النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: وأُخرِج القردُ في زينته!

  1. افتراضي وأُخرِج القردُ في زينته!

    يُصِرُّ جاري العزيز على أنني بقيةُ قرنٍ كانت الديناصورات ترعى فيه مطمئنة، في حين أعدُّه أشقى من ذكرِ نحلٍ تذهب حياتُه بشهوةِ لحظة، ويرى أنّ الذوقَ في اختياراتي كافٍ لإفسادِ بهجةِ الكون، بينما ينتابني لحظةَ رؤيتِه شعورُ من وجدَ في طعامِه نصفَ حشرة، ويعجبُ كيفَ أمتهنُ الطبَّ، وألعنُ صحافةً استكتبت مثله، وأظنُّ أنّه لو تبادلنا الهدايا يومًا، لأهداني قطيعَ غنم، ولأهديتُه ذيلَ قرد، ولو قُدِّر أن يُعطى كلانا نقطةَ حبر؛ ليختصرَ الآخر فيها، لكتب (عتيق!)، ولكتبتُ (ذيل!)، ثم استزدتُ حبرًا، ثم كتبتُ (ذيل!).

    لم يستوعب قابيل سرَّ قبول القربان، فقتل أخاه!

    في البداية .. كنتُ أتلفت حولي حين يبدؤني بقوله "أنتم"، وعادةً ما يكون الخبر من طراز "يا أخي! أنتم متخلفون!!"، حتى صرتُ لا أنتظر تمام كلامه، فإن قال "يا أخي!" قلتُ "ولم نحن متخلفون؟!"..
    في الواقع .. كانت هيئتي هي سبب تصنيفي كجزء من "أنتم"، وكانت المصادرةُ هي أساسُ تصنيفِ "أنتم" على أنهم "متخلفون"، ولا يتخللُ ذلك أيّ تفاوضٍ مشروط، ولم يسبقْه أدنى تعاملٍ حذر، وعندما واجهتُه بمقالاتِه عن ضرورةِ احتواءِ "الآخر" وفهمِه، والانفتاحِ عليه والانصهارِ معه، وعدمِ استباق الحكم عليه، وربما عدمِ الحكم عليه أصلًا، تبيّن أنني مخطئٌ حدّ الثمالة، وأنّ المقصودَ بهذا "الآخر" هو "آخر" غيري!

    من الشقاءِ أن تتكلمَ عن خبثِ دوافعِ الآخرين، ولا تدركُ قبحَ الدافعِ وراءَ كلامك!

    أعلمُ أن الدبلوم لم يعادلْ الدكتوراةَ بعد، وإن اشتركا في الابتداءِ بالدال، ولذلك نصحتُه ألّا يُصدِّر توقيعَه بهذا الحرف، حيث يتنافى هذا والأمانة، لكنه برّرَ ذلك بحتميةِ فصلِ الدينِ عن الدولة، وهي دعوى معقولةٌ جدًّا معقوليةَ فصلِ طاعةِ الأم عن حبّها في قلب الأبناء، أو فصل تربيةِ الابن عن اللطفِ به في قلبِ الوالد، فيرد عليّ بأنه يكفيه أن هذا قد تحققَ بالفعل، متشبهًا بمن أُفتي بعدمِ صحة الصلاةِ بغيرِ وُضوء، فعجِبَ إذ إنّه فعلَها وصحَّت معه!

    لا تنفر من قطع يد السارق إلا نفوس اللصوص!

    دعوتُه يومًا أن يدافعَ عن النقاب، في الركنِ الذي يدافعون فيه عن الحرية، ولكنه نصحني أن أقرأَ عنه في أخبارِ الحوادث، فما كان إلا أن رسمتُ له فكرةً هزليّة، صادر فيها رجال الأمنُ السكاكين من المنازل، لأن المجرمين قد يستعملونها في القتل، عندئذٍ أعلمني أن صفحةَ العلاقات الدولية فيها بيانُ السرّ، فذكَّرته أن الحكمَ لله كما تقرر في بابِ السياسة الشرعية، ثمّ تذكَّرت أنّ أعلى المبيعاتِ أصابَتها أخبارُ الرياضةُ والفن، فدعوتُ اللهَ أن أجدَ العزاءَ في صحفِ الأعمالِ يومَ القيامة!

    لم تفهم امرأة العزيز سر عفة يوسف، فتوعَّدته بالسجن إن لم ينفذ أمرها!

    له أسلوبُه الخاص، إذ يحترف توزيع "الكولا" في أقداح، ويحتسي القهوة من خلال "شاليمو"، فيلتمس لمُشكِلاتِنا الحلولَ الغربية، ويستورد لنا قضايا لا تهمنا .. هاهو يعرفُ مكمنَ الداءِ ورقمَ تليفونِ الصيدلية، فيبين أن "السينما النظيفة!" مصطلحٌ مستوردٌ "!" دخيل، ويطالب أهل "الحقل" الفني بمزيدٍ من التحرر، ويرى أن الموديل العاري حتميّ لرفعة فنّ النحت، ويضعُ يدَه على حلّ أزمةِ الجيل الصاعد، فيدعو لنشرِ الثقافةِ الجنسيةِ بين الأطفال، ويفضّل (نظام) "الفريندز" كبديلٍ عن (عادة) الزواج، وقد بُح صوتُه في المطالبة بإنشاء نقابةٍ ... للراقصات، وتلمع عينُه على كرسيّ القضاء ... لابنة الجيران!

    الرجل الذي يرضى جميع المذاهب هو رجلٌ بلا مبدأ!

    يرى أنّني – أو أنّنا – أحدُ الثقوبِ السوداءِ في هذا العالم، فمن قبحِ طلعتِنا شحَّت المياه، وقلَّت المحاصيل، وبشؤمِ وجودنا هبط الغناء، وتأمرك الفنّ، وصارت الرومانسية أثرًا بعد عين! ويرى أن ذلك أدنى إلى التصديق من شعره المستعار إلى صلعته، وأحسبُ – أو ونحسبُ – أنّ الطبيعةَ لو خُلّيت لتعبّر عن نفسها، لقلنا إنهم سبب ثقب الأوزون، واحتباس الحرارة، وذوبان الجليد، ومِنْ ثقلِ ظلهم رحلَ الماموث، وكثُرَت الزلازل، لكنّا قومُ عدلٍ عُدُول، نُنزِلُهم المنزلة التي يريدون، في ظلال القرود!

    ربّما نظرت الذبابةُ إلى الإنسان باشمئزازٍ ونفورٍ .. لا ندري!

    زرتُه يومًا، فأصبتُه في لحظةٍ روحانيةٍ صافية، وقد ترقرقت في عينيه دمعة، نجح في استخراجها على "الكلينيكس"، ولما سألتُه عمّا أثرَ فيه (هكذا!)، ألقى المجلةَ البرّاقة جانبًا، ونظر إليّ نظرةَ مُحْتضر، وذكرَ شيئًا عن راقصةٍ أخذت رشوةً لتتوب لله، وكان اعتراضُه متوجهًا إلى .. التوبة!
    ثم زارني يومًا، فاستقبلته في مكتبتي حيث يقبع "بلومجارت" إلى جوار "الفتاوى"*، وعندما رأى ذلك تمتم بكلمةٍ سمعتُها، ولما سألته عن وجه التناقض لم يجبني، لكنه ذكر رأيَه في هذه "الكتب الصفراء"، فتصورتُ حاله كرجلٍ يباعد بين رجليه، ليمرر من بينهما .. شاحنة!!

    تتجلى للصرصور الأسترالي حقيقتُه مجردةً، لحظةَ أن يصفعه حذاء!

    بحثَ عن موقعِه من العلمِ التجريبي، فوجد نفسَه في المنتصف تمامًا، بين الفئران البيضاء وقفص القرد، فقررَ أن يكتفي بالصراخِ ناصيةَ الشارع، بجوارِ عمودِ النُّور أسفلَ مبنى الإذاعة، وقد مررتُ عليه يومًا، وألقيتُ عليه السلام، فلم يردّه زعمًا أنّه لا يقبلُ إلا أخبارَ المعامل ... رغم أنّ الحضارةَ لا تُقاس بالجول، والخطأُ والصوابُ لا يتأثران بالضغط، والشقاءُ لا يذهب بالحرارة، والكرامةُ لا تستجلبها عواملُ الحفز، والمبادئُ لا تتجزأ، والإسلامُ غيرُ قابلٍ للانصهار ... فنظر إلىّ نظرةَ أعزل أعدَّته قبيلةُ الكاريب** للشواء، وقال "يا أخي! أنتم متخلفون!".


    هناك من المواقف ما لا يناسبه إلا الإهمال، ومن الأشخاص من لا يصلح لهم إلا التجاهل، ومن الأقوال ما لا يرده إلا السخرية، ومن الأفعال ما لا يواكبها إلا الإعراض!



    * "بلومجارت" مرجع معروف في جراحات الكبد والبنكرياس والقنوات المرارية، و"الفتاوى" المقصودة هي مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
    ** من أشهر الجماعات التي ينسب إليها أكل لحوم البشر.
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    46
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    ما هذا الإبداع يا حسام؟ ما شاء الله .. فليباركك الرب

    هل تكتب قصصا قصيرة أو روايات أو تقرض الشعر .. أرجو ذلك

    على كل حال سأقرأ مواضيعك ومداخلاتك فقد أغرتني بالقراءة

  3. #3

    افتراضي

    بارك الله فيك استاذنا حسام على هذه النفحات الادبية الطيبة.
    الفلسفة الإنسانية أو علمنة الفلسفة و العلم وراء الكارثة الحديثة التي تسبب اللاوعي و الإحباط كنتيجة للصراع بين المتناقضات, فعلى سبيل المثال لا الحصر, تصور الحياة على أنها عبثية -أو نتيجة عملية عبثية- من جهة, و من جهة ثانية إبعاد صفة العبث عن هذا التصور و عن أي محاولة فلسفية فكرية متتالية في إثبات هذا التصور!!

  4. افتراضي

    عودا حميدا أخونا الفاضل حسام الدين والله لقد اشتقنا لأقلامكم النيرة ولحجتكم القوية وكما تعلم فغيابكم ليس كغياب أي عضو كما أن حضوركم ليس كحضور بقية الأعضاء فحاول قدر ما أمكن أن يكون تواجدك في المنتدى أكثر مما تغيب عنه وفقكم الله وسدد خطاكم
    هل تكتب قصصا قصيرة أو روايات أو تقرض الشعر .. أرجو ذلك

    على كل حال سأقرأ مواضيعك ومداخلاتك فقد أغرتني بالقراءة
    لحسام الدين ركن خاص له في قسم المقالات جمع فيه أجود ما كتب هو في المنتدى فراجعه لتستفيد أكثر ولتنهل من مؤلفات
    وكتابات أخونا الفاضل
    لا أكون متجاوزا إن قلت إن الجدال حول وجود الخالق بدعة لم تظهر فى الإنسانية إلا فى أحط عصورها أخلاقيا ، ولا يسفسط حولها إلا أراذل الناس وسفهاؤهم.
    (د. أبو مريم)

  5. #5

    افتراضي

    ماشاء الله لاقوة الا بالله....
    كم هي رائعه أيها الطبيب الأديب
    بارك الله في قلمك وبيانك .. زدنا زادك الله من فضله
    أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
    وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

  6. افتراضي

    الإخوة الكرام فارس الكنانة ويحيى وعبد الله آدم، والأخت الفاضلة أخت مسلمة: جزاكم الله خيرًا ونفعنا بكم ورفع قدركم، ولا غنى عن نصح وتوجيه أهل الفضل مثلكم.
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    904
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    مقال رائع يادكتور
    حســـــام الديــــن
    لكل امرئ له من اسمه نصيب
    جزاك الله خيرا

  8. افتراضي

    بصراحة مقال أكثر من رائع , و تلك هي الفنون و ليس ما نسمع عنه و نراه من جنون

    جزاك الله كل خير , و جعله في ميزان حسناتك يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم

    طالب علم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. وأُخرِج القردُ في زينته!
    بواسطة حسام الدين حامد في المنتدى حسام الدين حامد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-15-2010, 11:44 PM
  2. أنا وَهْمٌ فيك يخاطبُك بالأسماء .. وأنت وهمٌ فيّ شيمته الإصغاء .. !!
    بواسطة DirghaM في المنتدى قسم اللغة والشعر والأدب
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 10-28-2008, 04:06 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء