صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 59

الموضوع: اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)

  1. #31

    افتراضي

    أشكر المشرف الكريم مشرف 4 على تفضله بتنظيم الحوار على النسق الرائع الذي طرحه، وأعلن موافقتي على جميع ما ذكره، وهو عين ما كنت سأرد به على الزميل (المفتري).

    ولا بد من التوكيد على ثلاثة أمور لا بد من بيانها وقد وضحها أخي مشرف 4 كأنه قد اطلع على ما نفسي، فلله درُّ فراسته، وهذه الأمور الثلاثة:
    أولا: مطالبة الزميل (المفتري) بتبيين اعتراضه على ذكري لنقطة من نقاط الاتفاق، مع أني سبق أن وضحت ذلك في موضعه من ردي عليه، وكلامه الذي عارض فيه ذكري نقطة من نقاط الاتفاق بيننا هو قوله:
    عزيزي. ألم أتحدث أنا عن موضوع عدم الإجبار هذا؟

    طيب أعمل إيه؟

    خلاص. أنا سأكتبها بالأحمر و بالخط الكبير لعلها تثبت في أذهان القارئين:

    أنا لا أؤمن أن الله يجبرنا على شيء


    لو سمحت يا عزيزي لا تذكر لي هذه النقطة. الإشكال أعلى بكثير من كون الإنسان مجبر أم لا. بكثير. أنا لا يهمني إذا كان الإنسان مجبر أم مخير. لا يهمني. ليست هذه القضية. هل رأيتني أسأل: كيف يجبر الله الناس على الأفعال؟
    إلى آخر كلامه.

    ولهذا قلت في ردي عليه:

    وأحب أن ألفت نظرك إلى أنه ليس جميع ما ذكرته يكون بالضرورة مخالفا لما تقوله، وإنما قد يكون من الحقائق التي توافقني عليها، وإنما أحتاج إلى ذكرها لتوضيح الجواب على نقاط الاختلاف بيننا، فلا يكون هناك من حاجة لمطالبتك بعدم ذكرها لأنك لا تخالف فيها، فأرجو أن لا يضيق صدرك كلما رأيت ذكر نقطة اتفاق بيننا.
    وكررت التنبيه عليه فيما بعد، ولهذا ضمنته مطالبي وجعلته أولها، فإن قال الزميل إن ما ذكره ليس من الاعتراض على نقاط الاتفاق وإنما هو شيء آخر مهما سمَّاه، فلا يهمني من جميع رده إلا التصريح بالتزام هذا المطلب فيما يأتي، وهو مطلب منصف لا أظنه يواجه بالرفض من عاقل.

    ثانيا: اعترض الزميل على مطالبتي له في استشكالاته الشخصية على المعتقد الإسلامي في الإيمان بالله بأن يلتزم أحد موقفين، فإما أن يورد إشكالاته الشخصية على ما تقرره العقيدة الإسلامية، أو يتحول الحوار إلا مناقشة الموضوع من منطلقه اللاأدري، والفرق بينهما أن الأول يكون موقفه فيه أن يبين التعارض والتخالف والتناقض الذي يتصوره هو في ما تقرره العقيدة الإسلامية، فيقول مثلا:
    العقيدة الإسلامية تقرر أن الله موصوف بالكمال المطلق - وليس مطلق الكمال كما يعبر به الزميل- ويشكل علي التوفيق بين ذلك وبين إقرار العقيدة الإسلامية بتخليد عذاب أهل النار، أو لا أفهم الحكمة من خلق أهل النار.
    أما الثاني فيكون موقفه أن يتسائل عن طريق العلم بوجود الله وكماله ودلائله، وهنا نحتاج إلى مناقشته في حقيقة موقفه اللاأدري قبل مناقشة تلك الأسئلة، إذ كل لاأدري حالة مختلفة عن بقية اللاأدريين.

    ويتحدد على هذا إذا اختار الزميل الطريق الأول أنه لا يصح أن يعترض بأن الله غير موجود أو غير كامل أو غير حكيم، لأن الإشكال هنا لا يكون واردا على العقيدة الإسلامية، وإنما هو خارج عن مناقشة ما تقرره العقيدة الإسلامية أصلا، فليست هناك مناقشة لمقررات العقيدة الإسلامية حتى يكون هناك إشكالات واردة على مقرراتها.
    ويصير محصورا في إشكالاته بالمطالبة بفك التعارض والاشتباه الذي يطرأ له عند تأمل مقررات العقيدة الإسلامية في الإيمان بالله تعالى.

    فالله حكيم كما تقرره العقيدة الإسلامية، وهي تقرر أيضا إمكان معرفة حكمة الله تعالى في كثير من الأمور، وتقرر أنه لا يحيط بجميع حكمة الله تعالى أحد من خلقه، وأن هذا من كمال الله تعالى، وأن العقل يقبل هذا ويقرره بل يستلزمه، وأن الإنسان له أن يسأل ويبحث عن حكمة الله تعالى، ولكنه إذ عجز عن معرفة بعض الحكمة فلا يجوز له أن يحكم بعدم الحكمة لأن عدم العلم ليس علما بالعدم، ولأن العقل يقرر ثبوت حكمة الله تعالى بشهادة ما يثبته من براهين حكمته في خلقه.
    فكيف يصح أن يعترض على هذا بأنك لست مؤمنا بحكمة الله تعالى كما فعلت سابقا في ردك على ردي الأول، وهل أنت تؤمن بوجود الله أصلا؟! فكما لا يصلح أن تعترض بعدم معرفتك بوجود الله تعالى ولا علمه فكذلك لا يصح اعتراضك بعدم معرفتك لحكمة الله تعالى ورحمته وعدله.
    ولهذا لا يصح أن يعترض بمثل قوله السابق:
    ثبوت صفة الحكمة؟

    صديقي، أنا "لا أدري" و لست مسلماً لكي تقول لي "ثبوت" الحكمة. أنا أريد اثبات أن الله حكيم و لا أتعامل على أن هذه حقيقة واقعة.

    أنا لا أفترض أن الله حكيم و رحيم ثم أبني استنتاجاتي على هذا الأساس. أنا أقارن المعلومات المتوفرة لدي عن أفعاله و أقارنها بما أعتقد أنه حكمة و عدل و رحمة.
    ويتحدد على هذا إذا اختار الزميل الطريق الثاني وهو الحوار على أساس موقفه اللاأدري لا على مقررات معتقدنا الإسلامي أن نناقشه في منهج المعرفة وطرقها أولا، ثم نتحدث عن معرفة العقائد الإسلامية ثانيا، ثم إذا كانت هناك إشكالات نناقشها أخيرا.


    ثالثا: لقد زعم الزميل المفتري أني لن أتنازل عن طريقة مناقشة الأفكار لا العبارات، وهذا غير صحيح، ولو رجع إلى كلامي لعرف أني أفضل طريقة مناقشة الأفكار وتلخيصها بدل مناقشة العبارات، ومع ذلك فقد نصصت على موافقتي على محاورة الزميل على طريقته بشرط نقل جميع ردودي إلى موضوع مستقل لا علاقة له بهذه المناظرة ووضعي ردا على مشاركته الأولى وفقا لطريقة الاقتباسات التي هي أسهل عليَّ وأيسر بكثير وأنسب لوقتي وانشغالي الشديد.
    فما أسهل أن أكتفي بمناقشته في عبارات ذكرها ونقاط مقتصرة على ما كتبه هو، وما أيسر ذلك عليَّ، فإن شاء ذلك فعلته وهو هين عليَّ، ولكني أراه سيقصر فائدة الحوار على مناقشة إشكالات فرد لا عرض فكرة من جميع جوانبها التي لا بد منها في مناقشتها.

    فهذا ما أردت بيانه في شأن المطالب الثلاثة، فليبد الزميل رأيه بالموافقة أو الرفض، ثم يفسر رفضه إن كان رافضا لشيء منها، وإن لم يكن لديه إشكالية مع هذه المطالب فليشرع في كتابة ملخص لأهم نقاط الاتفاق، وأهم نقاط الاختلاف بإيجاز، كما فعلت سابقا.

    ويتبين مما سبق أن ما تفضل به المشرف الكريم موافق للعدل والإنصاف، وأن ما تفضل به موافق تماما لما سبق ذكره في مواضع من الحوار، ويدل على درايته التامة بالحوار ومساراته، فجزاه الله خيرا وبارك فيه، ويسعدني تشريفه الحوار بتنظيمه له ومتابعته له.

  2. #32

    افتراضي

    أولا: مطالبة الزميل (المفتري) بتبيين اعتراضه على ذكري لنقطة من نقاط الاتفاق، مع أني سبق أن وضحت ذلك في موضعه من ردي عليه، وكلامه الذي عارض فيه ذكري نقطة من نقاط الاتفاق بيننا هو قوله:

    (...)

    إلى آخر كلامه.

    ولهذا قلت في ردي عليه:

    (...)

    وكررت التنبيه عليه فيما بعد، ولهذا ضمنته مطالبي وجعلته أولها، فإن قال الزميل إن ما ذكره ليس من الاعتراض على نقاط الاتفاق وإنما هو شيء آخر مهما سمَّاه، فلا يهمني من جميع رده إلا التصريح بالتزام هذا المطلب فيما يأتي، وهو مطلب منصف لا أظنه يواجه بالرفض من عاقل.
    أشكرك للتوضيح. كان من الضروري أن أفهم ما قصدت لأتأكد إذا كان هناك سوء تفاهم أم لا. بالفعل أنا أسأت فهم ما قصدته فأنا ظننت أنك لا تريدني أن أتكلم عن نقاط الإتفاق التي ذكرتها في بداية ردك (و هو ما كان غريباً علي بعض الشيء) و لم أفهم أنك قصدت أنك لا تريدني أن أعترض على ذكرك أنت للأشياء المتفق عيها بشكل عام بيننا كما هو ثابت في الإقتباس.

    و بالنسبة للإقتباس نفسه فأنا لا مانع عندي أنت تذكر ما تشاء من أشياء نحن متفقين عليها، لكن اعتراضي هو استخدامك هذه النقاط كحجة مباشرة على ادعاءاتك.

    أعني أنني في مداخلتي الأولى بينت أن كون الإنسان مخير (الذي هو محل اتفاق) لا يلغي علم الله بأن أهل النار سيدخلوا النار. و كون الإنسان مخير هو من ضمن الإشكالية التي أستفسر عنها.

    و أنت استخدمت هذه النقطة المتفق عليها (و هي نقطة الحرية في الإختيار) كإثبات للعدل الإلهي في حين أنني أوردتها هي نفسها في الإشكال و ذكرت أنها ليست كافية لحل الإشكال.

    ثانيا: اعترض الزميل على مطالبتي له في استشكالاته الشخصية على المعتقد الإسلامي في الإيمان بالله بأن يلتزم أحد موقفين، فإما أن يورد إشكالاته الشخصية على ما تقرره العقيدة الإسلامية، أو يتحول الحوار إلا مناقشة الموضوع من منطلقه اللاأدري،
    لم أعترض على مطلبك. بل قلت أنه من حقك. أنا فقط قلت أن ما حدث في المناظرة ليس خروج عن المعتقد الإسلامي كما زعمت أنت و المشرف.

    و بالنسبة لموضوع الحكمة فالحكمة هي ما نناقشه أصلاً. إذا قلت لي "ثبوت الحكمة" فالنقاش انتهى. و أنا لم أقل لك مثلاً أن الله غير حكيم و دليلي على ذلك هو كذا كذا.

    أنا أقول لك، أنا معك أن الله حكيم و كل شيء، و الآن، و بما أن الله حكيم، فلا بد أن أي تصرف يفعله له حكمة ما. سؤالي هو "ما هي حكمته في كذا و كذا و كذا؟"

    لم أفترض أن الله غير موجود و لا أي شيء مما ذكرت و الكلام كان واضحا في هذا الشأن في ردي السابق عندما قلت:

    هذا الكلام ليس معناه أنني سأقحم معتقداتي اللاأدرية في الحوار و أبني عليها استنتاجاتي، فنحن في النهاية نناقش الإله الإسلامي و ليس إله من نسج خيالي، و لكن معناه أن الأشياء التي ليس من حقي أن أتكلم فيها هي أشياء محددة و التي من حقي أن أتكلم فيها هي أيضاً أشياء محددة.

    الذي ليس من حقي أن أتكلم فيه هو المعتقدات المبنية على تعاليم الإسلام التي تُحدثنا عن صفات الله. يعني لا يصح أن أقول لك مثلاً أن الله ليس على كل شيء قدير لمجرد أنني اعتقد هذا. إذا كان القرآن يقول أن الله على كل شيء قدير فيجب أن أناقشك و أنا أضع في حساباتي أن الله على كل شيء قدير. ليس من حقي المساس بهذا المعتقد.
    ثالثا: لقد زعم الزميل المفتري أني لن أتنازل عن طريقة مناقشة الأفكار لا العبارات، وهذا غير صحيح، ولو رجع إلى كلامي لعرف أني أفضل طريقة مناقشة الأفكار وتلخيصها بدل مناقشة العبارات، ومع ذلك فقد نصصت على موافقتي على محاورة الزميل على طريقته بشرط نقل جميع ردودي إلى موضوع مستقل لا علاقة له بهذه المناظرة ووضعي ردا على مشاركته الأولى وفقا لطريقة الاقتباسات التي هي أسهل عليَّ وأيسر بكثير وأنسب لوقتي وانشغالي الشديد.
    فما أسهل أن أكتفي بمناقشته في عبارات ذكرها ونقاط مقتصرة على ما كتبه هو، وما أيسر ذلك عليَّ، فإن شاء ذلك فعلته وهو هين عليَّ، ولكني أراه سيقصر فائدة الحوار على مناقشة إشكالات فرد لا عرض فكرة من جميع جوانبها التي لا بد منها في مناقشتها.
    أنا قلت ذلك لأنك أشرطت تنازلك عن طلبك بشرط معين و هو اشارة إلى عدم استعدادك للتنازل عن طلبك من دون هذا الشرط. و تخيلي لمسار المناظرة المثالي هو أن يستمر كل منا بطريقة رده الطبيعية بلا شروط.

    و بالنسبة لطريقة ردي فذكرت سابقاً أنها لا تناقش العبارات فقط و إنما تناقش كل الأفكار التي تتطرق إليها المداخلة و يتم توجيه مناقشة الأفكار عن طريق العبارات.

    أنا لا أناقش العبارات. و إنما أناقش الفكرة وراء العبارات. لا تهتم يا زميل، لقد تنازلت أنا.

    الخلاصة:

    طلبك ألا أعترض على ذكرك لنقاط الإتفاق مقبول بشرط ألا تكون هذه النقاط أدلة من ضمن الإشكال نفسه كما وضحت سابقاً.

    طلبك بأن لا أقحم معتقداتي اللاأدرية مقبول من المداخلة السابقة بغض النظر عن رأيك عن تعليقي على مصطلح ثبوت الحكمة. سأفعل ما أستطيع لكي أتجنب هذه النقطة.

    طلبك أن أناقش الأفكار لا التعبيرات مقبول.

    و بالنسبة لسير الحوار فسألتزم بسير الحوار المذكور في المداخلة الإشرافية و هو ما معناه أن المداخلة التالية ستكون تلخيص سريع لما فهمته من مداخلة الزميل ناصر و ابداء رأيي فيها من حيث الإتفاق و الإختلاف.

    و بالنسبة للتحفظات الأخرى فكان منها أنني أريد الزميل ناصر أن يرد على مطلبي الآن و ليس حين يأتي دوره في الرد لأهمية ذلك في التخلص من سوء التفاهم و هو ما فعله بالفعل مشكوراً، و بعض التحفظات الأخرى كانت بخصوص سير المناظرة و لكني غيرت رأيي بشأنها و قررت اعتماد المذكور في المداخلة الإشرافية.
    التعديل الأخير تم 02-02-2009 الساعة 03:20 PM

  3. افتراضي

    تحية طيبة للحميع

    بصراحة الموضوع جميل جدا لقد قرأته كله اليوم واحيّي صاحب الموضوع الزميل المفتري والزميل ناصر الشريعة تحية خاصة , ولاكن لماذا كل هذا التأخير في الردود الموضوع صار له حوالي شهران ولم يدخل المتناظرين في صلب الموضوع والحوار حوله ؟ اول مرة في حياتي ارى مناظرة في موضوع مهم كهاذا ولها اكثر من شهر ونصف ولم يتطرق المحاورين لاصل الموضوع بعد كل هذه المدة ولم يتفقوا على نقاط الاختلاف والاتفاق !!! اهي خوف احد الطرفين من الاخر وتحسس نقاط الضعف عنده ليبدا الهجوم والانقضاض عليه ؟ ام لا مبالاة بالموضوع ؟ علما ان التأخير الاكثر كان من جهة الزميل ناصر الشريعة
    اتمنى ان لايطول الرد من قبل الطرفين اكثر من يومين لكي يكون الحوار ممتع ومفيد ويكون له متابعة كبيرة من كثير من القراء

    ودمتم
    التعديل الأخير تم 02-03-2009 الساعة 07:14 PM
    أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله

  4. #34
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    1,955
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    وأنا بدورى أتمنى أن يلتزم الأعضاء بترك الموضوع لمن خصص لهم .
    الحق فضيلة واجبة الاتباع والباطل رذيلة موجبة الاقتلاع .

  5. #35

    افتراضي

    بانسبة لنقاط الإتفاق:

    1- علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.

    2- حكمة الله وعدله كافٍ في رد إشكال تعذيب المذنبين (بعد أن خلقهم الله).

    3- لا إشكال فيما يتعلق بخلق الإنسان ومنحه حرية الاختيار ما دام أنه سيحسن الاختيار كأهل الجنة.

    4- حادثة عرض الأمانة حدثت (بحسب المفهوم الإسلامي) و لا أحاول اثبات عكس ذلك.

    5- لا توجد مشكلة أن ينسى البشر حادثة عرض الأمانة. المهم هو أن النتيجة معروفة و ثابتة.

    6- عرض الأمانة على البشر علماً بأنهم سيرفضونها و من ثم ارجاعهم للعدم بناء على طلبهم هو عبث.

    7- لا مشكلة أن يخبـىء الله عن البشر حكمته في أمور كثيرة (حيث أنهم لن يستوعبوها). و لكن اختلافي معك هو أن ذلك يحدث فقط بشروط سآتي إليها في ردي.

    هذه هي نقاط الإتفاق. إن حدث و وجدت نقاط أخرى أتفق معك فيها سأذكرها على الفور.

    بالنسبة لنقاط الإختلاف، ففيما عدا ما كتبت لتوي، أنا أختلف معك. و هي أمور كثيرة جداً على أن أذكر كل واحدة منها في قائمة مماثلة لأن ردك طويل. أرى أن الطريقة المثلى لعرض نقاط الإختلاف هي البدء في الرد مباشرة.

    انتظر تعليقك على نقاط الإتفاق و رأيك عن الإكتفاء بذكر نقاط الإختلاف في الرد.

  6. #36

    افتراضي

    ما ذكرته من نقاط الاتفاق لا أخالفك في شيء منها، ومن أهمها النقطة الثانية والسابعة، سوى أني أعمم القول في الثانية فلا أقيده ببعد الخلق، وفي السابعة أنتظر شروطك التي أحتاج إلى أدلتها لا إلى مجرد ذكر أنها شروط.

    وأنتظر منك إضافة ما يستجد لك من نقاط الاتفاق بعد معاودة النظر في الحوار.

    وأما نقاط الاختلاف فهي الأولى بالتحديد، ويكفيك أن تلخص نقاط الاختلاف الكبرى، وأما ما يندرج تحتها من اختلافات في التفاصيل فهذا يمكنك أن تنبه عليه في أثناء الردود متى شئت.

    وفقك الله إلى الهدى والحق.

  7. #37

    افتراضي

    النقطة الثانية و النقطة السابعة من نقاط الإتفاق تم ضم الأجزاء التي اختلف معك فيها إلى نقاط الإختلاف المذكورة أدناه.

    نقاط الإختلاف الكبرى:

    1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.

    2- ما إذا كانت حكمة الله و عدله كافيان في رد إشكال تعذيب المذنبين (قبل أن يخلقهم الله)

    3- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.

    4- أن أمثلتك غير موافقة لتعريفك أنت بالقياس الصحيح.

    5- أن الأمثلة التي أوردتها أنا جميعها موافقة لتعريفك أيضاً بالقياس الصحيح و لم يحدث مني خطأ و مغالطات في الأقيسة كما ذكرت في ردك.

    6- أنا لم أصف التعبير بالإستشارة مكان التخيير "مجازاً" كما ذكرت في ردك. و لكن قلت أنه لا يمكن الخروج من سياق الكلام بأن الله يسشير الخلق لأنه يريد أن يستفهم منهم، و إنما ما قصدته هو أنه يخيرهم.

    7- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة التي أنا من ضمن ضحاياها.

    و ثبوت حكمته في الأمور الأخرى التي نستوعبها بالفعل (و هي المفروض كثيرة جداً) كاف لاستيعاب مدى حكمته. كما أن وجود أشياء كثيرة عظيمة الخلق كالكواكب و المجرات على سبيل المثال لا الحصر هي أيضاً إشارة كافية على قدرته و حكمته. و إن كان (لأي سبب كان) من المستلزم أن يدرك البشر أن هناك من الأمور ما لا يمكن أن نحيط به، فلتكن هذه الأمور (كما قلت من قبل) أشياء غير فاصلة في الإيمان بوجوده خصوصاً في ظل علمنا أن الله يحبنا و يريد مصلحتنا وعليه فجعله لهذه الأمور التي تشكلني مثلاً ذات حكمة فوق تصور البشر يتعارض في رأيي مع كونه يريد مصلحتنا و الموافق لهذا الحب أن تكون هذه الأمور سهلة الإستيعاب لكي لا تكون بمثابة فخاً في طريق من كانوا ليؤمنوا بالله لولاها.

    تفاصيل كل وجه من هذه الوجوه سيأتي باستفاضة في ردي بعد أن تبدي موقفك من هذه النقاط.

    أرجو الإنتباه إلى أنني لا أطرح هذه النقاط للنقاش حولها الآن (فأنا لم أناقشك في التفاصيل عندما طرحت نقاط الإتفاق و الإختلاف و انتظرت حتى اكتمل ردك). و إنما أطرحها لكي تكون على علم بها و لتنبيهي إذا كنت أسأت التعبير فيما أعتقد أنك متفق أو مختلف معي فيه.
    التعديل الأخير تم 02-06-2009 الساعة 05:05 PM

  8. #38

    افتراضي

    كنت أود أن يكون تلخيصك لنقاط الاختلاف الكبرى أكثر وضوحا وترتيبا، ولكن وجدت أنك أدخلت في نقاط الاختلاف الكبرى ما يعتبر نقاطا فرعية أو مكررة، فمن النقاط الفرعية النقطة السادسة، ومن النقاط المكررة (4، 5) كما سأبينه.

    ولهذا أقترح عليك أيها الزميل أن تحدد نقاط الاختلاف الكبرى حسب المسائل الأربع التي لخصتها في ردي عليك، فتحدد نقطة الاختلاف الكبرى في كل مسألة منها، وإن لم تكن هناك نقطة اختلاف كبرى فيها فيمكنك أن تذكر أن خلافك فيها إنما هو في أمور فرعية لا غير.

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناصر الشريعة مشاهدة المشاركة
    وأما نقاط الاختلاف الكبرى فأهمها:

    أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟

    ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟

    ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟

    رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟

    والمسألتان الأخيرتان داخلتان في المسألة الأولى، ولكن أفردتهما بالذكر لاعتناء الزميل (المفتري) بهما.
    وأرى أن ما ذكرته من النقاط (1، 2) داخل في المسألة الأولى.
    وأما النقطة (3) فمتعلقة بالمسألة الثانية.
    وأما النقطة (7) فمتعلقة بالمسألة الرابعة.
    وأما النقطة (6) فلا تستحق الذكر هنا لما سيأتي بيانه.
    وأما النقطة (4، 5) فهي مكررة، ومتعلقة بمنهجية الاستدلال وهي غير مخصوصة بمسألة معينة من المسائل الأربع، إذ الحاجة إليها ماسة في جميع المسائل، ولهذا يمكنك تقديم النقاش فيها من حيث منهجية القياس، وتترك مناقشة الأمثلة إلى مواضعها من المسائل الأربع.


    فأما المسائل (1، 2) فهي نقاط كبرى في الاختلاف، ويمكنك طرح النقطة (2) للنقاش، ثم النقطة (1) فنتكلم في تنزه حكمة الله عن الظلم والعبث، ثم نناقش بعض ما ذكر من حكمة الله تعالى في خلق أهل النار.

    وأما النقطة (3) فتحتاج إلى توضيح (بعض المفاهيم) التي تخالفني فيها غير (المطلق واللانهائية).

    وأما النقاط (4، 5) فهي مناقشة لتفاصيل، وأما نقطة الاختلاف الكبرى فهي منهجية التعامل مع الأقيسة والأمثلة، فأقترح دمجها في نقطة واحدة وأن توضح موقفك من المنهجية التي بينتها في ردي، ثم بعد ذلك يأتي الكلام في تطبيق المنهجية الصحيحة على ما ذكر من الأمثلة.

    النقطة (6) أتفق معك أن قصدك هو التخيير وليس الاستشارة وهذا قد ذكرته مرارا، ولكني أقول أن تعبيرك بالاستشارة خطأ لغة واصطلاحا على سبيل الحقيقة أو المجاز، وأنت ترى أنه صحيح بمجموع السياق وأنه ليس بمجاز، رغم أني أرى أن السياق لا يصحح هذا الخطأ، وأنه لا يصح لا لغة ولا عرفا ولا حقيقة ولا مجازا ولا سياقا، ولكن لا أرى هذا الخلاف من النقاط الكبرى حتى تذكر هنا، ولهذا أقترح إلغاءها من قائمة نقاط الاختلاف الكبرى، ويكتفى بمناقشتها في تفاصيل الحوار إن شئت، مع أني لا أرها تستحق المزيد من النقاش بعد أن بين كل واحد منا موقفه منها.

    النقطة (7) حول الحكمة الخفية، وهي نقطة راجعة إلى مسألة عدل الله في هداية الناس هداية الدلالة والإرشاد، وقد بينا تحقق هذا العدل، ومسألة وضوح أو غموض بعض المسائل على بعض الناس. ولا أوافقك في تسميتك الابتلاء بالحكمة الخفية فخا، وإنما هو ابتلاء واختبار، وضلال من ضل ليس سببه خفاء الحكمة وإنما فساد طريقة التفكير والبحث، فإن كنت ترى أن خفاء بعض الحكمة لا يصلح للابتلاء، أو أنه يلزم من الحكمة عدم ضلال أحد فهذه نقطة خلاف بيننا، مع أني قد فصلت الكلام فيها، فينبغي أن تحدد ما تخالفني فيه مما قلته في تفصيلها لا أن نعود إلى البداية من جديد.
    التعديل الأخير تم 02-07-2009 الساعة 12:59 AM

  9. #39

    افتراضي

    أرى أن النقطة السادسة بالفعل فرعية و أرجو أن تعذرني في هذا لأنني كنت أفعل ما أستطيع لأغطي ما أمكن من نقاط الإختلاف.

    أما النقطتين الرابعة و الخامسة فهم في رأيي من النقاط الأساسية في الحوار و المشكلة هنا عزيزي أن الموضوع يخضع للآراء.

    لذلك، و تفادياً لمسألة الآراء، سأقبل طلبك بحذفهم من نقاط الإختلاف الكبرى لو أردت و لا أرى أن هذا سيحدث فارقاً كبيراً معي و لكن إذا كان ذلك مهم بالنسبة لك فلك هذا.

    لاحظت كذلك أن النقطتين 1 و 2 تقريباً نفس الشيء و بالتالي سأقوم بدمجهما ليكونوا نقطة واحدة و حذف النقطة الثانية.

    و عليه،

    فالنقاط المعتمدة هي النقاط 1 و 3 و 7.

    و أرى أن هذه النقاط تتمشى مع ثلاث من نقاطك.

    أولا: هل خلق أهل النار ابتداءً موافق للحكمة والعدل؟
    تتمشى مع

    1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.
    اكتفي فقط بذكر هذا و لا داع للخوض في التفاصيل الآن.

    ثانيا: هل كمال صفات الله تعالى يستلزم تناقضها؟
    تتمشى مع

    3- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.
    و هنا أيضاً اكتفي بذكر الإختلاف و عدم الخوض في التفاصيل.

    رابعا: هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟
    تتمشى مع

    7- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة التي أنا من ضمن ضحاياها.
    حيث أن الكلام عن الحكم المخفية جاء في سياق النقطة الرابعة: "هل جواب هذه المسائل وضوحا أو غموضا مقياس لصحتها؟"

    و الآن تبقى:

    ثالثا: هل حرية العبد في اختيار العصيان تعني تنزيه الله عن الظلم والعبث تعالى الله وتقدس عن ذلك؟
    فهذه نقطة اختلاف هي الأخرى لأن حرية الإختيار في رأيي ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و التفصيل أيضاً يأتي في الرد.

    و بالنسبة لما أردت تحديده فيما يخص خفاء الحكمة:

    فإن كنت ترى أن خفاء بعض الحكمة لا يصلح للابتلاء، أو أنه يلزم من الحكمة عدم ضلال أحد فهذه نقطة خلاف بيننا.
    هي فعلاً نقطة اختلاف بيننا. لأنني (لأسباب آتية في الرد) غير موافق على الحكمة من الإبتلاء التي أوردتها في ردك. و لا أرى أنه من الحكمة أن يضَل من كانوا ليهتدوا لولا ما أسميته بالإختبار.

    و بناء عليه، فالترتيب النهائي للنقاط:

    1- الحكمة من خلق أهل النار الواردة في ردك.

    2- بعض المفاهيم حول المطلق و اللانهاية سواء كانتا مقرونتان بالرحمة أو بأي صفة أخرى.

    3- حرية الإختيار ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و ليست هي ما ينزه الله عن الظلم.

    4- إذا حدث و كانت هناك حكم مخفية فلا ينبغي من رأيي أن يعلم الناس بوجود هذه الحكم الخفية و لا الوصول لها بتفكيرهم طالما أنهم لن يفهموها و لن تضيف لهم إلا الضلال و الحيرة.

    5- الحكمة من الإبتلاء و الإختبار.

    هل من تعديلات أخرى؟
    التعديل الأخير تم 02-07-2009 الساعة 02:22 PM

  10. #40

    افتراضي

    لا اعتراض على النقاط من (1-4) وأما النقطة الخامسة فهي من فروع النقطة الأولى، لأنهما تعبيران عن معنى واحد، وهو الحكمة من خلق أهل النار وتكليفهم، والتكليف ابتلاء واختبار، ولهذا أقترح دمجها مع النقطة الأولى إن شئت.

    وأمر آخر، هو قولك:
    أما النقطتين الرابعة و الخامسة فهم في رأيي من النقاط الأساسية في الحوار و المشكلة هنا عزيزي أن الموضوع يخضع للآراء.

    لذلك، و تفادياً لمسألة الآراء، سأقبل طلبك بحذفهم من نقاط الإختلاف الكبرى لو أردت و لا أرى أن هذا سيحدث فارقاً كبيراً معي و لكن إذا كان ذلك مهم بالنسبة لك فلك هذا.
    فأنا إنما اقترحت دمجهما وجعلهما نقاشا في نقطة منهجية في غاية الأهمية وهي منهج الاستدلال بالأقيسة والأمثلة، ثم بعد ذلك لا مانع عندي من مناقشة الأمثلة وتفاصيلها حسب أهميتها في الحوار على ضوء القواعد المتفق عليها في مناقشة منهجية الاستدلال.

    أرشدك الله لطاعته

  11. #41

    افتراضي

    أعتذر عن تأخري في الرد، فقد كنت دائم السفر في الفترة الماضية.

    سأضع ردي قريباً.

  12. #42

    افتراضي

    فكرت كثيراً في أفضل طريقة أتناول بها ردودك بعد أن قررت أن أغير طريقة ردي. استقر الأمر في ذهني على الرد عليك اهتداءاً بنقاط الإختلاف الكبرى التي اتفقنا عليها مع التطرق إلى بعض النقاط الفرعية.

    و أود في البداية أن أدرج حديثين من صحيح البخاري:

    الحديث الأول:

    ‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل ‏ ‏حدثني ‏ ‏أخي ‏ ‏عن ‏ ‏سليمان ‏ ‏عن ‏ ‏ثور ‏ ‏عن ‏ ‏أبي الغيث ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏قال:

    ‏أول من يدعى يوم القيامة ‏ ‏آدم ‏ ‏فتراءى ذريته فيقال هذا أبوكم ‏ ‏آدم ‏ ‏فيقول لبيك وسعديك فيقول أخرج بعث جهنم من ذريتك فيقول يا رب كم أخرج فيقول أخرج من كل مائة تسعة وتسعين فقالوا يا رسول الله إذا أخذ منا من كل مائة تسعة وتسعون فماذا يبقى منا قال إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود.

    المصدر: موقع تابع لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمملكة العربية السعودية.

    http://hadith.al-islam.com/Display/D...E1%CD%CF%ED%CB

    الحديث الثاني:

    حدثني ‏ ‏إسحاق بن نصر ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو أسامة ‏ ‏عن ‏ ‏الأعمش ‏ ‏حدثنا ‏ ‏أبو صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد الخدري ‏ ‏رضي الله عنه عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال:

    يقول الله تعالى ‏ ‏يا ‏ ‏آدم ‏فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بعث النار قال وما بعث النار قال من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا رسول الله وأينا ذلك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن ‏ ‏يأجوج ‏ ‏ومأجوج ‏ ‏ ألفا ثم قال والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا فقال ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود.

    المصدر: موقع تابع لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للمملكة العربية السعودية.


    http://hadith.al-islam.com/Display/D...E1%CD%CF%ED%CB

    و بما أن الروايتين مختلفتين، فسآخذ في الإعتبار الحديث الأول و الذي نخرج منه بأن 99% من البشر الذي خلقهم الله ابتدائاً من آدم و إلى يوم الساعة، هم في النار. (الرواية الأخرى تقول 99.9%) و لكني كما قلت سأعتبر أنها 99%.


    و الآن نبدأ بنقطة الإختلاف:

    "حرية الإختيار ليست "حلاً" و إنما هي جزء من الإشكال و ليست هي ما ينزه الله عن الظلم"

    جاء في ردك الكثير مما معناه أن الإنسان "مخير" في النهاية و غير مجبر على شيء و أن هذا يساهم كثيراً في إزالة الإشكال.

    أولاً:

    ما هي قيمة الحرية يا زميل إذا كانت عاجزة عن تغيير ما بعلم الله؟

    هل منْح الله لعباده حرية الإختيار يعطيهم فرصة بأن يغيروا ما في علمه لعلهم يدخلوا الجنة مثلاً؟

    الحالة الوحيدة التي تكون فيها حجة الحرية صحيحة، هي أنت تكون الحرية قادرة على تغيير ما بعلم الله على أساس أن الغرض من منحها سيكون:

    "صحيح أني أعلم أنك ذاهب للنار، و لكني سأعطيك فرصة لعلك تغير هذا الواقع" – هنا ممكن نتناقش. لكن ليس هذا ما يحدث. الحرية لا تغير الواقع.

    ما قيمة الحرية إذا كان المصير ثابت في علم الله و لا يتغير؟

    ثانياً:

    أنت تنظر للموضوع على أن الحرية التي منحها الله للبشر تعالج مسألة علمه المحتم المسبق أن (أحمد) مثلاً سيدخل النار. و لكن هذا ليس ما يحدث.

    المعلومة التي في علم الله المسبق (ليست) أن أحمد سيذهب للنار فبالتالي أعطاه الحرية، و إنما العكس. المعلومة هي "أحمد سيذهب للنار (إذا) خلقه الله حراً". و هذه المعلومة هي الموجودة في علمه منذ الأزل و هي الإشكال نفسه و ليس شيء آخر.

    دخول أحمد النار ساهم فيه الشرط بأن يخلقه الله حراً و ليس أن الحرية تعطي فرصة مثلاً أو تعالج شيئاً. و أنا لا أقول أن خلْق أحمد حراً هي الحالة الوحيدة التي إذا تم خلق أحمد عليها سيدخل النار، و لكني أقول أن الله كان يعلم أنه من الحالات الأكيدة.

    من يعرف؟ قد يكون هذا الأحمد سواء خلقته حراً أم لا، يذهب للنار في النهاية أيضاً (إن صح هذا). قد يكون سيذهب للجنة. أياً كان. لا يهمنا الإفتراضات الغيبية الأخرى التي لم تحدث. يهمنا فقط الواقع و الإفتراضية التي حدثت معنا و نعرفها جيداً: الله خلق أحمد حراً (في ظل) معرفته أن خلق أحمد حراً ليس كافياً لتغيير مصير أحمد و "إنقاذه من النار".

    لاحظ هنا أنني أفترض أن الله لا يحب الشر لمخلوقاته و إنما يحب لهم الخير. و بالتالي من حقي أن أقول أشياء مثل (إنقاذ أحمد من النار).

    الخلاصة أني أقول لك:

    "كيف خلق الله الناس و هو يعلم أنهم ذاهبون للنار؟"

    و أنت بدلاً من رد الإشكال تقول لي:

    "ليس هذا فقط. و إنما كان يعلم أيضاً أنه إذا خلقهم (أحراراً) و أعطاهم التمييز بين الخير و الشر، سيدخلون النار. و مع ذلك خلقهم أحراراً". أنت تضيف إشكالات، تضيف أشياء كان يعلمها الله و تجاهلها و لا تحل شيئاً.

    و هذا ينتقل بنا إلى:

    الحكمة من خلق أهل النار

    فإذا كان ثابتاً أن الله برغم علمه أن خلقه لبعض الناس (و منحهم الحرية في الإختيار) لا يعطي لهم الفرصة بأن يغيروا ما كان في علمه (الذي هو دخول "حري الإختيار" جهنم).

    و إذا كان ثابتاً أن الله يحب عباده و خلقه و مع ذلك سمح بخلق أهل النار، فلا بد إذاً من حكمة عنده لخلق أهل النار.

    الحكمة (الواردة في ردك) هي:

    أن الله عنده صفات كثيرة منها أنه رحيم و منها أنه منتقم و شديد العقاب، منها أنه عادل، منها أنه قاهر.

    و الله لكي يجعل صفة مثل صفة النعمة و الرحمة تتحقق، يجب أن يخلق بشراً و ينعم عليهم و يرحمهم فتتجلى فيهم صفاته، و من ضمنهم أهل الجنة. و هو ما يبين لنا أحد أسباب خلق الله لأهل الجنة. فالله يريد أن تتجلى صفات الحب و النعمة و الرحمة مثلاً فيهم.

    و الكلام نفسه بالنسبة للصفات الأخرى. الله قاهر. كيف يكون الله قاهراً إذا لم يكن هناك من يقهره؟ و هو ما يفسر لنا وجود أهل النار. الله خلق أهل النار لأنه يريد أن تتجلى فيهم صفاته.

    لكن تحقيقاً للعدل، الله سيختار هؤلاء الذين ستتجلى فيهم صفات القهر من هؤلاء الذين إذا خُلقوا سيعصوا الله و بالتالي يستحقوا العذاب لأنه سيخلقهم حري الإختيار.

    يعني، أهل النار موجودين في هذه الدنيا و وظيفتهم هي أن يقهرهم الله لأنه لا بد من أحد ليُقهر لتتجلى صفات الله و تظهر. و أهل النار هم من استحقوا أن يكونوا "من سيظهر فيهم هذا التجلي" لكونهم اختاروا العصيان بكامل ارادتهم التي وهبهم الله إياها سلفاً تحقيقاً للعدل.

    لنقم بتحليل هذا الكلام:

    أولاً: لِمن يريد الله أن تتجلى صفاته؟

    للناس؟

    أم لنفسه؟

    أم لأن هذا شيء لا بد من حدوثه بأي حال من الأحوال و بغض النظرعن من الذي سيتجلى له الأمور؟

    إذا كان للناس، ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراً و يرمي 99% منهم في النار و يعذبهم أشنع العذاب لأبد الآبدين لكي يبين للـ %1 المتبقي أنه قاهر مثلا؟

    بحكم أن الله رحيم يعني، من الأكيد أنه بقدرته اللانهائية يستطيع أن يوصل نفس المفهوم للناس من دون أن يعذب 99% من البشرية بهذا الشكل.

    من الأكيد أنه يستطيع أن يجعلها تتجلى في أشياء أخرى غير أن يعذب الناس. أليس الله على كل شيء قدير و في نفس الوقت يحب خلقه حباً شديداً؟ هذا فضلاً عن عدم حاجته لأن تتجلى صفاته في أي شيء على الإطلاق.

    ملاحظة: المنطق الذي استخدمه هنا و في أكثر من مناسبة أخرى في هذا الموضوع، لا يتكىء كاملاً على حديث الـ 99% هذا في حال ما إذا كنت غير مؤمن به أو معترض على استخدامي له بأي شكل من الأشكال . ففي هذه المناسبة مثلاً، يكفي أن نقول أن الله يستطيع أن يوصل مفهوم قدرته على القهر بدون تعذيب أي أحد على الإطلاق و ليس 99% بالضرورة و هو ما يجعل تعذيبه لـ 99% أمر خطير جداً.

    ثانياً: تتجلى لنفسه؟

    لا حاجة للخوض فيها. الله لا يحتاج أن يبين لنفسه أي صفة، فهو أعلم من أي أحد آخر بصفاته هو. هذا احتمال مرفوض.

    ثالثاً: هذا شيء لا بد من حدوثه بأي حال من الأحوال و بغض النظرعن من الذي سيتجلى له الأمور؟

    لماذا لا بد من حدوثه؟ ما الضرورة في أن تتجلى صفات الله؟ هذا يعطي الإنطباع أن الصفات أشياء تجبر الله على التصرف بما تمليه عليه و الله غير مجبر على شيء.

    فمثلاً من كلامك يمكن أن نفهم أن الله (لأنه) قاهر مثلاً، فهو "يحتاج" شيء يخلقه و يقهره لكي تتحقق هذه الصفة. و لكن لماذا يجب أن تتحقق؟

    هل "يحتاج" الله إلى أي شيء؟

    أمر عادي أن يكون الله قاهر و لا يقهر أحد. بمعنى آخر، هو عنده القدرة على قهر أي أحد و لكنه ببساطة لا يفعل ذلك و لا يحتاج أن يفعل ذلك.

    ما الحاجة الماسة لخلق البشر و قهرهم لتتجلى الصفات إذا كانت عندك القدرة أن تحقق نفس الغرض من دون فعل ذلك، خصوصاً لو أن هذا الـ"ذلك" يتضمن تعذيب أرواح كثيرة جداً أشنع عذاب يمكن وصفه لأبد الآبدين؟

    و بالنسبة لحرية الإختيار فهي الآن لا قيمة لها. كل فائدتها الآن هو جعل من سيدخلوا النار هم من مستحقيها لتحقيق الغرض الأساسي و هو تجلي صفات الله.عزيزي، لو أن الله يريد أن يخلق بشراً تتجلى فيهم صفاته، لو هو أراد ذلك سيفعله مهما كانت الظروف. أي فارق سيحدث إذا أعطاهم حرية الإختيار أم لم يعطيهم إياها؟ هو أراد ذلك و سيفعله. إنتهى الأمر. و موضوع الحرية هذا ليس إلا "كيف" سيفعل الله هذا الذي شاء. فبدل من أن يخلق بشراً ليس عندهم حرية الإختيار لتتجلى فيهم صفة القهر، يجعلهم عندهم حرية الإختيار، كل هذه أمور جانبية تكميلية لا تؤثر في الواقع. الواقع هو: الله يريد صفاته أن تتجلى. إذاً، هو سيفعل ذلك. سيخلق بشراً و سيدخلوا النار في النهاية لأنه أراد ذلك. لا دخل للحرية بالموضوع. الحرية شيء لا تأثير له على الإطلاق في مشيئة الله إذا شائها.

    نقطة أخرى جانبية:

    إذا كان ما تقوله صحيحاً، فهل صفة القهر تحتاج إلى ناس أكثر بكثير (و أعني بكثير) من أي صفة أخرى معاكسة لها لكي تتحقق؟

    الحديث المدرج أعلاه يقول بأن هذا الكلام صحيح. و أظنني لا "أفتري" عندما آتي بحديث من صحيح البخاري.

    فالله –حسب كلامك- لكي يجعل صفة القهر تتجلى، جعل 99% ممن سيخلقهم من المستحقين لعذاب النار. و الـ 1% الباقي فقط للرحمة مثلاً أو أي صفة أخرى.

    لماذا هذه النسبة بالذات عزيزي لو أن هذا الحديث صحيح؟

    أليس 50% كافياً مثلاً؟

    أو 75% أو حتى 90%؟

    لماذا 99%؟ (و في رواية أخرى 99.9%)؟

    و 1% فقط هم ما نحتاجه لكي تتجلى صفة الرحمة؟

    هل تؤمن بهذه الأرقام؟

    و لو أجبت بنعم، فهل عندك تفسير منطقي لها؟

    إذا كنت غير مؤمن بالحديث هذا بالذات، فمن المتعارف عليه إسلامياً أن أهل النار يفوقون أهل الجنة بمراحل خيالية بغض النظر عن النسبة الحقيقية.

    و من الأدلة القرآنية على ذلك:

    (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) [سبأ: 20 ]

    (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) [يوسف: 103 ]

    و يكفي أن يزيد أهل النار عن أهل الجنة بنسبة 1% فقط لكي يصح التساؤل عما إذا كانت صفة القهر تحتاج عدد أكبر من البشر لكي تتجلى و تظهر.

    الحكمة من الإختبار:

    سأتكلم عن الحكمة من الإختبار على ضوء الحديث المذكور مرة، و من دونه مرة.

    أولا: على ضوء الحديث:

    فإذا كان أهل النار يفوقوا أهل الجنة بمراحل، أليس هذا معناه أن الله يحمل الإنسان فوق طاقته؟

    و ألا يثبت هذا أن منح الإنسان حرية الإختيار شيء مضر له جداً و لا يدعي للتفاخر؟

    المسلمون يدافعون بضراوة عن ربهم بحجة أن الله أعطانا الحرية الكاملة في الإختيار. طيب، ألا تثبت نتيجة هذا الإختبار (99% راسب و 1% ناجح) أن إعطاء الإنسان الحرية شيء سيء له و مضر و ليس جيداً كما يدعي المسلمون بدليل أن 99% ممن أُعطوا هذه الحرية المنشودة دخلوا النار للأبد؟

    النسبة تقول أن الإنسان (كقاعدة) هو أصلاً كائن عاصي بطبيعته و الأصل هو أن يسيء استخدام الحرية التي أعطاه الله إياها. أو أن الإنسان هو كائن لو أعطيته حرية التصرف، سيذهب للنار. هذه هي القاعدة الأساسية و التي لها استثناء يؤكدها و هو الـ 1%.

    أليس من حقي أن أقول أن الشيء الذي يحدث بنسبة 99% هو القاعدة و أن الـ 1% الباقي هو الإستثناء؟

    و أليس كون القاعدة الأساسية هي أن الإنسان حر التصرف يدخل النار، أن الله يحمل الجنس البشري ما لا يتحملون على أساس أن الإنسان بطبيعته يسيئ استخدام الحرية؟

    ثانياً:

    ما فهمته من ردك عن الحكمة من الإبتلاء و الإختبار، هو أن الله يريد أن يبين المؤمن الحق من المنافق. باختصار: يُظهر كل إنسان على حقيقته.

    ننتهي أولاً من السؤال المعتاد: ألا يعرف الله المنافق و المؤمن؟ ما الحاجة أن يبين الله المؤمن من الكافر أو المنافق إذا كان هو يعلمه فعلاً من البداية؟ هذه واحدة.

    الأمر الآخر: لِمن يبين الله المؤمن من الكافر؟

    لنفسه أم للناس أم أن هذا شيء يجب أن يظهر بغض النظر عن من الذي سيتبين له هذا الأمر؟

    ثانياً:

    لنفترض أن الله يريد أن يختبر واحد من عباده بأن تموت زوجته مثلاً، و أن عبده هذا كان مطيعاً لله و عابداً له. و لكن عندما جاء الله ليختبره و يبتليه و قبض زوجته، قال لا يوجد إله و كفر. كيف يكون هناك إله رحيم و يقبض زوجتي بهذا الشكل؟

    فبغض النظر عما إذا كان هناك رد بأن الله قد يكون رحيماً و مع ذلك يقبض روح زوجته و أن الرحمة مثلاً لا علاقة لها بالأمر، فهذا الرجل أولاً لا يعرف هذا الرد، و إذا قلته له قد لا يفهمه و لا يقبله. و سيكفر بالله مثلاً بسبب هذا الإختبار.

    و الآن عزيزي، أليس هذا الإختبار هو السبب في أن هذا الرجل سيدخل النار؟

    أعني، أن الرجل كان مطيعاً و كل شيء سليم في حياته، و كان سيدخل الجنة بطبيعة الحال لولا هذا الإبتلاء الذي جعله يدخل النار. فماذا هو دور الإبتلاء في هذه الحالة غير أنه السبب في دخوله النار؟

    لاحظ أن هذا سيناريو وارد جداً و ليس خيالياً لأن من المفهوم أن الإختبار الغرض منه "إظهار" المؤمن الغير مكتمل الإيمان أو المنافق من المؤمن الصحيح، و نجاح هذا "الإظهار" ليس معناه إلا "وقوع" العبد الذي يتم اختباره أو فشله بصفة عامة في الإختبار.

    و نرى شيء مماثل فيما يخص المصير المتغير في قولك:

    فلا يجتمع الاختبار والابتلاء مع ذهول القلب في مشاهدة موقف التخيير والعرض واستحضاره له في حياته الدنيوية، وإنَّ في ذلك من البعد عن الحكمة كالذي في شهود الإنسان الجنة والنار حتى يراهما رأي العين، ثم يقال له إنك مخير بين الطاعة والمعصية في دار التكليف، فإن هذا من أبعد ما يكون عن حكمة التكليف، ولا يتصور فائدة للتخيير والعرض بعد أن صار الإنسان يشهد دار الجزاء بعينيه، فيكون حاله كحال من يذهل من شدة الهول عن الفكر والنظر والاختيار.
    طيب، هذا الذي رآه و أصابه بالهول و الدهشة، هل هو وهم و خداع، و لهذا لا يريد الله أن يريهم إياه حتى لا تتأثر قراراتهم بهذا الوهم الزائف؟ أم أنه هو الواقع و لا يريدهم الله أن يروه؟

    أي القرارات أصوب، و أنت ترى الواقع أم و أنت ترى الوهم؟

    طبعاً الواقع. و الذي كانوا سيروه لو كان الله أراهم النار و الجنة هو الواقع.

    ما المشكلة أن ترى الواقع؟

    حسب كلامك:

    الإنسان الكافر لو رأى من البداية جهنم و استحضرها في الدنيا قد يؤمن لهول ما رآه. و لكن الله ليضمن أن هذا لن يحدث، لا يريه شيئاً حتى يتركه يتصرف بطبيعته التي يعلم الله أنها ستدخله النار.

    هكذا يضمن الله أن هذا العبد لن يدخل مكاناً لا يستحقه كالجنة مثلاًً و كل شيء ينضبط.

    أو:

    الكافر ممكن لو رأى الجنة من البداية و استحضرها في الدنيا قد يعجبه الموضوع و يسعى له زيادة لكي يحصل عليها لجمال ما رآه. و لكن الله لم يريه الجنة و لم يسمح له بهذا المجهود الزيادة لأنه يعرف أن هذا لن يكن حاله إذا لم يكن رآها. و بحسب قولك، هذا ينفي الغرض من الإختبار الذي هو:

    اظهار كل واحد على حقيقته. (و التي يعرفها الله من دون اختبار)

    و السؤال عزيزي: لماذا لا يحدث العكس؟

    لماذا لا يكون الوضع أن:

    الله عندما أدرك أن عبده الفلاني لو رأى الجنة سيعمل جاهداً ليحصل عليها و لو لم يرها فسيدخل النار. فبالتالي أراه الله إياها ليرحمه بحكم أنه رحيم محب لخلقه؟

    لماذا لا يكون الوضع هكذا و ليس العكس؟

    هل لأنه بهذه الطريقة سيدخل الناس كلهم الجنة؟

    و ما المشكلة؟ هل هذا ينقص من الله؟ هل الله حبه محدود بحيث يختص به بعض البشر؟

    لن تتجلى صفات القهر؟

    و لماذا يجب على صفة القهر أن تتجلى؟ من الذي قال أن هذا لازماً؟

    نقطة فرعية: آنية الأذى لحظة الخلق

    ما الذي أقصده بآنية الأذى لحظة الخلق؟

    أقصد أن الله عندما خلق أهل النار، فهو آذاهم لحظة الخلق و ليس عندما يدخلوا النار.

    و عندما خلق أعل الجنة فهو أنعم عليهم و أفادهم لحظة الخلق و ليس لحظة دخولهم الجنة.

    بمعنى أدق، اللامساواة حدثت بالفعل في (الآن أو اللحظة) التي خلق فيها الله أهل الجنة و أهل النار لأن النتيجة الناشئة عن خلق هؤلاء و هؤلاء واحدة لا يمكن أن تتغير و لا يستلزم الأمر أن ننتظر حتى يدخل أهل الجنة حنتهم و أهل النار جهنم لكي نقول أن الأذى أو الفائدة بدأت فقط لحظة الدخول.

    زميلي، دعني أعد للوراء أكثر و أرتب الصورة كما أراها.

    أولا: الله أزلي الوجود لا بداية له و صفاته أزلية معه و منها علمه، فعلم الله أزلي بنفس أزلية الله.

    يعني، كلنا، أنا و أنت و كل ما أكتبه و ترد عليه، أزلي في علم الله و إن لم يكن قد حدث بعد في الأزل. يعني أنا و أنت كائنات أزلية مع الله لكن الفارق أننا كنا أفكار في علمه و الآن أصبحنا واقع.

    في قديم الأزل، لم نكن نحن فقط من كان في علم الله الأزلي، بل كان –و مازال- هناك في علم الله، أكوان أخرى و ناس مختلفين عنا تماماً و لكنه لم يخلقهم و لم يخلق أكوانهم. ناس مثلاً من جنس واحد و لا يتزوجون و الأرض عندهم على هيئة أخرى و هكذا. كل التفاصيل المتعلقة بهذه الإفتراضات الأخرى التي لم تحدث، يعلمها الله منذ الأزل و كان يعلم ماذا كان سيحدث إذا خلقها و كيف كانت ستبدو إلا أنه لم يخلقها. و كان يعلم أيضاً أنه سيخلقنا نحن على الشاكلة التي نحن عليها. أرض بيضاوية الشكل و بشر من جنسين مختلفين يتزوجون.

    أي أنه في الأزل، كنا نحن (بالحياة التي نحن عليها) بجانب عدد لا نهائي من الأكوان الأخرى الإفتراضية موجودون في علم الله الأزلي و كلنا (نحن و الأكوان الأخرى) كنا متساويين في شيء واحد و هو أن الله لم يخلقنا بعد.

    الله اختار كون واحد، أو "سيناريو" واحد فقط من بين كل هذه الأكوان و "السيناريوهات" الأخرى ليخلقه لغرض و سبب ما لا يهمنا. و الآن ما معنى أن "يختار" الله واحد من بين كل هؤلاء؟

    معناه أن هذا الكون الإفتراضي الواحد الذي اختاره سيبدأ في التحقق بالحرف و تماماً بالكيفية التي كانت موجودة في علمه الأزلي بلا أدنى اختلاف. و أن كل ما في علمه سيبدأ في التحقق (لحظة) البدء في خلقه بدون اختلاف عنه.

    يعني إذا كان في علم الله الأزلي شيء افتراضي اسمه الشمس، و هذه الشمس الله يعرف أنه إذا خلقها ستصدر ضوئاً و حرارة، إذاً فلو خلقها سيتحقق ما كان في علمه، و ستصدر بالفعل ضوء و حرارة كما يتوافق مع ما كان في علمه.

    هل يمكن أن تصدر الشمس الضوء و الحرارة من قبل أن يخلقها الله؟ بالطبع لا. يعني "الخلق" هو الفعل الذي يسمح لما هو ثابت و أكيد في علم الله أن يتحقق. ليس أكثر.

    هذا هو تعريف الخلق بناءً على أزلية علم الله. هو "البدء" في تنفيد فكرة أزلية مكتملة في علم الله.

    من ضمن الأشياء التي كانت موجودة في الكون الذي اختار الله أن يخلقه دوناً عن الأكوان الأخرى الإفتراضية، هي أهل النار و أفعالهم. هم أزليين في علمه، و حرية التصرف التي منحهم الله إياها أزلية في علمه.

    و كما لا ينبغي للشمس أن تصدر ضوئاً و حرارة (إلا) إذا خلقها الله، و لا ينبغي لها أن تكون أي شيء آخر مختلف عن الذي أراده الله لها، كذلك لا ينبغي لأهل النار أن يذهبوا للنار (إلا) إذا خلقهم الله. و لا ينبغي لأهل النار أبداً أن يكونوا أي شيء آخر مختلف عما أراده الله لهم. هم فكرة أزلية حالها كحال مليارات الأفكار الأخرى. و كل ما حدث هو أن الله "سمح" لها أن تحدث دون سواها.

    و الآن عزيزي، في قديم الأزل، عندما كنا كلنا مجرد أفكار في علم الله، لم نكن ارتكبنا أي معاصي بعد. لم نكن بدأنا في عبادته بعد. لم يحدث أي شيء على الإطلاق بعد. كنا كلنا سواء و لم يحدث بعد ما يلزم أحدنا بالعذاب و الأحد الآخر بالنعيم.

    يعني أهل النار في علم الله الأزلي و أهل الجنة في علم الله الأزلي هم متساوون في كل شيء ما بينهم البعض و ما بينهم و بين الأكوان و المجرات الإفتراضية الأخرى. كل سواء.

    ماذا سيحدث إذا خلق الله واحد من أهل النار؟

    يكون آذاه لحظياً ( يعني لحظة الخلق = لحظة الأذى). لأنه "سمح" بحدوث واحد من السيناريوهات الأزلية التي كانت موجودة في علمه، هذا السيناريو لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة فقط لا غير و هي أن هذا الشخص سيدخل النار بعدما يُمنح الحرية و كل هذا كان في علم الله الأزلي.

    أريد أن أؤكد على هذه النقطة، أن مجرد خلق أهل النار هو أذى لهم لحظة السماح لهم بالتواجد. لأن هذا السماح بالتواجد (بحسب علم الله الأزلي) (لا يمكن إلا) أن يؤدي إلى دخولهم النار تماماً كما أن خلق الشمس لا يمكن إلا أن يؤدي إلى أن تبعث الشمس الضوء و الحرارة.

    و الكلام عكسه بالنسبة لأهل الجنة. مجرد خلق أهل الجنة هو إفادة لحظية لهم لأنهم كانوا بحياتهم و حرية اختيارهم، فكرة أزلية من ضمن أفكار أخرى كثيرة سمح الله لها بالحدوث دوناً عن غيرها. و ما إن يخلق الله هذه الفكرة و ينفذها، ستبدأ في التحقق تمشياً مع علمه المسبق بها منذ الأزل بأعلى دقة ممكنة.

    أين العدل في هذا يا زميل؟

    الإثنان كانوا مجرد فكرة فقط،

    أهل النار كانوا فكرة أزلية تقول: هؤلاء قوم لو خُلقوا و منحوا الحرية سيدخلوا النار.

    و أهل الجنة كانوا فكرة أزلية تقول: هؤلاء قوم لو خُلقوا و منحوا الحرية سيدخلوا الجنة.

    مجرد خلق أهل الجنة فائدة آنية لهم لحظة الخلق

    مجرد خلق أهل النار ضرر آني لحظة الخلق

    هل من العدل أن يخلق الله هذا و ذاك و يفيد هذا و يضر ذاك بالرغم من أنهم كانوا سوياً في العدم و لم يفعلوا شيء بعد؟

    هذه كانت أول نقطة فرعية. و خلاصتها أن هناك لا مساواة في خلق أهل النار و أهل الجنة.

    نقطة فرعية (2): نسأل سؤال جديد و هو الذي طرحته في منتدى الموضوع الأصلي:

    لماذا يوجد في علم الله المسبق من هم سيدخلوا الجنة و من هم سيدخلوا النار؟

    لماذا يعرف الله أن أحمد مثلاً بالذات سيذهب إلى الجنة و أن محمد سيذهب للنار من قبل حتى أن يخلقهم؟

    ما هو الفرق بين أحمد و محمد؟

    أليست مصائرهم هذه مبنية على أعمالهم؟

    معنى ذلك أن أعمالهم مختلفة.

    و لماذا اختلفت أعمالهم عن بعض؟

    هل خلقهم الله متماثلين تماماًً و رغم هذا التماثل تصرفوا بشكل مختلف؟

    نحن الآن أمام اختيارين.

    الأول أن الله خلق أحمد و محمد متماثلين تماماً في كل شيء (و هو مستحيل لأن المعروف أنهم سيتصرفوا بطريقة مختلفة فكيف هم متماثلين إذاً؟)

    و الثاني أنه خلقهم غير متماثلين و عدم التماثل هذا كان سبباً في أن أعمال أحمد أدته للجنة و أعمال محمد أدته للنار و هو ما معناه أن كل واحد فيهم لم يدخل الجنة أو النار لأنه يستحق ذلك، و لكن لأن الله خلقه و صممه بحيث يستحق ذلك!

    لنر الموضوع من زاوية مختلفة.

    في مرحلة الأزل. أحمد و محمد كانوا موجودين في علم الله فقط (كما شرحت من قبل) بأن أحمد ذاهب للجنة و محمد ذاهب للنار. هو كان يعلم ذلك. متفق عليه أنه كان يعلم ذلك.

    السؤال: هل كان يعلم ذلك لأنه كان يعلم أنه سيخلقهم بطريقة معينة تؤدي بهم إلى هذا الـ"ذلك"؟

    أم أنه كان يعلم ذلك لأنه كان يعلم أنه حتى لو خلقهم قمة في التساوي، لن يكون هذا التساوي كاف لكي تكون مصائرهم واحدة في النهاية؟

    إذا كان يعلم من البداية أن خلقهم في قمة التساوي لن يكن كافياً لتكون مصائرهم واحدة، فلماذا ظلم الذي سيذهب إلى النار فيهم و خلَقه؟ و ماذا فعل الآخر ليستحق الجنة عنه؟

    و إذا كان هو الذي سيخلقهم بهذه الطريقة، فكما قلنا، في هذه الحالة، الخلود في جهنم وقتها لن يكون مشكلة المخلوق. و إنما مشكلة الخالق الذي خلقه مختلفاً عن غيره في كونه مستحقاً للنار و في كون غيره مستحقاً للجنة.

    و إذا قلنا أن الله يقدر أن يخلقهم متساويين و أحرار و مع ذلك تختلف تصرفاتهم، فهذا لا يحل شيئاً.

    لأن الله لو كان يعرف من الأصل أنه (حتى لو خلقهم قمة في التساوي) و (حتى لو أعطى كل منهم الحرية الكاملة) ... فبالرغم من كل ذلك، سيذهب واحد للنار و الآخر للجنة. معنى هذا أن التساوي و الحرية لم يكونوا كافيين للذي سيكفر لكي ينجو من النار و إنما كانوا كافيين للمؤمن ليدخل الجنة.

    يعني أحمد لو أعطيته حرية + صفات معينة: سيدخل الجنة.

    و محمد إذا أعطيته حرية + نفس الصفات سيدخل النار؟

    أين التساوي؟

    ألا يشير هذا لوجود اختلاف بين أحمد و محمد؟

    أحمد كاف جداً بالنسبة له أن تعطي له الحرية + صفات معينة بالنسبة له ليدخل الجنة.

    بينما محمد لا. ليس كاف. لا بد من أشياء إضافية لكي يتجنب النار؟

    إذاً كيف نقول أنهم متساويين؟

    هذه جزئية.

    و الآن لنفترض أن الحرية في الإختيار هي شيء بالفعل رهيب لدرجة أنه قد يكون أحمد و محمد قمة التساوي في كل شيء و لكن الله من قدرته الهائلة، منحهم القدرة الكاملة على الإختيار بحيث يتصرف كل واحد منهم بشكل مختلف عن الآخر و أن هذا ليس إلا دلالة على قدرة الله في خلق حرية الإختيار (و سبق الكلام عنها بأنها لا قيمة لها أصلاً).

    هنا يكمن التناقض المنطقي بين العلم المطلق و القدرة على خلق شيء حر التصرف و عشوائي التفكير.

    لابد عزيزي لو أن الإنسان فعلاً حر التصرف بهذه الطريقة المدهشة، أنه عشوائي التصرف بطريقة لا يمكن (لا ينبغي) توقعها.

    و الآن لنراجع مفهوم الحرية في التصرف. الشيء كامل الحرية و كامل العشوائية في التصرف (كالإنسان)، هو الشيء الذي لا يصح أو لا ينبغي توقع تصرفاته.

    (عشوائي ليس بمعناها "أخرق"، عشوائي بمعنى Random)

    يعني، الفيصل في معرفة إذا كان شيء معين حر التصرف و عشوائي فعلاً أم لا هو: هل يمكن توقع أفعال هذا الشيء أم لا؟

    إذا كانت الإجابة: نعم يمكن توقعها، إذاً هو ليس عشوائي التصرف.

    و إذا كانت: لا. إذا هو بالفعل حر التصرف و عشوائي بطريقة لا يمكن توقعها.

    و أنا لا أزعم هنا أن الله لا يعلم تصرفاتنا فهذا خروج عن المعتقد الإسلامي، و لكني أزعم أنه لو كان بالفعل المعتقد الإسلامي يقول أن الله يعلم كل ما سنفعل، فهذا معناه أنه "يُمكن" أن معرفة كيف سيتصرف الإنسان و معناه أيضاً أن هذا الإنسان غير عشوائي التصرف.

    أعرف أن ما يدور ببال كل من يقرأ هذا الكلام: أن الله حكيم عليم و قادر و يستطيع فعل المستحيل. و أنا متفق معهم في هذا الكلام.

    و لكنك هناك فرق ما بين المستحيل و الغير منطقي.

    المستحيل أن نطير مثلاً. الله يستطيع أن يمنح أي شخص فينا القدرة على الطيران. و هذا مستحيل في الظروف العادية.

    و الغير منطقي أن أقول لك: اذهب للمدرسة و لكن لا تذهب للمدرسة.

    أو: صف لي رائحة الخيانة. و ما هو لون يوم الأربعاء.

    فهذه جمل غير منطقية تناقض نفسها و ليست مثلاً صعبة الحدوث، هي من الأصل لا يصح أن تُقال.

    مثل سؤال: هل يستطيع الله أن يخلق إلهاً أقوى منه؟

    فهو سؤال غير منطقي لا يصح أن يُسأل لأن الله (بالتعريف) هو من لا يوجد (لا ينبغي) و لا يصح أن يكون هناك إله أقوى منه، و مجرد السؤال بكلمة "إله أقوى منه" غير صحيح و مناقض لنفسه و للسؤال.

    هذا هو الفرق بين المستحيل أو الصعب، و الغير منطقي الذي لا يصح أن يقال.

    و زعمي الآن هو: أن القدرة على توقع شيء كامل العشوائية هو قول غير صحيح و مناقض لنفسه و لا يصح أن يُقال لأن الحرية في التصرف هي (بالتعريف) الشيء الذي لا يمكن (لا ينبغي) (لا يصح) توقعه. فإذا قلت لي أن هناك من يتوقع شيء حر التصرف فأنت تناقض نفسك و تقول كلام ليس صعب الحدوث، بل كلام غير مقبول منطقياً.
    و بالتالي فالموضوع ليس له علاقة بمدى قدرة الله التي لا نشكك فيها، هو مرتبط باللامنطقية.

    هل الله لا يمكن أن يخلق إلهاً أقوى منه لأنه عاجز عن ذلك؟

    لا. ليس لأنه عاجز. و لكن لأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه: "إله أقوى منه" فهو بالفعل أقوى إله ممكن.

    بالمثل: هل الله لا يستطيع (لا ينبغي عليه أن) يتوقع أفعالنا لأنه عاجز عن ذلك؟

    لا. ليس لأنه عاجز. و لكن لأنه لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه شيء كامل العشوائية و يمكن توقعه.

    و لكننا هنا نقول بأن الله بكل شيء عليم بحسب المفهوم الإسلامي، و بالتالي فهو يعرف أفعالنا، إذا الإنسان غير كامل العشوائية أي غير حر التصرف بشكل كامل.

    و القول بأن المعتقد الإسلامي ينص على أن الله يعلم كل شيء و مع ذلك الإنسان أيضاً حر التصرف هو قول مناقض و يحتاج للمسائلة و التفسير.

    و قد يقول البعض أن الحرية في التصرف ليست هي العشوائية الكاملة و هو قول خاطىء و نابع من عقل لا يستوعب معنى الحرية الكاملة.

    الحرية الكاملة هي العشوائية في التصرف، و القدرة على فعل أشياء و اختيارات أنت نفسك لم تعرف إذا كنت ستفعلها.

    قد يطلب منك أحد أن تختار رقماً عشوائياً من 1 إلى 100، لو أنك إنسان غير حر التصرف بشكل كامل لن تستطيع أن تختار رقماً عشوائياً. سيكون هناك دائماً نمط في اختيارك للأرقام.

    فقد تختار أرقام زوجية فقط مثلاً، أو أرقام كلها أكبر من الـ 10 لأنك غير حر التصرف كفاية بأن تختار أرقام عشوائية دون الإلتزام بأي نوع من النمط.

    النمطية في التصرف هي التي تلغي تعريف العشوائية و هي التي تسمح بتوقع أفعال الشيء الذي يتصرف بها.

    الكلام عن اللانهاية:

    أولاً أنت تكلمت عن الفارق ما بين الصفة المطلقة و مطلق الصفة، و بصراحة، عندما وجدتك تفرق بين الإثنين ظننت أنك أخيراً ستبدأ في الكلام عن أشياء كان غائبة عني و أنت الآن تشرح الخطأ. و لكني فوجئت بأنك تفعل نفس ما فعلته سابقاً عندما قلت لي أنه لا يوجد شيء اسمه "في حالهم في العدم". ملاحظة لا تضيف شيئاً للنقاش إلا اظهار أنني أخطىء و السلام.

    بالنسبة لموضوع المالانهاية، فأنت في رأيي قمت بعمل خلط مابين صفات معينة، و بين الحكمة.

    فأنت في رأيك أن الرحمة "الكاملة" أو "المطلقة" ليست هي أن يرحم الله كل الناس مهما فعلوا و إنما أن يرحم فقط من يستحقوها. فبغض النظر عن أنه هو الذي سمح بخلق من لن يستحقوا هذه الرحمة و أنهم ليسوا هم من جاؤوا إلى العدم لوحدهم، فإن تعريفك للـ"كاملة" هو ما أختلف معك فيه.

    أنت برأيك أن كمال الصفة هو أن تُستخدم في النهاية استخدام صحيح و هذا ليس كمال الصفة، هذا "الحكمة" في استخدام الصفة.

    الرحمة صفة منفصلة بذاتها عن الصفات الأخرى. هناك رحمة ناقصة (محدودة) و رحمة كاملة (مطلقة)، و كلاهما قد يُستخدموا استخدام خاطىء أو استخدام صحيح. الذي يحدد هذا الإستخدام الصحيح من الإستخدام الخاطىء، هو الحكمة.

    ما هي الرحمة الناقصة (المحدودة)؟

    هي الرحمة بحساب (أو بحكمة). يعني رحمة من يستحق الرحمة فقط و عدم رحمة من لا يستحقونها.

    لماذا هي اسمها محدودة؟

    لأنها فعلاً محدودة. و الذي "يحددها" هو مستحقيها و غير مستحقيها. ناقصة لأنها لم تحتوي الكل حتى لو كان عدم احتواء الكل هذا شيئ سيء، و هذه هي وظيفة الحكمة. تطويع الرحمة بحيث لا تكون كاملة لأن الرحمة الكاملة ليست من الحكمة (من وجهة النظر الإسلامية).

    الرحمة الكاملة هي رحمة الكل بلا تمييز و اسمها كاملة لأنها شاملة و لا تستثني أحداً. أنت اعتبرت أن كمال صفة الرحمة هو الحكمة في الرحمة.

    و هذا هو محل السؤال. لو كان الله رحيم لا نهائياً، فسيرحم الكل بلا استثناء، و لو كان محدود الرحمة، إذاً فرحمته مستوعبة كمياً و يمكن القول بوجود أكثر منها و أقل منها.

    و الآن النقاش هنا في هذه الأمور:

    أولا: هل صفات الله تقدر بمالانهاية أم هي محدودة الكمية؟

    ثانياً: هل الإجابة على السؤال السابق سواء بمحدودة أو لانهائية ينطبق على كل الصفات؟ أي هل كل الصفات ستكون محدودة أو لانهائية؟ أم أن هناك من الصفات ما هو محدود و هناك ما هو غير محدود؟

    ثالثاً: ما هي الدلائل الإسلامية التي ينبغي أن يسترشد بها المسلم للإجابة على أي من الأسئلة السابقة إجابات واضحة و دقيقة؟ و هل الموضوع محل اجتهادات؟

    أحب توضيح أن صفة القدرة ينبغي أن تكون لا نهائية بصفة مبدئية و لا يمكن منطقياً أن تكون محدودة و لا نهائية.

    فمثلاً سؤال كسؤال الصخرة: هل يستطيع الله أن يخلق صخرة هو نفسه لا يستطيع حمها؟

    هو سؤال باطل. و السبب في بطلانه أنه لا يصح منطقياً أن تكون هناك صخرة لا يستطيع الله حملها على أساس أن الله قدرته غير محدودة.

    بمعنى أدق: لا وجود لشيء اسمه صخرة يعجز الله عن حملها و هذا هو السبب في أن السؤال غير صحيح. هو أن السؤال مذكور فيه شيء غير منطقي و هو الصخرة هذه.

    و لكن هذه الصخرة ستكون منطقية تماماً و السؤال سيكون صحيح إذا ما قلنا أن الله صفاته ليست لا نهائية. فلو الله صفاته محدودة فسيستطيع رفع صخور كثيرة جداً باستثناء صخور معينة سيعجز عن حملها. هذه الصخور صح تواجدها بحكم كون الله محدود القدرة. و كانت لا يصح أن نفترضها من قبل بحكم أن الله غير محدود.

    فما رأيك يا زميل فيما يخص قدرة الله؟ هل هي نهائية أم لا نهائية؟

    و إذا كانت إجابتك أنها لا نهائية، فعلى أي أساس تفترض أن باقي الصفات محدودة أو لا نهائية؟

    الحكم المخفية:

    كما قلت من قبل، الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه. فإذا كان ثابتاُ أنه لن يستوعبه، فهذا لا يمكن إلا أن يتسبب في الإضرار بالناس. و في رأيي، لا يصح أن يكون هناك أي شيء متعلق بالبشر في الدين و لا يفهموه.

    يعني قوانين الله و حكمته في عقوبة الزنا مثلاً و شرب الخمر و غيره، كلها من اللازم و الواجب أن تكون مفهومة و مستوعبة، و من هذه الأشياء الحكمة من خلقنا و لماذا نتعذب و كل شيء يمت لنا بصلة من قريب و من بعيد.

    و الأسباب كثيرة و منها على سبيل المثال لا الحصر، أن الدنيا أصبحت زاخرة بالديانات و المعبودات و الأنبياء الكاذبين الذين يقولون أنهم جاؤوا من عند الله أو... أو... مثل المعدي: غلام مرزا القادياني الذي ادعى أنه مسلم و نبي جاء من بعد محمد.

    ما الذي يجعلك كمسلم لا تتبع هذا الشخص؟ لا بد أنه المنطق و العقل و التفكير. هناك أسباب واقعية و منطقية تمنعك من اتباعه لأنه -مثلاً- يقول أشياء غير منطقية.

    فكيف تكون هناك أمور في الإسلام مخفية لا يمكن أن نفهمها و غير منطقية و مع ذلك تطلب من الناس أن يؤمنوا بهذا الدين؟

    كيف تتميز عن غيرك من الديانات الكاذبة إذا لم يمن كل شيء واضح أمامك و صريح؟

    و كما قلت من قبل، ليس ما أطلبه هو: كيف يبدو الله و أين مكانه؟ و إنما كل ما أتكلم عنه أمور تخصنا نحن البشر.

    هذا بخلاف أن العلم بوجود الحكم المخفية يسبب الضلال كما قلت من قبل و أنا مثال حي على ذلك. فأنا إن استمريت على حالي هذا من وجهة نظر الدين الإسلامي، سأدخل النار. و السبب في هذا هو أنني لم أستطع أن أعقل بفكري الحكم المخفية التي تفوق التصور.

    فإذا كانت الحكم المخفية سبباً في دخولي النار، فكيف نقول بوجوبها؟

    الكلام عن الأمثلة و الأقيسة

    لقد ظلمت تحليلي لأمثلتك كثيراً عندما تكلمت عن تشبيه الرجل الشجاع بالأسد. فتقول:

    أما ما فعله فهو ليس إلا كمنكر تشبيه الشجاع بالأسد لأنه يرى فوارق بينهما عديدة، فيجعل مجرد الفرق مانعا من هذا التمثيل، فيقول: إن الأسد أبخر الفم، والشجاع ليس كذلك، والأسد يمشي على أربع والشجاع ليس كذلك، والأسد له زئير سبع، والشجاع ليس كذلك!! ويمضي في رسم صورة الأسد البهيمية، ويقابلها بصورة الشجاع البشرية عضوا بعضو، وسمة بسمة!! ليقول إن من الباطل أن يقال عن الشجاع أنه كالأسد!
    هل فعلاً ترى أن الإشكالات التي أوضحتها أنا في أمثلتك بعيدة لهذه الدرجة عن صميم المثال؟

    ألا ترى أنك بالغت كثيراً جداً في قولك هذا؟

    يا عزيزي مثال ضوء الشمس و صفات الله مثال خاطىء تماماً و لا يصح القياس به على الإطلاق و هو في رأيي كقول: أن الإنسان شجاع كالأسد لأن كلاهما عنده أسنان مثلاً. و السبب ليس لمجرد أن هناك أشياء مختلفة غير مؤثرة بين الله و الشمس كما ذكرت. و لكن هناك أسباب حيوية و حرجة تبطل المثال من جذوره و هذه الأشياء هي التي ذكرتها أنا و لن أضيف لها جديد أو أعدلها أو أنقص منها. و قد فكرت في كل واحدة منهم قبل أن أكتبها.

    أنا لم آتي بأي اختلافات و السلام، و إن هذا إلا عمل أخرق لا يقوم به إلا شخص لا يجد ما يقوله.

    و إنما أنت من فعلت شيء غير منطقي على الإطلاق (سواء بقصد أو من دون قصد) و هو أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في في كل أو بعض الأشياء. و لكن إذا قام القارىء بالتمعن في التفكير سيرى أن المقارنة غير عادلة. و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.

    و الآن سأوضح لك كيف أن الفروق التي ذكرتها أنا ما هي إلا فروق قمة في الأهمية و لا يمكن أبداً عدم الأخذ بها.

    أنت تقول أن خلق الله لأهل النار ليس ظلماً و إنما هو من مقتضيات صفاته كما أن الضوء و الحرارة من مقتضيات صفات الشمس.

    فتقول:

    "فكما أن الشمس المضيئة تقتضي إشراق نورها على ما حولها دون حاجة منها لذلك، فكمال الله أولى أن يكون ظهور آثاره على مخلوقاته من مقتضيات كماله لا من حاجة إلى غيره"
    أولاً هذا فيه رد على شبهة احتياج الله لخلق البشر و لا علاقة له بالإشكال الذي طرحته. أنا لم أقل أن الله يحتاج إلينا.

    ثانياً: المفهوم من مثالك أن خلق الله للبشر شيء واجب الحدوث لأن صفاته كضوء الشمس، تؤثر فيما حولها بدون الحاجة من الشمس لذلك.

    و قلت: وهذا المعنى فيه جواب على سؤال يطرح مرارا، وهو لماذا خلقنا الله؟!

    هل هذا تبرير لخلق أهل النار عزيزي؟

    أنا أراه خاطىء و غير سليم.

    لماذا؟

    لأن هذا التشبيه ظالم. أنت تقول أن الشمس يظهر تأثير ضوئها على ما حولها من دون الحاجة لها إلى ذلك، كذلك الله و صفاته و مقتضياتها. و هل للشمس اختيار في ضوئها؟

    لاحظ أنك تبرر أفعال كيان عاقل متحكم في أفعاله (الله) بتشبيهه بفعل كيان غير عاقل غير متحكم في أفعاله (الشمس). أنت تريد أن توضح لي أن خلق أهل النار ليس إلا شيء من مقتضيات صفات الله و كأن الله ليس له تحكم في صفاته و مقتضياتها مثل الشمس.

    هذا كان أول إشكال. و قلت فيه أنا:

    "المشكلة بس أن الشمس لا تملك إرادة و الله يملك إرادة."

    يعني، الشمس مجبرة على أن تكون هناك مقتضيات لصفاتها لأنها لا تملك الإرادة و لا تحكم لها في إصدار الضوء أو الكف عن ذلك فهي لا تستطيع أن تتوقف عن إصداره. الله غير مجبر كالشمس على ظهور مقتضيات لصفاته و له كامل التحكم في خلق البشر و إعادتهم للعدم وقتما شاء، أو الإمتناع عن هذا كله من البداية. و بالتالي لا يمكن محاذاة أو قياس هذا بذاك.
    الله يستطيع أن يعيد البشر للعدم و عنده ارادة كاملة و الشمس لا تستطيع أن تمنع الضوء و ليست عندها ارادة كاملة.

    و قولك بأن صفات الله تنعكس فيما حوله و تشبيهه بالشمس و ضوئها يعطي انطباع زائف للقارىء بحتمية حدوث خلق أهل النار (و في الواقع لا يوجد شيء حتمي أصلاً) و بأن الموضوع لا ضرر فيه. فالشمس ضوئها شيء جيد أو على أقل التقدير لا يظهر فيه بشر يتعذبون و يجرون من وجوههم. هو مجرد ضوء. و لكن أفعال الله و صفاته تقتضي بأن تُجر الناس من وجوههم في النار و يشربوا الحمم و يأكلوا الزقوم. كل هذه التفاصيل المروعة تختفي في المثال و لا تظهر بشكل يجعل المقارنة ظالمة. لا تقل لي أن هذه التفاصيل خارجة عن القياس فهي في صميم القياس. مقتضيات صفات الشمس تختلف كل الإختلاف عن مقتضيات صفات الله بطريقة تجعل المقارنة بينهم شيء مستحيل.

    و أنا عندما قلت:

    "الله غير مجبر على خلق البشر بينما الشمس مجبرة على أن تصدر ضوئها."

    "الشمس لم تخلق بشراً تعرف أنهم ذاهبين للنار بينما الله فعل ذلك. الضوء الصادر من الشمس لن يتعذب بينما البشر سيتعذبوا."

    كان هذا في صميم الإعتراض. كل هذه نقاط أساسية يا زميل. فنحن لو أننا لا يحق لنا أن نسائل الشمس أو نحاسبها على إصدار الضوء لأنها ليست هي المسئولة عنه و لا تملك التحكم فيه و لا تملك الإرادة، يحق لنا أن نبحث في أفعال الله كامل الإرادة و يمكن أن نسأله: ما الحكمة من هذا؟ و لماذا خلقت فلان و فعلت كذا في علان؟ لأنه من الطبيعي أن تسأل من عنده الإرادة الكاملة.

    هذه المناظرة هي مسائلة في أفعال كيان كامل الإرادة. و الشمس كيان معدوم الإرادة لا يتحكم في مقتضيات صفاته (الضوء و الحرارة) كما يفعل الله (خلق أهل النار).

    و الآن نأتي لأمثلتي الثلاثة.

    المثال الأول: مثال شركات التأمين.

    أولاً أنت وضعت الله في مكان القاضي و هو شيء لا يصح في المثال الذي ذكرته. لعلك لم تفهم ما عنيت تماماً، فما قصدته ليس ظلم أحد العباد لغيره ثم اللجوء لله الغير متضرر و الإحتكام بحكمه. ففي هذه الحالة هنلك ثلاثة أطراف. الظالم و المظلوم و الله. و يحتكم الله مثلاً فيما بينهم.

    و لكن الذي أقوله هو: إذا أذنب أحدهم في حق الله و ليس بحق أحد. لو أن أحداً لا يظلم غيره على الإطلاق، و لا يضايق الناس، و لكنه يعصي أوامر الله بأنه لا يصلي مثلاً أو أنه لا يؤمن به و برسالته، ففي هذه الحالة، هناك طرفان فقط، المذنب و الله.

    و هذا المثال كان الغرض منه توضيح أن تغاضي الله عن من أظلم بحقه لا ينقص من الله شيئاً على أساس أنه -الله- هو الطرف "الموازي" للطرف المتضرر في حالة ما إذا كان هناك إنسان متضرر.

    يعني الله في نفس موضع المتضرر و ليس القاضي و لكنه لا يضره شيء على الإطلاق و يقوم بدور القاضي و يعاقب. و هي حالة مميزة و تختلف تماماً عن حالة القاضي فالمتهم لا يخطىء بحق القاضي، و في حالتنا الله هو طرف من أطراف القضية، و هو القاضي في الوقت ذاته و لا يصيبه ضرر.

    و من هنا جاء التساؤل: لماذا لا يتغاضى الله عن الأشياء التي لم تسبب له أي ضرر على الإطلاق؟ و لماذا أخلى مسئوليته على غرار إخلاء شركات التأمين مسئوليتها في حالات معينة خوفاً من الضرر و هو لا يضره شيء؟ و لماذا يعاقب المذنب على تجاوزاته في حقه عقاباً هو (الأشد) من أي عقاب للمذنب في حق أي أحد آخر إذا كان هو فعلاً الغني عن العباد؟ أليس الكفر بالله هو أعظم الذنوب و له أقصى العقوبة؟ كيف و هو أقل الضرر؟

    نسيت أن أعقب على هذه الجملة:

    وما يريد الزميل أن يقوله بعد كل هذا الشرح المطول الذي لا حاجة له في مثال شركة التأمين، خلاصته أن الله غني عن الخلق غنى مطلقا، فيلزم عند الزميل أن لا يعذب الكفار ولا أن يخلقهم، هذا خلاصة كل كلامه ذلك.
    أنت لست من يحدد إذا كان لا حاجة للشرح المطول من عدمه. فأنت شخص واحد فقط، و هناك الآلاف غيرك ممن يقرؤوا هذا الموضوع و منهم من يحتاجون الشرح المطول. أنا أحاول مراعاة جميع العقليات لكي يفهم كل القراء كل ما أكتب، و أنا أثناء الرد دائما يقفز إلى ذهني أن هناك من يمكن أن تمر عليه جزئية معينة دون أن يفهمها، فأعيد صياغتها، أو أعقبها بتوضيح، كما أنني أحاول الإحاطة بكل الردود المحتملة من أول مرة لأختصر الخوض فيها.

    و أنا بالفعل يمكنني أن أختصر كل ردك الطويل السابق في نصف صفحة و أقل لك أنه لا حاجة للخوض في كل هذه التفاصيل و لكني أقدر أنك تريد مساحتك الكلامية. التفاصيل عزيزي هي التي تساعد القارىء على تصور الموقف و ليس المختصر المخل.

    و الآن نأتي إلى هذه:

    غنى الله لا يلزم منه عدم المخلوقات لا جميعها ولا نوع الكفار منها، ومن باب أولى أن لا يلزم من ذلك عدم أفعال المخلوقات.

    بل إذا كان الله كامل الغني فإن وجود مختلف المخلوقات ومنهم الكفار يكون أدل على غنى الله تعالى لأنه لا يتضرر بوجودهم وكفرهم وفسادهم لكمال غناه، مع احتياجهم هم إلى الله عز وجل حاجة ضرورية لا غنى لهم عن الله طرفة عين.
    ليست كل آمالي في الحياة هو إعدام الله للمخلوقات أو إعدام أفعالها.

    الله مطلق الغنى، أليس كذلك؟

    طيب، ماذا عن عدم خلق الشر من الأصل مثلاً؟ طالما هو الغني؟

    ماذا عن عدم خلق الألم و الحرن؟ أي فارق سيحدث؟

    الله الغني يعني: وجود مخلوقات من عدمه لا يحدث فارقاً. خلق الشر من عدمه لا يحدث فارقاً.

    أي شيء من أي شيء لا يحدث فارقاً.

    طالما الموضوع هكذا، ما هو الداعي لخلق الجحيم و الألم و البشر و المستحقين للعذاب منهم؟

    هذا طلب من طلباتي أضفه للعودة للعدم. حياة جميلة لا توجد بها شرور و لا حزن و لا ألم و لا نار و لا معصية و لا أي شيء يضايق. هي بمقدرة الله، و لا تنقص منه و لا تزد منه شيئاً تماماً كوجود نفس هذه الأشياء. الفارق أن في الحالة التي أطالب بها الكل سعيد بالحياة سعادة كاملة لا يشوبها معكرات، و في الوضع الحالي 99% من الكل الذي كان سيصبح سعيداً، يتعذبون في النار التي لا يمكن وصفها.

    أدري أن ردك على هذا الكلام هو ظهور مقتضيات الله و هو مردود بأن الله الغني لا يحتاج أن تكون هناك مقتضيات لصفاته.

    المثال الثاني:

    تقول أن الأب مؤتمن على ابنه و مسئول عنه، و مأمور بحمايته و هو ما يلغي عنه ارتباطه بأفعال كيان آخر.

    ألا ترى أن خلق الله لمخلوق من العدم لهو سبب أدعى لحماية الله لمخلوقاته و ارتباطه بهم؟ و أن مسئولية الله عنا من المنطقي أن تكون أشد من مسئولية الأب عن ابنه؟ فالخلق من العدم هو أشد بكثير من إنجاب الرجل لإبنه.

    و لكن العكس هو ما يحدث، الله خلق الناس (و هو شيء أدعى للإرتباط) و لكنه إلغى ارتباطه بما يفعلون و يعتبر نفسه غير مسئول عما يفعلون و لا يمانع أن يلقي أحد منهم بنفسه إلى الضلال و الهلاك الذي هو واثق من حدوثه منذ البداية، فضلاً عن كونه هو الذي خلقه عالماً بأنه سيؤذ نفسه.

    الفرق الثاني: أن الأب هنا ليس مختبرا لابنه حتى يصح منه تركه له لينتحر أو يتعرض للأذى، فقصد الاختبار والابتلاء فرق مؤثر جدا هنا، وقد تجاهله الزميل في هذا المثال فحصل له اللبس فيه
    أي اختبار الذي يختبره الله للعبد و هو يعرف أنه سيفشل؟

    لماذا تسميه اختبار عزيزي؟

    اختبار يعني: "منتظرين النتيجة". و الله يعلم النتيجة. أي اختبار؟

    ماذا الذي يختبره الله؟

    هذا فعلاً فرق مؤثر و لكن في حالة أخرى. في حالة ما إذا كان الله يفعل هذا ليعرف نتيجة الإختبار مثلاً. في هذه الحالة يكون تساؤلي غير منطقي فلا يمكن أن أسأل: "لماذا تركه الله لينتحر؟!" إذا كنت أعلم أن الله يريد من وراء ذلك أن يختبره و يعرف مثلاً كيف يفكر و كيف يتصرف.

    و لكن الله بالفعل يعرف النتيجة. فلماذا الإختبار؟ علم الله لنتيجة الإختبار يلغي هذا الفرق المؤثر.

    و تشبيهك بالأب الذي يعطي ابنه مالاً تشبيه خاطىء و مغلوط و يلغي الفروق المؤثرة!

    الأب يعطي ابنه المال لأنه يريد أن يعرف ماذا سيفعل ابنه بالمال لأنه لا يعلم!

    الله يعلم كل شيء!

    أليس هذا فرق مؤثر؟

    و ألم تلغي أنت هذا الفرق المؤثر بتشبيهك هذا؟

    من فينا يلغي الفروق المؤثرة يا زميل!

    الفرق الثالث و هو الحكمة من خلق الكفار مردود سابقاً.

    الفرق الرابع: الإنسان الكافر الواعي الكامل الإدراك ليس إلا كيان "ناقص الأهلية و الإدراك و المعرفة" هو الآخر بالنسبة لله بقوته و قدرته المهيبين. الله ينظر لنا على أننا كائنات بسيطة التفكير و حالنا بالنسبة له و لهول قدرته هو كحال الأطفال الصغار بالنسبة لنا مع الفارق المذهل بين هذا و ذاك. نحن مجرد كائنات عاجزة ضعيفة غبية بسيطة بالنسبة له. نحن ناقصي الأهلية و الإدراك و المعرفة بالنسبة له. لماذا كل هذا الإنتقام منا؟

    هل تنكر أن الفارق بين الله و البشر مذهل بالنسبة للفارق بين الأب و الإبن؟

    و مع ذلك، نحن لا نجرؤ على أن نؤذ أطفالنا و نعذبهم بالطريقة التي يعذب بها الله مخلوقاته، مهما فعلوا، فنحن نلتمس لهم الأعذار لأنهم أطفال في النهاية. الخالدين في النار لا يلتمس الله لهم شيء و هم بالنسبة له على أقل أقل التقدير بنفس ضعف و بساطة و (لا حيلة) الأطفال بالنسبة لنا.

    أما مثال إلقاء المرء من عل فهو أدق مثال يمكن تصوره لما تقول أن الله يفعله بالناس.

    الفارق الوحيد الـ(غير مؤثر و لو مؤثر فهو ليس في مصلحة طرفك من النقاش) هو أن الإنسان الذي يسقط هو متيقن أنه يسقط و يقينه هذا لن يساعده في شيء و هو في الهواء. و لكن الكافر ليس على نفس اليقين هذا.

    غير ذلك.

    (المرء دفع صديقه من بناء عال جداً) توازي (الله خلق الكافر)

    (لو لم يدفع المرء صديقه لم يكن صديقه سيسقط و المرء يعلم هذا) توازي (لو لم يخلق الله الكافر لم يكن ليدخل النار و الله يعلم هذا)

    (صاحبنا هذا في الهواء يسقط و يستطيع أن يفعل كل ما يريد أثناء سقوطه و هو حر الحركة تماماً) توازي (الكافر يعيش في الحياة الدنيا و هو حر الإختيار و الحركة تماماً)

    (الشخص الساقط في الهواء لا يستطيع أن يطير أو يوقف عملية السقوط فجأة مثلاً و لكنه سيسقط في جميع الأحوال) توازي (الكافر لا يستطيع أن يغير ما هو ثابت في علم الله، لأن الله من البداية عندما اختار أن يخلقه كان يعلم أن هذا لن يحدث أبداً. فلا يمكن أن يخلقه الله و هو يعلم أنه سيدخل النار ثم يأتي هو و يتوب فجأة مثلاً. و كان هذا شيء مقصود الحكمة منه تجلي الصفات)

    (الشخص الساقط يقترب من الأرض و لحظة موته الأكيدة قريبة) توازي (الكافر كبر في السن و موته قريب و دخوله الأكيد للنار اقترب)

    (الشخص الساقط يصل الأرض و يموت) توازي (الكافر دخل النار)

    و نضيف إلى كل هذا أن المرء ألقى صديقه من النافذة ليختبره (لعله لا يسقط مثلاً فهو في النهاية حر الحركة) و لكنه يعرف أنه لا توجد إلا نتيجة واحدة من دفعه و هي الموت الأكيد و الإختبار هذا لن يأتي بجديد.

    و لكن الله متأكد أكثر من هذا المرء ألف ألف مرة أن خلقه للكافر لا يؤدي إلا لدخوله النار و لو أعطاه الحرية و لا يوجد اختبار في الموضوع. الله يعرف النتيجة = لا يوجد شيء نختبره.

    الغرض من الإختبار = معرفة النتيجة.

    إذا عرفت النتيجة، لا فائدة من الإختبار. هذا هو المنطق البشري السليم البسيط البديهي الذي أفكر به و لا توجد أفكار شيطانية سامة و لا أمراض نفسية في الأمر.

    الآن عزيزي، تذكر في بداية الموضوع أنني طرحت مجموعة من الأسئلة ثم تفضلت أنت بالإعتراض عليها على أساس أن هناك الكثير من الإجابات التي لا تتفق مع الإجابات الواردة في الشريط. و أن المنهج الذي أتبعته في الرد منهج خاطىء فيه تحميل صورة خاطئة للمفهوم الإسلامي.

    لنراجع الآن هذه الأسئلة و نرى الإجابات الجديدة على ضوء ردك بعدما اكتمل.

    س: هل حدث من قبل و عاش في التاريخ بشراً عانوا في حياتهم معاناة مريعة لا توصف إلى حد الإنتحار؟

    ج: نعم. حدث كثيراً.

    لا تعديل

    س: ما هو مصير المنتحر؟

    ج: النار.

    لا تعديل

    س: هل المنتحر هذا من ضمن هؤلاء الذين قبلوا بخوض الحياة الدنيا عندما عرضت عليه؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: و لماذا قبلها؟

    ج: لأنه لم يكن يعرف أن كل هذه المصائب ستحدث له.

    لا تعديل

    س: هل يمكن أن يكون عرف هذه الأشياء و مع ذلك قبلها؟

    ج: لا طبعا.ً لأن الإنتحار عقابه جهنم، و لا يمكن أن يختار أحد شيئاً هو يعرف أنه يؤدي إلى جهنم بكامل إرادته.

    لا تعديل

    س: يعني هو لم يكن يعرف أنه سينتحر؟

    ج: طبعاً لأنه لو كان يعرف أن حياته ستكون بهذا السوء و تنتهي بالإنتحار و بالتالي جهنم، ما كان ليوافق.

    لا تعديل

    س: هل كان هناك من يعرف أن كل هذا سيحدث؟

    ج: نعم. الله كان يعرف.

    لا تعديل

    س: لماذا تقول أنه كان يعرف؟

    ج: لأنه بكل شيء عليم.

    لا تعديل

    س: يعني الله كان يعرف أن كل هذا سيحدث حتى قبل أن يخلق البشر أجمعين؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: و الله كان يعرف أن الإنسان الفلاني هذا سيوافق على الإختبار و كان يعرف أنه سيرسب فيه و يدخل النار و لم يرحمه من اختياره؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: هل كان الله في شك مثلاً أن الإنسان هذا قد يعمل صالحاً؟

    ج: لا. كان على يقين تام أنه سيدخل النار.

    لا تعديل

    س: إذاً، الله خبأ عنه هذه المعلومة؟

    ج: و هنا كان رد الزميل بأن في ذلك حكمة حيث قال:

    "كقولك أن الله كتم العلم عن الإنسان، فإن هذا باطل بحصول الإعلام والبلاغ بالحجة الرسالية، وأما العلم المانع من اختيار الكفر فهو قهر وجبر لا مجرد إعلام، وهو منافٍ لأصل الكلام وهو حكمة التكليف والابتلاء"

    فأما الإعلام و البلاغ بالحجة الرسالية فهو ليس إعلام المرء أنه داخل النار.

    و أما العلم المانع من اختيار الكفر فهو ليس قهر و جبر. أين القهر في أن تخبر شخص بما سيحدث بالفعل في المستقبل؟ أين الجبر في هذا؟

    و قولك أن "إخبار الكافر بأنه داخل النار ما هو إلا منافاة للحكمة" ليس إلا دليل على أن الله خلق الكافر ليدخل النار. و هذا ثابت بشكل عام في ردك في حكمة خلق أهل النار و هي أن الله يريد أن تظهر مقتضيات صفاته، و ليفعل ذلك يجب أن يخلق من تتجلى فيهم هذه المقتضيات، و ليكون عادلاً فقد جعل أهل النار من الفئة التي لو خُلقت و مُنحت حرية التصرف ستكون مستحقة للنار، و لكي لا يفسد كل هذا و لكي تتحقق الحكمة المرادة، يتم عدم إعلام أهل النار بمصيرهم فلو علموه، لن يقبلوا الأمانة و بالتالي لن يكون هناك من تتجلى فيه صفات الله.


    س: يعني لا جدال أن الإنسان هذا لم يكن يعرف أنه سيدخل النار؟

    ج: نعم. طبعاً.

    لا تعديل

    س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان سيدخل النار؟

    ج: طبعاً.

    لا تعديل

    س: و الله كان يعرف أن هذا الإنسان لو عرف معلومة كهذه (أنه سيدخل النار) كان سيتراجع على الفور؟

    ج: نعم. طبعاً.

    لا تعديل

    س: و مع ذلك تركه بدون أن يقول له؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: أكيد الله لن يخبىء معلومة قيمة كهذه على الإنسان هذا. لا بد أن الله لم يكن متأكداً من مصير هذا الإنسان.

    ج: الله يعرف كل شيء بأدق التفاصيل، و هو على يقين أن هذا الإنسان سيدخل النار.

    لا تعديل

    س: حتى لو أعطاه مطلق الحرية؟

    ج: حتى لو أعطاه مطلق الحرية.

    لا تعديل

    س: هل إعطاء الناس مطلق الحرية يلغي كون الله يعلم بمصائر الناس "مطلقي الحرية"؟

    ج: لا. سواء أعطى الله الناس مطلق الحرية في التصرف أم لا، فهو في جميع الحالات يعرف مصائر جميع البشر بأعلى دقة
    ممكنة. و الموضوع لا علاقة له بكون الإنسان حر أم لا. الله يعلم كل شيء في كل الحالات.

    لا تعديل

    س: إذاً، الله كان يعرف أنه حتى إذا أعطى هذا الإنسان المنتحر مطلق الحرية في الإختيار، أن تصرفات هذا الإنسان المبنية على حريته الشخصية ستؤدي به للنار؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: و مع ذلك، و برغم علمه بكل هذا، عرض عليه الأمانة؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: و رآه و هو يوافق و تركه؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: لابد إذاً أن الله مجبر على فعل هذا، لأن الرحمة تقتضي أنه إذا كنت أرحم الراحمين، و لست رحيماً فقط، و كنت تعلم أن الإنسان البسيط الجاهل بمصيره هذا سيدخل النار حتى لو أعطيته الحرية الكاملة، فلا بد أن تنقذه من اختياره هذا؟

    ج: لا. الله ليس مجبراً على شيء.

    لا تعديل

    س: إذا كان غير مجبراً على شيء، و مع ذلك ترك الإنسان الضال هذا يختار اختياره الهالك بدون ما يحذره، إذا فلا بد أنه غير رحيم به؟ لو كان رحيم لرحمه من هذا الإختيار الذي سيلقي به في نار تلظى؟

    ج: لا. الله رحيم. الله رحيم رحمة مطلقة و هو أرحم الراحمين.

    لا تعديل

    س: يعني الله ليس مجبراً على شيء و رحيم رحمة مطلقة في نفس الوقت و فعل لك ذلك في نفس الوقت أيضاً؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: هل أخبر الله الإنسان الذي كان يعرف أنه سيدخل النار، أن هناك جنة و أنه إذا فعل الصالحات سيدخلها؟

    ج: نعم. أخبره طبعاً بأن هناك ثواب و عقاب.

    لا تعديل

    س: يعني، الله أخبر هذا الإنسان أن الجنة تنتظره إذا عمل الصالحات، و كان يعلم أنه لن يعمل الصالحات هذه؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: يعني كان يعشمه بالجنة و هو يعلم أنه لن يذهب إليها؟

    ج: نعم.

    لا تعديل

    س: هل كان يستطيع الله ألا يخلق البشر الذي كان يعرف أنه إذا خلقهم سيدخلوا النار؟

    ج: نعم. كان يستطيع ألا يخلقهم و كان ذلك سيرحمهم من العذاب اللانهائي الخالد في جهنم.

    لا تعديل

    س: و مع ذلك خلقهم؟

    ج: نعم. (و السبب مذكور أعلاه في أن الله يريد أن تتجلى صفاته)

    لا تعديل

    س: ماذا كانت البدائل؟ (لو كان رحيماً)

    ج: إما عدم الخلق، أو الخلق و إنقاذ الإنسان من اختياره لما يجهله.

    لا تعديل – (لا يصح توجيه هذا السؤال للزميل فهو غير مطالب بتوفير بدائل، هذا اقتراح شخصي لا علاقة له بردود الزميل)

    س:و ماذا يحدث في الواقع؟

    ج: يتم الخلق و عدم انقاذ هذا الإنسان من اختياره لما يجهله.

    لا تعديل – (مبني على ما قبله)

    س: إذاً لابد أن الله يحتاج هؤلاء البشر؟

    ج: لا.

    لا تعديل

    س: إذاً، ما الحاجة الماسة لإله لا يحتاج شيئاً في أن يخلق بشراً هو على يقين تام أنهم سيخلدوا في النار حتى و لو أعطاهم الحرية في الإختيار؟

    ج: تم الجواب سابقاً. لا توجد حاجة ماسة، الله يريد أن تتجلى صفاته.

    لا تعديل

    س: و لماذا كل هذا العذاب الرهيب؟ أليس الله حكيم؟ لماذا ينتقم بهذه الصورة المفزعة من البشر المساكين بالنسبة له؟ أليس المعروف أن يفهم الحكيم (مطلق الحكمة) من أين نبعت تصرفات هؤلاء البشر المساكين، تماماً كما نفهم نحن كيف أن الأطفال يتصرفوا؟ (مع الفارق المهول)؟

    ج: هذا هو ما يستحقه الإنسان لأنه قبل الأمانة. و بالتالي فهو مسئول عن تصرفاته.

    لا تعديل

    أرى أن كل شيء تقريباً كما هو بالضبط و لم يتغير إلا شيء واحد فقط انعكس في سؤالين مرتبطين.

    إذا كانت لديك اعتراضات على ما سبق فهلا أشرت إليه؟

  13. #43

    افتراضي

    سأضيف ردي قريبا ريثما أفرغ من التعليق على بعض الحوارات هنا إن شاء الله تعالى ، مع أن القارئ لو رجع بعد قراءته لرد الزميل المفتري إلى ما ذكرته سابقا فسيجد الجواب ظاهرا فيه والحكمة الإلهية والرحمة الربانية والعدل والفضل مفاتيح حل كل مشكل في هذا الباب بحمد الله تعالى.

    وهذه القراءة العكسية للحوارات مفيدة جدا لمن يحسنها وينتبه للمقابلة بين الأفكار والأدلة فلا يذهله طول الكلام وكثرته عن عقده ومبانيه.

    والحمد لله الذي يعصم بهداه من يشاء من عباده عن ضعف الفهم وفساد التصور والاغترار بساقط الدعاوى الخلية من كل برهان.

  14. #44

    افتراضي

    سوف أترك الملاحظات العامة إلى ما بعد التعقيب على ردك بإذن الله تعالى.

    كما سألتزم بالاختصار غير المخل حتى يضبط القارئ المسائل، وتتبين له مواضع الحجة، ولأني وجدت كلام الزميل قد رجع تكرارا لما قيل من قبل، حتى كان يكفي أن أحيل في أكثر التعقيبات على ما سبق أن شرحته وفصلته فيما سبق، ومع ذلك راعيت قدر الإمكان أن ألخص الجواب ولو في كلمات يسيرة، كما أحتفظ بحقي في التعقيب على التفاصيل التي ذكرها الزميل رغم سقوطها بسقوط أصولها كما هو مقصدي من هذا الرد.


    وقد لخصت كلامك أيها الزميل في مسائل، يكفي إبطالها في إبطال ما يتفرع عنها، فإن ما بني على باطل فهو باطل، والاشتغال بإبطال الفروع زيادة فضل وبيان إن سمح به الوقت ولم يصرف النقاش عن أصوله، والإطالة يحسنها كل أحد، ولكن إيجاز القول دون إخلال فضيلة يحرص عليها كل عاقل.

    وهذه هي المسائل مرتبة على نحو جمعت فيه ما تفرق من كلام الزميل بين أوله وآخره، والله الموفق لكل خير:


    مسألة: كثرة أهل النار على أهل الجنة هل تنفي الحكمة ؟
    فالخلاصة أن حكمة الله لا تُخص بتنعيم أهل الجنة وإنما تعم كذلك تعذيب أهل النار المستحقين لها، فوجود من يعذب في النار كثرة أو قلة لا ينفي الحكمة، فإن حكمة الله لا تتوقف على مقادير من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وإذا فرضنا أن الناس كلهم استحقوا الجنة بالأسباب الموصلة لرضوان الله عليهم فإن الحكمة تكون متحققة بذلك، ولو فرض أن الناس كلهم استحقوا النار بالأسباب الموصلة لسخط الله عليهم لكانت الحكمة متحققة بذلك، وبهذا يعلم أن الخوض في النسب والمقادير لا فائدة منه من حيث نفي الحكمة، وإنما يورث المؤمن الحرص على أسباب النجاة، فقد قال تعالى: {والعصر إن الإنسان لفي خسر} ثم ذكر أسباب النجاة من الخسر لمن أخذ بها.

    تنبيه: حديث إخراج بعث أهل النار سبق النقاش فيه مفصلا في قسم السنة وعلومها، فليراجع، وحاصله أنه يعدل كل واحد من أهل الجنة بأضعافه من يأجوج ومأجوج وهذا إما شامل لكل أتباع الرسل أو لهذه الأمة وهو الأقرب والله أعلم، وكثرة عدد يأجوج ومأجوج لا يترتب عليها محال عقلي ولا شرعي، فإن أحوالهم مخالفة للعادة فلا يستغرب أن تكون كثرتهم تلك مخالفة للعادة أيضا، ويمكن أن يكون في مقابل كل واحد من أهل الجنة من هم من الكفار غير يأجوج ومأجوج لعدم المانع من ذلك، بل قد يشمل كل من استحق النار مطلقا فيدخل فيه عصاة الموحدين. ثم أنه لا يلزم من إخراج بعث النار أن يكون جميعهم محكوما عليهم بالخلود في النار، فإن الله يخرج من أهل النار من دخلها بذنوبه من أهل التوحيد، فيخرجه عدلا منه وفضلا لتوحيده، ولا يظلم ربك أحدا.

    تنبيه آخر: سبق الكلام في أن الكفار مخلدون في النار، وأن النار أبدية، ولكن هل يجوز أن يقطع الله عذاب أهل النار عقلا وشرعا؟ فيه قولان لأهل السنة سبق الكلام فيهما في موضع آخر.



    مسألة: عدم تغيير اختيارات العبد لما سبق في علم الله تعالى هل ينفي فائدة حرية الاختيار؟ (كررها الزميل بحديثه عن عشوائية التصرف وعدم إمكانية التوقع)

    وخلاصة الرد: أن الزميل قد سلم سابقا في نقاط الاتفاق الكبرى بأن:
    1- علم الله السابق لا يستلزم انتفاء إرادة العبد واختياره فيما يفعله في دنياه بعد خلق الله له.
    ولكن الزميل رجع إلى نقيض هذا فنفى حرية العبد إما في الاختيار أو تغيير الاختيار، وجعل علم الله السابق مانعا من ثبوت حرية الاختيار، فقال:
    و القول بأن المعتقد الإسلامي ينص على أن الله يعلم كل شيء و مع ذلك الإنسان أيضاً حر التصرف هو قول مناقض و يحتاج للمسائلة و التفسير.
    وكلام الزميل هو الذي يحتاج إلى المسائلة والتفسير لإزالة هذا التناقض في كلامه.
    ويكفي في الرد عليه أن يقال أن تفسيره الحرية بالعشوائية باطل، فإن الحرية هي وقوع أفعال العبد وفق إرادته واختياره دون إلجاء ولا إكراه، سواء كان سلوكه مما يمكن توقع بعض أجزائه أو جميعها، وكل تصرف لا إرادي أو وقع بالإكراه الملجئ فإنه تُنفى الحريةُ والاختيار عن فاعله بغض النظر عن كونه تصرفا منظما أو عشوائيا.
    يضاف إلى كشف تلك المغالطة أمر آخر، وهو أن علاقة العلم بالمعلوم ليست علاقة تأثير وإنما إدراك، وهذا ما يعبر عنه بأن علم الله صفة كاشفة لا صفة سائقة، وهو ما كان يسلم به الزميل في أول الحوار ثم ناقضه بقوله أخيرا ولكن بصيغة مختلفة سبق ذكرها.
    وإذا كان علم الله صفة كاشفة فلا يصح بأي حال من الأحوال أن يقال أن علم الله يمنع العبد من اختياراته وحريته، ويزيده وضوحا كشف مغالطة ثالثة وهي دعوى أن الحرية لا تكون إلا بأن يتمكن العبد من تغيير اختياراته التي يعلم الله أنه سيختارها دون غيرها، فإن علم الله تعالى ليس هو الذي أوجد الاختيارات، وإنما علمها الله كما ستقع باختيار العبد، فمهما اختار العبد بحريته فإن علم الله لا يكون مخالفا لواقع اختيار العبد.
    وبهذا يعلم أن الحرية ليست هي العشوائية وإنما هي التصرف الإرادي الحر، وأن التوقع أو العلم بما سيختاره المرء هو إدراك لا تأثير، وهو إدراك مطابق للواقع لا مغيرا له، وبهذا يبطل ما ذكره الزميل من تناقض علم الله مع ثبوت اختيار العبد، وهو ما نوجزه بأن علم الله صفة كاشفة لا صفة سائقة.


    مسألة: لِمَ تتجلى صفات الله تعالى؟ وهل يحتاج الله لأن تتجلى صفاته لغيره ؟ وهل تتجلى بمشيئته أم لا ؟
    وخلاصة الرد: أن من بعض حكم الله تعالى من خلق أهل النار وتعذيبهم تجلي الصفات، وليس ذلك جميع حكمة الله تعالى، فإن من الحكم تحقق آثار هذه الصفات، والفرق بين التجلي والتحقق، أن التجلي يكون للمخلوقات إذ التجلي لا يكون إلا بعد خفاء، فيتجلى للمخلوقات كمال الله تعالى، وأما التحقق فإنه ينسب لله كما في قوله تعالى {ليعلم الله من يخافه بالغيب} [المائدة: 94]. ومطابقة العلم للواقع من كمال العلم وهو معنى تحققه.
    فالتجلي للمخلوقات هو بمشيئة الله تعالى، ثم أنه لا عن حاجة للمخلوقات، فالأصل الذي ينبغي أن لا يغفله المرء في مناقشة هذه المسائل أن الاعتراض بالحاجة باطل، لأن الحاجة للغير نقص، والله كامل منزه عن كل نقص، فلا يصح أن يعترض بالحاجة ولو استفسارا، وإنما لك أن تسأل عن الحكمة التي مرجعها إلى كمال الخالق وغناه، ونفع من يشاء الله من خلقه.
    وقد يعترض الزميل بأنه لم يقصد أن الله محتاج، ولكن يلزم من خلق أهل النار مثلا أنه محتاج، فنقول هذا التلازم باطل، إذ أنها مجرد دعوى واللوازم لا تثبت بالدعاوى، وكما أن الله كامل مع عدم جميع المخلوقات فهو كامل مع وجودها، ووجود ما سوى الله من مشيئته وحكمته لا عن حاجة لغيره.
    وكما لا يصح الاعتراض بالحاجة، فكذلك لا يصح الاعتراض على أفعال الله تعالى، لأن كل شيء بمشيئته، فإذا كان الله عز وجل منزها فيما يشاؤه عن الظلم والعبث فكل ما جاز أن يشاؤه الله فلا يصح أن يعترض العبد عليه، فكيف إذا كانت مشيئة الله تعالى فيها الحكمة البالغة والعدل والفضل والرحمة في صورها المختلفة التي تعم حتى أهل النار على وجه من الوجوه التي سبق ذكرها.
    فتبين بهذا أن تجلي الصفات من بعض حكم الله تعالى، لا جميعها، وأن خلق أهل النار وتعذيبهم لا عن حاجة، بل عن كمال الله تعالى، وما جاز أن يشاؤه الله تعالى عدلا منه أو فضلا فلا يصح الاعتراض عليه.


    مسألة: ما الحكمة من الاختبار والابتلاء إذا كان الله يعلم ما سيكون، وإذا فشل أكثر الناس فيه؟
    وخلاصة الرد: ما سبق بيانه من تحقيق علم الله تعالى في مخلوقاته، إذ مطابقة العلم للواقع كمال، فلا يستنكر إثبات هذا الكمال على الوجه الذي يشاؤه الله تعالى، فليس فيه علم الله بشيء لم يكن يعلمه من قبل وإنما تحقق علم الله تعالى، كما سبق بيان ما يترتب على الاختبار والابتلاء من أنواع الحكم، فليراجع.
    وأما فشل أكثر الناس في الاختبار فقد سبق الكلام عليه في أول المسائل هنا فلينظر منعا للتكرار.
    ويلحق بها الكلام في إعلام الله للكافر بمصيره، فقد سبق الكلام فيها مفصلا، واعتراضات الزميل فيها يرد عليها بأن الحجة الرسالية كافية في الإعذار، وكفر الكافر لا يبرر بعدم تيقنه أو مشاهدته للنار ونحو ذلك.

    مسألة: المساواة بين المؤمن والكافر قبل خلقهما وبعده؟ (كررها ثانية بقوله هل خلقهم الله متماثلين أم لا؟ واختلافهم على التقديرين)
    وخلاصة الرد: أنه قد سبق الجواب على هذه المسألة هنا:
    http://www.eltwhed.com/vb/showpost.p...6&postcount=18
    وعنونَّا لها بقولنا: (هل الكافر كالمؤمن عند أول خلقهما لا يتميز أحدهما عن الآخر بشيء حتى يكون هناك ما يقتضي تخصيص المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب؟)
    فليراجع فإن فيها بيان موضع التساوي وموضع التفاضل مفصلا بما يغني عن الحاجة للتكرار.

    مسألة: هل علم الله بأهل الجنة والنار سببه علمه باختياراتهم أو خلقه لهم على وجه يؤدي بأهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار؟
    خلاصة الرد: العلم تابع للمعلوم فعلم الله يكون مطابقا لما سيكون من اختياراتهم، ولكن اختيارات العباد التي هي بإرادتهم الحرة لا تتناقض مع مشيئة الله تعالى، فالله خلق للجنة أهلا وهم بعمل أهل الجنة يعملون، وخلق للنار أهلا وهم بعمل أهل النار يعملون، وعمل الطائفتين هو باختيارهما وإرادتهما دون إكراه، وجميع ذلك بعلم الله ومشيئته وقدرته وخلقه وحكمته، ومعرفة كيفية ذلك هي من القدر الذي هو سر القدرة الإلهية كما سبق بيانه.

    مسألة: لانهائية الصفة وتكميم الكمالات.
    وخلاصة الرد: بطلان الاصطلاحات التي استخدمها الزميل كما سبق بيانه مفصلا هنا:
    http://www.eltwhed.com/vb/showpost.p...7&postcount=22
    وسبق بيان أن جميع صفات الله كاملة، وأن كمالها لا يتوقف على وجود آثارها أو عدمها، وإنما وجود الآثار هو من كمالها لا مسببا لكمالها. وجميع ما ذكره الزميل قد أجيب عنه في الرد السابق وما قبله فليراجع.


    مسألة: الأقيسة والأمثلة.
    خلاصة الرد: رجوع الزميل إلى تقييد الفروق التي ينقض بها القياس بالفروق المؤثرة، وهذا شيء جيد، ولكن لم يصحبه التطبيق السليم لهذا الرجوع.
    ولن أعلق الآن على تفاصيل الأمثلة، ولكن سأكتفي بإشارات موجزة للرد على منهجية الزميل فيها وهو كاف في إبطال كلامه فيها.

    فأما مثال الشمس، فاعترض عليه بفروق كلها لا تنفي الحاجة، بل أقر بأنه لا يقول بحاجة الله لخلقه، وهذا ينهي الكلام في هذا المثال أصلا، فإن الهدف منه نفي الحاجة وليس شيئا آخر.
    وللأسف أن الزميل يوهم القراء أن مرادي هو تعميم وجه القياس على غير ما سيق له، فيقول:
    و هو أنك أخذت من المثال شيء واحد فقط يبدو في مظهره أنه موافق للواقع و اعتبرته كافياً لتتساوى الكفتين في في كل أو بعض الأشياء. و لكن إذا قام القارىء بالتمعن في التفكير سيرى أن المقارنة غير عادلة. و ليس معنى أن هناك شيء واحد يبدو أنه متوافق كان معنى ذلك أن الباقي متوافق أيضاً.
    فهناك توافق واحد مقصود في المثال وهو عدم الاحتياج، فلماذا إيهام القارئ أنني أقصد توافقا آخر في ما هو أصلا فروقات لا ينكرها عاقل، ولكنها فروقات لا تنفي وجه التوافق المقصود؟

    أما مثال شركات التأمين، فقد سبق الكلام أن غنى الله وعموم مشيئته كاف في رد الاعتراض، فكل ما بني على الاعتراض على مشيئة الله تعالى والاعتراض بالحاجة باطل، ومجرد الاستفسار عن الحكمة أو الفائدة ليس مبررا لتلك الاعتراضات، وإنما تفتح باب التدبر لا الاعتراض.

    وأما مثال الأب، فيكفي معرفة أن الله يختص برحمته من يشاء، فإن شاء تعذيب من يستحق العذاب فلا يصح الاعتراض على ذلك بمثل هذه الأمثلة، فإن كل ما جاز أن يشاؤه الله بحكمته وعدله فلا يجوز للعبد الاعتراض عليه، وقد رحم الله الكافر في الدنيا بما كان يمكنه من سلوك طريق الجنة، فلما كفر وعصى جازت عقوبته، وهذا يبطل الاعتراضات من أصلها.

    وأما مثال هوي المرء من مكان عالٍ، فقد أصر الزميل على إلغاء الفرق المؤثر فيه وهو انتفاء الإرادة، بينما الكافر لديه الإرادة التي تمكنه من اختيار طريقة الجنة أو طريق النار، فهو ليس مجبرا على دخول النار كما هو الساقط مجبر على السقوط، شتان بين من له إرادة وحرية واختيار، فيجازى على ما اختاره بإرادته، وبين من رمي من مكان عال على خلاف إرادته واختياره، فمن هو إذن الذي يلغي الفروق المؤثرة، ويأتي بالفروق التي لا أثر لها؟


    مسألة: هل يعذب الكافر لجهله بخفي الحكمة إذا كان سبب كفره هو خفاء الحكمة؟
    وخلاصة الرد: لا يعذب أحد بما يعجز عن معرفته، ولا يكفر بجهله، وإنما يعذب ويكفر في هذه المسألة بإنكاره حكمة الله تعالى وعدم توقفه عند الاعتراف بالحكمة إن علمها، أو عدم اعترافه بعجزه عن معرفتها إن لم تتبين له، وليراجع التفصيل لهذه المسألة فيما سبق هنا لأهميته:
    http://www.eltwhed.com/vb/showpost.p...9&postcount=25


    أما الأسئلة التي طرحها الزميل فيعلم الجواب عليها من مراجعة الحوار، فإنها أسئلة مكررة والجواب المفصل عليها مذكور فليراجع.

  15. #45

    افتراضي

    الملاحظات العامة:

    أولا: تضمن أسلوب الزميل ما لا يرضى من ألفاظ وتعبيرات في الحديث عن الله تعالى، كأقواله هذه:
    ألم يجد الله طريقة أفضل من أن يخلق بشراً
    وهذه عبارة غاية في القبح والشناعة، وكان يسعه أن يقول: أليس الله بقادر على كذا وكذا.


    المسلمون يدافعون بضراوة عن ربهم
    كان يسعه أن يقول: المسلمون يدافعون بضراوة عن إيمانهم بربهم.
    فإن الرب جلَّ وعلا هو الذي يدافع عن المؤمنين، والمؤمن يدافع عن إيمانه ودينه.

    و لكن الله ليضمن أن هذا لن يحدث
    ومثله قوله:
    هكذا يضمن الله أن هذا العبد لن يدخل مكاناً لا يستحقه
    استعمال كلمة (يضمن) في هذا السياق يوهم أن الله يخشى أن يحصل شيء بخلاف إرادته، وهذا لا يليق، وإنما تستعمل كلمة (يضمن) منسوبة إلى الله في معنى تكفل الله بالوعد بالجزاء على الأفعال لا سيما الصالحة.

    الله عندما أدرك أن عبده الفلاني
    هذه العندية توهم أن الله لم يكن علمه ذلك أزليا، وهو لا يليق في حق الله تعالى، وكان يسع الزميل أن يقول: (ولما كان الله بعلمه الأزلي يعلم كذا وكذا) ونحو ذلك من التعبيرات الكثيرة التي لا يعجز عن معرفتها عاقل.


    الله اختار كون واحد، أو "سيناريو" واحد فقط من بين كل هذه الأكوان و "السيناريوهات" الأخرى
    هذا التعبير الركيك عن سعة مشيئة الله تعالى مما لا يليق في حق الله تعالى، فإن هذا التعبير يستخدم في مجالات بشرية لا تخلو من المكر والخديعة والإسفاف، كما أنها توهم في هذا السياق نفي الاختيار عن المكلفين عند الحديث عنهم وكأنهم دمى لا إرادة لها أصلا.
    وكان يسعه أن يعبر بأن الله قادر على أن يخلق هذا الكون على صور شتى ومختلفة، وهذا كاف في عرض فكرته بدون ركاكة التعبير.


    لأن الله لو كان يعرف من الأصل أنه
    لا يصح استخدام لفظة (يعرف) في حق الله تعالى، وإنما يستخدم لفظ العلم، لأن المعرفة توهم سبق الجهل عليها، بينما العلم لا يلزم منه ذلك، ولهذا لم يرد في القرآن ولا السنة وصف الله بأنه يعرف، وأما حديث (تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهو على سبيل المقابلة والمجازاة لا على سبيل الابتداء، وليس كل ما جاز عند المقابلة يجوز عند الابتداء.


    أعرف أن ما يدور ببال كل من يقرأ هذا الكلام: أن الله حكيم عليم و قادر و يستطيع فعل المستحيل.
    مع ما في هذا الأسلوب من تهوين العلم بكمال صفات الله تعالى كما هو واضح من سوقها مساق الشيء الذي لا جديد فيه رغم أصالتها في الرد على كلامه، إلا أنه خلط بها المستحيل بقوله (ويستطيع فعل المستحيل) فهذا لا يصح إطلاقه على الله، لأن المستحيل ليس بشيء حتى تتعلق به قدرة الله تعالى، ومهما كان قصده فإن عبارته باطلة ومتناقضة مع كلامه الكثير عن المستحيل واللامنطقي، مع أن تفريقه بين المستحيل واللامنطقي هو نفسه تفريق لا منطقي، إذ المستحيل نفسه لا منطقي.

    و يقوم بدور القاضي و يعاقب
    القيام بدور يقال في حق الإنسان الذي يوضع في دور، وهذا الدور يكون له أو لغيره، والله لا يصح أن يعبر في حقه بمثل هذه التعابير البشرية التي لا تخلو من ركاكة اللغة أيضا.

    و أن مسئولية الله عنا
    لا يليق أن يوصف الله بالمسؤولية بل تنفى عنه، لأن المسؤولية تعني الخضوع للمحاسبة والمسائلة، والله منزه عن ذلك، وكان يسع الزميل أن يقول: (وأن عناية الله بنا أو رحمته) ونحو ذلك.


    و يعتبر نفسه غير مسئول عما يفعلون
    قوله (يعتبر نفسه) غير لائق في حق الله تعالى، وكان يسعه أن يقول: (والله في المعتقد الإسلامي غير مسئول عما يفعلون)


    و لكن الله متأكد أكثر من هذا المرء ألف ألف مرة أن خلقه للكافر
    هذا التعبير الركيك فيه ما لا يليق في حق الله تعالى، فإنه لا يقال أن الله متأكد، لأن علم الله الأزلي لا يحتاج إلى مؤكدات حتى يتأكد الله من شيء، فضلا عن أن يكون متأكدا ألف ألف مرة!
    وكان يسعه أن يقول: (لكن الله يعلم علما أزليا مطابقا للواقع أن كذا كذا ...)

    ولو تتبعت من كلام الزميل من أول الحوار أمثال هذه التعابير غير اللائقة لأخذ وقتا طويلا، والذي أطالب به الزميل أن يراعي التعبير اللائق عند الحديث عن الله تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

    ومما لا يليق من كلام الزميل تمثيله على الكافر باسم (أحمد أو محمد) وهما من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء أهل الإسلام، ولا أدري هل ضاقت به الأسماء، أم أنه لا يبالي بدلالاتها في الحوار أو ما ترمز إليه عند القراء أم ماذا؟ والذي نطالب به الزميل أن يستعيض عن ذكر اسم نبينا صلى الله عليه وسلم في تمثيله على الكافر بغير ذلك من أسماء أهل الكفر والعناد، ودونه أسماء الكفار كأبي جهل وأبي لهب، أو معرفه هو (المفتري) إن شاء.


    ثانيا: يلجأ الزميل إلى عرض بعض النقاط المهمة بأسلوب عامي يناسب أحاديث المقاهي لا النقاشات العلمية، فإن كان لا يقدر على الحوار بدون عامية الأسلوب فنعذره لعجزه، وإن كان يقدر على المحافظة على جدية الحوار وعلميته بدون تفاصح ولا تقعر ولا ضدها من ميوعة العامية وركاكتها فنطالبه حينئذ بما يقدر عليه، وليس القراء شماعة لتصير لغة الحوار ركيكة بعاميتها وضعفها، فأقل ما يطالب به هو سلامة التعبير وصحة الأساليب، ولا شك أن لذلك أثرا في وضوح الفكرة واحتراما لعقلية القراء وعدم الاستخفاف بهم، ولا نطلب منه أن يكون نحويا كسيبويه، أو لغويا كخالويه! وإنما شيئا من الجهد في الحرص على جودة لغة الحوار.

    وأمثلة ما وقع فيه الزميل من ذلك كثير جدا منذ أول الحوار، ولكن أذكر على ذلك مثالا من آخر مشاركة له وهو قوله:

    هو أن الله يريد أن يبين المؤمن الحق من المنافق. باختصار: يُظهر كل إنسان على حقيقته.
    فهذا الاختصار فيه تمييع واضح بأسلوبه العامي للجملة السابقة، فلا اختصار فيها وإنما تمييع للفكرة، كما يؤدي إلى استفسارات من قبيل: ما هي هذه الحقيقة المراد إظهارها؟ أهي حقيقة أخلاقه؟ أصله؟ نسبه؟ غناه وفقره؟ أم إيمانه وكفره؟ أم جميع ذلك حتى يشمل صفات أبدانهم؟
    ولا شك أنه يقصد تمييز الناس من حيث الإيمان والكفر، فانظر كيف يصير الاختصار تعمية لِما اختصره أصلا.
    فلو قال: (باختصار: يظهر حقيقة كل إنسان من حيث الإيمان والكفر) لكان أوضح وأسلم في التعبير، ولا أقصد بالتعبير هنا الإنشاء المدرسي، وإنما اللغة العلمية السليمة لعرض الفكرة.


    ثالثا: يطيل الزميل رده بكثرة المسافات الفارغة بين الأسطر، مع كون كثير من أسطر الكتابة لا تحوي فقرة كاملة بل حتى جملة تامة، فهل يظن الزميل أن الكتابة العلمية لا تكون إلا بكثرة الفراغات بين الأسطر وطول شريط التمرير عند تصفح الرد، أو أن وضوح فكرته لا يكون بغير هذا، والذي أطالب به الزميل أن يجعل الإطالة لما يستحق من النقاش لا لغير ذلك.

    رابعا: يذكر الزميل أحيانا ما لا علاقة له ببحثنا مطالبا بالجواب عليه، كقوله:
    كما قلت من قبل، الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه. فإذا كان ثابتاُ أنه لن يستوعبه، فهذا لا يمكن إلا أن يتسبب في الإضرار بالناس. و في رأيي، لا يصح أن يكون هناك أي شيء متعلق بالبشر في الدين و لا يفهموه.

    يعني قوانين الله و حكمته في عقوبة الزنا مثلاً و شرب الخمر و غيره، كلها من اللازم و الواجب أن تكون مفهومة و مستوعبة، و من هذه الأشياء الحكمة من خلقنا و لماذا نتعذب و كل شيء يمت لنا بصلة من قريب و من بعيد.

    و الأسباب كثيرة و منها على سبيل المثال لا الحصر، أن الدنيا أصبحت زاخرة بالديانات و المعبودات و الأنبياء الكاذبين الذين يقولون أنهم جاؤوا من عند الله أو... أو... مثل المعدي: غلام مرزا القادياني الذي ادعى أنه مسلم و نبي جاء من بعد محمد.

    ما الذي يجعلك كمسلم لا تتبع هذا الشخص؟ لا بد أنه المنطق و العقل و التفكير. هناك أسباب واقعية و منطقية تمنعك من اتباعه لأنه -مثلاً- يقول أشياء غير منطقية.

    فكيف تكون هناك أمور في الإسلام مخفية لا يمكن أن نفهمها و غير منطقية و مع ذلك تطلب من الناس أن يؤمنوا بهذا الدين؟

    كيف تتميز عن غيرك من الديانات الكاذبة إذا لم يمن كل شيء واضح أمامك و صريح؟

    و كما قلت من قبل، ليس ما أطلبه هو: كيف يبدو الله و أين مكانه؟ و إنما كل ما أتكلم عنه أمور تخصنا نحن البشر.

    هذا بخلاف أن العلم بوجود الحكم المخفية يسبب الضلال كما قلت من قبل و أنا مثال حي على ذلك. فأنا إن استمريت على حالي هذا من وجهة نظر الدين الإسلامي، سأدخل النار. و السبب في هذا هو أنني لم أستطع أن أعقل بفكري الحكم المخفية التي تفوق التصور.

    فإذا كانت الحكم المخفية سبباً في دخولي النار، فكيف نقول بوجوبها؟
    فرغم عدم المعنى في قوله: ( الحكم المخفية شيء لا ينبغي أن يعلم بوجوده من لا يستوعبه) لأن خفاء الحكمة غير العلم بوجود حكمة مخفية، فيصح أن تخفى الحكمة وأن يعلم الإنسان بأن هناك حكمة مخفية، ولا يكون صحيحا أن يقال إنه لا ينبغي لمن خفيت عليه الحكمة أن يعلم بوجود الحكمة المخفية! فهذا تناقض لا معنى له، ولا شك أن الزميل ضعفت عبارته عن مراده وهو عدم معرفة الحكمة لا عدم معرفة أن الحكمة مخفية عنه، وكان يمكنه أن يقول: ( الحكم المخفية شيء لا يستوعبه الإنسان الآن)
    رغم ذلك فإنه قفز للحديث عن أمر آخر وهو خفاء ما نحتاج معرفته في الإسلام، فادعى ذلك مع أن الإسلام واضح جدا، وكل ما نحتاجه لنسلك طريق الهدى معلوم لنا، وأما أن يطلع الزميل على حكمة الله تعالى التي أخفاها على عبده ويقول لن أؤمن حتى أعرف هذه الحكمة المخفية فهذا عناد وكفر واضح ككفر اليهود حين قالوا لموسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} !
    بل قفز الزميل إلى شيء آخر وهو المقارنة بين الإسلام والوثنية! والأنبياء والدجالين! والحديث عن المنطقية والأدلة والحجج في جميع ذلك وكأننا نتكلم عن مقارنة الأديان، أو دلائل النبوة، فهل خفاء الحكمة من تعذيب هذا المعين في النار عذر لكل هؤلاء ليكفروا بالله وليدعي الدجالون النبوة، ولتعبد الأصنام والأوثان؟
    هل في خفاء الحكمة من كون هذا المعين في النار وذلك المعين في الجنة شيء يخالف العقل ويجعل الإسلام ألغازا وطلاسم لا يفهمها العقل؟! هذا تهويل لا مصداقية له ولا حقيقه له، وبعد كل ذلك لا علاقة أساسية له بالموضوع، والعقل له أن يتدبر ما يقدر عليه، وما عجز عنه فهو معذور فيه، بشرط أن لا يقر بمستحيل ولا يقول به.


    هذه بعض الملاحظات التي لعل الزميل يتقبلها بصدر رحب فتعين على استمرار الحوار علميا أدبيا خاليا من ركة التعبير وما لا يليق ذكره في حق الله عز وجل الغني الحميد، مع وضوح الأفكار وتنظيم المقالة دون حشو زائد ولا اختصار مخل، وإنما إطناب في موضع الإطناب، وإيجاز في موضع الإيجاز، وخير الكلام ما قلّ ودلّ.

    ولعلي أضيف تعقيبا أرجو أن يكون به توكيد على أهم مسائل الحوار بما ينقذ الزميل من عصف الإشكالات في ذهنه لعدم تصوره الصحيح للموضوع بالنسبة للمعتقد الإسلامي، ذلك المعتقد الذي لا يعاني المؤمن فيه من هذه الإشكالات الوهمية المتناقضة لصحة المنهجية الإسلامية في تناول القضايا ودراستها.
    التعديل الأخير تم 03-15-2009 الساعة 11:00 PM

صفحة 3 من 4 الأولىالأولى 1234 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تعليقات: الإيمان والإلحاد -الدكتور نقد والزميل نيرون
    بواسطة محب أهل الحديث في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 228
    آخر مشاركة: 07-05-2012, 08:58 PM
  2. مناظرة: اشكالات فلسفية عن الإله في الإسلام(الدكتور ناصر والزميل المفتري)
    بواسطة المفتري في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 67
    آخر مشاركة: 10-18-2009, 01:08 AM
  3. إشكالات فلسفية في فكرة الإله الإسلامي
    بواسطة Titto Divitto في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 45
    آخر مشاركة: 12-03-2008, 09:12 AM
  4. تبرئة الدكتور النجار وكشف المفتري حمض
    بواسطة someone في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 03-14-2008, 01:48 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء