المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محمد أركون .. وجولة في فكره المأفون



muslimah
10-27-2009, 10:33 AM
محمد أركون .. وجولة في فكره المأفون



الدكتور محمد محمود كالو

تطورت الدعاية في العصر الحديث كثيراً ، ولكن الغريب من أصناف الدعاية هي الدعاية الفكرية ، فكم من شاعر أو كاتب لا يؤبه له جاء الإعلام ولمع صورته بدعاياته، حتى عاد الناس لا يثقون بأي شيء يشتهر، وربما كان غاية في الرداءة والفساد، ولكن جيوش الإعلام والدعاية رفعت من شأن كتاب صغار أو مغالطين كبار وحاصرت الناس حتى أفقدتهم بصيرتهم، ولقد شكَت إحدى المستشرقات فقالت: “إن أدونيس لم يقل شيئاً ولكن اللوبي الأدونيسي هو الذي أعطاه الأهمية” ! .

وحتى لا نبالغ في هذا إليك نموذجاً للدعاية الأركونية:

علق هاشم صالح السوري تلميذ أركون ومترجم كتبه إلى العربية في آخر كتاب “الفكر الإسلامي نقد واجتهاد” يقول هاشم:

بعد أن تركت محمد أركون رحت أفكر فـي حجم المعركة التي يخوضها بكل ملابساتها وتفاعلاتها، وهالني الأمر فكلما توهمت أن حدودها قد أصبحت واضحة محصورة، كلـما اكتشفت أنها متشابكة معقدة، شبه لا نهائية، هناك شيء واحد مؤكد على أي حال : هو أن محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين جبهة الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين:



وسِوى الرومِ خلف ظهرك … رومٌ فعلى أي جانبيْك تميل ؟

(انظر : الفكر الإسلامي فكر واجتهاد ص335 )

حقاً إن أركون أشد على الإسلام هجوماً من مفكري الروم وسيأتي بيان ذلك.

هذا مثل مما يفعل هذا المترجم، وقد يفاجئك مراراً بالمدح في وسط الكتاب أو في المقدمة أو في الهامش (انظر :الفكر الإسلامي فكر واجتهاد ص254 ومواقع عديدة في كتاب “الفكر الإسلامي قراءة علمية”) أو في لقاءاته مع أركون التي تمثل جزءاً كبيراً من أعماله؛ فهذه طريقة في الكتابة جديدة إذ يُجري المترجم حواراً حول أفكار أركون بعد كل فصل أو في آخر الكتاب كما فعل في كتابه “الفكر الإسلامي قراءة علمية” ، و “الفكر الإسلامي نقد واجتهاد”.

إذن من هؤلاء المغالطين الكبار المتفرنس محمد أركون أصيل الجزائر، وأستاذ تاريخ الفكر الإسلامي والفلسفة في جامعة السوربون بعد حصوله على درجة دكتوراه في الفلسفة منها، ويشغل منذ العام 1993 منصب عضو في مجلس إدارة معاهد الدراسات الإسلامية في لندن، حاصل على عدة جوائز عالمية.

أول ظهور له على قناة "الجزيرة"، كان مع حسن الترابي من خلال برنامج "خير جليس في الزمان كتاب" ثم ظهر مرة أخرى في برنامج "الاتجاه المعاكس" وقال عن هذا اللقاء : وجدت نفسي أمام إنسان وحشي لا يحترم قواعد المناظرة، ففضلت السكوت لأنه لا مناظرة مع رجل لا يحترم كلمة الفكر.

تشرب أركون الثقافة الفرنسية حتى الثمالة ـ حتى أنه يكتب كتبه بلغتهم ـ وقد ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات، ولعل كتاب “الفكر العربي” أول كتبه المترجمة إلى العربية وفيه تلخيص غامض لجُل ما قال في الكتب الأخرى، وأشار فيه بكثير من التحفظ إلى آرائه في القرآن والسنة والشيعة والحداثة والتجديد وغير ذلك.

لقد إحتار الكتاب في أيّة خانة يصنفّون محمد أركون أهو مع الفكر الإسلامي أم ضدّه !

وهل هو يدعو إلى تفعيل الفكر الإسلامي أم إلى نسفه من أساسه !

ثم هل هو عربي وإسلامي الهويّة أم لا يختلف عن المستشرقين الذين تعاملوا مع الفكر الإسلامي كي ينقضوا عليه !

وهل ولاؤه للعالم العربي والإسلامي أم للغرب !

أول وسائله لنسف التراث الإٌسلامي هونقده للكتاب الإسلاميين الذين ليست لهم صلة بالمدارس الغربية في الفكر، ثم هو يستخدم نظريات ميشيل فوكو في مسائل المعرفة والسلطة (وميشيل فوكو فرنسي انتقل الى المانيا ، ثم الى بولونيا ، لكنه أجبر على مغادرة البلاد بعد أن اكتشفت الشرطة شذوذه الجنسي، توفي فوكو في عام 1985 وعمره لايتجاوز السابعة والخمسين، مات ميتة أشبه بفضيحة متأثراً بداء الإيدز).

يوهمنا محمد أركون في كثير من كتبه أنّه في ردّه على مفردات الفكر الإسلامي لا ينقد مصادر التشريع, بل يعمل على تصحيح الفهم الإسلامي ؟

لكننا نرى أركون ينسف كثيراً من مرتكزات التشريع الإسلامي المتعارف عليها ، فهو يدعو إلى تجديد الفكر العربي والإسلامي ولكن دون تقديم البديل المتكامل , فما جدوى النسف دون تقديم البديل , ألا يصبح فكرنا عندها كالزوجة المعلقّة ؟

ليس للإسلام في نظر أركون أي قانون ولا علاقة له بالوجود، وهو قد بذل وعصر كل سمومه وآفات الملحدين في الغرب لينكر المصادر أولاً ثم لو افترض إثباتها فليس لها حقائق ولا معاني تمس الناس.

ويرى أركون أنّ العلماء المجتهدين فرضوا مجموعة من الشروط والمقاييس لا يصّح الإجتهاد بدونها ، فيقول في كتابه ( من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ص 11 ) :

" نقصد بذلك مؤسسّي المذاهب الكبرى اللاهوتية – القانونيّة الذين ثبتوا للقرون التاليّة المدونّات القانونيّة والعقائد الإيمانيّة الأرثذوكسيّة وعلم أصول الفقه أي المعياريّة الضروريّة من أجل إستنباط الأحكام بشكل صحيح من النصوص المقدسّة القرآن والسنة وهكذا نجد أمامنا في بضع كلمات فقط كل شروط ومحدوديّة ممارسة الإجتهاد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي ".

ويتهم أركون محمد عبده بأنّ مفهومه لفتح باب الإجتهاد هو عبارة عن شرعنة البدعة التي كانت فيما مضى غير محسوبة على التراث الإسلامي.

ويتعامل أركون مع التراث الإسلامي بأخر ماتوصلت إليه المدرسة الغربية النقديّة من نظريات ووسائل للتعامل مع النص ويسقط هذه الأدوات في التعامل مع النص الإسلامي الذي هو مختلف جغرافياً ولغوياً ونفسياً عن البيئة الغربية.

يقول في كتابه من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي:

" إنّ المصدر الأساس للفقه وبالتالي القضاء ليس هو القرآن بقدر ما هو التفسير ونقصد بذلك أنّ الفقهاء قد قرأوا القرآن وفسروه بطريقة معينة وأتخذوا بعدئذ قراراتهم , وقد إستخدموا في تفسيرهم المعارف اللغوية والإخباريّة السائدة في عصرهم وكل هذه الأدبيات تتطلب اليوم مراجعة وإعادة قراءة على ضوء التاريخ النقدي الحديث ".

وإني لأعجب من أركون كيف يدس السم في الدسم ألا يعلم أنّ المفسرين لا ينطلقون من أهوائهم بل يفسرون القرآن بالقرآن أو بالسنة النبوية الصحيحة أو بالشروط الشرعيّة المنصوص عليها.

وإذا سألناه : من أين نأتي بالمنهج النقدي الحديث لنسقطه على التراث الإسلامي ؟

نجد أنه أختار المنهج الغربي وآخر إفرازاته فهو كثيراً ما ينقل آراء جورج غرفيتش وجوزيف شافت وماكس فيبر وغيرهم.

وهؤلاء تعاملوا مع التراث الإسلامي كما تعاملوا مع الحركات الدينيّة في الغرب , كالحركة الأرثذوكسية وغيرها، وفي ذلك تداخل وجمع بين أفكاروبيئات متناقضة.

ولا أظن أن رجلاً كأركون إنطلى عليه هذا الخلط ، بل يستخدم مصطلحاتهم عن سوء نية، فيذكر مثلاً :

العقائد الإيمانية الأرثذوكسية , الثرات الإسلامي السكولاستيكي – بمعنى المدرسي أو الرأي الذي يعتمده الطالب في المدارس – وهذه المصطلحات نفسها إستخدمها المستشرقون في تحليل مفردات الحركات الدينية الغربية.

القرآن :

يرى أركون أن المستشرقين المتخصصين بفقه اللغة أكدوا أن كلمة "قرآن" ذات أصل سرياني أو عبري.

ففي نظره لا يوجد شيء خارج النص الاستشراقي؛ إذ المستشرقون - وحدهم - المؤتمنون على قراءة الشرع الإسلامي وتوثيقه أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن المسلمين!!
وهو لايخفي رغبته بأنسنة النص، وإحالته إلى التاريخ، وينظر إلى النص على أنه من إنتاج محمد صلى الله عليه وسلم، حسب كلامه فإنه يريد "أرخنة الخطاب القرآني ذاته".

ويعتبر أركون أنّ النصوص القرآنية متناقضة ينطح بعضها بعضاً وبالتالي لا تصلح أن تكون مصدراً للتشريع الإسلامي ، فيقول في كتابه ( من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ) :

( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) .

وأمّا المعنى الثالث لكلمة النسخ والذي يعني إستبدال نص بنصّ ، أو نص لاحق بنص سابق ، فهو ناتج عن مناقشة الأصوليين أي علماء الأصول الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة نصوص متناقضة، وبالتالي فقد إضطروا لإختيار النصّ الذي يتناسب أكثر مع التوفيق وتحقيق الإنسجام بين الأحكام الشرعيّة التي كانت قد حظيت بإجماع الفقهاء الأوائل " .

ما يهدف له أركون في كتاباته المكررة هو نزع الثقة من القرآن الكريم وقداسته، واعتباره نصاً أسطورياً (محمد أركون ، الفكر الإسلامي قراءة علمية ، ص22 وما بعدها) قابلاً للدراسة والأخذ والرد.

ويقول :

" إن المعطيات الخارقة للطبيعة والحكايات الأسطورية القرآنية سوف تُتلقَّى بصفتها تعابير أدبية، أي تعابير محورية عن مطامح ورؤى وعواطف حقيقية يمكن فقط للتحليل التاريخي السيولوجي والبسيكولوجي اللغوي- أن يعيها ويكشفهما " (الفكر الإسلامي قراءة علمية ، ص191) .

فهو يرى أن القرآن عمل أدبي لم يدرس كما يجب إلا من قِبَل ندرة أهمهم عنده “محمد أحمد خلف الله” عندما كتب عن القصص الفني في القرآن وقال إن القصة القرآنيـة مفتعلة، ويتحسر على عدم استمرار “خلف الله” ويذكر أن الأسباب التي لم تمكن “خلف الله” في عمله أنه راعى الموقف الإسلامي الإيماني أولاً ، وثانياً : لنقص المعلومات.

وهو يغالط كثيراً في معنى كلمة “أسطورة” ويقول : إنه يعاني من صعوبة هذه الكلمة على أسماع العرب الذين يربطون بين هذه الكلمة وبين الأكذوبة أو الخرافة.

وقول : بأن القرآن لم يصلنا بسند مقطوع الصحة؛ لأن القرآن -كما يقول - لم يُكتب كله في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بل كُتب بعض الآيات ثم استكمل العمل في كتابة القرآن فيما بعد (محمد أركون الفكر ، الإسلامي نقد واجتهاد ، ص85-86).

يعاني أركون في عرضه للأقوال من عدم التوثيق أو القول الصحيح لما ينقل ؛ إذ يقلب كل قضية حتى يفـسد المعنى ويلويه إلى ما يريد كما في مسألة كتابة القرآن، وهذه من المغالطات التي يسوقها أركون بكل سهولة ويخلط فيها ما بين قضية الجمع وقضية الكتابة، ويزعم أن الظروف السياسية هي التي جعلت المسلمين يحافظون فقط على قرآن واحد ويتركون ما عداه (محمد أركون الفكر ، الإسلامي نقد واجتهاد ، ص 86).

ومثال آخر يعرِّف الوحي بـقـولـه : “إنه يُدعَى بالتنزيل أي الهبوط من فوق إلى تحت” (الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص79) .

ومن أجل أن يمهد لما يريد من إنكار القرآن سنداً في أول الأمـر يدخل بعد ذلك إلى نصوص القرآن فيشكك في القصص والأخبار ويرى أن التاريخ الواقعي المحسوس هو الذي يحاكَم إليه القرآن، فالأخبار والآثار التاريخية هي الموثوقة!

ويقول :

“إن القرآن - كما الأناجيل - ليس إلا مجازات عالية تتكلم عن الوضع البشري، إن هذه المجازات لا يمكن أن تكون قانوناً واضحاً، أما الوهم الكبير فهو اعتقاد الناس - اعتقاد الملايين - بإمكانية تحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون شغال وفعال ومبادئ محدودة تطبق على كل الحالات وفي كل الظروف” (تاريخية الفكر الإسلامي ، ص299) .

فلا يرى أركون أن آيات الأحكام هي المجاز، ولا آيات الصفات كما قال بعض السابقين، بل القرآن كله مجازات عالية أي تكون بعيدة عن المجتمع سياسة واقتصاداً واجتماعاً، إنما تهذيب روحي لا علاقة له بالدنيا.

ويفصل أركون بين القرآن والشريعة ، فالقرآن عنده :

“خطاب مجازي يغذي التأمل والخيال والفكر والعمل ويغذي الرغبة في التصعيد والتجاوز، والمجتمعات البشرية لا تستطيع العيش طيلة حياتها على لغة المجاز” (تاريخية الفكر الإسلامي ، ص299)

ولكن هناك البشر المحسوسون العائشون - كما يقول - في مجتمع وهناك أمورهم الحياتية المختلفة التي تتطلب نوعاً من التنظيم والضبط وهكذا تم إنجاز الشريعة (تاريخية الفكر الإسلامي ، ص299)

ثم يعقب بأن هناك مجالاً أسطورياً مجازياً وهو مجال القرآن، ومجال آخر واقعي للناس هو مجال الشريعة ويقول :

“إنه وهم كبير أن يتوقع الناس علاقة ما بين القرآن والشريعة التي هي القوانين الشرعية وأن المناخ الميثي (الأسطوري) الذي سيطر على الأجيال السابقة هو الذي أتاح تشييد ذلك الوهم الكبير، أي إمكانية المرور من إرادة الله المعبر عنها في الكتابات المقدسة إلى القـوانين الفقهية (الشريعة) (تاريخية الفكر الإسلامي ، ص299).

السنة النبوية :

كما يعتبر أركون أنّ السنة النبوية هي الأخرى أسوأ حالاً من القرآن الكريم ووضع المجتمعات الإسلامية في الماضي والراهن دليل على أنّ السنة شكلّت إنعكاساً للتخلف والتقهقر الذين سادا المجتمعات الإسلامية.

ويقول " إن السنة كُتبت متأخرة بعد موت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بزمن طـويـل وهذا ولَّد خلافات، لم يتجاوزها المسلمون حتى اليوم بين الطوائف الثلاث السنية والشيعية والخارجية، وصراع هذه الفرق الثلاث جعلهم يحتكرون الحديث ويسيطرون عليه لما للحديث من علاقة بالسلطة القائمة " ( أركون ، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص12).

الإجماع :

يقول في كتابه ( من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي ) ص 77 :

يعرّف الإجماع عموماً من قبل المسلمين الذين يمشي على أثارهم المستشرقون بأنّه أحد أصول القانون الديني , فإجماع المسلمين على مسألة من مسائل العقيدة والقانون يؤدّي في آن واحد إلى ضرورة الإنصياع له , كما إنّه يشكّل علامة من علامات الأرثذوكسيّة التي ترسّخ وحدة الأمة وتراص صفوفها ولكن السؤال المطروح : إجماع من ! وما هو عددهم !

فالإجماع لا يمكن تحقيقه والعقل الإسلامي في عطلة إلى إشعار أخر , إذن وحسب رأي أركون مصادر التشريع الإسلامي في حاجة إلى إعادة سبك وصياغة جديدة, ولذلك فهو يدعو إلى الثورة على المصادرالإسلامية.

المصطلحات الضبابية :

يريد هو وغيره من دعاة التغريب أن يقوضوا دعائم وجود الأمة ، فيبدأون بتغيير مفردات تراثها العظيم ، وأنى لهم ذلك ! فلكل حضارة خصوصية في استعمال مصطلحاتها.

وتراهم يلجؤون إلى أساليب ملتوية لترويج أفكارهم الضبابية والتعتيم على الحقائق ، واللبس والغموض في التعبير ، فالدغمائية ، والغنوصية ، والأبستمولوجية ، والأمبريقية ، والأنسنة ، والإسلاموية ، والسلفوية ، والزمكانية ، والمكانزماتية ، والهرمونوطيقية ، وألفاظ كثيرة غيرها ، كلها من تعابيرهم ومصطلحاتهم، وتعابير ومصطلحات مؤيديهم ومقومي أفكارهم الوهمية ، وهي كلها ألفاظ تندس في مؤلفاتهم ليسير القارئ من خلالها في طريق التغريب ، بقصد إيهامه بتخلف وعيه ، وبعدم قدرته على استيعاب ما يكتبون.

ويذهب بك العجب كل مذهب حينما تجد أنهم أنفسهم يعترفون بعدم فهمهم لها ، فمترجم كتب( محمد أركون) هاشم صالح اعترف في مقدمته لكتاب ( أين هو الفكر الإسلامي المعاصر ، لمحمد أركون) الاعتراف التالي :

بأنه لم يستطع أن يفهم هذه المصطلحات إلا بعد (10) سنوات ، وبعضها بعد (3) سنوات من الدراسة في المعاهد الفرنسية ، حتى استطاع أن يتصور معناها كما أراد مستعملوها .اهـ

وقال أحد القراء لقد رأيت كتب أركون ولفت انتباهي الدعاية الكبيرة لها؛ فذهبت مع القوم واشتريت منها وقرأت الأول والثاني فما أحسست بفائدة ولا ساعدني الفهم، وقلت كاتبٌ متعِبٌ، ولكن زادت الدعاية للرجل فقلت في نفسي: النقص في قدرتي على الدراسة والفهم، وسكتُّ وخشيت أن أقول لأحد: لا أفهمه، حتى إذا كان ذات يوم جلست إلى قارئ وكاتب قدير وتناول كتاب “تاريخية الفكر العربي الإسلامي” وقال: لقد حاولت أن أفهم هذا الكاتب أركون فما استطعت، فكأنما أفرج عني من سجن وقلت: رحمك الله أين أنت فقد كنت أبحث عن قارئ له يعطيني فيه رأياً، لا الذين أكثروا من الدعاية له دون دراية.

عقيدة أركون :

أثناء قراءة أعماله تجده ينقد مدرسة عقائدية أو فقهية، ويحاول أن يقول إنها خرافة، وأسطورة دغمائية كما يحلو له أن يكرر.

وتقول : لعله ينصر المدرسة الأخرى، فهو إما شيعي أو خارجي، ثم يخرج عليك في صفحة أخرى وهو يعرض بعدم معقولية فكرة الإمامة لدى الشيعة (أركون ، مقابلة مع أدونيس ، مجلة “مواقف” ، عدد رقم 54 - ربيع عام 1988 ، ص1.).

ثم في مكان آخر لا يتفق مع الإسلام السني المتزمت في نظـره (أركون ، الفكر العربي ، ترجمة عادل العوا ، ص128 والفكر الإسلامـي نـقد واجتهاد ص9) علماً أن السني عنده هم الأشاعرة، وأما أحمد وابن تيمية فيدعوهما حنابلة متزمتين .

ويرى أن الوعي الإسلامي قد انشق فيما بين السنة والشيعة ، والوسيلة عنده ليست بالتوفيق بين الجانبين ولا الانتقاء منهما إنما الوسيلة نقد الطرفين وهو يعتنق “النقدية الجذرية” للطرفين وإسقاط كل الحجج التي بأيدي الجمـيع ، وبالتالي فإن النص السني مغلوط ومزور والنص الشيعي نص العدالـة والعصمة مغلوط ومزور وأسطوري، والمطلوب أن يتحرر كل من الفريقين من نصه فيتوحدان (رضوان السيد ، الإسلام المعاصر ، ص19) .

وتحاول جاهداً أن تقف تماماً على ما يريد فإذا هو متناقض لا يؤمن بشيء ولا يرى أن لهذا العلم أو التراث الإسلامي أي مكانة إلا في عين المدارس النقـدية الغربية؛ فما أقرته فهو الحق والمحترم.

ويرى أن هناك مناطق عديدة في الفكر الإسلامي لا تمس ولا يفكر فيها مثل مسألة عثمان - رضي الله عنه - وقضايا جمع القرآن، والتسليم بصحة أحاديث البخاري والموافقة على الأصول التي بناها الشافعي، ويرى أنه يضع أساساً للاجتهاد وعقلانية جديدة (عيسى بلاطة ، توجهات وقضايا في الفكر العربي المعاصر ، ص89-90)

فشل أركون :

مهما قدم أركون من تنازلات لأعداء الإسلام مبتغيًا رضاهم أو التقرب منهم ؛ فإن فعله هذا سيعود ذما ًعليه، ويعود بخفي حنين، ويكون قد خسر دينه ودنياه .

فشل أركون في المهمة الأساسية التي نذر نفسه لها "كوسيط بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي" ، ويعترف أن الغرب لم يرض عنه رغم ما قدم لهم وتآمر معهم على دينه وبني قومه، بل عجز حتى عن تغيير نظرة الغربيين إليه هو نفسه كمثقف مسلم ( ! ) يقول:

( على الرغم من أني أحد الباحثين المسلمين المعتنقين للمنهج العلمي والنقد الراديكالي للظاهرة الدينية، إلا أنهم – أي الفرنسيين - يستمرون في النظر إليّ وكأني مسلم تقليدي! فالمسلم في نظرهم –أي مسلم- شخص مرفوض ومرمي في دائرة عقائده الغريبة ودينه الخالص وجهاده المقدس وقمعه للمرأة وجهله بحقوق الإنسان وقيم الديموقراطية ومعارضته الأزلية والجوهرية للعلمنة... هذا هو المسلم ولا يمكنه أن يكون إلا هكذا!! والمثقف الموصوف بالمسلم يشار إليه دائماً بضمير الغائب: فهو الأجنبي المزعج الذي لا يمكن تمثله أو هضمه في المجتمعات الأوروبية لأنه يستعصي على كل تحديث أو حداثة) ( انظر : الإسلام - أوربا- الغرب ص 101 ).

وفي 15 آذار/ مارس 1989 نشر أركون في صحيفة "اللوموند" الفرنسية مقالة حول قضية سلمان رشدي أثارت في حينه "لغطاً كبيراً ومناقشات حامية الوطيس"، يقول أركون :

(كان الإعصار من القوة، والأهواء من العنف، والتهديدات من الجدية بحيث أن كلامي لم يفهم على حقيقته، بل صُنِّف في خانة التيار المتزمت! وأصبح محمد أركون أصولياً متطرفاً!! أنا الذي انخرطت منذ ثلاثين سنة في أكبر مشروع لنقد العقل الإسلامي أصبحت خارج دائرة العلمانية والحداثة) ( انظر : الإسلام - أوربا- الغرب ص 45 ). .

ولا يكتم أركون أن تلك الهجمات العنيفة قد أشعرته كما يقول :

(بالنبذ والاستبعاد، إن لم أقل بالاضطهاد... وعشت لمدة أشهر طويلة بعد تلك الحادثة حالة المنبوذ، وهي تشبه الحالة التي يعيشها اليهود أو المسيحيون في أرض الإسلام ( ! )عندما تطبق عليهم مكانة الذمي أو المحمي) ( انظر : الإسلام - أوربا- الغرب ص 139 ).

ويقول أيضاً :

(إن مقالة اللوموند كلفتني غالياً بعد نشرها، وانهالت عليّ أعنف الهجمات بسببها، ولم يفهمني الفرنسيون أبداً، أو قل الكثيرون منهم، ومن بينهم بعض زملائي المستعربين على الرغم من أنهم يعرفون جيداً كتاباتي ومواقفي، لقد أساءوا فهمي ونظروا إليّ شزراً... ونهضوا جميعاً ضد هذا المسلم الأصولي(!) الذي يسمح لنفسه بأن يعلن أنه أستاذ في السوربون، ويا للفضيحة!! لقد تجاوزت حدودي، أو حدود المسموح به بالنسبة لأتباع الدين العلمانوي المتطرف الذي يدعونه بالعلماني، ولكني لا أراه كذلك، وفي الوقت الذي دعوا إلى نبذي وعدم التسامح معي بأي شكل، راحوا يدعون للتسامح مع سلمان رشدي، وهذا موقف نفساني شبه مرضي أو ردّ فعل عنيف تقفه الثقافة الفرنسية في كل مرة تجد نفسها في مواجهة أحد الأصوات المنحرفة لبعض أبناء مستعمراتها السابقة، إنها لا تحتمله، بل وتتهمه بالعقوق ونكران الجميل... فنلاحظ أن اكتساب الأجنبي للجنسية الفرنسية في فرنسا الجمهورية والعلمانية يلقي على كاهل المتجنس الجديد بواجبات ومسؤوليات ثقيلة... فالفرنسي ذو الأصل الأجنبي مطالب دائماً بتقديم أمارات الولاء والطاعة والعرفان بالجميل. باختصار، فإنه مشبوه باستمرار، وبخاصة إذا كان من أصل مسلم) ( انظر : الإسلام - أوربا- الغرب ص 105 ).


وأخيراً :

نجد أن الأعداء دفعوا أغراراً من جلدتنا، يتكلمون بألسنتنا، ويشوهون ديننا، لتكون الفتنة أشد وأنكى، حتى قال القسيس الأمريكي الحقود صمويل زويمر: ولتقطع الشجرة بجزء منها