المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كواشف زُيُوف - عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني


قسورة
03-04-2006, 04:36 PM
في سلسلة
أعداء الإسلام
6

كواشف زيوف
في المذاهب الفكريّة المعاصرة

دراسة علميّة نقدية تحليليّة بمنظار إسْلامي
لزيوف كبريات الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة وأئمتها


عبد الرّحمن حسن حَبَنّكة الميداني








لولا أنّ الإسلام حقّ بذاته ، مؤيّد بتأييد الله ، محفوظ بحفظه ، لم تبق منه بقيّة تصارع قوى الشرّ في الأرض ، الّتي ما تركت سبيلاً من المكر به إلاّ سلكته ، ولا سَبباَ لإطفاء نوره إلاّ أخذت به ، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين





أعوذ بالله السميع العليم
من الشيطان الرجيم

قال الله عزّ وجلّ في أواسط العهد المدني في سورة ( الصف / 61 مصحف / 109 نزول ):
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * } .
وقال الله عزّ وجلّ في أواخر العهد المدني في سورة ( التوبة / 9 مصحف / 113 نزول ):
{يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدينِ كُلهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .

النص الأول يشير إلى إعداد الكافرين الوسائل التمهيدية ابتغاء إطفاء نور الله بأفواههم . والنص الثاني يشير إلى إرادة الكافرين إطفاء نور الله بأفواههم بعد أن استكملوا إعداد الوسائل بحسب تصورهم . لذلك كان النصّ الأول مشتملاً على قوله تعالى : { وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} بهدوء المتمكن الواثق من قوة نفسه وعجز عدوه ، وكان النص الثاني مشتملاً على قوله تعالى : { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } بتعبير فيه حركة الناهض بكل قوته لقمع عدوه ، وإحباط وسائله ، وإدحاض باطله .

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

فاتِحَة الكِتَاب

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .

والصلاة والسلام على سيدنا وقائدنا محمد خاتم رسل الله ، الذي اجتباه ربّه واصطفاه ، وأرسله بخاتمة رسالاته للناس ، فأظهر به وبمن اتّبعه بإحسان دينه الحقّ على الدين كلّه ، وعلى كل فكرة ومذهب مناقض له ، بالحجّة والبرهان ، وبما يكتشف الناس على الدوام من سيّئات وويلات تطبيقات الأديان والمذاهب المخالفة .

اللّهم أرنا الحق حقّاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واهدنا وسدّدنا يا ربّ العالمين .

وبعد فإن الفتنة المعاصرة الكبرى آتية من الآراء والأفكار والشعارات والمذاهب الفكرية المعاصرة ، التي تناولت حرمات العقائد الدينيّة الربّانية الكبرى ، وتناولت مقدّسات المبادئ والأخلاق ، بالتقويض والهدم ، والتشويه والرجم . وعبثت بالنظم ومناهج السلوك الإنساني الفردي والاجتماعي ، التي جاءت بها الشرائع الربانية ، وأكملها الله بالرسالة الخاتمة ، التي بعث محمداً خاتم أنبيائه ورسله .

وقد انتشرت هذه المحدَثات الفكرية المعاصرة مع تفجّر منجزات الحضارة الماديّة المعاصرة التي بدأت منذ أواخر القرن السابع عشر الميلادي في الغرب وما زالت تتسارع بصورة مذهلة حتى وقتنا هذا .

وقد أثبت المتتبعون من أهل البحث أن اليهود يحملون كبر نشرها في العالم ، وظهر هذا في مخططاتهم السرية ، وفي كون أئمة معظم هذه المذاهب المعاصرة هم من اليهود .

وكانت الدراسات الفلسفية والنفسية والاجتماعية ، هي المجالات الخاصبة ، التي أُسست فيها هذه الآراء والأفكار والمذاهب الفكرية المعاصرة ، مع بعض مجالات أخرى .

وجرَّت هذه المحدثات الفكرية المعاصرة التي عبثت بالعقائد الدينية ، والمبادئ والأخلاق والنظم ومناهج السلوك ، للأمم والشعوب بلاءً كبيراً ، وشراً مستطيراً ، وأمست منذرة بانهيار ساحق ، ودمار ماحق ، وكثير من هذه المحدثات هو من دفائن الأولين ، من الكافرين والفاسقين والمجرمين ، والمهلَكين المدمر عليهم .

وصار لزاماً على دعاة الحق وأهل الفكر أن يكشفوا للناس زيوف هذه المذاهب ، وما اشتملت عليه من باطل كثير .

وقد حمّل الله الأمة الإسلامية مسؤولية دعوة الخلق إلى الحق ، وتبصير الناس به ، ليكونوا يوم القيامة شهداء على الناس .

وإن ثقل هذه المسؤولية يقع على علماء المسلمين ومفكريهم وباحثيهم ، إذْ لا سعادة للبشرية إلا باتباع منهج الله ، الذي بلغهم عن خاتم رسل الله محمد (ص) وحملهم اله مسؤولية تبليغه وبيانه .

وقد بدأ المفكرون الإسلاميون ، بحمد الله ، يتحملون هذه المسؤولية ، ويجاهدون في سبيل الله جهاداً فكرياً ، ويحاولون القيام بواجبهم في هذا المجال على قدر استطاعتهم ، فظهرت مقالات وبحوث وكتب ورسائل جامعية مشكورة .

ولكن لا يزال العمل في هذا المجال – كما أرى – في المراحل الأولى من الطريق الطويل .

وإني ما زلت منذ مطلع العام الدراسي (1397 – 1398 هجرية ) أقوم بتدريس مادة " المذاهب الفكرية المعاصرة " في جامعة أم القرى بمكة المكرمة ( جامعة الملك عبد العزيز : سابقاً ) على مستوى الدراسة الجامعية ، ومستوى الدراسات العليا ، التي تُعِدّ لنيل شهادة الماجستير فالدكتوراه .

وكتبت في هذه المادة مذكرات للطلاب والطالبات ، لتكون بين أيديهم شارحة بعض الموضوعات فيها .

ومنذ حين وفي عزمي على أن أستكمل هذه المذكرات ، حتى تستوعب الموضوعات والعناصر التي ينبغي أن تشتمل عليها مادة " المذاهب الفكرية المعاصرة " ، وأن أرتبها وأصنّفها تصنيفاً يجعلها صالحة لإخراجها في كتاب ملتزم بمنهجية التصنيف والتبويب والتقسيم والترتيب المنطقي .

وكانت تشغلني عن استكمال تصنيفه مشاغل أخرى نافعة إن شاء الله ، ظهرت ثمراتها في عدة مؤلفات .

إلى أن أذن الله عزّ وجلّ ، فأقدرني على متابعة العمل بفضله وجوده وكرمه ، ومعونته وتوفيقه ، ولا حول ولا قوة إلا به .

وكان شهر رمضان الميمون في مكة المكرمة من سنة ( 1404 هجرية ) شهر بركة وفتح ، وعون من العلي القدير ، فتفرغت فيه لمتابعة العمل في هذا الكتاب ، حتى قطعت فيه من أشواط السعي بنسبة خمسة إلى سبعة .

ثمّ سافرت مع أسرتي في إجازة الصيف إلى تركيا ، فانقطعت عن العمل في إتمام الكتاب .

ولم يتهيا لي بعد العودة من الإجازة الصيفية التفرغ الكامل لإتمام العمل ، لكني صرت أقتطع أوقاتاً للعمل ، وانتهبها انتهاباً ، حتى أذن الله بإكمال الكتاب في اليوم الأول من شهر صفر سنة (1405) هجرية .

وإذ قم تم الكتاب بفضل الله ومنه وكرمه ، فإني أقدمه لقراء العربية ، لا سيما المسلمون الذين يُهمهم أن يعرفوا زيوف الأفكار التي غزتهم في هذا العصر ، عن طريق المذاهب الفكرية المعاصرة ، ليكونوا على بصيرة بها ، وليبصروا بها الأجيال الصاعدة من أجيال الأمة الإسلامية ، ولتكون لديهم القدرة على حماية أنفسهم وأمتهم ، ومقارعة خصومهم بالحجج المنطقية ، والبراهين والقواطع .

والله من وراء القصد ، وهو يهدي السبيل , والحمد لله أولاً وآخراً ، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

مكة المكرمة غرة صفر 1405 هجرية
عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني
أستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة

خِطّةُ الكِتَابْ


نظرت في الأفكار والآراء والشعارات والاتجاهات والتيارات والمذاهب المعاصرة ، ذات الأهداف الرامية إلى هدم الدين والأخلاق والنظم الاجتماعية ذات الكيانات والأبنية الثابتة المستقرة ، وسيلة إلى تمكين المفسدين في الأرض ، الطامعين بخيراتها ، من السيطرة على الشعوب والعلو في الأرض ، واستغلال خيراتها ، والتحكم بمقدراتها .

ونظرت في الأفكار والمذاهب التي أفرزها الاتجاه العلماني المعادي للدين ، أو المهمل له ، بقصد هدم الدين ، وبدون قصد لذلك .

ونظرت في أسباب نشأة هذه المحدَثات المعاصرة ، ومناخ ترعرعها ، وعوامل ظهورها القوي ، في هذه الحقبة من الدهر .

وبحثت عن أهمّ وأخطر المفسدين المضلين في الأرض .

ونظرت في وسائل التضليل الفكري ، التي يتّخذها المضلّون المفسدون في الأرض .

واكتشفت أن أخلاط هذه المحدثات المبتعدات الفكرية ، ترجع إلى :

1- افتراءات تروج ضد الدين والأخلاق ، ثمّ النظم والقوانين والأحكام وأنواع السلوك المنبثقة عن الدين والأخلاق .

2- شعارات تخدع الجماهير ، بما لها من بريق يُغْرِي ، فتتعلق بها النفوس ، وقد يكون لها مساحات جزئية محدودة ، هي فيها حقٌ وخير .

وتأتي لعبة التضليل ، فتستغلُّ عموم لفظ الشعار ، وتزحف به شيئاً فشيئاً ، حتى يعم مساحات فكرية هو فيها باطل وشر .

وتنطلي الحيلة على الجماهير فتردد الشعار ، ملاحظة المساحة التي هو فيها حق وخير ، ومعممة تعميماً باطلاً ، حتى تتولد لديها بالترديد الببغاوي القناعة بصحة الشعار في كل المساحات التي يمكن أن يتناولها عمومه .

وبعض هذه الشعارات تحوّل فصار اتجاهاً أو مذهباً ، يوجه بصورة عشوائية كل تصرفات من آمن به ، ولو لم يكن في حقيقة أمره كافياً لأن يكون مذهباً ذا أسس ومفاهيم عامة ، وقواعد ومناهج للسلوك .

3- آراء وأفكار وتعليلات وتفسيرات فلسفية ، هندسة في العلوم ، من اعتقدها وسلم بصحتها كانت في نفسه :

* بمثابة معول يهدم لديه عقائد الإيمان بالله ، وبما جاء به رسل الله ، أو يهدم لديه الأخلاق الكريمة وأسسها ، أو يهدم لديه القيم التي تربطه بالجماعة .
* أو بمثابة باعث شيطاني ، يوقد فيه نيران الثورة الحاقدة على مجتمعه ، ونظم مجتمعه , وقيم مجتمعه , وسائر المبادئ والقِيَم المسلم بها ، أو المتواضع عليها .

ثمّ غذت هذه الآراء والأفكار والتعليلات والتفسيرات الفلسفية المندسّة في العلوم مذاهب جزئية ، ضمن مسائل العلوم التي هي مندسة فيها ، دون أن يكون للعلوم التجريبية أو الوصفية علاقة بها ، باعتبارها أفكاراً فلسفية تخيُّلية ، لا تجريبية ، ولا وصفية ، ولا تثبتها براهين عقلية .

4- مذاهب فكرية كبيرة ، إلا أنها غير شاملة لجوانب الحياة كلها ، فتوجد أخلاط منها في مختلف الشعوب ، وفي مختلف الملل والمذاهب والأديان .

5- مذاهب فكرية كليّة ، مستجمعة لجملة قواعد ومفاهيم نظرية ، وأسس وقواعد وأنظمة لمناهج السلوك الفردي والاجتماعي في الحياة .

وهي لدى المؤمنين بها بمثابة دين مهيمن على جميع تصرفاتهم .
* * *

تأملت في هذا كله فرأيت أن العمل المنهجي يتطلب مني أن أقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام ، وضمن كل قسم منها أبواب وفصول .

فالقسم الأول جعلته للمقدمات العامة التي تشتمل على التعريف بمناخ نشأة الآراء والمذاهب الفكرية المعاصرة ، المناقضة للدين ، ولمكارم الأخلاق ، وللنظم الاجتماعية التي تنبثق عنهما ، أو تستند إليهما .ووسائل التضليل التي يستخدمها المضللون لترويج الشعارات والآراء والأفكار والمذاهب الفكرية المعاصرة المزيفة .

والقسم الثاني جعلته لعرض أهم الشعارات البرّاقة المزيفة الباطلة ولأفكار ولآراء ولمذاهب فكرية معاصرة جرئية منبثة وموزعة في علوم مختلفة ، مع كشف زيوفها ، وتعريفٍ بأئمتها .

والقسم الثالث جعلته للمذاهب الفكرية الكبيرة ، ذات التأثير المهيمن على سلوك شعوب وأمم ودول ، مع كشف زيوفها ، وتعريف بأئمتها .

ومن الله التوفيق ، وعليه الاتكال ، وهو المستعان في كلّ أمر .

القِسمُ الأوّل مِنَ الكِتَاب

مقدمات عامة



وفيه بابان :

الباب الأول : تعريف بمناخ نشأة الآراء والمذاهب الفكرية
المعاصرة المناقضة للدين ولمكارم الأخلاق
وللنظم الاجتماعية التي تستند إليهما .

الباب الثاني : وسائل التضليل لترويج الشعارات والآراء
والمذاهب الفكرية المعاصرة المزيفة .




الباب الأول

تَعريفٌ بمَنَاخِ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة
مقدمة عامة .

الفصل الأول : مناخ نشأتها في أوروبا .

الفصل الثاني : تحرّك اليهود مستغلين المناخ الملائم في أوروبا .

الفصل الثالث : أسباب تَقَبُّلِ شعوب الأمة الإسلامية ، لوافدات المذاهب الفكرية
المعاصرة .



مَقَدِّمَة عَامَّة


مما يساعد على تقبل الأفكار والمذاهب الفاسدة الضارة وجود المناخ المناسب لنشأتها وانتشارها .

إن المناخ المناسب لانتشار الجراثيم الضارة ، والأمراض الوبائية ، يتجلي بانحجاب نور الشمس ، وتراكم القذارات ، والرطوبة ، وتكاثف السكان ، ونقص الغذاء .

كذلك نشأة المذاهب والأفكار الباطلة الفاسدة المفسدة ، وكذلك انتشارها . إنها تنشأ وتنتشر حينما تغيب شمس الهداية الحقة ، أو تحجبها حجب كثيفة ، وتتراكم قذارات الأعمال الفاسدة ، والانحرافات الخلقية ، والظلم الاجتماعي ، والضغط السياسي الظالم الآثم ، والاضطهادات الجائرة ، والأنانيات المفرطة ، والفوارق الطبقية الفاحشة التي لا تقوم على قواعد الحق والعدل , والمولدة لصنوف الحقد ، والحسد ، والكراهية ، والراغبة بالانتقام ، ولو عن طريق الثورة المدمرة .

يضاف إلى ذلك تمكين عناصر الشر والفساد المجرمة من أن تعيث في الأرض فساداً ، وتنشر بين الجاهلين ضلالاتها ، وتستدرج ذوي العقول الصغيرة إلى شبكاتها ، وذوي المطامع الكبيرة إلى مغرياتها .

وقد نشأت وانتشرت المذاهب الفكرية المعاصرة في الغرب أولاً ، ثمّ امتدت إلى مختلف شعوب العالم ، ثمّ زحفت بويلاتها وألوان زيوفها وفجورها إلى شعوب الأمة الإسلامية .

فعلينا أن ندرس المناخ الذي هيأ لنشأتها وانتشارها في الغرب أولاً ، ثمّ ندرس المناخ المناسب الذي جعل شعوب الأمة الإسلامية تتقبل وافداتها ، أو تستوردها أحياناً ، وجعلها تسمح بانتشارها بين ناشئتها ، رغم زيوفها ومفاسدها وشرورها الكثيرة .

* * *

قسورة
03-05-2006, 05:48 PM
الفصْل الأوّل


مُنَاخ نَشأةِ المذَاهِب الفِكرية المعَاصِرَة في أوربَّا

باستطاعة الباحث أن يكتشف أهم العوامل التي هيأت المناخ المناسب لانتشار المذاهب الفكرية المعاصرة في أوروبا .
ويمكن إيجازها بالعوامل التالية :

العامل الأول :
التحريف في أسس الدين الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام ، عقيدة وشريعة .

أ – فالإيمان بالله الواحد خالق الكون ، وبأن عيسى عبد الله ورسوله ، قد صار في عقيدة النصارى إيماناً بإله مثلث يتجسد ، أو يحل بالإنسان ، وهو ثلاثة أقانيم ( الآب والابن والروح القدس ) .

ب – والعبادات قد دخلت فيها أوضاع بشرية كنسية مبتدعة ، وهذه المبتدعات حملها النصارى مفاهيم غيبية ، وفسروها بأن لها أسراراً مقدسة ، وجعلوا لها طقوسا تمارس في مناسباتها ، ويجب احترامها .

جـ - والأحكام التشريعية معظمها أوامر وقرارات كنسية بابوية ، ما أنزل الله بها من سلطان ، وهي تحلِّل وتُحرم من غير أن يكون لها مستند من كتاب الله أو بيانات الرسول عليه السلام .

فدين من هذا القبيل مقطوع الصلة بالحق وبما أنزل الله من الحق ، غير مؤهل لأن يكون له سلطان على العقول والنفوس في عصور التنور الفكري ، والتقدم الحضاري ، وانتشار العلوم والمعارف المستندة إلى أدلة إثبات عقلية أو حسية تجريبية .

العامل الثاني :
الفتح الإسلامي الذي أيقظ العالم الغربي من سباته ، ثمّ الفكر الإسلامي الذي امتد فأثار الإعجاب بمناهجه العقلية والعلمية القائمة على الحق ، وعلى الأدلة البرهانية في القضايا النظرية ، حتى في المسائل الدينية الكبرى ، فضلاً عن القضايا الكونية القائمة على البحث والملاحظة والتجربة ، للاستفادة مما سخر الله للناس في الكون ، والتعرف على سنن الله فيه ، واكتشاف القوانين الثابتة التي طبع الله كونه عليها .

العامل الثالث :
طغيان رجال الكنيسة ، وفساد أحوالهم ، واستغلال السلطة الدينية لتحقيق أهوائهم وإرضاء شهواتهم تحت قناع القداسة التي يضفونها على أنفسهم ، ويهيمنون بها على الجماهير الأمية الساذجة . ثمّ اضطهادهم الشنيع المريع لكل من يخالف أوامرهم السنية ، أو يخالف التعليمات الكنسية المرعية المبتدعة في الدين ، والتي ما أنزل الله بها من سلطان ، حتى ولو كانت أموراً تتصل بحقائق كونية تثبتها التجارب والمشاهدات العلمية المادية .

العامل الرابع :
الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة ، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي . ولما اصطدم هذا الاتجاه بجمود الكنيسة ومقاومتها للعلماء ، حاول رويداً رويداً ، فكرياً ثمّ عملياً ، أن يعزل الكنيسة عن شؤون السياسة ، الذي صادف هوى ملوك الغرب وزعمائه السياسيين الذين لا دين لهم ، ثمّ عن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام ، الذي صادف هوى الشباب والشابات ، بعد تغذيتهم بنزعة الحرية العمياء ، كما صادف هوى كل الذين يصانعون الدين مصانعة وهم لا يؤمنون به . وبهذا العزل ينحصر سلطان الكنيسة في شؤون الدين الغيبية والروحية ، وفي مراسيمه وطقوسه الخاصة .

* * *

( 1 )
تفصيل العامل الأول بإيجاز

وهو تحريف الدين عقيدة وشريعة ، وتحوله إلى أوضاع بشرية مشحونة بالخرافات .

استقرت العقيدة النصرانية الرسمية المؤيدة من الكنائس الغربية والشرقية ، على فكرة التثليث التي عملت دسائس اليهود منذ القرن الأول الميلادي على إدخالها في المسيحية .

كما استقرت على تحريفات أخرى دخلت في أحكامها وتطبيقاتها بعوامل شتى ، منها ما كان مكراً مقصوداً من أعداء المسيحية الذين دخلوا فيها نفاقاً ، ليفسدوها من داخلها ، ومنها ما كان من المسيحيين أنفسهم ، ومن رجال الكهنوت فيهم ، استجابة لأهوائهم وشهواتهم ومصالحهم ومنافعهم الدنيوية الخاصة ، أو استجابة لضغوط ذوي السلطان والجاه ، من ملوكهم وزعمائهم وأغنيائهم وقادتهم العسكريين .

وفيما يلي لمحة عن تاريخ التحريف الذي دخل في المسيحية ، فأفسد أصولها الربانية التي أنزلها الله عزّ وجلّ على عيسى عليه السلام .

1 – دسائس "بولس" :
من الذين احتلوا مركزاً مهماً من مراكز الصدارة في الديانة النصرانية رجل اسمه "بولس" .
وبولس هذا قصته في النصرانية قصة عجيبة غريبة ، إنه صاحب الشأن الخطير في تحريف الديانة النصرانية عن أصولها الربانية الصحيحة التي أنزلها الله على عيسى عليه السلام .

كان هذا الرجل يهودياً طرطوسياً من الفريسيين ، وكان اسمه "شاوُل" وهو لم يرَ عيسى عليه السلام ، ولا سمعه يدعو الناس ويبشر بدين الله ، مع أنه قد أدرك زمانه .

وكان في أول عهده من كبار أعداء النصارى الذين آمنوا بعيسى وصدقوه واتبعوه ، حتى كان ممن أنزل بهم ألواناً من الاضطهاد والقتل والتعذيب .

وبعد أن رفع الله عيسى عليه السلام إليه بمدة من الزمن أعلن "بولس = شاوُل" هذا بشكل مفاجئ دخوله في النصرانية ، وأحاط دخوله فيها بادعاءات غريبة جرت له ، ومشاهدات روحية خاصة ادعى فيها أن يسوع بنوره الباهر هبط عليه عندما كان قادماً من دمشق وقريباً منها . وقال له : لماذا تضطهدني ؟ . فقال "بولس = شاول" وهو مرتعد ومتحير : يا رب ماذا تريد أن أفعل ؟ فقال له : " قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل "وبعد أن قاده رفاقه إلى دمشق ، واستقر فيها ، أتاه حنانيّاً ، وكان هذا رجلاً مشهوداً له بالتقوى من جميع اليهود السكان كما يذكر "بولس" فأخبره بأن الله قد اختاره ليعلم الدين ويكرز بالمسيحية ، أي : يعظ بها ويدعو إليها .

جاء في الإصحاح التاسع من أعمال الرسل ما يلي :
" (1) أما شاوُل فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب ... "
" (3) وفي ذهابه حدث أن اقترب إلى دمشق ، فبغتة أبرق حوله نور من السماء (4) فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له : شاوُل شاوُل لماذا تضطهدني ؟ . (5) فقال : من أنت يا سيد ؟ . فقال الرب : أنا يسوع الذي أنت تضطهده ....
(6) فقال وهو مرتعد ومتحير : يا رب ماذا تريد أن أفعل ؟ . فقال له الرب : قم وادخل المدينة فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل ... "
"(19) ... وكان شاول مع التلاميذ الذين في دمشق أياماً (20) وللوقت جعل يكرز في المجاميع بالمسيح أن هذا هو ابن الله (21) فبهت جميع الذين كانوا يسمعون وقالوا : أليس هذا هو الذي أهلك في أورشليم الذين يدعون بهذا الاسم ؟.

ويروي الإصحاح الثاني والعشرين من أعمال الرسل عن "بولس=شاول" أنه قال:
"(3) أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس كيليكية ، ولكن ربيت في هذه المدينة مؤدباً عن رجلي غمالائيل على تحقيق الناموس الأبوي . وكنت غيوراً لله كما أنتم جميعكم اليوم . (4) واضطهدت هذا الطريق حتى الموت ، مقيداً ومسلماً إلى السجون رجالاً ونساءً . (5) كما يشهد لي أيضاً رئيس الكهنة وجميع المشيخة الذين إذ أخدت أيضاً منهم رسائل للإخوة إلى دمشق ذهبت لآتي بالذين هناك إلى أورشليم مقيدين لكي يعاقبوا . (6) فحدث لي وأنا ذاهب ومتقرب إلى دمشق أنه نحو نصف النهار بغتة أبرق حولي من السماء نور عظيم . (7) فسقطت على الأرض وسمعت صوتاً قائلاً لي : شاول شاول لماذا تضطهدني ؟. (8) فأجبت من أنت يا سيد؟. فقال لي : أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده . (9) والذين كانوا معي نظروا النور وارتعبوا ولكنهم لم يسمعوا صوت الذي كلمني . (10) فقلت : ماذا أفعل يا رب؟ . فقال لي الرب : قم واذهب إلى دمشق وهناك يقال لك عن جميع ما ترتب لك أن تفعل . (11) وإذ كنت لا أبصر من أجل بهاء ذلك النور اقتادني بيدي الذين كانوا معي فجئت إلى دمشق (12) ثمّ إن حنانياً رجلاً تقياً حسب الناموس ومشهوداً له من جميع اليهود السكان (13) أتى إلي ووقف وقال لي : أيها الأخ شاول أبصر . ففي تلك الساعة نظرت إليه (14) فقال : إله آبائنا انتخبك لتعلم مشيئته وتبصر البار وتسمع صوتاً من فمه . (15) لأنك ستكون شاهداً لجميع الناس بما رأيت وسمعت . (16) والآن لماذا تتوانى . قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب".

ومنذ ذلك الحين نشط بالدعوة إلى المسيحية معلناً أن عيسى هو ابن اله ، حتى صار المعلم الأول في المسيحية ، وداعيتها النشيط ، وأخذ ينشر أنه يتلقى التعاليم المسيحية إلهاماً ، ويستر بهذه الدعوى ما يعلمه الناس عنه من أنه لم يكن من تلاميذ المسيح ، ولم يجتمع به ، ولم يسمع منه ، ويفتح لنفسه بهذه الدعوى الكاذبة مجال التلاعب بأصول الدين . والتحريف فيه وفق مخطط يهودي لكل ما ليس بيهودي ، ولو كان منزلاً من عند الله .

وصار هذا الرجل اليهودي في تاريخ المسيحية أحد الرسل السبعين الذين نزل عليهم روح القدس في اعتقاد النصارى بعد رفع المسيح ، وأُلهموا بالتبشير بالمسيحية ، كما ألهموا مبادئها ، ويسمي النصارى هؤلاء السبعين رسلاً ، أي : رسلاً للتبشير بالمسيحية في الأقطار .

وتفاقم تأثير "بولس" حتى صار معلماً لـ"مرقس" أحد كتاب الأناجيل الأربعة ، إذ لازمه ملازمة التلميذ لأستاذه ، وصار معلماً لـ"لوقا" أحد كتاب الأناجيل الأربعة أيضاً ، قالوا : وكان "لوقا" التلميذ الحبيب والرفيق الملازم لـ"بولس" وليس هو من أصل يهودي .

وفكرة أن عيسى "ابن الله" لم تكن قد عرفت من قبل "بولس" . ولكن بعد أن دخل المسيحية منافقاً ، وأحل نفسه منها في مركز المعلم الأول الذي يتلقى تعالمي الدين إلهاماً ، أخذ يطوف في الأقاليم يبشر بالمسيحية الجديدة ، ضمن خطة ، فيها دهاء كبير ، فيلقي الخطب ، وينشيء الرسائل ، حتى كانت رسائله هي الرسائل التعليمية ، بما حوت من مبادئ اعتقادية وشرائع عملية .

قالوا : وقد قُتل في اضطهادات "نيرون" سنة (66 أو 67م) .

وبهذه الخطة الماكرة استطاع هذا الرجل أن يحرف في جوهر الديانة المسيحية ، دون أن يستطيع أحدٌ معارضته ، لأنه زعم لهم أنه يتلقى التعاليم من المسيح تلقياً إلهامياً ورحياً ، وصدقوه في ذلك ، وأدخل في المسيحية ما أدخل ، وحرف فيها ما حرف ، وكاد دين الله أيما كيد .

2 – نشأة الكاثوليكية :

بعد أن أدخل اليهودي "شاول=بولس" بمكره الخبيث على الديانة النصارنية فكرة تأليه عيسى عليه السلام وأنه ابن الله ، لم يسيطر هذا التحريف على عقائد كل النصارى ، بل اقتصر على طائفة قليلة منهم ، أما الكثرة الكاثرة منهم فقد كانوا موحدين ، يؤمنون بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم .

ولكن دعاة النصرانية بعد أن رفع الله عيسى إليه ، لم يستطيعوا أن يجاهروا بدعوتهم ، واقتصر عملهم على الدعوة السرية خوفاً من الدولة الرومانية الوثنية ، التي خافت على سلطانها منهم فكانت في كثير من الأحيان تضطهد أتباع عيسى عليه السلام ، وكل من ينتمي إلى المسيحية ، ولجأ المسيحيون إلى بناء الأديرة والصوامع في الجبال والمواطن النائية ، ليعبدوا فيها ربهم ، وفق ما يفهمون من دنيهم ، وحين يخف الضغط عليهم وتكف الدولة عن اضطهادهم ينشطون في بناء الكنائس في المدن .

وبسبب النشاط السري للدعوة على امتداد الإمبراطورية الرومانية لم يظهر للإنجيل الرباني الذي أنزله الله على عيسى عليه السلام أثر مادي يوثق به ، لقد فقد منذ العصور الأولى للديانة النصرانية ، كما حقق ذلك العلماء الباحثون ، ويجد القارئ في إنجيل "متى" وإنجيل "مرقس" وبعض رسائل "بولس=شاول" فقرات تشير إليه .

اضطهاد المسيحين :

مرت على المسيحيين أدوار من الاضطهاد الديني الذي كان يشتد ويخف من حين لآخر وذلك منذ رفع المسيح عيسى عليه السلام ، حتى أوائل القرن الرابع الميلادي .

وبلغ الاضطهاد الروماني لهم ذروته في العهود التالية :

أولاً : في عهد الإمبراطور الروماني "نيرون" الذي اعتلى عرش الإمبراطورية من سنة (54) إلى سنة (68) ميلادية . ولقد لفق لهم تهمة حرق مدينة روما ، فأنزل بهم أنواع العذاب ، وتفنن في ذلك ، وكان يحكم عليهم بالقتل الجماعي ، ومنذ ذلك الحين بدأ اضطهاد الرومان للمسيحيين يأخذ طابع العنف الجماعي .

ثانياً : في عهد الإمبراطور "تراجان" الذي حكم من سنة (98) إلى سنة (117) ميلادية . وفي عهده كان المسيحيون يصلون في الخفاء هرباً من اضطهاده ، وأمر هذا الحاكم بمنع الاجتماعات السرية ، وأنزل بهم ألوان الذل والعذاب لذلك .

وكان بعض ولاة هذا الإمبراطور يحكم بعقوبة الإعدام على من تثبت عليه التهمة بأنه مسيحي .

ثالثاً : في عهد الإمبراطور "ديكيوس" الذي حكم من سنة (249) إلى سنة (251) ميلادية . وقد أصدر هذا الإمبراطور أمراً باضطهاد عام للمسيحيين .

رابعاً : في عهد الإمبراطور "دقلديانوس" الذي حكم من سنة (284) إلى سنة (305) ميلادية . فقد أمر هذا الإمبراطور بهدم كنائسهم في مصر ، وإحراق كتبهم ، وسجن أساقفتهم ورعاتهم ، قالوا : وقد قتل منهم نحو ثلاثمائة ألف قبطي .

إن هذا الاضطهاد قد جعل المسيحيين في هذه الأحقاب يستخفون بدعوتهم ، ويفقدون كثيراً من كتبهم ، ويجعل ديانتهم عرضة للضياع والتحريف ، لا سيما ما كان من قِبَلِ أعدائهم اليهود الذين كانوا يدخلون في المسيحية نفاقاً .

وبسبب الاستخفاء والسرية ودسائس المنافقين من يهود وغيرهم ، وجهل كثير من المنتمين إلى المسيحية ، انقسم المسيحيون إلى طوائف متعددة ، وفرق متباينة في مذاهبها الاعتقادية . فمنهم الموحدون ، ومنهم اعتقدوا ألوهية المسيح عيسى ، وآخرون اعتقدوا أن المسيح ابن الله ، ومنهم من لفق فكرة الأقانيم الثلاثة : "الأب والابن وروح القدس" وجعلها إلهاً واحداً .إلى غير ذلك من معتقدات . ولكن ظروف الاضطهاد الذي كان ينزل بهم جميعاً لم يسمح لطوائفهم بأن تتصارع فيما بينها تصارعاً سافراً .

قسطنطين الأول الأكبر واعتناقه المسيحية :

ثمّ جاء الإمبراطور الروماني "قسطنطين الأول الأكبر" الذي وصل إلى عرش الإمبراطورية على جسر من أشلاء النصارى الذين بذلوا دماءهم من أجل إيصاله إلى الحكم ليظفروا بعطفه على النصرانية متى صار إمبراطوراً ، وقد حكم الإمبراطورية من سنة (306) إلى سنة (337) ميلادية ، فبدا له بعد ست سنوات من حكمه ، أي : في سنة (313م) أن يعتنق المسيحية ، دون أن يبتعد كثيراً عن وثنية روما التي كانت دين أسلافه ، وهي عقيدة وثنية قائمة على التثليث ، وكان هذا ثمرة تأييد النصارى له .

فأصدر مرسوماً بذلك ، ولبست الوثنية الرومانية منذ ذلك الحين ثوب المسيحية ، وثم ثمّ عطف الإمبراطور على المسيحيين ، وسمح لهم بإعلان طقوسهم وعباداتهم ، وربما دفعه إلى ذلك أيضاً خوفه على عرش الإمبراطورية من أن يسقط في أيدي المسيحيين ، الذين تكاثروا تكاثراً عظيماً في مختلف أنحاء الإمبراطورية الرومانية ، رغم أنواع الاضطهاد الذي كان قد سُلّط عليهم فيما سبق .

ولما شعر المسيحيون بأنهم ملكوا حريتهم الدينية ، وحرية التبشير بالمسيحية ، ظهرت خلافات طوائفهم المختلفة ، وبدأت الصراعات المذهبية تظهر بينهم ، ولما رأى الإمبراطور "قسطنطين" طوائفهم المختلفة ، وأخذت تظهر صراعاتهم المذهبية ، أراد أن يتدخل في شؤون الكنيسة ، ليعتمد مذهب إحدى الطوائف المتصارعة المختصمة فيما بينها ،والتي يكفر بعضها بعضاً ، فدعا إلى مجمع كنسي عالمي ، وهو ما يعرف باسم "مجمع مسكوني" . فانعقد هذا المجمع المسكوني الأول بأمره في "نيقية" سنة (325) ميلادية فكان يُعرف هذا المجمع في التاريخ المسيحي بمجمع نيقية .

مجمع نيقية :

وفد إلى مجمع "نيقية" الذي دعا إليه "قسطنطين" من مختلف البلدان (2048) من البطارقة والأساقفة ، ودار النقاش فيه حول شخص المسيح عيسى عليه السلام .

فطائفة تقول : إن المسيح عيسى عليه السلام رسول من عند الله كسائر الرسل ، وهو ابن الإنسان ، وعبد من عباد الله اصطفاه الله بالرسالة ، وزعيم هذه الطائفة "أريوس" . وقد انضم إلى رأيه ممن حضر المجمع أكثر من سبعمائة بطرق وأسقف .

وطائفة تقول : إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار ، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها ، وزعيم هذه الطائفة "سابليوس" .

وطائفة تقول : إن المسيح إله ، وهم الملتزمون بأقوال "بولس=شاول" الذي سبق الحديث عنه .

إلى غير ذلك من مذاهب ولدها الغلو في عيسى عليه السلام ، ولفقتها الأوهام المنبثقة من كون عيسى قد وُلد من أم فقط بلا أب على خلاف المعتاد ، ومن تعليق صلبه مع أنه إله أو جزء من الإله أو ابن الله كما صوره لهم الغلو فيه . وهكذا الأوهام يجر بعضها بعضاً وتتولد الخرافات الكثيرة ، وتتراكب الأخطاء ، والأغاليط ، والعقائد الباطلة ، والمفاهيم الفاسدة .

وسمع "قسطنطين" مقال كل طائفة ، فعجب من هذا الخلاف ، وأمرهم أن يتناظروا ، وقد أخلى داراً للمناظرة .

ولما كان القائلون بألوهية المسيح وبفكرة التثليث ملتقين مع فكرة "قسطنطين" الوثنية السابقة ، فقد صادف هواه ، وربما كان للقائلين بالتثليث من أتباع "بولس=شاول" صاحب التحريف الأول في النصرانية ، تأثير على الإمبراطور ، فقد يكون بعضهم قد صار من المقربين إليه ، ومن حاشيته ومستشاريه ، فزين له اعتماد مذهب أهل التثليث .

فأحصى "قسطنطين" القائلين بالتثليث في هذا المجمع المسكوني الأول ، فوجدهم (318) فجمعهم في مجلس خاص بهم ، وجلس في وسطهم ، وأخذ خاتمة وسيفه وقضيبه ، فدفعها إليهم ، وقال لهم : "قد سلطتكم على مملكتي ، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوه ، مما فيه قوام الدين , وصلاح المؤمنين " .

فبارك هؤلاء الملك ، وقلدوه سيفه ، وقالوا له " أظهر دين النصرانية ، وذب عنه" .

وأمر "قسطنطين" بأن تكون هذه العقيدة هي الدين العام ، ومن ثمّ ولدت "الكاثوليكية" ديناً رسمياً للدولة الرومانية ، وترجمة هذه اللفظة "الدين العام" .

وسلط الإمبراطور "قسطنطين" معتنقي هذا الدين على مخالفيهم ، مع العلم بأن المخالفين كانوا هم الكثرة الكاثرة التي لم تتأثر بدسائس بولس ، وأقر هؤلاء أربع مخطوطات هي التي تعرف بالأناجيل الأربعة ، من ضمن نحو مئة مخطوطة أمر الإمبراطور بتحريقها ، وهذه المخطوطات قد أحضرها إلى المجمع كبار البطارقة المدعوين إليه ، باعتباره وثائق دينية تؤيد مذاهبهم .

أما الموحدون الذين يؤمنون بأن عيسى عبد الله ورسوله فقد انضموا إلى "أريوس" وأطلق عليهم اسم "أريوسيين" أو "أريسيين" .

وظل أريوس مخالفاً معارضاً بعنف قرارات المجمع المسكوني القائلة بألوهية المسيح وبعقيدة التثليث ، وبأن عيسى ابن الله ، ومعلناً بشرية المسيح ، وبأنه ابن الإنسان ، ومجاهراً بأن الله واحد لا شريك له ، وبأنه منزّه عن الحلول بأحد .

وصمود "أريوس" على العقيدة الصحيحة زعزع مركز الإمبراطور وأقلقه ، ولذلك دعا إلى عقد المجمع المسكوني الثاني ، واقتصر هذا المجلس على القائلين بالتثليث ، ليناقشوا "أريوس" .

إلا أن هذا المؤمن الموحد صمد صمود الأبطال ، فحكموا عليه بالكفر والنفي ، وأخذوا ينكلون بمن كان يقول بقوله ، ويحرفون أناجيلهم وكنائسهم ، حتى أرغموا الناس على التظاهر بقبول العقيدة الكاثوليكية .

آراء المؤرخين والمفكرين الغربيين فيما انتهت إليه النصرانية :

1- يقول الأمريكي "درابر" كما جاء في كتاب "تاريخ الصراع بين الدين والعلم" :

"دخلت الوثنية والشرك في النصرانية ، بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ، ومناصب عالية في الدولة الرومانية بتظاهرهم بالنصرانية ، ولم يكونوا يحتفلون بأمر الدين ، ولم يخلصوا له يوماً من الأيام ، وكذلك كان قسطنطين ، فقد قضى عمره في الظلم والفجور ، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره سنة (337م) .

إن الجماعة النصرانية وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك ، ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية وتقتلع جرثومتها ، وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت بمبادئها ، ونشأ من ذلك دين جديد ، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء – هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية ، إذ قضى الإسلام على منافسته الوثنية قضاءً باتاً ، ونشر عقائده خالصة بغير غبش .

وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا ولم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً ، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين (النصراني والوثني) أن يوحدهما ، ويؤلف بينهما ، حتى إن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة ، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة ، وسيخلص الدين النصراني في عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها ".

2- ويقول "جرين برنتن" كما جاء في كتابه "أفكار ورجال" : "إن المسيحية الظافرة في مجمع "نيقية" – وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم – مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل " .
* * *
(2)
تفصيل العامل الثاني بإيجاز

وهو تأثير الفتح الإسلامي ، والفكر الإسلامي الذي انتشر معه ، وامتد بعده .

لما ظهر الإسلام ، واتفقت عقيدته وعقيدة الموحدين من النصارى الذين ليس لهم سلطان رسمي في كنائس الإمبراطورية الرومية ، دخل معظم هؤلاء الموحدين ومعهم كثيرون من سائر الطوائف النصرانية في الإسلام ، فكانوا من المؤمنين بخاتمة رسالات الله للناس ، وبخاتمة رسل الله (ص) .

واستقرت العقيدة النصرانية الرسمية على الكاثوليكية ، ثمّ ظهرت في تاريخ المسيحية بعض الحركات الإصلاحية ، التي لم تستطع تغيير جوهر التحريف الذي أمسى هو العقيدة المسيحية .

1- ففي القرن الثامن الميلادي في "سبتمانيا" – وهي مقاطعة فرنسية قديمة في الجنوب الغربي لفرنسا على البحر الأبيض المتوسط – ظهرت حركة تدعو إلى إنكار الاعتراف أمام القسس ، وأنه ليس للقسس حق في ذلك ، وما على الإنسان إلا أن يضرع الله وحده في غفران ما ارتكب من إثم .

وظاهر أن هذه الحركة متأثرة بامتداد التعاليم الإسلامية ، التي ليس فيها خرافة الاعتراف والغفران أمام أحد من الناس ، لكن العصاة يتوبون إلى الله ويستغفرونه دون أن يكون بينهم وبينه وسطاء ، وهو وحده الذي إن شاء غفر لهم .

2- وفي القرنين الثامن والتاسع للميلاد ظهر مذهب نصراني يفرض تقديس الصور والتماثيل ، حتى أصدر الإمبراطور الروماني "ليو" الثالث في سنة (726م) أمراً يحرم فيه تقديس الصور والتماثيل . وأصدر أمراً آخر في سنة (730م) يقرر فيه أن تقديس الصور والتماثيل وثنية .

وكذلك كان "قسطنطين" الخامس ، و"ليو" الرابع .

ويرى بعض المؤرخين أن ظهور هذا المذهب قد كان بتأثير امتداد الفكر الإسلامي ، ويقولون : إن "كلوديوس" أسقف "تورين" والذي عين أسقفاً سنة (828م) قد كان يحرق الصور والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته ، ومن المؤكد أنه تأثر بالإسلام لأنه ولد وربي في الأندلس الإسلامية .

3- وفي القرن السادس عشر الميلادي ظهرت "البروتستانتية" فرقة من فرق النصارى ، إذ خرجت على الكنيسة الكاثوليكية ، وأعطت الفرد حرية التقدير ، وأبرزت مسؤولية الفرد تجاه الله وحده ، وليس تجاه الكنيسة .

وزعيم الإصلاح "البروتستانتي" في المسيحية هو القسيس "مارتن لوثر" الذي عاش ما بين (1483 – 1546م) .

نال شهادة أستاذ في العلوم من جامعة "ايرفورت" سنة (1505م) وبدأ يدرس القانون . ثمّ تحول عنه ودخل ديراً للرهبان الأغسطينيين . ورسم قسيساً سنة (1507م) . ثمّ عين راعياً لكنيسة "فيتنبرج" بألمانيا . زار روما سنة (1510م) فساءه الانحلال الروحي المتفشي في الأوساط الكنسية العليا . فأخذ يفكر يخطط لإصلاح عقيدة الكنيسة وطرق العبادة فيها .وفي سنة (1517م) تحدى "تيتزل" الذي كان يبيع صكوك الغفران . واحتجاجاً على مفاسد رجال الكنيسة علق على أبواب كنيسة القلعة خمساً وتسعين قضيةً أثارت غضب السلطات الكنسية . فطلبوا منه سحب احتجاجاته فرفض ، وأعلن مقاومته الصريحة لبعض العقائد المرعية . فأصدر البابا قراراً بحرمانه من غفران الكنيسة ، فلما تلقاه "لوثر" أحرقه علانية .

فالمذهب "البوتستانتي" ثمرة حركة "مارتن لوثر" إلا أن هذا المذهب لم يصل إلى إصلاح أصل العقيدة التي دخل إليها التحريف ، فلم يمس عقيدة التثليث ، ولا عقيدة الصلب والفداء ، ولا غير ذلك من تحريفات جوهرية في الدين .

4 – وكان للفتح الإسلامي تأثير كبير في الفكر الأوروبي بوجه عام ، إذ قامت الحضارة الرائعة الرائدة في العواصم الإسلامية ، وكان للدولة الإسلامية في الأندلس مجد عظيم امتدت أنواره إلى أوروبا الغارقة في الظلمات .

لقد كان الفتح الإسلامي المجيد ، وما جاء بعده من بناء حضاري رائع بحسب زمنه ، من أعظم الأسباب التي نبهت الشعوب الأوروبية إلى ضرورة الأخذ بالأسباب التي أخذ بها المسلمون .

وبالبحث وجد مفكروهم أن المسلمين اعتمدوا في بناء حضارتهم الرائدة على البحث العلمي الصحيح ، والتجارب العملية ، فبعثوا بعوثهم إلى عواصم العالم الإسلامي ، بغية اقتباس العلم ، ومعرفة ما لدى المسلمين من نهضة حضارية ، ووجدت بعوثهم أن الدين الإسلامي قد دفع المسلمين من الأبواب العريضة لاقتباس المعارف ، والكشف عن أسرار الكون ، وأسباب الظواهر التي تجري فيه ، ومعرفة القوانين التي فطر الله الأشياء وطبعها عليها ، ليتمكنوا من استخدامها ، والانتفاع منها في صنع الوسائل الحضارية .

وعادت هذه البعوث إلى بلادها تنادي بضرورة الأخذ بأسباب العلم والمعرفة ، للوصول إلى مواقع القوة ، وقيام النهضة الحضارية التي تحاكي ثمّ تسابق نهضة المسلمين ، وتوقف انتشار الإسلام وامتداد الدولة الإسلامية الكبرى .

واستجاب بعض مفكريهم لهذه النداءات ، وشجع بعض ملوكهم هذه النهضة الفكرية ، وحاول هؤلاء فصل النهضة العلمية عن سلطان الأديرة والكنائس ، واتجهوا لتأسيس جامعات علمية قائمة على غير هوى رجال الكهنوت المسيحي .

حتى شهدت أوربا الإمبراطور "فردريك" الثاني ، الذي اعتلى عرش إيطاليا ، وكان يلقب بأعجوبة الدنيا ، يتمرد على سلطة البابا ، ويفتح بلاطه لعلماء المسلمين ومفكريهم ، ثمّ ذهب إعجابه بنهضة المسلمين الفكرية والحضارية إلى إدخال تقاليدهم وعاداتهم في بلاطه .
وفي سنة (1224م) أسس جامعة "نابولي" . وكانت هذه الجامعة تدرس فلسفة الفيلسوف العربي "ابن رشد" وفلسفة الفيلسوف اليوناني "أرسطو" المنقولة بأقلام المترجمين المسلمين ، وكانت تعتمد على الدروس التي وضعها علماء من المسلمين مثل : "ابن سينا ، والرازي ، والفارابي" وغيرهم .

والإمبراطور "فردريك" هذا ، هو الذي أدخل الأرقام العربية ، وعلم الجبر إلى أوروبا .

وكانت جامعة "نابولي" وجامعة "ساليرنو" النافذتين اللتين انتقلت منهما النهضة الفكرية إلى جامعات "باريس" و"بولونيا" و"اكسفورد" ثمّ منها إلى جميع أنحاء أوربا .

ثمّ اتسع احتكاك الأوروبيين الثقافي بالمسلمين في الأندلس ، وفي القاهرة ، ودمشق ، وبغداد ، وسائر العواصم الإسلامية ، والمدن الكبرى في العالم الإسلامي ، عن طريق التجارات ، والرحلات ، والسفارات .

وزاد الاحتكاك توسعاً وعمقاً أيام الحروب الصليبية ، التي دامت قرابة قرنين من الزمان .

وكان كل ذلك موقظاً لأوروبا من سباتها العميق التي كانت فيه .
وقام رسل النهضة الحديثة يحرضون على بناء الحضارة ، ويعملون على بنائها ، ووقف رجال الكنيسة في وجه هذه النهضة معارضين ، واشتدت المعركة بين الفريقين ، وسجل التاريخ أقبح صور التعنت الجاهل من قبل رجال الكنيسة ضد رواد العلم والحضارة .

لكن رجال الفكر والعلم في البلاد الأوروبية أخذوا ينهلون من مناهل علوم المسلمين ، وصارت الجامعات تتنافس في اقتناء الكتب العربية ، وكان فريق من علماء الغرب يصرح بأن معرفة اللغة العربية ضرورية لمن يريد أن يحيط بحقائق العلم .

وأثارت اليغرة "بتراك" فقال لقومه " ماذا نقول؟ استطاع "ششرون" أن يكون خطيباً بعد "ديموستين" وصار "فيجرل" شاعراً بعد "هوميروس" وأنتم تتوهمون مع ذلك بأنه لن ينبغ أحد بعد العرب . نحن ضاهينا اليونان ، حتى إننا سبقناهم في بعض الأحيان ، وضاهينا وسبقنا بذلك جميع الأمم ، وأنتم تقولون الآن : إننا لن نضاهي العرب !! ".

وثيقة تاريخية :

وثيقة حفظها التاريخ شاهداً على سبق المسلمين الحضاري العلمي للغرب ، ورغبة الغرب في اقتباس العلم منهم ، وهي رسالة من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى هشام الثالث الخليفة في الأندلس على المسلمين .

ونص الوثيقة كما يلي :
" من جورج الثاني ملك انكلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام .

بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة ، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل ، لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أركانها الأربعة ، ولقد وضعنا ابنة شقيقنا الأمير "دوبانت" على رأس بعثة من بنات أشراف انكلترا ، لتتشرف بلثم أهداب العرش ، والتماس العطف ، لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم ، وحماية الحاشية الكريمة ، وحدبٍ من اللواتي ستوفرن على تعليمهن ...

ولقد أرفقت مع الأمير الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل ، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص ...

من خادمكم المطيع جورج. م . أ

اعتراف عالم غربي معاصر:

جاء في كتاب "محاضرات في تاريخ العلوم" تأليف الدكتور "فؤاد سزكين" ما مضمونه : أن "شبرجس" أثبت بالأدلة أن الجامعات التي نشأت فجأة في أوروبا منذ القرن الثالث عشر الميلادي قد كانت كلها تقليداً مطلقاً للجامعات الإسلامية ، وقد عقب بهذا التحقيق على ما جاء في كتاب لزميل له من العلماء الألمان المعاصرين ، إذ زعم فيه أن نشأة هذه الجامعات في أوروبا قد كان ابتكاراً دون أي أثر خارجي ، إذ لم يكن لها نماذج سابقة عند الإغريق القدماء ، ولا عند الرومان ولا عند البيزنطيين .
* * *
(3)
تفصيل العامل الثالث بإيجاز

هو طغيان رجال الكنيسة وفساد أحوالهم ، وجمودهم المتعنت ، واضطهادهم لمخالفيهم .

جذر الطغيان :

وضع رجال الكهنوت المسيحي الأولون نظاماً هرمياً معقداً دقيقاً صارماً لسلطات رجال الكنيسة ، وبهذا النظام الهرمي المعقد سيطر رجال الكنيسة على الكنائس المسيحية من القاعدة إلى القمة ، وهيمنوا به على شعب الكنيسة ، ثمّ كان لهم به نفوذ واسع في البلاط الإمبراطوري ، وفي مختلف أجهزة الحكم ، بسبب دعمهم للطامعين بالسلطان ، وإيصالهم إليه بسلطتهم الدينية على شع الكنيسة وتأييدهم لهم ، حتى صارت البابوات يتوجون الملوك والأباطرة ، ويملون إرادتهم في تأييد من يريدون تأييده من ذوي السلطان ، وفي تعيين أنصارهم ومؤيديهم في أجهزة الحكم ، ويستغلون خضوع رجال السلطة الإدارية لهم في تحقيق شهواتهم ، ومنافعهم ، ومصالحهم الدنيوية ، وما تتجه له أهواؤهم .

هذا الوضع المغري بالاستبداد والتسلط ، قد أعطى رجال الكنيسة قوة غير عادية ، وهذه القوة المتفوقة تصاحبها عادة مشاعر الاستعلاء والاستغناء ، ثمّ يتولد عن ذلك طغيان عنيف في التصرف ، خاصة حينما يكون الخوف من حساب الله وعقابه منعدماً ، بموجب الثغرات الكثيرات الموجودة في المفاهيم النصرانية التي يراها المعتقدون بها ديناً صحيحاً ، وهي منسوبة إلى الدين زوراً وبهتاناً .

وهذا الطغيان قد كان له في أوساط رجال الكنيسة من قاعدتها العريضة حتى قمة هرمها حيث مركز البابوية ، مظاهر كثيرة في مختلف المجالات ، وفيما يلي تفصيل موجز لذلك :

تفصيل موجز لظواهر طغيان رجال الكنيسة :

كان لطغيان رجال الكنيسة عدة ظواهر شملت المجالات التالية : الطغيان الديني الذي جر إلى احتكار العلم واضطهاد مخالفي آرائهم من علماء الكون – الطغيان السياسي- التهالك على جمع المال – الإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات – وفيما يلي تفصيل موجز لذلك .
* * *

الطغيان الديني :

تسلم رجال الكنيسة سلطة دينية عظيمة تكاد تكون سلطةً مطلقة ، دون أن يكون لديهم دين صحيح ثابت بمصادر صحيحة ، ذات نصوص قطعية النسبة إلى رسول الله عيسى عليه السلام ، أو نصوص قطعية النسبة إلى رسل الله من بني إسرائيل قبل عيسى عليه السلام .

فدفعهم هذا إلى اعتماد قرارات تصدرها المجامع الكنسية ، في الأحكام الدينية المختلفة ، سواء أكان ذلك في العقائد ، أو في العبادات ، أو في التشريعات ، أسوة بما كان في المجمع المسكوني الأول ، الذي قُررت فيه عقيدة التثليث ، وأُقرت عقيدة الصلب والفداء .

ومع الرغبة بإنقاذ الدين من حالة الضياع والنسيان ، اتلي مسَّت أحكامه وشرائعه ، المنزلة على لسان عيسى وقبله ، وجد رجال الكنيسة هذه السلطة المطلقة تحقق لهم ربوبية على شعب الكنيسة ، وبها يصلون إلى ما يهوون ويشتهون .

ثمّ دفعهم هذا إلى اعتماد القرارات والأوامر التي يصدرها البابا وهو الرئيس الأعلى لكل رجال الدين المسيحي التابعين له والخاضعين لسلطته .

ومنح رجال الدين هؤلاء نفسهم العصمة عن الخطأ فيما يقررون من أحكام ، فكانوا بذلك أرباباً من دون الله ، يحللون ويحرمون لشعب الكنيسة بحسب آرائهم وأهوائهم وما يرون من مصالح لأنفسهم ولخدمة المسيحية المحرفة الأصول ، دون أن يكون لأحد مهما كان عالماً بالدين أن يعترض على قرارات المجامع ، أو قرارات البابا وأوامره ونواهيه .

أمثلة :
* لقد ورث بنو إسرائيل حكم الختان عن سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام .
ثمّ ظهر في المسيحية نسخ حكم الختان بأحكام كنسية ، ويظهر أن ذلك قد كان بتأثير عادة الرومانيين الذين كانوا لا يعرفون الختان في وثنيتهم ، وبقبول رجال الكنيسة لهذه العادة والتساهل في أمرها استرضاءً للرومان ، وتوفيقاً بين ما كان عندهم وبين المسيحية الجديدة ، إذ صارت بأمر الإمبراطور "قسطنطين" هي الدين الرسمي للإمبراطورية .

* وكان الطلاق وتعدد الزوجات مأذوناً بهما منذ عهد إبراهيم عليه السلام ، ومن الأحكام الدينية الموروثة عند جميع بني إسرائيل ، ولم يتغير حكمهما فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام .
ثمّ ظهر في المسيحية بحكم كنسي بابوي تحريم تعدد الزوجات ، ومنع الطلاق إلا في أحوال ضيقة جداً كثبوت الخيانة الزوجية .

* وكان حل أكل البهيمة من الأنعام مشروطاً بأن تكون مذبوحة وفق الذكاة الشرعية المعروفة في الإسلام .
وظل الأمر كذلك في بني إسرائيل ، ولم ينزل نسخ له فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام .

ثمّ ظهرت في المسيحية إباحة أكل غير المذكاة ذكاة شرعية ، وكان ذلك التغيير في الحكم استرضاءً للوثنية الرومانية التي كانت أحكامها تبيح أكل الميتة .

* وكان الزواج سنة من سنن الأنبياء والمرسلين ، وظل الأمر كذلك لم ينسخ فيما أنزل الله على عيسى عليه السلام في حق أي أحدٍ يملك الحاجة ولديه الباءة .
ثمّ ابتدع رجال الكنيسة الرهبانية فما رعوها حق رعايتها ، ثمّ فرضتها بعض طوائفهم على الذين ينتظمون في السلك الكنسي ، وكان ذلك حكماً بشرياً مخالفاً لشريعة الله ، ومنافياً للفطرة التي فطر الله الناس عليها ، ونجم عنه فساد عريض وفسق كبير لدى هؤلاء المحرومين من الزواج بموجب أحكام الدين الذي ابتدعه رجال الكنيسة .

* وكان الصوم عبادة مماثلة لما شرع الله في الإسلام ، فغيرة رجال الكنيسة المسيحية من صوم دائر على فصول السنة وفق الشهر القمري ، إلى صوم ثابت في شهر شتائي وفق حساب الأشهر الشمسية . ومن صوم عن الطعام والشراب كله إلى صوم عن بعض أنواع الأطعمة ، وزادوا في عدد أيام الصيام بأحكام من عندهم .

* وابتدعوا عبادة عيسى ، وعبادة الصليب ، وعبادة التماثيل ، وأشكالاً وطقوساً ما أنزل الله بها من سلطان .

* ومنحوا أنفسهم حق الغفران للمذنبين وذوي الخطايا مهما عظمت ، فرتبوا بناء على ذلك مراسيم الاعتراف والغفران ، ووضعوا رسوماً مالية يدفعها المعترف للكنيسة حتى ينال الغفران عن خطاياه ، وجر ذلك لابتزاز أموال الناس ، وجرأهم على ارتكاب الخطايا ما دام الغفران مضموناً مقابل أجر معلوم .
ثمّ أعطو أنفسهم سلطة بيع الصكوك التي تخول مالكيها دخول الجنة بغير حساب ، مهما عظمت خطاياهم السابقة واللاحقة .

* ومنحوا أنفسهم حق الحرمان من الدين ، ومنحوا رجل الكنيسة حق التحلة من أحكام الدين بحسب أهوائهم .
إلى غير ذلك من أمور عجيبة غريبة ، آخرها حق تغيير الحقائق التاريخية ، إذ أصدرت بابوية روما في عصرنا هذا قراراً يتضمن تبرئة اليهود المعاصرين لعيسى عليه السلام من التآمر على قتله ، لدى السلطان الروماني الذي استجاب لهم ، وأمر بالتنفيذ ، لكن الله أنقذه منه ، إذ أوقع شبهه على من دل على مكانه من تلاميذه ، وهو يهوذا الأسخريوطي .

* واشتدوا على مخالفيهم في الدين كله ، أو في بعض المسائل المقررة فيه ، أو في المفاهيم التي يصدرونها من عند أنفسهم بهوى منحرف ، أو بفهم مخطئ .
وركب أدمغتهم ونفوسهم تعصب عنيف ، ضد كل مخالفيهم ، ولو كانوا مسيحيين يريدون تصحيح بعض المفاهيم والأخطاء والمفاسد التي فشت في الكنيسة .

فاضطهدوا مخالفيهم – ولو ظناً ولأدنى تهمة – بقسوة لم يعرف تاريخ البشرية أظلم ولا أبشع ولا أطغى منها ، حتى كانت المثل الأكبر للهمجية والوحشية والموغلتين في التخلف الحضاري ، والبعد عن كل معاني الإنسانية ، وعن الحيوانية المحكومة بنظام فطرتها التي لا غلو ولا شطط فيها .

فأقاموا بأنانية مفرطة ، وتعصب صليبي مجنون ، محاكم التفتيش في الأندلس ، وأبادوا فيها المسلمين إبادة تامة ، بأغرب ما يتخيل الفكر من قسوة ووحشية وفنون تعذيب ، رغم العهود التي قطعوها للمسلمين ، بإعطائهم كامل حرياتهم في الأندلس ، حين تمكنوا عن طريق المنافقين والخائنين من الانتصار على المقاتلين من المسلمين فيها ، وتمكنوا من احتلالها .

لقد كانوا يملؤون سجوناً غائرة في الأرض بالمعذبين ، فيعذبونهم عذاباً نكراً ، ثمّ يقفلون عليهم ، ويسدون عليهم المنافذ ، حتى يموتوا اختناقاً ، ثمّ يجعلون هذه السجون مقبرة لسجنائهم المالئين لها .

ولم يكن رجال الكنيسة في معظم الدول المسيحية إلا صوراً مشابهة أو مقاربة لرجال الكنيسة في الأندلس ، تعصباً وعنفاً وقسوة وهمجية ، ضد كل من يشتبهون بأنه على خلاف رأيهم في أية مسألة يلصقونها بالدين .

وجر الطغيان الديني الذي وصل إليه رجال الكنيسة ، إلى احتكار العلم ، واضطهاد مخالفيهم من العلماء الباحثين في علوم الطبيعية بوسائلهم الإنسانية .

ولم يكن دفاعهم عن المسيحية دفاعاً عن دين حق ثابت بنصوص قطعية ، ولا عن حقائق ثابتة في الدين بنصوص ربانية ، أو نصوص ثابتة عن عيسى عليه السلام بطرق يقينية ، وإنما كان دفاعاً عن آراء من وضع رجال الكنيسة السابقين ، ألصقوها بالدين على شكل شروحات وتفسيرات ، واستفادوها من آراء يونانية سالفة ، أو أقوال شائعة على ألسنة الجماهير ليس لها سند علمي ، ولا سند ديني .

وقد حلل العلامة الشيخ أبو الحسن الندوي هذه الظاهرة بدقة ، ووصفها وصفاً حسناً إذ قال :
" من أعظم أخطاء رجال الدين في أوروبا ، ومن أكبر جنايتهم على أنفسهم ، وعلى الدين الذي كانوا يمثلونه ، أنهم دسوا في كتبهم الدينية المقدسة ، معلومات بشرية ، ومسلمات عصرية ، عن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبيعية ، ربما كانت أقصى ما وصلوا إليه من العلم في ذلك العصر ، وكانت حقائق راهنة لا يشك فيها رجال ذلك العصر . ولكنها ليست أقصى ما وصل إليه العلم الإنساني ، وإذا كان ذلك في عصر من العصور غاية ما وصل إليه علم البشر ، فإنه لا يؤمن عليه التحول والتعارض ، فإن العلم الإنسان متدرج مترقٍ ، فمن بنى عليه دينه فقد بنى قصراً على كثيب مهيل من الرمل .

ولعلهم فعلوا ذلك بنية حسنة ، ولكنه كان أكبر جناية على أنفسهم وعلى الدين ، فإن ذلك كان سبباً للكفاح المشؤوم بين الدين والعلم ، الذي انهزم فيه ذلك الدين – المختلط بعلم البشر الذي فيه الحق والباطل ، والخالص والزائف – هزيمة منكرة ، وسقط رجال الدين سقوطاً لم ينهضوا بعده ، وشر من ذلك وأشأم أن أوروبا أصبحت لا دينية .

ولم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة ، بل قدسوا كل ما تناقلته الألسن واشتهر بين الناس ، وذكره بعض شراح التوراة والإنجيل ومفسريهما من معلومات جغرافية وتاريخية وطبيعية ، وصبغوها صبغة دينية ، وعدوها من تعاليم الدين وأصوله التي يجب الاعتقاد بها ، ونبذ كل ما يعارضها ، وألفوا في ذلك كتباً وتآليف ، وسموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية المسيحية (Christian Topography) وعضوا عليها بالنواجذ ، وكفروا كل من لم يَدِن بها ".

اضطهاد الكنيسة للعلم :

وكان ذلك في عصر انفجر فيه بركان العقلية في أوروبا ، وحطم علماء الطبيعة والعلوم سلاسل التقليد الديني ، فزيفوا هذه النظريات الجغرافية التي اشتملت عليها هذه الكتب ، وانتقدوها في صرامة وصراحة ، واعتذروا عن عدم اعتقادها والإيمان بها بالغيب ، وأعلنوا اكتشافاتهم العلمية واختباراتهم .

فقامت قيامة الكنيسة ، وقام رجالها المتصرفون بزمام الأمور في أوروبا ، وكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم في سبيل الدين المسيحي ، وأنشأوا محاكم التفتيش التي تعاقب – كما يقول البابا – أولئك الملحدين والزنادقة الذين هم منتشرون في المدن وفي البيوت والأسراب والغابات والمغارات والحقول .

فجدت واجتهدت وسهرت على عملها ، واجتهدت أن لا تدع في العالم النصراني نابضاً ضد الكنيسة ، وانبثت عيونها في طول البلاد وعرضها ، وأحصت على الناس الأنفاس ، وناقشت عليهم الخواطر ، حتى يقول عالم نصراني :

" لا يمكن لرجل أن يكون مسيحياً ويموت حتف أنفه ".

ويقدر أن من عاقبت هذه المحاكم يبلغ عددهم ثلاثمائة ألف ، أُحرق منهم اثنان وثلاثون ألفاً أحياء ، كان منهم العالم الطبيعي المعروف "برونو" نقمت منه الكنيسة آراءً من أشدها قوله بتعدد العوالم ، وحكمت عليه بالقتل ، واقترحت بأن لا تراق قطرة من دمه , وكان ذلك يعني أن تحرق حياً ، وكذلك كان ". انتهى .

ويقول "برنتن" :
" إن أكثر أصحاب الوظائف العلمية حتى في أوج العصور الوسطى كانوا ينتمون إلى نوع من أنواع المنظمات الدينية ، وكانوا جزءاً من الكنيسة ، حيث إن الكنيسة بدرجة لا نكاد نفهمها اليوم ، تتدخل في كل لون من ألوان النشاط البشري وتوجهها ، وبخاصة النشاط العقلي ....

كان الرجال الذين يتلقون تعليمهم في الكنيسة يكادون يحتكرون الحياة العقلية ، فكانت الكنيسة منصة المحاضرة والصحافة والنشر والمكتبة والمدرسة والكلية ".

أمثلة:

* كانت الكنيسة آخذةً بنظرية "بطليموس" التي تجعل الأرض مركز الكون ، وتقول : إن الأجرام السماوية جميعها تدور حولها .

فجاء القسيس "كوبرنيق" بنظرية تقول بخلاف النظرية القديمة ، التي جعلتها الكنيسة ضمن معارفها الدينية ، وشرح نظريته في كتابه "حركات الأجرام السماوية" .

وطبع كتابه هذا ، فثارت ثورة الكنيسة ضده ، وقبل أن يساق إلى محكمة التفتيش أدركته منيته ، فحرمت الكنيسة هذا الكتاب ، ومنعت تداوله ، وقالت : إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل .

* ثمّ ظهر "جيوردانو برونو" فنادى بنظرية "كوبرنيق" فقبضت عليه محكمة التفيش ، وزجت به في السجن ست سنوات ، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة (1600م) كما سبق بيان ذلك .

* وبعد عدة سنوات ظهر "جاليلو" الذي توصل إلى صنع المنظارالفلكي "التلسكوب" فأيد بمشاهداته نظرية "كوبرنيق" وقال بدوران الأرض .

فسيق إلى محكمة التفتيش ، وحكم عليه سبعة كرادلة بالسجن ، وفرضوا عليه تلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات .

ولما خاف "جاليليو" من المصير الذي انتهى إليه "برونو" أعلن توبته ، ورجوعه عن رأيه ، وركع أمام رئيس المحكمة قائلاً :
" أنا جاليليو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك ، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي ، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي المخطئ بدوران الأرض" .

وتعهد للمحكمة بأن يبلغها عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل .

هذه الأمثلة ونظائرها تجدها في معظم الكتب التي تحدثت عن الصراع بين الدين المسيحي والعلم . أو أرَّخت للقرن السادس الميلادي فما بعده ، ولدى معظم الذين تحدثوا عن اضطهاد الكنيسة لعلماء النهضة الحديثة .
* * *

الطغيان السياسي :

بلغت سلطة البابا الدينية المهيمنة على ذوي السلطة الإدارية والسياسية أوجها . حتى كان باستطاعة البابا أن يتوج الملوك والأباطرة ، وأن يخلع تيجانهم إذا نازعوه ورفضوا أوامره ، وأن يحرمهم من الدين ، وأن يحرم شعوبهم الذين يوالونهم ، ولا يستجيبون لأوامر الخلع البابوية .

حتى أعلن البابا "جريجوري" السابع : أن الكنيسة بوصفها نظاماً إلهياً ، خليقة بأن تكون صاحبة السلطة العالمية ، ومن حق البابا وواجبه بصفته خليفة الله في أرضه ، أن يخلع الملوك غير الصالحين ، وأن يؤيد أو يرفض اختيار البشر للحكام ، أو تنصيبهم حسب مقتضيات الأحوال .

وبناء على ذلك خلع هذا البابا الإمبراطور الألماني "هنري" الرابع وحرمه ، وأحل أتباعه والأمراء من ولائهم له ، وألبهم عليه ، فعقد الأمراء اجتماعاً قرروا فيه أنه إذا لم يحصل الإمبراطور على مغفرة البابا فإنه سيفقد عرشه إلى الأبد .

فاضطر هذا الإمبراطور حفاظاً على عرشه أن يسعى لاسترضاء البابا سنة (1077م) ، فاجتاز جبال الألب في شتاء بارد مسافراً إلى البابا الذي كان في قلعته بمرتفعات "كانوسا" في "تسكانيا" . وظل واقفاً في الثلج في فناء القلعة ثلاثة أيام ، وهو في لباس الرهبان متدثراً بالخيش ، حافي القدمين ، عاري الرأس ، يحمل عكازه ، مظهراً ندمه وتوبته ، حتى ظفر بعفو البابا ، وحصل على رضاه .
* * *

التهالك على جمع الأموال :

تدعوا التعاليم المسيحية التي ابتدعها الرهبان إلى الزهد والتقشف ، والبعد عن جمع الأموال ، وإلى تعذيب الجسم والرضا بأقل العيش .

وعمل بهذا قليل من رهبانهم ، وتظاهر به كثيرون مراءون ، كانوا يجمعون الأموال باسم الفقراء والمساكين ، ثمّ يكنزونها ، ولا ينفقونها فيمن جمعوها لهم .

ثمّ لما صار لرجال الكنيسة سلطان قوي على الشعب المسيحي من القاعدة إلى القمة ، اجتماعي وسياسي ، أخذوا يجمعون الأموال الطائلة باسم خدمة المسيحية والتبشير بها ، وباسم المشروعات التي يريدون إنشاءها ، من كنائس وأديرة وغير ذلك .

حتى صار جمع المال والاستكثار من الثروت غاية لديهم ، فأمست الكنيسة تملك أوسع الأراضي ، وأكثر القصور ، وأكثر الأرقاء الذين يعملون في زراعة أراضيهم ، وبلغت ممتلكات الكنيسة في إنكلترا ثلث أراضيها ، كما ذكر "ويكلف" أحد دعاة الإصلاح الكنسي .

وانطلق كثيرون من رجال الكنيسة ينافسون كبار الأغنياء ، وملاك الأراضي والأرقاء فيما يجمعون من أموال لأنفسهم ، حتى كان بعضهم يملك إقطاعات واسعة وآلاف الأرقاء لاستثمار هذه الإقطاعات .

وفرضت الكنيسة ضرائب على رعاياها ، تأخذها منهم بالقوة ، مع ما تأخذه منهم من عطايا وهبات ووصايا .

وفتحت رسوم الاعتراف والغفران ، وصكوك الغفران التي يبيعونها للناس ، أبواباً واسعة تبتز بها الكنيسة أموالاً طائلة ، وصار من مصلحة صندوق الكنيسة التشجيع على ارتكاب كبائر الذنوب ، ليغفر رجالها للمذنبين ، ويأخذوا منهم ثمن العفو والغفران .

ولجأت الكنيسة إلى نظام تسخير رعاياها المسيحيين في العمل المجاني بمشروعاتها الزراعية أو إنشاءاتها .

واشتدت احتجاجات الجماهير السرية ثمّ العلنية ، وأيدهم في ذلك بعض الملوك .

لكن سلطة الكنيسة كانت أقوى من أن تلتفت لذلك ، وتعدل من سلوكها .
* * *

الإسراف والبذخ والانغماس في الشهوات والملذات :

عملاً بتعاليم المسيحية الداعية إلى الزهد والتقشف ، غلا الرهبان والقساوسة غلواً مسرفاً في تعذيب أجسامهم تقرباً إلى المسيح .
وكان التقشف عند بعضهم تقشفاً ظاهرياً ، أما في السر فكانوا يعطون أنفسهم كل حظوظها من الاستمتاع بأنواع لذات الحياة الدنيا .

ثمّ لما صار لهم سلطان قوي على الشعب المسيحي من القاعدة إلى القمة ، وملكوا الأموال الكثيرة ، ووسائل الاستمتاع الوفيرة ، وضعف تأثير التعاليم والتوجيهات المسيحية في نفوسهم ، انطلقت فطرهم على سجيتها ، وتفجرت شهواتهم تتطلب إشباعها ، فأخذوا ينافسون ويسابقون العصاة وأرباب الفجور من عشاق زينة الحياة الدنيا ، وطلاب متاعها ولذاتها .

وانطلقت الألسنة تلهج باتهام رجال الكنيسة بارتكاب كبائر الإثم ، ومقارفة المنكرات ، والانغماس في الموبقات ، حتى دركة الفجور بمختلف أنواعه وأشكاله ، وانطلقت الألسن باتهامهم بفساد الأخلاق واستغلال سلطتهم الدينية لإشباع شهواتهم ، وتحقيق أهوائهم .

وصار الإسراف الشديد والبذخ الزائد من الأمور التي يتنافس فيها رجال الكنيسة فيما بينهم ، فيبددون الأموال الطائلة التي يجبونها باسم الكنيسة ومشروعاتها على ترفهم وشهواتهم ولذاتهم .

يقول الراهب "جيروم" :

" إن عيش القسس ونعيمهم كان يزري بترف الأمراء والأغنياء المترفين ، وقد انحطت أخلاق البابوات انحطاطاً عظيماً ، واستحوذ عليهم الجشع وحب المال ، وعدوا طورهم ، حتى كانوا يبيعون المناصب والوظائف كالسلع ، وقد تباع بالمزاد العلني ، ويؤجرون أرض الجنة بالوثائق والصكوك وتذاكر الغفران ، ويأذنون بنقض القانون ، ويمنحون شهادات النجاة ، وإجازات حل المحرمات والمحظورات ، كأوراق النقد وطوابع البريد ، ويرتشون ويرابون .

وقد بذروا المال تبذيراً ، حتى اضطر البابا "أنوسنت" الثامن أن يرهن تاج البابوية .

ويذكر عن البابا "ليو" العاشر أنه أنفق ما ترك البابا السابق من ثروة وأموال ، وأنفق نصيبه ودخله ، وأخذ إيراد خليفته المرتقب سلفاً وأنفقه .

ويروى أن مجموع دخل مملكة فرنسا لم يكن يكفي البابوات لنفقاتهم وإرضاء شهواتهم" .
* * *
(4)
تفصيل العامل الرابع بإيجاز

وهو الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة ، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي .

ضمن عوامل تاريخية قديمة لشعوب الغرب ، وعوامل أخرى طارئة وتطورية، منها أثر الفتح الإسلامي ، ظهر الاتجاه الجاد في أوروبا والغرب عامة ، للأخذ بأسباب التقدم الحضاري العلمي والمادي ، بغية الوصول إلى القوة المتفوقة ، والسبق الصناعي ، عن طريق الآلة الميكانيكية ، بدافع الرغبة بالسيطرة على الأسواق العالمية ، وامتلاك الثروات العظمى في العالم والسيطرة على الشعوب ، واستغلالها ، واستعبادها بنزعة استعمارية مستعلية ، مع دوافع فردية للوصول إلى مجد عالمي ، أو ثراء مالي ، أو غير ذلك .

لما اتجه الغرب هذا الاتجاه الجاد ، واصطدم بجمود الكنيسة ومقاومتها للعلماء ، حاول فكرياً ثمّ عملياً أن يعزل الكنيسة عما يلي :

أ- عن شؤون السياسة ، حتى لا يكون لها سلطان على الحكام ، فتسخرهم ضد من تريد التنكيل به من الذين يخالفون آراءها في مسائل العلم الكوني ، وصادف هذا هوى ملوك الغرب وزعمائه السياسيين ، الذين لا دين لهم ، وكان يضايقهم تدخل الكنيسة في شؤونهم السياسية .
ب- وعن مجالات الدراسات العلمية والفلسفية ، ووافق هذا رغبات العلماء والفلاسفة والباحثين في علوم الطبيعة الكونية ، ورغبات كل عشاق البحث والمعرفة من الدارسين أو المتطلعين للدراسة ، ومعهم طوائف من الجماهير ذات مصالح مختلفة .

جـ- وعن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام ، ووافق هذا رغبات الشباب والشابات الذين فتنتهم شعارات التحرر والحرية ، واستثارهم حب الانطلاق وفق شهواتهم وأهوائهم ، والتفلت من القيود الدينية والأخلاقية والاجتماعية . كما وافق هوى كل الذين يصانعون الدين مصانعة ظاهرية ، وهم لا يؤمنون به .

وبعزل رجال الكنيسة عن شؤون السياسة ، وعن مجالات الدراسات العلمية والفلسفية ، وعن شؤون الحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك العام ، يغدو سلطان الكنيسة قاصراً على شؤون الدين الغيبية والروحية ، وعلى مراسيمه وطقوسه الخاصة ، وبذلك يتم الفصل التام بين الدين والدنيا ، يُحصَر الدين في دائرة ضيقة جداً .

ولما كان الغرب مشحوناً بالحقد على الأمة الإسلامية ، والكراهية للإسلام – بمقتضى المواريث الصليبية ذات العوامل التاريخية ، والتي كان رجال الكنيسة ورجال السياسة يغذونه بها دائماً ، ويعملون على تراكمها في النفوس والأفكار منذ نشأة الأطفال فيه – فإن مفكريه لم يحاولوا أن يبحثوا في الإسلام ، عسى أن يجدوا فيه البديل الحق للدين المحرف الذي سقط جوهره من نفوسهم ، ولم يبق فيها نحوه إلا عصبية الانتماء الاسمي التاريخي الذي ورثوه عن آبائهم .

أضيف إلى ذلك تقصير المسلمين بواجبهم ، وتفريطهم بما فرض الله عليهم ، إذ لم يتخذوا الوسائل النافعة المجدية ، لنشر الإسلام في الغرب ، والتعريف به ، عن طريق الفكر والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبألسنة القوم ، والأساليب التي تؤثر فيهم .

وبذلك بقي الإسلام مجهول الحقيقة في الغرب ، مشوّه الصورة في نظره ، وماذا تفعل الجماهير التقليدية إذا كان الحق غائباً ، والزيف قائماً ، والشياطين بمغرياتهم يغوون ، يسترضون الأهواء ، ويأسرون الشهوات ، ويفسدون الأفكار ؟؟.

وبدأ رجال النهضة الحديثة يعملون على محاصرة رجال الكنيسة ، وعزلهم ضن حدودهم وطقوسها شيئاً فشيئاً ، وأخذت فكرة فصل الدين عن السياسة والعلم وشؤون الحياة تتحقق بصورة تدريجية ، وبدأت تتضاءل سلطة رجال الكنيسة .

ثمّ أخذت النظريات في العلوم ، والتجارب في المعامل ، والتطبيقات في مختلف مجالات الحياة ، تعطي ثمارها النافعة المدهشة ، فساعد ذلك على انتشار وتعميق وترسيخ فكرة فصل الدين عن السياسة والعلم والحياة في الغرب ، إذ كانت نفوس أهله مهيأة لذلك ومستعدة له ، وفي كثير منها دوافع ثورية لإعلائه ، لولا ضواغط الخوف التي كانت تمنع ظهوره ، بسبب تعاون السلطة الدينية والسلطة السياسية ، وامتلاكهما لكل مراكز القوة .

ونشط المغرضون في التحريض ضد رجال الدين المسيحي في كل موقع ، همساً ودساً ، ثمّ كتابة ونشراً .

وكانت بداية النهضة العلمية الحديثة في ميادين الفلسفة ، التي كانت يومئذ وعاء كل العلوم الطبيعية وما وراء الطبيعة .

ثمّ بدأت العلوم الرياضية والطبيعية تأخذ مجاريها المنفصلة عن الفلسفة ، لتختص الفلسفة ببحوث ما وراء الطبيعة ، ومنها التعليلات والتفسيرات الغيبية للظواهر الطبيعية .

وبدأ المفكرون الغربيون يبحثون في الفلسفة الإغرقية ، والفلسفات التي بنيت عليها أو استفادت منها أو تأثرت بها عن بدليل للدين الذي عزلوه في نفوسهم عن السياسة والعلم والفلسفة والحياة ووسائل العيش وأساليب السلوك .

ولما كانت الفلسفة الإغريقية عقلية الجذور ، فقد اتجه الغرب لاعتماد العقل وتمجيده ، والرجوع إليه في كل الشؤون التي عزل الكنيسة عنها .

ومنها ظهر المذهب العقلي منعطفاً عن الدين غير مكترث به ، وأطلق عليه اسم "العقلانية" .

وكان للمنافقين من اليهود المندسين في السلك الكنسي لتخريب النصرانية من داخلها دورٌ لا نستطيع أن نعرف مداه لخفائه عن الأنظار ، حتى يقال : إن كثيراً منهم استطاع أن يصل إلى مرتبة "كردينال" . وإن بعضاً منهم قد استطاع أن يصل إلى مرتبة "بابا" .

وفي خضم التحرك المندفع الثائر لعزل الكنيسة وإسقاط سلطانها ، وتمجيد العقل واعتماد بحوثه ونظرياته في كل شيء بعيداً عن أي مؤثر ديني ، أو غيبي كما يسمون – وهو التحرك الذي كان لليهود في الغرب دور كبير في الدفع إليه ، وفي إيصاله إلى ما وصل إليه-.
في خضم هذا التحرك نشط أحبار يهود وشياطينهم ، لتحقيق مخططاتهم ، وتدمير ما بقي من فكر ديني في الغرب ، ولإقامة الثورات التي يستثمرونها لأغراضهم الآنية ، ولتجميع الثروات وامتصاصها من الذين كدحوا كدحاً كبيراً حتى وصلوا إليها ، ولصيدها بالمكر والحيلة وهدوء النفس ، بينما الناس ثائرون قد عشيت أبصارهم فهم يتحركون على غير بصيرة .

وهدف اليهود البعيد من وراء كل ذلك أن يصلوا إلى حكم العالم صراحة ، باستكبار واستعلاء ، ودون خوف ولا تحايل ولا استخفاء . وهم يرون أن وسيلتهم الوحيدة للوصول إلى هذا الهدف البعيد ، تدميرهم للدين مهما كان شأنه ، وللأخلاق ، وللنظم الاجتماعية ، ثمّ إقامة الثورات والحروب المنهكة لشعوب العالم .

* * *

قسورة
03-06-2006, 06:19 PM
الفصْل الثاني


تحرّك اليَهُود مُسْتَغلّينَ المنَاخ الملاَئِمَ في أورُبَّا

1- نظرة إلى المقدمات والإرهاصات :

كان ما سبق الثورة الفرنسية الكبرى في الغرب ، التي اندلعت نارها سنة (1789م) بمثابة مقدّمات وإرهاصات لعدة أمور :
أ- لقيام الثورة الفرنسية الكبرى .

ب- وللتحول الكبير إلى نبذ المسيحية عقيدة ومفاهيم وتعاليم وسلوكاً ، عند معظم الأجيال الناشئة ، التي أخذت طريقها في ميادين المعارف والعلوم التي قدّمتها النهضة الحديثة .

جـ- ولمحاصرة رجال الدين المسيحي ضمن أضيق الدوائر .

د- وللانطلاق مع المذهب العقلي (العقلانية) الذي يرى العقل هو وحده المعتمد في كل شيء .

هـ- وللأخذ بكل ما يصل إليه البحث العلمي الإنساني ، في كل مجالات المعرفة الإنسانية النظرية والتطبيقية ، حتى ما يتصل بالسلوك الإنساني الفردي والجماعي ، ولو لم يقدم البحث العلمي بعدُ حقائق نهائية ، بل هو ما زال في دور النظريات أو الفرضيات ، وصار هذا مذهباً سائداً في الغرب وهو الذي رفع شعار "العلمانية" .

فإن بقيت ، بعد "العقلانية" و"العلمانية" ، للدين المسيحي بقيّة ، فهي مسائل عقدية وطقوس رمزية ، لا دخل لها في شؤون الحياة ، وأمورٌ غيبية ليس من شأنها أن تفهم عقلياً ولا علمياً ، ويسلم بها المسيحي المتدين تسليماً أعمى ، ولو كان العقل والعلم يرفضانها ، وقد يطلقون عليها اسم "روحية" ، عزلاً لها عن ماديات الحياة .
* * *

2- الثورة الفرنسية :

دبر اليهود مكايدهم لاستغلال الثورة النفسية التي وصلت إليها الشعوب الأوروبية ، لا سيما الشعب الفرنسي ذو المزاج الثوري الانفعالي الحاد ، فأعدوا الخطط اللازمة لإقامة الثورة الفرنسية ، الرامية إلى تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية .

وفعلاً قامت هذه الثورة الكبرى عام (1789م) . واستطاع اليهود أن يجنوا الثمرات لأنفسهم ، على حساب آلام الشعوب ، والدماء التي أُهرقت من جرائها ، واستطاعوا أن يظلوا في الخفاء بعيداً عن الأضواء ، وأن يزوروا كثيراً من الحقائق التاريخية لستر مكايدهم وغاياتهم . واستطاعوا أن يصوروا هذه الثورة وما جرت وراءها بالصورة الجميلة المحببة ، وأن يجعلوها إحدى الأعمال التاريخية المجيدة ، وذلك عن طريق الدعايات والإشاعات المزخرفة المقرونة بالشعارات البراقة التي انخدعت بها الجماهير ، وأخذت ترددها بغفلة وجهل وحماقة ، وهي لا تدري الهدف الذي ترمي إليه .

ووضع اليهود شعاراً مثلثاً لهذه الثورة هو : "الحرية – المساواة – الإخاء" .

أما أصل مخططات هذه الثورة فقد وضعها جماعة النورانيين من الحاخامين اليهود ، واستخدموا للبدء بالدعوة إليها بين سادة المال اليهود العالميين ؛ الثري المرابي الكبير "روتشيلد الأول" ثمّ ابنه "ناتان روتشيلد" .

فدعا "روتشيلد الأول" اثني عشر رجلاً يهودياً من أرباب المال العالميين إلى "فرانكفوت" وتدارسوا في إعداد الخطط اللازمة لإقامة الثورة الفرنسية ، واتفقوا على وضع إمكانياتهم المالية لتنفيذها .

ثمّ عرض "روتشيلد" عليهم الوثائق المكتوبة التي عهد إليه بها جماعة النورانيين من الحاخامين اليهود وقرأها عليهم ، وتتضمن هذه الوثائق تنظيم خطّة للعمل مرسومة بدقة بالغة وعناية فائقة .

وقد جاء في هذه الوثائق المكتوبة ما يلي :

1- إن الحقائق التاريخية الواقعية تثبت أن معظم الناس يميلون إلى الشر أكثر من ميلهم إلى الخير .

والنتيجة المنطقية لذلك ، هي أن المؤامرة تستطيع الوصول إلى النتائج التي نرغبها ، إذا كان نظام الحكم مبنياً على الإرهاب والعنف والمغامرات واغتصاب السلطة .

أما حكم الشورى والشرعية فإنه يمنعها من الوصول إلى مآربها .

وقال "روتشيلد" : " إن القوانين الطبيعية تقضي بأن الحق هو القوة " .

2 – إن الحرية السياسية ليست سوى فكرة ، فهي ليست أمراً واقعياً ، أي : إنها لا يمكن أن تصبح أمراً واقعياً .

فكل ما يقتضيه الوصول إلى السلطان السياسي هو التبشير بالتحرر السياسي بين الجماهير ، وعندما تعم هذه الفكرة تقبل الجماهير بالتنازل عن امتيازاتها وحقوقها التي تمنحها إياها الأنظمة الشرعية دفاعاً عن هذه الفكرة ، ويستطيع المتآمرون آنئذ ، الاستيلاء على جميع هذه الامتيازات والحقوق .

ولا خوف من تحقق الحرية السياسية بالفعل طالما أنها ليست سوى فكرة لا يمكن أن تصبح أمراً واقعياً .

3 – إن سلطة الذهب تمكنت دائماً من التغلب على سلطة الحكام الأحرار .

وكان الدين هو المسيطر على المجتمع ذات يوم ، ثمّ استعيض عنه فيما بعدُ في العديد من البلدان بفكرة الحرية ، ولكن الناس لم يعرفوا كيف يتصرفون بهذه الحرية باعتدال .

وهذه حقيقة واقعة ، تجعل من المنطق أن نعمد إلى استخدام واستغلال فكرة الحرية ، حتى نثير النزاع داخل المجتمع الواحد .

وقال "روتشيلد" : لا يهم مطلقاً لنجاح مخططنا أن يتم تدمير الحكومة القائمة عن طريق القوى الداخلية أو الخارجية ، لأن المنتصر كائناً من كان سوف يحتاج إلى "الرأسمال" وهو بكامله في أيدينا نحن .

4 – إن السعي لنجاح هذه المؤامرة يبرر استعمال أية وسيلة مهما كان شأنها ، لأن الحاكم الذي يحكم بموجب القواعد الخلقية ليس بالسياسي الماهر في المناورات ، لأنه يلتزم بالحق والشرائع ، ولا يقبل بالكذب على الجماهير ، ولا يعاقب خصومه إلا إذا ثبت عليهم الجرم .

وقال "روتشيلد" إن الفضائل الاجتماعية الكبرى كالصدق والاستقامة ، ليست إلا عيوباً كبرى في السياسة .

5 – إن حقنا في قوتنا ، وليست كلمة حق سوى تعبير خيالي لا معنى له . لقد وجنا معنى جديداً للحق ، هو الهجوم متذرعين بحق القوي وتمزيق جميع مفاهيم العدالة إرباً إرباً .

ونستطيع بعد ذلك أن نضع جميع المؤسسات والأنظمة الاجتماعية كما نشاء ، ونصبح بالتالي السادة المسيطرين على صفوف الجماهير ، التي ستعطينا هي بنفسها الحق في السلطان ، في اليوم ذاته الذي سننادي فيه في فرنسا بالتحرر المزعوم .

6 – يجب أن تظل سلطتنا الناجمة عن سيطرتنا على المال خفية عن أعين الجميع ، حتى يأتي اليوم الذي تصل فيه هذه الدرجة إلى درجة من القوة يستحيل معها على أية قوة أخرى أن تحطمها ...

7 – يجب تبني "نفسية التجمعات الجماهيرية" للتمكن من السيطرة على زمام الجماهير ، والسبب في ذلك هو أن الجماهير عمياء وعديمة التفكير ، وسريعة الانفعال ، وأنها دوماً تحت رحمة أي تحريضٍ من أي طرف جاء ...

ولا يستطيع إنسان التحكم في الجماهير وتسييرها حسب مشيئته سوى حاكم طاغية ، والطغيان المطلق هو السبيل الوحيد لبناء الحضارة التي نريدها .

وفي اللحظة التي تسطير فيها الجماهير على حريتها تنقلب هذه الحرية حالاً إلى فوضى .

8 - يجب الاعتماد على الكحول والمشروبات الروحية والمخدرات ، والفساد الخلقي والجنسي ، والرشوة ، وإفساد الضمائر . وذلك كأمثلة على الرذيلة بجميع أنواعها ، التي يترتب على منظمات العملاء أن تتبناها ، وتخطط لاستعمالها بصورة نظامية مدروسة ، وموجهة لتدمير البنيان الخلقي للشبيبة ، في الأمة التي تتسلل إليها المنظمة .

ويترتب على الهيئات الخاصة في المنظمة أن تدرب أفرادها رجالاً ونساءً ليصبحوا أساتذةً ، وخدماً , وربيات ، ومستخدمين ، ومستخدمات ونحو ذلك ، وأن تنتقي نساءً لكي يعملن في أمكنة اللهو والفجور والدعارة من "الجوييم".

أضيف إلى هذه الفئة من النساء بعض سيدات المجتمع اللواتي سوف يتطوعن من تلقاء أنفسهن ، لمنافسة الأخيرات في ميادين الفساد والمتعة المترفة ، على أنه لا ينغبي أن نقف عند أي حد في ميادين الرشوة والفساد والفضائح والخيانة ، ويجب أن نستغل كل شيء في سبيل الهدف النهائي .

9 – إن للمؤتمرين بصورة طبيعية الحق في اغتصاب أموال أي شخص كان ، إذا كان ذلك يؤمن لهم المزيد من السيطرة ، أو إخضاع وإذلال الشخص المقصود .
10- سوف نسلك في دولتنا التي سنشيدها طريق الغزو التسللي ، وبذلك نتجنب فظائع الحرب المكشوفة ونتائجها ، مستعيضين عنها بطرائق أقل فداحة ، وأضمن نتائجاً ، وذلك كأحكام الإعدام بالجملة ، الضرورية لممارسة حكم الإرهاب ، الكفيل بتأمين خضوع الجماهير المطلق لنا .

11 - لا يوجد مكان في العالم لما يسمى بـ"الحرية" و"المساواة" و"الإخاء" .

ليست هذه سوى شعارات كنا أول من تظاهر بتبنيها ، ووضعناها في أفواه الجماهير لترددها كالببغاوات .

إن النظام الطبقي الموجود حالياً مبني على أرستقراطية النسب وشرف المحتد ، وسوف نحطم هذا النظام باسم الشعارات المذكورة ، لنبني على أنقاضه نظاماً لا يقوم على أساس هذه الشعارات كما يتوهمون ، بل نظاماً طبقياً جديداً يقوم على أساس أرستقراطية الثورة .

وسيكون المال طابع الأرستقراطية الجديدة ، والمال كما تعلمون بأيدينا نحن .

12 – ثمّ أوضح "روتشيلد" للمؤتمرين خطط إثارة الحروب ، فأبان لهم وجوب كونها منهجية مدروسة محددة ، ووجوب توجيهها بصورة تغرق معها الأمم المتحاربة في الديون التي ترتبط بصورة خفية بأصحاب المؤامرة ، ثمّ يكون توجيه مؤتمرات الصلح بعدها بالصورة المرسومة سلفاً .

13 – ثمّ أوضح "روتشيلد" للمؤتمرين وجوب الهيمنة على الانتخابات والتسميات للمناصب العامة .

أما الطريقة للوصول إلى ذلك فتقوم على استخدام سلطان شبكات العملاء ، والدعايات الواسعة ، باسم شعارات تحررية مزعومة ، للتحريض على الفوضى والعصيان ، وتأليب الجماهير بحملات منظمة تقوم بتمويلها مجموعة الأموال العالمية التابعة للمؤامرة .

ثمّ شرح الدور الذي سوف يقوم به من يتم إيصالهم إلى المناصب العامة ، وإلى الزعامات فقال للمؤتمرين :

سوف يكون هؤلاء في خدمتنا ، ويطيعون تعليماتنا ، أي : إنهم سيكونون مستعدين على الدوام ليلعبوا دور الأحجار في لعبة الشطرنج ، سيكونون بالاختصار دمى يحركها من وراء الستار خبراؤنا المدربون القديرون .

أما هؤلاء الخبراء أو المستشارون فسوف يتم انتقاؤهم منذ الطفولة ، ويستمر الإشراف عليهم وتعليمهم وتدريبهم ، حتى يصلوا إلى مرحلة العبقرية التي تؤهلهم للسيطرة الخفية على مقاليد العالم ...

14 – بعد أن نعهد بزعامة حكم الإرهاب أولاً إلى بعض الخياليين الساذجين المخدوعين ، وبعض المجرمين ، نقوم بإعدام هؤلاء في الوقت المناسب ، وبذلك نظهر لأعين الجماهير كمحرريها من الظلم والاضطهاد ، وكالأبطال المنقذين .

هذا في الوقت نفسه الذي نهدف فيه إلى العكس تماماً ، أي : إلى السيطرة المطلقة والانتقام من "الجوييم".

15 – إن أزمات البطالة العامة الناتجة عن توقف الأعمال ، وأزمات المجاعة التي سوف نفتعلها ، ونفرضها على الجماهير بفضل ما نمتلكه من سلطان يكفل لنا افتعال انعدام المواد الغذائية من البلاد ، ستؤدي إلى ولادة حقٍ جديد هو حق رأس المال في السيطرة .

وتابع "روتشيلد" مبيناً للمؤتمرين كيف ستقوم المنظمة بتسيير الجماهير والسيطرة عليها ، وكيف يصبح من الممكن بالتالي اكتساح كل من يجرؤ على الوقوف في وجه المنظمة ، عن طريق توجيه الجماهير للانقضاض عليه .

16 – ثمّ بحث موضوع التسلل إلى قلب الماسونية الأوروبية ، فذكر أن الهدف من ذلك الإفادة من تغلغل الماسونية وسريتها .

وأشار إلى أن الأعضاء الذين سوف تضمهم هذه المحافل الماسونية سيعهد إليهم بعد التدريب والتعليم بمهمة نشر العقائد الإلحادية والمادية بين صفوف "الجوييم" .

17 – إن بالإمكان دائماً تنفيذ عكس الوعود التي قطعت للجماهير .

ليست هذه الوعود إذن ذات أهمية تذكر .

18 – سوف نثير حماسة الجماهير وانفعالها إلى درجة قصوى ، عن طريق استعمال تعابير خلابة ، مثل (الحرية) و(التحرر) إلى آخره ...

وحينئذٍ يمكن توجيه جماهير "الجوييم" إلى تحطيم واكتساح كل شيء ، حتى القوانين الطبيعية والإلهية والخلقية .

وعندما نبلغ السيطرة النهائية أخيراً ، سيكون من السهل علينا أن نمحو اسم الله ، والقوانين الإلهية من الطبيعة .

وأشار "روتشيلد" إلى ضرورة حكم الإرهاب ، لأنه أوفر الطرق نفقات ، وأشدها فعالية ، ولا يمكن الاستغناء عنه بعد أي تمرّد مدبّر ، لنشر الذعر في أفئدة الجماهير ، ولإخضاعها بالسرعة اللازمة .

19 – يجب أن تصل دبلوماسيتنا الخفية إلى درجة من النفوذ والتغلغل ، بحيث لا يصبح من الممكن لأية أمة أن تعقد أي اتفاق ، أو تجري أي مفاوضات ، دون أن يكون لدبلوماسيتنا يدٌ في الأمر ...

وذلك لكي تتمكن المنظمة من إحلال خبرائها في المراكز الحساسة ، الاقتصادية والسياسية والمالية ... متنكرين على شكل مستشارين مثلاً ، يظهرون على المسرحين الداخلي والدولي ، بحيث يقومون بتنفيذ المهمات التي تعهد لهم بها السلطة الخفية المسيطرة من وراء الستار ، دون أن تخشى التعرض لأنظار الملأ .

20 – سيكون من الضروري إنشاء احتكارات عالمية ضخمة ، تدعمها ثرواتنا المتحدة بمجموعها ، حتى تصل هذه الاحتكارات إلى درجة من السلطان والهيمنة لا يمكن معها لأي ثروة وطنية يمتلكها "الجوييم" في البلدان التي تسمح شرائعها بامتلاكها ، إلا أن تقع تحت وطأة هذه الاحتكارات .

وعندما يحين الحين الذي نضرب فيه اقتصاد تلك الأمة الضربة القاضية ، تتهاوى هذه الأمة اقتصادياً وسياسياً ، وتتهاوى معها جميع الثروات الوطنية .

وهكذا إلى بنود أخرى في مخطط شيطاني جهنمي أقرها هذا المؤتمر من يهود .

وقام اليهود بتنفيذ مخططهم المرسوم بكل دقة ، وقامت الثورة الفرنسية الكبرى سنة (1789م) .

وانطلق المحرضون والمجرمون والانتهازيون يذبحون ويقتلون ويغتصبون علناً . وأخذ الذين جهزوا للقيام بالثورة تصفية كل الذين عُرفوا بولائهم للملك والبلاد .

وجرت الأمور وتتابعت لصالح اليهودية العالمية ، وزُوّرت الحقائق التاريخية ، وسميت هذه الثورة اليهودية في حقيقتها بالثورة الفرنسية الكبرى .

* * *

3 – نشاط اليهود ومن والاهم في نشر الأفكار المدمّرة :

وانطلق اليهود وأجراؤهم وعملاؤهم وكلّ الذين يتأثرون بهم ويتحرّكون بتوجيههم ، أفراداً ومنظمات ، ومعهم متبرعون كثيرون من أهل الأهواء ، بنشاط واسع ، عقب تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية الملائمة ، لمحاربة الأركان التالية :

الأول : الدين ، وكل ما يتصل به ويصدر عنه ، ولو كان ديناً محرفاً ، كالمسيحية ، لأن الدين هو الناظم الوجداني لكل الذين يؤمنون به .

الثاني : الأخلاق ، وكل ضوابط السلوك النافعة المفيدة للأفراد والجماعات ، وكل الروابط الاجتماعية التي تربط أفراد أمة واحدة في هيئة اجتماعية ذات قوة متماسكة متعاونة .

الثالث : النظم السياسية والإدارية والاجتماعية ، الضابطة للشعوب والأمم ، والناظمة لهيئاتها الاجتماعية ، ولو كانت غير عادلة .

الرابع : النظم الاقتصادية التقليدية عادلةً كانت أو جائرة .

الخامس : الطبقات التي لها سيادة اجتماعية تقليدية ، سواءٌ أكانت عادلة أو جائرة .

وتُتَّخذ الانحرافات الجزئية والفردية ذرائع لمحاربة هذه الأركان محاربة جذرية ، ولنسفها من أصولها ، بغية تفكيك الشعوب ، وذرّها ، وإقامة الصراعات بينها .

وبكل وسائل الإعلام والتعليم ، السرية والعلنية ، المباشرة وغير المباشرة ، تحركت هذه الحرب الشيطانية المدمرة ، وانطلقت :

1 – تنشر الإلحاد ، وأفكار الحرية الفردية الناقمة الثائرة على عقائد الإيمان بالغيب ، والثائرة على القيود الأخلاقية والاجتماعية ، وسائر التقاليد .

وتنشر كل ما يفرزه الفكر الإلحادي ، الذي ينكر وجود الله , ويؤمن بأزلية المادة ، وخلو الوجود من الحكمة والقصد ، والعلم السابق والإرادة ، والعمل الواعي ، وينكر الدينونة والحساب والجزاء ، ويجعل حياة الإنسان قاصرة على هذه الحياة الدنيا ، ويطلق الرغبات والشهوات والأهواء على رعوناتها ، دون أي قيد أو ضابط ، إطلاقاً متوحشاً نهماً متكالباً أنانياً ، مسرفاً في ابتغاء اللذات والأموال ، ورغبات التسلط .

2 – تبث الآراء والنظريات والمذاهب المبهرجة المتناقضة فيما بينها ، ابتكاراً ووضعاً لها ولزيوفها وزخرف أدلتها . أو نبشاً عنها في مقابر أفكار ومذاهب الأقدمين ، واستخراجاً لمحنَّطاتها الدفينة في بطون أساطير الأولين .

ثمّ تقوم بتجميع مجموعات بشرية حزبية على هذه النظريات ، المتناقضة فيما بينها ، ثمّ تقوم بتهييج هذه المجموعات الحربية ، ودفعها إلى ثورات عمياء ضد أوضاع قائمة ، ودفعها أيضاً إلى صراعات فكرية ودموية ، ضد المذاهب التقليدية ، ودفع بعضها ضد بعض .
* * *

استغلال مسيرة العلم المادية:

وفي خضم مسيرة العلم الحضارية المادية الحديثة ، بعد عزل الكنيسة عن العلم والدولة وسائر شؤون الحياة ، استغل المتآمرون على البشرية من يهود هذا الظرف المناسب جداً ، لتنفيذ مخططاتهم المدمرة ، وهم يطمعون بأن يتوصلوا إلى حكم العالم كله ، بعد تدمير كل القيم التي هي قوام الشعوب وسر قواها ، ونظام تماسكها الجماعي .

ويزعم المتآمرون على البشرية من يهود أن المبادئ والقيم وجميع القوى ، ستكون منحصرةً فيهم ، وبذلك سيكونون هم المؤهلين لحكم العالم أجمع . هذا ما يحلمون به ، ويرون أنهم هم أصحاب الحق فيه ، فهم أبناء الله وأحباؤه ، وهم البشر ، ومن عداهم من الأمم "= الجوييم" كالبهائم .

* * *

حركات التضليل في ميادين الفلسفة :

وكانت الفلسفة هي المجال الأول الذي انطلقت فيه أعمال التضليل الفكري ، لأن بحوثها نظرية ، وهي قابلة بطبيعتها لطرح الآراء والأفكار والمذاهب النظرية ، دون أن يُسأل أصحابها عن براهين واقعية أو تطبيقية لها ، ويكفي للخوض ليها القدرة على صناعة زخرف القول ، وإقامة حجج سوفسطائية ، وهي تتسع لتقبُّل مغالطات كثيرات .

بخلاف العلوم البحتة كالرياضيات ، والعلوم الطبيعية التي يُطالَبُ أصحابها بمنجزات تطبيقية لآرائهم ونظرياتهم فيها .

يضاف إلى ذلك أنّ الفلسفة كانت منذ عهد الإغريق وعاء كلّ العلوم ، فهي المؤهلة بشكل طبيعي لانطلاق حركات التضليل .

ولمع في ميادين الفلسفة أعلام التضليل الفكري ، وظهرت عنهم طائفة من المذاهب الفكرية الفلسفية الباطلة المضللة .

ثمّ زحف المضللون من ميادين الفلسفة إلى مختلف ميادين العلوم الأخرى .

واتجهت جماهير أهل الفكر في الغرب إلى الفلسفة التقليدية بعد عزل الكنيسة ، رجاء أن تسعفهم بالحل الشامل الذي يملأ فراغ الفكر والنفس والروح ، والذي يقدّم المناهج العملية الصحيحة الوافية ، والنظم الكفيلة بسعادة الأفراد والجماعات .

وكانت الفلسفة المثالية التي تتجه إلى مبدأ الإيمان بمصدرٍ أولٍ غيبي ، عنه صدرت الأكوان ، هي السائدة في الفلسفة التقليدية ، وهي التي أخذ الغرب ينقّب فيها .

إلا أن الفلسفة التقليدية المثالية ، قد عجزت عن تقديم الحل الشامل للمشكلات الفردية والاجتماعية ، التي تسبب التوتر والقلق ، وتدفع النفوس دفعاً عشوائياً لتقبل أية صيحة إنقاذ ، وإن كانت في حقيقتها صيحة عدوٍّ مخادع منافق ، ألقى شبكات الصيد الشيطانية الخبيثة ، وأقبل في ثياب صديق غيور حريص على إنقاذ صديقه بعاطفة إنسانية نبيلة .

وهذا العجز في الفلسفة التقليدية المثالية ، قد مهّد لقبول الفلسفة الماديّة التي ترى أزلية المادّة ، وتنكر وجود أي شيء وراءها . وتبعد فكر الإنسان ونفسه عن تصورات مسؤوليته عن أعماله في الحياة ، تجاه قوة غيبية عليمة حكيمة ، وتوهمه بأنه حر في أن يفعل ما يشاء ، ويختار ما يشاء ، ويضع لحياته وأنواع نشاطاته فيها المنهج الذي يشاء ، دون خوف من حساب على أعماله واختياراته ، ودون خوف من جزاء .

إنه منذ عهود الحضارات القديمة الإغريقية والرومانية ، حتى العشرين ، والمفكرون والفلاسفة والباحثون من العلماء ، يتأرجحون بين الفلسفة المثالية ، والفلسفة المادية .

أما الفلسفة المثالية : فتمثلها في القديم فلسفة "أفلاطون" وأستاذه "سقراط" .

وتمثلها في الحديث فلسفة "هجيل" مع ملاحظة التطور الفكري الذي وصلت إليه المثالية الحديثة .

وأما الفلسفة المادية : فتمثلها في القديم مادية "ديمقريطس" ثمّ مادية "أبيقور" .

وتمثلها في الحديث مادية "فيورباخ" مع ملاحظة التطور الفكري الذي وصلت إليه المادية الحديثة ، إلا أن التطور لم يغير من جوهرها ، وعناصرها الأساسية .

واستطاعت الفلسفة المادية في العصر الحديث أن تأخذ حجماً كبيراً في أوروبا الشرقية ، ثمّ الغربية ، وتجاوزت كثيراً حجمها الصغير الذي ظلت محافظة عليه منذ عهود الإغريق ، لأن الفلسفة المثالية لم تقدم للعالم الغربي حلاً متكاملاً شاملاً للمشكلات الإنسانية كلها ، الشاملة للجوانب الاعتقادية والنفسية والتشريعية ، بل جمدت عند الافتراضات الذهنية النظرية ، دون أن تعتمد على التجارب العملية في المجالات التي يجب فيها الاعتماد على هذه التجارب .

في حين أن الاتجاه المادي العملي ، في مجال الانتفاع الحضاري من خيرات الكون وطاقاته ، قد شق الطريق العريض لفهم القوانين الكونية ، وإجراء التجارب على الطبيعة ، قد شق الطريق العريض لفهم القوانين الكونية ، وإجراء التجارب على الطبيعة ، واكتشاف الطاقات الكمينة ، وإنتاج المخترعات والمبتكرات الصناعية ، التي أخذت أسلوب التقنين العلمي ، وإنتاج الالآت المعقدة جداً ، التي اختصرت الأزمنة ، والأمكنة , والمسافات ، وأمدت الإنسانية بقوى هائلة ما كان يحلُم الإنسان القديم بمثلها .

إن الفلاسفة المثاليين ، قد استطاعوا عن طريق التأمل الفكري ، والبحث النظري ، أن يتوصلوا إلى حقيقة من حقائق ما وراء المادة ، وهي حقيقة وجود خالقٍ أزلي أبدي واجب الوجود لذاته ، وعنه صدر هذا الكون المادي .

إلا أنهم سقطوا وراء ذلك في متاهاتٍ شتى ، حول تحديد ذات الخالق ، وتحديد كثير من صفاته . ثمّ مَشَوْا في متعرّجات مظلمات في مختلف جوانب المعرفة ، أصابوا في بعضها ، وأخطؤوا في كثير منها .

ثمّ لم يستطيعوا أن يقدموا للناس نظاماً صحيحاً شاملاً ، يحلُّ مشكلات الحياة ، ويجيب على تساؤلات الناس إجابات شافيات ، لأنهم لمي هتدوا بهدي شرائع الله للناس ، فلم تُغْن قضية الإيمان بخالق ، ولا مقتطفاتٌ يسيرات صحيحة في الأخلاق والسياسة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك ، غناءً مزيلاً لقلق النفوس ، ومحققاً للعدالة ، ومطابقاً للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها .

وذلك للنقص الكثير في جانب قضيّة الإيمان عندهم ، وللخلل والاضطراب والبعد عن الحق في كثير من عناصرها . وللنقض الكثير أيضاً مع الخلل والفساد والاضطراب والبعد عن الحق في قضايا تنظيم حركة الحياة .

ولم تستطع الفلسفة المثالية أن تحل محلّ العقيدة والشريعة المنزلتين من عند الله على رسله صلوات الله وسلاماته عليهم أجمعين . فدين الله للناس فيه الهدي الشامل ، وفيه الإجابة على كل تساؤل ، وفيه الشفاء لكل ما في الصدور والنفوس .

الخلاصة :

فما دامت النصرانية التي هي دين الأكثرية في أوروبا وأمريكاً محرفةً عن أصولها الربانية الصحيحة ، فقد أوقعها تحريفها في أزمة شديدة ، عزلها عن ركب الحضارة الحديثة ، ولم يبق لها في المشاعر إلا النسبة الاسمية .

وبما أن الفلسفة المثالية لم تقدّم حلاً شاملاً صالحاً ، وقد غدت في نظر طالبي السير في الركب الحضاري المادي غير مجدية .

وبما أن الإسلام والمسلمين منظور إليهما في الغرب نظر العداء الشديد ، والكراهية البالغة ، والحقد الموروث .

لكل ذلك كان لا بد من توجه الجماهير الأوروبية الفارغة فكرياً ونفسياً وروحياً ، شطر الفلسفة المادية ودعاتها الشياطين .

في هذا المناخ الملائم لنشأة الأفكار والمذاهب الباطلة المزيفة ، استطاع شياطين الإنس بث المذاهب الفكرية الباطلة في العصر الحديث ، عصر الحضارة المادية . وتلقفتها عنهم أجيال هذه الحضارة ، للخواء الفكري والنفسي والروحي ، الذي غدوا يعانون منه ومن آلامه ومما يفضي إليه فتياناً وفتيات .

* * *

حركات التضليل في العلوم الطبيعية :

الأصل في العلوم الطبيعية أن تخضع الأفكار والآراء والفرضيات والنظريات فيها للملاحظة والتجربة والمشاهدة ، فما أثبتته التجارب صحّ تقريره ضمن حدود الإثبات التجريبي ، وأوصاف الظاهرة المشاهدة .

ولكن استطاع المضللون أن ينتقلوا من ملاحظة الظواهر وإجراء التجارب وتقرير النتائج وفق أوصاف ظاهراتها ، إلى تفسيرات وتعليلات نظرية فلسفية ، غير خاضعة للملاحظة ولا للتجربة ، ولا للمشاهدة ، وهي تفسيرات وتعليلات فلسفية مجردة ، وليس من شأن العلوم الطبيعية القائمة على الملاحظة والتجربة العملية أن تدل عليها بحالٍ من الأحوال ، إذ هي قضايا فكرية نظرية لا علاقة للعلوم المادية بها .

لكن المضللين حاولوا دسها ضمن العلوم الطبيعية المادية ، مع أنها نظرات فلسفية تتعلق بأمور غير حسية ، ليوهموا أن العلم التجريبي قد أثبتها .

وهذا خداع مقصود يشبه خداع الذئب إذ يندس في قطيع من الغنم ، وهو يرتدي جلد خروف .
* * *

حركات التضليل في مجالات العلوم الإنسانية :

ووجد المضللون المفسدون في الأرض العلوم الإنسانية ميادين رحبة ، وأرضاً ملائمة ، للقيام بنشاطاتهم فيها .

فاتخذوا منها مواقع ومراتع ، وأقاموا فيها مؤسسات توجيهية ، ومدارس تعليمية ، لبثِّ أفكارهم وضلالاتهم ، ونشطوا فيها نشاطاً شيطانياً منقطع النظير .

وسخروا أذكياء دهاةً من متخصصين في مختلف مجالات العلوم الإنسانية ، لوضع وترويج أفكار ومذاهب مختلفة متناقضة ، قائمة على إطلاق الأهواء ، والشهوات ، والرغبات النفسية ، والأنانيات الفردية والقومية والأسرية والعنصرية والمذهبية ، والعصبيات المتنوعة ، إطلاقاً أرعن طائشاً .

وفعلاً قام هؤلاء الأذكياء الدهاة المسخرون بوضع أفكار ومذاهب شتى ، مزينة بزخرف القول ، بغية إفساد العقول والنفوس والضمائر ، وبغية تدمير عقائد الدين ، ومبادئ الأخلاق وتطبيقاتها ، وتدمير النظم الاجتماعية النافعة ، التي من شأنها المحافظة على كيان الشعوب والأمم وترابطها ، أو من شأنها إصلاح الناس وتقويمهم ، وضمان أمنهم ورخائهم وطمأنينتهم وتعاونهم وتفاهمهم وإقامة العدل فيما بينهم ، أو من شأنها ضمان سعادتهم العاجلة والآجلة ، أفراداً وجماعات حكاماً ومحكومين .

وقد أدرك هؤلاء الشياطين المضللون المفسدون في الأرض ، أن الناس متى اعتنقوا هذه الأفكار المختلفة ، والمذاهب المتباينة المتناقضة أو المتضادة أو المتخالفة ، وأخذ كل فريق منهم طائفة منها ، وانطلقوا على رعوناتهم وأهوائهم وشهواتهم وأنانياتهم وتناقضهم وتضادهم وتخالفهم ، فإنهم لا بد أن ينقسموا إلى انتهاب متاع الحياة الدنيا ، والاستئثار بكل لذاتها وزيناتها ، والتكالب على امتلاك أشيائها بأنانيات قذرة متوحشة . ثمّ لا بد أن يتصارعوا فيما بينهم صراعات مدمرة .

فإذا انطلقوا هذه الإنطلاق الأحمق البَهَميّ ، توالت عليهم نكبات رعوناتهم ، فأفنى بعضهم بعضاً ، وخربوا أجسادهم بالسموم التي يتعاطونها في انطلاقاتهم البَهمِيّة ، لانتهاب اللذات ، أو أوهام اللذات التي هي في الحقيقة هروب من القلق والضيق والضنك ، وكل ما يعانون منه بسبب الأفكار والمذاهب المضلة المفسدة التي اعتنقوها ، وانطلقوا وفق إغراءاتها ومفاهيمها .

وخربوا أجسادهم ونفوسهم أيضاً بالأمراض التي تتكاثر فيهم ، بسبب انطلاقاتهم الجاهلة الرعناء ، والتي جعلها الله عقوبات معجلة خاضعة لسننه التكوينية في الحياة الدنيا ، كأمراض الكبد الناتجة عن شرب الخمور ، والأمراض العصبية الناتجة عن تناول المخدّرات ، والأمراض الشنيعة الجلدية وغير الناشئة عن الزنا وممارسات الشذوذ الجنسي ، والأمراض النفسية والاجتماعية الناشئة عن القمار والميسر ، ونحو ذلك .

واندست بمكر الشياطين المفسدين في الأرض ، الأفكار والآراء والمذاهب المضلة المفسدة في العلوم والفنون التالية :

1- علم النفس .
2- علم الاجتماع .
3- علم الاقتصاد وإدارة المال وتنميته .
4- علم السياسة وأنظمة الحكم والإدارة .
5- علم القانون .
6- التاريخ وفلسفته وتحليلاته .
7- الأدب ونظرياته .
8- الفنون الجمالية .

إلى غير ذلك .

وتصدى للتضليل في كل مجالٍ من هذه المجالات إمام أو أكثر من أئمة الضلال في الأرض ، وليس على سبيل المصادفة أن يكون معظم هؤلاء من اليهود ، بل هو أمر مرسوم ابتداء ، ومخطط له من جماعات منظمة ، وقيادات يهودية تخفي نفسها ، ذات هدف مقصود ، وقد مكرت مكرها العظيم السيء لإفساد الأمم وإضلالها ، بغية تدميرها ، والسيطرة عليها ، وعلى كل ما تملك .

فبرز على سبيل المثال من هؤلاء الأئمة اليهود: "ماركس" مؤسس الشيوعية . و"فرويد" مؤسسة مدرسة التحليل النفسي ، و"دوركايم" أحد أئمة علم الاجتماع ، وغيرهم .

وأخذت أفكار هؤلاء المفسدين عنوان نظريات علمية زوراً وتزييفاً للحقيقة ، مع أنها إما مردودة مرفوضة علمياً ، أو هي افتراضات لم ترقَ بعدُ إلى مستوى النظرية ، فضلاً عن أن تكون حقيقية علمية ، كما يزعم الجهلة المؤمنون بها من الأتباع العمي .
* * *

شواهد من أقوال اليهود الكاشفة لمخططاتهم ، وأقوال المنظمات الخاضعة لهم :

فيما يلي مجموعة أقوال من مكتوبات سرية فضحها الله ، مما هي مقررات حقيقية لقادة اليهود الكبار في العالم ، وأقوال صادرة عن زعماء منظمات عالمية يديرها المكر اليهودي ، كالماسونية . ويشهد لصحة نسبة هذه الأقوال والمقررات لقادة اليهود في العالم ، الظواهر التطبيقية ، على أيدي اليهود ، أو أجرائهم وعملائهم ، أو السائرين في ركابهم ، والمنفذين لمخططاتهم .

ورغم افتضاحها ، ومحاولات اليهود إنكارها إنكاراً لسانياً فقط . فإنهم لم يغيروا شيئاً من مناهج تطبيقاتهم لها ، حيثما وجدوا ، وفي أي موقع ظهر لهم فيه نفوذٌ ما ، أو تأثيرٌ ما ، وفي كل مؤسسة أو حزب أو تنظيم في العالم استطاعوا أن يؤسسوه أو يتسللوا إليه ، ويوجهوا حركته ، أو يؤثروا فيه أيما أثر ، والمتتبعون لمكايدهم من كل شعوب الأرض يلاحظون ذلك ، وكثيرٌ منهم قدَّم شهادته بما شاهد في كتابٍ كَتَبَهُ ، أو مقالةٍ نشرها ، أو تصريحٍ صرح به ونُقل عنه في وسيلة من وسائل الإعلام .

أولاً : إن القارئ لما يسمى : "بروتوكولات حكماء صهيون" يقرأ فيها ما يلي:

1- جاء في البروتوكول الثالث عشر قولهم :
"سنحاول أن نوجّه العقل العام نحو كل نوع من النظريات المبهرجة ، التي يمكن أن تبدو تقدّمية أو تحررّية .
لقد نجحنا نجاحاً كاملاً بنظرياتنا التي ألبسناها ثوب التقدم ، في تحويل الرؤوس الفارغة من العقل نحو الاشتراكية ، ولا يوجد عقل واحد بين الجوييم "=غير اليهود من الأمم" يستطيع أن يلاحظ أنه في كل حالة وراء كلمة التقدم يختفي ضلال وزيغ عن الحق ، ما عدا الحالات التي تشير فيها هذه الكلمة إلى كشوفات مادية أو علمية ، إذْ لا يوجد إلا تعليم حقٌّ واحد ، ولا مجال فيه للتقدم .

إن التقدم – بوصفه فكرة مزيفة – يعمل على تغطية الحق ، حتى لا يعرف الحق أحدٌ غيرنا ، نحن شعب الله المختار ، الذي اصطفاه ليكون قوّاماً على الحق .

وحين نستحوذ على السلطة سيناقش خطباؤنا المشكلات الكبرى التي تحير الإنسانية ، لكي ينطوي النوع البشري في النهاية تحت حكمنا المبارك .

ومن الذي سيرتاب حينئذٍ في أننا نحنُ الذين كنا نثير هذه المشكلات ، وفق خطة سياسية لم يفهمها إنسان طوال قرون كثيرة؟".

2 – وجاء في البروتوكول الرابع عشر قولهم :

" حينما نمكن لأنفسنا فنكون سادة الأرض لن نبيح قيام أي دين غير ديننا ...

ولهذا السبب يجب علينا أن نحطِّم كل عقائد الإيمان ".

3 – وجاء في البروتوكول الثاني قولهم:

" إن الجوييم (=الأميين غير اليهود) لا ينتفعون بالملاحظات التاريخية المستمرة ، بل يتبعون نسقاً نظرياً من غير تفكير فيما يمكن أن تكون نتائجه ، ومن أجل ذلك لسنا في حاجة إلى أن نقيم للجوييم (=الأميين) وزناً...

دعوهم يعتقدون أن القوانين النظرية التي أوحينا إليهم بها إنما هي حقائق ثابتة يتمشى عليها العلم من الوجهة النظرية ، وسنعمل على أن نزيد ثقتهم العمياء بهذه القوانين زيادة مطردة ، وذلك بتقييد أنظارهم ، وبمساعدة ما تبثه صحافتنا في عقولهم .

إنّ الطبقات المتعلّمة ستختال زهواً أمام أنفسها بعلمها ، وستأخذ جزافاً في مزاولة المعرفة التي حصلتها من العلم الذي قدّمه إليها وكلاؤنا ، رغبةً في تربية عقولهم حسب الاتجاه الذي توخيناه .

لا تتصوروا أنّ كلماتنا جوفاء ، ولاحظوا أن نجاح (دارون) و(ماركس) و(نيتشه) والأثر غير الأخلاقي لاتجاه هذه العلوم في الفكر الأممي سيكون واضحاً لنا على التأكيد".

4- وجاء في البروتوكول الرابع قولهم:
" يمكن أن لا يكون للحرية ضرر ، وأن تقوم في الحكومات والبلدان من غير أن تكون ضارة بسعادة الناس ، لو أن الحرية كانت مؤسسة على العقيدة وخشية الله ، وعلى الأخوة الإنسانية ، نقية من أفكار المساواة التي هي مناقضة مناقشة مباشرة لقوانين الخلق ، والتي فرضت على الناس التسليم .

إن الناس المحكومين بمثل هذا الإيمان سيكونون موضوعين تحت حماية هيئاتهم الدينية ، وسيعيشون في هدوء واطمئنان وثقة ، تحت إرشاد أئمتهم الروحيين ، وسيخضعون لمشيئة الله على الأرض .

ولهذا السبب يتحتّم علينا أن نزرع الألغام لتهديد الإيمان ، وأن نمحو من عقول الجوييم (=الأميين) مبادئ الله والروح ، وأن نبذل هذه المبادئ بحسابات رياضية ورغبات مادية".

5- وجاء في البروتوكول الثالث قولهم:

" إننا نقصد أن نظهر كما لو كنا المحررين للعمال ، جئنا لنحررهم من هذا الظلم ، حينما ننصحهم بأن يلتحقوا بطبقات جيوشنا من الاشتراكيين والفوضويين والشيوعيين . ونحن على الدوام نتبنى الشيوعية ونحتضنها متظاهرين بأننا نساعد العمال طوعاً لمبدأ الأخوة ، والمصلحة الإنسانية العامة ، وهذا ما تبشر به الماسونية الاجتماعية ".

6 – وجاء في البروتوكول السابع عشر قولهم:

" وقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين من الجوييم (=الأميين) في أعين الناس ، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم ، التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤوداً في طريقنا ، وإن نفوذ رجال الدين يتضاءل يوماً فيوماً .

سنقصر رجال الدين وتعاليمهم على جانب صغير جداً من الحياة . وسيكون تأثيرهم وبيلاً سيئاً على الناس ، حتى إن تعاليمهم سيكون لها أثر مناقض للأثر الذي جرت العادة بأن يكون لها ...." .

7 – وجاء في البروتوكول التاسع قولهم :

" ولقد خدعنا الجيل الناشيء من الجوييم (=الأميين) وجعلناه فاسداً متعفناً ، بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لنا زيفها التام ، وكنا نحن أنفسنا الملقنين لها ... ".

8 – وجاء في البروتوكول الأول قولهم:

" لقد كنا قديماً أول من هتف بكلمات : (الحرية والمساواة والإخاء) وما انفكت هذه الكلمات ترددها ببغاوات جاهلة ، يتجمهرون من كل حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية ، التي حكموا عن طريقها ازدهار العالم ، وحرية الفرد الشخصية الحقيقية ، التي كانت من قبل في حمى يحفظها من أن يخنقها السفلة .

ولم يعرف الذين يدّعون الذكاء وسعة الإدراك من الجوييم (=الأميين) المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات ، ولم يتبينوا عواقبها ، ولم يلاحظوا ما فيها من تناقض في المعنى ، كما لم يدركوا أن الطبيعة نفسها تخلو من المساواة ، وأن الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل ، والشخصية ، والأخلاق ، والطاقة ، وغيرها .

إن صيحتنا : ( الحرية والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملة من زوايا العالم الأربع ، عن طريق وكلائنا المغفلين ، وقد حملت هذه الفرق ألويتنا في نشوة ، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الجوييم (=الأميين) وتحطم سلامهم واستقرارهم ووحدتهم ، مدمّرة بذلك أسس الدول ، وقد جلب هذا العلم النصر لنا ... ".

9 – وجاء في البروتوكول الثالث قولهم :

"تذكروا الثورة الفرنسية التي نسميها: (الكبرى) إن أسرار تنظيمها التمهيدي معروفة لنا جيداً ، لأنها من صنع أيدينا ، ونحن من ذلك الحين نقود الأمم قُدُماً من خيبة إلى خيبة ".

هذه أمثلة من أقوال قادة يهود التي اشتملت عليها الوثائق المسماة "بروتوكولات حكماء صهيون" .

وفيها أقوال كثيرة أخرى يحسن بكل مسلم أن يطالعها مرات ومرات كثيرات ، ليستبين من قراءته لها دستور الشياطين الذين يسعون في الأرض فساداً .

* * *

ثانياً : ويقرأ المتتبع لأقوال وتصريحات قادة المنظمة الماسونية أقوالاً مشابهة لما جاء في البروتوكولات وهي منظمة يهودية في جذورها ، ورموزها ، وطقوسها ، والقادة المحركين لها ، والموجهين لمسيرتها ، والمستغلين لها في خدمة اليهودية العالمية وأهدافها ، وفي إفساد الشعوب .

والمنتمون من غير اليهود في هذه المنظمة يُسَخَّرون وهم عميان ، أو أجراء ، أو منسلخون من كل دين وكل فضيلة ، وباعوا أنفسهم للشياطين .

ومن أقوال وتصريحات الماسونيين ما يلي :

1- جاء في إحدى الكلمات التي ألقيت في مؤتمر المشرق الأعظم الماسوني لعام (1923م) قول أحد أقطابهم :
" يجب أن لا تقتصر الماسونية على شعب دون غيره ، ولتحقيق الماسونية العالمية يجب سحق عدونا الأزلي الذي هو (الدين) مع إزالة رجاله" .

2 – وجاء في نشرة المشرق الأعظم الماسوني الفرنسي لسنة (1923) قولهم:
" على الإخوان أن يتغلغلوا في صفوف الجمعيات الدينية وغيرها ، لا بل عليهم – إن احتاج الأمر – أن يقوموا بتأسيس تلك الجمعيات ، على أن لا تشتمَّ منها أية رائحة حقيقية للدين ، عليكم أن تلموا شمل قطيعكم أينما كنتم ، حتى في المعابد الصغيرة ، وعليكم أن تولوا أمورها السذج من رجال الدين ، ولتطعّموا خفية ذوي القلوب الكبيرة من الرجال بقطرات من سمومكم .
وبغية التفرقة بين الفرد وأسرته ، عليكم أن تنتزعوا الأخلاق من أسسها ، لأن النفوس تميل إلى قطع روابط الأسرة ، والاقتراب من الأمور المحرمة ، لأنها تفضل الثرثرة في المقاهي على القيام بتبعات الأسرة ، وأمثال هؤلاء من الممكن إقناعهم بالدرجات والرتب الماسونية ، ويجب أن يُلَقَّن هؤلاء بصورة عرضية متاعب الحياة اليومية . وعليكم أن تنتزعوا هؤلاء من بين أطفالهم وزوجاتهم ، وتقذفوا بهم إلى ملاذ الحياة البهيمية ".

3 – وجاء في بيان المشرق الأعظم الفرنسي الماسوني لعام (1904م) في الصفحة (237) ما يلي :
" إن الماركسية واللاقومية هما وليدتا الماسونية ، لأن مؤسسيها : (كارل ماركس) و(إنجلز) هما من ماسونيي الدرجة الحادثة والثلاثين ، ومن منتسبي المحفل الإنكليزي ، وإنهما كانا من الذين أداروا الماسونية السرية ، وبفضلها أصدرا (البيان الشيوعي) المشهور .

وإن المجلة الماسونية (لاتونيا) قد أعلنت فرحها واستبشارها بانتشار الاشتراكية ، في مقال لها بتاريخ (12 تموز 1894م) وقالت : إن الماسونية قد وجدت في المبادئ الاشتراكية خير معوانٍ لها ، فلا بد لنا من معاضدتها ".

4 – وجاء في مجلة (أكاسيا) الماسونية لعام (1903م) قولهم : " إن الماسونية التي هيأت الجو لثورة عام (1789م) – أي: الثورة الفرنسية – عليها الآن أن تهيء الجو للثورة الماركسية ، وعلى الماسونيين أن يعملوا بالاشتراك مع العمال ، لأن الماسونية تملك القوى الفكرية ، والإمكانات العقلية ، وأن العمال يكونون عدداً هائلاً ، ويملكون القوى التدميرية ، وباجتماع هاتين القوتين يتولد الاضطراب الاجتماعي ".

5 – وفي سجل مؤتمر المشرق الأعظم الماسوني لعام (1923م) ما يلي :

" إن النضال بين الرأسمالية والطبقة العاملة آخذٌُ بالازديدا في مختلف مناحي الحياة ، وعلى الماسونية أن تختار بعزم وتصميم أحد طرفي النضال .

يجب العمل على تأميم الصناعات بشتى الوسائل والطرق . إن المحفل الماسوني في أمريكا الذي يدير الماسونية الكونية ، قد عقد في أوائل القرن العشرين مؤتمراً ، صدر عنه قرار تعهد بتنفيذه خمسة من اليهود أصحاب الملايين ، وهو يتضمن خراب روسيا القيصرية ، بإنفاق مليار دولار ، وتضحية مليون يهودي ، لإثارة الثورة في روسيا ، وهؤلاء اليهود هم : إسحاق موتيمر ، وشيستر ، وليفي ، ورون ، وشيف ".

6 – ومن أقوال المحفل الماسوني الأكبر سنة (1922م) ما يلي :

"سوف نقوي حرية المضير في الأفراد ، بكل ما أوتينا من طاقة ، وسوف نعلنها حرباً شعواء على العدو الحقيقي للبشرية ، الذي هو (الدين). وهكذا سوف ننتصر على العقائد الباطلة ، وعلى أنصارها ".

7 – وجاء في مضابط مؤتمر بلغراد الماسوني لعام (1922م) قولهم :
" ويجب أن لا ننسى بأننا نحن الماسونيين أعداء للأديان ، وعلينا أن لا نألوا جهداً في القضاء على مظاهرها ".

8 – وجاء في مضابط المشرق الأعظم الماسوني لسنة (1913م) قولهم :
" سوف نتخذ الإنسانية غاية من دون الله ".

9 – وجاء في مضابط المؤتمر الماسوني العالمي لعام (1900م) قولهم :
" إننا لا نكتفي بالانتصار على المتدينين ومعابدهم ، إنما غايتنا الأساسية هي إبادتهم من الوجود " .

10 – وجاء في مجلة أكاسيا الماسونية لعام (1903م) قولهم :
" إن النضال ضد الأديان لا يبلغ نهايته إلا بعد فصل الدين عن الدولة ".

11 – وجاء في النشرة الرسمية التي أذاعها الشرق الأعظم في فرنسا بشهر تموز عام (1856م) قولهم :
" نحن الماسون لا يمكننا أن نتوقف عن الحرب بيننا وبين الأديان ، لأنه لا مناص من ظفرها أو ظفرنا ، ولا بد من موتها أو موتنا ، ولن يرتاح الماسون إلا بعد أن يقفلوا جميع المعابد ".

12 - وقال "كوكفيل" في محفل منفيس بلندن:
" إننا إذا سمحنا لمسلم أو نصراني بالدخول إلى أحد هياكلنا ، فإنما ذلك قائم على شرط أن الداخل يتجرد من أضاليله ، ويجحد خرافاته وأوهامه التي خدع بها في شبابه ".

13 – وجاء في المحاضرة الرابعة لمحفل السلامة الماسوني قولهم :
" إن الماسونية تجرد الأفكار من الخرافات والنظريات اللاهوتية المدسوسة من قبل الأديان" .

14 – وجاء في محاضرات محفل الشرق لعام (1923م) قولهم:
" إنه يجب أن تبقى الماسونية لملة واحدة ، وعليه يقتضي محو جميع الأديان ومنتسبيها من الأساس " .

* * *

ثالثاً: ويقرأ المتتبع لأقوال وتصريحات قادة الشيوعيين ، والناظر في الكتب الشيوعية ، أقوالاً كثيرة تعلن حربها الشعواء على الدين والأخلاق ، وسائر القيم التي تعارف عليها الناس .

والشيوعية إحدى المنظمات التي أسسها اليهود , ووضعوا نظريتها ، ومبادئها ، ومفاهيمها ، خططها الحركية ، وأداروا عمليات حركاتها ، وأقاموا ثوراتها في العالم .

فمن أقوالهم ما يلي :
1- جاء في البيان الشيوعي الذي أصدره معلم الشيوعية الأول اليهودي "كارل ماركس" ورفيقه "انجلز" ما يلي :
" إن القوانين والقواعد الأخلاقية والأديان أوهام بورجوازية تتستر خلفها مصالح بورجوازية ...
والدين هو الأفيون الذي يخدر الشعب لتسهل سرقته ، وإن الدين كان وسيلة الإخضاع الروحي ، كما كنت الدولة وسيلة الإخضاع الاقتصادي ...
أما ما وُجّه للشيوعية من تهم دينية وفلسفية وأخلاقية فلا يستحق بحثاً عميقاً ...!".

2- وجاء في أقوال "إنجلز" رفيق المعلم الأول للشيوعية وشريكه في ضلالته :
" إننا نرفض شتى المحاولات التي تحاول أن تفرض علينا أخلاقاً تستند إلى المثاليات ، ذلك لأننا نؤمن أن الأخلاق هي نتاج الأوضاع الاجتماعية ، ولما كانت الأوضاع الاجتماعية متغيرة ، فإن مفاهيم الأخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي إلى تحقيق انتصار مبدئنا مهما كان هذا العمل منافياً للأخلاق ".

3 – وجاء في أقوال "لينين" ما يلي :
" يجب على المناضل الشيوعي الحق أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والغش والتضليل ، فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية ...

إذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف ، مهما تطلب ذلك من كذب وخداع ، فإنه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً ...

إن المناضل الشيوعي الثوري الحق هو ذلك الذي يبذل كل تضحية يفرضها عليه تحقيق الهدف الشيوعي ، ولو تطلب الأمر التضحية بالأخلاق والكرامة والضمير ، فالهدف المثالي الحق هو تحقيق المجتمع الشيوعي وتدعيمه ...

ويجب علينا أن نتوسل بكل أنواع الحيل والمناورات والوسائل غير القانونية لتحقيق أهدافنا الشيوعية ...".

وجاء في خطاب له ألقاه في المؤتمر الثالث لمنظمة الشباب الشيوعي ، الذي عقد في تشرين الأول من عام (1920م) ما يلي :
" إننا لا نؤمن بإله ، ونحن نعرف كل المعرفة ، أن أرباب الكنيسة والإقطاعيين والبورجوازيين ، لا يخاطبوننا باسم الإله ، إلا استغلالاً ومحافظة على مصالحهم ، إننا ننكر بشدة جميع الأسس الأخلاقية التي صدرت من طاقات وراء الطبيعة غير الإنسان ، والتي لا تتفق مع أفكارنا الطبقية .

ونؤكد أن كل هذا مكر وخداع ، وهو ستار على عقول الفلاحين والعمال لصالح الاستعمار والإقطاع .

ونعلن أن نظامنا لا يتبع إلا ثمرة النضال البروليتاري فمبدأ جميع نظمنا الأخلاقية هو الحفاظ على الجهود لطبقة البروليتاريا".

وحين سمع الكاتب الروس "ماكسيم جوركي" هذا الكلام من "لينين" لم يرض عنه ، فامتنع عن حضور جلسات الحزب ، ولما افتقده "لينين" فترة من الزمن أرسل إليه من يحضره ، فامتنع عن الحضور بحجة أنه يبحث عن الإله ...

فكتب إليه "لينين" يقول له :
" إن البحث عن الله لا فائدة منه ، ومن العبث البحث عن شيء لم يخبأ ، وبدون أن تزرع لا تستطيع أن تحصد ، وليس لك إله لأنك لم تخلقه بعدُ ، والآلهة لا يبحث عنها وإنما تُخلَق"!!.

4 – وجاء في أقوال "ستالين" ما يلي :
" إن الأخلاق الصالحة في نظرنا هي تلك التي تيسر لنا القضاء على النظام القديم ، وهي تلك التي تدعم النظام الشيوعي ، ولا شيء غير هذا يمكن أن يُسمّى أخلاقاً فاضلة ".

5 – وحين هاجمت بعض الصحف العالمية موجة الإلحاد في الاتحاد السوفياتي ، ردّت على ذلك صحيفة "برافادا" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي ، وسياسة الدولة ومبادئها ، بقولها :
" ومن قال : إننا لا نؤمن بشيءٍ؟ . إن من يقول ذلك يتجنى علينا ، ولا يذكر حقيقة وضعنا . نحن نؤمن بثلاثة أشياء : (كارل ماركس) و(لينين) و(ستالين) . ولا نؤمن بثلاثة أشياء : (الله – الدين – الملكية الخاصة) ..." .

6 – وفي سنة (1923م) أعلن المؤتمر الشيوعي الذي عقد للبدء بالحرب ضد الأديان ما يلي :
" يوجد داخل اتحاد الجمهوريات السوفياتية ثلاثون مليوناً من المسلمين ، كانوا يعيشون حتى الآن دون أن يمسهم شيء ، كما أنهم يحافظون على عقائد باطلة ، وخرافات من العصور الوسطى لها صلة بالدين ، وغايتها الإضرار بالثورة ، وبعد أن نظرنا في هذا كله ، ودرسنا خصائص كل أمةٍ على حدة ، قررنا القيام بالخطط والتدابير الواجب عملها لإزالة هذه العقائد الباطلة من أوساط هذه الأمم" .

7 – وجاء في برنامج المؤتمر الشيوعي الدولي السادس المنعقد سنة (1928م) ما يلي :
" إن الحرب ضد الدين – أفيون الشعوب – تشغل مكاناً مهماً بين أعمال الثورة الثقافية ".

8- كتبت جريدة "تركمنسكا اسكرا" الشيوعية ، التي تصدر في تركمانستان بالاتحاد السوفياتي بعددها الصادر يوم 15 آذار ما يلي :
" إن نشر الإلحاد هو جزء من النظرية الشيوعية ، والملاحظ أن تأثير علماء الدين على عقول الناس وقلوبهم ما زال قوياً ، وإنه لا يجوز أن نقف مكتوفي الأيدي ، وننتظر أن يزول هذا التأثير بمحض إرادته" ..

ومن أجل ذلك عقدت لجنة الحزب المركزية الشيوعية في تركمانستان اجتماعات في تموز الماضي ، وقررت أن تقوم المنظمة الحكومية التي يطلق عليها "بيليم" – أي المعرفة – بتوسيع نطاق إقامة "غرف وزوايا الإلحاد" في المدارس والمعاهد ، وكل موقع دراسي ، أو ملتقى تجمّعي .

وتكون مهمة هذه الغرف والزويا التركيز على الدعاية للإلحاد بكل الوسائل الإغْرائيَّة من سمعية وبصرية ، وإذا لزم الأمر تستخدم الأدوات القمعية ، من أجل التغلغل والغواية بالترغيب إن أمكن وبالإرهاب عند الضرورة .

وقال نائب رئيس "بيليم":
" إن المعتقدات الدينية هي من رواسب الماضي ، وإنه يجب القيام بغسل أدمغة الناس وتخليصهم من العقائد الدينية ، وزرع بدلها نظرية ماركس وآراء لينين"!!.

وقال البروفيسور "شوليمبايوف" رئيس إدارة الدراسات الماركسية اللينينية في معهد أصول علم التدريسفي "كازخستان":
" إن نظرة عامة على أعمال المنظمات الإسلامية تدل على أنها أقرب إلى قلوب الناس مما كانت عليه قبلاً ، وأن هذه الأعمال تُدار بذكاء وحصافة أكثر من ذي قبل ، ويبرهن على هذا وجود أناس متدينين ليس بين الطبقة المتخلفة ، بل بين كثير من الناس ذوي التعليم المتوسط والعالي ".
* * *

قسورة
03-12-2006, 09:46 AM
أسبَابُ تَقبّل شعُوب الأمَّةِ الإسْلاميَّة

لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة

كان من المفروض أن تبقى شعوب الأمة الإسلامية منيعة محصنة ، لا تسمح بتسلل ضلالات المذاهب الفكرية المعاصرة إليها .

وذلك لأن الإسلام الذي تدين به هذه الشعوب ، هو الدين الرباني الحق الذي لم يدخله تحريف ولا تبديل ، وهو الدين الذي يهيمن على العقول والأفكار بسلطان الحق وبراهينه ، ويهيمن على النفوس والقلوب بكماله وملاءمته للفطرة الإنسانية ، وتلبيته لكل حاجات الناس أفراداً وجماعات ، وبأن لديه الحل الأمثل لكل مشكلات الحياة ، وبأنه يشتمل على أسس الحق والعدل والفضيلة ، وبأنه جاء بالنظم المشتملة على أحسن صورة ممكنة بالنسبة إلى الواقع البشري ، كفيلة بأن توفر للناس الأمن والطمأنينة والاستقرار والرفاهية والتقدم العلمي والحضاري ، وفيها ما يضبط جنوح الأفراد ويقيم العدل ، ويكفل ذوي الضرورات والحاجات ، ويكبح جماح ذوي النوازع الطاغية ، والأهواء الباغية .

ولكن وجدت عدة أسباب ، هيأت مناخاً مناسباً لتقبُّل كثير من أفراد هذه الشعوب لوافدات المذاهب الفكرية المعاصرة ، مع ما فيها من زيغ وباطل وضلال كثير .

وباستطاعة الباحث في الواقع والظروف التاريخية التي مهدت له ، أن يكتشف جملةً من الأسباب ، منها وأهمها الأسباب التاليات :
* * *

السبب الأول :

إن معظم المسلمين حكاماً ومحكومين ، هجروا إسلامهم ، وتهاونوا في تطبيق أحكامه ، وأخلدوا إلى الدعة والراحة ، وتعلقوا بالدنيا وشهواتها ، وتنازعوا عليها ، وتفرقوا إلى فرق وأحزاب ودول متصارعة متخالفة .

وكان هذا من أخطر وأهم الأسباب التي أطمعت الأعداء فيهم ، فوجهوا لهم جيوش القتال للسيطرة عليهم ، وإسقاط سلطانهم ، وتحطيم قواهم ، وسلب ما يملكون من أرض ومالٍ وطاقات بشرية ، وتسخيرهم في الأعمال كالعبيد ، ووجهوا لهم جيوش الفتنة والإفساد لسلبهم ذاتيتهم العظيمة القائمة على الإسلام إيماناً وخلقاً وعملاً .
* * *

السبب الثاني :

تفشي الجهل بين معظم المسلمين في جميع أقطارهم وبلدانهم ، وبُعْدُهُم عن العلم بصفة عامة في القرون المتأخرة ، قرون الانحطاط ، بعد القرون العلمية الذهبية التي احتل المسلمون فيها قمة الحضارة ، وكانوا فيها قادة الركب الإنساني إلى كل تقدم صحيح فكريٍّ وتطبيقي .

وتفشي الجهل بين معظم المسلمين قد كان في الحقيقة نتيجة طبيعيةً للسبب الأول بالنسبة إليهم ، إذْ صرفهم عن العلم وعن الاشتغال به هجرُهم للإسلام ، وبُعدُهم عن تطبيق أحكامه ، وعن الاهتداء بهديه ، نتيجة تعلقهم بمتاع الحياة الدنيا ، والتنازع عليها ، والتقاتل من أجلها ، والتسابق إلى الظفر بالسلطان والجاه ، والرغبة بجمع المال ، والسعي وراء الاستمتاع بلذات الجسد ، من مآكل ومشارب ومناكح ومساكن ، وسائر ما في الحياة الدنيا من زينة .

مع أن الإسلام يدفع المسلمين بإلزام ، إلى الأخذ بأسباب العلم والبحث العلمي ، والتسابق فيه ، وأخذ النصيب الأوفى منه ، في كل مجال من مجالاته النافعة ، فالعلم سبب من أسباب القوة التي أمر الله بإعدادها جُهدَ الطاقة والاستطاعة ، وهو النور الذي يهدي إلى سُبُل السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة ، ويعرّف الإنسان بربّه ، ويُعطيه مفاتيح فهم كتابه المنزّل ، والتبصّر بسنّة رسوله المجتبى عليه الصلاة والسلام ، والاتعاظ بسنن الله الجزائية ، والانتفاع من سننه التكوينية .

إن الكثرة الكاثرة من المسلمين ، لما وجهت معظم تعلقتها النفسية لمتاع الحياة الدنيا ، وآثرت كل عاجل ، انصرفت تلقائياً عن التعلم والتعليم ، والكدح بغية التزود من أنواع المعارف النافعة ، وأمسى الإسلام لدى كثير من المسلمين إسلاماً تقليدياً موروثاً ، يشبه الجبرية النسبية ، لا انتماءً إرادياً اختيارياً قائماً على الاقتناع الناتج عن بصيرة علمية ، كما كان يوم ظهور الإسلام .

وطبيعيٌّ أن يكون فشوُّ الجهل بالدين , وبالمعارف الحقة في مختلفة مجالات العلم ، مناخاً ملائماً لتسلل الأفكار الباطلة المموهة بزخارف كاذبات ، تخدع الناظرين ، وتفتن الجاهلين .
* * *

السبب الثالث :

تسرب شوائب وتشويهات إلى مفاهيم كثير من المسلمين ، وهي المفاهيم التي تحددت بها تصوراتهم للإسلام ، مع أنها تصورات خاطئات ، مخالفات لدين الله للناس .

وهذه المفاهيم الخاطئات يمكن جمعها في صور خمس ، بسطتها في كتاب "صراع مع الملاحدة" وأوجزها هنا بما يلي :

الصورة الأولى : هي الصورة المختلطة المهزوزة في مفاهيم بعض المسلمين لحقيقة التعاليم الإسلامية ، وتكون هذه الصورة باختلاط الحقائق ، وعدم إدراك كلٍّ منها في مكانه الصحيح .

والتشويه في هذه الصورة ناتج عن تداخل عناصرها ، وتمازج بعضها في بعض ، وعدم تمايز حدود كل عنصر منها ، فلا تمتاز مثلاً الكبائر عن الصغائر ، ولا المحرمات عن المكروهات ، ولا الفرائض الكبرى عن الواجبات الصغرى ، ولا الواجبات عن المندوبات ، ولا تظهر فيها الحدود الفاصلة بين ما يجب فعله أو تركه ، وبين ما يقضي الورع بفعله أو تركه ، ثمّ بين ذلك وبين ما هو مباح .

وسبب وجود هذه الصورة المهزوزة المختلطة ، الجهل بالتعاليم الإسلامية الصحيحة ، وقلة أجهزة التثقيف الإسلامي العام في مختلف بلاد المسلمين .

الصورة الثانية : هي الصورة التي دخل فيها أخطاء لدى رسم المفاهيم الإسلامية الصحيحة .

وترجع هذه الأخطاء إلى الأصول العامة التالية :
1- الخطأ في الاجتهاد ، وله أسباب كثيرة يعرفها علماء أصول الفقه الإسلامي . وقد يعذر في هذا الخطأ المجتهد الكفؤ ومقلّده .

2- الخطأ في تقويم ما توصل إليه الاجتهاد ، وذلك باعتباره هو الحق لا غير ، رغم أن اليقين القاطع لم يتوافر فيه ، وهذا الخطأ لا عذر فيه مطلقاً .

3- التعصب للرأي أو للمذهب ضد الآراء أو المذاهب الأخرى .
وهذا التعصب لا عذر فيه مطلقاً .

الصورة الثالثة : هي الصورة المزورة المشوَّهة من قِبَلِ أعداء الإسلام ، والتي أساء عرضها وقبح جمالها وإشراقها الماكرون المفسدون ، بما وجهوا لها من شبهات وتُهَم كاذبات .

وغرض أعداء الإسلام من تصيد الشبهات والتشويهات والأكاذيب والتضليلات ، وإلصاقهم بالتعاليم الإسلامية ، إفساد عقول أبناء المسلمين ، وفتنتهم عن دينهم .

الصورة الرابعة : هي الصورة التي حصل فيها تغيير في النسب بين مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية ، إذ أخذ بعضها من المساحة الكلية ، في أفكار ونفوس طائفة من المسلمين ، أكثر من نصيبه المقدر له في أصل التشريع الإسلامي . نظير التغيير الذي يحدثه المتلاعب في الخريطة ، فيعطي القرية الصغيرة مساحة كبيرة في الخريطة ، ويعطي المدينة الكبيرة مساحة صغيرة جداً .

وبهذا التغيير في مفردات وأجزاء التعاليم الإسلامية ، نلاحظ اهتمام بعض المسلمين بالسيما الظاهرة للمسلم ، وإهماله الأسس الجوهرية التي قام عليها الإسلام عقيدة وعملاً ، أو يصغر من حجمها ويعطيها أقل اهتمامه .

ومن أسباب التغيير في النسب داخل هذه الصورة ، فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية بوجه عام ، ولمقادير كلٍ منها ، ولكيفية ترابطها وتناسقها في الصورة الإسلامية العامة .

إن فقدان الإدراك السليم الكامل الشامل للمفاهيم الإسلامية يتولد عنه نتائج خطيرة ، منها ما يلي :
1- فساد النسب لأجزاء الصورة الإسلامية العظيمة .
2- الخلل في وحدة النظام الكلي للمفاهيم الإسلامية التي يكمل بعضها بعضاً.
3- تشتت شمل وحدة المسلمين ، نظراً إلى أن لكل فريق منهم صورة إسلامية خاصة به ، تختلف نسب أجزائها عن صور سائر الفرقاء ، الأمر الذي يؤدي إلى تعصب كل فريق منهم للصورة التي يرى الإسلام من خلالها .
4- توجيه كل طاقات العمل دفعة واحدة ، لتحقيق ما احتل معظم الساحة في الصورة ذات المناسب الفاسدة .
ومما يزيد في المشكلة أن يكون ما احتل معظم المساحة داخلاً في حدود الأشكال والرسوم ، لا في حدود الجواهر الاعتقادية والخلقية والعملية والقيم الحقيقية الذاتية .

الصورة الخامسة : هي الصورة المزورة للتعاليم الإسلامية تزويراً كلياً أو جزئياً .

وأمثال هذه الصورة المزورة نجدها عند الفرق المنحرفة الضالة ، التي عمل على إنشاء جيوبها أعداء للإسلام ، فتظاهروا بالانتساب إليه نفاقاً ، ليعملوا على هدمه من الداخل .
* * *

السبب الرابع :

تسلل دسائس أعداء الإسلام إلى حصون الأمة الإسلامية ومعاقلها ، التي كانت بالإسلام حصينة مصونة محفوظة .

وقد تسللت هذه الدسائس من الثغرات التي ظهرت في واقع المسلمين ، نتيجة انحطاطهم وضعفهم ، وبُعدهم عن تطبيق الإسلام ، وتفشي الجهل بينهم .

ونتيجة لهذا التسلل الشيطاني الخبيث ، ظهرت داخل الحصون الإسلامية تنظيمات موصولة سراً بالأعداء من خارج الحدود .

فقامت المحافل الماسونية ، وقامت الأحزاب ذات الشعارات الخادعة ، والمعادية سراً أو جهاراً للدين ، والمرتبطة عن طريق الولاء الخفي بدولةٍ ما من الدول الغربية أو الشرقية المعادية للإسلام والمسلمين .

وكثير منها يحمل مكراً يهودياً خبيثاً ، ويعمل على خدمة الأهداف اليهودية .

وانطلق الغزو الفكري والنفسي والخلقي والسلوكي ، في كل طريق ودخل في كل باب ، داخل شعوب الأمة الإسلامية ، وعملت دسائسه على ترسيخ قناعات بضرورة التنازل عن الإسلام ، أو عن بعض شرائعه وأحكامه ، ومتابعة الدول الغربية أو الشرقية المعادية للإسلام والمحاربة له ، بغية الخلاص من واقع التخلف الحضاري الذي أصاب المسلمين .

فتولد عن ذلك مناخ ملائم لاستقبال وامتصاص كل ما يأتي من الغرب أو الشرق ، من خيرٍ أو شرّ ، ونهض أجراء ومفتونون ومغفلون داخل صفوف شعوب الأمة الإسلامية ينادون بضرورة تقليد الدول المتقدمة في وسائلها الحضارية ، واتباعها في مناهجها ومفاهيمها وأخلاقها وكل صور سلوكها في الحياة ، بعُجَرها وبُجرها ، وخيرها وشرها ، وصالحها وفاسدها ، وحسنها وسيئها .

وهكذا بدأت تزحف إلى شعوب الأمة الإسلامية زيوف المذاهب الفكرية المعاصرة زحفاً منذراً بالخطر الكبير .

وسقطت الخلافة الإسلامية بفعل الدسائس الصليبية واليهودية ، ومساعدة المؤازرين للغزاة من داخل البلاد الإسلامية ، من طوائف قديمة كانت تضمر الحقد ضد الأمة الإسلامية ، ومرتدين عن الإسلام منافقين في الانتماء إليه ، وأجراء ، ومغفلين متهاونين ، وجهلة منفرين من الإسلام .

وبعد سقوط الخلافة اقتسم الأعداء الاستعماريون الغربيون معظم بلاد المسلمين ، وجعلوها دويلات مجزأة صغرى ، وأحكموا الفصل فيما بينها ، وأقاموا مختلف السدود لقتل أحلام الوحدة ، وجمع الكلمة ، وإعادة الخلافة الإسلامية .

وبذلك تولى الأعداء داخل البلاد الإسلامية المستعمرة الإشراف على كل شيء ، وأخطر كل ذلك قطاع التعليم ، فأسسوا المدارس والجامعات ، ووضعوا سياستها ، وخططها ، ومناهجها ، وكتبها ، وعينوا مدرسيها ، وأعدوا كما أرادوا بيئاتها .

وإذ تهيأت لهم الوسائل قاموا بعمليات التحويل الفكري ، وبناء الأجيال من أبناء المسلمين على ما خططوا له .

وطبيعيٌّ أن تكون هذه المؤسسات التعليمية ، بيئات مناسبة جداً لنشر المذاهب الفكرية المعاصرة ، وإقناع الأجيال بما اشتملت عليه من أفكار باطلة فاسدة مفسدة ، والشك في مبادئ الإسلام وأحكامه وشرائعه .
* * *

السبب الخامس :

تراكم النكبات التي تعرض لها المسلمون من قبل أعدائهم من داخل بلاد المسلمين ومن خارجها ، مع حالة الضعف النفسي التي وصلوا إليها .

إن تراكم النكبات قد أصاب المسلمين بالذهول وتبلد الحس : أما عامتهم فقد مسهم اليأس من الخلاص ، وكادوا يفقدون الأمل بعودة المجد إلى شبابه . وأما خاصتهم فقد نزل في الكثير منهم داء الجمود والتوقف عن التحرك الصاعد بدأب وجهاد وصبر .

مع هذه الحالة الذاهلة اليائسة الجامدة المتوقفة عن حركة الجاهد الواعي الذائب الصابر الحكيم ، تتسلل المذاهب المزيفة المعارضة للإسلام ، ويتعلق بها فارغو العقول والنفوس من الحق ، بغية تحقيق مجد جديد منشود ، يكون عوضاً عن مجد غابر مفقود .

لكن هذه المذاهب وشعاراتها ، لم تجر إلى المتعلقين بها وإلى جماهير شعوبهم إلا الخيبة بعد الخيبة ، والنكبة بعد النكبة ، والهزيمة بعد الهزيمة ، ولم تجلب لهم إلا الخسران والدمار , وسفك الدماء وسلب الأموال ، وتشتت الأمة وتمزيق وحدتها ، وتسلط الأعداء من كل جانب .
* * *

السبب السادس:

وجود طوائف غير مسلمة قويت شوكتها داخل شعوب الأمة الإسلامية ،واشتد ظهرها ، بمناصرة الدول الاستعمارية والشرقية لها ، سراً وعلناً ، وتمكينها من أخطر مراكز الإدارة ، ومن القوة العسكرية في البلاد .

ومع هذه الطوائف مرتدون عن الإسلام من أبناء المسلمين ظاهراً وباطناً ، أو باطنأً فقد مع التستر الظاهري بقناع الانتماء إلى الإسلام ، مخادعة ونفاقاً ، ومعهم أيضاً أجراء للأعداء من مختلف طبقات الأمة وأنواع تخصصاتها .

وكان لهذا السبب تأثير العظيم عندما تخلف المسلمون ، وضعفت قواهم الإدارية والسياسية والعسكرية ، واستهنت جماهيرهم بأمر الإسلام وبشؤون المسلمين ، وانصرفوا إلى أمور دنياهم الخاصة ، وسمحوا بتسلل أفراد من الطوائف غير الإسلامية ، وبتسلل المرتد علن الإسلام ، وبتسلل أجراء الدول الاستعمارية إلى مراكز الإدارة والحكم والجيش .

إن جيوب الطوائف غير المسلمة ، التي ظلت آمنة مستقرة ، محمية لا يمسها أذىً ولا ظُلمٌ ولا جَنَفٌ ولا حكم بغير العدل ، طوال ثلاثة عشر قرناً ، قد كانت تنطوي صدورها على عداء شديد للإسلام والمسلمين ، وتضمر حقداً دفينا عليهما وتتمنى أن تسنى لها الفرصة لهدم الإسلام وإبادة المسلمين ، أو طردهم من أوطانهم .

وقد سنحت لها هذه الفرصة لتكشف عما كانت تضمره من قبل ، فانطلقت تكيد كيدها من الداخل ، مؤازرةً دول الاستعمار من الخارج ، ومنفذةً خططها داخل بلاد الإسلام .
* * *

السبب السابع :

فتنة شعوب الأمة الإسلامية بالحضارة الأوروبية المادية ، وتطلعهم إليها بشغف ، وانبهارهم بمنجزاتها ، نتيجة شعورهم بالنقص تجاهها .

ورافق هذه الفتنة تصورات خاطئة ، أوهمت طلائع المثقفين أن التقدم الحضاري المادي هو مظهر للتقدم في كل ما يضمن سعادة الناس ، من خلق وألوان سلوك في الحياة ، ونُظُمٍ اجتماعية مختلفة .

ومع انعدام التجربة ، وانبهار المغلوب بالغالب ، وشعوره بالنقص تجاهه ، واندفاعه لتقليده تقليداً على غير بصيرة ، تغدو التصورات المخطئات هي المسيطرة على الفكر والنفس ، وعندئذٍ لا تكون النفوس مستعدة لتقبل أية بيانات تصحيحية تميز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، وتضع كل أمر في موضعه ، وتكشف أن التقدم المادي والعلوم الصناعية ، إنما تقدم للناس وسائل حضارية مرتقية ، صالحة لأن تستعمل في الخير مرة ، ولأن تستعمل في الشر أخرى ، ولا يضبط توجيهها شطر الخير ويلجمها عن الشر ، ما في العلوم المادية والصناعية من قوانين ، فهي من دون الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأحكام الشرائع الربانية ، قد تكون بعد حين وسائل تدمير شامل لمظاهر الحضارة نفسها ، وللإنسانية كلها ، بعد تعمير كثير يقوم بها.

لقد كانت هذه الفتنة بالحضارة الأوروبية المادية ، وبما رافقها من انبهار بمنجزات هذه الحضارة ، مناخاً ملائماً جداً لزحف كل ما لدى الغربيين ، من سلوك ، وأفكار وعادات ، ومذاهب فكرية حديثة ، مناقضة لمبادئ الإسلام ، ومفاهيمه وشرائعه وأخلاقه ونظمه وسائر تعاليمه الحقة .
* * *




الباب الثاني

وَسَائِل التّضليل لِتَرويج الشِّعَارَات
والآراء والمذاهب الفكرية المزيفة

وفيه ثلاثة فصول :

الفصل الأول : الخطة العامة .

الفصل الثاني : المغالطات الجدلية .

الفصل الثالث : لعبة تطبيق المنهج العملي الخاص بالجبريات على السلوك الإرادي
عند الإنسان .

الفصْل الأوّل


الخطّة العَامّة

( 1 )

مقدمة :

لا بد لكل عمل ذي هدف يرمي العاملون إليه ، وذي غاية يسعون لتحقيقها ، من خطة ملائمة ، حتى يصيب العمل هدفه ، ويحقق أكبر قدر ممكن من الغاية التي يسعى إليها أصحاب العمل ، ولو كانت هذه الغاية شراً محضاً لا خير فيه .

بذلك تقضي سنن الله التكوينية ، وقوانينه الثابتة في هذا العالم المشهود ، المسخّر للناس لابتلائهم في ظروف هذه الحياة الدنيا ، سواء منهم من آمن بالله أو كفر به ، أراد خيراً أو أراد شراً .

فلجند الله ودعاة الخير والهداية وسائلهم التي يحققون بها أهدافهم ، وتمدهم المقادير الربانية بمعونات إضافية يُضاعف الله لهم بها من قدرات وسائلهم ، ويحقق لهم بها نتائج مضاعفة مما يحبون من مطالب معجلة في الحياة الدنيا ، ويدخر لهم ثواباً عظيماً ينالونه يوم الدين .

وللشياطين ودعاة الشر والضلال وسائلهم التي يحققون بها أهدافهم . ولا تقف المقادير الربّانية معطلة وسائلهم وأسبابهم ، إلا في أحوال نادرة ، معونة لجند الله ، ودعاة الحق الصادقين المجاهدين العاملين بأحكام شريعته لهم .

أو حينما يقضي الله بإنزال عقابه المعجل على الطغاة البغاة المفسدين في الأرض ، ساعتئذٍ تتعطل وسائلهم ، وتتقطع أسبابهم ، ولا تغني عنهم شيئاً .

والوسائل والأسباب تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

1- فمنها ما هو حيادي تجاه الخير والشر ، وصالح لأن يستخدم في الخير ، ولأن يستخدم في الشر .
وهذا القسم من الوسائل والأسباب ، يشترك في استخدامه أهل الخير وأهل الشر . أما أهل الخير فيستخدمونه في الخير ، وأما أهل الشر فيستخدمونه في الشر .

2 – ومنها ما هو شر في ذاته ، أو لم يأذن الله باستخدامه ، لأنه مما حرمه على عباده .

وهذا القسم من الوسائل والأسباب ، يستخدمه الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر . أما المؤمنون المسلمون فلا يستخدمونه ، بل يجتنبنه طاعة لله ، والتزاماً بشريعته لعباده .

3 – ومنها ما هو خير في ذاته ، أو أمر الله باستخدامه .

وهذا القسم من الوسائل والأسباب من خصائص المؤمنين المسلمين .

وقد يستخدم الشياطين وجنودهم بعض عناصر هذا القسم خداعاً ونفاقاً ، ضمن خطوات مرحلية .

( 2 )

تفصيل الخطة العامة :

اتخذ الغزو بالمذاهب الفكرية المعاصرة خطة حركية بالغة المكر ، كثيرة الدهاء .

وباستطاعة الباحث أن يتلمس كثيراً من عناصر هذه الخطة الحركية ، من خلال ملاحظة أعمال الغزاة .

وفيما يلي تفصيل لعناصر هذه الخطة :

العنصر الأول :
اصطناع المناخ المناسب : لقد عرف الغزاة ، أن وجود المناخ المناسب لنشأة المذاهب الغازية وانتشارها أمرٌ مساعد جداً على تحقيق الأهداف التي يرمون إليها ، فعملوا بمختلف الوسائل والأسباب ، لاصطناع المناخ المناسب لانتشار مذاهبهم الغازية ، داخل الشعوب التي وضعوها هدفاً لغزوهم ، وفي مقدمة هذه الشعوب شعوب الأمة الإسلامية ، لأنها بمقتضى مواريثها الدينية أكثر الشعوب استعصاءً ، وكشفاً لزيوف الأفكار والمذاهب الغازية .

من أجل ذلك حظيت قضية إيجاد المناخ المناسب لانتشار أفكار الغزاة في شعوب الأمة الإسلامية بعناية كبرى ، من قِبَلِ أعداء الإسلام والمسلمين ، مهما اختلفت اتجاهاتهم ، وتباينت أغراضهم ، وتصارعت مذاهبهم .

إن أعداء الإسلام جميعاً ، يوصون عملاءهم وأجراءهم وعناصرهم بالعمل على إيجاد المناخ المناسب لبث أفكارهم ومبادئهم ومذاهبهم ، وعرقلة كل تقدم من شأنه أن يفسد عليهم خططهم .

فالمنظمات الدينية المسيحية التبشيرية والاستشراقية ، قد تحارب قضية الإيمان بالله واليوم الآخر ، وتعمل على نشر الأفكار الإلحادية والمادية المتطرفة ، وأفكار المذهب الوجودي ، بين أبناء المسلمين وبناتهم ، بقصد هدم الإسلام عدوها الأكبر ، زاعمين أن ذلك هو التمهيد المناسب لنشر النصرانية بعدئذٍ ، فإزاحة الإسلام بالفكر المادي الإلحادي ، أو بأي مذهب مناقض لكل دين ، سيُهيّء المناخ المناسب لتقبُّل دعوة المبشرين بالنصرانية بين أبناء المسلمين الذين ألحدوا .

وعلى سبيل المكر قد يتظاهر بعض المسيحيين بالإلحاد والاستهانة بكل دين ، وهم سراً ملتزمون بالمسيحية التزاماً شديداً ، ومتعصبون لها ، ومرتبطون بقادتهم الدينيين .

وكذلك يفعل ناشرو الإلحاد من اليهود ، بغية استدراج أبناء المسلمين وبناتهم للإلحاد والاستهانة بالدين الإسلامي ، لكن لا لتهويدهم ، إنما لربطهم وهم ملحدون بالمنظمات اليهودية ، أو التي يديرها ويستغلها اليهود وقادتهم المقنعون ، أو المختبئون وراء السُتُر .

والمنظمات الاشتراكية والشيوعية ، تحارب تطبيق نظام الإسلام في البلاد التي تريد أن تغزوها بأفكارها ومذاهبها ، رغم ما فيه من عدالة اجتماعية ، وإسعاد للطبقة الكادحة ، من الفلاحين والعمال والحرفيين والشغيلة ، لأن تطبيق نظام الإسلام في الاقتصاد على وجهه الصحيح ، يحقق العدالة والرفاهية للجميع ، فيمنع تسلل أفكار الاشتراكية والشيوعية المخالفة له .

من أجل ذلك ، فهي تدعم من وراء الأستار التطبيقات الرأسمالية بكل ما أوتيت من قوة ، ليكون ذلك مناخاً مناسباً لإقامة الصراع الطبقي ، ولتتأثر الجماهير الكادحة بالأفكار الاشتراكية ، حتى تفجر عوامل ثورتها بعد شحنها بأنواع الحقد والحسد والرغبة بالانتقام ، وتشتعل نيران الثورة المدمرة . وقد تدعم نظاماً يطبق الرأسمالية في الواقع ، ويحمل اسم نظام الإسلام في الشعار الظاهر ، لتضرب الرأسمالية والإسلام معاً ، مستغلة موجبا إقامة الثورة في الواقع الفاسد .

والمنظمات والمؤسسات والدول الرأسمالية في العالم تحارب أيضاً تطبيق نظام الإسلام في الاقتصاد على وجهه الصحيح ، في البلاد التي تريد أن تغزوها بأفكارها ومذاهبها ، وتريد استغلالها ، لأن تطبيق هذا النظام تطبيقاً صحيحاً ، يمنع تسلل أفكار الرأسمالية ، والتطبيقات الرأسمالية ، ويُحصِّن البلاد الإسلامية من الغزو الاستعماري .

وقد يجد الغزاة الرأسماليون أن مصلحتهم تقضي بأن يدعموا سراً نظاماً اشتراكياً أو شيوعياً ، أو يدفعوا عملاءهم وأجراءهم لتطبيق نظام اشتراكي أو شيوعي ، ويكون لهم بذلك هدفان :

الأول : محاربة الإسلام وتطبيقاته .

الثاني : التنفير من النظم الاشتراكية والشيوعية ، بعد أن ينكشف في الواقع العملي فسادها ، ويظهر عدم صلاحيتها بطبيعتها لتحقيق آمال الشعوب ، التي فتنت بأفكارها وشعاراتها الخلابة .
* * *

العنصر الثاني:

تسخير أو استغلال مفكرين نابغين ، لوضع فلسفة مزخرفة ، أو نظام فكري ، بغية الإيهام بصحة الفكرة الباطلة التي يراد تزيينها للناس ، وجعلها مذهباً اعتقادياً أو عملياً ، فردياً أو اجتماعياً ، سياسياً أو غير سياسي .

ومن أمثلة ذلك ما يلي :
1- تسخير "ماركس" و"إنجلز" لوضع فلسفة للشيوعية ، ونظام فكري لتطبيق الاشتراكية .
2- تخسير "فرويد" لوضع أفكار في علم النفس ، تدفع الأجيال للإباحة الجنسية ، وكسر حدود العفة ، وتحطيم ضوابطها ، وتبرير الانطلاق الفاحش ، بأوهام الصحة النفسية والجسدية .
3- دَفْعُ "داروين" والداروينية ، لوضع ما يسمى بنظرية التطور ، وأفكار النشوء والارتقاء الذاتيين ، وبذل الجهود المضنية ، بحثاً عن أدلة علمية لها ، أو أوهام أدلة ، لأن هذا المذهب متى استطاع أن يوجد أدلة كافية للإقناع بأفكاره ، ولو زوراً وبهتاناً ، وخداعاً بزخرف القول ، كان سنداً للإلحاد بالله ، ولتعليل تطور الكائنات من مادة الكون الأولى ، التي لا حياة فيها ، ولا وعي ، ولا إرادة ، ولا أية خصائص نفسية .
4- تسخير "دوركايم" لوضع أفكار في علم الاجتماع تلغي صلة الدين بعالم الغيب ، أو بقوىً وراء المادة وطبيعتها ، وتجعله ظاهرة اجتماعية ، وأثراً من آثار ظروف اجتماعية عاشها الإنسان . وتثبت أن الدين من مفرزات العقل الجمعي في المجتمعات البشرية .
5- تسخير الفيلسوف "نيتشه" ، لصياغة أفكار فلسفية ، تنكر وجود الخالق عزّ وجلّ ، وتقدم الإلحاد في ثوب فلسفي مزخرف .
6- تسخير "جان بول سارتر" لوضع أفكار فلسفية ، وجعل "الوجودية" عنواناً لهذه الأفكار ، ومن شأن هذه الأفكار إنكار الخالق عزّ وجلّ ، وإقامة حجاب كثيف بين العقل وموازينه , وقدرته على الانتقال من أمارات عالم الشهادة إلى حقائق في عالم الغيب ، وتعطليه عن كل تفكير في غير ما يأتيه من عالم الحس لحظة فلحظة ، مع إفساد موازينه الفطرية التي يستطيع أن يزن بها كثيراً من الحقائق .
7- تسخير "برجسون" لوضع أفكار فلسفية ، يقصد منها الإقناع بأن الدين خرافة ضرورية للحياة ، وهو من ابتكارات القدرة التوهمية عند الإنسان ، التي تصنع الخرافات خدمة لمسيرة الحياة ، ودفاعاً ضد العقل الذي يأتي بالمثبطات وبالمعوقات ...

إلى آخرين كثيرين ، عدا المنظمات ، وسيأتي بعون الله تفصيل ما قدّم هؤلاء ونظراؤهم ، مع كشف زيوف مذاهبهم وآرائهم .

العنصر الثالث :

إعداد الجنود المأجورين أو المخدوعين ، ودفعهم بمختلف الوسائل المتاحة لتوجيه الدعاية الواسعة ، للفكرة أو المذهب المراد نشرهما وفتنة الناس بهما ، واستخدام كل وسائل الإعلام لذلك .

وتسخير واستئجار جملة من الكتب ، والأدباء ، وأساتذة الجامعات ، والمدرسين في مختلف المعاهد العلمية ، وكتاب القصص والتمثيليات والمسرحيات ، للتمجيد بالفكرة أو المذهب ، والإشادة العظيمة بصاحب الفكرة ، أو إمام المذهب ، والإعلان بأنه صاحب عبقرية فذة ، فات فتح في مجال العلم ، أو الفلسفة ، أو الإصلاح الاجتماعي ، أو الإصلاح الاقتصادي ...

يضاف إلى ذلك دفعُ بعض ذوي المراكز العلمية أو السياسية أو الاجتماعية ، لتكريمه في حياته ، ومنحه جوائز تقديرية محلية أو عالمية ، أو للتمجيد به بعد موته .

ومن وراء كل ذلك يوجّه واضعو مناهج وبرامج التعليم ، لوضع أفكارهم أو مذاهبهم ضمن البرامج المقررة في الدراسة ، حتى تأخذ صبغة نظريات مقررة نافعة ، أو صبغة حقائق علمية ثابتة ، وتلبسُ بذلك أثواب زور ، ويتعلمها الدارسون ويستظهرونها ، ويكدون في تحصيلها ، كأنها حقائق لا يرقى إليها الشك .

وبذلك تتم اللعبة على وجهها المرسوم ، فإنه متى انتشرت الفكرة في مختلف فئات الناس كان لها مثل تأثير السحر ، فيقبلها من الأفراد من كان شاكاً فيها ، متردداً في قبولها ، أو رافضاً لها .
* * *

العنصر الرابع :

التلبيس : وهو دس الأفكار الباطلة ، والمذاهب الفاسدة ، ضمن حَشْد أفكار صحيحة ، أو مقبولة إجمالاً ولها حظٌّ من النظر الفكري السليم ، ولو كانت ظنوناً لم ترق إلى مستوى الحقائق العلمية ، فالظنون الراجحة مقبولة في العلوم حتى يأتي ما هو أقوى منها ، ولكنّ اللعبة الشيطانية الماكرة تتمثل في مجيء سموم الأفكار الباطلة الضالة مندسة ضمن حشد كبير من أفكار المعارف المقبولة في مناهج البحث العلمي .

وربما يكون عرض الفكرة الباطلة في أواخر عرض الأفكار الأخرى ، وبذلك تتسلل الفكرة الباطلة إلى داخل النفس دون أن تجد عيوناً حذرةً تكشفها ، وتبصر الزيف الذي يكتنفها ويغطيها .

إن من طبيعة الإنسان أن يستجمع في أوائل الأمور كل ما يملك من قدرات حذَرٍ لديه ، وبها يفحص كل كبيرة وصغيرة فحصاً دقيقاً يقظاً يقظةً واعية تناسب ما لديه من قدرات ، حتى إذا طال عليه الأمد في الفحص الحذر اليقظ الواعي ، دون أن يعثر على ما فيه من زيف ظاهر ، أو باطل مدسوس بقصد ، مل من شدة الفحص والمراقبة ، وبدأ النعاس يدبّ إلى مراكز المراقبة داخل نفسه ، ثمّ تهدأ نفسه ، ويذهب عنها التوتر الحذِر ، وترتخي أعصابه ، ثمّ تبدأ الطمأنينة تتسلل إلى قلبه شيئاً فشيئاً ، فإذا اطمأن منح ثقته دون حذر ، وقد يصل إلى حالة المستقبلِ الواثق دون نقد ولا اعتراض ، ثمّ إلى وضع المستسلم استسلاماً تاماً.

وعندئذٍ تستطيع الأفكار الباطلة المندسة أن تتسلل إلى عمق النفس ، وإلى مركز ثوابت الأفكار ، دون أن تجد عقبة تصدّها ، أو أجهزة تفتيش ومراقبة تكشف زيفها ، وتستبين بطلانها ، ويردد المستقبل الواثق الأفكار الباطلة دون تحرير ولا مناقشة ، ثقة بحصافة كاتبها أو ممليها .

ويستغل المضلون هذه الحيلة الشيطانية استغلالاً واسعاً جداً ، فيما يكتبون ، وفيما ينشرون ، وفيما يعرضون من مقولات وأبحاث ، بمختلف وسائل التعليم والإعلام ، لتتسلل زيوفهم إلى عمق النفوس ، دون أن تستوقفها أجهزة تفتيش أو فحص أو مراقبة ، وقد تتحول إلى مفاهيم ثابتة ، ثمّ إلى عقائد راسخة ، رغم بطلانها .

بهذه الحيلة الشيطانية قد تدخل النقود المزيفة على أمهر صيرفي نقاد ، وقد تدخل الأفكار الباطلة على أمهر عالم فحص ، فكيف بالذين لا خبرة عندهم ، أو تحصيلهم من المعرفة قليل ، أو ذهنهم في إدراك الزيف كليل ؟؟.

والخطير في عمليات التلبيس أن يكون دس الأفكار الباطلة ، والمذاهب الفاسدة ، ضمن قواعد العلوم التجريبية أو الوصفية ، ويلاحظ أنه غالباً ما تكون الأفكار الباطلة ، والمذاهب الفاسدة ، المندسة في العلوم التجريبية أو الوصفية ، آراءً فلسفية ليس لها دليل تجريبي ، ولا دليل حسي ، والمكيدة الشيطانية تجعلها إحدى الأسس النظرية التي تدل عليها الملاحظة ، أو تثبتها التجربة ، مع أن الملاحظة لا تدل عليها مطلقاً ، والتجربات والتطبيقات ترفضها وتدل على خلافها .

إن أي مضلل بفكرة ، أو مذهب ، أو طريقة باطلة ، لا يستطيع التأثير في مجموعة من الناس ، ولا يستطيع أن يكون لآرائه الفاسدة مفسدة مسير في الأفكار ، ما لم يدس ما يريد التضليل به ضمن مجموعة من الأفكار الصحيحة ، والأفكار المقبولة إجمالاً ، أو التي لها حظٌّ من النظر ، ولو لم تثبت بعدُ صحتها .

إنه بعمله هذا يغطي ويستر الباطل البين الواضح الفساد ، إن عرض جملة من الأفكار الصحيحة ، والأفكار المقبولة إجمالاً ، تجعل أذهان الناس تستسلم وتطمئن لسلامة قصد عارضها أو مقدمها ، لا سيما حينما يزينها بزخرف من القول ، وينضدها تنضيداً ذكياً ، ويرتبها ترتيباً منطقياً .

ثمّ تأتي الأفكار المندسة محاطة من سوابقها ولواحقها بما يسترها ، إذ للصحيح وللمقبول من الأفكار ظلال تسمح بمرور الباطل المندس بينها ، دون أن نثير الانتباه ، ودون أن تكشف الأذهان بطلانه .

وهكذا يُغشّي المبطلون بالدس الماكر وبزخرفٍ من القول زيوفهم الفكرية ، فتعبُر أفكارهم المزيفة ضمن ما يعبر إلى أذهان الناس من أفكار أخرى .

ولولا ذلك لاكتشف الناس الباطل بسرعة ، ولرفضوه ، فالجماهير من الناس ترفض بمنطقها التلقائي ما تراه باطلاً ، أو تعتقد بطلانه .

وواجب المسلم الحصيف أن يستجمع كل وعيه ، ويفحص كل كبيرة وصغيرة من أفكار الناس وآرائهم ومقولاتهم ومذاهبهم ، فإذا لم يكن أهلاً لذلك فعليه أن يسأل أهل العلم والمعرفة والخبرة والتخصص ، من أئمة المسلمين الذين يخشون الله واليوم الآخر ، وعرفوا بتقواهم وصفاء أفكارهم ، وقدرتهم على النقد والفحص وتمييز الحق من الباطل ، وكشف زيوف الأفكار والمذاهب .

فالشياطين كثيرون ، ومكرهم عظيم ، وحيلهم قد تخدع أئمة أولي الألباب .

ويجدر التنبيه على أن الباطل في مجموع البناء الفكري لمذاهب المضلين قد يكون بمثابة الأساس الخفي عن الأنظار ، والذي يكون كَشَفا جُرُفٍ هارٍ . وقد يكون بمثابة قضبان من الورق المقوى ، مدهونة بلون الحديد ، توضع بدل قضبان الحديد في سقف من الاسمنت المسلح . وقد يكون الباطل بمثابة قطرات قاتلات من السم الزعاف ، مدسوسة في كأس شراب من الماء والعسل .

وحيلة التلبيس هذه من حيل اليهود وأساليبهم في المكر والتضليل ، ولذلك خاطبهم الله عزّ وجلّ بقوله في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
{وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}
ثمّ خاطبهم أيضاً بقوله عزّ وجلّ في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

ويجدر التنبيه أيضاً على أن مقاومة الباطل لا تكون بادعاء بطلان كل أجزاء المذهب الذي يضعه المبطلون ، أو بطلان كل الأفكار التي يعرضها المبطلون أو يروجونها ، ليستغلوها في تحقيق أغراضهم .

إنما تكون مقاومة الباطل بكشف عناصر الباطل الموجودة في المذهب ، أو في الآراء المعروضة ، وببيان بطلانها .

وحين لا يتيسر للباحث كشف العناصر الباطلة ، فينبغي أن لا يزيد على بيان أن المذهب أو جملة الآراء المعروضة لا يجوز الأخذ بها في مجموعها الكلي ، بسبب الباطل المندس فيها ، والمفسد لها . نظير حكمنا على كأس شراب العسل المسموم بأنه يجب الامتناع عن تناول أي مقدار منه ، لأنه قاتل .

لكننا حينما نستطيع التمييز والفصل بين الحق والباطل ، في عناصر المذهب أو جملة الآراء والأفكار المعروضة في نظام فكري يغري بالقبول ، فإن اللجوء إلى هذا التمييز والفصل هو الأحق بأن يكون منهجنا ، وهو المنهج الذي يتبعه رواد الحق وعشاقه ، والباحثون عنه والداعون إليه .

وعلى الباحث وفق هذا المنهج أن يفصل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره ووحداته الجزئية ، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي ، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما وصل إليه بحثه في ذلك العنصر ، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر ، ولا تغرَّنه كثرة عناصر الصواب ، إذْ يكفي عنصر فاسد واحد لإفساد نظرية الموضوع كله .

بيد أن هذا المنهج هو من وظائف المتفوقين من أهل البحث والنظر العلمي ، أما الجماهير التي تأخذ المذهب اتباعاً تقليدياً ، فهي لا تستطيع التمييز ولا الفصل ، لذلك فمن واجبها الاجتناب الكلي ، خشية أن تتأثر بالباطل من حيث لا تشعر .

والسطحيون الذين يندفعون مع بادئ الرأي ، أو بادي الرأي ، دون تريث ولا تفكير عميق دقيق ، وينخدعون بالأصباغ والألوان الظاهرة ، وزخرف القول ، دون فحص لما يعرض عليهم الشياطين فحصاً جزئياً مجهرياً ، يسقطون في مكيدة الزيف ، ويسلمون أعنتهم لجزاريهم .

هؤلاء السطحيون المغفلون ، يندفعون كالقطعان إلى حتوفهم وحتوف أمتهم ، وطعم قطع الحلوى التي تقدم لهم وهم يتسابقون في الطريق ، يشغل ساحة التفكير بتأثير من شهواتهم الحاضرة ، فلا يفكرون فيما هم إليه صائرون ، وما هم إليه سائرون .

ويتسابقون وهم يتضاحكون ، ومئات القتلى منهم يتساقطون على أيدي سائقيهم إلى مذابحهم ، وبسذاجة تامة ، وغباء مطبق ، يفسرون تساقط المتساقطين منهم بكل تفسير ، إلا التفسير الحقيقي الذي يكشف أنهم منخدعون بقادتهم ، وبأئمة الضلال الذين يدفعون بهم في الطريق التي هم فيها يتراكضون ، وإلى هلاكهم يتسابقون .

وقد يرون أئمتهم يجلدونهم ، ويذبحون رفاقهم ، أو يسلطونهم على قتل رفاق طريقهم ، فيعتذرون عنهم بأنهم مخدوعون من قبل أعداء المذهب ، وهم في الحقيقة قادة مخلصون ، ورفاق أوفياء ، وهم يعملون للمبادئ المتفق عليها بصدق وتضحية .

ما أشد غباء ضحايا الزيف ، ترى من زعم لهم أنه الرفيق المخلص ، يجلدها ، ويشحذ سكينه ليذبحها ، ثمّ تظل غافلة عن مكيدته ، وتصطنع له المعاذير من عند أنفسها ، أو يوحي لها بهذه المعاذير الشياطين من أجراء أئمة الضلال .

* * *

العنصر الخامس :

استخدام طريقة الإقناع الجدلي ، للتأثير على الناس بصحة المذهب الباطل ، أو الأفكار التي يُرادُ التضليل لها .

ويكون ذلك بتزيين مقدمات قائمة على المغالطات ، والكذب ، والتستر بشعارات التقدم العلمي ، ومنهجية البحث السليم، ومنجزات العلم والتقنيات "التكنولوجيا" ، وملء الصفحات الجدلية بثرثرات قائمة على دغدعة العواطف ، وإثارة الانفعالات ، والتظاهر الكاذب بالرغبة الشديدة في ابتغاء الحق وخير الإنسانية ، وبتخليص البشر من آلامهم ومشكلاتهم الحياتية الفردية والجماعية .

وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة ، سيأتي بعون الله بيان أهمها في الفصل الثاني من هذا الباب .
* * *

العنصر السادس :

استخدام طريقة التوجيه غير المباشر . ويكون عادة بأساليب متوارية متسترة غير صريحة ، أو فيها بعض التواري والتستر ، ومن التوجيه غير المباشر الأساليب التالية :

1- الإيحاء الخفي المتستر بموضوع غير الموضوع المقصود بالذات ، ومنه دس الأفكار المقصودة في غير مجالاتها الأصلية .

2- الإثارة نحو أمر مرغوبٍ للنفوس ، أو الدفع إلى موقف يرضي الأهواء أو الشهوات أو المطامع ، ثمّ استغلاله للتأثير على الفكرة والسيطرة على منطقه ، واستدراجه إلى الاقتناع الذاتي .

3- التوجيه عن طريق القدوة ، أو مؤثرات البيئة ، أو عن طريق الصحبة والرفقة .

4- البث العرضي الذي يخفي معه قصد التوجيه .

5- حديث المتكلم عن نفسه ، أو حديثه عن شخص غائب ، وتدخل في هذا الأسلوب الحكاية والقصة والمشهد التمثيلي ...

6- تهيئة ما يلزم لدفع من يراد توجيهه ليقرأ بنفسه قراءة حرة في كتاب أو صحيفة أو مخطوطة أو نحو ذلك .

7- استغلال الأغنية والنشيد لترديد الأفكار التي يراد الإقناع بها .

إلى غير ذلك من أساليب تتفتق عنها قرائح المضلين ، فيتفادون فيها المواجهة الصريحة بالتوجيه المباشر ، الذي قد يقابل بالمعارضة والصد ، ويثير في النفوس دواعي الرفض .
* * *

العنصر السابع :

الاستدراج ، ويكون باستخدام أسلوب الخطوات المتدرجة ، التي تنحدر بالمستدرَج خطوة فخطوة حتى يسقط أخيراً في حبائل الفكرة .

وقد عرف هذا في لغة السياسة المعاصرة بأسلوب "خطوة خطوة" .

وقد أبان الله لنا في القرآن الكريم أنه من أساليب الشيطان ، إذ حذّرنا من اتباع خطواته .
أ- فقال عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }
ب- وقال عزّ وجلّ في سورة (البقرة/2 مصحف 87 نزول):
{ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}
وقال تعالى فيها أيضاً :
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} .
جـ- وقال عزّ وجلّ في سورة (النور/24 ومصحف/102 نزول):
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}
إن اتباع خطوات الشيطان تستدرج المتبع إلى الإسراف في المباح ، فإلى الوقوع في المكروهات والتهاون في المندوبات ، ثمّ إلى ارتكاب الصغائر من المعاصي والمخالفات ، ثمّ إلى ارتكاب كبائر الإثم والموبقات ، ثمّ إلى الإدما عليها ونسيان الله ، ثمّ إلى الشرك أكبر الكبائر ، فالجحود والفجور الوقح .

وقد وصف الله لنا كيف استدرج الشيطان آدم وزوجه في الجنة ، حتى أوقعهما في معصية الله ، فجعلهما يأكلان من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها ، فقال عزّ وجلّ في سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول):
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ * }.
فدلاهما بغرور : أي أنزلهما في بئر العصية إلى قاعها ، شيئاً فشيئاً ، وهما مغروران بوساوسه وأكاذيبه ، متلبّسان بغرور من أمرهما ، يظنان أنهما سيظفران بالخلود الذي أطعمهما به ، أو بأن يكونا ملكين لهما قُدسيّة الملائكة وطهارتهم .

فاستدراجهما كان على مراحل ، وبأسلوب الخطوات المتتابعة ، وهذه هي طريقة الشيطان في الاستهواء والإغواء .

هذا عمل شيطان الجن ، لكن شياطين الإنس أكثر مكراً وأعظم خطراً ، وأشد تضليلاً ، وأشد للنفوس أسراً .
* * *

العنصر الثامن :
الإيهام بأن الفكرة قد غدت من المسلمات العلمية ، والحقائق التي لا تقبل النقض ولا النقد .

فتُعرض في العلوم على أنها من أهم المكتشفات العلمية ، ويُستشهد بها على أنها حقائق مقطوع بها ، وتُعتبر أساساً لبناء نظريات أخرى .

ولتأصيلها في أذهان الناس يوجّه النقد الشديد اللاذع ضد كل ما يناقضها ويخالفها ، مع استخدام وسائل الهز والسخرية ، والتندر بالذين يأخذون بالرأي المخالف ، واتهماهم بالرجعية ، والتخلف ، والجمود ، وعدم الفهم ، والتعصب الأعمى للقديم ، ونحو ذلك من العبارات .

ومن أمثلة ذلك قول قائلهم :
" إن نظرية التطور العضوي قد توجه البحوث العلمية في علم الحياة . ونظرية "فرويد" من أهم النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية في مجال الدراسات النفسية .والماركسية أو الاشتراكية العلمية أهم نظرية شاملة صدرت في العلوم الاجتماعية والاقتصاد " .

مع أن كل هذه التي أوهم قائلها بأنها حقائق علمية ، أو مقولات ذات أهمية كبرى في ميادين المعرفة المعاصرة .
* * *

العنصر التاسع:

استخدام الآداب والفنون المختلفة لتأكيد الفكرة ونشرها ، كاستخدام القصص ، والتمثيليات ، والشعر ، والتصوير ، والغناء ، والرقص التعبيري ، والنكتة الساخرة ، والمضحكات (الكوميديا) ، والرسوم التعبيرية (الكاريكاتير) ونحو ذلك .

وكل قارئ للقصص التي ندفع بها المطابع للقراء ، ولدواوين الشعر التي يصدّرها أدباء التضليل الفكري ، والإفساد الخلقي والسلوكي ، ومروجو المذاهب الضالة ، وكل مشاهد للتمثيليات التي تعرضها أجهزة نقل الصوت ، أو نقل الصوت والصورة ، يلاحظ ما تحمله هذه الآداب والفنون من ترويج لأفكارٍ ومذاهب مختلفة ، وهذه الأفكار والمذاهب تتسلل إلى نفوس الأجيال وعقولهم فتتمكن منها ، حتى تكون بمثابة عقائد راسخة ، أو أمورٍ مسلم بصحتها وسلامتها ، أو مُسلّمٍ بأن ضرورة التطور الاجتماعي تقتضيها .

وقد استخدم اليهودي الصهيوني "جان بول سارتر" قصصه وتمثيلياته ، وما برع فيه من فنون أدبية ، لبث أفكاره الفلسفية المدمّرة لكل القيم الدينية والخلقية والاجتماعية والسياسية والفكرية ، والمعروفة بالفلسفة الوجودية الملحدة ، مع ما فيها من تفاهة فكرية ، وسبح هائم في عالم "اللامعقول" فأثر في جماهير الشباب والمراهقين من مختلف الشعوب أيما أثر .

وقد جند المفسدون في الأرض كتاباً كثيرين ، لملء برامج الإذاعة والتلفزيون وصفحات الدوريات بهذا الأدب غير الأخلاقي ، بغية نشر الإباحية والأفكار والمذاهب الهدامة .
* * *

العنصر العاشر :

ستر العناصر المأجورة أو المدفوعة لوضع الفكرة أو المذهب أو الترويج لهما ونشرهما ، بمختلف أنواع الستر وصوره .

فداعي الاشتراكية مثلاً يوجّه أن يبقى في ظروف مالية واجتماعية قاسية ، تبرر نقمته على الرأسمالية ، وتبرر وضعه أو نشره للمذهب الاشتراكي أو الشيوعي ، ويُفرض عليه أن يتظاهر بكل ما يؤكد أنه غير مدفوع من قِبَل منظمة خاصة لها مصلحة بما دفعته إليه .

وقد يُستأجَرُ ذو غنى واسع لتأييد الاشتراكية أو الشيوعية ، مع تطمينه بأنه سيكون محمياً من ويلاتها ونكباتها إذا وصل الحزب الاشتراكي أو الشيوعي للسلطان ، ونفذ برنامجه الاقتصادي والاجتماعي ، وذلك ليكون تأثير صاحب الغنى الواسع هذا أكثر في الجماهير ، إذْ ترى فيه الشخص المتجرد الذي ينصر الحق ولو خالف مصلحته الخاصة ، وهذه من الحيل الشيطانية البارعة .

وإمعاناً في ستر أفراد التنظيم أو أجرائه وعملائه ، تعمد قيادة التنظيم إلى توجيه بعض المعروفين بالانتماء إليه لمقاومة ذلك العنصر الذي يُراد ستره ، ولمهاجمة أفكاره وانتقادها بصورة لا تجرح جوهر المذهب الذي يراد التبشير به وترويج مبادئه ، أو لانتقاد تصرفاته الشخصية . وبذلك تضمن المنظمة توجيه الفكرتين المتصارعتين أو المذهبين المتضادين ، ضمن الخطوط المرسومة لهما ، فتمد أحدهما بمقدار ، ثمّ تمد الآخر بمقدار ، وتقيم بينهما تمثيلية الصراع بمقدار ، ويجري كل ذلك وفق خطط مرسومة تحقق أهداف المنظمة ، نظير فعل الدول حين تفرض على جواسيسها سلوكاً معيناً .

فقد يعمل ضابط كبير في المخابرات خادماً في مطعم أو مقهى ، أو بواباً لفندق أو سائقاً لسيارة ، أو نحو ذلك .
* * *

خاتمة حول المنهج الذي يجب اتباعه تجاه المضلين :

بعد ملاحظتنا عناصر الخطة العامة للمضللين في الأرض ، وواضعي المذاهب الباطلة ، علينا أن نستبين المنهج الذي يجب اتباعه تجاه كل المذاهب والأفكار والآراء المشتملة على عناصر مناقضة أو مخالفة لما هو ثابت ويقيني في الإسلام .

وبالتأمل يستطيع العاقل الحصيف طالب الحق ، والحذِرُ من الافتتان بالباطل والانزلاق لاعتناقه ، أن يتخذ لنفسه منهجاً فيه القواعد التالية :

القاعدة الأولى : عدم قبول الأحكام التقريرية التي يقدمها مروجوها على أنها حقائق مسلمة ، وإن تسترت باسم العلم ، والكشوفات العلمية ، ومناهج البحث المنطقي السليم ، وطرائق المعرفة الحديثة ، ومنجزات الحضارة ، وما أشبه هذه الألفاظ . فالتستر بهذه الألفاظ من وسائل التزييف التي مهرها مروجو المذاهب الضالة .

القاعدة الثانية : الحذر من التأثر بالأقوال المزخرفة المنمقة ، أو المرتبة ترتيباً متناسقاً يوحي بسلامتها من الزيف .

القاعدة الثالثة : الحذر من قبول كل المذاهب تأثراً بكثرة الصحيح المعروض فيه ، فربّ ألف فكرة صحيحة تفسدها فكرة باطلة تقع منها موقع الجذر ، أو أساس البناء وقاعدته الأولى .
وكم سقط أذكياء في فخ أصحاب الحيل من شياطين واضعي المذاهب الضالة ، تأثراً بأفكار صحيحة كثيرة عُرضت عليهم ، حتى إذا سئموا من شدة المراقبة ، وجاءتهم الغفلة ، أمرَّ الشيطان الفكرة الباطلة بطريقة متسللة دون أن تثير ضجةً ولا انتباهاً ، وهم عندئذ يقبلونها دون محاكمة ولا نظر .

يضاف إلى ذلك أن كثرة الصحيح تستدرج الأنفس إلى الثقة والطمأنينة ، ومع الثقة والطمأنينة يكثر التسليم دون بحث ولا نظر ، ودون إجهادٍ للذهن بفحص كلّ جُزَيئَة لتمييز الحق من الباطل .

القاعدة الرابعة : الحذر من المغالطات التي قد تشتمل عليها الأدلة المقدمة لإثبات المذهب الوافد ، وتوجيه الانتباه من الدرجة القصوى لأصول المغالطات التي يصطنعها المضللون المغالطون للإقناع بمذاهبهم وآرائهم .

القاعدة الخامسة : اليقظة التامة لدى فحص الأفكار ومناقشتها ، ويكون ذلك بتجزئة الأفكار إلى عناصرها ، والبحث عن جذورها ، وعدم قبولها جملة واحدة ، أو رفضها جملة واحدة .
وكم من أخطاء علمية وقع فيها باحثون ، بسبب عدم تفاصُل عناصر الأفكار في أذهانهم ، وعدم تمايزها ، فقد يعطي أحدهم بعضها حكم الآخر مع أن له حكماً غير حكمه ، لمخالفته له في الحقيقة ، أو في كثير من الصفات .

ومن هنا تأتي تعميمات فاسدات ، يظهر زيفها متى تمايزت حقائق الأشياء في الذهن ، وتفاصلت عن بعضها بهوياتها الخاصة التي لها أحكام خاصة .

فعلى الباحث أن يفصّل أي موضوع ذي عناصر إلى عناصره ، ووحداته الجزئية ، ثمّ يبحث في كل عنصر منها وفق أصول البحث العلمي ، ثمّ يبني حكمه بالاستناد إلى ما انتهى إليه بحثه في ذلك العنصر ، وهكذا حتى يستوفي كل العناصر ، ولا تغرنه كثرة عناصر الصواب ، فقد يأتي عنصر واحد باطل فاسد ، فيكون سبباً في إفساد نظرية الموضوع كله ، ويكون هذا العنصر بمثابة السم في الدسم ، بالنسبة إلى جملة المذهب ، أو الآراء المعروضة .
* * *

الفصْل الثاني


المغَالَطاتُ الجَدَليّة

يقصد بالمغالطة اصطناع مقدمات مزيفة مزخرفة توهم بصحتها ، فتسوق فِكرَ من يُراد إقناعه بالباطل من حيث لا يشعر ، حتى تُوقعه في الغلط ، وهو يحسب أنه على صواب ، فيقبل الباطل الذي يساق إلى الاقتناع به ، ويظنه حقاً ، فيعتقد صوابه ، ويؤمن به ، ثمّ يدافع عنه ويبشر به .

وللمغالطات الجدلية أصول كثيرة أهمها الأصول التالية :

الأصل الأول

تعميم أمرٍ خاص : والمغالطة بالتعميم الباطل تنسب إلى بعض أفراد العام ما ليس له من أحكام بغية التضليل .

ويستطيع المضللون التأثير على جماهير الناس بهذه المغالطة ، لأن من طبيعة هذه الجماهير أن تصدّر أحكاماً تعميمية ، وأن تقبل أحكاماً تعميمية ، متى شاهدت أمثلة مطبقة على بعض أفراد العام ، وذلك في نظراتهم السريعة السطحية غير العلمية ، وهي النظرات التي ليس فيها أناة ، ولا عمق ، ولا بصيرة ، ولا تتبُّعٌ واستقصاء ، ولا منهجية برهانية .

فإذا رأوا عدداً من اللصوص ينتمون إلى قبيلة ، حكموا على أفراد القبيلة بأنهم لصوص ، كما لو رأوا حيواناً يفترس الأنعام ، إذ يحكمون على كل أفراد نوع هذا الحيوان بأنها تفترس بطبيعتها الأنعام ، ويغفلون عن نقطة مهمة وهي أنه لا يصح قياس الناس الذين يتحركون بإرادتهم على البهائم التي تتحرك بطباعها .

ويستغل المضللون هذه الطبيعة السطحية ، عند الجماهير التي لا تملك منهجية علمية في نظراتها إلى الأمور ، فيضللونهم بأحكام تعميمية باطلة .

ويكون التعميم الباطل بوجهين :

الوجه الأول : أن يكون للفظ العام تطبيقات جزئية مقبولة ومعقولة ، وفيها حق وخير ، وهي تقع ضمن دوائر وحدود خاصة .

والناس يطلقونه دون بيان حدوده الخاصة ، فهو يتردد على الألسن دون قيود .

ويستغل المفسدون المضللون هذا اللفظ بإطلاقه ، ويعطونه مداً تعميمياً ، ليكون له في نفوس الجماهير صدى عام ، يشمل مساحات لا يصح أن يشملها ، فإذا طبق على هذه المساحات الواقعة وراء الحدود المعقولة المقبولة ، كان تطبيقه باطلاً ، ونجم عنه شر وفساد .

مثل ألفاظ : "الحرية – المساواة – التقدم – الواقعية – المثالية – الرجعية – الوطنية – القومية" إلى غير ذلك من ألفاظ مطلقة .

الوجه الثاني: أن تقدم الملاحظة أو التجربة العلمية أمثلة محدودة ، جرت في أفراد العام ، كنوع أو جنس ، وهذه الأمثلة ، لا يصح بناء قاعدة كلية عامة عليها في المنهج العملي السليم .

لكن المضلين يوهمون بأن هذه الأمثلة المحدودة ، التي جرت في أفراد معدودة ، كافية لإعلان قاعدة كلية عامة ، أو قانون شامل لكل أفراد النوع أو الجنس .

ويقبل السطحيون ذلك ، لأن نزعة التعميم وتصدير الأحكام الكلية الشاملة ، أقرب إلى نفوسهم من البحث التفصيلي المتقصي ، الذي لا يسمح بإصدار أحكام تعميمية إلا بعد استقراء شامل أو ما هو قريب منه .

والمغالطة التعميمية ، أخطر مغالطة فكرية تقتات بها وتعيش عليها المذاهب الفكرية المعاصرة ، والاتجاهات المنحرفة في مختلف الميادين والمعارف التي اختلط فيها الحق بالباطل .

والتعميم في الحكم يكون في جانب الإيجاب ، ويكون في جانب السلب ، فالمعمم تعميما ًخائطاً قد يقبل المذهب كلَّه لأن بعضه حق ، وقد يرفض المذهب كله لأن بعضه باطل .

ومن التعميم الفاسد في جانب الإيجاب ، الحكم على كل مُعطيات الحضارة الغربية بالصحة ن قياساً على ما صح منها في معطيات العلوم البحتة , وعلى ما ظهر منها في المنجزات التطبيقية المادية . مع أن هذا التعميم المستند إلى هذا القياس ، تعميمٌ فاسد ، لأن القياس الذي هو دليله قياس غير صحيح ، ومبعث قبوله عند الجماهير جهلهم بأسس اكتساب المعرفة ، وثقتهم العمياء القائمة على غير أساس منطقي سليم .

إنه ليس من الضروري أن يكون من يستطيع التغلب على المصارعين في المصارعة ، ذا قدرة على التفوق على الشعراء في الشعر ، أو الأدباء في الأدب ، أو علماء الحساب والهندسة في علومهم .

كذلك ليس من الضروري ، ولا من اللازم العادي ، أن يكون المتفوق في العلوم الصناعية قد وصل إلى الحق في قضايا الأخلاق ، أو في قضايا فلسفة الوجود ، والبحثِ عما وراء الظواهر المادية ، فضلاً عن قضايا الدين ذات المصادر الربانية .

ومن التعميم الفاسد في جانب السلب رفض كل دين ، لأن بعض ما يطلق عليه اسم دين هو باطل .

وعلى هذا التعميم الفاسد اعتمد دعاة الإلحاد في محاربة الإسلام .

والمنهج الفكري الذي يجب اتباعه ، هو أن الجزم بالتعميم لا يكون إلا نتيجة استقراء تام لكل الوحدات الجزئية ، التي تدخل في العموم ، فإذا اتحد الحكم في كل الوحدات أمكن عندئذٍ إصدار حكم كلي عام عليها جميعاً .

وإلا ، فإن كان الأغلب يحمل هذا الحكم أمكن إصدار حكمٍ أغلبي ، لا حكم شامل .

وإن كان دون ذلك فالحكم يجب أن يكون بحسب الواقع .

والتعميم القياسي مقبول في قوانين الطبيعة ، بالاستناد إلى الاستقراء الناقص ، لكنه يعطي نظرية قابلة للتغيير ، ولا يعطي حقيقة نهائية . ومقبول في أحكام الشرع الاجتهادية ، لكنه يعطي ظناً راجحاً ، ولا يعطي يقيناً ، إلا في بعض الصور ، وهي التي يكون فيها القياس من باب أولى .
* * *

الأصل الثاني

تخصيص أمرٍ عام : والمغالطة هنا تنفي عن بعض أفراد العام ما له من أحكام بغية التضليل .

ومن أمثلة ذلك الدعوات القائمة على مزاعم التفاضل العنصري القومي بين المجموعات البشرية ، مع أن الناس جميعاً سلالة أصل واحد ، وتبرز كل الصفات الإنسانية الرفيعة والمنحطة وما بينهما ، في كل الأعراق ، والأقوام ، والألوان .

واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، أطلق بنو إسرائيل مزاعمهم حول امتياز العرق الإسرائيلي ، وتفضيله على سائر أولاد آدم ، ثمّ ادعوا أنهم وحدهم البشر ، وأما سائر الناس فهم من طينة أخرى مشابهة للطينة التي خلقت منها البهائم ، وقد خلقهم الله لخدمة أبنائه وأحبائه الإسرائيليين ، ولكنهم تمردوا على ما خلقوا له .

واستناداً إلى هذا التخصيص الفاسد ، تبنى الجرمانيون الزعم الذي صنف أعراق الناس وأقوامهم ، في سُلّم أفضليات متعدد الدرجات ، وجعل العرق الألماني أفضل الأعراق الإنسانية وأرفعها خصائص فطرية .

وانطلقت النزعات العرقية القومية بين الناس من هذا الأصل الفاسد .
* * *

الأصل الثالث

التدليس ، وهو ضم زيادات وإضافات ليست في النص أو الموضوع أو المبحث الأصلي ، مغالطة وتضليلاً .

ومن أمثلة هذا الأصل من أصول المغالطات ، طائفةٌ من صنوف التبديل التي غير بها أهل الكتاب من اليهود والنصارى كتبهم المقدسة .

وقد لا تزيد الإضافة على كلمة صغيرة ، كحرف من حروف الجر ، أو النفي وقد لا تزيد الإضافة على حرف في كلمة ، ولكن هذا الحرف يغير معنى الكلمة ، وقد يقلبه إلى ضده .

إن المغالط الشيطان قد يحاول أن يقلب معنى قول الله تعالى في القرآن الكريم : " إن الدين عند الله الإسلام " بإضافة كلمة : "غير" قبل كلمة "الإسلام" .

ويحاول اليهود بين حين وآخر ، طبع نسخ من القرآن الكريم ، فيها بعض هذا التغيير ، لتوزيعها في شعوب مسلمة بعيدة عن عواصم العالم الإسلامي ، ومدنه التي فيها علماء وحفاظ للقرآن الكريم ، كعمق إفريقية مثلاً .

ولكن الله عزّ وجلّ يقيض لكتابه من يسارع إلى اكتشاف الزيادة ، أو التغيير ، فيهب علماء العالم الإسلامي لإتلاف هذه النسخ المزيدة تحريفاً .

ويظل كتاب الله القرآن محفوظاً بحفظ الله له ، تحقيقاً لقوله عزّ وجلّ : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

وكثر التدليس فيما روي عن الرسول (ص) من أقوال ، ولكن قيض الله لها علماء الحديث المحررين ، فكشفوا المدلس منها ، ونفوا عنها الزيوف .
* * *

الأصل الرابع

حذف ما يغير حذفه المعنى المراد ، ومنه الاقتصار على ذكر بعض النص .

وقد يكتفي المغالط المحتال بحذف كلمة أو جملة ، أو حرف من كلمة ، إذا كان ذلك يفسد دلالة النص أو يغيرها ، أو حذف شرط أو قيد في الموضوع .

وقد بلغني أن جماعة من اليهود طبعوا آلافاً من المصاحف وحاولوا توزيعها في إفريقية ، وفيها حذف كلمة : (غير) من قول الله عزّ وجلّ ، {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} .

ولكن اكتشف هذه اللعبة الخبيثة بعض المسلمين ، فهب أهل الغيرة ، وجمعوا نسخ هذه الطبعة ، وأحرقوها .

أما الاقتصار على ذكر بعض النص الذي هو من الحذف في الحقيقة ، لأنه قد يفسد المعنى ويغيره إلى النقيض ، فمن الحيل التي يستخدمها المستشرقون والمبشرون والشيوعيون ، لدى كتابتهم في المسائل الإسلامية ، بغرض إيقاع القارئ في مفاهيم فاسدة عن الإسلام .

فيأخذون مقطعاً من النص ، مع أنه مرتبط بسوابقه ، أو بلواحقه ، أو بهما معاً ، ارتباط الشرط بالجزاء ، أو ارتباط المطلق بقيوده ، ونحو ذلك .

ومن الأمثلة المشهورة التي يستشهد بها الناس لمثل هذا الاقتصار والاقتطاع المفسد للمعنى ، الاستشهاد بقول الله تعالى : {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ} دون ذكر القيد المتصل به في السورة ، وهو قول الله تعالى : {الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ }.

ومن الأمثلة ما فعله بعض المتهجمين على الإسلام ، إذ اقتطعوا من كلام الرسول (ص) جملة : " ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا " وأخذوا يتهمونه بأنه يحجر على الأفكار ويقيدها ويحجز حريتها ، مع أن صدر الحديث فيه قوله (ص) : " تفكروا في خلق الله " أو : "تفكروا في آلاء الله" ومن الحقائق أن التفكر في ذات الله مهلكة .

* * *

الأصل الخامس

التحريف أو التصحيف في النص ، إذا كان ذلك يغير المعنى ويخدم غرض المغالط المحتال .

والتحريف يكون بتغيير الكلمة في النص ، ووضع كلمة أخرى مكانها ، يختلف رسمها عن رسم الكلمة الأصلية ، ولكنها قد تشبهها .

والتصحيف يكون بالتلاعب بنقط الحروف المعجمة في الكلمة ، أو بالتلاعب بحركات الحروف ، أما رسم الكلمة فلا يتغير ، مثل كلمة {مجترون} تصحف إلى (مخيرون) ومثل : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} تصحف إلى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) .

ويستخدم المغالطون حيلتي التحريف والتصحيف في النصوص ، للتضليل ، وإيقاع من يقصدون تضليله بالغلط في فهم النص الذي يثق به ، ويؤمن بدلالاته .

ويحاول أعداء الإسلام المغالطة بتحريف النصوص الإسلامية وتصحيفها ، لتضليل المسلمين ، لا سيما الأجيال التي لا علم لها بهذه النصوص ، وليس لديها الكتب الإسلامية التي هي مراجعها ، ولا تدري مكان النص من المرجع لو وضع المرجع الإسلامي بين أيديها .

والتحريف والتصحيف في النصوص أكثر مكراً من الزيادة والحذف ، لأنه يوهم ببراءة القصد ، نظراً إلى التشابه أو التقارب بين الأصل والمحرف أو المصحف ، ونظراً إلى أن كلاً منهما قد يقع به بعض النساخ للكتب الإسلامية ، وربما وقع به بعض العلماء الموثوق بهم على سبيل الغفلة أو الخطأ .
* * *

الأصل السادس

التلاعب في معاني النصوص ، لإبطال حقٍ أو إحقاق باطل .

وهذا الأصل له ميادين فسيحة للمغالطين المضلين ، نظراً إلى طبيعة اختلاف آراء الناس في فهم النصوص ، ولو صدقوا في ابتغاء الحق ، وفي إرادة الوصول إلى المراد حقيقة من النص ، لا سيما النصوص ذات الاحتمالات المتعددة ، والنصوص المطلقة ، والمشتملة على صيغ العموم .

وللباطنيين مكر كبير في هذا المجال ، إذ زعموا أن لكل نص ديني ظاهراً وباطناً : أما الظاهر فما يفهمه علماء الظاهر الذين يتقيدون بالدلالات اللغوية للألفاظ ، ويزعم الباطنيون أن هذا الظاهر هو بمثابة القشور ، وهو للعامة . وأما الباطن فهو ما يبينه أئمة الباطنيين ، هنا يتلاعب الباطنيون في المعاني الباطنية ، كما توحي لهم شياطينهم ضلالاً وفسقاً وشركاً وانسلاخاً من الدين كله ، ويزعم الباطنيون أن هذا الباطن هو بمثابة اللب الذي توجد فيه الحقيقة ، وهو للخاصة الواصلين إلى الحقيقة ، القادرين على تفهمها وقبولها ، ولو كانت تأليها للبشر ، واستباحة لكل موبقة ، ولكل ظلم وفجور ، وقتل وسلب ونهب وكفور .

واليهود هم معلمو هذه الحيلة الشيطانية الباطنية ، ومكروا عن طريقها بدين الله مكراً كباراً ، ضللوا به فرقاً كثيرة ، وبمكره ظهرت الفرق الباطنية منشقة عن الإسلام والمسلمين .
* * *

الأصل السابع

طرح فكرة مختلفة من أساسها بغية التضليل بها ، ومن ذلك تعليل الظواهر الطبيعية الكونية , والظواهر الاجتماعية ، بتعليلات توهمية تخيلية ، أو تخمينية ، وإلصاق هذه التعليلات المختلقة التي لا دليل عليها بمنجزات العلم التجريبية ، ثمّ اعتبارها أساساً منطقياً علمياً لمذهب الإلحاد وجحود الخالق جل وعلا ، أو لهدم الأخلاق والنظم الاجتماعية التي يرتبط بهما صلاح الناس وسعادتهم ، وصحتهم الجسدية والنفسية ، وطمأنينتهم ، وأمنهم ، واستقرارهم .

ومن أمثلة الأفكار والتعليلات التوهمية والمختلقة ما يلي :

1- ادعاء أعداء الإسلام من الصليبيين أن رسول الله محمداً (ص) ، قد تعلم القرآن من بحيرى الراهب ، أو أن القرآن مقتبس من الإنجيل ، أو من كتب أهل الكتاب بوجه عام .

ونظير ذلك ادعاء بعض المستشرقين اليهود أن القرآن مأخوذ من التوراة .

2- ادعاء أن الكون خاضع لقانون النشوء والارتقاء بالتطور الذاتي ، أو لقانون الجدلية التي توهمها الفيلسوف "هيجل" وأخذها عنه اليهودي "كارل ماركس" وادعى أن الجدلية (=الديالكتيك) كافية لتعليل التطورات الكونية والاجتماعية ، دون الحاجة إلى خالق أزلي عليم حكيم قدير .

3- ادعاء أن الدين ثمرة أوضاع اجتماعية ، وليس بلاغاً منزلاً من موجود عظيم غيبي عن حواسنا ، له كل صفات الكمال ، وهو منزه عن كل صفات النقصان .

وإلغاء كل منطق العقل ودلائله البرهانية الإيمانية ، لتثبيت هذا الادعاء المختلق ، أو التفسير التوهمي الذي لا تدليل عليه من الواقع ، أو من براهين العقل .

4- معظم أفكار العقيدة الشيوعية ، فالمتأمل البصير يكشف أنها أفكار مختلفة ، أو تعليلات وتفسيرات توهمية ، لظواهر كونية أو اجتماعية .

والقادة الشيوعيون يصدرون أفكارهم في صورة قرارات جازمة ، أو مقررات قطعية غير قابلة للنقاش ، أو التساؤل عن أدلتها ، ويلصقونها بالعلم أو منطق العقل زوراً وبهتاناً .

ويعطي الشيوعيون قرارات مبادئهم الباطلة صفة حتميات جبرية ، وما لم يتحقق منها بعدُ ، يقررون أنه لا بد أن يتحقق في المستقبل حتماً .

ثمّ إن الواقع الكوني أو التجريبي يكذب مختلقاتهم وحتمياتهم المفتراة .

5- تفسير الفيلسوف اليهودي "برجسون" لظاهرتي الدين والأخلاق عند الإنسان ، بأنهما من صنع الملكة الوهمية القادرة على صنع الخرافة في نفسه ، لخدمة مسيرة الحياة ، ودفعها إلى الحركة والعمل والبناء ، ضد مثبطات العقل ، الذي يكشف الحقيقة القاتمة الباردة الجافة الميتة ، والموقفة لمسيرة الحياة ، ولحركتها العاملة التي يجذبها الأمل .

فهو تفسير خرافي مختلق ، لدعم مذهب الإلحاد بالله ، مع التظاهر بضرورة كل من الدين والأخلاق للحياة ، ولاستمرار نشاطها الفاعل البناء المتطور . ولهذا التظاهر إيحاء مؤثر في إقناع ضعفاء الإيمان ، والمفتونين بعلوم الغرب ، والأغرار من ناشئة الأجيال .

6- ولليهود مكر كبير في هذا المجال ، فقد كان فريق منهم يكتبون الكتاب من عند أنفسهم ، ويزعمون أنه من عند الله ، ليضلوا به كثيراً من الناس .
* * *

الأصل الثامن

نسبة أقوال أو أفكار أو آراء أو مذاهب ، إلى من لم يقلها ، أو لم يطرحها ، أو لم يتخذها لنفسه مذهباً ، أو لم يَرْوِها ولم يحدث بها .

وهذا الأصل هو أحد الوسائل التي يلجأ إليها المضللون المغالطون ، إذ يأتون إلى أعلام أو أئمة كبار ، يثق بهم من يريدون تضليله ، فينسبون إليه قولاً ، أو فكرة ، أو رأياً ، أو مذهباً ، أو رواية لحديث ، ليكون ما نسبوه إليه في نفس فريستهم تأثير قوي ، وليوقعوا في نفسه وهناً ، أو تثبيط همة ، أو فتور عزيمة ، حتى لا يتحمس ولا ينشط لرد القول وتفنيده ، أو إدحاض الفكرة أو الرأي أو المذهب ، أ وتكذيب الحديث أو تضعيفه .

وقد كان الباطنيون يتخذون هذه الحيلة الخبيثة للتأثير على من يريدون صيده لمذهبهم ، إذ يقولون له : إن فلاناً العالم العظيم المشهور هو على مذهبنا ، أو قد قال كذا ، أو يرى كذا ، أو حدث بكذا ، إلا أنه يكتم أمره ولا يظهره ، لئلا ينقلب عوام المسلمين ضده .

وهذه الحيلة من الوسائل التي تتخذها المنظمات الكافرة المعاصرة ، إذْ يهمسون بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً من كبار أعلام العصر ، هم من المنتمين إلى منظمتنا ، ومن أقوالهم التي يقولونها في المجالس الخاصة كذا وكذا .

والشيعة يتخذون هذه الحيلة على نطاق واسع ، أخذاً بمبدأ التقية واستباحة الكذب ، فقد يقول المجادل منهم في مجلس من المجالس ، روى البخاري في صحيحه كذا وكذا ، في باب كذا ، في صفحة كذا . ويروي حديثاً مكذوباً مختلقاً يؤيد لفظه رأيه . وغرضه من ذلك الانتصار الوقتي في المجلس الجدلي ، الذي ليس فيه نسخة من صحيح البخاري الذي يقول إن الحديث موجود فيه .

وفي العلوم وفي استعراض الآراء والمذاهب المكتوبة نجد مثل هذه المفتريات ، والمختلقات ، للإقناع برأي الكاتب المختلِق أو بمذهبه .

فلا بد للباحثين من التحقق والتثبت والتوثيق ، فالفساق في الناس أكثر من المتقين ، ولو كانوا من أهل العلم والرأي والفكر .
* * *

الأصل التاسع

كتمان نص أصلي ، أو أقوال صحيحة ، أو مذاهب معتمدة ، وعدم التعرض إليها مطلقاً ، مع العلم بها ، وربما تكون مشهورة أيضاً .

وأخطر كتمان الحق كتمان أهل العلم في مسائل العلوم وقضايا المعارف ، لأنه يوهم بأنها لا أصل لها ، إذ لو كان لها أصل لما جهلها أمثالهم ، ولو كانوا يعملونها لذكروها وتحدثوا بها . وكذلك كتمان من لديه شهادة في حق من حقوق الناس ، وهو من الذين لهم صلة بالمشهود له أو عليه ، وأبان الله أن من فعل ذلك فإنه آثم قلبه .
ولليهود مكر كبير في مجال التضليل بالكتمان ، وقد وصفهم الله عزّ وجلّ في القرآن الكريم بأنهم يكتمون ما أنزل الله ، ونهاهم عن ذلك .

فقال الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة/2 مصحف(87 نزول) في سياق خطابه لنبي إسرائيل :
{وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}

وقال تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول) :
{وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ياأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *}

وأبان الله عزّ وجلّ أنه قد أخذ الميثاق على أهل الكتاب أن يبينوه للناس ، وأن لا يكتموه ، لكنهم لم يوفوا بما عاهدوا الله عليه ، فنبذوا الكتاب وراء ظهورهم ، وكتموا ما أنزل الله فيه ، واشتروا به ثمناً قليلاً . فقال الله عزّ وجلّ في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}.

أي : وما زالت أخلافهم يفعلون فعل أسلافهم ، فيشترون بكتاب الله ثمناً قليلاً ، فبئس ما يشترون ، وهم يجددون ويكررون جرائم أسلافهم . وقد دل على استمرار الأخلاف في عدم بيان الكتاب ، وكتمانه ، ونبذه وراء ظهورهم ، وأنهم يشترون به ثمناً قليلاً ، استعمال الفعل المضارع الدال على التجديد والتكرير ، في قول الله تعالى في آخر الآية : { فبئس ما يشترون } . ولو كان الكلام خاصاً بما فعل أسلافهم لجاء التعبير بالفعل الماضي .
* * *

الأصل العاشر

التقاط مفاهيم شاذة باطلة موجودة لدى بعض الفرق المنتسبة إلى المذهب المخالف . أو تصيد الضعيف أو المردود من آراء المنتسبين إلى المذهب المخالف ، ولو كان الرأي مرفوضاً لدى جمهور أتباع المذهب نفسه ، ولو كان المنتسب منافقاً غير معترف بانتسابه أصلاً ، لدى تطبيق أصول ذلك المذهب وقواعده وعقائده ، ولدى جمهور المنتمين إليه .

وبعد التقاط هذه المفاهيم الشاذة الباطلة ، أو تصيد هذه الآراء الضعيفة المردودة ، يأتي المغالط المضلل فيعتبرها هي المفاهيم والآراء المعتمدة في المذهب ، لدى عرض مفاهيمه وأحكامه ، بغية التضليل بها ، أو بغية محاربة المذهب على أساس أنها من مفاهيمه وأحكامه .

مثل التقاط مفاهيم باطنية شاذة باطلة ، موجودة لدى فرق تنتمي إلى الإسلام اسماً ، والإسلام بريء منها ، ثمّ اعتبار هذه المفاهيم مفاهيم إسلامية ، واتخاذها أساساً للمناظرة التضليلية .

ومثل تصيد بعض الآراء الاجتهادية الفردية الضعيفة أو المردودة ، الموجودة لدى مذهب من المذاهب الإسلامية الفقهية أو الاعتقادية ، كالرأي الجبري في العقيدة ، ثمّ اعتبار هذه الآراء الضعيفة أو المردودة من المفاهيم أو الأحكام الإسلامية المقررة في الإسلام ، مع أنها منتقدة أو مردودة لدى جمهور علماء المسلمين .

ومن ذلك محاربة الإسلام بأن فيه ما يتناقض مع الحقائق العلمية ، تذرعاً بأن بعض أهل التفسير لنصوصه ، فهموا منها أن الأرض مبسوطة لا كروية .

ويستخدم المستشرقون والمبشرون هذا الأصل من أصول المغالطات على نطاقٍ واسع جداً ، ويضللون به أيما تضليل .
* * *

الأصل الحادي عشر

الإيهام بأن العلوم ذات المنجزات الحضارية الكبرى تؤيد المذهب الذي يريد أصحاب المغالطة مناصرته .

والحيلة في ذلك أنهم دسوا في العلوم التطبيقية ، والوصفية , والرياضية العقلية ، تعليلاتٍ وتفسيراتٍ فلسفية للظاهرات المادية . وهذه التعليلات والتفسيرات الفلسفية لا دخل لها بالتطبيق ، ولا بالوصف ، ولا بالقوانين الرياضية المنطقية العقلية ، وما هي إلا آراء نظرية تخيلية ، لا دليل عليها إلا التكهن ، أو الحدس ، أو الرجم بالغيب ، أو الادعاء الباطل .

ولكن لما دخلت هذه الآراء زيوفاً وتدليساً وتلبيساً ، واندست في ثنايا هذه العلوم ، أو في قواعدها الأولى ، طفيلية عليها ، تمكَّن المضلون من إيقاع دارسي هذه العلوم في توهم أن هذه الآراء المندسة هي مثل سائر مسائل هذه العلوم ، في اعتمادها على أدلة حسية ، أو تجريبية ، أو عقلية ، مع أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك مطلقاً .

وهنا تكمن المغالطة الشيطانية الخطيرة ، وقد أدت هذه المغالطة دورها المؤثر في الأجيال التي نُشِّئَت على مناهج الدراسة الغربية العلمانية ، حقبة من الزمن ، كما رسم لها شياطين الإضلال والإفساد في الأرض ، وكما خطط لها دعاة الإلحاد بالله ، ومروجو الإباحية السلوكية ، ومدمرو الأخلاق والنظم الاجتماعية الفاضلة .

ومن أمثلة ذلك : دس آراء التطور الذاتي الارتقائي لنشوء الكون ، ضمن القضايا الوصفية لظاهرات الكون الطبيعية ، لا سيما علم الأحياء . ودس آراء الجدلية التاريخية في علم الاجتماع البشري . ودس الآراء الخيالية لتعليل وتفسير الظاهرات النفسية الوصفية في علم النفس .

إلى غير ذلك من مندساتٍ زيوف .
* * *

الأصل الثاني عشر

تحويل النظر عن دائرة المسألة الأساسية التي هي محل النزاع والمناظرة ، والاستدراج إلى أمور جانبية أولاً ، ثمّ إلى أمور أخرى .

وفي هذه المغالطة خروج عن موضوع المناظرة بحيلة ، وهي مراوغة لا تجوز في حلبات مناظرات شريفة يراد منها الوصول إلى معرفة الحق ، واكتشافُ الشبهات التي تغشي على الرؤية ، فتحجبُ أحد المتناظرين أو كليهما عن رؤية الحقيقة المنشودة عارية .

ويستخدم المضلون هذا النوع من المغالطات استخداماً واسعاً جداً ، لأنهم لا يجدون غيرها مهرباً ، إذ يحصرهم مناظروهم من أصحاب الحق في دائرة لا يملكون فيها غير التسليم ، فإذا وجدوا أنفسهم كذلك قفزوا بحبال الاستطراد إلى دائرة أخرى .

فقد تكون المناظرة مثلاً حول قضية الإيمان بالله الرب الخالق عزّ وجلّ ، وأدلة هذه القضية ، ويعرض المؤمن الحكيم العالم جملة من أدلة الإيمان ، حتى يحصر خصمه الملحد في دائرة من البراهين توجب عليه التسليم والاستسلام .

لكن الملحد الجاحد يراوغ بحيلة من حيل الاستطراد ، ويقفز على أضعف الخيوط لينتقل إلى دائرة أخرى ، وقد تكون هذه الدائرة بعيدة جداً عن الدائرة الأولى ، إلا أنها ذات صلةٍ ما بها ، وهذه الدائرة تتعلق ببعض الأحكام الدينية ، كمسألة الرق ، أو تعدد الزوجات ، أو نظام الاقتصاد وحقوق العمال والفلاحين ، أو واقع حال دولة قائمة تحمل راية الإسلام ، أو سلوك عالم ديني ، أو سلوك داعٍ من دعاة الفكر الإسلامي ، أو أية شبهة من الشبهات التي طرحها المستشرقون ضد الإسلام وشرائعه وأحكامه ومصادره .

فعلى المناظر المسلم أن يكون واعياً حذراً ، ولا يسمح للمناظر الخصم أن يغالطه ، فيخرج عن دائرة المناظرة إلى دائرة أخرى ، ويقفز به من موضوع إلى موضوع آخر ، فإذا سمح له بذلك تحولت المناظرة إلى مماراة غوغائية مشوشة مفسدة للفكر ، ولا تنتهي إلى نهاية موضوعية ، بل تتحكم بها الأهواء .
* * *

الأصل الثالث عشر

استغلال مقولات أو أفكار أو شعارات متداولة بين الناس ، اكتسبت صفة مسلمات في الرأي العام ، بتأثير الدعاية لها ، أو ترويجها من قبل أصحاب أغراض خاصة شخصية أو حزبية ، سياسية أو اجتماعية ، أو غير ذلك ، وقد تكتسب صفة مسلمات في الرأي العام بترديدها ترديداً ببغاوياً ، وإطلاق ألسنة العامة بها ، مثل الحرية ، والمساواة ....

وجماهير الناس في غالب أحوالهم يقبلون المسلمات في الرأي العام ، دون مناقشة لها ، ولا بحثٍ عن صحتها أو بطلانها ، وهم بذلك يسلمون أعنتهم للمغالطين ، فيسوقونهم من حيث لا يشعرون إلى الاقتناع بباطلهم .

ولاكتساب المقولات والأفكار صفة مسلمات في الرأي العام أسباب كثيرة ، منها ما يلي :
1- استغلال عواطف عامة ذات نزعات شخصية ، أو عرقية ، أو قومية ، أو إقليمية ، أو دينية ، أو مذهبية ، أو حزبية ، أو غير ذلك .

2- مداومة تكريرها على الأسماع ، من مصادر شتى ، وبأساليب مختلفة ، وعلى ألسنة ذوي مكانة ورأي في الناس ، أو قادة لهم أتباع وأنصار يأخذون بأقوالهم دون محاكمة فكرية ، ولا حجج منطقية .

3- وضعها في قوالب أدبية محببة ، كالشعر ، والقصة ، والتمثيلية ، والنكتة المثيرة ، وغير ذلك .

ولمروجي المذاهب الباطلة الذين لهم مصالح من ترويجها تدابير تمهيدية ، قبل استخدام أسلوب المغالطات في جدلياتهم ، ومن هذه التدابير ترويج مقولات وأفكار عامة ، بمختلف الوسائل الإعلامية والدعائية ، حتى إذا أخذت في الرأي العام صفة مسلمات بدأوا يستغلونها في مغلطاتهم الجدلية .
* * *

الأصل الرابع عشر

إطلاق ألفاظ على غير معانيها ، باستغلال وجود شَبَهٍ ما ، أو تقارب ما ، أو تشاركٍ من بعض الوجوه ، بين معانيها الأصلية والمعاني التي أطلقت عليها في المغالطة التزييفية ، ويبتلع بعض الناس طُعم المغالطة لعدم وضوح فروق المعاني لديهم .

أمثلة:
المثال الأول : فمن أمثلة هذه المغالط إطلاق كلمة التعصب الجاهلي المذموم ، على معنى التمسك بالحق المحمود ، لتنحل قوى المتمسك بالحق خوفاً من أن يتهم بالتعصب المذموم .

إن التعصب المذموم هو التمسك بفكرة باطلة ، أو لا دليل عليها من عقل ولا حس ولا تجربة علمية ، والباعث على التمسك بها ابتاع الإنسان لقومه الآخذين بها ، أو لآبائه وأجداده ، أو لقائده وإمامه ، أو لحزبه وجماعته ، أو عناده في مناصرة رأي كان قد رآه ، فصعب عليه أن يتراجع عنه ، لئلا يعترف على نفسه بأنه كان قد أخطأ في تبنيه ذلك الرأي .
وقد ذم الإسلام هذا التعصب ذماً شديداً ، ونجد في القرآن الكريم عدة نصوص في ظاهرة التعصب وذمها ، ومناقشة المحتجين على صحة طريقتهم بأنهم ألفوا آباءهم عليها ، فهم على آثارهم مقتدون ، وقد ظهرت هذه الحجة على ألسنة معظم الأمم السالفة ، حينما دعتهم رسلهم لأتباع الحق الذي بعثهم الله به .

ففي سورة (الأعراف/7 مصحف/39 نزول) وصف الله الذين لا يؤمنون بقوله :
{وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}
وفي سورة (الشعراء/26 مصحف/47 نزول) قص الله علنيا قصة إبراهيم مع قومه ، وما كان بينهم من جدال حول عبادتهم للأصنام ، فقال تعالى :
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *}.
وفي سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول) قص الله علينا قصة موسى مع قومه ، وأنه كان من جدلياتهم تعجُّبهم من أنه جاء ليلفتهم عما وجدوا عليه آباءنا ، فقال تعالى في ذلك :
{قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا...}.
وفي سورة (لقمان/31 مصحف/57 نزول) أبان الله أن من الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير ، ويحتجون على طريقتهم بما وجدوا عليه آباءهم ، فقال عزّ وجلّ :
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }
أي : هل من الحكمة والعقل وحرص الإنسان على مصلحة نفسه ، أن يتبع ما وجد عليه آباءه ، ولو كان مصير هذا الاتباع أن يعذّب في النار .
وفي سورة (الزخرف/43 مصحف/63 نزول) أبان الله أن ظاهرة الاحتجاج بما كان عليه الآباء ، قد كانت سمة مترفي كلِّ أمةٍ لم تستجب لدعوة رسولها ، وذلك تعقيباً على مقالة كفار قريش لمحمد رسول الله (ص) ، قال الله عزّ وجلّ :
{بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ من نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}
على أمة: أي على دين ، أو على ملة ، أو على طريقة .
كل ما سبق من نصوص كان من السور المكية ، ونلاحظ أنه ليس فيها هجوم تسفيهي مباشر ، بل فيها معاريض ألفاظ ، وبيانات عامة ، وتوجيهات غير مباشرة .

أما في المرحلة المدنية فالتوجيه كان مباشراً وقاسياً:
ففي سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول) يقول الله عزّ وجلّ بشأن المشركين الذين رفضوا دعوة الرسول محمد (ص) :
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}.

فالتعصب ظاهرة مذمومة أبلغ الذم في الإسلام ، لأنه اتباع للباطل بدافع العصبية الجاهلية .

أما التمسُّك بالحق الذي تقوم الأدلة على إثباته ، فهو ما يوجبه منطق العقل ، أو تدعو إليه مصلحة الإنسان العاجلة أو الآجلة ، والفرق بينه وبين التعصب كالفرق الذي بين الحق والباطل ، وكالفرق الذي بين الإيمان بالحق والإيمان بالباطل .

هل يُقبل في عقل أي عاقل أن نتهم الإنسان بالتعصب إذا قال : الثلاثة ثلاثة ، ولا تكون واحداً بحالٍ من الأحوال ، ولم يتسامح مع الذين يقولون : الثلاثة واحد . أو إذا قال : أنا إنسان ولست قرداً ، ولم يساير الذين يصرون على أن يجعلوه قرداً .

إن الإنسان لا يملك مطلقاً أن يساوم على الحق الجلي ، حتى يعتبر وقوفه عنده تعصباً ، وإن قضايا الحق الظاهر لا تقبل إلا التمسك بها ، وليس هذا التمسك تعصباً بحالٍ من الأحوال .

لكن المغالطين يوهمون أن التمسك بالحق هو من باب التعصب ، تضليلاً ، وعبثاً بمفاهيم الألفاظ ، ويقع بهذه المغالطة فريق من الناس ، فيتركون الاستمساك بالحق ، خوفاً من أن يتهموا بأنهم متعصبون .

المثال الثاني : ومن أمثلة هذه المغالطة إطلاق لفظ الحقيقة العلمية على النظرية ، أو على الفرضية ، وإطلاق لفظ النظرية على الفرضية ، والتلاعب بحدود هذه المصطلحات في ميدان المعرفة .

إن الإدراك الذهني للمعارف الفكرية له مستويات ، ولكل مستوىً منها مصطلح خاص به .

1- فالرؤية الفكرية التي تكون بمثابة رؤية العين للأشباح في الظلمات ، يطلق عليها كلمة (وهم) والرؤى الفكرية التي هي من هذا القبيل هي أوهام .

2- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة رؤية الناظر في الضباب الكثيف ، والتي لا تسمح له بأن يرفض ، ولا تسمح له بأن يثبت ، والأمران بالنسبة إليه على حدٍ سواء ، واحتمال الإثبات مساوٍ لاحتمال النفي ، هذه الرؤية يطلق عليها في اصطلاح الإسلاميين كلمة (شك) . ويطلق عليها في اصطلاح المعارف المعاصرة كلمة (فرضية ، أو افتراض).

3- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة الرؤية في الغبش ، أو في ضوء ضعيف ، فهي تكشف بعض ملامح المرئي ، وبعض علاماته ، وتعطي قدراً من الترجيح الذي يسمح بالحكم القائم على غلبة الظن لا على اليقين .

4- والرؤية الفكرية التي تكون بمثابة الرؤية في وضح النهار ، لا لبس فيها ولا غبش ، ولا يقع في الذهن أي احتمال آخر مضاد لها ، وتعطي الفكر تأكيداً غير قابل للنقض ، هي الرؤية الفكرية التي يطلق عليها في اصطلاح الإسلاميين كلمة (يقين) . ويطلق عليها في اصطلاح المعارف المعاصرة كلمة (حقيقة علمية) .

هذا هو سُلّم الإدراك الذهني للمعارف الفكرية ، والمغالطون يحاولون كسر الحدود بين درجات هذا السلم ، حتى يتفشى بعضها على بعض ، ويطغى بعضها على بعض ، فتختلط المعارف .

وعندئذ تكون لهم مداخل كثيرة يدخلون منها للتضليل . فيطلقون على الأفكار التي هي من قبيل الأوهام اسم (نظرية) ويطلقون على الأفكار الافتراضية اسم (نظرية) أو (حقيقة علمية) ويطلقون على ما هو في مستوى (النظرية) من أفكار وآراء ، اسم (حقيقة علمية) .

وقد يعكسون الأمر ، فيطلقون على ما هو ثابت يقيناً بدليل عقلي ، أو بخبرٍ ديني يقيني ، عبارة (أوهام غير علمية) أو عبارة (النظرية الدينية) أو عبارة (الفرضية الدينية) أو نحو ذلك .

إن لعبة هذه المغالطة شائعةٌ جداً ويستخدمها أعداء الإسلام استخداماً واسعاً .

فعلى المسلم الحصيف أن يكون على بصيرة وحذر ، وأن يتحرى حدود المصطلحات ، ولا يسمح بكسر الحدود ، لئلا يدخل عليه الزيف ، وينساق معه وهو غافل .

وكم انزلق منزلقون إلى باطل كثير بعلبة هذه المغالطة .
* * *

الفصْل الثالث


لعبَة تطبيْق المنهَج العِلْميّ الخاصْ بالجَبريّاتْ
على السلوك الإرادي عند الإنسان

أخذ الغرب يستفيد من سبر ظاهرات الأشياء واستقرائها ، وإجراء التجارب عليها لمعرفة صفاتها وخصائصها ، والوصول إلى قوانينها الطبيعية التي فطرها الله عليها ، ومعرفة أفضل طرق الانتفاع منها ، تسخيراً ، أو تنمية ، أو تطويراً ، أو تغييراً .

وكان ذلك منهجاً علمياً نافعاً جداً ، وقد سبق إليه المسلمون أيام عصورهم العلمية الذهبية ، في عمليات الاستقراء الكثيرة التي قاموا بها في مختلف مجالات العلوم التي خاضوا غمارها ، وفي التجارب العلمية التي أولوها اهتماماً عظيماً في الكيمياء والميكانيكا والصناعات وغيرها . اهتداءً بهدي الإسلام .

ونَفْعُ هذا المنهج يعتمد أساساً – لدى دراسة الكائنات – على أن هذه الكائنات تخضع لقوانين فطرية ثابتة ، فطرها الله عليها ، وأن الخالق عزّ وجلّ إذ خلق هذه الكائنات أعطى كل شيءٍ نظام خلقه ، وقوانين حركته وسكونه وتطوره وتغيره وتأثيره في غيره وتأثره بغيره . فالأشياء البسيطة والمركبة جميعها ، متى اتخذت عناصرها وصفاتها الذاتية ، انطبق على حركتها وسكونها وتطورها وتغيرها وتأثيرها في غيرها وتأثرها بغيرها قانون واحد .

هذه هي سنة الله في الأشياء وفطرته التي فطر الأشياء عليها ، وهي الفطرة التي نبّه موسى عليه السلام فرعون عليها ، إذ قال له : "ربنا الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثمّ هدى" قص الله ذلك علينا في سورة (طه/20 مصحف/45 نزول):
{ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى }.
أي : أعطى كل شيء نظام خلقه ، ثمّ هداه لأداء وظائفه في الوجود ، تحركاً وسكوناً ، ولقاءً وافتراقاً ، وتطوراً وتغيراً ، ودفاعاً وهجوماً ، وزيادة ونقصاً ، إلى غير ذلك مما لا يحصى ، مما كشفت البحوث العلمية بعضه ، ولا تزال تكتشف منه كل حين جديداً .

وقد دل على هذه الفطرة الثابتة الاستقراء الطويل ، القائم على تجارب قرون مديدة ، وأجيال عديدة .
وقد علمتنا التجارب الاستقرائية ثبات قوانين هذه الفطرة ، ويُعبّر عن ذلك بثبات سنن الله .
والقرآن الكريم دل على ثبات هذه الفطرة ، وثبات سنن الله في خلقه .
1- ففي معرض بيان ملاءمة دين الله للناس لما فطر الله الناس عليه ، فكراً ، ونفساً ، وجسداً ، ووجداناً ، ومشاعر داخلية ، وحاجة في الحياة ، لاغتنام الطمأنينة والسعادة القلبية الحقيقية ، والسعادة النفسية الخالية من المنغصات ، قال الله تعالى في سورة (الروم/30 مصحف/84 نزول) :
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
فقوله تعالى { لا تبديل لخق الله } يدل على ثبات الفطر التي فطر الله خلقه عليها ، وثبات أنظمتها ، وقوانينها ، وسننها ، ومن هذه الفطر واقع حال فطر الناس التي أنزل الله لها الدين الذي لا يلائمها غيره .

2- وفي معرض بيان إحدى سننه الكونية في خلقه ، وهي أن لا يحيق المكر السيء إلا بأهله ، قال الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):
{وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً}
فسنن الله الثابتة لا تبديل لها بسنن غيرها ، ولا تبديل لها باستثناءات عارضة ، ولا تحويل لها عن مجاريها ، وطرقها ، وغاياتها . ومن هذه السنن الثابتة أن لا يحيق المكر السيءُ إلا بأهله .
3- وفي معرض بيان إحدى سنن الله التشريعية ، قال الله تعالى في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول) تهديداً للمنافقين ومرضى القلوب والمرجفين:
{لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }
فمن سنن الله التشريعية تسليط الله رسله والمؤمنين ، على المنافقين ومرضى القلوب بما دون النفاق والمرجفين ، إذا لم ينتهوا عن مكايدهم ، ومكرهم بالإسلام والمسلمين ، ويكون هذا التسليط بطردهم من المجتمع الإسلامي أينما وجدوا ، وبأخذهم بذنوبهم وتقتيلهم تقتيلاً انتقامياً شنيعاً مستأصلاً لهم .
وهذه السنة التشريعية من سنن الله الثابتة ، فقد سبقت في الذين خلوا من قبل ، وهي سنة باقية لا تبديل لها {ولن تجد لسنة الله تبديلاً}.
ولكن لم تدع الدواعي في عصر الرسول (ص) لهذا التسليط الانتقامي .
4- وفي معرض بيان سنة الله التشريعية في الأحكام التي يخص بها أنبياءه ، قال الله تعالى في سورة (الأحزاب/33 مصحف/90 نزول):
{مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً }.

فمن سنن الله التشريعية أن يخص أنبياءه بأحكام تشريعية ، فهم يعملون بموجبها غير متحرجين ، ولو تعرضوا لاتهامات الناس ، لأنهم يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً غيره .

5- وفي معرض بيان سنة الله التكوينية في عقاب مكذبي الرسل ، قال الله تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَآءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً}
قُبُلاً: أي مقابلة ومواجهة ، لا بياتاً أو في حالة قيلولتهم وغفلتهم .
6- وفي معرض بيان سنة الله التكوينية في عقاب مخرجي الرسل من أوطانهم ، قال الله تعالى لرسوله محمد (ص) في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً }
7- وبين الله للناس سنته في معاقبة المكذبين ، وأرشدهم إلى السير في الأرض للنظر في عاقبتهم ، فقال تعالى في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذبِينَ * هَـذَا بَيَانٌ للنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ للْمُتَّقِينَ}
8- وفي معرض بيان طائفة من الأحكام التشريعية المتعلقة بالنكاح والسفاح ، قال الله تعالى في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
فهي سنن تشريعية كانت أحكامُها منزلة على الأمم السابقة .
* * *

السنن التكوينية الجبرية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور.
لكن القوانين الجبرية أو السنن الربانية الجبرية إنما تنطبق على ما هو من الكون مجبور لا اختيار له ، فهي لا تنطبق على سلوك الكائنات الحية ، ذات الإرادات الحرة ، في حدود دوائر سلوكها الإرادي الحر ، الخاضعة فيه للمسؤولية والحساب والجزاء . أما في حدود دوائرها الجبرية من حركات وسكنات ، ونمو وتطور ، وتأثير في غيرها وتأثر بغيرها ، وكل ما لا يخضع لإرادتها الحرة في ذواتها ، فهي تخضع في كل ذلك لقوانين وسنن جبرية ثابتة ، كسائر الكائنات المجبورة ، لأنها في هذه الدوائر مجبورة لا اختيار لها.

وإذ منح الله الناس إراداتٍ حرة ، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً ، جعل سلوكهم الإرادي ضمن الحدود التي مكنهم من التحرك الإرادي فيها ، خارجاً عن نطاق القوانين أو السنن الجبرية .

ولما كان لكل إنسان إرادة حرة ممكنة من اختيار ما تشاء ، ومن التحرك في الحياة على ما تشاء ، كان خضوع الناس جميعاً في مجالات حرية الإرادة التي رفع عنها الجبر ،وفطرتها التي فطرها الله عليها ، إذ أعطاها بقانون الخلق منحة التحرك والتوجه بالمشيئة الذاتية .

من أجل ذلك فإن دراسة ظاهرات السلوك الإنساني لا يستفاد منها قانون جبري عام ، لأن القانون الجبري يناقض مبدأ الحرية التي منحها الله للإرادات الإنسانية ، وبناءً على ذلك قال الله تعالى في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ...*}.

وعلى الإنسان بعد ذلك أن يتحمل مسؤولية مشيئته ، ويُعِدَّ نفسه للحساب والجزاء ، فمنحة الحرية غايتها الابتلاء ، وثمرة الابتلاء الحساب والجزاء .

إذن : فكما لا يستفاد من دراسة ظاهرات السلوك الإنسان الإرادي قانون جبري عام ، لا يستفاد منها أيضاً صحة السلوك أخلاقياً أو دينياً ، ولو دل الاستقراء على أن النسبة الأعظم من الناس قد اختاروا هذا السلوك ، ولو دل الاستقراء على أن معظم النجاحات في جمع الثروات ، والظفر بالاستئثار بالحكم والسلطان ،والوصول إلى الاستمتاع بلذات الحياة ، قد كان باتخاذ سلوك معين .

فالقيمة الخلقية للسلوك تحددها النظرة المجرد إلى الحق والخير والفضيلة والجمال والكمال ، والقيمة الدينية للسلوك تحددها التعاليم الربانية للناس ، وهي التعاليم التي وضع الله الناس تجاهها موضع الامتحان والاختبار للحساب والجزاء ، ولا تختلف القيمة الخلقية التي تحددها النظرة المجردة السليمة عن التعاليم الربانية .

فمن التناقض الذي لا يقبل به ذو عقل سليم ، اعتبارُ السلوك الإنساني نفسه – ولو كان ظاهرة سلوك معظم الناس ولو حقق لهم نجاحات تسلط وغلبة ووفرة لذات – هو الذي يكشف القيمة الخلقية للسلوك أو يحددها ، أو يشير إلى القانون الجبري للسلوك ، فهذا السلوك إنما هو ثمرة إراداتٍ منحها الله حرية المشيئة ليمتحنها ، هل تفعل خيراً أو تفعل شراً ، هل تطيع خالقها أو تعصيه .

إن من التناقض المرفوض عقلاً ، أن يوضع المخلوق موضع الامتحان ، ليقاس سلوكه بقيم سابقة ثابتة ، ثمّ يُعتبر سلوكه الفعلي هو المحدد لهذه القيم ، فإذا فعل شراً بمقياس النظرة المجردة ، كان هذا السلوك نفسه هو الخير بموجب هذا الاعتبار الفاسد ، إذن فما علينا إلا أن نقلب حقائق الأشياء السابقة الثابتة .

إننا لا نفعل مثل ذلك في امتحاناتنا السخيفة التي نجعل فيها قيماً رمزية نخترعها ، وقد لا يكون لها قيم حقيقية في ذواتها . فكيف بالقيم الثابتة عقلياً ، والقيم الأزلية ، كقيم الحق والخير والفضيلة والجمال والكمال .

لعبة المضللين :

ويستخدم المضللون بالمذاهب الفكرية لعبة تطبيق المنهج العلمي ، الذي يطبق على الكائنات التي تخضع في فطرتها لقوانين أو سنن جبرية ثابتة ، فيطبقونه على الناس في دوائر سلوكهم الإرادي الذي وضعهم الله فيه موضع الامتحان والاختبار ، ليبلوهم ، ثمّ ليحاسبهم ويجازيهم ، وما أكثر ما نجد هذه اللعبة الحقيرة ، تزييفاً للحقيقة ، لدى دراستنا للمذاهب الفكرية المعاصرة الأخلاقية والسياسية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية وغيرها .

إننا بتطبيق هذا المنهج العلمي القائم على الاختبار والملاحظة والسبر والاستقراء ، قد نصل إلى معرفة أحسن طريقة لصهر المعادن ، والانتفاع من الأشياء المادية ، وإلى أحسن طريقة لزراعة النباتات الحقلية وزراعة الأشجار ، وإلى أحسن طريقة لتربية الحيوانات وتنميتها وتحسين أصنافها ، والانتفاع من ثرواتها ، وإلى أحسن طريقة لمعالجة الأمراض وتقويم الأجسام ، وتعليم المتعلمين وتربيتهم ، ونستطيع أن نستفيد من النجاحات الأكثر لاستخدام بعض الطرق أفضلية هذه الطرق ، لأن قوانينها الجبرية وسنن خالقها الفطرية تقضي بذلك .

لكن سبر السلوك الإنساني القائم على الإرادات الحرة لا يصح في منطق العقل اعتبارُه أساساً لتحديد قِيَم سلوك الناس ، من حق وباطل ، وخير وشر ، وجمال وقبح ، وكمال ونقص .

فلو أن سلوك النسبة العظمى من الناس كان هو الكذب والخيانة والظلم والعدوان ، لما كان هذا السلوك هو الأقوم والأفضل ، والسلوك الذي يشتمل على القيمة الرفيعة النافعة ، بل تظل هذه الأخلاق قبيحة وسيئة ورذيلة ، ولو أجمع الناس على ممارستها .

ولو لم يصدق في الناس ولم يعترف بالحق ولم يشكر ولم يعط المعروف أحدٌ منهم ، لما نقضت قيم هذه الفضائل مثقال ذرة .

ولو أن سلوك أكثر الناس كان هو التضمخ بالنجاسات ، والعيش في زرائب الحيوانات ، ومخالطة الخنازير والأكل معها ، لما كان هذا هو السلوك الأحسن ، والأكثر ذوقاً وجمالاً وكمالاً .

ولو أن واحداً من الناس فقط كان هو المتطهر رفيع الذوق في السكن والعمل والمعاشرة ، لما نقضت قيمة الطهارة وجمال السكن والعمل والمعاشرة مثقال ذرة .

فالسلوك الإرادي للناس ليس هو الذي يُحَدِّد القيم الخلقية ، إن القيم الخلقية قيمٌ سابقة ثابتة ، والسلوك الإنساني هو الذي يُقَوَّم بها .

لو أن الإحصائيات كشفت أن أكثر الأغنياء إنما يجنون ثرواتها بطرق الكذب والغش والسرقة والسلب والنهب ، فليس معنى ذلك أن أفضل وسيلة خلقية للحصول على الثروات الطائلة ، ممارسةُ الكذب والغش والسرقة والسلب والنهب وأكل أموال الناس بالباطل .

إن المنهج العلمي الذي يستخدم لمعرفة القوانين الثابتة ، والسنن الربانية الجبرية ، لا يجوز بحال من الأحوال تطبيقه على السلوك الإرادي للناس . إن تطبيقه على هذا السلوك لعبة شيطانية خبيثة ، تلبس رداء المنهجية العلمية ، وترتدي قناع البحث العلمي المعترف به في العلوم زوراً وتزييفاً للحقائق . إنها تستخدم هذا المنهج العلمي في غير المحل الذي يصح أن يُسْتَخدم فيه ، فشرط استخدامه خضوع الكائن لسلطان القوانين والسنن الربانية الجبرية الثابتة ، التي لا تبديل لها ولا تحويل لها.

ولا بد أن نلاحظ أن القوانين والسنن الربانية الجبري الثابتة قائمة على الحق والعدل ، وطرقها هي أكمل الطرق وأحسنها ، لتحقيق أفضل النتائج التي ترجى منها ، لأنها تقدير العزيز العليم الخالق جل وعلا .

قال الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ...}.
وقال الله تعالى في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}

وقال الله تعالى في سورة (إبراهيم/14 مصحف/72 نزول):
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}

وقال الله تعالى في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

ومن كلمات الله الخلق والتكوين ، فهي كلمات صدق ، والصدق حق ، وهي كلمات عدل ، والعدل في الخلق يكون بإعطاء كل شيءٍ حقه ، وحقُّه هو ما يكون به أفضل كائن للغاية التي خلق لها ، ضمن التوزيع العام لجملة الكون ، منذ نشأته حتى نهاية أجله المقرر في خطة الخلق .

تحذير:

فعلينا أن نكون على بصيرة تامة ، وأن نكون على حذر من أن تخدعنا هذه المغالطة ، القائمة على لعبة تطبيق المنهج العلمي الخاص بالجبريات في الكون ، على السلوك الإرادي عند الإنسان ، الذي وضعه الخالق فيه موضع الامتحان والمسؤولية وأعطاه الشروط التامة له.

* * *

قسورة
03-13-2006, 05:53 PM
القِسمُ الثاني مِنَ الكِتَاب

عَرض لأهَمِّ الشعَارات البرّاقة المزيّفّة
وَلآرَاء وَمذاهبْ فكريّة معَاصِرة جزئيّة
مُنبثقة في عُلوم مختلفة مع كشف زيوفها وتعريفْ بأئِمتهَا


وفيه أربعة أبواب :

الباب الأول : مقدمات .

الباب الثاني : افتراءات تروج ضد الدين والأخلاق والقوانين
والنظم المنبثقة عنهما .
الباب الثالث : خداع الشعارات التي يتولد عنها في الرأي العامّ
مسلّمات خاطئات .
الباب الرابع : أئمة وآراء ومذاهب جزئية في علوم مختلفة .

---------

الباب الأول

مقدِّمات حَولَ اعتِمَاد العَقْل وَالعِلْم الإنسَاني
بديلاً للدِّين

وفيه فصلان :

الفصل الأول : العقلانية .

الفصل الثاني : العلمانية .


الفصْل الأوّل


العَقلاَنيـــــــَّـــــــة


فالعقلانية أو المذهب العقلي اتّجاه لتمجيد العقل واعتماد أحكامه أصاب أو أخطأ ، ضدّ الاتجاه الديني مهما كان الدين حقّاً ، ومهما كان الذي نسب إليه صواباً ، فالمحكَّم في هذا الاتجاه هو العقل .

وتعددت الآراء والمذاهب الفلسفية والاجتماعية وغيرها ضمن هذا الاتجاه العقلاني ، لاختلاف تصورات العقول ومداركها ، ولتأثُّر كثير منها بأهواء النفوس ، والمصالح الخاصة ، ونزعات الأفراد والجماعات ، ونزغاتهم وعصبياتهم ، وأنانياتهم ، مع تعذر تطابق الأهواء والمصالح ودوافع النفوس الأنانية .

وأخذ أعلام الفلسفة والدراسات الفكرية يومئذٍ يصدّرون آراءهم ومفاهيمهم العقلية التأمليّة ، ولبست هذه الآراء والمفاهيم لباس العقلانية ، وصارت لدى الجماهير المفتونة بالعقلانية ضمن المسلّمات العقلية ، وصار العقل الذي يمثّله هؤلاء الأعلام هو الحكَمَ في كل شيء ، حتى في الأمور الغيبية التي لا يملك موازين لإثباتها أو نفيها ، وبذلك تدخلت العقول مدفوعة بالقلوب المستكبرة ، لرفض وإنكار قطعيات دينية غيبية ثابتة في الدين بيقين ، مع أنها لا تملك لإدراك هذه الغيبيات عيوناً للمشاهدة ، ولا حساً للمس ، حتى ولا عكازاً يسمح بالمشي في الظلمات ، ولا تملك أيضاً أي دليل منطقيّ للنفي .

وأفرز هذا الاتجاه العقلي الإلحاد وادعاآته الباطلة ، والديكتاتورية والديمقراطية في السياسة ، والرأسمالية على اختلاف درجاتها ، والاشتراكيات على اختلاف درجاتها في الاقتصاد ، وآراء كثيرة في تعليل ظاهرات الكون تعليلات فلسفية لا تخضع للتجربة ولا للمشاهدات الحسية .

وتصارعت أفكار الناس وتباينت وتعارضت ضمن هذا الاتجاه العام ، وأظهرت تجربة اعتماد العقل والثقة بكل أحكامه التي يقدمها الناس على أنها فلسفات ، أو تصورات ، أو تأملات ، أو أحكام عقلية ، تناقضات لا حصر لها ، وكشفت هذه التجربة عدم كفاية العقل وحده للحكم على كل شيء ، وكشفت أنه كثيراً ما يقع فريسة أهواء النفوس وشهواتها وغرائزها ونزغاتها ، وينساق وراء المصالح الخاصة ، فينحرف عن الحقيقة ويزين الباطل .
* * *


الفصْل الثاني


العِلمَانيّة


بعد تيار العقلانية ، جاءت النهضة العلمية الغربية المعاصرة ، التي استخدمت فيها وسائل الملاحظة والتجربة الحسية التطبيقية على الأشياء ، وساد المذهب الحسّي التجريبي .

وكشفت التجارب التطبيقية ودلائلها كثيرا ًمن الأغاليط التي كانت في المرحلة السابقة من ثمرات المذهب العقلي والعقلانية.

واصطلح الغربيون على أن يخصوا طريقة الملاحظة والتجربة الحسية التطبيقية باسم الطريقة العلمية ، مع أن العلم الصحيح لا تنحصر وسائله في هذه الطريقة .

فالحق الذي يقدمه العقل علم . والحق الذي يقدمه الحس علم . والحق الذي يقدمه الخبر الإنساني الصادق علم . والحق الذي يقدمه الوحي المؤيد بالمعجزة الربانية علم .

وبسيادة المذهب الحسّي التجريبي انحطّت منزلة المذهب العقلي في مسائل المعرفة التي يمكن أن تخضع للملاحظة والتجربة والتطبيقات المتكررة .

واحتل ما أسموه بالطريقة العلمية عرش معارف النهضة العلمية المعاصرة لدى الغربيين والشرقيين في مختلف العلوم ، باستثناء مجالين :
الأول : مجال المسائل الفلسفية التي لا تخضع للملاحظات الحسية والتجارب والتطبيقات .

فقد ظل المذهب العقلاني هو المتفرّد بسلطانه في هذا المجال .

الثاني : قضايا الاجتماع البشري ومذاهب السلوك الإنساني ، التي تتدخل الأهواء والمصالح الخاصة في تزيينها .

فقد ظلت ذرائع المذهب العقلي مع ألاعيب تطبيق المنهج العلمي التجريبي ذات السلطان فيها.

وبالبحث المتعمق يلاحظ المنصف الخبير أن الموجه الحقيقي لتزيين المذاهب الفكرية في هذا المجال إنما هي الأهواء والشهوات ، والمصالح الخاصة للأفراد أو المنظمات ، أو الجماعات المحكومة بالعصبيات ومختلف الأنانيات .

ومع سيادة المنهج العلمي الحسّي التجريبي روّج أعداء الدين فكرة التناقض بين الدين والعلم ، كما روّج أعداء الدين من قبل فكرة التناقض بين الدين والعقل .

وسارت الفكرتان معاً في كثير من الأحيان ، فحملت أجيال درست علومها على طرائق الغرب النصراني المتحلل من دينه ، أو على طرائق الشرق الملحد المنكر لكل الأديان ، فكرة التناقض بين العقل الدين من جهة ، وبين العلم والدين ومن جهة أخرى .

وشاع استخدام كلمة "العلمانية" لهذا التجاه العام ، سواء صرح بالإلحاد والكفر بكل الأديان ، أو أجرى مصالحة خداعية توفيقية ، عزل الدين فيها ضمن حدود الغيبيات الاعتقادية ، والطقوس التعبدية ، وبعض أحكام الأحوال الشخصية ، ومراسِم دفن الموتى .

تعريف بالعلمانية :

فالعلمانية ليست مذهباً محدد المعالم ، واضح الأركان ، لكنها عنوان لاتجاه هدفه النظر بعين واحدة ، هي عين البحث العلمي بالوسائل الإنسانية ، وطمس عين العلم الأخرى التي تقتبس المعرفة من الدين والوحي طمساً كلياً ، وفي هذه الحالة تكون العلمانية إلحاداً بصورة إيجابية ، أو إهمالاً للدين وعدم التفات إليه ، أو طمساً جزئياً ، وفي هذه الحالة تكون العلمانية إلغاءً للدين فيما عدا قضايا الاعتقادات الدينية والغيبية ، أو العبادات المحصنة وطقوسها ، مع بعض أحكام ومراسيم أخرى ،وسلوك فردي خاصّ بمستلزمات الحريّة الشخصية .

ولفظ "العلمانية" ترجمة اصطلاحية مهذبة فيها تعديل لما حقُّه أن يترجم بـ"اللادينية" أو بـ"الدنيوية" أو بـ"الاتجاه الذي لا يعتبر الدين ، ولا يهتم به ، ولا يقيم له وزناً في شؤون الحياة" و"الدنيوية" التي ترجمت "بالعلمانية" لا تؤمن بشيء وراء الحياة الدنيا.

وكلٌّ من الترجمة والأصل الغربي يعبّر عن اتجاه فكري وعملي ظهر بقوة إبان الثورة الفرنسية ، قبلها إرهاصاً ، وبعدها شعاراً ومبدأً ، فهو من الشعارات التي برزت بروزاً واضحاً في الغرب أواخر القرن الثامن عشر .

وقد غدا من الواضح لدى كل الباحثين المحققين –كما سبق بيانه- أن الثورة الفرنسية وشعاراتها مكيدة دبرها المكر اليهودي ، وتآمر على وضع خططها اللازمة المرابون العالميون اليهود ، بتوجيه النورانيين من الحاخامين .

وإذا ادعى أصحاب الاتجاه العلماني ، أن العلم الحق الذي تُوصِلُ إليه وسائل المعرفة الإنسانية يتناقض مع مفاهيم الدين وتعاليمه ، وإذْ روجوا لهذه الفرية بمختلف وسائل الإعلام ومناهج التعليم ، فقد غدا الطريق ممهداً أمامهم للمناداة بوجوب فصل الدين عن شؤون الحياة كلها ، لا سيما القوانين ، والسياسة ، والإدارة ، والحكم ، والقضاء , والاقتصاد ، وقضايا السلم والحرب ، وكذلك الأخلاق وسائر العلاقات الاجتماعية . وبوجوب عزل الدين عزلاً كلياً بين جدران المعابد ، وفي حدود العقيدة والعبادة المحضة ، وبعض الطقوس والشكليات المتعلقة بالزواج ودفن الموتى ، وصور من السلوك الفردي الذي تكفله مبادئ الحرية الشخصية التي سادت في الغرب .

فمن شاء أن يكون متديّناً ، فعليه أن يقصر تدينه على أمور العقيدة ، والعبادات المحضة ، وطقوس ومراسِم الدوائر الصغرى التي وجب حصر الدين فيها ، ولا يسمح له بأن ينقلها إلى المجالات العامة .

أما الشؤون الأخرى من شؤون الحياة فيجب أن لا يكون للدين أيّ سلطان عليها ، أو أي توجيه لها ، ولا يسمح للمؤمنين بالدين أن يكون لهم تأثير فيها من منزع ديني .

وقد لبست العلمانية رداءين :

أحدهما : يتظاهر بالحياد تجاه عقائد الدين وعباداته المحضة ، وما أرادوا حصر الدين فيه واعتبروه من دائرة تخصصه ، ويتظاهر بأنه لا يريد إلغاء الدين كلياً ، إنما يريد حصره في مجالات تخصصه .

أما تدخله في شؤون الحياة الدنيا فهو تدخل يفسدها ، ويعوّق مسيرتها وتقدّمها وارتقاءها .

ويزعم لابسو هذا الرداء – كذباً وافتراءً على الدين الحق – أن تعاليم الدين في شؤون الحياة غير صالحة ، لأنها غير علمية ولا عقلية .

وثانيهما : يُعلن حربه وعداءه للدين كله ، ويسعى بكل ما أوتي من حيلة وقوة لإلغائه إلغاءً كلياً ، وجعل المادية ومفاهيم التطور الذاتي للكون ، والإلحاد بالله عزّ وجلّ ، والكفر بكل القيم الدينية ، هي العقيدة السائدة في كل المجتمعات الإنسانية .

ويتخذ لابسو هذا الرداء كل وسائل المكر ، والكيد ، والقهر والإكراه ، والتزييف الفكري للحقائق ، وفرض القوانين ، ومناهج السلوك ، وبرامج التعليم الموجه ، بغية تحقيق هذا الهدف .

ولا ريب أن العلمانية صاحبة الرداء الأول المتظاهر بالحياد تجاه الدين في المجال الذي أراد حصره فيه ، إنما لبست رداءها هذا نفاقاً لأنصار الدين وأتباعه في الأرض ، ونفاقها هذا سياسة مرحلية ذكية ، تعتمد على أسلوب التدرج ، حتى إذا تمكنت انتقلت إلى الإجهاز على الدين كله إجهازاً كلياً ، ويومئذٍ ترتدي الرداء الثاني ، وتعلن حربها للدين كله .

فهي مع تظاهرها بهذا الحياد النسبي الجزئي تشجع الدراسات الفلسفية المعادية للدين وتتبناها ، وتشجع المذاهب الفكرية القائمة على الإلحاد والكفر بكل الأديان وتتبناها .

وقد تسترضي جماهير المتدينين استرضاءً صورياً ، ببعض شكلياتٍ ومظاهر لا تعطي الفكر الديني قوَّة ولا انتشاراً .

وبعض المؤمنين بـ "الدنيوية = العلمانية" يرون ضرورة التسامح مع الدنييين ، على أساس أن لهم الحق في اعتقاد ما يشاءون ، وفي أن يكونوا أحراراً في الأخذ بالمبادئ التي يقتنعون بها .

فباستطاعتنا إذن أن نُدخِل في الاتجاه الذي يحمل شعار العلمانية كل المذاهب الفكرية والسلوكية المخالفة للدين ، والمتنافية معه (الفلسفية ، والنفسية ، والأخلاقية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ، والإدارية ، وغيرها).

فالعلمانية شعرا يتستر بالعلم ، وبالتزام ما تثبته الحقائق العلمية ، ويوحي ضمناً أو يعلن صراحةً أن الدين يتناقض مع العلم .

ومن له ظن حسن بالدين ، من الذين يحملون شعار العلمانية أو الدنيوية ، وأصل المبدأ غير واضح في ذهنه تماماً ، يقول :

إن صدق الدين إنما يكون في دائرة اختصاصه فقط ، وهي عقائد غيبية وعبادات وطقوس ومراسيم خاصة . أما شؤون الحياة الدنيا فهي من اختصاص العقل ووسائل المعرفة الإنسانية .

وبهذا الزعم الباطل يضيقون دائرة اختصاص الدين تضييقاً شديداً .

سبب قبول الاتجاه العلماني :

وسبب قبول هذا الاتجاه العلماني في الغرب ما سبق بيانه ، وهو تعرض الديانة النصرانية للتحريف ، وإدخال الأغاليط البشرية في صلب مفاهيمها ، وحشوها بالخرافات الوضعية ، وما وصل إليه رجال الكنيسة من فساد ، حتى أمسى الدين النصراني ورجاله في نظر المتنورين الغربيين صورة للخرافة ، والظلم الاجتماعي ، والفساد المتستر بهيمنة الغيبيات الدينية .

وسرت عدوى هذا الاتجاه وامتدت إلى الشرق الإسلامي ، وحمله الذين درسوا من أبناء المسلمين في مؤسسات التعليم العلمانية ، وأخذت المحافل الماسونية والأحزاب والجمعيات ذات الاتجاه الغربي اللاديني تنشره بين أبناء المسلمين بكل ما أوتوا من وسيلة دعائية وإعلامية وتعليمية .

وزحفت العلمانية بقوة تنتشر بين المسلمين مع جيوش المستعمرين الغربيين ومدارسهم العلمانية ، ومن معهم من المستشرقين .

وقد ظهرت العلمانية في ظل حكم "كمال أتاتورك" في تركيّا بشكل صارم وعنيف ، وكشفت عداءها الشديد للإسلام .

ثمّ ظهرت في كثير من بلدان العالم الإسلامي باسم فصل الدين عن السياسة ، وأنه لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين .

وما تزال تظهر لها تطبيقات في معظم بلدان العالم الإسلامي ، ولو لم تحمل هذه البلدان شعار العلمانية بشكل سافر .

نتائج الاتجاه العلماني والعقلاني أحياناً :

والتزاماً بمذهب الأخذ بالعلمانية وبالعقلانية أحياناً ، انطلق العلمانيون يبحثون في كل مجال من مجالات الحياة عما توصلهم إليه علمانيتهم وعقلانيتهم من أفكار ومناهج ونظم ، لاتخاذها مذاهب لهم .

وكان لا بد أن ينتج هذا الاتجاه العلماني مذاهب مختلفة ومتناقضة أحياناً للسلوك الإنساني ، في كل مجالٍ من مجالات الحياة ، لأن البحث العلمي أو العقلي الإنساني الذي لم يصنه الوحي الربّاني ، لتحديد هذه المذاهب ، لا يملك الوصول إلى المنهج الأصلح والأقوم لكل الناس ، إذْ تخضع رؤيتهم لمؤثرات من النفوس والأهواء والشهوات ، أو لمصالح أفراد أو جماعاتٍ أو منظّمات ، وتخضع أيضاً لتضليلات يوسوس بها شياطين الإنس وشياطين الجن.

وجرت تعديلات في كثير من المذاهب الإنسانية ، التي كانت من منتجات المذهب العقلاني ، وذلك بموجب تأثيرات المذهب العلماني ، الذي صار هو السائد في القضايا التي يكون فيها للملاحظة والاختبار والتجربة الحسية أحكام من وجهة نظر أصحابها .

وباستطاعتنا أن نقرر أن المذاهب الاقتصادية المختلفة المعاصرة ، من رأسمالية ، إلى اشتراكيات مختلفة ، إلى شيوعية ، على اختلافها أو تناقضها ، كلها من منتجات العلمانية مع العقلانية . وأن المذاهب السياسية المعاصرة المختلفة من ديمقراطيات إلى ديكتاتوريات على اختلافها أو تناقضها ، هي من منتجات العلمانية مع العقلانية . وكذلك المذاهب الأخلاقية المتخالفة والمتناقضة أحياناً جميعها من منتجات الاتجاه العلماني أو العقلاني . وهكذا سائر المذاهب الاجتماعية المختلفة والمتناقضة أحياناً ، والآراء والأفكار والمذاهب المختلفة في علم النفس وفي سائر العلوم .

وطبقت العلمانية في التعليم ومناهجه ، فأبعد الدين عنه .

وطبقت في السياسة والحكم فعزل الدين عنهما .

وطبقت في الاقتصاد ونظم الأموال فعزل الدين عن هذا المجال .

وطبقت في القوانين المدنية ، فوضع العلمانيون قوانينهم .

وطبقت في الفنون فانطلق هواة الفن ينتجون إنتاجاتهم المختلفة مستهينين بالدين وبفضائل الأخلاق وبفضائل السلوك .

وسقط العلمانيون العقلانيون في مذاهب متخالفة ومتناقضة أحياناً ، ولم يقدموا للإنسانية مناهج سليمة متكاملة تحلّ مشكلات الحياة البشرية الفردية والجماعية ، أو تحقق للناس أوفر حظٍّ من العيش الكريم ، والأمن ، والسعادة ، وكان ذلك بإهمالهم لدين الله الحق الذي ختم الله به رسالاته للناس ، وهو الإسلام .
* * *


الباب الثاني

افتِراءَات ترَوَّج ضدّ الدّين وَالأخلاَق
وَالقَوانين وَالنُظم المنبثقة عَنْهما


وفيه فصلان :

الفصل الأول : فرية التناقض بين العقل والدين ، وبين العلم والدين .

الفصل الثاني : مزاعم المضلين لهدم أسس الأخلاق وأبنيتها وتطبيقاتها في
المجتمعات .

الفصْل الأوّل


فريَة التّنَاقض بَيْن العَقل وَالدّين
وبَينَ العلم والدّين

أ- أصل الفرية :

بغية هدم الدين ونشر الكفر بالله واليوم الآخر ، وإنكار الشرائع الربّانية ، ادّعى أعداء الدين دعويين :

الأولى : ادّعاؤهم وجود التناقض بين العقل والدين ، وبنوا على هذا الادّعاء الباطل مقولتهم التي تتضمّن ما يلي :
بما أن العقل ميزانه صحيح يدرك الحق حقاً والباطل باطلاً ، ويكشفهما ، فالدين هو الذي ينبغي طرحه وعدم الاعتماد عليه ، ويتجرّأ الوقحون منهم فيقولون : إن الدين خرافة وأوهام من صناعة أوهام الناس ، أو من اختلاقاتهم لخدمة مصالحهم .

ثمّ أخذوا يمجدون العقل والمذهب العقلي ، وراجت في هذا الاتجاه كلمة "العقلانية" كما سبق .

الثانية : ادّعاؤهم وجود التناقض بين العلم والدين , بعد أن حصر الاصطلاح الغربي الحديث اسم "العلم" في المعارف التي تقدّمها وسائل الملاحظة والتجربة الحسيتين ، والتطبيقات ونتائجها ، وحصر اسم "المنهج العلمي" بهذه الوسائل .

وبنوا على هذا الادعاء الباطل مقولتهم التي تتضمن ما يلي :
بما أن الوسائل العلمية الإنسانية تكشف عن الحقائق بيقين ، نظراً إلى ما تشتمل عليه من المشاهدات والإدراكات الحسية ، والتجارب والتطبيقات ، فالدين هو الذي ينبغي طرحه وعدم الاعتماد عليه ، ويجب الأخذ بالمناهج والوسائل العلمية الإنسانية . ويتجرأ الوقحون منهم فيقولون : إن الدين خرافة وأوهام من صناعة أوهام الناس ، أو من اختلاقاتهم لخدمة مصالحهم .

ثمّ أخذوا يمجدون العلم – وفق مصطلحهم الحديث – والمذهب العلمي التجريبي ، ويرفضون الدين رفضاً كلياً ، أو يعزلونه عن شؤون الحياة ، ويحصرونه في دوائر صغيرة جداً ، غيبية أو تعبديّة ، وراجت في هذا الاتجاه كلمة "العلمانية" .

ب- مغالطة لتثبيت هاتين الدعوتين :

ولتثبيت دعوى التناقض بين العقل والدين ، وبين العلم والدين ، والإقناع بأن ذلك واقع فعلاً استغل أعداء الدين ما يلي :

1- أغاليط رجال الكنيسة النصرانية في مجالات العلوم الكونية ، وتفسيرات ظاهرات العالم المادي ، وفي المجالات الفكرية الفلسفية ، والتي نسبوها إلى الدين وأضافوها إليه افتراءً أو جهلاً .

2- أغاليط اليهود وتحريفاتهم وافتراءاتهم على دين الله .

3- خرافات أديان أخرى محرّفة عن أصولها المنزلة .

4- خرافات أوضاع بشرية سمت أنفسها أدياناً وهي لا تمت إلى دين رباني بصلة ، لا في تحريفاتها ولا في أصولها .

5- أغاليط مفسري وشراح النصوص الدينية ، وما يجزمون بنسبته إلى الدين من دلالات نصوص دينية غير ثابتة بصفة قطعية .

حتى الإسلام خاتمة الرسالات الربانية استغل أعداء الإسلام بعض ما ينسب إليه ، مع أنه لا يوجد في الإسلام نصٌّ أو تفسير أجمع عليه علماء المسلمين ، مما يخالف قضية عقليةً مقطوعاً بها ، أو قضية ثابتة بالوسائل العلمية الإنسانية مقطوعاً بها.

ولكن قد يوجد فيما ينسب إلى الإسلام بوجه عامّ نصوص غير ثابتة بصفة قطعية ، وآراء اجتهادية غير متفق عليها ، قد يتناقض بعضها مع حقائق علمية ، أو مع حقائق ثبتت بوسائل العلم الإنساني ، ولكن هذه النصوص وهذه الآراء الاجتهادية لا تمثل فكراً دينياً ثابتاً مجمعاً عليه ، وغير قابل للتعديل .

ولدى التبصر في هذه المغالطة التي تُسْتَغَلُّ فيها أغاليط الناس ، لتثبيت دعوى التناقض بين الدين والعقل ، ودعوى التناقض بين الدين والعلم ، مع أن الدين الحق تنزيل رباني لا يصح نسبة أغاليط الناس إليه ، ولا جعلها إحدى عناصره وبعض مكوّناته ، لدى التبصر في هذه المغالطة ينكشف باطلها ، ويظهر زيفها ، فيرفضها العاقل الحصيف المنصف ، وينبذها سخيفة مهما زينها المبطلون أعداء الدين الحق المنزل من عند الله ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

جـ- قصة انتشار هاتين الدعويين :

قبل النهضة العلمية المعاصرة ، التي استخدمت فيها وسائل الملاحظة والتحليل والتركيب والتجربة الحسية التطبيقية على الأشياء ظهرت فكرة تمجيد العقل وقدرته على معرفة حقائق الأشياء كلها ، وبدأ الترويج لفكرة وجود التناقض بين الدين والعقل من قبل أعداء الدين وأجرائهم .

وافتتن المتنورون يومئذٍ بالعقل افتتاناً عظيماً ، وأعطوا لآرائه ومفاهيمه صفة العصمة عن الخطأ في كل شيء يملكه أو لا يملكه ، حتى الأغاليط التي كان المفكرون والفلاسفة يقعون فيها بحكم كبوات الأفكار ، أو نوازع النفوس ونوازغها ، كان المتنورون يمجدونها على أنها أحكام عقلية صحيحة ، وربما نظر عامتهم إليها على أنها قطعيات عقلية .

وانتشرت هذه الفتنة بالعقل وآرائه وتصوراته ولو لم تكن أحكاماً صحيحة ، فضلاً عن أن تكون أحكاماً لها نصيب ما من الصحة أو الرجحان .

وظهر يومئذٍ المذهب العقلي ، وأطلق عليه اسم "العقلانية" أو المذهب العقلاني .

وصار المفتونون بالعقل وآرائه وأحكامه يقيسون كل مسائل الكون وشؤونه ، وكل مسائل الدين والغيبيات بالعقل ، مهما كان نصيبه من البصيرة بالحقائق قليلاً ضئيلاً .

د- الحقيقة بين الدين والعقل والعلم :

مسايرة للمصطلح الغربي الرائج بين أوساط المثقفين الذي خصّ اسم "العلم" وعنوان "الطريقة العلمية" بما يكتسب بالوسائل العلمية التجريبية الحسيّة ، أفرّق بين الدين والعلم هنا .

مع أن الدين الحق ليس قسيماً مغايراً للعلم ، بل هو علم عن طريق الوحي ، فما جاءت به طرق الدين اليقينية هو من قبيل الحقائق العلمية .

وللحقائق العلمية طرق إثبات أخرى ، وطرق إثبات الحقائق العلمية في الفكر الإسلامي تتلخص بما يلي :

1- المعرفة المباشرة ، وهذه تكون بالإدراك الحسي ، ولو بوسائل الأجهزة والآلات والأدوات الصناعية أو الطبيعية .

2- الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الإستنتاجية والإستنابطية .

3- الخبر الصادق ، وهو قسمان :

* إنساني يعتمد عليه الناس في نقل الأخبار والمعارف المختلفة ، بعضهم عن بعض .

* عن طريق الوحي الرباني الذي يختص الله به المصطفين من عباده ، وثقة الناس بمن يبلغ من الناس عن الوحي مباشرةً ، مشروطةً بأن يكون مؤيداً من الله بمعجزة ، فالمعجزة للنبي بمثابة الشهادة من الله له بالصدق فيما يبلغ عنه.

وعلى هذا فالمقابلة ليست بين الدين والعلم ، ولكن بين طرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين ، وطرق اكتساب العلم بالوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية .

ولا غرو أن الوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية لاكتساب المعارف ، وهي منحة من الله لعباده ، حتى يستخدموها في اكتساب العلوم المختلفة ، ولذلك كان الإنسان مسؤولاً عنها عند الله في مجال اكتساب العلم ، والدليل على ذلك قول الله عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}
ولا تَقْفُ : أي ولا تتّبع .
إن هذه الطرق والوسائل الإنسانية تقدّم شهادة يقينية بالحقائق التي توصلت إليها ، أو شهادة ترجيحية بالمعارف التي ترجحت لديها بغلبة الظن .

كذلك الوحي الجامع لطرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين ، هو أيضاً منحة من الله لعباده ، وقد جعله الله للناس طريقاً لاكتساب طائفة من العلوم ، وهي التي يطلق عليها اسم علوم الدين ، ونلاحظ أن أهم ما يختص بها العلوم الغيبية التي لا تدركها الحواس الإنسانية ، ولا تستطيع العقول بوسائلها إثباتها مستقلة عن أنباء الدين ، وكذلك التكاليف الربانية التي يكلف الله عباده العمل بموجبها أمراً أو نهياً ، إلزاماً أو ترغيباً .

ويلاحظ أن معظم التكاليف الدينية معقولة المعنى ، وهي تحقّق بالتجارب العلمية مصالح العباد ، وإن كان الهدف الأساسي منها امتحان طاعة العباد لبارئهم ، وما لا يدرك الناس الحكمة منه فحسبه أنه طريقة لامتحان طاعة الإنسان المكلف للذي له الخلق والأمر وهو على كل شيءٍ قدير .

أما الحقيقة بالنسبة إلى الأمور الوجودية (غير الاعتبارية وغير النسبية والتي ليست من قبيل تكاليف الابتلاء) فهي واحدة . والإدراك الحسي يقدم شهادة بما توصل إليه من نتائج نحوها ، ويرافق الإدراك الحسي الوسائل المادية التي يستخدمها الحس ، كالملاحظة والتجربة والتطبيقات المتكررة ، مع الأدوات والآلات والأجهزة الصناعية والطبيعية التي تثبت صحة شهاداتها ، كالمقاييس ، والموازين ، والكواشف المختلفة ، وذوات الإحساس المادي غير الإرادي الكيميائي والفيزيائي ، حتى الذري والألكتروني .

والاستنتاج أو الاستدلال العقلي يقدم أيضاً شهادة بما توصل إليه من نتائج نحوها .

ولا يمكن أن تتناقض نتائج الإدراك الحسي ونتائج الاستنتاج العقلي إلا وأحدهما أو كلاهما مصاب بالخلل ، كما لا يمكن أن تتناقض الحواس الخمس فيما بينها إلا وأحدها أو أكثر مصاب بالخلل ، فإذا أدرك حسُّ اللمس الشيء واحداً ، وأدركه البصر اثنين فقد يكون البصر أحول ، وقد يكون الغلط من اللمس . وطبيعة الحواس أن تتكامل فيما بينها ، كذلك وسائل المعرفة التي منحها الله للناس ليكتسبوا معارفهم وعلومهم عن طرقها أو باستخدامها .

إنها جميعاً منح ربانية وضعها الخالق بين أيدي الناس وفي ملكهم ليعرفوا بها حقائق الأشياء ، كما سخر لكل منها في كونه وسائل تساعدها على اكتشاف الحقائق ، وتقدم لها شهاداتها عن مشاهداتها ، أو تكشف لها عن المؤثرات التي أثرت فيها ، وعن مبلغها من القوة ، وغير ذلك من مقاديرها .

إن الطرق الصحيحة التي تتجه للتعرف على شيء واحد ، أو تهدف للوصول إلى غاية واحدة ، لا بد أن تكون نتائجها متطابقة ، أو متكاملة غير متناقضة .

فالشيء الواحد قد تقدم عنه العين معلومات لا تقدمها الأذن ولا يقدمها الذوق ولا يقدمها الشم ، وكل حاسة تقدم معلومات لا تقدمها الحاسة الأخرى ، ولكنها لا تتناقض فيما بينها بل تتكامل .

كذلك ينبغي أن تكون طرق الإدراك الحسي مع طرق الاستدلال العقلي مع طرق الخبر الإنساني مع طرق الوحي ، إذ الأصل فيها أن تتكامل وتتوافق لا أن تتناقض ، فإذا تناقضت فلا بد أن يكون في بعضها أو في جميعها خلل ، والصحيح منها هو الذي يعطي صورة صادقة عن الحقيقة بمقدار ما يقدم من جلاء ووضوح وإثبات .

وأية وسيلة مهما كانت صادقة وصحيحة فإن الغالب في شأنها أن تكشف جزءاً من الحقيقة ، وقلما تكشف كامل الحقيقة ، وقد قال الله عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}

والوحي الذي هو منحة من الله لعباده عن طريق النبوة هو طريق من طرق المعرفة الصحيحة ، وهو يقدم شهادة بالحقيقة ، عن الشيء أو الأمر الذي أخبر عنه . ومتى كان الخبر عن الوحي خبراً يقينياً مقطوعاً به فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتناقض مع اليقين الذي تُوصِلُ إليه الوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية . ولو أمكن أن تتناقض لكان معنى ذلك أن الفاطر الحكيم لم يضع بين أيدينا الوسائل الصحيحة التي تكسبنا المعارف والعلوم الحقة ، أو لم يصدقنا فيما أخبرنا به عن طريق الوحي ، وكل من الأمرين مستحيل عقلاً وشرعاً .

إن الله عزّ وجلّ قد جعل وسائل المعرفة فينا مسؤولة في ميدان المعرفة والبحث العلمي ، ومسؤوليتها هذه رهن بأنها من الطرق الموصلة إلى الحقيقة ، كما جعلنا مسؤولين عن التسليم بما يخبرنا به عن طريق الوحي ، لأن برهان العقل قد قام لدينا بأن ما يخبرنا به الرسول عن الوحي صدقٌ وحق ، والجامع بين الأمرين هو أن كلاً منهما يقدم شهادة بالحقيقة ، وبما أن الحقيقة واحدة فإنه لا يمكن أن تتناقض نتائج الطرق الصحيحة الموصلة إليها . ومتى ظهر التناقض فلا بد أن يكون ذلك لخلل أصابها أو أصاب واحداً منها .

فمن الأمثلة ما يلي :

لقد أخبرنا الله أنه لا إله إلا هو ، وهذا خبر جاءنا به الوحي ، فقدم لنا شهادة بحقيقة وحدانية الخالق تبارك وتعالى ، والبحث العقلي والبحث العلمي بالوسائل الإنسانية في هذا المجال لا بد أن يوصلا إلى هذه الحقيقة نفسها ، ولذلك قال الله عزّ وجلّ في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):

{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ...*}.

فلدينا إذن حول هذه الحقيقة شهادة الله ، إذ أخبرنا بوحدانيته عن طريق الوحي الذي بلغنا به الرسول المؤَيَّدُ من الله بالمعجزات الباهرات ، ولدينا أيضاً شهادة أولي العلم الذين توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق البحث العلمي ، والدلائل العقلية البرهانية .

فمن الغفلة الكبيرة ، والجهل بأصول المعرفة ، إقامة الصراع والنزاع بين ما يأتي من المعارف الكونية عن طريق الدين ، وما يأتي منها عن طريق الوسائل الإنسانية ، مع أن هذه وتلك شواهد ربانية ، أقامها الله بين يدي الإنسان ليعرف بها الحقيقة . وهل يشهد الله عزّ وجلّ شهادتين متناقضتين ؟! أو يضللنا سبحانه وتعالى فيضع لنا وسيلتين تعطي كلٌّ منهما نتيجة متناقضة للأخرى في موضوع واحد؟!.

هذا أمر لا يكون في حالٍ من الأحوال ، وحكمة الله العليّ العليم الحكيم القدير تأباه .

وواجبنا لدى البحث عن الحقيقة أن نحرر تحريراً دقيقاً ما تأتينا به الوسائل الإنسانية من المعارف ، وما يصلنا من أخبار الوحي .
* * *

أسباب ما يظهر فيه التناقض :

وكل مظهر للتناقض بين ما تشهد به الوسائل الإنسانية للمعرفة ، وما تشهد به النصوص المنسوبة إلى الدين ، لا يعدو أحد الاحتمالات التاليات :

الاحتمال الأول : أن يكون الذي نسب إلى العقل أو العلم بالوسائل الإنسانية لم يصل إلى مرحلة الحقيقة المقطوع بها .

كالنظريات التي لم تصل إلى مستوى القضية المقطوع بها جزماً ، والتي ما زالت رهن البحث والنظر ، أو التي لا سبيل إلى إثباتها بأدلة علمية يقينية ، وإن اعتقدها العلماء الماديون لعدم وجود ما هو أقوى منها في نظرهم المادي البحت ، ولأنه لا اختيار لهم بعد ذلك إلا التسليم بما جاء به الدين ، وهم يرفضون نفسيّاً هذا الأخير .

* وكالفرضيات التي لم ترق بعدُ إلى مستوى النظرية العلمية ، فضلاً عن أن تكون ضمن الحقائق العلمية .

الاحتمال الثاني : أن يكون الذي نسب إلى الدين من نص لم يصل إلى درجة القطع بثبوته ، بل هو ضعيف لا يحتج به ، أو ظني الثبوت لا يفيد مضموناً مقطوعاً به .

الاحتمال الثالث : أن يكون فهم النص الديني فهماً اجتهادياً ضعيفا ، أو ظنياً يتطرق إليه الاحتمال ، فهو غير مقطوع به ، أو فهماً مجانباً للصواب أصلاً ، ومردوداً بأدلة أخرى أقوى منه .

وفهم النص الديني إذا كان غير مدلولٍ عليه بصورة قطعية ، وخالف حقيقة عقلية مقطوعاً بها ، أو حقيقة علمية أثبتتها وسائل المعرفة الإنسانية بصورة قطعية ، فإن النص الديني لا يتحمل وزر هذا الفهم الاجتهادي المخطئ . بل يكون وزر هذا الفهم على صاحبه ، وهو الذي يُعزى إليه الخطأ ، وإن كان معذوراً بخطئه الذي وقع فيه .

كخطأ بعض أهل الاجتهاد في فهم النصوص الدينية ، في مسألة كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس .

وأنبه هنا على أن من القواعد المقررة عند علماء المسلمين أن عموم النص الديني قد يراد به الخصوص ، فلا يصح أن يُحمل عندئذٍ على إرادة العموم إذا كان لا ينطبق إلا على بعض أفراد العموم في الواقع المدرك بالحس ، أو إذا كان منطق العقل الصحيح يقضي بذلك .

فذكروا من أقسام العام "العام الذي أريد به الخصوص ابتداءً" ، وذكروا أن القرينة الدالة على ذلك قرينة عقلية ، ومثلوا له بوصف الله عزّ وجلّ الريح التي أهلكت قوم عاد : بأنها تدمر كل شيءٍ بإذن ربها في قوله تعالى في سورة (الأحقاف/46 مصحف/66 نزول):

{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ }.

قال علماؤنا ومنهم الإمام أحمد : وقد أتت هذه الريح على أشياء لم تدمرها ، كمساكنهم والجبال التي في أرضهم ، فدل ذلك بالقرينة العقلية على أن هذا اللفظ العام قد يراد به الخصوص في الاستعمال ، وقالوا : إن دلالة العام على استغراق جميع أفراده دلالة ظنية .

وأهون من ذلك بلا خفاء ، حمل اللفظ الذي يحتمل عدة دلالات وهو قابل لإرادة إحداها ، على إرادة المعنى الذي ينطبق على الواقع المشاهد ، أو تكشفه الدلائل العقلية أو الدلائل العلمية التي تستخدم فيها الوسائل الإنسانية ، ولكن يشترط للجزم بذلك الوصول إلى يقين علمي ، وإلا فمن الخير إبقاء اللفظ صالحاً للاحتمالات التي يمكن أن يدل عليها ، في انتظار ما يصل إليه البحث العلمي بيقين ، هذا إذا كان مضمون النص من الأمور الكونية ، والذي يمكن الوصول إلى حقيقته بالوسائل الإنسانية ، أما الأمور التشريعية والغيبية الاعتقادية التي لا سبيل إلى معرفة حقيقتها بالوسائل الإنسانية فالنصوص فيها تفهم بموجب مقررات وقواعد أصول الفقه ، وما يقتضيه الأرجح من دلالة اللفظ وفق أساليب الاستعمال البياني .
* * *

ورطة النصرانية :

وبهذه المناسبة نتذكر أن النصرانية لما سقطت في طائفة من المفاهيم الباطلة الدخيلة على أصل الدين ، والمخالفة له ، والمناقضة لأصول العقل والعلم الصحيح ، حاولت أن تتخلص من ورطتها هذه بمقولتها المشهورة "الدين لا يخضع للعقل" . وأطلق علماؤهم بين أتباعهم كلمتهم المأثورة : "أطفئ مصباح عقلك واعتقد وأنت أعمى" . وحرموا التفكير والنظر في مسائل الدين ، وفرضوا عليهم التسليم الأعمى بالإله المثلث ، دون مناقشة ولا نظر ، مع أن أصول العقل السليم ترفض هذا رفضاً قطعياً ، ولا تسلم به النفوس إلا مع تعطيل منطق العقل ، ورافق ذلك أنهم أقفلوا باب العقل والبحث العلمي نهائياً عن كل مسألة تعرضت لها نصوص دينهم ، أو تفسيراتهم لها وإن كانت باطلة ، أو آراؤهم وأفكارهم التي اقتبسوا بعضها من الفلاسفة أو غيرهم ، وألحقوها بالدين جهلاً وغفلة ، أو افتراءً على الله ودينه ، حتى ما كان منها متعلقاً بواقع الكون الذي تستطيع الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفته .
* * *

موقف الإسلام من العقل والعلم الصحيحين :

ولما جاء الإسلام رفض هذا التثليث الدخيل على دين الله ، ونادى بالوحدانية ، وقدم على ذلك شهادة من عند الله نزل بها الوحي على رسول الله محمد (ص) ، وشهادة من أولي العلم ، فجعل العقل العلمي شاهداً على هذه الحقيقة ، وناقش مخالفيها على أساس من العقل والعلم ، واعتبر العقل في هذا مرجعاً وسناً يستفتى ويستشهد به ، ولو كان البحث العلمي الإنساني السليم سيوصل إلى القطع بحقائق لا يوافق عليها الدين المنزل من لدن عليم خبير حكيم لما دعاه إلى تقديم شهادته بالحقيقة ، ولما أرشد الله العلماء إليه ، ووضع في أيديهم وسائله ، ودفع بهم إليه دفعاً ، وفيما يلي طائفة من النصوص القرآنية الدالة على ذلك :
1- في دعوة الناس إلى النظر العلمي للتعرف على حقائق ما في السماوات والأرض ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (يونس/10 مصحف/51 نزول):
{قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...*} .
2- وفي دعوة الناس للسير في الأرض بحثاً وتنقيباً وتأملاً ، رغبة في الوصول إلى معرفة كيف بدأ الله الخلق ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):
{قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ..*}.
3- وفي توجيه أنظار الناس إلى آيات الله الدالة على ربوبيته ووحدانيته في الأرض وفي الأنفس ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول):
{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ*} .
4- وفي إثبات وحدانية الله الرب الإله المعبود ، ناقش الله الناس بدلائل العقل وبراهينه المنطقية ، فقال عزّ وجلّ في سورة (الأنبياء/21 مصحف/73 نزول):
{لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}
وقال عزّ وجلّ في سورة (المؤمنون/23 مصحف/74 نزول):
{مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}
5- وفي إثبات وجود الله الخالق الأزلي الأبدي ، ناقش الله الجاحدين لوجوده بالمنطق العقلي البحت ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الطور/52 مصحف/76 نزول):
{أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}.
إلى غير ذلك من نصوص قرآنية كثيرة جداً .
* * *

الغيب ومنطق العقل :

حينما يناقش علماء النصارى في مسألة التثليث أو غيرها من المسائل التي يرفضها منطق العقل ، يدافعون بأن الدين لا يخضع لمنطق العقل ، إذ هو فوق مستوى العقل البشري ، ويجب التسليم بكل ما جاء فيه ، ولو كان العقل يرفضه رفضاً باتاً لاستحالته .

وظل رؤساء الدين عندهم يهيمنون على أتباعهم بهذه الحجة ، حتى قامت الثورة العلمية المادية الحديثة ، ففجرت جوانب البحث العلمي في كل مجالٍ من مجالات العلمية التي يستطيع الإنسان أن يتوصل إليها ، وأيقظت الفكر النصراني من سباته الذي لازمه قرابة خمسة عشر قرناً ، ثمّ امتد أثره إلى الأمم الأخرى .

ومع هذه اليقظة العلمية أخذ المثقفون منهم يفكرون في قضية التثليث ، وفي قضايا مشابهة ، يقال عنها : إنها من أمور الدين التي هي فوق مستوى العقل ، ويجب التسليم بها ، ولو كان العقل يرفضها قطعياً ، ويرى أنها مستحيلة ، فلم تهضمها عقولهم ، وبدؤوا يتشككون في صحة ديانتهم من أساسها ، وقام الصراع المعروف بين قوتين :
1- قوة تقليدية لها مؤسسات ورياسات دينية وأنظمة حكم تدعمها .

2- وقوة أخرى أخذت سبيلها إلى النهوض المادي عن طريق البحث العلمي ، ومناقشة الأمور بالعقل والمنطق وسائر وسائل البحث الإنساني للوصول إلى المعرفة .

وانتهت معركة الصراع بمحاصرة الديانة النصرانية وحجزها داخل الكنيسة ، ثمّ أخذت الأجيال النصرانية سبيلها إلى إنكار ديانتهم ، والشك في صحتها من أساسها ، وعاشت في فراغ فكري ونفسي خطير ، ولم يبق لدى بعضهم إلا الانتماء التعصبي .

وفي هذا الجو النفسي المستعد لملئه بشيء آخر نشط دعاة الإلحاد الماديون يبثون أفكارهم الإلحادية ، واستغلت اليهودية العالمية هذا الواقع ، أو ساهمت في التدبير له ، وشحنته بما يلزم من الآراء الإلحادية ، والفرضيات التي ألبسوها أثواب نظريات ، ومضامينها تخدم قضية الإلحاد .

فأخذ الإلحاد ينتشر في أوروبا انتشار النار في الهشيم ، وتبعتها شعوب أخرى ، ودار دولاب الانهيار في الغرب والشرق متسارعاً بشكل خطير ، مؤذناً بدمارٍ قريب ، تتحقق فيه سنة الله في الأمم .

والمسؤول عن كل ذلك أو معظمه العلماء بالنصرانية ، ورؤساء الكنيسة لأنهم لم يصححوا العقائد المزيفة ، الدخيلة على أصول ديانتهم والتي كان اليهود من قبل قد عملوا على إدخالها فيها ، لإفساد أصول النصرانية ، ثمّ لم يعمل هؤلاء الرؤساء الدينيون لإقناع شبانهم المثقفين بالحجة والبرهان .

وهنا يتساءل الشباب المسلم المثقف فيقول :
ما موقف الإسلام من العقل ،ومما تثبته وسائل المعرفة الإنسانية ، تجاه ما جاء به الدين ؟

ومن واجبنا أمام هذا التساؤل أن نحرر الجواب تحريراً شاملاً شافياً:
أولاً: من نعمة الله علينا في الإسلام أن أصوله وأركانه قد سَلِمت من التغيير والتحريف ، فلم يصبها شيءٌ ، مما أصاب أصول الأديان الأخرى من ذلك .

فليس أمامنا مشكلة دين محرف مخالف للحقيقة ، أو مخالف لمنطق العقل والواقع ، حتى نلفّق لدعمه الحجج الخرافية ، على أن الإسلام لا يرضى ولا يقبل بحالٍ من الأحوال من المؤمنين به أن يلفقوا الحجج الباطلة ، أو يختلقوا الشهادات الكاذبات ، ولو كان ذلك لدعم الحق الذي جاء به ، لأن قبول هذا الأسلوب سيقضي على الأدلة والحجج الحقة الصادقة ، وسيقضي بالتالي على الدين من أساسه ، إذ قبل بمبدأ التأييد بالباطل ، فالحق لا يقبل التأييد والمناصرة إلا بالحق .

ثانياً: الإسلام دين الحق ، والحق لا يمكن أن تقوم الأدلة الصحيحة على إبطاله بحال من الأحوال . ولكن قد تُصنع الأدلة الباطلة وتُزيَّنُ بالمغالطات لإبطاله ، في تصورات المغرورين المخدوعين أصحاب الأفكار الضيقة والعقول الصغيرة ، على أن هذه الأدلة الباطلة لا تلبث حتى تنهار ، وحسبها ضعفاً وقلة شأنٍ أنها أدلة باطلة في أصلها ، مهما طُليت بالأصباغ وأنواع الزينة من زخرف القول .

ثالثاً: تنقسم المعارف الدينية إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :

تكاليف عملية نفسية وجسدية إرادية ، يطالب المكلفون بطاعة الله فيها ، في أمرٍ بفعل ، أو نهي عن فعل .

ومن نعمة الله على الناس في الإسلام الذي أنزله الله خاتمة رسالاته للناس ، أن جميع التكاليف فيه مشتملة على ما يُصلح أوضاع الناس وأحوالهم ، ويرتقي بهم إلى أرفع درجة حضارية إنسانية ، سواء أكانت تكاليف عبادات ، أو تكاليف أخلاق ، أو تكاليف معاملات ، أو تكاليف أخرى تدفع الناس إلى الارتقاء المجيد في سلم الحضارة الإنسانية المثلى ، الخالية من عيوب الانهيار الخلقي والنفسي والسلوكي .

وبرهان هذا وتفصيله يتطلب شرحاً طويلاً .

على أن الأصل في التكاليف الدينية أنها ابتلاء للإرادة ، والامتحان لا يشترط فيه بشكل لازم أن يكون موافقاً لمصالح الواقعين تحت الامتحان . لكن فضل الله كان عظيماً ، إذ كان امتحانه لنا في تكاليف تضمن أحسن المصالح لنا ، وأوفى المنافع ، وأكثر الاحتمالات دفعاً للأضرار والمخاطر ، وأسلمها حلاً للمشكلات .

القسم الثاني :

أنبا عن واقع كوني باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تصل إلى معرفتها على ما هي عليه في الواقع ، ولو بعد حين من الدهر .

والغرض من هذه الأنباء تحريك الناس للبحث العملي في الكون ، وأن تكون شاهداً يقدم شهاداتٍ متجددة مهما تطاول الزمن ، على صحة هذا الدين ، وأنه تنزيل رب العالمين ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا بينه وبين الواقع اختلافاً كثيراً .

وما جاء في الإسلام من هذا القسم لا يمكن أن يكون مخالفاً للواقع والحقيقة ، إلا ضمن احتمالين اثنين لا ثالث لهما :

الاحتمال الأول : أن يكون النص المنسوب إلى الإسلام نصاً غير صحيح النسبة ، كأن يكون خبراً كاذباً ، أو خبراً ضعيفاً لا يصحُّ الاعتماد عليه ، أو خبراً غير قطعي الثبوت ، فمن الممكن دخول خطأ فيه من نقل الراوي ، أو من فهمه مع حكاية ما روى بلفظ من عنده بحسب ما فهم من معنى ، إذ يحتمل أنه روى المعنى الذي فهمه هو ، ولم يروِ اللفظ ذاته الذي نطق به الرسول (ص) . وهذا إنما يكون في أحاديث الآحاد فقط ، وهي التي لم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي أو المعنوي .

الاحتمال الثاني : أن يكون فهم النص الإسلامي من قِبَل بعض المجتهدين أو المؤولين فهماً خاطئاً .

وحتى ينتفي هذان الاحتمالان فإننا لا نجد نبأً في الدين يخالف الحقيقة والواقع .

إنه لا يوجد نبأ إسلامي قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، يتضمن ما يخالف الحقيقة والواقع ، وليس من الممكن أن يوجد قطعاً في الإسلام مثل هذا النبأ ، وهو الدين الحق الذي أنزل من لدن عليم خبير بالحق ، ونزل على رسول الله (ص) عن طريق الوحي الجلي الصادق بالحق أيضاً ، وبلغه رسول الله (ص) بالحق كما أُنزل عليه .

مغالطة ودفعها وكشف زيفها :

ولكن قد تقع هنا مغالطة لا بد من التنبيه عليها ، وهذه المغالطة تأتي من قبل ما يُنسب إلى الحقيقة العلمية ، الآتية عن طريق الوسائل الإنسانية البحتة .

فكثيراً ما يدعي الماديون أن فرضية من الفرضيات أو نظرية من النظريات ، قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل .

مع أن هذه الفرضية أو هذه النظرية لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة علمية ، قد قال العلم فيها كلمته النهائية ، وذلك بشهادة العلماء الطبيعيين أو الماديين الذين وضعوها ، أو ساهموا في تدعيمها والترويج لها .

ومن أمثلة ذلك "الدارونية" بالنسبة إلى نشأة الكون ، وظهور الحياة في المادة غير الحية ، وخلق الإنسان ، فهي فكرة لا تملك أدلة إثبات قاطعة ، ولا أدلة تجعلها نظرية ذات رجحان في مقاييس العلوم الصحيحة .

لكن كثيراً من العلماء الماديين يقبلونها تسليماً اعتقادياً لا تسليماً علمياً ، إذ ليس لديهم اختيار بعدها إذا لم يقبلوها إلا الإيمان بالخلق الرباني ، وهذا أمرٌ لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين لقبوله ، ما دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئاتهم ، أو على أهوائهم وشهواتهم ، أو على أفكارهم المنعطفة عن موازين الحق إلى زيوف شبهات وأوهام .

ويأتي كُسورٌ من المثقفين (أنصاف – أرباع – أعشار) أو أقل من ذلك ، من المتأثرين بالنزغات الإلحادية ، فيدعون وجود التناقض بين الدين والحقائق العلمية ، استناداً إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية ، وبعض الفرضيات أو النظريات التي لم تصبح بعدُ حقائق علمية . وهؤلاء يزعمون كذباً أو يتصورون خطأً أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة بشكل قطعي غير قابل للنقض .

وبهذا يقعون في خطأٍ فاحشٍ جداً ، ويتبع ذلك سقوطهم في ضلالٍ اعتقاديٍّ كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه .

مع العلم بأن طائفة من الفرضيات والأفكار في ميادين العلوم الكونية قد وضعت خِصِّيصى لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله ، على أيدي يهود أو أجراء يهود ، وسميت نظريات علمية ، وصِيغت لها المقدمات المزيَّنة بزخرف من القول ، ووُضِعَت لها التبريرات التي ليس لها قواعد منطقية علمية صحيحة .

فالواجب إذن يتحتم علينا – أخذاً بطريق البحث العلمي السليم المحرر الذي أمرنا به الإسلام – أن نُمعن النظر فيما قدّمته شهادة العقل ، ووسائل البحث العلمي الإنساني ، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية ، وأن نُخضِع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة ، المتفق عليها في أصول العقل ، وفي أصول الدين .

وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف ، بين شهادة النصوص الدينية اليقينية ، قطعية الثبوت قطعية الدلالة ، وبين الشهادة القاطعة التي يقدمها العقل ، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي الإنساني البحت .

بل اليقيني من كل ذلك لا بد أن يتطابق في شهادته ، متى استطاع أن يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث .
فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل ، أعلن كلٌّ منها عن مبلغه من العلم قصّر في المعرفة أو استكملها ، وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف ، ولكن يوجد بيان جزئي ، وبيان أشمل وأكمل ، أو بيان جزئيٌّ من جهة وبيان جزئيٌّ من جهة أخرى ، وفق مَثَل العميان والفيل .

وهو مَثَلٌ أورده الإمام الغزالي وغيره ، خلاصته أن عدداً من العميان قُدِّم لهم فيل ليصفوه ، فوقعت يد كلٍ واحد منهم على طرفٍ أو جانب منه ، ثمّ أخذ يصف الفيل عن طريق ما تَلَمَّسه منه بيده . فوصف أحدهم ملاسة الناب وقسوته ، والآخر خشونة الذيل ، والثالث ما تلمسه من الخرطوم ، والرابع ما تلمسه من الرجل ، والخامس ما تلمسه من البطن أو الظهر ، وهكذا .

إن كلاًّ منهم قد يكون وصفه صحيحاً للجزء الذي وقعت يده عليه ، ولكنه لم يصف الفيل كلَّ الفيل ، إنما وصف طرفاً منه ، أو جزءاً وقعت يده عليه منه ، وأوصافهم متكاملة لا متناقضة .

كذلك وصف الباحثين لكثير من الحقائق ، إذا صَدَقوا في أوصفاهم ، إنها أوصاف ناقضة تناولت ما أحسوا به ، وأما ما لم يُحسوا به فإنهم بالنسبة إليه عميان ، لأنهم لم يملكوا الحاسة التي تعرفهم به.

القسم الثالث :

أنباء من أنباء الغيب الذي لا تستطيع الوسائل الإنسانية بقدراتها وخصائصها وهباتها ، أن تصل إلى معرفته على ما هو عليه في الواقع .

وهذه الأنباء الدينية الغيبية تخبر عن بعض حقائق الوجود الأكبر ، فمنها ما يتعلق بخصائص الخالق جل وعلا ، ومنها ما يتعلق بوصف بعض الحقائق الغيبية من واقع هذا الكون المخلوق لله عزّ وجلّ ، كالملائكة والجن والعرش والكرسي ، ومنها ما يحكي أحداثاً سبق أن حدثت فيما مضى من الأزمان ، وليس باستطاعة الوسائل الإنسانية أن تستعيد صورتها الواقعية ، كقصة خلق آدم ، ومنها ما يُنبيء عن أحداث ستقع فيما يأتي من الأزمان ، ضمن واقع هذا النظام الكوني القائم ، كأشراط الساعة ، أو سوف تقع في نظام عالم آخر وحياة أخرى ، وهو ما جاء عن الآخرة ، وما سوف يجري فيها ، من جمع وعرض ، وسؤال وحساب وجزاء بالثواب أو بالعقاب ، ودار للنعيم وهي الجنة ، ودار للعذاب وهي النار .

وموقف العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية بالنسبة إلى ما جاء في هذا القسم يتلخص بما يلي :

أولاً : تحرير صدق الخبر وصحة دلالته .

ثانياً : رفض ما خالف أحكام العقل القطعية ، وهو ما يدخل في قسم المستحيلات العقلية ، كالجمع بين النقيضين ، وكوجود شريك الله الخالق سبحانه وتعالى .

ثالثاً : رفض ما خالف أحكام العقل القطعية ، وهو ما يدخل في قسم المستحيلات العقلية ، كالجمع بين النقيضين ، وكوجود شريك لله الخالق سبحانه وتعالى .

فأي نبأ من أنباء الغيب يثبت شيئاً يحكم العقل قطعياً باستحالة وجوده هو خبر مرفوض عقلاً وشرعاً ، وأي نبأٍ من أنباء الغيب ينفي شيئاً يحكم العقل حكماً قاطعاً بأنه واجب الوجود هو نبأ مرفوض عقلاً وشرعاً .

ولما قال الإمام الغزالي في كتابه "المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى" كلمته الحصيفة الرصينة المشتملة على نظر ثاقب عميق :
" ولا تستبعد أيها المعتكف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه ما لا يظهر في العقل ".

عقب عليها باستدراك خلاصته : أن ما وراء العقل قد يكون بعيداً عن تصور العقل وتوهمه بُعداً بالغ النهاية ، أو بُعداً غير متناهي الحدود ، لأن العقل محجوب في حدوده التي لا يستطيع أن يتعداها ، لكنه لا يمكن أن يكون وراء العقل أشياء يحكم العقل حكماً قاطعاً باستحالتها .

فالفرق كبير بين ما لا يدركه العقل ، فهو لا يتناوله بنفي ولا إثبات ، لأنه ليس من الأمور التي يتناولها بأحكامه ، وبين ما يحكم العقل حكماً قاطعاً بنفيه أو إثباته .

إن من الأشياء التي لا يمكن أن يكون وضعها فيما وراء العقل على خلاف وضعها في أحكام العقل القاطعة ، لأنها من المستحيلات العقلية : أن يكون لله تعالى شريك ، أو أن يكون في مقدور الخالق عزّ وجلّ أن يخلق مثل ذاته سبحانه ، أو أن يجعل الحادث قديماً ، أو ما أشبه ذلك .

رابعاً : ما له دلائل وقرائن من العقل تؤيده فإن موقف العقل منه موقف الشاهد المؤيد والمسلم .

خامساً : التسليم التام في كل ما يقول فيه العقل : لا أدري . ويكون ذلك إذا لم يكن لدى العقل من الأدلة الظاهرة في مقاييسه ما يستطيع إثباته به ، وليس لديه منها ما يستطيع نفيه به.

وهذا التسليم تصديق لشهادة النص الديني الثابت من جهة الرواية ، وفق أصول تحقيق المستندات الإخبارية ، وتصديق شهادة النص الديني الثابت بيقين له مستند عقلي قاطع ، وذلك لأن العقل يقول :

ما جربته من أنباء الإسلام الصحيحة النسبة إليه بشكل يقيني ، لم أجد فيها إلا الحق ، وكل ما وجدته فيها مما أستطيع الوصول إلى حقيقته الواقعة بنفسي كان حقاً وصدقاً .

ولأن العقل يقول أيضاً :

إن من يملك تغيير سنن الكون الثابتة ، بما يجريه من معجزات على أيدي أنبيائه ورسله ، ليعلمني بأن الكون كله خاضع لقدرته وإرادته ، وليعلمني بأن أخباره التي يبلغها أنبياؤه ورسله أخبار صادقة ، لا يمكن أن تكون أخباره عن الغيوب التي لا أستطيع الوصول إليها بنفسي أخباراً مخالفة لحقيقة الغيب وواقعه .

لكل ذلك فإنه يجب التسليم بها تسليماً قاطعاً لا يداخله ريب .
* * *

منهج الإسلام في المعرفة :

يقوم الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي على قضيةٍ واحدة ، وهي : أن المعرفة الصحيحة هي ما كان مطابقاً للواقع والحقيقة .

1- فما كان مطابقاً للواقع والحقيقة فهو حقٌّ ، وما كان مبايناً للواقع والحقيقة فهو باطل .

2- وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة للواقع والحقيقة من بعض الوجوه ، ومخالفة من بعض الوجوه ، فيكون فيها من الحق على مقدار المطابقة ، ومن الباطل على مقدار المخالفة .

3- وقد تكون الصورة الذهنية أو القولية مطابقة لبعض الواقع والحقيقة فقط ، دون أن يكون فيها مخالفة ما ، ولم يقترن بها ادعاء المطابقة لكامل الواقع والحقيقة ، فهي إذن المعرفة الناقصة مع كونها حقاً .

هذا هو الأساس الأول للمعرفة في الفكر الإسلامي ، ثمّ تأتي وراءه قاعدة كلية ، وهي : أن كل وسيلة صحيحة تعطينا صورة صادقة عن الواقع والحقيقة هي وسيلة يجب الاعتماد عليها والثقة بها في تحصيل المعرفة .

والمرجع الأول والأخير دائماً هو الواقع ، وبالواقع تقاس النتائج ، فإن اكتشفنا ولو بعد حين أن الواقع كان على خلاف ما تصورنا صححنا مفاهيمنا حتى تكون مطابقة له .

على هذا الأساس الأول وهذه القاعدة الكلية قام بناء الفكر الإسلامي ، المقرر والمعتمد من كتاب الله عزّ وجلّ وسنة رسوله المجتبى (ص) .

الوسائل :

أما وسائل المعرفة التي يجب اعتمادها في الفكر الإسلامي فتتلخص بثلاث وسائل ، وهي الوسائل التالية :

الوسيلة الأولى : المعرفة المباشرة ، وتكون بالإدراك الحسي ، ولو عن طريق الأجهزة والأدوات .

الوسيلة الثانية : الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الاستنتاجية والاستنباطية الصحيحة ، والمؤيدة بالحجج البرهانية أو المقبولة .

الوسيلة الثالثة : الخبر الصادق ، ومن الخبر الصادق الوحي الذي يتلقاه نبيٌّ من أنبياء الله مؤيد من الله بالمعجزات الباهرات ، ومن الخبر الصادق قطعاً ما يبلغه عن الوحي هذا النبي .

ويعترضنا هنا سؤال ، وهو :

إذا كان الهدف الأول والأساسي هو أن تكون المعرفة مطابقة للواقع والحقيقة ، فماذا نصنع حينما تختلف نتائج وسائل المعرفة حول موضوع واحد ، أو حول نقطة أو جزء من موضوع من موضوعات المعرفة ؟.

• هل نعتمد وسيلة الإدراك الحسي ونطرح ما عداها ؟.
• أو نعتمد وسيلة الاستنتاج والاستدلال العقلي؟.
• أو نعتمد وسيلة الخبر الصحيح الصادق؟.
• أو ماذا نصنع؟؟.

وبالدقة العلمية يمكن الإجابة على هذا السؤال بما يلي :

حينما يكون دليل وسيلة من هذه الوسائل هو الدليل الأقوى في الموضوع الذي هو مجال البحث ، فإنه يجب اعتماده وترجيحه ، حتى يأتي ما يزيد عليه قوة ورجحانا .

فإذا كان دليل الحس قائماً على مشاهدةٍ صحيحةٍ يقينيةٍ خالية من احتمال الخطأ ، يتوافق الحس في إدراكها ، كان دليل الحس هو الذي ينبغي اعتماده .

ومن ثَمَّ يُعادُ النظر في دليل الاستدلال العقلي ، إذا كان الخلاف معه . أو يُعاد النظر في دليل الخبر الصادق إذا كان الخلاف معه .

وإعادة النظر في دليل الخبر الصادق ، قد لا تحتاج أكثر من تصحيح فهم النص ، والنظر في فهمه ضمن قواعد فهم النصوص بما يتفق مع النتائج اليقينية التي قدمها دليل الحس .

وذلك لأن الغاية من استخدام وسائل المعرفة إنما هو الوصول إلى معرفة مطابقة للواقع ، وليس من الممكن أن يتناقض الواقع مع نفسه .

وحينما يظهر خلاف أو تناقض في النتائج التي قدمتها الوسائل ، فلا بُدّ أن خطأً قد دخل حتماً في بعضها أو في كلها ، وعندئذ لا مناص من مراجعة الأدلة والتمحيص فيها ، وإعادة النظر وزيادة التحري عن الحقيقة لاكتشاف مواقع الخطأ والخلل . وتظل المراجعة مفتوحة حتى يتم اكتشاف المخطئ منها ، ثمّ ما يُثبِت منها الواقع والحقيقة بصفةٍ يقينية يكون هو الجدير بالاعتماد ، ثُم يعاد النظر في غيره حتى نصححه وننتهي إلى التوافق التام في النتائج ، فمن المستحيل في منطق الوجود أن تتناقض الأدلة اليقينية في معطياتها العملية ، وحينما نجد التناقض في هذه المعطيات فلا بد من وجود خلل أو خطأ في بعض الأدلة أو في كلها .

وتخضع النصوص الدينية لحكم هذا المنهج العلمي ، لأن الحقيقة الواقعة في الوجود هي من خلق الله عزّ وجلّ ، والله محيط بكل شيءٍ علماً ، وحينما يخبرنا عن شيءٍ منها فلا بد أن يكون خبره مطابقاً لما عليه في الواقع ، لأنه يستحيل الجهل أو الكذب عليه سبحانه وتعالى.

والمشكلة قد تأتي-كما سبق إيضاحه- من الخطأ في فهم النص الديني الثابت ، وفهم النص الديني عمل اجتهادي إنساني ، وهذا الفهم الإنساني للنص قد يصيب وقد يخطئ ، فإذا أخطأ الاجتهاد في الفهم فليس معنى خطئه أن النص هو المخطئ ، ولكن المخطئ هو الإنسان غير المعصوم ، الذي اجتهد في فهم معنى النص ، وفي هذه الحالة علينا أن نراجع فهمنا للنص ، ونعيد تدبرنا له ، حتى نصل إلى المعنى اليقيني الذي تم الوصول إليه بيقين عن طريق الإدراك الحسي أو الاستدلال العقلي .

ولا يكون التعصب للاجتهاد الذي أخطأ فيه صاحبه إلا خدمة للذين يحاولون بكل ما يستطيعون من جهد أن يثبتوا التناقض بين ما يأتي به الدين ، وبين الحقائق التي تأتي بها الوسائل الإنسانية للبحث العلمي ، لطعن الدين من أساسه ، ونسف قواعده القائمة على الحق ، وإشاعة الإلحاد ، والمادية التي لا تؤمن بالله .

وقد تأتي المشكلة أيضاً من كون النص الديني نصاً غير ثابت ثبوتاً قطعياً ، إذ لم تتوافر له الروايات الصحيحة التي تجعله قطعي الثبوت ، وبدهيٌّ في هذه الحالة أن يكون الدليل الحسيُّ اليقيني ، أو الدليل العقلي اليقيني ، أقوى من دليل الخبر الظني الذي لم يبلغ مبلغ القطعية ، فإن أمكن فهم النص ولو تأويلاً بما يتفق مع النتائج اليقينية للأدلة الأخرى فعلنا . وإلا أخذنا بالنتائج اليقينية حتماً ، وتركنا النص ودلالته ، ولا يضرُّنا هذا في الدين شيئاً ، لأن قبولنا له من الأساس وهو خبر ظنيٌّ لا قطعيٌّ قد كان بصفة ترجيحية ، لا بصفة قطعية .

فإذا سأل سائل فقال : هل لنا أن نؤوّل النصوص الدينية أو نخصصها بدليل الحس أو بدليل العقل حتى تكون دلالتها مطابقة للواقع والحقيقة ؟.

كان جوابنا بالإيجاب حتماً ، وبأن هذا العمل من القواعد المقررة في علوم الشريعة الإسلامية ، كما سبق بيانه .

يقول علماء أصول الفقه في أبواب تخصيص العام : " لا خلاف في جواز تخصيص العموم ".

ويقررون في أبواب تأويل الظاهر : "أنه يجوز التأويل متى كان دليله أرجح من دليل العمل بالظاهر ، ويجب التأويل متى كان دليله دليلاً قاطعاً لا يجوز العدول عنه" .

ويذكرون من أدلة تخصيص العموم : "دليل الحس ، ودليل العقل" .

ونظير ذلك يكون في تأويل الظاهر ، فيتمُّ التأويل بناءً على دليل الحس أو دليل العقل .

تحذير من الجنوح أو الإسراف لدى تطبيق هذا المنهج :

هذا هو منهجنا الإسلامي فيما يتعلق بالنصوص الدينية ودلالاتها على حقائق الأشياء .

ولكن يجب الحذر الشديد لدى تطبيق هذا المنهج ، حتى لا يدخل علينا الدس الماكر باسم الحقائق العلمية التي توصّلت إليها نتائج البحث العلمي بالوسائل الإنسانية البحتة .

فكثيرٌ من النتائج التي تُقرر على أنها حقائق علمية عند أصحاب البحث العلمي المادي لا تعدو أنها فرضيات ، أو نظريات قابلة للتعديل أو التغيير أو النقض الكلي ، وليست حقائق علمية عند أصحابها ، أو لدى النقاد من أئمة البحث العلمي المتجرد النزيه .

بَيْدَ أن أصحاب الأهواء ، أو صغار المثقفين الذين لا يقدرون المعارف العلمية حق قدرها ، وينخدعون بدعايات الترويج التجاري أو السياسي للفرضيات أو النظريات العلمية ، قد يزعمون أنها حقائق ويقينيات علمية ، وليست هي في الواقع كذلك ، ثمّ يحملونها حمل الببغاوات ، أو حَمْلَ الأجراء ، ثمّ يقولون : إن بين الحقائق العلمية وبين النصوص الدينية تناقضاً ، ويقصدون بالحقائق العلمية هذه الفرضيات ، أو النظريات التي لم تثبت بعدُ في نظر واضعيها أو المعتقدين بها ثبوتاً يقينياً أو نهائياً ، فضلاً عن أن تكون يقينيات في نظر غيرهم من المعارضين أو الناقدين الحياديين .

وأمام هذه الفرضيات أو النظريات ، لا نجد أنفسنا ملزمين علمياً بتحديد معاني النصوص الدينية ، التي تتناول الموضوع نفسه ، تحديداً قاطعاً .

والخطة المثلى تسمح لنا بأن نطرح احتمالات دلالاتها طرحاً غير مقترن بترجيح ولا تثبيت .

وحينما نرى أن نرجح والحالة هذه فيجب علينا أن لا نجزم ، وأن نترك الجزم لمستقبل البحث العلمي المتجرد النزيه ، وننتظر إثبات الحقيقة العلمية بوسيلة يقينية ، فالمضمون لا يتعلق به حكم شرعيٌ يجب العمل به ، فلا ضير إذن من التريث والأناة ، هذا إذا لم يكن النص الديني قاطعاً في دلالته ويقيني الثبوت .

أما إذا كان النص الديني قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، أو كان من الأمور المتعلقة بالتشريع والأحكام الدينية ، أو كان مضمونه يتعلق بغيبيات اعتقادية ، لا تملك الوسائل الإنسانية الوصول إليها ، مهما تقدمت هذه الوسائل وتطورت مستقبلاً ، فإنه يجب الأخذ بمضمونه وفق أصول الاجتهاد في فهم النصوص . فاليقيني من كل ذلك نسلم به تسليماً تاماً ، وغير اليقيني نضعه في المستوى الذي تقتضيه قوة ثبوت النص وقوة دلالته ، وفق قواعد فهم النصوص المقررة لدى علماء أصول الفقه واستنباط الأحكام .

خاتمة :

فليس بعد هذا التحليل لموقف العلم الإنساني والدين من الحقيقة ، أن يزعم وجود التناقض بين الإسلام والعلم الإنساني ، في المنهج الذي يجب اعتماده للوصول إلى معرفة الحقائق ، أو في النتائج اليقينية المقطوع بها التي يقررها الدين ، والأخرى التي تنتهي إليها وسائل البحث العلمي الإنساني .

إن أي مضلل لا يستطيع إثبات ادعائه وجود التناقض هذا ، إلا على أساس من المغالطات والأكاذيب وزخرف من القول ، وصناعة الجدال بالباطل.

فمن المستحيل وجود التناقض بين الحقائق التي تأتي عن طريق الدين ، والحقائق التي تأتي عن طريق وسائل المعرفة الإنسانية البحتة .
* * *

قسورة
03-18-2006, 10:04 AM
الفصْل الثاني


مَزاعِمُ المُضلِّين لِهَدْم أسُس الأخلاَق
وأبنيتها وتطبيقاتها في المجتمع

لما كانت الأخلاق في المجتمع الإنساني تمثل معاقد الترابط الاجتماعي بين الناس ، وأسس قوانين العدل الحامية للحقوق بين الناس ، كان من مهام أصحاب المذاهب المعاصرة الرامية إلى تدمير المجتمعات المتماسكة ، بغية السيطرة عليها ، أن يبذلوا ما يستطيعون من جهد ومكر وكيد لتدمير الأخلاق وقوانين العدل المبنية عليها ، في هذه المجتمعات ، من مختلف النواحي الفكرية والنفسية والتطبيقية .

ومن وسائلهم إلى ذلك أمران:

الأمر الأول : توجيه الافتراءات والأكاذيب والشتائم ضد مفاهيم الأخلاق السائدة في المجتمعات ، وضد تطبيقاتها في السلوك .

الأمر الثاني : بث الأفكار والآراء والفلسفات المشحونة بالزيوف والمغالطات ، لزلزلة أسس الأخلاق وقواعدها ، وقوانين العدل المشتقة منها ، أو المنبثقة عنها ، ثمّ نسفها من جذورها.

1- أما الأمر الأول : وهو توجيه الافتراءات والأكاذيب والشتائم ، فأهمُّها ما نجده لدى الشيوعيين ، إذ يتهم أئمتهم الأخلاق والقوانين المنبثقة عنها بأنها أوهام صنعها أصحاب مصالح طبقية ، ليستروا بها مصالحهم ، وبأنها نتاج أوضاع اجتماعية متغيرة ، فهي غير ذات قِيَمٍ حقيقية ، لذلك يجب عدم الاكتراث بها ، بل تجب محاربتها .

2- وأما الأمر الثاني : وهو بث الأفكار والآراء والفلسفات المشحونة بالزيوف والمغالطات ، لنسف الأخلاق والقوانين ، ففيما يلي بيانه وكشف زيوفه .

أخبث ما في هذه الآراء التي روجها الماديون الملحدون وجنودهم ادعاء أن الأخلاق أمور اعتبارية ليس لها قيمُ ذاتية ، فهي لا ثبات لها ، لذلك فهي تختلف من شعب إلى شعب ، ومن أمةٍ إلى أمة ، ومن زمانٍ إلى زمان ، فبعض الأمور تعتبر منافية لمكارم الأخلاق عند شعب آخر ، أو أمةٍ أخرى ، وبعض الأمور كانت في زمانٍ مضى أموراً منافيةً لمكارم الأخلاق ، ثمّ صارت بعد ذلك أموراً غير منافية لها .

قالوا : وهذا يدل على أن الأخلاق مفاهيم اعتبارية تتواضع عليها الأمم والشعوب ، وليس لها ثبات في حقيقتها ، وليس لمقاييسها ثبات .

ويقولون أحياناً : إن الأخلاق أمور نسبية ، ويقصدون بنسبيتها أن العمل الخلقي ق يكون فضيلة إذا فعله فريق من الناس ، فإذا فعله فريق آخر كان رذيلة خلقية ، فهو بالنسبة إلى صدوره من الفريق الأول أمرٌ حسن وخير ، وبالنسبة إلى صدوره من الفريق الثاني أمرٌ قبيح وشر .

ويضربون لذلك أمثلة مشحونة بالزيوف ، ومغلفة من ظاهرها بالمغالطات .

* * *

وحين يتبصر الباحث في أقوال هؤلاء الرامية إلى تدمير أسس الأخلاق ، وأبنيتها ، وتطبيقاتها ، والقوانين والنظم المنبثقة عنها ، يستطيع أن يكتشف عناصر المغالطات التي يلتجئون إليها ، وما في دعاواهم من زيف لا يقبل به العقلاء ، ذوو الإدراك السليم والانصياع للحق .

ومغالطتهم في هذا الموضوع ترجع إلى عدة أمور ، أهمُّها :

* مدُّ عُنوان الأخلاق مداً يشمل التقاليد والعادات والآداب ، وبعض الأحكام الدينية التي لا علاقة لها بموضوع الأخلاق من حيث ذاتها .
* مفاهيم بعض الناس للأخلاق ولأسسها ، مع أنها مفاهيم غير صحيحة .

* اضطراب الفكر الفلسفي في تحديد المبادئ التي يرجع إليها الأخلاق ، كالقوة ، والمنفعة ، واللذة ، وغيرها .

ومن التعميم الفاسد الذي يطلقونه ويقررونه ، ومن مفاهيم بعض الناس غير الصحيحة للأخلاق ، ومن اضطراب الفكر الفلسفي في تحديده للمبادئ التي ترجع إليها الأخلاق ، يجد المضلون أمامهم مجالاً مُهَيّأً لاستغلال أمثلة تدخل في هذه الأُطر العامة الموسّعة بالباطل ، وهذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل ، ولا تظهر فيها قِيمٌ خلقية ثابتة ، لأنها في الحقيقة ليست من الأخلاق ، وإنما دُسَّت في الأخلاق تزييفاً لنقض الأخلاق بها .

واللعبة تتم على الوجه التالي :

• هذه أمثلة من مفردات الأخلاق التي يؤمن بها الأخلاقيون .
• هذه الأمثلة تخضع للتغيّر والتبدّل ، فليس لها قيم ثابتة .
• إذن فالأخلاق كلها أمور ذات مفاهيم متغيرة متبدلة .
• إذن فالأخلاق كلها ليس لها قيم ثابتة .
• إذن فالأخلاق أمور اعتبارية ، أو نسبية .

وبلعبة المغالطة هذه يسهل على مدمري الأخلاق في المجتمعات الإنسانية ، إفساد الأجيال ، حتى تتمرد على جميع الضوابط الخلقية ، التي تُمثّل في الأمم قوى مترابطة وتماسكها ، وعناصر الدفع لارتقائها الإنساني ، وشروط المحافظة على أمجادها الموروثة والمتجددة بأعمالها .
* * *

شرح وتحليل :

منشأ المشكلة يرجع إلى الخطأ في تحديد مفهوم الأخلاق ، وتحديد دوافعها وغاياتها ، وتحديد مستوياتها ، من قِبَل كثير من الناس ، وفيهم كثير من الباحثين في علم الأخلاق ، من فلاسفة ومفكرين .

وهذا هو الذي يفتح الثغرة الفكرية التي يعبُر منها الخبثاء الماكرون ، ليهدموا الأبنية الأخلاقية الحصينة التي تتمتع بها الشعوب العريقة بأمجادها ، لا سيما المسلمون الذين سبق أن رفعتهم الأخلاق العظيمة إلى قمة مجد لم يطاولهم فيها أحد .

وحين يتبصر الباحث بالأسس الأخلاقية ، التي تم فيها تحديد مستوياتها ، وفق المفاهيم المقتبسة من التعاليم الإسلامية ، يتبين له بوضوح تساقط أقوال الذين يزعمون أن الأخلاق اعتبارية أو نسبية ، وأنها من الأمور التي تتواضع عليها الأمم ، وأنها ليست ذات قيم حقيقية ، أو حقائق ثابتة .

فالباحث المتحري للحقيقة يستطيع أن يكتشف بسرعة عناصر المغالطة التي يصطنعها هؤلاء المضللون ، إذ يأتون بأمثلة جزئية يزعمون أنها من الأخلاق ، ثمّ يثبتون أنها أمور اعتبارية أو نسبية تتواضع عليها الأمم ، وليس لها حقائق ثابتة في ذاتها ، ثمّ ينقضون بها ثبات الأخلاق نقضاً كلياً ، بطريقة تعميمية لا يقبل بها العلم ، حتى على افتراض أن هذه الأمثلة هي من الأخلاق فعلاً ، لأنه لا يجوز علميّاً الحكمُ على النوع كله من خلال الحكم على بعض أفراه ، ما لم يثبت أن سائر الأفراد مشتركة بمثل الصفة التي كانت علة صدور الحكم على بعض الأفراد .

إن مغالطتهم هذه تشبه مغالطة من يأتي بمجموعة من القرود ، ويلبسها لباس بني آدم ، ويدخلها بين مجموعاتهم ثمّ يقول : إن الناس جميعهم لهم صفات القرود ، بدليل أن هذا الإنسان – ويشير إلى بعض قروده – له صفات القرود ، بدليل أن هذا الإنسان – ويشير إلى فرد آخر من هذه المجموعة المزيفة- له صفات القرود . وهكذا يأتي بأمثلة متعددة من هذا العنصر الدخيل ، ثمّ يصدر حكمه التعميمي في مغالطة أخرى ، فيقول : ومن هذا يتبين لنا أن جميع الناس لهم صفات القرود .

إن هذه العملية قد تضمنت مغالطة مركبة تمت على مرحلتين :
المرحلة الأولى : إدخال عنصر ليس من البشر تحت عنوان البشر .
المرحلة الثانية : تعميم الحكم الذي يَصدر على هذا العنصر الدخيل ، وجعله شاملاً للناس جميعاً .

وهذا مثال مطابق تماماً لمغالطتهم في موضوع الأخلاق ، فهي أيضاً تشتمل على إدخال ما ليس من أفراد الأخلاق تحت عنوان الأخلاق ، ثمّ تعميمهم حكمهم على هذه الأفراد الدخيلة ، وجعله شاملاً لجميع أفراد الأخلاق الحقيقية .

نماذج من الأمثلة التي يدخلونها في الأخلاق وهي ليست منها :

فمن الأمثلة الجزئية التي يدخلونها في الأخلاق وليست منها ، وغرضهم من ذلك التمهيد لنقض الأخلاق بها ، ما يلي :

1- يقولون : إن أكل لحم الميتة أمر لا يعتبر منافياً للأخلاق عند بعض القبائل ، بينما يعتبر منافياً للأخلاق عند الذين لا يأكلون لحم الميتة ، حتى حين تأكل بعض القبائل موتاها من الناس فإن لها في ذلك مبرراتها الاقتصادية ، إذ ترى أن انتفاعها بلحوم موتاها خير من تركها للدود ، وخير من دفنها في التراب ، وتركها تتعفن وتتفسخ وتتحلل .

وهذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية ، وليس لها قيم حقيقية ثابتة ، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان ، ومن أمة إلى أمة .

2- ويقولون : إن بعض الأمم تحرم شرب بعض أنواع من الأشربة ، كالخمور ، وتعتبر شربها عملاً منافياً للأخلاق ، بينما ترى أمم أخرى أنه لا شيء في شربها .

3- ويقولون : إن بروز المرأة بزينتها ، وتعريها من ثيابها ، وعرضها مفاتنها للرجال الأجانب ، أمرٌ لا يعتبر منافياً للأخلاق عند كثير من الشعوب ، بينما يعتبر عند شعوب أخرى من الرذائل الخلقية .

ويأتون بمثال تعدد الزوجات وإباحته عند أمة وتحريمه عند أمة أخرى .

4- ويقولون : إن دعم مراعاة الأنظمة المتبعة في الطعام والشراب واللباس عند بعض الأمم ، يعتبر من الأمور المستنكرة جداً ، والمنافية للأخلاق ، بينما ترى أمم أخرى خلاف ذلك ، إذ ترى أن ترك الإنسان حراً يتصرف كما يحلو له في طعامه وشرابه ولباسه هو الفضيلة الخلقية .

ويأتون بأمثلة الطقوس في البلاد الأقيانوسية ، ومنها تحريمهم الطعام تحت سقف ، والمكث في المسكن إذا كان الإنسان مريضاً ، وتحريمهم استعمال الأيدي في تناول الطعام بعد فراغ الإنسان من حلق شعره ، أو بعد فراغه من صنع زورق ، وهكذا يوردون أمثلة هي من العادات والتقاليد الاجتماعية ، أو من الظواهر الجمالية ، أو من الأحكام الدينية لدين صحيح أو لدين وضعي من وضع البشر .

قالوا : وكل هذا يدل على أن الأخلاق أمور اعتبارية ونسبية ، وليست لها قيم حقيقية مطلقة ثابتة ، وهي قابلة للتغير والتبدل من زمان إلى زمان ، ومن مكان إلى مكان ، ومن بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى ، ومن أمة إلى أمة أخرى .

وحين يورد المضلون مثل هذه الأمثلة الجزئية ، لا يعرجون على أخلاق الصدق ، والعدل ، والأمانة ، والوفاء بالعهد والوعد ، والكرم ، والشجاعة وأمثالها ، ولا يذكرون الرذائل الخلقية المضادة لها ، كالكذب ، والجور ، والظلم ، والخيانة ، والغدر ، والشح ، والجبن في المواطن التي تحسن فيها الشجاعة ، وأمثالها .

المناقشة :

لدى تحليل الأمثلة التي يذكرونها لنقض الأخلاق بها ، يلاحظ الباحث الفاحص أنها ليست في الحقيقة من فروع الأخلاق ، وإنما ترجع إلى أصول أخرى .

فالمنع من أكل لحم الميتة مثلاً ، أو شرب الخمور يرجع إلى أنه حكم دينيٌّ ، لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا ، وهو من ناحية أخرى حكم تقتضيه موجبات الحماية الصحية .

فإدخاله في الأخلاق ، وإرجاعه إلى أصولها ، واعتباره من مفرداتها ، غلطٌ فكري ، أو مغالطة وتزييف .

وحجاب المرأة وإلزامها بالحشمة ، وعدم عرض زينتها ومفاتن جسمها للرجال الأجانب ، حكم ديني لابتلاء إرادة الإنسان في الحياة الدنيا ، وهو أيضاً أمر اقتضته قاعدة سد الذرائع ، فهو يساعد على درء الفتنة ، وحماية المجتمع من أن تنتشر فيه الفاحشة ، التي يتولد عن انتشارها اختلاط الأنساب ، وتفكك الأسر ، وانهيار المجتمعات .

فإدخال هذا الموضوع في الأخلاق ، وإرجاعه إلى أصولها ، واعتباره من مفرداتها ، غلطٌ فكري ، أو مغالطة وتزييف .

وتتعدد الزوجات حكم ديني روعيت فيه مصالح إنسانية لا دخل له في الأخلاق .

ومراعاة الأنظمة المتبعة عند بعض الأمم في الطعام والشراب واللباس ، أمرٌ من الآداب الجمالية الحضارية لديهم ، وليس فرعاً من فروع الأخلاق .

فإدخاله في الأخلاق ، وإرجاعه إلى أصولها ، واعتباره من مفرداتها ، غلط فكري ، أو مغالطة وتزييف .

أليس عجيباً أن يدخلوا مثل هذه الأمثلة في باب الأخلاق مع أنها في جوهرها من أبواب غير باب الأخلاق ، فهي إما أحكام دينية ،أو طقوس وعادات وتقاليد؟! وإدخالها في باب الأخلاق مغالطة .

ولستر مغالطتهم التي يدخلون بها في الأخلاق ما ليس منها ، تمهيداً لنسف الأخلاق من جذورها ، يعتمدون على مفاهيم بعض الناس الخاطئة للأخلاق ، إذ يعتبرون أن هذه المفاهيم جزء من حقيقة الأخلاق .

مع أن مفاهيم الناس قد تصدق وقد تكذب ، فهي لا تمثل جزءاً من حقيقة الشيء الذي هو موضوع البحث ، وإنما تمثل مقدار إدراك أصحابها لحقيقة الشيء ، وهذا الإدراك قد يكون مطابقاً لحقيقة الشيء ، وقد يكون مخالفاً لها ، وقد يكون كاملاً وقد يكون ناقصاً ، وهو لا يؤثر بحالٍ من الأحوال على حقيقة الشيء .

لقد كان للفلاسفة القدماء مفاهيم عن السماء ، وهذه المفاهيم مخالفة لواقع حال السماء ، ومع ذلك فإن أي ذي عقل سليم لا يقبل اعتبار هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة السماء .

وللناس مفاهيم كثيرة باطلة عن الخالق ، ولا يجوز مطلقاً أن تكون هذه المفاهيم جزءاً من حقيقة الخالق .

وينكر كروية الأرض منكرون ، ولكن مفاهيمهم هذه لا يمكن أن تجعل الأرض في واقع حالها غير كروية .

على مثل هذا الغلط الفكري يدخل كثير من الناس في الأخلاق ما هو ليس من الأخلاق ، كتقاليد ، وعادات ، وأحكام وضعية ، ليس لها أسس ولا جذور تجعلها نابعة من الأسس الخلقية ، أو منبثقة عنها .

كذلك يجحد كثير من الناس بعض ما هو من الأخلاق فعلاً ، فيزعم أنه لا داعي للتقيد بقواعد الأخلاق فيها .

فهل يؤثر هؤلاء أو هؤلاء على الحقيقة المطلقة للأخلاق ؟!.

إن مفاهيم الناس ليست هي التي تصنع الحقائق ، بل وظيفتها أن تعمل على إدراك الحقائق ، حتى تكون صورة الحقائق فيها مطابقة لما هي عليه في الواقع .

وما قيمة مفاهيم الناس حول حقيقة من الحقائق ، ولنفرض أن بعض الناس استحسنوا رذائل الأخلاق ، ولم يجدوا أي رادع من ضمائرهم يردعهم عنها ، فمارسوا الظلم بمثل الجرأة التي يمارسون بها العدل ، ومارسوا الخيانة بمثل الجرأة التي يمارسونها بها الأمانة ، ومارسوا قسوة القلب بمثل الجرأة التي يمارسون بها الشفقة والرمة ، ومارسوا الكذب الضار بمثل الجرأة التي يمارسون بها الصدق النافع ، أفيغير ذلك واقع حال الرذائل فيجعلها من قبيل الفضائل؟!.

كم نشاهد من شعوب تألف القذارات ، وتعيش فيها ، ولا تشعر بأنها تعمل عملاً غير مستحسن أو غير جميل ، فهل تغير مفاهيمهم من واقع حال القذارة القبيح شيئاً؟!.

إن فساد مفاهيم الناس حول حقيقة من حقائق المعرفة لا يغير من واقع حال هذه الحقيقة شيئاً ، وجميع حقائق المعرفة تتعرض لمشكلة فساد مفاهيم الناس عنها ، وفساد تصور الناس لها .

ويوجد سبب آخر للخطأ الذي يقع فيه الباحثون في علم الأخلاق ، هو اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط ، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق ، ونسبوا إلى هذا المقياس العصمة عن الخطأ مع أنه مقياس غير كافٍ وحده ، فقد يخطئ ، وقد يُصابُ عند بعض الناس بعلةٍ من العلل المرَضِيَّة ، فيعشى أو يعمى ، أو تختلُّ عنده الرؤية ، فيصدّر أحكاماً فاسدة .

* * *

تلخيص لأسباب الغلط أو المغالطة :

مما سبق يتضح أن أسباب الغلط أو المغالطة عند القائلين بأن الأخلاق اعتبارية أو نسبية ، وليس لها ثبات ولا قيمٌ حقيقية مطلقة ، ترجع إلى ثلاثة أمور :

الأمر الأول : تعميم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني ، فلم يميّزوا الظواهر الخلقية ، عن الظواهر الجمالية والأدبية ، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية ، وعن التعاليم والأحكام المدنية أو الدينية البحتة ، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق ، فأفضى ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر ، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية أو نسبية .

الأمر الثاني : أنهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي ، مع أن في كثير من هذه المفاهيم أخطاءً فادحة ، وفساداً كبيراً ، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها ، ويرجع أيضاً إلى أمور أخرى غير ذلك .

والتحري العلمي يطالب الباحثين بأن يتتبعوا جوهر الحقيقة ، حيث توجد الحقيقة ، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها ، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون , وينكرها منكرون ، ويتشكك فيها متشككون ، ويتلاعب بها متلاعبون ، ومع ذلك تبقى على ثباتها ، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها .

الأمر الثالث : اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط ، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق ، مع أن هذه عرضة للصواب والخطأ ، كما سبق بيان ذلك .
* * *

تلخيص طريقة دُهاة التضليل لهدم الأخلاق :

ويمكن تلخيص طريقة دُهاة التضليل لهدم الأبنية الأخلاقية ، والقوانين والأنظمة المنبثقة عنها بالوسائل الأربعة التالية :

الوسيلة الأولى : إقناع الأجيال بأن الأخلاق أمور اعتبارية ، ونسبية ، وهي متغيرة متبدلة ، ولا ثبات لها ، وليس لها حقائق مطلقة لا تتغير .

الوسيلة الثانية : أن يستغلوا بخبث بعض الآراء والأفكار الفلسفية ، التي من شأنها تقليل قيمة الأخلاق في نفوس الناس ، إذ تقيمها على أسس واهنة ضعيفة ، أو على شفا جرف هار .

ومتى قامت في نفوس الناس على مثل ذلك تداعت الأبنية الأخلاقية التقليدية ، ثمّ انهارت ، وحلت محلها أنانيات فوضوية ، تعتمد على القوة والحيلة ، والإباحية المطلقة لكل شيء مستطاع ، فلا خير إلا ما تدعمه القوة ، ولا شر إلا ما تضعف القوة عن تحقيقه .

الوسيلة الثالثة : أن يلفقوا من عند أنفسهم آراءً وأفكاراً فلسفية ، يطلقون عليها اسم "نظريات" تزييفاً للحقيقة ، ثمّ يخدعون بها الناس ، لا سيما الناشئون منهم ، ويستغلون فيهم رغبات المراهقة بالتمرد على الحق والواجب ، تطلعاً لمجد موهوم .

وقد تطول فترة المراهقة عند بعض الناشئين ، حتى تكستح عمر الشباب منهم ، وجزءاً من عمر الكهولة ، وسبب ذلك الاستسلام التام لعواصف طور المراهقة ، ووجود المغذيات الشيطانية الخبيثة ، وضعف التربية الإسلامية ، أو انعدامها .

ومتى وجدت هذه الظروف المواتية لنمو الشر ، فليس من البعيد أن يصير الإنسان شيخاً في سنة وجسمه ، ويبقى مراهقاً في علقه ونفسه .

الوسيلة الرابعة : اتخاذ الوسائل العملية التطبيقية لإفساد أخلاق الأمم ، وأهمها الغمس في بيئات موبوءة بالأخلاق الفاسدة ، حتى تكون الانحرافات عادات مستطابات .
* * *

نظرة حول المفاهيم الإسلامية :

لقد ميزت المفاهيم الإسلامية الأخلاق عما سواها ، وميزت السلوك الأخلاقي عن سائر أنواع السلوك الإنساني ، فلم تعمم تعميماً فاسداً ، ولم تدخل في مفردات الأخلاق ما ليس منها .

وهي أيضاً لم تعتمد على مفاهيم الناس المختلفة ، ولم تتخذها مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي.
وأما العقل والضمير فإن المفاهيم الإسلامية لم تُهْمِلْهما ، وإنما قرنتهما بعاصم يردها إلى الصواب ، كلما أخطأ سبيل الحق والهداية والرشاد ، وهذا العاصم هو الوحي الذي نزل بدين الله لعباده ، وشرائعه لخلقه ، وتعاليمه التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، لأنها تنزيل من عزيز حكيم ، وقد بلغها رسله ، أما صورتها المثلى المحفوظة من التغيير فهي ما ثبت في نصوص الشريعة الإسلامية ، المنزلة على رسول الله صلوات الله وسلاماته عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .

فمن تبصّر بالأصول العامة للأخلاق في المفاهيم الإسلامية ، وتبصّر بأن الأخلاق الإسلامية مقترنة بالوصايا والأوامر والنواهي الربانية ، وتبصّر بأن هذه الوصايا والأوامر والنواهي محفوفة بقانون الجزاء الإلهي بالثواب أو بالعقاب ، فإنه لا بد أن يظهر له بجلاء أن الأخلاق الإسلامية هي حقائق في ذاتها ، وهي ثابتة ما دام نظام الكون ، ونظام الحياة ، ونظام الخير والشر ، أموراً مستمرّة ثابتة ، وهي ضمن المفاهيم الإسلامية الصحيحة غير قابلة للتغير أو التبدل من شعب إلى شعب ، ومن أمة إلى أمة ، ومن زمان إلى زمان .

أما الأمة الإسلامية فهي أمة واحدة ، وهي لا تتواضع فيما بينها على مفاهيم تخالف المفاهيم التي بينها الإسلام ، والتي أوضحها في شرائعه ووصاياه .

وإذا رجعنا إلى مفردات الأخلاق الإسلامية ، وجدنا أن كل واحدة منها – ضمن شروطها وقيودها وضوابطها – ذات حقيقة ثابتة ، وهي غير قابلة في المنطق السليم للتحول من حسن إلى قبيح ، أو من قبيح إلى حسن . إن حسنها حسنٌ في كل زمان ، وقبيحها قبيح في كل زمان ، ولا يؤثر على حقيقتها أن تتواضع بعض الأمم على تقبيح الحسن منها ، أو تحسين القبيح ، تأثراً بالأهواء ، أو بالشهوات ، أو بالتقاليد العمياء .

إن الإسلام يقرر مثلاً أن حب الحق وكراهية الباطل فضيلة خلقية ، ويقرر أن كراهية الحق وحب الباطل رذيلة خلقية ، فهل يشك إنسانٌ سويٌّ عاقل في أن هذه الحقيقة حقيقة ثابتة غير قابلة للتحول ولا للتغير ، وإن تواضع على خلافها جماعة ذات أهواء؟!.

وهكذا سائر الأمثلة الأخلاقية الإسلامية .
* * *

تطلع عقلاء الغرب إلى الأمة الإسلامية لحل مشكلة إشراف العالم على الانهيار :

أصبح الكثير من عقلاء الغرب ومفكريهم يرددون عبارات تطلعهم إلى الأمة الإسلامية التي تملك ميراثاً فكرياً خلقياً عظيماً ، وبقايا تطبيقات له ، لحل مشكلة الانهيار الأخلاقي السائد في الغرب ، والذي أمسى يشمل مختلف نواحي الحياة المعاصرة ، ويهدد بأخطار فادحة جداً .

ومن ذلك ما صرح به الدكتور "شون ماكبرايد" الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة (1974م) . وجائزة لينين للسلام سنة (1977م) . والمدالية الأمريكية للعدالة سنة (1978م) وجائزة داغ همرشولد سنة (1980م) . وهو رئيس مكتب حركة السلام في جنيف . وعضو مؤسس لمجموعة العفو الدولية . وهو وزير خارجية سابق في بلده "إيرلندا" . وقد عمل مساعداً للسكرتير العام للأمم المتحدة ...

فقد جاء في تصريحه لمندوب جريدة الشرق الأوسط المنشور بعددها الصادر في (17-4-1984م) ما يلي :

1- يعتقد "ماكبرايد" أن كمية العنف والمشاكل المتنامية في العالم حالياً ، والتي يقابلها فقر كامل في توفير الحلول المناسبة ، إنما ترجع إلى أسباب عديدة ، في رأسها الانهيار التام في المسؤوليات الأخلاقية من جانب الحكومات ، فقضايا محاكمات رؤساء الجمهوريات ورؤساء الدول بسبب الرشاوى والفساد أصبحت شيئاً عادياً .

وهذا الاتجاه في الانهيار والذي بدأ منذ الحرب العالمية الثانية ، قد جاء في وقت غير ملائم ، وذلك لأن الإنسان في هذه الفترة قد توصل إلى اختراع أسلحة يمكنها أن تبيد كل الجنس البشري .

وساهم في الوصول إلى هذا الوضع التشجيع المعلن والخفي من جانب المجمع الصناعي والعسكري القوي والمؤثر لاستمرار الأزمات والحروب ، وذلك حتى يتمكن من تسويق الأسلحة التي ينتجها ، ويجني مزيداً من الثروة ، حتى أنَّ ما ينفق على الأسلحة في العالم الثالث أكثر مما ينفق على شراء القمح .

2- ويرى أيضاً أن السبب الأساسي للانهيار الكبير في المسؤولية الأخلاقية ، يعود إلى التطور المذهل ، والسريع ، والمتلاحق ، في مجال العلوم التطبيقية ، الذي لم يواكبه تطور مماثل في مجال العلوم الإنسانية .

فبسبب هذا التطور المادي السريع تزداد الحاجة إلى معادل أخلاقي مماثل ، ففي الوقت الذي توصَّل فيه الإنسان إلى اختراع أسلحة نووية ، يمكنها إبادة الحياة على هذا الكوكب ، يتطلب الأمر أن ترتفع المسؤولية الأخلاقية بمثل هذا المستوى ، لكن هذا غير حاصل .

ففي الغرب عموماً نجد أن المجتمعات الغربية تعيش في مرحلة الحريات لا تحدها أية قيود : فتعاطي المخدرات ، والخمور ، والحرية الجنسية أصبحت أموراً معتادة في الحياة اليومية . وكل ذلك يرجع إلى غياب المعادل الأخلاقي للتطور المادي الذي يعيشه الغرب .

ويرجع هذا بمقدارٍ ما إلى أن المؤسسات الدينية والأخلاقية تأخذ وقتاً أطول في التكيف مع المتغيرات ، ومواكبة الظروف المستجدة .

3- ويقول أيضاً : في الغرب إحساس بالتفوق ، واختصاصيو الكمبيوتر مثلاً يقولون : إنه في غضون عامين مثلاً يمكن إنتاج نوع من الكمبيوتر يتفوق على كل شيء . ومن يسيطر على هذا الكمبيوتر يمكنه أن يكون في موقف أقوى من شخص لا يملكه . ومن هنا يتزايد الإحساس بضرورة وجود المعادل الأخلاقي ، الذي يمكنه ضبط هذا التقدم التكنولوجي .

4- ويخاطب العرب والمسلمين فيقول : أنتم محظوظون في هذا الجزء من العالم ، لأن الإسلام والقيم الأخلاقية لا زالت ضاربة جذورها في مجتمعاتكم ، ولهذا فأنتم تواجهون تحديين :
* حماية قيمكم الدينية والأخلاقية من أن تتأثر بنوع القيم السائدة حالياً في الغرب . وقد نجح الإسلام حتى الآن في تجنب الآثار السلبية للحضارة الغربية. لكن السؤال هو : هل ستتمكنون من الاستمرار في الحفاظ على نقاوة مجتمعاتكم ، في عصر البرامج التلفزيونية ، والتي ستُبَثُّ عبر الأقمار الصناعية؟.

* كذلك هناك السعي إلى بناء الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية في العالم ، ليس عن طريق فرض القيم الإسلامية ، وإنما بإعطاء المثل الخير ، وفتح الطريق أمام شباب العالم الحائر .

هذا ما صرح به "شون ماكبرايد" فهل نقوم نحن المسلمين بتحمّل مسؤولياتنا تجاه العالم ، فنعلم الناس الإسلام ، ومكارم الأخلاق فيه بتقديم القدوة الحسنة ، والمثل الخيّر؟ ولا نستورد الانحلال الخلقي الذي استشرى داؤه الشنيع في الغرب .

* * *

ومن المفيد أن أشير إلى أن المفكر الفرنسي "رجاء جارودي" روجيه جاردوي سابقاً الذي كان شيوعياً ومن الله عليه بالهداية ، أصبح يعلن في مقالاته ومحاضراته أن الحضارة الغربية في أزمة خطيرة ، وأن المنهج الأمريكي والمنهج السوفياتي قد أثبتا فشلهما ، وأن العالم يسوده الآن الخوف على استمراره وبقائه ، وأن الإسلام هو الأمل الوحيد لإنقاذ العالم .
* * *

قسورة
03-18-2006, 10:07 AM
البَاب الثَالثْ

خِدَاع الشِّعَارَات
التي يتولد عنها في الرأي العام مسلمات خاطئات
وموقف الإسلام من كلٍّ منها

وفيه مقدمة وخمسة فصول :

1- المقدمة : حول خطة المضلين في استغلال ألفاظ عامة فضفاضة .

2- الفصل الأول : الحريّة .

3- الفصل الثاني : المساواة .

4- الفصل الثالث : التقدمية والرجعية .

5- الفصل الرابع : الاشتراكية .

6- الفصل الخامس : الوطنية ، والقومية ، والإنسانية .



المقدمة

حول خطة المضلين في استغلال ألفاظ عامة فضفاضة

من أخطر وسائل التجهيل المعار تعمُّد الغموض في المعاني ، ودلالات الألفاظ المستخدمة في أساليب التعبير ، وتعمّد جعلها رجراجة مائعة قابلة للتغير والتبدل والانسياح والزحف ، ثمّ استغلال ذلك بمكر عند الرغبة بالتضليل .

بخلاف منهج الإسلام القائم على تحديد المعاني ، وتحديد دلالات المصطلحات ، وضبط التعريفات ضبطاً تاماً ، حتى لا يدخل في المعرّف ما ليس منه ، ولا يخرج منه ما هو منه ، ويشترط علماء المسلمين في التعريف أن يكون جامعاً مانعاً ، أي : جامعاً لكل عناصر المعرّف داخل التعريف ، مانعاً من دخول ما ليس منه فيه .

يستغل المضللون – عن طريق لعبة ذكاء شيطاني فيه مكرٌ كُبَّار – ألفاظاً عامةً فضفاضة ، قابلة للمط والاتساع ، حتى استيعاب دلالة كل منها لأمور متخالفةٍ ومتضادةٍ ومتناقضةٍ أحياناً .

ويكون لكلٍّ من هذه الألفاظ جانبٌ ذو مساحة مقبولة معقولة في حكم إيجابي ، من أصل المساحة العامة لدلالته الكلية ، أما ما وراء هذه المساحة فيكون على العكس من ذلك ، إذ قد يكون أمراً مفروضاً غير مقبول ولا معقول ، والأخذ به إيجابياً ضلالةٌ وغيّ ، والحكم المنطقي الملائم له هو الحكم السلبي ، وقد يكون أمراً لم تثبت بعدُ إيجابيته ولا سلبيَّتُه بدليل صحيح .

وتكون الجماهير من الناس في حالة عناء ، أو في حالة رغبةٍ ملحّة ، وهذه الحالة تستدعي المطالبة الشديدة ، أو السعي الحثيث لتحقيق الجانب المقبول المعقول ، الذي يدل عليه اللفظ العام الفضفاض ضمن دلالته العامة .
وهنا تأتي لعبة المضللين ، فيرددون اللفظ العام الفضفاض ، ويتخذونه شعاراً براقاً ، ويحاولون تثبيت أنظار الجماهير – وفيهم أهل الفكر والرأي والعلم – ضمن دلالة اللفظ التي تتناول الجانب المقبول المعقول . ويحاولون في الوقت نفسه صرف هذه الأنظار عن دلالته على مساحات أخرى غير مقبولة ولا معقولة ، أو غير مُسَلَّم بها . ويبررون ذلك بالمصلحة الراهنة ، وبأن الظروف الوقتية لا تسمح بمعالجته بفلسفة شاملة ، ومنطقيّة دقيقة .

ويقبل أهل الفكر التعليل المطروح ، والتبرير المزعوم ، على أساس أن القضية هي من قبيل العلاج الوقتي ، الذي يستدعي التغاضيَ وعدمَ التحقيق والتدقيق ، للخلاص من المعاناة القائمة ، أو لتحقيق الرغبة الملحّة .

وينطلق الشعار ، وتردده الجماهير بدون تفكير ، في المناسبات التي تستدعي ترديده وفي غيرها ، ويمر الزمن ، وتنصرف الأفكار الحصيفة عن محاكمة دلالته بمنطقيةٍ وبحث علميٍ ، في كل المساحات الفكرية التي يتناولها .

وهنا يزحف المضللون زحفاً تعميمياً ، فينتقلون من المساحة المقبولة المعقولة ، إلى المساحات الأخرى شيئاً فشيئاً ، بحسب تقبُّل الجماهير لهذا الزحف ، وهَضْمِه وتحوَُلِه من فكر إلى سلوك .

ثمّ يُمْسِي الزحفُ التعميميّ مقبولاً بصفة عامة لدى الجماهير ، وتستشري تطبيقاته في أنواع السلوك ، ويغدو الشعار من المسلَّمات اللاتي لا يجوز أن تناقش ، ومن المبادئ المقررة التي قبلها العلماء والمفكرون من قَبْلُ ، ولم يعترضوا عليها .

وإذْ صار الشعارُ مبدأً مقبولاً يردّده الصغار والكبار ، والجهَّال والعلماء ، والعامة والمفكرون ، فعلى الجميع أن يقبلوا إيجابيته في كل المساحات الفكرية التي يَدُلُّ عليها ، رغم أن البديهة العقلية لدى كل الناس تقرّر سلبيّته حتماً في بعض هذه المساحات ، ولا تُسلّم به في مساحات أخرى ، إذْ لم يقم لديها الدليل على إيجابيته أو سلبيته فيها .

ومن هذه الشعارات كلمات :
( الحرية – المساواة – التقدمية – الرجعية – الاشتراكية – التطوّر الحضاري – الوطنية – القومية – العلمانية - ) إلى غير ذلك من ألفاظ ، وما أكثر الشعارات البراقة المضللة في عالمنا المعاصر .

وفي مقولات تاليات تحليل منطقي علمي لبعض هذه الشعارات الفضفاضة وتعميماتها الباطلة .

* * *


الفصْل الأوّل


الحُـــــريّـــــــة

في ظروف الاستبداد الدكتاتوري الذي كان سائداً في أوروبا قبل الثورة الفرنسية ، وإبّان مصادرةِ حرّيّات الطبقات الضعيفة في المجتمع ، وحريات الأفراد الذين لا يملكون انتزاع حقوقهم في معظم المجتمعات الغربية ، انطلق دعاة الحرية ينادون بها مبدأً إنسانياً ، وأخذت فئات كثيرة تروجها .

واستغلت المنظمات ذات المصالح الخاصة الرامية إلى تقويض النظم الإدارية ، والمؤسسات الدينية ، والنظم الاجتماعية ومؤسساتها ، لتكون لها السيطرة الشاملة بعد ذلك . استغلت شعارَ الحرية ، فوسعت دائرتها شيئاً فشيئاً ، دون أن تشعر الجماهير بمكيدة التوسيع التعميمي المنافي لمنطق العقل ، ولمبادئ الأخلاق ، ولمصالح الناس أفراداً وجماعات ، ولنظام الخلق وقوانين الوجود الجبرية فيما عدا الأعمال الإرادية للمخلوق ، وغفل عن ذلك أيضاً كثير من أهل الفكر والعلم .

وصادمت الماسونية والمكر اليهودي فيها شعار الحرية ، وجعلته أحد مبادئها ، ثمّ قامت الثورة الفرنسية التي كان المكر اليهودي وراء تدبيرها والتخطيط لها ، وتحريك القوى لاندلاعها ، وتنظيم المنظمات لتفجيرها ، والتربص لاستثمارها ، واستغلالها ، والانقضاض على غنائمها بعد قيامها ونجاحها ، فجعلت هذه الثورة الحرية واحداً من شعارها المثلث : "الحرية – المساواة – الإخاء" .

واندفعت الجماهير مفتونة بشعار الحرية ، وهي لا ترى من معاني الحرية إلى مساحة محدودة مقبولة معقولة ، يتحقق لها بها الخلاص من الظلم الاجتماعي الذي تعاني منه ، والخلاص من الاستبداد الضاغط عليها ، والقاهر لإرادتها بقوى ظالمة آثمة ، طاغية غاشمة .

ونشط شياطين الإنس بقيادة المردة من يهود يروجون لشعار الحرية ، ويوسعون من مساحة دلالتها شيئاً فشيئاً ، حتى تشمل كل سلوك فردي أو جماعي يحقق أهداف الإفساد في الأرض ، وتدمير كل القيم الدينية والخلقية ، وإماتة الوازع الديني والخلقي في الأفراد ، وتحطيم النظم الاجتماعية الإدارية والسياسية والاقتصادية وغيرها ، بغية إضعاف البشرية ، وتمكين اليهود في العالم من السيطرة التامة عليها بعد إضعافها وتفتيتها ، وبثها بثاً متنافراً متبايناً متعادياً متصارعاً متقاتلاً .

ونجم عن إطلاق شعار الحرية دون أن تكون محصورة في المساحة التي تكون فيها نافعة وصالحة ، انطلاق الوحش البشري مفسداً مدمراً محطماً الفضائل ، والأخلاق ، والقيم الدينية ، والنظم الاجتماعية ، ومحطّماً مبادئ الحق والعدل ، ومستغلاً شعار الحرية لتبرير كل فسادٍ وإفساد ، ولاستخدام القوة التي تعتمد عليها الثورات مع ما تشعله من فتن ، لمصادرة حياة خصومها ، وأمنهم ومالهم وحقهم ، ولمحاربة كل منصف يحب الحق والعدل والفضيلة ، ويطالب بسيادة هذه القيم .

وفهم المجرمون الحرية على معنى إطلاق أيديهم في ارتكاب الجرائم على ما يشتهون ، قتلاً وسلباً ، وظلماً وعدواناً .

وفهم الفاسقون والفاسقات الحرية على معنى أن لهم الحق الكامل في أن يفسقوا ويفجروا على ما يشتهون ، دون أن يكون لأحدٍ أو جهةٍ ما حق في محاسبتهم ومعاقبتهم ، أو كفهم عن فسقهم وإباحيتهم التي لا تحدها حدود .

وفهم محتالو سلب الأموال الحرية على معنى إطلاق أيديهم في ألوان الغش والاحتكارات ، وحيل المضاربات ، وخُدَعِ القمار ، وأشباه ذلك ، لسلب الناس أموالهم وهم غافلون .

وفهم العمال والصناع والأجراء الحرية على معنى استخدام تكتُّلاتهم وتنظيماتهم للوصول إلى الاستيلاء على أموال أرباب العمل ، ومصانعهم ، وممتلكاتهم ، ونهبها وسلبها ، أو استحقاق الأجور المرتفعة دون أن يقوموا بعلم يستحقون عليه الأجور التي يطالبون بتقاضيها .

وفهمت النساء الحرية على معنى انطلاقهن من ضوابط العفة ، وتمردهن وانسياحهن بحسب أهوائهن ، وتفلتهن من كل واجب اجتماعي ، وكل ضابط خلقي .

وفهمَ المراهقون والمراهقات ، والفتيان والفتيات الحرية على معنى الانفلات الأرعن ، والتمرد على الرعاة من الأسرة ، وعلى المربين والمعلمين .

وصار كل ضابط للسلوك من سلطة مدنية أو عسكرية أو قانونية أو دينية أو أسرية عدواً للحرية ، في مفهوم حملة شعار الحرية الذين أطلقوها من حدودها المقبولة المعقولة ، وعَمَّموها تعميماً مدمراً للإنسانية وكرامتها ، ومخرجاً للإنسانية عن موقعه الذي وضعه الله فيه موضع الابتلاء المسْتَتْبَع بالحسابِ والجزاء ، وقاذفاً به إلى مستوى الأنعام أو أضل سبيلاً.

هذا هو ما كان المفسدون في الأرض قد أرادوه وخططوا له ، وأطلقوا من أجله شعار الحرية ، ووسعوا من مساحتها حتى عمَّموها تعميماً فاسداً مفسداً ، مصادماً للحق والخير والفضيلة والجمال والكمال .

إن الحرية مثل النار لا تستخدم إلا ضمن حدود وضوابط ، وبحذر شديد ، ومراقبة تامة ، وإلا أكلت الأخضر واليابس ، وابتلعت كل شيء أتت عليه .

إن الحرية المقبولة المعقولة في واقع الناس ذاتُ مجالٍ محدود ، وهذا المجال المحدود لا يجوز تجاوزه ولا تعديه ، لا في منطق العقل ، ولا في منطق مصلحة الإنسان في ذاته ، ولا في منطق مصلحة المجتمع البشري .

فإذا تجاوزت حدودها كانت وحشاً مفترساً ، أو ناراً هائجة ثائرة محرقة ، أو سيلاً عرماً مدمراً ، وكانت نذير شؤمٍ وخراب ، وفوضى واضطراب ، وصراعات بشرية تدمر الحضارات ، وتمهد لأن تَحُلَّ بهم سنة الله في الذين خلوا من قبلهم ، إهلاكٌ عامٌّ وعذاب أليم .

إن الحرية المقبولة المعقولة التي يقرها الإسلام تقع ضمن المجالات التاليات ، وعلى وفق القيود المبينة فيها .

المجال الأول : حرّيّة الاعتقاد ، فالإنسان المسؤول المكلف حرٌّ في هذه الحياة الدنيا في أن يؤمن بقلبه بما يشاء ، من حقٍّ أو باطل ، لكنه مُلاحَقٌ بالمسؤولية عند الله عزّ وجلّ عن اختياره الذي كان حُراً فيه ، وكانت حريته هي مناط ابتلائه وامتحانه في الحياة الدنيا .

وهي هنا حرية الممتحن المسؤول ، وليست حرية مطلقة خالية من المسؤولية والجزاء .

دل على هذه الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء عند الله عدة آيات قرآنية ، منها قول الله عزّ وجلّ في سورة (الكهف/18 مصحف/69 نزول):
{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا...}.
ومنها قول الله عزّ وجلّ في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...}.
المجال الثاني : حرية العبادة على وفق الاعتقاد ، والحرية هنا كسابقتها هي حرية الممتحن المسؤول الملاحق عند الله بالحساب والجزاء ، وليست حرية مطلقةً خالية من المسؤولية والجزاء .

دلّ على هذه الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء الرباني ، قول الله عزّ وجلّ في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):
{ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ *}

وقول الله عزّ وجلّ في سورة (فصّلت/41 مصحف/61 نزول):

{إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

المجال الثالث : حرّيةُ اختيار ما يُريدُ الإنسانُ ويَشْتَهِي ويهوى مما أباح الله في شريعته لعباده من عمل ظاهر أو باطن .

وهذه الحرية غير ملاحقة بالمسؤولية ، ما لم ينجم عنها لدى استعمال تركُ واجب ، أو فعل محرّم ، أو عدوان على حقِّ الغير فرداً كان أو جماعة .

وإنما كانت الحرية في هذا المجال غير مُلاحقةٍ بالمسؤولية لأنّ الربّ الخالق سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر ، قد منحها ذلك ، فأباح لها أن تختار ما تشتهي من أصنافٍ أو أفرادٍ داخلة في دائرة المباحات التي أباحها ، وأنزل فيها إذناً شرعياً في دائرة المباحات التي أباحها بفعل أو ترك .

وما أباح الله من سلوك شخصي لا علاقة للمجتمع به ، أو لا يمسّ إنساناً بضرر ، فلا حق لأحدٍ أيّاً كان بأن يحرمه منه ، أو يمنعه عنه .

ومن الخير للمجتمع أن يترك هذا المجال مفتوحاً للناس ، يُعبّرون فيه عن حريّاتهم الخاصة ، ويشعرون فيه باستقلاليتهم .

المجال الرابع : حرية تعبير الإنسان عن أفكاره وآرائه ، ما لم يكن مضللاً بباطل واضح البطلان ، أو داعياً لضُرٍّ أو شرٍّ أو أذى ، أو مشجّعاً على إدحاض الحق ونصرة الباطل ، ونشر الظلم والعدوان والفساد في الأرض .

المجال الخامس : كل ما للإنسان فيه حقٌّّ مشروع واضح للجميع ولا يحتاج إثباته إلى دعوى قضائية ، فإنه يملك الحرية في الحصول عليه بوسيلة مشروعة ، لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى ، ولا مخالفة فيها لما أمر الله به أو لما نهى عنه .

وأما ما لا حق للإنسان فيه فمن حق المجتمع أن يحجر على حريته فيه .

أمثلة :

1- من حق الإنسان العمل لكسب ما قسم الله له من رزق ، لاستعماله فيما أمرالله به أو أذن فيه .

فهو إذن يملك الحرية في العمل لكسب رزقه في المجالات التي لا ضرر فيها ولا عدوان ولا ظلم ولا أذى ، ولا مخالفة لما أمر الله به ولما نهى الله عنه .

وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لكسب رزقه ضمن هذه المجالات ، وأن لا يحجر على حريته تلك ، ومن ذلك السعي للحصول على عمل مأجور لدى الدولة أو أيَّة مؤسسة عامة ، ومستحقُّ العمل هو الأكثر كفاية للقيام به ، ما دامت الشروط العامة متوافرة فيه .

2- ومن حق الإنسان ذي الباءة أن يتزوج ، فهو إذن يملك الحرية في أن يسعى في اختيار زوجة يستطيع الحصول على موافقتها وموافقة ولي أمرها ، من اللواتي أذن الله في شريعته لعباده بأن يتزوج منهن .

وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لاختيار الزوجة التي تلائمه ، ضمن ما أذن الله له ، وأن لا يحجر عليه حريّته في هذا المجال .

3- ومن حقّ الإنسان أن يتزوّد من العلم والمعرفة بما يشاء من كل نافع مفيد ، أمر الله به أو أذن في تعلّمه .

فهو إذن يملك الحرية في أن يسعى في تحصيل العلم الذي يريد ضمن حدود الإذن الرباني .

وعلى المجتمع أن يتيح له فرصة السعي لتحصيل ما يشاء من علم مأذون به شرعاً ، على مقدار ما يملك من قدراتٍ تمكّنه من ذلك التحصيل .

4- ومن الحقوق المشروعة للإنسان حق مطالبته بحقوقه التي هي له ، وحق الاعتراض على ظلم لَحِقَ به ، وحق الشكوى ضد من ظلمه ، وحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل ربما يكون واجباً عليه في كثير من الأحوال ، فمن حقه ممارسته ، وحقُّ توجيه النصح لغيره محكوماً أو حاكماً ، رعيةً أو سلطاناً .

الحجر على الحرية :
إذا عرفن المجالات التي يملك فيها الإنسان الحرية الملاحقة بالمسؤولية والجزاء ، والحرية غير الملاحقة بالمسؤولية ، يتضح لنا ما يلي :

الأول : إنه لا حرية في ظلم ولا عدوان ولا هضم لحقوق الآخرين .

الثاني : لا حرية في مخالفة الحق والعدل الخير في كل سلوك عملي ذي أثر مادي يضر المجتمع أو يؤذيه أو يفسد نظامه .

الثالث : لا حرية لمن آمن برسالة الإسلام ، وبايع على الالتزام بأحكامه وشرائعه ، في أن يخالف أحكامه بترك فرائضه وارتكاب محرماته ، وإلا كان عرضةً للملاحقة بالمسؤولية ، وبالجزاء المقرر في أحكامه من قبل سلطة الدولة الإسلامية ، إذا كانت المخالفة لها عقوبة دنيوية مقررة في الإسلام . ومما يخالف أحكام الإسلام ، الانتحار ، أو ارتكاب ما يضر بجسم الإنسان أو نفسه أو ملكاته الفكرية .

الرابع : من أعلن دخوله في الإسلام ، فقد أعلن التزامه به وبأحكامه ، فلا حرية له بعد ذلك في الردة عنه ، وإلا فهو ملاحقٌ بعد استتابته بالمسؤولية الجزائية التي عقوبتها القتل ، ولا حرية له أيضاً في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقررة .

الخامس : لا حرية لمسلم ولا لذمي ولا لمعاهد ولا لمستأمن في دار الإسلام ، في الطعن بالعقائد والشرائع والأحكام الإسلامية ، المجمع عليها ، أو التشكيك فيها ، أو تشويهها أو تحريفها ، أو القيام بما يسيء لنظام الإسلام ، أو لدولته ، أو لجماعة المسلمين ، لأن في ذلك نقضاً لما التزم به كل منهم .

ولا حرية لأحد من هؤلاء في الدعاية لأعمال حرمها الإسلام ، أو لأشياء حرم الإسلام تناولها كالخمور ، أو الترويج لأفكار مناقضة لحقائق الإسلام وتعاليمه .

ولا حرية لأحد منهم في تأسيس مؤسسات عامة أو خاصة تشتمل على أعمال أو أشياء محرمة في الإسلام ، كبنوك ربوية ، أو بيوتٍ للقمار ، أو بيوت للزنا والدعارة والفجور ، أو حانات لبيع الخمور وشربها ، أو مصانع لصناعتها ، ولكن يسمح للنصارى بشربها وصناعتها داخل بيوتهم ، دون أن يتظاهروا بذلك أمام المسلمين .

خاتمة :

وتقع في موضوعات شتى مغالطات كثيرة ، بسبب كسر الحدود الفاصلة بين الحق الباطل ، والعدل والظلم ، والخير والشر ، ومن أسباب ذلك إطلاق الحرية ، والتلاعب بمفاهيمها ، وعدم تحديد المساحات التي تكون فيها صالحة ومقبولة ، وينجم عن ذلك شرٌّ مستطير ، وفسادٌ عريض .
* * *

الفصْل الثاني


المُسَــــــــــاوَاة

ومن الشعارات التي أطلقتها الماسونية شعار المساواة ، تضليلاً للناس ، وفتنة لهم ، لتقوم الصراعات بين الأفراد وبين الطبقات مطالبين بتحقيق المساواة المنافية والمصادمة لقانون الحق والعدل .

وقامت ثورة الفرنسية التي دبرها المكر اليهودي تحمل شعارها المثلث ، والمساواة أحد أركانه .

واندفعت الجماهير مفتونة بشعار المساواة ، ومخدوعة بالمساحة القليلة المقبولة منها ، ولكن اللعبة المضللة زحفت بالمساواة زحفاً بالمساواة زحفاً تعميمياً باطلاً ، وناشراً لفسادٍ عريض .

وقامت فتن عامة تطالب بتحقيق المساواة ، ونجم عن ذلك خلخلة في نظام الحياة ، وإفسادٌ للمجتمع البشري .

وزحف هذا الشعار إلى أدمغة مفكرين وعلماء وكتاب ، فجعلوه في مقولاتهم أحد المبادئ الإنسانية الصحيحة ، وأحد المبادئ الإنسانية الصحيحة ، وأحد المبادئ الإسلامية المجيدة ، غفلة منهم ، وانسياقاً مع بريق الشعارات التي تروّجها وسائل الإعلام الشيطانية المضللة .

وتحت هذا الشعار الخادع البراق أخذ الجاهلون يطالبون بمساواة العلماء ، والضعفاء بمساواة الأقوياء ، والكسالى يطالبون بمساواة العاملين المجدّين ، والمنحرفون يطالبون بمساواة ذوي الاستقامة ، والنساء يطالبن بمساواة الرجال في كل شيء ، والفاشلون يطالبون بمساواة الناجحين ، واضطربت الحياة ، وقامت الثورات ، واستثمرها اليهود لمصالحهم .

المفهوم الإسلامي للمساواة :

نظام الخلق تحكمه سنَّةُ التفاضل لا التساوي ، فشعار المساواة بصيغته التعميمية يتنافى مع نظام الخلق ، هو مطلب مناقض لمبدأ العدل ، إلا في بعض الأحوال ، وهي التي يقضي العدل فيها بالتساوي .

فالإسلام يحمل ويحمي مبدأ العدل ، ومبدأ الإحسان ، ولا يُقرّ المساواة على اعتبارها مبدأً عاماً ، وقاعدة مطردة ، إنما يُقرُّها حينما يقتضيها العدل ، أو يتبرع بها المحسنون .

وإنما يقتضي العدل المساواة حينما تكون واقع الأفراد واقعاً متساوياً تماماً في كل الصفات ، أو تكون المساواة في الصفات التي كان فيها التساوي ، دون الصفات الأخرى المتفاضلة فيما بينها .

التفاضل سنة الله في الخلق :

إننا لا نكاد نجد في الوجود شيئين ولو كانا من جنس واحد ، أو من نوع واحد متساويين تماماً في كل صفاتهما ، بل صفاتهما متفاضلة ، فالدعوة إلى المساواة بينهما دعوة إلى الأخذ بأمرٍ باطل ، وإلى إلغاء قانون العدل ، وادعاء المساواة مع واقع التفاضل ادعاء كاذب ، والتسوية بين المتفاضلين عمل ظالم مناقض لقانون العدل ، وكلُّ ذلك مناقض لكلمة الله التشريعية ، التي تمت صدقاً وعدلاً ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (الأنعام/6 مصحف/55 نزول):

{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}

أما كلمة الله التكوينية فقد حددت لها الإرادة الربانية خلقاً متفاضلاً ، وهذه ظواهر الخلق شواهد .

هل الزجاج والماسُ متساويان ؟
أليست أحجار الماس متفاضلة فيما بينها؟.
أليست أحجار الزجاج متفاضلة فيما بينها؟.

هكذا نجد التفاضل في الشجر وفي الثمر ، وبين أنواع الأحياء ، وبني كل فرد وفرد آخر من كل نوع ، وكذلك بين الناس .

فهل يصح عقلاً أن ندعي التساوي بينها وهي في الواقع متفاضلة؟ إننا بذلك نكذب على الواقع ، ونجانب الحق .

وهل يصح عقلاً أن نسوي بينها في الأحكام مع تفاضلها ؟ إنا بذلك نجانب مبدأ العدل ونصادمه ، ونقيم أحكامنا على الظلم .

فمطلب المساواة مع واقع التفاضل مطلب ظالم مخالف للحق والعدل .

وقد دلت النصوص القرآنية على التفاضل في الخلق بين الأشياء ، ويتبع ذلك التخالف في الحكم ، وعدم جواز التسوية بين المتفاضلات .

1- ففي تفضيل الثمرات والزروع بعضها على بعضٍ في الأُكُل قال الله عزّ وجلّ في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}

2- وفي تفضيل بعض الناس على بعض فيما يُصيبون من عطاء الله ، ليبتليهم فيه ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاءِ وَهَـؤُلاءِ مِنْ عَطَآءِ رَبكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبكَ مَحْظُوراً * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً }

3- ونهى الله المؤمنين عن تمنّي ما فضّل الله به بعض الناس على بعض ، فخاطهم بقوله عزّ وجلّ في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}

4- وبين الله عزّ وجلّ حكمته في جعل الرجال قوّامين على النساء ، ومنها أنه قد فضل في خصائص التكوين صنف الرجال على صنف النساء ، فقال عزّ وجلّ في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ...*}.

5- وبين الله عزّ وجلّ أنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق ليبلوهم فيما آتاهم ، فقال تعالى في سورة (النحل/16 مصحف/70 نزول):
{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ...*}.

6- حتى الأنبياء والرسُل قد فضل الله في مِنَحه وعطاياه بعضهم على بعض ، فقال تعالى في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً}.
وقال تعالى في سورة (البقرة/2 مصحف/87 نزول):
{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ...*}.

7- وفي تكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير ممن خلق الله ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}

فالتفاضل سنة الله في الخلق ، يشهد به الواقع ، وتثبته النصوص الربانية المنزلة .

التسوية بين المتفاضلات ظلم للحق :

ولما كان منطق العقل وبرهان الواقع يقرران عدم التساوي بين المتفاضلات ، كانت أحكام التسوية بينها أحكاماً ظالمة .

وتأصيلاً للحق والعدل ، ولئلا تُزيِّن للناس أفكار التسوية بين المتفاضلات ، أنزل الله عزّ وجلّ في كتابه نصوصاً ذوات عدد ، تبين عدم التساوي بين طائفة من المتفاضلات في حقيقة أمرها ، فمنها ما يلي :
1- قول الله عزّ وجلّ في سورة (المائدة/5 مصحف/112 نزول):
{قُل لاَّ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

2- وقول الله تعالى في سورة (الرعد/13 مصحف/96 نزول):
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ...*}.

3- وقول الله تعالى في سورة (الزمر/39 مصحف/59 نزول):
{أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ}

4- وقول الله تعالى في سورة (فاطر/35 مصحف/43 نزول):
{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلاَ الظُّلُمَاتُ وَلاَ النُّورُ * وَلاَ الظلُّ وَلاَ الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَآءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ *}.

5- ولمّا كان التفضيل التابع للعمل الأفضل من المكلفين المختارين ، هو الأمر الذي يوجبه الحق والعدل ، كان من العدل أن يفضل الله المجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم على القاعدين ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (النساء/4 مصحف/92 نزول):
{لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً * دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }.
وكان من العدل أن يفضّل الله من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل ، على من أنفق بعد الفتح وقاتل ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الحديد/57 مصحف/94 نزول):
{لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
وكان من العدل أن لا يسوّي الله بين المسلمين والمجرمين ، فقال الله تعالى في سورة (القلم/68 مصحف/2 نزول):
{إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.

نظرات حول مواقع التساوي:

أما الأمور التي هي متساوية في واقع الحال فالحق يقضي بالتسوية بينها .

فالناس متساوون في عبوديتهم لله ، فهم متساوون بين يديه . والناس متساوون في حق الحياة إلا إذا كان منهم ما يقتضي إهدار دمائهم ، أو إنزال قيمتها ، فالمسلمون تتكافأ دماؤهم .

والخصمان في مجلس القضاء لهما من رعاية القاضي حقان متساويان ، فينبغي التسوية بينهما في مجلس القضاء .

والأصل تساوي الناس في حق العمل والكسب والتعلم والسبق لاغتنام خيرات الدنيا والآخرة ، فالعدل يقضي بإتاحة الفرص لهم جميعاً بنسبة متساوية ، ثمّ يكون لكل بحسب ما يقدم من عمل أو جهد أو أي كسب إرادي أو سبق في علم أو خلق أو رأي أو إخلاص أو غير ذلك مما له قيمة تُقدّر .

والناس متساوون في إنسانيتهم ، فلا فضل لعرق على عرق ، ولا لقوم على قوم، ولا لأهل لون على أهل لون آخر ، ولا لأهل لسان على أهل لسان آخر ، من أجل أعراقهم ، أو أقوامهم ، أو ألوانهم ، أو ألسنتهم ، فكلهم من آدم ، وهو الأب الأول لهم جميعاً ، وكلهم مخلوقون لله عزّ وجلّ .

وهكذا كل قضية يكون الحق فيها بين فريقين متساوياً ، فقاعدة العدل توجب التسوية بينهما ، وكل تفاضل على غير أساس من الحق والواقع في مفاهيم الناس فهو في الإسلام ظلم اجتماعي ، كمفاهيم التفاضل الطبقي الذي يزعم الطبقيون أنه يورث .

أما إذا كان الواقع متفاضلاً فالعدل يوجب التفضيل ، كالذكاء والجمال ، والقوة ، وحسن الخلق الفطري أو المكتسب ، وغير ذلك مما لا حصر له .

فالإسلام يقوم في الحقوق على مبدأ العدل ، لا على مبدأ المساواة ، وفي بيان الواقع يقوم على ما هو الحق في واقع الحال ، لا على التسوية مطلقاً ، وإن كان الواقع متفاضلاً ، فلا يمكن أن يساوي النقص الكامل ، ولا أن يستوي الحق والباطل ، ولا العالم والجاهل ، ولا يمكن أن يتساوى الذهب والقصدير ، ولا المسك والجير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، ولا الطيب والخبيث ، ولا الأحياء ولا الأموات ، ولا الذين آمنوا وعملوا صالحاً ، والذين كفروا وعملوا السيئات .

ما جاء في بروتوكولات كهنة صهيون حول الحرية والمساواة :

جاء في البروتوكول الأول ما يلي :

" لقد كنا قديماً أول من هتف بكلمات (الحرية والمساواة والإخاء) وما انفكت هذه الكلمات ترددها ببغاوات جاهلة ، يتجمهرون من كل حدب وصوب حول هذه الشعارات المغرية ، التي حكموا عن طريقها ازدهار العالم ، وحرية الفرد الشخصية الحقيقية التي كانت من قبل في حما يحفظها من أن يخنقها السفلة .

ولم يفهم الذين يدعون الذكاء وسعة الإدراك من غير اليهود المعاني الرمزية التي تهدف إليها هذه الكلمات ، ولم يتبينوا عواقبها ، ولم يلاحظوا ما فيها من تناقض في المعنى ، كما لم يدركوا أن الطبيعة نفسها تخلوا من المساواة ، وأن الطبيعة قد أوجدت أنماطاً غير متساوية في العقل والشخصية والأخلاق والطاقة وغيرها .

إن صيحتنا: (الحرية والمساواة والإخاء) قد جلبت إلى صفوفنا فرقاً كاملة من زوايا العالم الأربع عن طريق وكلائنا المغفلين ، وقد حملت هذه الفرق أوليتنا في نشوة ، بينما كانت هذه الكلمات مثل كثير من الديدان تلتهم سعادة الأميين (غير اليهود) وتحطم سلامهم واستقرارهم ووحدتهم ، مدمّرة بذلك أسس الدول ، وقد جلب هذا العمل النصر لنا".
* * *

الفصْل الثالث


التقَدّميَّة والرَّجْعيَّة

من الكلمات الفضفاضة التي ليست لها دلالات منطقية محددة ، كلمتا: "التقدمية والرجعية" .

التقدمية :

أما كلمة التقدمية فقد استغل فيها معنى التقدم إلى الأمام الذي هو مزيّةٌ وفضيلة في بعض الأحوال ، لتُطلق إطلاقاً تعميمياً باطلاً وفاسداً ، موهماً بأن كل تقدم هو أمرٌ خيرٌ وحسنٌ ولو إلى الحضيض والشقاء والهلاك والعذاب الأليم .

ولكن تُطوَى هذه النهايات التعيسة ، ويُجعل بينها وبين شعار التقدمية حجاب ، ليتابع السائرون وراء هذا الشعار مسيرتهم بقيادة المضلين والمفسدين ، وهم عميان عن رؤية نهاياتهم ، لا يرون إلا الألوان والأصباغ والزخارف التي وضعت على لوحة شعار التقدمية ، ولا يسمعون إلا أصوات الجلاجل التي علقت على حافات لوحة الشعار ، فهي تعطي أصواتها ، ومختلف أشكال زينتها مع حركة المسيرة ، وأصوات طبول المطبلين ، وأصوات مزامير النافخين لتحريض موكب المسيرة على متابعة السير ، ومعها أصوات المغفلين والمستأجرين الذين يرددون بغباءٍ شعار التقدمية .

والعميانُ السائرون ، وقد نُشرت بينهم وبين نهاياتهم التعيسة حجُبٌ من ضباب الأوهام ، والأكاذيب ، وزخرف القول ، والأماني الكواذب ، وشُدَّت حواسُّهم للاستمتاع الحاضر بإباحية الشهوات .

ولكن إلى أين هذا التقدّم؟.

يقولون : إلى التقدم الحضاري ، فإذا هو العري والخمر ، والقمار والحشيش ، والفسق والفجور ، والسلبُ والنهب ، ثمّ العداوة والبغضاء والتقاتل ، ثمّ نبذُ كل فضيلة ، وارتكاب كل رذيلة .

يقولون : إلى التقدم العلمي ، فإذا الموجه له من العلوم ، الفلسفة المفسدة لموازين العقول ، والناشرة للإلحاد بالله ، والهادمة للأخلاق ، والمدمّرة للقيم الحقيقية ، والمحرضة على الإباحية ، وعلى الجريمة ، بفلسفة القوة مرة ، وفلسفة اللذة أخرى ، وفلسفة المنفعة مرة ثالثة ، وبالفردية وأنانيتها حيناً ، وبالجماعية المزورة حيناً آخر ، ومن الفلسفة المادية المغرقة في ماديتها ، إلى الروحانيات المسرفة ورياضاتها العجيبة المعذبة للأجساد ، إلى غير ذلك من ضلالات .

وإذا الموجه له من العلوم كل ما ينشر الرذيلة والسقوط الخلقي ، ويساهم بتمكين الأشرار من امتلاك القوى المادية الهائلة ، التي تجعلهم أباطرة البغي والطغيان في الأرض .

يقولون : إلى التقدم في إعداد القوة ، ورفع مستوى الكفايات القتالية ، فإذا هو الدمار والخراب بالظلم والعدوان ، وإطلاق الأنانيات الفردية والقومية والمذهبية والحزبية .

يقولون : على التقدم الفكري والحرية الفكرية ، فإذا هو الكفر بالله ، والكفر بكل الفضائل والقيم ، وصناعة الإنسان الشيطاني المجرم ، الذي تحرّكه شهواته وأهواؤه وأنانيته ونفسه الجبارة المجرمة الأمارة بالسوء ، وإذا هو الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف .

هذا هو شعار التقديمة ، في معظم تطبيقاته على أيدي قادته ودعاته ، وأيدي حَملته وحُمَاته .

فما هو هذا التقدم في مقاييس الحقّ والخير والفضيلة والجمال ؟.

إنه تقدمٌ حقاً ولكن إلى الجحيم ، والقادة المضلون اللذين يسوقون أتباعهم بين أيديهم ، أو يجرونهم وراءهم يقدُمونهم يوم الدين ، فيوردونهم النار ، كما يَقْدُم فرعونُ قومه ، قال الله عزّ وجلّ في سورة (هود/11 مصحف/52 نزول):
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ * يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ}

تحديد مفهوم التقدّم :

التقدم – بالتحليل اللغوي والمنطقي – هو كلمة عامة غير محددة الاتجاه ، فهي تصلُح للتقدم في كل اتجاه .

وأما قيمة التقدّم فتكشفها غاية مسيرته ، فإن كانت الغاية سعادة وخيراً ، وكان التقدم فضيلة وعقلاً ، وإن كانت الغاية شقاءً وشراً ، كان التقدم رذيلة وجهلاً وحماقة ، وإن كان التقدم إلى ما لا فائدة فيه ولا مضرة ، كان التقدم جهداً ضائعاً ، يخسر فيه المتقدم عمراً وطاقة ، والعمر والطاقة هما رأسمال الإنسان في حياته .

وهكذا يُقوِّم التقدّم بغاية المسيرة فيه ، فليس له لون واحد ثابتٌ يُقوَّمُ به ، إنه مثل إناء الزجاج الصافي الشفاف ، الذي لا لون له ، فهو يتلوَّن بلون ما يوضع فيه .

أفيشرب الإنسان أي شرابٍ من إناء زجاجي شفاف ، لمجرد كونه إناءً زجاجياً؟!.

أفلا يمكن أن يكون الذي قد وضع فيه هو سمٌّ قاتل؟!.
ما هكذا يتصرف الحذِرُ العاقل .

الرجعية :

ونظير كلمة التقدمية كلمة "الرجعية" فقد استغل المضللون فيها معنىً أولياً ساذجاً ، ينفرُ الساذج منه لأول وهلة ، فهو يكره أن يُتَّهم بأنه يرجع إلى الوراء ، ويغفلُ عن سبْرِ احتمالات الرجوع وتقويم كلٍّ منها بقيمته الحقيقية ، التي تعتمد على موازين الحق والخير والفضيلة والجمال .

الرجوع مثل التقدم ، هو من الأمور النسبية ، التي ليس لها حقيقة ثابتة دواماً ، فما هو وراء الإنسان إذا اقترب منه وظهره إلى جهته كان اقترابُه منه رُجوعاً ، وإذا أدار إليه صدره ثمّ اقترب منه كان ذلك تقدّماً .

والرّجوع تقدّر قيمته بحسب غاية مسيرته وحركته ، فإذا كانت الغاية سعادةً وخيراً ، كان الرجوعُ فضيلةً وعقلاً ، وإذا كانت الغايةُ شقاءً وشرّاً ، كان الرجوعُ رذيلةً وجهلاً وحماقةً ، وإذا كان الرجوعُ إلى ما لا فائدة فيه ولا مضرَّة ، كان الرُّجوعُ جهداً ضائعاً .

فالرجوع عن الباطل إلى الحق من أكبر الفضائل وأكثرها تعبيراً عن خلق الإنسان الرفيع .

والرجوع إلى صراط الهدى بعد تنكبُّه والانحراف عنه من فضائل السلوك المثلى ، وهو من التوبة التي تعيد الإنسان إلى الصحة بعد المرض ، وإذا كان كلُّ بني آدم خطّاءً ، فإن خير الخطّائين التوابون ، وهم الرجاعون إلى الطاعة والاستقامة بعد الانحراف والمعصية ، كما جاء في الحديث الصحيح : "كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون".

ومن تاب إلى الله – أي : رجع إلى ربّه بالامتثال والطاعة – تاب الله عليه – أي : رجع الله مقبلاً عليه ومنعماً عليه بعفوه ورحمته وعوائده وفضله .

ومن انحدر من القمة إلى ما دونها حتى الحضيض ، فمن الخير له أن يرجع إلى القمة التي كان عليها ، وهذا الرجوع هو الذي يعيده إلى المجد والعلاء .

ومن فقد عِزَّةً أو مكانةً اجتماعية أو مالاً أو شيئاً حبيباً عنده ، فمن سعادته أن يرجع ذلك إليه .
ومن تراجع ليتفادى خطراً مقبلاً عليه فَنَجَا ، كان تراجعه من كمال عقله وحكمته .

ومن ارتدّ عن دينه الحقّ فمن عقله وحكمته وسعادته أن يرجع إليه ، ولا يتمادى في غيّه .

إن التضليل في شعار الرجعية التي يتّهم بها الخصومُ خصومَهم ، ويخوّف بها المضللون أهل الاستقامة ، آتٍ من التعميم الباطل الفاسد ، الذي يزحف بالكلمة من المساحة التي تكون فيها ذميمة إلى المساحة التي تكون فيها حميدة ، وتكون فيها هي الفضيلة وهي الحق والخير والكمال .

الفتنة بالشعارات :

ويقع المفتونون بالشعارات المزخرفة المزينة ، أو بالشعارات المشوّهة المقبّحة ، في حبائل شياطين الضلال والإفساد في الأرض ، فيتقدّمون إلى هلاكهم اغتراراً بشعار التقدّمية المزخرف المزوّق المزيّن بالباطل ، ويحذّرون من الرجوع إلى الحق والفضيلة والخير والكمال والعلاء والجمال ، أو المحافظة على مواقعهم فيها ، اغتراراً بشعار الرجعية المشوه المقبّح بالباطل ، وباستخدامه في الاصطلاح العامي شتيمة ونقيصة يحذَرُ الإنسان أن تُلصقَ به في أعراف الناس .
* * *

الفصْل الرابع


الاشتِراكيّة

من الألفاظ العامّة الفضفاضة ، التي تنطبق على مفاهيم ذوات مستويات متفاوتات ، كلمة "الاشتراكية" فهي مذاهب مختلفة ، منها المعتدل ومنها المغالي ، ومنها الوطني ومنها الأممي .

فهي في بعض حدودها الدنيا ، وضمن مفهوم عامّ ، قد تلتقي مع أحكام الإسلام في نظامه المالي أو الاقتصادي ، مثل اشتراك الناس في الماء العام ، وفي الهواء ، وفي الكلأ النابت في الأراضي العامّة ، ويسمّى الكلأ المباح عند الفقهاء ، ومثل النفقة الواجبة في نظام الأسرة الإسلامي ، ومثل الزكاة المفروضة في الشريعة الإسلامية ، لصالح الفقراء والمساكين وبقية الأصناف الثمانية المذكورة في آية : {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ...}. ومثل تدخل الدولة لحماية العمّال والكادحين في حصولهم على الأجور العادلة دون ظلم ولا شطط . ومثل تهيئة فرص العمل لكل قادر عليه ، ونحو ذلك .

ويوسّع بعض الاشتراكيين من مفهوم الاشتراكية ، حتى تتناول تأميم المرافق العامة ولو بالمصادرة الظالمة ، والاستيلاء دون تعويض مكافئ لحقوق أصحابها ، وهذا مخالف للإسلام .

ويوسّع اشتراكيون آخرون هذا المفهوم ، حتى تتناول الاشتراكية تأميم المصانع الكبرى ، ولو بالمصادرة الظالمة ، وحتى تتناول مصادرة الأرض وتوزيعها بصورة ظالمة جائرة ، وفاسدة مفسدة ، وهذا مخالف لأحكام الإسلام .

وهكذا تتسع دائرتها ، حتى تصل إلى حضيض الشيوعية المسمّاة بالاشتراكية العلمية ، التي تلغي الملكية الفردية للأرض ، ولكل وسائل الإنتاج ، ولكل النقود المالية ، وتجعلها ملكاً للدولة ، وتقرّر قاعدتها الشائعة : " من كلٍّ بحسب طاقته ، ولكلٍّ بحسب حاجته".

ويحمل مروجو الشيوعية شعار الاشتراكية بين المسلمين ، مظهرين من دوائرها دائرة المستوى الأدنى ، الذي قد لا يتنافى مع أحكام الإسلام .

وينخدع بذلك منخدعون كثيرون من العمال والفلاحين والكادحين وموظفي الدولة ، وبعض الطلبة الناشئين ،وكلّ من يشعر بأنه مظلوم في مجتمعه بكسبه ، أو تغريه الاشتراكية بكسب أفضل ، وتتهيج ببريق هذا الشعار عواطف الفقراء والكادحين ، ونوازغ الحاسدين والحاقدين ، ويظنُّ البرآء منهم أن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام .

ثمّ بالتدريج يوسعون من دائرة المفهوم الاشتراكي شيئاً فشيئاً ، حتى يبلغوا به الحضيض الأسفل أو قريباً منه .

ويومئذٍ تأتي التطبيقات الطاحنة ، ويذوق المنخدعون بالأمس ويلات تطبيقات الشعار الذي كانوا قد فرحوا به ، وطبّلوا له وزمروا ، وظنوا أن تطبيقاته ستجعلهم في بحبوحة من العيش ، وستشفي نفوسهم من ظالميهم الإقطاعيين ، والرأسماليين ، و"البورجوازيين" .

لقد جرّهم خداع الشراع البراق ، واستدرجهم بشبكته ، حتى قذفهم في جحيم التطبيقات الاشتراكية المشحونة بالظلم والعذاب .
* * *

الفصْل اخامِسْ


الوَطنيَّة وَالقَوميَّة وَالإنسَانيّة
وموقف الإسلام من كلٍّ منها

(1)

مقدمة عامة:

دعوات "الوطنية" و"القومية" و"الإنسانية" على الرغم من اختلاف دوائرها ، واختلاف مفاهيمها ، واختلاف عوامل الترابط بين أفراد كلّ منها ، تقوم جميعها على مفاهيم خاصة ذات روابط ضعيفة ، في تكوين الأمّة ذات الكيان الواحد ، سياسيّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وغير ذلك ، أو ما يمكن تحقيقه من هذه الأمور في الواقع ، وأدناها وحدة المشاعر ، واتجاه الولاء ، والتآخي والتعاون ، وعدم الاعتراف النفسي بالفوارق المباينة لمضامين الدعوة .

* فدعوة "الوطنية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى الأرض .
* ودعوة "القومية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى القوم .
* ودعوة "الإنسانية" تقوم على الاكتفاء برباط الانتماء إلى النوع الإنساني ، أي : الانتماء نسباً إلى الأب الأعلى لهذه المجموعة البشرية ، مع الاشتراك في الصفات التي يختص بها هذا النوع .

ويلزم من الأخذ بدعوة من هذه الدعوات طرح كل عوامل الافتراق الأخرى ، إذا تعارضت مع وحدة الرابط الذي تشتمل عليه الدعوة منها ، ولو كانت هذه العوامل أعمق في كيان الإنسان ، وألصق بذاتيته من مضامين هذه الدعوات ، ولو كانت روابطها أقوى وأكثر من روابطه .

فإذا كانت العقائد الإيمانية ، أو المبادئ الأخلاقية ، أو مناهج السلوك في الحياة ، من أسباب الافتراق فيجب بمقتضى دعوة "الوطنية- أو القومية- أو الإنسانية" على الآخذ بواحد منها أن ينبذ كل سوابق العقائد الإيمانية ، والمبادئ الأخلاقية ، ومناهج السلوك ، ويتجرد منها .

* ليكون التقاء الآخذين بمبدأ "الوطنية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق .

* وليكون التقاء الآخذين بمبدأ "القومية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق .

* وليكون التقاء الآخذين بمبدأ "الإنسانية" خالياً من المتناقضات وعوامل التفرّق .

إن دعوة "الوطنية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة عاطفة حب الوطن . ودعوة "القومية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة عاطفة الاعتزاز بالقوم وأمجادهم ، والحرص على مكانتهم ومصالحهم . ودعوة "الإنسانية" قد تبدو برّاقة لدى استثارة العاطفة الإنسانية العامة .

لكنّ الاقتصار على رباط أيّ دائرة من دوائر هذه الدعوات لا يكفي لإقامة رباط حقيقي دائم وفعّال ، دون أن يكون عرضة للانفصام ، لدى وجود أي تنافر اعتقادي ، أو تضاد وتباين منهجي ، أو تناقض أو تضادّ مصلحي .

فمن غير الممكن في الواقع الإنساني أن يتجرّد الناس من عقولهم وأفكارهم ومفاهيمهم في الحياة ، حول النشأة ، والواجب ، والمصير ، أو يُلغوا حاجتهم إلى مناهج سلوك أخلاقية وتنظيمية ، أو يتفقوا فيما بينهم على منهاج واحد ، أو يتجردوا من أهوائهم ، وشهواتهم ، ونزعاتهم ، ونزغاتهم ، ومصالحهم ، وأنانياتهم المختلفة الدوائر (الفردية ، والأسرية ، والقبلية ، والقومية ، والحزبية ، وغيرها) .

وقد أكدت الملاحظة الفكرية ، والتجربة الاجتماعية ، أن أيّة دعوة من هذه الدعوات الثلاث ليست أكثر من حيلة مرحليّة ، هدف الدعاة إليها سلخ الناس من أديانهم ، وأخلاقهم ، ومناهج حياتهم القومية ، وكل انتماءاتهم التابعة من عقولهم وقلوبهم وعواطفهم العميقة الراسخة في وجداناتهم .

إن الدعاة إلى هذه المبادئ أو الشعارات الخادعات ، قد دلهم ذكاؤهم الشيطاني على أن الناس متى انسلخوا من أديانهم ، وأخلاقهم ، ونظمهم ، ومناهج حياتهم القومية ، وقواعد إيمانهم ، وسوابق انتمائهم المبنيّة على أسس فكرية ووجدانية تفككت روابطهم الاجتماعية المتينة ، وغدوا أفارداً منبثين .

عندئذٍ يأتي المخططون لنشر هذه الدعوات الزيوف ، وهم في حالة تكاتف جماعي سري بينهم ، فيغلبون بوحدتهم الجماعية الأشتات المنبثة من الناس . ثمّ يحزمونها حزماً سياسياً واحداً قوياً قاهراً ، ثمّ يسوقونها كقطعان الأنعام ، ويضعون لها النظم والقوانين التي يلزمونها بها ، ويضبطون بها حركات حياتها ، ضبط السادة للعبيد ، وضبط راعي الغنم لغنمه .

ومروجو هذه الدعوات بين المسلمين ، رغم وجود التناقض فيما بينها ، هم أعداء الإسلام وأعداء وحدة المسلمين ، على اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم ، وتعارض المصالح فيما بينهم ، وكأن لسان حالهم جميعأً يقول للمسلمين : خذوا أي مبدأٍ آخر غير الإسلام ، إن المهم حقاً هو أن تنبذوا إسلامكم ووحدة أمتكم الإسلامية .

نظرة تحليلية حول هذه الشعارات الثلاثة :

1- إن حب أرض الوطن عاطفة إنسانية ، قد تكون قويّةً عند الإنسان ، وقد تكون ضعيفة ، ويختلف ذلك باختلاف الأفراد ، وبحسب قوّة العناصر التي تشدّ الإنسان إلى أرض الوطن أو ضعفها ، والتي سيأتي شرحها إن شاء الله في الفقرة الخاصة بالوطنية .

إن حب رسولنا محمد (ص) لمكة المكرمة قد كان عظيماً ، لكن لما اقتضت منه مبادئه الهجرة منها هاجر ، وتوجّه إلى الكعبة وخاطب الكعبة بقوله : "والله لإنك لأحب أرض الله إليّ ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" . رواه أحمد والترمذي وصححه .

وفي رواية صحيحة الإسناد : "والله إنك لخير أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن عدي .

وعن ابن عباس قال : "قال رسول الله (ص) لمكة : " ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك" رواه الترمذي بإسناد صحيح .

وتضعف عاطفة حب أرض الوطن جداً ، إذا كانت روابط الإنسان الاجتماعية والمصلحية ، والدينية ، موصولة بأرض غيرها .

وتغذي العاطفة الوطنية مطامع الغرباء في أرض الوطن ، وأعمالهم لسلبه ، أو سلب خيراته ، أو السيطرة عليه وعلى أهله وأصحاب الحقوق فيه .

ودائرة الوطنية قد تجمع قوميات مختلفة متنافسة ، أو متعادية متصارعة فيما بينها . وقد تجمع أدياناً ومذاهب مختلفة ، أتباعهما متجافون ، أو متنافرون ، أو متعادون متصارعون ، أو متنافسون متحاسدون .

وقد يكون الوطن مسلوباً أو مجزأً ، وقد يكون أهله مشتتين في غيره ، ولكن قد يظل حبهم له ثابتاً ، وتظل رغبتهم في استرجاعه أو العودة إليه أو توحيده في حالة حياة دائمة ، ويقظة ، وحركة عاملة ، ما دامت عوامل التغذية مستمرّة .

* * *

2- أما حب القوم الذين ينتمون إلى تجمع بشري يؤلف بينهم جدٌّ أعلى لهم ، أو تؤلف بينهم لغة واحدة ، وتاريخ واحد ، ومصالح مشتركة واحدة ، ونحو ذلك ، فهو أيضاً عاطفة أو نزعة موجودة في الناس ، برزتها الأنانية الفردية ، ومنبتها المصالح الإنسانية ، وبعض نزعات الاعتزاز والافتخار لديه بالعرق ، وبيئتها الأنانية الأسرية ، فالقبلية ، وتتسع حتى تكون قومية .

وتغذي العاطفة القومية صراعات أعدائها من أقوام آخرين ، ومطامعهم فيهم ، أو في أموالهم ، أو في بلدانهم ، ومساكنهم .

ورغم أن العاطفة القومية أقوى في الإنسان من العاطفة الوطنية ، لأنها تنبع من أنانيته الفردية ، وتتسع إلى أنانيته الأسرية ، فالقبلية ، حتى تصل إلى دائرة القومية ، إلا أنها قد تضعف حتى تضمحل أحياناً ، إذا كانت روابط الإنسان الاجتماعية والمصلحية والدينية موصولة بغير قومه شركاء العرق ، أو شركاء اللغة ، والتاريخ .

ودائرة القومية قد تجمع أدياناً ومذاهب مختلفة ، وقد يكون أتباعها متنافرين متصارعين متعادين ، أو متنافسين متحاسدين ، وقد تكون موزعة في أوطان كثيرة ، حتى تشمل أوطان الناس جميعاً .

فبين الوطنية والقومية تلاقٍ في بعض عناصرهما وافتراق في بعض عناصرهما ، كدائرتين متلاقيتين تلاقياً جزئياً ، فكلٌّ منهما أعم من جهة وأخص من جهة .


فبينهما عموم وخصوص من وجه ، كما يقول المناطقة ، القومية أعم من جهة أن المنتمين إلى القومية الواحدة قد يكونون موزعين في أوطانٍ شتى ، وأخص من جهة انحصارها في قومٍ دون غيرهم ، والوطنية أعم من جهة اشتمالها على عدة قوميات ، وأخص من جهة انحصارها في أرض ذات حدود معينة .
* * *

3- وأما الإنسانية فهي نزعي ترتقي فوق النزعة القومية ، بدوافع يُخيَّل أنها مثالية ، إلا أن قوتها في الناس أضعف من قوة النزعة القومية ، نظراً إلى أن مصالح النزعة الإنسانية قد تسير في اتجاه مضاد لمصالح النزعة القومية ، والإنسان بتلقائيته مشدود بقوةٍ إلى مصالح أنانيته الفردية فالأسرية فالقبلية فالقومية أولاً ، ثمّ ينظر أخيراً شطر الإنسانية بوجه عام .

واتجاه شطر الإنسانية العامة ، يمثل في الناس أضعف الروابط إن لم يكن مدعوماً بروابط إيمانية ، وروابط خلقية ومنهجية وتنظيمية ، وعلاقات مصلحية حياتية ، وغائية مصيرية .

ودائرة "الإنسانية" تجمع كل أصناف الناس ، على اختلاف قومياتهم وألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وأديانهم ومذاهبهم ، ولو تباينت وتناقضت ، ولو كانت كتلهم متنافرة متعادية متصارعة .

وليس "للإنسانية" وطن خاص ، فالأرض كلها وطن لمن أعطى كل ولائه للإنسانية .

فالإنسانية مع القومية والوطنية تمثل الدائرة الأوسع الشاملة لدائرتيهما :


تقويم روابط هذه الدائرة برؤية إسلامية :

إن خيط الارتباط الإنساني وحده دون مبادئ وروابط عقدية فكرية ووجدانية ومصلحية ، يقطّعه أقل شدٍ من رابط قوميٍ في اتجاه مضادّ .

والرابط الوطني شبيه بالرابط الإنساني إلا أنه محصور بحدود الوطن ، ومقرون بنزعة حب الأرض .

وحبل الارتباط القومي وحده دون مبادئ وروابط عقدية فكرية ووجداني ومصلحية يقطعه شدٌّ من رابط قَبَلِيّ في اتجاه مضادّ ، لأن الرابط القبلي أقوى من الرابط القومي .

وحبل الارتباط القبلي وحده دون مبادئ وعقائد ومصالح ، يقطّعه شدٌّ من رابط أسريّ في اتجاه مضادّ ، لأن الرابط الأسري أقوى من الرابط القبلي .

وحبل الارتباط الأسري وحده دون مبادئ وعقائد ومصالح ، يقطّعه شدٌّ من الأنانية الفردية .

وبالنظر الشامل إلى عناصر الإنسانية وعناصر القومية وعناصر الوطنية ، نلاحظ أن دائرة الإنسانية أعم من دائرتي القومية والوطنية معاً ، في جوانبهما الإيجابية ، فحين تدعو القومية لمقاومة أعدائها من الأقوام الآخرين ، تدعو الإنسانية نظرياً إلى التوادّ والتآخي الإنساني . وحين تدعو الوطنية إلى مقاومة أعداء وطنها ، تدعو الإنسانية نظرياً إلى التواد والتآخي الإنساني ، والتسامح ، مع نظرة الوطنية نظرة إنسانية في حدود دائرة الوطن فقط ، أي : إن نظرة الوطنية لا تعترف بالفوارق القومية والعرقية والدينية والمذهبية داخل الوطن .

ثمّ إن كل خيوط وحبال الارتباط الوطني والقومي والإنساني يقطّعها شد من رابط ديني لدين رباني صحيح ، إذا كان سيره في اتجاه مضاد لاتجاهات مسيراتها .

أما إذا كانت مسيراتها في اتجاه مسيرة الدين الصحيح ، أو المذهب الفكري مع مناهج السلوك ومصالح الحياة ، فإنها تكون حينئذٍ قوىً موازرة ومدعّمة ومضاعفة من القوة ، والإسلام لا يلغيها حينئذ ، بل يعطيها من الصلة على مقاديرها بالعدل والإحسان .

فالدين الإسلامي لا يلغي أصول الارتباط الإنسانية ، والقومية والقبلية والأسرية ( الرحمية) ، والوطنية ، بل قد أمر الإسلام بصلة الرحم عموماً ، وبصلة القوم وأمر بالعطف الإنساني ، وحرّض على حماية أوطان المسلمين والدفاع عنها ، إذا كان ذلك لا يتعارض مع عقائده ، وعباداته ، وأخلاقه ، وأحكام شرائعه ، ونظام المجتمع الإسلامي ، أو كان يخدم أهداف الإسلام .

فإن شدّت هذه الارتباطات إلى ولاءات ، ولقاءات وأعمال ، ومناصرات ، تتنافى مع عقائد الإسلام ، وعباداته ، وسائر الأحكام والنظم الإسلامية ، ظل الارتباط الإسلامي على قوّته ومتانته ، وتقطّعت هي . لأن الرابط الإسلامي أقوى منها جميعاً .

فالرابط الإسلامي يجمع عناصر الارتباط الشاملة لأخطر وأهم ما في الإنسان من معاقد ترابط ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله .
* * *

نظرة موجزة حول بناء الأمة الإسلامية :

بناء الأمة الإسلامية يقوم على الأسس والعناصر التالية :

الأول : أعضاء الأمة الإسلامية الواحدة أعضاءٌ إنسانيون ، يتلاقون من أفراد المجموعة البشرية كلها ، من كل أقوامها ، وشعوبها ، وقبائلها ، وألوانها ، ولغاتها ، ومواطنها .

والفوارق القومية والعرقية والعنصرية واللونية اللغوية والوطنية ، فوارق مُلغاةٌ في كفاية المشاركة بالعضوية الكاملة في الأمة الإسلامية ، وهي فوارق طبيعية خلقها الله في أصناف الناس ، ليتعارفوا ، لا ليتفاضلوا على أساسها ، ولا ليتناكروا ، ولا ليتخالفوا ، ولا ليتفاخر بعضهم على بعض ، ولا ليتقاطعوا ويتدابروا ، ولا لتظهر فيهم العصبيات ، فلا عصبيات في الإسلام .

الثاني : الأرض كلها أو أيّة رقعة منها تصلح لأن تكون وطناً للأمة الإسلامية كلها أو بعضها .

وحيث قامة أمة إسلامية ذات كيان ودولة ، فأرضهم تدخل تحت عنوان : "وطن إسلامي" .

الثالث : الرباط الكلي الناظم لكل أعضاء الأمة الإسلامية هو عهد الإسلام ، بالدخول في هذا الدين الرباني الذي بلّغه محمد بن عبد الله (ص) ، كتابُه القرآن ، وكلمةُ الدخول فيه والانتماء إليه والتسليم لأوامره ونواهيه ، شهادة : أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .

وهذا الرباط رباط كلّي قويّ متين ، شامل للروابط التفصيلية التالية المهيمنة على كل كيان الإنسان من داخله ، وكل أركانه ، ومعظم ما يهمّه في حياته .

إن أعظم العناصر التي يتكون منها كيان الإنسان الداخلي ، وأركانه الرئيسية ، النفسية والجسدية هي :

الفكر ومفاهيمه – القلب ومعتقداته وعواطفه وحركاته الإرادية – النفس وأخلاقها وأهواؤها وأمانيها وآلامها وحركاتها الإرادية – الجسد وحاجاته ومطالبه في الحياة وأنواع سلوكه الإرادي - .

وعظمة الإسلام أنه يعقد بين أفراد الأمة الإسلامية بأربطة متعددة متشابكة ، تصل بين أفكارهم والمفاهيم التي تهيمن عليها ، وبين قلوبهم والعقائد التي تهيمن عليها ، وما يطلب منها من أعمال قلوب تتحكم بها الإرادة ، وما يصدر عنها من عواطف تولّدها العقائدة ، وبين نفوسهم وما تكتسبه من مشاعر مشتركة ، بسبب الوحدة الفكرية ، والوحدة الاعتقادية ، والأنماط التربوية الواحدة التي يتولاها الإسلام بمناهجه ، وبين صور سلوكهم في حركات حياتهم الظاهرة ، بسبب هيمنة شرائع الإسلام وأحكامه ونظمه الشاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ، يضاف إلى ذلك إيجاد المناخات الملائمة للمشاركة في المصالح والمنافع ومطالب الحياة .

وبنظرة تفصيلية مقسمة ، نلاحظ أن الإسلام يعمل على عقد الوحدة بين الأفراد الإنسانيين ، المنتمين إليه ، المؤمنين بعقائده ، المسلمين لأحكامه وشرائعه ، في أوامره ونواهيه ، بالروابط التالية :

الرابط الأول : الوحدة الفكرية الاعتقادية .

الرابط الثاني : وحدة مصادر التشريع وأسس التصور لمفاهيم الحياة ، التي تشمل الجوانب الإنسانية المختلفة .

الرابط الثالث : وحدة العناصر الأساسية والرئيسية لمناهج السلوك في الحياة ، الداخلية الباطنة ، والخارجية الظاهرة .

الرابط الرابع : التقاء المصالح والأهداف ، والمشاركة في الآلام والآمال مشاركة حقيقية نابعة من عمق الوحدة الفكرية الاعتقادية ، ومن عمق الوجدان .

الرابط الخامس : مشاعر التآخي والتوادّ السعيد ، حتى مستوى مشاعر الجسدية الواحدة ، التي حث عليها الإسلام ، وجعلها أحد مظاهر المجتمع الإسلامي .

الرابط السادس : الواجب الرباني الذي يفرض وحدة الجماعة الإسلامية ، لتبليغ دين الله ، وإقامة العدل في الناس .

الرابط السابع : مشاعر المصير المشترك الذي تمثله الأمة الربانية الواحدة في الحياة الدنيا ، وأمة السعادة في دار النعيم المقيم في الآخرة .

وفوق هذه الروابط وشائج مؤازرة كثيرة متداخلة في شبكة لا نظير لها .

أما شرح هذه الروابط والوشائج مع تفصيلات أخرى فيجدها القارئ في كتابي "الأمة الربانية الواحدة".

(2)

الوطنية

شعار معاصر ، حاول مروجوه بين المسلمين توجيه ولاءِ سكّان أو أصحاب الوطن الواحد بصفةٍ جماعية مشتركة لأرض وطنهم ذات الحدود المعيّنة ، وشحنهم بالتعصب لها انتماءً ، والدفاع عنها حتى درجة فدائها بالنفس ، مهما اختلفت عقائدهم ، ولغاتهم ، وأعراقهم ، وقومياتهم .

وقد يصعب رسم حدود الوطن بصورة ثابتة دواماً ، لأنها خاضعة للتبدّل والتغير بتبدل الأحداث السياسية والعسكرية ، وتبدّل المشاعر النفسية أحياناً .

أما حب الأرض فهو عاطفة إنسانية قديمة ، تولّدها عدة مشاعر ، يبرز لنا منها بوضوح عناصر أربعة :

العنصر الأول : التملك ، وحقُّ الاستيطان التاريخي ، للفرد ولأسرته ، ولأجداده وقومه ، والأمة التي ينتمي إليها ، وهو حقّ موروث ، أو حق الاستيطان المكتسب للفرد ولذريته .

وقد تعارف الناس على أن من يملك حق المواطنة فهو عضوٌ من الأمة مالكة الوطن ملكاً عاماً مشاعاً ، ويتولى المفوضون منها بالإدارة السياسية ، إدارة هذا الملك العامّ المشاع .

بخلاف نزلاء الوطن وضيوفه والمقيمين فيه بعهد أو أمانٍ أو ذمة ، فإنهم قد يملكون حق الإقامة ، لكنهم لا يملكون حق المواطنة .

فمن يملك حق المواطنة فهو أحد مالكي الوطن ، ولو لم يكن مالكاً فيه ملكاً شخصياً شبراً واحداً .

ومن لا يملك حق المواطنة فلا ملك له في الوطن العام المشاع ، ولو كان له فيه ملك شخصي ، كدار ، أو حديقة ، أو أرض زراعية ، أو مصنع ، أو متجر ، أو نحو ذلك .

العنصر الثاني : الارتباط بالأرض بدافع ديني ، ويكون ذلك إذا كان للأرض أهمية دينية في تصور الإنسان أو عقيدته .

كأن تكون الأرض قبلته في صلاته ، أو محجّة ، أو بلد الرسول الذي يؤمن به ويتبع شريعته ، أو مهبط الوحي الذي آمن بما جاء عنه ، أو قاعدة انطلاق الأمة الدينية التي ينتمي إليها .

العنصر الثالث : الذكريات الحلوة وإيلافها ، فمن عاش في أرض وكان له فيها ذكريات حلوة ، أحبها وتعلقت عاطفته بها ، وكان له أُنْس بزيارتها من حينٍ لآخر ، ويجد نفسه مدفوعة لحمايتها والدفاع عنها .

العنصر الرابع : ما يكون في الأرض من آثار تاريخية وحضارية تتصل بأمجاد الإنسان نفسه ، أو أمجاد أسرته ، أو قبيلته ، أو قومه ، أو الأمة التي ينتمي إليها .

فهذه الآثار تشد الإنسان إلى الأرض ، عن طريق الوشائج التي تشده إلى أسرته أو قومه أو أمته التي ينتمي إليها ، وهي وشائج عاطفية لا عقلية ، فهي فرع من فروع الانتماء إلى القوم أو إلى الأمة .

وبالمفهوم المعاصر للوطنية الذي روّجه الطامعون بسلخ المسلمين من حقوقهم في السيادة على الأوطان الإسلامية ، اتسع شعار الوطنية ، حتى صار في المفهوم الشائع يضم كل سكان الوطن الواحد ، ولو كانوا في الأصل نزلاء ، أو ضيوفه ، أو مقيمين فيه ، بعهد أو أمان أو ذمة .

وبهذا التوسيع المقصود الذي يراد به كيد المسلمين مالكي الأوطان الحقيقيين ، غدا هؤلاء النزلاء والضيوف المقيمون بعهد أو أمان أو ذمة لهم في الملكية العامة للوطن حقوق متساوية لحقوق مالكيه الأصليين .

وبمكر مدبر انطلقت عبارة : "الدين لله والوطن للجميع" . وأطلق مروجو شعار الوطنية بين المسلمين حديثاً لا أصل له ، نسبوه إلى النبي (ص) ، وهو : "حب الوطن من الإيمان" .

وهذا التوسيع في حق الملكية العامة المشاعة للوطن ، جر إلى التسليم بحق الجميع في إدارته السياسية .

ولما كان هؤلاء الجميع مختلفي الأديان والمبادئ والعقائد ، وقد صار لهم جميعاً الحق في الإدارة السياسية للوطن الواحد ، بمقتضى مكيدة الزحف الانتقالي من فكرة إلى فكرة ، كان لا بد من اللجوء إلى مكيدة أخرى ، هي المناداة بفصل الدين عن السياسة ، والمناداة بعلمانية الدولة .

ثمّ إن الأخذ بعلمانية الدولة التي تتضمن إبعاد الدين عن الإدارة السياسية لبلاد المسلمين وأوطانهم ، قد مكّن الطوائف غير المسلمة فيها من الوصول إلى مراكز الإدارة السياسية ، والقوة العسكرية ، حتى مستوى القمة أو قريباً منها .

وتدخلت ألاعيب كيدية كثيرة خارجية وداخلية معادية للإسلام والمسلمين ، في تهيئة الظروف السياسية ، وتقبلت جماهير المسلمين ذلك ببراءة وغفلة وحسن نية ، وكان بعض قادتهم السياسيين والعسكريين وغيرهم عملاء وأجراء لأعدائهم .

ثمّ لما تمكنت هذه الطوائف غير المسلمة من القوى الفعالة داخل بعض بلاد المسلمين ، كشفت الأقنعة عن وجوهها التي كانت تخادع بها ، وتدّعي الإخاء الوطني ، وصارت تدعي أن الوطن لها ، وأخذت تنبش الدفائن لتستخرج مزاعم تاريخية قديمة ، سابقة للفتح الإسلامي ، وهذه المزاعم لا أساس لها من الصحة .

ثمّ أخذت تفرض سلطانها بالقوة في هذه البلاد ، مؤيَّدةً من الدول الكبرى المعادية للإسلام والمسلمين ، وحارب الأكثرية المسلمة بضراوة وحق ، وأخذت تحرمها من حقوقها في أوطانها ، حتى جعلتها بمثابة أقليات مستضعفة .

ونسفت الطوائف غير المسلمة بعد تمكنها أفكار الحق الوطني القائم على العلمانية نسفاً ، ونسفت الإخاء الوطني ، وأظهرت تعصبها الطائفي المقيت ، القائم على الانتماء لأديانها وعقائدها التقليدية الموروثة .

وكانت لعبة شعار الوطنية مكيدة انخدع بها جمع غفير من المسلمين ببراءة وسلامة صدر ، حتى استلّ أعداؤهم منهم معظم حقوقهم ، ومعظم مقدّراتهم .
* * *

(3)

القومية

دوافع الانتماء القومي :

الاعتزاز بالقوم ، والانتماء إليهم ، والدفاع عنهم ظاهرة إنسانية قديمة ، إذا اتفقت معها المبادئ الفكرية الاعتقادية ، والمصالح والمنافع المتبادلة بين أفراد القوم وأسرهم وقبائلهم ، استمرّت وتأصّلت في المجتمع ، وإذا اختلفت معها المبادئ الفكرية الاعتقادية ، والمصالح والمنافع ، وسارت في اتجاهات معاكسة ، أصاب هذه الظاهرة الخلل ، وتعرّضت للانتكاسات ، وظهرت في المجتمع الصراعات والتناقضات ، ثمّ الانقسامات ، وأنواع الانفصال .

أمّا دوافع هذه الظاهرة في النفس الإنسانية فيمكن أن نكشف منها ما يلي :

الدافع الأول : الأنانية التي تبدأ بالفرد ، وتتسع مع اتساع دوائر المجتمع حتى تصل إلى دوائر القوم ، الذين يجمعهم أصل واحد ، ولغة واحدة ، وقد يُنسى الأصل أو يُهمل بالتقادم واختلاط الأصول والأعراق ، وتبقى اللغة ، رابطاً يرمز إلى وحدة الأصل .

وبعض القبائل قد حافظت على أصولها وأعراقها وأنسابها ، وقد يتسامح بعضها بإدخال الموالي معها ، أو إدخال من تناسبه وتصاهره ، كما هو الحال في كثير من القبائل داخل الجزيرة العربية .
لكن معظم الشعوب قد اختلطت أعراقها ، فمن الصعب تجميع قومٍ متحدي الأصل العرقي القبلي ، في غير الذين حافظوا على أصولهم العرقية من القبائل .

الدفاع الثاني : عاطفة الرحم الموجودة في فطرة الإنسان نحو أصوله وفروعه وسائر قرابته ، وقد تمتدّ إلى كل أفراد القوم امتداداً متناقض القوة ، حتى تكون في أطرافها مثل الشعيرات الدقيقة جداً ، من حبلٍ منقوض مبثوث من آخره ، مجموع مُبْرمٍ من أوله ، فهو من أوله المبرَم رباط الرحم القريبة ، وهو من آخره المنقوض المبثوث شعيرات الصلات بأفراد القوم البعيدين ، ولكل من الأوساط مقدار منها بحسب قربه أو بعده ، وتكاد تسقط العاطفة الرحمية حين لا يبقى من الرباط القومي إلا رمز وحدة اللغة ، وتبقى حينئذٍ العاطفة الإنسانية ، أو ما يزيد عليها قليلاً من قوّة الرابط اللغوي .

الدافع الثالث : مطلب الحماية وتحقيق الأمن ، في مواجهة أعداء القوم وخصومهم ، والطامعين بهم ، أو بأرضهم وخيراتهم .

ويسقط هذا الدافع حين لا يجد الإنسان لدى قومه الحماية التي يرجوها .

الدافع الرابع : مطلب التعاون لتأمين المصالح المشتركة ، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها .

ويسقط هذا الدافع حين لا يجد الإنسان لدى قومه ما يحقق له المصالح التي يرجوها .
* * *

ظهور شعار القومية في أوروبا :

أما شعار "القومية" فهو شعار معاصر ، ظهر في أوروبّا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي .

وكان ظهور القومية في أوروبا بديلاً للرابط الديني ، في أعقاب سيادة الاتجاه العلماني ، وضعف الرابط الديني شعبياً ، وبتره سياسياً بتراً كلياً .

لقد كان لا بد من بديل للرابط الديني الذي كان أقوى في أوروبا من الرابط القومي ، على الرغم من كون هذا الرابط الديني في أوروبّا قد كان رابطاً واهياً ، لأن عناصره عقيدة محرفة ، ومفاهيم وضيعة مليئة بالأغاليط ، وعصبية موروثة .

أما وقد تقطّع الرابط بسيادة الاتجاه العلماني ، فإن البديل التلقائي هو ظهور الرابط القومي ، لأن له في النفس الإنسانية دوافع فطرية ومصلحية .

وساعد على إظهار الرابط القومي وبعثه من مدفنه ، الذين كانوا من قبل قد حاربوا الدين والأخلاق والنظم الاجتماعية ، وأقنعوا أوروبا بالاتجاه للعلمانية ، والأخذ بها .

وقامت في أوروبا صراعات ذات نزعات قومية ، لعبت بها كتابات موجّهة ضمن مخطط مرسوم ، وقد ظهرت هذه الكتابات بأقلام طائفة من الفلاسفة ، وعلماء الاجتماع ، وعلماء السياسة .

وكان من آثار هذه النزعات القومية أن جمعت أشتاتاً ، وفرّقت مجتمعين ، وحركت مطامع استعمارية ذات دوافع قومية ، وغيرت حدود أوطان على الخريطة السياسية .

ثمّ أقبل القرن العشرون الميلادي ، وقامت فيه حربان عالميتان كبريان دمرتا دماراً عظيماً ، وأهلكتا الحرث والنسل ، وكانت دوافعهما قومية ، على مستوى الشعور الجماهيري العامّ ، إذ تفجّرت القومية في ألمانيا وإيطاليا ، وكان لها ظهور قوي في فرنسا وبريطانيا وغيرها .

ثمّ خبت وقدة النزعات القومية ، واتجه العالم الغربي إلى نزعات غير قومية ، ضمن الاتجاه العلماني اللاديني ، فمنها ما اتجه شطر الالتقاء على المصالح المشتركة الاقتصادية أو السياسية أو الدفاعية ، ومنها ما كان لقاءً على وحدة فكرية عالمية ، غير ذات حدود إقليمية أو وطنية أو قومية ، ولم يكن باستطاعتهم أن يجتمعوا على دين ، لأنهم قد أسقطوا الدين من عقائدهم ومن روابطهم السياسية ، ومعظم روابطهم الاجتماعية . وبقايا الدين فيهم أمست شخصية .

ولمّا أذنت شمس القومية تتجه إلى الغروب في أوروبا والعالم الغربي كلّه ، بدأت تظهر في بعض شعوب العالم الإسلامي ، بمكايد مدبّرة .
* * *

ظهور شعار القوميات بين الشعوب الإسلامية في هذا العصر :

وضمن مخطّط المكايد الخطيرة التي دبّرت ضدّ الإسلام والأمّة الإسلامية قامت بين المسلمين دعوات القوميات ، كالقومية العربية بين العرب ، والقومية الطورانية بين الأتراك ، والقومية الكردية بين الأكراد ، والقومية الفارسية بين الفرس ، والقومية الشركسية بين الشركس ، ونحو ذلك ...

ومن العجيب أن أئمة دعوة القومية العربية بين العرب لم يكونوا من أصول عربية ، ثمّ كان الذين حملوا شعاراتها بقوة داخل الشعوب العربية هم من الطوائف غير المسلمة ، وانساق معهم مفتونون من أبناء المسلمين ، من الذين تأثروا بالفكر الأوروبي الحديث ، وبدسائس المستشرقين والمبشرين والمستعمرين ، ومن الذين حَلاَ لهم التحلل من شرائع الإسلام ، وأحكامه .

وبالنزعة القومية مع الاتجاه العلماني نجحت المكايد التي دبّرت لإسقاط الخلافة الإسلامية ، وتمكين الدول الاستعمارية من الاستيلاء على معظم البلدان العربية وشعوبها .

ثمّ قامت التكتلات القومية ، ثمّ الأحزاب والمنظمات القومية ، لتحقيق الاتجاه العلماني ، وإقامة الرابط القومي بدل رابط الدين الإسلامي ، الذي كان هو السائد في الشعوب العربية ، ونشطت هذه التكتلات والأحزاب والمنظمات القومية في أعمالها نشاطاً عظيماً ، موجهاً من الدول الاستعمارية ومدعوماً من قبلها .

وانطلت حيلهم على المغفلين من أبناء المسلمين ، وآمن بأفكارهم التي نشروها وزينوها مثقفون من أبناء المسلمين ، علّمتهم وربّتهم المدرسة الغربية ، وانسلخوا من الدين الإسلامي إلى العلمانية ، آخذين بالمادية الغربية ، أو المادية الشرقية .

وضمن شعار الوحدة القومية المقرون بالعلمانية ، مع الدعم الاستعماري ، والمكايد الدولية المدبر ، أقبل المتظاهرون بالانتماء إلى العروبة والاعتزاز بها ، والمتعصّبون سرّاً لطوائفهم المعادية للإسلام والمسلمين ، فتسللّوا بالحيلة والمسكنة وأساليب الذكاء ، إلى مراكز القوة التعليمية والإدارية والسياسية والعسكرية ، حتى قبضوا على معظم نواصيها ، وركبوا أقوى ظهورها .

ومن حيلهم أنهم اتخذوا الذي انسلخوا من الإسلام من أبناء المسلمين مطايا مرحلية ، فاجتازوا على ظهورهم المسافة من مواقعهم في الصفوف الأخيرة ، إلى مواقع الصفوف الأولى ، فمنصّات القيادة ، ضمن جماهير المسلمين المخدوعين بالمطايا .

واستخدمت المكايد الدولية والطائفية المحلية القوميات لإشعال نيران الثورات والحروب والصراعات ذات النزعات القومية .

ولما وصلت الأقلية الطائفية غير المسلمة إلى مراكز القوة الفعلية ، كشفوا الأقنعة عن وجوههم ، وكشروا عن أنيابهم ، ونبذوا الأكثرية المسلمة ، وفرضوا عليها استعباداً وإذلالاً ، وانطلقوا بجرأة تامّة ، وصراحة غير متوارية ، ينفذون رغبات الدول الاستعمارية ، ورغبات الصهيونية ، ورغبات كلّ أعداء الإسلام والمسلمين ، وأعداء الشعوب العربية .
* * *

نظرة تحليلية إلى دعوة القومية :

لمّا أريد للقومية أن تكون رابطاً لتكوين أمة ، بديلاً للدين أولاً وبالذات ، ثمّ للوطنية ، أو وحدة الدولة ، أو وحدة المذهب الاجتماعي أو الاقتصادي تغطية وتلبيساً ، أخذ المفكرون فيها يبحثون عن سند فكري أو نفسيّ لهذه القومية المعاصرة ، فطرحت آراء متعدّدة ، وقامت مناظرات وجدليّات ، وبرز من الأفكار لتحديد عناصر القومية ما يلي :

1- وحدة الأصل والعرق .
2- وحدة اللغة .
3- وحدة التاريخ .
4- وحدة الثقافة .
5- المصالح المشتركة .
6- وحدة المشاعر حول آلام الماضي وآمال المستقبل .

وأخذو مفلسفو القومية من الجرمانيين يركّزون على عنصر وحدة العرق ، وظهرت نزعة تفوّق العرق الجرماني ، وانطلقت القومية الألمانية على هذا الأساس ، وجرّت للعالم حروباً طاحنة ، كان المخططون لنشر القوميات يعرفون أنها ستجرّ إلى أمثال هذه الحروب .

وظهرت بعض قوميات عرقية أخرى ، منها ما أدى إلى اجتماع متفرقات دويلات ، ومنها ما أدى إلى انفصال أقوام وتكوين دول مستقلة .

ثمّ قامت في الغرب أبحاث علمية أكّدت أن وحدة الأصل والعرق من الأمور التي لا تتحقق ، وعمّم هؤلاء الباحثون أحكامهم على كل الشعوب ، بيد أن التعميم يفتقر إلى أدلة إثبات ، وإن كان هذا لا يعنيني في هذا المجال .

ولمّا زحفت الفكرة القومية إلى الشعوب الإسلامية ، أراد دعاتها أن يفصّلوا عناصرها تفصيلاً يتناسب مع خطة عزل الدين الإسلامي ومقاومته ، وجمع أكبر قدر ممكن من غير المسلمين في إطار القومية التي يدعون إلهيا ، وإضعاف مركز الأكثرية العرقية التي تدين بالإسلام .

لقد كان لزاماً عليهم في الدرجة الأولى استعباد عنصر وحدة الدين ، لأن الهدف من إنشاء فكرة القومية الحديثة مقاومة الدين ، وعزله عن السياسة والمجتمع .

ثمّ نظروا إلى الهيكل الاجتماعي الذي أرادوا أن يلبسوه لباس القومية ، ففصلوا عناصر القومية على وفقه .

فحذفوا من القومية عنصر وحدة الأصل والعرق ، ولو تحقق ، حذفاً كليّاً ، لئلا يكون داعياً إلى احتلال المعروفين بسلامة أعراقهم القومية مركز الصف الأول ، وهؤلاء هم الأكثرية المسلمة ، واحتلالُهم مركز الصف الأول من شأنه أن يُبقي للإسلام ثقلاً حقيقيّاً داخل نزعة القومية ، وهذا أمر يعارضونه أشدّ المعارضة ، ويقاومونه أعنف المقاومة ، إنهم لم يأتوا بنزعة القومية إلا لقتل الإسلام بها في نفوس المسلمين .

ولما حذفوا عنصر وحدة الأصل والعرق انتقلوا إلى التأكيد على عنصر وحدة اللغة ، وقدم مفلسفوهم الأدلة على قوة هذا العنصر في توثيق الرابطة القومية ، وتكوين الأمة القومية .

واعترضتهم مشكلة المهاجرين من بلاد عربية هم أو أجدادهم ، وهم لا يحسنون اللغة العربية ، وقد صارت لغتهم لغةً أخرى ويهمهم تكثير الأقليات غير المسلمة بهم في البلاد العربية ، فوضعوا لهم فكرة استرجاعهم إلى الانتماء للأصل العربي ، حتى يكتسبوا بهم ثقلاً للأقليات غير المسلمة ، وقد جاء هذا متأخراً عن تدوين أفكار القومية .

وغدت وحدة اللغة قابلة للتمطيط ، فمن كانت لغة آبائه أو أجداده العربية فهو عربي ، ومن كان ينطق العربية فهو عبي ، ولو لم تكن أصوله عربية ، ويُغضُّ النظر عن التدقيق في عناصر القومية الأخرى .

أما العنصر الثاني الذي ركّزوا عليه ، وجعلوا له دوراً مهماً في تكوين الأمة القومية ، فهو عنصر "وحدة التاريخ" .

قال ساطع الحصري : إن "وحدة الأصل" يجب أن تخرج من كل تعريف يتعلق بمعنى الأمة ، فمن الأوفق الاستعاضة عن ذلك بـ"وحدة التاريخ" لأن وحدة التاريخ هي التي تلعب أهم الأدوار في تكوين "القرابة المعنوية" ... وفي توليد "وهم وحدة الأصل" الذي يسود الأذهان هـ.

ونلاحظ أنه لدى تطبيق القوميين عنصر "وحدة التاريخ" على واقع الشعوب العربية ، نجدهم يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين ، لأنه لا يمثل وحدة تاريخ بين كل العرب ، مسلميهم وغير مسلميهم ، فغير المسلمين من العرب قد يغيظهم جداً تاريخ العرب المسلمين ، بل قد يحقدون عليه ، وهم لا يعترفون بأنه تاريخ لهم ، إنما هو تاريخ خصومهم أو أعدائهم ، فكيف يكون أحد العناصر التي تربطهم بالأمة العربية . هؤلاء لهم تاريخ خاصّ بهم غير تاريخ العرب المسلمين ، ولو عاشوا بينهم أقلية .

وحينما يقفزون عن تاريخ العرب المسلمين ، يسقطون على تاريخ عصور الجاهلية العربية ، البائدة والعاربة والمستعربة ، ويجمعون مقتطفات من التاريخ العربي بعد الإسلام ، بشرط أن لا يكون فيها تأثير إسلامي . ويهتمون بإظهار ما يتعلق بتاريخ غير المسلمين من العرب ، وتزيينه وتحسينه ، وإضفاء الألقاب الفخمة عليه ، مما يجعل له في أذهان دارسيه ذكريات أمجاد ، وللأقليات الطائفية النصيب الأوفى من هذا التاريخ المنتقى بعناية فائقة .

إذن : فللإيهام بصحة انطباق عنصر "وحدة التاريخ" على كل الناطقين باللغة العربية ، مسح القوميون من التاريخ العربي الذي كتبوه ودرّسوه في مناهج التعليم كل ما هو إسلامي مجيد ، وسلطوا الأضواء على غيره ممجدين معظمين ، وإن اضطروا إلى ذكر تاريخ العرب المسلمين مرّوا عليه كالبرق الخاطف ، وأبرزوا منه هنواته فقط .

ولا يهمل مفلسفو القومية العربية العناصر التالية :
• وحدة المشاعر والمنازع .
• وحدة الآلام والآمال .
• وحدة الثقافة .

ولكنهم يجعلونها نتائج طبيعية "لوحدة اللغة" و"وحدة التاريخ" .

ويصرّون على حذف "وحدة الدين" وهذا في مقدمة ما يحذفون من عناصر ، ثمّ يحذفون مما يذكر الناس من عناصر تكوين الأمم : وحدة الدولة ، ووحدة الحياة الاقتصادية ، ووحدة الأرض ، أي الاشتراك في الرقعة الجغرافية ، لأن هدفهم الآن نشر القومية .

يقول "ساطع الحصري" كبير مفلسفي القومية العربية ، مبيناً الحقائق التي توصل إليها بعد درس وتمحيص النظريات المختلفة ، وبعد استعراض واستنطاق الوقائع التاريخية :

" إن أسّ الأساس في تكوين الأمة ، وبناء القومية ، هو وحدة اللغة ، ووحدة التاريخ .

لأن الوحدة في هذين الميدانين ، هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع ، ووحدة الآلام والآمال ، ووحدة الثقافة ... وبكل ذلك تجعل الناس يشعرون بأنهم أبناء أمّة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى .

ولكن : لا وحدة الدين ، ولا وحدة الدولة ، ولا وحدة الحياة الاقتصادية ، تدخل بين مقوّمات الأمة الأساسية .

كما أنّ "الاشتراك في الرقعة الجغرافية" أيضاً ، لا يمكن أن يعتبر من مقومات الأمة الأساسية .

وإذا أردنا أن نعيّن عمل كلٍّ من اللغة والتاريخ في تكوين الأمة ، قلنا :

اللغة : تكوّن روح الأمة وحياتها .

التاريخ : يكوّن ذاكرة الأمة وشعورها ." انتهى .

واستناداً إلى هذه الأسس التي وضعوها ، وحدّدوا بها عناصر القومية العربية ، نصّوا على الأركان التي يجب على القوميّ أن يعرفها ويؤمن بها أشدّ الإيمان ، وأهمّها ما يلي :
" إن كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية ، هو عربي ...

ومهما كان اسم الدولة التي يحمل جنسيتها وتابعيتها بصورة رسمية .
ومهما كانت الديانة التي يدين بها ، والمذهب الذي ينتمي إليه .
ومهما كان أصله ونسبه ، وتاريخ حياة أسرته ... فهو عربي .

والعروبة ليست خاصة بأبناء الجزيرة العربية ، ولا مختصة بالمسلمين وحدهم .

بل إنها تشمل كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية .

سواءٌ أكان مصرياً ، أو كويتياً ، أم مراكشياً ...
وسواءً أكان مسلماً ، أم مسيحياً .
وسواء أكان سنياً ، أم جعفرياً ، أم درزياً .
وسواءٌ أكان كاثوليكياً ، أم أرثوذكسياً ، أم بروتستانتياً ..
فهو من أبناء العروبة ، ما دام ينتسب إلى بلاد عربية ، ويتكلم باللغة العربية ..".

وهكذا استطاعت الفكرة القومية بحيلتها الكَيْدِيَّة ، أن تسلب المسلمين العرب ، وهم الكثرة الكاثرة ، كثيراً من حقوقهم السياسية والإدارية ، والاقتصادية ، وحقوقهم في السيادة على أرضهم ، وغير ذلك ، لصالح الأقليات غير المسلمة ، التي لم تكن تحلم بها .

وكان من شأن هذه الأقليات بعد ذلك أن استغلت فكرة القومية لصالح طوائفها ، دون أن تتنازل شعرة واحدة عن عصبياتها الطائفية المضادة للإسلام والمسلمين ، ووقائع الأحداث في كثير من البلاد العربية تشهد بذلك .

لقد ظهر بما لا يدع مجالاً للشك لدى التطبيق على المجتمع البشري ، أن شعار القومية بكل عناصرها لم يستطع أن يوحّد بين أتباع الأديان والمذاهب والمبادئ المتناقضة المتعارضة ، فثبت سقوط الفكرة من أساسها ، وثبت أن عناصر القومية غير صالحة لتكوين أمة ، أفرادُها يتّبعون مبادئ ومذاهب ومناهج وعقائد متباينة متناقضة متضادّة الاتجاهات .

ولا يستطيع الإنسان أن يكون خالياً على الدوام من مبدأ ، وعقيدة في الحياة ، ومذهب في السلوك يسير على وفقه ، ولن يتفق الناس على مبدأ وعقيدة ومذهب ، لأنهم لا يستطيعون توحيد أهوائهم ورغباتهم ومصالحهم ، ولا يستطيعون التخلّص من أنانيتهم الضيقة أو الموسعة قليلاً .

وأجمع جامع للناس في هذا دين ربّاني حقّ ، تدفعهم إلى الأخذ به والاجتماع عليه حَقَّيَّتُه وعدالته وكماله ، ورغبةٌ بثواب عظيم ، ورهبةٌ من عذاب أليم ، أعدهما الربّ الخالق منزل الدين .
ولسائر الأديان ولو كانت محرّفة أو وضعيّة عوامل جمع بحسب قوة هيمنتها على العقول والقلوب والنفوس ...
* * *

فراغ القومية من مضمون يغني الناس عن التطلّع إلى غيرها :

ليس في الرابط اللغوي ، ولا في ذكريات التاريخ ، اللذان هما الأساسان العظيمان في القوميّة ، ما يسدّ حاجة الإنسان إلى أفكار يعتقدها ويؤمن بها ، حول سرّ وجوده ، والغاية منه ، وواجباته في الحياة ، ومصيره الذي هو صائر إليه بعد رحلتها ، وحاجة الإنسان إلى منهاج حياة يسير عليه ، هو وشركاؤه في المجتمع البشري الذي يعيش ضمنه .

لقد عظّمت الدعايات الكثيرة الإعلامية والإقناعية ، من حجم القوميّة الضئيل في واقع النفس الإنسانية السويّة ، وكان ذلك بالنفخ الصناعيّ التمويهي الذي قام به دعاة القوميّة ومروّجوها .

• فآمن بالقومية واستجاب لدعاياتها ناشئون أغرار .
• وانضم إليها منتفعون طامعون أصحاب مصالح ومطامع .
• وقاد المسيرة أصحاب المكيدة الأصليون من أتباع الطوائف غير المسلمة .

حتى صار للمجموع ثقل عددي ، وثقل كيدي ، في كثير من البلاد العربية الإسلامية .

لكنّ الرابط اللغوي ، وذكريات التاريخ ، بطبيعة مكوّناتهما ، لا يشبعان نهمة العقول إلى معرفة مفاهيم تقنعها ، حول سرّ وجود الإنسان ، والغاية منه ، وواجباته في الحياة ، ومصيره الذي هو صائر إليه بعد رحلتها ، ولا يشبعان حاجة الإنسان إلى منهاج حياة يسير عليه ، هو وشركاؤه في المجتمع .

لقد حمل أتباع القومية شعارها المنفوخ نفخاً صناعياً ، واندفعوا لتمجيدها اندفاعاً غوغائياً ، مدّة من الزمن ، على وهم أنهم سيجدون لديها شيئاً يشبع عقولهم وقلوبهم ونفوسهم ، لكنهم حينما صحوا من ضجيج الغوغاء ، وظهرت بينهم الخلافات الأنانية ، رجعوا يشعرون بحاجات عقولهم وقلوبهم ونفوسهم .

تتبعوا عناصر القومية ، فلم يجدوا فيها شيئاً يشبع حاجاتهم ، ثمّ ألحّت عليهم الحاجات فسعَوْا يتلمَّسون في المبادئ والأفكار المطروحة في العالم ما يشبعها .

1- فالذين كانوا قد تركوا الإسلام منهم بإصرار ، ولم يجدوا من يقنعهم بالرجوع إليه ، أو هم لا يريدون ذلك بعد أن استمرؤوا الإباحية والانغماس في المحرمات والكبائر الكبرى ، ظلّوا على كفرهم بالإسلام :

* فريق منهم اتجه شطر الماديّة الملحدة الشرقية يأخذ منها الاشتراكية أو الشيوعية ، ونظم الحياة الوضعية .
* وفريق منهم اتجه شطر المادّية الملحدة الغربية ، يأخذ منها الإباحات ، والنظام الرأسمالي ، ونظم الحياة الوضعية .

وظهرت الصراعات والانقسامات بين هذين الفريقين .

2- والذين صحوا من سكر فتنتهم بالقومية ، وعرفوا فراغها ، وخبروا مكيدتها ، عادوا إلى الإسلام تائبين ، لكنهم اعتزلوا معترك العمل الجماعي ، وقليلٌ منهم اتجه اتجاهاً إيجابياً لنصرة الإسلام والدعوة إليه .

3- وظهر الذين كانوا يحملون شعار القومية كيداً ونفاقاً من الطوائف غير المسلمة على حقيقتهم ،فكشفوا تعصّبهم الطائفي ، وأظهروا أن قوميتهم العربية التي كانوا قد ادّعوها لم تكن إلاّ قوميّة مزيفة ، وأسلوباً مرحلياً لتحقيق أهدافهم الطائفية ، في التسلّط ، والقضاء على الإسلام والمسلمين .

هذه نتائج كان لا بد من وصول القوميين إليها ، وكانت معروفة لدى المخطّطين لنشر القومية ، ومرادة لهم .

لقد نجحت مكيدتهم وكان المسلمون ضحيّتها ، وكان الإسلام عدوّهم الأكبر .
* * *

موقف الإسلام من العصبية القومية:

لقد قاوم الإسلام العصبية القومية ، واعتبرها نزعة منتنة ، وأقام بين المسلمين الأخوة الإيمانية الإسلامية ، ولم يلغ حق الرحم في الصلة والمصاحبة بالمعروف .

وفيما يلي طائفة من النصوص الإسلامية :
1- قول الله عزّ وجلّ في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.

فعقد الله بهذه الآية الأخوّة بين كلّ المؤمنين دون استثناء ، فهم إخوة برابطة وحدة الإيمان .

2- روى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله (ص) :
" مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى ".

فأبان الرسول (ص) أن الأمة الإسلامية في وحدتها وترابطها ، بمثابة الجسد الواحد ، الذي تحركه روح واحدة ، وتوجهه مشاعر واحدة .

3- عن ابن عمر ، أن النبي (ص) طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه ، فلما خرج لم يجد مُناخاً ، فنزل على أيدي الرجال ، فخطبهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وقال :
" الحمد لله الذي أذهب عنكم عصبيّة الجاهليّة ، وتكبُّرها بآبائها ، الناس رجلان ، برٌّ تقيٌّ كريم على الله . وفاجرٌ شقيٌّ هيّنٌ على الله . والناسُ بنو آدم ، وخلق الله آدم من تراب ، قال الله في سورة (الحجرات/49 مصحف/106 نزول):
{ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .
ثمّ قال : "أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم" .
فأعلن الرسول (ص) في خطبته هذه يوم الفتح ذهاب العصبية الجاهلية وتكبّرها بآبائها .

4- عن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله (ص) في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال :
" يا أيها الناس ، ألا إنّ ربكم واحد ، ألا إن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود ، إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . ألا هل بلّغت؟".

قالوا : بلى يا رسول الله .
قال: "فليبلّغ الشاهد الغائب" .

5- روى البخاري عن جابر بن عبد الله قال : كنّا في غزاة ، فكسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، قال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : ياللمهاجرين. فسمع ذلك رسول الله (ص) فقال :
" ما بال دعوى جاهليّة؟!".

قالوا : يا رسول الله ، كَسَع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار ، فقال :

" دعوها فإنها منتنة ".

6- مرّ شاس بن قيس "هو حبر من أحبار يهود بني قينقاع" وكان شيخاً موغلاً في معاداة الإسلام ، عظيم الكفر ، شديد الحسد للمسلمين ، على نفر من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس والخزرج، فوجدهم مجتمعين متحابين ، قد ألّفت بينهم الأخوة الإسلامية ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية ، فقال : " قد اجتمع مَلأ بني قَيلة بهذه البلاد ، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع مَلَؤهُم بها قرار".

فأمر فتى شاباً من يهود كان معه ، فقال له : " اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثمّ اذكر يوم بُعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من أشعار".

فأقبل هذا الشاب فجلس بين المسلمين ، وتحدث معهم ، ثمّ استجرهم للحديث عن يوم بُعاث ، وأنشدهم ما يحفظ من الأشعار التي قيلت فيه .

ودبت الحميّة بين الأوسيين والخزرجيين ، وتنادوا : السلاح السلاح .

فبلغ ذلك رسول الله (ص) ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين ، حتى جاؤهم في الحرّة ، وهم يستعدّون للقتال ، فقال :

" يا معشر المسلمين ، الله ، الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألّف به بين قلوبكم؟!".

فلما سمع الأوس والخزرج ذلك من رسول الله (ص) ، عرفوا أنها نزغة من نزغات الشيطان ، وكيد من عدوّهم ، فبكَوْا ، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضاً .

وأنزل الله عزّ وجلّ قوله في سورة (آل عمران/3 مصحف/89 نزول):
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً منَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ }.
* * *

(4)

الإنسانية

تقوم فكرة "الإنسانية" وقد تُسمّى "العالمية" أو "الأممية" على الاكتفاء برابط وحدة الأصل الإنساني ، والاشتراك في الصفات العامّة التي يختص بها هذا النوع ، مع نبذ أو إهمال كل الفوارق القومية ، والوطنية ، والدينية ، وغير ذلك من اختلافٍ في المبادئ ، والمذاهب ، والعقائد ، والمصالح ، ومناهج السلوك ، أو الترفُّع عنها والاستعلاء عليها ، بنزعة إنسانية عالمية .

وتعرف هذه الفكرة في الغَرْب بفكرة الـ"كوزمبوليتيه".

أما الآراء والملاحظات التي تستند إليها دعوة "الإنسانية" فيمكن تلخيصها بما يلي ، كما عرضها "ساطع الحصري" في معرض نقدها ، ورفضها من وجهة نظر قومية .

1- ما الفرق بين الأوطان المختلفة؟ . أليست كلها من أجزاء الأرض التي نعيش عليها؟

وما قيمة الحدود التي تفصل الأوطان بعضها عن بعض؟ . أليست كلها من الأمور الاعتبارية ، التي أوجدتها الوقائع الحربية ، أو المناورات السياسية؟.

2- ما الفرق بين الأمم المختلفة؟. أم تنحدر كلُّها من أصل واحد؟.

أفلا يجدر بالإنسان –والحالة هذه- أن يسمو بأفكاره وعواطفه فوق الأوطان وفوق الأمم؟.

فليعتبر الأرض كلها "وطناً" . وليعتبر البشر كلهم "مواطنين".

لقد مرّ في تاريخ البشرية عهود طويلة كانت فيها الرابطة الوطنية ضيّقة محدودة ، لا يتعدى نطاقها أسوار بعض المدن ، وكانت فيها الرابطة القومية محدودة المدى ، لا يتجاوز تأثيرها حلقات بعض القبائل .

ثمّ شهد التاريخ "العهد" الذي ارتفعت فيه الحدود من بين المدن التي كانت متخالفة ، وانتفت فيه الضغائن من بين القبائل التي كانت متعادية ، فتوسعت فيه فكرة الوطنية ، وفكرة القومية ، إلى ما وراء حدود ، ونطاق القبائل .

إن سلسلة التطوّرات التي حدثت بهذه الصورة إلى الآن تدل على أن هذا التوسع سيستمر على الدوام ، وسيأتي يومٌ تندمج فيه الأوطان المختلفة ، فتغدو وطناً واحداً ، إلى أن يصبح العالم كله هو "الوطن المشترك" لكل الناس ، وتمتزج فيه الأمم المختلفة ببعضها إلى أن تصبح "الإنسانية" بمثابة "القومية المشتركة" بين جميع الناس .

وستزول النزعة "الوطنية" والنزعة "القومية" التي نعرفها الآن ، بتقدّم البشر ، وتسامي العواطف ، وستترك محلّها إلى عاطفة إنسانية ، وأخوّة شاملة .

فيجدر بالمفكرين أن يسبقوا سائر الناس ، في استقبال هذا الطور الجديد ، فيسموا بأنفسهم من الآن فوق الوطنيات الخاصة والقوميات ، ويعملوا للإسراع بحلول عهد الإنسانية الحقّة .

هذه هي خلاصة الآراء والأفكار والمقترحات المتعلقة بالدعوة إلى الإنسانية .

* * *

يقول "ساطع الحصري" تعقيباً عليها :
" لا شكّ في أن هذه الآراء لا تخلو من قوة جذب وإغراء . إنها تفسح أمام الأذهان مجالاً واسعاً لأحلام الأخوة البشرية ، وأماني السلم الدائم ، وتلوّح أمام الخيال بعالم جديد ، أرقى وأسمى من العالم الذي نعيش فيه الآن ، فمن الطبيعيّ أن تستولي هذه الآراء – في الوهلة الأولى – على بعض النفوس التّواقة إلى الكمال ، ولو كان في الخيال .

لقد انتشرت الفكرة فعلاً انتشاراً كبيراً بين المفكرين في النصف الأخير من القرن الثاني عشر ، لا سيما في ألمانيا ، حيث أصبحت النزعة السائدة في عالم الفكر والفلسفة ، فكان معظم الفلاسفة والأدباء ... يقولون بها ، ويدعون إليها ".

والانتقادات التي وجهها "الحصري" لفكرة "الإنسانية" تتلخّص بما يلي :

1- فكرة الإنسانية والعالمية نزعة أفلاطونية مثالية غير واقعية ، بخلاف الوطنية فهي نزعة واقعية ، وكذلك القومية .

2- وهي تتفق في النتيجة مع روح الاستكانة السلبية ، إذ تتطلب من الفرد عملاً سريعاً وتضحية فعليّة ، فهي لذلك تكتسب قوة من ميول الأنانية الخفية ، التي يرضيها الانصراف عن الأعمال الإيجابية استكانة إلى الأوضاع السلبية ، بخلاف الوطنية والقومية ، فهما يتطلبان تضحيات فعليّة .

واستشهد بقول "جان جاك روسّو" منتقداً فكرة "العالمية" بأسلوب لاذع ، إذ قال : "إن بعض الناس يحبون أبناء الصين ، لكي يتخلصوا من الواجبات الفعلية التي تترتب عليهم من جراء حب أبناء وطنهم الأقربين ".

3- لقد أخذت البلاد الألمانية بفكرة "العالمية" خلال القرن التاسع عشر فأضعفت لدى مواطنيها روح المقاومة ضدّ أعدائها الطامعين بها ، فلما غزاها نابليون لم يثبتوا أمامه ، غذ لم تكن لديهم روح المقاومة نتيجة تأثير انتشار فكرة "العالمية" فيهم ، إن الجنود كانوا ينهزمون من ساحة القتال ، تاركين أسلحتهم فيها ، دون أن يحاولوا استعمالها لصد غارة العدو الزاحف إلى بلادهم .

وهذا الذي حدث وما كان بعده ، قد بدّد عند الألمان أحلام "العالمية" وأماني "الإنسانية" التي كانت مستولية على نفوسهم .

4- إن دعاة السلم العام ، والأخوة البشرية الشاملة ، الذين ظهروا طوال القرن التاسع عشر ، وحتى أوائل القرن العشرين – حتى الحرب العالمية- كانوا يتكهنون بقرب تحقق أحلامهم وأمانيهم .

غير أن الوقائع والحوادث كانت تأتي على الدوام معاكسة لتلك الأماني والأحلام .

5- إن النزعات القومية والوطنية كانت أقوى في الواقع من "الإنسانية" ، و"العالمية" ودعوة الأخوة البشرية ، إذ قامت الحروب والصراعات القومية ، فاضمحلت بها فكرة "الإنسانية" ، وغدت أحلاماً تراود بعض المفكرين ، ولم يصبح لها تأثير على الرأي العام في أي بلد من بلدان العالم .
* * *

كشف الزيف في دعوة الإنسانية:

لا يهمني ولا يعنيني هنا التعرض لما أورده "ساطع الحصري" في انتقاده "الإنسانية" خدمة للوطنية والقومية ، فكثير مما أورده لا اعتراض لي عليه ، ولكن لإسقاط فكرة "الإنسانية" أو "العالمية" وفق المفهوم الذي وضع لها ، لا لخدمة القومية أو الوطنية ، بحسب مفهوم القوميين ، أو الوطنيين ، الذين يريدون الاقتصار على الرباط القومي ، أو الرباط الوطني ، في تكوين الأمة .

لدى كشف زيف دعوة "الإنسانية" أو "العالمية" لا بد لنا من بحث عميق ، لاكتشاف الشروط المثلى ، لتكوين أمة من الناس ، قوية الترابط ، شديدة التماسك ، صلبة العناصر ، بنيانها مرصوص يشد بعضه بعضاً ، قادرة على الصمود ضد كل عوام التفكك والانقسام والتمزق ، وكل الزوابع والأعاصير التي تهدف إلى تفتيت وحدتها .

وبالبحث العميق ينكشف للباحث أن هذه الشروط المثلى ، هي الشروط التي تتوافر فيها الروابط المتعددة المتشابكة ، التي تتناول كل كيان الإنسان ، وكل أركانه ، ومعظم ما يُهمه في حياته .

وفي المرتبة الأولى من كل ذلك كيانه الذاتي وأركانه الداخلية ، ثمّ تأتي مصالحه وحاجاته الوقتية وعلاقاته الخارجية .

ويبرز للباحث من ذلك ما يلي :

1- مفاهيمه التي تهيمن على فكره .

2- عقائده التي تهيمن على قلبه ووجدانه وجملة من مشاعره ، فتكوّن إيمانه الراسخ في حياته .

3- عواطفه التي تهيمن على نفسه ، وطائفة من مشاعره .

4- المناهج والنظم التي يطيع لها ، باعتبارها نابعة من مفاهيمه وعقائده ، فتكون هادية له في أخلاقه وحركة سلوكه في حياته .

5- المصالح والمنافع التي ترضي مطالبه في الحياة بصورة عادلة ، نابعة من مفاهيمه وعقائده .

وهذه لا يتحقق منها في فكرة "الإنسانية" إلا جزء يسير من أجزاء العنصر الأول من هذه العناصر الخمس .

فمن المفاهيم الكثيرة التي تهيمن على فكر الإنسان ، مفهوم اشتراك الناس جميعاً في أنهم منحدرون من أصل واحد ، وهم يشتركون في صفاتٍ نوعيةٍ عامة متماثلة .

وليس في مفهوم "الإنسانية" وراء ذلك شيء .

إن قيمة "الإنسانية" في تكوين الأمة الواحدة ، كقيمة اشتراط نبات الأرض ، لإعداد الغذاء الصالح للإنسان .

فهل كل نبات نجده في الأرض ، نأخذه ونضعه في طبخة لغذائنا ؟ ألا يمكن أن يكون ساماً قاتلاً ، أو مراً لا يستساغ ، أو حارّاً يلهب الأمعاء ويقرحها ؟.

"الإنسانية" هي المادة الطبيعية الأولى ، التي يؤخذ منها الصالح لتكوين الأمة المنشودة . فالأمة من الناس إنما تتكون من أفراد اشتركوا في العنصر الإنساني أولاً ، فلا مكان فيها لجنٍّ ، أو خيلٍ ، أو بغال ، أو حمير ، أو قطعان من النعم ، أو الوحوش ، أو أسراب من الطير .

كذلك نقول : إن المادة الطبيعية الأولى لبناء قصر عظيم ، هي العناصر الصلبة المستخرجة من الأرض ، ومع ذلك فإنه لا يصلح كل حجر ومدر وكدر ورمل من الأرض لإقامة هذا القصر العظيم ، حتى تتحقق في العنصر الصلب المأخوذ من الأرض الشروط اللازمة ، التي تجعله صالحاً ليملأ مكاناً مناسباً له في بنائه .

هكذا لا يصلح أي إنسان لتكوين الأمة المنشودة ، ما لم تتحقّق فيه الشروط اللازمة لتكوينها .

وإلا ظهر الوهن والضعف ، أو التنافر وعدم التلاؤم ، ثمّ ظهر التصدع ، ثمّ وقع الانهيار .

إن جماعة صغيرة من الناس ، في موقع صغير من الأرض ، لا يمكن أن يتعايشوا مدة من الزمن متلائمين متفاهمين متآخين ، ما لم يتحقق في معظمهم شروط التلاؤم والتفاهم والتآخي .

وأي تباين فكري بينهم له آثار في السلوك ، سيمزق جماعتهم ، ويفرقهم حتماً ، وقد يثير بينهم الخصام والعداء فالتقاتل ، وأي تنافر عاطفيّ بينهم سيمزق جماعتهم ويفرّقهم حتماً . وكذلك أسلوب العيش المتباين بين أفرادهم هو من أسباب تمزيق جماعتهم . كذلك تعارض المصالح وتنازع المنافع فيما بينهم من أسباب تمزيق جماعتهم ، وعدم ثباتها .

فقضية وحدة الجماعة من الناس ، أو وحدة الأمة من البشر ، تكتفي برباط ضعيف واحد ، أو برباطين ضعيفين ، حتى تكون صالحة للدوام والاستمرار ، ولا تكون عرضة للتنافر والانقسام والانهيار .

فالإنسان ليس كائناً لا يملك في ذاته إلا مقوماً واحداً ، حتى يكفيه رابط واحد لهذا المقوم ، وليس بهيمة حتى يكفي لجرّه مقود واحد ، حتى البهيمة فإنه يجب أن يكون مقودها في رأسها أو عنقها ، لا في ذيلها أو بعض شعرات من بدنها .

إن الإنسان فكر ، وقلب ، ووجدان ، ونفس ، وأهواء ، وشهوات ، وغرائز ، ومصالح ، وحاجات . والأمة المثالية هي التي يرتبط بها من كل هذه الأركان والعناصر ، أو من معظمها ، أو من أخطرها وأهمها وأدخلها في كيانه العميق ، جُملةُ روابط ، فهي تنتظمها جميعاً .

أما رابط "الإنسانية" وحده ، فهو أضعف الروابط وأهونها لديه ، مع أنه شرط أولي ، لكنه ليس شرطاً كافياً ، ودونه بمرتبة واحدة رابط "الحيوانية" بين الأحياء ، ومعلوم أن رابط "الحيوانية" الأعم من رابط "الإنسانية" لا يصلح لإقامة "الأمة الحيوانية" ذات النزعة "العالمية" الأشمل .

إن "الإنسانية" هي المادة الأساسية العامة ، التي يُنتقى من أفرادها من تتوافر فيهم شروط الأمة التي يراد بناؤها بناءً متماسكاً متلائماً قوياً وثابتاً .

ومن الجهل بطبائع الأشياء ، والغباء المطلق ، الاكتفاء بمجرّد الاشتراك في "الإنسانية" أو في "الوطن" أو في "القوم" لتكوين أمة يراد لها الثبات والدوام والتعاون والتآخي والتواد ، والاشتراك في بناء حضارة صحيحة ، وتحقيق عيش سعيد بين أفرادها ، رغم التباين والتناقض والتنافر بين أفرادها ، في أفكارهم وعقائدهم ومذاهبهم ومصالحهم وأهوائهم ومناهج سلوكهم .

فالدعوة إلى إقامة "الأمة الإنسانية" أو "الأمة العالمية" على زعم الاكتفاء في تكوينها بشرط واحد ، هو أن يكون العضو فيها من نوع البشر ، دعوة باطلة ، وفكرتها فكرة مزيفة ساقطة لا قيمة لها ، سواء في الفكر السليم ، أو في الواقع التطبيقي .

ولا يمكن تحقيقها حتى يتجرّد الناس من عقولهم ، ومفاهيمهم ، وعقائدهم ، وعواطفهم ، وأنانياتهم ، وانتماءاتهم الدينية ، أو القومية ، وأن يتجردوا أيضاً من أهوائهم ونزعات نفوسهم ، وهذه لا بدّ أن تتناقض أو تتباين وتتخالف في الناس .

وبعبارة أكثر اختصاراً : لا يمكن أن تتحقق "الأمة الإنسانية" الواحدة ، حتى يتجرد الناس من "إنسانيتهم" وطبيعتها .
* * *

المخططون لدعوة الإنسانية وهدفهم منها :

المطالعات الكثيرة ، والخبرات الطويلة المتعددة ، دلت أهل البحث والتدقيق ، على أن أخطر وأعتى المخططين لدعوة "الإنسانية" وأفكار السلم العالمي ، وإزالة الفوارق المختلفة بين الأمم والأقوام والشعوب مهما كان شأنها ، هم اليهود .

وهنا نتساءل فنقول :
هل كان المخططون لدعوة "الإنسانية" يجهلون الحقائق التي جاء إيضاحها في الفقرة السابقة ؟.

إذا قلنا : نعم ، فقد حكمنا على أنفسنا بعدم البصيرة ، وعدم معرفتنا بشياطين التضليل في الأرض .

لا شك أن الفكرة قد تخدع ببريقها المعجلين غير المجرّبين ، لكنّها لا تخدع أصحاب العقول الحصيفة ، والتجارب الواعية .

ثمّ نقول : إذا كان المخططون لدعوة "الإنسانية" لا يجهلون زيفها وفسادها ، وعدم صلاحيتها لتكوين أمة تستقر وتثبت ، فما هو هدفهم من الدعوة إليها ، ونشرها بين الناس ؟.

وأقول : عن الإجابة على هذا التساؤل تأتي من استشفاف مضامين دعوة "الإنسانية" .

إن هذه الدعوة في مضامينها وثناياها تلح على الاكتفاء برباط الإنسانية وحده ، وتحرض على نبذ كل ما يسبب الفرقة والانقسام من بعد ذلك.

أما نبذ "الوطنية" واعتبار الأرض كلها وطناً واحداً ، ونبذ القومية واعتبار الناس كلهم قومية واحدة ، فهما أمران معلنان في دعوة "الإنسانية" وهما من عناصرها المكشوفة .

لكن الهدف المهم والحقيقي الذي هو المقصود بالذات من دعوة "الإنسانية" إنما هو نبذ المبادئ والمذاهب والمعتقدات والنظم ، التي تسبب الفرقة بين الناس ، وأهم ما يجب في دعوة الإنسانية نبذه هو الدين.

وأخطر الأديان التي تقف حاجزاً أمام مخطّطي دعوة "الإنسانية" هو الدين الإسلامي ، إذ هو الطود العظيم الذي يريدون دكه والإجهاز عليه .

فإذا نبذ الناس أديانهم ومبادئهم ومذاهبهم ونظمهم ، تهيأت لأصحاب المكيدة الفرص المواتية للسيطرة على البشرية كلها ، لأنها تكون حينئذٍ قطعاناً من السوائم البشرية ، تتمتع كما تتمتع الأنعام ، وتأكل كما تأكل .

ثمّ يكون رعاة هذه السوائم هم أصحاب المكيدة أنفسهم ، هكذا يقدّرون ، ولو قُدِّر لهم أن يصلوا على ما يحلمون به ، فسيقولون يومئذ: "ليس علينا في الأميين سبيل" .

أي : لنا أن نتحكّم فيهم كما نهوى ونشتهي ، وأن نمتطي ظهورهم كما نشاء ، وأن نستعبدهم ونذلّهم ونسخّرهم لمصالحنا وخدمة شعبنا ، شعب الله المختار ، وملكنا مَلِك العالم .

هل لدعوة "الإنسانية" نصيب من التطبيق لدى الذين ينادون بها ؟.

تنطلق من حين لآخر دعوة "الإنسانية" على ألسنة الغربيين مرة ، وألسِنة الشرقيين أخرى ، وعلى ألسنة اليهود حيناً ، وألسنة النصارى حيناً آخر ، وألسنة المجوس ، والهندوك ، والوثنيين ، وغيرهم من شعوب الأرض .

ولكن لا أحدَ من هؤلاء أو أولئك يطبّق من مفهوم "الإنسانية" التي ينادي بها شيئاً ، متى كانت عصبيته القومية ، أو الوطنية ، أو المذهبية ، أو الدينيّة ، أو آراؤه السياسية ، أو الاقتصادية أو غيرها ، أو مصلحته الأنانية تقتضي عدم تطبيقها .

إنه شعار لمطالبة الخصوم بتطبيق مفاهيمه ، لا لمطالبة النفس بتطبيقها .

إذا تمسك المسلمون بدينهم وأحكامه ، أو بحقوقهم السياسية أو الاقتصادية أو غير ذلك ، توجّه الناس ضدهم قائلين لهم : هذا تعصّب لا إنساني ، أو هذه أعمال تتنافى مع "الإنسانية".

أين تطبيق مفاهيم "الإنسانية" على السود في أمريكا؟ وعلى أصحاب البلاد الأصليين في جنوب أفريقية؟.

أين تطبيق مفاهيم "الإنسانية" على الأكثرية المسلمة في الحبشة وأريتريا؟. وعلى الأقلية المسلمة في الفلبين؟ . وفي الهند؟ وعلى المسلمين وغيرهم في الاتحاد السوفياتي؟ وعلى جماهير المسلمين المطالبين بحقوقهم في أفغانستان والجيش الروسي يدمّر مدنه وقراه ، ويقتل الرجال والنساء والأطفال بوحشية قذرة ؟.

أين تطبيق اليهود لمفاهيم "الإنسانية" على الفلسطينيين الذين سلبوا أرضهم وديارهم ويحاولون إبادتهم إبادة كلية ، أو تطريدهم وتشريدهم .

لم لا يتحرّك ضمير دعاة "الإنسانية" للمطالبة بحقوق الإنسان في طول الأرض وعرضها ، إلا حينما يكون المسلمون هم أصحاب الحقّ والسيادة والسلطان .

إن شعار "الإنسانية" شعار خداع ، يرفع حيناً ضد بعض الناس ، ويُطوى في سائر الأحيان .
* * *

قسورة
03-28-2006, 08:39 AM
البَاب الرَّابعْ

أئمّة وَمَذاهِبُ جُزئيّة في عُلُوم مختَلِفَة

وفيه سبعة فصول :

الفصل الأول : "فرويد" ومدرسته في علم النفس .
الفصل الثاني : "داروين" ومذهب التطوّر .
الفصل الثالث : "دوركايم" وآراؤه في علم الاجتماع .
الفصل الرابع : "برجسون" وآراؤه في نشأة الدين والأخلاق .
الفصل الخامس : "سارتر" وآراؤه الفلسفية في الوجودية .
الفصل السادس : "ميكا فيلّي" وفكرة: "الغاية تبرّر الوسيلة".
الفصل السابع : "ماركوز" وآراؤه الثورية لإقامة ديكتاتورية حكم الأقلية الواعية .
الفصل الثامن : "أوجست كونت" ودين الإنسانية .

الفصْل الأوّل


فروُيْد وَمَدرَسَتُه في عِلْم النّفْس


(1)

من هو فرويد؟.

سيجموند فرويد ، عاش ما بين (1856 – 1939م). يهوديٌّ من أبوين يهوديين ، نمساوي . هو مؤسس مدرسة التحليل النفسي . اشترك مع "جوزيف بروير" في علاج السهتريا بالنُّوام ، مفسّراً أعراضها بأنّها تعبيرات عضوية عن صدمات مكبوتة ، وصراعات نفسية لا شعورية ترجع إلى الطفولة .

ثمّ عمل منفرداً ، وترك طريقة النُّوام ، مستعيضاً عنها بطريقة التداعي الحرّ ، مؤكداً أن الطاقة المسببة لأعراض الهستيريا التحوليّة هي طاقة جنسية .

حاول "فرويد" تطبيق آرائه في تفسير نشأة المجتمع ، والدين ، والحضارة وتطوّرها .

(2)
دوافع آرائه في التحليل النفسي :

هل دفعت القيادة اليهودية الخفية ، ضمن خطّتها العامة ، اليهوديّ الصهيوني "سيجموند فرويد" لوضع أفكارٍ وآراءٍ باسم "نظريات" في علم النفس ، تهدم العقائد والأخلاق الدينية ، وتخدم المخطّط اليهوديّ الخطير ضد شعوب الأرض جميعاً؟.

لقد علمنا أن هذا المخطط اليهودي يرمي إلى استغلال النوازع والغرائز والشهوات ونوازغ الشر في الإنسان ، بغية هدم أبنية الفكر الديني ، ونشر الإلحاد والإباحية ، وإشاعة الفساد في الأرض ، لأن ذلك يفضي حتماً إلى تدمير الأمم والشعوب ، وسلبها مادّة قوّتها ونظام تماسكها ، وهذا يمهّد –بحسب تصوّر شياطين اليهود- لقيام الدولة اليهودية العالمية ، القابضة على ناصية كل خيرات الأرض ، ونواصي الشعوب والأمم .

ومن النوازع الفردية التي جاء في المخطط اليهودي استغلالها ، الأنانية المفرطة ، وفكرة الحرية الفردية التي يراد لها أن تنطلق شرهة شرسة ، وتتمرّد على كلّ ما يقيِّدها من دين ، أو قانون ، أو ضوابط اجتماعية ، أو مبادئ أخلاقية .

وبتنمية الأنانية المفرطة ، وإطلاق الحرّية الفردية ، تنطلق الشهوات والغرائز البَهَميّة ، كما تنطلق الوحوش المفترسة من أقفاصها ، ومع الرغبة بانتهاب اللذات دون ضابط يتسابق الناس إليها ، ويتنازعون عليها ، ثمّ يتصارعون ويتقاتلون ، وبذلك يتم تفتيت الشعوب والأمم ، ويتحقّق إضعاف قواها ، وتمكين عدوّها منها ، وهو قابعٌ في مخابئه ، يترقّب تساقطها صريعة ، نتيجة صراعاتها فيما بينها .

(3)
مدرسة التحليل النفسي:

قالوا : يرجع لفرويد الفضل في تأسيس أول مدرسة للتحليل النفسي .

وموقفنا الإسلام من التحليل النفسي يمكن تلخيصه بما يلي :

* إننا لا ننكر أصل فكرة التحليل النفسي ، وتأسيس مدارس له في علم النفس ، ومتابعة الدراسات النفسية العلميّة ، القائمة على الملاحظة والتجربة والإحصاءات الإنسانية ، فذلك مما يدعو إليه واجب البحث العلمي الذي يمجّده الإسلام ، ويرشد إليه القرآن .

* وقد حثّ القرآن على دراسة النفس ، وتوجيه النظر الباحث إلى أعماقها ، بغية التعرّف على صفاتها وعناصرها الداخلية الهادية إلى معرفة الربّ الخالق الذي أتقن كلّ شيء صنعاً ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الذاريات/51 مصحف/67 نزول):

{وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}.

* وعرض القرآن طائفة كبيرة من صفات النفس ، تشتمل على ثروة علمية عظيمة تهدي الباحثين من علماء النفس ، ومنها بيان أنها أوتيت الموازين التي تميّز بها بين الخير والشر ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (الشمس/91 مصحف/26 نزول):

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}.

* وكان علماء التربية الإسلامية الذين قاموا بمهمّة تأديب جماهير المسلمين بآداب الإسلام ، وتسليكهم مسالك الهداية ، مهديّين بهدي دلالات كتاب الله وسنة رسوله (ص) أولَ من غاص إلى أعماق النفس الإنسانية ، وحلّل دوافعها ، واستطاع القَبض على أعنّتها ، والسيرَ بها في طريق الأخلاق والآداب الإسلامية ، والتساميَ بها إلى السلوك الأمثل ، وإنقاذها من الأمراض والعقد المضنية لها ، ونقلها إلى عالمٍ نفسيٍّ ربّاني تحيط به السعادة من كل جانب .

فليس التحليل النفسيّ في أصوله جديداً على الفكر الإسلامي ، بل هو أحد دعامات المربيين الأخلاقيين المسلمين . إلا أنه كان تحليلاً نظرياً وتطبيقيّاً معاً ، ومدفوعاً بدافع الإيمان بالله واليوم الآخر ، وباحثاً عن السعادة الأبدية ، غير ناسٍ نصيب الإنسان من السعادة الدنيوية . بَيْد أنّ بعضهم ربّما وقع في بعض أخطاء ، بسبب عدم تقيّده من جانبي منهج الحقّ بحدود مفاهيم القرآن الصحيحة ، وسنّة الرسول القولية والعملية ، وما كان عليه أصحاب رسول الله (ص) الذين تأدّبوا في مدرسته الربّانية العظيمة .

* لكنّ التحليل النفسيّ الذي بدأه "فرويد" وأسس له مدرسة بحث ، ساعده فيها عدد من تلاميذه اليهود وغيرهم ، قد أقامه على أساسين فاسدين :

الأساس الأول : الإلحاد بالله ، وإنكار الغيبيات ، واعتبار الإنسان ظاهرة ماديّة فقط ، بما فيه من فكر ، ونفس ، وحياة .

وهذا هو الأمر الأول الذي جعلته القيادة اليهودية السريّة دعامة الإفساد الأولى للمجتمع البشري .

الأساس الثاني : الإباحة الجنسية ، وحثّ الإنسان على ممارسة رغباته الجنسية بحريّة تامّة ، لا تقف أمامها قيود دينية ، أو أخلاقية ، أو عادات وتقاليد اجتماعية ، أو أية ضغوط من أي جهة كانت .

وضمن المحافظة على هذين الأساسين انطلق "فرويد" في دراساته ، ومعالجاته الطبّية النفسية ، وكتابة أفكاره وآرائه في علم النفس ، ووضعها في قوالب "نظريات" علمية.

فلم يكن "فرويد" باحثاً متجرّداً نزيهاً من أوّل طريق البحث ، بل كان باحثاً يريد تدعيم أساسَيْهِ الفاسدين عن طريق البحث الذي قد يجد فيه ما يستطيع تزيينه ، وضمّ بعضه إلى بعض ، ليتخذ منه بناءً فكريّاً مزخرفاً ، يوهم به صحة أساسَيْهِ الفاسدين ، الموضوعين في خطة التضليل ابتداءً .

ولكنّ البحث العلمي – مهما كانت دوافعه – قد يشتمل على بعض عناصر جزئية ، لو أخذت وحدها لكانت مفيدة في مجال المعرفة الصحيحة ، بيد أنّ البناء الفكري الذي يقرره البحث ، إذا أخذ جملة واحدة دون تمييز ولا تمحيص ، كان خطراً على المعرفة ، ووبالاً على الحقيقة ، وطمساً لمعالمها .

ومع معا قدّمته أبحاث "فرويد" من خدمات حسنة في مجال التحليل النفسي ، إلا أن عناصر الضعف ظلت بارزة في أبحاثه ، لأنه أراد لها أن تخدم أساسيه الفاسدين .

(4)

ما يهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره في علم النفس :

1- أقام آراءه وأفكاره – كما سبق بيانه – على الإلحاد بإنكار الخالق عزّ وجلّ ، وإنكار الدين والأخلاق ، واعتبار الإنسان كائناً ماديّاً ناتجاً عن تطوّر المادّة تطوّراً ذاتيّاً ، فهو غير مكلّف من قوىً غيبيّة بمسؤولية ، وغير متابع من قبلها بحساب ولا جزاء .

2- وزعم "فرويد" أنّ كلّ سلوك الإنسان يرجع إلى دافع وحيد في كيانه منذ ميلاده حتى موته ، ألا وهو الدافع الجنسي ، فهو الدافع الوحيد في حياة الإنسان ، وتتشكل ظواهره بأشكال كثيرة في سلوكه .

3- لذلك ينبغي إعطاء الدافع الجنسي الحرّية المطلقة ، ويجب عدم تقييده بأية قيود دينية ، أو خلقية ، أو قانونية , أو أسرية ، أو عادات وتقاليد اجتماعية .

وزعم أن مقتضيات الصحة النفسية تدعو إلى إطلاق هذا الدافع وعدم كبته .

4- ادّعى أن كبت الدافع الجنسي هو المسؤول عن الإصابة بالأمراض العصبية في الناس ومنها الهستيريا ، وأنّ كل مرض عصبي يمثّلُ اضطراباً في الوظائف الجنسية .

والكبت الجنسيّ من فعل المجتمع والدين والأخلاق والتقاليد ، فهي التي تحول دون تنفيس الإنسان عن رغباته ، وتكبت غرائزه .

ولكي نمنع العقد النفسية والاضطرابات العصبية يجب أن نزيل هذه الحواجز ، ويمارس الإنسان تلبية رغباته الجنسية بأية وسيلة ، حمايةً له من أن يكون عرضة للإصابة بمرض عصبي .

6- اخترع قصّةً خرافيّة من عنده ، زعم أنّها حدثت في تاريخ البشرية ، وأنها كانت السبب في ظهور الدين والأخلاق والتقاليد ، وأنّها ما تزال تؤثر في حياة البشرية من مخزونات ما وراء الشعور في النفس .

والقصة المختلفة هي أنّ الأولاد في العائلة القديمة شعروا بالرغبة الجنسيّة نحو أمهم ، لكنّ أباهم كان حائلاً بينهم وبين تحقيق رغبتهم ، فاجتمعوا عليه فقتلوه ، ليستمتعوا بأمّهم ، وكانت تلك أولى الجرائم التي ترتكب في السلالة الإنسانية .

قال : وأحسّ الأولاد بالندم على قتل أبيهم ، فقدّسوا ذكراه ، وتحوّل هذا التقديس إلى عبادة ، ومن ذلك نشأت أولى العبادات التي عرفتها البشرية ، وهي عبادة الأب .

ثمّ نزعت نفس كلّ واحد منهم للاستئثار بالأم ، لكنهم وجدوا أنّه لن يتم ذلك ما لم يتقاتلوا ، ولو فعلوا لَقَتل بعضهم بعضاً ، فاتفقوا على أن لا يقربها أحدٌ منهم ، فكان ذلك أول تحريم في العلاقات الجنسية ، في تاريخ البشرية ، وهو تحريم الأم .

وزعم أن كل الديانات والحضارات التي ظهرت في الناس ، قد نشأت من ذلك الحدث الخطير ، ونشأ الكبت من فكرة التحريم .

فالكبت منذ ذلك التاريخ هو طابع الحياة الإنسانية ، بسبب وجود الدين والأخلاق والمجتمع وسلطة الأب ، ونحو ذلك .

ويزعم أن كلّ الأطفال الذكور يصابون بعقدة "أوديب" في أول طفولتهم .

7- أنكر الرؤى المنامية التي تستشفّ تنبُّؤات من الغيب ، إذْ هو ينكر ما وراء المادة ، فليس للنفس الإنسانية صلة بشيءٍ غيبي ، أو بعلم غيبي ، وما يطابق الواقع من ذلك فهو مصادفة .

وزعم أن كلَّ ما يراه الإنسان في منامه فهو أحلام تعبّر عن رغبات حبيسة مخزونة فيما وراء الشعور ، وهذه الأحلام لا تستطيع أن تظهر في عالم الواقع لأنها مكبوتة بوجود حارس في باب "اللاشعور" متيقّظ كل التيقظ في حالة اليقظة .

وبما أنّ الكبت عند يرجع إلى الكبْت الجنسي ، باعتبار أنّ الجنس في رأيه هو الدافع الوحيد في كيان الإنسان ، فإنه يفسّر الأحلام تفسيرات تتصل بكبت الدافع الجنسي ، وبكل ما يتصل بالجنس ، وقَصَرَ الأحلام على بعض أنواعها ، وأنكر الأحلام التي تنبئ عن أمور ستحدث في المستقبل .

8- وحتّى لا تُرفضَ آراؤه في توحيدِ كلِّ الدوافع الإنسانية المختلفة بالدافع الجنسي ، وهي دوافع يشعر بها الناس جميعاً في أنفسهم ، وسَّع مفهوم الدافع الجنسي ، وأطلق عليه كلمة "اللبيدو" وزعم أنه يشمل حياة الإنسان من الطفولة إلى الموت .

و"اللبيدو" في التحليل النفسي هو القدر المتغيّر كميّاً من الطاقة الجنسية ، والذي لا يمكن قياسه ، والذي يوجّه عادة إلى شيء خارجي ، فهو يحتوي على تلك الدوافع التي تتعلّق بالحبّ بالمعنى الواسع ، والمكوّن الرئيسيّ له هو الحبّ الجنسي ، كما أنّ هدفه هو الاتحاد الجنسيّ .

إلا أنه يشمل أيضاً حبّ النفس ، وحبّ الوالدين ، والأطفال الصغار ، والصداقة ، والتعلّق بأشياء واقعية ، وحتى الإخلاص للأفكار المجرّدة.

ويرى "فرويد" أن "اللبيدو" يتحوّل من عناصر جنسيّة ، إلى عناصر أخرى غير جنسية لها قيمة اجتماعية ، وسمّى ذلك تصعيداً أو إعلاءً .

وبناءً على رأيه هذا فقد رد النشاطات الحضارية والفنية الإنسانية إلى أنها من آثار هذا الإعلاء لما أسماه "اللبيدو" .
* * *

(5)

كشف الزيف :

ظهر لنا أن آراء "فرويد" الخاصة تنطلق من أساسين :
• الإلحاد بالله وإنكار الغيبيات واعتماد المادية .
• الدعوة إلى الإباحة الجنسية ، تعلّلاً بما زعمه كبتاً جنسيّاً ، وبما يولّده هذا الكبت من أمراض عصبية .

أما الإلحاد والمادّية فموضوع له في هذا الكتاب بحث خاصٌّ به ، فلا داعي للاشتغال به هنا .

وبقي موضوع الإباحة الجنسية ، ومزاعم تبريرها بأنها تحمي من إصابة الإنسان بالكبت ، الذي قد يولّد لديه أمراضاً عصبية ، وموضوع إنكاره قسم الرؤى التي قد تَسْتَشِفُّ تنبّؤات من الغيب ، إذا مكّن الله النفس الإنسانية من ذلك ، حين يكون نائماً .

أولاً : أمّا زعم "فرويد" انحصار دوافع الإنسان بالدافع الجنسي فقد تولّى تفنيده والردّ عليه وتزييفه علماء النفس في نظرياتهم .

وأما دعوته الملحّة إلى الإباحية الجنسية ، حماية للنفس من الكبت وآثاره المَرَضِيّة ، التي عظّم من أمرها وهوّل ، واعتبرها من الأخطار الجسيمة ، التي لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بالتخلص منها ، فزيف آرائه فيها شديد الظهور :

* لقد كشف زيفها واقع الإباحية الجنسية التي أخذ بها الغرب المادّي ، والشرق الشيوعي المادي ، فلم تنفع شعوبها شيئاً للتخلص من أمراضها النفسية القديمة ، بل زادتها أمراضاً فوق أمراض ، وآلاماً فوق آلام .

إن الأمراض النفسية ، والعقد النفسية ، غدت من العلامات البارزة والعلل المتكاثرة ، في البيئات الاجتماعية التي يكثر فيها الإلحاد ، وتزداد فيها الإباحية الجنسية .

* من أجل حماية الإنسان من الإصابة بالمرض العصبي ، الذي قد يحدث عند نسبة قليلة جدّاً من ذوي الكبت ، تجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسيّة من أمراض خطيرة جداً ، تنتشر في المجتمع البشري ، وهي لا تنتشر إلا عن طريق الاتصالات الجنسيّة غير المشروعة ، كمرض الزهري ، ومرض الآيدز .

وتجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسية من مضارّ اجتماعيّة خطيرة ، كاختلاط الأنساب ، وفقد الرابطة الأسرية الحقيقية .

وتجاهل ما تجلبه الفوضى الجنسية من قلق نفسيّ ، وذلك لأن السكينة النفسية ، التي يجلبها الزواج الشرعي المصون ، تنعدم بالفوضى الجنسية ، ويحل محلّها القلق والتوتر وعدم الارتياح .

* يضاف إلى كل ذلك ما في الإباحية الجنسية من معصية للرب الخالق عزّ وجلّ ، فالزنا عمل اتفقت على تحريمه الشرائع الربانية كلها .

فوائد الضبط الجنسي في الإسلام :

أمّا الإسلام بشريعته الربّانية الحكيمة ، فقد ضمن للمسلم الملتزم بتنفيذ أحكامها سعادة الآخرة وسعادة الحياة الدنيا :

* لقد ضمن له سعادة الآخرة بطاعة الله .

* وحماه في الحياة الدنيا من الكبت المضرّ ، إذ حثه على الزواج ، وحضّ المجتمع الإسلامي على أن يهيّء له سبله .

* وحماه من الفوضى الجنسيّة الناشرة لأمراض وخيمة ، والمسببة لأمراض ومضارٍ اجتماعية خطيرة .

* وهيّأ للمسلم ظروف الأمن والطمأنينة النفسية السعيدة بأمرين :

الأمر الأول : الإيمان بالله ، والاعتماد عليه ، والاستعانة به ، والطمع بثوابه ، والخوف من عقابه ، والتطلع للعمل بمراضيه .

الأمر الثاني : التربية الخلقية ، التي تغرس في نفس المؤمن المسلم فضائل الأخلاق ، ومحاسن الآداب ، والاستقامة في السلوك على صراط الله .

ومنهج الإسلام في موضوع الدافع الجنسي يشتمل على عنصرين :

العنصر الأول : الحثّ على الزواج ، ففي الزواج الضبط ، وتلبية الدافع الجنسي بأفضل الصور وأسلمها .

العنصر الثاني : حياة المسلم من الكبت ومن آثاره حين لا يتهيّأ له الزواج المشروع ، وعماد هذه الحماية الأمور التالية :

1- الثقة بحكمة الله في قضائه وقدره ، والتسليم الكامل لمقاديره ، والأملُ بالثواب العظيم على العفة والصبر عن المعصية .

فمن شأن هذا الأمر أن يمنح نفس المؤمن المسلم لربه الطمأنينة والرضى .

2- التصعيد ، ويكون بتوجيه النفس لعبادة الله , وفعل الخير ، وتوجيه الإرادة لكل أمرٍ سامٍ يصرف همّةَ النفس وطاقاتها إلى الفضائل .

3- معالجة الجسد ، بتخفيف مثيرات الجنس فيه ، كالصيام .

4- إبعاد المسلم عن المثيرات ، بما جاء في أحكام الإسلام من أوامر الستر ، وكفّ البصر ، ومنع الاختلاط .

لذلك لا نجد الكبت ولا نتائجه المَرَضِيَّة عند المسلمين المطبقين لتعاليم الإسلام ، وإنما قد نجده عند غيرهم .

ونجد أخطر من الكبت ونتائجه عند الذين تحللوا من ضوابط العفة ، وانطلقوا في أودية الفوضى الجنسية على ما يشتهون ، ونجم عن إطلاقهم سُعارُ شبقٍ قذِر في أيّام فتوّتهم ، وقد يستمر حتى شبابهم ، ثمّ مهانة برود وضعف في أيّام كهولتهم وما بعد ذلك ، وقد يحدث ذلك في أيَّام شبابهم .

يضاف إلى ذلك ما شاع في بلاد هذه الفوضى الجنسية من أمراض جنسية ونفسية واجتماعية خطيرة ، كانت نتيجة هذه الفوضى ، وهي لم تكن في أسلافهم .

فمن أجل درء خطر المرض النادر الذي يمكن تفاديه ، باتباع أحكام الإسم ووصاياه ، أسقطت أفكار الكبت والإباحية الفرويدية كثيراً من مجتمعات شعوب الأرض المختلفة ، لا سيما الغرب المادي ، والشرق الشيوعي المادي ، في صنوف كثيرة من الآلام الفردية والاجتماعية .

وكان ذلك من العقوبات المعجلة التي جعلها الله عزّ وجلّ ضمن سننه في هذه الحياة الدنيا .
أما العقوبات الأخروية فهي أشدّ وأقسى ، ولعذاب الآخرة أشقّ لو كانوا يعلمون .
* * *

ثانياً : وأمّا إنكاره الرؤى المنامية التي هي من الله ، وتستشف النفس بها تنبُّؤات من الغيب ، فالكلام حوله من وجهين :

الوجه الأول : ما تدل عليه ظاهرة هذه الرؤى الموجودة لدى معظم الناس قديماً وحديثاً ، وانطباق كثير منها على الواقع المستقبلي الذي أنبأت عنه ، إذا كانت ذات دلالة تنبئ عن أمر سيقع في المستقبل .

إن وجود هذه الظاهرة ، وتكررها في الناس ، في كلّ عصر ، وفي كل أمّة ، لا يفسّر بأنه مجرّد مصادفة ، كما زعم "فرويد" .

يضاف إلى ذلك أن بعض أهل تعبير الرؤيا قد يدركون دلالاتها قبل وقوعها إدراكاً ظنياً ، ثمّ تتحقق تعبيراتهم ، ويصّدق الواقع إدراكهم الظنّي . ثمّ إن كثيراً من الناس يسترجعون ذكريات الرؤيا ويدركون دلالتها بعد تحقق ذلك في الواقع ، فحين تقع ينكشف لهم أنها كانت أنباءً استشفها النفس من وراء حجب الغيب بإذن الله .

والرؤى المنامية قد تكون دلالتها واضحة صريحة ، وقد تكون دلالتها إشارية أو رمزية ، أو مقلوبة الصورة ، أو عكسها ، أو ضدّها ، أو مثال نفسية الذي دلّ عليه المرئي .

ولكثرة ما نلاحظ من قصص الرؤى التي يحكيها الناس ، ويذكرون انطباقها على ما جرى لهم في حياتهم بعد رؤيتها لهم والتجارب الشخصية الكثيرة في ذك ، نكاد نؤكد أن معظم الناس قد مرّ في حياتهم رؤيا منامِيَّة أو أكثر انطبقت فعلاً على ما جرى لهم بعدها .

والرؤى التي تنبيء عن أمور ستحدث ، ثمّ تقع بعد ذلك ، هي بمثابة برهان من الله على قضائه وقدره في عباده وعلى شمول علمه ، وهي تدل على أن عالم الغيب حقيقة .

وما يدل على ثبوت القضاء والقدر السابق أو وجود علم سابق بما سيحدث ، يهدي إلى الإيمان بالله ، ثمّ إلى الإيمان بما جاء من عند الله في كتبه ، وفي بيانات رسله .

وهذا النوع من الرؤى ، قد يُعين الله به الشاكّين في الله ، وفي قضائه وقدره وعلمه الشامل ، إذ يكون لهم دليلاً على ذلك ، فتطمئن قلوبهم بالإيمان ، وبأن عالم الغيب حقيقة .

الوجه الثاني : ما جاء في البيانات الدينيّة حول الرؤى المنامية :

1- عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) :

" لم يبق من النبوّة إلا المبشرات" قالوا : وما المبشرات؟ قال : "الرؤيا الصالحة" – رواه البخاري.

وعن عطاء بن يسار أنه قال : جواباً لسؤالهم "الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له" – رواه مالك .

2- وعن أبي قتادة ، قال : قال رسول الله (ص) :

"الرؤيا الصالحة من الله ، والحُلْم من الشيطان ، فإذا رأى أحدُكم ما يُحبُّ فلا يُحدِّثْ به إلا من يُحب ، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان ، وليتفل ثلاثاً ، ولا يحدث بها أحداً ، فإنها لن تضره " . رواه البخاري ومسلم .

3- وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) :

"إذا اقترب الزمان لم يكد تكذب رؤيا المؤمن ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب ".

قال محمد بن سيرين : وأنا أقول : الرؤيا ثلاث : حديث النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى من الله ، فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد ، وليقم فليصلّ. رواه البخاري ومسلم .

4- وعن جابر قال : جاء رجلٌ إلى النبي (ص) فقال : رأيت في المنام كأنّ رأسي قطع . قال : فضحك النبي (ص) وقال : " إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدّث به الناس" رواه مسلم .

5- وعن ابن عمر ، أن رسول الله (ص) قال : " مِن أفرى الفِرَى أن يُريَ الرجُلُ عينيه ما لم تَرَيا" رواه البخاري .

أي : من أكذب الكذب المفترى ، أن يدعي الإنسان أنه رأى في منامه شيئاً ، وهو لم ير ذلك الشيء .

6- وعن ابن عبّاس عن النبي (ص) قال : " من تحلّم بحُلْم لم يَرَه ، كُلّف أن يَعْقِدَ بين شعيرتين ، ولن يَفْعل" .

وفي رواية عند الإمام أحمد : "عُذّب حتى يعقد بين شعيرتين وليس عاقداً".

أي : كان عذابه يوم القيامة أن يكلّف أن يعقد بين شعيرتين ، فإن لم يستطع عُذّب ، وهو لن يستطيع ذلك ، والسبب في ذلك أن الكذب في الرؤى المنامية فيه طرف من الكذب على الله ، لأن الرؤيا الصالحة من الله ، كما ثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن قتادة عن النبي (ص) .

7- وعن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) : "الرؤيا ثلاث : فرؤيا حق . ورؤيا يحدث الرجل بها نفسه . ورؤيا تَحْزِين من الشيطان". أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

وذكر ابن حجر في الفتح أنّ الحصر في هذه الأنواع الثلاثة غير مراد ، لثبوت أنواع أخرى ذكر منها ما يلي :

• ما يهمّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه .
• تلاعب الشيطان .
• رؤيا ما يعتده الرائي في اليقظة ، كمن عادته أن يأكل في وقت ، فنام فيه فرأى أنه يأكل .
• ومنها الأضغاث ، وهي الأخلاط المجتمعة ، كحزم الحشيش التي فيها أصناف مختلفة .

فأنواع الرؤيا التي وردت في السنَّة سبعة :

النوع الأول : الرؤيا الحق ، التي هي من الله ، والتي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة ، ووصفت بأنها الرؤيا الصالحة ، وبأنها بشرى من الله .

النوع الثاني : الرؤيا التي يُحدّث الإنسان بها نفسه .

النوع الثالث : الرؤيا التي هي حُلْمٌ ، وفيها تحزين من الشيطان ، وتنذر به بشرّ ، والسنة ترشد المسلم أن يتعوذ بالله من شرها ، ومن شر الشيطان ، إذا رأى شيئاً منها ، وأن يتفل ثلاثاً عن شماله ، وأن لا يُحدّث بها أحداً .

النوع الرابع : ما يهمُّ به الرجل في يقظته فيراه في منامه .

النوع الخامس : تلاعبٌ يتلاعبه الشيطان بالإنسان ، وهو لا دلالة له ، والسنّة أن لا يحدّث المسلم بها أحداً .

النوع السادس : رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة .

النوع السابع : رؤيا الأضغاث .

وأرى أن بعض هذه الأنواع التي ذكرها ابن حجر قد تتداخل .

8- وقد ثبت في الصحيح أن أوّل ما بُدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم .

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" . رواه البخاري .

9- وقد أثبت القرآن العظيم الرؤى في نصوص متعدِّدة ، فمن أنكرها فهو في حكم الإسلام كافر لا محالة .

أ- فمنها رؤيا يوسف وهو غلام ، وقد عرضتها سورة "يوسف" قال الله تعالى فيها :
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} .
وقد تحققت فيما بعد هذه الرؤيا .

ب- ومنها ما رآه رفيقا يوسف عليه السلام في السجن ، وتعبير يوسف عليه السلام لهما رؤيَيَاهُما ، وتحقق تعبيره كما عبّر .

جـ- ومنها ما رآه فرعون مصر في عهد يوسف وهو في السجن ، إذْ رأى سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، وتعبير يوسف عليه السلام هذه الرؤيا ، ثمّ تحققها كما عبّر .

د- ومنها الرؤيا التي رآها الرسول (ص) أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام ، فلمّا صُد عام الحديبية عن البيت طعن المنافقون في ذلك وقالوا : أين رؤياه ، فأدخله الله مكة في العام التالي ، وأنزل قوله في سورة (الفتح/48 مصحف/111 نزول):
{لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}
فهذه الآية تدل على أن الرؤيا الحق هي من الله ، لقوله تعالى : {لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ} .

فالتكذيب بالرؤى التي هي من الله إنكار لحقيقة من الحقائق الكونية ، التي هي من سنن الله في خلقه ، وإنكار لظاهرة إنسانية موجودة في الناس في كل عصورهم ، وكلّ أجناسهم وعقائدهم ومذاهبهم .

وآراءُ فرويد وكلّ الماديين الذين ينكرون الغيبيات حول تفسير ظاهرة الأحلام ، هي من قبيل حصر هذه الظاهرة ببعض أنواعها ، وآراؤهم في هذا نابعة من إنكارهم للروح ، ولكلّ ما وراء المادّة من قوى ، وإنكارهم لله عزّ وجلّ ، ولقضائه وقدره ، ولعلمه الشامل لما كان ، ولما هو كائن ، ولما سيكون في المستقبل ، وقصر تفسيراتهم للظواهر على التفسيرات الماديّة التي تتناول الماضي والحاضر فقط .

لقد أنكروا الوحي الرباني الذي اختص الله به أنبياءه ورسله ، ودلّت المعجزات الباهرات عليه ، وكان الوسيلة لتبليغ دين الله الذي اصطفاه الله لعباده ، أفلا ينكرون الرؤيا الصالحة التي هي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، كما جاء في الصحيح من كلام الرسول (ص) .

لقد انقطعت النبوات بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (ص) ، ولم يبق منها إلا المبشرات ، وهي الرؤيا الصالحة ، يراها المسلم لنفسه ، أو يراها غيره له .

إن النبوة لا تتحقق في الإنسان الذي يصطفيه الله بها ، ما لم تتوافر فيه خصائص تصله بعالم الغيب ، وبالوحي ، مجموعها ستة وأربعون جزءاً ، والرؤيا الصالحة الصادقة جزء واحد من هذه الأجزاء ، فهي ليست نبوة ، لكن تنبيء عن استعداد في تكوين الإنسان بمقدار جزءٍ من ستة وأربعين جزءاً ، وأنى له أن يستكمل سائر الأجزاء ، ولو استكملها فلا يكون نبياً إلا بالاصطفاء الرباني .

ولست أدري هل توجد علاقة بين هذا العدد (46) الذي ذكره الرسول (ص) وبين عدد كروموسومات الإنسان التي هي (46) كما يقرر علماء الأحياء ، وهل الاستعداد الذي يجعل الإنسان مؤهلاً لاستقبال الرؤيا الصالحة التي هي من الله ، هو من جهة كروموسوم واحد من كروموسوماته الـ(46) أما النبي فاستعداده يكون من كل كروموسوماته؟.

موضوع يدعو إلى التساؤل ، وقد يكشف البحث العلمي في المستقبل ما يؤكد صحة هذه العلاقة ، والله أعلم .
* * *

نظرة نقدية إلى آراء فرويد في علم النفس بمنظار النقد المعاصر :

إذا تجاوزنا كلّ ما سبق ، ونظرنا إلى آراء فرويد الخاصة نظرة موضوعيّة غير متحيّزة ، فإننا نجدها منتقدة ومتخلّفة جدّاً في مجال الدراسات النفسية المعاصرة .

أمّا فكرة تحليل دوافع الأنفس إلى السلوك فهي فكرة إنسانية قديمة ، وليست هي بحد ذاتها من مبتكرات "فرويد" . إلا أن هذا الرجل قد أفرط في السبح الخيالي في تحليل تصرفات الإنسان ، إفراطاً حشد فيه أوهاماً وفرضيات أقرب ما تكون إلى التخريف المطلق منها إلى الدراسة العلمية الموضوعيّة .

بيد أنه باتجاهه ودراساته نبّه الباحثين النفسيين إلى البحث الموضوعي في مجال التحليلات النفسية ، حتى تكونت مدارس التحليل النفسي في عالم العلم ، وأصبحت مدرسة "فرويد" اليهودية في نظر العلماء بدائيّة ومتخلّفة جداً .

والسبب في هذا أن "فرويد" قد كان مسخراً أساساً لمحاربة الأديان ، وتهديد القيم الخلقية والاجتماعية ، وقد فرضت عليه الخطة اليهودية العالمية أن يضع نظريةً تتستر بالعلم لتحقيق هذه الغاية ، فاستخدم التحليل النفسي طريقاً إلى ذلك .

كما استخدم غيرُه من اليهود طرقاً أخرى تحت ستار البحث العلمي ، لتحقيق الغاية نفسها .

وطبيعيٌّ في الدراسة العلمية الموجهة أساساً لإبطال حقيقة من الحقائق ، أن تكون مُكرهةً على أن تصوغ أفكاراً تجمع في ثناياها بعض الحقائق للتمويه ، وأن تحشر تخيّلات وأوهاماً وافتراضات لا سند لها من الواقع .

كمثل القصور التي يقيمها الممثلون في مسارح التمثيل ، لها زوايا صلبة ، خشبية أو حديدية ، أما الجدران وسائر البناء فأوراق ملوّنة مصبوغة ، أو أقمشة مصبوغة بلون حجارة البناء ، فهي في حقيقتها وهم وخداع تمزّقه أية يدٍ تمتدّ إليه بالفحص .

وأقتبس هنا نقداً موضوعياً لمدرسة "فرويد" مما كتبه صديقنا الدكتور "عبد الحميد الهاشمي" وهو نقد مؤلف من النقاط التالية :

1- إن آراء "فرويد" هي أولاً وقبل كل شيء أفكار افتراضية ، وليست من الحقائق النفسية أو المبادئ العلمية التي أثبتتها التجارب ، أو صدّقتها الملاحظة العلمية .

فليس لآراء "فرويد" تلك الهالة التي حاول بعض مناصريها أن يلبسوها ثوب الحقائق العلمية ، فبعض الجهات العالمية تحاول أن تحيطها بالدعاية لتحقيق أهداف لها تنتج عن ترويجها والإقناع بها .

2- تعتبر آراء "فرويد" امتداداً لفلسفة أفلاطونية ، إلا أن أفلاطون كما هو معروف في فلسفته كان يحاول أن يسير بالنفس الإنسانية نحو المثالية ، أما "فرويد" فقد تشبّث – كما يقول تلامذته- بالدافع الجنسي ، ليظلّ هو الدافع ، والوسيلة ، والغاية .

والواقع أن الصحة النفسية إذ تسعى للإشباع الشرعي المعترف به ، فإنها تدعو إلى الضبط والاتزان ، لأن الحقيقة العضوية (الفسيولوجية) والنفسية تؤكد أن الإشباع الفوضوي المطلق يزيدها تفتّحاً ، وتصبح الشغل الشاغل ، ومن أجل هذا فالصحة النفسية في مناهجها التكوينية ، والوقائية ، والعلاجية ، دعت إلى التسامي والإبدال ، بجانب دعوتها إلى الإشباع المشروع .

3- لقد اعتمد "فرويد" في آرائه على الحالات الشاذة المرضية التي كان يعالجها في مرضاه ، ويكمن الخطأ العلمي في التعميم الذي أطلقه "فرويد" إذ أخذ يفسر السلوك المتزن العادي لدى الأسوياء في ضوء ما عاينه من السلوك الشاذّ عند المصابين .

وهذه النقطة أخذها عليه زملاؤه وتلامذته في العلاج النفسي ، وانفصلوا بها عن جماعته ، ثمّ عارضوا آراءه وأفكاره بآراء وأفكار أخرى عُرفوا بها .

4- تأثره بالأساطير اليونانية واضح .

5- يعلّق "روبرت ودورث" على أفكاره وآرائه بقوله :

"ولو بحثت عن رأيي الشخصي في "سيكولوجيا" فريود ، لكان علي أن أقول : إنني لا أؤمن بأن يكون مذهبه صحيحاً بأي معنى مطلق . ولا أن يوضع في مصاف النظريات العلمية الكبرى ، التي تربط المعرفة الراهنة .
فإنها بكائناتها وثناياها تبدو متخلّفة أكثر منها ناظرة إلى الأمام".

وإذا عملنا أن البروفسور "روبرت ودورث" يعتبر من رواد علم النفس الحديث فيما بعد الحرب العالمية الأولى في كتبه الكثيرة عن علم النفس التجريبي ، وعلم النفس الديناميكي ، ورياسته لعلم النفس في لجنة البحث القومي الأمريكي ، ولهيئة علماء النفس الأمريكيين . إذا علمنا ذلك أدركنا أن آراء فرويد تمثل في تطوّر الدراسات النفسية مرحلة بدائية متخلّفة ، لا ينبغي الوقوف عندها في مجال علم النفس الحديث .

6- إن آراء فرويد وأفكاره تعكس الحياة المتناقضة الشاذة للمجتمع الغربي ، بعد النهضة الصناعية المادية ، وانتشار الاختلاط المطلق ، وشيوع الإباحية بشتى أسمائها وسماها ، نتيجة الترف والغرور الأوروبي ، في عنفوان العهد الاستعماري .

فكانت آراؤه وأفكاره انعكاساً أو تبريراً للواقع الشاذ ، وليست دراسة علمية دقيقة تنظر إلى المشكلة من جميع أسسها .
7- والخطأ العلمي الكبير أن آراء "فرويد" تحاول تفسير السلوك الإنساني بنظرة جانبية جزئية ، إذ حاول فرويد أن يحدد السلوك الإنساني بدافع الجنس .

ولقد قام لمناهضة هذا التفسير الجانبي والمتحيز عدة علماء نفسيين ، لهم وزنهم العلمي حتى يومنا هذا غير من تقدم ذكرهم .

ولعل أعظمهم في ذلك "وليم مكدوجل" الذي ناهض هذا التفسير الضيق والمتحيز في كتابه "تخطيط علم النفس" سنة (1923م) وفيه يرُدّ على كلٍّ من "فرويد" و"يونج" و"كارل" لتحديدهم دوافع السلوك البشري ، بدافع واحد ، أو اثنين .

أما "مكدوجل" فقد ذكر عدة دوافع سماها غرائز ، وقد أوصلها بعد عدة تعديلات إلى عشرة غرائز أو تزيد ، منها غريزة الأبوّة في حماية الصغار ، وغريزة المقاتلة مع انفعال الغضب ، وغريزة الهروب من الخطر مع انفعال مصحوب بالخوف ، وغريزة حب الاستطلاع ، وغريزة تقدير الذات مع الشعور بالتفوق ، وغريزة البحث عن الطعام ، وغريزة التجمّع مع الشعور بالعُزْلة . وغيرها من الغرائز .

8- في آراء "فرويد" المتحيزة نحو التفسير الجنسي ، دافعاً لكل سلوك ، يتجلى التفكير اليهودي ،الذي اشتهر به اليهود منذ أيامهم الأولى ، في اتهامهم لبعض أنبيائهم ، وفي معاملتهم للأمم التي عاشوا معها ، وهو تحيّز مقصود ومخطّط ، خدمة للسياسة اليهودية العالمية بعيدة المدى .

(6)

مع المتتبعين لهويّة "فرويد" وأهدافه :

1- أثبت المتتبعون لفرويد : أنه يهودي متعصب ليهوديته . وأنه صديق حميم لليهودي "تيودور هرتزل" مؤسس الصهيونية الحديثة . وأن التحليلات النفسية التي قدمها تحت ستار الدراسة العلمية المتجردة إنما صاغها على الوجه الذي قدّمها به ، ليخدم القضية اليهودية الصهيونية في العالم . وأن الإلحاد الذي أعلنه لم يكن إلا رداءً ظاهرياً ليفتن المنتمين إلى دين غير اليهودية عن أديانهم ، فيكونوا ملحدين ، وهو في حقيقة وجدانه يهودي متمسك بيهوديته شديد التعصب لها ، وصهيونيٌّ يخدم عن طريق دعاوى البحث العلمي المتجرد أغراض الصهيونية .

2- ومن الذين تتبعوا "فرويد" تتبعاً واسعاً "د. صبري جرجس" في كتابه : "التراث اليهودي الصهيوني والفكر الفرويدي".

لقد وضع هذا الباحث أصابعه على كثير من آراء "فرويد" المقتبسة من جذور التراث اليهودي الصهيوني .

وأوضح في كثير من المناسبات ما يجعل كثيراً من آرائه محلاً للريبة ، أو الجزم بأنه إنما وضعها لخدمة أغراض اليهودية العالمية ، ولم يضعها على أساس دراسات علمية متجرّدة ، ثمّ حملت الدعايات اليهودية العالمية آراءه ، وروّجت لها في جميع الأوساط العلميّة والثقافية.

ثمّ وضع اليهود كل ثقلهم الكيدي في العالم لجعل آراء "فرويد" معارف علمية تدرّس في الجامعات في الغرب والشرق ، على أنها فتح في ميادين العلم ، وذلك ضمن الخطط اليهودية المرسومة ضد شعوب العالم ، ولمصلحة الشعب اليهودي فقط .

ثمّ رفعت وسائل الإعلام اليهودية العالمية "فرويد" إلى منزلة غير عادية .

وحمله ملاحدة مختلف الشعوب على رؤوسهم ، وداروا به في أرجاء الأرض تمجيداً وإكباراً .

3- يقول "فرويد" عن نفسه :

"ولدتُ في 6 مايو 185م ، في مدينة "فريبور" بمقاطعة "مورافيا" بجمهورية تشيكوسلوفاكيا الحالية ، وقد كان والداي يهوديين ، وظللت يهودياً أنا نفسي".

4- وتقول "شويزي" ، وهي محللة نفسية من خاصة "فرويد" وذات معرفة به ، وصلة وثيقة:

" إن إلحاد فرويد لم يكن إلا إلحاداً زائفاً ، لأنه تركه بعد ذلك ، متشبثاً باليهودية الصهيونية ، وفياً لها ، سائراً في طريقها ، منفذاً لمخططاتها ".

5- وقد انخدعت بمكيدته مدارس كثيرة من مدارس التحليل النفسي ، وزعمته باحثاً حيادياً ، ومكتشفاً مبدعاً في مجال دراساته التي قدّمها ، وكان للعصابة اليهودية التي انتمت إلى مدرسته أثر عظيم في الترويج لأفكاره وآرائه ، وكان من ورائه أجهزة الإعلام اليهودية المنبثة في العالم .

6- وإذ كان "فرويد" يهودياً في أعمق وجدانه ، كان شديد الحساسية لأية بادرة يشتبه في اتجاهها المضاد لليهود .

وقد كانت استجابته لجميع هذه المواقف عنيفة أشد العنف .

وعلى الرغم من أنه لم يتعرّض في حياته لأي اضطهاد من أجل يهوديته ، إلا أنه كان يشعر بالاضطهاد في داخل نفسه من أجل كونه يهودياً ، لذلك كان ينطوي على نفسه ، وداخل دائرة من أصدقائه ، وكلهم من اليهود ، وكان لا يأنس إلى صديق ولا يطمئن إليه إلا أن يكون يهودياً .

ونقل عنه "جونز" مؤرخ سيرته أنه قال ذات مرة : "إنه يهودي ، وليس نمساوياً أو ألمانياً".

وتساءل "ماكس جراف" أمامه ذات مرة ، عما إذا كان من الخير أن يوجه اليهود أبناءهم لاعتناق المسيحية إذا اقتضى الأمر ذلك ، فإذا بفرويد يعترض شدة قائلاً:

" إذا لم تنشيء طفلك على أنه يهودي ، فسوف تحرمه من مصدر طاقة لا يمكن أن يُعوّض بشيء آخر ، إن عليه وهو يهودي أن يكافح ، ومن واجبك أن تنمّيَ في نفسه كل الطاقة اللازمة لذلك الكفاح ، فلا تحرمه من هذه الميزة".

7- وأكّد "د. صبري جرجس" أن "فرويد" كان صهيونياً ، وصديقاً لهرتزل ، مؤسس الصهيونية الحديثة . وأنه كان عضواً في بعض المنظمات الصهيونية العاملة .

فمن الحقائق المعروفة أنه انضم إلى جمعية "بناي برث" الصهيونية ، أي : جمعية أبناء العهد . وكان انضمامه إليها سنة (1895م) وهو في التاسعة والثلاثين من عمره ، وهذا الجمعية لا تقبل في أعضائها غير اليهود ، وقد صرّح رئيس وفد هذه الجمعية الأمريكي الجنسية ، في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد بمدينة "بال" في "سويسرا" عام (1897م) بقوله :

" علينا أن ننشر روح الثورة بين العمّال ، وهم الذين سندفع بهم إلى خطوط دفاع العدو ، موقنين بأنه لا نهاية لرغباتهم ، ونحن بأمسّ الحاجة إلى تذمّرهم ، لأنه السبيل إلى تخريب المدنية المسيحية ، والوصول سريعاً إلى الفوضى فيهم ، ولسوف يحين الوقت سريعاً الذي يطلب فيه المسيحيون أنفسهم إلى اليهود أن يتسلموا السلطة".

8- وحين بلغ "فرويد" من العمر سبعين سنة ، أقامت له "جمعية بناي برث" الصهونية حفلاً لتكريمه بهذه المناسبة ، ولم يحضر "فرويد" هذا الحفل ، لكن أناب عنه طبيبه الخاص البروفيسور "لدفيج براون" الذي ألقى كلمة فرويد فيه ، وقد جاء في كلمته ما يلي :
" ... إن كونكم يهوداً لأمر يوافقني كل الموافقة ، لأني أنا نفسي يهودي ، فقد بدا لي دائماً أن إنكار هذه الحقيقة ليس أمراً غير خليق بصاحبه فحسب ، بل هو عمل فيه حماقة إيجابية ، إنه لتربطني باليهودية أمور كثيرة ، تجعل إغراء اليهودية واليهود أمراً لا سبيل إلى مقاومته .

قوىً انفعالية غامضة كثيرة ، كلما زادت قوتها تعذّر التعبير عنها في كلمات ، بالإضافة إلى شعور واضح بالذاتية الداخلية ... وهكذا وجدت نفسي واحداً منكم أقوم بدوي باهتماماتكم بالإنسانية والقومية ، واكتسبت أصدقاء من بينكم ، وحثثت الأصدقاء القليلين الذين تبقّوْا لي على الانضمام إليكم ...".

9- وكان "فرويد" عضواً فخرياً في منظمة "كاديما" . وهي منظمة صهيونية معروفة ، ولما اكتفى بالعضوية الفخرية بالنسبة إلى هذه المنظمة ، دفع أحد أبنائه ليكون عضواً عاملاً فيها .

(7)

استغلال مدرسة التحليل النفسي لخدمة المخططات اليهودية :

يلاحظ المتتبعون نتاج مدرسة "فرويد" في التحليل النفسي ، أن "فرويد" وتلاميذ مدرسته اليهود خاصة قد استغلوا طريق التحليل النفسي ، لخدمة المخططات اليهودية ، والحركة الصهيونية العالمية .

فمن ذلك ما استغلوه في موضوع معاداة السامية ، وهي الفكرة التي حمل اليهود شبح التخويف منها في الغرب ، لإسكات كل لسان يمكن أن يتحرك في انتقاد اليهود ، ولإيقاف كل مقاومة تتوجه لصد مكايدهم وتحركاتهم المريبة في السياسة ، أو في الاقتصاد ، أو في الإعلام ، أو في مجالات العلم والثقافة ، أو في غير ذلك من مجالات .

أما دور "فرويد" وتلاميذ مدرسته في هذا المجال ، فقد كان يعتمد على طريقة التحليل النفسي ، لتزييف الواقع والحقيقة ، وتمجيد اليهود ، وخدمة الصهيونية.

ولفرويد أقوال صريحة وواضحة في هذا المجال ، وله تحليلات يزيّنها وفق أهوائه الخاصة ، وقد ذكرها في كتابه "موسى والتوحيد".

وممّا ذكر "فرويد" في تحليلاته : أن أسباب كراهية الأمم لليهود كثيرة ، واعتبر أنها ترجع إلى صنفين :

الصنف الأول : ظاهر وليس بعميق ، وذكر من هذا الصنف سببين :

الأول : كون اليهود غرباء عن الأوطان التي يقيمون فيها .

الثاني : كون اليهود أقلية ، لأن الشعور الجماعي كي يكون كاملاً فيما يقرّر ، يقتضي توجيه العداء نحو الأقلية .

الصنف الثاني : ما أسماه "فرويد" بالأسباب العميقة ، وزعم أنها ترجع إلى الماضي السحيق ، وأنها منبعثة في النفس من اللاشعور ، وهي في رأيه تتلخص فيما يلي :
1- غيرة الشعوب الأخرى من اليهود ، لأنهم آثرهم عند الله ، بوصفهم أكبر أبناء الله .

2- تمسُّك اليهود بعادة الختان .

3- أن الشعوب غير اليهودية لما تركت وثنياتها الأولى تحت قوّة الضغط ، حقدت على أديانها الجديدة ، في مستوى اللاشعور منها ، فأسقطت حقدها على اليهود ، لأنها لا تستطيع أن تكره دينها الجديد .

هذه هي التحليلات النفسية التي أرجع إليها فرويد كراهية الأمم غير اليهودية لليهود .

كشف الزيف :

في اعتقادي أن أي عاقل لا يملك نفسه عن إطلاق ضحكات ساخرات من هذا التحليل ، ومن هذه الأسباب التي ذكرها "فرويد" نفسه .

1- أما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم غرباء في الأوطان التي يقيمون فيها ، فهو مردود من وجهين :

الوجه الأول : أننا نجدهم مكروهين ، ولو كانوا هم الأصلاء لا الغرباء .

الوجه الثاني : أننا نجد كثيراً من الغرباء في الشعوب محبوبين محترمين غير مكروهين .

فليست الغربة إذن من أسباب كراهية الأمم لهم ، إلا أنهم قد ضمنوا إلى غربتهم شيئاً آخر من عند أنفسهم ، كالاستغلال بالحيلة والمكر والكيد ، والأنانية المفرطة ، وعقدة الاستعلاء التي يضعون عليها ستاراً من المسكنة ، وحقدهم هم على الأمم .

2- وأما زعمه أن من أسباب كراهية الأمم لليهود كونهم أقلية ، فهذا خلاف الواقع تماماً ، بل هو عكس الواقع .

فالواقع أن العداء يتوجه عادة من الأقلية إلى الأكثرية بدافع الحسد ، وليس العكس .

فليست الأقلية من أسباب كراهية الأمم لهم ، إلا أن ينضم إليها شيء آخر من الأقلية نفسها ، كمكايد تكيدها ، واستغلالات غير مشروعة تستأثر بها ، وعقدة استعلاء تفتخر بها .

فالكراهية سببها اليهود أنفسهم ، وأعمالهم داخل الأمم والشعوب التي يعيشون بينها .

3- وأما ما ذكره "فرويد" من الأسباب العميقة ، فشيء مضحكٌ جداً .

أ- إنّ ادعاءه أن الشعوب الأخرى تغار من اليهود ، لأنهم آثرهم عند الله ، بوصفهم أكبر أبناء الله ، فهو يتوقف على اعتراف الشعوب لهم بهذا التميّز .

لكنه لا توجد أمة من أمم الأرض ولا شعب من الشعوب يعترف لهم بهذه الميزة ، حتى يغار الناس منهم .

بيد أن الحسد والغيرة من سمات اليهود منذ تاريخهم القديم .

ب- وادّعاؤه أن تمسك اليهود بعادة الختان من أسباب كراهية الأمم الأخرى ، ادعاء مضحك جداً .

ومع بالغ السخرية نقول : إن غير اليهود يختنون أيضاً ، فالمسلمون الذين يعدون في هذه الحقبة من التاريخ قرابة ألف مليون نسمة ، يختتنون ، والأمم الأخرى لا تكرههم لذلك .

وأي شيء يمنع أية أمة عن الختان؟!.
جـ- وأما ادعاؤه حقد الأمم على أديانها في مستوى اللاشعور ، وإسقاط حقدها على اليهود ، فتحليل خرافي جداً ، لا يقبل به أي محلل نفسي يحاكم الأمور بوسائل المعرفة الإنسانية .

فهل يوجد سخف أكبر من هذا السخف الفرويدي باسم التحليل النفسي ، لدعم اليهودية العالمية؟!!.
* * *

الفصْل الثاني


دَارْوين وَمَذهَبُ التطوُّر


(1)

من هو داروين؟.

هو "تشارلس داروين". بريطاني . عاش ما بين عام (1808م و1882م) بدأ دراسة الطب ثمّ لم يكمل مسيرته. وانتقل إلى دراسة اللاهوت . وكان شغفه بالرحلات العلمية الاستكشافية وراء البحار . وتعلق بالبحث في عالم الأحياء . ودوّن ملاحظاته التي توصل إليها طوال ربع قرن من البحث . وتجلّت له فكرة تطور الأحياء بعضها من بعض من ظاهرة التشابه في التكوين الجسمي بينها ، ومن بعض ظواهر أخرى.

وكتب في ذلك كتابه المشهور "أصل الأنواع" ، وقدّمه إلى إحدى الجمعيات العلمية ، وصدرت الطبعة الأولى منه في 14/11 سنة (1859م) وأحدث هذا الكتاب ضجّة كبرى في الغرب ، لاشتماله على أفكار جديدة تخالف المعتقدات السائدة .

ثمّ كتب كتاباً آخر سماه "أصل الإنسان" ونشره سنة (1874م) . وقد خصّص هذا الكتاب لموضوع التطور الإنساني .

(2)

خلاصة فكرة التطور الداروينية :

1- تقوم فكرة التطور الداروينية على أن الكائنات الحية تسير في تطورها مرتقية من أدنى الأحياء إلى الأعلى فالأعلى ، وأن الإنسان قد كان قمة تطورها .

2- وبقاء بعض الأنواع وانقراض بعضها يرجع إلى ظاهرة الصراع من أجل البقاء ، فالبقاء يكون للنوع المكافح الأفضل . وأما النوع الخامل الذي لا يكافح من أجل البقاء فإنه يضمر ، ثمّ يضمحل ، ثمّ ينقرض .

3- والعضو الذي يهمل إذ لا تبقى له وظيفة عمل في النوع الواحد ، يضمر شيئاً فشيئاً ، حتى يضمحلّ ، ولا يبقى منه إلا أثر يدلُّ عليه ، وقد لا يبقى له أي أثر .

كانت هذه هي الداروينية في عالم الأحياء ، ثُمّ عُمّمت حتى شملت الوجود المادي كله ، من الغاز السديمي الأول حتى المجرات فالكواكب ، فالمواد الصالحة لظهور الحياة ، فالنبات ، فالحيوانات ، فالنبات ، فالحيوان ، وأمسى التطور مذهباً .

وقد أجرى الداروينيون تنقيحات وتعديلات في آراء داروين من بعده ، وحشدوا لفكرة التطور الطبيعي في الأحياء أسانيد ترجع كلها إلى ثلاثة عناصر :

1- وجود التشابه في النباء الجسمي لدى الكائنات الحية .

2- تأخر ظهور بعض الأنواع عن بعض .

3- وجود زوائد في بعض الأحياء ليس لها وظيفة حالياً ، فوجودها ينبئ عن أنها كانت في أزمان غابرة ذات وظيفة ، فلما أهملت ضمرت ، وما بقي منها دال عليها ، كالزائدة الدودية في أمعاء الإنسان .

(3)

الترويج للداروينيّة ومذهب التطور

ورأى الملاحدة وأصحاب الفكر المادي في آراء "داروين" أساساً يمكن أن يدعم مذهبهم ، فاتخذوها أساساً ، وأخذوا يروجون لها في ميادين العلم ، ويعتبرونها "نظرية" مع أنها لا ترقي في سلم البحث العلمي عن كونها "فرضية" .

وبعد أن أطلقوا عليها زوراً وتزييفاً عنوان "نظرية" أضافوا إليها فكرة جديدة ، وهي أن نظرية التطور قادرة على تفسير نشأة الخلق ، ونشأة الحياة ، من مادّة الكون الأولى التي هي سديم غازي ، أي سحابة غازية مؤلفة من أدنى الغازات تركيباً ، وأن هذا التطور قد كان تطوراً ذاتياً ، وليس ذا حاجة إلى تدخل خالق ذي قدرة وعلم وحكمة ، فالطور بطبيعته الذاتية قد أجرى هذه التغييرات العظيمة التي نشاهدها في الكون وفي أنفسنا .

وانطلقت الأجهزة اليهودية العالمية ضمن خطط مرسومة ، تروّج لهذه النظرية المدّعاة ، في أسواق العلم ، وفي ميادين الثقافة ، وفي أجهزة الإعلام المختلفة ، وتمجّد بها وبواضعها داروين ، وترفعه إلى درجة غير عادية .

(4)

هل قدم داروين آراءه مقترنة بإنكار الخالق؟

الناظر في كتاب "أصل الأنواع" لداروين ، لا يلاحظ فيه أن هذا الرجل قد أنكر فيه وجود الرب الخالق جل وعلا .

إنه لم يقرر فيه فكرة التطور الذاتي ، ولا التولد الذاتي ، بل فيه يُشعر بأن فكرة التطور التي يقول بها ، إنما هي من القوانين والسنن التي بثّها الخالق في المادة .

فهل كان ذلك خطّة مداهنة ومصانعة للمؤمنين بالله ، حتى لا يثوروا عليه ، ويرفضوا آراءه جملة وتفصيلاً ، أو كان من المؤمنين بالله إيماناً نصرانياً ، ولا سيما وهو خريج دراسات لاهوتية ، إلا أن الملاحدة واليهود قد استغلوا مذهب التطور لتأييد المادية وإنكار وجود الخالق ، من وجهة نظرهم .

ونقلاً عن "إسماعيل مظهر" أورد المقتطفات التالية من كتابه "أصل الأنواع".
1- جاء في آخر الفصل الخامس منه قوله :

" فإذا اعتقد معتقد بأن أنواع جنس الخيل قد خلقت مستقلّة منذ البدء ، لما تيسّر له أن يثبت اعتقاده إلا بالقول بأن هذه الأنواع قد خلق كلٌّ منها وفيه نزعة إلى التغاير ، سواء أكان بتأثير الإيلاف أو بتأثير الطبيعة الخالصة ...".

ثمّ دفع مزاعم بعض المنكرين لإمكان تطوّر الأحياء ، وعقب عليه بقوله :

"فهم يشوّهون صبغة الله وخلقه".

2- وجاء في الفصل الخامس عشر منه قوله :

"هنالك مؤلفون من ذوي الشهرة وبُعد الصيت مقتنعون بالرأي القائل بأن الأنواع قد خلقت مستقلة . أما عقليتي فأكثر التئاماً مع المضي فيما نعرف من القوانين والسنن التي بثها الخالق في المادّة ...".

3- وجاء في آخر كتابه المذكور قوله :

" إني أرى فيما يظهر لي أن الأحياء التي عاشت على هذه الأرض ، جميعها من صورة واحدة أوّلية ، نفخ الخالق فيها نسمة الحياة ، وعلى أن أساس هذه النتيجة المشابهة ، فالتسليم بها وعدمه غير جوهريين ".

لكن يوسف كرم ذكر أن داروين كان مؤمناً بالله ثمّ تطوّر شيئاً فشيئاً حتى أعلن أسفه لاستعماله لفظ الخلق مجاراة للرأي العام ، وصرّح بأن الحياة لغز من الألغاز ، وذكر أنه وصل إلى مذهبه (لا أدري) فهو لا يقول بالعناية الإلهية ولا يقول بالمصادفة ، وأن الكلمة الأخيرة عنده هي "أن المسألة خارجة عن نطاق العقل ، ولكن بوسع الإنسان أن يؤدي واجبه".

(5)
الرأي العلمي الأخير في مذهب التطور

يرى جمهور أهل البحث العلمي المعاصرين , والمشتغلين بعلم الأحياء ، أن ما يسمى بنظرية التطور لا يرقى إلى مستوى "النظرية" . بل هو لدى التحقيق لا يزال في مستوى "الفرضية" .

وذلك لأنه لم يوجَد حتى اليوم أيُّ دليل واقعي مشاهد ولو معملياً يرجّح صحّة الفرضيّة ، ولو بمثال واحد من الأمثلة التي يصح الاعتماد عليها ، كأساسٍ للتطور المقرر في النظرية المدعاة أو المتخيلة .

يقول "سير آرثر كيث" في مقالٍ له جاء في كتاب "العلم أسراره وخفاياه" بعنوان: [داروين و"أصل الأنواع" ] :

" ويقرر بعض النقاد الحديثين للانتخاب الطبيعي ، بأنه لا حول ولا قوة في إحداث صورة جديدة من النبات أو الحيوان ".

وذكر عن بعض النقاد أن كيفية حدوث التطور ، أو آلية التطور الموصوفة في كتاب "أصل الأنواع" لداروين ، قد تكون كلها خاطئة .

ثمّ قال : " وإذا كان حقيقة كذلك ، فقد يصبح "أصل الأنواع" غير متمشّ مع الزمن إطلاقاً" .

لكن "سير آرثر كيث" من الذين يتمسكون بمذهب النشوء والارتقاء ، وهو مذهب التطور الذاتي ، على الرغم من أنه غير ثابت علمياً ، وعلى الرغم من أنه لا سبيل إلى إثباته بالبرهان. وذلك لأنه لا خيار له إذا لم يأخذ بمذهب التطور الذاتي ، إلا أن يؤمن بالخلق الرباني الخاص المباشر ، وهو غير مستعد لهذا الإيمان ، بعد أن اتخذ لنفسه الإلحاد مذهباً وعقيدة ، لذلك فهو يقول في مكان آخر :

" إنّ نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علمياً ، ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان ، ونحن لا نؤمن بها إلا أن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر ، وهذا لا يمكن حتى التفكير فيه" .

(6)

موضوعات مذهب التطوّر وموقف المفكر الإسلامي منها

يتناول مذهب التطوّر ثلاث موضوعات :

الموضوع الأول : تطوّر المادة غير الحية من السديم الغازي ، حتى تكوّنت النجوم والكواكب .

الموضوع الثاني : كيف دبّت الحياة في المادة ؟ أو كيف تطورت المادة حتى كانت فيها كائنات ذوات حياة ؟.

الموضوع الثالث : كيف وجدت أنواع الأحياء ؟ ، أو كيف تطور بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة ، حتى بلغت قمة التطور عند الإنسان ؟.

الشرح

1- أما الموضوع الأول ، وهو فكرة تطوّر المادة غير الحية من السديم الغازي ، حتى تكوّنت النجوم والكواكب .

وموقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع فيتلخص بما يلي :

أولاً: إنْ كان التطوّر المدعى مقروناً باعتقاد أن هذا التطور معتمد على خطة رسمها الخالق عزّ وجلّ ، فهو سنة من سننه ، ويتم الأمر بخلقه ، فأمر ادعائه سهل ، ولا ينبني عليه مناقضة لقضية من قضايا الدين الحق .

والمنهج السليم يحتّم علينا أن نترك هذه القضية للبحث العلمي ، إذ ليس لدينا في المفاهيم الإسلامية ما يتعارض معها ، بل قد نجد ما يلتقي معها نوع لقاء ، مثل كون السماء في أول أمرها دخاناً ، ومثل كون عرش الرحمن أول الأمر على الماء ، ومثل تكامل عملية خلق السماوات والأرض ، وهي أيام لا ندري مقاديرها ، فهي على كل حال ستّ أحقاب زمنية .

على أن الموضوع لا يعدو من وجهة نظر العلم الصحيح أن يكون افتراضاً نظرياً فكرياً ، قد تدلّ عليه بعض الأمارات التي تسمح بالتخمين ، ولا تسمح بوضع نظرية جازمة .

ثانياً : وإن كان التطور المدعى مراداً منه التطور الذاتي ، أي الذي لا يخضع لخطة خالق عليم حكيم قادر ، فهو أمر مرفوض حتماً ، علمياً ، ودينياً ، وفلسفياً .

وذلك لأنه لا يسمح التطور الذاتي ، لو أمكن أن يوجد ، بإحداث هذه المتقنات العجيبة المترابطة في الكون كله ، وليس أمام مدعي التطور الذات إلا ادعاء أن هذا الإتقان قد تم على سبيل المصادفة .

وقد أثبت الباحثون الرياضيون وغيرهم أن مثل هذا الإتقان الكوني العجيب من المستحيل أن يكون بالمصادفة ، وأقوالهم في هذا كثيرة .

فالمصادفة في أحداث التطور الكوني المدّعى مرفوضة علمياً ورياضياً وواقعياً ، مهما تهرب الماديون من مضايق البراهين العقلية والعلمية ، لافتراضات الأزمان السحيقة التي يمكن أن تسمح بمصادفة تصنع متقناً ما .

يقول "جون أدولف بوهلر" :

" عندما يطبّق الإنسان قوانين المصادفة لمعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر الطبيعية ، مثل تكوين جُزَيْءٍ واحد من جزئيات البروتين من العناصر التي تدخل في تركيبه ، فإننا نجد أن عمر الأرض كله لا يكفي لحدوث هذه الظاهرة" .

2- وأما الموضوع الثاني ، وهو كيف دبت الحياة في المادة ، أو كيف تطورت المادة حتى ظهرت فيها كائنات حية؟.

فَمَوْقف المفكر الإسلامي من هذا الموضوع ، يَتَلخَّص بما يلي:

إن النصوص الدينية تكشف لنا أن الحياة سر من أسرار الخالق ، ونفخة ربّانية روحيّة في المادة .

فالحياة ليست نتاج المادة ، بل المادّ وعاء لها .

لقد خلق الله جسم آدم من الطين ، ولمّا سواه نفخ فيه من روحه ، فصار إنساناً حياً ، بعد أن كان مادة ميتة .

وبعد أن يعلق الجنين في رحم أمّه ، يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثمّ يكون علقة مثل ذلك ، ثمّ يكون مضغة مثل ذلك ، ثمّ يُرسَل إليه الملَك فيُنفخ فيه الروح .

وعندئذ تدبّ فيه الحياة الإنسانية.

وحين أراد الله أن يخرق سنته في خلق عيسى عليه السلام من أم بدون لقاح أب ، أرسل إلى أمه مريم الملك ، فتمثل لها بشراً سوياً ، قالت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ، قال : إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً .

وتم تكوين الغلام في بطنها بنفخة كان بها إنساناً .
قال الله تعالى في سورة (التحريم/6 مصحف/107 نزول):
{وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}.

وحين أعطى الله عيسى عليه السلام معجزة إحياء ما يصنع من الطين على هيئة الطير جعل في نفخته فيها سرّ الحياة .

مزاعم المادّيين

ويزعم أصحاب الفكر المادي أن الحياة من ظواهر التطور في المادة ، فالحياة وما يتبعها من صفات الإحساس والإدراك والفكر والعواطف والانفعالات كلها من ثمرات تطوّر المادة ، وصفات من صفات المادّة ، متى تركّبت بشكل معقّد كالشكل الذي ظهرت به الأحياء.

ولا يقدم المادّيون لإثبات هذا الادعاء أي دليل عقلي أو علمي ، لأنهم لا يملكون شيئاً من ذلك ، ولم يستطيعوا بعد كل الجهود التي بذلوها أن يقدّموا أي دليل علمي . وما قدموه مجرّد تكهُّن تخيُّلي ، ورغبات يريدون أن يكون الواقع على وفقها ، ولكن الحقّ والواقع لا تصنعه رغبات الناس وأهواؤهم .

كشف الزيف

هذا الادعاء الذي ادعاه الماديون مرفوض علمياً ، من قبل علماء الأحياء أنفسهم .

وذلك لأن القرار الذي انتهى إليه علماء الأحياء بعد تجارب كثيرة ومتنوعة ، يجزم بأن المادة الميتة لا يمكن أن تتحول ذاتياً إلى مادة حية ، وأن الحي لا بد أن يتولد عن حي أو يشتق من حي .

ولم يستطع العلماء الماديون المتفرغون باهتمام شديد في الشرق والغرب لتخليق أدنى خليه حية وأقلها تركيباً وتعقيداً ، أن يتوصلوا إلى تخليق مثل هذه الخلية من المادة ، دون أ، يأتي التخليق من حياة سابقة لها .

فالقرار العملي الواقعيّ الأخير : إن الحياة لا تتولد إلا من حياة .

كما كان قد قرّر ذلك من قبلُ ، العلماءُ المؤمنون بالخلق الربّاني من علماء الأحياء ، مثل : "أغاسيز" . وأخيراً العالم الفرنسي الشهير "باستور" مكتشف جراثيم الأمراض .

ومع ذلك فقد ظل الماديون يرغبون في اعتقاد أن الحياة ظهرت نتيجة تطور المادة تطوراً ذاتياً ، واعتبروا ذلك اعتقاداً فلسفياً ، لأنه لا بديل بعد رفض هذا الاحتمال إلا الإيمان بالخلق الخاص المباشر ، وهذا أمر يرفضونه ، لأنهم لا يريدون الإيمان بخالق غيبيٍ لا يشاهدونه . هكذا اعتباطاً من غير دليل ، على الرغم من أنهم يؤمنون بغيبيات كثيرة يستنتجونها استنتاجاً نظرياً فلسفياً ، دون أن يكون لها شواهد من الواقع المشاهد.

وحين يؤمنون بغيبيات عن حواسّهم وأجهزتهم تثبتها لهم استنتاجاتهم النظرية ، كصفات الذرة وخصائصها ، نجدهم ينكرون على أصحاب الاستنتاجات الفكرية النظرية العقلية ، ما توصلهم إليه استنتاجاتهم المتعلقة بغيبيات دينية ، حول الخالق عزّ وجلّ وصفاته العظيمة .

هذا منهم تناقض مع أنفسهم ، يؤمنون بسلامة الاستنتاج العقلي حيناً ، ويجحدونه وينكرون على من يستند إليه حيناً آخر .

والمتتبعون للماديين في مجالات العلوم ، وفي مجالات الحياة المختلفة ، يلاحظون أن الماديين لا ينفكون عن الاعتماد على الاستنتاجات الذهنية العقلية ، بل يسرفون أحياناً إسرافاً شديداً في الاعتماد عليها، كالاستنتاجات السياسية التي تمسُّ أشخاصهم ومبادئهم ومذاهبهم ومنظماتهم الحزبيّة والإدارية .

مقولة من العلماء الطبيعيين حول النشوء الذاتي

جاء في كتاب "التطور عملياته ونتائجه" ما يلي :

" لم تعد نظرية النشوء الذاتي تحظى باحترام البيولوجيين ، بعد عمل "ريدي" و"سبالنزاي" .

ولكن اكتشاف البكتيريا غيّر ذلك ، فهذه كائنات حيّة أبسط مما كان يتصوّر فيما مضى ، والبكتيريا موجودة في كل مكان ، وكان من الصعب جداً أن لا توجد في أي وسط مناسب لنموها . وقد كان احتمال حدوثها ذاتياً داخل أي وسط عضوي فكرة كثير من المعضدين المناصرين . (أي : لفكرة النشوء الذاتي).

ولكن تجارب "باستور" المشهورة قد نقضت ذلك تماماً ، فقد حفظ حساءً مغلياً في إناء مقفل لا يدخل فيه الهواء إلا من خلال أنبوبة شعرية ملتوية ، لتكون بمثابة مصيدة للجزيئات الصلبة ، وبذلك كان الحساء معرضاً للتأكسد لوصول الهواء إليه ، ولكن لم تظهر فيه بكتيريا (لأنها علقت في الأنبوبة ولم تصل إليه ، فكانت بمثابة مصفاة لها ).

ولهذا كان من الواضح أن الهواء الحامل للبكتيريا هو الذي يصيب الحساء المعرّض ، وأن البكتيريا نفسها قد نشأت فقط من البكتيريا التي سبق وجودها . وقد كانت هذه هي الضربة القاضية على فكرة النشوء الذاتي للكائنات المعقدة ...".

مقولة مادّي مكابر

وفي مقال بعنوان "أصل الحياة" لجورج والد ، وهو مقال جاء في كتاب "العلم أسراره وخفاياه" نجد أن هذا المختص في علم الأحياء قد ظل من الذين يعتقدون فكرة التوالد الذاتي للحياة من المادة غير الحية اعتقاداً فلسفياً ، رغم اعترافه بأن تجارب "باستور" عندما أتمها تقوّضت أركان عقيدة التوليد الذاتي .

ورغم اعترافه هذا قال ما يلي :

" ونحن ننقل إلى المبتدئين في دراسة علم الأحياء هذه القصة لتمثل انتصار العقل على الاعتقاد ، وهي تمثل في الحقيقة عكس ذلك تقريباً .

فالنظرة المصبية هي الاعتقاد في التولّد الذاتي ، والبديل الآخر الوحيد لها هو الاعتقاد في الخلق الخارق للطبيعة ، الذي يُعد حدثاً فريداً وأساسياً ، ولا يوجد بديل ثالث لهما .

ولهذا السبب فقد اعتبر كثير من المشتغلين بالعلوم منذ قرن مضى عقيدة التولّد الذاتي ضرورة فلسفية . وإن من أعراض عجزنا الفلسفيّ حالياً أن هذه الضرورة فقدت تقديرها .

وبرغم أن أحداث المشتغلين بعلم الأحياء قد أثلج صدورهم بانهيار عقيدة التوليد الذاتي ، فإنهم ليسوا على استعداد لتقبُّل العقيدة البديلة لها ، وهي الخلق الخاص ، ومن ثمّ فقد فقدوا جميع الاحتمالات .

وإني لأعتقد أنه ليس ثمة اختيار أمام المشتغل بالعلوم سوى أن يتفهّم أصل الحياة عن طريق التولد الذاتي"هـ.

التعليق

هكذا نلاحظ أن القائلين بالتولد الذاتي قد طرحوا مقتضيات الدلائل العلمية ، ولجؤوا إلى الاعتقاد الذي أسموه اعتقاداً فلسفياً ، مع أنه لا سند له من العقل ، ولا سند له من العلم ، كل ما في الأمر أنهم غير مستعدين للإيمان بالخلق الرباني .

لماذا ؟ ليس لديهم جواب ، إلا أن مذهبهم المادي الإلحادي الذي لا دليل عليه من العقل ولا من العلم يفرض عليهم أن يرفضوا قضية الإيمان بالله ، ثمّ لا بديل بعد ذلك إلا الاعتقاد بالتولد الذاتي ، إذ هو الاحتمال الوحيد بعد رفض الإيمان بالله وخلقه للأشياء .

وهكذا يظهر بشكل مفضوح جداً تهافت القائلين بنشأة الحياة عن طريق التولّد الذاتي ، ويظهر تعصُّبهم الأعمى ضد قضية الإيمان بالله الخالق العليم الحكيم القدير .

3- وأمّا الموضوع الثالث ، وهو كيف وُجدت أنواع الأحياء؟ ، أو كيف تطوّر بعضها من بعض في سلسلة مرتقية صاعدة ، حتى بلغت قمّة التطوّر عند الإنسان؟.

وموقف المفكّر الإسلامي من هذا الموضوع ، فيتلخص بما يلي :

نظرة إلى فكرة تطوّر أنواع الأحياء

لقد درس "داروين" ومن جاء بعده من الذين نّقحوا آراءه أنواع الأحياء ، ما كان منها حياً وقت الدراسة ، وما جمعوه من الحفريات التي قاموا بها ، وما شهدوه من دفائن القرون الأولى في الصخور والكهوف ، وما جمعوه من مخلفات الأحياء في الرمال ، وبقايا السيول القديمة ، وما استخرجوه من محفوظات الثلوج المتراكمة من أزمان قديمة ، فانتهوا إلى حقائق وصفية بَنَوْا عليها تفسيرات احتمالية تخمينيّة.

وأهم الحقائق الوصفية التي توصّلوا إليها ما يلي :

1- وجود التشابه في خطّة بناء الأجسام ، وفي سلوك الكائن الحي .

2- وجود بعض زوائد في بعض الأجسام ، كالزائدة الدودية عند الإنسان ، دون أن يكون لها وظيفة في جسم الإنسان حالياً ، كما بدا لهم ، وكاستطالة سلسلة الظهر السفلى عند بعض الناس استطالة تشبه بقايا ذيلٍ تقاصر ، فهو كما بدا لهم في طريقه إلى الزوال.

3- تأخر وجود بعض أنواع الأحياء على سطح الأرض عن بعض .

فمن ظاهر التشابه ، ووجود بعض الزوائد التي ليس لها وظائف حالياً كما بدا لهم ، وتأخر وجود بعض الأحياء عن بعض وفق حساب أعمار أقدم ما اكتشف من أجسامها المدفونة ومتحجّراتها ، استنتج "دارون" والذين نقّحوا فكرة التطور من بعده استنتاجاً فكرياً ، أن الكائنات الحية تطوّرت تطوراً ذاتياً تصاعدياً ، من أدنى الكائنات الحية حتى الإنسان الذي هو أعلاها كمالاً .

وكانت "الأميبا" هي أدنى الكائنات الحية في التصور ، ثمّ جاء التصحيح إلى "الباكتيريا" التي هي أدنى من الأميبا بعد اكتشافها ، ثمّ جاء التصحيح إلى "الفيروس" الذي هو أدنى من الباكتيريا بعد اكتشافه ، فالفيروسات في نظرهم الآن تتوسط الحدّ الفاصل بين الحي وغير الحي .

كشف الزيف

لكن هذا الاستنتاج استنتاج احتماليٌّ نظري ، وليس أمراً علمياً مؤيداً بشواهد من الواقع ، إذ لم يلاحظ الباحثون في الطبيعة ولا في المختبرات حالة واحدة من حالات التطور المتخيّلة في الاستنتاج ، لكنّ التخيل طرح ذلك على الأحقاب الزمنية الغابرة ، وتخلّص من المطالبة بالشواهد من الواقع .

على أن التطور لو ثبت علمياً بشواهد من الواقع في الطبيعة ، فإنه لا يفيد أن التطور حدث ذاتياً ، بل النظرة الإيمانية القائمة على ملاحظة الحكمة في الخلق تقم البرهان على أن خطة الخالق قد رتّبت عمليات الخلق وفق سنة التطور ، كما رتبت عمليّة خلق الإنسان وفق أطواره حتى يكون نطفة ، فجنيناً ، فطفلاً ، فيافعاً ، فبالغاً أشده ، فما وراء ذلك من أطوار .

ومن البَدهيّ أن التشابُه في الأنواع المختلفة لا يقتضي النسب بينها ، ولا يستلزمه عقلاً ، فالأمر يتوقف على ثبوت ذلك النسب بشكل واقعي ، نعم قد يكون إحدى الأمارات الضعيفة .

وكذلك تأخر ظهور بعض الأنواع الراقية عن أنواع سابقة لها في الوجود ، لا يقتضي أن السابق أبٌ أو جدٌ لما ظهر بعده ، إذ الاحتمال الأقرب للتصور أن يكون مبدع النوع الأول قد أبدع بعده النوع الأرقى ، ثمّ أبدع بعد ذلك الأرقى فالأرقى ، ثمّ أبدع أخيراً الإنسان .

وهذا ما نلاحظه في سلسلة المبتكرات والمخترعات الإنسانية ، فاللاحق كثيراً ما يكون وليد فكر المبدع ونتاج عمله ، بالاستناد إلى ملاحظته للسابق ، وليس ثمرة التطوير للسابق نفسه في واقع العمل ، بحذف شيء منه وإضافة شيء إليه ، فالعملية تكون عمليّة فكية ، ويأتي التطبيق الواقعي غالباً بناءً جديداً .

ومهما يكن من فالاحتمالان أمران متكافئان إمكاناً ، بشرط ربط كلٍّ منهما بأنه مظهر لاختيار مدبّر خالق حكيم .

أما التطور الذاتي إلى الأكمل دون تدبير حكيم عليم قدير خالق ، فهو أمرٌ مستحيل عقلاً ، إذ الناقص لا ينتج الكامل في خطةٍ ثابتة ، وهو بمثابة إنتاج العدم للوجود .

وإحالة الأمر على المصادفة إحالة على أمر مستحيل علمياً ورياضياً في عمليات الخلق الكبرى .

وقد قرّر أصحاب فكرة التطور أزماناً سحيقة لظهور الكائنات الحية المتطورة ، ثمّ لظهور الإنسان الأول ، واعتبروا هذه الأزمان كافية نظرياً لحدوث التطور .

إلا أن علماء الفيزياء والجيولوجيا قد أظهروا منذ عام (1950م) وما بعده عدم صحة ما حدّده أصحاب مذهب التطور من أزمان سحيقة ، فعمر الحياة في الأرض أقصر من تقديرهم بكثير، وعمر الأرض أيضاً أقل مما قدّروه بكثير ، فما يلزم في رأيهم للتطور الذاتي من زمن غير متوافر في الواقع مطلقا ً.

واعترف بذلك القائلون بالتطور أنفسهم ، فقد جاء في مقالٍ بعنوان "نظرية التطوّر منقحة" بقلم "روث مور" بكتاب "العلم أسراره وخفاياه":

" منذ عام (1950م) والشواهد العلمية تشير بلا مهرب منه إلى حقيقة واحدة ، هي أن الإنسان لم يظهر سواء في الوقت أو بالطريقة التي يقول بها "داروين" وعلماء التطور الحديثون ، فلقد أظهر علماء الفيزياء والجيولوجيا منذ عام (1950م) بوضوح أن العالم أقدم ، وأن الإنسان أصغر سناً كثيراً عما اجترأ أي واحدٍ على تقديره من قبل...".

ونظيره قول "جون أدولف بوهلر" الذي سبق عرضه في هذا الفصل .

وأظهر من ذلك ما نشرته جريدة الشرق الأوسط في العدد "3328" بتاريخ 19جمادى الأولى 1408هـ الموافق لـ8/1/1988م تحت عنوان "العلم يثبت أصل الإنسان" وقد جاء فيه ما يلي :
واشنطن –مكتب الشرق الأوسط: ضجّت الأوساط العلمية في الغرب ، لا سيما في الولايات المتحدة ، بنبأ الاكتشاف الذي توصل إليه فريق من العلماء الأمريكيين بعد نحو عشر سنوات من البحث والدراسة في علم الوراثة والجنيات ، وقادهم البحث إلى اكتشاف أن الجينات الثابتة في كل النوع البشري يمكن تقفيها إلى امرأة واحدة (سماها فريق البحث: بايف ، أو حواء) انحدر منها كل البشر ، وكانت خصبة الولادة . وإليها تعود الجينات الثابتة عند كل البشر ، والبالغة نحو خمسة آلاف جين .

وهذا ما جاء في التقرير العلمي الذي نشرته مجلة "نيوزويك" هذا الأسبوع .

ويحدّد العلماء ظهورها على الأرض بأنه وقع في آسيا ، أو إفريقية ، قبل نحو مئتي ألف سنة ، وعلى هذا الأساس يمكننا اعتبارها جدتنا العشرة الألف . وقد ناقضت هذه الاكتشافات كل ما ذهب إليه العلماء من قبل فيما يتعلق بنظرية العالم الإنكليزي "داروين" حول أصل الإنسان . اهـ.

حتى الاتحاد السوفييتي فإن الإدارة الشيوعية فيه قد أنفقت خلال ستين عاماً من الشيوعية ستين ملياراً حتى يثبتوا نظرية "إنجلز" القائلة : "الحياة ما هي إلا تفاعل كيميائي" على مخابر علوم الحياة ، فكان قرار العلماء الباحثين في سنة "1969م" الذي قدّموه إلى القادة السوفييت :

"ليس للعلوم قدرة على إثبات أن الحياة نتيجة تفاعل كيميائي ، وليس في مستطاع الوسائل العلمية إيجاد الحياة إلا عن طريق الخلايا الحية التي لا نستطيع أن نوجدها من المادة غير الحية ، وكذلك النبات".

وتلقّف هذا القرار الصادر عن العلماء السوفييت ، علماء مخابر علوم الحياة في أمريكا ، فدعوا إلى اجتماعٍ ضم الفريقين في أمريكا ، وأعلنوا بياناً مشتركاً جاء فيه ما يلي :
"العلم عاجز عن إيجاد الحياة".

وأضافوا إليه بناءً على اقتراح الوفد السوفييتي :
" بل إن العلم عاجز عن أن يعرف إلا بعض مظاهر المادة ، وليس الروح".

نقلاً عن حديث للدكتور معروف الدواليبي نشر في صحيفة المدينة المنورة في العدد (6287) الأربعاء 13 رمضان 1404هـ.

لقد أثبت الباحثون من العلماء بعد جهد طويل ما ذكره الله عزّ وجلّ بقوله في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}

بعد هذا أقول:
إن فكرة التطور لو ثبتت علمياً فإننا لا نجد في الإسلام نصوصاً ترفضها ، ما دام الأمر راجعاً إلى حكمة الله الخالق وتقديره ، باستثناء خلق الإنسان الذي جاء في القرآن والسنة وصف صريح حول الطريقة التي تم بها خلقه ، فهي طريقة ظاهرها ينافي أن يكون الإنسان متطوراً من سلسلة الحيوانات التي هي دونه في الخلق .

لكن يبدو أن من المتعذّر أن تَثبت فكرة التطور علمياً ، فهي ستظل في دائرة الاحتمال الافتراضي ، والله أعلم .

على أن القرآن الكريم قد وجّه للسير في الأرض والبحث فيها لمعرفة كيف بدأ الله الخلق ، فقال الله عزّ وجلّ في سورة (العنكبوت/29 مصحف/85 نزول):

{قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ولا بدّ أن يكون هذا النظر هادياً ، إلى دلائل الإيمان بالله الخالق ، لا إلى عكس قضية الإيمان .
* * *

الفصْل الثالث


دوركايْم وَآرَاؤه في علْم الاجتِمَاعِ


(1)

من هو دور كايم – أو دورك حاييم؟.

هو "إميل دوركايم". يهودي فرنسي. عاش ما بين عام (1858م و1917م) تَخَصَّصَ في علم الاجتماع . قالوا : وقد صار رائد علم الاجتماع بعد "كونت" . كان أستاذاً بالسوربون . وتأثر اتجاهه في علم الاجتماع بفلسفة "كونت" الوضعية . وكان له أولاً تابعاً ، ثمّ صار له ناقداً .

عزا إلى العقل المشترك للمجتمع (العقل الجمعي) أصل الدين والأخلاق ، وكذلك بعض التصوّرات الأساسية كالزمان والمكان .

من مؤلفاته : 1- "تقسيم العمل في المجتمع" الصادر عام (1893م) 2- "قواعد المنهاج الاجتماعي" الصادر عام (1895م) 3- "الانتحار" الصادر عام (1897م) 4- "الأشكال" الأولية للحياة الدينية" الصادر عام (1912م) 5- "التربية والاجتماع"... وغيرها .

(2)

دوافع آرائه في علم الاجتماع

يظهر أن حال "دوركايم" كحال "فرويد" من قبله ، وأن القيادات اليهودية السرية قد دفعته لإيجاد أفكار في مجال تخصصه ، وهو علم الاجتماع ، من شأنها تنفيذ المخطط اليهودي العامّ الرامي إلى هدم أسس الدين والأخلاق في مختلف الأمم والشعوب .

وبوسائل مختلفة متعددة وكثيرة ، دعمت الدعاية وأجهزة الإعلام اليهودية رجلها الموجّه "دوركهايم" ورفعته إلى مرتبة غير عادية ، حتى صار عند المؤرخين رائد علم الاجتماع بعد "كونت" وأمسى رئيس المدرسة الاجتماعية الفرنسية .

(3)
ما يُهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره في علم الاجتماع

أراد "دوركهايم" أن يهدم الدين والأخلاق من جذورهما ، فأقام أولاً فلسفة العقل الجمعي ، إذ زعم أن العقل المشترك للمجتمع هو الموجّه لكل فرد فيه ، وهو المكوّن لأفكار الأفراد ، ومذاهبهم ، وعاداتهم ، ومفاهيمهم ، وذلك عن طريق إلزام المجتمع للفرد ، بما يحيط به من قوة اجتماعية ضاغطة .

وفكرة "دوركهايم" في قضية "العقل الجمعي" وأن المجتمع هو الكيان الإنساني ، قد قدّمت للشيوعية أساساً من أسس مذهبها الاقتصادي ، إذْ تولي المجتمع الأهمية العظمى نظرياً ، مضحّيةً بمصالح الأفراد وطموحاتهم ، وإن كانت في تطبيقاتها تسخر النظرية أو مبادئ المذهب ، لخدمة المصالح الخاصة لأفراد الحزب ولقياداته ، كلٌّ بحسب أهميته في الحزب .

وزعم "دوركهايم" بناءً على أفكاره وآرائه التي أعطاها زوراً وتزييفاً اسم "نظرية" أن عناصر التفكير وأسس المعرفة العقلية نفسها ما هي إلا صور ولدتها حياة الجماعة ، وطبعتها على غرار النظم الاجتماعية.

ولما كانت غاية "دوركهايم" تأسيس المعرفة وكل ظواهر الوجود على مذهب الإلحاد بالله ، ودعم المنظمات اليهودية ، أو التي يسيطر عليها أو يوجهها اليهود ، والتي من مخططاتها قيادة الجماهير ، وهي معطلة أفكارها الخاصة ، فقد اتجه إلى التركيز عن طريق دراساته في علم الاجتماع على عدة أمور :

1- الإصرار على تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيراً مادياً ، لا يعترف بالله ولا بأية قوة غيبية ، أو موجودات وراء العالم المادي .

2- ابتكار فكرة "العقل الجمعي" الذي يسيطر على الجماعة دون إرادة منهم ولا تفكير ، فهو يحرّكهم كما يحرّك راعي القطيع من الأنعام قطيعه .

وتعريف العقل الجمعي عنده : أنه شيء موجود خارج عقول الأفراد ، وهو ليس مجموع عقولهم ، ولا يشترط أن يكون موافقاً لعقل أحدٍ منهم ، ولا لمزاجه الخاص ، وهو يؤثر في عقول جميع الأفراد من خارج كيانهم ، وهم لا يملكون إلا أن يطيعوه ، ولو على غير إرادة منهم .

وهو دائم التغير ، يُحلُّ اليوم ما كان قد حرّمه بالأمس ، أو يُحرّم ما كان قد أحله ، دون ضابط ، ولا منطق معقول .

فلا يمكن بمقتضى سلطان "العقل الجمعي" المتغير تصوّرُ ثبات شيء من القيم إطلاقاً ، فلا الدين ولا الأخلاق ولا سائر القيم لها ثبات ، بل هي متغيّرات ، بسلطان العقل الجمعي الذي لا سلطان للمجتمع البشري عليه ، ولا حول لهم ولا قوة معه .

وادّعاء وجود قيم ثابتة مجردة ادعاء ليس له أساس عقلي أو علمي .

وبفكرة "العقل الجمعي" التي اخترعها "دوركايم" سلب الناس حرياتهم الفردية ، وجعل سلوكهم في الحياة سلوكاً جبرياً ، لا حول لهم فيه ولا قوة ولا اختيار ، ولكنها جبريّةٌ ليست من قبل خالق قادر مهيمن ، كما يزعم الجبريون في الدين ، وإنما هي من قبل وهم غير معروف الصفات سماه "العقل الجمعي".

3- التركيز على إلغاء الفطرة الإنسانية النزّاعة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته ، وإلى فضائل الأخلاق ، وإلى بناء الحياة الاجتماعية الأولى على نظام الأسرة القائم على الزواج وضوابطه .

وفي هذا يقول :
" كان المظنون أن الدين والزواج والأسرة هي أشياء من الفطرة ، ولكن التاريخ يوقفنا على أن هذه النزعات ليست فطريّة في الإنسان ".

وهكذا ألغى الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها ، والموجودة نوازعها فيهم قديماً وحديثاً وإلى أن ينقرض هذا النوع البشري . ولم يكلّف هذا الإلغاء "دوركايم" إلا أن يقدّم ادعاءً كاذباً يُحيله على التاريخ الذي عثر هو وحده عليه .

4- تفسير ظاهرتي الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية بأنهما وليدتا أسباب اجتماعية فقط ، وليس لهما سند عقلي أو علمي ، وليس لهما دوافع فطرية في النفس الإنسانية .

وقد مهّد "دوركايم" لمذهبه الباطل الفاسد المفسد هذا بتقديم جملة مقدمات :

أهم هذه المقدمات أن خير وسيلة لتفسير ظاهرة معقدة ، كالظاهرة الدينية ، أن ندرس في بداية نشأتها ، قبل أن تخالطها عناصر غريبة عنها ، وأن ذلك إنما يكون بدراسة بيئات الأمم "البدائية" .
والأمم البدائية في نظر "دوركايم" هي تلك الأمم التي لا تتميّزُ فيها الأسر الخاصة بخاصية مستقلة ، بل تقوم على نظام القبائل ، والفصائل ، والعشائر .

قال : ومن المعروف أن العشائر – وهي النواة الصغرى في تلك المجتمعات – قوامها وحدة اللقب المشترك بين أفرادها ، وهو لقبٌ يشتقّ في الغالب من اسم حيوان ، أو نبات ، وفي النادر من اسم عنصر جماديّ ، أو كوكب من الكواكب.

وتعتقد العشيرة أن لها بمسمى هذا الاسم صلة قديمة ، حيوية أو روحية ، أي : "إما على أنها تسلسلت عنه ، أو أنه كان حليفاً أو حارساً لجدها الأعلى ، أو نحو ذلك ".

فالعشيرة لذلك تعظمه ، وترسم صورته على مساكنها ، وأدواتها ، وأسلحتها ، وراياتها .

بل يتخذ الأفراد منه وشماً يطبعونه على أجسامهم ، كأنه بطاقة شخصية لتحقيق انتساب كلٍ منهم إلى عشيرته .

هذا النظام يسمى بنظام "التوتم=الطوطم" أو اللقب الأسري . وهو نظام معروف في الشعوب القديمة : "المصرية ، والأثيبوبية ، والعربية ، واليونانية والرومانية ، والغالية" وتوجد آثار منه في الأساطير الشعبيّة في أوروبا الآن ، ولا يزال منتشراً في القبائل غير المتحضّرة في أمريكا وأستراليا .

ويرى "دوركايم" أن أستراليا أخصب مكان لدراسة هذه الظاهرة ، لأن سكانها أقل تطوّراً ، وأقرب إلى الطبيعة الأولى من غيرهم ، ولذلك استمد منها الوقائع التي بنى عليها أفكاره في مسألة نشأة الدين والأخلاق .

وخلاصة هذه الوقائع أن تلك القبائل في تعظيمها لألقابها تعظّم في الوقت نفسه مسمى تلك الألقاب .

ولما كان الاسم مشتركاً بين الحيوان والجد الأعلى وأفراد العشيرة ، وكانت هذه الصلة بين هذه المعاني الثلاثة في نظرها صلة تجانس تام ، ترجعها إلى جوهر واحد ، شمل التعظيم ثلاثتها ، لكن الخط الأكبر من التعظيم يدخرونه لهذا الاسم المشترك ، أو لتلك الصورة الجامعة ، وهو الوسم ، أو الوشم .

حتى إنهم نسبوا إلى هذه الصورة خصائص عجيبة ، فزعموا أن الذي يحملها ينصر في الحرب على أعدائه ، ويُوفَّق في تسديد السهم إلى رميته ، وزعموا أن وضعها على القروح يُسرع في التئامها ، إلى غير ذلك .

ويرى "دوركايم" أن هذا التعظيم في العادة ، لا يصل إلى درجة العبادة ، ولا يوحي فكرة التدين والتقديس والتأليه ، ولذلك يقضون جُلَّ أوقاتهم في حياة فاترة ، كلٌّ يسعى لقوته منعزلاً في الجبل للاحتطاب ، أو على شاطئ البركة للصيد ، وليس لهم مظهر من مظاهر التدين في هذه الأحوال العاديّة ، سوى التورّع عن بعض المحظورات .

وإنما يأخذ التين حقيقته ومظهره التام عندهم في مواسم خاصة ، تقام فيها الحفلات المرحة الصاخبة ، التي يطلقون فيها العنان لحركاته العنيفة ، وصيحاتهم المنكرة ، على إيقاع الطبول ، ولحن المزامير ، وقد ركزوا السارية التي تحمل علم العشيرة في سرّة الحفل ، فينتهي بهم هذا الحماس الصاخب إلى الذهول والهذيان ، بل يفضي بهم إلى انتهاك سياج المحرّمات الجنسية ، التي يحترمونها في العادة أشدّ الاحترام .

وربما نسبوا هذا التطور العجيب إلى حضور سر الأجداد فيهم عن طريق هذا الرمز ، وعبادتهم للروح التي يرمز إليها ، ظناً منهم أنها هي التي أحدثت فيهم هذا التحول الروحي الغريب .

بعد أن يعرض "دوركايم" هذا يقول : ها هنا ، وها هنا فقط ، تتدخّل النظرية لكشف الغشاوة عن أعينهم ، وتنبههم إلى ما حدث من تحوّل شعورهم عن منبعه وهدفه الحقيقيين ، وأنهم إذا كان يتوجهون بعبادتهم لمصدر هذا الأثر الجديد ، فليعلموا أنه ليس هو النُّصب ، ولا ما يرمز إليه النُّصب ، وإنّما هو هذا الاجتماع الثائر نفسه ، فإن من طبيعة هذه الاجتماعات أن تنسلخ النفوس عن مشخّصاتها الفردية ، وتنمحي كلها في شخصية واحدة ، هي شخصية الجماعة .

وهكذا يكون الاجتماع هو مبدأ التديّن ، وغايته ، وتكون الجماعة إنما تعبد نفسها من حيث لا تشعر .

(4)

كشف الزيف
أولاً: أما إصراره على تفسير أية ظاهرة اجتماعية تفسيراً مادياً قائما على إنكار الخالق جل وعلا ، فلا داعي هنا لتخصيصه بمناقشة تكشف فساد مذهبه من هذه الناحية .
فقد أفردت بحثاً خاصاً في هذا السفر لمناقشة الملاحدة الماديين ، فهو في المذهب المادي الذي يتبناه يدخل في عمومهم . وكشفُ زيوفهم جميعأً هو كَشْفٌ لزيف كل واحد منهم .
* * *
ثانياً: وأما اختراعه لفكرة "العقل الجمعي" فهو تخيُّلٌ خرافي مجرّد من أي دليل عقلي أو علمي .

وللإيهام بوجود شيء اسمه "العقل الجمعي" استغل "دوركايم" ظاهرة موجودة لدى الجماهير ، حين تتحكم بها الحركة الغوغائية ، لدى سيرها في موكب جماعي ، أو لدى اشتراكها في عمل جماهيري ، أو لدى تأثُّرها بعاطفة مشتركة أو انفعالٍ طارئ ، إذْ يُعطلّ أفرادها عقولهم ، اتكالاً على الجماهير المندفعة في المسيرة الغوغائية . وهكذا يفعل كل واحد منهم ، فيعطل فكره ، ويتكِّل على الجماهير .

أما واقع الأمر فإن مسيرة الجماهير تكون مسيرة تقليدية اتكالية تبعيّة ، وقائدها الحقيقي ربما يكون رجلاً واحداً صاحب هوى ، أو رجلاً انفعالياً أرعن ، أو مجموعة متحزبة لها مصلحة من استغلال الجماهير المندفعة .

وحين تُسلَب الجماهير إرادتها الخاصة ، وتتعطل أفكارها بإلقاء كل واحد منهم التبعة والمسؤولية على الجمع الغفير سواه ، فلا بُدّ أن تكون الحصيلة أن الجميع يسيرون بلا إرادة ، وبلا تفكير ، وبلا عقل .

فإذا انفصل كلُّ واحد منهم عن المسيرة الغوغائية عاد إليه رشده ، وعادت إليه إرادته ، ونظر إلى الجماهير المندفعة اندفاع القطيع ، فاستخف اندفاعها الغوغائي ، وتعجّب من نفسه كيف كان واحداً من أفراد هذا الجمع المندفع .

استغلّ "دوركايم" هذه الظاهرة الجزئية ، التي لا ترجع مطلقاً إلى ما أسماه "دوركايم" بالعقل الجمعي ، الذي هو –كما زعم- خارج عقول الأفراد ، وله سلطان جبري على الناس . وإنما ترجع إلى توهُّم كل فرد من الجماعة بأن الآخرين يُعملون عقولهم ، فيتكل عليهم ، فيعطّل عقله وإرادته ، باعتبار أن الموضوع يتعلق بمصلحة الجميع لا بمصلحته وحده ، وإذْ يدور هذا التوهم على كل الأفراد فإن حصيلة عقول الجميع وإرادتهم ، تكون في الغالب صفراً أو عدداً يسيراً .

وعندئذٍ تكون نزوة البعض هي الحاكمة ، أو يتسلل فيهم ذو هوى شيطان فيستغل قوتهم واندفاعهم الغوغائي ، لتحقيق ما يريد هو .

إن "دوركايم" اليهودي ، باختراعه فكرة "العقل الجمعي" وجعلها ظاهرة إنسانية ، أو حقيقة من الحقائق المهيمنة على الوجود الإنساني ، وقد أراد تهيئة جماهير الشعوب وهي معطلة عقولها وإرادتها ، كي تستسلم تلقائياً لشياطين اليهود ، حتى يلعبوا فيها كما يريدون .

فمغالطته في هذا الموضوع تعتمد على عنصرين :

الأول : تفسير الظاهرة بغير ما يصح أن تفسّر به ، لخدمة أهدافه . وتفسيره هنا تفسير خرافي .

الثاني : تعميم الظاهرة الجزئية على كل السلوك الإنساني .

وهذان العنصران هما من العناصر التي تتكرّر في معظم المغالطات المندسّة في العلوم .
* * *

ثالثاً: وأما تركيزه على إلغاء الفطرة الإنسانية ، النزّاعة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته ، وإلى بعض فضائل الأخلاق ، ونحو ذلك ، فهو يعتمد على ثلاثة عناصر :

الأول : الإنكار بدون دليل .

الثاني : إغفال أو طمس الأدلة التي تدلّ على وجود هذه الفطرة ، وهي الأدلة المقتبسة من الظواهر الإنسانية ، ومن استقراء مشاعر الناس ، في مختلف الأمم والعصور .

الثالث: إيجاد تعليلات مخترعة تخيلية ، لظواهر التدين في الناس ، والظواهر الخلقية المجيدة ، وإلباس هذه التعليلات رداء منجزات علمية تزويراً وتزييفاً ، وادعاء أنها مما توصل إليه البحث العلمي السليم ، الذي بنيت عليه أصول الحضارة الحديثة .
* * *

رابعاً : وأما تفسير "دوركايم" لظاهرتي الدين والأخلاق في المجتمعات الإنسانية ، بأنهما من قبيل عبادة الجماعة لنفسها ، وما يلزم عن هذه العبادة .

وهو ما سبق شرحه ، إذ ساق قصة القبائل البدائية ، وما لديها من اللقب الأسري "الطوطم" وما يكون لدى هذه القبائل من تعظيم له حتى مستوى العبادة .

فآراؤه في هذا التفسير آراءٌ خرافية خيالية ، شبيهة بالأفكار الخرافية الخيالية التي فسّر بها "فرويد" بعض الظواهر الإنسانية ، بغية دعم المخطط المرسوم لهدم الدين والأخلاق ونشر الإباحية .

ولا يحتاج الباحث المتأمل جهداً كبيراً ، حتى يكشف الزيف الذي اشتملت عليه آراء "دوركايم" في هذا الموضوع .

وفيما يلي كواشف زيفه :

الكاشف الأول : إن اعتباره الظاهرة الخليعة الماجنة التي وصفها ظاهرةً تدينية أمر مرفوض تماماً .

إذ هو احتمال واهٍ ضعيف جداً ، والأولى اعتبارها ظاهرة قبلية أو قومية ، أو لوناً من ألوان الترفيه الذي يمارسه الناس جميعاً في أفراحهم وأعيادهم ومجالس سمرهم ، ومناسبةً للتنفيس عن بعض الرغبات الحبيسة ، والاستمتاع بالمرح واللهو ، والتخلص من القيود الاجتماعية والدينية .

الكاشف الثاني : أن تفسير "دوركايم" الظاهرة التي وصفها بأنها من قبيل عادة الجماعة لنفسها ، هو تفسير توهميّ لا أساس له ولا سند ، ووضع شعار القبيلة في وسط الاحتفال لا يعني أنهم يعبدون هذا الشعار الذي يرمز إلى ذواتهم بحسب تصوّره .

الكاشف الثالث : زعم "دوركايم" أن القبيلة التي وصفها ووصف أعمالها وممارساتها هي أكثر القبائل الاسترالية بدائية ، فهي أصلح من غيرها لتفسير ظاهرتي الدين والأخلاق ، زعم يكذبه الواقع .

بدليل أن "روبرت شميث" وهو من كبار الباحثين الذين قاموا بدراسات شخصية دقيقة في أستراليا ، يقرر أن القبائل التي ذكرها "دوركايم" هي أحدث القبائل الأسترالية ، وأكثرها تقدماً ، وأن أقدم قبائل أستراليا هم سكان جنوبها الشرقي ، وهؤلاء لا يعرفون نظام الألقاب الحيوانية (التوتم) وفي الوقت نفسه توجد عندهم عقيدة "الإله الأعلى" بصفة واضحة .

الكاشف الرابع : أهمل "دوركايم" المعتقدات والعبادات والأخلاق والعادات ، والنظم ومنها نظام الزواج ، وهي الأمور التي يتألف منها هيكل الحياة الشعبية للقبائل التي اعتمد عليها ، في بناء آرائه التي قدّمها.

ثمّ أخذ الصورة الشاذة التي وصفها ، وجعلها دون دليل مظهراً لحقيقة الدين عند هذه القبائل التي وصف ممارساتها ، في بعض احتفالاتها النادرة .

فقد وصف "دوركايم" نفسه القبائل التي اعتمد عليها وصفاً يدل على أنها قد قطعت أشواطاً واسعاً ، في نظامها المدني والاقتصادي ، وذلك فيما لديها من قواعد الزواج ، والنسب والملكية ، وتنظيم مواسم الصيد ، غيرها .

يضاف إلى هذا أن نظام التسمية وحده يحتاج في إنشائه وتثبيته إلى عصور متطاولة ، لتتواضع عليه القبائل جيلاً بعد جيل . لذلك عد الباحثون نظام "الطوطم" نظاماً مدنياً ، قضائياً ، أكثر منه نظاماً دينياً .

بل إن الباحثين المتتبعيْن "لانج" و"فريزر" لم يريا فيه عنصراً دينياً البتة . وقررا أن فكرة الدين والألوهية تكونت في هذه القبائل بعيداً عن نظام اللقب الأسري (الطوطم).

فمغالطة "دوركايم" قائمة على عنصرين :

1- تفسير فاسد من جهة .
2- وتعميم فاسدٍ من جهة ثانية .

الكاشف الخامس: إن "دوركايم" نفسه يعترف بأن عدداً من قبائل أستراليا قد وصلوا إلى فكرة "الإله الأعلى" أو "الإله الأحد" ، وأنه كائن أزليٌّ أبديٌ تسير الشمس والقمر والنجوم بأمره ، وأنه هو الذي يثير البرق ، ويرسل الصواعق ، وإليه يُتوَجّه في الاستسقاء وطلب الصحو ، وهو الذي خلق الحيوان والنبات ، وصنع الإنسان من الطين ، ونفخ فيه الروح ، وهو الذي علم الإنسان البيان , وألهمه الصناعات ، وشرع له العبادات ، وهو الذي يقضي في الناس بعد الموت ، فيميز بين المحسن والمسيء .

ثمّ يقرر "دوركايم" نفسه ، أن هذه العقائد كلها ليست مقتبسة من أوروبا ، كما ظن "تيلور" بل إنها قديمة في هذه القبائل ، قبل أن يصل إليها المبشرون الأوروبيّون . وأنهم يعبّرون عن هذه العقائد بعبادات حقيقية ، ترفع فيها الأيدي إلى السماء بالدعاء .

هنا نلاحظ أن "دوركايم" أهمل النظر إلى هذه الحقائق التي ذكرها ، واعتمد على تفسيرات وهمية سماها هو عبادة ، وهي ليست من العبادة في شيء ، وقد فعل ذلك ليستكمل صناعة المذهب الذي اخترعه ، وأحدث فيه فكرة "العقل الجمعي" .

الكاشف السادس : لو افترضنا جدلاً صحة ما ادّعاه "دوركايم" فإنه لا يستلزم أن يكون الدين ظاهرة اجتماعية بحتة .

وذلك لأن الدين يشتمل على عناصر شخصية فردية تماماً ، تكون بين الفرد ومعبوده ، ويشتمل أيضاً على عناصر اجتماعية .

ولئن كان يمكن للعناصر الاجتماعية أن تكون في بعض أحوالها ظاهرة اجتماعية يقوم بها الفرد عن طريق الإلزام الجمعي ، دون أن يكون له اختيار في تكوينها ، فإن العناصر الشخصية الفردية تأبى بطبيعتها أن تكون إلزاماً جمعياً .

وهذا ما استدرك به أنصار آراء "دوركايم" عليه .

إن كل فرد متى خلا لنفسه وشعر بحاجاته وضروراته ، وأعوزته الوسائل المادية ، تيقظت فطرته الدينية ، فلجأ إلى القوة الخالقة الغيبية ، التي يرى آثار قدرتها وحكمتها ، ولا يشاهد ذاتها ، وهنا تكمن الفطرة الدينية في نفوس الناس .

الكاشف السابع: لو كان الدين بما اشتمل عليه في الأديان الربانية ، أو الدين الرباني المنزل على الرسل ، وبما فيه من سمو ومعارف عظيمة ، ثمرة أسباب اجتماعية لا غير ، لكانت العلوم ، والفنون ، والآداب ، ومنجزات الحضارات الإنسانية ، ثمرة أسباب اجتماعية أيضاً . ولما كان للنبوغ الفردي في أشخاص العباقرة ، والمبتكرين ، والمخترعين ، ومكتشفي قوانين الكون ، الذين اعتزلوا مجتمعاتهم للبحث والتأمل ، دورٌ فيما أنجزوه ، ولكانت أعمالهم ثمرة العقل الجمعي الذي ادعاه "دوركايم" مع أن الواقع بخلاف ذلك تماماً .

الكاشف الثامن: إن دراسة ظاهرة الدين بالاستناد إلى دوافع الفطرة التي تتفجر عند صفائها ، وعند ضروراتها ، هي الدراسة التي تكشف بحقٍّ أصول الدين في النفوس الإنسانية .
ثمّ إن دراسة ظاهرة الدين بالاستناد إلى واقع الأديان الكبرى ، وما اشتملت عليه من اعتماد على ظاهرة الوحي ، الذي يبلغه رجال ممتازون من الناس ، متحلون بصفات تؤهلهم لأن يكونوا رسلاً مصطفين من عند الله ، هي الدراسة المنهجية السديدة ، التي يجب اتباعها ويقضي الإنصاف العلمي باتخاذها منهجاً .

وتفسير قضية الإيمان بالله واليوم الآخر ، بأنها قضية منطق العقل ودوافع الفطرة ، هو التفسير الذي يتلاءم مع واقع الإنسان المزوّد بالكمالات الفكرية والوجدانية .

وهكذا تكمن المغالطة التي اعتمد عليها "دوركايم" في التفسير الفاسد لظاهرة اجتماعية شاذّة ، لدى بعض القبائل التي ادعى – على خلاف الواقع – أنها أكثر القبائل بدائية ، وفي التعميم الفاسد الذي اعتبر فيه بعض القبائل البدائية مستنداً للحكم على الناس أجمعين ، بما فيهم الذين بلغوا أرقى مستوىً حضاري عرفته البشرية حتى يوم الناس هذا .

فهل فيما استند إليه "دوركايم" ما يصلح مستنداً لدى أي ذي فكر قويم؟.

الواقع أن "دوركايم" قد خالف كلّ أصول وقواعد منهج البحث السليم ، التي يعرفها ولا يجهلها ، ليدعم أفكاراً وضعها سابقاً نُصْب عينيه ، وحاول أن يجد لها ما يؤيّدها ، ولو كان وهماً وخرافة .

(5)

تعليق

يبدو أن الفكر اليهودي مستخِفٌّ استخفافاً مسرفاً بعقول الأمم والشعوب غير اليهودية ، مهما بلغت ثقافاتُها ومعارفها .

لذلك فهو يرى أن الأوهام والتخيّلات السخيفة متى وضعت في قالب مزخرف ، وسمّيت علماً ، تلقفتها هذه العقول ، وأخذتها بقبول حسن ، واعتقدتها على أنها حقائق .
وشجّع اليهود على هذا الاستخفاف وجود من يستجيب لهم ، ويتقبّل أفكارهم وخرافاتهم ، ووجود من يستأجرونه ليقوم بخدمة أغراضهم ، وترويج سخافاتهم وضلالاتهم .
* * *

الفصْل الرابع


برجْسُون وَآرَاؤهُ في نَشأةِ الدّين وَالأخلاَق


(1)

من هو برجسون؟.

هو "هنري برجسون". فيلسوف يهودي فرنسي . عاش ما بين عام (1859 و1941م).

صار أستاذاً في الـ"كوليج دي فرانس" سنة (1900م) . حاز على جائزة نوبل في الأدب سنة (1927م).

ثنائي في فلسفته ، يرى أن في العالم اتجاهين متعارضين ، هما الحياة والمادة . فالحياة تصعد وتخلق وتجاهد خلال المادة ، وتسمو عليها بالزيادة في الخصوبة ودقة التركيب ، أمّا المادة فمثقلة هابطة مقيدة. إلى غير ذلك من آراء .

من مؤلفاته : "الزمن والإرادة الحرة" و"المادة والذاكرة" و"الضحك" و"منبعا الأخلاق والدين" و"التطور الخلاق" وبعض هذه الكتب قد ترجم إلى العربية .

شاع أنه اعتنق المسيحية في أخريات حياته ، ولئن صح هذا فلقد غدا معلوماً تماماً غرض اليهود حينما يعلنون انتماءهم إلى المسيحية أو الإسلام أو غيرهما ، إنهم قد يدخلون في أي دين غير الدين اليهودي نفاقاً ، ليكون لمذاهبهم التي يضعونها ، وآرائهم التي يصدّرونها ، ومكايدهم التي يكيدونها ، تأثير أكبر في الأمم التي نافقوها بالانتساب إليها ، ويندر فيهم الصادقون .

(2)

دوافع آرائه في الدراسات الفلسفية

حيث وجدْتَ مكراً يهدف إلى هدم الدين أو الأخلاق ، أو النظم الاجتماعية أو السياسية الصالحة ، أو من شأنه أن يُفضي إلى تدمير الإنسانية ، فابحث عن الأصابع اليهودية وراءه .

لقد وضع هذا الفيلسوف اليهودي نُصب عينيه فكرة سابقة وهي أنه ليس للدين ولا للأخلاق مصدر ربّاني مطلقاً ، ولا أسس عقلية تجعلهما حقيقة من الحقائق ، وأن الوحي خرافة من اختراع الإنسان ، وأن اليوم الآخر والحياة الآخرة خرافة .

ثمّ أخذ يُجهد نفسه باحثاً عما يَراه أو يُريه قُرّاءه سبباً يُمكن أن يُفسّر به ظهور الدين ، وظهور الأخلاق ، في المجتمعات الإنسانية ، بعيداً عن كونهما من الحقائق .

لقد أطال النفس في كتابه : "منبعا الأخلاق والدين" حتى انقطع في الصفحة (341). وقد أخذ في غضونه يلهث كدّاً ، بغية أن يظفر بتفسير نفسيّ يقنع ضحاياه ، بأن الدين والأخلاق خرافة نافعة للحياة .

(3)

ما يُهمنا مناقشته من آرائه الفلسفية

لقد زعم في كتابه "منبعا الأخلاق والدين" خلال آراء وتلفيقات كثيرة ، أن الدين والأخلاق من وضع "الملكة الوهمية" عند الإنسانية ، وهي ملكة تصنع الخرافة ، ليستفيد منها الإنسان في حياته ، فيقي بها نفسه من آثار المخاوف التي يتعرض لها.

وكرر في كتابه المذكور عبارة "وظيفة الخرافة" مؤكداً بها أن للخرافة التي يخترعها الإنسان بمحض تخيُّلاته ظاناً أنها حقيقة ، وظيفةً نافعة في حياته . وبالخرافة الدينية يدافع عن نفسه ، ويقيها من الخطر الذي يتعرّض له من جرّاء اتجاهه العقليّ الصرف ، وهو خطر تجميد نفسه ، وتعطيل طاقاته الحيويّة عن التحرّك الفعّال المنتج .

وقال عن الدين – وكان يتحدث عن الدين البدائي – في الصفحة (135) من كتابه ما يلي :

" فمما لا شك فيه أن انفعال الإنسان بإزاء الطبيعة أصل من أصول الأديان . ولكننا نعود فنقول : إن الدين ليس خوفاً بقدر ما هو ردّ فعلٍ ضدّ الخوف ، ولم يصبح إيماناً بآلهة فوراً ".

وقال قبل هذا بقليل ما يلي :

"وجدنا أن أصل المعتقدات التي أتينا على دراساتها إنما هي ردّ فعل دفاعي ، تقوم به الطبيعة محاربة لتثبيط مصدَرُه العقل . وردّ الفعل هذا يثير في العقل ذاته صوراً وآراءً تُفْني التصوّر المثبط ، أو تمنعه من أن يصير إلى فعل . فيرى كائنات تنبثق ، وليس من الضروري أن تكون شخصيّات تامّة . بل يكفي أن تكون لها نيّات ، بل أن تكون هي نيّات . فالاعتقاد إذن جوهره الثقة ، وأصله الأول ليس هو الخوف ، بل الأمان من الخوف ".

وقال في الصفحة (150):

"نفترض وجود فعالية غرزية ، ثمّ ينبثق العقل ، فننظر : هل نجم عن ذلك اختلال خطر . فإذا كان ذلك هبّت الغريزة ، فأوجدت في هذا العقل الذي سبّب الاختلال تصوّرات تردّ التوازن إلى ما كان عليه . وهذه التصورات هي الأفكار الدينيّة ".

وذكر نظير ذلك في عقيدة الحياة بعد الموت ، وأنها ردّ فعل دفاعي من الغريزة لمنطق العقل الذي يرى الموت ، ويدرك أن الطبيعة جعلته نهاية حتمية للحياة ، دون أن يكون وراءه شيء .

ومثل لما أسماه بوظيفة الخرافة بمثال المرأة التي فتحت باب المصعد في الطابق العالي ، لتنزل فيه ، فوجدت أن حارس المصعد قد دفعها بقوة ، فطرحها أرضاً ، ثمّ نهضت وأخذت تفكر فيما جرى لها ، فرأت أن باب المصعد مفتوح كما فتحته ، لكن غرفة المصعد موجودة في الطابق الأرضي وليس في طابقها ، عندئذٍ أدركت أن المصعد معطل لخلل طرأ عليه ، وأن الباب قد فتح بسبب الخلل الطارئ ، ولو أنها دخلت لهوت في بئر المصعد فتحطّمت ، ثمّ أدركت أن الوهم قد أسعفها بالصورة التي تخيلتها في حارس المصعد الذي دفعها ، فكان للخرافة الوهمية هذه وظيفة دفع الخطر عن المرأة .

وعقّب على هذه القصة بأن فكرة الإله في أفكار الناس مثل صورة حارس المصعد الذي دفع المرأة ليحميها ، كلٌّ منها من صنع الوهم ، لكنّه وهم دفاعيٌّ نافع ، وهكذا كان لهذه الخرافة وظيفتها الدفاعيّة .

بهذا نلاحظ أن "برجسون" قد ألغى ابتداءً كل الحقائق العقلية والعلمية التي جاءت بها الأديان الربانية ، وأخذ يدرس الأديان البدائية والأديان الوثنية الخرافية ، ويجعل لها تفسيرات نفسيّة بعيدة عن منطق العقل وبراهين العلم ، لأن هذه الأديان فاسدة لا تملك بطبيعتها مثل هذه البراهين ، ثمّ أطلق كلامه وعممه على كل الأديان .

وهكذا تعتمد مغالطته على ثلاثة عناصر :

العنصر الأول : تفسير الظاهرة الدينية تفسيراً بعيداً عن الحقيقة . ولئن كانت كما يقول في بعض الصور عند بعض الناس ، فهي ليست كذلك في كلّ الصور ولا عند كل الناس .

العنصر الثاني : التعميم الفاسد ، إذ عمم حكمه على كل دين ، اعتماداً على ما فسّر به أدياناً بدائية فاسدة باطلة ، مع احتمال أن تكون الأديان الباطلة بدائية ذات أصول صحيحة ، لكن دخلها التحريف والتبديل بعد ذلك ، ودخلت فيها الوثنيّات من صنع الانحراف الإنساني ، كما هو مشاهد في بعض الأديان الكبرى ، ذات الأصول الصحيحة ، بشهادة الوثائق التاريخيّة .

وعلى هذا فالخرافة الإنسانية كان لها وظيفة إفساد وتحريف ، لا وظيفة دفاع وحماية كما زعم "برجسون".

العنصر الثالث : تجاهل وكتمان الأسباب الحقيقية لقضايا الدين الحقّ ، مع أن مثل "برجسون" لا يجهلها .

تلخيص أفكار برجسون

لخّص "د. محمد عبد الله دراز" أفكار "برجسون" حول تفسيره لظاهرتي الدين والأخلاق . واقتباساً من تلخيصه مع بعض التصرّف أقول :

حاول "برجسون" تفسير نشأة التدين والعقيدة الإلهية على أنها من صنع الوهم الذي تفرضه الحياة ، وليست وليدة التفكير المنطقي ، وربط نشأة العقيدة الإلهية بأمرين :

الأول : أن الإنسان لما كان واقعاً تحت تأثير الواجبات الاجتماعية ، وهي تتطلب منه التخلي عن بعض رغباته ، والتضحية ببعض حريته ، وكان استعمال ذكائه العادي في حساب مصلحته يدعوه إلى الأثرة ، وإلى التضحية بمصلحة الآخرين من أجل مصلحة نفسه ، وهذان الداعيان متعاكسان ، متضادان ، كان لا بد له من قوة أخرى تحفظ التوازن ، وتؤاخي بين مصالح الفرد والجماعة .

هذه القوة المطلوبة قد أعَدَّتها الفطرة الإنسانية في النفوس حين أشربتها الفكرة الدينية . وذلك أنها صورت أمامها المحظورات الاجتماعية بصورة مخيفة ، تجعل من المخاطرة انتهاكها ، وما زالت تبالغ في هذا التصوير ، حتى خيلت للنفس أن هذه المحظورات يقوم عليها حارسٌ معنويٌّ ، نَاهٍ ، محاسب ، ينذر من ينتهكها بالبطش والعقاب ، وهذا هو معنى الإله ...

وصورة هذا الحارس ضرورية للحياة ، وإن لم تكن وليدة التفكير المنطقي ، بل هي من عمل الواهمة أو المتخيّلة ، التي تشخّص المعنويات ، وتجسّم المجرّدات . فهي وَهْمٌ تفرضه الحياة ، ومن أجل ذلك وُجدت الملكة الوهمية في طبيعة الإنسان ، التي تصنع الخرافات النافعة .

الثاني : أن ميدان الأعمال اليومية فيه فراغ نفسي عميق ، لا يملؤه إلا العقيدة الإلهية .

فكل ذي حاجةٍ ينتظرها وهو لا يدري ما قُدِّر له من النجاح أو الإخفاق ، لو تأمَّل بعقله ، وقاس أعماله بمقدار نتائجها المحققة أو الغالبة ، لقعد عن السعي ، ولتوقفت حركة الحياة .

غير أن دفعة الحياة حركة تأبى الوقوف والجمود ، فكان لا بد لها من ثقل تضعه في الكفة الأخرى من الميزان النفسي ، لترجّح به جانب العمل ، رغم كلّ تفسير وحساب ، وما ذاك إلا الأمل تبعثه ، والاعتماد على الحظ المحتمل تُقدِّره ، ولا تزال تحث وتشجع ، حتى تصور أمام النفس إرادة خفيَّة يركن القلب إليها ، ويعتمد عليها ، وتلك هي إرادة الإله المستعان .

هكذا لخص الدكتور "دراز" فكرة "برجسون" ، وهكذا نلاحظ أنه جعل العقيدة بوجود رب خالق مهيمن من صناعة الوهم النفسي .

كشف الزيف

الكاشف الأول : إن الفطرة الإنسانية التي تتجه لقضية الإيمان بالقوة الغيبية الخلاقة القادرة على تحقيق الأمن عند المخاوف ، والإسعاف بالمطالب عند الضرورات الملجئة ، لا يجوز عقلاً اتجاهها عملاً وهمياً ، يصنعُ الخرافة لتحصيل الأمن ، ثمّ يسمح بأن تستمر الخرافة جاثمة على النفس مدى الحياة رغم منطق العقل .

وذلك لأمور خمسة :

الأمر الأول : إن اتجاه الفطرة يعتبر منبّهاً للعقل . حتى يبصر طريقه ، فيأخذ بأسباب الأمن ، إذْ قضية الإيمان بالله بعد التنبيه تغدو قضية عقلية ، لا مجرّد ، اندفاع غرزي فطريّ آني .

الأمر الثاني : إن من الملاحظ بصفة عامة ، أن كلّ دوافع الفطرة السليمة ، وكل اتجاهات الغرائز حينما تكون بوضعها الفطري السويّ قبل أن تفسد بالعوامل الطارئة ، تطابق العقل ومنطقه ، بعد كل تجاربه واختباراته ، ورؤيته المنطقيّة السليمة .

ألا نشاهد في الواقع الإنساني أن معظم الفطر الإنسانية تتجه اتجاهات فيها تحقيق النفع من جهة ، وهي في الوقت نفسه أفضل طريقة منطقية ، ومطابقة للواقع والحقيقة من جهة ثانية؟.

وحينما يحاول العلماء الوصول إلى حقيقة كاملة لها في الطبيعة الموجودة أمثلة وأفراد ، فإنهم يتجهون لدراسة هذه الطبيعة ، من خلال الموجودات واتجاهاتها الغرزية السويّة ، ليصلوا إلى الحق ، وعندئذٍ يرون التطابق تاماً بين الغرائز وفطر الكائنات وبين منطق العقل ، بشرط أن تكون هذه الغرائز والفِطَر على وضعها السويّ الذي فطرها الله عليه ، ولم تفسد بالأوهام وإرادات الناس ، والتطبّع المكتسب .

الأمر الثالث : من الملاحظ دائماً في سلوك الناس ، أن الخطأ والفساد إنما يأتيان من الأوهام ، لا من منطق العقل ، ودلائل التجربة التي تسير وفق طبائع الأشياء .

وقصة المرأة صاحبة المصعد لو صحّت فإنها لا تشبه بحال من الأحوال ظاهرة الدين .

إن المرأة تصورت- بحسب الدعوى المطروحة – تصوراً خاطئاً كان به إنقاذها ، لكنها بعد لحظات صحت فعاد إليها رشدها ، وأبصرت بعقلها الواعي الحقيقة ، وعرفت أنها كانت مخطئة .

بخلاف ظاهرة الدين ، فإن المخاوف قد تحرك الفطرة للتعلق بأسباب الأمن ، وعندها يأتي منطق العقل باحثاً عن القوة الغيبية التي تملك هذا الأمن ، ولسنا ندّعي أن العقل وحده سيصل حتماً إلى كمال الحقيقة عن طريق البحث ، إلا أنه سيتجه شطرها بحسب تنبيه الفطرة.

ثمّ قد يصل إذا سار سيراً صحيحاً ، كما وصل كثير من أهل الفكر الصحيح من فلاسفة وغيرهم ، وقد يضلّ في بعض الطريق كما ضلّ الوثنيون والمشاركون وأصحاب الأديان الخرافية .

الأمر الرابع : إن تدخل الوهم عند الخوف يفسد ولا يصلح ، ويوقع في التهلكة ، ولا يكون سبباً في تحقيق الأمن .

ويلاحظ هذا في حالة المشي على عمود ممتد فوق جدارين مرتفعين بينهما هُوّة ، أو على جسر ضيق جداً ، فمنطق العقل يسمح بالاجتياز المطمئن ، لأنه يقرّر أن الجسر لو كان قريباً من الأرض لاجتازه السائر عليه ، دون أن يخطر في باله احتمال السقوط ، فهو يسرع في مشيه مطمئناً آمناً .

وفي حالة ارتفاعه يتدخل الوهم ، فيشتد الخوف ، فيسقط الماشي على العمود أو على الجسر فيهلك أو يصاب بأذى .

كذلك سائق السيارة ، إذا خاف وتدخل الوهم في صناعة أفكاره بعيداً عن منطق العقل .

إلى غير ذلك من أمثلة كثيرة لا تحصى في الواقع الإنساني ، يلاحظ فيها أن تدخُّل الوهم يدفع إلى التهلكة .

نعم . قد تكون الشجاعة أو الجرأة من عوامل الإقدام ضد مثبطات منطق العقل أحياناً ، لكن الأوهام تجلب فرط الجبن المثبط أكثر من منطق العقل . والشجاعة أمل ورغبة وشعور بالقوة الكافية ، بخلاف الجبن ، فهو وهم وشعور بالضعف ، وغشاوة على منطق العقل .

الأمر الخامس : إن قصة المرأة صاحبة المصعد إن صحت كما ذكر "برجسون" ، فهي نادرة قد لا تتكرر في حياة الناس .
وعكس ما حصل لها هو الأمر الذي يتكرر كثيراً ، فكم من الناس سقطوا في بئر المصعد بمثل هذه الحادثة ، ولم يظهر لهم هذا الحارس الوهمي ، بل تحطموا وتهشموا وأصيبوا من جراء سقوطهم بإصابات خطيرة ، وبعضهم أودت بحياته .

إن الحوادث الكثيرة التي تحدث لمعظم الناس عند المخاوف المفاجئة تقدّم دليلاً لنقض ما ذكر "برجسون" تماماً .
ذلك لأن الإنسان عندئذٍ تتجه غريزته بسرعة ، ومن دون وعيٍ في العقل الظاهر إلى اتخاذ أسباب النجاة ، ثمّ تأتي بعد ذلك صحوة الفكر للتعلّق بالأسباب الحقيقية الكاملة التي تكون بها النجاة .
فمن أمثلة ذلك ما يلي :
1- نكون نازلين على درج أو سلّم ، فننزل وفق خطة منتظمة ، ثمّ قد نفاجأ بأن إحدى الدرجات مكسورة ، أو مفقودة ، ونشعر بالأمر حينما تهوي رجلنا أكثر من المسافة التي اعتدناها في نظام الدرجات .
عندئذٍ تندفع الغريزة فينا اندفاعاً غير واعٍ إلى التمسُّك بأي شيء في جوار أيدينا خشية السقوط .
وهذا حقاً من الفطر المسعفة التي تسبق الفكر الواعي ، ولكن قد يكون الذي نمسك به خشية السقوط أشد خطراً من السقوط نفسه .
ثمّ يصل الأمر إلى منطقة الفكر الواعي ، فإن بقي من الوقت شيء يصلح للتدارك ، أخذ العقل يفكّر بأسباب صحيحة للحماية من الخطر .
2- كذلك يحصل لدينا إذا هبت نارٌ مفاجئة فيها خطر علينا ، أو داهم عدوّ بشكل مفاجئ ، أو حدث أي حادثٍ مخيف فيه خطر .
هذه أحداث تتكرر دائماً في حياة الناس ، وفيها دليل يثبت عكس ما ذهب إليه "برجسون" .
وباستطاعتنا أن نقول : على مثل هذه الحوادث قد تبرز ظاهرة الدين عند المخاوف العظمى التي تنقطع معها الأسباب الإنسانية ، فهي تحدث تنبيهاً قوياً من قبل الفطرة النفسية ، ثمّ يصحو العقل الواعي متجهاً شطر الجهة التي نبّهت عليه الفطرة ، أو هدت إليها . ثمّ يأخذ العقل باحثاً بمنطقه عن القوة الغيبية المهيمنة على الوجود ، وفق مناهجه الاستدلالية .
على أن قضية الإيمان بالله عزّ وجلّ تتم في أوضاع نفسية هادئة مستقرة ، وتنشأ نشوءاً متدرجاً ، معتمدة على منطق العقل من خلال ملاحظاته لظواهر الكون وأحداث الحياة ، ولا تتم في حالات نفسية مفاجئة إلا نادراً .
الكاشف الثاني: ما دام ميدان الأعمال اليومية يوجد فيه فراغٌ نفسي عميق لا يلمؤه إلا العقيدة الإلهية ، كما اعترف بذلك "برجسون" فلماذا يكون اتجاه الفكر لقضية الإيمان بالله عملاً خيالياً ، لخدمة حركة الحياة ، دون مراعاة لمنطق الفكر الصحيح ، وأدلته البرهانية كما زعم؟.
ولماذا لايكون هذا الاتجاه نفسه عملاً عقلياً استبصر به الفكرُ الحقيقة ، بدليل أن كثيراً من كبار الفلاسفة والعلماء المؤمنين قد بنوا إيمانهم بالله عزّ وجلّ على منطق علمي عقلي ، وعلى أدلةٍ هدتهم إليها مناهج البحث الفكري السليم ، ولم يقتصر إيمانهم على مجرد الإحساس الفطري الغامض ، ولا على رغبة بإحداث توازن نفسي لخدمة حركة الحياة ، ولا على خوف من الوقوف والجمود فيها ، لولا الأمل الذي يصنعه الإيمان بالله المستعان .
الكاشف الثالث : إن رأي "برجسون" الذي اعتبر فيه ظاهرة التدين وهماً ضرورياً ، تسعف به الفطرة ، لإيجاد التوازن بين مثبطات العقل ومقتضيات مسيرة الحياة ، هو رأيٌ خياليٌ تماماً .
والسبب في ذلك أن بطلانه يكشفه واقع حال الملاحدة الماديين ، فإن كفرهم بكل دين لم يعطل لديهم مسيرة الحياة . وإن كان قد أوجد لديهم متاعب نفسية مشقية لهم ، غير خرافة التثبيط التي ادعاها "برجسون".
وهذه المتابع النفسية نتيجة حتمية لكفرهم بالحق ، إذ يحرمون من الطمأنينة النفسية السعيدة التي يجلبها الإيمان بالله وباليوم الآخر.
* * *

قسورة
03-28-2006, 08:57 AM
الفصْل الخامِسْ


سَارْتر وَآراؤهُ الفَلسَفيَّة في الوُجُوديّة


(1)

من هو سارتر؟.

هو "جان بول سارتر" يهودي فرنسي ، فيلسوف وأديب . من فلاسفة القرن العشرين المعاصرين ، ولد سنة (1905م) بباريس ومات سنة (1979م) بباريس . اقترنت باسمه الفلسفة الوجودية الإلحادية المعاصرة . اشتغل بالتدريس . ثمّ انخرط في الجيش ، وسجنه الألمان سنة (1940م) ، وبعد أن أطلق سراحه اشترك في حركة المقاومة . أنشأ (1950م) مجلة "العصور الحديثة" التي تتضمن أبحاثاً وجودية في الأدب والسياسة . أطلق كلمة "وجودية" على فلسفته فقط ، دون سائر فلسفات الوجودية ، وأحرزت مؤلفاته نجاحاً جعله الممثل الأول للوجودية في فرنسا .

نشرت الصحيفة أنه اشترك في مظاهرات يهودية صهيونية في فرنسا ، وحملات تبرّع لإسرائيل في الستينات ، كان من شعارها : ادفع فرنكاً فرنسياً تقتل عربياً (أي: مسلماً) ، فهو على ما يبدو يهودي وصهيوني .

حين حضره الموت سأله من كان عنده : تُرى إلى أين قادك مذهبك؟. فأجاب في أسىً عميق ملؤه الندم : "إلى هزيمة كاملة" .

استخدم الأدب لنشر أفكاره الوجودية الملحدة المسرفة في "اللامعقول". له عدة مؤلفات أهمها "الكينونة والعدم" أخرجه سنة (1943م) خاطب فيه المختصين بشؤون الفلسفة . وله روايات وقصص أدبية ومسرحيات ضمنها آراءه ، منها : 1- "الغثيان" 1938 م . 2- "سبل الحرية" في ثلاثة أجزاء. 3- مسرحية "الفاضلة" 1948م. 4- مسرحية "موتي بلا دفن" 1946م. 5- مسرحية "الذباب" 1943م وهي من أشهر مسرحياته . 6- مسرحية "الأيدي القذرة" 1948م.

(2)

دوافع آرائه في الفلسفة والأدب

هو واحد من قافلة اليهود الذين حملوا رسالة تضليل الناس وإغوائهم على منهج إبليس ، لتحقيق أهداف اليهود العالمية ، التي رسمتها بروتوكولات مشيختهم الذين مردوا على كل إثم وشر وتضليل .

فأهدافه نظير أهداف "فرويد" و"دوركايم" و"برجسون" .

(3)

تعريف بما يُسمّى في الفلسفة بالوجودية قبل سارتر

الوجودية: رأي فلسفيٌّ منتقد ، عُرف من عهد فلاسفة اليونان ، وفي مقدّمتهم سقراط.

ولم يكن هذا الرأي الفلسفيُّ ملازماً للإلحاد بالله ، ولا قائماً عليه ، ولا دعامة من دعائمه ، فقد كان مذهباً لفلاسفة مؤمنين بالله ، ومنهم دينيون مسيحيون .

يقول : "بول فولكييه" في كتابه : "هذه هي الوجودية":
" إن الوجوديّة الدينية أقدم تاريخاً من سائر الوجوديات" .

ثمّ ظهر بعض الملحدين الذين رأوا في مذهب الوجودية أفكاراً يمكن أن تنسجم مع إلحادهم .

والوجودية المعاصرة مدرسة في الفلسفة ذات ثلاث شعب ، والأساس المشترك بين الشعب الثلاث للوجودية ، أن الوجود الإنساني هو المشكلة الكبرى ، فالعقل وحده عاجز عن تفسير الكون ومشكلاته ، وأن الإنسان يستبد به القلق عند مواجهته مشكلات الحياة . وأساس الأخلاق قيام الإنسان بفعل إيجابي ، وبأفعاله تتحدد ماهيته ، وإذن فوجودُه الفعلي يسبق ماهيته.

الشعبة الأولى : الوجودية التي قال بها المسيحي "كيركجارد" ومؤداها أن قلق الإنسان يزول بالإيمان بالله عزّ وجلّ .

الشعبة الثانية : الوجودية التي عبر عنها المسيحي "جاك ماريتان" وأقامها على فلسفة "توما الأكويني" .

وبناءً عليها يقول :
إن الإيمان بالله يحدُّ من الرغبة في الوجود ، ويحدُّ من الخوف من العدم .

وهذه الشعبة لا يعنينها بحثها هنا أيضاً .

الشعبة الثالثة: الوجودية الإلحادية .

ورائد هذه الوجودية الإلحادية : "مارتن هيدجر" وهو فيلسوف ألماني من فلاسفة القرن العشرين ، من مواليد (1889م).

ثمّ تابعه اليهودي "جان بول سارتر" أكبر مروج للوجودية الإلحادية ، حتى صارت الوجودية الإلحادية المعاصرة ملازمة لاسمه .

ووجودية "سارتر" هي الوجودية التي يعنينا بيان زيفها.

(4)

وجودية سارتر

خلاصة فلسفة سارتر في وجوديته أن ثمة نوعين من الوجود :

النوع الأول : وجود الأشياء الخارجية ، وأطلق على هذا النوع من الوجود أنه وجود "في ذاته" ، والشيء الموجود في الخارج هو موجود في ذاته .

قال : وكل موجود خارجي ، أي : في عالم الواقع لا في التصورات الذهنية وخطط الأفكار ، هو كائن بالفعل لا بالقوة ، وله ذاتية مستقلة كاملة ، وليس فيه مجال للإمكان ، أي : لا يحتمل غير الواقع الذي وجد فيه ، فلا يمكن أن يكون على خلاف ذلك ، إذ تمثلت فيه ماهيته كاملة .

فألغى سارتر بادعائه نفيَ الإمكانات ، حقيقةً كبرى من حقائق هذا الكون الحادث ، الخاضع لإمكانات لا حصر لها ، والواقعُ الموجود فيه هو صورة واحدة من الصور الممكنة عقلاً ، بدليل أن ما نملك القدرة على التغيير فيه ، نجده يتغير وفق الصورة الممكنة التي نرسمها له ذهناً ، وبهذا يخترع المخترعون ، ويبتكر المبتكرون ، ويصنع الصانعون .

النوع الثاني: وجود الأشياء في الشعور ، وهو ما يعبّر عنه في الفلسفة القديمة "الوجود الذهني" .

وأطلق سارتر على هذا النوع من الوجود عنوان "الموجود لذاته" . أي : إنه موجود في الشعور ليحقق نفسه ، ليحقق ذاته فقط ، لا ليحقق ماهية خارجة عنه .

قال : وهذا الموجود لذاته هو أقرب إلى "مشروع وجود" منه إلى الوجود المكتمل الثابت ، لأنه متغير ، قوامه النزوع المستمر نحو المستقبل ، والتنصّل المستمرّ من الماضي . فهو موجود له في كل لحظة حالة غير حالة اللحظة السابقة ، على خلاف الأشياء المادية ذوات الذاتية الثابتة .

قال : ولما كان "الشعور" بطبيعته غير مستقر ، كان محالاً أن تتحدد ماهيته ، كما تتحدد ماهيّات الأشياء الخارجية . ومن هنا كانت حرية الإنسان هي صميم وجوده الشعوري القلق ، فهو حرٌّ لأنه يخلق نفسه بنفسه كل لحظة .

ويرى "سارتر" أن قوله : "إن الإنسان حر" مرادف لقوله : "إن الله غير موجود" . لأن وجود الإنسان لا يخضع لماهية أو طبيعة محددة ، بل هو إمكان مستمر على الإنسان أن يحققه ، فليس هناك "طبيعة بشرية" فرضت من الأزل ، وليس هناك "تعريف" ثابت للإنسان كيف ينبغي أن يكون . بل إن الإنسان يوجد أولاً ، ثمّ يظل يخلق ماهيته ، بما يختار لنفسه من شعور ، فليس الإنسان إلا ما يختار لنفسه أن يكون .

والمدقق في هذه الآراء الفلسفية لسارتر يلاحظ أنها تقع وراء دوائر ما تقبله العقول ، وما يستقيم مع موازينها ، وفي فقرات كشف الزيف الآتية أحاول قدر الإمكان تعريف القارئ بمنازع ومزالق ادعاءاته غير المعقولة ، والتي ألغى فيها من دون أي دليل الأصول والموازين الكبرى التي فطرت عقول الناس على التسليم بها ، والتحاكم إليها .

جولة في آراء سارتر التي قدمها في كتبه

1- عرض "سارتر" الوجودية مذهباً إلحادياً ، في كتابه "الكينونة والعدم" أي : الوجود والعدم . وقد خاطب في هذا الكتاب المختصين في شؤون الفلسفة .

إلا أن هؤلاء المختصين يعترفون بأنهم لم يفهموا كل ما جاء في كتابه هذا ، كما أفصح عن هذه الحقيقة "بول فولكييه" في كتابه: "هذه هي الوجوديّة".

2- زعم "سارتر" أن الإنسان بحريته الاختيارية هو الذي يخلق ماهيته ، وقال : "إن الإنسان كائن أولاً ، ثمّ يصير أخيراً هذا أو ذاك" أي: بحسب أفكاره الحرة التي تصنع ماهيته.

قال "بول فولكييه" :

" وأفضى البحث بسارتر إلى نتائج تتناقض حتى تبلغ درجة المحال ، واللامعقول".

3- وزعم "سارتر" أن الإنسان هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال .

وخالف في ذلك الفلاسفة المؤمنين بالله ، ، ومنهم الفيلسوف "ديكارت" فهذا الفيلسوف يرى أن الله هو الذي متى أراد شيئاً وخلقه كان خيراً ، وأنه لا يمكن أن ينتج عن قراره إلا الخير المطلق .

فردّ سارتر بقوله : "إن ديكارت بوصفه حرية إلهه المطلقة ، لم يقم ، إلا بوصف المحتوى الضمني لفكرة الحرية ، فأعطى لله ما للناس بخاصة".

هكذا عكس "سارتر" الحقيقة ، لينسجم مع فكرته الإلحادية ، التي أراد أن يضع لها فلسفة ، فأعطى الإنسان ما هو لله وحده ، تحت شبهة أن الإنسان له في حياته قسط من الحرية ، وفق المنحة التي منحه الله إياها .

وخالف "سارتر" برأيه هذا الذي رآه حقاً ، أو أراد أن يُريه للناس ليضلّهم ، خالف منطق الواقع والحقيقة .

ولما جعل "سارتر" الإنسان هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال ، لزمه أن يسقط المسؤولية ، أو يقع في التناقض ، وذلك لأن المسؤولية إما أن تكون أمام الله ، أو أمام المجتمع ، أو أما ضمير ذاتي مثالي يحكم على أعمال الذات .

لكن "سارتر" أنكر الخالق فلا مسؤولية تجاهه. وأنكر أيضاً الضمير الذاتي المثالي ، لأن وجوديته تقرر أن الواقع يكون أولاً ، ثمّ تكون الفكرة عنه ، لا أن الفكر يكون أولاً بالحكم على ما يمكن أن يكون ، ثمّ يكون الواقع ، إذ هو لا يعترف بشيء من الفرضيات الذهنية السابقة للوجود على أنها ذات تأثير في الوجود . وأما المجتمع فلا دخل له ، ما دام الإنسان بمفرده هو الذي يضع مقاييس الحق والخير والجمال .

إذن لم يبق شيء يعتبر الإنسان مسؤولاً عنه في فلسفته الخرافية .

لكن الإنسان هو مع ذلك في نظره مسؤول ، فوقع "سارتر" في التناقض المفضوح ، فقال :
" نحن لا نعمل ما نريد ، ونحن مع ذلك مسؤولون عما نحن كائنون ، هذا هو الواقع" .

قال "بول فولكييه" :
"وهذا واقع متناقض ، محال ، لا هو مفهوم ، ولا هو معقول".

لقد وقع "سارتر" برأيه هذا في الجبرية الخرافية ، إذ فر من قضية الإيمان بالخالق وحكمته ، وخلقه الإنسان حراً مكلفاً ، ليكون مسؤولاً عن أعماله تجاهه .

ولو أنه آمن بالله حقاً ، لأدرك أن الإنسان خُلقَ مختاراً ، ليمتحن في حدود اختياره ، ثمّ ليحاسب ويجازى يوم الدين .

وإذ زعم "سارتر" أن الإنسان هو الذي يخلق الخير والشر بنفسه ، وذلك بحسب أفكاره الخاصة ، وأنه ليس لأحد أن يوجّه النصح له ، قال يخاطب "ماتيو":

"إنك تستطيع أن تفعل ما تريد ، وليس ثمة من له الحق في توجيه النصح إليك ، وليس في نظرك شرٌ وخير إلا إذا خلقتهما...".

إذن : فليفعل الإنسان أية جريمة ، وليرتكب أي عمل قبيح ، وله بعد ذلك أن يعتبر ما فعل خيراً لا شر فيه ، وليس من حق أي أحدٍ أن يحاكمه ، أو يؤاخذه على ما فعل.

هل يحتاج قول "سارتر" هذا إلى تفكير عميق ، أو إلى تحليل دقيق ، لمعرفة دعوته إلى ارتكاب أية جريمة ، وفعل أي شر ، دون أن يشعر مرتكب ذلك بأي تأنيب من ضميره ووجدانه؟.

إنه يلغي بأقواله المدمرة فكرتي الخير والشر مطلقاً ، إذ يجعلهما من خلق الإنسان نفسه .

وظاهرة أن كل إنسان يملك وفق هذا التضليل أن يعتبر بحسب مزاجه ومصلحته الخاصة أي أمر قبيح خيراً ، وأي أمر حسن شراً ، في حين قد يعكس غيره الأمر ، لأن مزاجه ومصلحته الخاصة قد تلاءما مع العكس .

إذن : فلا مفهوم للخير يمكن أن يحصل اتفاقٌ عليه ، ولا مفهوم للشرّ يمكن أن يحصل اتفاق عليه .

إذن : فلا شيء اسمه خير أو شر مطلقاً .

هكذا يريد "سارتر" . يريد إبطال الحقائق من جذورها بعبثه الفكري ، الذي زعمه مذهباً فلسفياً .

4- ونمت الفردية الأنانية لدى "سارتر" انسجاماً مع وجوديته الملحدة ، حتى جعل الحب نوعاً من أنواع سلب الناس بعضهم لبعض .

فالفرد في رأيه بحاجة إلى الحب في سبيل رفع قيمة ذاته عن طريق الآخر ، وفي سبيل رفع قيمة ذاته لأنه يوجد إنسان آخر يقدّره .

لذلك يرى أن من ينظر إليه بحب فإنه يحاول أن يسلبه عالمه الخاص به ، وفي هذا يقول :
" إننا منذ الآونة التي نشعر فيها بأن إنساناً آخر ينظر إلينا ، إنما نشعر أيضاً بأن الآخر يسلبنا عالمنا على نحوٍ من الأنحاء ، هذا العالم الذي كنا نمتلكه وحدنا حتى هذه اللحظة "

ويقول:
" إنني ابتداءً من الآونة التي أشعر فيها أن أحداً ينظر إلي ، أشعر أنني سُلبتُ عن طريق نظر الآخر الموجّه إلي وإلى العالم .

إن العلاقة بيننا وبين الآخرين هي التي تخلق شقاءنا"1.

ويقول:
" إن الآخرين هم الجحيم" .

(5)

كشف الزيف

لا تحتاج آراء "سارتر" وكذلك كل آراء الوجودية الملحدة إلى جهد كبير لتفنيدها ، وبيان أخطائها ، وكشف زيوفها .

فهي أقل قيمة من أن توضع بين الفلسفات التي تستحق المنقاشة والاعتراض والنقد . ولولا أنها كتبت بأيدي رجال متخصصين في دراسة الفلسفة ، ثمّ قامت منظمات ذات مخططات سياسية عالمية هدامة بترويجها في أسواق الفارغين من العقول ، لنشر الإلحاد بالله وتدمير الأخلاق وسائر القيم الصحيحة عن طريقها ، لما كان لها شأن يذكر ، ولمَا رفعها أحدٌ من مجمع قمامات الآراء ، لينظر إليها ، ويفحص ماهيّتها ، ولمَا اشتغل بقراءة كتبها مشتغلون حريصون على أوقاتهم أن تضيع سُدى ، في قراءة كلام هراء متهافت سخيف ، لا قيمة له لدى أهل الفكر والنظر .
لكن ماذا نعمل وقد أمست مذهباً مُضلاً ، وفيما يلي كشف الزيف:

الكاشف الأول : باستطاعة الباحث أن يحدد معالم فلسفة "سارتر" الوجودية الملحدة ، التي أراد أن يجعلها مذهباً ، من خلال تعبيراته الفلسفية المُعَمّاة ، والتي فيها كلام كثير غير معقول ، بالتحليل التالي :
من المعلوم لدى كل العقلاء والفلاسفة أن أحكام العقل الأولى والكبرى ، تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : ممكن الوجود ، وهو كل موجود حادث ، وكل ما يمكن عقلاً أن يحدث ، فلا يحكم العقل باستحالة وجوده ، حين توجد الشروط الكافية لإخراجه من العدم إلى الوجود .

وهذا القسم ينطبق على كل ما في الكون من أشياء ، وأحداث ، وتغيُّرات ، وكلّ ما يتصور العقل إمكان حدوثه ، سواءٌ بالتغيير والتبديل فيما هو موجود حادث ، أو بخلق شيء جديد لا يستحيل عقلاً وجوده ، ككائنات غير كائنات هذا العالم ، ومخلوقات غير المخلوقات التي فيه .

القسم الثالث : مستحيل الوجود عقلاً ، وهو ما يجب عقلاً بقاؤه في العدم من الأزل إلى الأبد .

ومن المستحيلات العقلية وجود رب خالق آخر غير الله الواحد الأحد ، واجتماع النقيضين وجوداً في شيء واحد وزمن واحد .

وقد أراد "سارتر" نسف هذه الأحكام العقلية الأولى والكبرى ، المتفق عليها عند العقلاء .

فحذف من التصور قسم "واجب الوجود عقلاً" فلم يتعرض له مطلقاً ، لأنه يريد أن يقيم فلسفته على عدم الاعتراف بوجود رب خالق أزليٍ أبدي .

وحذف من التصور قسم "مستحيل الوجود عقلاً" فلم يتعرض له ، لأن إثبات مستحيل الوجود يجر إلى إثبات واجب الوجود حتماً .

ثمّ جاء إلى قسم "ممكن الوجود" والذي ينطبق على الكون وما يجري فيه ، وكل ما يمكن عقلا أن يحدث .

فألغى من هذا القسم وصف "الإمكان" . فبقي شيء اسمه "الوجود" دون وصف ، وإذ قد ارتفع منه الإمكان ، فقد صار أمراً واجباً لا إمكان فيه ما دام قد وُجد .

آراء تخيلها وادعاها ، ولم يُقِم عليها أي دليل . وهدفه أن يحجب أفكار المستجيبين لآرائه عن كل تفكير في الإمكان القائم في الكون ، حتى لا يجرهم ذلك إلى الضرورة العقلية التي تلزمهم بإثباتٍ أزلي أبدي واجب الوجود ، به تحوّلت الممكنات من العدم إلى الوجود ، ولولاه لكانت إمكاناتها متكافئة القوة في جانب العدم ، فلم يستطع أحد منها أن يغلب أكفاءه فيظهر إلى عالم الوجود .

وحين ألغى "سارتر" صفة "الإمكان" وأبقى صفة "الوجود" وحدها ، اعترضته مشكلة أفكار الناس وتصوراتهم ، القادرة على تخيّل أمور ممكنة غير موجودة ، وبناء عليها يحاولون اختراع أشياء وصور جديدة بالتغيير والتحويل في مادّة الكون ، وذلك يجر إلى إثبات الموجود الأول بعد عدة مراحل فكرية ، وهو الأزلي الأبدي الخالق ، الذي يرجع إليه تخصيص الممكنات ببعض إمكاناتها ، وإخراجها بإرادته وقدرته من العدم ، وهذا ما يحذره في فلسفته أشد الحذر .

فكان عليه أن يزعم أن الفكر مشاعر متغيرة غير ثابتة ، ولا ماهيّة لها ، وأن الأشياء توجد أوّلاً في الواقع ، والذهن بعد ذلك يصنع ماهيتها . إلى آخر ما قدم من ادعاءات خارجة عن دوائر المعقولات التي تهضمها العقول ، أو تستسيغها قبل هضمها .

حتى الفلاسفة الذين قد يستسيغون من غير المعقول ما هو قريب من دوائر المعقولات ، لم يستسيغوا ادعاآته .

فمغالطته هنا ترجع إلى ما يلي :

1- إهمال حقائق فكرية إهمالاً يشعر ببطلانها .

2- ادّعاءات غير مقترنة بأي دليل عقلي أو علمي .

3- طمس الأدلة العقلية والعلمية التي تُسقِط ادعاءاته وتخيلاته وتخريفاته ، وتثبت وجود الرب الخالق وصفاته العظمى .

4- حصر النظر بجانب جزئي واحد ، هو جانب مدلول كلمة "وجود" فقط ، وإقامة الحجب الكثيفة دون غير ذلك من حقائق ، وإلْقَاء الغشاوات الإيهامية على أفكار من يستجيب له ، حتى لا يفكر تفكيراً سليماً يهديه إلى الحق .

الكاشف الثاني : لقد ألغى الإمكان في الأشياء الموجودة ، رغم أن الإمكان قائم في كل شيء من هذا العالم المشهود .

وبسبب صفة الإمكان فيه يتصرف الناس ضمن قدراتهم الذهنية والعملية بالتغيير والتبديل ، والاختراع والابتكار ، وكل وجوه الصناعات ، والعمران والهدم . ولولا صفة الإمكان فيه لم يحدث شيء من ذلك .

لولا صفة الإمكان في قطعة الحديد الموجودة في الأرض ، ما استطاع الصانع أن يصنع منها سكيناً ، أو سيفاًَ ، أو دولاباً في آلة ، أو مسماراً ، أو غير ذلك .

ولولا صفة الإمكان في الصخر ، ما قطّعه الإنسان وبنى منه القصر .

هذه بدهيّة ، ومع ذلك ادّعى "سارتر" نقيضها، ادعاءً فقط ، بدون دليل ولا تعليل .

وزعم أن الشيء يوجد أولاً ، ثمّ يصنع الشعور الإنساني له ماهيته .

فألغى بذلك قيمة الفكرة ، حين يتخيل صورة ، ويرسم حدودها ، والغاية منها ، ثمّ يطبق صنعها من مواد الكون ، فتأتي وفق الصورة والحدود التي سبق أن رسمها.

أليس هكذا يفعل مهندسو العمران ، ومهندسو السيارات والطائرات والآلات الميكانيكية وسائر الصناعات؟!.

أليس هكذا يفعل الخياط والحداد والنجار والحذاء والطباخ وكل عامل ، وكل صانع؟!.

لقد ألغى كل هذا مع أنه من بدهيات الأمور ، وادعى خلافه ، ووضعه في قوالب ألفاظ فلسفية (وجود – إمكان – ماهية – في ذاته – لذاته – مشروع وجود – تغير مستمر – نزوع للمستقبل – تنصل من الماضي) إيهاماً وتلبيساً.

لكنّ أفكاره التخريفية لا يقبلها ذو ميزان عقلي لا يزال على فطرته التي فطره الله عليها ، لم يُصب بخلل الزيوف الفلسفية القائمة على مُعَمَّيَاتٍ من مصطلحات لفظيّة يحسبها الجاهل شيئاً ، كما يحسب الظمآن السراب ماءً.

إنه ذو هدف من إلغائه قيمة الفكر المخطط ، لما يريد الإنسان عمله فيما يأتي ، فهذه الحقيقة متى وضحت للإنسان واستقرّت في نفسه ، استطاع أن يتخذ منها دليلاً هادياً ، فإذا رأى صنعة متقنة هداه فكره إلى صانعها المتقن ، إذ هي نتاج فكره وعمله .

لكن "سارتر" يريد أن يصرف قراءه عن ملاحظة صفة الإتقان العجيب المعجز في خلق السماوات والأرض ، وما فيهما من ظاهرة الحياة العجيبة ، وخلق الإنسان قمة عجائب الخلق ، حتى لا يتنبه الفكر إلى أن الإتقان في هذا الكون إنما هو أثر لصفات خالق قادر عليم حكيم يتقن ما يخلق ، فهو الذي قدّر وقضى ، وخلق على وفق مقاديره الحكيمة ، وهو سبحانه يدير كل أمر بحكمته العظيمة ، وحتى لا يتنبه الفكر إلى أن هذه المتقناتِ الكونية لا يمكن أن توجد وجوداً تلقائياً من ذاتها ، بعد أن كانت في طي العدم ، دون سابق خطة حكيمة يقدّرها عليم حكيم قادر .

لقد أراد "سارتر" أن يصرف قُرّاءه عن هذه الحقيقة ذات الدلالة البرهانية ، الموصلة إلى الإيمان بالله الخالق ، فوضع فكرته الخرافية المخالفة للبدهيات الأولى ، والتي لا تقبلها أكثر العقول بدائية ، فضلاً عن العقول المتقدمة في ميادين المعرفة .

فهل الواقع كما زعم "سارتر" من أنه لا يوجد فكر يخطط ، وإرادة تختار من الاحتمالات الممكنة ما يراه الفكر أصلح وأحكم؟!.

وهل الواقع كما زعم "سارتر" أن الأشياء وأعمال الإنسان الإرادية الاختيارية ، توجد أوّلاً ضمن طبائعها ، ثمّ يأتي الفكر الإنساني فيضع للأشياء ماهياتها بحسب تصوراته لها؟!.

إذا كان يمكن للفكر الإنساني أن يستنبط ماهية شيء رآه موجوداً ، ولم يكن له دخل في التخطيط السابق له ، فهل يدل ذلك على أن كل ما هو موجود حادث قد وجد بنفسه ، دون أن يصنعه أحد ، ثمّ يصنع الفكر الإنساني له ماهيته في تصوراته؟!.

ما هذا الادعاء السخيف؟!.

إن كل العقلاء يقيسون ظاهرة الإتقان في الكون على ما يعملون بأنفسهم من أمور متقنة ، فيثبتون أن المتقنات الراقية لا يمكن أن توجد من قبل أنفسها ، دون أن تكون مسبوقة بخطة حكيمة ، تحدد ماهياتها وصفاتها قبل وجودها .

العمارة الضخمة لا تظهر إلا مسبوقة بخطَّة مهندس وضع مخطّطها بفكره ، ورسمه على ورقه ، ثمّ نفذه في الواقع العملي على وفق الفكرة السابقة التي وضعها .

والمصنع الذي ينتج نوعاً من الصناعات ، لا يظهر إلا مسبوقاً بخطة مهندس ، وضع مخططه بفكره ، ورسمه على ورقه ، ثمّ نفّذه في الواقع العملي على وفق الفكرة السابقة التي وضعها .

هكذا ظهرت في عالم الصناعات الإنسانية كل الصناعات ، من أدناها حتى أعلاها وأرقاها وأدقها صنعاً ، من صناعة الإبرة ، إلى خياطة الثوب ، إلى صناعة الطائرات والغواصات ، والألكترونيات المعقدة جداً.

إن شيئاً منها لم يوجد قبل فكرة رسمته وخططته ، ثمّ جاء إيجاده على وفق الخطة الفكرية .

لكن "سارتر" أراد أن ينسف هذه الحقائق بادعائه السخيف ، فقال : الإنسان يوجد أولاً دون خطة سابقة ، وأعماله الإرادية توجد أولاً دون خطة منه ، ثمّ يصنع فِكْرُهُ ماهية لها يتخيلها من عند نفسه والعمليات الفكرية ليست وجوداً ، إنما هي بمثابة مشروع وجود .

الكاشف الثالث : ألغى "سارتر" حقيقتي الخير والشر ، بجرّة قلم ، تضمّنت ادعاءً كاذباً .

وكذلك ألغى الحق والباطل ، وألغى الجمال والقبح .

وجعل الشعور الإنساني التابع للهوى ونوازغ النفوس هو الذي يخلق قيم الخير والحق والجمال ، وأن هذه ليست لها قيم في ذاتها .

وخالف في ذلك موازين العقول السليمة ، وما تحس به الفطرة الإنسانية السوية .

لقد شطب على هذه القيم دون أي دليل ، ليقول لمن يستجيب لأقواله :

انطلق : أيها الأحمق الغبي في عمل ما تريد أو تشتهي وتهوى ، مهما كان ذلك في اعتبار الناس شراً ، دون أن يكون لأحد عليك سلطان ، فأنت الذي تصنع فكرة الخير حسب مزاجك ، وأنت الذي تصنع فكرة الشر ، وأنت الذي تخلق فكرة الحق وفكرة الباطل ، وأنت الذي تخلق فكرة الحسن وفكرة القبيح .

كذلك يقول الشيطان للإنسان حين يوسوس له ، لإغوائه .

لست أدري : هل العلوم الرياضية ، والهندسيات ، والحقائق المجردة ، والقضايا المنطقية الكبرى ، حتى الوجود نفسه ، هي من خلق الفكر الإنساني ، وهي أوهام في أوهام ، في نظر "سارتر" وكل معتنقي الوجودية الملحدة؟؟!!.

هل الظلم والعدوان وكل الجرائم التي يرتكبها المجرمون ، ليست في الواقع جرائم ، حتى يراها الإنسان المجرم نفسه كذلك ، دون أن يكون لغيره سلطان عليه في إملاء مفاهيم ، ودون أن يكون في الواقع وجود لحقائق مجردة يمكن التحاكم إليها ؟!!.

هكذا تقول فلسفة "سارتر" كما ظهر واضحاً من أقواله ، مع ظاهر التناقض فيها .

ليس غريباً أن يُفرزه فكره مثل هذه السموم القواتل ، وهو يهودي صهيوني ، فهذه الأفكار وأشباهها قد عرفناها تماماً في المخططات اليهودية ، الرامية إلى تدمير البشرية من الأمم غير اليهودية ، وقد رأينا آثارها عند كل صانعي الأفكار المدمّرة من اليهود وأجرائهم ومنظماتهم .

الكاشف الرابع : يمثل "سارتر" في بعض ما قدّم من آراء فلسفية حضيض الأنانية والشح عند اليهود .

فأنانية "سارتر" أنانية عجيبة في دنيا الناس ، لا توجد إلا عند الشاذين جداً .

لقد جعل الحب الذي هو أسمى الروابط الاجتماعية في الحياة ، من قبيل سلب المحب لذاتية محبوبه ، وتجاهل ما في الحب من عطاء وتضحية هما في مستوى القمة ، ولا نظير لهما إلا في الإيمان الرفيع بالله واليوم الآخر .

هل الحب الذي تشعر به الأم في فطرتها تجاه طفلها يتضمن معنى سلب الأم لعالم طفلها وذاتيته؟!.

إن هذا الحب موجود في عالم الحيوان بشكل عام ، وليس خاصاً في الإنسان الذي يمكن أن يفكر في مصالح نفسه مع عاطفة الحب .

حتى المحب المشبوب بشهوة الرجال للنساء هو حبٌّ فيه تبادل أخذٍ وعطاء ، فالمحب لا يأخذ سعادة اللقاء بمحبوبه إلا ويعطي من نفسه عطاءً وتضحيةً هما أكثر من اللقاء الذي يأخذه .

لكن "سارتر" يريد أن يقطّع الروابط الاجتماعية كلها ، وينمّي في الناس الفردية إلى أضيق حدودها ، حتى تكون سبباً في تفتيت المجتمعات الإنسانية ، تفتيتاً لا يبقي منها كتلة مترابطة متماسكة .

وهذا – كما نعلم – أحد مخططات شياطين اليهود ، لتكون شعوب الأرض لُقماً سائغة في أفواه الثعالب والثعابين اليهودية.

فحين يرى "سارتر" أن حب الآخرين له سلبٌ لعالمه وسلبٌ لذاتيته ، ويرى أن العلاقة بالناس هي التي تخلق لنا الشقاء ، ويرى أن الآخرين هم الجحيم . فإنه يدعو إلى تقطيع الروابط الاجتماعية بين الناس .

هكذا يقلب حقائق الواقع الإنساني ، ويصدّر أفكاراً باطلة سخيفة في ثوبٍ فلسفي ، يمكن أن يفتن به بعض مراهقي قُرّاء الوافدات الفكرية (على طريقة مبتكرات الأزياء) مع سيل ما تأتي به الحضارة الغربية.

الكاشف الخامس : قدّم "سارتر" آراءه وأفكاره على شكل أحكام تقريرية ، دون أن يؤيدها بأي دليل لا من الفكر ، ولا من الحس ، ولا من الواقع ، ولا من المشاعر النفسية .

فما قيمة آراء وأفكار من هذا القبيل ؟!

إن أي صاحب خيال يستطيع أن يقول أية فكرة تخطر في وهمه ، ويزينها بصبغة كلامية ، وزخرف من القول ، ثمّ يطرحها في الميادين الفكرية ، ويجعلها مذهباً فكرياً .

ولقد يكثر في الناس الخياليون الخرافيون ، لكن المشكلة تبدو حينما يقوم بهذه العملية نفسها أناس عرفوا في الأوساط العلمية علماء باحثين ، أو دارسي فلسفة ، أو متتبعي معرفة ، أو مكتشفي نظريات مقبولة ، ولكن يكون لهم هوى ، أو يكونون أعضاءً في منظمة ذات مصالح سياسية أو اجتماعية ، فيستخدم مركزه العلمي ، ليصدّر أفكاراً باطلة تخدم هواه ، أو تخدم أهداف منظمته أو قومه ، فيتداولها الناس تقديراً لمركزه العلمي ، لا تقديراً للأفكار نفسها .

وكم قدّم أحكاماً تقريرية بدون أي دليل ، أنكر حقائق يشعر بها الناس جميعاً بدون أي دليل أيضاً ، وقلب المفاهيم بادعاءات باطلات .

وما أسهل على أي مبطل ، أن ينكر بلا دليل ، أو يثبت بلا دليل .

الكاشف السادس : يقول : "بوخينسكي" أستاذ الفلسفة بجامعة "فريبورج" بسويسرا ، بعد عرضه آراء "سارتر" في الوجودية : "وليس في وسعنا هنا سوى الاقتصار على ذكر النتائج الأخلاقية التي ترتبت على هذه الفلسفة ...

والتي تمثلت في نكران كل القيم ، وكل القوانين الموضوعة ، وفي ادعاء عدمية – واستحالة وعدم جدوى الحياة الإنسانية ، بل إن الوجودية قد أفرغت حتى ظاهرة الموت نفسها من معناها على يدي سارتر .

ومن نتائج الوجودية أيضاً ، دعوتُها إلى التشكيك في جدوى قيام ما يتسم بروح الجد وطابعه ، فهي فلسفة انحلالية عدمية تماماً".

موقف لسارتر:
حدثني الأستاذ "محمد العفيفي" أنه سمع من الشيخ الأستاذ الدكتور "علي عبد المنعم" رئيس قسم التفسير والحديث بكلية الشريعة بجامعة الكويت ، أنه جلس مرة مع "سارتر" فطرح عليه عدة أسئلة ، وأحرجه بها .

فسأل سارتر : من هذا ؟

فقيل له : عالم أزهري .

فقال سارتر لمن عنده : أتجلسونني مع رجل من رجال "محمد" فكيف أناقشه؟

وانصرف عن المجلس ...!

* * *

الفصْل الثاني


مْكيافيلّي وَفِكرَة : الغاية تبرر الوسيلة


(1)

من هو مكيافيلّي؟.

هو "نيقولا مكيافيلي" إيطالي ، ولد في "فلورنسا" وعاش ما بين عام (1469-1527م) . كان أبوه محامياً متوسط الحال . حصل على وظيفة صغيرة في حكومة "فلورنسا" سنة (1498م). ثمّ ترقّى وتقلّب في وظائف بعثات دبلوماسية ذات أهمية للحكومة ، ثمّ أصبح المستشار الثاني للجمهورية . وعندما استولت أسرة "مديتشي" على الحكم سنة (1512م) سجن لأنه كان معارضاً لهم ، ثمّ نُفي في العام التالي ، وسمح له بأن يحيا حياة التقاعد في الريف قرب "فلورنسا" . وتفرّغ للكتابة والتأليف ، أشهر مؤلفاته :

1- كتاب "الأمير" وقد أصدره سنة (1513م) وأهداه إلى "لورنزو" وكان هدفه أن يسترضي به "الميديتشيين". دعا فيه إلى قيام دولة إيطالية موحدة بحاكم قوي ، دون اعتبار القيم الخلقية ، ولكنه لم ينجح في استرضائهم .

2- كتاب "المطارحات" وهو أكبر من كتاب الأمير .

3- كتاب "فن الحرب" أصدره سنة (1520م) تحدّث فيه عن الجيش الضروري لمثل الحكم الذي وصفه في كتابه "الأمير".

4- كتاب في تاريخ فلورنسا ، حلّل فيه تطور المدينة حتى سنة (1492م) وله بعض الروايات .

أثّرت آراؤه وأفكاره التي بثّها في كتبه في العلم السياسي . وتجمعها الفكرة التي أمست من قواعد السياسة في معظم دول العالم العلمانية ، وهي "الغاية تبرر الوسيلة".

(2)

ما يُهمنا مناقشته من آرائه وأفكاره

عُني "مكيافيلي" بأن يكشف من التاريخ القديم ومن الأحداث المعاصرة له : كيف تُنال الإمارة ، وكيف يُحتفظ بها ، وكيف تُفقد .

وانتهى إلى رأي في السياسة يتلخص كما سبق بالعبارة التالية :
"الغاية تبرر الوسيلة" مهما كانت هذه الوسيلة منافية للدين والأخلاق .

وقد استند في رأيه هذا إلى الواقع المنحرف للأكثرية من الناس ، لا إلى مبادئ الحق والعدل والخير والفضيلة .

رأى أن أكثر الحكام لم يكونوا شرعيين ، ولم يكونوا ملتزمين المبادئ الأخلاقية الفاضلة ، وبذلك استطاعوا أن يصلوا إلى الحكم ، وأن يضمنوا استقرار الحكم في أيديهم إلى حين .

بخلاف الحكام الشرعيين ، والذين كانوا يلتزمون المبادئ الأخلاقية الفاضلة المستندة إلى الحق والعدل والخير ، فأنهم لم يُحقّقوا لأنفسهم النجاح المطلوب ، ولا المحافظة على الحكم ، كمحافظة الساسة الخائنين الغدارين المرائين المنافقين الكذّابين .

حتى البابوات فقد رأى أنهم قد كانوا في الكثير من الحالات يضمنون الانتخاب لأنفسهم بوسائل فاسدة ، لا تتفق مع الفضائل الخلقية .

وأنكر "مكيافيلي" في كتابه "الأمير" بصراحة تامة الأخلاق المعترف بصحتها ، فيما يختص بسلوك الحكام ، فالحاكم يهلك إذا كان سلوكه متقيداً دائماً بالأخلاق الفاضلة ، لذلك يجب أن يكون ماكراً مكر الذئب ، ضارياً ضراوة الأسد .

وفي الفصل الثامن من كتابه "الأمير" ذكر أنه ينبغي للأمير أن يحافظ على العهد حين يعو ذلك عليه بالفائدة فقط . أما إذا كانت المحافظة على العهد لا تعود عليه بالفائدة فيجب عليه حينئذٍ أن يكون غداراً .

ويقول :
"بيد أنه من الضروري أن يكون الأمير قادراً على إخفاء هذه الشخصية . وأن يكون دعياً كبيرا ً، ومرائياً عظيماً ، والناس يصلون في السذاجة وفي الاستعداد للخضوع للضراوات الحاضرة ، إلى الحد الذي يجعل ذلك الذي يخدع يجد دائماً أولئك الذين يتركون أنفسهم ينخدعون . وسأنوّه فقط بمَثَلٍ حديثٍ واحد ، فالإسكندر السادس لم يفعل شيئاً إلا أن يخدع الناس ، ولم يخطر بباله أن يفعل شيئاً آخر ، ووجد الفرصة لذلك ، ولم يكن من هو أقدر منه على إعطاء التأكيدات ، وتوثيق الأشياء بأغلظ الإيمان ، ولم يكن أحد يرعى ذلك أقل منه ، ومع ذلك فقد نجح في خُدعاته ، إذ كان يعرف هذه الأمور معرفة طيبة".

واستنتج "مكيافيلي" من هذا أنه لا يلزم الأمير أن يكون متحلياً بفضائل الأخلاق المتعارف عليها ، ولكن يجب عليه أن يتظاهر بأنه يتصف بها . وينبغي له أن يبدو فوق كل شيء متديناً .

وفلسفة "مكيافيلي" تعتمد على دراسة النجاحات البشرية في وصول الناس إلى غاياتهم ، ولو كانت هذه النجاحات هي من قبيل نجاحات الأشرار . وما دامت أمثلة الآثمين الناجحين أكثر عدداً من أمثلة القديسين الناجحين , وكانت وسائل الآثمين وسائل آثمة منافية لفضائل الأخلاق ، فإن الغاية في السياسة تبرر الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق ، من أجل تحقيق النجاح المطلوب ، ومن أجل الوصول إلى الغاية المقصودة ، وهي الظفر بالحكم والاستئثار به .

فآراء "مكيافيلي" في تبرير الوسائل المنافية لفضائل الأخلاق تدور حول السياسة ، وأخلاق الحكام ، وذوي السلطة .

وأخذ معظم أرباب السياسة في الشرق والغرب ، بهذا الاتجاه المكيافيلي وفق أقصى صوره المنحرفة .

وهذا الاتجاه المنحرف الشاذ ، المعاكس لاتجاه الكمال الإنساني ، إذا أخذ على إطلاقه ، وهو طريق كل المنحرفين الظالمين المجرمين المفسدين في الأرض ، قبل مكيافيلي وبعده ، في السياسة ، وفي غيرها .

وأخذ هذا الاتجاه المستهين بفضائل الأخلاق الإنسانية لتحقيق غايات الأفراد والجماعات ، يسودُ سلوك الناس في الشرق والغرب ، ويغزو الأجيال في كلّ الأمم والشعوب ، حتى غدا شمول الانحراف في الأخلاق نذير دمار عام شامل لكل الشعوب التي أخذت تنعدم فيها فضائل الأخلاق الفردية والجماعية .

وقد مال الفيلسوف الإنجليزي الملحد "برتراند رسل" إلى تأييد أفكار "مكيافيلي" فقال :

"وفلسفته السياسية علمية تجريبية ، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة ، ومعنيّة بتقديم الوسائل على الغايات المحدودة ، بغضّ النظر عن التساؤل عن ضرورة النظر في كون الغايات حسنة أو سيئة ، وعندما يسمح لنفسه أحياناً بأن يشير إلى الغايات التي يرومها ، فإنها تكون بحيث نستطيع جميعنا أن نُطرِيَها ، وكثير من القدح المألوف اللاحق باسمه يرجع إلى استنكار المنافقين الذين يكرهون الإقرار بفعل الشرّ" .

(3)

كشف الزيف

الكاشف الأول: يرجع الخطأ في الفكرة الباطلة التي انتهى إليها "مكيافيلي" في السياسة ، إلى اعتبار النسبة الغالية من السلوك الإنساني هي المقياس الذي يبرر به السلوك ، وإلى إهمال جانب الحق والعدل والخير ، وإغضاء النظر عن الشر الذي يشتمل عليه السلوك ، وإلى اعتبار سلوك الإنسان مع الناس ذوي المشاعر والآلام والحقوق المتساوية لحقوق صاحب السلوك ، كسلوكه مع الأشياء غير ذات الحياة .

مع أن الواجب يقضي بأن تراعى حقوق الناس ومشاعرهم الإنسانية ، ومنها آلامهم .

إنه إذا كانت الوسيلة المفضلة لخرق جبل في أماكن خالية من السُّكان هي أن نفجّر في مكان الخرق المطلوب متفجرات قوية ، لأن ذلك أسرع وأسهل ، وأقل كلفة ، فهل يصح قياساً عليه أن يكون مثل هذا التفجير هو الوسيلة المفضلة لفتح طريق داخل مدينة مليئة بالعمارات السكنية ، وآهلة بالسكان ، دون مراعاة للواجب الذي تفرضه حقوق الناس ، ودون اكتراث بالشر الذي ينجم عن هذا العمل ، ودون اعتبار لآلام الناس الذين يتعرّضون لشرور هذا التفجير؟.

وهل يصح أن يعتبر ذلك أمراً علمياً وتجريبياً محققاً للمطلوب بأسرع وقت ، وأسهل عمل ، وأقل كلفة ، كما زعم "برتراند رسل" إذ أيد آراء "مكيافيلي" بأنها علمية وتجريبية ، مؤسسة على خبرته الخاصة بالشؤون العامة .

إن أسس سلوك الإنسان مع الناس ومع الأحياء ، غير أسس سلوك الإنسان مع الأشياء غير الحية ، التي ليس لها أفكار ولا مشاعر وآلام ولذات ومطالب حياة .

والمنهج العلمي الذي يطبق على الأشياء غير الحية ، لا يصح تطبيقه من كل الوجوه على الأحياء ، وعلى الناس بشكل خاص ، لأن الأحياء بوجه عام لها حقوق تجب مراعاتها ، ولأن الناس بوجه خاص لهم حقوق زائدة على حقوق الأحياء الأخرى ، فيجب وضع هذه الحقوق في الاعتبار لدى اتخاذ مناهج علمية تطبق على الأحياء عموماً ، وعلى الناس خصوصاً .

الكاشف الثاني: أن اعتبار تفوّق المستهينين بفضائل الأخلاق ، والمرتكبين لرذائلها ، في الوصول إلى الحكم وفي تثبيته ، على الملتزمين بفضائل الأخلاق المجتنبين لرذائلها ، هو المبرّر العلمي لاتخاذ وسائل غير أخلاقية من أجل الوصول إلى الحكم وتثبيته ، مطابق تماماً لاعتبار وسائل الغش ، والخديعة ، واللصوصية ، وأكل أموال الناس بالباطل ، هي الوسائل المفضّلة للوصول إلى الثراء الفاحش ، والاستمتاع بلذات الحياة ، وتدعيم الرأسمالية المفرطة.

فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء "مكيافيلي" من الشيوعيين والاشتراكيين؟.

ومطابق تماماً لاعتبار وسائل القتل الجماعي ، وسلب أموال الأغنياء ، وإقامة الثورات المدمرة ، واستعباد الشعوب ، من أجل وصول الأحزاب الشيوعية والاشتراكية إلى السلطة ، واستئثارها بكل شيء ، وتسلُّطها على كل شيء ، بما في ذلك الحريات الإنسانية ، والحقوق الإنسانية الأخرى .

فهل هذا مقبول من وجهة نظر الآخذين بآراء "مكيافيلي" من الرأسماليين والديمقراطيين؟

إذا كان الأول غير مقبول أخلاقياً لدى الشيوعيين والاشتراكيين ، وكان الثاني غير مقبول أخلاقياً لدى الرأسماليين والديمقراطيين ، مع أن الأول والثاني كليهما يمكن تبريرهما بأن الغاية تبرر الوسيلة ، وفق مذهب "مكيافيلي" المتبع لدى المذهبين المتناقضين في العالم : "الرأسمالية وديمقراطيتها – والشيوعية وديكتاتوريتها".

فإن الحكم المنطقي يقضي بداهة بأن كلاً من الرأسماليين المكيافيليين ، والشيوعيين المكيافيليين متناقضون مع أنفسهم .

وذلك لأن الرذائل الخلقية التي تقتضيها المكيافيلية مقبولة عند كل من الفريقين ومرفوضة معاً .

إنها مقبولة إذا كانوا يمارسونها هم ضد غيرهم ، ومرفوضة إذا كان غيرهم يمارسها ضدهم . وهذا تناقض منطقي بدهي ، لا يلتزم به من يحاكم الأمور بعقله ، ولكن يكابر فيه من يحاكم الأمور بأهوائه وشهواته ومصالحه الخاصة ، كلما كان له هوى أو شهوة أو مصلحة ، لا تقام عليها حجج علمية ضد الآخرين الذين لهم أيضاً أهواء أو شهوات أو مصالح خاصة تقف في الطرف المقابل .

ويكفي هذا التناقض مع الذات لإسقاط "المكيافيلية" . إذِ التناقض في أي مذهب ، أو أيَّة فكرة ، هو من أقوى البراهين لإبطال المذهب أو الفكرة ونقضهما .

الكاشف الثالث : يتساءل كل من له عقل ، بل كل من لديه مقدار يسير منه ، عن التفسير المنطقي لهذا الرأي المنحرف الذي يُعبّر عنه بأن الغاية تبرّر الوسيلة ، والذي لا يستطيع إنسان في الدنيا أن يقبله على إطلاقه ، مهما بلغت به الجريمة ، ومهما بلغ به الشذوذ الفكري والنفسي .

من المعروف في الحياة أن لكل إنسان ، ولكل مجموعة بشرية ، مطالب نفسية ، وحاجات جسدية ، وأنه لا بد لتحقيق أي مطلب من مطالب النفس ، وأية حاجة من حاجات الجسد ، من اتخاذ وسيلة إلى ذلك .

فهل يصح في عقل أي إنسان عاقل اتخاذ أي وسيلة في الدنيا ، مهما كان شأنها عظيماً ، لأية حاجة مهما كان شأنها حقيراً تافهاً؟

وحينما يروج صغار العقول أو المجرمون آراء "مكيافيلي" هذه التي تقول : "إن الغاية تبرر الوسيلة ، ويدعون هذا الكلام يسير على إطلاقه دون قيود المنطق السليم ، والحق الثابت ، والفضيلة المثلى ، فإنهم لا بد أن يتصرفوا في حياتهم تصرف المجانين ، أو يكونوا شياطين مجرمين ، يخادعون الناس بهذه الآراء التي يطلقون عليها زوراً وتزييفاً اسم "نظرية" ليفعلوا كل جريمة ، دون أن يسميهم الناس مجرمين .

لقد ستروا أنفسهم المجرمة بطلاء مما أسموه "نظرية مكيافيلي".

وفي محاكمة هذا الكلام الفاسد ، إذا أخذ على إطلاقه ، لا بد أن نضع على سبيل التطبيق الفلسفي مجموعة من مطالب النفس ، وحاجات الجسد ، ونفرض أنها غايات ، ثمّ نضع في مقابل ذلك مجموعة مما يمكن أن يكون وسائل لهذه الغايات ، ونفرض أنها وسائل .

إنه من البدهي عند ذلك أن تبدوَ لنا أمثلة تطبيقية غريبة ومضحكة جداً ، أخف منها ما يجري داخل مستشفيات الأمراض العقلية .

إنه يلزم من تعميم الفكرة المكيافيلية ، أن لا يكون من المستغرب أن يحرق المكيافيلي مجموعة من أوراق النقد ذات الأرقام العالية ، والقيمة الكبيرة ، ليُغلي عليها ما يصلح فيه كأساً من الشاي ، أو فنجاناً من القهوة ، فغايته التي هي شرب الشاي أو القهوة ، تبرر له وسيلة إحراق الأوراق النقدية الكبيرة ، وخسارة الألوف ، مقابل شراب لا يساوي بضعة فلوس .

ويلزم من هذا المذهب أن لا يرى المكيافيليون مانعاً من إلقاء مخطوطات علمية عظيمة نادرة ، في نهر كبير ، لتكون بمثابة جسر مؤقت تعبُر عليه جيوش الغزاة .

وليس من المهم بعد ذلك أن تخسر الإنسانية ذخائر المنجزات العلمية والفكرية الحضارية ، التي خلفتها القرون الأولى ، فالغاية تبرر الوسيلة .

وأن لا يروا مانعاً من تجويع الألوف من البشر ، وسرقة خيراتهم ، ليستمتع مجرم واحد بمظاهر الترف والرفاهية ، فالغاية تبرر الوسيلة .

وأن لا يروا مانعاً من أن يقطع إنسان يد آخر ، ليجعل من عظم ساعدها عصاً لمكنسته . وأن يسلخ جلد إنسانٍ حي ليصنع منه طبلاً أو دُقَّاً ، يتسلى بالنقر عليه في جلسات السمر . وأن يحرق مدينة كاملة ليتمتع بمشاهدة لهيب نارٍ عظمى عن بعد ، ثمّ يدين بها برآء ويعاقبهم بهذه الجريمة النكراء ، كما فعل "نيرون" إمبراطور روما . وأن يقذف إلى حلبة المصارعة وحشاً ضارياً جائعاً ، وإنساناً بريئاً ليتمتع بمشاهدة ظفر الغالب منهما ومصرع المغلوب ، وقد مارست روما في أوج سلطان إمبراطوريتها من ذلك الشيء الكثير .

كل هذا ونظائره ينبغي أن يكون مقبولاً لدى "المكيافيليين" لأن الغاية تبرر الوسيلة .

أليست هذه الأعمال الجنونية أو الإجرامية وسائل لغايات؟ فإذا كانت الغايات مطلقاً تبرر أية وسيلة دون قيدٍ أو شرط ، فما أجدر المكيافيلي الذي يأخذ بهذه الفكرة الفاسدة ، أن ينحدر إلى أخس مرتبة يمكن أن تُتصوّر في الوجود ، ويُردّ إلى أسفل سافلين .

وينبغي عندئذٍ أن يخلع الثوب الإنساني الذي فضّله الخالق به ، ويلبس ثوب أخسّ الأحياء شراسة ودناءة .

(4)

المكيافيليّة اليهودية

إذا كانت المكافيلية العامة تقول : "إن الغاية تبرّر الوسيلة" في شؤون السياسة فقط ، دون أن تَضَعَ لفكرتها هذه أي قيد من قيود المنطق السديد ، والحق الثابت ، والخير الجلي ، والفضيلة والجمال ، فإن المكيافيلية اليهودية تأخذ بهذه الفكرة نفسها ، في مختلف الشؤون السياسية ، والمالية ، والعلميّة ، والدينية ، وغيرها من الشؤون التي تحقق لليهودي غاية من غايته مهما كانت حقيرة .ولو كانت الوسيلة إلى تحقيقها إهدار أي حق لفردٍ أو جماعة أو أمة ، باستثناء اليهود ، ولو كانت الوسيلة ارتكاب أية رذيلة خلقية ، أو جريمة قذرة ، أو نشرَ الكفر بالله ، وبثَّ الإلحاد به في شعوب الأرض . والمكيافيلّيّة الشيوعيّة بنت المكيافيلية اليهودية.

(5)

موقف الإسلام بين الوسائل والغايات

لكن الإسلام يتربع على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والخير والفضيلة والجمال .

وهو يأمر المسلمين بالتزام ما أمر الله به ، ويكلّفهم أن يراعوا ذلك مع الناس جميعاً ، دون تفريق بين الأفراد ، وبين الأمم والشعوب ، سواء منهم من دان بالإسلام ومن لم يدِن به .

وموقف الإسلام بين الوسائل والغايات تحدده أروع مبادئ تلتزم بالحق والعدل والخير والفضيلة ، ولا تقترب من أضدادها ، وتلتزم بكل ما أمر الله به من خير ، ونهى عنه من شر .

وتفسح صدرها لاتخاذ بعض الوسائل التي يوجب المنطق السليم اتخاذها ، ارتكاباً لأخَفِّ الضررين ، ووسيلة لدفع أشدهما ، وذلك حينما يتعذّر اتخاذ وسيلة أخرى لا ضرر فيها مطلقاً .

وقاعدة الإسلام في ذلك تحدِّدُها البنود التالية :

البند الأول : يجب أولاً أن تكون غايات الإنسان في حياته مقيدة بما أذن الله به في شريعته لعباده .

فما كل غاية تبدو للإنسان يجوز له أن يجعلها إحدى غاياته ، ما لم تكن غاية مأذوناً بها شرعاً.

البند الثاني : يجب ثانياً أن يكون سعي الإنسان إلى غايته المأذون بها شرعاً ، ضمن الوسائل التي ليس فيها إهدار لحقٍّ أو عدل أو فضيلة أو واجب ، وليس فيها ارتكابٌ لمحرم من المحرمات الشرعية ، وليس فيها إسراف ولا تبذير وبذل ذي قيمة عالية وسيلة لتحقيق ذي قيمة حقيرة.

البند الثالث: إذا تعارض في حياة الإنسان – ضمن قواعد الحق والعدل والفضيلة والواجب – واجبان ، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تحقيقهما معاً .

أو تعارض محرّمان ، ولم يمكن بحالٍ من الأحوال أو وجه من الوجوه تركهما معاً .

أو تعارض ضرران ، ولم يمكن بحال من الأحوال أو وجه من الوجوه دفعهما معاً .

فقاعدة الإسلام عند وجود هذا التعارض الذي لم يمكن تفاديه بوسيلة من الوسائل المأذون بها شرعاً بوجه عام ، تتلخّص بما يلي :

أولاً: ترك أدنى الواجبين لتحقيق آكدهما ، فيؤثر المسلم القيام بآكدهما ، وأكثرهما وجوباً ، ويترك الواجب الأدنى .

كمن كان في صلاة مفروضة فداهم العدو بلاده غازياً ، ولو تأخّر حتى أنهى صلاته لأعطاه فرصة سانحة للظفر بالمسلمين ، فالواجب والحالة هذه أن ينصرف من الصلاة لجهاد العدوّ ، لأن واجب الجهاد في هذه الحالة أقوى من واجب إتمام الصلاة ، بالنظر إلى النتائج التي تتحقق بكلٍّ منهما .

وكما لو تعارض في حياة أمة واجب التنمية الاقتصادية ، وواجب صيانة الدين والخلق والفضيلة ، والعلم الضروري لهذه الأصول ، فالواجب والحالة هذه أن تحرص الأمة على صيانة هذه الأمور ، ولو أفضى ذلك إلى التقصير بتحقيق واجب التنمية الاقتصادية ، على أن الله عزّ وجلّ سوف ييسر للأمة وسائل هذه التنمية المطلوبة ، مكافأةً لها على ما التزمت به من واجب أجل في شريعته لهم .

وكما لو تعارض في حياة الأمة الإسلامية واجب إعلاء كلمة الله في الأرض ، وواجب صيانة أنفسها من القتل أو القرح ، وصيانة غيرها من مضار القتال ، ولم تُجْدِ الوسائل الأخرى لتحقيق الواجب الإلهي الذي هو حق الله على عباده جميعاً ، فالواجب والحالة هذه أن تعرّض أنفسها وغيرها لمضار القتال الذي يرجى تحقيق الغاية الدينية العظمى به ، لأن الكفر بالله وسيادة حكم الطاغوت سيودي بالإنسانية إلى ما هو شر من المضار التي قد تحدث بالجهاد المقدس .

ثانياً: ارتكاب أخف المحرمين لدفع الوقوع بأشدهما ، فيؤثر المسلم ارتكاب المحرم الأخف ، ليدفع ارتكاب المحرم الأشد ، إذا لم يجد وسيلة أخرى مباحة ، يجتنب بها المحرمين معاً .

كما لو هُدد إنسان بالقتل المحقق إذا لم يرتكب مثلاً جريمة السرقة ، فالواجب والحالة هذه أن يختار أخف المحرمين وهي السرقة ، ليدفع عن نفسه القتل الذي يعتبر التمكين منه أشد حرمة ، إذ القتل أشد تحريماً من السرقة .

وكما لو تعرضت حياة إنسان بريء للقتل على يد ظالم ، ولم يمكن دفع ذلك عنه إلا بارتكاب وسيلة الكذب ، فالواجب والحالة هذه دفع أشد المحرمين بأخفهما ، وظاهر أن الكذب على الظالم أخف عند الله من تعريض مسلم بريء لظالم يريد قتله أو تعذيبه تعذيباً شديداً .

ثالثاً: تحمّل أهون الضررين وأخفهما وسيلة لدرء أشدهما ، كما لو أصيب عضو من أعضاء الإنسان بمرض لا يُستطاع إيقاف سريانه إلى سائر الجسد إلا ببتره ، وإلا سرى فقتل صاحبه ، فالواجب والحالة هذه بتر العضو العليل حماية لسائر الجسم ، ومن البدهي أن فقد العضو الواحد أهون وأخف من فقد الأعضاء كلها .

ولما توقفت سلامة الأمة في أخلاقها ودينها وأمنها على قطع أيدي السارقين ، وجلد الزناة أو رجمهم ، وإنزال أشد العقوبات بقطّاع الطرق ، كان ذلك أمراً حتماً في أحكام الشريعة الإسلامية ، تقضي به ضرورة ارتكاب أخف الضررين وسيلة لدرء أعظمهما .

رابعاً: إذا تساوى الواجبان المتعارضان ، أو المحرّمان المتعارضان ، أو الضرران المتعارضان ، فالمسلم بالخيار ، له أن يختار أحد المتعارضين ولو كان الذي اختاره أحبّ إلى نفسه .

وتشتبه أمور ، فيختلف فيها الفقهاء المجتهدون ، كالإكراه على الزنا .

وتختلف أمور باختلاف الناس ، ومنها الإكراه على إعلان الكفر .

فمن كان هو من آحاد الناس ، فله أن يقول كلمة الكفر لينجي نفسه من القتل ، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان ، وله أن يصبر ويُقتَل شهيداً ، لأن ثباته على إعلان الحق قد ينفع دعوة الإسلام ، فيجلب به من صفوف المشركين أو الكافرين عموماً أناساً يسلمون بتأثير صموده .

وقادة الدعوة إلى الله ، المعروفون بها ، ينبغي لهم أن يثبتوا على إعلان الحق ، ولو استشهدوا في سبيل ذلك ، وهو بالنسبة إليهم أفضل .

أما الرسل فلا رخصة لهم في أن يقولوا كلمة الكفر ، لينجو أنفسهم من القتل ، لأن ذلك ينقض رسالتهم .

ومن كان من آحاد الناس ورأى أن بقاءه حيّاً قد يكون أكثر نفعاً للإسلام والمسلمين ، وأكثر نكاية بأعداء الله ، فإعلانه كلمة الكفر مع طمأنينة قلبه بالإسلام قد يكون هو الأفضل والأحب لله ، وربما يكون هو الواجب أحياناً .

ميزان تحديد قيم المتعارضات

وميزان الإسلام لتحديد قيم الواجبات والمحرّمات ، وأنواع الضرر ميزان دقيق جداً ، يعتمد على مبدأين أساسيين :

المبدأ الأول : فيه تصنيف عام للمنافع واللذات والمصالح الفردية والاجتماعية ، والإنسانية ، الدينية ، والدنيوية ، المادّية والمعنوية ، مع العلم بأن ما يمسّ منها الجوانب الدينية الكبرى ، كالإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، يحتل مركز الصدارة ، لأنه يمثل الحق الأول لله على عباده .

المبدأ الثاني : فيه تصنيف عام للمضار والآلام والمفاسد الفردية ، والاجتماعية ، والإنسانية ، الدينية والدنيوية ، المادية والمعنوية ، مع العلم بأن ما يمس منها الجوانب الدينية الكبرى ، كالشرك بالله ، أو إنكار وجوده كلياً يحتل مركز الصدارة ، لأنه يمثل العدوان الشنيع على حق الله الأول على عباده .

فما بيّن النص حكمه من المتعارضات ، فقد أبان الشرع قيمهما ، وما لم يبينه فقد تركه لأهل الاستنباط والاجتهاد ، وقد تختلف في بعض ذلك آراء المجتهدين .

هكذا نجد الإسلام على قمة المجد في مراعاة الحق والعدل والفضيلة والخير والواجب ، بين الوسائل والغايات .

بينما نجد "المكيافيلية" العامة هاوية إلى حضيض الخسة في مجال السياسة .

ونجد "المكيافيلية" اليهودية الشاملة لكل جوانب السلوك الإنساني هاوية إلى حضيض كل خسة ، وكذلك "المكيافيلية" الشيوعية ذات الجذور اليهودية ، ويسير في هذا الحضيض كل المجرمين والمفسدين في الأرض .

ويتحقق في الإنسان الآخذ بهذه "المكيافيلّية" قول الله عزّ وجلّ في سورة (التين/95 مصحف/28 نزول):
{ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}.
* * *

الفصْل السّابع


مَارْكوز وَآرَاؤهُ الثّوريَّة

لإقامة ديكتاتورية حكم الأقلية الواعية

(1)

من هو ماركوز؟

هو "هربرت مرقس . أو ماركوز" فيلسوف يهودي معاصر ، ألماني المولد ، أمريكي النشأة . عاش من سنة (1898 إلى 1979م). استخدم طريقة نقد الفكر الحديث في علاقته بالمجتمع الحديث ، فكان من أشدّ نقّاده . وكان له بسبب ذلك تأثير سياسيٌّ فعّال بالغرب . أخذ أتباعه يمجدونه حتى رفعوه إلى مصاف أنبياء بني إسرائيل . له كتاب "فلسفة النفي" وكتاب "الحبّ والحضارة" .

وأصدر سنة (1964م) كتاباً باسم "الإنسان ذو النظرة الواحدة" أو ذو البعد الواحد . دعا فيه إلى قيام جمهورية القلّة ، التي تمارس العقلانية بواسطة الصفوة ، ووجه هذه الصفوة لاستغلال الحركات الطلابية الثورية ، ولاستغلال المنبوذين ، والخوارج ، والمستغلّين ، والمضطهدين من مختلف الأجناس والعناصر والألوان ، والعاطلين عن العمل ، وغير القادرين عليه ، للقيام بعمل ثوري جذري يحقق هذا الهدف ، وتلتقي فيه أشدّ قُوى الوعي الإنساني المتمثلة بالصفوة ، بأشدّ العناصر البشرية تعرّضاً للاستغلال ، أو الاضطهاد ، والتي يمكن دفعها للثورة الهائجة ، واستغلال ثورتها .

وروّجت وسائل النشر والإعلام اليهودية لكتاب "ماركوز" هذا ترويجاً عظيماً ، وحوّلت "ماركوز" من أستاذ جامعي اشتهر بتفسير فلسفة "هيجل" إلى شخصيّة دولية ، يَستشهد به ويتتلمذ عليه بعض اليساريين ، ويعتبرونه قدّيسهم الفكري .

ومعلوم أن الدعاية لتمجيد الأشخاص هدفها المعاصر التمجيد بأفكارهم وآرائهم ، والتأثير بذلك على الجماهير حتى تؤمن بها ، وتنساق وراء قادتها .

(2)

دوافع آرائه

رأى شياطين اليهود الموجهون لمنظماتهم ، والمخططون لحركاتهم في العالم ، أنهم قد حققوا في الشرق والغرب قسماً كبيراً من مخططهم الرامي إلى هدم الدين والأخلاق ، وإطلاق حرية الفكر ، وحرية الجنس والحب ، وحرية اختيار أسلوب العيش مهما كان فوضوياً .

فقد أسسوا الشيوعية وأقاموا ثورتها في الشرق ، فتمكَّنُوا من الهيمنة على ناصية دولتها الكبرى .

وسيطروا اقتصاديا وسياسياً وإعلامياً وثقافياً على الدول الرأسمالية والاشتراكية في الغرب .

وكان للعبث الفكري دوره التمهيدي العظيم في ذلك ، وهو الذي صاغه أئمة منهم أمثال : "ماركس وفرويد ودوركايم" ونشرته مؤسساتهم وأجهزتهم السياسية والإعلامية والتعليمية .

بقي عليهم أن يحضّروا لإقامة الثورات السياسية ، ليركبوا صهوتها ، ويصلوا فعلاً إلى قمة حكم ديكتاتوري صارم ، يحكمون به دول العالم الغربي ، تحت ستار حث الصفوة من المثقفين لاستغلال الحركات الطلابية الثورية ، ولتحريك المنبوذين والمشردين والهيبيين والعاطلين ومن إليهم للقيام بالثورة المطلوبة .

وإذا حكموا دول العالم الغربي حكموا من بعد ذلك سائر دول العالم ، فالقوتان الكبريان تكونان يومئذٍ تحت سلطانهم .

فدفعوا "ماركوز" أحد رجالهم المتخصصين في الدراسات الفلسفية ، لنشر أفكار جديدة ، ذات صيغة فلسفية ، من شأنها إغراء المثقفين التحرريين من كل القيم التقليدية ، الذين يتخذون الوجودية والإلحاد بالرب الخالق مذهباً لهم في الحياة ، ويؤمنون بحرية الجنس ومشاعيته ، وبحرية الفكر مهما انطلق في عبثه ، ويستمتعون بأسلوب العيش الفوضوي الذي لا ضابط له ولا نظام ، ويؤثرون الانطلاق البَهَمِيّ ، ولكن بنوازع وغرائز بشرية .

ولكن ما هو المطلوب إغراء هؤلاء به ، ودفعهم إليه؟

المطلوب إغراؤهم به هو التحرك للاستيلاء على الحكم ، وإقناعهم بأن الجيش الثوري الذي يمكن أن يستخدموه جسراً يوصلهم إلى هذه الغاية ، يؤلف من الحركات الطلابية الثورية ، ومن فئات المنبوذين ، والخارجين على تقاليد المجتمع ، ولا يقيمون وزناً لدين ، أو خلقٍ ، أو عرف ، أو قاعدة اجتماعية ، أو فضيلة خلقية ، ويعرفون بالهبيين والبوهيميين ومذهبهم الانعزالي يجعلهم ينفصلون عن الجماهير الواسعة ، ثمّ يكون معهم المستغلون ، والمضطهدون من قبل مجتمعاتهم ، لأي سبب من الأسباب العرقية أو اللونية أو السلوكية أو غير ذلك ، ومعهم أيضاً سائر المجرمين في الأرض .

أما طريقة الحكم بعد الظفر به ، فينبغي أن تكون ديكتاتورية صارمة .

ولكن المكر اليهودي سيكون وراء كل هؤلاء الثوريين ، إذ يتخذهم جميعاً مطايا ، وهذه المطايا ستتساقط مطيّة فمطية ، ويأكل منها اللاحق السابق ، حتى تحين الفرصة المواتية لشياطين المكر المتربصين ، وعندئذٍ سيكون شياطين المكر اليهودي هم الديكتاتوريين الحقيقيين ، القابضين على كل مراكز القوة ، والملوك الفعليين ، الذين احتالوا للظفر بمُلك العالم بوسائل التضليل الفكري ، والثورات التي تلتهب نيرانها بأجساد الحمقى الذين جعلوا أنفسهم مطايا لشياطين اليهود .

ويتوهم اليهود أنهم إذا حققوا هذا المخطط الأخير ملكوا الدنيا ملكاً علنياً صريحاً ، واستعبدوا الشعوب بديكتاتورية صارمة . لكن الله عزّ وجلّ لن يظفرهم بذلك ، بل سيعيدهم إلى الوضع الذي هو القاعدة بالنسبة إليهم وما سواها شذوذ عنها .

(3)

ما يُهمنا عرضه من آراء "ماركوز" وأفكاره

1- مهّد لأفكاره برسم صورة لواقع مجتمعات الدول الصناعية الراقية الغربية ، وحاول أن يجد في هذا الواقع ما يمكن أن يطلق منه نيران الثورة على الإدارات الحاكمة داخل شعور هذه الدول .

2- أما السلاح الناري الذي أراد تفجيره لدى المستعدين لأن يستجيبوا لأفكاره ، فهو سلاح الحرية .

3- حافظ في فلسفته التي عرضها على البناء الذي أسسه من قبله شياطين اليهود ، وهو البناء القائم على الماديّة الإلحادية الإباحية التحرريّة الفوضوية .

4- أقام فلسفته المزيفة على دعامتين رئيسيتين :

الدعامة الأولى : فكرة مؤسس الشيوعية اليهودي "كارل ماركس في "النظام الجماعي" الذي يمثله في الإدارة صفوة من الأفراد ، وهي الفكرة التي تدعمها آراء عالم الاجتماع اليهودي "دوركايم" في خرافة "العقل الجمعي" التي سبق شرحها .

الدعامة الثانية : فكرة مؤسس مدرسة التحليل النفسي ، اليهودي "فرويد" ، القائمة على توحيد الدوافع الإنسانية كلها بالدافع الجنسي ، ووجوب إطلاق هذا الدافع ليحقق رغباته ، دون أية قيود دينية أو خلقية أو قواعد وأنظمة وعادات اجتماعية ، أو غير ذلك .

5- أبان في رسمه لصورة واقع مجتمعات الدول الرأسمالية الغربية ، أن تقنيّة "تكنولوجيا" المجتمعات الصناعية الراقية ، وقد جعلت في وسع هذه المجتمعات أن تزيل التناقضات الموجودة فيها ، وذلك من خلال استيعاب جميع أولئك الذين كانوا في ظل الأنظمة الاجتماعية السابقة يشكلون قوىً انشقاقية ، وأصواتاً رافضة .

وقد حصل هذا الاستيعاب بسبب الكفاية والوفرة المادية ، وتحرر الكثرة الكاثرة من الحاجة المادية ، فلم تعد هذه الحاجة المادية تضغط عليهم ، لتطلق منهم أصوات الرفض للواع الذي يعيشونه , وتشكّل منهم القُوى الانشقاقية عن المجتمع .

لكنّ تلبية احتياجات الناس الماديّة ، التي أزالت أسباب انشقاقهم واحتجاجاتهم وتمرّدهم ، وقد ولّدت لديهم العبودية والاستكانة لإداراتهم الحاكمة ، وطبقاتهم المالكة لرؤوس الأموال ، فغدوا أدوات سلبية للنظام السائد ، يدعمون استمراره باستكانتهم ، وبرضاهم بما حققه لهم من سعادة مادية ، وبعدم قيامهم بأي احتجاج أو رفض ، أو تحرك لإحداث قُوىً منشقة .

لكن هذه السعادة التي نالوها ، واستكانوا بسبب تخديرها لهم سعادةٌ سطحية وهمية مزيفة . مَثَلُها كمثل الدعايات التجارية حينما تتوسل لإغراء الجماهير بالرسم والصور الجنسية ، دون أن تحقق لهم الإشباع الجنسي الحقيقي الذي يتطلّبونه .

وزعم "ماركوز" أن لدى الإنسان قسمين من الاحتياجات :

القسم الأول : الاحتياجات الحقيقية .

القسم الثاني : الاحتياجات الزائفة .

وزعم أن الاحتياجات الزائفة في حياة الإنسان ، هي التي يتم بها إخضاع الفرد ، وحرمانه من حريته الحقيقية ، التي هي إدارة نفسه بنفسه ، وعدم استكانته وخضوعه لأية سلطة مهما كانت .

فالكفاية والوفرة قد كان من نتائجهما توليد الاستكانة والخضوع والعبودية لدى المجتمعات الغربية ، بسبب ما حققتا لها من تأمين احتياجاتها الزائفة السطحية ، القائمة على سعادة الجسد ومتعته ، وهي سعادة زائفة ، لكنها سبب ذلك تخدّرت فلم تعُد تنشد احتياجاتها الحقيقيّة ، وهي حرّيّتها الحقيقية ، التي يكون الإنسان فيها سيّد نفسه بنفسه لا يخضع معها لأحد .

لكن مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتمثل بحصوله على احتياجاته الحقيقية ، وهذه مسؤولية الصفوة المثقفة الواعية .

إذ أن الأكثرية من الناس قد أصبحوا راضين تماماً عن مجتمع الكفاية والوفرة ، وسعداء بما تقدمه الإدارة لهم من سلع وخدمات ، والعامل لا يشعر بأن رئيسه يتفوّق عليه في مأكل أو مشرب أو ملبس أو مركب ، حتى إنهما يشاهدان برامج تلفزيونية واحدة ، ويقرآن جريدة واحدة ، ويرتادان أماكن الترويح عن النفس بمستوى واحد .

ولا يعني هذا زوال الطبقات ، بل هو يدل على المدى الذي يمكن أن يصل إليه إشباع الحاجات ، الذي يخدم هدف الحفاظ على السلام الاجتماعي .

يضاف إلى ذلك أن الإدارة استطاعت أن تمتصّ كلّ أوقات فراغ هذا المجتمع الصناعي الراقي ، فأوقات فراغ الناس فيه لم تَعُد حرة برغم ازدهارها ضمنه .

وأظهر "ماركوز" استياءه من أن ظروف العمل في المجتمع الصناعي الراقي تميل إلى جعل العامل سلبياً ، وتقضي على أي شعور لديه بمعارضة النظام ، وأن ما تستحدثه الدولة من مؤسسات تنشد بها الإصلاح الاجتماعي ، يكون في الوقت نفسه وسيلتها للسيطرة على حياة الذين ينعمون بفوائد ومزايا هذه المؤسسات ، بسبب هيمنتها على مستوى معيشتهم ، وكلما زاد استهلاك الناس كان ذلك ادعى إلى إضعاف حوافز تقرير المصير. سواء في ذلك الدولة الصناعية الغربية والدولة الشيوعية .

6- ورأى "ماركوز" أن هذا الواقع في المجتمع الصناعي الراقي ، يمكن أن يكون مدخلاً إلى مستقبل ينتهي فيه النزاع بين الطبقات ، ذلك لأن المجتمع الصناعي الراقي ، هو بحقٍّ نظام توازن القوى الذي يتحقق بسيطرة النخبة من المتنافسين على الحكم ، ولا يمكن أن يكون حكم النخبة من السياسيين إلا انعكاساً لصالح هذا النظام ، الذي يتمتع فيه أفراد النخبة بما يقرب من السيطرة التامة عليه .

وهذا أمرٌ يسوؤه ويغيط المخطط اليهودي العالمي .

7- ويرى "ماركوز" أن الوارث الطبيعي للنظام الحر "الليبرالي" الذي أخذ الغرب يطبقه في ديمقراطياته ، هو النظام الجماعي "التوتاليتاري" أي : النظام الاستبدادي باسم الجماعة .

قال : وهذا النظام هو المسيطر حالياً على الأفكار الصناعية الراقية ، ومعنى ذلك أن النظامين الشيوعي والغربي متشابهان ، أو أنه يوجد في النظام الغربي قوى متناهية ، يمكن أن تعتبر مماثلة للنظام الفاشي أو الشيوعي .

لكن "التوتاليتارية" أي : الاستبدادية الغربية لا تعبّر عن نفسها من خلال الحكم "الديكتاتوري" الاستبدادي الصريح ، بل من خلال القضاء على الثقافة القديمة والفن القديم ، بالمؤسسات الحديثة ، التي من شأنها تصفية الإنسان ذي النظرتين ، ليحل محلّه الإنسان ذو النظرة الواحدة ، ومن هنا أخذ "ماركوز" عنوان كتابه "الإنسان ذو النظرة الواحدة".

ويعني بالنظرة الواحدة نظرة الإنسان إلى حاجاته الجسدية ، وإهماله لحاجاته الحقيقية ، التي تتحقق بحريته الحقيقية في أن يكون سيّد نفسه بنفسه ، لا يخضع لأحد ، ولا يستكين لأحد . ( أي: إن الثقافة الغربية جعلت الإنسان الغربي لا ينظر إلا بعين احتياجاته الجسدية الماديّة فقط ).

ورأى أن اللغة المعاصرة في المجتمعات الغربية ، قد انحطت حتى صارت خادمة للنظام الجماعي "التوتاليتاري" الغربي المعاصر ، فقد غدت مجرد اختصارات ورموز لأشياء مادية ، حتى الرغبة الجنسية بإطلاقها وإشباعها بطريقة سطحية ، قد صارت من الأدوات الخادمة للنظام الاستبدادي القائم ، على خلاف ما كان يقصد إليه "فرويد" .

8- بعد أن عرض "ماركوز" تصوراته السالفة عن المجتمعات الغربية ، رأى أنه قد هيأ ما يلزم لتوجيه مخططه الثوري ، ويبرز ذلك بالنقاط التالية :

* إن مصلحة الإنسان الحقيقية إنما تتحقق بحصوله على احتياجاته الحقيقية ، التي تكون بحريّته في إدارة نفسه بنفسه ، وبأن يكون هو سيد نفسه بنفسه ، لا سلطان لأحد عليه .

* لكن الجماهير في المجتمعات الغربية الصناعية الراقية قد أصبحت راضية سعيدة ، مخدّرة بما تُقدِّم لها هذه المجتمعات من تأمين احتياجاتها السطحية الزائفة .

* فمسؤولية إيصال هذه الجماهير الراضية المخدّرة بأمور زائفة ، للمستوى الذي تحصل فيه على احتياجاتها الحقيقية ، إنما تقع على الصفوة الواعية من الناس ، فهي التي تستطيع تغيير هذا الواقع ، وتحقيق الأمر المنشود ، لأنها هي الأكثر وعياً بمتطلبات العصر وبمتطلبات الأكثرية .

* ولا سبيل أمام الصفوة لتأسيس مجتمع المستقبل القائم على العقلانية والتحرير والتسامح إلا بالثورة والاستيلاء على مقاليد الحكم ، وإعلان ديكتاتورية الأقليّة .

* ووسيلة الصفوة إلى ذلك القوى الثورية الحقيقية ، وتتألف عالمياً من الحركات الطلابية ، وأنصار جهات التحرير والثورة الثقافية .

وخصص "ماركوز" جزءاً من فلسفته ، للثورة الطلابية ، ونوّه بطابعها الجمالي الذي زعمه ، وبلغتها التي أطلق عليها اسم لغة الروح ولغة الثقافة "الهبيّة" .

* وتبرز في اليسار الذي ينتمي إليه "ماركوز" عناصر المنبوذين ، والخارجين على تقاليد المجتمع ، ولا يقيمون وزناً لدين أو خلق أو عرف أو تقاليد أو عادات أو قواعد اجتماعية ، ويعرفون بالهيبيين ، والبوهيميين .

* وطبيعيٌّ أن تستغل الثورة عند قيامها كل المضطهدين والمستغلين من قبل مجتمعاتهم ، لأي سبب من الأسباب ، مع كل المجرمين في الأرض ، لتحقق أهدافها .

(4)

كشف الزيف

1- إن أفكار "ماركوز" التي سبق عرض أهمها ، لا تحتاج فيما أرى إلى باحث متعمق يكشف زيوفها ، فكلها زيوف ، وما فيها من صدق لا يتعدى بعض أوصاف ذكرها لواقع المجتمعات الغربية ، وبعض أفكار .

2- على أن الفكرة الأساسية التي أظهر حماسته من أجلها ، وأراد إقامة الثورات على نظم المجتمعات الغربية وإدارتها ، بسبب حرمان جماهير هذه المجتمعات منها ، وهي ما أسماه بالاحتياجات الحقيقية إلى الحرية الحقيقية ، في أن يكون الإنسان سيد نفسه بنفسه ، لا سلطان لأحد عليه ، وهي التي حرمته منها نظم المجتمعات الغربية وإدارتها، وجعلته بوسائلها التخديرية راضياً سعيداً ، إذ منحته احتياجاته المادية الزائفة ، فخدّرته بها .

هذه الفكرة الأساسية التي من أجلها يريد أن يقيم الدنيا ويقعدها ، لم يتضمن برنامج الثورة التي يدعو إليها تحقيقها ، بل يتضمن تحقيق نقيضها تماماً .

إن برنامج الثورة التي يدعو إليها يقرر إقامة الحكم المنشود على أساس ديكتاتورية الأقلية .

وحين يقام الحكم على أساس ديكتاتورية الأقلية ، فماذا سيكون نصيب جماهير الأفراد من الحرية ، سواء في احتياجاتهم الحقيقية أو الزائفة بحسب مزاعم "ماركوز"؟

إنهم بداهة وحتماً سيكونون محرومين من كل ألوان الحرية ، كما هو الحال في ديكتاتورية الدول الشيوعية ، المتسترة بقناع النظام الجماعي ، وتأمين مصلحة الجماهير الكادحة .

3- ما أظن أحداً يخفى عليه أن العبث الفكريّ الذي عرضه وزخرفه لصغار العقول ، إنما يقصد منه زلزلة المجتمعات الغربية ، التي غدت جماهيرها العامة خاويةً من المبادئ والقيم والعقائد التي تعصمها من عاديات زيوف فكرية ، وأوبئة مذاهب هدّامة ، لتمكين القلة اليهودية المنظمة ، من الظفر بحكمٍ ديكتاتوريّ صارم ، مستخدمةً أجراءها وعملاءها ، من مختلف هذه المجتمعات .

4- هل رضا الشعوب بسعاداتها ، التي تحققها لها أنظمة مجتمعاتها ، يعتبر من سيئات هذه الأنظمة ، أم من حسناتها ؟!.

5- هل يوجد بديل حقيقي صالح يكون فيه كل فرد من الناس مالكاً لحريته التامة ، التي يكون فيها سيد نفسه بنفسه من كل الوجوه؟!.

حين توجد هذه الحرية تعمُّ الفوضى ، ويكون الدمار ، ويغلب الأقوياء المستبدّون ، وينقسم الناس إلى سادة وعبيد .

والبديل الذي طرحه "ماركوز" هو الديكتاتورية الصارمة ، أي : الحرمان المطلق من كل الحريات .

6- الأفكار الزيوف الكثيرة التي عرضها ضمن فلسفته ، سبق في مواطن أخرى من هذا الكتاب كشفها ، وبيان وجوه الحق فيها.
* * *

الفصْل الثامِن


أوجسْت كونتْ
وَدين الإنسَانيّة


(1)

من هو "كونت"؟

هو "أوجست كونت" فيلسوف فرنسي ، عاش ما بين عامي (1798م و1857م) . وُلد في مدينة "مونبلييه" الفرنسية ، في أُسرة مسيحية شديدة التعلق بالكاثوليكية ، رقيقة الحال .

ولما بلغ سنّ الرابعة عشرة من عمره نبذ الإيمان بمبادئ الدين . كان تلميذاً ممتازاً في الرياضيات ، فالتحق بمدرسة الهندسة بباريس ، في السادسة عشرة من عمره ، ولم يواصل دراسته فيها لظروف سياسية .

عكف على دراسة كتب الفلسفة ، معتمداً على قراءته الخاصة لا سيما كتب "هيوم" و"دي مستر" و"دي بونالد" .

في سنة "1819م" تعرّف على الكاتب الفرنسي الشهير "سان سيمون" وهو من رواد المذهب الاشتراكي في القرن التاسع عشر ، واتفقا على الاشتغال معاً بالعلم والسياسة ، أما "سان سيمون" فقد كان شغوفاً بالسياسة وذا بصر نافذ فيها ، وأما "أوجست كونت" فقد كان شغوفاً بالعلم ، وغير مهتم بالأمور السياسية ، واعتبر "كونت" صديقه "سان سيمون" بمثابة أستاذ له ، فقد كان كاتباً له ومعاوناً حتى سنة "1822م".

ثمّ افترق "أوجست كونت" عن أستاذه ، نظراً