مشاهدة تغذيات RSS

هشام بن الزبير

جديد الكوميديا الإلحادية: 47- في ثنايا مخ ملحد

تقييم هذا المقال
هذه اليومية كتبتها هذا الصباح على عجل, ثم نقحتها الآن, وهي هدية لأخي محمود المغيربي شكرا له لاهتمامه بهذه اليوميات العجيبة, التي أبشركم أنها مقبلة على انقلاب حقيقي يوشك أن يحدث, فبارك الله في كل من قرأها أو دعا لصاحبها بخير.

47- في ثنايا مخِّ مُلحد

دخل أبو الإلحاد جُحْره ليلة وبطنه تقرقر من الجوع, كانت أمعاؤه تصدر أصواتا حزينة كأنها تستعطفه أن يملأها بشيء ما.
شعر بالعجب من الحيل والوسائل التي ابتكرها التطور الدارويني للحفاظ على بقاء ابنه المدلل سليل القردة العليا.
إن هذه القرقرة أشبه شيء بأجهزة الإنذار المبكر, وقف عند باب الشقة فنفذت رائحة زكية إلى خياشيمه فازداد لها جوعه وسال لعابه.
أدار المفتاح بيد مرتعشة, هل هي بدايات داء الباركنسون, انتفض لهذا الخاطر المرعب, حرك رأسه, كلا إنه جائع هذا كل ما في الأمر.

فتح الباب فصرخ: "نوال.. نوال.. , بحق الصدفة التي جمعتنا تحت سقف واحد هات العشاء فأنا أكاد أموت من الجوع."
لم تجبه فقد كان الطعام ينتظره على المائدة.
ياه كأنها قرأت أفكاره, إنه يفكر منذ الصباح في طبق المخ بالثوم والكزبرة والفلفل الحار.
جلس يزدرد الطعام في شَرَهٍ, يا له من خروف مسكين!
لو استوعب آليات الإنتخاب الطبيعي لما انتهى به الحال إلى أشلاء ممزعة تمضغها أسنان ابن عمه الإنسان.

إن أبا الإلحاد يملك مثل هذه المادة اللزجة في جمجمته, ولولا التطور لكانت الآن قطعا يلتقمها أحد أبناء عمومته ممن كانوا يقفون يوما ما في خط انطلاق سباق التطور.
يا لهم من أغبياء أقاربه الداروينيون! إنهم لم يفهموا اللعبة جيدا!
لا أحد سوى الإنسان انتبه إلى الصناديق المبثوثة على طول طريق السباق التطوري, إنها صناديق اقتراع العملية الإنتخابية الداروينية,
إنها ليست صناديق حقيقية قطعا, لكن مخ أبي الإلحاد, بخلاف مخ الخروف المتخلف داروينيا يملك ترف التفكير التجريدي,
ويستطيع التنقل في يسر وسلاسة بين الصور الحقيقية والصور الذهنية.


كم هو لذيذ مخ الخروف! فجأة خطر له خاطر غريب:
تُرى كيف سيكون طعم دماغ أبي الإلحاد؟!
تخيل صاحبنا دماغه بعد نصف ساعة على المقلى في جوار فصوص الثوم المقلية, وقطع الفلفل الأحمر, وأوراق الكزبرة,
أخذته قشعريرة, وكاد يلفظ اللقمة التي وضعها لتوه في فيه,
لا بد أن يكون مخه في مرارة العلقم, كيف لا وأعاصير الحيرة والشك تعصف في رأسه بالليل والنهار.
إن دماغه مسرح متنقل للهواجس والكوابيس المتلاحقة,
تبا له! لماذا لا يستطيع أن يأكل ويكف عن الهلوسة؟
لماذا لا يملك أن يُسْكِتَ هذه الكتلة الرمادية المزعجة في جمجمته؟
ليت أحد الزملاء في الشمال المتنور يبتكر عقارا يقطع حبل أفكاره, ويُخرس فيه هذا الصوت الداخلي الذي لا يصمت أبدا.

فرغ من طعامه ولعق الصحن حتى عاد أبيض ناصعا, ذهب مخ الخروف إلى غير رجعة, وانتصر أبو الإلحاد مرة أخرى في معركة "البقاء للأصلح",
إنها جولة أخرى يخسرها مجتمع الخرفان في مواجهة الإنسان,
استوقفته كلمة "الأصلح" فاستطرد في هلاوسه متسائلا: لكن ما الذي يستفيده العالم من وجود أبي الإلحاد وأضرابه؟

إن الخروف كائن وديع جميل ذو منافع, لكنه منح الإنسان - على تخلفه الدارويني- لحما لذيذا وصوفا ناعما,
فما الذي تستفيده الأسرة الداروينية منك يا أبا الإلحاد؟
إنك أكول دائم التشكي والتسخط, تُرى لماذا لا تشعر بالرضا رغم سبقك الدارويني؟
هل أخطأ التطور حين وهبك عقلا لا يكف عن الإعتراض والإفتراض؟ لماذا تعترض على ما هو واقع, وتفترض ما ليس بكائن؟
ثم إنك لا تنتج شيئا, لا وَبَرَ ولا صوف, ولا يخرج منك إلا القذارة, إنك عالة على أقاربك الداروينيين,
فما الفائدة من بقائك إذن أيها المغرور المخادع؟
لماذا لا تفسح المجال لغيرك من العَجْماوات لعلها تكون خيرا منك؟ تَنَحَّ عن جادة التطور فأنت لست الأصلح قطعا,


إني أرى في الغنم سكينة ليست فيك,
وفي الجمال صبرا لا تملكه,
وفي الكلاب وفاء لا أراه منك,
فماذا لو تصدَّرَتِ الكلابُ وتأخَّرتَ أنت؟

دخل مخدعه فازداد غوصا في هلاوسه حتى خيل إليه أن مخَّه يغلي في رأسه,
بلع حبتين من عقار مُنَوِّم فرأى نفسه في عالم دارويني مختلف...
نظر إلى أطرافه فراعه ما رأى, لقد كسى جُثَّتَه وبرٌ كثيف أسود,
حاول أن يرفع رأسه لينظر إلى السماء فلم يستطع, لقد أعاد التطور تركيب فقرات عنقه تركيبا مُهينا يجبره على النظر إلى الأرض باستمرار,
حاول أن ينتصب على قدميه فلم يُفلحْ في ذلك أيضا, حاول أن ينطق بشيء فلم يخرج منه إلا نباح مزعج,
ركض إلى جدول ماء, نظر إلى صفحة وجهه,
فإذا هو هو, إنه أبو الإلحاد لحود بن التطور الدارويني بن الصدفة, لكن الجسد جسد كلب من كلاب الشوارع,
يا له من مستقبل مظلم ينتظره, فلْيُبْشِرْ بالرَّكْل والرَّفْس, وبالجوع والظَّمإ.
ليته انتكس كلبا راقيا من الأنواع التي يدلِّلُها الأثرياء, إذن لاستطاع أن ينعم بشيء من الرفاهية التي تليق بكلب عريق النسب,


بكى أبو الإلحاد حتى اختلطت دموعه بماء الجدول.
سمع وقع خطوات استدار فوجد طفلا بلباس رياضي له رأس كلب,
هَشَّ له أبو الإلحاد في صورته الكلبية واقترب منه فما كان من الطفل إلى أن ركله ركلة قوية على أم رأسه, فعوى صاحبنا من شدة الألم,
فانتبه من نومه وهو يلهث وشرع ينظر إلى أطرافه ويقلب كفيه ويلمس جلده,
شعر في أعماق قلبه بالإمتنان للتطور والإنتخاب الطبيعي والطفرات,
وتمنى لو يعتكف على رأس جبل ليرتل كتاب أصل الأنواع الذي كشف له حقيقة أصوله الحيوانية البعيدة.

يا له من سيناريو مرعب أن تقود الكلاب قاطرة التطور,
لكن ما الفرق بين الكلاب وبين القرود المتطورة؟
إنه ليس فرقا جوهريا أبدا, إنه فرق في درجة التطور فقط,
ما الذي يمنع إذن أن يرْتَدَّ أبو الإلحاد يوما ما قردا أو حمارا أو خنزيرا؟
وهَبْهُ ارْتَدًّ بهيمة كما كان أسلافه الأقدمون, وبقي معه دماغه المتطور, وتفكيره التجريدي, ففي أي شيء ينفعه ذلك وهو ملتصق بالأرض يمشي على أربع
وليست له يدان, بل هب أن له يدين وليس فيهما إبهام, فأي شيء يصنع ليفوز في حلبة الصراع الدارويني؟
إن التطور حقا لغز محير, وأعظم منه لغز الكلاب التي لبست الثياب,
والبغال التي ارتدت النعال,
والحمير التي ترفل في الحرير.

أرسل "جديد الكوميديا الإلحادية: 47- في ثنايا مخ ملحد" إلى Google أرسل "جديد الكوميديا الإلحادية: 47- في ثنايا مخ ملحد" إلى Digg أرسل "جديد الكوميديا الإلحادية: 47- في ثنايا مخ ملحد" إلى del.icio.us أرسل "جديد الكوميديا الإلحادية: 47- في ثنايا مخ ملحد" إلى StumbleUpon

تم تحديثها 12-09-2013 في 12:54 AM بواسطة [ARG:5 UNDEFINED]

التصانيف
غير مصنف

التعليقات

شبكة اصداء