النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: أسماء الله الحسنى الفقه والآثار............منقول

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    مصر -الأسكندرية
    المشاركات
    66
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    Arrow أسماء الله الحسنى الفقه والآثار............منقول

    في دائرة الضوء
    أسماء الله الحسنى الفقه والآثار
    بقلم : د . عبد العزيز آل عبد اللطيف
    الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، والصلاة والسلام
    على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم
    بإحسان إلى يوم الدين .
    وبعد : إن أجلّ المقاصد وأنفع العلوم : العلم بمعاني أسماء الله (عز وجلّ)
    الحسنى وصفاته العلا ، فإن التعرّف على الله (تعالى) من خلال أسمائه وصفاته
    يحقق العلم الصحيح بفاطر الأرض والسماوات ، والعلم بأسماء الله وصفاته يستلزم
    عبادة الله (تعالى) ومحبته وخشيته ، ويوجب تعظيمه وإجلاله .
    ومع أهمية هذا الجانب وجلالة قدره ، إلا أن ثمة غفلة عنه ، فنلحظ التقصير
    في فقه أسماء الله وصفاته ، وإهمال التعبّد والدعاء بها ، وضعف الالتفات إلى ما
    تقتضيه هذه الأسماء الحسنى من الآثار والثمرات .
    وسأتحدث - مستعيناً بالله (تعالى) - عن هذا الموضوع من خلال
    ما يلي :

    أ- تظهر أهمية هذا الموضوع عبر الآيات القرآنية المتعددة التي تحض
    على تدبر القرآن الكريم ؛ كما قال (سبحانه) :  كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا
    آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ  [ص : 29] ، وذمّ القرآن من لا يفهمه ، فقال (تعالى) :
     فَمَالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً  [ النساء : 78] ، ولا شك أن فقه أسماء
    الله (تعالى) وصفاته يدخل في ذلك دخولاً أوليّاً .
    كما أن عبادة الله (تعالى) ومعرفته آكد الفرائض ، ولا يتحقق هذا إلا بمعرفة
    أسماء الله وصفاته .
    يقول قوام السنة الأصفهاني (ت 535 هـ) :
    ( قال بعض العلماء : أول فرض فرضه الله على خلقه : معرفته ، فإذا عرفه
    الناس عبدوه ، قال الله (تعالى) :  فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ  [محمد : 19] ،
    فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها ؛ فيعظموا الله حق عظمته ، ولو
    أراد رجل أن يعامل رجلاً : طلب أن يعرف اسمه وكنيته ، واسم أبيه وجده ، وسأل
    عن صغير أمره وكبيره ، فالله الذي خلقنا ورزقنا ، ونحن نرجو رحمته ونخاف من
    سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها) [1] .
    وفقه أسماء الله (تعالى (وصفاته يوجب تحقيق الإيمان والعبادة لله وحده ،
    وإفراده (سبحانه (بالقصد والحبّ والتوكل وسائر العبادات ، كما بيّن ذلك أهل العلم .
    ولذا : يقول العز بن عبد السلام : (فهم معاني أسماء الله (تعالى) وسيلة إلى
    معاملته بثمراتها من : الخوف ، والرجاء ، والمهابة ، والمحبة ، والتوكل ، وغير
    ذلك من ثمرات معرفة الصفات) [2] .
    ويقول أيضاً : (ذكرُ الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة ، وبأوصاف الكمال
    موجب للمهابة ، وبالتوّحد بالأفعال موجب للتوكل ، وبسعة الرحمة موجب للرجاء ،
    وبشدة النقمة موجب للخوف ، وبالتفرّد بالإنعام موجب للشكر ، ولذلك قال (سبحانه) :
     اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً  ) .
    ويقول ابن القيم في هذا الصدد :
    ( لا يستقر للعبد قدم في المعرفة بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرّب
    (جلّ جلاله) ويعرفها معرفة تخرج عن حدّ الجهل بربه ، فالإيمان بالصفات
    وتعرّفها هو أساس الإسلام ، وقاعدة الإيمان ، وثمرة شجرة الإحسان ، فضلاً عن أن
    يكون من أهل العرفان ... ) [3] .
    ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي :
    ( إن معرفة الله (تعالى) تدعو إلى محبته وخشيته ورجائه وإخلاص العمل له ،
    وهذا عين سعادة العبد ، ولا سبيل إلى معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته ،
    والتفقه في فهم معانيها ..
    بل حقيقة الإيمان أن يعرف الربّ الذي يؤمن به ، ويبذل جهده في معرفة
    أسمائه وصفاته ، حتى يبلغ درجة اليقين .
    وبحسب معرفته بربه ، يكون إيمانه ، فكلما ازداد معرفة بربه ، ازداد إيمانه ،
    وكلما نقص نقص ، وأقرب طريق يوصله إلى ذلك : تدبر صفاته وأسمائه من
    القرآن .. ) [4] .
    * والمقصود بالتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته : تحقيق العلم بها ابتداءً ،
    وفقه معاني أسمائه وصفاته ، وأن يعمل بها ، فيتصف بالصفات التي يحبها الله
    (تعالى) : كالعلم ، والعدل ، والصبر ، والرحمة .. ونحو ذلك ، وينتهي عن
    الصفات التي يكرهها له (تعالى) من عبيده مما ينافي عبوديتهم لله (تعالى) ،
    كالصفات التي لا يصح للمخلوق أن يتصف بها كالكبر والعظمة والجبروت ...
    فيجب على العبد إزاءها الإقرار بها والخضوع لها .
    ومن العمل بها : أن يدعو الله (تعالى) بها ؛ كما قال (سبحانه) :  وَلِلَّهِ
    الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا  [الأعراف : 180] ، كما أن من العمل بها : تعظيمها
    وإجلالها ، وتحقيق ما تقتضيه من فِعْل المأمورات وترك المحظورات .
    يقول ابن تيمية : (إن من أسماء الله (تعالى) وصفاته ما يُحمد العبد على
    الاتصاف به كالعلم والرحمة والحكمة وغير ذلك ، ومنها ما يذم العبد على الاتصاف
    به كالإلهية والتجبر والتكبر ، وللعبد من الصفات التي يُحمد عليها ويؤمر بها ما
    يمنع اتصاف الربّ به كالعبودية والافتقار والحاجة والذل والسؤال
    ونحو ذلك .. ) [5] .
    وقال ابن القيم : (لما كان (سبحانه) يحبّ أسماءه وصفاته : كان أحبّ الخلق
    إليه من اتصف بالصفات التي يحبها ، وأبغضهم إليه : من اتصف بالصفات التي
    يكرهها ، فإنما أبغض من اتصف بالكبر والعظمة والجبروت ؛ لأن اتصافه بها ظلم ،
    إذ لا تليق به هذه الصفات ولا تحسن منه ؛ لمنافاتها لصفات العبيد ، وخروج من
    اتصف بها من ربقة العبودية ، ومفارقته لمنصبه ومرتبته ، وتعديه طوره وحدّه ،
    وهذا خلاف ما تقدم من الصفات كالعلم والعدل والرحمة والإحسان والصبر والشكر ،
    فإنها لا تنافي العبودية ، بل اتصاف العبد بها من كمال عبوديته ، إذ المتصف بها
    من العبيد لم يتعد طوره ، ولم يخرج بها من دائرة العبودية) [6] .
    وقال الحافظ ابن حجر أثناء شرحه لحديث (إن لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا
    واحداً من أحصاها دخل الجنة) [7] :
    ( وقيل : معنى أحصاها : عمل بها ، فإذا قال : (الحكيم) ، مثلاً ، سلّم جميع
    أوامره ، لأن جميعها على مقتضى الحكمة ، وإذا قال : (القدوس) ، استحضر كونه
    منزهاً عن جميع النقائص ، وهذا اختيار أبي الوفا بن عقيل . وقال ابن بطّال :
    طريق العمل بها : أن الذي يسوغ الاقتداء به فيها كالرحيم والكريم : فإن الله يحب
    أن يرى حالاها على عبده ، فليمرن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها ، وما
    كان يختص بالله (تعالى) كالجبار والعظيم : فيجب على العبد الإقرار بها ،
    والخضوع لها ، وعدم التحلي بصفة منها ، وما كان فيه معنى الوعد : نقف منه عند
    الطمع والرغبة ، وما كان فيه معنى الوعيد : نقف منه عند الخشية والرهبة) [8] .
    * ومما يستحق تقريره ها هنا : أن تلازماً وثيقاً بين إثبات الأسماء والصفات
    لله (تعالى (وتوحيد الله (تعالى) بأفعال العباد ، فكلما حقّقَ العبد أسماء الله وصفاته
    علماً وعملاً ، كلما كان أعظم وأكمل توحيداً ، وفي المقابل : فإن هناك تلازماً وطيداً
    بين إنكار الأسماء أو الصفات وبين الشرك .
    يقول ابن القيم في تقرير هذا التلازم : (كل شرك في العالم فأصله التعطيل ،
    فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به ، لما أشرك به ، كما قال إمام
    الحنفاء وأهل التوحيد لقومه :  أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ
    العَالَمِينَ  [الصافات : 86 ، 87] أي : فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه
    غيره ؟ ، وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء ؟ أظننتم أنه محتاج إلى
    الشركاء والأعوان ؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى
    شركاء تعرفه بها كالملوك ؟ ، أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم
    وقضاء حوائجهم ؟ أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده ؟ ...
    والمقصود : أن التعطيل مبدأ الشرك وأساسه ، فلا تجد معطلاً إلا وشركه على
    حسب تعطيله ، فمستقلّ ومستكثرٌ) [9] .
    ونورد أمثلة في توضيح هذا التلازم والصلة بين توحيد العبادة وتوحيد الأسماء
    والصفات .
    فالدعاء مثلاً هو آكد العبادات وأعظمها ؛ فالدعاء هو العبادة كما أخبر
    المصطفى ، وهو لا ينفك عن إثبات وفقه أسماء الله (تعالى) وصفاته .
    ويشير ابن عقيل إلى هذه الصلة بقوله : (قد ندب الله (تعالى (إلى الدعاء ،
    وفي ذلك معانٍ :
    أحدها : الوجود ، فإن من ليس بموجود لا يُدعى .
    الثاني : الغنى ، فإن الفقير لا يُدعى .
    الثالث : السمع ، فإن الأصم لا يُدعى .
    الرابع : الكرم ، فإن البخيل لا يُدعى .
    الخامس : الرحمة ، فإن القاسي لا يُدعى .
    السادس : القدرة ، فإن العاجز لا يُدعى) [10] .
    والتوكل على الله (تعالى (وحده شرط في الإيمان ، وأجلّ العبادات القلبية ،
    ولا يتحقق التوكل إلا بمعرفة أسماء الله (تعالى) وصفاته.
    وقد وضح ذلك ابن القيم بقوله :
    ( ولا يتم التوكل إلا بمعرفة الربّ وصفاته من قدرته وكفايته وقيوميته
    وانتهاء الأمور إلى علمه ، وصدورها عن مشيئته وقدرته ، قال شيخنا ابن تيمية
    (رحمه الله) : ولذلك لا يصح التوكل ولا يتصور من فيلسوف ، ولا من القدرية
    النفاة القائلين بأن يكون في ملكه ما لا يشاء ، ولا يستقيم أيضاً من الجهمية النفاة
    لصفات الربّ (جلّ جلاله) ، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات .
    فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه ، ولا هو
    فاعل باختياره ، ولا له إرادة ومشيئة ، ولا يقوم به صفة ؟ فكل من كان بالله
    وصفاته أعلم وأعرف ، كان توكله أصح وأقوى ، والله (سبحانه وتعالى)
    أعلم) [11] .
    وحسن الظن بالله والثقة به (تعالى) عبادة جليلة تقوم على فقه أسماء الله
    وصفاته ، كالحكمة والقدرة .. ، كما أن سوء الظن بالله من آثار إنكار أسماء الله
    (تعالى) وصفاته .
    يقول ابن القيم : (وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم ، وفيما
    يفعله بغيرهم ، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله ، وأسماءه وصفاته ، وعرف
    موجب حكمته وحمده ...
    ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تَعَتّباً على القدَر وملامة له ... وأنه كان
    ينبغي أن يكون كذا وكذا ، فمستقل ومستكثر ، وفتش نفسك هل أنت سالم
    من ذلك ؟ ) [12] .
    وأشار الشيخ محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) إلى أن أصول العبادة الثلاثة
    (الحبّ ، والرجاء ، والخوف) من آثار وثمرات التعبد بأسماء الله وصفاته ، فقال في
    مسائل ذكرها في تفسير سورة الفاتحة : (أركان الدين : الحب ، والرجاء ، والخوف ،
    فالحب في الأولى ، وهي  الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ  ، والرجاء في الثانية ،
    وهي  الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  ، والخوف في الثالثة ، وهي  مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ) [13] .
    إذا ظهر بهذه الأمثلة مدى التلازم الوثيق بين صفات الله (تعالى) وما تقتضيه
    من العبادات الظاهرة والباطنة ، فيمكن أن نخلص إلى ما حرره ابن القيم بقوله :
    ( لكل صفة عبوديةٌ خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها ، أعني : من
    موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها ، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي
    على القلب والجوارح ، فعلم العبد بتفرد الرب (تعالى) بالضرّ والنفع ، والعطاء
    والمنع ، والخلق والرزق ، والإحياء والإماتة : يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً ،
    ولوزام التوكل وثمراته ظاهراً ، وعلمه بسمعه (تعالى) وبصره ، وعلمه أنه لا يخفى
    عليه مثقال ذرة ، وأنه يعلم السر ، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور : يثمر له
    حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما لا يرضي الله ، وأن يجعل تعلق
    هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه ، فيثمر له ذلك : الحياء باطناً ، ويثمر له الحياء
    اجتناب المحرمات والقبائح ، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته
    توجب له سعة الرجاء ... وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه ، تثمر له
    الخضوع والاستكانة والمحبة ، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعاً من العبودية
    الظاهرة ، هي موجباتها .. فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء
    والصفات) [14] .
    * والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته له آثاره الطيبة في حسن الخلق وسلامة
    السلوك ، كما أن تعطيل أسماء الله (تعالى) وصفاته لا ينفك عن مساوئ الأخلاق
    ورديء السلوك .
    ومثال ذلك : أن القدرية النفاة لما كانوا ينفون علم الله (تعالى (المحيط بكل
    شيء ، ويزعمون أن العبد يخلق فعله نفسه ، فالخير هو الذي أوجده العبد وفَعَله
    على حدّ زعمهم ، ودخوله الجنة عوض عمله ، فأورثهم ذلك غروراً وعُجباً ، وكما
    قال أبو سليمان الداراني :
    (كيف يعجب عاقل بعمله ؟ وإنما يعدّ العمل نعمة من الله ، إنما ينبغي له أن
    يشكر ويتواضع ، وإنما يعجب بعمله القدرية) [15] .
    والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته سبب رئيس في السلامة من الآفات :
    كالحسد ، والكبر ، كما قال ابن القيم : (لو عرف ربّه بصفات الكمال ونعوت الجلال ،
    لم يتكبر ولم يحسد أحداً عى ما آتاه الله ؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله ؛
    فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله ، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك ،
    فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته ... ) [16] .
    والتعبد بأسماء الله (تعالى) وصفاته يثمر الموقف الصحيح تجاه المكروهات
    والمصائب النازلة ؛ فإن الإنسان ظلوم جهول ، والله (تعالى) بكل شيء عليم ، وهو
    (سبحانه) حَكَمٌ عدْل ، ولا يظلم (تعالى) أحداً ، قال (سبحانه) :  كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ
    وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ
    لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ  [البقرة : 216]
    يقول ابن القيم : (من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم
    يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح
    والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته ، بل مصلحة العبد فيما كره أعظم منها
    فيما يحب ... ) [17] .
    ويقول أيضاً : ( .. فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة ونقص في
    نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب (تعالى) بالقسط ، وهو عدل الله وقسطه ، وإن
    أجراه على يد ظالم ، فالمسلط له أعدل العادلين ، كما قال (تعالى) لمن أفسد في
    الأرض :  بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَاًسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً
    مَّفْعُولاً  [الإسراء : 5] [18] .
    * وفي ختام هذه المقالة نسوق أمثلة من أسماء الله (تعالى) ، وبيان معانيها
    وما تقتضيه من العبادات ، يقول قوام السنة الأصفهاني أثناء حديثه عن اسم الله
    (تعالى) (الرزاق) :
    ( الرزاق : المتكفل بالرزق ، والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها ،
    وَسِعَ الخلقَ كلهم رزقُه ، فلم يخص بذلك مؤمناً دون كافر ، ولا وليّاً دون عدو ،
    ويرزق مَنْ عبده ومَنْ عبد غيره ، والأغلب من المخلوق أن يرزق فإذا غضب منع ،
    حكي أن بعض الخلفاء أراد أن يكتب جِراية لبعض العلماء ، فقال : لا أريده ، أنا
    في جراية من إذا غضب عليّ لم يقطع جرايته عني ، قال الله (تعالى) :  وَكَأَيِّن
    مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإيَّاكُمْ  [العنكبوت : 60] ، والمخلوق إذا
    رزق ، فإنه يفنى ما عنده فيُقْطعُ عطاؤه عمن أفضل عليه ، فإن لم يفن ما عنده فني
    هو وانقطع العطاء ، وخزائن الله لا تنفد وملكه لا يزول .. ) [19] .
    ولما ذكر القرطبي من أسماء الله (تعالى) (الحفيظ) محتجّاً بقوله (تعالى) :
     وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ  [الشورى : 6] ، قال : (يجب
    على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الحافظ لجميع الممكنات ، وأعظم الحفظ : حفظ
    القلوب وحراسة الدين عن الكفر والنفاق وأنواع الفتن وفنون الأهواء والبدع ؛ حتى
    لا يزلّ عن الطريقة المثلى ، قال (تعالى) :  يُثَبِّتُ اللَّهُ الَذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
    فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ  [ابراهيم : 27] .
    ويجب علينا حفظ حدوده ، وحفظ ما وجب علينا من حقوقه ، فيدخل في ذلك :
    معرفة الإيمان والإسلام وسائر ما يتعيّن علينا علمه .. ) [20] .
    * ومن إشراقات ابن القيّم التي سطرها أثناء حديثه عن اسمي الله (تعالى) :
    (الأول) و (الآخر) مايلي :
    ( من عبد الله (تعالى) باسمه (الأول) و (الآخر) حصلت له حقيقة هذا الفقر
    [توجه القلب إلى الله وحده في جميع الأحوال] .. فإن عبوديته باسمه (الأول)
    تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف أو الالتفات إليها ، وتجريد النظر إلى
    مجرد سبق فضله ورحمته ، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد .
    وعبوديته باسمه (الآخر) تقتضي أيضاً عدم ركونه للأسباب ، فإنها تنعدم لا
    محالة وتنقضي بالآخرية ، ويبقى الدائم الباقي بعدها ، فالتعلق بها تعلق بما يعدم
    وينقضي ، والتعلق ب) الآخر) (سبحانه) تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول ،
    فالمتعلّق به حقيق أن لا ينقطع ، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به) [21] .
    ________________________
    (1) الحجة في بيان المحجة ، ج 1 ، ص 122 .
    (2) شجرة المعارف والأحوال ، ص 1 .
    (3) مدارج السالكين ، ج 3 ، ص 347 .
    (4) تفسير السعدي ، ج 1 ، ص 24 .
    (5) الصفدية ، ج 2 ، ص 338 .
    (6) طريق الهجرتين ، ص 129 .
    (7) أخرجه البخاري : كتاب التوحيد ، باب 12 ، وكتاب الشروط ، باب 18 ، وكتاب الدعوات ، باب
    68 .
    (8) فتح الباري ، ج 11 ، ص 229 .
    (9) مدارج السالكين ، ج 3 ، ص 347 ، باختصار .
    (10) شرح الطحاوية ، ج 2 ، ص 678 .
    (11) مدارج السالكين ، ج 2 ، ص 117 .
    (12) زاد المعاد ، ج 3 ، ص 229235 ، بتصرف ، وانظر : كتاب التوحيد للشيخ محمد بن
    عبدالوهاب ، باب قوله (تعالى) : ] يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ [ .
    (13) تاريخ ابن غنام ، ج 2 ، ص 360 .
    (14) مفتاح دار السعادة ، ج 2 ، ص 90 باختصار ، وانظر : طريق الهجرتين ، ص 43 ، ومدارج
    السالكين ، ج 1 ، ص 420 ، ج 3 ، ص 351 ، والفوائد ، ص 63 .
    (15) حلية الأولياء ، لأبي نعيم ، ج 9 ، ص 263 .
    (16) الفوائد ، ص 150 .
    (17) السابق ، ص 85 .
    (18) مدارج السالكين ، ج 1 ، ص 425 .
    (19) الحجة في بيان المحجة ، ج 1 ، ص 138 ، وانظر : الأسنى للقرطبي ، ج 1 ، ص 284 .
    (20) الأسنى ، شرح أسماء الله الحسنى ، ج 1 ، ص 311 .
    (21) طريق الهجرتين ، ص 19 ، باختصار .

    (( مجلة البيان ـ العدد [ 99 ] صــ 86 ذو القعدة 1416 ـ أبريل 1996 ))

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2013
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    33
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    شكرا على الموضوع ، وجزاكم الله خيرا .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. *( معنى إحصاء أسماء الله تعالى الحسنى ... !)*
    بواسطة انصر النبى محمد في المنتدى قسم الاستراحة والمقترحات والإعلانات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 01-09-2014, 11:33 PM
  2. أسماء الله الحسنى
    بواسطة الراجى حسن الخاتمة في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-29-2011, 08:21 PM
  3. هام جدا, أسماء الله الحسنى الثابتة بالقرآن والسنة ... لا إجتهاد مع نص
    بواسطة الجاذبيه الاخاذه في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 06-23-2009, 02:11 AM
  4. شرح أسماء الله الحسنى ومايتعلق بها للشيخ عبدالعزيز الداخل
    بواسطة حفيدة بني عامر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02-25-2008, 12:41 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء