صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 26

الموضوع: إني أرى الإلحاد عاريًا . (2-3)

  1. افتراضي إني أرى الإلحاد عاريًا . (2-3)

    لهفي على ابن الأكرمين :

    قال الله تعالى: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"

    تذكرتُ ديوجين اليوناني و هو يمشي في رابعة النهار - حاملًا شعلة نار – يقول: (أفتش عن إنسان) !!

    تذكرته و أنا أُحَدِّث صاحبي إذ أتاني على وعدٍ قد مضى بلقاءٍ قد حضر ..

    أتاني ..

    ألقى التحية ، فرددتها ..

    قال : أتذكر إذ حدثتني عن الإسقاط ، و كيف يرى الكافر كل فعل و إن نبل - خبيثًا لخبث طبعه ؟

    قلت : نعم ..

    ثم دفعني صمته إلى السؤال : هل عرض لك عذر لهم تريد إسقاطه ، أم عرضت لك حجة لهم تريد إبطالها ؟

    لكنه سكت سكتة قال في مثلها الشيخ محمود شاكر رحمه الله: (سكتة ظننت معها أن أنفاسه قد أبت عليه أن يتنفس بها ، لقد كان يجاهد نفسه ، كان يأبى أن يتكلم ، و كان الذي يجده من الضيق في صدره يأبى عليه إلا أن يتكلم ........ كان راسخًا شامخًا وطيد الإيمان و لكني كنت أنفذ إليه أحيانا فأجد الزلزلة التي في قلبه قد جعلته يتزعزع و يتطامن و يضطرب بعضه في بعض اضطراب الموج في تياره).

    قلت محاولًا نزعه من خضم التفكير : ما الأمر أيها الحبيب ؟

    استعبر صاحبي ، و تلألأت في عينيه دمعة يعدها الشعراء رقراقة و لكني كنت أراها سوداء ، يعد مثلها العشاق شفافة و لكني في عين صاحبي رأيتها كئيبة حائرة ، رأيتها قطرة حزن تلف جسدًا بأكمله في ثوب لا أدري أهو ثوب ألم أم ثوب راحة !!
    فيا الله ما أشد أثرها قطرة !! و يا الله ما أشد بؤسه من جسد راحته في دمعة !!

    همَّ بالكلام فانتبهتُ ..

    قال : صرت مثلهم !!
    صرت أنظر للأمور كما ينظرون ...

    قلتُ : لكن .........

    أكمل قائلًا : خالطتهم لأعرف كيف يفكرون فصرت بعقلهم أفكر ، صرت أقرأ القرآن متشككًا بعد أن كنت أقرأه بتدبر ، كنت أقرأ سيرة الحبيب عليه الصلاة و السلام مؤمنًا برسالته فصرت أرى أكبر ما أرى من سيرته بشريته !!
    ألم أقل لك إني صرت مثلهم ؟

    قلتُ : اسمع .......

    قال : قرأتُ لهم لأرد عليهم ، كنت أعظّم الله في قلبي ، فلما رأيت تطاولهم على ربي قفَّ شعري ، فلما استمر التطاول هدأ أمري ، و بعد حين ما عدت أرى في فعلهم ما كنت أراه من خطر !
    ألم أقل لك صرت مثلهم ؟

    قال : قرأت عنهم فأردت عين اليقين فقرأت ما كتبوا ، فكلما قرأت مقالًا تافهًا بحثت عن رد عليه و قد أجد ، فإن لم أجد خزنته في قلبي حتى صار الدين عندي شبهات أنتظر الردود عليها !!
    ألم أقل لك صرت مثلهم ؟

    قال : لقد أصبحت أنظر إلى الأمور بعين كعينهم ...

    قلت مقاطعًا : و لكن قلبك ليس كقلوبهم ...

    سكتَ سكتةَ من بغته شيء مُنتَظَر !!

    حينها تذكرت ديوجين اليوناني و هو يفتش عن إنسان في زحام الظهيرة !! لا هو كشف عن مراده !! و لا هو أحسن البحث عنه !! لا هو دل الناس على مراده فأعانوه !! و لا هو أحسن البحث إذ استخدم شعلة نار باحثًا عن أخلاق إنسان !!

    رأيت صاحبي خالط الكفرة مخالطة لا يعرف هو سببها ، و لا يضبط السبب فيذكره ، و لا أحسن الاستعداد للمخالطة ، فصار شرًّا من ذلك اليوناني في هذه المسألة .

    حينها تذكرت قول الشاعر و كأنه يخاطب صاحبي :
    ومنتك نفسك ما لايكون *** وبعض المنى خلبٌ يكذب

    آآآآه ..

    لهفي على ابن الأكرمين !

    لكن ..

    لهفي عليك وما يرد تلهفي *** قصرت يداي وعز وجه المطلب

    فعزمت أن أصدقه : اسمع يا صاحبي ..

    اسمع فالأمر يستحق السمع ، و اعلم أني لن أجاملك في كلمة الحق ، أنت أخطأت يا أخي حين خالطتهم .

    قال : عجبًا !! لو غيرك قالها !! أليس هذا من الانغلاق ؟ أليست معرفتنا بالباطل تزيد معرفتنا بالحق ؟

    قلت : بل العجب منك إذ تشكو أثر الباطل عليك و لا تدري من أين أتاك الأثر !!

    قال : حدِّثني بما أحطتَ به من الخبر ..

    قلت : لو أنك عرفت الحق معرفة صحيحة لهان عليك أمر الباطل حتى ما يعلق بقلبك منه شيء .. أما تدري ؟

    قال : و ما أدري – كتب الله لك أجري ؟!

    قلت : أما تدري أن شبهات القوم قد ذُكِرَت منذ القدم ، و أن من يرد نادرًا ما يأتي بمستجد ، فترى في كتب الأوائل ما يجتره هؤلاء الأراذل ، غير أنهم يرددون – خلف أسيادهم – الشبهات و يتعامون – كما أسيادهم - عن جوابها في كتب العلماء الأفاضل ، فلو أنك قرأت ما بسط في الكتب لعلمت الحق مع رد الباطل ، و لو استرشدت بمجالس أهل العلم لانجلى عنك الضباب العاطل ، و لكنك تعجلت فذهبت تبحث عن الحق في ثنايا الباطل !! فعز المطلب و حُقَّ له أن يعز !! ثم انقلب الأمر عليك و لا غرو أن انقلب !!

    قال : فهبني حصَّلت العلم ، فهل هناك من ضرر في الذهاب إليهم لنصحهم ؟!

    قلت : إنك إن تذهب إليهم بلا علم ، كنت كغريق يحاول إشعال عود ثقاب في قاع المحيط !! فلا العود سيشتعل ! و لا هو إن اشتعل سينجيه من الغرق !

    و إن حسن حالك و ذهبت إليهم على علم صرت كمن يشعل عود ثقاب في قاع المحيط لينير لأعدائه ليضربوه !! فلا العود سيشتعل !! و لا هو إن اشتعل يجلب له خيرًا !!

    فما مثلك و مثلهم إلا كمثل أهل الكهف و قومهم حين قالوا – و قد رشدوا في قولهم: "إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً "

    فدعهم و إلى الهدى ائتنا !

    قال : فإن تركنا منتدياتهم و نواديهم فلم يأتوا إلينا ، أنتركهم ؟!!

    قلت : ألم تقرأ ما قاله الله عز و جل لرسوله: "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ"

    قال : و لكن فيهم ذوي أدب ! يبحثون عن حوار يقوم على العلم مع الأدب !!

    قلت : هذا الحوار إن كان ، فمهما يأتِ فيه من كلام فليس فيه كلام المنصف ، و مهما يكن فيه من أدب فليس هو أدب الطبع بل أدب زائل قال فيه الأقدمون :

    كلُّ امرئٍ راجعٌ يومًا لشيمته *** و إن تخلَّق أخلاقًا إلى حين

    فما تلوَّنَ إلا لتنخدع بلونه ، و يستدرجك لحواره و كلامه ، فإن دخلت في الفخ ، اجتمعوا عليك حتى تترك حوارهم من المَلَل ، و من اليقين بعدم قدرتك على بيان الحق وسط كومة من البطالين ، فإن تركتهم أطاروا الأخبار أنك قد هزمت و تراجعت منسحبًا !!

    وما نصروه عن يد سلفت له *** وقد قتلوك يوم ذلك عن حقد
    وإنه الغدر الصراح وخفة الـ***حلوم وبعد الرأي عن سنن القصد

    فيا لهفي عليك يا ابن الأكرمين !

    قال : لكنهم ليسوا كلهم يتلونون للغرض !! بل فيهم كما قلتُ ذوو أدب !!

    قلت : هبه حَسِنَ الأخلاق ! أفليس من حُسن الخلق أن يأتي ليسأل المسلمين لا أن يسأل في أرض الكفار و يأتيه المسلمون ليجيبوه !!؟

    و إن ترد أن تعجب فتعال أقص عليك نبأ عجبًا إن كنت تريد أن تسمع ..

    رجل يبحث عن أخيه فقابله اثنان من الثقات ، فقال أحدهما : إني رأيت أخاك مر من هنا ، و قال الآخر : لم أره هنا ، فأيهما يصدق إن كان كلاهما من الثقات ؟

    يصدق الذي رآه لأنه معه زيادة علم و هو صادق غير متهم بريبة .

    قلت : فكيف لو أعطاه المُثْبِت على ذاك علامة ، فلنقل أعطاه وصف هندامه ؟

    قال : فذاك أحق أن يصدق بلا ارتياب !

    قلت : فالعجب من أحدهم يدعوك ليثبت لك عقيدته ، و عقيدته كلها نفي لوجود الإله أو نفي للنبوات أو نفي للديانات أو نفي أو نفي … ، ثم يدعوك للمناظرة هناك !!

    و ما العجب ؟!

    العجب أننا نثبت وجود رب السماوات ثم النبوات و الديانات ، نحن نثبت و هم ينفون ، و لو كان المثبت و النافي من الثقات فالمثبت مقدم على النافي .

    فكيف و نحن نثبت بالحجة و البيان !! و هم ينفون بالجهل و البهتان ؟!!
    فكيف بمن يقول: (لا نثبت و لا ننفي) كما يزعمون بأفواههم و أفعالهم تنفي ؟!!
    فكيف و هم ليسوا من العدول الثقات !!
    و أغلبهم نقول فيهم صدقًا : وخير أخلاقك اللواتي *** تعاف أمثالها الكلاب ؟!

    قال : فكيف العمل مع من كان منهم صادقًا في طلب الحوار ؟!

    قلت : أول علامة على صدقه أن يطرح سؤاله على المسلمين و إلا فإن من يسأل عن الإسلام في منتديات الكفار و نواديهم ، كالمستجير من الرمضاء بالنار ، فما أحمقه !! و أحمق منه من صدقه !!

    يا أخي ..

    مكاننا معلوم ، و قولنا منشور ، و معتقدنا لا لبس فيه ، فإن التبس في ذهنه أمر فليأت ، و عندها يجد جواب ما سأل ، و حل ما التبس ، فإن كان صادقًا في البحث صدق فيه المثل "على الخبير سقطت" ، و إن كان مجادلًا عنيدًا و أتى المسلمين يسألهم فقد صدق فيه المثل "شر أيام الديك يوم تُغْسَل رجلاه "!

    قال : فحاصل الأمر إذن أنه لا قيمة لوجودي عندهم ، بل في وجودي الضرر ، و كذا لا قيمة لوضعهم السؤال عندهم ، فوضعه فيه الكذب ..

    أعدتُ مؤكدًا : لا تحاورهم هنالك ، لا تقرأ لهم هنالك ، لا تسمع لهم هنالك ، فهنالك لا رقيب عليهم ، هنالك الرقيب معهم عليك ، هنالك يتطاولون بلا ملام ، يتكلمون بلا ردع ، هنالك الاستهزاء و الخوض ..

    قال تعالى: "وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً"

    قال صاحبي : سمعنا و أطعنا ! غفرانك ربنا ! و أقتصر على مجالس المسلمين .

    قلت : وألطف قومٍ بالفتى أهل أرضه ...

    أطرق برأسه هنيهة ثم رمقني ببصره سريعًا : فهل رد الشبهات حرام ؟

    قلت : هذا قول يخالف الإجماع ، و لا أدري من أين استنتجته !!

    قال النووي رحمه الله: (و أجمع السلف و الخلف من أئمة الهدى الذين هُدوا و اهتدوا علي حكايات مقالات الكفرة و الملحدين المائلين عن الحق من الزنادقة و المنافقين في كتبهم التي صنفوها و مجالس وعظهم و محادثتهم ليبينوها حتي يعلموا ما فيها من الفساد فيجتنبوها و ينقضوا شبهها و يردوها عليهم).

    قال : جميل !! كنتُ أعلم و لكن أردت اليقين ؛ فأردُّ عليهم في أرضنا .

    قلت : و لكن هذا ليس لأحد إلا لمن أوتي العلم ..

    اسمع قول الإمام السجزي رحمه الله: (أما العامي و المبتدي فسبيلهما ألا يصغيا إلي المخالف ، و لا يحتجا عليه ، فإنهما إن أصغيا إليه أو حاجاه خيف عليهما الزلل عاجلًا و الانفتال آجلًا).

    و ليست كل شبهة تستحق الرد ، و اسمع قول الشيخ بكر بن عبد الله نفعنا الله بعلمه حين يقول:

    (و كان الإمام أحمد رحمه الله يكره التصدي لمجادلة المبتدعة ، حكي عنه الغزّالي في كتابه "المنقذ" أنه أنكر علي الحارث المحاسبي تصنيفه في الرد علي المعتزلة ، فقال الحارث : الرد علي البدعة فرض .
    فقال أحمد : نعم ! و لكنك حكيت شبهتهم أولًا ثم أجبت عنها ، فلا يُؤمَن أن يطالع الشبهة من تعلق بفهمه و لا يلتفت إلي الجواب أو ينظر إلي الجواب و لا يفهم كنهه .
    قال الغزّالي : و ما ذكره أحمد حق و لكن في شبهة لم تنتشر و لم تشتهر أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب و لا يمكن الجواب إلا بعد الحكاية)


    و اسمع كلام العلماء في بيان الحكمة من الرد :

    قال الإمام مسلم رحمه الله:
    (و قد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد و تسقيمها بقول - لو ضربنا عن حكايته و ذكر فساده صفحًا – لكان رأيًا متينًا و مذهبًا صحيحًا .

    إذ الإعراض عن القول المطرح أحرى لإماتته و إخمال ذكرقائله ، و أجدر ألا يكون ذلك تنبيهًا للجهال عليه ، غير أنا لما تخوفنا شرورالعواقب و اغترار الجهلة بمحدثات الأمور ، و إسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين والأقوال الساقطة عند العلماء ، رأينا الكشف عن فساد قوله ، و رد مقالته بقدر مايليق بها من الرد - أجدى للأنام و أحمد للعاقبة إن شاء الله
    ).

    و قال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله:
    ( و إن لمن المؤسف حقًّا أن نضطر إلى الخوض فيما كان الأصل أننا في غنى عن الخوض فيه ، إذ إن ردع المبتدع بالبيان واجب حتى لاتتوالى القطرات التي يزخرفها بدعوى الاجتهاد و التجديد فتكون سيلًا على توالي الغفلات ، و لو كان هناك سلطان شرعي يقوم على حراسة الدين فيزع الله به ما لا يزع بالقرآن ، لما كان لمثل هذا المبتدع من جزاء إلا التعزير و الحجر عليه استصلاحًا للديانة ، و أحوال الجماعة المسلمة ، فهذا ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.

    و المبتدع إذا زجر و هجر بات كالثعلب في جحره ، أما ترك تحسيسِه ببدعته فهذا تزكية له و تنشيط ، و تغرير بالعامة إذ العامي مشتق من العمى ، فهو بيد من يقوده غالبًا .

    و لعل في هذا تذكرة و إقناعًا للذين ينزعجون لهذه الردود ، ويتمنون أن لو صرفت مثل هذه الجهود إلى نواحٍ علمية مجردة من المناقشة و الأخذ والرد ، مع أن غالب هؤلاء قد يلتبس عليهم – نتيجة نشاط المبتدعة و إفساح وسائل الإعلام لهم – الحق ، فلا يتبينون حقيقة ما اختلف فيه الناس فضلًا عن التمسك به والدعوة إليه ، كما أنهم ينسون أن هذه سنة الله التي مضت في خلقه ، فما من الناس إلارادٌّ و مردود عليه ، فمحقٌّ و مبطل ، قال تعالى "وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ"
    )

    قال صاحبي : فيرد على الشبهة التي انتشرت من عنده علم بردها ..

    قلت : نعم ! ليكن لها من يردها من أهل العلم و ليضع نصب عينيه قول ابن تيمية رحمه الله ( فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ، ولا وفى بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين )

    قال : فهمت عنك !! فلن أذهب إليهم حيث يتسابقون في قول الباطل و السخرية من الحق !! و أبقى في مكانٍ يحرسه الرقيب المسلم ! و إن عرضت شبهة فأرد عليها إن كان عندي علم ...

    قلت : إن اضطررتَ .

    قال : و ما ذاك أيضًا ؟!!

    قلت : إن انتشرت شبهة و كان عندك علم يكشفها و يردها فلترد عليها إن لم تجد من يردها غيرك ، و ذاك أدب السلف ..

    قال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله ( أدركت عشرين و مائة من أصحاب النبي صلي الله عليه و سلم ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، و لا مفتٍ إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا ) .

    بل كان أحدهم يقول لرفيقه ( ارم بعينك إلي مجلس يكفينا الكلام نجلس فيه ) .

    قال صاحبي : لكن ما المانع من كثرة الردود عليه ؟!

    يا صاحبي ..

    صمت الملحد خيرٌ له من كلامه ، و كثرة الردود عليه خير له من كلامه و صمته .

    فإن كان الملحد اختار لنفسه الأسوأ ، فكيف نرضى أن نختار له الأفضل ؟!!

    فإن ردَّ غيرك و كفى فلا ترد ! فكثرة الردود تتيح للغويّ الفرصة للبحث عن التناقض الموهوم !! و طول الردود يتيح للضال الفرصة للبحث عن موضع يحيد منه عن المطلوب !! فكيف نرضى أن نختار له الأفضل إن كان اختار لنفسه الأسوأ ؟!!

    قال : فهمت عنك !!

    فلن أذهب إليهم حيث يتسابقون الباطل و السخرية بينهم !! و أبقى في مكان يحرسه الرقيب المسلم ! و إن انتشرت شبهة و كان عندي علم يكشفها و يردها فأرد عليها إن لم يردها غيري ، و إن ردها غيري و لم يكف رده أضفت ما عندي ، و إن ردها و كفى فالصمت حينها خير ما آتي !

    قلت : و إن كان لك في نصيحة من أخٍ لأخيه أصابت مخالطة القوم قلبه حتى صار ينظر بعين كأعينهم ...

    قال : لقد أصابت مخالطتهم قلبي لقلة علمي ، فاسرد النصح سردًا فكُلِّي آذان صاغية ..

    قلت : لا تطل الاطلاع على الشبهات و ردودها ، و خذ من الردود كما يأخذ المريض من الدواء ، و اجمع قلبك بعيدًا عن الشبهات ، و أطل البعد عنها قدر المستطاع ..

    اطلب العلم ، و تعلم دينك فما يكون العلم بالاطلاع على الشبهات و الردود ، تعلم عقيدة أهل السنة و الجماعة ، تعلم فقه الطهارة و الصلاة و الصيام و الزكاة و الحج ، تعلم أحكام النكاح و الجهاد و البيع ، تعلم سيرة النبي صلى الله عليه و سلم ، تعلم التجويد و اقرأ القرآن ...

    تعبد لربك بالليل و الناس نيام ، حافظ على الصلوات الخمس حيث ينادى بهن ، عليك بالتطوع المطلق و المقيد ، صم النوافل مع رمضان ، أكثر من الصدقات ، اقرأ القرآن و تدبره ..

    ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة ، و في المسلمين ألوف بل ملايين يحتاجون من يأخذ بأيديهم ، و المسلم لين في يد أخيه ، فادع إلى سبيل الله في تلك الأرض الخصبة قبل الخروج إلى ساحة الوغى ..

    جاهد نفسك و جاهد الكفار و المنافقين و اعدد لهم ما استطعت من قوةٍ لترهبهم ..

    حينها لن تضرك شبهات و لا شهوات بإذن الله .

    قال : ذاك كل ما عندك لي ؟!

    قلت : قال تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ).

    قال صاحبي : فهمت عنك !! و سأفعل ، فأعنِّي على نفسي بكثرة الدعاء !

    قلت : أفعل بإذن الله .

    قال : استفتحت بقول الله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ، وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ، فهل لي في التمام كما عودتني ؟

    قلت : أدعك لتتدبر قول الله تعالى بعدها ( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ )

    سبحانك اللهم و بحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك.
    التعديل الأخير تم 09-02-2007 الساعة 09:16 PM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Mar 2006
    المشاركات
    1,636
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    قمة الإمتاع في قراءة مقالك الجميل ، وربما صديقك بن الأكرمين قد أدخله كلامك سبيل الإقتناع ، فالقلوب عند العوام ضعيفة والشبهَ خطَّافة ، والعمر يا بن الأكرمين أقصر من قضائه في مطالعة الباطل ، وكما قال إمامنا رشيد رضا : "ينبغي منع التلامذة والعوام من قراءة هذه الكتب لئلا تشوش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم ، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلم مِشية الطاووس فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحجل "
    ولا ينبغي الدخول يا بن الأكرمين إلى دوامة الشبهات دون تعمقك في العلم ، فهذا الأخير نور ينير لصاحبه الطريق حتى إذا دخل إلى كهوف الشبهات المظلمة وجحور الملاحدة القاتمة، استطاع أن يعمي أبصارهم ويرى عوارهم وهزالة أفكارهم، فيأمن على نفسه من الإنزلاق ويقض مضجعهم منذ الدخول والإنطلاق، فمصيدة الإلحاد هي قراءة كتب الكفر دون وجود رصيد علمي يميز لك بين الغث والسمين، فتصبح بذلك كالملحد المسكين، الذي بدوره كالسفينة بدون قبطان تحكمها الريح أينما هبت، فتدخلها بذلك إلى بحر خضم مظلم كلما تعمقت فيه كلما أصبح من الصعب الخروج منه.

    وشكرا جزيلا للأخ حسام الدين حامد الذي أفاد الجميع بأسلوبه البياني الجميل.
    {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ}

    وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله‏. [ الجاحظ ]

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    الدولة
    فلسطين
    المشاركات
    165
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    بارك الله بك أخي الكريم..
    مقال أقل ما يقال بحقه أنه رائع ومفيد..
    وهذا فعلا ما يحصل عندما يتلقى المسلم العام الاسلام تلقيا موروثا ولا يسعى بعدها الى تعلمه واثباته عقلا..!
    جعل الله هذا المقال في ميزان حسناتك
    قلْ للحُثالـةِ بعدَهَـا أوَ تَجْـرُؤونَ بـأنْ يُدَنَّـسَ شَرْعُـنَـا بسَـمَـادِ
    أينَ الطرابيشُ التي باعتْ ضَمَائِرَهَا بـسُـوقٍ للـعِـدا بـكَـسَـادِ؟
    يـا ربِّ وحِّـدْ بالخلافـةِ أمَّــةً سُفِكَـتْ دِماهَـا رحمـةً بعـبـادِ
    يا ربِّ واحفَـظْ بالخلافـةِ عِزَّنَـا يا ربِّ أرجِـعْ سالـفَ الأمجـادِ

  4. افتراضي

    منذ مدة كبيرة لم اجد مقالا مثل هذا
    جزاك الله خيرا كثيرا على هذا المقال الرائع
    اظن ان هذا المقال يستحق التثبيت
    شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

  5. افتراضي

    مَثَلُ منتديات الحوار الديني كمثل ساحات المعارك لا ينتصر فيها إلا من تسلح بما يكفل له التغلب على خصمه

    وكما لا يكفي نوع السلاح وكفاءته لضمان النصر كذلك لا يكفي ما يملك المسلم من علم مهما بلغ
    فقد رأينا كيف انتصر المسلمون الأوائل على أعدائهم رغم تفوق الأعداء عدداً وعدة
    ...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة249

    وما ذلك إلا لأن المسلمين امتلكوا السلاح الفتاك الذي لا يصمد أمامه أحد ولا تقف في وجهه قوة مهما كانت ذلك هو اليقين والثقة بأن الإسلام هو الحق ونقاء نيتهم من أية شوائب

    وبناءً عليه فمن المطلوب من "ابن الأكرمين وأمثاله" التسلح باليقين أولاً وبالعلم الشرعي الذي يمدهم بالبراهين والأدلة التي تمن شأنها نسف وتفنيد شبهات وأباطيل الخصم ثانياً وحينها سيفوزون بإذن الله

    والله مع الصابرين
    التعديل الأخير تم 09-03-2007 الساعة 06:16 PM

  6. #6

    افتراضي

    بارك الله فيك وفي قلمك أخي الفاضل ..

    فقد أثنى الإمام ابن القيم - رحمه الله - على قلم المحاورين المدافعين عن الإسلام ، وأسماه بـ "القلم الجامع" في كتابه التبيان في أقسام القرآن ، وقال فيه: "القلم الثاني عشر: القلم الجامع وهو قلم الرد على المبطلين ورفع سنة المحقين وكشف أباطيل المبطلين على اختلاف أنواعها وأجناسها وبيان تناقضهم وتهافتهم وخروجهم عن الحق ودخولهم في الباطل ؛ وهذا القلم في الأقلام نظير الملوك في الأنام ، وأصحابه أهل الحجة الناصرون لما جاءت به الرسل المحاربون لأعدائهم وهم الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة المجادلون لمن خرج عن سبيله بأنواع الجدال ؛ وأصحاب هذا القلم حربٌ لكل مبطلٍ وعدوٍ مخالفٍ للرسل ، فهم في شأن وغيرهم من أصحاب الأقلام في شأن"

    وقال الإمام ابن تيمية – رحمه الله - أيضا: "كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطعُ دابرَهم لم يكن أعطى للإسلام حقَّهُ ، ولا وَفَىَ بموجب العلم والإيمان ، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ، ولا أفاد كلامه العلم واليقين".

    مما سبق يتضح أن مناظرة وجدال أهل الإلحاد والبدع ليست مسألة ارتجالية أو عفوية ، بل لها أصول وقواعد هي: الحكمة ، الموعظة الحسنة ، والجدال الهادف .. وهذه الأصول لا تجتمع إلا في شخص تعلم أمور دينه ، ليكون على بينة وبصيرة

    فالأصل حرص الإنسان على سلامته في دينه ، وخوفه على نفسه من الشبهات والوقوع في البدع أو القرب من أهلها , فإن القلوب ضعيفة والشبه خطافة كما قيل ..

    أما من ليس عنده علم فعليه ألا يدخل هذا المجال ، ولا يتصدر كل شبهة يضعها الملاحدة ، فقد لا يكون الشخص مؤهلاً للرد عليها ، فليس بالضرورة أن يكون عنده لكل سؤال جواب يضعه في الحال ، فربما أضر من حيث أراد أن ينفع !!

    والعبرة ليست بالمسارعة في الردود بل في شمول وصواب تلك الردود ، وإلا فترك المكان لأهل العلم أحق وأولى.

    قال الإمام ابن تيمية – رحمه الله - في الجدال المذموم: "والمذموم شرعًا ما ذمّه الله ورسوله كالجدل بالباطل ، والجدل بغير علم ، والجدل في الحق بعدما تبين"

    وقال الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتابه مفتاح دار السعادة: "فمتى باشر القلب حقيقة العلم لم تؤثر تلك الشبهة فيه بل يقوى علمه ويقينه بردها ومعرفة بطلانها ، ومتى لم يباشر حقيقة العلم بالحق قلبه قدحت فيه الشك بأول وهلة فإن تداركها ، وإلا تتابعت على قلبه أمثالها حتى يصير شاكا مرتابا ، والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي ، وجيش شبهات الباطل. فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها فينضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات ، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه ، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه.

    وقال لي شيخ الإسلام - رضي الله عنه - وقد جعلت أورد عليه إيرادات: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها ، فلا ينضح إلا بها ، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته ، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات"

    جعل الله أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه ، وممن يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
    ............................

  7. افتراضي

    جزاكم الله خيرًا ، فما من مشاركة إلا و هي فائدة جديدة أو دعوة تسر ، و هكذا فلتكن التعليقات ، و أسأل الله لي و لكم السداد و أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع رسولنا الحبيب صلى الله عليه و سلم ..

    سأواصل إبراز بعض النقاط التي تحتاج إلى إبراز في المقال ، و لو كنت فصلت فيها لصار المقال طويلًا جدًّا ..

    ** الرد على المخالف أمر له فقهه :

    للأسف يظن بعض المسلمين أن بعض الأمور الشرعية متروكة لعقله ، و ما أن تأتيه الفكرة و يقتنع بها حتى يشرع في تنفيذها دون أن يعرضها على الشرع ..

    و من ذلك مثلًا فقه الدعوة أو كما يسمونه الفقه الحركي ، فيظن بعضهم أن ذلك متروك و لم يأت بيانه في الشرع !! و من هنا يقع الاختلاف ، و كما قيل " لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف " .

    و من ذلك أيضًا : فقه الرد على المخالف ، و من أفضل الكتب في هذه المسألة كتيب الشيخ بكر بن عبد الله حفظه الله ( الرد على المخالف ) و تجدونه مع غيره على هذا الرابط :

    http://www.waqfeya.com/open.php?cat=20&book=175



    ** أخذ أجازة من الاطلاع على الشبهات :

    أظن شهر رمضان و الاستعداد له خير فرصة للتوقف عن مطالعة تلك الشبهات ..
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  8. افتراضي

    سأنقل الآن ملخصًا - جزى الله من قام به خيرًا - يساعد في فهم موقف السلف من أهل البدع و المخالفين :

    الجزء الأول :

    إن الانحرافات البدعية إنما تكون – في الغالب – من باب الشبهات، والشبهات أمراض معدية يجب التوقي من الإصابة بها فـالقلوب ضعيفة والشُبَه خطافة.

    وليس من دأب المسلمين الموقنين بما أنزل الله على رسوله، الذين هم على بصيرة من أمرهم أن يتتبعوا الشبهات وأن يجعلوها همّهم، وإنما المنهج الصحيح هو عرض حقائق الإسلام ابتداءً لتوضيحها للناس لا ردًّا على شبهة، ولا إجابة على تساؤل في نفوسهم .. وإنما من أجل البيان الواجب .. ثم لا بأس – في أثناء عرض هذه الحقائق – من الوقوف عند بعض النقاط التي يساء فهمها أو يساء تأويلها من قبل الأعداء أو الأصدقاء سواء.

    ويكون حال السائر إلى الله والدار الآخرة مع الشبه حال المسافر تعرض له الآفات من العقارب والحيات وغيرها، فما عرض له منها في طريقه قتله، وما لا فلا يتّبعه ولا يبحث عنه إذ لو فعل ذلك لانقطع عن سفره وضل الطريق.

    ثم ليُعْلم أن هذا غير مختص بأحد دون أحد، بل هو متناول لمن كمُل علمه واستنارت بصيرته ولمن كان دون ذلك. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من سمع بالدجال فليَنأَ عنه، فوالله إنّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به الشبهات) وهذا عام.

    قال الإمام ابن بطة معلِّقا على هذا الحديث: (هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق. فالله الله معاشر المسلمين، لا يحملنَّ أحداً منكم حسنُ ظنه بنفسه وما عهده من معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء فيقول أُداخله لأناظره، أو لأستخرج منه مذهبه، فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصق من الجَرَب، وأحرق للقلوب من اللهب. ولقد رأيت جماعة من الناس كانوا يلعنونهم ويسبُّونهم فجالسوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم فما زالت بهم المباسطة وخفي المكر ودقيق الكفر حتى صبوا إليهم) أ.هـ.

    لقد كان موقف السلف موقفاً متشدداً تجاه مجالسة ومخالطة أصحاب البدع بل ومناظرتهم، وقد كانوا – رحمهم الله – يكرهون المراء مطلقاً، حتى ولو لم يكن معه شيء من فساد المعتقد. أما إذا خالط المراءَ والجدالَ بدعةٌ فكان فرارهم من ذلك أشد الفرار.

    وكان لبواعثهم على اتخا ذ هذا الموقف أسباباً نورد أهمها وهي:

    1) حرص الإنسان على سلامته في دينه، وخوفه على نفسه من الشبهات والوقوع في البدع أو القرب من أهلها. وذلك أنهم عرفوا مقدار نعمة الله عليهم بما تفضل عليهم من توفيقهم للإسلام والسنة فشحوا بدينهم من أن يناله أي نائل، ولم يأمنوا مكر الله، ورجوا السلامة و السلامة لا يعدلها شيء.

    قال الإمام مالك بن أنس: الداء العضال التنقُّل في الدين، وقال: قال رجلٌ: ما كنتَ لاعبا به فلا تلعبَنَّ بدينك.

    وقال عبد الرزاق: قال لي إبراهيم بن أبي يحي: إني أرى المعتزلة عندكم كثيراً. قال: قلت: نعم، ويزعمون أنك منهم!. قال: أفلا تدخل معي هذا الحانوت حتى أكلمك. قلت: لا. قال: لِمَ؟. قلت: لأن القلبَ ضعيف، وإن الدين ليس لمن غلب.

    وقال أيوب: قال أبو قِلابة: لا تجالس أصحاب الأهواء، فإني لا آمن عليك أن يغمسوك في ضلالتهم، ويلبسَوا عليك ما كنت تعرف، وكان والله من القراء ذوي الألباب.

    وقال سلام وقال رجل من أصحاب الأهواء لأيوب: يا أبا بكر أسألك عن كلمة ! قال: فولَّى أيوب، وهو يقول: ولا نصف كلمة !! مرتين وهو يشير بإصبعه.

    وحدث عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: كان ابن طاووس جالساً، فجاء رجل من المعتزلة فجعل يتكلم. قال: فأدخل ابن طاووس إصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: أي بُني أدخل إصبعيك في أذنيك واسدد لا تسمع من كلامه شيئاً. قال معمر: يعني أن القلب ضعيف.

    فينبغي على من أراد المناظرة أن يرجع إلى نفسه ويقول لها: إني لو نجوتُ وعطب أهلُ الأرض من أهل الأهواء ما ضرني ذلك. ولو عطبتُ ونجَوا ما نفعني. فإقامتي الحجة عليهم وتركي أن أقيم الحجة على نفسي - في تضييعي أمره حتى أؤدي ما أمرني به ربي، وأنتهي عمَّا نهاني عنه، وأربح أيام عمري ليوم فقري وفاقتي - أولى بي فقد شغلوني عن نفسي وعن العمل لنجاتي ...

    ومن أضرار هذه المناظرات على المشتغل بها في دينه كونها شاغلة له عما هو أولى به منها من خلوّ القلب لذكر الله، وتذوق حلاوة مناجاته، والاشتغال بقراءة القرآن، وتعلّم وتعليم العلم النافع فإن أهل الاشتغال بهذه الأعمال الجليلة في شغل عن هذه المماحكات، ولم يولّد المماراةَ والجدلَ في الدين إلا قومٌ فرغوا عن العمل النافع فانشغلوا بما هو دونه بمراتب، بل بما يكون ضرره على الواحد منهم - وعلى سائر المسلمين - أكثر من نفعه.

    قال جعفر بن محمد: إياكم والخصومة في الدين؛ فإنها تُشغل القلب، وتورث النفاق.

    وعن وهب بن منبّه قال: كنت أنا وعكرمة نقودُ ابنَ عباس بعد ما ذهب بصره حتى دخلنا المسجد الحرام؛ فإذا قومٌ يَمترون في حلقةٍ لهم مما يلي باب بني شيبة، فقال لنا: أُمَّا بي حلقة المِراء. فانطلقنا به إليهم فوقف عليهم فقال: انتسبوا لي أعرفْكم. فانتسبوا له – أو من انتسب منهم – قال: فقال: ما علمتم أن لله عباداً أَصَمَّتهم خشيته من غير عِيٍّ ولا بَكَم!! وإنهم لهم العلماءُ الفصحاءُ النبلاءُ الطلقاء، غير أنهم إذا تذاكروا عظمة الله – عز وجل – طاشت لذلك عقولهم، وانكسرت قلوبهم، وانقطعت ألسنتهم، حتى إذا استفاقوا من ذلك تسارعوا إلى الله بالأعمال الزاكية. فأين أنتم منهم؟!. قال: ثم تولَّى عنهم، فلم ير بعد ذلك رجلاً.

    وقال مصعب بن سعد: لا تجالس مفتوناً، فإنه لن يخطئك منه إحدى خصلتين: إما يُمرض قلبك لتتابعه، وإما أن يؤذيك قبل أن يفارقك.

    فقد سأل عمرو بن قيس الحَكَم بن عُتَيبة فقال له: ما اضطر المرجئةَ إلى رأيهم؟. قال: الخصومات.

    2) أن العقل السليم يدل على ذلك فإن الشريعة مبناها على التسليم والانقياد، ولا أحد أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحد أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته رضي الله عنهم، ولا أحد أعلم بالصحابة من التابعين رضي الله عن الجميع وهم كلهم كانوا أصح الناس عقولاً، وأقومهم هدياً وطريقة، وأحدثهم عهداً بالشريعة فمنهم يُسْتَمد، وعلى التسليم لرب العالمين المعوَّل. وأما التعويل على غير هذا فما هو إلا خبط في العماية يورث التشكك والتنقل والحيرة والاضطراب وفساد الأمر.

    قال محمد بن علي: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإنهم يخوضون في آيات الله.

    وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يعيب الجدال ويقول: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل أردنا أن نرُدَّ ما جاء به جبريلُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم !!.

    وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين.
    فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرتُ ديني، فإن كنتَ أضللتَ دينَك فالتمِسه.

    وحدث حماد بن زيد عن محمد بن واسع عن مسلم بن يسار أنه كان يقول: إياكم والِمراء فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلّته.

    وقال الأوزاعي: إذا أراد الله بقوم شرّاً فتح عليهم الجدل، ومنعهم العمل.

    3) قصد حفظ المجتمع من البدعة فالمبتدعة في ذلك الزمان قليل مقموعون لا شوكة ولا ظهور لهم. وأئمة العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم هم الشموس والأقمار المضيئة للناس في الظلماء.

    قال الإمام اللالكائي رحمه الله: (فهم – أي المبتدعة – "كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" .. ثم إنه من حين حدثت هذه الآراء المختلفة في الإسلام، وظهرت هذه البدع من قديم الأيام، وفشت في خاصة الناس والعوام، وأُشربت قلوبهم حبها حتى خاصموا فيها بزعمهم تديناً أو تحرجاً من الآثام، لم تَرَ دعوتَهم انتشرت في عَشْرةٍ من منابر الإسلام متوالية، ولا أمكن أن تكون كلمتهم بين المسلمين عالية، أو مقالتهم في الإسلام ظاهرة بل كانت داحضة وضيعة مهجورة؛ وكلمة أهل السنة ظاهرة، ومذاهبهم كالشمس نايرة ، ونصب الحق زاهرة، وأعلامها بالنصر مشهورة، وأعداؤها بالقمع مقهورة، يُنطق بمفاخرها على أعواد المنابر، وتُدَوَّن مناقبها في الكتب والدفاتر، وتستفتح بها الخطب وتختم، ويفصل بها بين الحق والباطل ويحكم، وتُعقد عليها المجالس وتبرم، وتظهر على الكراسي وتدرس وتُعَلَّم .. ) أ.هـ .

    وعليه فمجالسة أئمة السنة للمبتدع قد تغرُّ به مَن سَلِم من هذه البدعة ولم يعلم بها، أو قد تعطي لهؤلاء شيئا من الاعتبار والمكانة التي لا يستحقونها، وقد تؤدي إلى انتشار البدعة وعلم الناس البراء منها بها.

    قال الغزالي: فإن العامي ضعيف يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسداً، أي وإن كان جدله فاسداً.

    وقال يحيى بن يسار سمعتُ شَريكا يقول: لأن يكون في كل قبيلة حمار أحب إليَّ من أن يكون فيها رجلٌ من أصحاب أبي فلان (رجلٌ كان مبتدعا).

    وقال أبو حاتم: سمعت أحمد بن سنان يقول: لأن يجاورني صاحب طنبور أحب إليَّ من أن يجاورني صاحب بدعة؛ لأن صاحب الطنبور أنهاه وأكسر الطنبور، والمبتدع يُفسد الناس والجيران والأحداث.

    وذكر أبو الجوزاء أهل الأهواء فقال: لأن تمتلئ داري قردةً وخنازيرَ أحب إليّ من أن يجاورني رجل من أهل الأهواء.

    قال أبو القاسم الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة) وهو يذكر فصولا مستخرجة من السنة: وترك مجالسة أهل البدعة ومعاشرتهم سنة؛ لئلا تعلق بقلوب ضعفاء المسلمين بعضُ بدعتهم، وحتى يعلم الناس أنهم أهل بدعة ، ولئلا يكون في مجالستهم ذريعة إلى بدعتهم.

    فكان الحزم في توقي استفادة هؤلاء من التعلق بأذيال أهل السنة والاتباع.

    4) قصد زجر المبتدع عن بدعته، وذلك بهجره وقمعه. والهجر عقوبة شرعية قد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت في ذلك الزمان من أبلغ العقوبات إذ السنة ظاهرة، والبدعة وأهلها مخذولة محتقرة فبالتالي تجد أن أكثر الناس يكون هاجراً للمبتدع فلعله أن يتأثر بذلك فينقمع عن بدعته، ويفيء إلى السنة، أو لا أقل من أن يَطْفَأ نشاطُه، ويقل شره وكلتا الحالتين خير له من التمادي في البدعة.

    قال أيوب السختياني: لست برادٍ عليهم بشيءٍ أشد من السكوت.

    وقال ابن هانيء: سألت أبا عبد الله عن رجل مبتدع داعية يدعو إلى بدعته، أيجالس؟. قال: لا يجالَس ولا يُكلَّم لعله أن يرجع.

    قال اللالكائي: (فلم تزل الكلمة مجتمعة، والجماعة متوافرة على عهد الصحابة الأول ومن بعدهم من السلف الصالحين حتى نبغت نابغة بصوت غير معروف، وكلام غير مألوف في أول الإمارة المروانية تنازع في القدر وتتكلم فيه .. ثم انطمرت هذه المقالة، وانجحر من أظهرها في جحره، وصار مَن اعتقدها جليسَ منزله، وخبَّأ نفسه في السرداب كالميَّت في قبره؛ خوفاً من القتل والصلب والنكال والسَّلب، ومِن طلبِ الأئمة لهم لإقامة حدود الله عز وجل فيهم – وقد أقاموا في كثير منهم، ونذكر في مواضعه أساميهم –. وحثَّ العلماءُ على طلبهم، وأمروا المسلمين بمجانبتهم، ونهوهم عن مكالمتهم، والاستماع إليهم، والاختلاط بهم لسلامة أديانهم. وشهّروهم عندهم بما انتحلوا من آرائهم الحديثة، ومذاهبهم الخبيثة خوفاً من مكرهم أن يُضلوا مسلماً عن دينه بشبهة وامتحان، أو بَرِيق قولٍ من لسان. وكانت حياتهم كوفاة، وأحياؤهم عند الناس كالأموات. المسلمون منهم في راحة، وأديانهم في سلامة، وقلوبهم ساكنة، وجوارحهم هادية. وهذا حين كان الإسلام في نضارة، وأمور المسلمين في زيادة).

    ثم ذكر بداية أمر مناظرة أهل البدع ثم قال: (فما جُني على المسلمين جنايةٌ أعظم من مناظرة المبتدعة، ولم يكن لهم قَهر ولا ذُلٌّ أعظم مما تركهم السلف على تلك الجملة يموتون من الغيظ كمداً ودرداً، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلاً، حتى جاء المغرورون ففتحوا لهم إليها طريقاً، وصاروا لهم إلى هلاك الإسلام دليلاً؛ حتى كثرت بينهم المشاجرة، وظهرت دعوتهم بالمناظرة، وطَرَقَ أسماع من لم يكن عرفها من الخاصة والعامة..) أ.هـ.

    5) الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع إلى الإيغال في البدعة أكثر، مع التعصب لها التعصب الذي لولا المناظرة لم يكن بهذه المنزلة.

    وقد تقدم عن عمرو بن قيس قال: قلت للحكم: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات.

    وبالتالي فمن ضرر الخصومات: (تأكيدُ اعتقاد المبتدعة للبدعة وتثبيتُه في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ولكن هذا الضرر بواسطة التعصب الذي يثور من الجدل؛ ولذلك نرى المبتدع العامي يمكن أن يزول اعتقاده باللطف في أسرع زمان، إلا إذا كان نشوؤه في بلد يظهر فيها الجدل والتعصب، فإنه لو اجتمع عليه الأولون والآخرون لم يقدروا على نزع البدعة من صدره. بل الهوى والتعصب وبغض خصوم المجادلين وفرقة المخالفين يستولي على قلبه ويمنعه من إدراك الحق، حتى لو قيل له: هل تريد أن يكشف الله تعالى لك الغطاء ويعرِّفَك بالعيان أن الحق مع خصمك لكره ذلك خيفةً من أن يفرح به خصمُه !! وهذا هو الداء العضال الذي استطرد في البلاد والعباد وهو نوع فساد أثاره المجادلون بالتعصب) أ.هـ .

    إن هذه البواعث الشريفة يختلف تحققها من زمان إلى زمان، ومن شخص لآخر، ومن بلد لغيره وهكذا. وبالتالي فإن هذا الموقف الذي اتخذه السلف رحمهم الله وإن كان هو الموقف العام لهم – كما سبق الإفاضة في ذلك - إلا أنه لم يكن هو موقفهم الوحيد، ولم يكونوا رحمهم الله آلاتٍ صمّاء يرون رأياً ثم يطبقونه بعنف وابتسار وعدم تفقه لدواعيه، وإنما كانوا فقهاء نفسٍ وأهلَ حكمةٍ يضَعون الدواءَ المناسب في مواضعه، ويقدرون لكل أمر ما يستحق ولذلك فعند عدم وجود المقتضي للحكم، فإن الحكم يزول بزوال هذا المقتضي.

    ومسألة اتباع السلف يتعلَّق جزءٌ منها بسَعة العقول والأفهام، والقدرة على تصوُّر الموضوع من جميع جوانبه، وهذه المواهب كان للسلف منها القدر الأكبر – رحمهم الله - وقد يتبعهم بعضُ من يحبهم في مواقفهم الظاهرة دون تفَقُهٍ منه لمنهجهم وطريقة تفكيرهم، فيكون على خيرٍ إلا أن هذا الخير ناقص، ولربما تمسَّك - بظاهريته - بشيءٍ من أقوالهم وأفعالهم في مواقف وظروف يجزم المتبع لهم على بصيرة أنهم لو عايشوها لقالوا فيها بغير ما قالوه في ظروف أخرى.

    ولكنَّ الله يقسم بين الناس الفهوم والعقول كما يقسم بينهم معايشهم وأرزاقهم.

    ولذلك فإن أبا العباس ابن تيمية ذكر في كلام له بدعة قالت بها طائفة من الطوائف ثم قال عن طائفة أخرى قابلت أولئك: (وطائفة رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه ، وصاروا ينتسبون إلى السنة لسلامتهم من بدعة أولئك، ولكن هم مع ذلك لم يتبعوا السنة على وجهها ولا قاموا بما جاء به الرسول من الدلائل السمعية والعقلية. بل الذي يخبر من السمعيات مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر غايتهم أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به الرسول).

    يتبع إن شاء الله ..
    التعديل الأخير تم 09-09-2007 الساعة 01:59 PM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  9. افتراضي

    الجزء الثاني :

    ورد في كتاب الله الكريم تعليمه عز وجل عباده للسؤال والجواب والمجادلة:

    قال تعالى: "وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"

    وقال: "لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" والبينة ما بان من الحق.

    وقال عز وجل: "هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" فأثنى على المؤمنين أهل الحق وذم أهل الكفر والباطل ...

    وقال: "إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا" ...

    كما ورد في كتاب الله عدة آيات من مخاصمة ومجادلة ومناظرة الأنبياء لأقوامهم: كإبراهيم، ونوح عليهما السلام .

    وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب، و طلب مباهلتهم بعد الحجة.

    وجادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه اليهود في جبريل وميكائيل عليهما السلام ... وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم احتج مع موسى عليهما السلام فحج آدم موسى.

    وتجادل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة وتدافعوا وتقرروا وتناظروا حتى صار الحق في أهله، وتناظروا بعد مبايعة أبي بكر: في أهل الردة.

    وناظر علي - رضي الله عنه - الخوارج حتى انصرفوا.

    وناظرهم ابن عباس - رضي الله عنه - أيضاً بما لا مدفع فيه من الحجة من نحو كلام علي - ثم خرج بأسانيده أخبار مناظرة كل من علي وابن عباس رضي الله عنهم وعمر بن عبد العزيز رحمه الله للخوارج - ثم قال: قال أبو عمر: هذا عمر بن العزيز – رحمه الله – وهو ممن جاء عنه التغليظ في النهي عن الجدال في الدين وهو القائل: (من جعل دينه غرضاً للخصومات أكثر التنقل) فلما اضطر، وعرف الفَلَج في قوله، ورجا أن يهدي الله به لزمه البيان فبيَّن وجادل، وكان أحد الراسخين في العلم رحمه الله) أ. هـ

    وخبر ابن عباس مع الخوارج حاصله أن الحرورية لما اجتمت للخروج على عليّ رضي الله عنه قال له ابن عباس ذات يوم: يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة فلا تفُتْني حتى آتي القوم. قال: فدخلتُ عليهم وهم قائلون؛ فإذا هم مُسْهِمةٌ وجوهُهم من السهر، قد أثّر السجودُ في جباههم، كأن أيديهم ثفِن الإبل، عليهم قُمُصٌ مُرحضة فقالوا: ما جاء بك يا ابن عباس؟ ... قلت: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم – وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. جئتُ لأبلغَكم عنهم، وأبلغَهم عنكم ... الخ.
    وفيه أن ابن عباس حضر مجتمعهم، وناظرهم وأجاب عن شبهاتهم . فرجع منهم ألفان، وبقي بقيتهم فخرجوا فقُتلوا.

    فهذا ابن عباس رضي الله عنه لما كان في مناظرته للخوارج خيراً كثيراً ذهب بنفسه إليهم حتى رجع منهم معه الجمُّ الغفير.

    وناظر عمر بن عبد العزيز - يرحمه الله - غيلان الدمشقي.

    وناظر الأوزاعي أحد القدرية.

    وناظر الشافعي حفص الفرد، وناظر بشرَ المريسي بناءً على طلب أم بشر منه ذلك
    وقال – رحمه الله -: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا خُصِموا، وإن أنكروا كفروا.

    ومن مناظرات السلف كذلك:
    مناظرة جعفر بن محمد الصادق مع الرافضي إذ ألزمه فيها الحجة، وبيّن فيها فضل الشيخين رضي الله عنهما.

    ومناظرة عبد العزيز الكناني – رحمه الله - لبشر المريسي العنيد في مسألة خلق القرآن والتي وُثِّقت في (كتاب الحيدة).

    ومناظرة الإمام أحمد بن حنبل لابن أبي داود والمعتزلة في المسألة نفسها، وغيرها من مناظراته – رحمه الله -.
    وقد نفع الله به بعض من كان فيه بدعة فعاد للحق والسنة.

    قال ابن حبان في كتاب الثقات - في ترجمة موسى بن حزام الترمذي -: كان في أول أمره ينتحل الإرجاء، ثم أغاثه الله بأحمد بن حنبل فانتحل السنة وذب عنها وقمع من خالفها مع لزوم الدين إلى أن مات.

    ولما حضر السلطان ألب أرسلان إلى هراة اجتمع عليه أئمة الشافعية والحنفية للشكاية على الشيخ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ومطالبته بالمناظرة وخلافهم معه كان خلافا في العقيدة كما هو معلوم. فاستدعاه الوزير نِظَام الملك أبو علي الحسن بن علي-رحمه الله- وقال: إن هؤلاء القوم اجتمعوا لمناظرتك فإن يكن الحق معك رجعوا إلى مذهبك، وإن يكن الحق معهم إما أن ترجع وإما أن تسكت عنهم.

    فقام وقال: أنا أناظر على ما في كمي. فقال: وما في كُمَّك فقال: كتاب الله عز وجل – وأشار إلى كمه اليمنى – وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم – وأشار إلى كمه اليسرى – وكان فيه الصحيحان. فنظر إلى القوم كالمستفهم لهم، فلم يكن فيهم من يمكنه أن يناظره من هذا الطريق.

    وناظر ابن تيمية خصومه في الخلوة والجلوة مثلما كان يردّ عليهم في كتبه، ومناظراته رحمه الله كثيرة لا تكاد تنقضي. فقد ناظر الرفاعية، وناظر القاضيَ ابنَ مخلوف المالكي، ومناظرته في الواسطية معروفة مشهورة وغير ذلك كثير.
    وكان ابن القيم (يفتي ويناظر ويجادل بالحق ليدحض الباطل مع أنواع من أمم الأرض على اختلاف آرائهم وتنوع مذاهبهم).

    وفي شفاء العليل لابن القيم: (الباب التاسع عشر: ذكر مناظرة جرت بين جبري وسني جمعهما مجلس واحد).

    وفيه: (الباب العشرون: في ذكر مناظرة بين قدري وسني).

    وفي العصور المتأخرة ناظر العلامة عبد الله بن الحسين السويدي علماء الرافضة في النجف نفسها بطلب من الوزير أحمد باشا فاجتمع له سبعون مفتياً من علمائهم، وحكَّمه فيهم الشاه نادر ثم جرت المباحثة بين السويدي مع الملا باشا علي أكبر وهو من علماء الشيعة في مسألة أحقية علي رضي الله عنه بالخلافة فناظره السويدي في ذلك بوجوه من الردود بليغة ومفحمة حتى قطعه. وحتى قال بعض الحاضرين من الشيعة مخاطباً الملا باشا: اترك المباحثة مع هذا، فإنه شيطان مجسم، وكلما زدتَ في الدلائل وأجابك عنها انحطت منزلتُك.

    ثم تكلم معه في عدة موضوعات أخرى حتى انقطع الشيعي والحمد لله. وأُخبر الشاه بهذه المباحثة طبق ما وقع، فأمر أن يجتمع علماء إيران وعلماء الأفغان وعلماء ما وراء النهر، ويرفعوا المكفِّرات، ويكون السويديُّ ناظراً عليهم، ووكيلاً عن الشاه، وشاهداً على الفرق الثلاث بما يتفقون عليه.
    قال السويدي: فخرجنا نشق الخيام والأفغانُ والأوزبك والعجم يشيرون إليَّ بالأصابع وكان يوماً مشهوداً.

    وقد ناظر الشيخ ابن سعدي بعض المتكلمين بنفسه. وحكى عدة مناظرات بين مسلم وملحد.

    ودعا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله – علماء إيران للمناظرة وذلك (حينما قدِم مندوب إيران – في رابطة العالم الإسلامي – وقدَّم طلباً باعتراف الرابطة بالمذهب الجعفري، ومعه وثيقة من بعض الجهات العلمية الإسلامية ذات الوزن الكبير تؤيده على دعواه، وتجيبه إلى طلبه. فإن قبلوا طلبه دخلوا مأزقاً، وإن رفضوه واجهوا حرجاً. فاقترحوا أن يتولى الأمر فضيلته رحمه الله في جلسة خاصة. فأجاب في المجلس قائلاً: لقد اجتمعنا للعمل على جمع شمل المسلمين والتأليف بينهم وترابطهم أمام خطر عدوهم، ونحن الآن مجتمعون مع الشيعة في أصول هي: الإسلام دين الجميع، والرسول محمد صلى الله عليه وسلم رسول الجميع، والقرآن كتاب الله، والكعبة قبلة الجميع، والصلوات الخمس، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ومجتمعون على تحريم المحرمات من قتل وشرب وزنى وسرقة ونحو ذلك. وهذا القدر كافٍ للاجتماع والترابط. وهناك أمور نعلم جميعاً أننا نختلف فيها وليس هذا مثار بحثها، فإن رغب العضو الإيراني بحثها واتباع الحق فيها فليختر من علمائهم جماعة، ونختار لهم جماعة ويبحثون ما اختلفنا فيه ويُعلن الحق ويلتزم به. أو يسحب طلبه الآن. فأقر الجميع قوله، وسحب العضو طلبه).

    وبعد .. فإن ذكر ما سبق يؤكد أن هذه الثلة المباركة من علماء المسلمين، من مميَّزيهم ومحقِّقِيهم، ومن أكثرهم علماً بمنهج السلف واتباعاً له لم يكونوا ليتفقوا على مخالفة صريحة لمنهج السلف في التعامل مع مثل هذه المسألة، وإنما هو الفهم الدقيق، وإنزال النصوص منازلها - رحمة الله على الجميع -.

    يتبع إن شاء الله ...
    التعديل الأخير تم 09-09-2007 الساعة 11:03 PM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  10. افتراضي

    الجزء الأخير :

    بعد استعراض مواقف علماء المسلمين حيال هذه القضية نستعرض مدى تحقق البواعث الخمسة المذكورة سلفاً، في واقعنا المعاصر وهو ما يسميه علماء الأصول بتحقيق المناط:

    الباعث الأول: هو حرص الإنسان على سلامة دينه له. وأول ما يلاحظ في هذا الباعث هو عدم اعتبار الجم الغفير من العلماء له عند تعيّن الأمر عليهم لتحقيق مصلحة شرعية، بل كان الإقدام منهم واضحاً بلا تلجلج ولا تردد وإنما إقدام مع ثبات حجة، ورسوخ في اليقين، وثقة بنصر الله.

    والذي يجب أن يخاف حال مناظرته لأهل البدع هو الذي يناظرهم عبثاً، وتزجية للوقت، وإظهاراً للقدرة على قوة الحجة والتفوق في العلوم كما كان يحصل كثيراً في مجالس الخلفاء.

    أو إذا كانت المناظرة هدفاً لذاتها بحيث يظن أنها سبيل صحيح لتحصيل العلم، ويحصل بسبب ذلك التوسع والمسامحة في مخالطة المبتدعة فهذا مذموم أيضا.
    ويصح أن يقال في مثل هذه الأحوال: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).

    ولكنها إذا كانت في مقام تمييز حق من باطل، وصدع بالسنة وبطريقة السلف في مواجهة الزحف البدعي الظالم فهذا يكون من الجهاد المشروع في سبيل الله باللسان والبيان، وهو قسيم الجهاد في سبيل الله بالسلاح والسنان، ولما كان المجاهد في سبيل الله موعود بالنصر أو الشهادة، فإن المجاهد باللسان لابد وأن يكون كذلك إذا اتقى الله ما استطاع وكان له من العلم ما يؤهله لخوض غمار معاركة المبتدعة بالحجة؛ إذ الحجة في جهاد اللسان تقابل القوة في جهاد الطِّعان فمن كان هذه حاله فإنه إذا ناظر المبتدع لم يكن إلا قد قام بواجب الدين عليه، والله تعالى أكرم من أن يضيع من هذا حاله في دينه ونفسه بل يحميه من البدعة ومن أن يقر ذلك في قلبه، أو أن يكون سبباً مفضياً به إلى الزيغ والبدعة، وإن احتمل أن يكون الظفر لخصمه المبتدع لسبب خارج عنه إلا أن هذا نادر ولا يتعدى ضرره إلى التأثير على المناظر السني الذي تقيّد بالشروط المذكورة.

    قال تعالى: "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد"

    وقال: "وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"

    وقال: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين"

    وكذا يُذَم البحث والنظر - فضلاً عن الجدال والمناظرة - إذا كان هذا الباحث متشككاً متحيراً متهوِّكاً فهذا يجب عليه أن يطلب الهدى من مظانه لا أن يخرج للبيداء يلتمس السُقيا.

    الباعث الثاني: أن العقل السليم يدل على التسليم للشريعة والانقياد، وهذا الباعث في حقيقته مندرج تحت البواعث الأخرى، ويكفي في مناقشته أن يقال أن الجدل والمناظرة المجوَّزة ما كان من باب الذب عن الشريعة لا من باب الاعتراض عليها (والذي يُبطله أهل السنة من النظر نوعان: أحدهما: ما كان متوقفاً على المراء واللجاج الذي لا يفيد اليقين، ويثير الشر.

    وثانيهما: الانتصار للحق بالخوض في أمور يستلزم الخوض فيها الشكوك والحيرة والبدعة لما في تلك الأمور من الكلام بغير علم في محار العقول ومواقفها).

    الباعث الثالث: وهو قصد حفظ المجتمع من البدعة، وهذا مستقيم جداً في زمان ظهور أعلام السنة، وكثرة أتباعها، وأما في هذه الأزمان المتأخرة فإن المبتدعة قد صارت لهم الكلمة في بلدان كثيرة من بلدان العالم الإسلامي، وصوتهم جهير مسموع يضلون به الناس عن الحق، أفيجوز بعد ذلك لأتباع الصراط المستقيم أن يظنوا أنهم في انكفائهم على أنفسهم، وتركهم لبيان العلم النافع، وتركهم لواجب القيام بالشهادة على الناس معذورون.
    قد مضت سنة الله أنه ينصر الحق بالرجال، فإن تركوه فإن في سنة الله أن يتدافع الحق والباطل، فيكون للباطل صولة وجولة بسبب تفريط أهل الحق في القيام بواجبهم والله المستعان.


    ولذلك تجد أن علماء السنة الذين نقلنا من كتبهم النهي عن المجادلة والمناظرة هم أنفسهم قد ردوا على المبتدعة بدعهم وفي نفس تلك الكتب ككتاب الآجري، وابن بطة، واللالكائي وغيرهم.

    وليعلم أن تصور الباطل كافٍ في بيان فساده عند أكثر طلاب الحق، فإن بُيَّن على وجهه كان في ذلك خيراً عظيماً، لأن أهل الباطل يموهون باطلهم، ويخلطونه ببعض الحق ليروج على الناس، فتمييز هذا عن هذا من أعظم المصالح

    قال الله تعالى: "لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ".

    قال أحمد في رواية حنبل: قد كنا نأمر بالسكوت فلما دُعينا إلى أمرٍ، ما كان بدٌ لنا أن ندفع ذلك ونبيِّن من أمره ما ينفي عنه ما قالوه. ثم استدل لذلك بقوله تعالى: "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"
    ويتعلق بالكلام على هذا الباعث مسائل:

    1) أن هذه المناظرات المتوقع فيها أن تكون علنية، ولا بأس بذلك بل فائدة ذلك إن شاء الله تكون أكبر من فائدة مناظرة في مجلس مغلق لا يعلم بها ولا بنتائجها إلا القليل من الناس فتقل فائدتها لذلك.

    وقد قال قتادة: (إذا ابتدع الرجل بدعة: ينبغي لها أن تُذكر حتى تُحذر). والمقصود بذلك البدع التي قد يكون لها قبول عند الناس ولو في المستقبل، والتي يراد تحصين المجتمع من أضرارها، وأما البدع التي عافا الله الناس منها، واحتمال وقوعها قليل أو نادر، أو التي يُراد من المناظرة نفع المناظَر فالأصل فيها الإسرار.

    وسئل بشر بن الحارث عن الرجل يكون مع أهل الأهواء، في موضع جنازة أو مقبرة فيتكلمون ويعرضون: فترى لنا أن نجيبهم؟ فقال: إن كان معك من لا يعلم فردوا عليه؛ لئلا يرى أولئك أن القول كما يقولون، وإن كنتم أنتم وهم فلا تكلموهم ولا تجيبوهم.

    وقد سُئِل الإمام ابن بطة عن السائل يسألُ العالِمَ عن مسألة من الأهواء الحادثة يلتمس منه الجواب أيجيبه أم لا ؟ فقسَّم – رحمه الله - السائلين إلى ثلاثة أنواع يهمنا منهم هنا النوع الثاني الذي قال عنه: (ورجلٌ آخر في مجلسٍ أنت فيه حاضر، تأمن فيه على نفسك، ويكثُرُ ناصروك ومعينوك، فيتكلَّم بكلامٍ فيه فتنة وبليّة على قلوب مستمعيه ليوقع الشك في القلوب - لأنه هو ممن في قلبه زيغٌ يتبع المتشابه ابتغاء الفتنة والبدعة – وقد حضر معك من إخوانك وأهل مذهبك من يسمعُ كلامه إلا أنهم لا حجة عندهم على مقابلته ولا علم لهم بقبيح ما يأتي به. فإنْ سكتَّ عنه لم تأمن فتنته بأن يُفسد بها قلوب المستمعين وإدخال الشك على المستبصرين. فهذا أيضا مما تَرُدُّ عليه بدعته وخبيث مقالته، وتنشر ما علَّمك الله من العلم والحكمة. ولا يكن قصدك في الكلام خصومته ولا مناظرته، وليكن قصدك بكلامك خلاص إخوانك من شبكته؛ فإنَّ خُبثاء الملاحدة إنما يبسطون شباك الشيطان ليصيدوا بها المؤمنين. وليكن إقبالك بكلامك، ونشر علمك وحكمتك وبِشر وجهك وفصيح منطقك على إخوانك ومن قد حضر معك لا عليه، حتى تقطع أولئك عنه، وتحول بينهم وبين استماع كلامه. بل إن قدرت أن تقطع عليه كلامه بنوعٍ من العلم تحوِّل به وجوه الناس عنه فافعل) أ . هـ.

    2) أن قصد حفظ المجتمع من البدعة لازال قائماً، ولكن حفظه في الظرف الذي وصفت يكون بالكلام لا بالسكوت، وهذا لأن المستمع للمبتدع كثير فيجب أن يحاول السني الوصول لهذا الكثير.

    ويجب على من سلَّمَه الله من البدع، وعرف الحق وأهله، وانقاد لتعليم أهل العلم ألا يُشغل قلبه بالنظر لهذا المناظرات ولا لسماع شبه المبطلين – كما تقدم تقريره – إذ إن ما أبيح للضرورة يجب أن يقدر بقدرها. فيؤمر حينئذ بالمشاركة في المناظرات من قبل من تأهل لذلك من علماء المسلمين، أو طلبة العلم المبرزين بينما يُنهى عن مشاهدتها و تتبع أخبارها من لم يكن متصدياً ولا مخالطاً لأهل البدعة. والله أعلم.

    3) لما كانت المناظرات مجالاً للمغالبة والمنازعة في إقامة الحجة ورفع الصوت فإن كثيراً من شبه المبتدع قد لا يستطيع الطرف السني المناظر أن يشتغل به عما هو بصدده من مسألة يريد تقريرها، أو إلزام يريد أن يحُجَّ به الطرف المقابل.

    وهذه الشبه قد تعلق ببعض القلوب فمن المناسب أن تُتبع هذه المناظرات في حالة إذاعتها في تلفاز ونحوه ببرامج هادئة يكون المتحدث فيها من أهل السنة يغسل في برنامجه أوضار المناظرة، ويجيب فيها على الإشكالات التي قد ذكرت ولم يسع الوقت لنقاشها.

    4) مراعاةً للمسألة من جميع جوانبها فلابد أن يقال بأن طرق الدعوة كثيرة، وبيان الحق والاشتغال بمن سلم من الأمراض المعدية أولى من غيره ممن تلبس بالجَرَب، وعليه فالأصل في المناظرات – العلنية منها على وجه الخصوص – ألا تُطلب من جهة أهل السنة، ولا يُتجرأ عليها إلا أن يتضح وجه المصلحة فيها بحيث يكون عظيماً ظاهراً، وخوف الضرر والمفسدة فيها قليلاً بحيث يغلب هذا على الظن، أو في حالة أن يقيمها أهل البدع فيأتيهم أهل السنة لاستغلال الموقف، ولقمع الشبهة والبدعة والله أعلم.

    الباعث الرابع: قصد زجر المبتدع عن بدعته، وهذا القصد يختلف تحققه باختلاف الأحوال، وباختلاف المتناظرين، ولذلك فليس من المناسب أن يناظر كبير من علماء أهل السنة والجماعة عالماً من علماء المبتدعة في مكان يكون المبتدع فيه مقموعاً مخذولاً، فيكون في قبول مناظرته ترويج له، واعتراف به. ولكن إن كان العكس بحيث ينقلب الهاجر للمبتدع مهجوراً منبوذاً في مجتمعه فحينئذ يتخلَّف هذا المقصد ويبقى النظر بالنسبة لمن هذه حاله إلى بقية المقاصد والبواعث.

    وليس هذا القصد – قصد زجر المبتدع - بأولى من قصد الإحسان إليه بهدايته هداية الدلالة والإرشاد عند أمن الفتنة، فهذا من أعظم المعروف.

    ولذلك قال ابن عون: (سمعت محمد بن سيرين ينهى عن الجدال إلا رجلا إنْ كلَّمته طمعت في رجوعه).

    الباعث الخامس: الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع في الإيغال في بدعته. ولابد من أن يُعْلم بأن الله تبارك وتعالى قدَّر الهدى والضلال وأن ذلك قد فُرِغَ منه، وأن خير الناس وألينهم جانباً، وأعرفهم بالله، وأشفقهم على الناس قد استجاب له أناس وكفر به كثير. فلا يهولنك!! وعليك ببيان الحق ولو كثر الهالكين.

    قال الإمام محمد بن الوزير: (والحكيم الخبير قد أنبأنا من عتوَّهم وإصرارهم على الباطل بما لم نكن نعرفه إلا بتعريفه سبحانه وتعالى فقال: "وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ* لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ"

    وقال سبحانه وتعالى: "وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ"

    فكيف تنفع المناظرة من لم تنفعه مثل هذه الآيات الباهرات، وإنما الحكمة أن يوكلوا إلى الذي قال في بيان القدرة على هدايتهم بما هو أعظم من تلك الآيات من ألطافه التي ليسوا لها أهلاً: "وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا"

    وقال: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا"

    وقال تعالى في بيان علمه ببواطنهم وحكمته في ترك هداية غواتهم: "وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ"

    وقال تعالى في إقامة الحجة عليهم بخلق العقول وبعثة الرسول: "وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى"

    وقال تعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً"

    وقال تعالى: "لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ"

    فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تُعرَّف السني قيام حجة الله تعالى على الخلق في بيان سبيل الحق، فيدعوهم إلى الله تعالى مقتدياً برسله الكرام – عليهم أفضل الصلاة والسلام – مكتفياً من البيان بما في القرآن مقتصراً في الفرق بين الحق والباطل بالفرقان، يستصبح بنوره في ظلم الحيرات، ويَمتثل مطاع أمره في "فَاسْتَبِقُواالخَيْرَاتِ" ولا يتعدى حدود نصحه في الإعراض عن الجاهلين والمجانبة للخائضين في آيات رب العالمين) أ . هـ

    ومن المهم أن يراعى ألا يكون المناظر هو سبب تبغيض الحق إلى الطرف المقابل بالبغي عليه بالقول أو الفعل، أو بسوء خلقه، أو بضعف حجته. فليست دعوى المدعي أنه من أهل الحق بعذر له في عدم إظهار البراهين.

    قال الإمام ابن القيم: (ما كل من وجد شيئاً وعلمه وتيقنه أَحْسَنَ أن يستدلَّ عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه فهذا لون ووجوده لون).

    وقد قال بشر المريسي للإمام الشافعي رحمه الله: (إذا رأيتني أناظر إنساناً وقد علا صوتي عليه فاعلم أني ظالم، وإنما أرفع صوتي عليه لذلك).

    وعلى كل حال .. فالأكمل للمناظر أن يكون قاصداً لإيصال الحق إلى الطرف الآخر الذي يناظره متلطفاً في ذلك فإن أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق، ومن وسائل المناظرة والمجادلة ما يتلطف به إلى إيصال الحق إلى الخصم شيئاً فشيئاً حتى يتشربه، وقد يفتح الله على قلبه فيتبعه، فيكون لهذا المناظر أجر هداية المبتدع، ولو لم يعلم الناس أو المبتدع نفسه بذلك، ولكن قد علم ذلك وأثبته في صحائفه اللطيف الخبير تعالى.

    إن موقف السلف من أهل البدع موقِفٌ مبني على قصد جلب المصالح الشرعية، ودرء المفاسد وليس الهجر هو المنهج الثابت لهم في جميع الأحوال.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته، والجواب عما يعارضه، وإن كانوا في ذلك درجات. وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك، بل هذا يقوم بالبعض، وهذا يقوم بالبعض كما في نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من أمور الدين.

    والكلام الذي ذمُّوه نوعان:
    أحدهما: أن يكون في نفسه باطلاً وكذباً، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل وكذب؛ فإن أصدق الكلام كلام الله.

    والثاني: أن يكون فيه مفسدة. مثلما يوجد في كلام كثير منهم من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم؛ وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم.

    والمقصود أن الحق إذا ظهر وعُرف، وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس قوبل بالعقوبة.

    وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يُفسده ذلك المضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار؛ فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة.

    وقد يُنهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله...

    والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال.

    وأما جنس المناظرة بالحق، فقد تكون واجبة تارة، ومستحبة أخرى.
    وفي الجملة: جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم، ومفسدة ومصلحة، وحق وباطل)

    ثم قال بعد صفحات: (وأما جنس النظر والمناظرة فهذا لم ينه عنه السلف مطلقاً، بل هذا إنْ كان حقاً يكون مأموراً به تارة، ومنهياً عنه أخرى كغيره من أنواع الكلام الصدق. فقد يُنهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع أو الذي يضر المستمع، وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء فلا تفيد علما ولا ديناً ... فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نُهي عنها لذلك. وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من هذا الباب).

    وروى الحافظ البيهقي عن الشافعي أنه قال: (ما كلمت رجلاً في بدعة قط إلا كان يتشيع) قال البيهقي: (وهذا يدل على كثرة مناظرته أهل البدع حتى عرف عادتهم في إظهار مذهب الشيعة، وإضمار ما وراءه من البدعة التي هي أقبح منه ...
    و قد قال عمر رضي الله عنه في قيام شهر رمضان : نعمت البدعة هذه. يعني : أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى.

    قلت – البيهقي -: فكذا مناظرة أهل البدع – إذا أظهروها، وذكروا شبههم منها - وجوابهم عنها وبيان بطلانهم فيها وإن كانت من المحدثات فهي محمودة ليس فيها رد ما مضى.

    وقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن القدر فأجاب عنه، وسئل عنه بعض الصحابة فأجابوا عنه بما روينا عنهم، غير أنهم إذ ذاك كانوا يكتفون بقول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعده بالخبر عنه؛ وأهل البدع في زماننا لا يكتفون بالخبر ولا يقبلونه، فلا بد من رد شبههم إذا أظهروها بما هو حجة عندهم وبالله التوفيق) أ . هـ

    إن موقف السلف من أهل البدع موقِفٌ مبني على قصد جلب المصالح الشرعية، ودرء المفاسد وليس الهجر هو المنهج الثابت لهم في جميع الأحوال كما بين جمعٌ من العلماء المعاصرين مثل الشيخ عبد العزيز ابن باز يرحمه الله، والشيخ محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله، والشيخ بكر أبو زيد حفظه الله، والشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله ... وغيرهم. وأثبته جماعة من طلبة العلم والباحثين في دراساتهم ودرسوه بتوسع.

    الخلاصة:

    1) أن الموقف الأصلي الغالب العام للسلف من المبتدعة هو هجرهم وترك مجالستهم ومناظرتهم لأن الأمور الباعثة لهم على الهجر من المصالح الدائمة الغالب وجودها مثل الخوف من انتشار البدعة أو التأثر بها، أما إن تخلفت هذه المصالح أو كانت المصلحة في غير ذلك الهجر فإن الحكم هنا دائر مع منفعته.

    2) أن مناظرة أهل البدع تختلف عن المجالسة من جهة أنها نوع من الجهاد ولتضمنها لمصالح أخرى؛ ولذلك فقد نُقِل عن السلف عشرات المواقف التي ناظروا فيها المبتدعة، ولا يعرف عنهم الشيء نفسه فيما يتعلق بالمجالسة والمخالطة.

    3) البواعث التي دفعت السلف لهذا الموقف من المبتدعة قد اختلف تحقق عدد منها في زماننا هذا، فينبغي على ذلك أن يتغيّر الموقف وفق المصالح الشرعية.

    4) حرص الإنسان على سلامة دينه أحد أهم بواعث السلف على ترك مناظرة المبتدعة، وهذا الباعث لن يزال قائما، وعليه فلا يتوسع في طلب المناظرة من المبتدع إلا أن يكون هو الذي يطلبها، أو تعظم المصلحة في إقامتها وتقل المفسدة. وإن توجهت المناظرة فلا يجوز أن يتقدم لها إلا الأكفاء من العلماء الذين لهم اطلاع ودراية بهذه البدعة وحِيَل أهلها، أو طلبة العلم المؤهلين لذلك.

    5) المناظرات - العلنية منها والسرية - منهج معروف وجادة مسلوكة عند العلماء، والحكم فيها يقدِّره أهل العلم والحِجى ومداره على قاعدة جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها.

    6) يبعث على المناظرة أمور:
    أ/ دعوة المبتدعة والرغبة في إيصال الحق إليهم.

    ب/ الرغبة في مزاحمة المبتدعة في الوصول إلى الناس البراء منها، وإعطاء الناس الأمصال الواقية من تلك البدع.

    جـ/ إظهار ضعف حجة المبتدع، والطمع في التأثير على أبناء ملته، وأتباعه على بدعته، إذ رجوعهم للحق أيسر من رجوعه إليه.

    د/ الذب عن حياض الدين، وكشف ما يلبِّسه الجهلة وأهل الأهواء على العامة، وهو من الجهاد في سبيل الله.

    هـ/ جمع الناس على كلمة سواء، وذلك أن المسلمين مأمورون بالاعتصام بحبل الله، و لا يمكن اجتماعهم على غيره أصلا، ففي نفي زغل البدعة وأهلها تقدُّمٌ نحو تحقيق هذا المقصد الشرعي العظيم. والله أعلم.

    سبحانك اللهم و بحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك.

    انتهى التلخيص المتعلق بفهم موقف السلف من مناظرة المخالفين من أهل الضلال .
    التعديل الأخير تم 09-10-2007 الساعة 12:56 PM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  11. افتراضي

    خطوط عريضة للتعامل مع غرف الدردشة أو البالتوك و مواقع أهل الضلال عامة:


    ( بعض الكلام التالي منقول عن بعض أهل العلم و بعضه منقول مع تعديل و الباقي نسأل الله فيه السداد كأخويه السابقين )

    فِهْمُ واقع غرف أهل الضلال الحوارية على البالتوك:

    هم أولا يعرضون بعض الشبه الواهية ، وهم يحاولون أن يجعلوا بعض الكفرة يظهرون بوصفهم كانوا مسلمين ثم كفروا ويتحدثون بهذه الصفة ، مما يلقي الوهن في قلوب الضعفاء من المسلمين الحاضرين.

    قال تعالى: "وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"

    كما أنهم من خلال المتابعة يتركون بعض الفرص لبعض المسلمين لكي يتكلموا ، وهم يقصدون أن يظهروا ضعف ثقافة هؤلاء المسلمين حتى ينجحوا في حلقتهم ، مما يزعزع عقيدة بعض ضعاف الإيمان ، بل إنهم يحرصون أشد الحرص على أن يتكلم هؤلاء ، فإن ظهر من المتكلمين من يُدرك أبعاد الشبهة المطروحة ، ولديه القدرة على التفنيد والرد، فإنهم يأخذون الحديث منه ويحاولون التشويش عليه ولا يسمحون له بالمتابعة حتى لا يظهر ضعفهم.

    قال تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ"

    وبالتالي فإن دخول هذه الغرف في الحقيقة هو مصيدة للضعاف ، والذي يستطيع أن يجادلهم بما يكشف حقيقتهم فإنهم لا يتيحون له الفرصة، وهذا يعني أن نتيجة الحوار معروفة ومحددة مسبقًا ، وهي ظهور ضعف المسلمين ، هذا بخلاف بعض الغرف التي يقوم عليها مسلمون ، فهم يسمحون لهم أن يتكلموا ويقومون بالرد عليهم و ينظمون الحوار.

    ولذا، فإن هناك شروطًا لمن يدخل على هذه الغرف ليحقق الواجب ؛ ذلك أنه يجب أن يغلب على ظنه أنه سيفعل شيئا نافعا من إسداء حق ، أو إظهار غش ، أو دحض للشبهات المعروضة.

    فإن لم يجد في نفسه القدرة على هذا ، أو رأى أنه لن يجد فرصة مواتية بسبب طريقة إدارة هذه الغرف ، فإنه يجب عليه البحث عن وسيلة أخرى ، كأن يجهز رسالة قصيرة تحتوي على مجموعة من الروابط التي تناقش الشبهة المطروحة وترد عليها ، موضحا أن إدارة الغرفة منعته من الحديث وأن الروابط التي قدمها فيها الرد على الشبهة المثارة لمن أراد الحقيقة والعلم.

    أما من ليس عنده علم فيجب عليه ألا يدخل هذا المجال ، فربما أضر من حيث أراد أن ينفع.

    وقد قال الإمام ابن تيمية في الجدال المذموم: "المذموم شرعًا ما ذمّه الله ورسوله كالجدل بالباطل، والجدل بغير علم، والجدل في الحق بعدما تبين".

    وقال الإمام ابن تيمية أيضا: "كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطعُ دابرَهم لم يكن أعطى للإسلام حقَّهُ، ولا وَفَىَ بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين".

    الاستعداد قبل الخوض في هذا المجال:

    1- تحصيل ما أمكن من العلوم الشرعية الأساسية التي لا غنى عنها (كالعقيدة والفقه و التفسير و الحديث و تاريخ الإسلام ........ ).

    2- تحصيل ما يحتاجه من العلوم العامة (كتاريخ الأمم والشعوب ، والمذاهب العقائدية الحديثة ، و تاريخ الأديان و ما تعرضت له من تحريف ... إلخ ).

    3- الاستعانة بذوي العلم في المسائل الدقيقة كالاستعانة بأهل الطب حين الاستعداد للمناظرة في مسألة طبية تتعلق بالشرع ، أو الاستعانة بأهل الفلك عند نقاش مسألة فلكية لها تعلق بالشرع.

    4- مراجعة ما كتبه العلماء المعاصرون في فقه الدعوة ومعانيها ومقتضياتها ومزالقها.

    5- تعلم أساليب الحوار و الجدل حتى يستعين بها على إظهار الحق الذي يعرفه .

    6- مراعاة ضوابط الحوار .

    7- مراعاة ضوابط التعامل بين الجنسين.

    التطبيق مع تطوير الوسائل والخطاب بحسب مقتضى الحال:

    يجب على الداعية حين يتوجه إلى غرف الدردشة للدعوة إلى الله تعالى أن:

    1- يستحضر في قلبه النية الصادقة في كل مرة.

    2- يكثر من ذكر الله تعالى ، وأن يسأله السداد والعافية من الفتن والزلل.

    3- كما عليه أن يختار اسماً أو لقباً مناسباً لمهمته ، فيكتب باسمه الحقيقي ، أو يختار اسمًا غيره و يكون واضحاً للناس أن هذا ليس اسمه الحقيقي حتى لا يتهم بالكذب في وقت لاحق و كذا يكون هذا الاسم من الأسماء التي توحي بحب الخير للناس مثل " ناصح أمين" و كذا اجتناب الأسماء المثيرة أو التي تستجلب العداوة مما يغري الطرف الآخر بالصدود عنه أو الشجار معه من أول الطريق.

    4- يفضل أن يقوم بإعداد لائحة من الشعارات التي ترغب في الإسلام والتعرف عليه كي يبثها هنا وهناك خلال عمله .

    5- يفضل أن يقوم بإعداد لائحة أخرى بأهم المواقع التي تعرف بالإسلام بشكله الشمولي ليستخدمها في دعوته للمسلمين ولغيرهم.

    6- لا ينسى الداعية أن وقته من ذهب ، فتحديد وقت الحوار في هذه الغرف أساس حتى لا يطغى جانب على آخر في حياته وواجباته تجاه من حوله.

    7- احتفاظ الداعية بملف أو دفتر يسجل فيه إنجازاته وتجاربه بسلبياتها وإيجابياتها بما يعينه على متابعة من يتحاور معهم ، وتخطيط مواعيد لقائهم ، والاستفادة مما يجري معه ، ونقل خبرته لمن خلفه وتطويرها على الدوام.

    تطبيق على مواقف معينة :

    الموقف: إذا عرض الطرف الآخر عليّ شبهات حول الإسلام قد لا أكون مؤهلاً للرد عليها.

    رحم الله من عرف حده فوقف عنده .

    الصدق هو الأساس ، وإخلاصي لدعوتي سيظهر في صدقي أمام من أدعوه وباعترافي بعدم معرفتي إن عجزت عن توفير الرد المناسب ، فهذا خير من اختراع الإجابات التي قد تزيد السائل ضلالاً وغروراً.

    وكوني أدعو إلى الله لا يعني بالضرورة أني عندي لكل سؤال جواب أخرجه للسائل في ثوان معدودة !

    وبتفصيل أكبر ، الأصل أنني كنت قد أعددت نفسي للدعوة في مستوى معين يتناسب وقدراتي الذهنية والعلمية ، فإذا كانت الشبهة المطروحة ضمن المستوى الخاص بي ، فلا بأس باستمهال السائل حتى أبحث له عن الجواب المناسب في الكتب وسؤال أهل العلم.

    وإن كان السؤال في مستوى عال أو تخصص دقيق ولا يتناسب مع قدرتي فعليّ بالاعتذار للسائل مع توجيهه إلى أحد أهل العلم أوالمواقع المتخصصة في الرد على الشبهات لتحصيل حاجته من خلال التواصل معهم.

    ولا أنسى في كلتا الحالتين أن أدوّن السؤال الذي أشكل عليّ - مع الإجابة إذا توفرت - في الدفتر الذي أعددته للدعوة في غرف الدردشة كي أنتفع به لاحقاً وأنفع به غيري.

    الموقف: إذا طلب الطرف الآخر مني الدخول في غرف الحوارات الدينية أو غرف غير المسلمين لدعوتهم.

    إن كانت هذه الغرف كمعظم إن لم نقل كل غرف الخلاف للإسلام تكتم صوت الحق ما إن تراه وترحب بالمحاور المسلم إن رأته جاهلًا، فعليه لا يجوز الاشتراك في هذه الغرفة للحوار، بل أقصى ما يسمح به حينها دعوتهم للحوار في المواقع الإسلامية و من صدق منهم سيأتي للسؤال أو للاطلاع على الأقل.

    و يفضل تسجيل أسماء الغرف واتجاهاتها ومستوياتها في دفتر حتى أعين من هو فوقي من أهل العلم وأوصلهم إليها، فالدال على الخير كفاعله.

    و يبقى السؤال :

    ماذا علينا أن نفعل إزاء هذه المواقع؟ هل نتركها أم ندمرها بالقرصنة الإلكترونية "Hacking" أم ماذا؟

    المواقع المسيئة للإسلام كثيرة ولن تنتهي طالما لم نعالج الأسباب ، ومهما كانت طاقتنا فلن نستطيع أن نحاربها جميعًا ، وإذا أغلقنا واحدًا فتحوا آخر ، وإذا استخدمنا أسلوب القرصنة ضدهم فسيستخدمونه ضدنا ، وسنصرف مالاًً كثيرًا ، وجهدًا وفيرًا ، دون عائدٍ حقيقيٍّ.

    فالحل إذن أن:

    1- نصلح أنفسنا فالدور الأولى والأهم أن نقوم بإصلاح نفوسنا ، وأن نحسن التزامنا بديننا بحيث يكون ظاهرنا ملتزمًا ، و باطننا ملتزمًا.

    2- الدعوة ونحاول إصلاح الآخرين و ذلك بدعوة المسلمين ليعرفوا دينهم حق المعرفة ، ويعوه ، ويفهموه و التعريف بالإسلام للعالمين فعلاً وقولاً، وبالقدوة الحسنة والدعوة بالحال في الأساس.

    و لن يضرنا بعدها أي ناعق كذابٍ أَشِرٍ يقول ما يقول ويفعل ما يفعل ، فلن يهز ذلك شعرةً من بنياننا المرصوص بمشيئة الله تعالى.

    إن هذه المواقع لن تؤثر في أحد لو أحسنَّا القيام بدورنا ومسئولياتنا ، فهذه المواقع لن تكون إلا "كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ ِبَالِغِهِ"

    فالله تعالى: "لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ"

    3- و بالنسبة لتلك المواقع :

    أولًا: هجرها إلا من نفر قليل لا يتحاورون فيها لأن الحوار فيها لا تضمن عواقبه، لكن يحذرون منها ويرشدون إلى المواقع الإسلامية، وهذا النفر القليل يكون ممن لديه علم حتى يستطيع دفع ما قد يطلع عليه من شبهات عن نفسه.

    ثانياً: القرصنة: يجوز التصرف مع تلك المواقع بالقرضنة ، لكن لو كان يترتب على هذا أن يقوم الكفار بالقرصنة على مواقعنا بما تكون مفسدته كبيرة فلا نتصرف معها هكذا ، لكن لو كانت مواقعنا التي نخشى تدميرها من المواقع الضعيفة أو التي مصلحتها أقل من مفسدة مواقع الكفرة فلا ضير من القرصنة عليها وكذا لو كان الكفار سيقومون بالقرصنة على كل حال فلا معنى للتوقف عن القرصنة خوف قيام الكفار بالقرصنة ، أي أن الأمر متعلق بالمصالح و المفاسد.

    أهم الشروط التي يجب أن تتوافر فيمن يتصدى للرد على الشبهات المثارة على البالتوك:

    1/ يكون مؤمنا صادقا مخلصا مجتنبا للكبائر ، لأن الصغائر يقع فيها كل أحد ، ولكنه يجاهد أيضا نفسه في البعد عن الصغائر ، وهذه الحالة الإيمانية تكون من أسباب فتح الله تعالى على الإنسان ، فيلهم الحجة بتوفيق من الله تعالى ، مادام مخلصا له سبحانه.

    2/ العلم بما يتكلم فيه ، فلا يجوز أن يدخل الإنسان وهو ناقص البضاعة ، ومن المرفوض عقلا وشرعا أن يدخل الإنسان في معركة بلا سلاح ، لأنه يعرض نفسه للقتل ، والجهاد ليس المقصود منه أن يُقتل المسلم ، و المجادلة و المحاورة نوع من الجهاد الفكري.

    3/ أن يطلع على ثقافة أهل الضلال ، وأن يقف على نقاط الضعف عندهم ، وأن يكون على دراية بما يعرف بـحال المذهب الضال الذي يناقشه و يحاور صاحبه لكي يهاجم و لا يكتفي طول الوقت بالدفاع.

    4/ أن يكون لديه علم بالتقنيات العلمية ، بحيث يعرف إمكانيات الأداة التي يستخدمها ، والخيارات والحيل التي يتيحها البرنامج الذي يعمل من خلاله ، فيمكنه الاستفادة منه بأكبر صورة ممكنة ، ويقي نفسه من أن يكون تحت أيدي الآخرين .. إذا كان لذلك سبيل ، أو يكون عنده البدائل الممكنة.

    5/ ألا ينجرّ في جزئيات وتفاصيل لا علاقة لها بالموضوع الأساسي محل النقاش ، بل يكون محددا فيما يقول ، منظما لأفكاره قبل أن ينطق بها ، يدرك ما يقوله في كل جزئية ، بحيث ينطلق من المعطيات إلى النتائج بتسلسل عقلي.

    6/ أن يلتزم الحديث بالحسنى ، فيقول عن الشيء الصواب أنه صواب ، وعن الخطأ أنه خطأ ؛ فهناك أقوال لعلمائنا خطأ وعلى العالم أن يحكم بخطئها ، وندرك أن أقوال الرجال ليس لها قدسية عندنا خصوصا إذا كان أهل العلم قد ردوا عليها، ولكن القدسية للكتاب والسنة الصحيحة، أما اجتهاد العلماء فهو محل أخذ و رد.

    7/ ألا ينجرّ إلى بعض الأمور المطروحة منهم ، وأن ننطلق من الثوابت ، والتأكيد على الكليات في المسألة ، ويمكن التسليم لهم ببعض الأمور من باب استدعاءالحجة ، كما فعل إبراهيم عليه السلام: "رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي" ، "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي" إلى آخر الآيات التي تختم بقوله: "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ".

    8/ يحتاج المحاور نوعا من الشدة العقلية في بعض الأحايين ، إن كان الخصم لا يرتدع إلا بهذا ، ولذا قال الله تعالى: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا"، فاستثنى الظالمين من الحسنى إن لم تجدِ معهم، ومعظم من يديرون حلقات البالتوك من الضلال على هذا المنوال.

    قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: "فالظالم لم يؤمر بجداله بالتي هي أحسن، فمن كان ظالمًا مستحقًا للقتال غيرطالب للعلم والدين فهو من هؤلاء الظالمين الذين لا يجادلون بالتي هي أحسن، بخلاف من طلب العلم والدين ولم يظهر منه ظلم، سواء كان قصده الاسترشاد، أو كان يظن أنه على حق ويقصد نصر ما يظنه حقًّا، ومن كان قصده العناد يعلم أنه على باطل ويجادل عليه فهذا لم يؤمر بمجادلته بالتي هي أحسن، لكن قد نجادله بطرق أخرى نبين فيها عناد هو ظلمه وجهله جزاءً له بموجب عمله"

    اقتراح لأحد العلماء (مدرسة تعليم رد الشبهات) مع تعديل في التكييف الواقعي لها:

    الأساس: من المعلوم أن الحكمة تقتضي ألا يدخل الإنسان في شيء إلا إذا كان أهلا له ، فلا يكون الدين والرد على الشبهات المثارة حوله باستثناء في هذا بل هو من أولى ما يطبق فيه هذا ، والتخصص أمر حث عليه الشرع.

    الشكل: حلقة من حلقات التعليم عن بعد لا يطلع عليها إلا الطلبة والأساتذة.

    المدرسون: العلماء و المعروفون بالقدرة على رد الشبهات.

    الطلبة: ممن حصلوا قدرًا لا بأس به من العلم الشرعي.

    المنهج : يوضع منهج علمي لتدريسه يهدف إلى تحقيق الغرض الذي وضعت له المدرسة.

    التطبيق: الأول: المحاضرات والتفاعل ويتم فيها تعليم الهدي في القرآن والسنة في الرد على أهل الضلال وكذا معرفة حيل أهل الضلال وكيفية الجدال وآدابه وكيفية تناول العلماء للشبهات ومذاكرة بعض المناظرات وغير ذلك مما يعين.

    الثاني: ورش عمل، بحيث يقوم الشيخ بطرح بعض الشبهات، ويسمع من الطلاب الرد عليها، ثم يكون هناك توجيه وتصحيح، و كذا يعد الطلبة بحوثًا في الرد على الشبهات.

    النتيجة : يمنح الطالب شهادة من متخصصين في الرد على الشبهات بحيث يكون بعد ذلك أهلًا للقيام بالعمل.

    روابط توضح بعض التطبيق الواقعي الممكن لهذا :

    كيف نتعلم الرد على الشبهات ؟

    شبهة اختلاف الآراء - نبوءة سورة الروم كمثال
    و لكنها لم تكتمل ..

    و على الرابط التالي توجد فكرة ذات صلة .

    مشروع اطرحه للنقاش والتطبيق فى المنتدى

    هذه روابط للتوضيح فقط ، لكن التطبيق يكون أكبر من ذلك بأن يكون هناك اختبار لمعرفة مدى علم المرشَّح - و الترشيح يكون بناء على مشاركاته و ترشحه المدرسون و لا يكون خو الذي يرشح نفسه - لدخول مدرسة تعليم الرد على الشبهات ، اختبار في العقيدة و الفقه و السيرة و القرآن و الحديث لمعرفة هل حصيته من العلم الشرعي كافية كبداية أم لا ..

    فإن تجاوز الامتحان ..

    يطلع بعد ذلك على روابط المواضيع الخاصة بالمدرسة التي تعلم الهدي في الردود في القرآن الكريم و السنة و أسلوب الجدل و قواعده و حيل أهل الضلال و غيرها ..

    ثم يدخل في امتحان متعلق بهذا المستوى ..

    فإن تجاوزه ..

    دخل في مرحلة البحث و العرض فإن كانت ردوده جيدة فبها ، و إلا يدخل في مزيد من المواضيع التي تقويه و هكذا ..

    المشروع ضخم و يحتاج للتفاعل و الترتيب و الله المستعان .


    تم بحمد الله ..
    التعديل الأخير تم 09-11-2007 الساعة 11:47 PM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  12. #12

    افتراضي طلب صغير

    السلام عليكم حراس العقيدة وجزاكم الله خيرا على هذا الطرح الجميل وأسال الله تعالى ان يبارك في علمكم
    أطلب منكم طلب الدعو لي أن يرزقني الله الإخلاص والثبات

  13. افتراضي طلب كبير .

    و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ..

    أسأل الله عز و جل أن يرزقك الهداية في الأمر كله و ألا يكلك إلى نفسك طرفة عين و أن يثبتك على الحق في الدنيا و الآخرة و يرزقك الإخلاص فلا يكون في عملك شيءٌ لغيره سبحانه ..

    و لي طلب أكبر ..

    لا تنس أخاك من دعوة بظهر الغيب .
    التعديل الأخير تم 09-12-2007 الساعة 01:13 AM
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  14. #14

    افتراضي

    سلمت يمينك ، ما أروع ما وصفت ، فهو للمؤمنين روعة ارتياح ، وللكافرين روعة ارتياع .

    وحاق مكتوبك أن يحفظ في الصدور لا السطور ، وفي الأحداق لا الأوراق ، فمن عذيرنا ممن يتخبط بين مشتبهات الشبهات تاركا نور الله دبري أذنيه ، ثم يقول أنجدوني من حيرة وشكِ ! بل يداك أوكتا وفوك نفخ ، ولو كان أمر الدين عندك كأمر الدرهم والدينار ما رضيت بوسوسة شكاك عن يقين علم وعين يقين ، ولكنه حماقة الجاهلين حين يبيعون رأس مالهم بسراب الكاذبين ، فخسر البائع والمبتاع ، وما أخسرها تجارةً.

  15. افتراضي

    {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً }الأحزاب39


    جزاك الله خيرا على هذا الجهد

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. إني أرى الإلحاد عاريًا. (4)
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 05-05-2010, 05:07 PM
  2. إني أرى الإلحاد عاريًا. (4)
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى حسام الدين حامد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-25-2010, 06:52 AM
  3. إني أري الإلحاد عاريًا (2-1)
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 02-05-2010, 02:25 PM
  4. إني أرى الإلحاد عاريًا . (2-3)
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى حسام الدين حامد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-02-2007, 08:19 PM
  5. إني أرى الإلحاد عاريًا . (2-2)
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى حسام الدين حامد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 08-06-2007, 12:58 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء