صفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 59

الموضوع: اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)

  1. #1

    افتراضي اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)

    السلام عليكم،

    هذا هو موضوع "اشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي" الذي وعدت بطرحه. و لكني تأخرت في الطرح لأسباب كثيرة يطول شرحها.

    هذه المرة، سأقوم بطرح نفس الإشكالات بطريقة مختلفة بعد أن قمت بإعادة صياغتها و إضافة بعض التعديلات التي تجعل الأمور أوضح و أكثر اختصاراً للوقت. قمت أيضاً على قدر المستطاع بحذف كل ما هو مستفز و غير لائق بأن يكتب في منتداكم المحترم.

    لمن يحب الإطلاع، الموضوع مازال موجوداً بمنتداه الأصلي.

    سأستعرض نقاطي على شكل سؤال و جواب.

    لنبدأ،

    اشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي

    المعروف عن المسلمين أنهم يؤمنوا بأن الله عادل، رحيم، و بكل شيء عليم. سأستعرض بعض النقاط التي في رأيي تتعارض مع هذه الصفات. أود أن يرد الإخوة المسلمون على هذه الإشكالات.

    1- الإستشارة في الخلق:

    وفقا للدين الإسلامي، الله هو خالق الكون. و قبل خلق الكون لم يكن هناك شيء على الإطلاق إلا "الله" فقط. أي أننا جميعا لم نكن موجودين و كان هو فقط و لاشيء آخر. المتفق عليه أن الله في لحظة معينة بعد كل هذا اللاشيء، بدأ في خلق الكون و ما عليه ثم خلق البشر.

    بداية نقول:

    س: كيف يخلق الله البشر من العدم من دون استشارتهم؟ هم كانوا في حالهم في العدم، من قال أنهم يريدون تحمل كل هذه المسئولية؟

    ج: الله عرض الأمانة على السماوات و الأرض و رفضوها، و عرضها على الجبال فرفضتها. و لكن بنو آدم قبلوا هذه الأمانة، و بالتالي فهم من اختاروا و عليهم تحمل المسئولية.

    التحليل:

    إجابة السؤال مغزاها الرئيسي هو اسقاط تهمة الظلم عن الله على أساس أن موافقة الإنسان هي التي حسمت الأمر، حيث أنه لو كان الإنسان وافق فهو المسئول عن اختياره، و لو كان غير موافق لكان ذلك ظلماً. و بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي، فمعنى ذلك أنه إذا كان الله عادلاً فلا بد أنه:

    1- أن جميع البشر الذين ُخلقوا وافقوا على حمل الأمانة بلا أدنى استثناء.
    2- أو أن هناك من هم رفضوا الأمانة و عادوا للعدم تحقيقاً للعدل.

    لو كان الله فعلاً عادلاً بنسبة مائة بالمائة، فهذه هي الإختيارات الموجودة.

    بالنسبة للإحتمال الثاني: إذا كان الله أعاد الناس الذين رفضوا الأمانة للعدم، فهل يوجد أي سند أو دليل إسلامي يدل على هذا؟ ما الذي يجعل مسلم يؤمن باحتمال كهذا إذا كان لا وجود لسند له في القرآن أو في السنة؟

    أما بالنسبة للأول:"أن جميع البشر الذين ُخلقوا وافقوا على حمل الأمانة بلا أدنى استثناء".

    فهو يفترض أن كل إنسان عاش في التاريخ و يعيش الآن و سيعيش في المستقبل، عرضت عليه الأمانة يوم ما و وافق عليها. هناك من يؤمنوا بأنها عرضت على آدم فقط و قبلها، و أتينا نحن من بعد ذلك.

    أحب فقط أن أنتهي من هذا الإفتراض سريعاً و أوضح أنه في رأيي قمة في الظلم. و ما ذنبي أنا إذا كان آدم وافق أن يتحمل الأمانة؟ أليس من الممكن ألا أريد أنا أن أتحملها و أطالب بالعودة للعدم؟ هذا لا يختلف كثيراً عن مبدأ الخطيئة الموروثة عن آدم الموجود في الديانة المسيحية.

    إذا كان من غير المنطقي أن نرث أخطاء آدم، فمن غير المنطقي أيضاً أن نرث الأمانة التي لم نوافق نحن على تحملها و إنما وافق هو.

    الآن، و بما أننا اتفقنا أن الإنسان وافق على تحمل الأمانة، فمعنى ذلك أنه لم يرى من مانع قوي ليجعله يرفض، فضلاً عن أنه في الغالب أيضاً أعجبه الموضوع و اهتم به كفاية بحيث يقبل قراراً مصيرياً كهذا.

    و بما أننا اتفقنا أيضاً أن كل بشر عرفه التاريخ قبل الأمانة، إذاً، فمن ضمن من قبلوا الأمانة هم ناس كانت مثلاً حياتهم في الدنيا سيئة جداً جداً لدرجة أنهم انتحروا من كثرة وحشية الحياة.

    إذاً نحن الآن أمام حقائق لا تقبل النقاش.

    س: هل حدث من قبل و عاش في التاريخ بشراً عانوا في حياتهم معاناة مريعة لا توصف إلى حد الإنتحار؟

    ج: نعم. حدث كثيراً.

    س: ما هو مصير المنتحر؟

    ج: النار.

    س: هل المنتحر هذا من ضمن هؤلاء الذين قبلوا بخوض الحياة الدنيا عندما عرضت عليه؟

    ج: نعم.

    س: و لماذا قبلها؟

    ج: لأنه لم يكن يعرف أن كل هذه المصائب ستحدث له.

    س: هل يمكن أن يكون عرف هذه الأشياء و مع ذلك قبلها؟

    ج: لا طبعا.ً لأن الإنتحار عقابه جهنم، و لا يمكن أن يختار أحد شيئاً هو يعرف أنه يؤدي إلى جهنم بكامل إرادته.

    س: يعني هو لم يكن يعرف أنه سينتحر؟

    ج: طبعاً لأنه لو كان يعرف أن حياته ستكون بهذا السوء و تنتهي بالإنتحار و بالتالي جهنم، ما كان ليوافق.

    س: هل كان هناك من يعرف أن كل هذا سيحدث؟

    ج: نعم. الله كان يعرف.

    س: لماذا تقول أنه كان يعرف؟

    ج: لأنه بكل شيء عليم.

    س: يعني الله كان يعرف أن كل هذا سيحدث حتى قبل أن يخلق البشر أجمعين؟

    ج: نعم.

    س: و الله كان يعرف أن الإنسان الفلاني هذا سيوافق على الإختبار و كان يعرف أنه سيرسب فيه و يدخل النار و لم يرحمه من اختياره؟

    ج: نعم.

    س: هل كان الله في شك مثلاً أن الإنسان هذا قد يعمل صالحاً؟

    ج: لا. كان على يقين تام أنه سيدخل النار.

    س: إذاً، الله خبأ عنه هذه المعلومة؟

    ج: لا توجد اختيارات أخرى. لا يوجد اختلاف أن الله كان يعلم هذه المعلومة. و لو كان قد قالها له فطبعاً لم يكن هذا الإنسان ليوافق على أن يدخل الجحيم. و لكن الإنسان هذا وافق! إذاً معنى ذلك أنه لم يكن يعرف أنه ذاهب للنار. أي أن الله خبأ عنه المعلومة.

    س: يعني لا جدال أن الإنسان هذا لم يكن يعرف أنه سيدخل النار؟

    ج: نعم. طبعاً.

    س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان سيدخل النار؟

    ج: طبعاً.

    س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان لو عرف معلومة كهذه (أنه سيدخل النار) كان سيتراجع على الفور؟

    ج: نعم. طبعاً.

    س: و مع ذلك تركه بدون أن يقول له؟

    ج: نعم.

    س: أكيد الله لن يخبىء معلومة قيمة كهذه على الإنسان هذا. لا بد أن الله لم يكن متأكداً من مصير هذا الإنسان.

    ج: الله يعرف كل شيء بأدق التفاصيل، و هو على يقين أن هذا الإنسان سيدخل النار.

    س: حتى لو أعطاه مطلق الحرية؟

    ج: حتى لو أعطاه مطلق الحرية.

    س: هل إعطاء الناس مطلق الحرية يلغي كون الله يعلم بمصائر الناس "مطلقي الحرية"؟

    ج: لا. سواء أعطى الله الناس مطلق الحرية في التصرف أم لا، فهو في جميع الحالات يعرف مصائر جميع البشر بأعلى دقة
    ممكنة. و الموضوع لا علاقة له بكون الإنسان حر أم لا. الله يعلم كل شيء في كل الحالات.

    س: إذاً، الله كان يعرف أنه حتى إذا أعطى هذا الإنسان المنتحر مطلق الحرية في الإختيار، أن تصرفات هذا الإنسان المبنية على حريته الشخصية ستؤدي به للنار؟

    ج: نعم.

    س: و مع ذلك، و برغم علمه بكل هذا، عرض عليه الأمانة؟

    ج: نعم.

    س: و رآه و هو يوافق و تركه؟

    ج: نعم.

    س: لابد إذاً أن الله مجبر على فعل هذا، لأن الرحمة تقتضي أنه إذا كنت أرحم الراحمين، و لست رحيماً فقط، و كنت تعلم أن الإنسان البسيط الجاهل بمصيره هذا سيدخل النار حتى لو أعطيته الحرية الكاملة، فلا بد أن تنقذه من اختياره هذا؟

    ج: لا. الله ليس مجبراً على شيء.

    س: إذا كان غير مجبراً على شيء، و مع ذلك ترك الإنسان الضال هذا يختار اختياره الهالك بدون ما يحذره، إذا فلا بد أنه غير رحيم به؟ لو كان رحيم لرحمه من هذا الإختيار الذي سيلقي به في نار تلظى؟

    ج: لا. الله رحيم. الله رحيم رحمة مطلقة و هو أرحم الراحمين.

    س: يعني الله ليس مجبراً على شيء و رحيم رحمة مطلقة في نفس الوقت و فعل لك ذلك في نفس الوقت أيضاً؟

    ج: نعم.

    س: هل أخبر الله الإنسان الذي كان يعرف أنه سيدخل النار، أن هناك جنة و أنه إذا فعل الصالحات سيدخلها؟

    ج: نعم. أخبره طبعاً بأن هناك ثواب و عقاب.

    س: يعني، الله أخبر هذا الإنسان أن الجنة تنتظره إذا عمل الصالحات، و كان يعلم أنه لن يعمل الصالحات هذه؟

    ج: نعم.

    س: يعني كان يعشمه بالجنة و هو يعلم أنه لن يذهب إليها؟

    ج: نعم.

    س: هل كان يستطيع الله ألا يخلق البشر الذي كان يعرف أنه إذا خلقهم سيدخلوا النار؟

    ج: نعم. كان يستطيع ألا يخلقهم و كان ذلك سيرحمهم من العذاب اللانهائي الخالد في جهنم.

    س: و مع ذلك خلقهم؟

    ج: نعم.

    س: ماذا كانت البدائل؟ (لو كان رحيماً)

    ج: إما عدم الخلق، أو الخلق و إنقاذ الإنسان من اختياره لما يجهله.

    س:و ماذا يحدث في الواقع؟

    ج: يتم الخلق و عدم انقاذ هذا الإنسان من اختياره لما يجهله.

    س: إذاً لابد أن الله يحتاج هؤلاء البشر؟

    ج: لا.

    س: إذاً، ما الحاجة الماسة لإله لا يحتاج شيئاً في أن يخلق بشراً هو على يقين تام أنهم سيخلدوا في النار حتى و لو أعطاهم الحرية في الإختيار؟

    ج: أن يعبدوه. لا توجد حاجة لذلك أيضاً. الله لا يستفيد بعبادتهم له. هم فقط يتضرروا إذا لم يفعلوها. بل و يتضررون جداً جداً جداً.

    س: يتضررون إلى أي مدى؟

    ج: إلى مدى لا يمكن وصفه. لا يمكن لعقل بشر أن يتخيله. هول عظيم عظيم. و هذا الهول خلقه أرحم الراحمين.

    س: و لماذا كل هذا العذاب الرهيب؟ أليس الله حكيم؟ لماذا ينتقم بهذه الصورة المفزعة من البشر المساكين بالنسبة له؟ أليس المعروف أن يفهم الحكيم (مطلق الحكمة) من أين نبعت تصرفات هؤلاء البشر المساكين، تماماً كما نفهم نحن كيف أن الأطفال يتصرفوا؟ (مع الفارق المهول)؟

    ج: هذا هو ما يستحقه الإنسان لأنه قبل الأمانة. و بالتالي فهو مسئول عن تصرفاته.

    تعقيب على موضوع "الإنسان مسئول عما يحدث له لأنه هو من اختار"
    مثال:

    لنفترض أن:

    - الإنسان بعدما خلقه الله، وافق 100% على مبدأ أنه سيتم عقابه إذا عمل شراً و إذا عمل شراً سيدخل النار و مع ذلك وافق (على أمل أنه سيحاول ما بوسعه أن يتجنبها(

    - الإنسان حر تمام الحرية في اختياراته و 100% من أفعاله نابعة من اختياراته الشخصية بدون أدنى تدخل إلهي على الإطلاق.

    أعتقد أن هذا يخلي مسئولية الله الكاملة الآن.

    الآن، الله برغم أنه لا يتدخل على الإطلاق في تصرفات (أحمد) مثلاً، إلا أنه يعلم أن أحمد (و من دون أن يلمسه الله) ستؤدي به تصرفاته للنار. و الله كان يعرف ذلك من قبل أن يخلق أحمد.

    المبدأ التي يحاول المسلمون اقناعنا به هو أن أحمد الذي اختار بنفسه ذلك، إذاً عليه تحمل المسئولية (و ليس الله). طيب و هو مين اللي خلق أحمد هذا الذي سيختار اختيار هو مش قده؟ مين اللي كان أمامه الإختيار أن لا يخلق هذا الأحمد الذي إذا ُخلق سيفعل كذا و كذا؟

    أليس الإمتناع عن خلق أحمد رحمة له؟ (في ظل معرفة أنه سيدخل النار و لو حتى بإرادته؟)

    هل أحمد هو المسئول عن وجوده في الدنيا كذلك؟ أم الله؟ هل جاء أحمد فجأة و ظهر و قال أنا أريد أن أتحمل المسئولية؟ أم أن الله هو الذي خلقه ثم بعدما خلقه حمله أمانة هو يعرف أنه غير قادر عليها؟

    هذه نقطة. النقطة الأهم هي:

    أن هذا المبدأ (مبدأ أنت المسئول عن تصرفاتك) هو مبدأ دنيوي بحت و لا يعمل إلا بمقاييس الدنيا و لا يمكن أن ينسب لله.

    لماذا؟!

    لأن الله ليس كالبشر. مبدأ (أنا لست مسئولاً) هذا مبدأ بشري منبعه الأساسي هو إخلاء المسئولية الشخصية (منعا ًللضرر) أو (منعاً للمزيد من الضرر).

    يعني مثلا في شركات التأمين، الشركة تكتب معك عقد- (و العقد هو اتفاق) - و قد يأتي في تفاصيل العقد أن الشركة (غير مسئولة) عن إصلاح الحوادث المتعمدة و العميل هو المسئول. و هي بذلك تحمي نفسها من الخسائر الفادحة التي قد تلحقها إذا عبث الناس بسياراتهم ثم طلبوا تصليحها. إذاً هذا البند في العقد سببه (الوحيد) هو حماية الشركة من الأضرار المادية التي قد تلحق بها. و بالتالي لتحل الشركة هذا الإشكال فإنها تحمل (المسئولية) على العميل.

    ماذا لو كان تصليح السيارات لا يكلف الشركة شيء على الإطلاق؟ هل كانت ستفرض الشركة هذا البند على العملاء؟ على العكس تماماً. ما سيفعلونه حتما هو أنهم سيقولون للعميل: "من حقك أن تفعل ما يجود به خيالك الخصب بالسيارة و نحن سنتكفل بكافة التصليحات". إن هذا يعطي سمعة هائلة للشركة و يدر عليها مبالغ طائلة.

    و عليه، فإن مبدأ (تحميل الغير المسئولية) هو مبدأ أساسه (إخلاء المسئولية) من الطرف الآخر خوفا من التحاق أضرار به هو لم يكن مسئول عنها.

    لكن، الله كامل. لا يلتحق به ضرر بأي صورة. و من غير اللائق بقدرته المتناهية المصحوبة بعدله و رحمته المتناهيتين أن (يخلي) مسئوليته من عباده خاصة و أنه لن يخسر أي شيء على الإطلاق إذا تحمل المسئولية هو، فضلاً عن حب عبيده له و عبادتهم له (إذا كان هذا ما يريده) إذا فعل.

    و لكني (و بالرغم من كل ذلك ) - افترضت أنه غير مسئول بالمرة عن الإنسان و تصرفاته. و السؤال: "حتى إذا كان الله غير مسئول عنا (و هو ما معناه أن الإنسان هو السبب الوحيد في أنه دخل النار)، ألم يكن الله يعرف أنني سأطلب منه أن أكون مسئولا عن تصرفاتي و أن طلبي هذا سيدخلني النار؟ إذاً فلماذا وافق؟ حتى لو كنت أنا المسئول. لماذا يوافق هو؟ ألا يعرف أنني أحمق و أن مصيري سيء و أنني أطلب هذا الطلب فقط (و فقط) لأنني أجهل مصيري؟ طيب هو يعرف. يمكنه أن ينقذ الموقف ... و هو رحيم كذلاك، بل و أرحم الراحمين، و حكيم أيضاً بل و مطلق الحكمة ... لماذا لا ينقذ الإنسان المسكين هذا؟

    إذا طلب طفل صغير من أبيه أن يقفز من الشباك لأنه يريد أن يطير كالشخصيات التي يراها في الكارتون. ماذا يكون رد فعل الأب الذي (يحب) ابنه و (يريد مصلحته)؟ يرفض طبعاً لأنه يعرف أن القفز من الشباك يعني الهلاك. و ماذا نقول في الأب الذي يقول لإبنه (اقفز يابني ... أنت حر، و مسئول عن تصرفاتك)؟ أب غير رحيم بإبنه أو لا يحبه أو الإثنين معاً.

    الله (يحبنا) و (يريد مصلحتنا) و كان يعرف أن هناك من عباده من هم ذاهبين للنار، و مع ذلك وافق لهم على طلبهم. أين الرحمة؟

    إذا تركت طفل عنده عامين في الشارع و رأيته و هو يجري نحو السيارات المندفعة، ماذا ستفعل؟ هل ستتركه لتدعمه السيارات؟ علماً بأن الطفل حر تماما و لا أحد يقيده. هكذا المفروض أن الله يتركنا إلى النار من دون ما ينقذنا منها و منا نحن انفسنا بتصرفاتنا الحمقاء.

    لا يمكن الرد بأن الطفل لا يفهم شيئا و لكننا نحن نفهم. لأننا بالمقارنة بالله لا نفقه أي شيء على الإطلاق. و حالنا بالنسبة له أسوأ ألف مرة من حال الطفل الصغير هذا بالنسبة لأبوه الذي تركه.

    الطفل لا يعرف أن السيارة ستدعمه، كذلك الإنسان لم يكن يعرف أنه سيدخل النار. الأب يعرف أن السيارة ستدعمه و تركه، و الله يعرف أننا ذاهبين إلى النار و تركنا بعدما خلقنا هو بنفسه عالماً بكل هذا من البداية و ممتنعاً عن منعه من الحدوث و غير مجبراً على فعله.

    يصعب علي شخصياً تصور الله (برحمته المطلقة) وهو يشاهد مليارات الناس و هم يتعذبون أقصى عذاب ممكن لفترة طويلة جداً جداً جدا و يصرخون و يستغيثون من العذاب و الله لا يحرك لهم ساكناً.

    لو إنسان عادي (لن نقول رحيم) شاهد إنسان يتم تعذيبه في جهنم. سيبكي حزناً لما يراه و إذا أتيحت له الفرصة أن يخرجه، سيخرحه فوراً. و هذا إنسان. المفروض أن الله أرحم منه بكثير جدا.


    نعود للأسئلة:

    س: من أنت لتقول الله المفروض يفعل كذا أو كذا؟ و ما دخلك أنت بشؤون الله لتعدل عليه؟ دع الخلق للخالق.

    ج: هذا السؤال يفترض أن الشخص المطروح عليه السؤال مؤمن بالله و لكنه يتبجح و يعترض على قوانينه و يحاول أن يقحم نفسه فيما لا يقدر عليه. و لكن من قال هذا؟

    لو كنت متأكداً من وجود الله، لما ناقشته في أي شيء و لما احدثت جلبة و لا غيره. الجلبة سببها أني لا أؤمن بوجوده و أحاول أن أجد أسباباً منطقية تساعدني على ذلك. و إذا لم تكن الأسباب منطقية، فلا تلوموا عابدي الأصنام و الشمس و النار على شيء. إن كانت تصرفاتهم غير منطقية بالنسبة لك، فأنت أيضاً تصرفاتك غير منطقية بالنسبة لهم. و بحسب منطقك، لا ينبغي لكل شيء أن يكون منطقي و ليعبد كل من شاء ما شاء. كما أنني لا أعدل و لا أقترح، أنا أقول، إذا كان الله رحيم، فلماذا لم يفعل كذا بناء على رحمته؟ بمعنى آخر، كيف تفسر لي كون الله رحيماً علما بأنه كذا كذا (أشياء مناقضة للرحمة)؟

    إذاً هو ليس تعديل. هو تسائل مبني على تناقض ...

    الدين بالعقل. و ليس الدين فقط، و إنما كل شيء. و إذا كان هناك أشياء لا نستطيع أن نعقلها فيجب أن تكون هذه الأشياء غير حيوية في مشوار تصديق الإنسان و قبوله لفكرة الله. لو كنت أنا مثلاً مقتنع أن الله عادل و رأيت العدل فعلاً و عقلته و رأيت أنه لا يتناف مع العدل الذي أفهمه أنا فعلاً، فهذا شيء مطلوب. و إن تحقق زاد إيماني بالله. و لكن هناك أشياء لا أريد أن أفهمها مثل من خلق الله؟ لا يهمني هذا، و لماذا الله قوي كل هذه القوة؟ و متى تقوم الساعة؟ و كيف خلق الله الشمس؟ هذه هي الأشياء التي يمكن الاستغناء على أساس أن الأشياء الأساسية الأخرى التي تعد بمثابة أساس العقيدة مجاب عنها و لها تفسيرات منطقية.

    نهاية الإشكال الأول.

    بانتظار الردود.
    التعديل الأخير تم 12-25-2008 الساعة 01:28 AM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,955
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الحوار مقتصر على الأخ ناصر الشريعة والزميل المفترى .
    الحق فضيلة واجبة الاتباع والباطل رذيلة موجبة الاقتلاع .

  3. #3

    افتراضي

    مرحبا بالزميل (المفتري) ثانية بعد طول غياب.

    ويسرني أن أشارك في هذا الحوار الذي أسأل الله تعالى أن ينفعني وقارئه به، وسأضيف ردي بعون الله تعالى هذا المساء، والله الموفق لما فيه الخير.

  4. #4

    افتراضي

    الزميل (المفتري)

    قرأت موضوعك بعد تعديله وتحويره فوجدتك قد أجريت حوارا في نفسك مع شخصية افتراضية صنعتها بأفكارك وحملتها جميع الأجوبة التي ظننت أنها تمثل جواب العارفين من المسلمين، وألقيت عليها سيلا من الأسئلة التي بنيتها على افتراضات غير صحيحة، وانتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، لا تستند إلى ما تحتاجه من قواعد النظر والفكر، واستمر بك الكلام حتى انقطعت إلى ما انقطعت إليه في حديث نفسي مع محاورك الافتراضي، ورؤية شخصية لك حملَّتها المسلمين وهم براء منها، أو لا يكيفونها بالكيفية التي صورتها ونسبتها إليهم، فأنت بين نسبة خاطئة للفكرة، أو نسبة خاطئة لتصورها ودليلها، وهذه ملاحظة إجمالية على منهجك فيما كتبته وأطلت القول به، فلا عجب حينها إن كثرت تلك الإشكالات في فهمك للموضوع.


    وكان من الأوفق للحوار أن يكون دائرا بيننا دون توسط شخصية افتراضية أسقطتها على المسلمين، بما تحمله من أخطاء مبعثها تصورك لما سيكون عليه جوابنا، بينما هي في الحقيقة إجابات خاطئة في نفسها، أو ناقصة في تصويرها، ولعلك تراعي في ما نستتبعه من الحوار أن يكون بيننا ثنائيا دون حاجة إلى مسرحة السؤال، أرشدك الله للحق ووفقك إليه.


    نظرت في كثير قولك فإذا هو لا يخرج عن ثلاث نقاط، وما عداها تكثير للقول اقتضته مسرحة السؤال، وهذه النقاط هي :

    1. الله موصوف بــ ( الرحمة، والعلم، والعدل)

    2. تلك الصفات الثلاث تتناقض مع بعضها ومع تعذيب الكفار في النار.

    3. خلاصة التناقض يتمثل في خلقهم وتكليفهم بالدين بدون موافقتهم وبدون إعلامهم بأنهم سيعذبون في النار.


    موجز الرد على المسألة الأولى:

    إن منشأ الغلط في هذه المسألة عند الزميل هو (قصر صفات الله تعالى على ثلاث صفات دون إدراك معانيها ومتعلقاتها، وإهمال دراسة بقية صفات الله تعالى) ولا شك أن هذا أحدث إشكالات كثيرة في تصورات الزميل الملحد، فإن صفات الله تعالى المتعلقة بموضوع الزميل ليست محصورة فيما ذكر، فأين هي صفة الحكمة التي هي جواب جميع إشكالاته، وإني لأعجب من خوض الزميل في هذا الشأن وهو لا يبالي بدراسة هذه الصفة ولا يعرف موضعها وقدرها، بل يظن أن مجرد إثبات صفة الرحمة لله تعالى يعني أن تتناقض صفة الرحمة مع جميع صفات العدل والقهر، وكأن الصفات تتعاند وتتناقض، وكأن تعدد صفات الكمال عنده نقص أو يلزم منه النقص!! وهو معاندة ظاهرة لمفهوم الكمال، ولو عرف أن صفات الله المتعلقة آثارها بالخلق إنما هي تابعة لحكمة الله تعالى، لما كان يحتاج كل هذا القول المبني على إلغاء صفة الحكمة وادعاء تناقض الصفات الإلهية.

    ثم أين ذهب الزميل عن صفات القهر التي تتعلق بالفئة التي يدافع عنها ويحامي وهي فئة الكفار المعاندين للحق أو المعرضين عنه، فإن تعلق صفات القهر بهم من كمال الله تعالى في حكمته وقدرته وعلمه، وعدله، فلا يعذب إلا من استحق العذاب وكان قادرا على الطاعة والمعصية فاختار العصيان بعد قيام حجة الله عليه، ومن لم تقم عليه الحجة فلا يعذب، فأين الظلم إذن.

    أما تركيزه على صفة الرحمة التي خص الله رحمته في الآخرة بمن كان مؤمنا فقد حاول الزميل صرفها مرارا عن متعلقاتها لتكون حقا مستحقا لإبليس وأتباعه، ثم جعل عقوبة الله لهم ظلما! وخلقه إياهم قادرين على الطاعة والمعصية ظلما أيضا! فصار مفهوم الظلم عند الزميل مرتبطا بمفهوم العدل، فكل ما عدل الله فيه كان ظلما عند الزميل، وهذا من أبين المحال والمعاندة!

    وهذه المسألة توضحها المسألة بعدها.


    المسألة الثانية: هل صفة الرحمة تتناقض مع تعذيب الكفار في النار.

    الجواب: أن السؤل نفسه غلط، فإن صفة الرحمة يراد بها:
    - ما يرحم الله به المؤمن والكافر
    من رحمة الدنيا التي تشمل نعمة الإيجاد والإمداد والرزق والعافية والمال والولد، ونحوها من النعم الدنيوية، فهذه رحمة ثابتة لكل مخلوق، ويحصل الابتلاء لبعض الناس بما يشاء الله تعالى في خلقه حكمة منه واختبارا.
    - وأما رحمة الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين، فكيف يقال أنها تتناقض مع الكافرين؟! ومتى كانت الرحمة الأخروية حقا لهم حتى يكون حرمانهم منها تناقضا مع صفة الرحمة؟!

    إن الزميل يظن أن كمال رحمة الله تعالى يستلزم أن يجعل إبليس في أعلى الجنان، وأن كل من قتل نبيا أو صالحا أو زنى بأمه ينبغي أن يجعله الله في أعلى الجنان لأن الله رحيم!! فأي فهم هذا لكمال الله تعالى حتى ينسب إلى الله الظلم إذا لم يحكم بهذه الأحكام ؟!

    إن رحمة الله تعالى في الآخرة لها متعلقها وهم المؤمنون ، يقول الله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.

    وعذابه متعلقه من قامت عليهم الحجة الرسالية فاختاروا الكفر على الإيمان، يقول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

    فصار الناس فريقان:
    - فريق لهم الرحمة في الآخرة وهم الذين تتعلق بهم صفات الرحمة والعفو والرضى والمغفرة.
    - وفريق لهم العذاب في الآخرة، وهم الذين تتعلق بهم صفات القهر والغضب والعقوبة.
    فالأولى مقتضى كمال الله في إحسانه وفضله.
    والثاني مقتضى كمال الله تعالى في عدله وقهره وسلطانه.
    والجميع من مقتضى حكمة الله تعالى وعلمه.

    وليس الأمر كما يظن الزميل من أن كل صفة تتناقض مع الأخرى!! فإن التناقض لا يكون إلا مع اتحاد المحل والإضافات والنسب، وليس هنا من ذلك شيء، ففرق بين متعلقات صفات الرحمة والرضى، ومتعلقات صفات القهر والغضب.

    إذا علم هذا علم أن دعوى التناقض بين صفات الرحمة وتعذيب الكفار في النار خلط عجيب، وقول غريب، سببه عدم تمييز متعلقات الصفات وآثارها في الخلق، وارتباطها بصفة الحكمة الإلهية، التي هي من أعظم صفات الله عز وجل، فيحار الإنسان في كثير من أمره حين يحاول أن يحيط بجميع حكمة الله تعالى في أحد مخلوقاته فضلا عن جميع حكمته في جميع مخلوقاته، وهي حيرة سببها عجز الإنسان عن الإحاطة بكمال الله تعالى الثابت له، مع شهوده حكمة الله تعالى في كثير من مخلوقاته وآياته، لتكون حجة عليه في إثبات الحكمة، والتسليم لله بما لم يحط به لعجزه.


    فإذا تبين ما سبق فإننا نقول:
    إن ما ذكره الزميل في تضاعيف كلامه من أسئلة وإيرادات وأجوبة متخيلة عليها لا تقوم على أساس صحيح حتى يصح ما افترعه منه، وشاهد هذا ما سوف أعقب به على ما سأقتبسه من كلامه تدليلا على ذلك، وسوف أضمن ذلك في الرد على المسألة الثالثة.


    المسألة الثالثة: تنزه الله تعالى عن الظلم في خلق الخلق وتكليفهم وأمرهم ونهيهم:

    وخلاصة القول في هذه المسألة قبل بسطه:

    أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.

    وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:

    أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته.

    فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره.


    وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!

    وعندما يبين هذا المعنى ويوضح لا يجد السائل إلا التهرب من الجواب إلى مسألة أخرى يدخلها ليبتعد عن هذا المعنى الواضح الذي يكفي العاقل المتبصر لدفع شبهة الاحتياج الواهية التي لو قيلت في بعض المحسنين إلى الناس تطوعا لما قبلت فكيف في من كل الإحسان منه جلَّ وعلا، وكل فضل في العالم العلوي والسفلي إنما هو من فيض فضله وكرمه وجوده سبحانه وتعالى.

    وليس الغرض هنا تفصيل الكلام في الحكم المتعددة من خلق الخلق، وإنما يكفينا أن ثبوت صفة الحكمة لله تعالى مبطل لكل تشغيب على علة الخلق، فيكفينا اليقين بحكمة الله تعالى، ثم إذا علمت بعض الحكمة زادنا ذلك علما ومعرفة، ولم ينقلنا من شك وريب إلى إيمان وإسلام لم يكن من قبل! فإن من علم بالدليل القاطع كمال الله وحكمته لا يحتاج بعد ذلك لإثبات حكمته بالسؤال عن كل فعل من أفعاله، فحكمة الله تعالى أظهر من ذلك وأبين.


    فإذا استبان ما قلنا، فإننا نعلق على الاعتراضات التي وجهها الزميل (المفتري) على هيئة أسئلة وإشكالات:

    فقوله:
    وفقا للدين الإسلامي، الله هو خالق الكون. و قبل خلق الكون لم يكن هناك شيء على الإطلاق إلا "الله" فقط. أي أننا جميعا لم نكن موجودين و كان هو فقط و لاشيء آخر. المتفق عليه أن الله في لحظة معينة بعد كل هذا اللاشيء، بدأ في خلق الكون و ما عليه ثم خلق البشر.
    ففي هذا دعوى: (أن الله كان معطلا عن أفعاله منذ الأزل ثم في لحظة معينة خلق البشر)
    وهذا تصور غير صحيح فضلا عن أن يكون موافقا للدين الإسلامي كما يقول الزميل! وهو خطأ شائع لدى الكثيرين، ولا يكفي شيوعه لتصحيحه كما هو معلوم.

    ويكفينا هنا الإشارة إلى الصواب إذ ليس هذا موضع بسطه:

    وهو أن الله عز وجل موصوف بالكمال منذ الأزل، ومن كماله ما اتصفه به من الصفات والأفعال الاختيارية كالخلق والكلام والإيجاد والإعدام، والرزق...، وهذه الصفات والأفعال تقتضي متعلقاتها وآثارها.

    فلو قدر أنه في كل وقت كان هناك مخلوقات مسبوق كل واحد منها بعدمه، وقبل كل مخلوق مخلوق مسبوق بعدمه، لم يكن في ذلك إثبات قديم مع الله تعالى، وإنما إثبات ما لا يتناهى من الحوادث التي لا أول لها، وكل حادث منها مسبوق بعدمه.

    وهذا هو القول الحق الذي يوافق الكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة.

    فإن الله منزه عن أن يكون معطلا عن كمالاته منذ الأزل إلى أن خلق الكون بعد ما لا يتناهى من الزمن! فهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة، وبسبب هذا القول الباطل نشأت بدع كثيرة في الكلام على إثبات الأسماء والصفات والأفعال، وترتب على الخطأ ضلال عظيم في بقية أبواب المعتقد، كما عند الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرها من الفرق المبتدعة الضالة، فضلا عن الرافضة المنحلة عن الدين، الزائغة عن الشرع والعقل.


    قوله:
    س: كيف يخلق الله البشر من العدم من دون استشارتهم؟ هم كانوا في حالهم في العدم، من قال أنهم يريدون تحمل كل هذه المسئولية؟
    جوابه أن يقال:
    إن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى، فما الحاجة للاستشارة إذن؟! ثم أن ما يقضي به الله خير للعبد من قضائه لنفسه، وما يضر العبد إلا عصيانه ربه وما يترتب عليه من عقوبة الله تعالى له.

    وقولك ( هم كانوا في حالهم في العدم) خطأ واضح، إذ هم في العدم ليس لهم وجود ولا ذات حتى يكون لهم حال! فإن الحال لا تقوم إلا بذات، والمعدوم لا ذات له في الخارج حتى تقول أنهم كانوا في حالهم.

    فإن قلت: إنما عنيت أنهم كانوا معدومين فحسب.
    فنقول: كنا نظن أننا في حوار فلسفي فظهر أنه غير ذلك.


    وأما مسألة إرادة العبد للمسؤولية أو عدم إرادته لها:

    فإن العدل والظلم ليس متعلقا بها، وإنما العدل أن يؤتي الإنسان القدرة على الطاعة والمعصية، وتبلغه الحجة الرسالية في ذلك، فإن اختار الطاعة أثيب بالحسنى، وإن اختار المعصية أثيب بالسوأى، فهذا هو العدل والفضل، وهذا أصل المسألة وأسها، لا الكلام عن حال المعدومات المعدومة!

    وبهذا يعلم الرد على قولك: ( بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي،) . فليس ذلك الفيصل بفيصل في شيء، إنما الفيصل ما سبق ذكره.

    ومسألة المشورة التي ذكرها الزميل وبنى عليها عدة أسئلة ونقاشات مختلفة مبنية على أساس خاطئ، بيانه فيما يلي:

    أولا: أن الله عز وجل ينزه عن استشارة مخلوقاته لمنافاة الشورى لكمال الله تعالى، وذلك لما سبق من القول أن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى.
    ولكن الله عز وجل يخير من شاء من عباده فيما شاء كيف شاء، والفرق بين الاستشارة والتخيير ليس فرقا لفظيا، وإنما فرق معنوي مؤثر كما هو واضح.

    ثانيا: أن التخيير حاصل لهم في الدنيا بين الطاعة والمعصية وهذا كاف في إبطال شبهة الظلم كما سبق بيانه.
    فإن قال ملحد: قصدت أن يخيرنا الله بعد أن خلقنا في أمر هذه الحياة.
    فيقال له: قد كان ذلك بأن خلقنا في هذه الحياة مختارين لطريق الخير أو الشر، فإن أبى إلا التخيير بين الحياة أو الموت، قيل له: دونك الموت فمت، فما يمنعك عن ذلك ما دمت ملحدًا! أهو الخوف من النار؟!

    ثالثا: أنَّ مجيء الإنسان إلى هذه الدنيا ليس باختياره، ولكنَّ أفعاله الخيرة أو الشريرة هي التي باختياره، فالأولى من مقتضى كمال ملك الله تعالى في خلقه، فيخلق ما يشاء كيف شاء متى شاء، ونفي ذلك يستلزم النقص، والله منزه عن النقص.
    والثانية من كمال قدرة الله تعالى أن جعل للعبد القدرة على فعل الخير أو الشر، فأين الظلم في ذلك؟!

    رابعا: أن مطالبة الزميل بأن يخير الله الإنسان بين البقاء أو العودة إلى العدم، تناقض، فإن مجرد خلق الله تعالى للإنسان يستلزم عبوديته لله تعالى، وعبوديته لله تعالى تتنافى مع رفضه خلق الله له واعتراضه عليه، بل يلزمه التسليم بخلق الله تعالى له، ويبقى عليه الإحسان في عبوديته لله تعالى لا الكفر به.

    ويكون موضوع التخيير ليس الحياة في عبادة الله تعالى أو العدم!!! وإنما يكون موضوع التخيير العبودية لله تعالى بمحض الإرادة والاختيار كما هو الآن، أم بالانقياد الكوني لله تعالى كما هو حال المخلوقات الأخرى، فلا يخرج الأمر عن عبودية الإنسان لله تعالى.
    ولا شك أن الحرية والاختيار الذي وهبه الله للإنسان في الدنيا ليس ظلما، وإنما الظلم ظلم العبد لنفسه حين يسيء الاختيار بعد أن بلغته الحجة الرسالية.

    خامسا:
    أن مَثَل ما طالب به الزميل من أمر الشورى والتخيير مثل مولود قال لوالده إنك ظالم! لأنك ولدتني بدون إذني! وكان من حقي لما ولدت أن أخير بين البقاء بينكم أو العودة إلى رحم أمي!! فلو قاله ولد لأبيه لكان قائل ذلك مجنونا، لا لأن والده عاجز عن ذلك فحسب، وإنما لأن ولادته ليست ظلما له، بل لوالده عليه فضل الولادة، وهذا من أسباب بر الأبناء بوالديهم لأنهم سبب في حياتهم، ولا أعني هنا الملاحدة وأبنائهم فإن من العجب أن يكون بينهم بر مع كل هذا الكفر والمناقضة للعقل.
    فكيف بمن يقول لخالقه إنك ظالم لأنك خلقتني بدون إذني ولم تخيرني بين البقاء والعدم! فأيهما أقبح اعتراضا؟ المعترض على أبيه أم على خالقه!!

    سادسا: أن الله خلق الإنسان لعبادته، فإن قال: أختار العدم على عبادتك!!! ألا يكون اختياره قبحا وعصيانا؟!! فكيف يكون المخلوق مخيرا بين الطاعة والمعصية على السواء ثم يكون جزاء من أبى الطاعة وصدف عنها أن يعفى من التكليف؟!!
    ثم يكون المكلف المعرض للعقاب عند التقصير هو الطائع دون من اختيار العصيان من أول الأمر؟!



    وأما مسألة إعلام الله للعبد بأنه سيجازى بالحسنى إن أطاع، وسيعاقب إن عصى:

    فإن هذا الإعلام حاصل للإنسان في دنياه وعليه يكون التكليف والجزاء، وأما الإشهاد له قبل مجيئه إلى الدنيا من والديه، فإنه أمر غيبي صحت به الأخبار، فأخذ الله الميثاق من آدم وذريته وأشهدهم على وحدانيته، وأثر هذا الميثاق هو الفطرة التي عليها الناس.

    وغيبية هذا الميثاق تعني أننا لا نتذكر شيئا منه، ونحن غير مطالبين بتذكره لعجزنا عن ذلك، ولا يصح أن نجعله حجة مستلزمة للعقاب على من لم تبلغه الحجة الرسالية.

    ولا يصح القول بأن الميثاق وحده كاف في قيام الحجة على العبد وتعذيب المخالف والكافر، وإنما تلك الحجة الرسالية فحسب، وما عداها من الحجج العقلية والفطرية فهي براهين تدل على الحق، ولا توجب العذاب على أحد بدون بلوغ الحجة الرسالية، فإذا قامت الحجة الرسالية كان التكليف للمرء، فإن أطاع أثيب، وإن عصى عوقب.

    ثم يقال:
    إن الإعلام مبطل للابتلاء بالتكليف، فأي تكليف سيكون إذا كان المرء يعلم جميع ما سيفعله ويتركه وما سيكون عليه جزاؤه؟!!
    ولا يقول هذا من عرف معنى الابتلاء، بل هذا مناقض غاية المناقضة للابتلاء!

    فإن قلت: إنما قصدي أن يعلم الكافر أنه سيدخل النار لكفره، لا أنه يعلم جميع تفاصيل حياته.
    قلنا لك: هذا الإعلام إذن هو ما صرحت به الحجة الرسالية من تعذيب الكفار، وهو متحقق، فما اعتراضك على ذلك؟
    وأما إن قصدتَ أن يكون العلم علما يمتنع معه اختيار الكفر!! فقد أبطلت بذلك الاختيار أصلا وهو الذي شغبت به في موضوعك كله، ورجع القول كما كان في إبطاله.

    وجميع ما بنيت عليه قولك في الإعلام يبطل بهذا التفصيل، كقولك أن الله كتم العلم عن الإنسان، فإن هذا باطل بحصول الإعلام والبلاغ بالحجة الرسالية، وأما العلم المانع من اختيار الكفر فهو قهر وجبر لا مجرد إعلام، وهو منافٍ لأصل الكلام وهو حكمة التكليف والابتلاء.


    ولا شك أن خلط الزميل بين المسائل أوجب بعض العود إلى ذكر ما سبق من التبيين، ولكن يكفي أن أنبه على أمر هنا فيما كرر الزميل القول فيه من عدم الرحمة في خلق من سيختار الكفر، فأقول:

    إن الله خلق أهل الجنة ليرحمهم، وخلق أهل النار ليعاقبهم.

    فأما رحمة أهل الجنة فلا إشكال فيها عند الزميل.

    وأما تعذيب أهل النار وخلقهم لها:
    فإنه وقع على مقتضى العدل، فإن الله أمدهم بكل ما يمكنهم من فعل الخير واجتناب الشر، لكنهم اختاروا الشر على الخير مع علمهم بهما وبجزائهما.

    وفي خلقهم وما يصدر عنهم وما يجازون به ظهور آثار كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وملكه وقدرته وعدله.

    وصفات القهر لا تضاد صفات الرحمة، فإن المتعلقات مختلفة، والتناقض لا يحصل إلا مع اتحاد المحل والنسب والإضافات، وهذا غير حاصل هنا، وهو المطلوب هنا.

    وحرف المسألة أن حكمة الله تعالى سارية في خلق الله وشرعه، وأن جهل الجاهلين بها لا ينفي تحققها، وإنما يثبت جهلهم أو تجاهلهم، والحمد لله رب العالمين.

    وفقني الله وإياك إلى صدق الإيمان به، والعلم بكماله، والخضوع لجلاله.
    التعديل الأخير تم 12-25-2008 الساعة 11:21 PM

  5. #5

    افتراضي

    قرأت موضوعك بعد تعديله وتحويره فوجدتك قد أجريت حوارا في نفسك مع شخصية افتراضية صنعتها بأفكارك وحملتها جميع الأجوبة التي ظننت أنها تمثل جواب العارفين من المسلمين، وألقيت عليها سيلا من الأسئلة التي بنيتها على افتراضات غير صحيحة، وانتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، لا تستند إلى ما تحتاجه من قواعد النظر والفكر، واستمر بك الكلام حتى انقطعت إلى ما انقطعت إليه في حديث نفسي مع محاورك الافتراضي، ورؤية شخصية لك حملَّتها المسلمين وهم براء منها، أو لا يكيفونها بالكيفية التي صورتها ونسبتها إليهم، فأنت بين نسبة خاطئة للفكرة، أو نسبة خاطئة لتصورها ودليلها، وهذه ملاحظة إجمالية على منهجك فيما كتبته وأطلت القول به، فلا عجب حينها إن كثرت تلك الإشكالات في فهمك للموضوع.


    وكان من الأوفق للحوار أن يكون دائرا بيننا دون توسط شخصية افتراضية أسقطتها على المسلمين، بما تحمله من أخطاء مبعثها تصورك لما سيكون عليه جوابنا، بينما هي في الحقيقة إجابات خاطئة في نفسها، أو ناقصة في تصويرها، ولعلك تراعي في ما نستتبعه من الحوار أن يكون بيننا ثنائيا دون حاجة إلى مسرحة السؤال، أرشدك الله للحق ووفقك إليه.
    في الواقع يا زميلي. ليس هذا ما حدث على الإطلاق. أنا أفهم كيف أن أسلوب كهذا ممكن أن يكون مستفز جداً بالنسبة لك لدرجة أنك لم تلاحظ أن هذه طريقة عرضي للموضوع و ليس افتراض مني أن هذا رأيك مثلاً. كل الأسئلة و الأجوبة المطروحة هي عبارة عن خليط من الإشكالات التي تسبب لي مشكلة في الإيمان مع بعض الردود التي تلقيتها بالفعل من عدد لا بأس به من المسلمين. قمت بإعادة صياغتها كلها على شكل سؤال و جواب لكي أسهل على القارىء استيعاب الإشكالات و لم أكن أعني بالأسئلة أن هذا هو الواقع.

    في أول موضوعي ستجد هذه الجملة:

    سأستعرض نقاطي على شكل سؤال و جواب.
    و السبب الوحيد أنني كتبت هذه الجملة هو أنني كنت أريد أن أتلافى هذا النوع من الردود (ردك) ... و لكن يبدو أنني فشلت.

    ننتقل لردك:

    نظرت في كثير قولك فإذا هو لا يخرج عن ثلاث نقاط، وما عداها تكثير للقول اقتضته مسرحة السؤال، وهذه النقاط هي :

    1. الله موصوف بــ ( الرحمة، والعلم، والعدل)

    2. تلك الصفات الثلاث تتناقض مع بعضها ومع تعذيب الكفار في النار.

    3. خلاصة التناقض يتمثل في خلقهم وتكليفهم بالدين بدون موافقتهم وبدون إعلامهم بأنهم سيعذبون في النار.
    نسيت تقطتين أخرتين

    4. ليس معنى أن الإنسان حر الإختيار، أن الله غير مسئول عنه و يخلي مسئوليته عنه.

    5. اشكال في كون المسائل الفاصلة في مشوار تصديق الإنسان لوجود الله هي مسائل "أعلى من تصور البشر" في حين أنه كان من الممكن أن تكون أسهل من ذلك.

    موجز الرد على المسألة الأولى:

    إن منشأ الغلط في هذه المسألة عند الزميل هو (قصر صفات الله تعالى على ثلاث صفات دون إدراك معانيها ومتعلقاتها، وإهمال دراسة بقية صفات الله تعالى) ولا شك أن هذا أحدث إشكالات كثيرة في تصورات الزميل الملحد، فإن صفات الله تعالى المتعلقة بموضوع الزميل ليست محصورة فيما ذكر، فأين هي صفة الحكمة التي هي جواب جميع إشكالاته، وإني لأعجب من خوض الزميل في هذا الشأن وهو لا يبالي بدراسة هذه الصفة ولا يعرف موضعها وقدرها، بل يظن أن مجرد إثبات صفة الرحمة لله تعالى يعني أن تتناقض صفة الرحمة مع جميع صفات العدل والقهر، وكأن الصفات تتعاند وتتناقض، وكأن تعدد صفات الكمال عنده نقص أو يلزم منه النقص!! وهو معاندة ظاهرة لمفهوم الكمال، ولو عرف أن صفات الله المتعلقة آثارها بالخلق إنما هي تابعة لحكمة الله تعالى، لما كان يحتاج كل هذا القول المبني على إلغاء صفة الحكمة وادعاء تناقض الصفات الإلهية.
    لا بد يا زميلي أنك نسيت الإشكال. ردك رائع و لكنه رد لسؤال مختلف للأسف. هذا السؤال المختلف هو: لماذا يعاقب الله الناس في جهنم إذا كان رحيماً؟

    هنا تأتي إجابتك المنطقية أن الله حكيم أيضاً و ليس رحيماً فقط.

    و لكن الحكمة هي أحسن و أدق تصرف في ظل المعطيات الموجودة. المعطيات الموجودة هي:

    هناك انسان ... هذا الإنسان يعمل خيراً و يعمل شراً ... من الرحمة أن أرحمه على كل شيء و لكن من الحكمة أصلاً أن يتم معاقبة المذنب و مكافئة المؤمن.

    المشكلة عزيزي، أنني أكلمك في مرحلة ما قبل المعطيات. ما قبل أن يكون هناك جنة و نار و ثواب و عقاب و إنسان. هذا التوقيت لم تكن فيه معطيات أو أشياء يمكن استخدامها "بأدق طريقة ممكنة" لأنه لا توجد أشياء أصلاً. سؤالي هو، حتى لو كان الله حكيماً، فهل من الحكمة أيضاً أن يخلق من يعرف أنه سيذهب إلى النار؟

    مرة أخرى، كلامك معناه:

    لو الله خلق الإنسان و هو يعلم أنه سيذهب إلى النار فهذا مناقض له إذا كان رحيماً فقط.

    لكن بما أنه حكيم كذلك فبالتالي خلقه لبشر هو يعلم أنهم سيدخلوا النار لا غبار عليه.

    بهذه الطريقة، أنت يمكنك أن تعلق كل شيء على شماعة الحكمة هذه بحيث لا يمكن لأحد أن يناقشك. إذا اتضح مثلاً أن هناك خطأ صريح بالقرآن، ثم واجهتك به، ستقول لي أن لله حكمة في ذلك. ما الفائدة من النقاش إذاً؟

    عزيزي، مهما كان الله حكيماً، هل حكمته تعطي له الضوء الأخضر لكي يخلق من يشاء برغم علمه اليقين أنهم سيدخلون النار؟

    دعك من نقطة أخرى في غاية الأهمية. ألا و هي مفهوم لفظة "مطلق".

    هل الله مطلق الرحمة، العلم، الحكمة أم لا؟

    قبل أن تجيب على السؤال، يجب مراجعة مفهوم "مطلق".

    عندما تقول "مطلق القدرة" معناها لا نهائي القدرة. أي أن قدرته تقدر بمالانهاية. هذا هو تعريف المطلق (و ليس تعريف الله بعد).

    مرة أخرى، أنا لا أقم بتعريف الله ... أنا أوضح مفهوم كلمة "مطلق" ... مطلق العلم يعني لا نهائي العلم ... يعني علمه لا ينقص. و مطلق الرحمة يعني لا نهائي الرحمة و رحمته لا تنقص. (المالانهاية لا تنقص و المطلق لا ينقص أبداً و إذا نقصت المالانهاية معنى ذلك أنها لم تكن مالانهاية و إذا نقص المطلق (و لو ربع ثانية) معنى ذلك أنه لم يكن مطلقاً كذلك).

    إذا كان الله حسب كلامك لا يرحم كل الناس مهما فعلوا و أن هناك استثنائات تقتضي ايقاف الرحمة قليلاً لتحقيق الحكمة أو العدل. إذاً هذه ليست هي الرحمة المطلقة. (إلا لو كان عندك تعريف آخر للرحمة المطلقة)

    الرحمة المطلقة بذاتها هي الرحمة التي لا تتوقف مهما حدث. ليست صفة حميدة هي. الرحمة الغير المطلقة أفضل منها لأنها تنقص بحيث تسمح لغيرها من الصفات كالحكمة و العدل بأن يتدخلوا. لكن الرحمة المطلقة شيء أخرق.

    و هذه هي الإشكالية. إذا كنت تدعي أن الله أحياناً يعطل رحمته لأي سبب كان، فرحمته غير مطلقة. لو كنت تريد أن تدعي أن رحمته مطلقة، فلا تقل لي أنها قد تنقص أو تتوقف لحظياً لأن هذا يتنافى مع مفهوم الرحمة المطلقة.

    أريد القول أن فكرة وجود صفات متناقضة مع بعضها بشكل محدود هي ممكنة. لأن كل منها أو واحدة منها محدودة بحيث يمكن تحقيق الأخرى (حيث أنهما متناقضتين) ... لكن فكرة أن توجد صفتين متناقضتين و مطلقتين في نفس الكيان هذه فكرة خيالية لا معنى لها حيث أنه لا مجال لأي منهما للتواجد مع الأخرى.

    على هذا الأساس عزيزي أنا تجاهلت الحكمة المطلقة، ليس لجهل مني بها، و لكن لإيماني أن تواجدها بشكل مطلق غير ممكن الحدوث في نفس الوقت مع الرحمة المطلقة.

    ثم أين ذهب الزميل عن صفات القهر التي تتعلق بالفئة التي يدافع عنها ويحامي وهي فئة الكفار المعاندين للحق أو المعرضين عنه، فإن تعلق صفات القهر بهم من كمال الله تعالى في حكمته وقدرته وعلمه، وعدله، فلا يعذب إلا من استحق العذاب وكان قادرا على الطاعة والمعصية فاختار العصيان بعد قيام حجة الله عليه، ومن لم تقم عليه الحجة فلا يعذب، فأين الظلم إذن.
    كالعادة، الظلم أن الله كان يعرف أن هناك من ستقم عليهم الحجة و يختاروا العصيان و لم يرحمهم لحظة عرض الأمانة. تدخل الحكمة قد يحل الإشكال بعد الخلق. لأن الخلق تم و اللي حصل حصل و يجب توظيف الحكمة للحصول على أفضل النتائج بناءً على المعطيات الموجودة.

    لكن ماذا لو لم يكن هناك معطيات أصلاً؟ لا بشر؟ لا شيء؟

    أما تركيزه على صفة الرحمة التي خص الله رحمته في الآخرة بمن كان مؤمنا فقد حاول الزميل صرفها مرارا عن متعلقاتها لتكون حقا مستحقا لإبليس وأتباعه، ثم جعل عقوبة الله لهم ظلما! وخلقه إياهم قادرين على الطاعة والمعصية ظلما أيضا! فصار مفهوم الظلم عند الزميل مرتبطا بمفهوم العدل، فكل ما عدل الله فيه كان ظلما عند الزميل، وهذا من أبين المحال والمعاندة!
    لماذا ذهبت يا أخي بعيداً جداً إلى حد أنهم زنوا و قتلوا و عصوا؟ هل أنا أسأل في هذه المرحلة؟

    أنا أسأل من قبل ما يفعلوا هم كل هذا.

    يا سيدي لو هو خلقهم ثم هم فعلوا هذا فهم لا يستحقوا الرحمة. لكن أنا أقول (ما هو يقدر يلحقهم قبل ما مايستحقوش الرحمة هذه لأنه كان يعرف أن كل هذا سيحدث أصلاً من البداية)

    لا تقلق ... "الزميل" لا يحاول أن يعطي حقاً مستحقاً لإبليس و غيره. "الزميل" يرى أن إبليس شرير و سيء و أنه يستحق النار و عدم الرحمة.

    - وأما رحمة الآخرة فهي خاصة بالمؤمنين، فكيف يقال أنها تتناقض مع الكافرين؟! ومتى كانت الرحمة الأخروية حقا لهم حتى يكون حرمانهم منها تناقضا مع صفة الرحمة؟!
    كانت الرحمة الأخروية حقاً لهم قبل أن يخلقهم الله من البداية خالص. الإنسان الكافر هذا لو خلقه الله ستؤدي به أفعاله إلى النار. لا يوجد من داع إذاً لخلقه إذا كان معروف أنه سيذهب للنار. و هو من حقه (كالمؤمن) أن ينال ما ناله المؤمن و هو عدم العذاب. لماذا حقه كحق المؤمن؟ ... لأن كلاهما في هذه المرحلة سواء. لا يوجد أحد منهم أفضل من الآخر حيث أن المؤمن لم يبدأ في الطاعة بعد و الكافر لم يبدأ في العصيان بعد. هما الإثنين من حقهم أن يتم المساواة بينهم في كل شيء.

    إذا كان كلاهما متساويين في كل شيء في هذه المرحلة، إذاً فيجب أيضاً (في نفس هذه المرحلة) اتخاذ قرار عادلاً بينهم.

    لو قرر الله أن يسمح بخلق المؤمن فهذا معناه أنه سمح ببدء سيناريو لهذا المؤمن يؤدي به للجنة.

    الكافر أيضاً بما أنه في نفس المرحلة و لا يوجد أي واحد فيهم أفضل من الآخر، فلا بد أن يسمح الله بخلق هذا الكافر و بالتالي السماح ببدء سيناريو لهذا الكافر (الذي لم يكفر بعد) يؤدي به إلى الجنة هو الآخر.

    ماذا فعل المؤمن زيادة عن الكافر في هذه المرحلة البدائية من الزمن حتى يتميز عن الكافر بأنه تم السماح له بالتواجد في دنيا نهايتها الجنة بينما الآخر نهايته في النار؟

    إن الزميل يظن أن كمال رحمة الله تعالى يستلزم أن يجعل إبليس في أعلى الجنان، وأن كل من قتل نبيا أو صالحا أو زنى بأمه ينبغي أن يجعله الله في أعلى الجنان لأن الله رحيم!! فأي فهم هذا لكمال الله تعالى حتى ينسب إلى الله الظلم إذا لم يحكم بهذه الأحكام ؟!
    للأسف ليس هذا ما يظنه "الزميل". أنا لست مريض نفسياً حتى أظن أشياء كهذه. من تظنني يا أخي؟ هل ترى أن أسئلتي و منطقي فاسدين لهذه الدرجة؟

    كل اشكال من الإشكالات المكتوبة هي اشكالات منطقية و تطرأ برأس أي انسان طبيعي عنده عقل و يفكر. لا تجعلني أشعر أنني من "أتباع إبليس" الفاسدين الذين يرون أن من حق الشيطان أن يعيش ملكاً. يا أخي أنا إنسان طيب و منطقي. لا تظن بي الظنون.

    من أين أتيت أنت بأنني أظن أن من يزني بأمه يجب أن يوضع في أعلى الجنان؟

    لماذا يظن المسلمون أن الملحدون "أشرار" و "خبثاء" و "أتباع الشياطين"؟ و أنهم يعرفون أن الإسلام هو الحق و لكنهم يعندون؟ ... نحن بشر مثلكم و نشعر كما تشعرون و نحزن و نفرح و نتألم و نبكي و لكننا فقط لا نقبل فكرة الدين. لسنا من كوكب آخر.

    أنا لا أظن في هذا الذي ذكرته. و كما كررت مراراً، أنا أعترض على أن كل هذا كان ممكن أن يتم تفاديه من البداية خصوصاً في ظل العلم اليقيني بحدوثه.

    إن رحمة الله تعالى في الآخرة لها متعلقها وهم المؤمنون ، يقول الله تعالى: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}.

    وعذابه متعلقه من قامت عليهم الحجة الرسالية فاختاروا الكفر على الإيمان، يقول الله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}

    فصار الناس فريقان:
    - فريق لهم الرحمة في الآخرة وهم الذين تتعلق بهم صفات الرحمة والعفو والرضى والمغفرة.
    - وفريق لهم العذاب في الآخرة، وهم الذين تتعلق بهم صفات القهر والغضب والعقوبة.
    فالأولى مقتضى كمال الله في إحسانه وفضله.
    والثاني مقتضى كمال الله تعالى في عدله وقهره وسلطانه.
    والجميع من مقتضى حكمة الله تعالى وعلمه.
    كما قلت. المؤمنين هؤلاء الذين عملوا الصالحات كان ممكن ألا يخلقهم الله. و هم من دونه لا يستطيعوا أن يتواجدوا.

    يا زميل. قل لي. هل أنت فعلاً مقتنع أن هذا الذي سأكتبه الآن عادل؟

    الله لم يخلق المؤمن بعد

    الله لم يخلق الكافر بعد

    (المؤمن و الكافر حتى هذه اللحظة سواء لا فرق بينهم)

    الله لو خلق المؤمن سيذهب للجنة

    الله لو خلق الكافر سيذهب للنار

    و لكنه لم يخلقهم بعد (مازالوا سواء)

    شيء جيد جداً بالنسبة للمؤمن أن يخلقه لأنه إذا خلقه سيدخل الجنة.

    شيء سيء جداً بالنسبة للكافر أن يخلقه لأنه إذا خلقه سيدخل النار.

    الله سمح بخلق المؤمن و الكافر

    لماذا اختص الله فعل الشيء الجيد للمؤمن فقط في حال أن المؤمن لم يفعل شيء وقتها زيادة عن الكافر تجعله يستحق الحصول على ميزة كهذه؟

    هل هذا عدل؟

    وليس الأمر كما يظن الزميل من أن كل صفة تتناقض مع الأخرى!! فإن التناقض لا يكون إلا مع اتحاد المحل والإضافات والنسب، وليس هنا من ذلك شيء، ففرق بين متعلقات صفات الرحمة والرضى، ومتعلقات صفات القهر والغضب.
    المحل هو واحد و متحد و هو الله. و النسب هي جميعاً مالانهاية. و هذا هو بالضبط ما يضايقني. لا يمكن أن تتواجد صفات لانهائية متناقضة بجانب بعضها في نفس الكيان لأن التضاد يقتضي النقص و المالانهاية لا تنقص.

    إذا علم هذا علم أن دعوى التناقض بين صفات الرحمة وتعذيب الكفار في النار خلط عجيب، وقول غريب،
    أعتقد أن الموضوع ليس عجيب و لا غريب خصوصاً و إذا كان الله شيء صعب التخيل. من الأحكم هنا أن تقول لي أنك تقدر صعوبة الأمر عليا لأن الإحاطة بصفات الله ليس أمراً سهلاً. و أنا أقل لك هذا لأن أسلوبك يبني سداً كبيراً مع محاورك يجعله يشعر أنه كائن فضائي و أن الوصول إلى حل في النقاش شيء بعيد جداً ... فهو يفكر في "أشياء عجيبة" و "غريبة" على حد قولك ... لا بد أن الأمر معقد جداً إذاً. طبعاً نتيجة هذا الأسلوب أن الطرف الآخر يدرك مدى المسافة الفكرية التي بينه و بينك و بالتالي يخرج من الموضوع بأن إجابة أسئلته ليست عندك. أقول لك كل هذا لأنني أريد أن أوحد الأراضي بيننا على قدر المستطاع للوصول إلى أي شيء. لا يوجد من داع لجعلي أشعر بكل هذه الغرابة. توجد بيننا اختلافات كافية جداً.

    نصيحة أخوية: إذا غرضك من كل هذا هو هداية الناس و ليس الخناق و خلاص، يجب أن تصبر و تكون مريح في التعامل حتى تكسب القبول لعل هذا يكون سبباً غي هداية واحد تدخل بسببه الجنة.

    سببه عدم تمييز متعلقات الصفات وآثارها في الخلق، وارتباطها بصفة الحكمة الإلهية، التي هي من أعظم صفات الله عز وجل، فيحار الإنسان في كثير من أمره حين يحاول أن يحيط بجميع حكمة الله تعالى في أحد مخلوقاته فضلا عن جميع حكمته في جميع مخلوقاته، وهي حيرة سببها عجز الإنسان عن الإحاطة بكمال الله تعالى الثابت له، مع شهوده حكمة الله تعالى في كثير من مخلوقاته وآياته، لتكون حجة عليه في إثبات الحكمة، والتسليم لله بما لم يحط به لعجزه.
    اعتقد أنني تكلمت عن أن اشكالاتي تقع في مرحلة متقدمة قليلاً. و غير ذلك و ذاك ... فأنا تكلمت أيضاً في موضوع آخر أن الإنسان غير مطالب "بالإحاطة" بصفات الله لكي يميز إذا كان هذا الله أم لا. سألصق ما كتبته حقناً للمجهود:

    لماذا المسألة بكل هذا التعقيد؟ لماذا لا يكون السيناريو كله سهل الفهم و تكون الأمور الصعبة التصور كلها متعلقة بذات الله نفسها و التي لا دخل لنا بها؟

    هل جعْل الموضوع بهذه الصعوبة في التصور له حكمة ما؟ خصوصاً لو كان الموضوع سيجعل ناس كثيرين (مثلي) يؤمنوا و يهتدوا إذا أُجيب عن هذه الأسئلة؟

    قد ضربت من قبل في منتدى آخر مثلاً في عدم قدرة تخيل المالانهاية.

    لا أحد يستطيع تخيل المالانهاية و لا أنا حتى. لكن، عدم استيعابنا للمالانهاية لا يعني أننا نجهل كل شيء عنها. هناك بعض الأشياء المتعارف عليها و المتفق عليها في المالانهاية. أنا لم و لا أريد أن أتحدث عن الجوانب التي نعجز عن تخيلها. أنا فقط أركز على الأشياء المتفق عليها في المالانهاية.

    ما هي الأشياء المتفق عليها في المالانهاية؟ (و التي لا نحتاج تخيلها لكي نستنتجها؟)

    1) أنها أكبر بكثير جداً من أي قيمة أخرى محدودة بحيث تجعل الكمية المحدودة هذه بالنسبة لها تقريباً صفر.

    2) لا يمكن نقصانها و لا زيادتها حتى لو أضفت عليها مالانهاية أو أنقصت منها مالانهاية.

    هذا هو كل ما احتاجه في موضوعي. هذه صفات سهلة الإستيعاب و يمكن على ضوئها تحديد إذا ما كانت قيمة معينة مساوية لمالانهاية أم لا.

    و لنجرب فهمنا للخصائص سهلة الإستيعاب علينا التي طرحتها لتوي، ممكن أفترض قيمة و اطبق عليها الإختبار.

    عدد المشتركين في هذا المنتدي مثلاً هو 5000 مشترك.

    هل 5000 أكبر بكثير جداً من أي قيمة أخرى محدودة بحيث تجعل الكمية المحدودة هذه بالنسبة لها تقريباً صفر؟

    لا. لأن الـ 6000 أكبر من الـ 5000.

    هل إذا طرحت 50 من الـ 5000 ستنقص الـ 5000؟ نعم.

    إذاً، الـ 5000 ليست هي المالانهاية. أنا استطعت استنتاج هذه الحقيقة بدون ما احتاج أن أفهم ما هي المالانهاية، بمعنى آخر، نحن لا نعرف ما هي بالضبط المالانهاية، و لكننا نعرف قطعاً ما هو ليس مالانهاية.

    و هذا هو ما أفعله في موضوعي.

    إذاً ليس من الضروري أن نكون خارقي التصور حتى نتوصل لإجابة أسئلة سهلة مثل: هل التصرف الفلاني رحيم أم لا؟

    كلامك معناه أنني لو كنت غير مقتنع بفكرة العدل الإلهي لعدم قدرتي على الإلمام بها، سيتم محاسبتي و أدخل النار على جحودي و انكاري لله و السبب في ذلك هو عدم قدرتي على التخيل. أليست هذه اشكالية جديدة؟

    أنا أقولها الآن: ايماني بالله يفصلني عنه فقط هذه الأسئلة. لو حصلت على اجابات عليها سأؤمن و إن لم أحصل سألحد.

    و أنت تقل أنه لا سبيل لي أن أفهم إجابات هذه الأسئلة لأنني محدود التصور.

    النتيجة: لن أحصل على الإجابات تلك و بالتالي لن أرتاح أبدأ و سأظل لا أدرياً مثلاً و سأدخل النار.

    الإستنتاج: دخلت النار لأنني عجزت عن التخيل.

    لماذا لم يخلقني الله قادراً على تخيل هذه الأمور الأساسية؟ بلاش دي.

    لماذا لم يجعل هو الإجابة أسهل من ذلك بحيث نستطيع أن نفهمها و نؤمن به من دون الخوض في تعقيدات لا نهائية بحيث يكون الكافر فعلاً هو كافر لأنه عنيد و ليس لأنه يتحجج بعدم الفهم؟ خصوصاً و أن هذه فعلاً مسألة حيوية في مشوار الإيمان و ليس "دلع" مني كأنني مثلاً أقول: "لن أؤمن به حتى يطلعني على كيفية خلق الكون". أنا لم أطلب شيء كبير كهذا و لا يخصني. أنا أطلب شيء صغير و بسيط و يخصني. الله يقول لي أنه عادل معي، و أنا أريد أن أفهم كيف؟ فقط.

    أنت تقنعني أنني لا ينبغي أن أفهم كيف. طيب خلاص، ما أروح أبقى بوذي و لا هندوسي و كده كده أنا مش فاهم أي حاجة.

    أن الله عز وجل قد خلق الإنسان قادرا على المعصية والطاعة، مخيرا فيهما بعد خلقِه وبلوغه حد التكليف وقيام الحجة الرسالية عليه فمن كان كذلك كانت مجازاة الله لإحسانه بالحسنى فضلا منه ورحمة، وكانت مجازاة الله تعالى لسوئه بالسوأى عدلا منه لا ظلما، وكان علم الله بذلك صفة كاشفة لما سيختاره الإنسان لا صفة سائقة مجبرة للعبد على غير اختياره.


    عزيزي. ألم أتحدث أنا عن موضوع عدم الإجبار هذا؟

    طيب أعمل إيه؟

    خلاص. أنا سأكتبها بالأحمر و بالخط الكبير لعلها تثبت في أذهان القارئين:

    أنا لا أؤمن أن الله يجبرنا على شيء

    لو سمحت يا عزيزي لا تذكر لي هذه النقطة. الإشكال أعلى بكثير من كون الإنسان مجبر أم لا. بكثير. أنا لا يهمني إذا كان الإنسان مجبر أم مخير. لا يهمني. ليست هذه القضية. هل رأيتني أسأل: كيف يجبر الله الناس على الأفعال؟

    لماذا تردوا دائماً بهذه الإجابة كلما سألنا سؤال عن معرفة الله بالغيب.

    هل لمعرفة الله بالغيب أي علاقة بتصرفات الإنسان؟

    ما يهمني هو أن معرفة الله تشمل هذه الإختيارات الحرة و لا تهمني الإختيارات الحرة بذاتها. كون الإنسان حر لا يلغي كون الله كان يعلمها قبل أن تحدث. و المشكلة هي أنه كان يعلم و ليست أن الإنسان كان مخير أم مسير.

    هل تفهم يا عزيزي مكان الإشكال؟ مكان الإشكال هو شيء أنا و أنت متفقين عليه.

    أنا متفق معك أن الله بكل شيء عليم و أنه كان يعلم مصير الكافر قبل أن يخلقه.

    و متفق معك أن الإنسان غير مجبر على شيء. و أن الله غير مجبر على شيء كذلك.

    الإختلاف ليس في المفاهيم. الإختلاف في قبول هذه المفاهيم.

    أنت تقبل أن الله ممكن يعرف أن فلان سيخلد في النار إذا خلقه و مع ذلك خلقه.

    و أنا لا أقبل هذا.

    و النقاش هو: هل هذا مقبول أم لا.

    ليس هل الإنسان مخير أم مسير.

    وأما حكمة الله تعالى من ذلك فإن جهلها جاهل فذلك لعجزه وجهله لا لعدمها، وإن علمها فهي حجة أخرى قائمة عليه، ومن تلك الحكمة:

    أن صفات الله تعالى المتعدية تقتضي آثارها، لا لحاجة الله تعالى لهذه الآثار، ولكن لأن كمال الله يترتب عليه ظهور آثاره في مخلوقاته.

    فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره.

    وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟! وهل الله يحتاج إلينا؟!
    المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة. و أن الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. المقارنة غير منطقية يا عزيزي.

    الشمس لأنها مضيئة فالإضاءة تقتضي اشراق نورها على ما حولها.

    توازي

    الله لأنه (صفات كثيرة) فهذه الصفات تقتضي أن يخلق البشر.

    و لكن البشر سيتعذبون و الضوء الصادر عن الشمس لن يتعذب.

    الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها.

    الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.

    وليس الغرض هنا تفصيل الكلام في الحكم المتعددة من خلق الخلق، وإنما يكفينا أن ثبوت صفة الحكمة لله تعالى مبطل لكل تشغيب على علة الخلق، فيكفينا اليقين بحكمة الله تعالى، ثم إذا علمت بعض الحكمة زادنا ذلك علما ومعرفة، ولم ينقلنا من شك وريب إلى إيمان وإسلام لم يكن من قبل! فإن من علم بالدليل القاطع كمال الله وحكمته لا يحتاج بعد ذلك لإثبات حكمته بالسؤال عن كل فعل من أفعاله، فحكمة الله تعالى أظهر من ذلك وأبين.
    ثبوت صفة الحكمة؟

    صديقي، أنا "لا أدري" و لست مسلماً لكي تقول لي "ثبوت" الحكمة. أنا أريد اثبات أن الله حكيم و لا أتعامل على أن هذه حقيقة واقعة.

    أنا لا أفترض أن الله حكيم و رحيم ثم أبني استنتاجاتي على هذا الأساس. أنا أقارن المعلومات المتوفرة لدي عن أفعاله و أقارنها بما أعتقد أنه حكمة و عدل و رحمة.

    فإذا استبان ما قلنا، فإننا نعلق على الاعتراضات التي وجهها الزميل (المفتري) على هيئة أسئلة وإشكالات:

    فقوله:
    ففي هذا دعوى: (أن الله كان معطلا عن أفعاله منذ الأزل ثم في لحظة معينة خلق البشر)
    وهذا تصور غير صحيح فضلا عن أن يكون موافقا للدين الإسلامي كما يقول الزميل! وهو خطأ شائع لدى الكثيرين، ولا يكفي شيوعه لتصحيحه كما هو معلوم.

    ويكفينا هنا الإشارة إلى الصواب إذ ليس هذا موضع بسطه:

    وهو أن الله عز وجل موصوف بالكمال منذ الأزل، ومن كماله ما اتصفه به من الصفات والأفعال الاختيارية كالخلق والكلام والإيجاد والإعدام، والرزق...، وهذه الصفات والأفعال تقتضي متعلقاتها وآثارها.

    فلو قدر أنه في كل وقت كان هناك مخلوقات مسبوق كل واحد منها بعدمه، وقبل كل مخلوق مخلوق مسبوق بعدمه، لم يكن في ذلك إثبات قديم مع الله تعالى، وإنما إثبات ما لا يتناهى من الحوادث التي لا أول لها، وكل حادث منها مسبوق بعدمه.

    وهذا هو القول الحق الذي يوافق الكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة.

    فإن الله منزه عن أن يكون معطلا عن كمالاته منذ الأزل إلى أن خلق الكون بعد ما لا يتناهى من الزمن! فهذا قول باطل مخالف للكتاب والسنة ودلالة العقل والفطرة، وبسبب هذا القول الباطل نشأت بدع كثيرة في الكلام على إثبات الأسماء والصفات والأفعال، وترتب على الخطأ ضلال عظيم في بقية أبواب المعتقد، كما عند الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرها من الفرق المبتدعة الضالة، فضلا عن الرافضة المنحلة عن الدين، الزائغة عن الشرع والعقل.
    أنا لم أقل أنه كان معطلاً عن كماله. و على العموم ... لن نختلف. موضوع الكون هذا أصلاً ليس هو صلب الموضوع. أنا لا يهمني متى خلق الله الكون أو كيف. أنا يهمني أنه في لحظة ما، لم يكن هناك بشر (و في هذه اللحظة كان الله كامل الصفات و كله تمام) ... ثم بعد ذلك قال الله للملائكة إنه جاعل في الأرض خليفة. أي أنه سيبدأ (أو انتهى لتوه) من خلق آدم و بالتالي الجنس البشري و بالتالي عرض الأمانة عليهم. كل هذه الأشياء ثابتة و لم تتغير و لا علاقة لها بمتى خلق الله من و لماذا؟

    كما أنني لم أبني أية استنتاجات على هذه الإفتراضات الخاطئة التي افترضتها. أنا بنيت أسئلتي على ثوابت العقيدة.

    عرض الأمانة و العلم و الرحمة المطلقين.

    قوله:
    جوابه أن يقال:
    إن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى، فما الحاجة للاستشارة إذن؟! ثم أن ما يقضي به الله خير للعبد من قضائه لنفسه، وما يضر العبد إلا عصيانه ربه وما يترتب عليه من عقوبة الله تعالى له.
    عزيزي. القصد واضح. انظر لسياق الكلام. أكيد أنا لا أقصد أنه "يستشيرهم في شيء" ليستفسر منهم عن شيء. في ماذا سيستشير الله الناس يعني؟ هل كلامي يمكن أن تخرج منه بأنني قصدت أن الله يريد أن يفهم شيء منهم؟

    القصد واضح و هو أن الله يجب يعطي لهم حق الإختيار إما بالعودة للعدم أو الإستكمال.

    وقولك ( هم كانوا في حالهم في العدم) خطأ واضح، إذ هم في العدم ليس لهم وجود ولا ذات حتى يكون لهم حال! فإن الحال لا تقوم إلا بذات، والمعدوم لا ذات له في الخارج حتى تقول أنهم كانوا في حالهم.
    نعم نعم يا صديقي. أنا أعرف أنه لا يوجد شيء اسمه أنهم في حالهم في العدم و هذا اسمه مجاز عن أن كونهم غير موجودين أفضل من كونهم موجودين و يتعذبوا. ثم لماذا تركز على هذه الأمور التي خارج السياق أنا لا أفهم؟ هل تحاول أن تغلطني بأي شكل و خلاص؟ ماذا يضيف للنقاش إذا كان هناك شيء اسمه أن الناس ينفع يكونوا في حالهم في العدم أم لا؟ سواء كان ينفع أو ماينفعش في كلتا الحاتين هو أفضل من التواجد و التعذيب و خلاص. طيب أنا أيضاً ممكن أطلع لك أشياء غير منطقية في ردك و لكنها لا تضيف شيئاً إلا استفزاز الطرف الآخر و خلاص.

    يعني أنت في بداية النقاش قلت لي أنني:

    "انتقلت من سؤال إلى آخر بين إجابات غير صحيحة أو هي مبتورة الجذور، "

    كان ممكن أقول لك: "هو في حاجة اسمها إجابات لها جذور؟ الإجابات أشياء معنوية لا يمكن أن يكون لها جذور!!!"

    وأما مسألة إرادة العبد للمسؤولية أو عدم إرادته لها:

    فإن العدل والظلم ليس متعلقا بها، وإنما العدل أن يؤتي الإنسان القدرة على الطاعة والمعصية، وتبلغه الحجة الرسالية في ذلك، فإن اختار الطاعة أثيب بالحسنى، وإن اختار المعصية أثيب بالسوأى، فهذا هو العدل والفضل، وهذا أصل المسألة وأسها، لا الكلام عن حال المعدومات المعدومة!
    طيب خلاص. ارادة العبد للمسئولية أم لا ليس اسمها عدل أو ظلم. ماذا تحب أن تسمي أنت أن يُحمَل العبد مسئولية من دون أن يوافق على ذلك؟

    سميه ما تريد و هيا نناقشه.

    أنا لم أتكلم عن حال المعدومات المعدومة =) ... أنا تكلمت عن حال الموجودات الموجودة التي تدخل النار =).

    لا أعرف أيضاً ما الهدف من رمي الكلام بهذه الطريقة التهكمية بالإضافة إلى إلقاء علامات تعجب لا تضيف للموضوع شيء إلا اثارة أعصاب الطرف الآخر و جعله أبعد ما يكون عن الاستعداد "للهداية". (لو كان غرضك هو هداية الناس)

    وبهذا يعلم الرد على قولك: ( بما أن موافقة الإنسان (أو عدمها) على خوض التجربة هي الفيصل في تحديد العدل الإلهي،) . فليس ذلك الفيصل بفيصل في شيء، إنما الفيصل ما سبق ذكره.

    ومسألة المشورة التي ذكرها الزميل وبنى عليها عدة أسئلة ونقاشات مختلفة مبنية على أساس خاطئ، بيانه فيما يلي:

    أولا: أن الله عز وجل ينزه عن استشارة مخلوقاته لمنافاة الشورى لكمال الله تعالى، وذلك لما سبق من القول أن المشورة لا يحتاجها إلا المخلوق إما لنقص علم، أو رغبة في العون، أو سياسة للناس، أو تردد في أمر، وكل ذلك منتف عن الله تعالى.
    ولكن الله عز وجل يخير من شاء من عباده فيما شاء كيف شاء، والفرق بين الاستشارة والتخيير ليس فرقا لفظيا، وإنما فرق معنوي مؤثر كما هو واضح.
    طيب أنا كنت قصدي التخيير. أنا آسف =).

    كما أن موافقة الإنسان هي للأسف الفيصل بالفعل. ببساطة شديدة لأنه إذا (خَير) الله الإنسان و قال له: "أتريد العودة للعدم أم تريد أن تكمل" ثم اختار الإنسان العدم و تجاهل الله هذا الإختيار، فهذا اسمه ظلم. بلاش ظلم. (شيء سيء) و خلاص. سميه اللي انت عاوره. المهم أنه شيء غير مقبول لا يمكن أن ينسب إلى الله.

    ثانيا: أن التخيير حاصل لهم في الدنيا بين الطاعة والمعصية وهذا كاف في إبطال شبهة الظلم كما سبق بيانه.
    فإن قال ملحد: قصدت أن يخيرنا الله بعد أن خلقنا في أمر هذه الحياة.
    فيقال له: قد كان ذلك بأن خلقنا في هذه الحياة مختارين لطريق الخير أو الشر، فإن أبى إلا التخيير بين الحياة أو الموت، قيل له: دونك الموت فمت، فما يمنعك عن ذلك ما دمت ملحدًا! أهو الخوف من النار؟!
    لا يا صديقي. أنا آسف. هذا ليس كاف و لا يبطل أي شيء.

    التخيير بعد الخلق لا يحل المشكلة. لأن المشكلة عمرها ما كانت في تصرفات الإنسان نفسه. المشكلة هي السماح بخلقه علماً بمصيره.

    امسك صاحبك و ارميه من الشباك من الدور العاشر ثم قل له: أنت الآن غير مقيد و يمكنك أن تفعل ما تريد. أياً كان ما سيفعل، سيسقط أرضاً و يموت. صحيح أنه حر الحركة و يستطيع أن يرفرف و يغني و يركل في الهواء. و لكن كل هذا لن ينقذه. هو سيسقط في النهاية برغم كل شيء و يموت.

    ثم ما هو ردك على مثال شركات التأمين؟

    و ما هو ردك على الأب الذي يترك ابنه يقفز من الشباك؟

    رابعا: أن مطالبة الزميل بأن يخير الله الإنسان بين البقاء أو العودة إلى العدم، تناقض، فإن مجرد خلق الله تعالى للإنسان يستلزم عبوديته لله تعالى، وعبوديته لله تعالى تتنافى مع رفضه خلق الله له واعتراضه عليه، بل يلزمه التسليم بخلق الله تعالى له، ويبقى عليه الإحسان في عبوديته لله تعالى لا الكفر به.
    و من الذي جعل الأمر مستلزماً؟

    هل الله محكم بقوانين معينة؟

    خلق الناس مثلاً و لكنه لا يستطيع اعادتهم للعدم لأنه ملزم بقوانين معينة؟

    طبعاً كلامك مضمونه بدون أي مجاملة و لا افتراء (الكلا موجه للإنسان): أنت خلاص اتخلقت من دون تحكمك أو اختيارك و مافيش أي حاجة تقدر تعملها عشان تغير الموضوع ده. فأحسنلك يا حلو تخليك كويس عشان ماتروحش في 60 داهية.

    ويكون موضوع التخيير ليس الحياة في عبادة الله تعالى أو العدم!!! وإنما يكون موضوع التخيير العبودية لله تعالى بمحض الإرادة والاختيار كما هو الآن، أم بالانقياد الكوني لله تعالى كما هو حال المخلوقات الأخرى، فلا يخرج الأمر عن عبودية الإنسان لله تعالى.
    ولا شك أن الحرية والاختيار الذي وهبه الله للإنسان في الدنيا ليس ظلما، وإنما الظلم ظلم العبد لنفسه حين يسيء الاختيار بعد أن بلغته الحجة الرسالية.
    و ما فائدة عرض الأمانة طيب؟

    أين "العرض" في الموضوع إذا كان كلامك صحيحاً؟

    العرض يحتمل الإختيارات و الدليل أن الجبال رفضت الأمانة و بالتالي لم تحملها.

    ما فهمته منك هو أنني طالما موجود الآن فمعنى ذلك أنني قبلت العرض.

    طيب بماذا تفسر أنني الآن أرفض هذا العرض؟ أنا أريد العودة للعدم.



    خامسا:
    أن مَثَل ما طالب به الزميل من أمر الشورى والتخيير مثل مولود قال لوالده إنك ظالم! لأنك ولدتني بدون إذني! وكان من حقي لما ولدت أن أخير بين البقاء بينكم أو العودة إلى رحم أمي!! فلو قاله ولد لأبيه لكان قائل ذلك مجنونا، لا لأن والده عاجز عن ذلك فحسب، وإنما لأن ولادته ليست ظلما له، بل لوالده عليه فضل الولادة، وهذا من أسباب بر الأبناء بوالديهم لأنهم سبب في حياتهم، ولا أعني هنا الملاحدة وأبنائهم فإن من العجب أن يكون بينهم بر مع كل هذا الكفر والمناقضة للعقل.
    فكيف بمن يقول لخالقه إنك ظالم لأنك خلقتني بدون إذني ولم تخيرني بين البقاء والعدم! فأيهما أقبح اعتراضا؟ المعترض على أبيه أم على خالقه!!
    مثال غير دقيق. الأب لا يفرض على الإبن أشياء معينة هو يعرف أنه لن يفعلها ثم يعاقبه على ذلك عقاباً شديداً. الله يفعل ذلك. الأب لا يستطيع أن يعيد الإبن إلى العدم. الله يستطيع. الإبن لو عرف أن أبوه كان يعلم أنه إذا أنجبه لن ينفذ طلباته و بالتالي يعاقب سيطلب العودة للعدم على الفور. لكن الأب لن يستطيع إعادته و لهذا لن يعيده لأن هذا خارج قدرته. الإنسان لو كان يعرف أنه إذا خُلق سيعصي الله و يدخل النار كان سيطالب بالعودة للعدم فوراً. و الله يستطيع أن يعيده و لكنه لن يفعل ذلك بالرغم من أن هذا في قدرته.

    سادسا: أن الله خلق الإنسان لعبادته، فإن قال: أختار العدم على عبادتك!!! ألا يكون اختياره قبحا وعصيانا؟!! فكيف يكون المخلوق مخيرا بين الطاعة والمعصية على السواء ثم يكون جزاء من أبى الطاعة وصدف عنها أن يعفى من التكليف؟!!
    ثم يكون المكلف المعرض للعقاب عند التقصير هو الطائع دون من اختيار العصيان من أول الأمر؟!
    لا. لا يكون قبحاً و عصياناً. العصيان هو أن يفرض عليك الله أشياء ثم لا تنفذها أو تفعل عكسها. و لكن هنا نحن في مرحلة ما قبل فرض الفروض و العصيان. ماذا لو كان هذا الإنسان يرى أنه لن يستطيع حمل الأمانة؟ أليس من حقه شيء كهذا؟ ما هي فائدة السؤال من البداية طيب إذا كان الجواب بالرغبة في العدم هي عصيان في جميع الحالات؟

    يعني هو لازم علشان مايبقاش عصيان يوافق الإنسان بالرغم عنه و يدخل النار في النهاية مثلاً؟

    ماذا لو كان فعلاً هذا الإنسان سيدخل النار؟ ما قيمة أن يكون رده قبيحاً مثلاً إذا كان هذا الرد القبيح من شأنه أن ينقذه من الجحيم الأبدي؟

    باقي ردك سيكون تكرار لما كتبته أنا سابقاً.

    أرجو تعليقك على مثال شركات التأمين و مثال الأب الذي طلب منه ابنه أن يقفذ من النافذة و مع ذلك وافق. و أرجو منك الرد علي (إذا سمحت) أن تقرأهم من جديد لتتذكر أبعاد المثال بالكامل.

    تحياتي لك.
    التعديل الأخير تم 12-26-2008 الساعة 05:30 AM

  6. #6

    افتراضي

    حياك الله بهداية الإيمان

    قرأت تعليقك فسررت لبعض نقاط الاتفاق فيه، وسوف أضيف ردي هذه الليلة إن فرغت من بعض ما يشغلني الآن، شاكرا لك متابعتك.

  7. #7

    افتراضي

    أما نقاط الاتفاق الكبرى التي أشرت إليها، فهي:

    أولا: أن علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.
    أنا متفق معك أن الله بكل شيء عليم و أنه كان يعلم مصير الكافر قبل أن يخلقه.

    و متفق معك أن الإنسان غير مجبر على شيء. و أن الله غير مجبر على شيء كذلك.
    ثانيا: أن حكمة الله تعالى وعدله كافٍ في رد إشكال تعذيب المذنبين بعد أن خلقهم الله تعالى.
    يا سيدي لو هو خلقهم ثم هم فعلوا هذا فهم لا يستحقوا الرحمة.
    ثالثا: لا إشكال فيما يتعلق بخلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار ما دام أنه سيحسن الاختيار كأهل الجنة، وهذا واضح من الحوار إجمالا.



    يتبع/ نقاط الاختلاف ...

  8. #8

    افتراضي

    وأما نقاط الاختلاف الكبرى فأهمها:

    أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

    ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

    ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

    رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

    والمسألتان الأخيرتان داخلتان في المسألة الأولى، ولكن أفردتهما بالذكر لاعتناء الزميل (المفتري) بهما.


    يتبع/ الكلام على المسألة الأولى من نقاط الاختلاف ...

  9. #9

    افتراضي

    المسألة الأولى: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

    فإنك أيها الزميل ترى أن مجرد خلق الله لأهل النار مناقض للحكمة والعدل، إلا أن يخيروا في ذلك مع إعلامهم بما سيكون مصيرهم من العذاب حتما، فهذا الفرع الأول للمسألة.

    وترى أن الكافر كالمؤمن عند أول خلقه لا يتميز أحدهم عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب، وهذا الفرع الثاني.

    وترى أن الخلاص من هذا الظلم لا يكون للكافر إلا بأن يسمح له الله بالرجوع إلى العدم لا غير، لأنه غير حقيق بدخول الجنة مع ثبوت ظلمه وكفره، وهذا الفرع الثالث.

    فأما موقفي من هذا السؤال فهو أن مجرد خلق الله تعالى لأهل النار موافق لحكمة الله تعالى وعدله، وأن تخييرهم بين عبادته أو العودة إلى العدم ليس بلازم، ولا هو من مقتضى العدل، بل ينزه الله عن هذا العبث، إذ الله يعلم كل شيء، فإذا كان يعلم أنه سيخلقهم ليخيرهم فيختاروا العدم، فيعدمهم ثانية، فلم لا يقال أن إبقاءهم على العدم الأول هو مقتضى الحكمة والعلم دون الحاجة إلى الإيجاد، ثم الإعدام، بدون تحقق حكمة أو مصلحة، وإنما هو فقط ظهور موجودات لا ترغب في عبادة خالقها، وتفضل العدم على عبادته!

    فأين هو موضع الكمال في هذا أيها الزميل؟ ولم لا يكون استمرار العدم الأصلي هو الأولى من هذه السلسلة المتكررة مع كل كافر؟ ويكون عدم هذه الأفراد مع سائر المعدومات أوفق للحكمة؟

    ولو أنك قلت: لمَ لا يكون حال الإنسان كحال الجبال التي عرضت عليها أمانة التكليف فأشفقت من التقصير فيها، وأبت أن تعطى حرية الاختيار بين الطاعة والمعصية، واختارت العبودية التامة الدائمة لله تعالى دون صدور مخالفة منها لله تعالى.
    لو قلت ذلك لكان قولك أقرب إلى الصواب، ولهذا قال الله تعالى عن الإنسان الذي اختار حمل الأمانة ولم يعتذر منها: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} فالحقيقة هنا أن الإنسان خير فاختار، سواء كان ذلك لكل إنسان إنسان، أو لنوع الإنسان الممثل في آدم عليه السلام.
    ولكن الإشكالية هنا أن هذه الحادثة التي تطالب بها، والتي هي واقعة حقيقة كما أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه العزيز: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} هي حادثة لا نتذكرها، ولا نعلم عنها شيئا إلا بإخبار الله لنا، ولهذا لا نطالب أحدا بالإيمان بها إلا بعد الإيمان بما يؤدي إليها من إثبات وحدانية الله تعالى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما هو الأمر في جميع تفاصيل الغيب التي لا تدرك إلا بطريق الوحي الإلهي.

    ولهذا يصير حديثنا ليس في أهمية حصول هذا التخيير، وإنما في إثبات هذه الحادثة لمن لا يؤمن بوجود الله تعالى وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنك أيها الزميل إن شئت إثبات حصول هذه الحادثة فلا يمكننا أن نثبتها لك وأنت ترفض نقاش أصول هذه المسألة، ولهذا فإني أدعوك إلى مناقشة هذه الأصول، أو أن تكون مناقشتنا على أساس موقفنا الإسلامي الذي تورد الإشكالات عليه باعتبارك لا أدريا، فانظر ما تراه الأنسب لك لمواصلة هذا الحوار الممتع.

    ولنفرض أنك مهتم الآن بمناقشة موقفنا الإسلامي على ما هو عليه، وأنك تصب الإشكالات على ما نقوله ونعتقده بغض النظر عن رأيك الذي هو في حقيقته ليس رأيا لك وإنما شكوك لا أدرية تعرضها للبحث والنظر.

    فإن سلكنا هذا الطريق، فلعلك تقول: ما الفائدة من التخيير إذا كنا لا نشعر به الآن؟ وكيف هي حقيقته وكيفيته؟ ولماذا لا نتذكره ولا نحس به؟
    فأقول لك: إن هذه الأسئلة تفترض أن الغيب لا بد أن يكون مشاهدا حتى ننتفع بمعرفته، وهذا قلب للحقائق، فالحقيقة كما قلنا أن ذلك التخيير غيب، وأنت تطالب بأن يكون مشاهدا، فيصير التخيير غيبا مشاهدا وهذا تناقض. مع أن الفائدة متحققة بإعلام الله لنا بحصول التخيير لنعرف مظهرا من مظاهر ابتلاء الله للإنسان وما فيه من عدل الله في خلقه، ويكون في إيماننا بذلك زيادة علم وإيمان، كما هو الأمر في الإيمان بجميع تفاصيل الغيب التي لا تدرك بمجرد العقل دون إخبار الوحي.

    والمهم هنا ليس الخوض في كيفية التخيير، وإنما يكفينا حصوله حسب موقفنا الإسلامي الذي نفترض أنك تناقشه وتورد الإشكالات عليه، وجميع ما قد تعترض به على حصول التخيير إنما هو راجع إلى الكيفية، وليس إلى التخيير في نفسه، وبما أننا لا نعلم من كيفية التخيير ما إذا كان وقع لكل إنسان إنسان، أو للنوع الإنساني ممثلا في آدم عليه السلام، فلا يمكن أن نتجادل في كيفية مجهولة لجميعنا، إلا أن نقول على سبيل السبر والتقسيم أن التخيير:

    إما وقع لكل إنسان، لا سيما إذا راعينا ما بقي في كل إنسان من الفطرة التي هي من أثر حادثة الإشهاد التي هي غير حادثة التخيير وعرض الأمانة، إلا أنها تشير إشارة ما إلى أن الأمر في التخيير كالإشهاد من حيث عموم الخطاب للجميع، فيزول حينها بعض الإشكال عندك أو كله.

    وإما وقع لآدم عليه السلام، فنقول إن وقوعه من آدم وهو أبو البشر كان منه بمقتضى الطبع الإنساني، كما كان أكله من الشجرة التي نهي عنها من مقتضى الطبع الإنساني وهو النسيان، فلا يكون في ذلك افتئات على ذريته من بعده، ولو فرضنا أن من ذريته من سيكون خياره كخيار الجبال والسموات فلن يكون إلا لكمال وصلاح في نفسه لا لفساده وخبثه وسوئه كما هو حال الكفار والعصاة الذين خلق الله لهم نارا تناسب خبثهم وفسادهم.

    وقد يقول قائل: ما الذي حمل آدم عليه السلام على اختيار حمل الأمانة، أما كان أعلم وأحكم من ذلك؟
    فيقال: إن فعل آدم عليه السلام ليس منافيا للعلم والحكمة، لا سيما إذا راعينا أن وصف الجهل والظلم قصد به من ذكرهم الله فيما بعد من المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات دون من آمن وأصلح، وإن قصد به آدم فليس ذلك بوصف لازم له، وإنما هو كوصف المعصية الزائل عنه بعد تقبل الله توبته منها فأحدثت له بعد ذلك رحمة من الله تعالى.

    ولعل الحامل لآدم عليه السلام على ذلك هو علمه بأن المعروض عليه من الأمانة إنما هو شرف عظيم يحبه الله تعالى من القائمين به على وجهه، ويثيب عليه الثواب العظيم، فأراد آدم عليه السلام أن يتعرض لنفحات كرم الله تعالى، وينال مكرمة الله تعالى له هو وذريته من بعده، كيف لا؟ وقد فضله الله على الملائكة بما علمه من العلوم، حتى أسجدهم له تكريما وتشريفا لشأنه، وخصه بدخول جنته ودار كرامته، وهذا على فرض أن عرض الأمانة عليه كان بعد نيله ذلك التكريم والتشريف، وأما على فرض سبق ذلك إن قيل به فيكون مما خص الله به آدم عليه السلام من خلقته على ما ظهر منه فيما بعد عند تعليمه الأسماء وإنبائه الملائكة بها.

    فإن قال قائل: وما ذنب العصاة من ذريته وهم الأكثرون أن أختار أبوهم آدم ما هو الأصلح له وللأقل من بنيه؟
    فيقال: ليس ذنبهم اختيار أبيهم، وإنما ذنبهم تركهم ما هو مقدور لهم من الطاعة التي علموا أمر الله بها، وفعلهم ما هو مراد لهم من المعصية التي علموا نهي الله عنها، فذنبهم هو من فعلهم وتركهم، لا من اختيار أبيهم آدم عليه السلام، وكانوا قادرين أن يكونوا كأبيهم صالحين، ولكنهم أعرضوا عن ذلك، وعقوا أباهم، وسلكوا طريق عدوه إبليس، وخطو خطواته حتى أرداهم في الجحيم، فعجبا كيف يجنون على أنفسهم ويجني عليهم إبليس ثم يلام على ذلك آدم عليه السلام؟!

    وإذا كنا لم نخرج من مسألة التخيير بغير موافقة الإنسان على حمل الأمانة، وكانت هناك حادثة أخرى غيرها وهي إشهاد الله آدم وذريته على توحيده جلَّ وعلا، فما أثر هذه المسألة على حياتنا؟
    فيقال: إن أثرها على حياتنا ظاهر في أمر نشعر به جميعا وهو اضطرار القلب والشعور إلى الفكر في وجود خالق لهذا الكون، وهو اضطرار قلبي لا يمكنه دفعه عنه مهما أقنع المرء نفسه أنه لا إله، واضطرار العقل إلى البحث في ذلك والجدل فيه بالحق أو الباطل، وهذا ما نسميه دليل الفطرة، وهي مهما حرفت وبدلت لا تزول بالكلية عن الإنسان بل تبقى على قدر ما فيها، ولها صحوات حتى في أكثر الناس إلحادا وكفرا كفرعون وعباد الأوثان والأصنام لا سيما عند الشدائد والأهوال.

    فإذا قال قائل: ولم لم يكن علمنا بحادثة التخيير وحادثة الإشهاد أعظم وضوحا، وأجلى بيانا من مجرد الشعور الذي يخبو عند أكثر العصاة، ولا يكاد يتنبه له إلا في الشدائد، أما كان الأولى أن يكون علمنا بذلك من الأمور التي هي في حكم المعاينة وإن كانت غيبا في الوقت نفسه؟
    فيقال: هذا صحيح لو كان المراد أن لا يقع من العبد عصيان، ولكن وجود العصيان مراد لله تعالى كونا لا شرعا، وهذه مسألة من أهم المسائل التي ينبغي أن تعلم في هذا الموضوع.

    فإن إرادة الله عز وجل نوعان:
    النوع الأول: الإرادة الشرعية الدينية: وهي خاصة بما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الصالحة، فلا يكون الكفر والعصيان مرادا لله شرعا ودينا، ولكن هذه الإرادة لا تتحقق إلا في الطائع، وأما العاصي فإنه مخالف لإرادة الله تعالى الشرعية ولدينه بما شاءه الله تعالى كونا من إقداره على الاختيار الحر.

    النوع الثاني:
    الإرادة الكونية القدرية: التي بمعنى (كن) فيكون، وهي شاملة لكل ما هو مخلوق سواء كان خيرا أو شرا، ولا يخرج شيء في الوجود عن هذه الإرادة الكونية، ولا يطيعه طائع ولا يعصيه عاص إلا بإذنه وإرادته الكونية القدرية، وهذه المرادات للإرادة الكونية تنقسم إلى محبوب لله مراد له شرعا ودينا، ومكروه لله مبغوض غير مراد له شرعا ولا دينا.

    فإذا تبين هذا علمنا أن عدم ذكر الإنسان لحادثتي التخيير والإشهاد فيه حكمة عظيمة، وهي عدم إلغاء حرية الاختيار للإنسان بين الطاعة والمعصية، لأنه إذا كان العبد في صورة المشاهد للغيب حكما لا حقيقة فإن المعصية تكون حينها متعذرة على العبد، وتعذر التخيير بين الشيء وضده مسقط للتخيير رأسا، فتكون طاعته لله ليست باختياره وإنما هو ملجأ إليها، والملجأ لا يستحق ثوابا ولا عقابا لفقد إرادة الاختيار، والأصل أن الإنسان قادر على الاختيار معرض للثواب والعقاب بخلاف السماوات والأرض والجبال التي اعتذرت عن هذا التخيير خوفا وإشفاقا من التقصير، ولو لم يكن هناك إلا الطاعة لما كان هناك معنى لإشفاق هذه الجمادات من حمل الأمانة العظيمة.

    فعلم أن عدم ذكر الإنسان لحادثتي التخيير والإشهاد مؤدٍ إلى كمال حرية الاختيار للعبد، وأن المطالبة بأن يكون الإنسان في غاية العلم بها كأنه مشاهد لهما مسقط للتخيير رأسا، وهذا مخالف لأساس النقاش كله، وهو المطالبة بالتخيير.

    وأرجو أن يكون الكلام في مسألة التخيير والإعلام واضحا بعد الذي ذكر، حتى ننتقل إلى ما بعدها بحول الله وقوته.


    يتبع/ الكلام على الفروع الثلاثة من المسألة الأولى بإذن الله تعالى ...
    التعديل الأخير تم 12-27-2008 الساعة 12:34 AM

  10. #10

    افتراضي

    أرجو من الزميل أن ينتهي من الفروع الباقية أولاً لأتمكن من الرد بشكل كامل.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,955
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الزميل المفترى

    تأنى حتى يأتيك رد ناصر الشريعة كاملًا ثم ضع مداخلاتك لكى لا تقطع تسلسل رده ، مداخلتك التى وضعتها تم حذفها مؤقتًا ومحفوظة عندنا إذا أردت استرجاعها ارسلتها لك ، ولا داعى للعجلة فالموضوع بإذن الله لن يطير .
    الحق فضيلة واجبة الاتباع والباطل رذيلة موجبة الاقتلاع .

  12. #12

    افتراضي

    لا توجد مشكلة. أنا فقط ظننت أن التأخر سببه أنه ينتظر ردي.

  13. #13

    افتراضي

    نعم أيها الزميل، إن شئت أن ترد على ردي بعد استكماله فهو أوفق وأحسن، وأرجو أن يتسع صدرك لانشغالي بعض الوقت عن إضافة ما عندي، وأرجو أن أفرغ مما يشغلني قريبا إن شاء الله تعالى، وإن شئت أن تكتب ردك على كل مشاركة دون انتظار لتكملتها فلك ذلك، على أن أعقب عليها حين أنهي بقية تعقيبي على مشاركتك السابقة.

    ولقد رأيت أن لا أكتفي باختصار القول دون أن أجعل معه من الشرح والتوضيح ما يزيده توكيدا وبرهانا، وأرجو أن ترى في ذلك مثل الذي أرى، والله الموفق لكل خير.

  14. #14

    افتراضي

    أما الفرع الأول وهو ( أن مجرد خلق الله لأهل النار مناقض للحكمة والعدل، إلا أن يخيروا في ذلك مع إعلامهم بما سيكون مصيرهم من العذاب حتما) :

    فقد تبين مما سبق من الكلام في التخيير والإعلام أن استحضار الإنسان له الآن مناف للحكمة من الابتلاء والاختبار، ومبطل لهما، وصائر بالإنسان إلى حال الجمادات التي أبت القدرة على العصيان والإرادة المتعلقة به، فلا يجتمع الاختبار والابتلاء مع ذهول القلب في مشاهدة موقف التخيير والعرض واستحضاره له في حياته الدنيوية، وإنَّ في ذلك من البعد عن الحكمة كالذي في شهود الإنسان الجنة والنار حتى يراهما رأي العين، ثم يقال له إنك مخير بين الطاعة والمعصية في دار التكليف، فإن هذا من أبعد ما يكون عن حكمة التكليف، ولا يتصور فائدة للتخيير والعرض بعد أن صار الإنسان يشهد دار الجزاء بعينيه، فيكون حاله كحال من يذهل من شدة الهول عن الفكر والنظر والاختيار.

    فإن قال قائل: ألستم تقولون أن أهل الفترة يمتحنون في عرصات القيامة، والنار قد زمت أمام أعينهم بسبعين ألف زمام، بل ورد في بعض الأخبار أنهم يمتحنون بالنار نفسها، فكيف يكون هذا من حكمة الله تعالى مع مشاهدتهم للنار، ويكون وقوع مثله في الدنيا مناف لحكمة التكليف إن شهدوا النار أو استحضروا حادثة التخيير والعرض أو الإشهاد؟

    فيقال: أما ما ذكرت من حال أهل الفترة فصحيح في أنهم يمتحنون في عرصات القيامة والله أعلم بكيفية ذلك، ولكنه ليس من امتحان التكليف في شيء، وإنما هو من إظهار علم الله فيهم بما كانوا فاعليه في دار التكليف لو بلغتهم الحجة الرسالية بلوغا صحيحا، ولهذا فإنه ليس في ذلك تكليفهم بشيء مع معاينتهم الغيب، وإنما هو ظهور ما كان سيكون منهم في دار التكليف حال كونهم غير معاينين للغيب، وذلك بعد سماعهم الحجة الرسالية. فلم يجتمع هنا التكليف ومعاينة الغيب، وإنما أظهر الله حالهم في دار التكليف لو بلغتهم الحجة الرسالية، فيكونون فريقين، فريق كان سيختار الإيمان في دار التكليف فيظهر إيمانه في دار الجزاء، وفريق كان سيختار الكفر في دار التكليف فيظهر كفره في دار الجزاء، فأين الجمع بين التكليف والمعاينة للغيب إذن؟

    فإن قيل: قد زعمت أن مجرد خلق الله لأهل النار موافق للحكمة والعدل والفضل، ولم تذكر حكمة ولم تبين شيئا من أمرها، وما ذكرته مجرد دعوى لا يعرف لها معنى، ولا نسلم لك بها حتى يتضح لنا معناها، ويتبين لنا أمرها.

    فيقال: إن الحكمة من خلق الله لأهل النار لها تجليات وظهورات عامة وخاصة، فأما العامة فباعتبار جنس أهل النار الذين خلقوا لأجلها، وأما الخاصة فباعتبار كل فرد فرد من هذا النوع الناري.

    فأما الحكمة المتعلقة بخلق جنس أهل النار فإن منها ما هو راجع إلى ثلاثة أمور:


    الأول: ظهور مقتضيات وآثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله:

    فإن كمال الله عز وجل أزلي لله غير مكتسب من خلقه، ولو قدر عدم جميع المخلوقات لما نقص ذلك من كمال الله الذاتي شيء، ولكن كمال الله تعالى يترتب عليه ظهور آثاره في غيره، (ولهذا كان القول بنفي حوادث لا أول لها باطلا، لما يترتب عليه من نفي مقتضيات كمال الله تعالى في أسمائه وصفاته وأفعاله، مع التوكيد على أن كل حادث من هذه الحوادث مسبوق بعدمه، فلا يكون مع الله ما هو قديم أو أزلي الوجود، وإن قدر قدم النوع، فالنوع ليس بشيء في الخارج، وإنما هو كتقدير زمن أزلي، مع أنه لا وجود في الخارج إلا لحركات حادثة شيئا بعد شيء).

    فإذا علم هذا، علم أن من كمال الله تعالى أن يخلق المتضادات في الوجود والخير والشر والجزاء، وأن في وجود كل ذلك أثرا من آثار كمال الله تعالى، فيكون في خلق أهل النار أثرا مقتضى من كمال الله تعالى في قهره وعدله، فيجري حكم قهره على من هو أهل لوقوع ذلك عليه، كما يجري حكم عدله في عقوبة من أساء وظلم من خلقه، ولا يكون الظهور الكامل لذلك بغير وجود من يستحق الجزاء بالعقوبة الملائمة لجرمه، فإذا كان فضل الله على البشر في الآخرة متمحضا لأهل الجنة، فإن العدل في عقوبة أهل النار أولى أن تتمحض لأهل النار بعد أن لم يكونوا أهلا لفضله.
    والكلام على آثار كمال الله في أسمائه وصفاته وأفعاله ومقتضياتها في خلقه أهل النار كلام طويل جدا يحتاج إلى ذكر كل اسم وصفة وفعل يظهر أثرها في خلق هذا الجنس، ومن تدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله تبين له عظيم كمال الله تعالى في سلطانه وقهره وعدله، وعلم حقيقة قوله تعالى: {مالك يوم الدين} وما تضمنه من مقتضيات ولوازم ملك الله عز وجل في خلقه.


    الثاني: ما يترتب على خلق أهل النار من الخير والصلاح لأهل الإيمان في عاقبة أمرهم:

    فإن في خلق أهل النار وعداوتهم لأهل الإيمان وما بينهم من مقال وقتال خير وصلاح لأهل الإيمان بما يعقبهم إياه صبرُهم وصدق إيمانهم وثباتهم على الحق رغم فتنة الكافرين، وديمومتهم على طاعة الله تعالى مناكفة لوسواس الشياطين من الإنس والجن، وفي خلق أهل النار ابتلاء عظيم للمؤمنين حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ويظهر من كان إيمانه عن تصديق لا عن تقليد الأسلاف بلا بينة ولا برهان، ولو لم يخلق الله أهل النار في الدنيا لما كان هناك معنى للأمانة المحمولة من الإنسان في هذه الدار، إذ لا معنى للأمانة إلا إذا قام بها صاحبها وهو يملك أن يخون إذا شاء رغم وجود دواعي الخيانة، أو كان بتلك المثابة عند بعض السامعين، فلا يقال لشخص وضع لديه مال وهو أشل أعمى أبكم أنه حافظ للأمانة، وإنما يقال للمرء أنه أمين إذا لم يخن وهو قادر على الأمرين، ودواعي الأمانة والخيانة قائمة من حوله، أو كان بمثابة ذلك عند السامع، وإذا كان لا يوجد للخيانة معنى ولا أهل، فكيف يقال أنَّ هناك أمانة وأمناء، وهل ذلك إلا كقول أن الحجر أمين لأنه لا يقدر على الخيانة!

    فكان في خلق أهل النار تحقيقا لمعنى العبودية لله تعالى، وإظهار المؤمنين على الكافرين، ونصر أهل الحق على الباطل، وإعزازهم وإعظام أمرهم ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وتعظم هذه الحكمة بربطها بالحكمة السابقة حيث يكون في نصر أهل الحق على الباطل ظهورا لآثار أسماء الله تعالى وصفاته المقتضية النصر والتمكين للمؤمنين على الكافرين، وظهور رضاه ورحمته بأهل طاعته، وغضبه ونقمته على أهل معصيته.


    الثالث: تسخير الله لهم كما سخر ما في الأرض لعمارة هذه الدنيا:

    فكما أن الله عز وجل خلق في الدواب والهوام ما هو نافع وضار، وجعل في ذلك حياة الكائنات وتوازنها واعتدال أمرها، فكذلك كان في خلق أهل النار حكمة ظاهرة، لما يترتب عليه من سعيهم بمقتضى البشرية والطبيعة الجبلية إلى السخرة في هذه الأرض لحفظ حياتهم والتكاثر بأملاكهم وأولادهم، فيعمرون الدنيا بخراب آخرتهم، ويبنونها ليسكنها غيرهم بعد فنائهم، ولما أبوا أن يكونوا عبادا لخالقهم، جعلهم عبيدا للأرض ومن عليها، فيكدحون في هذه الدنيا كدحا يضنيهم ويشقيهم من أجل متع فانية، ولذاذات زائلة، وحظوظ ذاهبة.

    فكان خلقهم في الأرض كإيجاد الخادم للدار، يعمرها بكده ونصبه وهو لا يملكها، وتعرض عليه قصورٌ خير من تلك الدار ليسكنها باسمه فيرفضها ويختار عليها البقاء في رسم الخدمة لغيره من المخلوقين الفقراء حيث لا ينتهي كده ولا يرتقي في درجته عن منصب الخادم الأجير للدار الحقيرة! هذا والدار لو قورنت بتلك القصور العظام لصارت أشبه بالخراب بل هي الخراب بعينه!

    فما أنفع خلق أهل النار للأرض، مع ما سخره فيها من دواب الأرض وهوامها النافعة بضررها!


    فتبين بهذه الأمور الثلاثة بعض حكمة الله تعالى في خلق جنس أهل النار، وحكمة الله أوسع من أن يحيط بها علم أحد من خلقه.



    وأما الحكمة المترتبة على خلق كل فرد فرد من هذا النوع الناري:

    فهي أوسع من أن يحصى الكلام فيها، إذ أن كل فرد من هذا النوع يظهر في خلقه من حكمة الله تعالى أمور كثيرة هي تفصيل للأمور الثلاثة العامة لجنس الكفار.

    فمن ذلك أننا لو مثلنا للحكمة في ذلك بخلق الله لفرعون، فسيظهر لنا من بعض حكمة الله في خلقه أمور منها:

    ظهور مقتضى اسم الله تعالى (الأعلى) حيث أظهر الله علوه على خلقه بمجازاة من أنكر وجوده وعلوه بالإغراق في اليمّ، معاقبة له على قوله {أنا ربكم الأعلى} فجعله الله الأسفل.

    وما في خلقه من ابتلاء واختبار لبني إسرائيل وأهل مصر، فصار سببا في زيادة ثواب المؤمنين المحسنين، وتمييزا لهم عن المفتونين الخاسرين.

    وما في خلقه من إظهار لعدل الله تعالى في عقوبته على ظلمه وبغيه في الأرض، وعلم أن بطش الكافر لا يحول بينه وبين عاجل نقمة الله عليه.

    كما كان في خلقه لفرعون ظهور فضيلة موسى عليه السلام في مقارعته له بالحجة والآيات، وصموده بالحق أمام كفر الكافرين من علية القوم وأرباب الكفر.

    وكان فيه إظهار عجز الكافر في أمره حتى أنه يسخره لحفظ المؤمن من حيث لا يشعر، فقد ربِي موسى عليه السلام في بيت فرعون أمام عينيه وسط داره وأهله، فإذا نهاية أمره وخاتمة ملكه على يديه.

    وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي تتعلق بخلق فرعون، فضلا عن خلق كل واحد واحد من أفراد أهل الكفر.

    فسبحان الله عز وجل ما أحكمه وأعلمه وأقدره، وما أعجز الإنسان عن أن يحيط ببعض حكمة الله تعالى في بعض مخلوقاته فضلا عن جميع ذلك!


    يتبع/ الكلام عن الفرع الثاني بإذن الله تعالى ...
    التعديل الأخير تم 12-29-2008 الساعة 08:42 PM

  15. #15

    افتراضي

    أرى عزيزي أنه يجب بالفعل مناقشة ما سبق لأن الكلام كثير و هناك أشياء يجب أن أوضح لك أني غير مختلف معك فيها حتى نختصر الكلام عن تفاصيلها.

    أنا ليست عندي مشكلة أن ينسى الإنسان حادثة التخيير.

    إذا سمحت، أريد أن أضع ردي على الفرع الأول لننتهي منه و لتعرف أنت تفاصيل أكثر فيما أتفق معك و اختلف معك فيه.

    و لنأجل الكلام عن الفروع الأول و الثاني لحين الإنتهاء من المسألة الأولى.

    هل تسمح؟

صفحة 1 من 4 123 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تعليقات: الإيمان والإلحاد -الدكتور نقد والزميل نيرون
    بواسطة محب أهل الحديث في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 228
    آخر مشاركة: 07-05-2012, 09:58 PM
  2. مناظرة: اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)
    بواسطة المفتري في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 67
    آخر مشاركة: 10-18-2009, 02:08 AM
  3. إشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي
    بواسطة Titto Divitto في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 45
    آخر مشاركة: 12-03-2008, 10:12 AM
  4. تبرئة الدكتور النجار وكشف المفتري حمض
    بواسطة someone في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 03-14-2008, 02:48 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء