مشاهدة تغذيات RSS

هشام بن الزبير

51- الفداء في كنيسة الإلحاد

تقييم هذا المقال
اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام بن الزبير مشاهدة المشاركة
51- الفداء في كنيسة الإلحاد

مضت على صاحبنا أيام داكنة رتيبة, وليال موحشة كئيبة, وهو يترنح في دهاليز الإلحاد المظلمة, يتصنع السرور بالنهار ,ويفترش الأسى بالليل, ولا تكاد عيناه تكتحلان بنوم, حتى تعيده هواجسه إلى عالم اليقظة البغيض إلى نفسه. انقطع زمانا عن الإنترنت إذ لم يعد جدال رفقائه الزنادقة يستهويه.

وضع رأسه على الوسادة في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل لعله يظفر بقسط من الراحة, ظل يتقلب ذات اليمين وذات الشمال حتى يئس من النوم, ويئس النوم منه فأوقد المصباح وحمله حاسوبه إلى حيث أقبية الإلحاد والشك والعناد.

حط الرحال في أحد مواقع الجرب والجذام المنتنة, وما فتئ ينقر هنا وهناك حتى وجد نفسه ضيفا على إمام المذهب الإلحادي ومجدد أساسه, ومحيي هذا الفن بعد اندراسه, ومُقَلم أشواكه ومتعهد أغراسه, القسيس الحبر, والأعجوبة البحر, ريتشارد دونكي.
غاص أبو الإلحاد في العالم الافتراضي حتى شعر أنه جالس في الصف الأمامي وأمامه إمامه. انفرجت أساريره وهو يستمع له ينافح عن الإلحاد بثقة وقوة.

إن الملحد العربي المسكين في حاجة ماسة لأخذ جرعة يومية من أمثال هاته المحاضرات الدونكية, لعلها تخفف عنه ما يلقاه من عنت وشدة في مجتمعه المحافظ بشقيه الأرضي والافتراضي. إنه أشبه شيء بالجبان يقطع نهاره يتلقى الصفع على قفاه, ثم يأوي إلى مخدعه يتفرج على برامج المصارعة.

أغمض صاحبنا عينيه وتخيل نفسه يصول ويجول في مجتمعه بذكاء دونكي ووقاحته ولسانه اللاذع. أحس ببصيص من الأمل في ظهور الملة الإلحادية بين ظهراني الأمة المحمدية, لكن صوتا هادرا انتشله من مستنقع أوهامه انتشالا: الله أكبر الله أكبر...
رفع صوت الحاسوب إلى أقصاه لعله يطغى على صوت الأذان البغيض إلى قلبه. كلما سمع الأذان يئس من تمام هذا الأمر الذي يبشر شيخه بظهوره. إن دونكي يتحدث بثقة لأنه في بيئة انقرضت فيها النصرانية أو كادت, فليأتنا وليرنا كيف يزحزح الملة الإسلامية بمهاراته الخطابية. كيف يطمع عاقل في نشر الإلحاد في أرض يرفع فيها الأذان خمس مرات في اليوم والليلة؟

فتح عينيه وتفكر في شخصية قدوته القسيس دونكي وتساءل: كيف اجتمعت فيه تلك الصفات الفريدة كلها؟
خطر له أن دونكي قد أفاد من علوم الأحياء, فأخذ من كل قريب دارويني أظهر أخلاقه, فلهو عندي أوفى للملة الإلحادية من كلب, وأشرس في حرب الدين من ذئب, وأمكر في جداله من ثعلب, وأزهى في سلوكه من طاووس, وأصبر على باطله من حمار, لكنه شاخ وابيض رأسه, والشيخوخة رسول الموت.

شعر أبو الإلحاد بالهلع, يا للهول! يجب على الزملاء أن يتداركوا الأمر قبل حلول الداهية العظمى, فإن خسارة دونكي لا تعوض, تبا! إن لينين ما زال محنطا منذ قرابة قرن من الزمان, تبا للملة الإلحادية التي لم تصنع شيئا للزميل الأحمر طوال تلك العقود, وماذا يغني عنه أن يكون جيفة نتنة يتفرج عليها السياح؟ كيف عجز عباقرة الملاحدة الأفذاذ عن خداع الموت؟ تبا للتطور الذي تركنا أمام هذه المعضلة التي لا حل لها! يا أيها الزملاء لا تتركوا الموت يخطف القسيس دونكي من بين أظهركم, من أين تأتون بملحد من طينته؟ سارعوا وبادروا فكأني بكم تكتبون غدا نعيه أو بعد غد!

وماذا عنك يا أبا الإلحاد, أنت أيضا تسير إلى الموت وتدنو منه كل ساعة, تفكر هنيهة وقال: لكن موتي ليس كموت دونكي, إنما أنا رجل من عامة الملحدين, لكن دونكي إمام المذهب, وسيد هذه الطائفة, وقدوة كل زنديق...
تحدرت دمعة داروينية حارة على خد أبي الإلحاد, ارتج كيانه, إن عينيه لم تدمعا لشيء منذ دخل نفق الإلحاد, فما الذي دهاه؟ إنه يخشى على الملة الإلحادية أن تموت بموت الإمام المحقق والعلامة المدقق.

فجأة نبت سؤال في رأسه: أكنت تفدي دونكي بحياتك لو كان ذلك ممكنا؟

سأل نفسه مخاتلا: ما الذي يعنيه هذا السؤال؟

فأجاب نفسه: أنت تعلم جيدا ما الذي يعنيه:

أنت أبو الإلحاد, أكنت تمنح حياتك ليحيا دونكي؟

سرت قشعريرة في كيانه, لم يخطر في باله يوما أن يتردد في نصرة ملته, لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف حين يتعلق الأمر بوجوده وحياته هو نفسه.
رفض أن يجيب عن السؤال, وفضل المراوغة, عجبا للإنسان يراوغ نفسه!

قال يحدث نفسه: لا يمكن اليوم أن يهب أحد حياته لأحد, فنحن لا نعرف ماهية الحياة...

إنك تعرف جيدا معنى السؤال يا أبا الإلحاد: هب أن دونكي ملقى هناك في مكان ما في جزيرة الضباب, على سرير معدني, وقد أخبره الأطباء أنه بحاجة إلى زراعة قلب أو كبد خلال أيام وإلا نفق كما نفق لينين وستالين وماو وغيرهم من صناديد الإلحاد من قبلهم, أكنت تفدي شيخك بحياتك؟

صمت أبو الإلحاد, وصمت إلحاده, وصمت كل شيء من حوله, ثم انفجر ضاحكا:
كلا ثم كلا, فليذهب دونكي إلى الجحيم, لا أحد ولا شيء في الوجود يستحق أن أموت من أجله, هذه هي الحقيقة, تسلل سؤال إلى رأسه: وأين حبك للإلحاد؟ فعاجل نفسه بالجواب: هذا هو الإلحاد, وكل ما سوى ذلك من كلام عن القيم والأخلاق والمغزى, كل ذلك هواء وهباء لا حقيقة له, كيف خفي علي ذلك كل تلك السنين؟

كلا إنه لم يخف عليك ساعة من نهار, إنك كنت تخادع الناس وتخادع نفسك, أما الحقيقة فإنها أوضح من الشمس, الإلحاد أنك هنا, وحيدا, تعصف رياح الشك والحيرة في تلافيف نفسك, وليس هناك شيء يستحق أن تكترث له, ليس ثمة معنى ولا مغزى لشيء أبدا, فما أعظم نفاق الملاحدة حين يلبسون مسوح الرهبان, ويدبجون المواعظ, ويينمقون الخطب كأنهم قسس في كنيسة, ما أشبههم وهم يحاضرون حول الأخلاق والعدل والفضيلة, بالمومس تخطب عن العفة! لا شيء يهم البتة.

حرك أبو الإلحاد رأسه: نعم, نعم, لا يهم شيء سوى نفسي, وهذا الهراء الفلسفي الذي يعصف في رأسي بالليل والنهار يسرع بانفراط عقد ساعاتي وأيامي, أليست الملذات قوام الحياة المادية؟ ففيم أتعب نفسي وعقلي في معارك دونكيشوطية لا طائل من ورائها؟ فليذهب الإلحاد إلى الجحيم وليمت دونكي كما مات لينين, المهم أن أحيا أنا ولو إلى حين.

أرسل "51- الفداء في كنيسة الإلحاد" إلى Google أرسل "51- الفداء في كنيسة الإلحاد" إلى Digg أرسل "51- الفداء في كنيسة الإلحاد" إلى del.icio.us أرسل "51- الفداء في كنيسة الإلحاد" إلى StumbleUpon

التصانيف
غير مصنف

التعليقات

  1. الصورة الرمزية سحرعلى
    كلام سليم جزاك الله خيرا

شبكة اصداء