقداره على الاختيار الحر.

النوع الثاني: الإرادة الكونية القدرية: التي بمعنى (كن) فيكون، وهي شاملة لكل ما هو مخلوق سواء كان خيرا أو شرا، ولا يخرج شيء في الوجود عن هذه الإرادة الكونية، ولا يطيعه طائع ولا يعصيه عاص إلا بإذنه وإرادته الكونية القدرية، وهذه المرادات للإرادة الكونية تنقسم إلى محبوب لله مراد له شرعا ودينا، ومكروه لله مبغوض غير مراد له شرعا ولا دينا.

فإذا تبين هذا علمنا أن عدم ذكر الإنسان لحادثتي التخيير والإشهاد فيه حكمة عظيمة، وهي عدم إلغاء حرية الاختيار للإنسان بين الطاعة والمعصية، لأنه إذا كان العبد في صورة المشاهد للغيب حكما لا حقيقة فإن المعصية تكون حينها متعذرة على العبد، وتعذر التخيير بين الشيء وضده مسقط للتخيير رأسا، فتكون طاعته لله ليست باختياره وإنما هو ملجأ إليها، والملجأ لا يستحق ثوابا ولا عقابا لفقد إرادة الاختيار، والأصل أن الإنسان قادر على الاختيار معرض للثواب والعقاب بخلاف السماوات والأرض والجبال التي اعتذرت عن هذا التخيير خوفا وإشفاقا من التقصير، ولو لم يكن هناك إلا الطاعة لما كان هناك معنى لإشفاق هذه الجمادات من حمل الأمانة العظيمة.

فعلم أن عدم ذكر الإنسان لحادثتي التخيير والإشهاد مؤدٍ إلى كمال حرية الاختيار للعبد، وأن المطالبة بأن يكون الإنسان في غاية العلم بها كأنه مشاهد لهما مسقط للتخيير رأسا، وهذا مخالف لأساس النقاش كله، وهو المطالبة بالتخيير.

وأرجو أن يكون الكلام في مسألة التخيير والإعلام واضحا بعد الذي ذكر، حتى ننتقل إلى ما بعدها بحول الله وقوته.


يتبع/ الكلام على الفروع الثلاثة من المسألة الأولى بإذن الله تعالى ...

المفتري
12-28-2008, 06:42 AM
أرجو من الزميل أن ينتهي من الفروع الباقية أولاً لأتمكن من الرد بشكل كامل.

مراقب 1
12-28-2008, 11:54 PM
الزميل المفترى

تأنى حتى يأتيك رد ناصر الشريعة كاملًا ثم ضع مداخلاتك لكى لا تقطع تسلسل رده ، مداخلتك التى وضعتها تم حذفها مؤقتًا ومحفوظة عندنا إذا أردت استرجاعها ارسلتها لك ، ولا داعى للعجلة فالموضوع بإذن الله لن يطير .

المفتري
12-29-2008, 12:01 AM
لا توجد مشكلة. أنا فقط ظننت أن التأخر سببه أنه ينتظر ردي.

ناصر الشريعة
12-29-2008, 06:55 PM
نعم أيها الزميل، إن شئت أن ترد على ردي بعد استكماله فهو أوفق وأحسن، وأرجو أن يتسع صدرك لانشغالي بعض الوقت عن إضافة ما عندي، وأرجو أن أفرغ مما يشغلني قريبا إن شاء الله تعالى، وإن شئت أن تكتب ردك على كل مشاركة دون انتظار لتكملتها فلك ذلك، على أن أعقب عليها حين أنهي بقية تعقيبي على مشاركتك السابقة.

ولقد رأيت أن لا أكتفي باختصار القول دون أن أجعل معه من الشرح والتوضيح ما يزيده توكيدا وبرهانا، وأرجو أن ترى في ذلك مثل الذي أرى، والله الموفق لكل خير.

ناصر الشريعة
12-29-2008, 07:30 PM
أما الفرع الأول وهو ( أن مجرد خلق الله لأهل النار مناقض للحكمة والعدل، إلا أن يخيروا في ذلك مع إعلامهم بما سيكون مصيرهم من العذاب حتما) :

فقد تبين مما سبق من الكلام في التخيير والإعلام أن استحضار الإنسان له الآن مناف للحكمة من الابتلاء والاختبار، ومبطل لهما، وصائر بالإنسان إلى حال الجمادات التي أبت القدرة على العصيان والإرادة المتعلقة به، فلا يجتمع الاختبار والابتلاء مع ذهول القلب في مشاهدة موقف التخيير والعرض واستحضاره له في حياته الدنيوية، وإنَّ في ذلك من البعد عن الحكمة كالذي في شهود الإنسان الجنة والنار حتى يراهما رأي العين، ثم يقال له إنك مخير بين الطاعة والمعصية في دار التكليف، فإن هذا من أبعد ما يكون عن حكمة التكليف، ولا يتصور فائدة للتخيير والعرض بعد أن صار الإنسان يشهد دار الجزاء بعينيه، فيكون حاله كحال من يذهل من شدة الهول عن الفكر والنظر والاختيار.

فإن قال قائل: ألستم تقولون أن أهل الفترة يمتحنون في عرصات القيامة، والنار قد زمت أمام أعينهم بسبعين ألف زمام، بل ورد في بعض الأخبار أنهم يمتحنون بالنار نفسها، فكيف يكون هذا من حكمة الله تعالى مع مشاهدتهم للنار، ويكون وقوع مثله في الدنيا مناف لحكمة التكليف إن شهدوا النار أو استحضروا حادثة التخيير والعرض أو الإشهاد؟

فيقال: أما ما ذكرت من حال أهل الفترة فصحيح في أنهم يمتحنون في عرصات القيامة والله أعلم بكيفية ذلك، ولكنه ليس من امتحان التكليف في شيء، وإنما هو من إظهار علم الله فيهم بما كانوا فاعليه في دار التكليف لو بلغتهم الحجة الرسالية بلوغا صحيحا، ولهذا فإنه ليس في ذلك تكليفهم بشيء مع معاينتهم الغيب، وإنما هو ظهور ما كان سيكون منهم في دار التكليف حال كونهم غير معاينين للغيب، وذلك بعد سماعهم الحجة الرسالية. فلم يجتمع هنا التكليف ومعاينة الغيب، وإنما أظهر الله حالهم في دار التكليف لو بلغتهم الحجة الرسالية، فيكونون فريقين، فريق كان سيختار الإيمان في دار التكليف فيظهر إيمانه في دار الجزاء، وفريق كان سيختار الكفر في دار التكليف فيظهر كفره في دار الجزاء، فأين الجمع بين التكليف والمعاينة للغيب إذن؟

فإن قيل: قد زعمت أن مجرد خلق الله لأهل النار موافق للحكمة والعدل والفضل، ولم تذكر حكمة ولم تبين شيئا من أمرها، وما ذكرته مجرد دعوى لا يعرف لها معنى، ولا نسلم لك بها حتى يتضح لنا معناها، ويتبين لنا أمرها.

فيقال: إن الحكمة من خلق الله لأهل النار لها تجليات وظهورات عامة وخاصة، فأما العامة فباعتبار جنس أهل النار الذين خلقوا لأجلها، وأما الخاصة فباعتبار كل فرد فرد من هذا النوع الناري.

فأما الحكمة المتعلقة بخلق جنس أهل النار فإن منها ما هو راجع إلى ثلاثة أمور:


الأول: ظهور مقتضيات وآثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله:

فإن كمال الله عز وجل أزلي لله غير مكتسب من خلقه، ولو قدر عدم جميع المخلوقات لما نقص ذلك من كمال الله الذاتي شيء، ولكن كمال الله تعالى يترتب عليه ظهور آثاره في غيره، (ولهذا كان القول بنفي حوادث لا أول لها باطلا، لما يترتب عليه من نفي مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، مع التوكيد على أن كل حادث من هذه الحوادث مسبوق بعدمه، فلا يكون مع الله ما هو قديم أو أزلي الوجود، وإن قدر قدم النوع، فالنوع ليس بشيء في الخارج، وإنما هو كتقدير زمن أزلي، مع أنه لا وجود في الخارج إلا لحركات حادثة شيئا بعد شيء).

فإذا علم هذا، علم أن من كمال الله تعالى أن يخلق المتضادات في الوجود والخير والشر والجزاء، وأن في وجود كل ذلك أثرا من آثار كمال الله تعالى، فيكون في خلق أهل النار أثرا مقتضى من كمال الله تعالى في قهره وعدله، فيجري حكم قهره على من هو أهل لوقوع ذلك عليه، كما يجري حكم عدله في عقوبة من أساء وظلم من خلقه، ولا يكون الظهور الكامل لذلك بغير وجود من يستحق الجزاء بالعقوبة الملائمة لجرمه، فإذا كان فضل الله على البشر في الآخرة متمحضا لأهل الجنة، فإن العدل في عقوبة أهل النار أولى أن تتمحض لأهل النار بعد أن لم يكونوا أهلا لفضله.
والكلام على آثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله ومقتضياتها في خلقه أهل النار كلام طويل جدا يحتاج إلى ذكر كل اسم وصفة وفعل يظهر أثرها في خلق هذا الجنس، ومن تدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله تبين له عظيم كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وعدله، وعلم حقيقة قوله تعالى: {مالك يوم الدين} وما تضمنه من مقتضيات ولوازم ملك الله عز وجل في خلقه.


الثاني: ما يترتب على خلق أهل النار من الخير والصلاح لأهل الإيمان في عاقبة أمرهم:

فإن في خلق أهل النار وعداوتهم لأهل الإيمان وما بينهم من مقال وقتال خير وصلاح لأهل الإيمان بما يعقبهم إياه صبرُهم وصدق إيمانهم وثباتهم على الحق رغم فتنة الكافرين، وديمومتهم على طاعة الله تعالى مناكفة لوسواس الشياطين من الإنس والجن، وفي خلق أهل النار ابتلاء عظيم للمؤمنين حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر من كان إيمانه عن تصديق لا عن تقليد الأسلاف بلا بينة ولا برهان، ولو لم يخلق الله أهل النار في الدنيا لما كان هناك معنى للأمانة المحمولة من الإنسان في هذه الدار، إذ لا معنى للأمانة إلا إذا قام بها صاحبها وهو يملك أن يخون إذا شاء رغم وجود دواعي الخيانة، أو كان بتلك المثابة عند بعض السامعين، فلا يقال لشخص وضع لديه مال وهو أشل أعمى أبكم أنه حافظ للأمانة، وإنما يقال للمرء أنه أمين إذا لم يخن وهو قادر على الأمرين، ودواعي الأمانة والخيانة قائمة من حوله، أو كان بمثابة ذلك عند السامع، وإذا كان لا يوجد للخيانة معنى ولا أهل، فكيف يقال أنَّ هناك أمانة وأمناء، وهل ذلك إلا كقول أن الحجر أمين لأنه لا يقدر على الخيانة!

فكان في خلق أهل النار تحقيقا لمعنى العبودية لله تعالى، وإظهار المؤمنين على الكافرين، ونصر أهل الحق على الباطل، وإعزازهم وإعظام أمرهم ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وتعظم هذه الحكمة بربطها بالحكمة السابقة حيث يكون في نصر أهل الحق على الباطل ظهورا لآثار أسماء الله تعالى وصفاته المقتضية النصر والتمكين للمؤمنين على الكافرين، وظهور رضاه ورحمته بأهل طاعته، وغضبه ونقمته على أهل معصيته.


الثالث: تسخير الله لهم كما سخر ما في الأرض لعمارة هذه الدنيا:

فكما أن الله عز وجل خلق في الدواب والهوام ما هو نافع وضار، وجعل في ذلك حياة الكائنات وتوازنها واعتدال أمرها، فكذلك كان في خلق أهل النار حكمة ظاهرة، لما يترتب عليه من سعيهم بمقتضى البشرية والطبيعة الجبلية إلى السخرة في هذه الأرض لحفظ حياتهم والتكاثر بأملاكهم وأولادهم، فيعمرون الدنيا بخراب آخرتهم، ويبنونها ليسكنها غيرهم بعد فنائهم، ولما أبوا أن يكونوا عبادا لخالقهم، جعلهم عبيدا للأرض ومن عليها، فيكدحون في هذه الدنيا كدحا يضنيهم ويشقيهم من أجل متع فانية، ولذاذات زائلة، وحظوظ ذاهبة.

فكان خلقهم في الأرض كإيجاد الخادم للدار، يعمرها بكده ونصبه وهو لا يملكها، وتعرض عليه قصورٌ خير من تلك الدار ليسكنها باسمه فيرفضها ويختار عليها البقاء في رسم الخدمة لغيره من المخلوقين الفقراء حيث لا ينتهي كده ولا يرتقي في درجته عن منصب الخادم الأجير للدار الحقيرة! هذا والدار لو قورنت بتلك القصور العظام لصارت أشبه بالخراب بل هي الخراب بعينه!

فما أنفع خلق أهل النار للأرض، مع ما سخره فيها من دواب الأرض وهوامها النافعة بضررها!


فتبين بهذه الأمور الثلاثة بعض حكمة الله تعالى في خلق جنس أهل النار، وحكمة الله أوسع من أن يحيط بها علم أحد من خلقه.



وأما الحكمة المترتبة على خلق كل فرد فرد من هذا النوع الناري:

فهي أوسع من أن يحصى الكلام فيها، إذ أن كل فرد من هذا النوع يظهر في خلقه من حكمة الله تعالى أمور كثيرة هي تفصيل للأمور الثلاثة العامة لجنس الكفار.

فمن ذلك أننا لو مثلنا للحكمة في ذلك بخلق الله لفرعون، فسيظهر لنا من بعض حكمة الله في خلقه أمور منها:

ظهور مقتضى اسم الله تعالى (الأعلى) حيث أظهر الله علوه على خلقه بمجازاة من أنكر وجوده وعلوه بالإغراق في اليمّ، معاقبة له على قوله {أنا ربكم الأعلى} فجعله الله الأسفل.

وما في خلقه من ابتلاء واختبار لبني إسرائيل وأهل مصر، فصار سببا في زيادة ثواب المؤمنين المحسنين، وتمييزا لهم عن المفتونين الخاسرين.

وما في خلقه من إظهار لعدل الله تعالى في عقوبته على ظلمه وبغيه في الأرض، وعلم أن بطش الكافر لا يحول بينه وبين عاجل نقمة الله عليه.

كما كان في خلقه لفرعون ظهور فضيلة موسى عليه السلام في مقارعته له بالحجة والآيات، وصموده بالحق أمام كفر الكافرين من علية القوم وأرباب الكفر.

وكان فيه إظهار عجز الكافر في أمره حتى أنه يسخره لحفظ المؤمن من حيث لا يشعر، فقد ربِي موسى عليه السلام في بيت فرعون أمام عينيه وسط داره وأهله، فإذا نهاية أمره وخاتمة ملكه على يديه.

وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي تتعلق بخلق فرعون، فضلا عن خلق كل واحد واحد من أفراد أهل الكفر.

فسبحان الله عز وجل ما أحكمه وأعلمه وأقدره، وما أعجز الإنسان عن أن يحيط ببعض حكمة الله تعالى في بعض مخلوقاته فضلا عن جميع ذلك!


يتبع/ الكلام عن الفرع الثاني بإذن الله تعالى ...

المفتري
12-29-2008, 08:03 PM
أرى عزيزي أنه يجب بالفعل مناقشة ما سبق لأن الكلام كثير و هناك أشياء يجب أن أوضح لك أني غير مختلف معك فيها حتى نختصر الكلام عن تفاصيلها.

أنا ليست عندي مشكلة أن ينسى الإنسان حادثة التخيير.

إذا سمحت، أريد أن أضع ردي على الفرع الأول لننتهي منه و لتعرف أنت تفاصيل أكثر فيما أتفق معك و اختلف معك فيه.

و لنأجل الكلام عن الفروع الأول و الثاني لحين الإنتهاء من المسألة الأولى.

هل تسمح؟

ناصر الشريعة
12-29-2008, 09:12 PM
أفضل أن تعرض ما تخالفني فيه بعد أن تعرف بقية ردي على مشاركتك السابقة، وقد وضعت لك مخطط ردي عليك في المشاركة رقم 8# (http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=112542&postcount=8)، وأظنك لا تخسر شيئا إن أرعيت سمعك لما سيقال، ومن جهتي سألخص لك الرد كله في نهايته حتى يمكنك الرد على ما ذكرته وتصوره جيدا إن كانت هناك مشكلة لديك مع إفاضة الشرح.

وأحب أن ألفت نظرك إلى أنه ليس جميع ما ذكرته يكون بالضرورة مخالفا لما تقوله، وإنما قد يكون من الحقائق التي توافقني عليها، وإنما أحتاج إلى ذكرها لتوضيح الجواب على نقاط الاختلاف بيننا، فلا يكون هناك من حاجة لمطالبتك بعدم ذكرها لأنك لا تخالف فيها، فأرجو أن لا يضيق صدرك كلما رأيت ذكر نقطة اتفاق بيننا.

وأذكرك بأهمية معرفتك بتكملة الرد، ومن ضمنها الفرعين المتبقيين على المسألة الأولى:

وترى أن الكافر كالمؤمن عند أول خلقه لا يتميز أحدهم عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب، وهذا الفرع الثاني.

وترى أن الخلاص من هذا الظلم لا يكون للكافر إلا بأن يسمح له الله بالرجوع إلى العدم لا غير، لأنه غير حقيق بدخول الجنة مع ثبوت ظلمه وكفره، وهذا الفرع الثالث.

ومثل هذين الفرعين هما من أهم ما يتبين بهما الكلام في المسألة الأولى، ويكون ردك على فرع المسألة الأول بدونهما ردا ناقص التصور، وهذا ما لا أظنك ترضاه لنفسك لمجرد العجلة في الرد.

هداك الله وأرشدك من حيرتك إلى يقين الإيمان بالله تعالى.

المفتري
12-29-2008, 11:12 PM
أنا لست "متعجلاً" على الإجابة. أنا فقط أريد أن أختصر عليم الكثير من الأشياء.

على العموم، انتهي من ردك كله و سأرد أنا.

خذ وقتك.

ناصر الشريعة
12-31-2008, 07:12 PM
الكلام على الفرع الثاني من المسألة الأولى وهو:
هل الكافر كالمؤمن عند أول خلقهما لا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب؟

فيقال في جواب ذلك:
إن بينهما ها هنا موضع اشتراك وتساوي وموضع افتراق واختلاف:



فأما موضع الاشتراك والتساوي بين المؤمن والكافر فهو:

- ما جعله الله فيهما من القدرة والإرادة المخلوقتين التي يمكن العبد بهما أن يختار ما يشاء من الخير أو الشر.

- وما هدى الله به المؤمن والكافر من الدلالة والإرشاد العام إلى تمييز الخير من الشر، والطاعة من المعصية، والهدى من الضلال.
وهذا الهدى والإرشاد العام حاصل بالحجة الرسالية التي يترتب على التكذيب بها العقاب، وهناك حجج أخرى لا تستقل عن الحجة الرسالية بترتب العقاب عليها بمجردها رغم ظهور الحجة بها، وهي حجة الفطرة، وحجة العقل، وحجة الآيات الكونية.

فجميع ذلك مشترك بين المؤمن والكافر عموما، وإذا لم يحصل للكافر ذلك فإنه لا يعاقب ولا يعذب وإنما يكون من أهل الفترة، وقد سبق الكلام فيهم هنا وفي غير هذا الموضوع كثيرا.

وموضع الاشتراك والتساوي هذا هو من مقتضى عدل الله تعالى في خلقه، فإن من عصاه وكفر به لم يفعل ذلك مكرها بغير إرادة منه ولا اختيار، وإنما فعله بإرادته واختياره، وهذا أمر يسلم به الزميل هنا، فيلزمه الإقرار بعدل الله في خلقه الكفار على هذه الصورة التي لا ظلم فيها لهم بعد أن مكنهم مما مكنهم فيه من قدرة وإرادة تامتين يترتب عليهما أفعالهم التي هي باختيارهم وإقدار الله لهم على ذلك.
وبثبوت هذا القدر المشترك بين المؤمن والكافر لا يكون هناك مجال لنفي عدل الله تعالى في خلقه هذين النوعين.


وأما موضع الافتراق والاختلاف:

فهو أن الله عز وجل خصَّ بمقتضى فضله وحكمته من شاء من عباده بقدر زائد على ما هو مشترك بينهم بمقتضى العدل، وهذا القدر الزائد هو فضل الله تعالى، والفضل زيادة على العدل، وليس هو ضدا للعدل ولا نقيضا له حتى يكون ظلما، فإذا تفضل الله على بعض عباده بالتوفيق لطاعته كان ذلك من الله كرم وجود، لا حقا أوجبه عليه أحد من خلقه، فإنه لا يوجب أحد على الله شيئا، وإنما يوجب الله على نفسه ما يشاء تكرما منه وفضلا.

فمجرد تفضل الله تعالى على من شاء من خلقه لا يترتب عليه ظلم، إذ ما يكون فيه التفضل غير ما يكون فيه العدل والتساوي، وقد ثبت أن موضع الاشتراك والتساوي واقع فيه العدل على كماله، فأما ما هو موضع الفضل فلا يتطرق إليه ظلم البتة.

فإذا علم أن مجرد تفضل الله على من شاء من عباده لا ظلم فيه، فنقول إنَّ هناك أمرا أعظم من ذلك، وهو أن فضل الله تعالى على من شاء من عباده هو من مقتضى حكمته وعلمه وقدرته ومشيئته، فظهرت هنا للناظر كمالات عظيمة في تفضل الله على من يشاء من عباده، فكيف يقال بعد ذلك إن تفضل الله على المؤمنين ظلم للكافرين؟!

ومتى كان ما هو فضل من الله حقا لعبد من عباده استحقه العبد لذاته وصفته دون ابتداء فضل من الله عليه؟! وإنما جميع ذلك فضل من الله ابتداء وانتهاء، وكل ما بالعبد من أسباب تجعله محلا لفضل الله تعالى فهو من فضل الله عليه أولا. فهذا في العبد الذي فضله الله كرما منه وجودا، لا يكون مستحقا على الله فضلا لم يتكرم الله به عليه، فكيف يُعترض بعبد آخر لم ينل فضلا أصلا مستحقا له أو غير مستحق حتى يقال أنه مستحق للفضل لذاته ولمجرد وجوده؟! فإذا كان المؤمن لا يستحق لذاته على الله فضلا من غير تكرم الله به عليه، فمن باب أولى أن لا يكون غير المؤمن مستحقا لذلك الفضل على هذه الصفة.

وما ذكرناه هنا هو موضوع مسألة (هداية التوفيق) وضدها (خذلان الله للكافر والعاصي)، والمقصود بها أن الله:

- يوفق من شاء من عباده للإيمان والطاعة فضلا منه ورحمة.
- ويخذل من شاء خذلانه من أهل الكفر والمعصية فيواقعون الكفر والمعصية بمقتضى أنفسهم الأمارة بالسوء المعارضة للشرع المخالفة لأمر الله ونهيه الشرعي.
ووقوع ذلك منهم هو باختيارهم وإرادتهم وقدرتهم رغم وجود دواعي الإيمان والهدى وقيام الحجة الرسالية عليهم، فأعرضوا عن دواعي الهدى إلى دواعي الردى والكفر والعصيان واتبعوا أهوائهم وفعلوا ما نهاهم الله عنه.


ولا تخلو هذه المسألة كلها من سر عظيم من أسرار ربوبية الله تعالى وحكمته:

فإن في تخصيص كل جنس بما هو محل له من الأفعال والأحوال حكمة لا يحيط بها غير العليم الحكيم، وقد كفانا ما علمناه من آيات حكمة الله تعالى في خلقه وشرعه دليلا وبرهانا على حكمة الله تعالى فيما لم تطقه عقولنا، ولم تبلغه مداركنا، وحكمة الله ثابتة لا تنكر، وأما تفصيل حكمة الله في كل شيء فلا يدعي أحد الإحاطة به، ومن ادعى ذلك كفر، لأنه دعوى للغيب والإحاطة به، وهذا مما يختص به من وسع علمه وحكمته كل شيء، فلا إله إلا الله، ولا حول لنا ولا قوة إلا بالله تعالى.



فإن قال قائل: إنك بذلك تلغي عقولنا، وتأمرنا بأن نسلم بما لا نعقله، وتجيبنا على أسئلتنا عن الحكمة بما لا جواب فيه إلا الإخبار بالجهل والعجز؟
قلنا: من جهل أتيت، فمن ألغى العقل هنا أو أجاب بالجهل؟! وإنما أعملنا العقل غاية الإعمال في النظر في آيات الله الكونية والشرعية، فرأينا دلائل حكمته مدَّ البصر، ورأينا منها ما لا يحصيه بشر، وتكررت براهين حكمته حتى تقرَّرت وأيقنت بها قلوب العارفين، فإذا علم العقل كل ذلك ثم خفي عليه وجه من وجوه الحكمة في دقيق الخلق وعظيم الصنع أينقلب العقل عندها عن يقينه بالحكمة التي علمها إلى جحدها وإنكارها؟! أم أنه يعرف بما علمه مما لا حصر له من براهين الحكمة أن ثَمَّ حكمة هناك في الذي قد خفي عليه أمره؟

فمن يكون هنا معملا عقله:
- أمن أنكر جميع ما قد أقره العقل من حكمة الله تعالى لأجل جزئية من غيب لم يشهده عقله ولم يصل في شأنه إلى حقيقة أمره؟!
- أم من سلَّم بما سلم به العقل من براهين حكمة الله تعالى فيما علمه مما لا حصر له ولا عد، ثم وقف عند ما لم يبلغ العقلُ نهايةَ أمره فعرف أن وراء ذلك ما يحاول العقلُ معرفتَه دون أن يقطعَ فيه بشيء إلا أن هناك حكمة مخفية تشهد عليها الحكم الظاهرة في كل مظهر من مظاهر تجلياتها في العالم العلوي والسفلي؟
بل الآخذ بحكم العقل والمعمل له هو الثاني بلا شك، لأن العقل قد هداه إلى إثبات الحكمة للخالق الجليل فلم يجحد بينة ذلك، وقد هداه عقله أيضا إلى معرفة ما للعقل من قدرة على الإدراك وما لا تتعلق به هذه القدرة مما ينقطع عن بلوغها بشهادة نفسه على نفسه، فردَّ ما لم يبلغه عقله إلى ما عرفه من عدم كمال قدرة العقل، ولم يجحد ما أثبتته براهين الحكمة الظاهرة من عظمة الحكمة المستترة عن الأنام.


فإن قال قائل: إن حاصل كلامك أنك تجهل حكمة الله تعالى في توفيق عبد للإيمان وخذلان عبد بالكفر؟
فيقال: ليس الأمر على جميع ما توهمته، وإنما في ذلك تفصيل يتبين به الحق، وهو أننا نعلم من حكمة الله في ذلك ما نعلمه بغير إحاطة بجميع حكمة الله تعالى، فيكون علمنا بما علمناه منها شاهدا من براهين كمال حكمة الله تعالى، ويكون جهلنا لما جهلناه منها وعجزنا عن الإحاطة بها شاهدا من براهين كمال حكمة الله تعالى أيضا، فسبحان الله ما أحكمه فيما أطلعنا عليه من حكمته وفيما أخفاه عنا رحمة بعقولنا الكليلة عن شهود ما لا تطيق حمله أو النظر إليه من أسرار كماله وجماله وسلطانه.


فإذا تبين هذا ذكرنا التفصيل في المسألة:
فإن حكمة الله في توفيق عبد للإيمان وخذلان عبد بالكفر إما أن يكون من حيث حصول جنس ذلك، أو من حيث حصول ذلك في أفراد معينين من الجنسين:

فأما من حيث الجنس فنعلم الحكمة الإجمالية من ذلك، وقد سبق ذكر بعض منها سابقا في قولنا


فأما الحكمة المتعلقة بخلق جنس أهل النار فإن منها ما هو راجع إلى ثلاثة أمور:


الأول: ظهور مقتضيات وآثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله:

فإن كمال الله عز وجل أزلي لله غير مكتسب من خلقه، ولو قدر عدم جميع المخلوقات لما نقص ذلك من كمال الله الذاتي شيء، ولكن كمال الله تعالى يترتب عليه ظهور آثاره في غيره، (ولهذا كان القول بنفي حوادث لا أول لها باطلا، لما يترتب عليه من نفي مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، مع التوكيد على أن كل حادث من هذه الحوادث مسبوق بعدمه، فلا يكون مع الله ما هو قديم أو أزلي الوجود، وإن قدر قدم النوع، فالنوع ليس بشيء في الخارج، وإنما هو كتقدير زمن أزلي، مع أنه لا وجود في الخارج إلا لحركات حادثة شيئا بعد شيء).

فإذا علم هذا، علم أن من كمال الله تعالى أن يخلق المتضادات في الوجود والخير والشر والجزاء، وأن في وجود كل ذلك أثرا من آثار كمال الله تعالى، فيكون في خلق أهل النار أثرا مقتضى من كمال الله تعالى في قهره وعدله، فيجري حكم قهره على من هو أهل لوقوع ذلك عليه، كما يجري حكم عدله في عقوبة من أساء وظلم من خلقه، ولا يكون الظهور الكامل لذلك بغير وجود من يستحق الجزاء بالعقوبة الملائمة لجرمه، فإذا كان فضل الله على البشر في الآخرة متمحضا لأهل الجنة، فإن العدل في عقوبة أهل النار أولى أن تتمحض لأهل النار بعد أن لم يكونوا أهلا لفضله.
والكلام على آثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله ومقتضياتها في خلقه أهل النار كلام طويل جدا يحتاج إلى ذكر كل اسم وصفة وفعل يظهر أثرها في خلق هذا الجنس، ومن تدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله تبين له عظيم كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وعدله، وعلم حقيقة قوله تعالى: {مالك يوم الدين} وما تضمنه من مقتضيات ولوازم ملك الله عز وجل في خلقه.


الثاني: ما يترتب على خلق أهل النار من الخير والصلاح لأهل الإيمان في عاقبة أمرهم:

فإن في خلق أهل النار وعداوتهم لأهل الإيمان وما بينهم من مقال وقتال خير وصلاح لأهل الإيمان بما يعقبهم إياه صبرُهم وصدق إيمانهم وثباتهم على الحق رغم فتنة الكافرين، وديمومتهم على طاعة الله تعالى مناكفة لوسواس الشياطين من الإنس والجن، وفي خلق أهل النار ابتلاء عظيم للمؤمنين حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر من كان إيمانه عن تصديق لا عن تقليد الأسلاف بلا بينة ولا برهان، ولو لم يخلق الله أهل النار في الدنيا لما كان هناك معنى للأمانة المحمولة من الإنسان في هذه الدار، إذ لا معنى للأمانة إلا إذا قام بها صاحبها وهو يملك أن يخون إذا شاء رغم وجود دواعي الخيانة، أو كان بتلك المثابة عند بعض السامعين، فلا يقال لشخص وضع لديه مال وهو أشل أعمى أبكم أنه حافظ للأمانة، وإنما يقال للمرء أنه أمين إذا لم يخن وهو قادر على الأمرين، ودواعي الأمانة والخيانة قائمة من حوله، أو كان بمثابة ذلك عند السامع، وإذا كان لا يوجد للخيانة معنى ولا أهل، فكيف يقال أنَّ هناك أمانة وأمناء، وهل ذلك إلا كقول أن الحجر أمين لأنه لا يقدر على الخيانة!

فكان في خلق أهل النار تحقيقا لمعنى العبودية لله تعالى، وإظهار المؤمنين على الكافرين، ونصر أهل الحق على الباطل، وإعزازهم وإعظام أمرهم ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وتعظم هذه الحكمة بربطها بالحكمة السابقة حيث يكون في نصر أهل الحق على الباطل ظهورا لآثار أسماء الله تعالى وصفاته المقتضية النصر والتمكين للمؤمنين على الكافرين، وظهور رضاه ورحمته بأهل طاعته، وغضبه ونقمته على أهل معصيته.


الثالث: تسخير الله لهم كما سخر ما في الأرض لعمارة هذه الدنيا:

فكما أن الله عز وجل خلق في الدواب والهوام ما هو نافع وضار، وجعل في ذلك حياة الكائنات وتوازنها واعتدال أمرها، فكذلك كان في خلق أهل النار حكمة ظاهرة، لما يترتب عليه من سعيهم بمقتضى البشرية والطبيعة الجبلية إلى السخرة في هذه الأرض لحفظ حياتهم والتكاثر بأملاكهم وأولادهم، فيعمرون الدنيا بخراب آخرتهم، ويبنونها ليسكنها غيرهم بعد فنائهم، ولما أبوا أن يكونوا عبادا لخالقهم، جعلهم عبيدا للأرض ومن عليها، فيكدحون في هذه الدنيا كدحا يضنيهم ويشقيهم من أجل متع فانية، ولذاذات زائلة، وحظوظ ذاهبة.

فكان خلقهم في الأرض كإيجاد الخادم للدار، يعمرها بكده ونصبه وهو لا يملكها، وتعرض عليه قصورٌ خير من تلك الدار ليسكنها باسمه فيرفضها ويختار عليها البقاء في رسم الخدمة لغيره من المخلوقين الفقراء حيث لا ينتهي كده ولا يرتقي في درجته عن منصب الخادم الأجير للدار الحقيرة! هذا والدار لو قورنت بتلك القصور العظام لصارت أشبه بالخراب بل هي الخراب بعينه!

فما أنفع خلق أهل النار للأرض، مع ما سخره فيها من دواب الأرض وهوامها النافعة بضررها!


فتبين بهذه الأمور الثلاثة بعض حكمة الله تعالى في خلق جنس أهل النار، وحكمة الله أوسع من أن يحيط بها علم أحد من خلقه.فهذا ما يتعلق بمعرفة الحكمة من توفيق من وفقه الله للإيمان، وخذلان من خذله الله فوقع في الكفر والعصيان، وذلك من حيث الجنس.

وأما حكمة ذلك فيما يتعلق بأفراد جنس أهل الإيمان وجنس أهل الكفر، فيعلم ذلك من قولنا



وأما الحكمة المترتبة على خلق كل فرد فرد من هذا النوع الناري:

فهي أوسع من أن يحصى الكلام فيها، إذ أن كل فرد من هذا النوع يظهر في خلقه من حكمة الله تعالى أمور كثيرة هي تفصيل للأمور الثلاثة العامة لجنس الكفار.

فمن ذلك أننا لو مثلنا للحكمة في ذلك بخلق الله لفرعون، فسيظهر لنا من بعض حكمة الله في خلقه أمور منها:

ظهور مقتضى اسم الله تعالى (الأعلى) حيث أظهر الله علوه على خلقه بمجازاة من أنكر وجوده وعلوه بالإغراق في اليمّ، معاقبة له على قوله {أنا ربكم الأعلى} فجعله الله الأسفل.

وما في خلقه من ابتلاء واختبار لبني إسرائيل وأهل مصر، فصار سببا في زيادة ثواب المؤمنين المحسنين، وتمييزا لهم عن المفتونين الخاسرين.

وما في خلقه من إظهار لعدل الله تعالى في عقوبته على ظلمه وبغيه في الأرض، وعلم أن بطش الكافر لا يحول بينه وبين عاجل نقمة الله عليه.

كما كان في خلقه لفرعون ظهور فضيلة موسى عليه السلام في مقارعته له بالحجة والآيات، وصموده بالحق أمام كفر الكافرين من علية القوم وأرباب الكفر.

وكان فيه إظهار عجز الكافر في أمره حتى أنه يسخره لحفظ المؤمن من حيث لا يشعر، فقد ربِي موسى عليه السلام في بيت فرعون أمام عينيه وسط داره وأهله، فإذا نهاية أمره وخاتمة ملكه على يديه.

وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي تتعلق بخلق فرعون، فضلا عن خلق كل واحد واحد من أفراد أهل الكفر.

فسبحان الله عز وجل ما أحكمه وأعلمه وأقدره، وما أعجز الإنسان عن أن يحيط ببعض حكمة الله تعالى في بعض مخلوقاته فضلا عن جميع ذلك!نقلت هذين الاقتباسين لشدة تعلق هذا الموضع من مسألتنا بما ورد في الفرع الأول منها، ولأضيف عليه ما يخص الفرع الثاني منها، وهو:

أن الحكمة من توفيق عبد أو خذلانه إما أن يتبين لنا شيء منها، أو لا:
فإن تبين لنا شيء منها في خصوص بعض أفراد الجنس كان ذلك زيادة في العلم والمعرفة.
وإن لم يتبين لنا شيء منها في خصوص بعض أفراد الجنس أو جميعهم من حيث عين كل فرد منهم كان ذلك عائدًا علينا بالعجز عن المعرفة لا لعدم حكمة الله تعالى وإنما لعدم مكنة العقل من بلوغ أسباب المعرفة في هذا الشأن.
وإذا استحضرنا براهين حكمة الله تعالى في خلقه لم يعجزنا أن نفهم سبب قصورنا عن الإحاطة بجميع حكمته، ولم يُزِلْ ذلك عن عقولنا حكمه القطعي بثبوت حكمة الله تعالى في جميع خلقه وشرعه، وهذا هو المطلوب.

وبهذا يعلم أن المطالبة بإحاطتنا علما بحكمة الله تعالى في خلق أهل النار، مطالبة مرفوضة عقلا ومناقضة لكمال حكمة الله تعالى، وإنما يمكن أن يطلب معرفة ما يمكن العقل معرفته من الحكمة في هذا دون جحد لحكمة الله الثابتة لله ببراهين قاطعة تفوق أعداد مخلوقاته، فكل مخلوق يتضمن في نفسه من حكمة الله ما يعجز جميع الخلق عن أن يحيطوا بجميعه، فضلا عن إحاطة مخلوق ضعيف عاجز بحكمة الله العظيم في جميع مخلوقاته وشرعه!

ويعلم أيضا أن حكمة الله من خلق أهل النار غير منكورة، بل قد ظهر لنا من حكمة الله في خلق أهل النار أمران:

الأول: ما هو عائد إلى الله عز وجل، وهو حبه ورضاه لما يترتب على خلق أهل النار من ظهور مقتضيات أسمائه وصفاته وأفعاله، وقد سبق توضيح المقصود بذلك.

الثاني: ما هو عائد إلى بعض خلقه من الانتفاع بخلق أهل النار، لما يترتب عليه من المجاهدة التي تكون سببا في علو درجات المؤمنين، وظهور الصادقين والصالحين، الذين هم حقيقة الوجود البشري وخلاصته، ويكون وجود أهل النار إلى جوارهم وجودا كميَّا لا نوعيا، أشبه بالكثرة المردودة إلى العدم، أو الأصفار التي لا يسندها عدد.

فيكون إلى جوار خلق أهل النار من الحِكم العظيمة والخير الكثير والرحمة الواسعة ما يكون فيه ضرر أهل النار وشرهم وما ينالهم من العقوبة سببا لوجود ذلك الخير وشرطا لحصوله على تلك الصورة المحبوبة المرضية لله تعالى، ويكون وجود ذلك الشر إلى ذلك الخير كالعدم السلبي في مقابلة الوجود الإيجابي.


فإن قال قائل: ما الخلاص للكافر من كل هذا؟
قلنا له: هذا هو موضوع الفرع الأخير من المسألة الأولى، وهو ما سنذكره فيما بعد بإذن الله تعالى .


يتبع/ الفرع الثالث من المسألة الأولى... بعون الله تعالى وفضله

ناصر الشريعة
01-07-2009, 08:11 PM
سأضيف الليلة الرد على الزميل، والمعذرة على الإنشغال عن ذلك في الأيام الماضية.

ناصر الشريعة
01-07-2009, 10:52 PM
الفرع الثالث: الرد على الزعم بأن:
- الكافر مظلوم
- وأن الخلاص من هذا الظلم لا يكون للكافر إلا بأن يسمح له الله بالرجوع إلى العدم لا غير، لأنه غير حقيق بدخول الجنة مع ثبوت ظلمه وكفره.

فأما زعمك أن هذا ظلم فغير صحيح لما تقدم من أن مقتضى عدل الله قد تحقق في الكافر فيما تجب المساواة فيه بين الناس من القدرة والإرادة والهداية العامة، والظلم إنما هو في وضع الشيء في غير موضعه، والعدل ضده، والحاصل هنا هو مقتضى كمال عدل الله تعالى في خلقه، فانتفى الظلم، وقد سبق بيان هذا مفصلا عند الفرع الثاني.

وأما زعمك أن الكافر لا خلاص له من أمانة التكليف إلا بأن يعيده الله إلى العدم فهو مناقض لما تقرر من أن الكافر كان له مخلص من النار لو أنه آمن وأطاع الله، مع قدرته على ذلك، وتخيير الله له بين الإيمان والكفر، فالمخلص ثابت متحقق، ولكن سوء اختيار الكافر هو الذي أوبقه، وهو الظالم لنفسه بعد أن عرَّفه الله طريق الإيمان ودله عليه، وحذَّره طريق الكفر ونهاه عنه، فكيف ينسب الظلم إلى غير فاعله؟ وكيف يسلم فاعل الظلم من عاقبة ظلمه؟

ولعل الزميل يعترض هنا بأن حكمة الله ينبغي أن تمنع خلق الكافر أصلا ما دام أنه علم أنه سيختار الخيار الأسوء، وهذا الاعتراض قد سبق مرارا الرد عليه بما حاصله أن حكمة الله تقتضي خلق الكافر وكفره، وخلق الفاسد وفساده، وخلق المضر وضرره لما يترتب على ذلك من مظاهر الحكمة الكثيرة، وقد عددنا بعضا منها في كلامنا على هذه المسألة وفروعها السابقة، فليراجع ذلك، فإن الزميل كثيرا ما تشكل عليه هذه المسألة فيحصل له التباس فيها رغم وضوحها وتكرار شرحها.

والذي يهمنا في هذا الفرع هو التأكيد على حقيقة لا يجوز تغافلها، وهي أن الكافر قد مكنه الله من كل ما مكَّن منه المؤمن من حيث وجود القدرة والإرادة والهداية العامة وتوافر دواعي الخير والشر في نفس الإنسان وما حوله، وأن ذلك كله من قدرة الله ومشيئته في خلقه، وكله تابع لحكمته تعالى وموافق لعلمه، فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح نسبة الظلم إلى الله تعالى وتقدس عن ذلك لمجرد أن الكافر أعرض عن أمر ربه واتبع هواه في عصيانه وكفره.
وأن خلق الله للكافر من مقتضى حكمته وعدله، فينتفى زعم الزميل أنه سفه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

والزميل هنا دخلت عليه شبهة المعتزلة الذين جهلوا عدل الله في خلقه فأوجبوا على الله فعل الأصلح للمكلف، واللطف بالعبد، وأنكروا خلق الله لأفعال العباد، وجعلوا ذلك كله من أصولهم الخمسة وسموه أصل العدل! وهو الجهل لا العدل! فإن الله لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه على نفسه، ولا بد في هذه المسألة من التفريق بين إرادة الإصلاح شرعا وكونا، وفهم هذه المسألة مترتب على إدراك نوعي الإرادة، وقد سبق بيانهما بقولنا:


(فإن إرادة الله عز وجل نوعان:
النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية: وهي خاصة بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الصالحة، فلا يكون الكفر والعصيان مرادا لله شرعا ودينا، ولكن هذه الإرادة لا تتحقق إلا في الطائع، وأما العاصي فإنه مخالف لإرادة الله تعالى الشرعية ولدينه بما شاءه الله تعالى كونا من إقداره على الاختيار الحر.

النوع الثاني: الإرادة الكونية القدرية: التي بمعنى (كن) فيكون، وهي شاملة لكل ما هو مخلوق سواء كان خيرا أو شرا، ولا يخرج شيء في الوجود عن هذه الإرادة الكونية، ولا يطيعه طائع ولا يعصيه عاص إلا بإذنه وإرادته الكونية القدرية، وهذه المرادات للإرادة الكونية تنقسم إلى محبوب لله مراد له شرعا ودينا، ومكروه لله مبغوض غير مراد له شرعا ولا دينا.)

فالله أراد شرعا من الكافر وله الصلاح والأصلح ومكنه من ذلك ومن أسبابه، وأحب ذلك وهو يرضاه ويأمر به، ومن أجله أرسل الرسل وأنزل الكتب وأنعم على الإنسان بنعمة العقل وغرس فيه الفطرة.
ولكنه أراد كونا أن يقع ما هو كائن من خير وشر لما في ذلك من الحكمة العظيمة التي سبق تعديد وجوه منها وبيان عظمة كمال الله تعالى فيما علمنا منها وما لم نعلمه.

ولو أراد الله كونا ما هو الأصلح بالكافر دائما لما خلقه أو لصيره مؤمنا، بل لا يكفي ذلك حتى يجعله أفضل الخلق!! ولو كان ذلك لبطلت الحكمة المترتبة على خلق العالم على هذه الهيئة المعينة.وكفر الكافر يترتب عليه من الصلاح والحكمة ما لا يتحقق إلا من هذا الطريق، وأن هذا الصلاح أعظم من صلاح الكافر نفسه، كما أن المطر ينفع الخلق ويضر بعضا منهم، ونفعه أعظم من ضرره، والمصالح العامة المترتبة عليه أعظم من المفسدة الخاصة ببعض الأفراد، فكذلك خلق الكافر فيه مفسدة للكافر تخصه ولبعض الخلق، ومصلحة أعظم من وجوه واعتبارات أخرى، وقد سبق بيان بعضها في كلامنا على المسألة الأولى والفرع الأول منها، فليراجع ذلك.


ولعل الزميل أن يراجع معتقد أهل السنة والجماعة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين وما يترتب عليهما، والرد على إفراط المعتزلة وتفريط الأشاعرة في ذلك، حتى يكون لديه تصور صحيح لهذا الموضوع المهم.



يتبع/ المسألة الثانية: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟ .... بعون الله تعالى.

ناصر الشريعة
01-07-2009, 11:27 PM
المسألة الثانية: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

اعترض الزميل على إبطالنا كلامه في هذه المسألة حين قلنا ما حاصله:
(أن من شروط التناقض عدم اختلاف النسب والإضافات والقيود، وأن صفة الرحمة متعلقها غير متعلق صفات القهر، فمتعلق صفة الرحمة من حيث الأشخاص هم من استحقوا الرحمة من الخلق، ومتعلق صفات القهر والغضب هم من استحقوا العذاب من أهل المعصية والكفر)

فزعم الزميل أن المتعلق واحد! وأن هذا المتعلق هو ذات الله تعالى!!

وهذا قول يدل على أن الزميل لا يميز بين ما تقوم به الصفة وبين آثار الصفة ومتعلقاتها، ومن هنا دخل عليه اللبس حتى جعل الصفات تتعاند وتتناقض، وجعل كمال الصفة يقتضي نقص غيرها من الصفات! وبنى ذلك كله على الفهم المغلوط لآثار الصفات ومتعلقاتها.



وإن العاقل يكفيه في معرفة الحق في هذه المسألة أن يدرك الفرق بين قيام الصفة بالذات، وتعلق الصفة بغير الذات:
- فأما ما تقوم به الصفة: فهو الذات الموصوفة بتلك الصفة، إذ الصفات لا تقوم إلا في الذات، لا تقوم بمفردها، وهي أوصاف للذات التي قامت بها لا لغيرها من الذوات.
- وأما تعلق الصفة بما هو خارج الذات فهو آثارها المترتبة عليها.

فيعلم بهذا الفرق بين الأمرين، وأن من خلط بينهما فقد أتي من سوء فهم أو سوء قصد.

فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن:
- متعلق صفة الرحمة في الآخرة هم فئة معينة من الناس.
- ومتعلق صفة القهر والغضب هم فئة مغايرة لها.
ومع ثبوت هذا التغاير تبطل دعوى التناقض كلها التي اعتمد عليها الزميل اعتمادا تاما، واغتر بها من غير المسلمين من لا يعرف مدخل المغالطة فيها ولا في غيرها، ولكل ساقطة من الأفهام لاقطة من الأغتام.

وقد ظن الزميل أن مجرد اتفاق الصفات كلها في أنها وصف لذات الله تعالى يعني أنها متناقضة لاتحادها في المحل والنسب والإضافات!! وفي هذا القول مغالطة نكشفها هنا:

كشف مغالطة في مفهوم التناقض وموضعه:

فإن محل الصفات الذي يدعى الزميل كفايته في إثبات التناقض واتحاد النسب جميعها وكلها:
- إما أن يقصد به المحل الذي تتعلق به آثار الصفات وتظهر فيه، وهذا ليس بواحد أصلا بل هو بأعداد الخلق واختلاف أجناسهم وأديانهم، فتبطل دعوى الاتحاد من أساسها مع ثبوت كل هذه الفروق، ويترتب على ذلك انتفاء التناقض المزعوم بالكلية.
- وإما أن يقصد به المحل الذي تقوم به الصفات وهو الذات فهذا محل واحد، ولكنه ليس سوى اتفاق في نسبة واحدة لا في جميع النسب التي لا بد من اتحادها لإثبات التناقض المزعوم.

وبيان ذلك من وجوه:

الوجه الأول: أن اتفاق الصفات في المحل الذي تقوم به وهو الذات ليس اتفاقا من كل وجه حتى يكون مستلزما للتناقض كما يتوهم، فإن الأسماء والصفات لها دلالتان اثنتان:

الدلالة الأولى: دلالتها على ذات الله تعالى، فجميع الصفات تدل على ذات الله تعالى بدلالة التضمن.
والدلالة الثانية: دلالة كل صفة منها على معنى يخصها من معاني الكمال بدلالة التضمن، فصفة الرضى تدل على معنى الرضى، وصفة الغضب تدل على معنى الغضب اللائق بجلال الله وعظمته.

والاسم أو الصفة يدلان على (ذات الله) (المتصفة بتلك الصفة) بدلالة المطابقة، كما يدلان على صفات أخرى لله بدلالة اللزوم.
ومثال هذا:
أن اسم الله الرحمن يدل على أمرين اثنين بدلالة التضمن:
فيدل على ذات الله بدلالة التضمن.
ويدل على صفة الرحمة بدلالة التضمن أيضا.
ويدل على (ذات الله المتصفة بالرحمة) بدلالة المطابقة.
كما يدل بدلالة اللزوم على صفات أخرى لله تعالى، مثل: صفة الحياة والعلم والكرم والجود واللطف، لأن صفة الرحمة تستلزم ثبوت تلك الصفات أيضا وغيرها من الصفات.

فيعلم بهذا:
أن دلالة الصفات على الذات لا يلغي دلالتها على معانيها المختصة بها.
خلافا لمن أنكر دلالتها على معاني الكمال من الجهمية والمعتزلة وموافقة الأشاعرة والماتريدية لهم فيما عطلوه من صفات الكمال.

فإذا ثبت أن اتفاق الصفات في المحل الذي تقوم به ليس اتفاقا من كل وجه، بطلت حينئذ دعوى التناقض بين الصفات لكونها متحدة في المحل كما زعم الزميل، وإنما اختلفت النسب هنا فانتفى التناقض.


الوجه الثاني: أن الاتفاق في الذات لا يلغي التغاير في محل تعلق الصفات:
فإن محل تعلق الصفات هو الذي يثبت به الفرق في التعلق، وهو الفرق الذي أغفله الزميل مع أنه المانع من دعوى التناقض تلك.

ومحل تعلق الصفات هذا مختلف: لاختلاف فئة المرحومين عن فئة المعذبين.

فليس هناك فئة واحدة تعلقت صفة الرحمة بهم وتعلقت صفة العذاب بهم من جهة واحدة باتفاق جميع النسب والإضافات والقيود حتى يقتضى ذلك ما زعمه الزميل من أن يتناقض كمال صفة الرحمة بهم مع كمال صفة الغضب عليهم!! وإذا اختلف المحل بطل التناقض.

وإذا كان الكافر قد تتعلق به صفة الرحمة في الدنيا في ما أنعم الله به عليه ثم تتعلق به صفة الغضب في وقت آخر من جهة أخرى ولا يكون في جميع ذلك تناقض، فكيف يزعم التناقض لمجرد رحمة الله بالمؤمن وتعذيبه للكافر؟!

فكيف إذا كانت هناك متعلقات أخرى للرحمة غير ما ذكرناه تنفي شبهة التناقض زيادة على ما سبق.

فإن الرحمة من حيث نوعها تتباين، فرحمة الله بالإنسان المؤمن غير رحمته بالإنسان الكافر.
فإن الكافر في النار من جهة تخفيف عذابه عن من هو أشد منه مرحوم رحمة ما، [وإن كان الأولى التعبير بالتخفيف لا بالرحمة هنا مراعاة لزواجر الوعيد وشدة العذاب].

فيكون الكافر بهذا مرحوما من وجه، ومعذبا من وجه آخر، وعند اختلاف الاعتبارات والتعلقات ينتفي التناقض.


ولعل الزميل يصحح فهمه لموضوع التناقض بأن يقرأ ما ذكره أهل العلم من شروط تحقق التناقض، وما ذكروه من النسب الثمانية التي إذا لم يحصل الاتحاد في جميعها لم يتحقق التناقض، وكانت دعوى التناقض حينها مغالطة مرفوضة.


يتبع/ فرع: الفرق بين مطلق الرحمة، والرحمة المطلقة، وإبطال فكرة اللانهائية في الكمال... بعون الله تعالى.

ناصر الشريعة
01-08-2009, 12:10 AM
فرع: الفرق بين مطلق الرحمة، والرحمة المطلقة، وإبطال فكرة اللانهائية في الكمال:

إن الزميل في كلامه على هذه المسألة قد أبعد النجعة حين ظن أن (مطلق الرحمة) يساوي في كلامنا (الكمال المطلق في الرحمة)، بينما هو على الضد من ذلك، فإن (مطلق الرحمة) غير (الرحمة المطلقة)، والفرق بينهما:

- أن (مطلق الرحمة) هو كل ما يصدق عليه وصف الرحمة بغض النظر عن قوة الوصف وكماله أو ضعفه ونقصه، فيدخل في ذلك رحمة البهيمة بولدها، ورحمة الأم برضيعها، ورحمة الطير بفروخه، وما هو أدنى من ذلك وما هو أعظم.

-وأما (الرحمة المطلقة) فهي الرحمة الكاملة في أكمل تحققاتها ووجودها، وهذا ما كان ينبغي أن يعبر به الزميل إن ابتغى التعبير العلمي السليم.

وهكذا يقال عموما في الفرق بين (مطلق الشيء) كاملا أو ناقصا و (الشيء المطلق) الكامل التام.

وأرجو أن لا يكون الزميل ممن لا يبالي كثيرا بتحقيق هذه المصطلحات والمفاهيم، ولا ممن يجري في كلامه مثل هذه الأخطاء كما شاء حيث وقعت، ولا شك أن الزميل هنا إنما أراد أن يصف الرحمة بالكمال التام، لا بمجرد الاتصاف برحمة ما غير كاملة، إلا أن العبارة لم تساعده على مقصوده.

فإذا تركنا هذا التنبيه بعد وضوحه وانتقلنا إلى مناقشة الفكرة التي أراد الزميل طرحها، فنقول:

إن الزميل زعم أن كمال صفة الرحمة يعني أنه لا نهائية لرحمة الله تعالى، فيستلزم ذلك في تصوره أن تنال رحمة الله تعالى أهل النار قبل خلقهم فلا يخلقهم.
ولكلامه هذا ذيول كثيرة ولوازم عديدة مبنية على فكرة لا نهائية الرحمة وكذلك غيرها من الصفات.

ولكن كل هذا البنيان يتهدم بمعرفة المغالطة أو الخطأ الذي وقع فيه الزميل شاعرا بذلك أو غير شاعر، وهذه المغالطة تتمثل في فساد التصور لمعنى مفهوم الصفة وكمالها.

فإن الصفة معنى قائم في الذات، وقد تكون لهذه الصفة مع قيامها بالذات تعلقات بما هو خارج الذات، وكمال الصفة أو نقصها لا يحصل منه تعدد في أفراد داخل الذات الموصوفة، وأما التعدد وعدمه خارج الذات فهو ليس من حقيقة الصفة وإنما من تعلقاتها وآثارها، وهذه التعلقات والآثار غير الصفة نفسها القائمة في الذات.

فإذا علم هذا، علم أن صفة الرحمة الكاملة قائمة في ذات الله عز وجل، وليست هي أفرادا متعددة تزيد بزيادة متعلقاتها وتنقص بنقصان متعلقاتها، فلا يصح أن يقال أن كمال صفة الرحمة يعني لا نهائيتها أي أنه لا حصر لأفرادها، ثم يكون أفرادها متعلقاتها وآثارها!!

والخطأ هنا:
أن الزميل ظن أن كمال الصفة يعني أن لا يكون لها نهاية، وهذا باطل. لأن كمال الله ثابت له منذ الأزل فلا يكتسب كمالا لم يكن له من قبل.

وإنما يكون تجدد الكمالات لله تعالى بمعنى:
- تجدد تعلقها بمشيئة الله تعالى.
- أو بمعنى تجدد آثارها ومتعلقاتها.
لا بمعنى: اكتساب كمالات قائمة في ذات الله تعالى بعد أن لم يكن موصوفا بها ولا مستحقا لها!!

وهذا هو المقصود بقولنا أن أفعال الله الاختيارية والصفات المتعلقة بالمشيئة من تجددات الكمالات الإلهية:
فإن ذلك على معنى تجدد الآثار والمتعلقات، أو على معنى آخر وهو قيام تلك الصفات والأفعال في ذات الله تعالى بالنظر إلى تعلقها بمشيئة الله تعالى.

ومثال ذلك:
أن استواء الله على العرش فعل ثابت لله تعالى يدل على صفة العلو، والاستواء فعل متعلق بمشيئة الله تعالى، لكنه لا يثبت لله صفة جديدة هي العلو بعد أن لم يكن موصوفا بالعلو!! وإنما العلو وصف أزلي لله تعالى ثابت له قبل استوائه على العرش وبعده، وإنما الذي تجدد هو فعل الاستواء والعلو الخاص على العرش لا صفة العلو الأزلية.

وهكذا هو القول في جميع أفعال الله تعالى التي تعود إلى صفاته الكاملة القائمة في ذاته جلَّ وعلا، فمع تعلق هذه الأفعال بمشيئة الله تعالى إلا أن تعلقها بالمشيئة لا ينفي اتصاف الله بما دلت عليه من الكمال قبل فعل الله تعالى لها.


ولهذا يقول أهل العلم أن كل كمال جاز لله تعالى فهو واجب له:
أي أنه ليس هناك كمال لا يتصف الله تعالى به، بل الله موصوف بكل كمال يليق بجلاله وعظمته.

ومن هنا نعلم خطأ فكرة الزميل التي يتصور فيها أن معنى كمال الصفة أنها لا نهائية، بمعنى أنها لا زالت سائرة في الطريق إلى الكمال إلى غير حد، وأنها لم تصل ولن تصل إلى نهاية كمالها! فأي كمال يثبت بعد كل هذا؟!
وهل هذا إلا تعبير عن النقص اللانهائي في صورة موهومة تسمى الكمال اللانهائي؟!

ولكن الحق أن أسماء الله وصفاته بالغة في الحسن والكمال نهايتها، وليس هناك كمال وراءها لم تبلغه كما يظنه الزميل أو يوهمه كلامه.

وبهذا تتبين المغالطة الأولى في كلامه وهي ظنه أن الصفة كالرحمة لا نهائية، وظنه أن معنى اللانهائية هو الكمال المطلق بينما هو النقص المطلق!

ولعل الزميل بعد أن يقرأ هذا الكلام يسارع إلى القول بأنه لم يقصد أبدا شيئا من ذلك، وإنما قصد لانهائية المتعلقات والآثار، فنقول إنك بهذا لم تخرج من المغالطة الأخرى وهي جعلك كمال الصفة مكتسبا من لانهائية متعلقاتها وآثارها!!

وبيان ذلك:

أن صفات الكمال ثابتة لله تعالى مع وجود المخلوقات وعدمها:

فلو قدر عدم جميع المخلوقات لم يكن ذلك مزيلا لكمال صفة من صفات الله تعالى.

ولو كان ذلك مزيلا لكمال صفة من هذه الصفات لكان هذا خلفا من القول:
لأن كلامنا عن الخالق الكامل الذي يتنزه عن كل نقص، ولو قدر نقص صفة من صفاته لجاز نقص كل صفة أخرى لتطرق النقص إليه، وجواز ذلك مزيل لوصف الكمال المطلق الذي اختص به الخالق وهذا مع مناقضته لأصل إثبات كمال الخالق يترتب عليه أيضا عدم المخلوقات لعدم الخالق الكامل، وهذا كله باطل محال.

فإذا علم كمال الله في ذاته وصفاته وغناه عن خلقه من كل وجه، علم أن وجود متعلقات الصفة وآثارها أو لا نهائيتها، أو عدمها أو نهائيتها، ليس ذي أثر في وجود الصفة ولا كمالها، وإنما هو من آثار الكمال لا أنه محدث الكمال ومُكسبه للذات.

فإذا كان:
- عدم المتعلقات والآثار ليس ناقضا لثبوت كمال الصفة.
- وكانت الصفة كاملة مع تقدير عدم جميع المتعلقات والآثار.
- فيكون: ثبوت كمال الصفة أولى تحققا مع ثبوت اختصاص متعلقاتها وآثارها ببعض الخلق دون بعض.

فتكون صفة الرحمة كاملة مع عدم جميع متعلقاتها وآثارها، وثبوتها أولى بالتحقق مع تعلقها بمن يستحق الرحمة وهم أهل الجنة.

وكما أن كمال رحمة الله تعالى لا ينتقض بعدم تعلقها بشيء مطلقا، فمن باب أولى أن لا ينتقض كمالها بعدم تعلقها بمن لا يستحقها وهم أهل النار، مع أن رحمة الله تعالى متعلقة بكل مخلوق من وجوه كثيرة أخرى.

فعلم بهذا أن عدم رحمة أهل النار لا ينفي كمال صفة الرحمة، وكذلك يقال في كل صفة من الصفات التي قد يتوهم فيها هذا الوهم الخاطئ الذي اعترض به الزميل على حكمة الله وكماله في خلقه أهل النار.

ويعلم أيضا خطأ الزميل في جعله كمال الرحمة مستلزما تعلق الرحمة بغير مستحقيها!!

وما قوله هذا في الضعف إلا كقول القائل: إن كرم الكريم يستلزم منه أن يكرم من قتل ولده وهتك عرضه واعتدى على شرفه وإلا لم يكن كريما، وأي كرم يبقى بعد هتك الأعراض وضياع الشرف؟!

أو هو كقول القائل إن الرجل الرحيم لا يكون رحيما حتى يرحم كل سفاك لدماء الأبرياء، وكل مغتصب لأعراض النساء، وحتى يرحم من يبقر بطن الحامل ويستخرج جنينها، فإن لم يرحمه لم يكن رحيما! فأي رحمة هذه حتى تسمى رحمة؟! وهل يبقى بعد ثبوت هذه الرحمة من رحمة؟!

فإذا كان معقولا لنا أن الرحمة لها أهل ومستحقين، وأن وضعها في غير موضعها ليس من الرحمة في شيء، علم أن الله أولى بأن ينزه عن وضع رحمته في غير موضعها، وأن من رحمهم الله فذلك لصلاحية محلهم لتنزل رحمة الله عليهم، ومن لا يرحمهم فلعدم صلاحيتهم لرحمة الله تعالى ولا استحقاقهم لها.


يتبع/ الرد على مغالطة الزميل في الأقيسة واقتضاء الكمال آثاره ... بعون الله تعالى.

ناصر الشريعة
01-09-2009, 07:07 PM
الرد على مغالطة الزميل في الأقيسة واقتضاء الكمال آثاره

ذكرنا أن خلق الله للكافر وتعذيبه له في النار هو من مقتضى كمال الله تعالى، وأن كمال الله يقتضي ظهور آثاره في خلقه، وذكرنا تقريبا للفهم مثلا يوضح ذلك، حاصله:
( أن الشمس في إفاضتها الضياء على ما حولها لا تكون بذلك محتاجة إلى تلك العواكس لنورها، وإنما انعكاس نورها على من حولها من مقتضيات كمال إضاءتها، فمن باب أولى أن لا يكون ظهور آثار كمال الله تعالى في خلقه من حاجة إليهم، وإنما هو من مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله.)

وهذا المثل استدلال بقياس الأولى، وهو قياس جائز استخدمه القرآن الكريم في إثبات استحقاق الله لكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وفي نفي كل نقص وعيب عن الله جلَّ وعلا.

لكنَّ الزميل قد فاتته الحجة حين اعترض على المثال بما اعترض به من فروق غير مؤثرة في وجه القياس، ولكأنه في اعتراضاته هذه يرى أن كل فرق بين مقيس ومقيس عليه يكون مؤثرا! وأن مجرد التشغيب على القياس والمثل يبطله، فأين فيما ذكره من فروق ما يمنع صحة القياس الأولوي الذي لا يجوز غيره في حق الخالق جلَّ وعلا؟!

ولو أنه أتى بفرق مؤثر يقدح في القياس الذي مثلنا به لكان كلامه مقبولا، وكان له حظ من النظر، أما ما فعله فهو ليس إلا كمنكر تشبيه الشجاع بالأسد لأنه يرى فوارق بينهما عديدة، فيجعل مجرد الفرق مانعا من هذا التمثيل، فيقول: إن الأسد أبخر الفم، والشجاع ليس كذلك، والأسد يمشي على أربع والشجاع ليس كذلك، والأسد له زئير سبع، والشجاع ليس كذلك!! ويمضي في رسم صورة الأسد البهيمية، ويقابلها بصورة الشجاع البشرية عضوا بعضو، وسمة بسمة!! ليقول إن من الباطل أن يقال عن الشجاع أنه كالأسد!
فهل نفت كل هذه الفروق التي أجهد نفسه في تعديدها شيئا من وجه الشبه بينهما وهو ثبوت الشجاعة لهما، أو صحة التمثيل في أمرهما؟!

ونحن حين ذكرنا مثل الشمس أخذنا الوجه الذي تصح به حجة القياس الأولوي مع عدم الفارق المؤثر لا مطلق الفارق.
ووجه القياس هنا هو: عدم استلزام (الحاجة للغير) في (ظهور مقتضى الكمال) في إحدى صوره.
وهو في الشمس: كمال الإضاءة.
وفي الخالق جلَّ وعلا: كماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
وليس من المقصود في شيء أن كمال الشمس ككمال خالقها، تعالى الله عن ذلك، بل الله أكمل وأعظم.
ولا المقصود أن هذا القياس الأولوي يعني أن الشمس صار لها كل ما لله حتى يعترض الزميل بأن الشمس لا تريد ولا تخلق فلا يصح بذلك المثال عنده؟!!

ومثل ذلك كل اعتراض على قياس صحيح بذكر فرق غير مؤثر بين المقيس والمقيس عليه في وجه القياس، ومن ذلك:
اعتراض الجاهلين على مثال يذكر في مسألة (علم الله بأفعال العباد هو صفة كاشفة لا صفة سائقة) وهو مثال:
علم الأب أو المعلم أو الطبيب بما سيؤول إليه حال المرء من خير أو شر، وأن مجرد علمهم لا يُكره المرءَ على اختيار أو فعل الخير أو الشر الحاصل له.

فيعترض الجاهلون بأن علم الله لا يتخلف، وعلم المخلوق يتخلف، وأن علم الله ليس ظنيا، وعلم المخلوق ظني! وأن الله حكيم، والمخلوق غير حكيم، ويمضون في تعديد صفات الله وصفات المخلوقين مستكثرين بفروق خارجة عن موضوع القياس، وليس أحد منها يعد فرقا مؤثرا يقدح في وجه القياس، فإن القياس هنا في وجه محدد وهو (أن العلم السابق لا ينفي اختيار العبد) :
- فتحقق علم الله في العبد لا ينفي حرية العبد
- وتحقق مطلق (علم) الأب أو المعلم أو الطبيب في المرء لا ينفي حريته.
ولا يؤثر في صحة القياس من هذا الوجه الفرق في درجة العلم كمالا ونقصا، ولا ذات العالم ولا صفة ذاته، لأن وجه القياس هو مطلق العلم، ومطلق العلم لا يؤثر في ثبوته درجة العلم ولا ذات العالم ولا صفته، لآنها فروق لا تنفي مطلق العلم الذي هو وجه القياس.

ولو قال قائل: إن علم الله لا يكره العبد على الاختيار بدليل أن الحجارة لا تكره الإنسان على الاختيار.
لكان الفرق المؤثر المبطل في صحة هذا القياس هو: أن مطلق العلم منتفي عن الحجارة، فلا توصف بالعلم أصلا حتى يصح ذكرها في القياس.

وهكذا يعترض بالفروق المؤثرة على وجه القياس لا مطلق الفرق كما يظنه الزميل هداه الله تعالى.

فإن مجرد ذكر الفروق غير كاف، بل لا بد أن يكون الفرق متعلقا بجهة القياس، ثم أن يبين أنه فرق مؤثر بيانا عليه برهان ودليل لا مجرد دعوى، وجميع ذلك مما أخلَّ به الزميل ولم يوفه حقه ولا بعضا منه.

وهكذا يقال في كل قياس صحيح يعترض عليه بفروق غير مؤثرة في جهة القياس، وما أكثر المغالطات التي يقع فيها من يجهل هذه المسألة، ولا يعرف فيها قبيلا من دبير.


ولعل الزميل لم يطلع من قبل على كلام أهل العلم في أمر القياس ومسالكه وعلله وقوادحه، فحصل منه هذا الخطأ عن غير دراية ومعرفة منه بوجوه الاعتراض على الأقيسة، وما يصح من الأقيسة في أمر المعتقد وما لا يصح، ولعله يتدارك هذا النقص بتعلم ذلك في مستقبل أمره، فإنه ليس من الحسن أن يتصدى المرء للجدل والمناظرة وهو لم يتقن هذه الأبجديات في المنطق والجدل، وأرجو أن لا تحفظه هذه الملحوظة فإنه لولا أثرها في النقاش لما ذكرتها.


يتبع/ المسألة الثالثة: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟ ... بعون الله تعالى.

ناصر الشريعة
01-21-2009, 12:44 AM
المسألة الثالثة: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

ذكر الزميل أن حرية العبد في العصيان لا تبرر خلق الله له، مدعيا أن ذلك يتناقض مع حكمة الله تعالى ورحمته، ولا شك أن دعوى التناقض هذه قد صار واضحا الرد عليها مما سبق بيانه، فإن هناك حكم كثيرة من خلق أهل النار، كما أن الرحمة متحققة لمن هم أهل للرحمة، ولا يكون تحقق العدل لأهله مناقضا للرحمة ولا الحكمة، والخلق دائرون بين عدل الله وفضله.

وإذا علم ما سبق، اتضح أن حرية الإنسان مما يؤكد عدل الله تعالى في خلقه، فإنه لا يعذب إلا من استحق العذاب دون غيره، وأن ذلك من حكمة الله تعالى وهو دائر بين فضله وعدله.

ولكن الزميل هنا أيد كلامه بعدة أمثلة ذكرها وطالب بالرد عليها مع أنه قد اعتبر فيما يفهم من كلامه أن كل فرق بين مثالين فإنه يكون صالحا لنقض التمثيل من أساسه، وقد بينا أن هذه مغالطة غير صحيحة، وأن الصواب هو تقييد الفرق بالفرق المؤثر.

فمثل الزميل بشركات التأمين، وقفز الابن أمام أبيه من النافذة أو أمام السيارة، وبإلقاء المرء من بناء عالٍ، وكلها أمثلة على أن الرحمة والعلم والكمال يقتضي عند الزميل أن لا يخلق الكافر وأن لا يقع الكافر في الكفر ولا يعطى الحرية في ذلك.

وجميع تلك الأمثلة يرد عليها ردا إجماليا بأن ثبوت حرية الإنسان واختياره مع ثبوت حكمة الله تعالى في خلق الكفار وكفرهم يبطل الاعتراض بهذه الأمثلة جميعها:

فثبوت حرية الإنسان يثبت عدالة الحكم عليه.
وثبوت حكمة الله تعالى تفسر وجود الكفار وكفرهم وعذابهم.
وجميع ما ذكره من أمثلة يفتقد جانبي الابتلاء والحكمة، وأحد الأمثلة خارج عن موضوعنا كاملا لافتقاده أصل حرية الاختيار وهو مثال إلقاء المرء من بناء عال، فصار في جميع الأمثلة فرقين مؤثرين جدا وهما الابتلاء والحكمة، ويزيد المثال الثالث بفرق ثالث هو عدم الاختيار أصلا، ومع ثبوت هذه الفروق المؤثرة يبطل التمثيل بها على مسألتنا في خلق الكافر مختارا مريدا ومجازاته بما يستحقه.

وتفصيل الرد بعد الإجمال السابق فيما يأتي:

فأما مثال شركة التأمين فيذهب فيه الزميل إلى أمرين :

الأول: أن إخلاء المسؤولية مبدأ بشري دنيوي يلتزمه الإنسان كما في شركات التأمين خوفا من الضرر، وإذا كان هذا سببه وهو منتف عن الله تعالى لا سيما مع إثبات حكمة الله تعالى ورحمته فينبغي لدى الزميل أن لا يعتذر به في خلق الله للكفار مهما جعلهم أحرارا مسؤولين عن تصرفاتهم.

وهنا مغالطة: وهي اعتباره مبدأ مسؤولية الإنسان عن أخطائه مبدأ دنيويا، بينما هو مبدأ عقلي صحيح دينيا ودنيويا فلا يترتب على إثباته خطأ.

فإن القاضي العادل (الذي لا يتضرر بظلم الظالم لغيره) له حق تطبيق الحكم العادل على الظالم بغض النظر عن تضرر القاضي أو عدم تضرره من ذلك، وإذا كانت المسؤولية مناطة بالإرادة الحرة للمكلف فلا يعقل حينها أن يقال أن القاضي بما أنه غير متضرر فينبغي أن يتجاوز عن مسؤولية الظالم فلا يعاقبه!! وهل هذا إلا أعظم الظلم الذي ينزه عنه العادل من البشر فضلا عن الخالق المنزه عن الظلم؟!
ولعل الزميل بعد تصور هذا واستنكاره يستنكر ما أدى إليه من مقاله الأول.

وما يريد الزميل أن يقوله بعد كل هذا الشرح المطول الذي لا حاجة له في مثال شركة التأمين، خلاصته أن الله غني عن الخلق غنى مطلقا، فيلزم عند الزميل أن لا يعذب الكفار ولا أن يخلقهم، هذا خلاصة كل كلامه ذلك، وجوابه:

أنه لا شك في أن غنى الله المطلق لا ينفي حكمته في خلق الكفار وجزائهم، فلا يلزم ما ذكره الزميل.

وإنما الذي يلزم أن يكون كل ما عدا الله فقيرا إلى الله فقرا ذاتيا لازما، ويكون غنى الله عنهم غنى ذاتيا لازما.

وقد سبق تفصيل القول في شبهة الاحتياج والرد عليها، فيتبين أن:

غنى الله لا يلزم منه عدم المخلوقات لا جميعها ولا نوع الكفار منها، ومن باب أولى أن لا يلزم من ذلك عدم أفعال المخلوقات.

بل إذا كان الله كامل الغني فإن وجود مختلف المخلوقات ومنهم الكفار يكون أدل على غنى الله تعالى لأنه لا يتضرر بوجودهم وكفرهم وفسادهم لكمال غناه، مع احتياجهم هم إلى الله عز وجل حاجة ضرورية لا غنى لهم عن الله طرفة عين.


الثاني: مما يريده الزميل من هذا المثال أن حكمة الله ورحمته ينبغي عند الزميل أن تمنع إعطاء الإنسان هذه المسؤولية إذا كان استخدامه لها سيكون سيئا.

وواضح أن هذه المسألة ليست كما ذكره الزميل، فقد سبق الكلام على أن حكمة الله ورحمته تقتضي خلق المؤمنين والكفار، والجنة والنار، فليراجع ذلك لأهميته ولتضمنه الرد على الأمر الثاني وما في معناه.



وأما مثال قفز الابن من النافذة أو أمام السيارة ففيه مغالطة، وهي إلغاء الفروق المؤثرة، وهي كثيرة ومنها :

الفرق الأول: أن الأب هنا مؤتمن على ابنه وهو مسؤول عنه، وحتى لو كان الابن بالغا راشدا أو لم يكن ابنا له أصلا فإن المسؤولية ما زالت واقعة على الأب والناظر في جميع الأحوال، وهذه المسؤولية مسؤولية شرعية من معنى الأمانة التي كلف الله الإنسان بها.
بينما الله هو الذي كلف الإنسان بهذه الأمانة، وليس الله مشتركا مع الإنسان في تحمل الأمانة أو المسؤولية حتى يمثل بهذا المثال الخاطئ شكلا ومعنى.
فيتضح بهذا أن الأب مسؤول عن ابنه، مأمور بأن يمنعه عن الانتحار أو الإضرار بنفسه، وهو ملزم بذلك شرعا وعرفا وعقلا، والله منزه عن أن يكون مسؤولا أو مأمورا أو ملزما بإلزام يشرعه غيره أو يراه غيره.


الفرق الثاني: أن الأب هنا ليس مختبرا لابنه حتى يصح منه تركه له لينتحر أو يتعرض للأذى، فقصد الاختبار والابتلاء فرق مؤثر جدا هنا، وقد تجاهله الزميل في هذا المثال فحصل له اللبس فيه.

ولو نظر في ما يصح أن يختبر الأب فيه ابنه لكان معقولا، كأن يعطي الأب ابنه مالا ثم ينظر ما سيفعل به ودلالة ذلك على بلوغه الرشد أو عدمه، فهنا يعقل أن يضع الأب ابنه موضع الاختبار حتى لو أخطأ، ولا يكون خطأ الابن خطأ للأب الذي سبق أن أرشده إلى الفرق بين الصواب والخطأ.

فكيف يقال أن الله عز وجل الذي هدى الكافر بالعقل والفطرة والحجة الرسالية ووضعه موضع الاختبار لا يكون معقولا أن يبتلي الكافر ويختبره، ويحاسبه على اختياراته؟!

فإن قال الزميل ما الحكمة من ذلك؟
قلنا له هذا ما كنا فيه منذ أول النقاش وبيناه مرارا فراجعه في مواضعه من هذا النقاش.

فيتضح بهذا الفرق الثاني وهو:
تحقق الابتلاء والاختبار في خلق الله للكفار، مع عدم تحقق الابتلاء والاختبار في مثال انتحار الأبن أمام أبيه.


الفرق الثالث: أن خلق الله للكفار يتضمن حكمة، قد سبق بيان بعض منها، بينما ترك الأب ابنه ليضر نفسه ليس فيه حكمة، وإن تصورنا وجود حكمة لفعل الأب فهذا سيؤكد أيضا تصور الحكمة من خلق من يستحق الضرر كالكفار، فكما يتصور أن تكون هناك حكمة ما في ترك المخلوق غيره يضر نفسه باختياراته، فمن باب أولى أن تكون حكمة الخالق أثبت وأولى من حكمة المخلوق في ذلك.

الفرق الرابع: أن الممثل به وهو الابن الصغير الناقص الأهلية والإدراك والمعرفة كما هو واضح من المثال مخالف أتم المخالفة للمقيس عليه وهو الكافر المدرك المختار الذي قد قامت عليه الحجة الرسالية، ففرق الإدراك هنا فرق مؤثر جدا في إبطال المثال، ولو جعل الزميل المثال على كافر ناقص الإدراك العقلي كالمجنون أو أهل الفترة لكان المثال صحيحا لكن بدون الاعتراض على خلق الله لهم، لأنهم ليسوا كفارا بالضرورة وإنما يكفر منهم من سيختار الكفر في الآخرة كما سبق بيانه في حكم أهل الفترة، فليراجع ذلك أيضا.

وبهذه الفروق وغيرها يبطل المثال، ويكفي في إبطاله واحد منها، وهو المطلوب.

وأما مثال إلقاء المرء من بناء عال وأنه مهما كان حاله فهو سيهوي إلى الأرض شاء أم أبى، ففيه مغالطة ظاهرة وإلغاء لفرق مؤثر:
وهو أن هذا المثال إنما هو في حالة الإكراه والقسر والإلجاء المنافي للحرية والاختيار والإرادة، وكلامنا في عكس هذه الحالة وهي الاختيار والإرادة الحرة.

فكيف يسوى بين الأمرين مع وجود هذا الفرق المؤثر؟

فإن الإنسان الذي يلقى من بناء عال سيهوي بالطبع شاء أم أبى، ولكنه لو قيل له في وضع آخر أنت حر مخير في أمر الإيمان أو الكفر فسيجد نفسه مالكا لحرية الاختيار بين أن يؤمن أو يكفر، فشتان بين المثالين والحالين.

ويضاف إلى هذا الفرق في هذا المثال:
ما ذكر سابقا من فرقي الابتلاء والحكمة الذين لا يتحققان أصلا في هذا المثال، بينما كلامنا في هذه المسألة متحقق فيه الابتلاء والحكمة بغض النظر عن تعيينها.


يتبع بعون الله تعالى/ المسألة الرابعة: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

ناصر الشريعة
01-21-2009, 01:14 AM
المسألة الرابعة: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

ليس الأمر كذلك دائما.
فإن العلم فيه: مسائل صغار وكبار، وواضحات وغوامض، ويختلف هذا باختلاف علم الإنسان ومعرفته واختلاف موضوع المعرفة نفسه.

فإذا كانت المسئلة في كبار العلم وغوامضه، وكان علم الإنسان فيها غير محيط بها ولا مقاربا لذلك، فلا عجب أن يكون الكلام فيها في غاية الدقة على بعض الأفهام.

وليس لذلك علاقة لازمة بصحة المسألة أو بطلانها.

وإن كان الفاهم لهذه المسألة من الناس بعد إحسان تصورها يجدها في غاية الوضوح له فيما في وسعه معرفته، ولا يضره أن يقصر علم بعض الناس عن ذلك لضعف أفهامهم أو تقصيرهم في البحث.

ومسألتنا هذه وهي معرفة أسرار حكمة الله تعالى في أفعاله وخلقه من أعظم المسائل وأدقها، وفيها جانبان:
أحدهما في غاية الوضوح.
والآخر في غاية الخفاء الذي لا يحيله العقل ولا يمنعه.

فأما الجانب الأول الذي هو في غاية الوضوح:
فهو أن كل ما في هذا الكون كائنا ما كان فهو من آثار قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ومشيئته، فلا يكون شيء إلا بقدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ومشيئته، وهذا الأصل العام واضح غاية الوضوح. فكل ما أشكل على الإنسان أو غمض عليه لا يصل أبدا إلى مرتبة أن يكون شبهة في جوار حكمة الله الواسعة التامة.

وبراهين هذا تشمل كل ما علم الإنسان فيه مظاهر حكمة الله تعالى وقدرته وعلمه في آياته ومخلوقاته، والحكمة الظاهرة في الكون ثابتة بيقين وإجماع الخلق!! ولكن هناك من يؤمن بالحكيم الفاعل لهذه الأفعال الحكيمة وهم الموحدون وأكثر الناس، وهناك من يجعلها مفعولات بلا فاعل أو ينسبها إلى فاعل لا حقيقة له وهو الصدفة أو الطبيعة التي تجهل ذاتها فضلا عن أن يكون لها صفات وأفعال تخصها، وهؤلاء أقل الناس في كل عصر ومصر.

وأما الجانب الذي هو في غاية الخفاء الذي لا يحيله العقل ولا يمنعه فهو:
- الإحاطة بجميع حكمة الله تعالى وعلمه في جميع أفعاله ومفعولاته.
- أو تعيين حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته.

فأما الأول، فغموضه وعجز الإنسان عنه هو من كمال الخالق الجليل.
فكما أن الجاهل لا يحيط بعلم العالم أو حكمة الحكيم من البشر، فيكون ذلك لنقص الجاهل لا لعيب راجع إلى العالم أو الحكيم، فمن باب أولى أن يكون عدم إحاطة الإنسان بعلم الله وحكمته راجعا لنقص الإنسان لا لنقص أو عيب راجع إلى علم الله وحكمته تنزه الله عن ذلك.

وحكمة الله من علم الله وإذا كان الإنسان لا يحيط بعلم الله تعالى فكذلك لا يحيط الإنسان بحكمة الله تعالى، فأين المستنكر هنا؟

وأما الثاني وهو خفاء تعيين حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته، فكذلك الأمر فيه، فالغموض راجع لسبب من الإنسان لا لعيب أو نقص في حكمة الله تعالى.

وكما أن العالم قد يغمض عليه بعض كلام وفعل من هو أعلم منه وأحكم من الراسخين في ذلك العلم، فيكون ذلك لنقصه وعدم اكتمال علمه، ولسبق أولئك عليه في المعرفة ودقة الفهم، فمن باب أولى أن يكون خفاء تعيين بعض حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته عائدا إلى قصور علم الإنسان ونقصه عن الكمال لا إلى عيب أو نقص في حكمة الله وعلمه الذي أحاط بكل شيء علما.

ثم أنَّ حكمة الله في أفعاله ومفعولاته على قسمين:
الأول: حكمة ظاهرة بينة لا تخفى على عاقل وناظر، ومعرفة الإنسان لها كافية في هدايته وصلاح أمر دينه ودنياه وآخرته لمن استجاب وآمن.

الثاني: حكمة خفية ، وهذه الحكمة الخفية يتعلق بها فرعان:

الفرع الأول: أن خفائها قد يكون مطلقا أو مقيدا، فالمطلق ما كان خافيا عن جميع الخلق كل وقت، وهذا ممكن لكمال حكمة الله تعالى، والمقيد ما كان خافيا عن بعض الخلق ظاهرا لبعضهم، أو كان خافيا في وقت دون وقت.
وهذا يعني أن خفاء الحكمة في بعض أفعال الله أو مفعولاته لا يلزم منه أن يكون خفاء مطلقا في كل وقت ولكل أحد.
وبهذا يعلم كثرة براهين حكمة الله تعالى الظاهرة في أفعاله ومفعولاته.


الفرع الثاني: العلة أو الحكمة من خفاء بعض الحكمة، فمن حكمة ذلك:

- الابتلاء للناس في التسليم بحكمة الحكيم الذي استقرت في العقول والقلوب براهين حكمته الظاهرة، وما يترتب على هذا الابتلاء من الفرقان بين الناس، ورفعة المؤمنين وظهور آثار أسماء الله تعالى وصفاته في خلقه.

-الرحمة بعقول الناس وإدراكهم، فإن عقل الإنسان وإدراكه لا يحيط بجميع علوم المخلوقات فضلا عن علم الخالق جلَّ وعلا، وإن معرفة الإنسان بما ينفعه خير له من معرفة ما يضره، فضلا عن معرفة كل ما يعلمه الخالق جلَّ وعلا، ولهذا فإن خفاء بعض الأمور على المخلوق رحمة به، وهو خفاء لا يضره، وإنما الذي يضره أن يخفى عليه ما هو بأمس الحاجة إليه لنجاته في الدنيا والآخرة، وهذا ما قد أرسل الله الرسل ليهدوا الناس إليه ويدلوهم عليه، وجعله الحجة المعتبرة التي يكفر من لا يقبلها ويؤمن بها.

- دلالتها على اتساع حكمة الله تعالى وكمالها، مع عجز الإنسان وضعفه عن الإحاطة بجميع حكمة الله تعالى، فهي بينة باهرة ظاهرة في الحكمة المخفية على ظهور كمال حكمة الله تعالى.

فسبحان من جعل في خفاء بعض حكمته ظهورا لكمال حكمته وتمامها!


يتبع بعون الله تعالى/ خلاصة الردود السابقة، ومطالبات موجهة إلى الزميل.

ناصر الشريعة
01-24-2009, 02:10 AM
خلاصة الردود السابقة، ومطالبات موجهة إلى الزميل:

إن محل النزاع مع الزميل اللاأدري يتمثل في خلق الله للكفار هل هو موافق للحكمة والرحمة والعدل مع وضوح ذلك ويسر فهمه للناس؟

فذهب هو إلى أنه لا حكمة ولا رحمة ولا عدل في خلق الله للكفار، وأن المسئلة غير مفهومة أبدا.

ورددنا عليه بشرح مستفيض للحكمة من خلق الكفار، وبينا وجوها كثيرة من الحكمة، وهي شاملة لما قبل خلق الكفار وبعده، لأن حكمة الله موافقة لعلم الله الأزلي السابق على كل شيء.

ورددنا عليه بشرح مستفيض للرحمة وأن كمالها لا يعني استحقاق الكفار لها، وأن عدم استحقاق الكفار لها كان لكفرهم الذي باختيارهم، وأن عدم تعلق الرحمة بهم مطلقا ليس فيه نقص من كمال الله، لأن الرحمة لها أهل، كما أن الغضب والعقوبة لها أهل، وأن الكفار قد رحموا بأن خلقهم الله وأعطاهم القدرة والإرادة الحرة، ولكنهم كفروا برحمة الله، فلم يستحقوا من رحمة الآخرة شيئا، فهم الذين منعوا عن أنفسهم رحمة الآخرة بكفرهم الذي باختيارهم، فمن كفر بنعم الله الدنيوية لم يستحق نعم الله الأخروية.

ورددنا عليه بشرح مستفيض للعدل، وبينا أن الله عدل بين المكلفين فساوى بينهم فيما يلزم فيه التسوية وهو نعمة العقل والفطرة والهداية العامة والقدرة والإرادة الحرة، وبعد هذه التسوية انقسم الناس إلى قسمين مؤمن وكافر، وأما قبل ذلك فليس هناك إيمان ولا كفر يعذب به الإنسان، وعلى أساس اختيارات الإنسان تفضل الله على المؤمن بالجنة، وعاقب الكافر بالنار.

ورددنا عليه بشرح مستفيض لمسألة الفهم، وبينا له تميز العقيدة الإسلامية عن بقية الأديان الباطلة بإعمال العقل في تدبر حكمة الله تعالى في مخلوقاته، وقصرنا جانب الغموض على ما لا يستطيع العقل إدراكه من الغيبيات كمعرفة جميع حكمة الله تعالى في كل شيء أو في بعض الأفراد المعينة، وما عدا ذلك فالحكمة فيه ظاهرة وبينة، وكذلك الأمر في الرحمة والعدل وغيرها من الصفات والأفعال الإلهية، فمن زعم أن مسألتنا مما لا يمكن فهمه فهو مخطئ لم يفهم شيئا مما قيل.

وقد بينا مغالطات الزميل في الحوار لا سيما في طريقته في مناقشة الأمثلة، وكيف أنه لا يميز بين الفروق المؤثرة في القياس من غيرها، ويظن أن كل فرق يكفي في نقض القياس، كما فعل في مثال اعتراض الابن على ولادة أبيه له، مع أن وجه القياس هو بطلان الاعتراض على نعمة الوجود وهو محل الكلام، فالوجود نعمة فلا يصح الاعتراض عليها كما فعل الزميل، فذهب الزميل يعدد الفروق بين الأب والله!! وكلها فروق خارجة عن نعمة الوجود.

وقد أجبنا عن كل أسئلة الزميل واعتراضاته، وتركنا التعليق على بعض ما لا فائدة منه، كتبريره الخطأ في التعبير بالاستشارة مكان التخيير بأنه مجاز، مع أن المجاز شيء آخر له شروطه التي لم يوف بها في تعبيراته، وزعمه أن اختيار العبد للعدم على عبادة الله ليس قبحا ولا عصيانا لأنه لم يكلف بعد، مع أن القبح ثابت قبل التكليف كما هو مبين في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، والعصيان يكون برفض عبادة الله أصلا لا برفض امتثال صورة من صور العبادة فقط، وللزميل تعبيرات مكررة عن فكرته ترجع في نهايتها إلى ما قد لخصناه في ردودنا ونقضناه بالحجة والبينة كما هو موضح في مواضعه، وربما إذا اقتضى الأمر عدنا إلى نقض تلك التعبيرات من باب التأكيد على الرد لا غير.



وأما المطالبات المنهجية الموجهة إلى الزميل فهي:

أولا: أن يقصر اعتراضه على نقاط الاختلاف، فلا يعترض على ذكر نقاط الاتفاق وإنما يفترض أن تكون محل تأييد ووفاق، وقد صرحت بأنني أذكر بعض ما أعلم موافقة الزميل عليه لأهمية ما ذكرته في وضوح الصورة وتكامل الفكرة، فلا معنى للاعتراض عليها أصلا كما فعل سابقا.

ثانيا: إن النقاش هنا هو حول المعتقد الإسلامي وما يورده الزميل من الإشكالات، وكما أن الزميل يكلمنا على هذا الأساس فيما يتعلق بوجود الله تعالى وكماله، فلا يصح أن يعترض في ثنايا الحوار بأنه لا يؤمن بوجود الله تعالى أو كماله أو حكمته، لأن ذلك يخالف مسار الحوار بيننا وهو مناقشة المعتقد الإسلامي على ما هو عليه، وإيراد الزميل إشكالاته الشخصية على اعتقادنا لا على اعتقاده هو، وقد دعوته سابقا إن كان يريد المناقشة من خلال لاأدريته إلى حوار آخر، وفي شريط آخر، يكون موضوعه موقفه اللاأدري من وجود الله وصحة الدين، فليتنبه الزميل لذلك لأهميته وليحدد موقفه منه.

ثالثا: جرى في عبارات الزميل ما لا نقبله من الألفاظ في حق الله تعالى، وهو الذي قد وعد بأن لا يفعل ذلك، ثم خالفه مرات حينما تهكم بحكمة الله تعالى في عدة مواضع من كلامه، منها قوله:
(أنت يمكنك أن تعلق كل شيء على شماعة الحكمة هذه بحيث لا يمكن لأحد أن يناقشك)
وكان يمكنه أن يقول (صفة الحكمة) بدل هذا التهكم بصفة من صفات الله تعالى.

وقوله: ( هل حكمته تعطي له الضوء الأخضر لكي يخلق من يشاء)
فهذا تعبير ليس فيه أدب مع الله عز وجل، وكان يمكنه أن يقول: ( هل حكمته تفسر خلقه لكل ما يشاء)
ولهذا أطالب بتعديل تلك العبارات، ومراعاة احترام المعتقد الإسلامي وعدم التهكم بقصد أو دون قصد من الدين الإسلامي.

رابعا: أن يدقق الزميل في تعبيراته من حيث المصطلحات ومراعاة اللغة العربية ومراعاة القواعد العلمية والمنطقية في النقاش، حتى يرتقي الحوار ويكون بعيدا عن النقاشات التي تتدني إلى العامية الفكرية واللغوية فلا تكون لها قيمة في النهاية إلا أنها مشاجرات في قارعة الطريق.

خامسا: أن يكون رد الزميل علي بطريقة مناقشة الأفكار لا التعليق على العبارات، فليفهم كلامي أولا، ثم ليرد عليه، أما تفكيك كل مشاركة وفقرة إلى عدة اقتباسات ومناقشة كل اقتباس بمفرده كما فعل في رد سابق له، فهذا سيحول الحوار إلى مناقشة تعبيرات أكثر منه مناقشة أفكار، وهذا سيطيل الصفحات على حساب الأفكار، وهو أمر أيسر علينا في الرد، ولكنه أقل فائدة للقارئ ولفائدة الموضوع مستقبليا، وفي حال إصرار الزميل على مخالفة هذا فسوف أطالب بنقل ردودي الأخيرة إلى شريط آخر لحفظ فائدتها، وسأعقب على مشاركات الزميل السابقة بالطريقة نفسها، مع اشتراط تحديد عدد الردود وزمن الحوار.

وأنتظر من الزميل الآن أن يلخص لي نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف التي يراها على ضوء الردود السابقة، وذلك في مشاركة موجزة على غرار تلخيصي لنقاط الاتفاق والاختلاف بيننا، مع أهمية أن تكون تلك النقاط مرتبطة بموضوع الحوار وهو خلق الله للكفار ومنهجية مناقشة الموضوع. وبعد تلخيصه لنقاط الاتفاق والاختلاف سأبدي موقفي منها فإن كانت مسائل خلافية فسوف نواصل معا النقاش فيها فيطرح رده وأعقب على كل مسئلة خلافية مستقلة، وما كان منها نقاط اتفاق تجاوزناها إلى غيرها.



ولما شعرت أن الزميل اللاأدري لا يدري حقيقة معتقدنا الإسلامي، وأن ذلك سبب له تلك الإشكالات الشخصية، فقد رأيت أن في بسط الكلام فائدة له ولغيره، لعل الله يهدي به من أراد الحق وقصده بقلبه، وسأراعي بعد أن اتضحت هذه المسألة أن يكون ردي موجزا على هيئة السؤال والجواب إلا أن يستدعي الرد شيئا من البسط، فإن الإطالة يناسبها تحديد عدد الردود في المناظرات العامة، أو فتح المجال واسعا للطرفين في الحوارات الخاصة بما ينفع الطرف السائل كما في قسم الحوارات الخاصة.



والحمد لله على فضله وإنعامه، والشكر له على منِّه وإكرامه.

المفتري
01-25-2009, 02:08 AM
الزميل ناصر الشريعة،

بداية أنا سعيد بكون الرد طويل و لا يضايقني هذا في شيء بل هو شيء يدل على اهتمامك بالمناظرة و هو بالضبط ما أبحث عنه.

سأناقش طلباتك قبل البدء في الرد للوصول إلى صيغة نهائية للمناظرة. سأكون مرن في تحفظاتي بقدر المستطاع. أنا الآن فقط أسجل معرفتي أن ردك اكتمل و أرجو منحي بعض الوقت لترتيب كل شيء حتى تخرج المناظرة بصورة مرتبة و واضحة لي و لك و لكل القارئين.

تحية لك و لمجهوداتك

المفتري
01-27-2009, 03:09 PM
بالنسبة للطلبات التي وجهتها إلي:



أولا: أن يقصر اعتراضه على نقاط الاختلاف، فلا يعترض على ذكر نقاط الاتفاق وإنما يفترض أن تكون محل تأييد ووفاق، وقد صرحت بأنني أذكر بعض ما أعلم موافقة الزميل عليه لأهمية ما ذكرته في وضوح الصورة وتكامل الفكرة، فلا معنى للاعتراض عليها أصلا كما فعل سابقا.


أين اعترضت أنا على ذكر نقاط الإتفاق؟

أنا لم أبدأ في الرد بعد لتقول أنني اعترضت على نقاط الإتفاق أو الإختلاف. أنا لم أقل أي شيء بعد.

هلا تفضلت و بينت لي ما قصدت باعتراضي على نقاط الإتفاق؟

انتظر منك توضيح لهذه النقطة.



ثانيا: إن النقاش هنا هو حول المعتقد الإسلامي وما يورده الزميل من الإشكالات، وكما أن الزميل يكلمنا على هذا الأساس فيما يتعلق بوجود الله تعالى وكماله، فلا يصح أن يعترض في ثنايا الحوار بأنه لا يؤمن بوجود الله تعالى أو كماله أو حكمته، لأن ذلك يخالف مسار الحوار بيننا وهو مناقشة المعتقد الإسلامي على ما هو عليه، وإيراد الزميل إشكالاته الشخصية على اعتقادنا لا على اعتقاده هو، وقد دعوته سابقا إن كان يريد المناقشة من خلال لاأدريته إلى حوار آخر، وفي شريط آخر، يكون موضوعه موقفه اللاأدري من وجود الله وصحة الدين، فليتنبه الزميل لذلك لأهميته وليحدد موقفه منه.


أنا متفق معك في طلبك هذا و لك كامل الحق فيه. لكن ما الذي يحدد كيفية استخدامك لهذا الحق؟

يعني أنت تريد أن نتناقش حول المعتقد الإسلامي و ليس المعتقد اللا أدري، هذا كلام جميل، و لكنك قد تقول لي أن المعتقد الإسلامي يقتضي أن تسلم بأن الله مطلق الحكمة و بالتالي لا يمكن مناقشة ما يفعله لأن المعتقد الإسلامي يقتضي بأن لا تتدخل في تصرفات الله.

و لكن الموضوع أصلاً من الأساس هو "تصرفات الله" ... لا يمكن مناقشته على ضوء المعتقد الإسلامي لأن المعتقد الإسلامي يقول أن هذه الأمور لاتناقش وهي من الغيبيات. و بالتالي فمجرد مناقشتنا لها هو خروج عن المعتقد الإسلامي و طرق لباب المعتقد اللا أدري.

بمعنى آخر، أنت تقول أن حكمة الله لا تناقش و أنا أقول أنها يجب أن تناقش. و قبولك للبدء في هذه المناظرة يتضمن مناقشتك في حكمة الله لكي تقنعني بها و هو في حد ذاته خروج عن المعتقد الإسلامي الذي يقتضي عدم التدخل في أمور الله.

و هذا الكلام ليس معناه أنني سأقحم معتقداتي اللاأدرية في الحوار و أبني عليها استنتاجاتي، فنحن في النهاية نناقش الإله الإسلامي و ليس إله من نسج خيالي، و لكن معناه أن الأشياء التي ليس من حقي أن أتكلم فيها هي أشياء محددة و التي من حقي أن أتكلم فيها هي أيضاً أشياء محددة.

الذي ليس من حقي أن أتكلم فيه هو المعتقدات المبنية على تعاليم الإسلام التي تُحدثنا عن صفات الله. يعني لا يصح أن أقول لك مثلاً أن الله ليس على كل شيء قدير لمجرد أنني اعتقد هذا. إذا كان القرآن يقول أن الله على كل شيء قدير فيجب أن أناقشك و أنا أضع في حساباتي أن الله على كل شيء قدير. ليس من حقي المساس بهذا المعتقد.

و لكن من حقي أن أقول لك: إذا كنا متفقين أن الرحمة صفة من صفات الله، فلماذا فعل كذا و كذا؟

و أن أقول: إذا كان الله حكيماً، فكيف يكون حكيماً و يفعل كذا و كذا؟

و هذا ليس خروج عن المعتقد الإسلامي و إنما هو مناقشة له.

أنا عندما تكلمت عن الحكمة المطلقة و العلم المطلق لم أقل لك أن الله ليس مطلق العلم مثلاً أو الحكمة (و هو ما يخالف المعتقد الإسلامي) ... و إنما قلت: "كيف يكون مطلق العلم و الحكمة في الوقت ذاته ثم يفعل كذا و كذا؟"

و هذه هي المناظرة أصلاً. أن تكون هناك نقاط اختلاف و إلا فلماذا هناك مناظرة؟

لا مكان في هذه المناظرة للتسليم بأمور معتقدية إسلامية و (العمل بها) ... هذه المناظرة هي مناقشة للصفات التي نتفق عليها و ليس محاولة الوصول للصفات نفسها.



ثالثا: جرى في عبارات الزميل ما لا نقبله من الألفاظ في حق الله تعالى، وهو الذي قد وعد بأن لا يفعل ذلك، ثم خالفه مرات حينما تهكم بحكمة الله تعالى في عدة مواضع من كلامه، منها قوله:
([/color][/color]أنت يمكنك أن تعلق كل شيء على شماعة الحكمة هذه بحيث لا يمكن لأحد أن يناقشك)
وكان يمكنه أن يقول (صفة الحكمة) بدل هذا التهكم بصفة من صفات الله تعالى.

وقوله: ( هل حكمته تعطي له الضوء الأخضر لكي يخلق من يشاء)
فهذا تعبير ليس فيه أدب مع الله عز وجل، وكان يمكنه أن يقول: ( هل حكمته تفسر خلقه لكل ما يشاء)
ولهذا أطالب بتعديل تلك العبارات، ومراعاة احترام المعتقد الإسلامي وعدم التهكم بقصد أو دون قصد من الدين الإسلامي.


لم أكن أقصد التهكم ... و إن كان كلامي فيه إساءة لك و لإلهك فأنا أعتذر عن هذا و سأحاول ما استطيع أن لا يتكرر. و لكن لا يمكن أن تطلب مني عدم التهكم (من دون قصد). إذا تهكمت من دون قصد سأعتذر كما فعلت لتوي. لكني أوعدك أنني لن أتهكم بقصد.



رابعا: أن يدقق الزميل في تعبيراته من حيث المصطلحات ومراعاة اللغة العربية ومراعاة القواعد العلمية والمنطقية في النقاش، حتى يرتقي الحوار ويكون بعيدا عن النقاشات التي تتدني إلى العامية الفكرية واللغوية فلا تكون لها قيمة في النهاية إلا أنها مشاجرات في قارعة الطريق.


سأحاول الإلتزام بهذا كذلك. لكني أيضاً لا أجد من داع لاستخدام عبارات مثل "مشاجرات في قارعة الطريق". ماذا لو اكتفيت بأن تطلب مني الالتزام؟



خامسا: أن يكون رد الزميل علي بطريقة مناقشة الأفكار لا التعليق على العبارات، فليفهم كلامي أولا، ثم ليرد عليه، أما تفكيك كل مشاركة وفقرة إلى عدة اقتباسات ومناقشة كل اقتباس بمفرده كما فعل في رد سابق له، فهذا سيحول الحوار إلى مناقشة تعبيرات أكثر منه مناقشة أفكار، وهذا سيطيل الصفحات على حساب الأفكار، وهو أمر أيسر علينا في الرد، ولكنه أقل فائدة للقارئ ولفائدة الموضوع مستقبليا، وفي حال إصرار الزميل على مخالفة هذا فسوف أطالب بنقل ردودي الأخيرة إلى شريط آخر لحفظ فائدتها، وسأعقب على مشاركات الزميل السابقة بالطريقة نفسها، مع اشتراط تحديد عدد الردود وزمن الحوار.


لو أنك تعلم كيف أن هذا طلب صعب بالنسبة لي. عزيزي من قال أن الرد بهذه الطريقة هو مناقشة تعبيرات أكثر من أفكار؟

و لماذا تناقشني في طريقة ردي؟ ألا تجد من الغريب و الصعب أن تطلب مني أن أرد عليك كما تحب أنت؟

هذه الطريقة هي مناقشة للتعبيرات و الأفكار معاً. هل تجدني أضيع كل وقتي في الكلام عن اختيارك للكلمات و التعبيرات؟ أنا أفعل هذا فقط لو كانت هناك تعبيرات تحتاج إلى تعليق فقط و بخلاف هذا فأنا أناقش الأفكار على ضوء العبارة المقتبسة. أنا اختلف معك تماما في أن طريقتي لا تناقش الأفكار بشكل واف و أرى أنها تغطي مائة في المائة من الأفكار و التعبيرات و كل ما يخطر لأحد ببال.

على العموم، أنا واثق أنك لن تتنازل عن طلبك ... لهذا سأتنازل أنا و سأرد بالطريقة التي تريدها. أنا قادر على إيصال أفكاري من دون اقتباسات. و لكن هذا سيتطلب المزيد من الوقت للرد لأنني بالفعل كتبت كل ردودي عليك و هي جاهزة و لكن بالطريقة التي لا تحبها.




وأنتظر من الزميل الآن أن يلخص لي نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف التي يراها على ضوء الردود السابقة، وذلك في مشاركة موجزة على غرار تلخيصي لنقاط الاتفاق والاختلاف بيننا، مع أهمية أن تكون تلك النقاط مرتبطة بموضوع الحوار وهو خلق الله للكفار ومنهجية مناقشة الموضوع. وبعد تلخيصه لنقاط الاتفاق والاختلاف سأبدي موقفي منها فإن كانت مسائل خلافية فسوف نواصل معا النقاش فيها فيطرح رده وأعقب على كل مسئلة خلافية مستقلة، وما كان منها نقاط اتفاق تجاوزناها إلى غيرها.


هذا كان في مخططي من البداية. أريد أن أعيد تذكيرك بطلبي منك أن تشير إلي أين اعترضت أنا على ذكر نقاط الاتفاق. لو سمحت لا تتجاهل هذا الطلب.

مراقب 4
01-30-2009, 12:59 AM
متابعة إشرافية لتنظيم الحوار:

بالنسبة للمطلب الأول وهو قصر الحوار على نقاط الاختلاف وعدم الاعتراض على ذكر نقاط الاتفاق: فهو محل اتفاق بين الطرفين، وسيسري العمل به بإذن الله.

بالنسبة للمطلب الثاني وهو الالتزام بالنقاش على أساس المعتقد الإسلامي وما يورده المحاور اللاأدري من إشكالات عليه : فهو مطلب معقول، بل لا يعقل سير الحوار بدونه، سيما والمحاور اللاأدري اختار اسم موضوعه (اشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي)، فمن المسلّم هنا أن الإشكالات تتوجه إلى المعتقد الإسلامي، والمحاور اللاأدري متفق مع محاوره المسلم على هذه الأمر كما ذكر في مشاركته السابقة، وسيسري العمل بهذا المطلب كذلك.

وما قال المحاور اللاأدري هنا عن (ما الذي يحدد كيفية استخدامك لهذا الحق؟) فهذا أمرٌ واضحٌ لكل من مارس شيئًا من المناظرة، فالعبرة بالدليل، فالدليل يثبت أن هذا الأمر موافقٌ للمعتقد الإسلامي من عدمه، والدليل يميز الإشكال الوارد أهو متوجه إلى المعتقد الإسلامي أم لا.

أما قول المحاور اللاأدري ( الموضوع أصلاً من الأساس هو "تصرفات الله" ... لا يمكن مناقشته على ضوء المعتقد الإسلامي لأن المعتقد الإسلامي يقول أن هذه الأمور لاتناقش وهي من الغيبيات. و بالتالي فمجرد مناقشتنا لها هو خروج عن المعتقد الإسلامي و طرق لباب المعتقد اللا أدري.) فمردود، إذ إن دعواه أن مجرد مناقشة أفعال الله تعالى خروج عن المعتقد الإسلامي دعوى باطلة لا دليل عليها بل الدليل على خلافها، فالتأمل في صفات الله تعالى والبحث في آثارها من أعظم سبل زيادة الإيمان، والموضوع محل النقاش -وهو معلوم للطرفين- يقوم على إثبات صفات الكمال لله في أفعالٍ بعينها، فليس في الأمر خروجٌ عن المعتقد الإسلامي كما ذكر المحاور اللاأدري.

أما بقية ما تفضل به المحاور اللاأدري فهو في "مجمله" يمكن وصفه بـ "محاولة" شرح لمعنى المناظرة، ونشكره على هذه المحاولة، إلا أن إيجاز القول في هذا المقام أن هذا المطلب محل اتفاق، والعبرة في تحقيقه بالدليل، وسيسري العمل بهذا المطلب في هذا الحوار بإذن الله.

المطلب الثالث وهو مراعاة احترام المعتقد الإسلامي وعدم التهكم بالدين الإسلامي فهذا أمر مسلَّم به لا يتم حوارٌ بدونه.

المطلب الرابع وهو التدقيق في التعبيرات ومراعاة اللغة والقواعد العلمية والمنطقية فمحل اتفاق وسيسري العمل به بإذن الله.

المطلب الخامس وهو مناقشة الأفكار لا العبارات، فقد أعطى المحاور المسلم فرصةً لمحاوره اللاأدري أن يختار بين تنفيذ هذا المطلب أو عدم تنفيذه مع تحديد عدد الردود وزمن الحوار، فذكر المحاور اللاأدري أنه واثقٌ أن المحاور المسلم لن يتنازل عن طلبه! وبغض النظر عن مصدر هذه الثقة فإن المحاور اللاأدري قد وافق على مناقشة الأفكار لا العبارات، وبالتالي فهذا الأمر سارٍ بإذن الله.



فهذه قواعد هذا الحوار التي جرى الاتفاق عليها:
- قصر الحوار على نقاط الاختلاف وعدم الاعتراض على ذكر نقاط الاتفاق.
- الالتزام بالنقاش على أساس المعتقد الإسلامي وما يورده المحاور اللاأدري من إشكالات على هذا المعتقد.
- مراعاة احترام المعتقد الإسلامي وعدم التهكم بالدين الإسلامي.
- التدقيق في التعبيرات ومراعاة اللغة والقواعد العلمية والمنطقية.
- مناقشة الأفكار لا العبارات.


المتفق عليه في سير هذا الحوار:
- تلخيص المحاور اللاأدري نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف في موضوع الحوار ومنهجيته.
- بعد التلخيص يبدي المحاور المسلم موقفه من هذه التلخيص.
- ثم يشرع المحاوران في النقاش في كل مسألة خلافية.

أما مطلب المحاور اللاأدري أن يحدد له المحاور المسلم موضع اعتراض الأول على ذكر نقاط الاتفاق، فيمكن للمحاور المسلم أن يرد عليه في تعقيبه على التلخيص المنتظر كنقطة فرعية.


ننتظر الآن :
وضع المحاور اللاأدري لمشاركة يلخص فيها نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف المتعلقة بموضوع خلق الله تعالى للكفار.

المفتري
01-31-2009, 12:26 PM
عذراً (مشرف 4)،

لماذا ترد بالنيابة عن الزميل ناصر الشريعة؟

أنا أقدر مداخلتك الإشرافية بهدف تنظيم الحوار، لكنك تخطيت حدود تنظيم الحوار عندما بدأت في الرد على "دعواي" و أبديت تعجبك من مدى ثقتي بما سيفعله الزميل ناصر. و هل أنت الزميل ناصر؟

أنا أفهم أن دورك الإشرافي هو المفروض دور حيادي و إن كان في نيتك أنك في صف ناصر الشريعة فلتخفي هذه النية بداخلك و لا يظهر منك هذا التحيز الواضح للزميل ناصر الشريعة على أساس أنك مشرف و لست مؤيد للزميل ناصر. لو كان الزميل ناصر هو من وكلك بالرد علي حيث أنه وقته ضيق، فكان من الأحرى أن تذكر هذا التوكيل الذي وكله لك بالرد. و هذا التوكيل بالرد لا يمكن أن أفهمه أنا ضمنياً، و يجب أن يتم التصريح عنه بشكل علني لكي تأخذ الأمور شكل جدي و منظم و واضح. فأنا الآن أجد نفسي في موقف أنا مطالب فيه بالرد على الزميل ناصر الشريعة و عليك أنت أيضاً حيث أنك رددت على "دعواي" و أنا الآن من حقي أن أرد عليك. و هكذا ندخل في مناظرة أخرى. لهذا السبب فمبدأ ردك على دعواي و ابداء العجب و الدهشة منها مرفوض فهذا كما يقول العنوان حوار ثنائي و ليس ثلاثي.

ثم أنك قمت بوضع القوانين بشكل نهائي حيث أنك ذكرت في نهاية الرد أن المناظرة بانتظار تلخيصي لنقاط الاختلاف و كان من الأحرى بك أن تسألني أولاً إذا كانت لدي أي تحفظات على هذه القوانين أو إذا كان حدث منك سوء فهم لما قصدته أنا أو ما كان يقصده الزميل ناصر للكيفية التي ينبغي أن يسير بها الحوار. و أنا بالفعل عندي بعض التحفظات و لكن لن أبدأ في الكلام عنها حتى يأتيني رد من الزميل ناصر الشريعة بأن كل ما كتبته أنت قام هو بالإطلاع عليه و الموافقة عليه. و هكذا يتأكد لي و للقراء أن الإتفاق و الإختلاف حول قوانين سير المناظرة قامت تحت علم كامل بين الطرفين الأساسيين في الحوار و ليس بالتدخل من طرف ثالث.

ناصر الشريعة
02-02-2009, 01:00 AM
أشكر المشرف الكريم مشرف 4 على تفضله بتنظيم الحوار على النسق الرائع الذي طرحه، وأعلن موافقتي على جميع ما ذكره، وهو عين ما كنت سأرد به على الزميل (المفتري).

ولا بد من التوكيد على ثلاثة أمور لا بد من بيانها وقد وضحها أخي مشرف 4 كأنه قد اطلع على ما نفسي، فلله درُّ فراسته، وهذه الأمور الثلاثة:
أولا: مطالبة الزميل (المفتري) بتبيين اعتراضه على ذكري لنقطة من نقاط الاتفاق، مع أني سبق أن وضحت ذلك في موضعه من ردي عليه، وكلامه الذي عارض فيه ذكري نقطة من نقاط الاتفاق بيننا هو قوله:

عزيزي. ألم أتحدث أنا عن موضوع عدم الإجبار هذا؟

طيب أعمل إيه؟

خلاص. أنا سأكتبها بالأحمر و بالخط الكبير لعلها تثبت في أذهان القارئين:

أنا لا أؤمن أن الله يجبرنا على شيء

لو سمحت يا عزيزي لا تذكر لي هذه النقطة. الإشكال أعلى بكثير من كون الإنسان مجبر أم لا. بكثير. أنا لا يهمني إذا كان الإنسان مجبر أم مخير. لا يهمني. ليست هذه القضية. هل رأيتني أسأل: كيف يجبر الله الناس على الأفعال؟

إلى آخر كلامه.

ولهذا قلت في ردي عليه:


وأحب أن ألفت نظرك إلى أنه ليس جميع ما ذكرته يكون بالضرورة مخالفا لما تقوله، وإنما قد يكون من الحقائق التي توافقني عليها، وإنما أحتاج إلى ذكرها لتوضيح الجواب على نقاط الاختلاف بيننا، فلا يكون هناك من حاجة لمطالبتك بعدم ذكرها لأنك لا تخالف فيها، فأرجو أن لا يضيق صدرك كلما رأيت ذكر نقطة اتفاق بيننا.
وكررت التنبيه عليه فيما بعد، ولهذا ضمنته مطالبي وجعلته أولها، فإن قال الزميل إن ما ذكره ليس من الاعتراض على نقاط الاتفاق وإنما هو شيء آخر مهما سمَّاه، فلا يهمني من جميع رده إلا التصريح بالتزام هذا المطلب فيما يأتي، وهو مطلب منصف لا أظنه يواجه بالرفض من عاقل.

ثانيا: اعترض الزميل على مطالبتي له في استشكالاته الشخصية على المعتقد الإسلامي في الإيمان بالله بأن يلتزم أحد موقفين، فإما أن يورد إشكالاته الشخصية على ما تقرره العقيدة الإسلامية، أو يتحول الحوار إلا مناقشة الموضوع من منطلقه اللاأدري، والفرق بينهما أن الأول يكون موقفه فيه أن يبين التعارض والتخالف والتناقض الذي يتصوره هو في ما تقرره العقيدة الإسلامية، فيقول مثلا:
العقيدة الإسلامية تقرر أن الله موصوف بالكمال المطلق - وليس مطلق الكمال كما يعبر به الزميل- ويشكل علي التوفيق بين ذلك وبين إقرار العقيدة الإسلامية بتخليد عذاب أهل النار، أو لا أفهم الحكمة من خلق أهل النار.
أما الثاني فيكون موقفه أن يتسائل عن طريق العلم بوجود الله وكماله ودلائله، وهنا نحتاج إلى مناقشته في حقيقة موقفه اللاأدري قبل مناقشة تلك الأسئلة، إذ كل لاأدري حالة مختلفة عن بقية اللاأدريين.

ويتحدد على هذا إذا اختار الزميل الطريق الأول أنه لا يصح أن يعترض بأن الله غير موجود أو غير كامل أو غير حكيم، لأن الإشكال هنا لا يكون واردا على العقيدة الإسلامية، وإنما هو خارج عن مناقشة ما تقرره العقيدة الإسلامية أصلا، فليست هناك مناقشة لمقررات العقيدة الإسلامية حتى يكون هناك إشكالات واردة على مقرراتها.
ويصير محصورا في إشكالاته بالمطالبة بفك التعارض والاشتباه الذي يطرأ له عند تأمل مقررات العقيدة الإسلامية في الإيمان بالله تعالى.

فالله حكيم كما تقرره العقيدة الإسلامية، وهي تقرر أيضا إمكان معرفة حكمة الله تعالى في كثير من الأمور، وتقرر أنه لا يحيط بجميع حكمة الله تعالى أحد من خلقه، وأن هذا من كمال الله تعالى، وأن العقل يقبل هذا ويقرره بل يستلزمه، وأن الإنسان له أن يسأل ويبحث عن حكمة الله تعالى، ولكنه إذ عجز عن معرفة بعض الحكمة فلا يجوز له أن يحكم بعدم الحكمة لأن عدم العلم ليس علما بالعدم، ولأن العقل يقرر ثبوت حكمة الله تعالى بشهادة ما يثبته من براهين حكمته في خلقه.
فكيف يصح أن يعترض على هذا بأنك لست مؤمنا بحكمة الله تعالى كما فعلت سابقا في ردك على ردي الأول، وهل أنت تؤمن بوجود الله أصلا؟! فكما لا يصلح أن تعترض بعدم معرفتك بوجود الله تعالى ولا علمه فكذلك لا يصح اعتراضك بعدم معرفتك لحكمة الله تعالى ورحمته وعدله.
ولهذا لا يصح أن يعترض بمثل قوله السابق:

ثبوت صفة الحكمة؟

صديقي، أنا "لا أدري" و لست مسلماً لكي تقول لي "ثبوت" الحكمة. أنا أريد اثبات أن الله حكيم و لا أتعامل على أن هذه حقيقة واقعة.

أنا لا أفترض أن الله حكيم و رحيم ثم أبني استنتاجاتي على هذا الأساس. أنا أقارن المعلومات المتوفرة لدي عن أفعاله و أقارنها بما أعتقد أنه حكمة و عدل و رحمة.

ويتحدد على هذا إذا اختار الزميل الطريق الثاني وهو الحوار على أساس موقفه اللاأدري لا على مقررات معتقدنا الإسلامي أن نناقشه في منهج المعرفة وطرقها أولا، ثم نتحدث عن معرفة العقائد الإسلامية ثانيا، ثم إذا كانت هناك إشكالات نناقشها أخيرا.


ثالثا: لقد زعم الزميل المفتري أني لن أتنازل عن طريقة مناقشة الأفكار لا العبارات، وهذا غير صحيح، ولو رجع إلى كلامي لعرف أني أفضل طريقة مناقشة الأفكار وتلخيصها بدل مناقشة العبارات، ومع ذلك فقد نصصت على موافقتي على محاورة الزميل على طريقته بشرط نقل جميع ردودي إلى موضوع مستقل لا علاقة له بهذه المناظرة ووضعي ردا على مشاركته الأولى وفقا لطريقة الاقتباسات التي هي أسهل عليَّ وأيسر بكثير وأنسب لوقتي وانشغالي الشديد.
فما أسهل أن أكتفي بمناقشته في عبارات ذكرها ونقاط مقتصرة على ما كتبه هو، وما أيسر ذلك عليَّ، فإن شاء ذلك فعلته وهو هين عليَّ، ولكني أراه سيقصر فائدة الحوار على مناقشة إشكالات فرد لا عرض فكرة من جميع جوانبها التي لا بد منها في مناقشتها.

فهذا ما أردت بيانه في شأن المطالب الثلاثة، فليبد الزميل رأيه بالموافقة أو الرفض، ثم يفسر رفضه إن كان رافضا لشيء منها، وإن لم يكن لديه إشكالية مع هذه المطالب فليشرع في كتابة ملخص لأهم نقاط الاتفاق، وأهم نقاط الاختلاف بإيجاز، كما فعلت سابقا.

ويتبين مما سبق أن ما تفضل به المشرف الكريم موافق للعدل والإنصاف، وأن ما تفضل به موافق تماما لما سبق ذكره في مواضع من الحوار، ويدل على درايته التامة بالحوار ومساراته، فجزاه الله خيرا وبارك فيه، ويسعدني تشريفه الحوار بتنظيمه له ومتابعته له.

المفتري
02-02-2009, 03:09 PM
أولا: مطالبة الزميل (المفتري) بتبيين اعتراضه على ذكري لنقطة من نقاط الاتفاق، مع أني سبق أن وضحت ذلك في موضعه من ردي عليه، وكلامه الذي عارض فيه ذكري نقطة من نقاط الاتفاق بيننا هو قوله:

(...)

إلى آخر كلامه.

ولهذا قلت في ردي عليه:

(...)

وكررت التنبيه عليه فيما بعد، ولهذا ضمنته مطالبي وجعلته أولها، فإن قال الزميل إن ما ذكره ليس من الاعتراض على نقاط الاتفاق وإنما هو شيء آخر مهما سمَّاه، فلا يهمني من جميع رده إلا التصريح بالتزام هذا المطلب فيما يأتي، وهو مطلب منصف لا أظنه يواجه بالرفض من عاقل.


أشكرك للتوضيح. كان من الضروري أن أفهم ما قصدت لأتأكد إذا كان هناك سوء تفاهم أم لا. بالفعل أنا أسأت فهم ما قصدته فأنا ظننت أنك لا تريدني أن أتكلم عن نقاط الإتفاق التي ذكرتها في بداية ردك (و هو ما كان غريباً علي بعض الشيء) و لم أفهم أنك قصدت أنك لا تريدني أن أعترض على ذكرك أنت للأشياء المتفق عيها بشكل عام بيننا كما هو ثابت في الإقتباس.

و بالنسبة للإقتباس نفسه فأنا لا مانع عندي أنت تذكر ما تشاء من أشياء نحن متفقين عليها، لكن اعتراضي هو استخدامك هذه النقاط كحجة مباشرة على ادعاءاتك.

أعني أنني في مداخلتي الأولى بينت أن كون الإنسان مخير (الذي هو محل اتفاق) لا يلغي علم الله بأن أهل النار سيدخلوا النار. و كون الإنسان مخير هو من ضمن الإشكالية التي أستفسر عنها.

و أنت استخدمت هذه النقطة المتفق عليها (و هي نقطة الحرية في الإختيار) كإثبات للعدل الإلهي في حين أنني أوردتها هي نفسها في الإشكال و ذكرت أنها ليست كافية لحل الإشكال.



ثانيا: اعترض الزميل على مطالبتي له في استشكالاته الشخصية على المعتقد الإسلامي في الإيمان بالله بأن يلتزم أحد موقفين، فإما أن يورد إشكالاته الشخصية على ما تقرره العقيدة الإسلامية، أو يتحول الحوار إلا مناقشة الموضوع من منطلقه اللاأدري،


لم أعترض على مطلبك. بل قلت أنه من حقك. أنا فقط قلت أن ما حدث في المناظرة ليس خروج عن المعتقد الإسلامي كما زعمت أنت و المشرف.

و بالنسبة لموضوع الحكمة فالحكمة هي ما نناقشه أصلاً. إذا قلت لي "ثبوت الحكمة" فالنقاش انتهى. و أنا لم أقل لك مثلاً أن الله غير حكيم و دليلي على ذلك هو كذا كذا.

أنا أقول لك، أنا معك أن الله حكيم و كل شيء، و الآن، و بما أن الله حكيم، فلا بد أن أي تصرف يفعله له حكمة ما. سؤالي هو "ما هي حكمته في كذا و كذا و كذا؟"

لم أفترض أن الله غير موجود و لا أي شيء مما ذكرت و الكلام كان واضحا في هذا الشأن في ردي السابق عندما قلت:



هذا الكلام ليس معناه أنني سأقحم معتقداتي اللاأدرية في الحوار و أبني عليها استنتاجاتي، فنحن في النهاية نناقش الإله الإسلامي و ليس إله من نسج خيالي، و لكن معناه أن الأشياء التي ليس من حقي أن أتكلم فيها هي أشياء محددة و التي من حقي أن أتكلم فيها هي أيضاً أشياء محددة.

الذي ليس من حقي أن أتكلم فيه هو المعتقدات المبنية على تعاليم الإسلام التي تُحدثنا عن صفات الله. يعني لا يصح أن أقول لك مثلاً أن الله ليس على كل شيء قدير لمجرد أنني اعتقد هذا. إذا كان القرآن يقول أن الله على كل شيء قدير فيجب أن أناقشك و أنا أضع في حساباتي أن الله على كل شيء قدير. ليس من حقي المساس بهذا المعتقد.




ثالثا: لقد زعم الزميل المفتري أني لن أتنازل عن طريقة مناقشة الأفكار لا العبارات، وهذا غير صحيح، ولو رجع إلى كلامي لعرف أني أفضل طريقة مناقشة الأفكار وتلخيصها بدل مناقشة العبارات، ومع ذلك فقد نصصت على موافقتي على محاورة الزميل على طريقته بشرط نقل جميع ردودي إلى موضوع مستقل لا علاقة له بهذه المناظرة ووضعي ردا على مشاركته الأولى وفقا لطريقة الاقتباسات التي هي أسهل عليَّ وأيسر بكثير وأنسب لوقتي وانشغالي الشديد.
فما أسهل أن أكتفي بمناقشته في عبارات ذكرها ونقاط مقتصرة على ما كتبه هو، وما أيسر ذلك عليَّ، فإن شاء ذلك فعلته وهو هين عليَّ، ولكني أراه سيقصر فائدة الحوار على مناقشة إشكالات فرد لا عرض فكرة من جميع جوانبها التي لا بد منها في مناقشتها.


أنا قلت ذلك لأنك أشرطت تنازلك عن طلبك بشرط معين و هو اشارة إلى عدم استعدادك للتنازل عن طلبك من دون هذا الشرط. و تخيلي لمسار المناظرة المثالي هو أن يستمر كل منا بطريقة رده الطبيعية بلا شروط.

و بالنسبة لطريقة ردي فذكرت سابقاً أنها لا تناقش العبارات فقط و إنما تناقش كل الأفكار التي تتطرق إليها المداخلة و يتم توجيه مناقشة الأفكار عن طريق العبارات.

أنا لا أناقش العبارات. و إنما أناقش الفكرة وراء العبارات. لا تهتم يا زميل، لقد تنازلت أنا.

الخلاصة:

طلبك ألا أعترض على ذكرك لنقاط الإتفاق مقبول بشرط ألا تكون هذه النقاط أدلة من ضمن الإشكال نفسه كما وضحت سابقاً.

طلبك بأن لا أقحم معتقداتي اللاأدرية مقبول من المداخلة السابقة بغض النظر عن رأيك عن تعليقي على مصطلح ثبوت الحكمة. سأفعل ما أستطيع لكي أتجنب هذه النقطة.

طلبك أن أناقش الأفكار لا التعبيرات مقبول.

و بالنسبة لسير الحوار فسألتزم بسير الحوار المذكور في المداخلة الإشرافية و هو ما معناه أن المداخلة التالية ستكون تلخيص سريع لما فهمته من مداخلة الزميل ناصر و ابداء رأيي فيها من حيث الإتفاق و الإختلاف.

و بالنسبة للتحفظات الأخرى فكان منها أنني أريد الزميل ناصر أن يرد على مطلبي الآن و ليس حين يأتي دوره في الرد لأهمية ذلك في التخلص من سوء التفاهم و هو ما فعله بالفعل مشكوراً، و بعض التحفظات الأخرى كانت بخصوص سير المناظرة و لكني غيرت رأيي بشأنها و قررت اعتماد المذكور في المداخلة الإشرافية.

الحق الظاهر
02-03-2009, 07:08 PM
تحية طيبة للحميع

بصراحة الموضوع جميل جدا لقد قرأته كله اليوم واحيّي صاحب الموضوع الزميل المفتري والزميل ناصر الشريعة تحية خاصة , ولاكن لماذا كل هذا التأخير في الردود الموضوع صار له حوالي شهران ولم يدخل المتناظرين في صلب الموضوع والحوار حوله ؟ اول مرة في حياتي ارى مناظرة في موضوع مهم كهاذا ولها اكثر من شهر ونصف ولم يتطرق المحاورين لاصل الموضوع بعد كل هذه المدة ولم يتفقوا على نقاط الاختلاف والاتفاق !!! اهي خوف احد الطرفين من الاخر وتحسس نقاط الضعف عنده ليبدا الهجوم والانقضاض عليه ؟ ام لا مبالاة بالموضوع ؟ علما ان التأخير الاكثر كان من جهة الزميل ناصر الشريعة
اتمنى ان لايطول الرد من قبل الطرفين اكثر من يومين لكي يكون الحوار ممتع ومفيد ويكون له متابعة كبيرة من كثير من القراء

ودمتم

مراقب 1
02-03-2009, 07:33 PM
وأنا بدورى أتمنى أن يلتزم الأعضاء بترك الموضوع لمن خصص لهم .

المفتري
02-04-2009, 09:19 PM
بانسبة لنقاط الإتفاق:

1- علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.

2- حكمة الله وعدله كافٍ في رد إشكال تعذيب المذنبين (بعد أن خلقهم الله).

3- لا إشكال فيما يتعلق بخلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار ما دام أنه سيحسن الاختيار كأهل الجنة.

4- حادثة عرض الأمانة حدثت (بحسب المفهوم الإسلامي) و لا أحاول اثبات عكس ذلك.

5- لا توجد مشكلة أن ينسى البشر حادثة عرض الأمانة. المهم هو أن النتيجة معروفة و ثابتة.

6- عرض الأمانة على البشر علماً بأنهم سيرفضونها و من ثم ارجاعهم للعدم بناء على طلبهم هو عبث.

7- لا مشكلة أن يخبـىء الله عن البشر حكمته في أمور كثيرة (حيث أنهم لن يستوعبوها). و لكن اختلافي معك هو أن ذلك يحدث فقط بشروط سآتي إليها في ردي.

هذه هي نقاط الإتفاق. إن حدث و وجدت نقاط أخرى أتفق معك فيها سأذكرها على الفور.

بالنسبة لنقاط الإختلاف، ففيما عدا ما كتبت لتوي، أنا أختلف معك. و هي أمور كثيرة جداً على أن أذكر كل واحدة منها في قائمة مماثلة لأن ردك طويل. أرى أن الطريقة المثلى لعرض نقاط الإختلاف هي البدء في الرد مباشرة.

انتظر تعليقك على نقاط الإتفاق و رأيك عن الإكتفاء بذكر نقاط الإختلاف في الرد.

ناصر الشريعة
02-05-2009, 01:18 AM
ما ذكرته من نقاط الاتفاق لا أخالفك في شيء منها، ومن أهمها النقطة الثانية والسابعة، سوى أني أعمم القول في الثانية فلا أقيده ببعد الخلق، وفي السابعة أنتظر شروطك التي أحتاج إلى أدلتها لا إلى مجرد ذكر أنها شروط.

وأنتظر منك إضافة ما يستجد لك من نقاط الاتفاق بعد معاودة النظر في الحوار.

وأما نقاط الاختلاف فهي الأولى بالتحديد، ويكفيك أن تلخص نقاط الاختلاف الكبرى، وأما ما يندرج تحتها من اختلافات في التفاصيل فهذا يمكنك أن تنبه عليه في أثناء الردود متى شئت.

وفقك الله إلى الهدى والحق.

المفتري
02-06-2009, 04:56 PM
النقطة الثانية و النقطة السابعة من نقاط الإتفاق تم ضم الأجزاء التي اختلف معك فيها إلى نقاط الإختلاف المذكورة أدناه.

نقاط الإختلاف الكبرى:

1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.

2- ما إذا كانت حكمة الله و عدله كافيان في رد إشكال تعذيب المذنبين (قبل أن يخلقهم الله)

3- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.

4- أن أمثلتك غير موافقة لتعريفك أنت بالقياس الصحيح.

5- أن الأمثلة التي أوردتها أنا جميعها موافقة لتعريفك أيضاً بالقياس الصحيح و لم يحدث مني خطأ و مغالطات في الأقيسة كما ذكرت في ردك.

6- أنا لم أصف التعبير بالإستشارة مكان التخيير "مجازاً" كما ذكرت في ردك. و لكن قلت أنه لا يمكن الخروج من سياق الكلام بأن الله يسشير الخلق لأنه يريد أن يستفهم منهم، و إنما ما قصدته هو أنه يخيرهم.

7- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة التي أنا من ضمن ضحاياها.

و ثبوت حكمته في الأمور الأخرى التي نستوعبها بالفعل (و هي المفروض كثيرة جداً) كاف لاستيعاب مدى حكمته. كما أن وجود أشياء كثيرة عظيمة الخلق كالكواكب و المجرات على سبيل المثال لا الحصر هي أيضاً إشارة كافية على قدرته و حكمته. و إن كان (لأي سبب كان) من المستلزم أن يدرك البشر أن هناك من الأمور ما لا يمكن أن نحيط به، فلتكن هذه الأمور (كما قلت من قبل) أشياء غير فاصلة في الإيمان بوجوده خصوصاً في ظل علمنا أن الله يحبنا و يريد مصلحتنا وعليه فجعله لهذه الأمور التي تشكلني مثلاً ذات حكمة فوق تصور البشر يتعارض في رأيي مع كونه يريد مصلحتنا و الموافق لهذا الحب أن تكون هذه الأمور سهلة الإستيعاب لكي لا تكون بمثابة فخاً في طريق من كانوا ليؤمنوا بالله لولاها.

تفاصيل كل وجه من هذه الوجوه سيأتي باستفاضة في ردي بعد أن تبدي موقفك من هذه النقاط.

أرجو الإنتباه إلى أنني لا أطرح هذه النقاط للنقاش حولها الآن (فأنا لم أناقشك في التفاصيل عندما طرحت نقاط الإتفاق و الإختلاف و انتظرت حتى اكتمل ردك). و إنما أطرحها لكي تكون على علم بها و لتنبيهي إذا كنت أسأت التعبير فيما أعتقد أنك متفق أو مختلف معي فيه.

ناصر الشريعة
02-07-2009, 12:55 AM
كنت أود أن يكون تلخيصك لنقاط الاختلاف الكبرى أكثر وضوحا وترتيبا، ولكن وجدت أنك أدخلت في نقاط الاختلاف الكبرى ما يعتبر نقاطا فرعية أو مكررة، فمن النقاط الفرعية النقطة السادسة، ومن النقاط المكررة (4، 5) كما سأبينه.

ولهذا أقترح عليك أيها الزميل أن تحدد نقاط الاختلاف الكبرى حسب المسائل الأربع التي لخصتها في ردي عليك، فتحدد نقطة الاختلاف الكبرى في كل مسألة منها، وإن لم تكن هناك نقطة اختلاف كبرى فيها فيمكنك أن تذكر أن خلافك فيها إنما هو في أمور فرعية لا غير.


وأما نقاط الاختلاف الكبرى فأهمها:

أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

والمسألتان الأخيرتان داخلتان في المسألة الأولى، ولكن أفردتهما بالذكر لاعتناء الزميل (المفتري) بهما.


وأرى أن ما ذكرته من النقاط (1، 2) داخل في المسألة الأولى.
وأما النقطة (3) فمتعلقة بالمسألة الثانية.
وأما النقطة (7) فمتعلقة بالمسألة الرابعة.
وأما النقطة (6) فلا تستحق الذكر هنا لما سيأتي بيانه.
وأما النقطة (4، 5) فهي مكررة، ومتعلقة بمنهجية الاستدلال وهي غير مخصوصة بمسألة معينة من المسائل الأربع، إذ الحاجة إليها ماسة في جميع المسائل، ولهذا يمكنك تقديم النقاش فيها من حيث منهجية القياس، وتترك مناقشة الأمثلة إلى مواضعها من المسائل الأربع.


فأما المسائل (1، 2) فهي نقاط كبرى في الاختلاف، ويمكنك طرح النقطة (2) للنقاش، ثم النقطة (1) فنتكلم في تنزه حكمة الله عن الظلم والعبث، ثم نناقش بعض ما ذكر من حكمة الله تعالى في خلق أهل النار.

وأما النقطة (3) فتحتاج إلى توضيح (بعض المفاهيم) التي تخالفني فيها غير (المطلق واللانهائية).

وأما النقاط (4، 5) فهي مناقشة لتفاصيل، وأما نقطة الاختلاف الكبرى فهي منهجية التعامل مع الأقيسة والأمثلة، فأقترح دمجها في نقطة واحدة وأن توضح موقفك من المنهجية التي بينتها في ردي، ثم بعد ذلك يأتي الكلام في تطبيق المنهجية الصحيحة على ما ذكر من الأمثلة.

النقطة (6) أتفق معك أن قصدك هو التخيير وليس الاستشارة وهذا قد ذكرته مرارا، ولكني أقول أن تعبيرك بالاستشارة خطأ لغة واصطلاحا على سبيل الحقيقة أو المجاز، وأنت ترى أنه صحيح بمجموع السياق وأنه ليس بمجاز، رغم أني أرى أن السياق لا يصحح هذا الخطأ، وأنه لا يصح لا لغة ولا عرفا ولا حقيقة ولا مجازا ولا سياقا، ولكن لا أرى هذا الخلاف من النقاط الكبرى حتى تذكر هنا، ولهذا أقترح إلغاءها من قائمة نقاط الاختلاف الكبرى، ويكتفى بمناقشتها في تفاصيل الحوار إن شئت، مع أني لا أرها تستحق المزيد من النقاش بعد أن بين كل واحد منا موقفه منها.

النقطة (7) حول الحكمة الخفية، وهي نقطة راجعة إلى مسألة عدل الله في هداية الناس هداية الدلالة والإرشاد، وقد بينا تحقق هذا العدل، ومسألة وضوح أو غموض بعض المسائل على بعض الناس. ولا أوافقك في تسميتك الابتلاء بالحكمة الخفية فخا، وإنما هو ابتلاء واختبار، وضلال من ضل ليس سببه خفاء الحكمة وإنما فساد طريقة التفكير والبحث، فإن كنت ترى أن خفاء بعض الحكمة لا يصلح للابتلاء، أو أنه يلزم من الحكمة عدم ضلال أحد فهذه نقطة خلاف بيننا، مع أني قد فصلت الكلام فيها، فينبغي أن تحدد ما تخالفني فيه مما قلته في تفصيلها لا أن نعود إلى البداية من جديد.

المفتري
02-07-2009, 02:02 PM
أرى أن النقطة السادسة بالفعل فرعية و أرجو أن تعذرني في هذا لأنني كنت أفعل ما أستطيع لأغطي ما أمكن من نقاط الإختلاف.

أما النقطتين الرابعة و الخامسة فهم في رأيي من النقاط الأساسية في الحوار و المشكلة هنا عزيزي أن الموضوع يخضع للآراء.

لذلك، و تفادياً لمسألة الآراء، سأقبل طلبك بحذفهم من نقاط الإختلاف الكبرى لو أردت و لا أرى أن هذا سيحدث فارقاً كبيراً معي و لكن إذا كان ذلك مهم بالنسبة لك فلك هذا.

لاحظت كذلك أن النقطتين 1 و 2 تقريباً نفس الشيء و بالتالي سأقوم بدمجهما ليكونوا نقطة واحدة و حذف النقطة الثانية.

و عليه،

فالنقاط المعتمدة هي النقاط 1 و 3 و 7.

و أرى أن هذه النقاط تتمشى مع ثلاث من نقاطك.


أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

تتمشى مع


1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.

اكتفي فقط بذكر هذا و لا داع للخوض في التفاصيل الآن.


ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

تتمشى مع


3- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.

و هنا أيضاً اكتفي بذكر الإختلاف و عدم الخوض في التفاصيل.


رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

تتمشى مع


7- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة التي أنا من ضمن ضحاياها.

حيث أن الكلام عن الحكم المخفية جاء في سياق النقطة الرابعة: "هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟"

و الآن تبقى:


ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

فهذه نقطة اختلاف هي الأخرى لأن حرية الإختيار في رأيي ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و التفصيل أيضاً يأتي في الرد.

و بالنسبة لما أردت تحديده فيما يخص خفاء الحكمة:



فإن كنت ترى أن خفاء بعض الحكمة لا يصلح للابتلاء، أو أنه يلزم من الحكمة عدم ضلال أحد فهذه نقطة خلاف بيننا.


هي فعلاً نقطة اختلاف بيننا. لأنني (لأسباب آتية في الرد) غير موافق على الحكمة من الإبتلاء التي أوردتها في ردك. و لا أرى أنه من الحكمة أن يضَل من كانوا ليهتدوا لولا ما أسميته بالإختبار.

و بناء عليه، فالترتيب النهائي للنقاط:

1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.

2- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.

3- حرية الإختيار ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و ليست هي ما ينزه الله عن الظلم.

4- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة.

5- الحكمة من الإبتلاء و الإختبار.

هل من تعديلات أخرى؟

ناصر الشريعة
02-07-2009, 09:36 PM
لا اعتراض على النقاط من (1-4) وأما النقطة الخامسة فهي من فروع النقطة الأولى، لأنهما تعبيران عن معنى واحد، وهو الحكمة من خلق أهل النار وتكليفهم، والتكليف ابتلاء واختبار، ولهذا أقترح دمجها مع النقطة الأولى إن شئت.

وأمر آخر، هو قولك:

أما النقطتين الرابعة و الخامسة فهم في رأيي من النقاط الأساسية في الحوار و المشكلة هنا عزيزي أن الموضوع يخضع للآراء.

لذلك، و تفادياً لمسألة الآراء، سأقبل طلبك بحذفهم من نقاط الإختلاف الكبرى لو أردت و لا أرى أن هذا سيحدث فارقاً كبيراً معي و لكن إذا كان ذلك مهم بالنسبة لك فلك هذا.
فأنا إنما اقترحت دمجهما وجعلهما نقاشا في نقطة منهجية في غاية الأهمية وهي منهج الاستدلال بالأقيسة والأمثلة، ثم بعد ذلك لا مانع عندي من مناقشة الأمثلة وتفاصيلها حسب أهميتها في الحوار على ضوء القواعد المتفق عليها في مناقشة منهجية الاستدلال.

أرشدك الله لطاعته

المفتري
03-01-2009, 12:40 PM
أعتذر عن تأخري في الرد، فقد كنت دائم السفر في الفترة الماضية.

سأضع ردي قريباً.

المفتري
03-12-2009, 03:33 PM
فكرت كثيراً في أفضل طريقة أتناول بها ردودك بعد أن قررت أن أغير طريقة ردي. استقر الأمر في ذهني على الرد عليك اهتداءاً بنقاط الإختلاف الكبرى التي اتفقنا عليها مع التطرق إلى بعض النقاط الفرعية.

و أود في البداية أن أدرج حديثين من صحيح البخاري:

الحديث الأول:

‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏حدثني ‏ ‏أخي ‏ ‏عن ‏ ‏سليمان ‏ ‏عن ‏ ‏ثور ‏ ‏عن ‏ ‏أبي الغيث ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال:

‏أول من يدعى يوم القيامة ‏ ‏آدم ‏ ‏فتراءى ذريته فيقال هذا أبوكم ‏ ‏آدم ‏ ‏فيقول لبيك وسعديك فيقول أخرج بعث جهنم من ذريتك فيقول يا رب كم أخرج فيقول أخرج من كل مائة تسعة وتسعين فقالوا يا رسول الله إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منا قال إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.

المصدر: موقع تابع لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمملكة العربية السعودية.

http://hadith.al-islam.com/Display/Display.asp?hnum=6048&doc=0&IMAGE=%DA%D1%D6+%C7%E1%CD%CF%ED%CB

الحديث الثاني:

حدثني ‏ ‏إسحاق بن نصر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو أسامة ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏رضي الله عنه عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال:

يقول الله تعالى ‏ ‏يا ‏ ‏آدم ‏فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن ‏ ‏يأجوج ‏ ‏ومأجوج ‏ ‏ ألفا ثم قال والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا فقال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود.

المصدر: موقع تابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمملكة العربية السعودية.

http://hadith.al-islam.com/Display/Display.asp?hnum=3099&doc=0&IMAGE=%DA%D1%D6+%C7%E1%CD%CF%ED%CB

و بما أن الروايتين مختلفتين، فسآخذ في الإعتبار الحديث الأول و الذي نخرج منه بأن 99% من البشر الذي خلقهم الله ابتدائاً من آدم و إلى يوم الساعة، هم في النار. (الرواية الأخرى تقول 99.9%) و لكني كما قلت سأعتبر أنها 99%.


و الآن نبدأ بنقطة الإختلاف:

"حرية الإختيار ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و ليست هي ما ينزه الله عن الظلم"

جاء في ردك الكثير مما معناه أن الإنسان "مخير" في النهاية و غير مجبر على شيء و أن هذا يساهم كثيراً في إزالة الإشكال.

أولاً:

ما هي قيمة الحرية يا زميل إذا كانت عاجزة عن تغيير ما بعلم الله؟

هل منْح الله لعباده حرية الإختيار يعطيهم فرصة بأن يغيروا ما في علمه لعلهم يدخلوا الجنة مثلاً؟

الحالة الوحيدة التي تكون فيها حجة الحرية صحيحة، هي أنت تكون الحرية قادرة على تغيير ما بعلم الله على أساس أن الغرض من منحها سيكون:

"صحيح أني أعلم أنك ذاهب للنار، و لكني سأعطيك فرصة لعلك تغير هذا الواقع" – هنا ممكن نتناقش. لكن ليس هذا ما يحدث. الحرية لا تغير الواقع.

ما قيمة الحرية إذا كان المصير ثابت في علم الله و لا يتغير؟

ثانياً:

أنت تنظر للموضوع على أن الحرية التي منحها الله للبشر تعالج مسألة علمه المحتم المسبق أن (أحمد) مثلاً سيدخل النار. و لكن هذا ليس ما يحدث.

المعلومة التي في علم الله المسبق (ليست) أن أحمد سيذهب للنار فبالتالي أعطاه الحرية، و إنما العكس. المعلومة هي "أحمد سيذهب للنار (إذا) خلقه الله حراً". و هذه المعلومة هي الموجودة في علمه منذ الأزل و هي الإشكال نفسه و ليس شيء آخر.

دخول أحمد النار ساهم فيه الشرط بأن يخلقه الله حراً و ليس أن الحرية تعطي فرصة مثلاً أو تعالج شيئاً. و أنا لا أقول أن خلْق أحمد حراً هي الحالة الوحيدة التي إذا تم خلق أحمد عليها سيدخل النار، و لكني أقول أن الله كان يعلم أنه من الحالات الأكيدة.

من يعرف؟ قد يكون هذا الأحمد سواء خلقته حراً أم لا، يذهب للنار في النهاية أيضاً (إن صح هذا). قد يكون سيذهب للجنة. أياً كان. لا يهمنا الإفتراضات الغيبية الأخرى التي لم تحدث. يهمنا فقط الواقع و الإفتراضية التي حدثت معنا و نعرفها جيداً: الله خلق أحمد حراً (في ظل) معرفته أن خلق أحمد حراً ليس كافياً لتغيير مصير أحمد و "إنقاذه من النار".

لاحظ هنا أنني أفترض أن الله لا يحب الشر لمخلوقاته و إنما يحب لهم الخير. و بالتالي من حقي أن أقول أشياء مثل (إنقاذ أحمد من النار).

الخلاصة أني أقول لك:

"كيف خلق الله الناس و هو يعلم أنهم ذاهبون للنار؟"

و أنت بدلاً من رد الإشكال تقول لي:

"ليس هذا فقط. و إنما كان يعلم أيضاً أنه إذا خلقهم (أحراراً) و أعطاهم التمييز بين الخير و الشر، سيدخلون النار. و مع ذلك خلقهم أحراراً". أنت تضيف إشكالات، تضيف أشياء كان يعلمها الله و تجاهلها و لا تحل شيئاً.

و هذا ينتقل بنا إلى:

الحكمة من خلق أهل النار

فإذا كان ثابتاً أن الله برغم علمه أن خلقه لبعض الناس (و منحهم الحرية في الإختيار) لا يعطي لهم الفرصة بأن يغيروا ما كان في علمه (الذي هو دخول "حري الإختيار" جهنم).

و إذا كان ثابتاً أن الله يحب عباده و خلقه و مع ذلك سمح بخلق أهل النار، فلا بد إذاً من حكمة عنده لخلق أهل النار.

الحكمة (الواردة في ردك) هي:

أن الله عنده صفات كثيرة منها أنه رحيم و منها أنه منتقم و شديد العقاب، منها أنه عادل، منها أنه قاهر.

و الله لكي يجعل صفة مثل صفة النعمة و الرحمة تتحقق، يجب أن يخلق بشراً و ينعم عليهم و يرحمهم فتتجلى فيهم صفاته، و من ضمنهم أهل الجنة. و هو ما يبين لنا أحد أسباب خلق الله لأهل الجنة. فالله يريد أن تتجلى صفات الحب و النعمة و الرحمة مثلاً فيهم.

و الكلام نفسه بالنسبة للصفات الأخرى. الله قاهر. كيف يكون الله قاهراً إذا لم يكن هناك من يقهره؟ و هو ما يفسر لنا وجود أهل النار. الله خلق أهل النار لأنه يريد أن تتجلى فيهم صفاته.

لكن تحقيقاً للعدل، الله سيختار هؤلاء الذين ستتجلى فيهم صفات القهر من هؤلاء الذين إذا خُلقوا سيعصوا الله و بالتالي يستحقوا العذاب لأنه سيخلقهم حري الإختيار.

يعني، أهل النار موجودين في هذه الدنيا و وظيفتهم هي أن يقهرهم الله لأنه لا بد من أحد ليُقهر لتتجلى صفات الله و تظهر. و أهل النار هم من استحقوا أن يكونوا "من سيظهر فيهم هذا التجلي" لكونهم اختاروا العصيان بكامل ارادتهم التي وهبهم الله إياها سلفاً تحقيقاً للعدل.

لنقم بتحليل هذا الكلام:

أولاً: لِمن يريد الله أن تتجلى صفاته؟

للناس؟

أم لنفسه؟

أم لأن هذا شيء لا بد من حدوثه بأي حال من الأحوال و بغض النظرعن من الذي سيتجلى له الأمور؟

إذا كان للناس، ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراً و يرمي 99% منهم في النار و يعذبهم أشنع العذاب لأبد الآبدين لكي يبين للـ %1 المتبقي أنه قاهر مثلا؟

بحكم أن الله رحيم يعني، من الأكيد أنه بقدرته اللانهائية يستطيع أن يوصل نفس المفهوم للناس من دون أن يعذب 99% من البشرية بهذا الشكل.

من الأكيد أنه يستطيع أن يجعلها تتجلى في أشياء أخرى غير أن يعذب الناس. أليس الله على كل شيء قدير و في نفس الوقت يحب خلقه حباً شديداً؟ هذا فضلاً عن عدم حاجته لأن تتجلى صفاته في أي شيء على الإطلاق.

ملاحظة: المنطق الذي استخدمه هنا و في أكثر من مناسبة أخرى في هذا الموضوع، لا يتكىء كاملاً على حديث الـ 99% هذا في حال ما إذا كنت غير مؤمن به أو معترض على استخدامي له بأي شكل من الأشكال . ففي هذه المناسبة مثلاً، يكفي أن نقول أن الله يستطيع أن يوصل مفهوم قدرته على القهر بدون تعذيب أي أحد على الإطلاق و ليس 99% بالضرورة و هو ما يجعل تعذيبه لـ 99% أمر خطير جداً.

ثانياً: تتجلى لنفسه؟

لا حاجة للخوض فيها. الله لا يحتاج أن يبين لنفسه أي صفة، فهو أعلم من أي أحد آخر بصفاته هو. هذا احتمال مرفوض.

ثالثاً: هذا شيء لا بد من حدوثه بأي حال من الأحوال و بغض النظرعن من الذي سيتجلى له الأمور؟

لماذا لا بد من حدوثه؟ ما الضرورة في أن تتجلى صفات الله؟ هذا يعطي الإنطباع أن الصفات أشياء تجبر الله على التصرف بما تمليه عليه و الله غير مجبر على شيء.

فمثلاً من كلامك يمكن أن نفهم أن الله (لأنه) قاهر مثلاً، فهو "يحتاج" شيء يخلقه و يقهره لكي تتحقق هذه الصفة. و لكن لماذا يجب أن تتحقق؟

هل "يحتاج" الله إلى أي شيء؟

أمر عادي أن يكون الله قاهر و لا يقهر أحد. بمعنى آخر، هو عنده القدرة على قهر أي أحد و لكنه ببساطة لا يفعل ذلك و لا يحتاج أن يفعل ذلك.

ما الحاجة الماسة لخلق البشر و قهرهم لتتجلى الصفات إذا كانت عندك القدرة أن تحقق نفس الغرض من دون فعل ذلك، خصوصاً لو أن هذا الـ"ذلك" يتضمن تعذيب أرواح كثيرة جداً أشنع عذاب يمكن وصفه لأبد الآبدين؟

و بالنسبة لحرية الإختيار فهي الآن لا قيمة لها. كل فائدتها الآن هو جعل من سيدخلوا النار هم من مستحقيها لتحقيق الغرض الأساسي و هو تجلي صفات الله.عزيزي، لو أن الله يريد أن يخلق بشراً تتجلى فيهم صفاته، لو هو أراد ذلك سيفعله مهما كانت الظروف. أي فارق سيحدث إذا أعطاهم حرية الإختيار أم لم يعطيهم إياها؟ هو أراد ذلك و سيفعله. إنتهى الأمر. و موضوع الحرية هذا ليس إلا "كيف" سيفعل الله هذا الذي شاء. فبدل من أن يخلق بشراً ليس عندهم حرية الإختيار لتتجلى فيهم صفة القهر، يجعلهم عندهم حرية الإختيار، كل هذه أمور جانبية تكميلية لا تؤثر في الواقع. الواقع هو: الله يريد صفاته أن تتجلى. إذاً، هو سيفعل ذلك. سيخلق بشراً و سيدخلوا النار في النهاية لأنه أراد ذلك. لا دخل للحرية بالموضوع. الحرية شيء لا تأثير له على الإطلاق في مشيئة الله إذا شائها.

نقطة أخرى جانبية:

إذا كان ما تقوله صحيحاً، فهل صفة القهر تحتاج إلى ناس أكثر بكثير (و أعني بكثير) من أي صفة أخرى معاكسة لها لكي تتحقق؟

الحديث المدرج أعلاه يقول بأن هذا الكلام صحيح. و أظنني لا "أفتري" عندما آتي بحديث من صحيح البخاري.

فالله –حسب كلامك- لكي يجعل صفة القهر تتجلى، جعل 99% ممن سيخلقهم من المستحقين لعذاب النار. و الـ 1% الباقي فقط للرحمة مثلاً أو أي صفة أخرى.

لماذا هذه النسبة بالذات عزيزي لو أن هذا الحديث صحيح؟

أليس 50% كافياً مثلاً؟

أو 75% أو حتى 90%؟

لماذا 99%؟ (و في رواية أخرى 99.9%)؟

و 1% فقط هم ما نحتاجه لكي تتجلى صفة الرحمة؟

هل تؤمن بهذه الأرقام؟

و لو أجبت بنعم، فهل عندك تفسير منطقي لها؟

إذا كنت غير مؤمن بالحديث هذا بالذات، فمن المتعارف عليه إسلامياً أن أهل النار يفوقون أهل الجنة بمراحل خيالية بغض النظر عن النسبة الحقيقية.

و من الأدلة القرآنية على ذلك:

(ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) [سبأ: 20 ]

(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103 ]

و يكفي أن يزيد أهل النار عن أهل الجنة بنسبة 1% فقط لكي يصح التساؤل عما إذا كانت صفة القهر تحتاج عدد أكبر من البشر لكي تتجلى و تظهر.

الحكمة من الإختبار:

سأتكلم عن الحكمة من الإختبار على ضوء الحديث المذكور مرة، و من دونه مرة.

أولا: على ضوء الحديث:

فإذا كان أهل النار يفوقوا أهل الجنة بمراحل، أليس هذا معناه أن الله يحمل الإنسان فوق طاقته؟

و ألا يثبت هذا أن منح الإنسان حرية الإختيار شيء مضر له جداً و لا يدعي للتفاخر؟

المسلمون يدافعون بضراوة عن ربهم بحجة أن الله أعطانا الحرية الكاملة في الإختيار. طيب، ألا تثبت نتيجة هذا الإختبار (99% راسب و 1% ناجح) أن إعطاء الإنسان الحرية شيء سيء له و مضر و ليس جيداً كما يدعي المسلمون بدليل أن 99% ممن أُعطوا هذه الحرية المنشودة دخلوا النار للأبد؟

النسبة تقول أن الإنسان (كقاعدة) هو أصلاً كائن عاصي بطبيعته و الأصل هو أن يسيء استخدام الحرية التي أعطاه الله إياها. أو أن الإنسان هو كائن لو أعطيته حرية التصرف، سيذهب للنار. هذه هي القاعدة الأساسية و التي لها استثناء يؤكدها و هو الـ 1%.

أليس من حقي أن أقول أن الشيء الذي يحدث بنسبة 99% هو القاعدة و أن الـ 1% الباقي هو الإستثناء؟

و أليس كون القاعدة الأساسية هي أن الإنسان حر التصرف يدخل النار، أن الله يحمل الجنس البشري ما لا يتحملون على أساس أن الإنسان بطبيعته يسيئ استخدام الحرية؟

ثانياً:

ما فهمته من ردك عن الحكمة من الإبتلاء و الإختبار، هو أن الله يريد أن يبين المؤمن الحق من المنافق. باختصار: يُظهر كل إنسان على حقيقته.

ننتهي أولاً من السؤال المعتاد: ألا يعرف الله المنافق و المؤمن؟ ما الحاجة أن يبين الله المؤمن من الكافر أو المنافق إذا كان هو يعلمه فعلاً من البداية؟ هذه واحدة.

الأمر الآخر: لِمن يبين الله المؤمن من الكافر؟

لنفسه أم للناس أم أن هذا شيء يجب أن يظهر بغض النظر عن من الذي سيتبين له هذا الأمر؟

ثانياً:

لنفترض أن الله يريد أن يختبر واحد من عباده بأن تموت زوجته مثلاً، و أن عبده هذا كان مطيعاً لله و عابداً له. و لكن عندما جاء الله ليختبره و يبتليه و قبض زوجته، قال لا يوجد إله و كفر. كيف يكون هناك إله رحيم و يقبض زوجتي بهذا الشكل؟

فبغض النظر عما إذا كان هناك رد بأن الله قد يكون رحيماً و مع ذلك يقبض روح زوجته و أن الرحمة مثلاً لا علاقة لها بالأمر، فهذا الرجل أولاً لا يعرف هذا الرد، و إذا قلته له قد لا يفهمه و لا يقبله. و سيكفر بالله مثلاً بسبب هذا الإختبار.

و الآن عزيزي، أليس هذا الإختبار هو السبب في أن هذا الرجل سيدخل النار؟

أعني، أن الرجل كان مطيعاً و كل شيء سليم في حياته، و كان سيدخل الجنة بطبيعة الحال لولا هذا الإبتلاء الذي جعله يدخل النار. فماذا هو دور الإبتلاء في هذه الحالة غير أنه السبب في دخوله النار؟

لاحظ أن هذا سيناريو وارد جداً و ليس خيالياً لأن من المفهوم أن الإختبار الغرض منه "إظهار" المؤمن الغير مكتمل الإيمان أو المنافق من المؤمن الصحيح، و نجاح هذا "الإظهار" ليس معناه إلا "وقوع" العبد الذي يتم اختباره أو فشله بصفة عامة في الإختبار.

و نرى شيء مماثل فيما يخص المصير المتغير في قولك:



فلا يجتمع الاختبار والابتلاء مع ذهول القلب في مشاهدة موقف التخيير والعرض واستحضاره له في حياته الدنيوية، وإنَّ في ذلك من البعد عن الحكمة كالذي في شهود الإنسان الجنة والنار حتى يراهما رأي العين، ثم يقال له إنك مخير بين الطاعة والمعصية في دار التكليف، فإن هذا من أبعد ما يكون عن حكمة التكليف، ولا يتصور فائدة للتخيير والعرض بعد أن صار الإنسان يشهد دار الجزاء بعينيه، فيكون حاله كحال من يذهل من شدة الهول عن الفكر والنظر والاختيار.


طيب، هذا الذي رآه و أصابه بالهول و الدهشة، هل هو وهم و خداع، و لهذا لا يريد الله أن يريهم إياه حتى لا تتأثر قراراتهم بهذا الوهم الزائف؟ أم أنه هو الواقع و لا يريدهم الله أن يروه؟

أي القرارات أصوب، و أنت ترى الواقع أم و أنت ترى الوهم؟

طبعاً الواقع. و الذي كانوا سيروه لو كان الله أراهم النار و الجنة هو الواقع.

ما المشكلة أن ترى الواقع؟

حسب كلامك:

الإنسان الكافر لو رأى من البداية جهنم و استحضرها في الدنيا قد يؤمن لهول ما رآه. و لكن الله ليضمن أن هذا لن يحدث، لا يريه شيئاً حتى يتركه يتصرف بطبيعته التي يعلم الله أنها ستدخله النار.

هكذا يضمن الله أن هذا العبد لن يدخل مكاناً لا يستحقه كالجنة مثلاًً و كل شيء ينضبط.

أو:

الكافر ممكن لو رأى الجنة من البداية و استحضرها في الدنيا قد يعجبه الموضوع و يسعى له زيادة لكي يحصل عليها لجمال ما رآه. و لكن الله لم يريه الجنة و لم يسمح له بهذا المجهود الزيادة لأنه يعرف أن هذا لن يكن حاله إذا لم يكن رآها. و بحسب قولك، هذا ينفي الغرض من الإختبار الذي هو:

اظهار كل واحد على حقيقته. (و التي يعرفها الله من دون اختبار)

و السؤال عزيزي: لماذا لا يحدث العكس؟

لماذا لا يكون الوضع أن:

الله عندما أدرك أن عبده الفلاني لو رأى الجنة سيعمل جاهداً ليحصل عليها و لو لم يرها فسيدخل النار. فبالتالي أراه الله إياها ليرحمه بحكم أنه رحيم محب لخلقه؟

لماذا لا يكون الوضع هكذا و ليس العكس؟

هل لأنه بهذه الطريقة سيدخل الناس كلهم الجنة؟

و ما المشكلة؟ هل هذا ينقص من الله؟ هل الله حبه محدود بحيث يختص به بعض البشر؟

لن تتجلى صفات القهر؟

و لماذا يجب على صفة القهر أن تتجلى؟ من الذي قال أن هذا لازماً؟

نقطة فرعية: آنية الأذى لحظة الخلق

ما الذي أقصده بآنية الأذى لحظة الخلق؟

أقصد أن الله عندما خلق أهل النار، فهو آذاهم لحظة الخلق و ليس عندما يدخلوا النار.

و عندما خلق أعل الجنة فهو أنعم عليهم و أفادهم لحظة الخلق و ليس لحظة دخولهم الجنة.

بمعنى أدق، اللامساواة حدثت بالفعل في (الآن أو اللحظة) التي خلق فيها الله أهل الجنة و أهل النار لأن النتيجة الناشئة عن خلق هؤلاء و هؤلاء واحدة لا يمكن أن تتغير و لا يستلزم الأمر أن ننتظر حتى يدخل أهل الجنة حنتهم و أهل النار جهنم لكي نقول أن الأذى أو الفائدة بدأت فقط لحظة الدخول.

زميلي، دعني أعد للوراء أكثر و أرتب الصورة كما أراها.

أولا: الله أزلي الوجود لا بداية له و صفاته أزلية معه و منها علمه، فعلم الله أزلي بنفس أزلية الله.

يعني، كلنا، أنا و أنت و كل ما أكتبه و ترد عليه، أزلي في علم الله و إن لم يكن قد حدث بعد في الأزل. يعني أنا و أنت كائنات أزلية مع الله لكن الفارق أننا كنا أفكار في علمه و الآن أصبحنا واقع.

في قديم الأزل، لم نكن نحن فقط من كان في علم الله الأزلي، بل كان –و مازال- هناك في علم الله، أكوان أخرى و ناس مختلفين عنا تماماً و لكنه لم يخلقهم و لم يخلق أكوانهم. ناس مثلاً من جنس واحد و لا يتزوجون و الأرض عندهم على هيئة أخرى و هكذا. كل التفاصيل المتعلقة بهذه الإفتراضات الأخرى التي لم تحدث، يعلمها الله منذ الأزل و كان يعلم ماذا كان سيحدث إذا خلقها و كيف كانت ستبدو إلا أنه لم يخلقها. و كان يعلم أيضاً أنه سيخلقنا نحن على الشاكلة التي نحن عليها. أرض بيضاوية الشكل و بشر من جنسين مختلفين يتزوجون.

أي أنه في الأزل، كنا نحن (بالحياة التي نحن عليها) بجانب عدد لا نهائي من الأكوان الأخرى الإفتراضية موجودون في علم الله الأزلي و كلنا (نحن و الأكوان الأخرى) كنا متساويين في شيء واحد و هو أن الله لم يخلقنا بعد.

الله اختار كون واحد، أو "سيناريو" واحد فقط من بين كل هذه الأكوان و "السيناريوهات" الأخرى ليخلقه لغرض و سبب ما لا يهمنا. و الآن ما معنى أن "يختار" الله واحد من بين كل هؤلاء؟

معناه أن هذا الكون الإفتراضي الواحد الذي اختاره سيبدأ في التحقق بالحرف و تماماً بالكيفية التي كانت موجودة في علمه الأزلي بلا أدنى اختلاف. و أن كل ما في علمه سيبدأ في التحقق (لحظة) البدء في خلقه بدون اختلاف عنه.

يعني إذا كان في علم الله الأزلي شيء افتراضي اسمه الشمس، و هذه الشمس الله يعرف أنه إذا خلقها ستصدر ضوئاً و حرارة، إذاً فلو خلقها سيتحقق ما كان في علمه، و ستصدر بالفعل ضوء و حرارة كما يتوافق مع ما كان في علمه.

هل يمكن أن تصدر الشمس الضوء و الحرارة من قبل أن يخلقها الله؟ بالطبع لا. يعني "الخلق" هو الفعل الذي يسمح لما هو ثابت و أكيد في علم الله أن يتحقق. ليس أكثر.

هذا هو تعريف الخلق بناءً على أزلية علم الله. هو "البدء" في تنفيد فكرة أزلية مكتملة في علم الله.

من ضمن الأشياء التي كانت موجودة في الكون الذي اختار الله أن يخلقه دوناً عن الأكوان الأخرى الإفتراضية، هي أهل النار و أفعالهم. هم أزليين في علمه، و حرية التصرف التي منحهم الله إياها أزلية في علمه.

و كما لا ينبغي للشمس أن تصدر ضوئاً و حرارة (إلا) إذا خلقها الله، و لا ينبغي لها أن تكون أي شيء آخر مختلف عن الذي أراده الله لها، كذلك لا ينبغي لأهل النار أن يذهبوا للنار (إلا) إذا خلقهم الله. و لا ينبغي لأهل النار أبداً أن يكونوا أي شيء آخر مختلف عما أراده الله لهم. هم فكرة أزلية حالها كحال مليارات الأفكار الأخرى. و كل ما حدث هو أن الله "سمح" لها أن تحدث دون سواها.

و الآن عزيزي، في قديم الأزل، عندما كنا كلنا مجرد أفكار في علم الله، لم نكن ارتكبنا أي معاصي بعد. لم نكن بدأنا في عبادته بعد. لم يحدث أي شيء على الإطلاق بعد. كنا كلنا سواء و لم يحدث بعد ما يلزم أحدنا بالعذاب و الأحد الآخر بالنعيم.

يعني أهل النار في علم الله الأزلي و أهل الجنة في علم الله الأزلي هم متساوون في كل شيء ما بينهم البعض و ما بينهم و بين الأكوان و المجرات الإفتراضية الأخرى. كل سواء.

ماذا سيحدث إذا خلق الله واحد من أهل النار؟

يكون آذاه لحظياً ( يعني لحظة الخلق = لحظة الأذى). لأنه "سمح" بحدوث واحد من السيناريوهات الأزلية التي كانت موجودة في علمه، هذا السيناريو لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة فقط لا غير و هي أن هذا الشخص سيدخل النار بعدما يُمنح الحرية و كل هذا كان في علم الله الأزلي.

أريد أن أؤكد على هذه النقطة، أن مجرد خلق أهل النار هو أذى لهم لحظة السماح لهم بالتواجد. لأن هذا السماح بالتواجد (بحسب علم الله الأزلي) (لا يمكن إلا) أن يؤدي إلى دخولهم النار تماماً كما أن خلق الشمس لا يمكن إلا أن يؤدي إلى أن تبعث الشمس الضوء و الحرارة.

و الكلام عكسه بالنسبة لأهل الجنة. مجرد خلق أهل الجنة هو إفادة لحظية لهم لأنهم كانوا بحياتهم و حرية اختيارهم، فكرة أزلية من ضمن أفكار أخرى كثيرة سمح الله لها بالحدوث دوناً عن غيرها. و ما إن يخلق الله هذه الفكرة و ينفذها، ستبدأ في التحقق تمشياً مع علمه المسبق بها منذ الأزل بأعلى دقة ممكنة.

أين العدل في هذا يا زميل؟

الإثنان كانوا مجرد فكرة فقط،

أهل النار كانوا فكرة أزلية تقول: هؤلاء قوم لو خُلقوا و منحوا الحرية سيدخلوا النار.

و أهل الجنة كانوا فكرة أزلية تقول: هؤلاء قوم لو خُلقوا و منحوا الحرية سيدخلوا الجنة.

مجرد خلق أهل الجنة فائدة آنية لهم لحظة الخلق

مجرد خلق أهل النار ضرر آني لحظة الخلق

هل من العدل أن يخلق الله هذا و ذاك و يفيد هذا و يضر ذاك بالرغم من أنهم كانوا سوياً في العدم و لم يفعلوا شيء بعد؟

هذه كانت أول نقطة فرعية. و خلاصتها أن هناك لا مساواة في خلق أهل النار و أهل الجنة.

نقطة فرعية (2): نسأل سؤال جديد و هو الذي طرحته في منتدى الموضوع الأصلي:

لماذا يوجد في علم الله المسبق من هم سيدخلوا الجنة و من هم سيدخلوا النار؟

لماذا يعرف الله أن أحمد مثلاً بالذات سيذهب إلى الجنة و أن محمد سيذهب للنار من قبل حتى أن يخلقهم؟

ما هو الفرق بين أحمد و محمد؟

أليست مصائرهم هذه مبنية على أعمالهم؟

معنى ذلك أن أعمالهم مختلفة.

و لماذا اختلفت أعمالهم عن بعض؟

هل خلقهم الله متماثلين تماماًً و رغم هذا التماثل تصرفوا بشكل مختلف؟

نحن الآن أمام اختيارين.

الأول أن الله خلق أحمد و محمد متماثلين تماماً في كل شيء (و هو مستحيل لأن المعروف أنهم سيتصرفوا بطريقة مختلفة فكيف هم متماثلين إذاً؟)

و الثاني أنه خلقهم غير متماثلين و عدم التماثل هذا كان سبباً في أن أعمال أحمد أدته للجنة و أعمال محمد أدته للنار و هو ما معناه أن كل واحد فيهم لم يدخل الجنة أو النار لأنه يستحق ذلك، و لكن لأن الله خلقه و صممه بحيث يستحق ذلك!

لنر الموضوع من زاوية مختلفة.

في مرحلة الأزل. أحمد و محمد كانوا موجودين في علم الله فقط (كما شرحت من قبل) بأن أحمد ذاهب للجنة و محمد ذاهب للنار. هو كان يعلم ذلك. متفق عليه أنه كان يعلم ذلك.

السؤال: هل كان يعلم ذلك لأنه كان يعلم أنه سيخلقهم بطريقة معينة تؤدي بهم إلى هذا الـ"ذلك"؟

أم أنه كان يعلم ذلك لأنه كان يعلم أنه حتى لو خلقهم قمة في التساوي، لن يكون هذا التساوي كاف لكي تكون مصائرهم واحدة في النهاية؟

إذا كان يعلم من البداية أن خلقهم في قمة التساوي لن يكن كافياً لتكون مصائرهم واحدة، فلماذا ظلم الذي سيذهب إلى النار فيهم و خلَقه؟ و ماذا فعل الآخر ليستحق الجنة عنه؟

و إذا كان هو الذي سيخلقهم بهذه الطريقة، فكما قلنا، في هذه الحالة، الخلود في جهنم وقتها لن يكون مشكلة المخلوق. و إنما مشكلة الخالق الذي خلقه مختلفاً عن غيره في كونه مستحقاً للنار و في كون غيره مستحقاً للجنة.

و إذا قلنا أن الله يقدر أن يخلقهم متساويين و أحرار و مع ذلك تختلف تصرفاتهم، فهذا لا يحل شيئاً.

لأن الله لو كان يعرف من الأصل أنه (حتى لو خلقهم قمة في التساوي) و (حتى لو أعطى كل منهم الحرية الكاملة) ... فبالرغم من كل ذلك، سيذهب واحد للنار و الآخر للجنة. معنى هذا أن التساوي و الحرية لم يكونوا كافيين للذي سيكفر لكي ينجو من النار و إنما كانوا كافيين للمؤمن ليدخل الجنة.

يعني أحمد لو أعطيته حرية + صفات معينة: سيدخل الجنة.

و محمد إذا أعطيته حرية + نفس الصفات سيدخل النار؟

أين التساوي؟

ألا يشير هذا لوجود اختلاف بين أحمد و محمد؟

أحمد كاف جداً بالنسبة له أن تعطي له الحرية + صفات معينة بالنسبة له ليدخل الجنة.

بينما محمد لا. ليس كاف. لا بد من أشياء إضافية لكي يتجنب النار؟

إذاً كيف نقول أنهم متساويين؟

هذه جزئية.

و الآن لنفترض أن الحرية في الإختيار هي شيء بالفعل رهيب لدرجة أنه قد يكون أحمد و محمد قمة التساوي في كل شيء و لكن الله من قدرته الهائلة، منحهم القدرة الكاملة على الإختيار بحيث يتصرف كل واحد منهم بشكل مختلف عن الآخر و أن هذا ليس إلا دلالة على قدرة الله في خلق حرية الإختيار (و سبق الكلام عنها بأنها لا قيمة لها أصلاً).

هنا يكمن التناقض المنطقي بين العلم المطلق و القدرة على خلق شيء حر التصرف و عشوائي التفكير.

لابد عزيزي لو أن الإنسان فعلاً حر التصرف بهذه الطريقة المدهشة، أنه عشوائي التصرف بطريقة لا يمكن (لا ينبغي) توقعها.

و الآن لنراجع مفهوم الحرية في التصرف. الشيء كامل الحرية و كامل العشوائية في التصرف (كالإنسان)، هو الشيء الذي لا يصح أو لا ينبغي توقع تصرفاته.

(عشوائي ليس بمعناها "أخرق"، عشوائي بمعنى Random)

يعني، الفيصل في معرفة إذا كان شيء معين حر التصرف و عشوائي فعلاً أم لا هو: هل يمكن توقع أفعال هذا الشيء أم لا؟

إذا كانت الإجابة: نعم يمكن توقعها، إذاً هو ليس عشوائي التصرف.

و إذا كانت: لا. إذا هو بالفعل حر التصرف و عشوائي بطريقة لا يمكن توقعها.

و أنا لا أزعم هنا أن الله لا يعلم تصرفاتنا فهذا خروج عن المعتقد الإسلامي، و لكني أزعم أنه لو كان بالفعل المعتقد الإسلامي يقول أن الله يعلم كل ما سنفعل، فهذا معناه أنه "يُمكن" أن معرفة كيف سيتصرف الإنسان و معناه أيضاً أن هذا الإنسان غير عشوائي التصرف.

أعرف أن ما يدور ببال كل من يقرأ هذا الكلام: أن الله حكيم عليم و قادر و يستطيع فعل المستحيل. و أنا متفق معهم في هذا الكلام.

و لكنك هناك فرق ما بين المستحيل و الغير منطقي.

المستحيل أن نطير مثلاً. الله يستطيع أن يمنح أي شخص فينا القدرة على الطيران. و هذا مستحيل في الظروف العادية.

و الغير منطقي أن أقول لك: اذهب للمدرسة و لكن لا تذهب للمدرسة.

أو: صف لي رائحة الخيانة. و ما هو لون يوم الأربعاء.

فهذه جمل غير منطقية تناقض نفسها و ليست مثلاً صعبة الحدوث، هي من الأصل لا يصح أن تُقال.

مثل سؤال: هل يستطيع الله أن يخلق إلهاً أقوى منه؟

فهو سؤال غير منطقي لا يصح أن يُسأل لأن الله (بالتعريف) هو من لا يوجد (لا ينبغي) و لا يصح أن يكون هناك إله أقوى منه، و مجرد السؤال بكلمة "إله أقوى منه" غير صحيح و مناقض لنفسه و للسؤال.

هذا هو الفرق بين المستحيل أو الصعب، و الغير منطقي الذي لا يصح أن يقال.

و زعمي الآن هو: أن القدرة على توقع شيء كامل العشوائية هو قول غير صحيح و مناقض لنفسه و لا يصح أن يُقال لأن الحرية في التصرف هي (بالتعريف) الشيء الذي لا يمكن (لا ينبغي) (لا يصح) توقعه. فإذا قلت لي أن هناك من يتوقع شيء حر التصرف فأنت تناقض نفسك و تقول كلام ليس صعب الحدوث، بل كلام غير مقبول منطقياً.
و بالتالي فالموضوع ليس له علاقة بمدى قدرة الله التي لا نشكك فيها، هو مرتبط باللامنطقية.

هل الله لا يمكن أن يخلق إلهاً أقوى منه لأنه عاجز عن ذلك؟

لا. ليس لأنه عاجز. و لكن لأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه: "إله أقوى منه" فهو بالفعل أقوى إله ممكن.

بالمثل: هل الله لا يستطيع (لا ينبغي عليه أن) يتوقع أفعالنا لأنه عاجز عن ذلك؟

لا. ليس لأنه عاجز. و لكن لأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه شيء كامل العشوائية و يمكن توقعه.

و لكننا هنا نقول بأن الله بكل شيء عليم بحسب المفهوم الإسلامي، و بالتالي فهو يعرف أفعالنا، إذا الإنسان غير كامل العشوائية أي غير حر التصرف بشكل كامل.

و القول بأن المعتقد الإسلامي ينص على أن الله يعلم كل شيء و مع ذلك الإنسان أيضاً حر التصرف هو قول مناقض و يحتاج للمسائلة و التفسير.

و قد يقول البعض أن الحرية في التصرف ليست هي العشوائية الكاملة و هو قول خاطىء و نابع من عقل لا يستوعب معنى الحرية الكاملة.

الحرية الكاملة هي العشوائية في التصرف، و القدرة على فعل أشياء و اختيارات أنت نفسك لم تعرف إذا كنت ستفعلها.

قد يطلب منك أحد أن تختار رقماً عشوائياً من 1 إلى 100، لو أنك إنسان غير حر التصرف بشكل كامل لن تستطيع أن تختار رقماً عشوائياً. سيكون هناك دائماً نمط في اختيارك للأرقام.

فقد تختار أرقام زوجية فقط مثلاً، أو أرقام كلها أكبر من الـ 10 لأنك غير حر التصرف كفاية بأن تختار أرقام عشوائية دون الإلتزام بأي نوع من النمط.

النمطية في التصرف هي التي تلغي تعريف العشوائية و هي التي تسمح بتوقع أفعال الشيء الذي يتصرف بها.

الكلام عن اللانهاية:

أولاً أنت تكلمت عن الفارق ما بين الصفة المطلقة و مطلق الصفة، و بصراحة، عندما وجدتك تفرق بين الإثنين ظننت أنك أخيراً ستبدأ في الكلام عن أشياء كان غائبة عني و أنت الآن تشرح الخطأ. و لكني فوجئت بأنك تفعل نفس ما فعلته سابقاً عندما قلت لي أنه لا يوجد شيء اسمه "في حالهم في العدم". ملاحظة لا تضيف شيئاً للنقاش إلا اظهار أنني أخطىء و السلام.

بالنسبة لموضوع المالانهاية، فأنت في رأيي قمت بعمل خلط مابين صفات معينة، و بين الحكمة.

فأنت في رأيك أن الرحمة "الكاملة" أو "المطلقة" ليست هي أن يرحم الله كل الناس مهما فعلوا و إنما أن يرحم فقط من يستحقوها. فبغض النظر عن أنه هو الذي سمح بخلق من لن يستحقوا هذه الرحمة و أنهم ليسوا هم من جاؤوا إلى العدم لوحدهم، فإن تعريفك للـ"كاملة" هو ما أختلف معك فيه.

أنت برأيك أن كمال الصفة هو أن تُستخدم في النهاية استخدام صحيح و هذا ليس كمال الصفة، هذا "الحكمة" في استخدام الصفة.

الرحمة صفة منفصلة بذاتها عن الصفات الأخرى. هناك رحمة ناقصة (محدودة) و رحمة كاملة (مطلقة)، و كلاهما قد يُستخدموا استخدام خاطىء أو استخدام صحيح. الذي يحدد هذا الإستخدام الصحيح من الإستخدام الخاطىء، هو الحكمة.

ما هي الرحمة الناقصة (المحدودة)؟

هي الرحمة بحساب (أو بحكمة). يعني رحمة من يستحق الرحمة فقط و عدم رحمة من لا يستحقونها.

لماذا هي اسمها محدودة؟

لأنها فعلاً محدودة. و الذي "يحددها" هو مستحقيها و غير مستحقيها. ناقصة لأنها لم تحتوي الكل حتى لو كان عدم احتواء الكل هذا شيئ سيء، و هذه هي وظيفة الحكمة. تطويع الرحمة بحيث لا تكون كاملة لأن الرحمة الكاملة ليست من الحكمة (من وجهة النظر الإسلامية).

الرحمة الكاملة هي رحمة الكل بلا تمييز و اسمها كاملة لأنها شاملة و لا تستثني أحداً. أنت اعتبرت أن كمال صفة الرحمة هو الحكمة في الرحمة.

و هذا هو محل السؤال. لو كان الله رحيم لا نهائياً، فسيرحم الكل بلا استثناء، و لو كان محدود الرحمة، إذاً فرحمته مستوعبة كمياً و يمكن القول بوجود أكثر منها و أقل منها.

و الآن النقاش هنا في هذه الأمور:

أولا: هل صفات الله تقدر بمالانهاية أم هي محدودة الكمية؟

ثانياً: هل الإجابة على السؤال السابق سواء بمحدودة أو لانهائية ينطبق على كل الصفات؟ أي هل كل الصفات ستكون محدودة أو لانهائية؟ أم أن هناك من الصفات ما هو محدود و هناك ما هو غير محدود؟

ثالثاً: ما هي الدلائل الإسلامية التي ينبغي أن يسترشد بها المسلم للإجابة على أي من الأسئلة السابقة إجابات واضحة و دقيقة؟ و هل الموضوع محل اجتهادات؟

أحب توضيح أن صفة القدرة ينبغي أن تكون لا نهائية بصفة مبدئية و لا يمكن منطقياً أن تكون محدودة و لا نهائية.

فمثلاً سؤال كسؤال الصخرة: هل يستطيع الله أن يخلق صخرة هو نفسه لا يستطيع حمها؟

هو سؤال باطل. و السبب في بطلانه أنه لا يصح منطقياً أن تكون هناك صخرة لا يستطيع الله حملها على أساس أن الله قدرته غير محدودة.

بمعنى أدق: لا وجود لشيء اسمه صخرة يعجز الله عن حملها و هذا هو السبب في أن السؤال غير صحيح. هو أن السؤال مذكور فيه شيء غير منطقي و هو الصخرة هذه.

و لكن هذه الصخرة ستكون منطقية تماماً و السؤال سيكون صحيح إذا ما قلنا أن الله صفاته ليست لا نهائية. فلو الله صفاته محدودة فسيستطيع رفع صخور كثيرة جداً باستثناء صخور معينة سيعجز عن حملها. هذه الصخور صح تواجدها بحكم كون الله محدود القدرة. و كانت لا يصح أن نفترضها من قبل بحكم أن الله غير محدود.

فما رأيك يا زميل فيما يخص قدرة الله؟ هل هي نهائية أم لا نهائية؟

و إذا كانت إجابتك أنها لا نهائية، فعلى أي أساس تفترض أن باقي الصفات محدودة أو لا نهائية؟

الحكم المخفية:

كما قلت من قبل، الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه. فإذا كان ثابتاُ أنه لن يستوعبه، فهذا لا يمكن إلا أن يتسبب في الإضرار بالناس. و في رأيي، لا يصح أن يكون هناك أي شيء متعلق بالبشر في الدين و لا يفهموه.

يعني قوانين الله و حكمته في عقوبة الزنا مثلاً و شرب الخمر و غيره، كلها من اللازم و الواجب أن تكون مفهومة و مستوعبة، و من هذه الأشياء الحكمة من خلقنا و لماذا نتعذب و كل شيء يمت لنا بصلة من قريب و من بعيد.

و الأسباب كثيرة و منها على سبيل المثال لا الحصر، أن الدنيا أصبحت زاخرة بالديانات و المعبودات و الأنبياء الكاذبين الذين يقولون أنهم جاؤوا من عند الله أو... أو... مثل المعدي: غلام مرزا القادياني الذي ادعى أنه مسلم و نبي جاء من بعد محمد.

ما الذي يجعلك كمسلم لا تتبع هذا الشخص؟ لا بد أنه المنطق و العقل و التفكير. هناك أسباب واقعية و منطقية تمنعك من اتباعه لأنه -مثلاً- يقول أشياء غير منطقية.

فكيف تكون هناك أمور في الإسلام مخفية لا يمكن أن نفهمها و غير منطقية و مع ذلك تطلب من الناس أن يؤمنوا بهذا الدين؟

كيف تتميز عن غيرك من الديانات الكاذبة إذا لم يمن كل شيء واضح أمامك و صريح؟

و كما قلت من قبل، ليس ما أطلبه هو: كيف يبدو الله و أين مكانه؟ و إنما كل ما أتكلم عنه أمور تخصنا نحن البشر.

هذا بخلاف أن العلم بوجود الحكم المخفية يسبب الضلال كما قلت من قبل و أنا مثال حي على ذلك. فأنا إن استمريت على حالي هذا من وجهة نظر الدين الإسلامي، سأدخل النار. و السبب في هذا هو أنني لم أستطع أن أعقل بفكري الحكم المخفية التي تفوق التصور.

فإذا كانت الحكم المخفية سبباً في دخولي النار، فكيف نقول بوجوبها؟

الكلام عن الأمثلة و الأقيسة

لقد ظلمت تحليلي لأمثلتك كثيراً عندما تكلمت عن تشبيه الرجل الشجاع بالأسد. فتقول:



أما ما فعله فهو ليس إلا كمنكر تشبيه الشجاع بالأسد لأنه يرى فوارق بينهما عديدة، فيجعل مجرد الفرق مانعا من هذا التمثيل، فيقول: إن الأسد أبخر الفم، والشجاع ليس كذلك، والأسد يمشي على أربع والشجاع ليس كذلك، والأسد له زئير سبع، والشجاع ليس كذلك!! ويمضي في رسم صورة الأسد البهيمية، ويقابلها بصورة الشجاع البشرية عضوا بعضو، وسمة بسمة!! ليقول إن من الباطل أن يقال عن الشجاع أنه كالأسد!


هل فعلاً ترى أن الإشكالات التي أوضحتها أنا في أمثلتك بعيدة لهذه الدرجة عن صميم المثال؟

ألا ترى أنك بالغت كثيراً جداً في قولك هذا؟

يا عزيزي مثال ضوء الشمس و صفات الله مثال خاطىء تماماً و لا يصح القياس به على الإطلاق و هو في رأيي كقول: أن الإنسان شجاع كالأسد لأن كلاهما عنده أسنان مثلاً. و السبب ليس لمجرد أن هناك أشياء مختلفة غير مؤثرة بين الله و الشمس كما ذكرت. و لكن هناك أسباب حيوية و حرجة تبطل المثال من جذوره و هذه الأشياء هي التي ذكرتها أنا و لن أضيف لها جديد أو أعدلها أو أنقص منها. و قد فكرت في كل واحدة منهم قبل أن أكتبها.

أنا لم آتي بأي اختلافات و السلام، و إن هذا إلا عمل أخرق لا يقوم به إلا شخص لا يجد ما يقوله.

و إنما أنت من فعلت شيء غير منطقي على الإطلاق (سواء بقصد أو من دون قصد) و هو أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في في كل أو بعض الأشياء. و لكن إذا قام القارىء بالتمعن في التفكير سيرى أن المقارنة غير عادلة. و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.

و الآن سأوضح لك كيف أن الفروق التي ذكرتها أنا ما هي إلا فروق قمة في الأهمية و لا يمكن أبداً عدم الأخذ بها.

أنت تقول أن خلق الله لأهل النار ليس ظلماً و إنما هو من مقتضيات صفاته كما أن الضوء و الحرارة من مقتضيات صفات الشمس.

فتقول:



"فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره"


أولاً هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا.

ثانياً: المفهوم من مثالك أن خلق الله للبشر شيء واجب الحدوث لأن صفاته كضوء الشمس، تؤثر فيما حولها بدون الحاجة من الشمس لذلك.

و قلت: وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟!

هل هذا تبرير لخلق أهل النار عزيزي؟

أنا أراه خاطىء و غير سليم.

لماذا؟

لأن هذا التشبيه ظالم. أنت تقول أن الشمس يظهر تأثير ضوئها على ما حولها من دون الحاجة لها إلى ذلك، كذلك الله و صفاته و مقتضياتها. و هل للشمس اختيار في ضوئها؟

لاحظ أنك تبرر أفعال كيان عاقل متحكم في أفعاله (الله) بتشبيهه بفعل كيان غير عاقل غير متحكم في أفعاله (الشمس). أنت تريد أن توضح لي أن خلق أهل النار ليس إلا شيء من مقتضيات صفات الله و كأن الله ليس له تحكم في صفاته و مقتضياتها مثل الشمس.

هذا كان أول إشكال. و قلت فيه أنا:

"المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة."

يعني، الشمس مجبرة على أن تكون هناك مقتضيات لصفاتها لأنها لا تملك الإرادة و لا تحكم لها في إصدار الضوء أو الكف عن ذلك فهي لا تستطيع أن تتوقف عن إصداره. الله غير مجبر كالشمس على ظهور مقتضيات لصفاته و له كامل التحكم في خلق البشر و إعادتهم للعدم وقتما شاء، أو الإمتناع عن هذا كله من البداية. و بالتالي لا يمكن محاذاة أو قياس هذا بذاك.
الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.

و قولك بأن صفات الله تنعكس فيما حوله و تشبيهه بالشمس و ضوئها يعطي انطباع زائف للقارىء بحتمية حدوث خلق أهل النار (و في الواقع لا يوجد شيء حتمي أصلاً) و بأن الموضوع لا ضرر فيه. فالشمس ضوئها شيء جيد أو على أقل التقدير لا يظهر فيه بشر يتعذبون و يجرون من وجوههم. هو مجرد ضوء. و لكن أفعال الله و صفاته تقتضي بأن تُجر الناس من وجوههم في النار و يشربوا الحمم و يأكلوا الزقوم. كل هذه التفاصيل المروعة تختفي في المثال و لا تظهر بشكل يجعل المقارنة ظالمة. لا تقل لي أن هذه التفاصيل خارجة عن القياس فهي في صميم القياس. مقتضيات صفات الشمس تختلف كل الإختلاف عن مقتضيات صفات الله بطريقة تجعل المقارنة بينهم شيء مستحيل.

و أنا عندما قلت:

"الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها."

"الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. الضوء الصادر من الشمس لن يتعذب بينما البشر سيتعذبوا."

كان هذا في صميم الإعتراض. كل هذه نقاط أساسية يا زميل. فنحن لو أننا لا يحق لنا أن نسائل الشمس أو نحاسبها على إصدار الضوء لأنها ليست هي المسئولة عنه و لا تملك التحكم فيه و لا تملك الإرادة، يحق لنا أن نبحث في أفعال الله كامل الإرادة و يمكن أن نسأله: ما الحكمة من هذا؟ و لماذا خلقت فلان و فعلت كذا في علان؟ لأنه من الطبيعي أن تسأل من عنده الإرادة الكاملة.

هذه المناظرة هي مسائلة في أفعال كيان كامل الإرادة. و الشمس كيان معدوم الإرادة لا يتحكم في مقتضيات صفاته (الضوء و الحرارة) كما يفعل الله (خلق أهل النار).

و الآن نأتي لأمثلتي الثلاثة.

المثال الأول: مثال شركات التأمين.

أولاً أنت وضعت الله في مكان القاضي و هو شيء لا يصح في المثال الذي ذكرته. لعلك لم تفهم ما عنيت تماماً، فما قصدته ليس ظلم أحد العباد لغيره ثم اللجوء لله الغير متضرر و الإحتكام بحكمه. ففي هذه الحالة هنلك ثلاثة أطراف. الظالم و المظلوم و الله. و يحتكم الله مثلاً فيما بينهم.

و لكن الذي أقوله هو: إذا أذنب أحدهم في حق الله و ليس بحق أحد. لو أن أحداً لا يظلم غيره على الإطلاق، و لا يضايق الناس، و لكنه يعصي أوامر الله بأنه لا يصلي مثلاً أو أنه لا يؤمن به و برسالته، ففي هذه الحالة، هناك طرفان فقط، المذنب و الله.

و هذا المثال كان الغرض منه توضيح أن تغاضي الله عن من أظلم بحقه لا ينقص من الله شيئاً على أساس أنه -الله- هو الطرف "الموازي" للطرف المتضرر في حالة ما إذا كان هناك إنسان متضرر.

يعني الله في نفس موضع المتضرر و ليس القاضي و لكنه لا يضره شيء على الإطلاق و يقوم بدور القاضي و يعاقب. و هي حالة مميزة و تختلف تماماً عن حالة القاضي فالمتهم لا يخطىء بحق القاضي، و في حالتنا الله هو طرف من أطراف القضية، و هو القاضي في الوقت ذاته و لا يصيبه ضرر.

و من هنا جاء التساؤل: لماذا لا يتغاضى الله عن الأشياء التي لم تسبب له أي ضرر على الإطلاق؟ و لماذا أخلى مسئوليته على غرار إخلاء شركات التأمين مسئوليتها في حالات معينة خوفاً من الضرر و هو لا يضره شيء؟ و لماذا يعاقب المذنب على تجاوزاته في حقه عقاباً هو (الأشد) من أي عقاب للمذنب في حق أي أحد آخر إذا كان هو فعلاً الغني عن العباد؟ أليس الكفر بالله هو أعظم الذنوب و له أقصى العقوبة؟ كيف و هو أقل الضرر؟

نسيت أن أعقب على هذه الجملة:



وما يريد الزميل أن يقوله بعد كل هذا الشرح المطول الذي لا حاجة له في مثال شركة التأمين، خلاصته أن الله غني عن الخلق غنى مطلقا، فيلزم عند الزميل أن لا يعذب الكفار ولا أن يخلقهم، هذا خلاصة كل كلامه ذلك.


أنت لست من يحدد إذا كان لا حاجة للشرح المطول من عدمه. فأنت شخص واحد فقط، و هناك الآلاف غيرك ممن يقرؤوا هذا الموضوع و منهم من يحتاجون الشرح المطول. أنا أحاول مراعاة جميع العقليات لكي يفهم كل القراء كل ما أكتب، و أنا أثناء الرد دائما يقفز إلى ذهني أن هناك من يمكن أن تمر عليه جزئية معينة دون أن يفهمها، فأعيد صياغتها، أو أعقبها بتوضيح، كما أنني أحاول الإحاطة بكل الردود المحتملة من أول مرة لأختصر الخوض فيها.

و أنا بالفعل يمكنني أن أختصر كل ردك الطويل السابق في نصف صفحة و أقل لك أنه لا حاجة للخوض في كل هذه التفاصيل و لكني أقدر أنك تريد مساحتك الكلامية. التفاصيل عزيزي هي التي تساعد القارىء على تصور الموقف و ليس المختصر المخل.

و الآن نأتي إلى هذه:



غنى الله لا يلزم منه عدم المخلوقات لا جميعها ولا نوع الكفار منها، ومن باب أولى أن لا يلزم من ذلك عدم أفعال المخلوقات.

بل إذا كان الله كامل الغني فإن وجود مختلف المخلوقات ومنهم الكفار يكون أدل على غنى الله تعالى لأنه لا يتضرر بوجودهم وكفرهم وفسادهم لكمال غناه، مع احتياجهم هم إلى الله عز وجل حاجة ضرورية لا غنى لهم عن الله طرفة عين.


ليست كل آمالي في الحياة هو إعدام الله للمخلوقات أو إعدام أفعالها.

الله مطلق الغنى، أليس كذلك؟

طيب، ماذا عن عدم خلق الشر من الأصل مثلاً؟ طالما هو الغني؟

ماذا عن عدم خلق الألم و الحرن؟ أي فارق سيحدث؟

الله الغني يعني: وجود مخلوقات من عدمه لا يحدث فارقاً. خلق الشر من عدمه لا يحدث فارقاً.

أي شيء من أي شيء لا يحدث فارقاً.

طالما الموضوع هكذا، ما هو الداعي لخلق الجحيم و الألم و البشر و المستحقين للعذاب منهم؟

هذا طلب من طلباتي أضفه للعودة للعدم. حياة جميلة لا توجد بها شرور و لا حزن و لا ألم و لا نار و لا معصية و لا أي شيء يضايق. هي بمقدرة الله، و لا تنقص منه و لا تزد منه شيئاً تماماً كوجود نفس هذه الأشياء. الفارق أن في الحالة التي أطالب بها الكل سعيد بالحياة سعادة كاملة لا يشوبها معكرات، و في الوضع الحالي 99% من الكل الذي كان سيصبح سعيداً، يتعذبون في النار التي لا يمكن وصفها.

أدري أن ردك على هذا الكلام هو ظهور مقتضيات الله و هو مردود بأن الله الغني لا يحتاج أن تكون هناك مقتضيات لصفاته.

المثال الثاني:

تقول أن الأب مؤتمن على ابنه و مسئول عنه، و مأمور بحمايته و هو ما يلغي عنه ارتباطه بأفعال كيان آخر.

ألا ترى أن خلق الله لمخلوق من العدم لهو سبب أدعى لحماية الله لمخلوقاته و ارتباطه بهم؟ و أن مسئولية الله عنا من المنطقي أن تكون أشد من مسئولية الأب عن ابنه؟ فالخلق من العدم هو أشد بكثير من إنجاب الرجل لإبنه.

و لكن العكس هو ما يحدث، الله خلق الناس (و هو شيء أدعى للإرتباط) و لكنه إلغى ارتباطه بما يفعلون و يعتبر نفسه غير مسئول عما يفعلون و لا يمانع أن يلقي أحد منهم بنفسه إلى الضلال و الهلاك الذي هو واثق من حدوثه منذ البداية، فضلاً عن كونه هو الذي خلقه عالماً بأنه سيؤذ نفسه.



الفرق الثاني: أن الأب هنا ليس مختبرا لابنه حتى يصح منه تركه له لينتحر أو يتعرض للأذى، فقصد الاختبار والابتلاء فرق مؤثر جدا هنا، وقد تجاهله الزميل في هذا المثال فحصل له اللبس فيه


أي اختبار الذي يختبره الله للعبد و هو يعرف أنه سيفشل؟

لماذا تسميه اختبار عزيزي؟

اختبار يعني: "منتظرين النتيجة". و الله يعلم النتيجة. أي اختبار؟

ماذا الذي يختبره الله؟

هذا فعلاً فرق مؤثر و لكن في حالة أخرى. في حالة ما إذا كان الله يفعل هذا ليعرف نتيجة الإختبار مثلاً. في هذه الحالة يكون تساؤلي غير منطقي فلا يمكن أن أسأل: "لماذا تركه الله لينتحر؟!" إذا كنت أعلم أن الله يريد من وراء ذلك أن يختبره و يعرف مثلاً كيف يفكر و كيف يتصرف.

و لكن الله بالفعل يعرف النتيجة. فلماذا الإختبار؟ علم الله لنتيجة الإختبار يلغي هذا الفرق المؤثر.

و تشبيهك بالأب الذي يعطي ابنه مالاً تشبيه خاطىء و مغلوط و يلغي الفروق المؤثرة!

الأب يعطي ابنه المال لأنه يريد أن يعرف ماذا سيفعل ابنه بالمال لأنه لا يعلم!

الله يعلم كل شيء!

أليس هذا فرق مؤثر؟

و ألم تلغي أنت هذا الفرق المؤثر بتشبيهك هذا؟

من فينا يلغي الفروق المؤثرة يا زميل!

الفرق الثالث و هو الحكمة من خلق الكفار مردود سابقاً.

الفرق الرابع: الإنسان الكافر الواعي الكامل الإدراك ليس إلا كيان "ناقص الأهلية و الإدراك و المعرفة" هو الآخر بالنسبة لله بقوته و قدرته المهيبين. الله ينظر لنا على أننا كائنات بسيطة التفكير و حالنا بالنسبة له و لهول قدرته هو كحال الأطفال الصغار بالنسبة لنا مع الفارق المذهل بين هذا و ذاك. نحن مجرد كائنات عاجزة ضعيفة غبية بسيطة بالنسبة له. نحن ناقصي الأهلية و الإدراك و المعرفة بالنسبة له. لماذا كل هذا الإنتقام منا؟

هل تنكر أن الفارق بين الله و البشر مذهل بالنسبة للفارق بين الأب و الإبن؟

و مع ذلك، نحن لا نجرؤ على أن نؤذ أطفالنا و نعذبهم بالطريقة التي يعذب بها الله مخلوقاته، مهما فعلوا، فنحن نلتمس لهم الأعذار لأنهم أطفال في النهاية. الخالدين في النار لا يلتمس الله لهم شيء و هم بالنسبة له على أقل أقل التقدير بنفس ضعف و بساطة و (لا حيلة) الأطفال بالنسبة لنا.

أما مثال إلقاء المرء من عل فهو أدق مثال يمكن تصوره لما تقول أن الله يفعله بالناس.

الفارق الوحيد الـ(غير مؤثر و لو مؤثر فهو ليس في مصلحة طرفك من النقاش) هو أن الإنسان الذي يسقط هو متيقن أنه يسقط و يقينه هذا لن يساعده في شيء و هو في الهواء. و لكن الكافر ليس على نفس اليقين هذا.

غير ذلك.

(المرء دفع صديقه من بناء عال جداً) توازي (الله خلق الكافر)

(لو لم يدفع المرء صديقه لم يكن صديقه سيسقط و المرء يعلم هذا) توازي (لو لم يخلق الله الكافر لم يكن ليدخل النار و الله يعلم هذا)

(صاحبنا هذا في الهواء يسقط و يستطيع أن يفعل كل ما يريد أثناء سقوطه و هو حر الحركة تماماً) توازي (الكافر يعيش في الحياة الدنيا و هو حر الإختيار و الحركة تماماً)

(الشخص الساقط في الهواء لا يستطيع أن يطير أو يوقف عملية السقوط فجأة مثلاً و لكنه سيسقط في جميع الأحوال) توازي (الكافر لا يستطيع أن يغير ما هو ثابت في علم الله، لأن الله من البداية عندما اختار أن يخلقه كان يعلم أن هذا لن يحدث أبداً. فلا يمكن أن يخلقه الله و هو يعلم أنه سيدخل النار ثم يأتي هو و يتوب فجأة مثلاً. و كان هذا شيء مقصود الحكمة منه تجلي الصفات)

(الشخص الساقط يقترب من الأرض و لحظة موته الأكيدة قريبة) توازي (الكافر كبر في السن و موته قريب و دخوله الأكيد للنار اقترب)

(الشخص الساقط يصل الأرض و يموت) توازي (الكافر دخل النار)

و نضيف إلى كل هذا أن المرء ألقى صديقه من النافذة ليختبره (لعله لا يسقط مثلاً فهو في النهاية حر الحركة) و لكنه يعرف أنه لا توجد إلا نتيجة واحدة من دفعه و هي الموت الأكيد و الإختبار هذا لن يأتي بجديد.

و لكن الله متأكد أكثر من هذا المرء ألف ألف مرة أن خلقه للكافر لا يؤدي إلا لدخوله النار و لو أعطاه الحرية و لا يوجد اختبار في الموضوع. الله يعرف النتيجة = لا يوجد شيء نختبره.

الغرض من الإختبار = معرفة النتيجة.

إذا عرفت النتيجة، لا فائدة من الإختبار. هذا هو المنطق البشري السليم البسيط البديهي الذي أفكر به و لا توجد أفكار شيطانية سامة و لا أمراض نفسية في الأمر.

الآن عزيزي، تذكر في بداية الموضوع أنني طرحت مجموعة من الأسئلة ثم تفضلت أنت بالإعتراض عليها على أساس أن هناك الكثير من الإجابات التي لا تتفق مع الإجابات الواردة في الشريط. و أن المنهج الذي أتبعته في الرد منهج خاطىء فيه تحميل صورة خاطئة للمفهوم الإسلامي.

لنراجع الآن هذه الأسئلة و نرى الإجابات الجديدة على ضوء ردك بعدما اكتمل.

س: هل حدث من قبل و عاش في التاريخ بشراً عانوا في حياتهم معاناة مريعة لا توصف إلى حد الإنتحار؟

ج: نعم. حدث كثيراً.

لا تعديل

س: ما هو مصير المنتحر؟

ج: النار.

لا تعديل

س: هل المنتحر هذا من ضمن هؤلاء الذين قبلوا بخوض الحياة الدنيا عندما عرضت عليه؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: و لماذا قبلها؟

ج: لأنه لم يكن يعرف أن كل هذه المصائب ستحدث له.

لا تعديل

س: هل يمكن أن يكون عرف هذه الأشياء و مع ذلك قبلها؟

ج: لا طبعا.ً لأن الإنتحار عقابه جهنم، و لا يمكن أن يختار أحد شيئاً هو يعرف أنه يؤدي إلى جهنم بكامل إرادته.

لا تعديل

س: يعني هو لم يكن يعرف أنه سينتحر؟

ج: طبعاً لأنه لو كان يعرف أن حياته ستكون بهذا السوء و تنتهي بالإنتحار و بالتالي جهنم، ما كان ليوافق.

لا تعديل

س: هل كان هناك من يعرف أن كل هذا سيحدث؟

ج: نعم. الله كان يعرف.

لا تعديل

س: لماذا تقول أنه كان يعرف؟

ج: لأنه بكل شيء عليم.

لا تعديل

س: يعني الله كان يعرف أن كل هذا سيحدث حتى قبل أن يخلق البشر أجمعين؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: و الله كان يعرف أن الإنسان الفلاني هذا سيوافق على الإختبار و كان يعرف أنه سيرسب فيه و يدخل النار و لم يرحمه من اختياره؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: هل كان الله في شك مثلاً أن الإنسان هذا قد يعمل صالحاً؟

ج: لا. كان على يقين تام أنه سيدخل النار.

لا تعديل

س: إذاً، الله خبأ عنه هذه المعلومة؟

ج: و هنا كان رد الزميل بأن في ذلك حكمة حيث قال:

"كقولك أن الله كتم العلم عن الإنسان، فإن هذا باطل بحصول الإعلام والبلاغ بالحجة الرسالية، وأما العلم المانع من اختيار الكفر فهو قهر وجبر لا مجرد إعلام، وهو منافٍ لأصل الكلام وهو حكمة التكليف والابتلاء"

فأما الإعلام و البلاغ بالحجة الرسالية فهو ليس إعلام المرء أنه داخل النار.

و أما العلم المانع من اختيار الكفر فهو ليس قهر و جبر. أين القهر في أن تخبر شخص بما سيحدث بالفعل في المستقبل؟ أين الجبر في هذا؟

و قولك أن "إخبار الكافر بأنه داخل النار ما هو إلا منافاة للحكمة" ليس إلا دليل على أن الله خلق الكافر ليدخل النار. و هذا ثابت بشكل عام في ردك في حكمة خلق أهل النار و هي أن الله يريد أن تظهر مقتضيات صفاته، و ليفعل ذلك يجب أن يخلق من تتجلى فيهم هذه المقتضيات، و ليكون عادلاً فقد جعل أهل النار من الفئة التي لو خُلقت و مُنحت حرية التصرف ستكون مستحقة للنار، و لكي لا يفسد كل هذا و لكي تتحقق الحكمة المرادة، يتم عدم إعلام أهل النار بمصيرهم فلو علموه، لن يقبلوا الأمانة و بالتالي لن يكون هناك من تتجلى فيه صفات الله.


س: يعني لا جدال أن الإنسان هذا لم يكن يعرف أنه سيدخل النار؟

ج: نعم. طبعاً.

لا تعديل

س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان سيدخل النار؟

ج: طبعاً.

لا تعديل

س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان لو عرف معلومة كهذه (أنه سيدخل النار) كان سيتراجع على الفور؟

ج: نعم. طبعاً.

لا تعديل

س: و مع ذلك تركه بدون أن يقول له؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: أكيد الله لن يخبىء معلومة قيمة كهذه على الإنسان هذا. لا بد أن الله لم يكن متأكداً من مصير هذا الإنسان.

ج: الله يعرف كل شيء بأدق التفاصيل، و هو على يقين أن هذا الإنسان سيدخل النار.

لا تعديل

س: حتى لو أعطاه مطلق الحرية؟

ج: حتى لو أعطاه مطلق الحرية.

لا تعديل

س: هل إعطاء الناس مطلق الحرية يلغي كون الله يعلم بمصائر الناس "مطلقي الحرية"؟

ج: لا. سواء أعطى الله الناس مطلق الحرية في التصرف أم لا، فهو في جميع الحالات يعرف مصائر جميع البشر بأعلى دقة
ممكنة. و الموضوع لا علاقة له بكون الإنسان حر أم لا. الله يعلم كل شيء في كل الحالات.

لا تعديل

س: إذاً، الله كان يعرف أنه حتى إذا أعطى هذا الإنسان المنتحر مطلق الحرية في الإختيار، أن تصرفات هذا الإنسان المبنية على حريته الشخصية ستؤدي به للنار؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: و مع ذلك، و برغم علمه بكل هذا، عرض عليه الأمانة؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: و رآه و هو يوافق و تركه؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: لابد إذاً أن الله مجبر على فعل هذا، لأن الرحمة تقتضي أنه إذا كنت أرحم الراحمين، و لست رحيماً فقط، و كنت تعلم أن الإنسان البسيط الجاهل بمصيره هذا سيدخل النار حتى لو أعطيته الحرية الكاملة، فلا بد أن تنقذه من اختياره هذا؟

ج: لا. الله ليس مجبراً على شيء.

لا تعديل

س: إذا كان غير مجبراً على شيء، و مع ذلك ترك الإنسان الضال هذا يختار اختياره الهالك بدون ما يحذره، إذا فلا بد أنه غير رحيم به؟ لو كان رحيم لرحمه من هذا الإختيار الذي سيلقي به في نار تلظى؟

ج: لا. الله رحيم. الله رحيم رحمة مطلقة و هو أرحم الراحمين.

لا تعديل

س: يعني الله ليس مجبراً على شيء و رحيم رحمة مطلقة في نفس الوقت و فعل لك ذلك في نفس الوقت أيضاً؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: هل أخبر الله الإنسان الذي كان يعرف أنه سيدخل النار، أن هناك جنة و أنه إذا فعل الصالحات سيدخلها؟

ج: نعم. أخبره طبعاً بأن هناك ثواب و عقاب.

لا تعديل

س: يعني، الله أخبر هذا الإنسان أن الجنة تنتظره إذا عمل الصالحات، و كان يعلم أنه لن يعمل الصالحات هذه؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: يعني كان يعشمه بالجنة و هو يعلم أنه لن يذهب إليها؟

ج: نعم.

لا تعديل

س: هل كان يستطيع الله ألا يخلق البشر الذي كان يعرف أنه إذا خلقهم سيدخلوا النار؟

ج: نعم. كان يستطيع ألا يخلقهم و كان ذلك سيرحمهم من العذاب اللانهائي الخالد في جهنم.

لا تعديل

س: و مع ذلك خلقهم؟

ج: نعم. (و السبب مذكور أعلاه في أن الله يريد أن تتجلى صفاته)

لا تعديل

س: ماذا كانت البدائل؟ (لو كان رحيماً)

ج: إما عدم الخلق، أو الخلق و إنقاذ الإنسان من اختياره لما يجهله.

لا تعديل – (لا يصح توجيه هذا السؤال للزميل فهو غير مطالب بتوفير بدائل، هذا اقتراح شخصي لا علاقة له بردود الزميل)

س:و ماذا يحدث في الواقع؟

ج: يتم الخلق و عدم انقاذ هذا الإنسان من اختياره لما يجهله.

لا تعديل – (مبني على ما قبله)

س: إذاً لابد أن الله يحتاج هؤلاء البشر؟

ج: لا.

لا تعديل

س: إذاً، ما الحاجة الماسة لإله لا يحتاج شيئاً في أن يخلق بشراً هو على يقين تام أنهم سيخلدوا في النار حتى و لو أعطاهم الحرية في الإختيار؟

ج: تم الجواب سابقاً. لا توجد حاجة ماسة، الله يريد أن تتجلى صفاته.

لا تعديل

س: و لماذا كل هذا العذاب الرهيب؟ أليس الله حكيم؟ لماذا ينتقم بهذه الصورة المفزعة من البشر المساكين بالنسبة له؟ أليس المعروف أن يفهم الحكيم (مطلق الحكمة) من أين نبعت تصرفات هؤلاء البشر المساكين، تماماً كما نفهم نحن كيف أن الأطفال يتصرفوا؟ (مع الفارق المهول)؟

ج: هذا هو ما يستحقه الإنسان لأنه قبل الأمانة. و بالتالي فهو مسئول عن تصرفاته.

لا تعديل

أرى أن كل شيء تقريباً كما هو بالضبط و لم يتغير إلا شيء واحد فقط انعكس في سؤالين مرتبطين.

إذا كانت لديك اعتراضات على ما سبق فهلا أشرت إليه؟

ناصر الشريعة
03-13-2009, 04:22 PM
سأضيف ردي قريبا ريثما أفرغ من التعليق على بعض الحوارات هنا إن شاء الله تعالى ، مع أن القارئ لو رجع بعد قراءته لرد الزميل المفتري إلى ما ذكرته سابقا فسيجد الجواب ظاهرا فيه والحكمة الإلهية والرحمة الربانية والعدل والفضل مفاتيح حل كل مشكل في هذا الباب بحمد الله تعالى.

وهذه القراءة العكسية للحوارات مفيدة جدا لمن يحسنها وينتبه للمقابلة بين الأفكار والأدلة فلا يذهله طول الكلام وكثرته عن عقده ومبانيه.

والحمد لله الذي يعصم بهداه من يشاء من عباده عن ضعف الفهم وفساد التصور والاغترار بساقط الدعاوى الخلية من كل برهان.

ناصر الشريعة
03-15-2009, 01:59 AM
سوف أترك الملاحظات العامة إلى ما بعد التعقيب على ردك بإذن الله تعالى.

كما سألتزم بالاختصار غير المخل حتى يضبط القارئ المسائل، وتتبين له مواضع الحجة، ولأني وجدت كلام الزميل قد رجع تكرارا لما قيل من قبل، حتى كان يكفي أن أحيل في أكثر التعقيبات على ما سبق أن شرحته وفصلته فيما سبق، ومع ذلك راعيت قدر الإمكان أن ألخص الجواب ولو في كلمات يسيرة، كما أحتفظ بحقي في التعقيب على التفاصيل التي ذكرها الزميل رغم سقوطها بسقوط أصولها كما هو مقصدي من هذا الرد.


وقد لخصت كلامك أيها الزميل في مسائل، يكفي إبطالها في إبطال ما يتفرع عنها، فإن ما بني على باطل فهو باطل، والاشتغال بإبطال الفروع زيادة فضل وبيان إن سمح به الوقت ولم يصرف النقاش عن أصوله، والإطالة يحسنها كل أحد، ولكن إيجاز القول دون إخلال فضيلة يحرص عليها كل عاقل.

وهذه هي المسائل مرتبة على نحو جمعت فيه ما تفرق من كلام الزميل بين أوله وآخره، والله الموفق لكل خير:


مسألة: كثرة أهل النار على أهل الجنة هل تنفي الحكمة ؟
فالخلاصة أن حكمة الله لا تُخص بتنعيم أهل الجنة وإنما تعم كذلك تعذيب أهل النار المستحقين لها، فوجود من يعذب في النار كثرة أو قلة لا ينفي الحكمة، فإن حكمة الله لا تتوقف على مقادير من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وإذا فرضنا أن الناس كلهم استحقوا الجنة بالأسباب الموصلة لرضوان الله عليهم فإن الحكمة تكون متحققة بذلك، ولو فرض أن الناس كلهم استحقوا النار بالأسباب الموصلة لسخط الله عليهم لكانت الحكمة متحققة بذلك، وبهذا يعلم أن الخوض في النسب والمقادير لا فائدة منه من حيث نفي الحكمة، وإنما يورث المؤمن الحرص على أسباب النجاة، فقد قال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} ثم ذكر أسباب النجاة من الخسر لمن أخذ بها.

تنبيه: حديث إخراج بعث أهل النار سبق النقاش فيه مفصلا في قسم السنة وعلومها، فليراجع، وحاصله أنه يعدل كل واحد من أهل الجنة بأضعافه من يأجوج ومأجوج وهذا إما شامل لكل أتباع الرسل أو لهذه الأمة وهو الأقرب والله أعلم، وكثرة عدد يأجوج ومأجوج لا يترتب عليها محال عقلي ولا شرعي، فإن أحوالهم مخالفة للعادة فلا يستغرب أن تكون كثرتهم تلك مخالفة للعادة أيضا، ويمكن أن يكون في مقابل كل واحد من أهل الجنة من هم من الكفار غير يأجوج ومأجوج لعدم المانع من ذلك، بل قد يشمل كل من استحق النار مطلقا فيدخل فيه عصاة الموحدين. ثم أنه لا يلزم من إخراج بعث النار أن يكون جميعهم محكوما عليهم بالخلود في النار، فإن الله يخرج من أهل النار من دخلها بذنوبه من أهل التوحيد، فيخرجه عدلا منه وفضلا لتوحيده، ولا يظلم ربك أحدا.

تنبيه آخر: سبق الكلام في أن الكفار مخلدون في النار، وأن النار أبدية، ولكن هل يجوز أن يقطع الله عذاب أهل النار عقلا وشرعا؟ فيه قولان لأهل السنة سبق الكلام فيهما في موضع آخر.



مسألة: عدم تغيير اختيارات العبد لما سبق في علم الله تعالى هل ينفي فائدة حرية الاختيار؟ (كررها الزميل بحديثه عن عشوائية التصرف وعدم إمكانية التوقع)
وخلاصة الرد: أن الزميل قد سلم سابقا في نقاط الاتفاق الكبرى بأن:


1- علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.

ولكن الزميل رجع إلى نقيض هذا فنفى حرية العبد إما في الاختيار أو تغيير الاختيار، وجعل علم الله السابق مانعا من ثبوت حرية الاختيار، فقال:

و القول بأن المعتقد الإسلامي ينص على أن الله يعلم كل شيء و مع ذلك الإنسان أيضاً حر التصرف هو قول مناقض و يحتاج للمسائلة و التفسير.
وكلام الزميل هو الذي يحتاج إلى المسائلة والتفسير لإزالة هذا التناقض في كلامه.
ويكفي في الرد عليه أن يقال أن تفسيره الحرية بالعشوائية باطل، فإن الحرية هي وقوع أفعال العبد وفق إرادته واختياره دون إلجاء ولا إكراه، سواء كان سلوكه مما يمكن توقع بعض أجزائه أو جميعها، وكل تصرف لا إرادي أو وقع بالإكراه الملجئ فإنه تُنفى الحريةُ والاختيار عن فاعله بغض النظر عن كونه تصرفا منظما أو عشوائيا.
يضاف إلى كشف تلك المغالطة أمر آخر، وهو أن علاقة العلم بالمعلوم ليست علاقة تأثير وإنما إدراك، وهذا ما يعبر عنه بأن علم الله صفة كاشفة لا صفة سائقة، وهو ما كان يسلم به الزميل في أول الحوار ثم ناقضه بقوله أخيرا ولكن بصيغة مختلفة سبق ذكرها.
وإذا كان علم الله صفة كاشفة فلا يصح بأي حال من الأحوال أن يقال أن علم الله يمنع العبد من اختياراته وحريته، ويزيده وضوحا كشف مغالطة ثالثة وهي دعوى أن الحرية لا تكون إلا بأن يتمكن العبد من تغيير اختياراته التي يعلم الله أنه سيختارها دون غيرها، فإن علم الله تعالى ليس هو الذي أوجد الاختيارات، وإنما علمها الله كما ستقع باختيار العبد، فمهما اختار العبد بحريته فإن علم الله لا يكون مخالفا لواقع اختيار العبد.
وبهذا يعلم أن الحرية ليست هي العشوائية وإنما هي التصرف الإرادي الحر، وأن التوقع أو العلم بما سيختاره المرء هو إدراك لا تأثير، وهو إدراك مطابق للواقع لا مغيرا له، وبهذا يبطل ما ذكره الزميل من تناقض علم الله مع ثبوت اختيار العبد، وهو ما نوجزه بأن علم الله صفة كاشفة لا صفة سائقة.


مسألة: لِمَ تتجلى صفات الله تعالى؟ وهل يحتاج الله لأن تتجلى صفاته لغيره ؟ وهل تتجلى بمشيئته أم لا ؟
وخلاصة الرد: أن من بعض حكم الله تعالى من خلق أهل النار وتعذيبهم تجلي الصفات، وليس ذلك جميع حكمة الله تعالى، فإن من الحكم تحقق آثار هذه الصفات، والفرق بين التجلي والتحقق، أن التجلي يكون للمخلوقات إذ التجلي لا يكون إلا بعد خفاء، فيتجلى للمخلوقات كمال الله تعالى، وأما التحقق فإنه ينسب لله كما في قوله تعالى {ليعلم الله من يخافه بالغيب} [المائدة: 94]. ومطابقة العلم للواقع من كمال العلم وهو معنى تحققه.
فالتجلي للمخلوقات هو بمشيئة الله تعالى، ثم أنه لا عن حاجة للمخلوقات، فالأصل الذي ينبغي أن لا يغفله المرء في مناقشة هذه المسائل أن الاعتراض بالحاجة باطل، لأن الحاجة للغير نقص، والله كامل منزه عن كل نقص، فلا يصح أن يعترض بالحاجة ولو استفسارا، وإنما لك أن تسأل عن الحكمة التي مرجعها إلى كمال الخالق وغناه، ونفع من يشاء الله من خلقه.
وقد يعترض الزميل بأنه لم يقصد أن الله محتاج، ولكن يلزم من خلق أهل النار مثلا أنه محتاج، فنقول هذا التلازم باطل، إذ أنها مجرد دعوى واللوازم لا تثبت بالدعاوى، وكما أن الله كامل مع عدم جميع المخلوقات فهو كامل مع وجودها، ووجود ما سوى الله من مشيئته وحكمته لا عن حاجة لغيره.
وكما لا يصح الاعتراض بالحاجة، فكذلك لا يصح الاعتراض على أفعال الله تعالى، لأن كل شيء بمشيئته، فإذا كان الله عز وجل منزها فيما يشاؤه عن الظلم والعبث فكل ما جاز أن يشاؤه الله فلا يصح أن يعترض العبد عليه، فكيف إذا كانت مشيئة الله تعالى فيها الحكمة البالغة والعدل والفضل والرحمة في صورها المختلفة التي تعم حتى أهل النار على وجه من الوجوه التي سبق ذكرها.
فتبين بهذا أن تجلي الصفات من بعض حكم الله تعالى، لا جميعها، وأن خلق أهل النار وتعذيبهم لا عن حاجة، بل عن كمال الله تعالى، وما جاز أن يشاؤه الله تعالى عدلا منه أو فضلا فلا يصح الاعتراض عليه.


مسألة: ما الحكمة من الاختبار والابتلاء إذا كان الله يعلم ما سيكون، وإذا فشل أكثر الناس فيه؟
وخلاصة الرد: ما سبق بيانه من تحقيق علم الله تعالى في مخلوقاته، إذ مطابقة العلم للواقع كمال، فلا يستنكر إثبات هذا الكمال على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، فليس فيه علم الله بشيء لم يكن يعلمه من قبل وإنما تحقق علم الله تعالى، كما سبق بيان ما يترتب على الاختبار والابتلاء من أنواع الحكم، فليراجع.
وأما فشل أكثر الناس في الاختبار فقد سبق الكلام عليه في أول المسائل هنا فلينظر منعا للتكرار.
ويلحق بها الكلام في إعلام الله للكافر بمصيره، فقد سبق الكلام فيها مفصلا، واعتراضات الزميل فيها يرد عليها بأن الحجة الرسالية كافية في الإعذار، وكفر الكافر لا يبرر بعدم تيقنه أو مشاهدته للنار ونحو ذلك.

مسألة: المساواة بين المؤمن والكافر قبل خلقهما وبعده؟ (كررها ثانية بقوله هل خلقهم الله متماثلين أم لا؟ واختلافهم على التقديرين)
وخلاصة الرد: أنه قد سبق الجواب على هذه المسألة هنا:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=113206&postcount=18
وعنونَّا لها بقولنا: (هل الكافر كالمؤمن عند أول خلقهما لا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب؟)
فليراجع فإن فيها بيان موضع التساوي وموضع التفاضل مفصلا بما يغني عن الحاجة للتكرار.

مسألة: هل علم الله بأهل الجنة والنار سببه علمه باختياراتهم أو خلقه لهم على وجه يؤدي بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؟
خلاصة الرد: العلم تابع للمعلوم فعلم الله يكون مطابقا لما سيكون من اختياراتهم، ولكن اختيارات العباد التي هي بإرادتهم الحرة لا تتناقض مع مشيئة الله تعالى، فالله خلق للجنة أهلا وهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلا وهم بعمل أهل النار يعملون، وعمل الطائفتين هو باختيارهما وإرادتهما دون إكراه، وجميع ذلك بعلم الله ومشيئته وقدرته وخلقه وحكمته، ومعرفة كيفية ذلك هي من القدر الذي هو سر القدرة الإلهية كما سبق بيانه.

مسألة: لانهائية الصفة وتكميم الكمالات.
وخلاصة الرد: بطلان الاصطلاحات التي استخدمها الزميل كما سبق بيانه مفصلا هنا:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=114177&postcount=22
وسبق بيان أن جميع صفات الله كاملة، وأن كمالها لا يتوقف على وجود آثارها أو عدمها، وإنما وجود الآثار هو من كمالها لا مسببا لكمالها. وجميع ما ذكره الزميل قد أجيب عنه في الرد السابق وما قبله فليراجع.


مسألة: الأقيسة والأمثلة.
خلاصة الرد: رجوع الزميل إلى تقييد الفروق التي ينقض بها القياس بالفروق المؤثرة، وهذا شيء جيد، ولكن لم يصحبه التطبيق السليم لهذا الرجوع.
ولن أعلق الآن على تفاصيل الأمثلة، ولكن سأكتفي بإشارات موجزة للرد على منهجية الزميل فيها وهو كاف في إبطال كلامه فيها.

فأما مثال الشمس، فاعترض عليه بفروق كلها لا تنفي الحاجة، بل أقر بأنه لا يقول بحاجة الله لخلقه، وهذا ينهي الكلام في هذا المثال أصلا، فإن الهدف منه نفي الحاجة وليس شيئا آخر.
وللأسف أن الزميل يوهم القراء أن مرادي هو تعميم وجه القياس على غير ما سيق له، فيقول:

و هو أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في في كل أو بعض الأشياء. و لكن إذا قام القارىء بالتمعن في التفكير سيرى أن المقارنة غير عادلة. و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.
فهناك توافق واحد مقصود في المثال وهو عدم الاحتياج، فلماذا إيهام القارئ أنني أقصد توافقا آخر في ما هو أصلا فروقات لا ينكرها عاقل، ولكنها فروقات لا تنفي وجه التوافق المقصود؟

أما مثال شركات التأمين، فقد سبق الكلام أن غنى الله وعموم مشيئته كاف في رد الاعتراض، فكل ما بني على الاعتراض على مشيئة الله تعالى والاعتراض بالحاجة باطل، ومجرد الاستفسار عن الحكمة أو الفائدة ليس مبررا لتلك الاعتراضات، وإنما تفتح باب التدبر لا الاعتراض.

وأما مثال الأب، فيكفي معرفة أن الله يختص برحمته من يشاء، فإن شاء تعذيب من يستحق العذاب فلا يصح الاعتراض على ذلك بمثل هذه الأمثلة، فإن كل ما جاز أن يشاؤه الله بحكمته وعدله فلا يجوز للعبد الاعتراض عليه، وقد رحم الله الكافر في الدنيا بما كان يمكنه من سلوك طريق الجنة، فلما كفر وعصى جازت عقوبته، وهذا يبطل الاعتراضات من أصلها.

وأما مثال هوي المرء من مكان عالٍ، فقد أصر الزميل على إلغاء الفرق المؤثر فيه وهو انتفاء الإرادة، بينما الكافر لديه الإرادة التي تمكنه من اختيار طريقة الجنة أو طريق النار، فهو ليس مجبرا على دخول النار كما هو الساقط مجبر على السقوط، شتان بين من له إرادة وحرية واختيار، فيجازى على ما اختاره بإرادته، وبين من رمي من مكان عال على خلاف إرادته واختياره، فمن هو إذن الذي يلغي الفروق المؤثرة، ويأتي بالفروق التي لا أثر لها؟


مسألة: هل يعذب الكافر لجهله بخفي الحكمة إذا كان سبب كفره هو خفاء الحكمة؟
وخلاصة الرد: لا يعذب أحد بما يعجز عن معرفته، ولا يكفر بجهله، وإنما يعذب ويكفر في هذه المسألة بإنكاره حكمة الله تعالى وعدم توقفه عند الاعتراف بالحكمة إن علمها، أو عدم اعترافه بعجزه عن معرفتها إن لم تتبين له، وليراجع التفصيل لهذه المسألة فيما سبق هنا لأهميته:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=115709&postcount=25


أما الأسئلة التي طرحها الزميل فيعلم الجواب عليها من مراجعة الحوار، فإنها أسئلة مكررة والجواب المفصل عليها مذكور فليراجع.

ناصر الشريعة
03-15-2009, 10:47 PM
الملاحظات العامة:

أولا: تضمن أسلوب الزميل ما لا يرضى من ألفاظ وتعبيرات في الحديث عن الله تعالى، كأقواله هذه:


ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراًوهذه عبارة غاية في القبح والشناعة، وكان يسعه أن يقول: أليس الله بقادر على كذا وكذا.



المسلمون يدافعون بضراوة عن ربهمكان يسعه أن يقول: المسلمون يدافعون بضراوة عن إيمانهم بربهم.
فإن الرب جلَّ وعلا هو الذي يدافع عن المؤمنين، والمؤمن يدافع عن إيمانه ودينه.


و لكن الله ليضمن أن هذا لن يحدثومثله قوله:

هكذا يضمن الله أن هذا العبد لن يدخل مكاناً لا يستحقهاستعمال كلمة (يضمن) في هذا السياق يوهم أن الله يخشى أن يحصل شيء بخلاف إرادته، وهذا لا يليق، وإنما تستعمل كلمة (يضمن) منسوبة إلى الله في معنى تكفل الله بالوعد بالجزاء على الأفعال لا سيما الصالحة.


الله عندما أدرك أن عبده الفلانيهذه العندية توهم أن الله لم يكن علمه ذلك أزليا، وهو لا يليق في حق الله تعالى، وكان يسع الزميل أن يقول: (ولما كان الله بعلمه الأزلي يعلم كذا وكذا) ونحو ذلك من التعبيرات الكثيرة التي لا يعجز عن معرفتها عاقل.



الله اختار كون واحد، أو "سيناريو" واحد فقط من بين كل هذه الأكوان و "السيناريوهات" الأخرىهذا التعبير الركيك عن سعة مشيئة الله تعالى مما لا يليق في حق الله تعالى، فإن هذا التعبير يستخدم في مجالات بشرية لا تخلو من المكر والخديعة والإسفاف، كما أنها توهم في هذا السياق نفي الاختيار عن المكلفين عند الحديث عنهم وكأنهم دمى لا إرادة لها أصلا.
وكان يسعه أن يعبر بأن الله قادر على أن يخلق هذا الكون على صور شتى ومختلفة، وهذا كاف في عرض فكرته بدون ركاكة التعبير.



لأن الله لو كان يعرف من الأصل أنهلا يصح استخدام لفظة (يعرف) في حق الله تعالى، وإنما يستخدم لفظ العلم، لأن المعرفة توهم سبق الجهل عليها، بينما العلم لا يلزم منه ذلك، ولهذا لم يرد في القرآن ولا السنة وصف الله بأنه يعرف، وأما حديث (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهو على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل الابتداء، وليس كل ما جاز عند المقابلة يجوز عند الابتداء.



أعرف أن ما يدور ببال كل من يقرأ هذا الكلام: أن الله حكيم عليم و قادر و يستطيع فعل المستحيل.مع ما في هذا الأسلوب من تهوين العلم بكمال صفات الله تعالى كما هو واضح من سوقها مساق الشيء الذي لا جديد فيه رغم أصالتها في الرد على كلامه، إلا أنه خلط بها المستحيل بقوله (ويستطيع فعل المستحيل) فهذا لا يصح إطلاقه على الله، لأن المستحيل ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة الله تعالى، ومهما كان قصده فإن عبارته باطلة ومتناقضة مع كلامه الكثير عن المستحيل واللامنطقي، مع أن تفريقه بين المستحيل واللامنطقي هو نفسه تفريق لا منطقي، إذ المستحيل نفسه لا منطقي.


و يقوم بدور القاضي و يعاقبالقيام بدور يقال في حق الإنسان الذي يوضع في دور، وهذا الدور يكون له أو لغيره، والله لا يصح أن يعبر في حقه بمثل هذه التعابير البشرية التي لا تخلو من ركاكة اللغة أيضا.


و أن مسئولية الله عنالا يليق أن يوصف الله بالمسؤولية بل تنفى عنه، لأن المسؤولية تعني الخضوع للمحاسبة والمسائلة، والله منزه عن ذلك، وكان يسع الزميل أن يقول: (وأن عناية الله بنا أو رحمته) ونحو ذلك.



و يعتبر نفسه غير مسئول عما يفعلون قوله (يعتبر نفسه) غير لائق في حق الله تعالى، وكان يسعه أن يقول: (والله في المعتقد الإسلامي غير مسئول عما يفعلون)



و لكن الله متأكد أكثر من هذا المرء ألف ألف مرة أن خلقه للكافرهذا التعبير الركيك فيه ما لا يليق في حق الله تعالى، فإنه لا يقال أن الله متأكد، لأن علم الله الأزلي لا يحتاج إلى مؤكدات حتى يتأكد الله من شيء، فضلا عن أن يكون متأكدا ألف ألف مرة!
وكان يسعه أن يقول: (لكن الله يعلم علما أزليا مطابقا للواقع أن كذا كذا ...)

ولو تتبعت من كلام الزميل من أول الحوار أمثال هذه التعابير غير اللائقة لأخذ وقتا طويلا، والذي أطالب به الزميل أن يراعي التعبير اللائق عند الحديث عن الله تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

ومما لا يليق من كلام الزميل تمثيله على الكافر باسم (أحمد أو محمد) وهما من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء أهل الإسلام، ولا أدري هل ضاقت به الأسماء، أم أنه لا يبالي بدلالاتها في الحوار أو ما ترمز إليه عند القراء أم ماذا؟ والذي نطالب به الزميل أن يستعيض عن ذكر اسم نبينا صلى الله عليه وسلم في تمثيله على الكافر بغير ذلك من أسماء أهل الكفر والعناد، ودونه أسماء الكفار كأبي جهل وأبي لهب، أو معرفه هو (المفتري) إن شاء.


ثانيا: يلجأ الزميل إلى عرض بعض النقاط المهمة بأسلوب عامي يناسب أحاديث المقاهي لا النقاشات العلمية، فإن كان لا يقدر على الحوار بدون عامية الأسلوب فنعذره لعجزه، وإن كان يقدر على المحافظة على جدية الحوار وعلميته بدون تفاصح ولا تقعر ولا ضدها من ميوعة العامية وركاكتها فنطالبه حينئذ بما يقدر عليه، وليس القراء شماعة لتصير لغة الحوار ركيكة بعاميتها وضعفها، فأقل ما يطالب به هو سلامة التعبير وصحة الأساليب، ولا شك أن لذلك أثرا في وضوح الفكرة واحتراما لعقلية القراء وعدم الاستخفاف بهم، ولا نطلب منه أن يكون نحويا كسيبويه، أو لغويا كخالويه! وإنما شيئا من الجهد في الحرص على جودة لغة الحوار.

وأمثلة ما وقع فيه الزميل من ذلك كثير جدا منذ أول الحوار، ولكن أذكر على ذلك مثالا من آخر مشاركة له وهو قوله:


هو أن الله يريد أن يبين المؤمن الحق من المنافق. باختصار: يُظهر كل إنسان على حقيقته.فهذا الاختصار فيه تمييع واضح بأسلوبه العامي للجملة السابقة، فلا اختصار فيها وإنما تمييع للفكرة، كما يؤدي إلى استفسارات من قبيل: ما هي هذه الحقيقة المراد إظهارها؟ أهي حقيقة أخلاقه؟ أصله؟ نسبه؟ غناه وفقره؟ أم إيمانه وكفره؟ أم جميع ذلك حتى يشمل صفات أبدانهم؟
ولا شك أنه يقصد تمييز الناس من حيث الإيمان والكفر، فانظر كيف يصير الاختصار تعمية لِما اختصره أصلا.
فلو قال: (باختصار: يظهر حقيقة كل إنسان من حيث الإيمان والكفر) لكان أوضح وأسلم في التعبير، ولا أقصد بالتعبير هنا الإنشاء المدرسي، وإنما اللغة العلمية السليمة لعرض الفكرة.


ثالثا: يطيل الزميل رده بكثرة المسافات الفارغة بين الأسطر، مع كون كثير من أسطر الكتابة لا تحوي فقرة كاملة بل حتى جملة تامة، فهل يظن الزميل أن الكتابة العلمية لا تكون إلا بكثرة الفراغات بين الأسطر وطول شريط التمرير عند تصفح الرد، أو أن وضوح فكرته لا يكون بغير هذا، والذي أطالب به الزميل أن يجعل الإطالة لما يستحق من النقاش لا لغير ذلك.

رابعا: يذكر الزميل أحيانا ما لا علاقة له ببحثنا مطالبا بالجواب عليه، كقوله:

كما قلت من قبل، الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه. فإذا كان ثابتاُ أنه لن يستوعبه، فهذا لا يمكن إلا أن يتسبب في الإضرار بالناس. و في رأيي، لا يصح أن يكون هناك أي شيء متعلق بالبشر في الدين و لا يفهموه.

يعني قوانين الله و حكمته في عقوبة الزنا مثلاً و شرب الخمر و غيره، كلها من اللازم و الواجب أن تكون مفهومة و مستوعبة، و من هذه الأشياء الحكمة من خلقنا و لماذا نتعذب و كل شيء يمت لنا بصلة من قريب و من بعيد.

و الأسباب كثيرة و منها على سبيل المثال لا الحصر، أن الدنيا أصبحت زاخرة بالديانات و المعبودات و الأنبياء الكاذبين الذين يقولون أنهم جاؤوا من عند الله أو... أو... مثل المعدي: غلام مرزا القادياني الذي ادعى أنه مسلم و نبي جاء من بعد محمد.

ما الذي يجعلك كمسلم لا تتبع هذا الشخص؟ لا بد أنه المنطق و العقل و التفكير. هناك أسباب واقعية و منطقية تمنعك من اتباعه لأنه -مثلاً- يقول أشياء غير منطقية.

فكيف تكون هناك أمور في الإسلام مخفية لا يمكن أن نفهمها و غير منطقية و مع ذلك تطلب من الناس أن يؤمنوا بهذا الدين؟

كيف تتميز عن غيرك من الديانات الكاذبة إذا لم يمن كل شيء واضح أمامك و صريح؟

و كما قلت من قبل، ليس ما أطلبه هو: كيف يبدو الله و أين مكانه؟ و إنما كل ما أتكلم عنه أمور تخصنا نحن البشر.

هذا بخلاف أن العلم بوجود الحكم المخفية يسبب الضلال كما قلت من قبل و أنا مثال حي على ذلك. فأنا إن استمريت على حالي هذا من وجهة نظر الدين الإسلامي، سأدخل النار. و السبب في هذا هو أنني لم أستطع أن أعقل بفكري الحكم المخفية التي تفوق التصور.

فإذا كانت الحكم المخفية سبباً في دخولي النار، فكيف نقول بوجوبها؟فرغم عدم المعنى في قوله: ( الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه) لأن خفاء الحكمة غير العلم بوجود حكمة مخفية، فيصح أن تخفى الحكمة وأن يعلم الإنسان بأن هناك حكمة مخفية، ولا يكون صحيحا أن يقال إنه لا ينبغي لمن خفيت عليه الحكمة أن يعلم بوجود الحكمة المخفية! فهذا تناقض لا معنى له، ولا شك أن الزميل ضعفت عبارته عن مراده وهو عدم معرفة الحكمة لا عدم معرفة أن الحكمة مخفية عنه، وكان يمكنه أن يقول: ( الحكم المخفية شيء لا يستوعبه الإنسان الآن)
رغم ذلك فإنه قفز للحديث عن أمر آخر وهو خفاء ما نحتاج معرفته في الإسلام، فادعى ذلك مع أن الإسلام واضح جدا، وكل ما نحتاجه لنسلك طريق الهدى معلوم لنا، وأما أن يطلع الزميل على حكمة الله تعالى التي أخفاها على عبده ويقول لن أؤمن حتى أعرف هذه الحكمة المخفية فهذا عناد وكفر واضح ككفر اليهود حين قالوا لموسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} !
بل قفز الزميل إلى شيء آخر وهو المقارنة بين الإسلام والوثنية! والأنبياء والدجالين! والحديث عن المنطقية والأدلة والحجج في جميع ذلك وكأننا نتكلم عن مقارنة الأديان، أو دلائل النبوة، فهل خفاء الحكمة من تعذيب هذا المعين في النار عذر لكل هؤلاء ليكفروا بالله وليدعي الدجالون النبوة، ولتعبد الأصنام والأوثان؟
هل في خفاء الحكمة من كون هذا المعين في النار وذلك المعين في الجنة شيء يخالف العقل ويجعل الإسلام ألغازا وطلاسم لا يفهمها العقل؟! هذا تهويل لا مصداقية له ولا حقيقه له، وبعد كل ذلك لا علاقة أساسية له بالموضوع، والعقل له أن يتدبر ما يقدر عليه، وما عجز عنه فهو معذور فيه، بشرط أن لا يقر بمستحيل ولا يقول به.


هذه بعض الملاحظات التي لعل الزميل يتقبلها بصدر رحب فتعين على استمرار الحوار علميا أدبيا خاليا من ركة التعبير وما لا يليق ذكره في حق الله عز وجل الغني الحميد، مع وضوح الأفكار وتنظيم المقالة دون حشو زائد ولا اختصار مخل، وإنما إطناب في موضع الإطناب، وإيجاز في موضع الإيجاز، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.

ولعلي أضيف تعقيبا أرجو أن يكون به توكيد على أهم مسائل الحوار بما ينقذ الزميل من عصف الإشكالات في ذهنه لعدم تصوره الصحيح للموضوع بالنسبة للمعتقد الإسلامي، ذلك المعتقد الذي لا يعاني المؤمن فيه من هذه الإشكالات الوهمية المتناقضة لصحة المنهجية الإسلامية في تناول القضايا ودراستها.

المفتري
03-16-2009, 10:44 PM
أود أن أعرف إذا كان الزميل سيضيف تعقيباً فأنتظر حتى يضيفه، أم أضيف ردي الآن.

ناصر الشريعة
03-17-2009, 11:17 PM
يمكنك أن تضيف ردك، فتعقيبي ليس خاصا بردك الأخير ولكن بالإشكال الشخصي الذي لديك في هذه المسألة عموما، وسوف أضيفه قريبا إن شاء الله تعالى .

المفتري
03-17-2009, 11:40 PM
ردك السابق، 50% منه تجاهل لأسئلتي و إشارات لردود سابقة مردود عليها بالفعل، و الـ 50% الآخرى عتاب مبالغ فيه على استخدامي للألفاظ و التعابير. هذا هو كل ردك. لقد توقعت منك أفضل بكثير جداً من هذا.

يبدو لي أن هذه المناظرة تتجه إلى طريق مسدود. فأنت تقول الآن أنني لم أضف جديداً و أن كل ما ذكرته في ردي هو مردود سابقاً، و أنا رأيي كذلك. لقد رددت أنا على كل شيء ذكرته أنت.

و لكن أنت غير مقتنع أن ردودي تطرقت لما بعد ردك السابق، و أنا كذلك غير مقتنع أن ردك الأخير أضاف شيئاً.

لهذا سأرد بالإيجاز كما فعلت و سأكتفي أنا الآخر بالإشارة لما ورد مني سابقاً إذا لزم. فإذا انتهى بنا الحال إلى الإشارة للردود، ينبغي أن تتوقف المناظرة عند هذا الحد، و نبدأ في فتح المجال للقراء في توجيه أسئلة لي و لك حيث أنني أدرك أن هناك الكثير ممن يريدون أن يسألوني أسئلة يعتقدون أنها ستحل الإشكال بالنسبة لي، و بالمثل قد يسألك أحد اللاأدريين أو اللادينيين و ربما المسلمين أسئلة لم تخطر ببالي أو ببالك. هذا بشكل عام يثري المناظرة بمزيد من الأفكار بلا شك و يعود بالفائدة على الجميع.

بالنسبة لردك الأول:

مسألة: كثرة أهل النار على أهل الجنة هل تنفي الحكمة ؟

أنت في الكلام عن هذه المسألة، افترضت أنني أريد أن أناقش الحديث بمضمونه مستقلاً بذاته عن الأمور الأخرى، و افترضت أنني أسألك ما هي الحكمة من كون أهل النار أكثر من أهل الجنة؟

و لكن الكلام عن الحديث كله جاء مرتبطاً بنقاط أخرى و أنا لم أكن أتكلم عن الحديث نفسه مستقلاً بذاته. بل كنت أناقش نقاط أخرى و أستخدم الحديث في تعزيز هذه الفكرة.

النقاط الأخرى هي:

- مسألة تجلي صفات الله و لزوم ارتباطها بعدد المتجلي فيهم الصفات (و سأرد عليه في مكانه المخصص أسفل)

- مسألة الإختبار المعلوم أن نتيجته و ارتباطها بنسبة الناجحين إلى نسبة الراسبين (مردود أسفل)

لذلك لا ينبغي أن نتكلم عن الحكمة من ادخال 99% من البشر للنار بشكل مستقل فليس هذا هو ما أثرته. و إنما قصدت ربط الحديث بهذين النقطتين.

و بشكل عام، الكلام المذكور في هذه المسألة مردود مجملاً في رد النقطتين المذكورين أعلاه.

مسألة: عدم تغيير اختيارات العبد لما سبق في علم الله تعالى هل ينفي فائدة حرية الاختيار؟ (كررها الزميل بحديثه عن عشوائية التصرف وعدم إمكانية التوقع)

خلاصة الكلام:

أنا لم أغير كلامي و أقل أن البشر حري الإختيار مرة، و في مرة أخرى غير حري الإختيار. البشر حري الإختيار و هذه حقيقة ثابتة. أنا أشرت لوجود تناقض منطقي بين الحرية في الإختيار بدون إجبار و بين القدرة على توقع الكيان حر التصرف. و الشرح موجود في الرد لمن يريد مراجعة المنطق الذي استخدمته.

و لم أقل أن علم الله السابق مانع من ثبوت الحرية كما ظننت. و لم أقل أن علم الله مؤثر و ليس كاشفاً. كل هذه الأمور هي فهم خاطىء منك لما كتبت.

العبد الداخل للنار ليس داخلاً لها لأنه عاجز عن التوبة، هو بالفعل يستطيع أن ينقذ نفسه و يتوب، و لكن إذا كان الله يعلم من البداية أنه لن يفعل ذلك، فهذا معناه أنه لن يفعل ذلك، و من غير المنطقي أن تتوقع من الكافر أن يتصرف تصرفاً مخالفاً لما يعلمه الله من البداية (و هو التوبة). الكافر عنده القدرة أن يتصرف هذا التصرف، و لكن الله يعلم أنه لن يفعل ذلك، و مع ذلك يطالبه بالتوبة.

الخلاصة: الله يطلب من الكافر التوبة و هو يعلم أنه لن يتوب. و يعاقبه على أنه لم يتصرف بعكس ما كان بعلم الله. نعم، الله عندما يأمر الكفار بالتوبة، فهو يأمرهم بأن يغيروا ما في علمه. كيف تجد الأمر واضحاً و مفهوماً أن يكون الله عالماً بأن الكفار سيدخلوا النار و مع ذلك يأمرهم بأن يغيروا ذلك ثم يعقبهم بأنهم لم يغيروا ما كان بعلمه مسبقاً؟

و بالنسبة لمفهومك للعشوائية و الحرية، فما كتبته أنت عن الحرية و هو:

وقوع أفعال العبد وفق إرادته واختياره دون إلجاء ولا إكراه.

فهذا هو ما أتكلم عنه و هو ما قصدته بالعشوائية في التصرف. و هذا هو ما لا يصح منطقياً توقعه حيث أن الحرية في التصرف و القدرة على التوقع أمران متناقضان منطقياً تناقضاً كاملاً كنفس تناقض سؤال: هل يستطيع الله أن يخلق إله أقوى منه؟ فلا يوجد إله أقوى من الله لكي يصح الإستعانة بشيء كهذا في سؤال، و لا يوجد شيء اسمه كيان حر التصرف يمكن توقع 100% من أفعاله.

مسألة: لِمَ تتجلى صفات الله تعالى؟ وهل يحتاج الله لأن تتجلى صفاته لغيره ؟ وهل تتجلى بمشيئته أم لا ؟

تقول أن تجلي الصفات هي واحدة من عدة حكم لتعذيب أهل النار. هل تعرف هذه الحكم؟ أم أنك تقول بوجودها غيبياً على أساس أنها حكم مخفية؟

و إذا كنت تعرفها فهل تجد من مناسبة أفضل من هذه لذكر هذه الحكم؟

و هل استنتاجك بأن هناك حكم أخرى استنتاج اجتهادي أم موثق؟ لا مانع عندي إذا كان مجرد اجتهاد شخصي، و لكني أريد أن أعرف فعلاً إذا كان هناك نص قرآني أو حديث يؤيد هذا الكلام.

جدير بالذكر أننا لا نحتاج للخوض في حكم أخرى لأننا لم ننتهي من النقاش في هذه الحكمة التي ذكرتها، فإذا كانت هناك حكم متعددة لخلق أهل النار، فهذه لا يمكن أن تكون من بينهم و السبب كما ذكرت سابقاً أن الله لا يحتاج أن تتجلى صفاته، و عباده إن احتاجوا هذا التجلي، فلن تكون تجلي صفة القهر من الإحتياجات اللازمة في حياتهم.

و بما أنه ثابت أن الله لا يحتاج إلى عباده، فهذا لا شك معناه أن الغرض من تجلي الصفات، و المستفيد منه هو الناس و ليس الله. ما هي الفائدة التي تعود على الناس من تجلي صفة القهر إذا كان تجلي صفة كهذه يقتضي بأن يتعذب نفس هؤلاء الناس عذاباً مريعاً؟ و لو كان الله على كل شيء قدير، و إذا كان لازماً أن تتجلى للناس صفة القهر، فلماذا تتجلى هذه الصفة بتعذيب الناس و هو القادر الذي يستطيع أن يحقق نفس النتيجة من دون تعذيب الأرواح؟

و إذا كان لازماً أن تتعذب الأرواح لتحقيق حكمة مخفية ما، فلماذا كانت النسبة هي 99% ممن خُلقوا؟ و هذا هو موضع من مواضع الإعتراض على النسبة. أنت تقول بأن النظر للنسبة أمر لا يصح، و إنما هو أصح الصحيح و هو واحد من المقاييس التي نستطيع أن نستدل بها على ما يخفى عنا من صفات الله. و الكلام واضح جداً و لا يوجد شيء فيه مختفي و لا نعرفه.

الله صفاته عديدة، و لكل صفة مقتضياتها، فإذا كان الله رحيم أو منعم و قاهر، و إذا كان الحديث يقول أن صفة النعمة أو الرحمة يمكن أن يتجلوا في 1% فقط ممن خلق الله، بينما صفة القهر لا يمكن أن تتجلى بأقل من 99%.

و هذا هو السؤال الذي أسأله و هو سؤال منطقي و لا يمكن تجاهل النسبة طالما شواهدها أمامنا.

هل الله قاهر أكثر مما هو منعم على البشر و رحيم بهم؟ أم أنه قاهر و منعم بنفس القدر و لكن الصفات هي التي تختلف بحسب مقتضياتها بحيث لا يمكن القول بأن صفة معينة تجلت إلا إذا حدث هذا التجلي في حد أدنى من الناس؟

ثم لاحظ أنك لم ترد على السؤال، فأنا سألت: لماذا يجب أن تتجلى صفات الله لو أنه متفق عليه أنه غير مجبر على أي شيء و غير محتاج لشيء؟ و أنت قلت أن ليست هذه هي الحكمة الوحيدة و إنما هناك حكم أخرى، و الإشارة بوجود حكم أخرى لا يحل الإشكال في الحكمة نفسها التي نتكلم فيها. ثم أخذت تتكلم عن أن الله لا يحتاج إلينا و أنه الغني عنا، و أنني لا يصح أن أعترض بالحاجة.

أين الإجابة على السؤال؟

مسألة: ما الحكمة من الاختبار والابتلاء إذا كان الله يعلم ما سيكون، وإذا فشل أكثر الناس فيه؟

يا زميلي نحن متفقين على أن الله يحقق ما بعلمه، و أن تحقيق ما في علم الله كمال، و نحن الآن كل ما نفعله هو أننا نناقش المنطق الموجود في علم الله. فأنا عندما أسألك سؤال: لماذا خلق الله الكافر و هو يعلم أنه سيكفر؟ فأنا كذلك أسألك ضمنياً: لماذا يوجد في علم الله أن الله سيخلق الكافر الذي سيدخل النار. و جوابك بأن الله فعل ذلك ليحقق ما بعلمه هو جواب عام و يمكن إجابة كل الأسئلة به و هو يسد النقاش و التحليل المنطقي للأمور.

نحن هنا نناقش لماذا الأشياء الموجودة في علم الله موجودة بالشاكلة التي هي عليها، و الأسئلة بشكل ضمني المقصود بها الكلام على شاكلة: لماذا يوجد في علم الله أنه سيعذب الكفار؟ لماذا لم يكن في علمه من الأصل أنه لن يفعل ذلك؟

و أنت هنا أيضاً لم ترد على أي شيء مما ورد في أسئلتي عن الحكمة من الإختبار و أرجعت ردك لردود سابقة و طلبت مني أن أراجع.

أين ردك على سؤال: كيف يختبر الله الناس (ليبين المؤمن و الكافر) و هو يعلم المؤمن و الكافر من الأصل؟ و لمن يبين الله المؤمن من الكافر؟

ما الغرض من الإختبار إذا كانت النتيجة معروفة؟ لماذا لم تجيب على هذا السؤال؟

و لم تجب أيضاً على الحالة التي عرضتها و التي تمثل شخص دخل النار بسبب الإختبار و ليس بسبب شيء آخر!

لماذا تجاهلت الرد على هذا المثال؟

ثم نأتي لارتباط حديث النسبة بمسألة الإختبار، فكما قلت كلامي عن هذا الحديث كان في سياق الإستعانة به في مناسبة كهذه. فلو أن الحديث صحيح، و لو أن النسبة بالفعل كذلك، فهل تختلف معي في أن هذا معناه أن خلق الإنسان و اختباره شيء مضر له كقاعدة أساسية تحدث بنسبة 99%؟ و أن الإنسان بطبيعة الحال راسب في الإختبار كقاعد أساسية أيضاً؟

لاحظ أن هناك فرق جوهري بين سؤال: لماذا يختبر الله الناس و هو يعلم نتيجة الإختبار مسبقاً، و سؤال: كيف يختبر الله الناس و هو يعلم أن 99% منهم سيرسبوا في الإختبار. لا يمكن تجاهل هذه النسبة فهي معناها أن كل الناس سيدخلوا النار. و أن داخلي الجنة هم فئة ضئيلة مهملة لا تمثل البشرية أصلاً، و أن من يمثل البشرية هم الـ 99% هؤلاء.

مسألة: المساواة بين المؤمن والكافر قبل خلقهما وبعده؟

أيضاً قمت بالإشارة إلى ردك السابق الذي رددت أنا عليه بمسألة آنية الأذى لحظة الخلق. يا زميل، أنت تناقش فيما بعد الخلق، و أنا أتكلم أن الأذى و الظلم حدث بمجرد الخلق و ليس بأن نخوض في تفاصيل الخلق و من عنده حرية و من ليس عنده و كل هذه الأمور المتأخرة في الزمن. و الرد المتوقع منك هو رد في إشكالية أن الأذى و اللامساواة حاصلين بمجرد فعل الخلق بغض النظر عما سيحدث بعد ذلك. فلا أدري هل تجاهلت الرد هنا أيضاً أم أنك لم تفهم أن ما قصدته كان رداً على ما قلته في هذا الرابط الذي أدرجته الذي لا توجد فيه كلمة "قبل" من الأصل و التي هي جزء من السؤال.


مسألة: هل علم الله بأهل الجنة والنار سببه علمه باختياراتهم أو خلقه لهم على وجه يؤدي بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؟

لا رد أيضاً. أنت لم تتناول الموضوع نفسه و لم تخض في المثال المذكور أو تتعرض له بأي شكل، و إنما أجبت عنه إجابة خارجية عامة يمكن الجواب بها على كل الإشكالات و قلت نفس ما قلته سابقاً و هو ما معناه أن أفعال الله مطابقة لعلمه. و هي مسألة بديهية لا تحتاج للذكر. و كما قلت، أن النقاش في هذه المناظرة هو نقاش لما في علم الله في الأصل و الذي ينعكس على أفعاله. فإذا سألتك عن فعل من أفعال الله فهذا معناه أنني كذلك أسألك عما كان في علمه منذ الأزل. الله يعلم ماذا سيفعل في المستقبل منذ الأزل و أفعاله هذه نابعة من منطق إلهي، هذا المنطق الإلهي هو الذي نتكلم عنه في المناظرة.

لا يوجد رد يا زميل لما ورد في هذا الصدد، و لا حتى إشارة لرد سابق لك. لا شيء.

مسألة: لانهائية الصفة وتكميم الكمالات

و هنا أنت أغلقت النقاش تماماً في الموضوع و كأنك لم تقرأ شيئاً مما كتبت أنا. يا زميل، لو أنك مللت من المناظرة و لا تريد أن تكمل فلتقل هذا و لننهي الأمر. ألم ترني سألتك ثلاثة أسئلة في هذه النقطة لكي نقف على المفاهيم و يستمر هذاالجزء من المناظرة على أساسها؟

أين الإجابة على هذه الأسئلة؟

أولا: هل صفات الله تقدر بمالانهاية أم هي محدودة الكمية؟ (و سبقتها بشرح لما أقصده بمحدودة و لا نهائية)

ثانياً: هل الإجابة على السؤال السابق سواء بمحدودة أو لانهائية ينطبق على كل الصفات؟ أي هل كل الصفات ستكون محدودة أو لانهائية؟ أم أن هناك من الصفات ما هو محدود و هناك ما هو غير محدود؟

ثالثاً: ما هي الدلائل الإسلامية التي ينبغي أن يسترشد بها المسلم للإجابة على أي من الأسئلة السابقة إجابات واضحة و دقيقة؟ و هل الموضوع محل اجتهادات؟

لا شيء.

مسألة: الأقيسة و الأمثلة

لا أعرف إذا كنت لم تقرأ الرد، أم أنك قرأته و لم تفهمه، لعل شرحي سيء مثلاً؟

الذي فهمته أن الغرض من هذا المثال ليس اثبات أن الله يحتاج للناس، و أنا قلت هذا:

" أولاً: هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا"

هل وجدتني و لو مرة واحدة فقط أقول لك أن الله يحتاج للبشر لتأتي لي بمثال الشمس هذا و ترد به على إشكالية الإحتياج؟

أين يا زميل؟ أين قلت أنا أن الله يحتاج للبشر؟

مثال الشمس أنا خضت فيه على أساس أنك تشبهه بوجوب ظهور مقتضيات لصفات الله. لا أفهم من أين جئت بشبهة الحاجة هذه؟

و باقي ردودك على المثالين الآخرين هي ردود لا تقال في مناظرة أساسها النقاش و التحليل المنطقي، و إنما تقال لشخص مؤمن متشكك و لا يبغى النقاش أو المناظرة، فشخص كهذا يمكن أن تقول له: "لا يصح أن تعترض على مشيئة الله" و "إذا أراد الله أمر ما فهذا لحكمة منه". و "عليك بالتدبر". و لكن لا مكان لهذه الردود في مناظرة كهذه.

لقد قلت أنا مثال، و رددت أنت عليه، ثم رددت أنا على هذا الرد و أجهدت نفسي في تحليلها و كتابتها و أنت بدلاً من أن تكمل معي النقاش تقول:

"ولن أعلق الآن على تفاصيل الأمثلة، ولكن سأكتفي بإشارات موجزة للرد على منهجية الزميل فيها وهو كاف في إبطال كلامه فيها"

و لماذا لن تعلق على تفاصيل الأمثلة؟

و ياليت الإشارة الموجزة هذه التي أشرتها فيها ردود مجملة منطقية و مفحمة مثلاً. كل ما هناك هو كلام بأنه لا يصح الإعتراض على أفعال الله بهكذا أمثلة. ما هذا التراجع الغريب؟

كما قلت سابقاً، لو أنك تريد انهاء المناظرة الآن و فتح المجال للأسئلة فلتقل هذا و لننتهي.

مسألة: هل يعذب الكافر لجهله بخفي الحكمة إذا كان سبب كفره هو خفاء الحكمة؟

أنا لا أتكلم عن معاقبة الله للجاهلين بأمور في دينهم؛ و إنما أتكلم عن الذين يسبب لهم العلم بوجود أمور لها حكم المخفية مشاكل قد تؤدي إلى كفرهم. و لعلك لم تفهم قصدي بعلم الناس بوجود إشكاليات لها حكمة المخفية و وصفت تعبيري لها بأنه غير منطقي. سأرد على هذه النقطة بالتفصيل في مكانها أدناه.

المفتري
03-17-2009, 11:42 PM
و الآن ننتقل للحديث عن الملاحظات العامة:

و هو الجزء الذي وجدتك صببت كل مجهودك فيه بالرغم أنه ليس هو المتعلق بصميم الموضوع. فأنت في السابق أخذت في الإشارة إلى ردود سابقة، و تجاهل الخوض في تفاصيل الأمثلة، و الإكتفاء بالرد بسطرين و ثلاثة، و لكن هنا أجدك تقف عند كل كلمة و تعطيها كل ما تستحق و ما لا تستحق و بشكل عام تظهر حماستك في الرد في هذا الجزء بينما في الجزء السابق تبين لي أنك لا تريد أن تكمل المناظرة من أساسه.

و التفسير الوحيد لدي هو أن ردودي استفزتك لدرجة جعلتك لا تتمالك نفسك و تهجم على كل صغيرة و كبيرة جاءت في الرد بلا تمييز، و المدهش أنك بعد هذا الهجوم الشرس تطالبني في النهاية بأن أتقبل طريقتك هذه بصدر رحب.

بالنسبة للتعبيرات التي ترى أنها كبيرة في حق الله، فهي كلها لها سبب واحد مشترك و هو ليس التقليل من شأنه أو السخرية، و إنما السبب في هذا أن اللجوء لهذه المصطلحات يجعل الكلام في أمور صعبة الإستيعاب ممكن.

فحقيقة أن علم الله أزلي مثلاً حقيقة لا يمكن استيعابها بسهولة، و بشكل عام، ليس من السهل وصف المنطق الإلهي الأزلي. فأنت تقول أن الله له حكمة في أنه خلق أهل النار. هذه الحكمة لها تفاصيل زمنية و خطوات على غرار:

الكافر عاصي، إذاً فهو يستحق العذاب، إذا خلق الله جهنم.

هذا الترتيب يبدو في ظاهره من المنظور البشري أنه ترتيب زمني فنحن نراه أن: الكافر كان عاصياً، نستنتج من هذا أنه يستحق العذاب، فخلق الله جهنم.

و لكن الأمور في علم الله و المنطق الإلهي من منظور أزلي يختلف، فلا يوجد شيء يحدث قبل شيء أو بعد شيء، و إنما تكون الأمور كلها بمنطقها و مدلولاتها و استنتاجاتها أزلية في علم الله. و هو شيء يستحيل على أن أتكلم عنه بدون استخدام العندية في لفظة "عند". و أن الله تصرف بالشكل الفلاني عندما كان العدل مثلاً يقتضي ذلك. يجب أن أتكلم عن الموضوع بمنظور بشري لكي يفهم القارىء ما أكتب و من المفهوم ضمناً أن الله لم يخض في هذه الخطوات بهذا الشكل الزمني، و إنما هذه هي الطريقة البشرية للكلام عن المنطق الإلهي:

عندما حدث كذا، حدث كذا، و بالتالي كانت حكمة الله أن كذا.

و مثال ذلك عندما قلت: "و لكن الله ليضمن".

فأنا بالطبع لا أقصد أن الله يخشى أن يحصل شيء بخلاف إرادته، و لكن الفكرة المقصودة هنا لم أستطع التعبير عنها إلا بهذه الطريقة.

و عندما قلت:

"الله عندما أدرك أن عبده الفلاني"

أيضاً ينطبق عليها الكلام الذي قلته لتوي عن العندية.

و إن كان كلامي عن الله قد خدش حياء البعض فأنا أعتذر عن ذلك مرة أخرى و يجب أن يفهم القراء أن الغرض من استخدامي لهذه الألفاظ ليس السخرية و إنما رغبتي في أن تصل الفكرة للقارىء.

و السؤال يا زميل، لماذا لم تكلف نفسك و ترد على بعض هذه الأسئلة بدلاً من الإكتفاء بالتعليق عليها و اقتراح تعبيرات بديلة؟

فمثلاً سؤال: ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراً يعذبهم لتتجلى صفة القهر؟

فما هو ردك على السؤال؟ و سأعيد صياغته على طريقتك:

أليس الله بقادر على أن تتجلى قدرته بدون أن يعذب البشر؟

و بالنسبة لاعتراضك على لفظة سيناريو فهي لفظة عادية و ليس لأنها تستخدم في مجالات بشرية فيها خداع و اسفاف فيكون هذا معناه أنها لفظة سيئة. فاللفظ نفسه له معنى مستقل و يصح الإستعانة به بلا أي مشاكل و اللفظ معناه: "تسلسل أحداث" و ليس بالضرورة شيء متعلق بفيلم أو مسرحية أو غيرها من الأمور الأخرى. فضلاً عن أن الأفلام و المسرحيات ليست أعمالاً شيطانية مثلاً بطبيعتها و لا تحتوي بالضرورة على محتوى فيه خداع و مكر و اسفاف. فالكتب هناك منها ما هو جيد و ما هو به اسفاف. فهل هذا معناه أن استخدام كلمة "صفحة" متلازم بالإسفاف لمجرد أن هناك كتب فيها اسفاف؟

و هناك الكثير من التعليقات التي بالفعل لا تضيف أي شيء للمناظرة على الإطلاق لا من قريب و لا من بعيد و لا حتى فيها إهانة لله و لا هي ركيكة و لا هي أي شيء في أي شيء. و إنما تعليقك عليها ليس فعلاً إلا إشارة واضحة جداً بأنك تعترض بلا تمييز و بتعصب واضح كل الغرض منه هو أن تظهرني مخطىء بأي صورة ممكنة و السلام. و قد فارقتك الحكمة و الإعتدال تماماً يا زميل عند ذكرك لهذه العبارات. و منها:

"لا يصح استخدام لفظة (يعرف) في حق الله تعالى، وإنما يستخدم لفظ العلم، لأن المعرفة توهم سبق الجهل عليها، بينما العلم لا يلزم منه ذلك، ولهذا لم يرد في القرآن ولا السنة وصف الله بأنه يعرف، وأما حديث (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هو على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل الابتداء، وليس كل ما جاز عند المقابلة يجوز عند الابتداء"

فعلاً يدهشني كثيراً كيف أنك تركت أهم نقاط المناظرة و ركزت بهذا الشكل على تعبير بسيط مثل "الله يعرف".

ما المشكلة أن أقول أن الله يعرف؟

هذا التعليق لوحده دليل كاف على أنك لا تريد النقاش للنقاش، و لا تريد الهداية، و إنما الموضوع شخصي بحت بالنسبة لك. فأنت تفعل ما تستطيع لتبين أنني مخطىء حتى لو كان هذا الخطأ بتفاهة خطأ بسيط مثل هذا.

و نفس الكلام هنا:

"القيام بدور يقال في حق الإنسان الذي يوضع في دور، وهذا الدور يكون له أو لغيره، والله لا يصح أن يعبر في حقه بمثل هذه التعابير البشرية التي لا تخلو من ركاكة اللغة أيضا"

لا شيء يذكر. مجرد اعتراضات لا طائل منها.

و هنا:

"هذا التعبير الركيك فيه ما لا يليق في حق الله تعالى، فإنه لا يقال أن الله متأكد"

كثير ما تفعله يا زميل و هو لا يقوي من منطقك فيما يخص المناظرة بشيء، و إنما هو يضعف منه لأنه يعطي الإنطباع للقارىء أن هذا هو ما تركز عليه أكثر من النقاش نفسه.

أما بالنسبة لهذا التعليق:

" مع ما في هذا الأسلوب من تهوين العلم بكمال صفات الله تعالى كما هو واضح من سوقها مساق الشيء الذي لا جديد فيه رغم أصالتها في الرد على كلامه، إلا أنه خلط بها المستحيل بقوله (ويستطيع فعل المستحيل) فهذا لا يصح إطلاقه على الله، لأن المستحيل ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة الله تعالى، ومهما كان قصده فإن عبارته باطلة ومتناقضة مع كلامه الكثير عن المستحيل واللامنطقي، مع أن تفريقه بين المستحيل واللامنطقي هو نفسه تفريق لا منطقي، إذ المستحيل نفسه لا منطقي"

فأنا أعني المستحيل بالنسبة للبشر. و هذا كان واضحا عندما ضربت مثال أنه من المستحيل علينا كبشر أن نطير، فلا داعي من أن تقول أن المستحيل و الغير منطقي شيء واحد، و لا فائدة من ذلك. و لا ليس المستحيل هو الغير منطقي. المستحيل هو الشيء الذي نعجز عن فعله كالطيران مثلاً و الغير منطقي هو تقول أشياء لا تصح منطقياً، و حتى لو كنت أنا مخطىء في هذا الصدد، فأنا وضحت ما قصدته وقتها بمثال أبين فيه ما عنيته و أنا أتكلم عن الفرق بين الإثنين، فإذا وضح هذا الفرق بالمثال، فلا داعي لذكر هذه الفروق على أساس أن جوهر الموضوع هو الأهم.

و بالنسبة لموضوع (أحمد) و (محمد)، فهما أول اسمان فكرت فيها لأنها أول أسماء تطرأ في ذهن أي أحد يفكر في أسماء عشوائية، كما أن النار بالفعل ستزخر بناس اسمهم أحمد و محمد و هذا ليس معناه أن هذه إهانة للنبي.

و طالما أنا لم أتكلم عن النبي و لم أمسه بحرف، فلا يحق لك الإعتراض. و الإسمان أحمد و محمد ليسوا ملكك لتصادر حقي في استخدامهم، فضلاً عن كون الملاحظة لا تختلف عما سبقها في عدم ضروريتها أو إضافتها لأي شيء.


و بالنسبة لموضوع العامية، فمن الصعب علي أن أتقبل كلامك بـ"صدر رحب" و أنت تقول أنني أستخدم ألفاظ تناسب أحاديث المقاهي لا النقاشات العلمية.

ثم تقول:

"فإن كان لا يقدر على الحوار بدون عامية الأسلوب فنعذره لعجزه"

حقاً؟

لماذا لم تقل هذا من البداية يا زميل؟ أنا فعلاً غير قادر على الكلام بدون استخدام العامية لعجزي عن ذلك. أنت قلت أنك ستعذرني، و أشكرك على هذا. من فضلك بعد أن وعدتني بأنك ستعذرني، لا تعلق مرة أخرى إذا استخدمت أنا لفظاً عامياً، فأنا إنسان عاجز عن الإلتزام الكامل بالعامية نظراً لوجود ضعف شديد في فصحتي على عكسك أنت بالطبع.

و بناء عليه، فكلامك عن عدم جديتي في الحوار بسبب استخدامي للفصحى الآن غير صحيح لأنني كما قلت لا أعني عدم الجدية و إنما استخدامي للعامية هو نابع من ضعفي في اللغة.

و بالنسبة للمسافات الفارغة:

هذه هي المرة الثالثة التي تتدخل فيها في طريقتي في السرد و الكلام. أول مرة عندما اعترضت على طريقتي في مناقشة التعبيرات (و أنا غيرتها)، ثم أغرقتني أنت بعد ذلك بنفس الأسلوب الذي اعترضت عليه. ثاني مرة اعترضت على استطرادي في الشرح (و قد بينت في ردي أن هناك من يحتاجون هذه الإستطرادات و قد لا تراها أنت مفيدة بينما يراها غيرك كذلك)، ثالث مرة اعترضت على طريقتي في إضافة مسافات ما بين السطور.

حقاً لا أدري، لماذا كل هذه الصعوبات في التحاور؟ لماذا لا تتركني أرد بالطريقة التي تريحني؟

و الملاحظ أنني (على ما أذكر) لم أعلق تعليقاً واحداً على طريقتك في السرد و الكتابة، فأنا لم أعلق على استخدامك المحير للألوان بطريقة تجعلني أنا على الأقل أتشتت عن سياق الموضوع و أحاول فهم ما تقصده بتغيير اللون في هذا المكان بالذات من الموضوع؟ هل تظن يا زميل أن الكتابة العلمية لا تكون إلا بالإستخدام المذهل للألوان، أو أن وضوح فكرتك لا يكون بغير هذا؟

و لم أعلق على الكثير من التعبيرات المبهمة المعقدة و الغير المفهومة و التي أدرك أنها في الغالب فيها شيء من البلاغة التي لا يستطيع من هم ضعيفوا اللغة مثلي أن يستوعبوها، و لكني كذلك أدرك أنها لا ضرورة لاستخدامها في موضوع يحتاج للتبسبط ليفهم الكل ما تقصده. أنا لم أعترض على هذا رغم أنه ضايقني. و لكني رأيت أن هذه هي الطريقة التي تريحك في الشرح، و هي غالباً من وجهة نظرك الشخصية تساهم في إيصال الفكرة للقارىء، فلم أتدخل فيها و حاولت أن أتأقلم على طريقتك في الرد.

فلماذا تتدخل في طريقتي في الكتابة؟

فعلاً أزعجني كثيراً كم أنني تقبلت طريقتك في السرد التي أجدها غير مريحة على الإطلاق، فقط لتأتي أنت و تهاجمني في طريقتي في السرد ثلاث مرات!

و أخيراً نأتي للكلام عن الحكم المخفية، فما قصدته هو أنه لو هناك أمور تشكل الناس و تفوق تصورهم، و قد تتسبب في كفرهم كما هو الحال معي، فهذه الأمور لا ينبغي أن يتعرض لها المرء طالما أنه ثابت أنه لن يستوعبها و طالما أنها قد تكون سبباً في كفره، و الكلام في هذه النقطة واضح و لا يحتاج للإستطراد.

في النهاية أطلب من الزملاء القراء قراءة ردودي –و بالذات الرد الأخير- و مقارنة كل ما جاء فيه من أسئلة بردود الزميل ناصر الشريعة بأمانة و صدق و ليحكم كل منكم بينه و بين نفسه ما إذا كانت ردوده كافية لإبطال هذه الإشكالات أم لا، و لا أن يتحيز أحد لرأيي أو لرأيه و هذا هو الأهم.

ناصر الشريعة
03-18-2009, 03:01 AM
يبدو أن الزميل بدأ يستعجل إنهاء المناظرة، ولا أدري هل السبب أن تكراره للكلام صار واضحا عندما أحلته والقراء على ردودي السابقة حيث تجاهلها في رده كما وضحته في جواب عليه، أم أن تركيزي على اختصار القول وإيجازه يسبب له مشكلة في نشر أفكاره بكثرة الكلام بدون تحقيق على غرار قوله: ( لكن هناك فرق ما بين المستحيل و الغير منطقي) !!!

ورغم ذلك فلا زلت مرحبا بالحوار مع الزميل ما دام سيحترم النقاش ويقرأ ما يقال جيدا، فعلى مدى هذا الصفحات لا يستطيع الزميل أن يقول في أصل من أصول الحوار أنني لم أفصل القول فيه، وأما فرعيات أسئلته التي يعرف جوابها بوضوح من كلامي فأستغرب من الزميل جدا أن يقول أين الجواب عليها مع أنها أُنهكت حوارا ونقاشا.

خذ على سبيل المثال قوله هذا:

تقول أن تجلي الصفات هي واحدة من عدة حكم لتعذيب أهل النار. هل تعرف هذه الحكم؟ أم أنك تقول بوجودها غيبياً على أساس أنها حكم مخفية؟

و إذا كنت تعرفها فهل تجد من مناسبة أفضل من هذه لذكر هذه الحكم؟

و هل استنتاجك بأن هناك حكم أخرى استنتاج اجتهادي أم موثق؟ لا مانع عندي إذا كان مجرد اجتهاد شخصي، و لكني أريد أن أعرف فعلاً إذا كان هناك نص قرآني أو حديث يؤيد هذا الكلام.فانظروا كل هذا التجني بأني لم أذكر حكمة ولم أجب على شيء في خلق أهل النار ومجازاتهم بالعذاب الأليم، ثم انظروا كيف تجاهل الزميل ردي المطول في هذا حيث قلت:




فإن قيل: قد زعمت أن مجرد خلق الله لأهل النار موافق للحكمة والعدل والفضل، ولم تذكر حكمة ولم تبين شيئا من أمرها، وما ذكرته مجرد دعوى لا يعرف لها معنى، ولا نسلم لك بها حتى يتضح لنا معناها، ويتبين لنا أمرها.

فيقال: إن الحكمة من خلق الله لأهل النار لها تجليات وظهورات عامة وخاصة، فأما العامة فباعتبار جنس أهل النار الذين خلقوا لأجلها، وأما الخاصة فباعتبار كل فرد فرد من هذا النوع الناري.

فأما الحكمة المتعلقة بخلق جنس أهل النار فإن منها ما هو راجع إلى ثلاثة أمور:


الأول: ظهور مقتضيات وآثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله:

فإن كمال الله عز وجل أزلي لله غير مكتسب من خلقه، ولو قدر عدم جميع المخلوقات لما نقص ذلك من كمال الله الذاتي شيء، ولكن كمال الله تعالى يترتب عليه ظهور آثاره في غيره، (ولهذا كان القول بنفي حوادث لا أول لها باطلا، لما يترتب عليه من نفي مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، مع التوكيد على أن كل حادث من هذه الحوادث مسبوق بعدمه، فلا يكون مع الله ما هو قديم أو أزلي الوجود، وإن قدر قدم النوع، فالنوع ليس بشيء في الخارج، وإنما هو كتقدير زمن أزلي، مع أنه لا وجود في الخارج إلا لحركات حادثة شيئا بعد شيء).

فإذا علم هذا، علم أن من كمال الله تعالى أن يخلق المتضادات في الوجود والخير والشر والجزاء، وأن في وجود كل ذلك أثرا من آثار كمال الله تعالى، فيكون في خلق أهل النار أثرا مقتضى من كمال الله تعالى في قهره وعدله، فيجري حكم قهره على من هو أهل لوقوع ذلك عليه، كما يجري حكم عدله في عقوبة من أساء وظلم من خلقه، ولا يكون الظهور الكامل لذلك بغير وجود من يستحق الجزاء بالعقوبة الملائمة لجرمه، فإذا كان فضل الله على البشر في الآخرة متمحضا لأهل الجنة، فإن العدل في عقوبة أهل النار أولى أن تتمحض لأهل النار بعد أن لم يكونوا أهلا لفضله.
والكلام على آثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله ومقتضياتها في خلقه أهل النار كلام طويل جدا يحتاج إلى ذكر كل اسم وصفة وفعل يظهر أثرها في خلق هذا الجنس، ومن تدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله تبين له عظيم كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وعدله، وعلم حقيقة قوله تعالى: {مالك يوم الدين} وما تضمنه من مقتضيات ولوازم ملك الله عز وجل في خلقه.


الثاني: ما يترتب على خلق أهل النار من الخير والصلاح لأهل الإيمان في عاقبة أمرهم:

فإن في خلق أهل النار وعداوتهم لأهل الإيمان وما بينهم من مقال وقتال خير وصلاح لأهل الإيمان بما يعقبهم إياه صبرُهم وصدق إيمانهم وثباتهم على الحق رغم فتنة الكافرين، وديمومتهم على طاعة الله تعالى مناكفة لوسواس الشياطين من الإنس والجن، وفي خلق أهل النار ابتلاء عظيم للمؤمنين حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر من كان إيمانه عن تصديق لا عن تقليد الأسلاف بلا بينة ولا برهان، ولو لم يخلق الله أهل النار في الدنيا لما كان هناك معنى للأمانة المحمولة من الإنسان في هذه الدار، إذ لا معنى للأمانة إلا إذا قام بها صاحبها وهو يملك أن يخون إذا شاء رغم وجود دواعي الخيانة، أو كان بتلك المثابة عند بعض السامعين، فلا يقال لشخص وضع لديه مال وهو أشل أعمى أبكم أنه حافظ للأمانة، وإنما يقال للمرء أنه أمين إذا لم يخن وهو قادر على الأمرين، ودواعي الأمانة والخيانة قائمة من حوله، أو كان بمثابة ذلك عند السامع، وإذا كان لا يوجد للخيانة معنى ولا أهل، فكيف يقال أنَّ هناك أمانة وأمناء، وهل ذلك إلا كقول أن الحجر أمين لأنه لا يقدر على الخيانة!

فكان في خلق أهل النار تحقيقا لمعنى العبودية لله تعالى، وإظهار المؤمنين على الكافرين، ونصر أهل الحق على الباطل، وإعزازهم وإعظام أمرهم ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وتعظم هذه الحكمة بربطها بالحكمة السابقة حيث يكون في نصر أهل الحق على الباطل ظهورا لآثار أسماء الله تعالى وصفاته المقتضية النصر والتمكين للمؤمنين على الكافرين، وظهور رضاه ورحمته بأهل طاعته، وغضبه ونقمته على أهل معصيته.


الثالث: تسخير الله لهم كما سخر ما في الأرض لعمارة هذه الدنيا:

فكما أن الله عز وجل خلق في الدواب والهوام ما هو نافع وضار، وجعل في ذلك حياة الكائنات وتوازنها واعتدال أمرها، فكذلك كان في خلق أهل النار حكمة ظاهرة، لما يترتب عليه من سعيهم بمقتضى البشرية والطبيعة الجبلية إلى السخرة في هذه الأرض لحفظ حياتهم والتكاثر بأملاكهم وأولادهم، فيعمرون الدنيا بخراب آخرتهم، ويبنونها ليسكنها غيرهم بعد فنائهم، ولما أبوا أن يكونوا عبادا لخالقهم، جعلهم عبيدا للأرض ومن عليها، فيكدحون في هذه الدنيا كدحا يضنيهم ويشقيهم من أجل متع فانية، ولذاذات زائلة، وحظوظ ذاهبة.

فكان خلقهم في الأرض كإيجاد الخادم للدار، يعمرها بكده ونصبه وهو لا يملكها، وتعرض عليه قصورٌ خير من تلك الدار ليسكنها باسمه فيرفضها ويختار عليها البقاء في رسم الخدمة لغيره من المخلوقين الفقراء حيث لا ينتهي كده ولا يرتقي في درجته عن منصب الخادم الأجير للدار الحقيرة! هذا والدار لو قورنت بتلك القصور العظام لصارت أشبه بالخراب بل هي الخراب بعينه!

فما أنفع خلق أهل النار للأرض، مع ما سخره فيها من دواب الأرض وهوامها النافعة بضررها!


فتبين بهذه الأمور الثلاثة بعض حكمة الله تعالى في خلق جنس أهل النار، وحكمة الله أوسع من أن يحيط بها علم أحد من خلقه.



وأما الحكمة المترتبة على خلق كل فرد فرد من هذا النوع الناري:

فهي أوسع من أن يحصى الكلام فيها، إذ أن كل فرد من هذا النوع يظهر في خلقه من حكمة الله تعالى أمور كثيرة هي تفصيل للأمور الثلاثة العامة لجنس الكفار.

فمن ذلك أننا لو مثلنا للحكمة في ذلك بخلق الله لفرعون، فسيظهر لنا من بعض حكمة الله في خلقه أمور منها:

ظهور مقتضى اسم الله تعالى (الأعلى) حيث أظهر الله علوه على خلقه بمجازاة من أنكر وجوده وعلوه بالإغراق في اليمّ، معاقبة له على قوله {أنا ربكم الأعلى} فجعله الله الأسفل.

وما في خلقه من ابتلاء واختبار لبني إسرائيل وأهل مصر، فصار سببا في زيادة ثواب المؤمنين المحسنين، وتمييزا لهم عن المفتونين الخاسرين.

وما في خلقه من إظهار لعدل الله تعالى في عقوبته على ظلمه وبغيه في الأرض، وعلم أن بطش الكافر لا يحول بينه وبين عاجل نقمة الله عليه.

كما كان في خلقه لفرعون ظهور فضيلة موسى عليه السلام في مقارعته له بالحجة والآيات، وصموده بالحق أمام كفر الكافرين من علية القوم وأرباب الكفر.

وكان فيه إظهار عجز الكافر في أمره حتى أنه يسخره لحفظ المؤمن من حيث لا يشعر، فقد ربِي موسى عليه السلام في بيت فرعون أمام عينيه وسط داره وأهله، فإذا نهاية أمره وخاتمة ملكه على يديه.

وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي تتعلق بخلق فرعون، فضلا عن خلق كل واحد واحد من أفراد أهل الكفر.

فسبحان الله عز وجل ما أحكمه وأعلمه وأقدره، وما أعجز الإنسان عن أن يحيط ببعض حكمة الله تعالى في بعض مخلوقاته فضلا عن جميع ذلك!


فإن قال الزميل: هذا إنما هو في الحكمة من خلق أهل النار لا في تعذيبهم، قيل له: بل ذلك يعم الجميع، إذ صريح الكلام في أنه عن (أهل النار) الذين يعذبون فيها لا عن غيرهم.

مثال آخر:
يقول الزميل:

أنت في الكلام عن هذه المسألة، افترضت أنني أريد أن أناقش الحديث بمضمونه مستقلاً بذاته عن الأمور الأخرى، و افترضت أنني أسألك ما هي الحكمة من كون أهل النار أكثر من أهل الجنة؟فأين افترضت في جوابي عليه هذه الافتراضات أصلا؟
فتعليقي على الحديث ينسحب على بقية ما يتعلق به، ولم أفترض أن الزميل يسألني عن الحكمة من كون أهل النار أكثر، وإنما بينت أن كلامه لا ينفي الحكمة من خلق أهل النار بغض النظر عن الكثرة والقلة، فأين في كلامي ما يدل على مناقشة الحكمة من كثرة أهل النار على أهل الجنة. وانظروا ردي الذي تجاهله الزميل:

مسألة: كثرة أهل النار على أهل الجنة هل تنفي الحكمة ؟
فالخلاصة أن حكمة الله لا تُخص بتنعيم أهل الجنة وإنما تعم كذلك تعذيب أهل النار المستحقين لها، فوجود من يعذب في النار كثرة أو قلة لا ينفي الحكمة، فإن حكمة الله لا تتوقف على مقادير من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وإذا فرضنا أن الناس كلهم استحقوا الجنة بالأسباب الموصلة لرضوان الله عليهم فإن الحكمة تكون متحققة بذلك، ولو فرض أن الناس كلهم استحقوا النار بالأسباب الموصلة لسخط الله عليهم لكانت الحكمة متحققة بذلك، وبهذا يعلم أن الخوض في النسب والمقادير لا فائدة منه من حيث نفي الحكمة، وإنما يورث المؤمن الحرص على أسباب النجاة، فقد قال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} ثم ذكر أسباب النجاة من الخسر لمن أخذ بها.

فأين في كلامي هذا افتراض أن الزميل يسألني عن الحكمة من كثرة أهل النار؟ فواضح جدا أني أفترضت أنه ينفي حكمة الله من خلق الناس بسبب كثرة أهل النار، فبينت أن الحكمة متحققة من خلق الناس مؤمنهم وكافرهم بغض النظر عن مقدار من يدخل الجنة أو النار.
فما مشكلة الزميل مع قراءة الردود وفهمها؟

مثال آخر:
قول الزميل:

و بما أنه ثابت أن الله لا يحتاج إلى عباده، فهذا لا شك معناه أن الغرض من تجلي الصفات، و المستفيد منه هو الناس و ليس الله. ما هي الفائدة التي تعود على الناس من تجلي صفة القهر إذا كان تجلي صفة كهذه يقتضي بأن يتعذب نفس هؤلاء الناس عذاباً مريعاً؟ و لو كان الله على كل شيء قدير، و إذا كان لازماً أن تتجلى للناس صفة القهر، فلماذا تتجلى هذه الصفة بتعذيب الناس و هو القادر الذي يستطيع أن يحقق نفس النتيجة من دون تعذيب الأرواح؟فهو يسأل هنا: لماذا لا تتحقق الحكمة بطريقة أخرى غير ما هو حاصل من خلق الكفار المؤدي إلى تعذيبهم.
فانظروا كيف يعيد السؤال إعادة من يدعي أنني لم أجب عليه، رغم تقدم جوابي عليه بقولي:

ولو أراد الله كونا ما هو الأصلح بالكافر دائما لما خلقه أو لصيره مؤمنا، بل لا يكفي ذلك حتى يجعله أفضل الخلق!! ولو كان ذلك لبطلت الحكمة المترتبة على خلق العالم على هذه الهيئة المعينة.وكفر الكافر يترتب عليه من الصلاح والحكمة ما لا يتحقق إلا من هذا الطريق، وأن هذا الصلاح أعظم من صلاح الكافر نفسه، كما أن المطر ينفع الخلق ويضر بعضا منهم، ونفعه أعظم من ضرره، والمصالح العامة المترتبة عليه أعظم من المفسدة الخاصة ببعض الأفراد، فكذلك خلق الكافر فيه مفسدة للكافر تخصه ولبعض الخلق، ومصلحة أعظم من وجوه واعتبارات أخرى، وقد سبق بيان بعضها في كلامنا على المسألة الأولى والفرع الأول منها، فليراجع ذلك.فواضح جدا أني قد تكلمت عن اقتضاء حكمة الله خلق هذه الهيئة المعينة من الكون، فكفر الكافر ومجازاته مراد لله كونا، لا أنه حصل اضطرارا لتتحقق حكم أخرى كان يمكن أن تتحقق بطريقة أخرى، فهل يصح بعد هذا أن يوهم الزميل القراء بأن أسئلته لا يجاب عليها؟! أم ظهر واضحا أن الزميل يفوته فهم كثير مما يرد به عليه ولهذا يعيد مرارا وتكرارا كلامه دون فائدة جديدة؟


مثال آخر:
يقول الزميل:

و إذا كان لازماً أن تتعذب الأرواح لتحقيق حكمة مخفية ما، فلماذا كانت النسبة هي 99% ممن خُلقوا؟ و هذا هو موضع من مواضع الإعتراض على النسبة. أنت تقول بأن النظر للنسبة أمر لا يصح، و إنما هو أصح الصحيح و هو واحد من المقاييس التي نستطيع أن نستدل بها على ما يخفى عنا من صفات الله. و الكلام واضح جداً و لا يوجد شيء فيه مختفي و لا نعرفه.

الله صفاته عديدة، و لكل صفة مقتضياتها، فإذا كان الله رحيم أو منعم و قاهر، و إذا كان الحديث يقول أن صفة النعمة أو الرحمة يمكن أن يتجلوا في 1% فقط ممن خلق الله، بينما صفة القهر لا يمكن أن تتجلى بأقل من 99%.

فهو هنا يدعي أني لم أعلق على النسبة، ويصر على أنها 99% كفار مخلدون في النار!! وهذا باطل لا يدل عليه الحديث، فانظروا هل تركت الجواب أم أن الزميل يتجاهل الردود :


تنبيه: حديث إخراج بعث أهل النار سبق النقاش فيه مفصلا في قسم السنة وعلومها، فليراجع، وحاصله أنه يعدل كل واحد من أهل الجنة بأضعافه من يأجوج ومأجوج وهذا إما شامل لكل أتباع الرسل أو لهذه الأمة وهو الأقرب والله أعلم، وكثرة عدد يأجوج ومأجوج لا يترتب عليها محال عقلي ولا شرعي، فإن أحوالهم مخالفة للعادة فلا يستغرب أن تكون كثرتهم تلك مخالفة للعادة أيضا، ويمكن أن يكون في مقابل كل واحد من أهل الجنة من هم من الكفار غير يأجوج ومأجوج لعدم المانع من ذلك، بل قد يشمل كل من استحق النار مطلقا فيدخل فيه عصاة الموحدين. ثم أنه لا يلزم من إخراج بعث النار أن يكون جميعهم محكوما عليهم بالخلود في النار، فإن الله يخرج من أهل النار من دخلها بذنوبه من أهل التوحيد، فيخرجه عدلا منه وفضلا لتوحيده، ولا يظلم ربك أحدا.ولو رجع الزميل إلى النقاش المحال إليه، وفهم من بقية الرد الإشارة الواضحة إلى أن النسبة من الألف يدخل فيها من يخرج من النار ولا يخلد فيها، لعلم أن النسبة ليس على ما يتوهمه هو. فإن الجنة ستمتلئ بأهلها أيضا، هذا والبشر بعض خلق الله لا كله، فلو استحق البشر كلهم النار فما نسبة ذلك كله إلى جميع مخلوقات الله الطائعة له؟!
ومثل هذه الأمور التي يفترض أن تكون واضحة بعد كل هذه النقاشات لا زال الزميل يكررها في الرد الواحد عشرات المرات فضلا عن بقية الردود، فمن الذي انسدت أمامه وجوه الرد والنقاش؟

مثال آخر:
يقول الزميل

و هذا هو السؤال الذي أسأله و هو سؤال منطقي و لا يمكن تجاهل النسبة طالما شواهدها أمامنا.

هل الله قاهر أكثر مما هو منعم على البشر و رحيم بهم؟ أم أنه قاهر و منعم بنفس القدر و لكن الصفات هي التي تختلف بحسب مقتضياتها بحيث لا يمكن القول بأن صفة معينة تجلت إلا إذا حدث هذا التجلي في حد أدنى من الناس؟ومثله قوله:

مسألة: لانهائية الصفة وتكميم الكمالات

و هنا أنت أغلقت النقاش تماماً في الموضوع و كأنك لم تقرأ شيئاً مما كتبت أنا. يا زميل، لو أنك مللت من المناظرة و لا تريد أن تكمل فلتقل هذا و لننهي الأمر. ألم ترني سألتك ثلاثة أسئلة في هذه النقطة لكي نقف على المفاهيم و يستمر هذاالجزء من المناظرة على أساسها؟

أين الإجابة على هذه الأسئلة؟

أولا: هل صفات الله تقدر بمالانهاية أم هي محدودة الكمية؟ (و سبقتها بشرح لما أقصده بمحدودة و لا نهائية)

ثانياً: هل الإجابة على السؤال السابق سواء بمحدودة أو لانهائية ينطبق على كل الصفات؟ أي هل كل الصفات ستكون محدودة أو لانهائية؟ أم أن هناك من الصفات ما هو محدود و هناك ما هو غير محدود؟

ثالثاً: ما هي الدلائل الإسلامية التي ينبغي أن يسترشد بها المسلم للإجابة على أي من الأسئلة السابقة إجابات واضحة و دقيقة؟ و هل الموضوع محل اجتهادات؟

لا شيء.فانظروا كل هذا التجاهل الصريح لكل ردي عليه الذي خلاصته بطلان تعبيره عن الكمال باللانهائي لأنه يناقض معنى الكمال، وأن كمال الله لا يتوقف على وجود غيره أصلا حتى يقال ما كمية المخلوقين لكل صفة؟! وهذا هو ردي الذي تجاهله:

فرع: الفرق بين مطلق الرحمة، والرحمة المطلقة، وإبطال فكرة اللانهائية في الكمال:

إن الزميل في كلامه على هذه المسألة قد أبعد النجعة حين ظن أن (مطلق الرحمة) يساوي في كلامنا (الكمال المطلق في الرحمة)، بينما هو على الضد من ذلك، فإن (مطلق الرحمة) غير (الرحمة المطلقة)، والفرق بينهما:

- أن (مطلق الرحمة) هو كل ما يصدق عليه وصف الرحمة بغض النظر عن قوة الوصف وكماله أو ضعفه ونقصه، فيدخل في ذلك رحمة البهيمة بولدها، ورحمة الأم برضيعها، ورحمة الطير بفروخه، وما هو أدنى من ذلك وما هو أعظم.

-وأما (الرحمة المطلقة) فهي الرحمة الكاملة في أكمل تحققاتها ووجودها، وهذا ما كان ينبغي أن يعبر به الزميل إن ابتغى التعبير العلمي السليم.

وهكذا يقال عموما في الفرق بين (مطلق الشيء) كاملا أو ناقصا و (الشيء المطلق) الكامل التام.

وأرجو أن لا يكون الزميل ممن لا يبالي كثيرا بتحقيق هذه المصطلحات والمفاهيم، ولا ممن يجري في كلامه مثل هذه الأخطاء كما شاء حيث وقعت، ولا شك أن الزميل هنا إنما أراد أن يصف الرحمة بالكمال التام، لا بمجرد الاتصاف برحمة ما غير كاملة، إلا أن العبارة لم تساعده على مقصوده.

فإذا تركنا هذا التنبيه بعد وضوحه وانتقلنا إلى مناقشة الفكرة التي أراد الزميل طرحها، فنقول:

إن الزميل زعم أن كمال صفة الرحمة يعني أنه لا نهائية لرحمة الله تعالى، فيستلزم ذلك في تصوره أن تنال رحمة الله تعالى أهل النار قبل خلقهم فلا يخلقهم.
ولكلامه هذا ذيول كثيرة ولوازم عديدة مبنية على فكرة لا نهائية الرحمة وكذلك غيرها من الصفات.

ولكن كل هذا البنيان يتهدم بمعرفة المغالطة أو الخطأ الذي وقع فيه الزميل شاعرا بذلك أو غير شاعر، وهذه المغالطة تتمثل في فساد التصور لمعنى مفهوم الصفة وكمالها.

فإن الصفة معنى قائم في الذات، وقد تكون لهذه الصفة مع قيامها بالذات تعلقات بما هو خارج الذات، وكمال الصفة أو نقصها لا يحصل منه تعدد في أفراد داخل الذات الموصوفة، وأما التعدد وعدمه خارج الذات فهو ليس من حقيقة الصفة وإنما من تعلقاتها وآثارها، وهذه التعلقات والآثار غير الصفة نفسها القائمة في الذات.

فإذا علم هذا، علم أن صفة الرحمة الكاملة قائمة في ذات الله عز وجل، وليست هي أفرادا متعددة تزيد بزيادة متعلقاتها وتنقص بنقصان متعلقاتها، فلا يصح أن يقال أن كمال صفة الرحمة يعني لا نهائيتها أي أنه لا حصر لأفرادها، ثم يكون أفرادها متعلقاتها وآثارها!!

والخطأ هنا:
أن الزميل ظن أن كمال الصفة يعني أن لا يكون لها نهاية، وهذا باطل. لأن كمال الله ثابت له منذ الأزل فلا يكتسب كمالا لم يكن له من قبل.

وإنما يكون تجدد الكمالات لله تعالى بمعنى:
- تجدد تعلقها بمشيئة الله تعالى.
- أو بمعنى تجدد آثارها ومتعلقاتها.
لا بمعنى: اكتساب كمالات قائمة في ذات الله تعالى بعد أن لم يكن موصوفا بها ولا مستحقا لها!!

وهذا هو المقصود بقولنا أن أفعال الله الاختيارية والصفات المتعلقة بالمشيئة من تجددات الكمالات الإلهية:
فإن ذلك على معنى تجدد الآثار والمتعلقات، أو على معنى آخر وهو قيام تلك الصفات والأفعال في ذات الله تعالى بالنظر إلى تعلقها بمشيئة الله تعالى.

ومثال ذلك:
أن استواء الله على العرش فعل ثابت لله تعالى يدل على صفة العلو، والاستواء فعل متعلق بمشيئة الله تعالى، لكنه لا يثبت لله صفة جديدة هي العلو بعد أن لم يكن موصوفا بالعلو!! وإنما العلو وصف أزلي لله تعالى ثابت له قبل استوائه على العرش وبعده، وإنما الذي تجدد هو فعل الاستواء والعلو الخاص على العرش لا صفة العلو الأزلية.

وهكذا هو القول في جميع أفعال الله تعالى التي تعود إلى صفاته الكاملة القائمة في ذاته جلَّ وعلا، فمع تعلق هذه الأفعال بمشيئة الله تعالى إلا أن تعلقها بالمشيئة لا ينفي اتصاف الله بما دلت عليه من الكمال قبل فعل الله تعالى لها.


ولهذا يقول أهل العلم أن كل كمال جاز لله تعالى فهو واجب له:
أي أنه ليس هناك كمال لا يتصف الله تعالى به، بل الله موصوف بكل كمال يليق بجلاله وعظمته.

ومن هنا نعلم خطأ فكرة الزميل التي يتصور فيها أن معنى كمال الصفة أنها لا نهائية، بمعنى أنها لا زالت سائرة في الطريق إلى الكمال إلى غير حد، وأنها لم تصل ولن تصل إلى نهاية كمالها! فأي كمال يثبت بعد كل هذا؟!
وهل هذا إلا تعبير عن النقص اللانهائي في صورة موهومة تسمى الكمال اللانهائي؟!

ولكن الحق أن أسماء الله وصفاته بالغة في الحسن والكمال نهايتها، وليس هناك كمال وراءها لم تبلغه كما يظنه الزميل أو يوهمه كلامه.

وبهذا تتبين المغالطة الأولى في كلامه وهي ظنه أن الصفة كالرحمة لا نهائية، وظنه أن معنى اللانهائية هو الكمال المطلق بينما هو النقص المطلق!

ولعل الزميل بعد أن يقرأ هذا الكلام يسارع إلى القول بأنه لم يقصد أبدا شيئا من ذلك، وإنما قصد لانهائية المتعلقات والآثار، فنقول إنك بهذا لم تخرج من المغالطة الأخرى وهي جعلك كمال الصفة مكتسبا من لانهائية متعلقاتها وآثارها!!

وبيان ذلك:

أن صفات الكمال ثابتة لله تعالى مع وجود المخلوقات وعدمها:

فلو قدر عدم جميع المخلوقات لم يكن ذلك مزيلا لكمال صفة من صفات الله تعالى.

ولو كان ذلك مزيلا لكمال صفة من هذه الصفات لكان هذا خلفا من القول:
لأن كلامنا عن الخالق الكامل الذي يتنزه عن كل نقص، ولو قدر نقص صفة من صفاته لجاز نقص كل صفة أخرى لتطرق النقص إليه، وجواز ذلك مزيل لوصف الكمال المطلق الذي اختص به الخالق وهذا مع مناقضته لأصل إثبات كمال الخالق يترتب عليه أيضا عدم المخلوقات لعدم الخالق الكامل، وهذا كله باطل محال.

فإذا علم كمال الله في ذاته وصفاته وغناه عن خلقه من كل وجه، علم أن وجود متعلقات الصفة وآثارها أو لا نهائيتها، أو عدمها أو نهائيتها، ليس ذي أثر في وجود الصفة ولا كمالها، وإنما هو من آثار الكمال لا أنه محدث الكمال ومُكسبه للذات.

فإذا كان:
- عدم المتعلقات والآثار ليس ناقضا لثبوت كمال الصفة.
- وكانت الصفة كاملة مع تقدير عدم جميع المتعلقات والآثار.
- فيكون: ثبوت كمال الصفة أولى تحققا مع ثبوت اختصاص متعلقاتها وآثارها ببعض الخلق دون بعض.

فتكون صفة الرحمة كاملة مع عدم جميع متعلقاتها وآثارها، وثبوتها أولى بالتحقق مع تعلقها بمن يستحق الرحمة وهم أهل الجنة.

وكما أن كمال رحمة الله تعالى لا ينتقض بعدم تعلقها بشيء مطلقا، فمن باب أولى أن لا ينتقض كمالها بعدم تعلقها بمن لا يستحقها وهم أهل النار، مع أن رحمة الله تعالى متعلقة بكل مخلوق من وجوه كثيرة أخرى.

فعلم بهذا أن عدم رحمة أهل النار لا ينفي كمال صفة الرحمة، وكذلك يقال في كل صفة من الصفات التي قد يتوهم فيها هذا الوهم الخاطئ الذي اعترض به الزميل على حكمة الله وكماله في خلقه أهل النار.

ويعلم أيضا خطأ الزميل في جعله كمال الرحمة مستلزما تعلق الرحمة بغير مستحقيها!!

وما قوله هذا في الضعف إلا كقول القائل: إن كرم الكريم يستلزم منه أن يكرم من قتل ولده وهتك عرضه واعتدى على شرفه وإلا لم يكن كريما، وأي كرم يبقى بعد هتك الأعراض وضياع الشرف؟!

أو هو كقول القائل إن الرجل الرحيم لا يكون رحيما حتى يرحم كل سفاك لدماء الأبرياء، وكل مغتصب لأعراض النساء، وحتى يرحم من يبقر بطن الحامل ويستخرج جنينها، فإن لم يرحمه لم يكن رحيما! فأي رحمة هذه حتى تسمى رحمة؟! وهل يبقى بعد ثبوت هذه الرحمة من رحمة؟!

فإذا كان معقولا لنا أن الرحمة لها أهل ومستحقين، وأن وضعها في غير موضعها ليس من الرحمة في شيء، علم أن الله أولى بأن ينزه عن وضع رحمته في غير موضعها، وأن من رحمهم الله فذلك لصلاحية محلهم لتنزل رحمة الله عليهم، ومن لا يرحمهم فلعدم صلاحيتهم لرحمة الله تعالى ولا استحقاقهم لها.
فكل هذا الشرح المفصل لبطلان قول الزميل بلانهائية الصفة، وكلامه في نصيب كل صفة من المخلوقات، ثم يزعم أنني لم أجب على أسئلته المكررة؟!

مثال آخر:
تأملوا ماذا يقول الزميل!! :

ثم لاحظ أنك لم ترد على السؤال، فأنا سألت: لماذا يجب أن تتجلى صفات الله لو أنه متفق عليه أنه غير مجبر على أي شيء و غير محتاج لشيء؟ و أنت قلت أن ليست هذه هي الحكمة الوحيدة و إنما هناك حكم أخرى، و الإشارة بوجود حكم أخرى لا يحل الإشكال في الحكمة نفسها التي نتكلم فيها. ثم أخذت تتكلم عن أن الله لا يحتاج إلينا و أنه الغني عنا، و أنني لا يصح أن أعترض بالحاجة.

أين الإجابة على السؤال؟وانظروا تجاهله لردي عليه بأنه ليس واجبا أن تتجلى الصفات للمخلوقات أصلا بل ذلك بمشيئة الله تعالى، ولأن عدم المخلوقات كلها لا ينفي كمال صفات الله تعالى، فكيف يقال أنه يجب أن توجد المخلوقات التي تتجلى لها صفات الله تعالى؟!

فالتجلي للمخلوقات هو بمشيئة الله تعالى، ثم أنه لا عن حاجة للمخلوقات، فالأصل الذي ينبغي أن لا يغفله المرء في مناقشة هذه المسائل أن الاعتراض بالحاجة باطل، لأن الحاجة للغير نقص، والله كامل منزه عن كل نقص، فلا يصح أن يعترض بالحاجة ولو استفسارا، وإنما لك أن تسأل عن الحكمة التي مرجعها إلى كمال الخالق وغناه، ونفع من يشاء الله من خلقه.
وقد يعترض الزميل بأنه لم يقصد أن الله محتاج، ولكن يلزم من خلق أهل النار مثلا أنه محتاج، فنقول هذا التلازم باطل، إذ أنها مجرد دعوى واللوازم لا تثبت بالدعاوى، وكما أن الله كامل مع عدم جميع المخلوقات فهو كامل مع وجودها، ووجود ما سوى الله من مشيئته وحكمته لا عن حاجة لغيره.
وكما لا يصح الاعتراض بالحاجة، فكذلك لا يصح الاعتراض على أفعال الله تعالى، لأن كل شيء بمشيئته، فإذا كان الله عز وجل منزها فيما يشاؤه عن الظلم والعبث فكل ما جاز أن يشاؤه الله فلا يصح أن يعترض العبد عليه، فكيف إذا كانت مشيئة الله تعالى فيها الحكمة البالغة والعدل والفضل والرحمة في صورها المختلفة التي تعم حتى أهل النار على وجه من الوجوه التي سبق ذكرها.
فتبين بهذا أن تجلي الصفات من بعض حكم الله تعالى، لا جميعها، وأن خلق أهل النار وتعذيبهم لا عن حاجة، بل عن كمال الله تعالى، وما جاز أن يشاؤه الله تعالى عدلا منه أو فضلا فلا يصح الاعتراض عليه.وعجبا للزميل كيف يضيق صدره بتأكيدي على بطلان سؤاله، بما ذكرته عن مشيئة الله تعالى وكماله، أم أنه يريدني أن أقول أن المخلوقات وجدت بدون مشيئة الله تعالى، وأن كمال الله مكتسب من مخلوقاته!!
وقد سبق أن شرحت للزميل أن إشكالاته يرد عليها بإثبات مشيئة الله تعالى وعلمه وحكمته، وأن غناه عن خلقه لا يمنع من عدمهم ولا وجودهم بمشيئة الله تعالى، وهذا الجواب يتبرم منه الزميل في كل مرة لا لشيء إلا لأنه يكسر ظهر إشكالاته الشخصية، ويظهر سخافتها وبطلانها، إذ كيف يعترض معترض على الله الكامل فيما يخلقه ما دام الله متصفا بالمشيئة والحكمة والغنى عن الخلق.
فكل اعتراض يعترض به من هذا الجنس سيكون جوابه دائما وأبدا أن الله حكيم يفعل ما يشاء وهو غني عن عباده، فما المانع من خلقه لما هو موافق لمشيئته وحكمته وغناه وعدله؟
وكلما أبدى الزميل تضايقه من هذا الجواب وتبرمه منه فليعلم القراء أن شبهته أصيبت بمقتل فكان من ذلك تبرمه وضيقه.

مثال آخر:
يقول الزميل:

فأنا عندما أسألك سؤال: لماذا خلق الله الكافر و هو يعلم أنه سيكفر؟ فأنا كذلك أسألك ضمنياً: لماذا يوجد في علم الله أن الله سيخلق الكافر الذي سيدخل النار. و جوابك بأن الله فعل ذلك ليحقق ما بعلمه هو جواب عام و يمكن إجابة كل الأسئلة به و هو يسد النقاش و التحليل المنطقي للأمور.

نحن هنا نناقش لماذا الأشياء الموجودة في علم الله موجودة بالشاكلة التي هي عليها، و الأسئلة بشكل ضمني المقصود بها الكلام على شاكلة: لماذا يوجد في علم الله أنه سيعذب الكفار؟ لماذا لم يكن في علمه من الأصل أنه لن يفعل ذلك؟فانظر كيف تجاهل ردودي على هذا حيث قلت:

خلاصة الرد: العلم تابع للمعلوم فعلم الله يكون مطابقا لما سيكون من اختياراتهم، ولكن اختيارات العباد التي هي بإرادتهم الحرة لا تتناقض مع مشيئة الله تعالى، فالله خلق للجنة أهلا وهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلا وهم بعمل أهل النار يعملون، وعمل الطائفتين هو باختيارهما وإرادتهما دون إكراه، وجميع ذلك بعلم الله ومشيئته وقدرته وخلقه وحكمته، ومعرفة كيفية ذلك هي من القدر الذي هو سر القدرة الإلهية كما سبق بيانه.أي أن الله علم أنه سيعذب الكفار بسبب كفرهم، وكفرهم هذا سببه اختيارهم الذي علم الله أنهم سيختارونه بإرادتهم الحرة، فما الذي لا يفهمه الزميل المفتري هنا؟
فسؤاله: (لماذا يوجد في علم الله أنه سيعذب الكفار؟)
جوابه: لأنهم سيكفرون باختيارهم، فلهذا علم أنهم سيعذبون في النار.
وسؤاله: ( لماذا لم يكن في علمه من الأصل أنه لن يفعل ذلك؟)
جوابه: لأنه علم أنهم سيفعلون ما يستحقون به العذاب.
وواضح جدا هنا أن الزميل يتناقض جدا بين اعترافه في مواضع أخرى بأن علم الله صفة كاشفة إدراكية، لا صفة سائقة تأثيرية، وبين قوله هنا بتأثير علم الله في كفر الكافر وإيمانه! وسيجد القارئ محاولة الزميل المفتري لتعمية هذا التناقض، وهو شديد التناقض جدا عندما يتكلم عن مسألة علم الله، والقارئ الذي يفهم ما يقرأ لن يستغفله الزميل المفتري في هذه التعمية منه.

مثال آخر:
يقول الزميل:

و أنت هنا أيضاً لم ترد على أي شيء مما ورد في أسئلتي عن الحكمة من الإختبار و أرجعت ردك لردود سابقة و طلبت مني أن أراجع.

أين ردك على سؤال: كيف يختبر الله الناس (ليبين المؤمن و الكافر) و هو يعلم المؤمن و الكافر من الأصل؟ و لمن يبين الله المؤمن من الكافر؟

ما الغرض من الإختبار إذا كانت النتيجة معروفة؟ لماذا لم تجيب على هذا السؤال؟

فانظر كل هذه الدعاوى كيف تقضي على مصداقية الزميل المفتري في الحوار وفهم النقاش، فأين هو من جوابي على هذا حيث قلت:

والفرق بين التجلي والتحقق، أن التجلي يكون للمخلوقات إذ التجلي لا يكون إلا بعد خفاء، فيتجلى للمخلوقات كمال الله تعالى، وأما التحقق فإنه ينسب لله كما في قوله تعالى {ليعلم الله من يخافه بالغيب} [المائدة: 94]. ومطابقة العلم للواقع من كمال العلم وهو معنى تحققه.

مسألة: ما الحكمة من الاختبار والابتلاء إذا كان الله يعلم ما سيكون، وإذا فشل أكثر الناس فيه؟
وخلاصة الرد: ما سبق بيانه من تحقيق علم الله تعالى في مخلوقاته، إذ مطابقة العلم للواقع كمال، فلا يستنكر إثبات هذا الكمال على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، فليس فيه علم الله بشيء لم يكن يعلمه من قبل وإنما تحقق علم الله تعالى، كما سبق بيان ما يترتب على الاختبار والابتلاء من أنواع الحكم، فليراجع.
بل قد بينت الجواب على هذا السؤال منذ أول النقاش فبينت الحكمة من الاختبار والابتلاء مع علم الله الأزلي باختيارات العباد واختلافهم إلى مؤمن وكافر، وعقدتُ لذلك ردا مستقلا يجده القارئ في المشاركة رقم 14 كما هنا:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=112901&postcount=14

وقد سبق أن اقتبستها في هذه المشاركة أيضا، فمن قرأ ردي هذا علم تجاهل الزميل المفتري للحوار رغم الفرصة الطويلة التي تهيأت له للوقوف عند كلمة وعبارة ليقرأها على الأقل ويفهم أدنى ما يمكن فهمه منها، أما فهم المعاني الكثيرة التي يتضمنها الرد فأمر يبدو أنه مستعص جدا على الزميل، بدليل أني صرت محتاجا لأن أقتبس له مواضع ردي عليه، فلم يعد كافيا أن أنبهه أن الجواب قد سبق، والرد قد مرّ على ذلك، بل لا بد أن أضع ذلك أمام عينيه وإلا فأنا عنده قد تهربت عن الأجوبة، وهو المستعد لأن يجيب عن أسئلة الأعضاء! وليس أسئلتي فحسب! نعوذ بالله من خداع الأوهام.

مثال آخر:
قول الزميل:

و لم تجب أيضاً على الحالة التي عرضتها و التي تمثل شخص دخل النار بسبب الإختبار و ليس بسبب شيء آخر!

لماذا تجاهلت الرد على هذا المثال؟رغم أني قد قلت للزميل أني سأترك الرد على التفاصيل إلى وقت آخر حرصا على مهمات النقاش، إلا أن موضوع سؤاله ذلك قد سبق الحديث عنه في الحوار بما يبطل الفائدة من طرحه، حيث قلت:

الفرع الثاني: العلة أو الحكمة من خفاء بعض الحكمة، فمن حكمة ذلك:

- الابتلاء للناس في التسليم بحكمة الحكيم الذي استقرت في العقول والقلوب براهين حكمته الظاهرة، وما يترتب على هذا الابتلاء من الفرقان بين الناس، ورفعة المؤمنين وظهور آثار أسماء الله تعالى وصفاته في خلقه.
وما الفرق بين مثاله وبين كفر كل مرتد، والمرتد من جنس الكفار، والكافر لم يظلمه الله بل مكنه من معرفة الحق وهداه هداية الدلالة والإرشاد، والمثال سخيف جدا، فهل هذا الطائع الذي يتحدث عنه الزميل أحمق بحيث لا يعلم أن هناك شيء اسمه الموت، حتى حينما ماتت زوجته قرر أن يكون شيطانا مع أن كل شيء كان سليما في حياته قبل ذلك كما يقول الزميل!
ولا أدري هل أضحك أم ماذا من قول الزميل:

شخص دخل النار بسبب الإختبار و ليس بسبب شيء آخر! فبالله عليكم، ما هو الشيء الآخر الذي سيدخل به هذا الكافر النار؟ هل يخلقه الله مباشرة في النار بدون اختبار؟ أم يخلقه ويقول له أنظر إلى النار هذه، فالآن سوف أدخلك إياها بدون أي سبب؟
أم يضعه الله عند حافة النار ويقول الله هل تطيعني أم ستتبع إبليس؟
فهل هذا كلام يقوله عاقل، فضلا عن أن يصر أنه يستحق الرد عليه، اللهم نسألك العافية.


مثال آخر:
يقول الزميل:

ثم نأتي لارتباط حديث النسبة بمسألة الإختبار، فكما قلت كلامي عن هذا الحديث كان في سياق الإستعانة به في مناسبة كهذه. فلو أن الحديث صحيح، و لو أن النسبة بالفعل كذلك، فهل تختلف معي في أن هذا معناه أن خلق الإنسان و اختباره شيء مضر له كقاعدة أساسية تحدث بنسبة 99%؟ و أن الإنسان بطبيعة الحال راسب في الإختبار كقاعد أساسية أيضاً؟

لاحظ أن هناك فرق جوهري بين سؤال: لماذا يختبر الله الناس و هو يعلم نتيجة الإختبار مسبقاً، و سؤال: كيف يختبر الله الناس و هو يعلم أن 99% منهم سيرسبوا في الإختبار. لا يمكن تجاهل هذه النسبة فهي معناها أن كل الناس سيدخلوا النار. و أن داخلي الجنة هم فئة ضئيلة مهملة لا تمثل البشرية أصلاً، و أن من يمثل البشرية هم الـ 99% هؤلاء.وليقارن القارئ هذا الكلام بما أشرت إليه سابقا من خطأ هذه النسبة، وعلى تقدير صحتها فإنه لا حجة فيها له!! وليعجب القارئ من حال الزميل وفهمه.

ولأن الزميل سيعاني جدا من البحث عن كلامي السابق مع أنه في هذه المشاركة نفسها، فسوف أقتبس له ذلك الكلام رحمة بفهمه أن يشقى كثيرا في البحث:

فهو هنا يدعي أني لم أعلق على النسبة، ويصر على أنها 99% كفار مخلدون في النار!! وهذا باطل لا يدل عليه الحديث، فانظروا هل تركت الجواب أم أن الزميل يتجاهل الردود :


تنبيه: حديث إخراج بعث أهل النار سبق النقاش فيه مفصلا في قسم السنة وعلومها، فليراجع، وحاصله أنه يعدل كل واحد من أهل الجنة بأضعافه من يأجوج ومأجوج وهذا إما شامل لكل أتباع الرسل أو لهذه الأمة وهو الأقرب والله أعلم، وكثرة عدد يأجوج ومأجوج لا يترتب عليها محال عقلي ولا شرعي، فإن أحوالهم مخالفة للعادة فلا يستغرب أن تكون كثرتهم تلك مخالفة للعادة أيضا، ويمكن أن يكون في مقابل كل واحد من أهل الجنة من هم من الكفار غير يأجوج ومأجوج لعدم المانع من ذلك، بل قد يشمل كل من استحق النار مطلقا فيدخل فيه عصاة الموحدين. ثم أنه لا يلزم من إخراج بعث النار أن يكون جميعهم محكوما عليهم بالخلود في النار، فإن الله يخرج من أهل النار من دخلها بذنوبه من أهل التوحيد، فيخرجه عدلا منه وفضلا لتوحيده، ولا يظلم ربك أحدا.ولو رجع الزميل إلى النقاش المحال إليه، وفهم من بقية الرد الإشارة الواضحة إلى أن النسبة من الألف يدخل فيها من يخرج من النار ولا يخلد فيها، لعلم أن النسبة ليس على ما يتوهمه هو. فإن الجنة ستمتلئ بأهلها أيضا، هذا والبشر بعض خلق الله لا كله، فلو استحق البشر كلهم النار فما نسبة ذلك كله إلى جميع مخلوقات الله الطائعة له؟!
ومثل هذه الأمور التي يفترض أن تكون واضحة بعد كل هذه النقاشات لا زال الزميل يكررها في الرد الواحد عشرات المرات فضلا عن بقية الردود، فمن الذي انسدت أمامه وجوه الرد والنقاش؟
مثال آخر:
يقول الزميل:

مسألة: المساواة بين المؤمن والكافر قبل خلقهما وبعده؟

أيضاً قمت بالإشارة إلى ردك السابق الذي رددت أنا عليه بمسألة آنية الأذى لحظة الخلق. يا زميل، أنت تناقش فيما بعد الخلق، و أنا أتكلم أن الأذى و الظلم حدث بمجرد الخلق و ليس بأن نخوض في تفاصيل الخلق و من عنده حرية و من ليس عنده و كل هذه الأمور المتأخرة في الزمن. و الرد المتوقع منك هو رد في إشكالية أن الأذى و اللامساواة حاصلين بمجرد فعل الخلق بغض النظر عما سيحدث بعد ذلك. فلا أدري هل تجاهلت الرد هنا أيضاً أم أنك لم تفهم أن ما قصدته كان رداً على ما قلته في هذا الرابط الذي أدرجته الذي لا توجد فيه كلمة "قبل" من الأصل و التي هي جزء من السؤال.فانظر أيها القارئ كيف يتجاهل الزميل ردي المفصل عليه في هذه النقطة منذ أول الحوار حيث قلت ما خلاصته أن خلق الإنسان نعمة من الله تعالى، تؤهله للتعرض إلى نفحات رحمة الله وتعالى، وتعطيه الفرصة ليسلك طريق الجنة، فإن أبى فهو كافر يستحق النار، فقول الزميل أن مجرد الخلق ظلم وأذى قد رددت عليه مرارا، ومن ذلك قولي:

وقد يقول قائل: ما الذي حمل آدم عليه السلام على اختيار حمل الأمانة، أما كان أعلم وأحكم من ذلك؟
فيقال: إن فعل آدم عليه السلام ليس منافيا للعلم والحكمة، لا سيما إذا راعينا أن وصف الجهل والظلم قصد به من ذكرهم الله فيما بعد من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات دون من آمن وأصلح، وإن قصد به آدم فليس ذلك بوصف لازم له، وإنما هو كوصف المعصية الزائل عنه بعد تقبل الله توبته منها فأحدثت له بعد ذلك رحمة من الله تعالى.

ولعل الحامل لآدم عليه السلام على ذلك هو علمه بأن المعروض عليه من الأمانة إنما هو شرف عظيم يحبه الله تعالى من القائمين به على وجهه، ويثيب عليه الثواب العظيم، فأراد آدم عليه السلام أن يتعرض لنفحات كرم الله تعالى، وينال مكرمة الله تعالى له هو وذريته من بعده، كيف لا؟ وقد فضله الله على الملائكة بما علمه من العلوم، حتى أسجدهم له تكريما وتشريفا لشأنه، وخصه بدخول جنته ودار كرامته، وهذا على فرض أن عرض الأمانة عليه كان بعد نيله ذلك التكريم والتشريف، وأما على فرض سبق ذلك إن قيل به فيكون مما خص الله به آدم عليه السلام من خلقته على ما ظهر منه فيما بعد عند تعليمه الأسماء وإنبائه الملائكة بها.

فإن قال قائل: وما ذنب العصاة من ذريته وهم الأكثرون أن أختار أبوهم آدم ما هو الأصلح له وللأقل من بنيه؟
فيقال: ليس ذنبهم اختيار أبيهم، وإنما ذنبهم تركهم ما هو مقدور لهم من الطاعة التي علموا أمر الله بها، وفعلهم ما هو مراد لهم من المعصية التي علموا نهي الله عنها، فذنبهم هو من فعلهم وتركهم، لا من اختيار أبيهم آدم عليه السلام، وكانوا قادرين أن يكونوا كأبيهم صالحين، ولكنهم أعرضوا عن ذلك، وعقوا أباهم، وسلكوا طريق عدوه إبليس، وخطو خطواته حتى أرداهم في الجحيم، فعجبا كيف يجنون على أنفسهم ويجني عليهم إبليس ثم يلام على ذلك آدم عليه السلام؟! وقولي:

فإن صفة الرحمة يراد بها:
- ما يرحم الله به المؤمن والكافر من رحمة الدنيا التي تشمل نعمة الإيجاد والإمداد والرزق والعافية والمال والولد، ونحوها من النعم الدنيوية، فهذه رحمة ثابتة لكل مخلوق، ويحصل الابتلاء لبعض الناس بما يشاء الله تعالى في خلقه حكمة منه واختبارا.
- وأما رحمة الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين، فكيف يقال أنها تتناقض مع الكافرين؟! ومتى كانت الرحمة الأخروية حقا لهم حتى يكون حرمانهم منها تناقضا مع صفة الرحمة؟!بل لقد عقدت ردا كاملا على شبهة الزميل الساقطة هذه فقلت:


الفرع الثالث: الرد على الزعم بأن:
- الكافر مظلوم
- وأن الخلاص من هذا الظلم لا يكون للكافر إلا بأن يسمح له الله بالرجوع إلى العدم لا غير، لأنه غير حقيق بدخول الجنة مع ثبوت ظلمه وكفره.

فأما زعمك أن هذا ظلم فغير صحيح لما تقدم من أن مقتضى عدل الله قد تحقق في الكافر فيما تجب المساواة فيه بين الناس من القدرة والإرادة والهداية العامة، والظلم إنما هو في وضع الشيء في غير موضعه، والعدل ضده، والحاصل هنا هو مقتضى كمال عدل الله تعالى في خلقه، فانتفى الظلم، وقد سبق بيان هذا مفصلا عند الفرع الثاني.

وأما زعمك أن الكافر لا خلاص له من أمانة التكليف إلا بأن يعيده الله إلى العدم فهو مناقض لما تقرر من أن الكافر كان له مخلص من النار لو أنه آمن وأطاع الله، مع قدرته على ذلك، وتخيير الله له بين الإيمان والكفر، فالمخلص ثابت متحقق، ولكن سوء اختيار الكافر هو الذي أوبقه، وهو الظالم لنفسه بعد أن عرَّفه الله طريق الإيمان ودله عليه، وحذَّره طريق الكفر ونهاه عنه، فكيف ينسب الظلم إلى غير فاعله؟ وكيف يسلم فاعل الظلم من عاقبة ظلمه؟

ولعل الزميل يعترض هنا بأن حكمة الله ينبغي أن تمنع خلق الكافر أصلا ما دام أنه علم أنه سيختار الخيار الأسوء، وهذا الاعتراض قد سبق مرارا الرد عليه بما حاصله أن حكمة الله تقتضي خلق الكافر وكفره، وخلق الفاسد وفساده، وخلق المضر وضرره لما يترتب على ذلك من مظاهر الحكمة الكثيرة، وقد عددنا بعضا منها في كلامنا على هذه المسألة وفروعها السابقة، فليراجع ذلك، فإن الزميل كثيرا ما تشكل عليه هذه المسألة فيحصل له التباس فيها رغم وضوحها وتكرار شرحها.

والذي يهمنا في هذا الفرع هو التأكيد على حقيقة لا يجوز تغافلها، وهي أن الكافر قد مكنه الله من كل ما مكَّن منه المؤمن من حيث وجود القدرة والإرادة والهداية العامة وتوافر دواعي الخير والشر في نفس الإنسان وما حوله، وأن ذلك كله من قدرة الله ومشيئته في خلقه، وكله تابع لحكمته تعالى وموافق لعلمه، فإذا كان الأمر كذلك فلا يصح نسبة الظلم إلى الله تعالى وتقدس عن ذلك لمجرد أن الكافر أعرض عن أمر ربه واتبع هواه في عصيانه وكفره.
وأن خلق الله للكافر من مقتضى حكمته وعدله، فينتفى زعم الزميل أنه سفه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

والزميل هنا دخلت عليه شبهة المعتزلة الذين جهلوا عدل الله في خلقه فأوجبوا على الله فعل الأصلح للمكلف، واللطف بالعبد، وأنكروا خلق الله لأفعال العباد، وجعلوا ذلك كله من أصولهم الخمسة وسموه أصل العدل! وهو الجهل لا العدل! فإن الله لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه على نفسه، ولا بد في هذه المسألة من التفريق بين إرادة الإصلاح شرعا وكونا، وفهم هذه المسألة مترتب على إدراك نوعي الإرادة، وقد سبق بيانهما بقولنا:


(فإن إرادة الله عز وجل نوعان:
النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية: وهي خاصة بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الصالحة، فلا يكون الكفر والعصيان مرادا لله شرعا ودينا، ولكن هذه الإرادة لا تتحقق إلا في الطائع، وأما العاصي فإنه مخالف لإرادة الله تعالى الشرعية ولدينه بما شاءه الله تعالى كونا من إقداره على الاختيار الحر.

النوع الثاني: الإرادة الكونية القدرية: التي بمعنى (كن) فيكون، وهي شاملة لكل ما هو مخلوق سواء كان خيرا أو شرا، ولا يخرج شيء في الوجود عن هذه الإرادة الكونية، ولا يطيعه طائع ولا يعصيه عاص إلا بإذنه وإرادته الكونية القدرية، وهذه المرادات للإرادة الكونية تنقسم إلى محبوب لله مراد له شرعا ودينا، ومكروه لله مبغوض غير مراد له شرعا ولا دينا.)

فالله أراد شرعا من الكافر وله الصلاح والأصلح ومكنه من ذلك ومن أسبابه، وأحب ذلك وهو يرضاه ويأمر به، ومن أجله أرسل الرسل وأنزل الكتب وأنعم على الإنسان بنعمة العقل وغرس فيه الفطرة.
ولكنه أراد كونا أن يقع ما هو كائن من خير وشر لما في ذلك من الحكمة العظيمة التي سبق تعديد وجوه منها وبيان عظمة كمال الله تعالى فيما علمنا منها وما لم نعلمه.

ولو أراد الله كونا ما هو الأصلح بالكافر دائما لما خلقه أو لصيره مؤمنا، بل لا يكفي ذلك حتى يجعله أفضل الخلق!! ولو كان ذلك لبطلت الحكمة المترتبة على خلق العالم على هذه الهيئة المعينة.وكفر الكافر يترتب عليه من الصلاح والحكمة ما لا يتحقق إلا من هذا الطريق، وأن هذا الصلاح أعظم من صلاح الكافر نفسه، كما أن المطر ينفع الخلق ويضر بعضا منهم، ونفعه أعظم من ضرره، والمصالح العامة المترتبة عليه أعظم من المفسدة الخاصة ببعض الأفراد، فكذلك خلق الكافر فيه مفسدة للكافر تخصه ولبعض الخلق، ومصلحة أعظم من وجوه واعتبارات أخرى، وقد سبق بيان بعضها في كلامنا على المسألة الأولى والفرع الأول منها، فليراجع ذلك.


ولعل الزميل أن يراجع معتقد أهل السنة والجماعة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين وما يترتب عليهما، والرد على إفراط المعتزلة وتفريط الأشاعرة في ذلك، حتى يكون لديه تصور صحيح لهذا الموضوع المهم.فانظر كيف يزعم الزميل بعد ذلك أنه لا جواب على أسئلته، لتعلم أن تكراره للأسئلة ليس لأنه لم يجب عليها، وإنما لأنه إما لا يقرأ الردود أو لا يفهمها أو يصر على تجاهلها لأسباب مريبة لا تدل على صدق في طلب الحق.


مثال آخر:
يقول الزميل:

مسألة: هل علم الله بأهل الجنة والنار سببه علمه باختياراتهم أو خلقه لهم على وجه يؤدي بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؟

لا رد أيضاً. أنت لم تتناول الموضوع نفسه و لم تخض في المثال المذكور أو تتعرض له بأي شكل، و إنما أجبت عنه إجابة خارجية عامة يمكن الجواب بها على كل الإشكالات و قلت نفس ما قلته سابقاً و هو ما معناه أن أفعال الله مطابقة لعلمه. و هي مسألة بديهية لا تحتاج للذكر. و كما قلت، أن النقاش في هذه المناظرة هو نقاش لما في علم الله في الأصل و الذي ينعكس على أفعاله. فإذا سألتك عن فعل من أفعال الله فهذا معناه أنني كذلك أسألك عما كان في علمه منذ الأزل. الله يعلم ماذا سيفعل في المستقبل منذ الأزل و أفعاله هذه نابعة من منطق إلهي، هذا المنطق الإلهي هو الذي نتكلم عنه في المناظرة.

لا يوجد رد يا زميل لما ورد في هذا الصدد، و لا حتى إشارة لرد سابق لك. لا شيء. انظر أيها القارئ إلى هذا التخبط الواضح لدى الزميل المفتري.
فهو يقول: (و إنما أجبت عنه إجابة خارجية عامة يمكن الجواب بها على كل الإشكالات)
فإذا كان جوابي يجيب على كل الإشكاليات فما هي مشكلتك إذن؟
وهو يقول: ( قلت نفس ما قلته سابقاً و هو ما معناه أن أفعال الله مطابقة لعلمه. و هي مسألة بديهية لا تحتاج للذكر)
فأين قلت أنا في تلك الجزئية أن (أفعال الله) مطابقة لعلمه، فإنني لم أذكر شيئا من هذا في ذلك الموضع، هذا بغض النظر عن كون العبارة صحيحة المعنى.
ولكن الذي قلته هو:

مسألة: هل علم الله بأهل الجنة والنار سببه علمه باختياراتهم أو خلقه لهم على وجه يؤدي بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؟
خلاصة الرد: العلم تابع للمعلوم فعلم الله يكون مطابقا لما سيكون من اختياراتهم، ولكن اختيارات العباد التي هي بإرادتهم الحرة لا تتناقض مع مشيئة الله تعالى، فالله خلق للجنة أهلا وهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلا وهم بعمل أهل النار يعملون، وعمل الطائفتين هو باختيارهما وإرادتهما دون إكراه، وجميع ذلك بعلم الله ومشيئته وقدرته وخلقه وحكمته، ومعرفة كيفية ذلك هي من القدر الذي هو سر القدرة الإلهية كما سبق بيانه.وسبق حتى في هذه المشاركة الحالية تفصيل الكلام في هذه المسألة، وإذا كان الزميل قد واصل القراءة بفهم إلى هذا الموضع فينبغي أن يعرف أين ورد الكلام على هذه المسألة، وإلا صرنا نحتاج أن نقتبس كل هذه المشاركة مرات ومرات حتى يعثر الزميل على الإحالات التي يتجاهلها باستمرار.

ولم يبقى من الأمثلة إلا موضوع الأقيسة، ونظرا للأخطاء الكثيرة لدى الزميل في منهجية القياس، فسوف أجعل تبيين مغالطاته فيها وتجاهلاته في رد مستقل، ليس لأهميتها عندي ولا لحرصي عليها، وإنما لأن الزميل يظن أنه على شيء من المنطق في مناقشتها، رحم الله المنطق من تجنيه عليه على وزان أقواله اللامنطقية السابقة كزعمه أن: (المستحيل هو غير اللامنطقي) ، وأن (الكمال يعني اللانهائية) ، وأن (المعدوم له حال مجازا) بدل أن يقول أن المعدوم شيء في الذهن!

والمعذرة للقراء على قرص أذن الزميل أمامهم، فلعله يفيق قليلا عند القراءة فلا تفوته الردود، وإذا كان هناك ما هو صعب على فهمه فله أن يطلب الشرح والتوضيح لا أن يزعم أني تهربت عن الرد عليه، مع أن كثيرا من كلامه لا يرقى لأن يقرأ فضلا عن أن يرد عليه.

يتبع/ مغالطات وجهالات (المفتري) في الأقيسة وغيرها.

ناصر الشريعة
03-18-2009, 04:04 AM
تنبيه: تعقيب الزميل على الملاحظات العامة ليس فيه إلا أنه عامي عاجز عن التعبير العلمي، ويعاني صعوبة من فهم الردود بسبب ضعفه اللغوي، وأنه يشتكي من أنني أكشف أخطاءه، ويطلب أن أتركه على راحته تماما في أسلوبه العامي، وأنني ليس لدي إلا التعقيب على طريقة كتابته لردوده.

ويكفي أن ينظر القارئ إلى صفحات الموضوع، ليعلم من الذي يفصل الجواب في المسائل ويقسمها ويرتبها ويعرضها عرضا منطقيا سليما وواضحا، ومن الذي لا يحسن تنظيم رده، ولا تصح لغته.

وانظروا معي إلى ما قاله:


و الآن ننتقل للحديث عن الملاحظات العامة:

و هو الجزء الذي وجدتك صببت كل مجهودك فيه بالرغم أنه ليس هو المتعلق بصميم الموضوع.
فلينظر القارئ إلى الصفحات السابقة في الحوار ليعلم من الذي صب مجهوده في صميم الموضوع، ومن الذي لجأ إلى الرغي دون نقاش علمي.


فأنت في السابق أخذت في الإشارة إلى ردود سابقة، و تجاهل الخوض في تفاصيل الأمثلة، و الإكتفاء بالرد بسطرين و ثلاثة،
أظن أن ردي السابق قد تعرض بالتفصيل للرد على تهمة التهرب السخيفة هذه.



و لكن هنا أجدك تقف عند كل كلمة و تعطيها كل ما تستحق و ما لا تستحق و بشكل عام تظهر حماستك في الرد في هذا الجزء بينما في الجزء السابق تبين لي أنك لا تريد أن تكمل المناظرة من أساسه.
عذرا أيها الزميل، ما ذكرته في الملاحظات العامة ليس بشيء إلى جوار الكثير من الأساليب والكلمات التي تستخدمها بعاميتك في هذا الحوار، وقد سبق في شروط الحوار ما يمنع من الإساءة في الكلام عن الله تعالى، فضلا عن أن هذا من شروط التسجيل في المنتدى.



و التفسير الوحيد لدي هو أن ردودي استفزتك لدرجة جعلتك لا تتمالك نفسك و تهجم على كل صغيرة و كبيرة جاءت في الرد بلا تمييز، و المدهش أنك بعد هذا الهجوم الشرس تطالبني في النهاية بأن أتقبل طريقتك هذه بصدر رحب.
ليس هذا هو التفسير، وإنما ساءني في ردك تعريضك بالذات الإلهية، فرأيت ضرورة التنبيه على ذلك مع ملاحظات أخرى، ولم أعلم أنك من النوع الذي يضيق صدره بمطالبته بمراعاة الأدب وسلامة اللغة .
وأما الرد بتمييز فهذا لا أحتاج أن أحدث القارئ عن حرصي عليه.
وتقبل بصدر رحب أو لا تتقبل ، فأنت حر مختار في النهاية.




بالنسبة للتعبيرات التي ترى أنها كبيرة في حق الله، فهي كلها لها سبب واحد مشترك و هو ليس التقليل من شأنه أو السخرية، و إنما السبب في هذا أن اللجوء لهذه المصطلحات يجعل الكلام في أمور صعبة الإستيعاب ممكن.

هذا تبرير سخيف جدا، نحن لا نتكلم عن مصطلحات علمية تسهل الاستيعاب، إنما نتكلم عن ألفاظ وتعبيرات وقحة، فهل صارت الوقاحة مصطلحات تسهل التعبير.



فحقيقة أن علم الله أزلي مثلاً حقيقة لا يمكن استيعابها بسهولة، و بشكل عام، ليس من السهل وصف المنطق الإلهي الأزلي.
كل أحد يستوعب قول القائل إن الله يعلم كل شيء، فهات تبريرا لا يستحى من ذكره.



فأنت تقول أن الله له حكمة في أنه خلق أهل النار. هذه الحكمة لها تفاصيل زمنية و خطوات على غرار:

الكافر عاصي، إذاً فهو يستحق العذاب، إذا خلق الله جهنم.

هذا الترتيب يبدو في ظاهره من المنظور البشري أنه ترتيب زمني فنحن نراه أن: الكافر كان عاصياً، نستنتج من هذا أنه يستحق العذاب، فخلق الله جهنم.

و لكن الأمور في علم الله و المنطق الإلهي من منظور أزلي يختلف، فلا يوجد شيء يحدث قبل شيء أو بعد شيء،
هذا قول باطل، بل الله يعلم الأشياء بترتيبها، فيعلم أن هذا يحدث قبل هذا.
ومؤكد أن الزميل سيحاول الآن التراجع عن أنه يقصد هذا المعنى، فهات محاولتك.


و إنما تكون الأمور كلها بمنطقها و مدلولاتها و استنتاجاتها أزلية في علم الله. و هو شيء يستحيل على أن أتكلم عنه بدون استخدام العندية في لفظة "عند".
فعلا عامي حتى النخاع.




و أن الله تصرف بالشكل الفلاني عندما كان العدل مثلاً يقتضي ذلك. يجب أن أتكلم عن الموضوع بمنظور بشري لكي يفهم القارىء ما أكتب
القارئ في غنى عن عامية بلهاء لا تحسن النقاش بأدب وعلمية.
وها أنا ذا قد ناقشت جميع تلك الموضوعات دون أن أحتاج إلى تعبيرات ركيكة لا تخلو من الوقاحة والسوء.


و من المفهوم ضمناً أن الله لم يخض في هذه الخطوات بهذا الشكل الزمني، و إنما هذه هي الطريقة البشرية للكلام عن المنطق الإلهي:
ما هذا؟ (الله لم يخض ....) ومتى يقال أن الله يخوض في شيء، الخوض خاص بالمخلوقات أيها العامي، لأنها تفيد معنى اختلاط الذات بغيرها من الذوات، والله منزه عن ذلك.
ويفترض عندما تأتي لتناقش الإشكالات على الإسلام والمسلمين أن تعرف هذه الأبجديات وتحترمها.


عندما حدث كذا، حدث كذا، و بالتالي كانت حكمة الله أن كذا.

ما علاقة هذا بالعلم الأزلي؟!


و مثال ذلك عندما قلت: "و لكن الله ليضمن".

فأنا بالطبع لا أقصد أن الله يخشى أن يحصل شيء بخلاف إرادته، و لكن الفكرة المقصودة هنا لم أستطع التعبير عنها إلا بهذه الطريقة.
عامي عاجز، فلا عجب أن تكثر إشكالاتك فلا تنتهي.



و عندما قلت:

"الله عندما أدرك أن عبده الفلاني"

أيضاً ينطبق عليها الكلام الذي قلته لتوي عن العندية.
عذر أقبح من ذنب.


و إن كان كلامي عن الله قد خدش حياء البعض
أي بعض وأي حياء أيها الزميل؟
أنت في منتدى إسلامي محترم له شروطه التي وافقت عليها، فإذا لم تكن أهلا للأدب فدونك منتديات العوام الذي يتكلمون مثلك.


فأنا أعتذر عن ذلك مرة أخرى و يجب أن يفهم القراء أن الغرض من استخدامي لهذه الألفاظ ليس السخرية و إنما رغبتي في أن تصل الفكرة للقارىء.
إذا كنت صادقا في الاعتذار فلا تعد لهذه المخازي ثانية، فإما أن تناقش بعلم أو تسكت بحلم.

وقد ناقشت ولا زلت من الملاحدة من راعى أدب الحوار ، ولم يلجأ إلى هذه الأساليب التي تستخدمها في ردودك وتظن أنك آمن من معاملتك بما تستحقه جزاء تجريك في الكلام عن الله عز وجل.



و السؤال يا زميل، لماذا لم تكلف نفسك و ترد على بعض هذه الأسئلة بدلاً من الإكتفاء بالتعليق عليها و اقتراح تعبيرات بديلة؟
من الذي لا يرد على الأسئلة؟
انظر الرد أعلاه وستجد الحقيقة.


فمثلاً سؤال: ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراً يعذبهم لتتجلى صفة القهر؟

فما هو ردك على السؤال؟ و سأعيد صياغته على طريقتك:

أليس الله بقادر على أن تتجلى قدرته بدون أن يعذب البشر؟
هل رأيت ردي عليه أعلاه أم أقتبسه لك؟



و بالنسبة لاعتراضك على لفظة سيناريو فهي لفظة عادية و ليس لأنها تستخدم في مجالات بشرية فيها خداع و اسفاف فيكون هذا معناه أنها لفظة سيئة. فاللفظ نفسه له معنى مستقل و يصح الإستعانة به بلا أي مشاكل و اللفظ معناه: "تسلسل أحداث" و ليس بالضرورة شيء متعلق بفيلم أو مسرحية أو غيرها من الأمور الأخرى. فضلاً عن أن الأفلام و المسرحيات ليست أعمالاً شيطانية مثلاً بطبيعتها و لا تحتوي بالضرورة على محتوى فيه خداع و مكر و اسفاف. فالكتب هناك منها ما هو جيد و ما هو به اسفاف. فهل هذا معناه أن استخدام كلمة "صفحة" متلازم بالإسفاف لمجرد أن هناك كتب فيها اسفاف؟
أيها العامي دع اللغة في حالها، فأنت غير مؤهل لمثل هذه التفسيرات والتبريرات.



و هناك الكثير من التعليقات التي بالفعل لا تضيف أي شيء للمناظرة على الإطلاق لا من قريب و لا من بعيد و لا حتى فيها إهانة لله و لا هي ركيكة و لا هي أي شيء في أي شيء. و إنما تعليقك عليها ليس فعلاً إلا إشارة واضحة جداً بأنك تعترض بلا تمييز و بتعصب واضح كل الغرض منه هو أن تظهرني مخطىء بأي صورة ممكنة و السلام. و قد فارقتك الحكمة و الإعتدال تماماً يا زميل عند ذكرك لهذه العبارات. و منها:
أدع هذا للقارئ الذي لا يعاني من أزمة العامية التي يعاني منها الزميل.



"لا يصح استخدام لفظة (يعرف) في حق الله تعالى، وإنما يستخدم لفظ العلم، لأن المعرفة توهم سبق الجهل عليها، بينما العلم لا يلزم منه ذلك، ولهذا لم يرد في القرآن ولا السنة وصف الله بأنه يعرف، وأما حديث (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هو على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل الابتداء، وليس كل ما جاز عند المقابلة يجوز عند الابتداء"

فعلاً يدهشني كثيراً كيف أنك تركت أهم نقاط المناظرة و ركزت بهذا الشكل على تعبير بسيط مثل "الله يعرف".
أتركك في دهشتك، فلا حيلة لي مع عامي يقال له أخطأت، فيقول لماذا لا تتركني في حالي؟




ما المشكلة أن أقول أن الله يعرف؟
لو كنت تقرأ ردي لعرفت الجواب، هو أمامك تراه بعينيك ثم تستهبل وتسألني ما المشكلة فيه؟


هذا التعليق لوحده دليل كاف على أنك لا تريد النقاش للنقاش، و لا تريد الهداية، و إنما الموضوع شخصي بحت بالنسبة لك. فأنت تفعل ما تستطيع لتبين أنني مخطىء حتى لو كان هذا الخطأ بتفاهة خطأ بسيط مثل هذا.
القارئ يعلم من ناقش بعلم ومن ناقش بجهل، ومن يناقش بلغة سليمة، ومن يناقش بلغة ركيكة، ومن يناقش نقاشا منظما، ومن يناقش نقاشا لا نظام فيه.
وهب أني أريد أن أبين خطأك، فهل تريدني أن أستر عورتك وجهلك عن القراء احتراما لك؟
عجبا لك، تريد نقاشا تخطئ فيه فلا يقال لك أخطأت، ثم تقول أخطائي تافهة؟
لو كنت صادقا في طلب الحق لشكرت من ينبهك على خطأك ، حتى لو كان خطأ يسيرا.
ولكن ماذا يتوقع ممن لا يشكر ربه الذي خلقه ؟





و نفس الكلام هنا:

"القيام بدور يقال في حق الإنسان الذي يوضع في دور، وهذا الدور يكون له أو لغيره، والله لا يصح أن يعبر في حقه بمثل هذه التعابير البشرية التي لا تخلو من ركاكة اللغة أيضا"

لا شيء يذكر. مجرد اعتراضات لا طائل منها.
وقاحة في الإصرار على الإساءة عند الحديث عن الله تعالى.


و هنا:

"هذا التعبير الركيك فيه ما لا يليق في حق الله تعالى، فإنه لا يقال أن الله متأكد"

كثير ما تفعله يا زميل و هو لا يقوي من منطقك فيما يخص المناظرة بشيء، و إنما هو يضعف منه لأنه يعطي الإنطباع للقارىء أن هذا هو ما تركز عليه أكثر من النقاش نفسه.
استمرار للوقاحة في الإصرار على عدم احترام الكلام عن الله عز وجل.



أما بالنسبة لهذا التعليق:

" مع ما في هذا الأسلوب من تهوين العلم بكمال صفات الله تعالى كما هو واضح من سوقها مساق الشيء الذي لا جديد فيه رغم أصالتها في الرد على كلامه، إلا أنه خلط بها المستحيل بقوله (ويستطيع فعل المستحيل) فهذا لا يصح إطلاقه على الله، لأن المستحيل ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة الله تعالى، ومهما كان قصده فإن عبارته باطلة ومتناقضة مع كلامه الكثير عن المستحيل واللامنطقي، مع أن تفريقه بين المستحيل واللامنطقي هو نفسه تفريق لا منطقي، إذ المستحيل نفسه لا منطقي"
انظروا كيف يرد الزميل على كلامي هذا!! :


فأنا أعني المستحيل بالنسبة للبشر. و هذا كان واضحا عندما ضربت مثال أنه من المستحيل علينا كبشر أن نطير، فلا داعي من أن تقول أن المستحيل و الغير منطقي شيء واحد، و لا فائدة من ذلك. و لا ليس المستحيل هو الغير منطقي. المستحيل هو الشيء الذي نعجز عن فعله كالطيران مثلاً و الغير منطقي هو تقول أشياء لا تصح منطقياً، و حتى لو كنت أنا مخطىء في هذا الصدد، فأنا وضحت ما قصدته وقتها بمثال أبين فيه ما عنيته و أنا أتكلم عن الفرق بين الإثنين، فإذا وضح هذا الفرق بالمثال، فلا داعي لذكر هذه الفروق على أساس أن جوهر الموضوع هو الأهم.
لماذا الكذب أيها الزميل؟
أنت لم تكن تتكلم عن طيران البشر عندما قلت تلك العبارة، وإنما تتكلم عن علم الله بجميع اختيارات العبد مع كون العبد مختارا، وهذا هو كلامك بنصه:

و أنا لا أزعم هنا أن الله لا يعلم تصرفاتنا فهذا خروج عن المعتقد الإسلامي، و لكني أزعم أنه لو كان بالفعل المعتقد الإسلامي يقول أن الله يعلم كل ما سنفعل، فهذا معناه أنه "يُمكن" أن معرفة كيف سيتصرف الإنسان و معناه أيضاً أن هذا الإنسان غير عشوائي التصرف.

أعرف أن ما يدور ببال كل من يقرأ هذا الكلام: أن الله حكيم عليم و قادر و يستطيع فعل المستحيل. و أنا متفق معهم في هذا الكلام.
ثم تبريرك بأنك تقصد المستحيل عند البشر كالطيران حجة مضحكة، فالطيران ليس مستحيلا، بل ممكن عقلا وعادة، ولو قلنا بأنه مستحيل عادة في صورة من الصور فما الفائدة من القول هنا أن الله يفعل ما هو مستحيل عادة؟ هل هناك علاقة للمستحيل عادة بالموضوع أصلا؟



و بالنسبة لموضوع (أحمد) و (محمد)، فهما أول اسمان فكرت فيها لأنها أول أسماء تطرأ في ذهن أي أحد يفكر في أسماء عشوائية، كما أن النار بالفعل ستزخر بناس اسمهم أحمد و محمد و هذا ليس معناه أن هذه إهانة للنبي.

و طالما أنا لم أتكلم عن النبي و لم أمسه بحرف، فلا يحق لك الإعتراض. و الإسمان أحمد و محمد ليسوا ملكك لتصادر حقي في استخدامهم، فضلاً عن كون الملاحظة لا تختلف عما سبقها في عدم ضروريتها أو إضافتها لأي شيء.

الأسماء لا تملك حتى تقول أنهما ليسا ملكي، ولكن الأدب في الحوار شرط، ومن ذلك عدم الهمز واللمز في استخدام أسماء النبي صلى الله عليه وسلم في أمثلة الكفر، فقليلا من الأدب يا عاميّ.


و بالنسبة لموضوع العامية، فمن الصعب علي أن أتقبل كلامك بـ"صدر رحب" و أنت تقول أنني أستخدم ألفاظ تناسب أحاديث المقاهي لا النقاشات العلمية.
تقبله أو لا تتقبله، أنت حر مختار كما سبق أن قلنا.


ثم تقول:

"فإن كان لا يقدر على الحوار بدون عامية الأسلوب فنعذره لعجزه"

حقاً؟
نعم نعذر عاميتك وركاكتك لعجزك، أما سوء أدبك مع الله فلا .


لماذا لم تقل هذا من البداية يا زميل؟
ظننت أنك ستحسن من مستواك في الكتابة أثناء الحوار، لكن يبدو أن المستوى يتدنى ولا يرتفع.


أنا فعلاً غير قادر على الكلام بدون استخدام العامية لعجزي عن ذلك. أنت قلت أنك ستعذرني، و أشكرك على هذا. من فضلك بعد أن وعدتني بأنك ستعذرني، لا تعلق مرة أخرى إذا استخدمت أنا لفظاً عامياً، فأنا إنسان عاجز عن الإلتزام الكامل بالعامية نظراً لوجود ضعف شديد في فصحتي على عكسك أنت بالطبع.
لا تقلق، سأحرص على ذكر عذرك هذا للقراء عندما أناقش أخطائك.


و بناء عليه، فكلامك عن عدم جديتي في الحوار بسبب استخدامي للفصحى الآن غير صحيح لأنني كما قلت لا أعني عدم الجدية و إنما استخدامي للعامية هو نابع من ضعفي في اللغة.
لا تظلم اللغة، فضعفك أيضا يمس المنطق أكثر مما يمس اللغة.



و بالنسبة للمسافات الفارغة:
هذه هي المرة الثالثة التي تتدخل فيها في طريقتي في السرد و الكلام. أول مرة عندما اعترضت على طريقتي في مناقشة التعبيرات (و أنا غيرتها)، ثم أغرقتني أنت بعد ذلك بنفس الأسلوب الذي اعترضت عليه. ثاني مرة اعترضت على استطرادي في الشرح (و قد بينت في ردي أن هناك من يحتاجون هذه الإستطرادات و قد لا تراها أنت مفيدة بينما يراها غيرك كذلك)، ثالث مرة اعترضت على طريقتي في إضافة مسافات ما بين السطور.

حقاً لا أدري، لماذا كل هذه الصعوبات في التحاور؟ لماذا لا تتركني أرد بالطريقة التي تريحني؟
ضع مسافات فارغة كما شئت، فليس هناك فرق كبير بينها وبين الأسطر التي تكتبها.
بالمناسبة لقد تركت لك حرية اختيار الأسلوب الذي سترد به ، مع أن أسهل طريقة في الرد هي اقتباس الكلام ثم الرد عليه مباشرة.
فلقد أحسنت إليك كثيرا بتلخيصي لأفكارك تخلصا من عاميتها وركاكتها، ولكن هناك من لا يستحق الإحسان.


و الملاحظ أنني (على ما أذكر) لم أعلق تعليقاً واحداً على طريقتك في السرد و الكتابة، فأنا لم أعلق على استخدامك المحير للألوان بطريقة تجعلني أنا على الأقل أتشتت عن سياق الموضوع و أحاول فهم ما تقصده بتغيير اللون في هذا المكان بالذات من الموضوع؟ هل تظن يا زميل أن الكتابة العلمية لا تكون إلا بالإستخدام المذهل للألوان، أو أن وضوح فكرتك لا يكون بغير هذا؟

ليس غريبا أن يصعب عليك فهم ذلك، فالعامية غير ملونة.


و لم أعلق على الكثير من التعبيرات المبهمة المعقدة و الغير المفهومة و التي أدرك أنها في الغالب فيها شيء من البلاغة التي لا يستطيع من هم ضعيفوا اللغة مثلي أن يستوعبوها، و لكني كذلك أدرك أنها لا ضرورة لاستخدامها في موضوع يحتاج للتبسبط ليفهم الكل ما تقصده. أنا لم أعترض على هذا رغم أنه ضايقني. و لكني رأيت أن هذه هي الطريقة التي تريحك في الشرح، و هي غالباً من وجهة نظرك الشخصية تساهم في إيصال الفكرة للقارىء، فلم أتدخل فيها و حاولت أن أتأقلم على طريقتك في الرد.
إذن أكثر ردودي كنت تعلق عليها وأنت لا تستوعبها!! فلماذا لم تقتبس ما لا تفهمه لتقول لي ما معنى هذا؟ أم أن هذا يخدش حياءك ومنزلتك؟ أم تجرب الرد لعلك تصيب المعنى؟
هذا الكلام الذي تقوله يبطل فائدة الحوار معك، ومن خسارة الوقت أن يحاور المرء من لا يعقل الكلام ولا يفهمه.




فلماذا تتدخل في طريقتي في الكتابة؟

فعلاً أزعجني كثيراً كم أنني تقبلت طريقتك في السرد التي أجدها غير مريحة على الإطلاق، فقط لتأتي أنت و تهاجمني في طريقتي في السرد ثلاث مرات!
أيها الزميل طريقة السرد هذه دعها في المقاهي، نحن هنا في حوار لا سرديات.


و أخيراً نأتي للكلام عن الحكم المخفية، فما قصدته هو أنه لو هناك أمور تشكل الناس و تفوق تصورهم، و قد تتسبب في كفرهم كما هو الحال معي، فهذه الأمور لا ينبغي أن يتعرض لها المرء طالما أنه ثابت أنه لن يستوعبها و طالما أنها قد تكون سبباً في كفره، و الكلام في هذه النقطة واضح و لا يحتاج للإستطراد.
لا فائدة من الكلام معك.
نقول لك الحكم المخفية هي في أمور لا يتوقف عليها معرفة أصل الإيمان والكفر والهدى والضلال، وتقول: لا، لا بد أن أعلم لماذا يدخل أبو لهب النار؟ لماذا؟ ما الذي فعله حتى يدخل النار؟ ولماذا لم يكن في الجنة؟ حسنا، ما دام أن أبو لهب سيدخل النار فالمفتري لن يؤمن، لأن عقلي لم يتقبل دخول أبي لهب النار.
قليلا من الاحترام للقراء أيها الزميل.
عندما لا يكون واضحا أن الكون له خالق، فاعترض.
عندما لا يكون واضحا أن الله كامل، فاعترض.
عندما لا يكون واضحا أن محمدا نبي والإسلام حق، فاعترض.
أما عندما يدخل الكافر النار بسبب كفره باختياره، فتقول أنا أعترض، وأختار الكفر على الإيمان، فهذا عناد وحمق لا غير.



في النهاية أطلب من الزملاء القراء قراءة ردودي –و بالذات الرد الأخير- و مقارنة كل ما جاء فيه من أسئلة بردود الزميل ناصر الشريعة بأمانة و صدق و ليحكم كل منكم بينه و بين نفسه ما إذا كانت ردوده كافية لإبطال هذه الإشكالات أم لا، و لا أن يتحيز أحد لرأيي أو لرأيه و هذا هو الأهم.
هذا أفضل ما قلته في هذا الرد، وأتفق معك فيه.

ولست أبالي بغضب من يتعمد الإصرار على الإساءة في الحديث عن الله، ويبرر ذلك بجهله باللغة وعجزه عن التعبير.

مراقب 1
03-18-2009, 06:58 PM
لم ينتهى الحوار بعد ليبدأ الإخوة فى التعقيب لازال الموضوع مقتصر على من حددناهم .

ناصر الشريعة
03-18-2009, 11:52 PM
مغالطات وجهالات (المفتري) في الأقيسة وغيرها.

أولا: مثال الشمس.

فأول موضع ذكر فيه هذا المثل هو قولي:

وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:

أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته.

فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره.

وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!فذكرت مثال الشمس لبيان أن ( صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته. )
فقلت:
(فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره. )
فواضح جدا أن المثال مقصود به إثبات أن آثار صفات الكمال هي من مقتضيات صفات الكمال لا لحاجة الله إلى هذه الآثار المخلوقة.
فماذا فعل الزميل، هل التزم بالموضوع فتكلم عن عدم دلالة المثال على ما سقته له من عدم حاجة الله إلى مخلوقاته؟
لينظر القارئ في أول جواب للزميل على هذا المثال ليعرف الجواب:

المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة. و أن الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. المقارنة غير منطقية يا عزيزي.

الشمس لأنها مضيئة فالإضاءة تقتضي اشراق نورها على ما حولها.

توازي

الله لأنه (صفات كثيرة) فهذه الصفات تقتضي أن يخلق البشر.

و لكن البشر سيتعذبون و الضوء الصادر عن الشمس لن يتعذب.

الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها.

الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.
كل هذا الاعتراض هل له علاقة بما قلته من أن مثال الشمس مقصود به عدم حاجة الله لمخلوقاته؟
كلا!
فلماذا يخرج الزميل عن الموضوع؟ أليس هذا إفلاسا وهروبا عن الاعتراف بالحجة.
وحتى أثبت للقراء أن الزميل لا يقرأ جيدا ولا يفهم وليس أهلا للحوار بعد أن تبين جهله باللغة والمنطق، فإنني سأنقل ردي كاملا الذي اعترض عليه الزميل المفتري، حيث سيجد القارئ أن الزميل لا يفهم الكلام، فإني قلت:

المسألة الثالثة: تنزه الله تعالى عن الظلم في خلق الخلق وتكليفهم وأمرهم ونهيهم:

وخلاصة القول في هذه المسألة قبل بسطه:

أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.

وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:
فعنونت للمسألة بـ: (المسألة الثالثة: تنزه الله تعالى عن الظلم في خلق الخلق وتكليفهم وأمرهم ونهيهم )
ثم بعد أن لخصت المسألة في الفقرة الأولى التي هي هذه:
(وخلاصة القول في هذه المسألة قبل بسطه:

أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.)

قمت بعد ذلك باستئناف فقرة جديدة متعلقة بأمر آخر غير موضوع تنزه الله عن الظلم، فقلت:
(وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة: )
ثم ذكرت حكمة واحدة في هذا الموضع وهي قولي:
(أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته. )
ثم مثلت على عدم الحاجة بمثال الشمس.
فأتى الزميل المفتري العامي فافترى عليّ أني سقت مثال الشمس دليلا على أن الله لم يظلم البشر كما أن الشمس لم تظلم الضوء!! فأي عقل يقول هذا؟!
وسيأتي جرأة الزميل المفتري على نفيه أن مثال الشمس هو عن عدم حاجة الله للمخلوقات كما أن الشمس غير محتاجة للقمر ليصدر عنها نورها.

والعجيب أن الزميل يقر ويعترف في مواضع كثيرة أن الله غير محتاج إلى خلقه، ثم يأتي هنا ليجادل في هذا المثال جدالا طويلا لا لشيء إلا لأنه ظن نفسه قد ظفر بخطأ لدى محاوره، فكان رده أضحوكة عند كل من يعرف القياس والمنطق، ولهذا خصصت ردا لجهله بالأقيسة، فهل استفاد منه الزميل شيئا، كلا إلا التظاهر بأنه كان يعرف أن القياس لا يبطل إلا بالفروق المؤثرة، فمتى عرف الفروق المؤثرة أصلا.
انظر إلى رده كيف يعترض بالفروق على مثال الشمس الذي ذكرته لتوضيح عدم حاجة الله إلى مخلوقاته:


المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة.انظر أيها القارئ إلى الفرق هذا، فهل تفهم منه أن الشمس بحاجة إلى انعكاس ضوئها على القمر؟
أو هل تفهم منه أن الله بحاجة إلى مخلوقاته؟
ما هذا الجهل؟!


و أن الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. المقارنة غير منطقية يا عزيزي.أي مقارنة هنا؟ هل نحن نتكلم عن أن الشمس لا تظلم والله لا يظلم؟ أم نتكلم عن عدم حاجة الله لمخلوقاته؟
أعرفتم الآن من هو صاحب المقارنة اللامنطقية؟


الشمس لأنها مضيئة فالإضاءة تقتضي اشراق نورها على ما حولها.

توازي

الله لأنه (صفات كثيرة) فهذه الصفات تقتضي أن يخلق البشر.
بحذف كلمة توازي، وإبدال (صفات كثيرة) بصفات كاملة، و(أن يخلق البشر) بـ: (أن يخلق ما يشاء) يكون الكلام صحيحا، فانظروا اعتراض الزميل بعد ذلك حيث يقول:


و لكن البشر سيتعذبون و الضوء الصادر عن الشمس لن يتعذب.أرأيتم كيف هي عقلية الزميل العامي؟
نحن نتكلم عن عدم حاجة الله إلى مخلوقاته، وهو يتكلم عن أن الشمس لا تعذب ضوئها، أي سخافة في الرد هذه؟
فهل في اعتراضه فرق مؤثر يبطل عدم حاجة الله إلى خلقه؟


الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها.هل هذا متعلق بالموضوع أصلا؟ فضلا عن أن يكون فرقا مؤثرا يبطل عدم حاجة الله إلى خلقه، أم هو الاعتراض لمجرد الاعتراض لا غير، حتى لو كان الاعتراض سخيفا؟


الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.هكذا تكون الفروق المؤثرة لدى الزميل في الرد على المثال، أرأيتم أيها القراء لماذا شرحت للزميل في رد مستقل موضوع القياس؟ لكن للأسف الشديد أن الزميل لا يفهم، وإذا فهم يخجل من أن يقول لم أفهم، وعذره أنه عامي حتى النخاع، ولكنه مصر على أن يتكلم في قوادح القياس وعلله، بل يظن أنه يسير على منهجية علمية في نقد الأقيسة، رحم الله القياس والعارفين به من عدوان العوام من أمثال المفتري، وعجبا له كيف لا يفتري على الخلق وهو قد افترى على الخالق.

وليقارن القراء بين نص اعتراض المفتري، وردي عليه ليعرفوا من يرد بعلم ومن يرد بجهل:

نص كلام المفتري:

المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة. و أن الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. المقارنة غير منطقية يا عزيزي.

الشمس لأنها مضيئة فالإضاءة تقتضي اشراق نورها على ما حولها.

توازي

الله لأنه (صفات كثيرة) فهذه الصفات تقتضي أن يخلق البشر.

و لكن البشر سيتعذبون و الضوء الصادر عن الشمس لن يتعذب.

الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها.

الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.

نص ردي عليه:

الرد على مغالطة الزميل في الأقيسة واقتضاء الكمال آثاره

ذكرنا أن خلق الله للكافر وتعذيبه له في النار هو من مقتضى كمال الله تعالى، وأن كمال الله يقتضي ظهور آثاره في خلقه، وذكرنا تقريبا للفهم مثلا يوضح ذلك، حاصله:
( أن الشمس في إفاضتها الضياء على ما حولها لا تكون بذلك محتاجة إلى تلك العواكس لنورها، وإنما انعكاس نورها على من حولها من مقتضيات كمال إضاءتها، فمن باب أولى أن لا يكون ظهور آثار كمال الله تعالى في خلقه من حاجة إليهم، وإنما هو من مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله.)

وهذا المثل استدلال بقياس الأولى، وهو قياس جائز استخدمه القرآن الكريم في إثبات استحقاق الله لكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وفي نفي كل نقص وعيب عن الله جلَّ وعلا.

لكنَّ الزميل قد فاتته الحجة حين اعترض على المثال بما اعترض به من فروق غير مؤثرة في وجه القياس، ولكأنه في اعتراضاته هذه يرى أن كل فرق بين مقيس ومقيس عليه يكون مؤثرا! وأن مجرد التشغيب على القياس والمثل يبطله، فأين فيما ذكره من فروق ما يمنع صحة القياس الأولوي الذي لا يجوز غيره في حق الخالق جلَّ وعلا؟!

ولو أنه أتى بفرق مؤثر يقدح في القياس الذي مثلنا به لكان كلامه مقبولا، وكان له حظ من النظر، أما ما فعله فهو ليس إلا كمنكر تشبيه الشجاع بالأسد لأنه يرى فوارق بينهما عديدة، فيجعل مجرد الفرق مانعا من هذا التمثيل، فيقول: إن الأسد أبخر الفم، والشجاع ليس كذلك، والأسد يمشي على أربع والشجاع ليس كذلك، والأسد له زئير سبع، والشجاع ليس كذلك!! ويمضي في رسم صورة الأسد البهيمية، ويقابلها بصورة الشجاع البشرية عضوا بعضو، وسمة بسمة!! ليقول إن من الباطل أن يقال عن الشجاع أنه كالأسد!
فهل نفت كل هذه الفروق التي أجهد نفسه في تعديدها شيئا من وجه الشبه بينهما وهو ثبوت الشجاعة لهما، أو صحة التمثيل في أمرهما؟!

ونحن حين ذكرنا مثل الشمس أخذنا الوجه الذي تصح به حجة القياس الأولوي مع عدم الفارق المؤثر لا مطلق الفارق.
ووجه القياس هنا هو: عدم استلزام (الحاجة للغير) في (ظهور مقتضى الكمال) في إحدى صوره.
وهو في الشمس: كمال الإضاءة.
وفي الخالق جلَّ وعلا: كماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
وليس من المقصود في شيء أن كمال الشمس ككمال خالقها، تعالى الله عن ذلك، بل الله أكمل وأعظم.
ولا المقصود أن هذا القياس الأولوي يعني أن الشمس صار لها كل ما لله حتى يعترض الزميل بأن الشمس لا تريد ولا تخلق فلا يصح بذلك المثال عنده؟!!

ومثل ذلك كل اعتراض على قياس صحيح بذكر فرق غير مؤثر بين المقيس والمقيس عليه في وجه القياس، ومن ذلك:
اعتراض الجاهلين على مثال يذكر في مسألة (علم الله بأفعال العباد هو صفة كاشفة لا صفة سائقة) وهو مثال:
علم الأب أو المعلم أو الطبيب بما سيؤول إليه حال المرء من خير أو شر، وأن مجرد علمهم لا يُكره المرءَ على اختيار أو فعل الخير أو الشر الحاصل له.

فيعترض الجاهلون بأن علم الله لا يتخلف، وعلم المخلوق يتخلف، وأن علم الله ليس ظنيا، وعلم المخلوق ظني! وأن الله حكيم، والمخلوق غير حكيم، ويمضون في تعديد صفات الله وصفات المخلوقين مستكثرين بفروق خارجة عن موضوع القياس، وليس أحد منها يعد فرقا مؤثرا يقدح في وجه القياس، فإن القياس هنا في وجه محدد وهو (أن العلم السابق لا ينفي اختيار العبد) :
- فتحقق علم الله في العبد لا ينفي حرية العبد
- وتحقق مطلق (علم) الأب أو المعلم أو الطبيب في المرء لا ينفي حريته.
ولا يؤثر في صحة القياس من هذا الوجه الفرق في درجة العلم كمالا ونقصا، ولا ذات العالم ولا صفة ذاته، لأن وجه القياس هو مطلق العلم، ومطلق العلم لا يؤثر في ثبوته درجة العلم ولا ذات العالم ولا صفته، لآنها فروق لا تنفي مطلق العلم الذي هو وجه القياس.

ولو قال قائل: إن علم الله لا يكره العبد على الاختيار بدليل أن الحجارة لا تكره الإنسان على الاختيار.
لكان الفرق المؤثر المبطل في صحة هذا القياس هو: أن مطلق العلم منتفي عن الحجارة، فلا توصف بالعلم أصلا حتى يصح ذكرها في القياس.

وهكذا يعترض بالفروق المؤثرة على وجه القياس لا مطلق الفرق كما يظنه الزميل هداه الله تعالى.

فإن مجرد ذكر الفروق غير كاف، بل لا بد أن يكون الفرق متعلقا بجهة القياس، ثم أن يبين أنه فرق مؤثر بيانا عليه برهان ودليل لا مجرد دعوى، وجميع ذلك مما أخلَّ به الزميل ولم يوفه حقه ولا بعضا منه.

وهكذا يقال في كل قياس صحيح يعترض عليه بفروق غير مؤثرة في جهة القياس، وما أكثر المغالطات التي يقع فيها من يجهل هذه المسألة، ولا يعرف فيها قبيلا من دبير.


ولعل الزميل لم يطلع من قبل على كلام أهل العلم في أمر القياس ومسالكه وعلله وقوادحه، فحصل منه هذا الخطأ عن غير دراية ومعرفة منه بوجوه الاعتراض على الأقيسة، وما يصح من الأقيسة في أمر المعتقد وما لا يصح، ولعله يتدارك هذا النقص بتعلم ذلك في مستقبل أمره، فإنه ليس من الحسن أن يتصدى المرء للجدل والمناظرة وهو لم يتقن هذه الأبجديات في المنطق والجدل، وأرجو أن لا تحفظه هذه الملحوظة فإنه لولا أثرها في النقاش لما ذكرتها.
وبعد هذا الرد المفصل الذي لا بد أن الزميل المفتري عانى كثيرا بعاميته في فهمه مع أنه واضح جدا، نجد رده المتهالك على مثال الشمس حيث يشهد على نفسه بأنه غير فاهم للمثال أصلا، فيقول:


أولاً هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا.
انظر ماذا يقول؟ مثال الشمس ليس عن رد شبهة احتياج الله لخلق البشر!!!
هل رأى القارئ كيف أن جميع رد المفتري على مثال الشمس مبني على جهل وسوء فهم، فأنا أتكلم عن عدم حاجة الله للمخلوقات، وهو يقول المثال ليس عن هذا الموضوع؟ ثم يزعم المفتري أن كلامي ليس له علاقة بالموضوع، وكلامه هو الذي في صميم الموضوع!!

وصدق قول الشاعر:
ولو أني بليت بهاشمي ... خؤولته بني عبد المدانِ
لهان عليّ ما ألقى ولكن ... تعالوا فانظروا بمن ابتالني

ودعونا نستمر مع جهالات ومغالطات المفتري العامي في مثال الشمس.

انظروا ماذا يقول:


يا عزيزي مثال ضوء الشمس و صفات الله مثال خاطىء تماماً و لا يصح القياس به على الإطلاق و هو في رأيي كقول: أن الإنسان شجاع كالأسد لأن كلاهما عنده أسنان مثلاً.لا عجب أن لا تفهم القياس حتى صار عندك مثل قول القائل إن الإنسان شجاع كالأسد لأن كليهما عنده أسنان!! عامي فماذا يتوقع منه غير ذلك الفهم السخيف؟


و السبب ليس لمجرد أن هناك أشياء مختلفة غير مؤثرة بين الله و الشمس كما ذكرت. و لكن هناك أسباب حيوية و حرجة تبطل المثال من جذوره بدأ الآن الزميل المفتري يستخدم تعبير فروق مؤثرة وغير مؤثرة، وذلك بعد أن كان لا يعرف من ذلك شيئا كما سبق في أول اعتراض له على مثال الشمس.
ودعونا نضحك من الأسباب (الحيوية والحرجة التي تبطل المثال من جذوره)!!
هذا إذا كان الزميل قد فهم المثال أصلا، بله جذوره!
تنبيه لعوام الملاحدة: كلمة (بله) أعلاه معناها: (دع عنك)


وهذه الأشياء هي التي ذكرتها أنا و لن أضيف لها جديد أو أعدلها أو أنقص منها. و قد فكرت في كل واحدة منهم قبل أن أكتبها.
كل هذا التفكير منك في كل واحدة منها قبل كتابتها، ثم تكون النتيجة أن الشمس لم تعذب ضوئها!! لأن فهمك العامي جعل المثال الذي عن عدم حاجة الله لمخلوقاته ليس عن هذا الموضوع بل عن أن الله لا يظلم خلقه بدليل أن الشمس لها ضوء ينعكس على القمر!!
أي تفكير هذا أيها القراء؟!
والأعجب منه الإصرار على أنه لن يضيف لها جديدا، ولن يعدلها، ولن ينقص منها شيئا!! أرأيتم جهل العامي وتعصبه لجهله؟!

والأعجب من ذلك قوله:

أنا لم آتي بأي اختلافات و السلام، و إن هذا إلا عمل أخرق لا يقوم به إلا شخص لا يجد ما يقوله.فهل هناك عمل أخرق لم تقم به في تلك الاعتراضات الخرقاء على المثال؟!
ولكني أوافقك تماما على وصف هذا الفعل بأنه: (عمل أخرق لا يقوم به إلا شخص لا يجد ما يقوله.)



و إنما أنت من فعلت شيء غير منطقي على الإطلاق (سواء بقصد أو من دون قصد) و هو أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في في كل أو بعض الأشياء.انظر أيها القارئ إلى الجهالات في هذه الفقرة، حيث يقول الزميل:
( أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع)
فهل في هذا التوافق الواحد المطلوب الذي هو موافق للواقع ما يوصف بأنه غير منطقي؟!
ثم قوله بعد ذلك:
(و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في كل أو بعض الأشياء )
أي كفتين أيها العامي الأخرق!!
كفة الشمس وكفة الخالق؟!! ما هذه الحماقة؟ أيظن أني أضع الشمس في كفة والله في كفة أخرى؟ ثم تكون النتيجة هي المساواة بين الكفتين؟!
بل يتواقح الزميل فيقول (و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في كل أو بعض الأشياء)
فلم تكفه الجهالات السابقة حتى افترى عليّ أني ساويت بين الكفتين في (كل الأشياء) أو (بعضها)!!
وقارن كل ذلك بأن المثال هو في شيء محدد هو عدم حاجة الله للمخلوقات في تحقق كماله، كما أن الشمس غير محتاجة للقمر في صدور ضوئها عنها.


و لكن إذا قام القارىء بالتمعن في التفكير سيرى أن المقارنة غير عادلة. و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.
ولا زال الزميل يظن أن هناك وجه مقارنة! بل مقارنة غير عادلة أيضا!
رغم اعترافه الصريح بقوله: (و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.) وهو ما يدل على أن وجه القياس صحيح في ذلك الموضع، وأما ما هو خارج القياس فمن قال بدخوله فيه أصلا حتى يعترض بأنه غير متوافق؟!!



و الآن سأوضح لك كيف أن الفروق التي ذكرتها أنا ما هي إلا فروق قمة في الأهمية و لا يمكن أبداً عدم الأخذ بها.
ليتابع القارئ الكلام ليجد أن جميع الفروق كلها مبنية على الجهل بالمثال أصلا، ولهذا فكلها فروق لا علاقة لها أصلا بمناقشة المثال، فكيف تكون فروقا قمة في الأهمية، بل لا يمكن أبدا عدم الأخذ بها كما يقول العامي!!

ولينظر القارئ جيدا إلى حجم المصيبة في فهم الزميل المفتري حين لا يكفيه الكذب حتى يجمع بين كذبه وصريح قولي المكذب له دون خجل، فيقول:

أنت تقول أن خلق الله لأهل النار ليس ظلماً و إنما هو من مقتضيات صفاته كما أن الضوء و الحرارة من مقتضيات صفات الشمس.
اقرأ أيها القارئ هذا الاقتباس جيدا، حيث يزعم فيه أن المثال وارد من أجل نفي الظلم عن الله!!!! بينما هو نفسه ينقل بعد ذلك نص كلامي في أن المثال عن نفي الحاجة عن الله لا عن نفي الظلم!!1 حيث اقتبس قولي:

"فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره"
فأي عاقل يقرأ كلامي وكلامه سيعلم أي مفتري هو هذا المفتري!!

ولا يكفيه هذا الافتراء حتى يضيف له الخرق والجهل فيعقب على كلامي ذلك بقوله:

أولاً هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا.
ومن قال أنك قلت ذلك؟ ومن قال أنه رد على ذلك الإشكال الذي طرحته؟
ألا تقرأ الكلام فتفهم أنه رد على شبهة الاحتياج التي تطرح مرارا، والتي تعترف أنت بأن كلامي فيها صحيح ولا تخالفني في عدم احتياج الله إلى خلقه؟
أرأيت من يرد بدون تمييز ولا فهم؟!
مع أن الزميل يناقض نفسه كثيرا فيعترض قائلا (هل الله محتاج لكذا) فإذا قلنا له الله منزه عن الحاجة، يقول أنا لم أقل أن الله محتاج، ولكن إذا كان غير محتاج فلماذا يفعل كذا وكذا!! جهالات بعضها فوق بعض.


ثانياً: المفهوم من مثالك أن خلق الله للبشر شيء واجب الحدوث لأن صفاته كضوء الشمس، تؤثر فيما حولها بدون الحاجة من الشمس لذلك.
بأي عقل تقرا أيها الزميل؟ أين في المثال أن خلق الله للبشر بغير مشيئة الله تعالى؟؟؟ وهل بقي إلا أن تقول أن المفهوم من المثال أن الله كالشمس في شكلها وحرارتها وطاقتها؟!!
وما علاقة المثال بالمشيئة أصلا حتى تلغي مشيئة الله لأن الشمس لا مشيئة لها، ما هذا الخرق أيها الزميل؟!


و قلت: وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟!

هل هذا تبرير لخلق أهل النار عزيزي؟لا، هذا رد على شبهة الاحتياج لو كنت تعقل، فهل فهمت ذلك؟
وخلق أهل النار لا يحتاج إلى تبرير حتى تسأل عنه، فإن الله فعال لما يريد، يخلق ما يشاء، ويصطفى من خلقه من يشاء، وجميع ذلك بمشيئة وحكمته وعدله.

وليضحك القارئ الآن مع الزميل الخنفشاري حيث يقول:

هذا التشبيه ظالم. أنت تقول أن الشمس يظهر تأثير ضوئها على ما حولها من دون الحاجة لها إلى ذلك، كذلك الله و صفاته و مقتضياتها. و هل للشمس اختيار في ضوئها؟
فما هذا الاعتراض السخيف على هذا المثال؟
هل لا بد أن تكون الشمس مختارة لأن ترسل ضوئها إلى هنا وهناك حتى يثبت أنها غير محتاجة لانعكاس نورها على القمر؟ ما هذا الجهل؟
الشمس غير مختارة، ومع هذا فهي غير محتاجة في صدور ضوئها إلى انعكاس نورها على القمر، أين الظلم في هذا يا مفتري!


لاحظ أنك تبرر أفعال كيان عاقل متحكم في أفعاله (الله) بتشبيهه بفعل كيان غير عاقل غير متحكم في أفعاله (الشمس).
ما أقبح كلامك وأجهلك في التعبير!! فكيف تناقش معنا المعتقد الإسلامي ثم تأتي لتقول عن الله أنه (كيان) (عاقل) ، والكيان هو ما يقوم غيره بتكوينه فيجعل له كيانا!! والعاقل هو من خلق الله فيه العقل، وبما أن الزميل سيضرب أخماسا على أسداس لأنه عاجز عن بديل عن هذين اللفظين، فسوف أتصدق عليه بالبديل لعله يتأدب في حديثه عن رب العِزَّة جلَّ وعلا.
فبدل كلمة (كيان) هناك كلمات مثل: ذات، موجود، فاعل.
وبدل كلمة (عاقل) هناك كلمات مثل: عالم وعليم وحكيم .
وأما عبارة (تبرر أفعال ...الله) فهذا من قبح نفسك وسوء تعبيرك، فإن الله ليس بحاجة لتبرير أفعاله، ولا نحن هنا نبرر أفعال الله، إنما يبرر فعل من ليس له حق في الفعل، أما الله فيفعل بحكمته وعدله في خلقه ما يشاء، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه.
وكان يمكنك لولا جهلك العامي أن تقول: (إنك تعلل أفعال ذات عالمة حكيمة في أفعالها وهي الله ....)
لكن هيهات أن تحسن التعبير وأنت في عمى العامية ساقط.

وبعد بيان هذه الجهالات الكثيرة في ذلك الاقتباس الصغير نقول:
من قال لك أننا نبرر أفعال الله أصلا، نحن إنما ننفي حاجة الله لمخلوقاته، فمن أتى بموضوع التبرير يا مفتري؟


أنت تريد أن توضح لي أن خلق أهل النار ليس إلا شيء من مقتضيات صفات الله و كأن الله ليس له تحكم في صفاته و مقتضياتها مثل الشمس.
لا، ليس هذا ما أريد توضيحه يا مفتري!
الذي أردت توضيحه هو أن الله منزه عن الحاجة، وموضوع الظلم هو ما تتكلم عنه الفقرة السابقة على ذلك، ومثال الشمس لا علاقة له بموضوع تنزه الله عن الظلم في خلق أهل النار.



يعني، الشمس مجبرة على أن تكون هناك مقتضيات لصفاتها لأنها لا تملك الإرادة و لا تحكم لها في إصدار الضوء أو الكف عن ذلك فهي لا تستطيع أن تتوقف عن إصداره. كلا، ليس هذا هو المعنى، إنما المعنى أن الشمس غير محتاجة للقمر من أجل أن يصدر عن الشمس ضوؤها، فهل فهمت؟


الله غير مجبر كالشمس على ظهور مقتضيات لصفاته و له كامل التحكم في خلق البشر و إعادتهم للعدم وقتما شاء، أو الإمتناع عن هذا كله من البداية. و بالتالي لا يمكن محاذاة أو قياس هذا بذاك.أي بلادة هذه؟ ليس هناك لا محاذة ولا قياس في جميع ذلك حتى تعترض بهذا.
إنما القياس الأولوي هنا أن الشمس إذا كانت غير محتاجة للقمر في صدور ضوء الشمس عنها، فالله من باب أولى غير محتاج إلى مخلوقاته التي يظهر فيها آثار كماله.


الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.استمرار في التكرار الأخرق.


و قولك بأن صفات الله تنعكس فيما حوله و تشبيهه بالشمس و ضوئها يعطي انطباع زائف للقارىء بحتمية حدوث خلق أهل النار (و في الواقع لا يوجد شيء حتمي أصلاً) و بأن الموضوع لا ضرر فيه.الانطباع الزائف لا يحصل عند القارئ من قراءة كلامي، وإنما يحصل من افتراءك الباطل على كلامي كما ذكر سابقا.
وإلا فنحن لم نقل إن صفات الله تنعكس فيما حوله، وإنما نقول أن آثار صفات الله تظهر في مخلوقاته، والتعبيران بينهما ما بين السماء والأرض لو كنت تعقل العربية.
وأي انطباع زائف يكون عند القارئ ونحن نصرح مرارا أن وجود المخلوقات وعدمها لا ينقص من كمال صفات الله تعالى شيئا، فكيف تقول أن كلامي يفهم منه حتمية حدوث خلق أهل النار؟! ما هذا الافتراء أيها المفتري.
وقد علم القارئ من هو صاحب الانطباعات الزائفة والافتراءات الكثيرة، فلا تخش خطأ القراء، وإنما اخش أخطاءك أنت.



فالشمس ضوئها شيء جيد أو على أقل التقدير لا يظهر فيه بشر يتعذبون و يجرون من وجوههم. هو مجرد ضوء. ما علاقة هذا بنفي حاجة الله لمخلوقاته؟
وهل ضوء الشمس جيد لمن يموتون عطشا وجدبا من شدة حر الشمس؟ هل صارت غير جيدة الآن؟
هل صرنا نعطي شهادات حسن سيرة وسلوك للكواكب أيها الزميل؟



و لكن أفعال الله و صفاته تقتضي بأن تُجر الناس من وجوههم في النار و يشربوا الحمم و يأكلوا الزقوم. ما هذا الاستهبال أيها الزميل؟
أين الترتيب المنطقي للكلام؟
اقتضى كمال الله ظهور آثاره في مخلوقاته، ومن ضمن ذلك خلق المكلفين من الإنس والجن، وانقسامهم إلى مؤمن وكافر بعد قيام الحجة عليهم وتوفر جميع أسباب القدرة على فعل الخير أو الشر بحرية، ثم الحساب والجزاء، فمن أطاع له الجنة، ومن عصى فله النار.
فماذا في هذا؟
أم تريد أن تفتري على الله وتفجر في الأرض وتكفر ثم تدخل الجنة، ولا تدخل النار.
فأبشر، فإنك إن مت على الكفر فسوف تكب في النار على وجهك، وستشرب الحميم، وستأكل من شجرة الزقوم، فكأن ذلك قد كان الآن.


كل هذه التفاصيل المروعة تختفي في المثال و لا تظهر بشكل يجعل المقارنة ظالمة.ما زال الزميل تائها عن الموضوع حتى الآن كما عاش بنو إسرائيل في التيه أربعين عاما.
ولعل وكالة ناسا ترسل الزميل المفتري إلى الشمس ليعطيها شهادة حسن السيرة والسلوك وليتأكد أنه لن يحترق عندما يمشي على سطحها بقدميه وليس على أم رأسه.


لا تقل لي أن هذه التفاصيل خارجة عن القياس فهي في صميم القياس.بل سأقولها لك، فقد قيل: إن التكرار يعلم ....
ولو فهمت القياس في مثال الشمس لاستحييت من مواصلة الحوار أصلا بعد كل هذه الفضائح التي وقعت فيها بجهلك السحيق.


مقتضيات صفات الشمس تختلف كل الإختلاف عن مقتضيات صفات الله بطريقة تجعل المقارنة بينهم شيء مستحيل.أي جهل هذا، هل نحن نتكلم عن ماهية مقتضيات الشمس ونقول أنها كمقتضيات صفات الله؟ ما هذا الخرق والغباء؟
وأي مقارنة أصلا بين ماهية مقتضيات الشمس وماهية مقتضيات صفات الله حتى تكون المقارنة مستحيلا؟
نحن نقول أن ظهور آثار كمال الله في خلقه ليس لحاجة الله إلى خلقه.
كما أن ظهور آثار ضوء الشمس في القمر ليس لحاجة الشمس إلى انعكاس نورها على القمر.
ما الذي يعجز عقلك العامي هنا عن فهمه؟!!



و أنا عندما قلت:

"الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها."

"الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. الضوء الصادر من الشمس لن يتعذب بينما البشر سيتعذبوا."

كان هذا في صميم الإعتراض.بلادة مستمرة لا حيلة للعاقل فيها، فإن اعتراضك على المثال باطل من أصله، لأن المثال عن موضوع غير الذي تعترض عنه، ولكن الثرثرة والرغي لديك هي التي جعلتك تأتي بالمخازي.


كل هذه نقاط أساسية يا زميل. فنحن لو أننا لا يحق لنا أن نسائل الشمس أو نحاسبها على إصدار الضوء لأنها ليست هي المسئولة عنه و لا تملك التحكم فيه و لا تملك الإرادة، يحق لنا أن نبحث في أفعال الله كامل الإرادة و يمكن أن نسأله: ما الحكمة من هذا؟ و لماذا خلقت فلان و فعلت كذا في علان؟ لأنه من الطبيعي أن تسأل من عنده الإرادة الكاملة.استهبال آخر، فمن قال أننا نتكلم عن مسؤولية الشمس حتى نحاسبها؟
وأين في المثال أننا قسنا على ذلك عدم السؤال عن حكمة الله تعالى في خلق المخلوقات؟
وهكذا يعلم القارئ من يرد بغير تمييز، ومن يقوم بالعمل الأخرق باستمرار دون حياء ولا خجل.


هذه المناظرة هي مسائلة في أفعال كيان كامل الإرادة. و الشمس كيان معدوم الإرادة لا يتحكم في مقتضيات صفاته (الضوء و الحرارة) كما يفعل الله (خلق أهل النار).هكذا يكون الجهل والتجاهل لمثال الشمس، فلم يكف الزميل عدم فهمه للمثال حتى استدل على تحريفه بأن موضوع المناظرة رد افتراءات المفتري الشخصية على العقيدة الإسلامية.
فأي عقل يرجى أن يوجد عند مثل هذا المحاور العامي البليد الفهم العاجز عن التعبير؟!

وأما آخر رد للمفتري في مثال الشمس ففي غاية الصفاقة والبلاهة حيث يقول:

مسألة: الأقيسة و الأمثلة

لا أعرف إذا كنت لم تقرأ الرد، أم أنك قرأته و لم تفهمه، لعل شرحي سيء مثلاً؟والقارئ يعرف من الذي لم يقرأ الرد؟ ومن الذي لم يفهمه؟ ومن صاحب الجهل لا مجرد سوء الشرح؟


الذي فهمته أن الغرض من هذا المثال ليس اثبات أن الله يحتاج للناس،
أولا: صحح عباراتك الركيكة الخاطئة، هكذا:
(الذي فهمته أن الغرض من هذا المثال ليس اثبات أن الله لا يحتاج للناس، )
ثانيا: الغرض من المثال هو عكس فهمك الخاطئ تماما، فهو عن إبطال شبة الاحتياج ليس لأنك أوردت تلك الشبهة في ذلك الموضع، بل لأهمية رد هذه الشبهة للموضوع نفسه، حيث قلت:

وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!
فأنا الذي تبرعت بالجواب عن هذا السؤال، لا لأنك طرحته، وإنما لأنه يطرح مرارا عند الكلام على هذا الموضوع، ولو تصفحت المنتدى لوجدت مشكلة كثير من الملاحدة مع هذه الشبهة، رغم كثرة الردود عليها.


و أنا قلت هذا:

" أولاً: هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا"

هل وجدتني و لو مرة واحدة فقط أقول لك أن الله يحتاج للبشر لتأتي لي بمثال الشمس هذا و ترد به على إشكالية الإحتياج؟
أين يا زميل؟ أين قلت أنا أن الله يحتاج للبشر؟وأين قلت أنا أنك أنت الذي طرحت هذا السؤال؟
وأين نسبت لك أنك تقول أن الله محتاج إلى مخلوقاته؟! ألا تدع الافتراء يا هذا؟
مع أنك متناقض حينما تسأل في صورة الاستنكار عن الحاجة، على غرار هذا السؤال المتناقض الذي تقول فيه:

إذاً، ما الحاجة الماسة لإله لا يحتاج شيئاً في أن يخلق بشراً
وقولك:

فمثلاً من كلامك يمكن أن نفهم أن الله (لأنه) قاهر مثلاً، فهو "يحتاج" شيء يخلقه و يقهره لكي تتحقق هذه الصفة. و لكن لماذا يجب أن تتحقق؟

هل "يحتاج" الله إلى أي شيء؟
فأنت تتناقض هنا حين تضع السؤال بصورة الاستنكار وكأنه يلزم من إثبات خلق الله لأهل النار لازم باطل هو أنه محتاج لذلك؟!
وكلامك باطل لأن دعوى التلازم تلك باطلة، فلا يصح من أجل نفي حاجة الله لخلقه أن ينكر خلقه لأهل النار لحكمة من الحكم العظيمة.
وهذا ما شرحناه مرارا ولم تعقله حتى الآن.



مثال الشمس أنا خضت فيه على أساس أنك تشبهه بوجوب ظهور مقتضيات لصفات الله. لا أفهم من أين جئت بشبهة الحاجة هذه؟نعم أنت خضت فيه بجهلك وسوء فهمك، وكانت النتيجة مسلسل الجهالات والمغالطات التي وقعت فيها كما يشهده القارئ من هذا النقد الشديد لأقوالك، ولا أظنك ستجرأ على مناقشة هذا النقد بغير التهرب إلى الشكوى للقراء من صراحة ردي وكشفي لجهالاتك والتعليق على الأسلوب لتهرب من المضامين كالحمر المستنفرة فرت من قسورة.

وشبهة الحاجة التي لم تفهم من أين جاءت، قد أخبرناك كيف جاءت؟ لكن أخبرنا أنت من أين أتت جهالاتك كلها التي أفرغتها في مثال الشمس؟!


يتبع تتمة/ مغالطات وجهالات (المفتري) في الأقيسة وغيرها.

المفتري
03-19-2009, 01:51 AM
يصعب علي أن أستكمل المناظرة بعد ما ورد من الزميل ناصر الشريعة في ردوده الأخيرة من سخرية و إهانة لشخصي، و أرجو ممن يقرأ هذه الرسالة أن يتفهم كيف من الصعب أن أتحاور مع الزميل بموضوعية بعد ما كتبه.

و بالنسبة لمن سيظنوا أنني تهربت من المناظرة، فسأضع رداً موضوعياً على كل ما كتبه الزميل في منتدى الموضوع الأصلي، و يمكن للمهتمين قراءة الرد هناك.

ناصر الشريعة
03-19-2009, 05:39 PM
اهرب فهذا ما لا تستطيع غيره، ولم أنته بعد من بيان جهلك لقراء هذا المنتدى الكرام فليس لجهلك آخر، فإن شئت أن تحشر نفسك بعيدا في جحر خرب فهذا قدرك، وإن شئت أن تدافع عن نفسك فتأدب في حديثك عن الله تعالى، وإلا فلا يستحق قليل الأدب أن يناقش بحلم.

لقد شهد القراء سفول ردك وضعف حجتك، حتى اعترفت بنفسك عن عجزك عن التعبير، وحيرتك في فهم الردود فهما صحيحا، فماذا بعد هذا من نقاش وحوار.

وما أحوجك إلى أن تتعلم المنطق واللغة حتى لا تضيع وقتك ووقت غيرك في جدال أنت أجهل الناس فيه.

وإن ظننت أنني سأتوقف عن بيان جهالاتك ومغالطاتك في هذا الحوار فأنت واهم، وهروبك ليس إلا حيلة العاجز، فقد كان يمكنك أن تطالب الإدارة بالتدخل، ولكنك عرفت أن وراء استمرار الحوار ما يشيب رأسك ويفزع قلبك، ولا عجب فهذا حال عوام الملاحدة عندما يورطون أنفسهم في حوارات لا يعرفون أبجديتها.

وسوف أواصل الرد على ما احتفظت بحقي في التعقيب عليه من جهالاتك وأخطائك، وسأسلك في ذلك مسلك الساخر من جهلك، وحقّ لأهل الحق أن يسخروا من أهل الباطل، دون أن أتجاوز العدل والصدق.

فليهنأ القارئ ولينشرح صدره بهذه السخرية التي أباحها الله لنا مع من ظلم وتعدى، حيث قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}
فكيف بالظالمين من أهل الإلحاد والعمى؟
وليعلم كل ملحد يتخذ صفحات الحوار هنا للإساءة إلى الله تعالى وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ليس له إلا أن يرد على عدوانه الظالم بعدوان الحق عليه، {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

يتبع بعون الله تعالى /فضح جهالات الهروب المفتري ...

المفتري
03-19-2009, 07:23 PM
عذراً يا زملائي، فهذا هو لآخر ردودي و ليس الرد السابق.

أود أن أثبت للكل أن التغير المفاجئ في أسلوب الزميل ناصر الشريعة ليس سببه الحقيقي أنني أهنت الله كما ادعى. و لكن السبب الحقيقي هو أن أحد ردودي استفزه جداً بشكل شخصي، و هو الرد الذي وضحت فيه ما يعاني منه الزميل من مشاكل شخصية نحوي و أنه لا يناقش المناظرة للنقاش و إنما لإثبات أني مخطئ و السلام.

و الدليل على ذلك واضح و لا يحتاج للكثير من قوة الملاحظة لكي يدركه القارئ و هو:

إذا كان الزميل يدعي بأن إهاناتي لله هي السبب في تحول أسلوبه و السخرية مني، فلماذا لم يتحول أسلوبه بهذا الشكل بعد هذه الإهانات مباشرة؟ لماذا انتظر حتى وضعت المداخلة التي هي السبب الحقيقي في انفجاره و التي لا تحتوي على أي شيئ جديد على الإطلاق من "إهانات" لله بحيث تكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؟ و إنما احتوت فقط على ابراز المعاناة النفسية التي تشكله بشكل شخصي.

يمكن للزملاء هنا تتبع المناظرة، و سيجدوا بالفعل أن المداخلة التي بدأ بعدها الأسلوب التهجمي الذي استخدمه، ليس فيها شيئاً جديداً بخصوص إهانة الله، و إنما فيها هذه الإشارات:

"و التفسير الوحيد لدي هو أن ردودي استفزتك لدرجة جعلتك لا تتمالك نفسك و تهجم على كل صغيرة و كبيرة جاءت في الرد بلا تمييز، و المدهش أنك بعد هذا الهجوم الشرس تطالبني في النهاية بأن أتقبل طريقتك هذه بصدر رحب."

"و هناك الكثير من التعليقات التي بالفعل لا تضيف أي شيء للمناظرة على الإطلاق لا من قريب و لا من بعيد و لا حتى فيها إهانة لله و لا هي ركيكة و لا هي أي شيء في أي شيء. و إنما تعليقك عليها ليس فعلاً إلا إشارة واضحة جداً بأنك تعترض بلا تمييز و بتعصب واضح كل الغرض منه هو أن تظهرني مخطىء بأي صورة ممكنة و السلام. و قد فارقتك الحكمة و الإعتدال تماماً يا زميل عند ذكرك لهذه العبارات"

زملائي، هاتين الجملتين هما سبب انفجار الزميل ناصر الشريعة، فهما تضعانه في موقف محرج لا يكون الخروج منه إلا بما فعل. فقد شعر أن رد اعتباره لهذا الإحراج لن يكون إلا بفتح النار و السخرية مني. و يحزنني أن يصدق البسطاء من القراء دعواه أن السبب في تحول أسلوبه هو أنني أهنت الله. و أطلب من كل من صدقوا هذه الدعوى من المؤمنين أن ينسوا (للحظة فقط) كم أنهم يكرهونني لما أتيت من إهانات لم أقصدها في حق الله، و يذهبوا و يراجعوا بكل أمانة و صدق مع أنفسهم آخر رد لي قبل أن يبدأ الزميل في السخرية مني. و ستجدون أنه خالي من أي (قشة قسمت ظهر البعير) و ستجدون بالفعل أن السبب في تحول أسلوب الزميل هو الإشارات المذكورة لا غير.

و ردودي كما قلت موجودة بالمنتدى الأصلي فإذا كنت هربت، فسأهرب دون رد. و لكن لا يمكنني النقاش مع الزميل بعد الآن.

ناصر الشريعة
03-19-2009, 09:36 PM
أي قارئ مغفل هذا الذي تخاطبه أيها الزميل المفتري؟!

عذرا إن الناس لهم عقول.

لم أبالي من ردك بشيء إلا إصرارك على مخالفة ما قلته لك منذ أول الحوار حيث قلت:


ثالثا: جرى في عبارات الزميل ما لا نقبله من الألفاظ في حق الله تعالى، وهو الذي قد وعد بأن لا يفعل ذلك، ثم خالفه مرات حينما تهكم بحكمة الله تعالى في عدة مواضع من كلامه، منها قوله:
(أنت يمكنك أن تعلق كل شيء على شماعة الحكمة هذه بحيث لا يمكن لأحد أن يناقشك)
وكان يمكنه أن يقول (صفة الحكمة) بدل هذا التهكم بصفة من صفات الله تعالى.

وقوله: ( هل حكمته تعطي له الضوء الأخضر لكي يخلق من يشاء)
فهذا تعبير ليس فيه أدب مع الله عز وجل، وكان يمكنه أن يقول: ( هل حكمته تفسر خلقه لكل ما يشاء)
ولهذا أطالب بتعديل تلك العبارات، ومراعاة احترام المعتقد الإسلامي وعدم التهكم بقصد أو دون قصد من الدين الإسلامي.
وإذا نظر القارئ المدقق وجد أن تنبيهي هذا كان بتاريخ:( قديم 01-24-2009 )
ولينظره من شاء هنا: http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=116105&postcount=26

فانظروا ما كان خلاصة رد المفتري على هذا المطلب حيث قال:

لكني أوعدك أنني لن أتهكم بقصد.
أي أنه يعد بأنه لن يقصد التهكم، أي أن أي تهكم يقع منه يجب أن نعذره فيه، لأنه لا يتهكم بقصد؟ نحن في حوار وهو يقول لنا أنه يمكن أن يتهكم ويجب علينا أن نعتبر أن تهكمه بغير قصد، لماذا هل هو مجنون لا يقصد كلامه؟ أم هو جاهل لا يعرف ما يخرج من فهمه؟ أم هو لا يدري ما هو إساءة في حق الله ثم يعد رغم ذلك بأنه لن يتقصد الإساءة لكن ممكن أن تقع منه بدون قصد؟
كلام لا يخرج من فم عاقل، ومع هذا أملنا أن لا يقع التهكم منه، وخاب الأمل بسبب خيبته هو.


فكان منه أن كتب ردا في هذه المشاركة:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=122482&postcount=42

فرددت عليها ردين اثنين:
الأول: رد على المسائل الخاصة بالموضوع، وهو رد في غاية الهدوء:
http://www.eltwhed.com/vb/showpost.php?p=122831&postcount=44

الثاني: ملاحظات عامة ذكرت فيها تعديه وتجريه في حديثه عن الله تعالى.

فقلت:

الملاحظات العامة:

أولا: تضمن أسلوب الزميل ما لا يرضى من ألفاظ وتعبيرات في الحديث عن الله تعالى، كأقواله هذه:
وهذه عبارة غاية في القبح والشناعة، وكان يسعه أن يقول: أليس الله بقادر على كذا وكذا.


كان يسعه أن يقول: المسلمون يدافعون بضراوة عن إيمانهم بربهم.
فإن الرب جلَّ وعلا هو الذي يدافع عن المؤمنين، والمؤمن يدافع عن إيمانه ودينه.

ومثله قوله:
استعمال كلمة (يضمن) في هذا السياق يوهم أن الله يخشى أن يحصل شيء بخلاف إرادته، وهذا لا يليق، وإنما تستعمل كلمة (يضمن) منسوبة إلى الله في معنى تكفل الله بالوعد بالجزاء على الأفعال لا سيما الصالحة.

هذه العندية توهم أن الله لم يكن علمه ذلك أزليا، وهو لا يليق في حق الله تعالى، وكان يسع الزميل أن يقول: (ولما كان الله بعلمه الأزلي يعلم كذا وكذا) ونحو ذلك من التعبيرات الكثيرة التي لا يعجز عن معرفتها عاقل.


هذا التعبير الركيك عن سعة مشيئة الله تعالى مما لا يليق في حق الله تعالى، فإن هذا التعبير يستخدم في مجالات بشرية لا تخلو من المكر والخديعة والإسفاف، كما أنها توهم في هذا السياق نفي الاختيار عن المكلفين عند الحديث عنهم وكأنهم دمى لا إرادة لها أصلا.
وكان يسعه أن يعبر بأن الله قادر على أن يخلق هذا الكون على صور شتى ومختلفة، وهذا كاف في عرض فكرته بدون ركاكة التعبير.


لا يصح استخدام لفظة (يعرف) في حق الله تعالى، وإنما يستخدم لفظ العلم، لأن المعرفة توهم سبق الجهل عليها، بينما العلم لا يلزم منه ذلك، ولهذا لم يرد في القرآن ولا السنة وصف الله بأنه يعرف، وأما حديث (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهو على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل الابتداء، وليس كل ما جاز عند المقابلة يجوز عند الابتداء.


مع ما في هذا الأسلوب من تهوين العلم بكمال صفات الله تعالى كما هو واضح من سوقها مساق الشيء الذي لا جديد فيه رغم أصالتها في الرد على كلامه، إلا أنه خلط بها المستحيل بقوله (ويستطيع فعل المستحيل) فهذا لا يصح إطلاقه على الله، لأن المستحيل ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة الله تعالى، ومهما كان قصده فإن عبارته باطلة ومتناقضة مع كلامه الكثير عن المستحيل واللامنطقي، مع أن تفريقه بين المستحيل واللامنطقي هو نفسه تفريق لا منطقي، إذ المستحيل نفسه لا منطقي.

القيام بدور يقال في حق الإنسان الذي يوضع في دور، وهذا الدور يكون له أو لغيره، والله لا يصح أن يعبر في حقه بمثل هذه التعابير البشرية التي لا تخلو من ركاكة اللغة أيضا.

لا يليق أن يوصف الله بالمسؤولية بل تنفى عنه، لأن المسؤولية تعني الخضوع للمحاسبة والمسائلة، والله منزه عن ذلك، وكان يسع الزميل أن يقول: (وأن عناية الله بنا أو رحمته) ونحو ذلك.


قوله (يعتبر نفسه) غير لائق في حق الله تعالى، وكان يسعه أن يقول: (والله في المعتقد الإسلامي غير مسئول عما يفعلون)


هذا التعبير الركيك فيه ما لا يليق في حق الله تعالى، فإنه لا يقال أن الله متأكد، لأن علم الله الأزلي لا يحتاج إلى مؤكدات حتى يتأكد الله من شيء، فضلا عن أن يكون متأكدا ألف ألف مرة!
وكان يسعه أن يقول: (لكن الله يعلم علما أزليا مطابقا للواقع أن كذا كذا ...)

ولو تتبعت من كلام الزميل من أول الحوار أمثال هذه التعابير غير اللائقة لأخذ وقتا طويلا، والذي أطالب به الزميل أن يراعي التعبير اللائق عند الحديث عن الله تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

ومما لا يليق من كلام الزميل تمثيله على الكافر باسم (أحمد أو محمد) وهما من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء أهل الإسلام، ولا أدري هل ضاقت به الأسماء، أم أنه لا يبالي بدلالاتها في الحوار أو ما ترمز إليه عند القراء أم ماذا؟ والذي نطالب به الزميل أن يستعيض عن ذكر اسم نبينا صلى الله عليه وسلم في تمثيله على الكافر بغير ذلك من أسماء أهل الكفر والعناد، ودونه أسماء الكفار كأبي جهل وأبي لهب، أو معرفه هو (المفتري) إن شاء.


وقلت في آخر الملاحظات العامة:

هذه بعض الملاحظات التي لعل الزميل يتقبلها بصدر رحب فتعين على استمرار الحوار علميا أدبيا خاليا من ركة التعبير وما لا يليق ذكره في حق الله عز وجل الغني الحميد، مع وضوح الأفكار وتنظيم المقالة دون حشو زائد ولا اختصار مخل، وإنما إطناب في موضع الإطناب، وإيجاز في موضع الإيجاز، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.فبدل أن يعد المفتري بأن يدع هذه الإساءة إلى رب العزة جلَّ وعلا، وأن يحترم النقاش ويتأدب فيه، رفض ذلك، وأصر على أنه لن يستطيع أن يتحدث في الموضوع إلا بهذه الطريقة فقال:


بالنسبة للتعبيرات التي ترى أنها كبيرة في حق الله، فهي كلها لها سبب واحد مشترك و هو ليس التقليل من شأنه أو السخرية، و إنما السبب في هذا أن اللجوء لهذه المصطلحات يجعل الكلام في أمور صعبة الإستيعاب ممكن.
انظروا إلى إصراره على أن يستمر في استخدام تلك التعبيرات وأمثالها بحجة أن الكلام بدونها من الصعب استيعابه! أهذا احترام للنقاش؟!

ولم يكف الزميل ذلك حتى أتى عند كل تعبير مسيء ليبرره، ويزعم أنه ليس لديه طريقة أخرى غير ذلك، فيقول:


لم أستطع التعبير عنها إلا بهذه الطريقة.

انظروا كيف أنه يقصد هذه التعبيرات قصدا، بعد أن وعد أنه لن يتهكم بقصد؟!

فهل مثل هذا التصرف الوقح من المفتري يمكن أن يستمر عليه الحوار؟

فإذا كان مصرا على تلك الطريقة الوقحة، وكان عاجزا عن غيرها، فلماذا يوافق على شروط الحوار وشروط التسجيل التي تمنع الوقاحة الإلحادية في الإساءة عند الحديث عن الله تعالى.

لقد كان يمكن الزميل أن يحاور كغيره من الملاحدة في جميع المسائل دون اللجوء إلى هذه الحيل الرخيصة والأساليب القبيحة؟ ولكن الزميل المفتري بدلا عن ذلك اختار أن يسلك مسلك العاجزين ليسلك بعده مسلك الهاربين، وقد فعل، فليهنأ الملاحدة بعاميهم وعجزه وهربه.


وأما أضحوكة الزميل الأخير التي تنادي عليه بالعار، فقوله:


أود أن أثبت للكل أن التغير المفاجئ في أسلوب الزميل ناصر الشريعة ليس سببه الحقيقي أنني أهنت الله كما ادعى. و لكن السبب الحقيقي هو أن أحد ردودي استفزه جداً بشكل شخصي، و هو الرد الذي وضحت فيه ما يعاني منه الزميل من مشاكل شخصية نحوي و أنه لا يناقش المناظرة للنقاش و إنما لإثبات أني مخطئ و السلام.فهو هنا يعترف بأنه لم يتأدب في الحوار مع محاوره، فهل هذا عذر يعتذر به؟
أيقر على نفسه بسوء الأدب وبأنه يستفز محاوره شخصيا، ثم يقول أنه معذور وأنا الملوم؟
فلو كان كلامك صحيحا فهو دليل على أنك لم تتأدب في الحوار، فكيف إذا كانت شدة ردي منصبة على إصرارك على سوء الأدب مع الله رغم التنبيهات السابقة التي رجوت أن تلتزم في الحوار؟!

ثم يزعم المفتري أن الذي استفزني ليس هو مسبته لله جلَّ وعلا، وإصراره على هذه المسبة!! بل السبب رد شخصي استفزني، فما هو هذا الرد، فنجده يزعم أنه قوله:


"و التفسير الوحيد لدي هو أن ردودي استفزتك لدرجة جعلتك لا تتمالك نفسك و تهجم على كل صغيرة و كبيرة جاءت في الرد بلا تمييز، و المدهش أنك بعد هذا الهجوم الشرس تطالبني في النهاية بأن أتقبل طريقتك هذه بصدر رحب."

"و هناك الكثير من التعليقات التي بالفعل لا تضيف أي شيء للمناظرة على الإطلاق لا من قريب و لا من بعيد و لا حتى فيها إهانة لله و لا هي ركيكة و لا هي أي شيء في أي شيء. و إنما تعليقك عليها ليس فعلاً إلا إشارة واضحة جداً بأنك تعترض بلا تمييز و بتعصب واضح كل الغرض منه هو أن تظهرني مخطىء بأي صورة ممكنة و السلام. و قد فارقتك الحكمة و الإعتدال تماماً يا زميل عند ذكرك لهذه العبارات"فهل يظن الزميل أني أبالي برأيه فيَّ، لا والله، لا أبالي برأي ملحد فيَّ، وقد صرحت بهذا منذ سلخ جلد المفتري في هذا المنتدى حتى صار أضحوكة للقراء على هذا الرابط:
http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=16000

فقلت فيه:

ولا شك أن أدب النقاش كان يقتضي منك ما تفضل به الإخوة من الاعتراض الأدبي الصادق على ما قد قيل، مع أنه والله عندي كما قال المتنبي:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل

وأعني بالناقصين هنا أولئك الذين تنصلتَ هنا من قولهم هناك، وأبرأ من مبالغة المتنبي، وأستغفر الله من تقصيري.

ولا يفرحني مدح ملحد، بل لو كان محدثا فيَّ أثرا فهو معاودة النفس ومحاسبتها على ما جنيت على نفسي حتى مدحني من هو محل النقص والضلال. ولا أحد مدحه يزين، ولا ذمه يشين إلا الله عز وجل، وخير شهادة من المخلوقين شهادة أولياء الله المؤمنين به، وأما الكفار فلا عدالة لهم عندنا فضلا عن أن تغيضنا شهادتهم أو تفرح.

ولكن يفرحني من كل أحد أمارة القبول للحق كائنا من كان، وهذا ما أعظمه في المرء، ومن هؤلاء من غير المسلمين الزملاء الذين نحاورهم في قسم الحوار الخاص، أسأل الله أن ينير قلوبهم بشمس الإيمان، ونور اليقين.

فهل يظن الملحد أني أبالي بذمه أو مدحه؟! لقد ظن نفسه شيئا ذا قيمة عندي!! فما أكثر ظنونه الحمقاء.


وانظروا كيف يقول المفتري هنا:

هو الرد الذي وضحت فيه ما يعاني منه الزميل من مشاكل شخصية نحوي و أنه لا يناقش المناظرة للنقاش و إنما لإثبات أني مخطئ و السلام.فأي مشاكل شخصية بيني وبينك؟ هل أعرف شخصك خارج هذا الحوار حتى يكون بيني وبينك شيء؟ أم أننا نتكلم عن أشخاصنا في هذا الحوار؟
أقول لك: تأدب في حديثك عن الله تعالى، فتقول لي: هناك مشاكل شخصية نحوي!! ما هذا الحمق.

بل يقول: أنت لا تناقش المناظرة للنقاش.
فما معنى هذا الكلام؟
هل المناظرة غير النقاش، حتى يقول أنني لا أناقش المناظرة للنقاش؟!!
فمتى كان النقاش من أجل النقاش؟ هل هذا ما يفعله الزميل؟ الجدل من أجل الجدل؟ والكلام من أجل الكلام؟ والنقاش من أجل النقاش؟!
أيريد الزميل أن يكون نقاشي لمجرد النقاش، ومناظرتي لمجرد المناظرة؟!

أم أن النقاش يكون لمعرفة الحق وإحقاقه، ومعرفة الباطل وإبطاله؟ وأقل شيء أن يكون النقاش لإبداء المدارك؟
فإذا علم أن النقاش لا بد أن يقصد به الحق دون الباطل، وإحقاق الحق والإقرار به واتباعه، وإبطال الباطل والإقرار ببطلانه واجتنابه، فكيف يعترض المفتري على ذلك قائلا:

أنه لا يناقش المناظرة للنقاش و إنما لإثبات أني مخطئفأي بليد هذا الذي يعترض هذا الاعتراض؟
هل ضحك عليه أحد فقال له: اطمئن، فأنت ستناقش شخصا لن يحاول إثبات أنك مخطئ، بل سيحاول إثبات أنه هو المخطئ وأنت المصيب؟!
ما هذه المهازل أيها الهزيل فكريا ومنطقيا ولغويا؟
أنا في هذا النقاش قد صرحت من أوله أني سأرد عليك، وذكرت مرارا تصريحا لا تلميحا ردودي على مغالطاتك وأخطائك وأوهامك، وبينت أن كلامك كله مبني على فهم قاصر، وتصورات خاطئة، وهدفي في هذا النقاش الاستدلال على ذلك؟ فكيف تعترض علي بأني أناقشك لأبين أخطائك؟ فهل أناقشك لغير ذلك، فأنا متيقن من موقفي ومعتقدي، ولدي أدلتي، وقد عرضتها وبينتها، ورددت على موقفك الذي أعتقد بطلانه، وبينت أدلتي على ذلك، فكيف تريد مني أن أسكت عن أخطائك، أو أن أحاول تجنبها حتى لا تهان أنت أمام القراء؟

وهناك ملحد آخر في المنتدى من أبلد الملحدين، كلما رد أحد عليه يعترض قائلا:
أنت تريد اقتناص أخطائي !!!

ما هذه العقول التي أولى أن تكون للعجول؟!

هل المناظرة بيننا وبين الملاحدة لأجل شهوة الحديث والكلام؟ أم لإبطال أوهام الملاحدة؟

وبهذا يعلم أن سخافة المفتري وحدها تكفي في الرد عليه، وليبشر فإن نقد أخطائه مستمر، فليهرب أو ليصمد لمناقشتها إن كان يقوى على الوقوف هنا دون أن تصطك ركبه وتدمع عينيه.


وليتابع القارئ نماذج من سخافة الملاحدة في الحوارات فيما نبينه مما قد احتفظنا بحق الرد عليه متى شئنا.

ناصر الشريعة
03-19-2009, 09:58 PM
وإمعانا في إظهار الحجة على الملاحدة، أقول:

إن الحوار مستمر بشروطه، فإن كان الزميل قادرا على التزام الشروط وليس مجرد الوعد الكاذب، فليس لدينا مانع في مواصلة الحوار، وأما إذا بقي على حكاية (التهكم بدون قصد) فسيرى التهكم بقصد.

مشرف 10
02-16-2012, 01:30 AM
إلى هنا وتوقف الحوار ولم يعد الزميل المفتري لإكماله ..
والحمد لله الذي بسط حجته في عقول العقلاء ..