النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: طَرَبُ قطيع الجرذان لألحان عازف المزمار

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,296
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي طَرَبُ قطيع الجرذان لألحان عازف المزمار

    من منا لا يعرف ذلك المشهد الذي صورته إحدى القصص الخرافية من الأدب العالمي... مشهد كان في قمّة الحرفية والإتقان...مشهد في ظاهره خيال وقصّة من قصص كان يا مكان..ولكنها قصّة تحمل بين ثناياها عبرة وموعظة لألوا الألباب...إنها قصّة الجرذان وعازف المزمار...
    تحدثنا القصة عن عازف مزمار أقنع قطيعا من الجرذان بالغرق في نهر الأحزان بعذوبة صوت مزماره وشجون ألحانه..فعميت أبصارهم وصمّت آذانهم ولم يدركوا أن المصير هو هلاكهم...فاصطفّت صفوفهم خلف عازف المزمار وشق بهم طريقهم نحو الغرق والهلاك...فجرّتهم الألحان إلى أحزان وانقلب طربهم إلى ويلات وشجونهم إلى حسرات...

    كم ذكّرني هذا المشهد بواقع كئيب لأولئك الذين فتنوا بسماع ألحان شجيّة تخرج من مزمار الإلحاد
    ويا لها من ألحان فلرغم من تنوّعها واختلاف عازفها إلا أن متتبعها يكاد يجزم أنها تخرج من مزمار واحد...
    فعلا "مشهد شبيه بخروج صاحب المزمار وتتبعه آلاف الجرذان دون وعي منها بما يحصل ولا إلى أين يقودهم ... وقد كان يقودهم إلى حتفهم وهلاكهم ... فما أشبه قطعان الجرذان ببعض قطعان البشر"...فعندما تغيب الآذان التي تسمع وتُغيَّبُ العقول التي تفهم ما يُسمع..صار هذا العقل بلا عقل... ولكن رغم ذلك فإن عقل الملحد يستحق التأمل ...فعلا يستحق التأمل.. فعندما ترى عقلا يجمع بين المتناقضات....ويُغَيِّر في البديهيات....ويُسلِّم في المسلَّمات...ويُنْكِرُ الواضحات...فعلينا أن نتأملَ هذا العقل...فمن عقل الملحد تأتي العجائب ...

    الملحد يملك قاعدة عظيمة في الحياة... تقول: " دعني أعيش يوما واقتلني بقيَّةَ الأسبوع ". وليقنع نفسه بقاعدته التي اخترعها نتيجة حبّ الملذات والخوف من أن يستفيق بعد الممات تراه يجوب المواقع والمنتديات المؤسِّسَة على الكذب والخرافات بحثا عن قَشَّة تقنعه أو تكاد بصدق مقولته المزعومة بل وتضيف لها معلومة وهي أنه لا يوجد بقيّة لأيام الأسبوع بل هو يوم واحد أو يكاد....فتمتلئ نفسه فرحا وغبطة بهذا الإكتشاف المذهل ويرى أنه قد صار من أهل الذكاء والفطنة....وتراه بدون تَثَبُّتٍ مما سَمِعَ.. ولا تَتَبُّعِ مصدرِ ما كُتِبَ.. تراه يجمع ما جُمِعَ.. ويأتي ليلقي به على مسامع الناس....فيعزف لهم لحن الطرب.... ويُنشد لقد جئتكم بأمر عجب.... لا يوجد بعد الموت شقاء ولا تعب ...فهلمَّ بنا إلى اللهو هلمَّ إلى اللعب....

    للملحد ذاكرة قوية شبيهة بذاكرة الببغوات أو أشد. إذ يكفي أن يستمع الواحد منهم لبعض ألحان الإلحاد إلا ووجد لنفسه مزمارا خاصا به يجوب به أزقَّةَ الجهل وشوارع الظلمات بحثا عن قطيع تائه في دوامة الجهل وأركان الغفلة...فما إن يعزف ما سمع من ألحان إلا وتخرج القطعان... من كهوف مظلمة حُجِبَتْ عنها أشعّة المعرفة ونور الوحي فيصطفّون خلف عازف المزمار وتراهم يركضون خلفه إلى حيث لا يدرون صم بكم عمي لا يعقلون إلا ما بلغَ مسامعهم من ألحان زائفة.."فترى لحنا يُنشدُ: اتبعوني فإني أسير بكم في طريق الإنسانيّة"..ولو نطقت الإنسانيَّة لنطقت بكاء ونحيبا على تلك الأجيال الغافلة وهي تتهاوى في الهلاك ظنا منهم أنهم على خطاها..وهم أبعد من ذلك بل هم على النقيض إذ هم يسيرون في طريق تدمير الإنسانيَّة وإفسادها.. ولن تنفعهم غفلتهم بعد الهلاك حيث لن يجدوا غير ركام سفن غارقة وبقايا أجساد عالقة وأشباح قطعان جرذان غرَّتها ألحان زائفة...

    عقل الملحد يزعم أن الله غير موجود وأن الطبيعة الصماء هي من أحكم السيطرة على هذا الكون بكل تلك الدقة اللا متناهية...ولكن العجيب في الأمر أن هذا الملحد عندما تضيق به الدنيا أو ينهكه المرض ويشعر أن الموت هادم اللذّات قد اقترب أو حين يشتد به الغضب...لا يسب الطبيعة التي آمن بها طيلة حياته ولا يدعوها لتفرّج عنه الهمَّ والكرب ولا يدعُ عقله ليبحث له في أمور الغيب.....وإنما يفعلُ العكس...تجد هذا الملحد وفي تلك اللحظة إما أن يقول .....يا ربي أو يا إلهي عن دون قصد منه...... أو يكفر ويسب الإله عن قصد منه....وفي الحالتين هو معترف لا إراديا بأن هناك إله يفرِّجُ الكروب ويرفع البلاء...ولسائل أن يسأل لماذا الملحد يذكر الدين في تلك اللحظات ولا يذكر أنه فقط مجرد ذرّات ؟...

    عقل الملحد يزعم أن الإنسان جسدا بلا روح..وهذا أيضا لحنا من ألحان الإلحاد...غالبا ما يعزفه السمَّاعون له في كل موضع ولو كان في غير موضعه...ولسائل أن يسأل هذا العقل :
    لماذا يا عقل تستعجل دفن جسد حبيبك الذي يعز عليك وتأسى وتحزن عليه مع أن جسده مازال حاضرا مكتملا بين يديك ؟
    فالجسد لا يأنس بالجسد ولو كانت هذه هي حقيقته لما حزن هذا الجسد...وإنما الروح هي التي تأنس بالروح وما ذلك الحزن وذاك الأسى إلا لمفارقة الروح للروح التي كانت تأنس بها..

    عقل الملحد يرى أن الإله وَهْم يجب التخلُّصَ منه أو قيد تجب الدعوة إلى فكِّه..وهو موقف نتج عن سماع لحن "الحريّة" التي أوهمته أنها قد حرَّرَتْهُ من قيود العبوديّة...فالملحد أراد أن "يعزل" الإله لينصّب لنفسه ألف إله وإله...أولهم هواه الذي "حرّره" من عبوديّة الإله ليقيّده بعبوديّة الشهوة والإدمان فيصير هذا الملحد عبدا لإدمان الخمور.....وإدمان الجنس...وإدمان المخدّرات...فهو قد انتقل من الحريّة إلى العبودية من حيث لا يدري فصار كالأسير يُجَرّ بالقيود دون وعي منه...وحتى لو وعى هذا الحال...فلن يغيّر من حاله شيء... فكأن الملحد يقول لا بأس أن أكون عبدا ولكن بشرط أن لا يتوعّدني إلهي بالنار والعذاب..

    عقل الملحد يرى أن الدين خرافة لا لشيء إلا لما فيه من أمور الغيب ما فيه فالملحد لكي يؤمن بالدين يشترط رؤية الإله ورؤية الروح وإلا فالأمر خرافة بالنسبة إليه...وفي المقابل تجد نفس هذا العقل يؤمن بألف خرافة وخرافة بداية من نظرية القردة التي لا دليل عليها....وأزلية المادّة التي لا علم يؤيدها بل ويعارضها...وصولا إلى الكائنات الفضائحية ودورها في نشأة الحياة...فهو عقل رفض الغيب ليؤمن بألف غيب وغيب... بل ليؤمن بخرافات وأساطير لا مكان لها حتى في قصص هاري بوتر...

    حقيقة أعجب ممن يدعي العقلانيّة والبحث والتمحيص ثم يشهد بالإلحاد وينكر وجود الله والعجيب أن نفس هذا العقل يحمل الدليل على وجود الإله ووحدانيّته... فلو سألنا هذا العقل ..كيف كان سيكون حال الإنسان لو كان بدون بعقل ؟ لقال أن حاله لن يفرق عن النبات والجماد... ولو سألناه كيف سيكون حال الإنسان لو كان يملك عقلين أو ثلاث ؟ فلن يتردد في بالقول بأن الفوضى ستعم المكان وستتضارب الأحداث...بل ويجزم لك أنه لن تستقيم الحياة إلا إذا كان لكل إنسان عقل واحد يوجّهه وينظم حياته ويحميه...فإذا كان العقل يقرّك على هذا فكيف له أن يرفض أن هذا الكون المنظم الدقيق البديع لا توجد قوّة عاقلة تسيره وتنظمه وتحميه..فلو تأمل الإنسان في عقله لوجد الدليل على وحدانية الله كما هو الحال بضرورة وحدانيّة العقل ولوجد ضرورة وجود قوّة عاقلة تسيّر وتنظم وتقرّر كما هو الحال لعقل الإنسان...فكما أن العقل يرفض أن يري تصرّفات غير عقلانيّة من شخص عاقل فمن الضروري أن يرفض عدم وجود قوّة عاقلة وراء ما نراه من أحداث عقلانيّة...

    فإذا كان العقل والعلم يشهدان بالإله رغما عنهما...علمنا أن الإلحاد لا علاقة له بالعقلانيّة بل هو في الحقيقة يحصل نتيجة تأثر هذا العقل بأكاذيب وتزييفات حجبت عنه عقلانيّته ونتيجة سماعه لألحان تسمي الأمور بغير مسمياتها... فيعزفون الخبث والدهاء ويقولون ذكاء ويعزفون الجهل والثرثرة ويقولون معرفة..."فتشجى عقول الضعفاء بألحان لغتهم العوجاء...فتسحبهم جيلا خلف جيل" نحو الهلاك والعذاب الأبدي ..."ولن ينفع معهم الصراخ فالقوم طرش لا يسمعون".....إلا من رحم الله ...ممن بحث عن الحق بصدق وتخلّص من عبوديّة الأفكار الزائفة فهداه الله ليعلم أن ما بلغ مسامعه من ألحان ليس إلا "ضجيج ضفادع تأباه العقول والمسامع"...
    التعديل الأخير تم 12-10-2015 الساعة 12:57 PM
    ﴿ وأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    المشاركات
    904
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    شكرا لهذا المقال الصقيل ، فعلا هذا هو الواقع تماما .
    ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً -- ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,296
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الشكر لك أخي شاهد على مرورك الطيّب
    ﴿ وأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾

  4. #4

    افتراضي

    سبحان الله و بحمده
    الكُفْرُ يُعْمي و يُصِم

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    المغرب
    المشاركات
    1,277
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    فإذا كان العقل والعلم يشهدان بالإله رغما عنهما...علمنا أن الإلحاد لا علاقة له بالعقلانيّة بل هو في الحقيقة يحصل نتيجة تأثر هذا العقل بأكاذيب وتزييفات حجبت عنه عقلانيّته ونتيجة سماعه لألحان تسمي الأمور بغير مسمياتها
    صدقت بارك الله فيك ..
    جزاك الله خيرا على هذا المقال المتميز.
    التعديل الأخير تم 01-23-2012 الساعة 12:57 AM
    " الصدق ربيع القلب ..و زكاة النفس ..و ثمرة المروءة .. و شعاع الضمير الحي.. ومناط الجزاء الالهي (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ...) و إنَّ الضمائر الصحاح اصدق شهادة من الألسن الفصاح "
    -بتصرف-
    "حقُّ الواعِظ أن يتعظ ثمّ يعظ، ويبْصِر ثمّ يُبَصّر، ويهتدي ثم يَهدِي، ولا يكون دفترًا يُفيد ولا يستفيد، ومَسنًّا يحدُّ ولا يقطع، بل يكون كالشمس التي تُفيد القمرَ الضوء ولها أكثر مما تفيده"!
    -الراغب الأصفهاني رحمه الله-

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. خطاب عاصف، محمد المرسي: سيهزم الجمع ويولون الدبر.... خلال ساعات هزيمة
    بواسطة طارق منينة في المنتدى أحوال المسلمين بالعالم
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 06-22-2012, 08:40 PM
  2. في بحث لكرسي جائزة الأمير سلطان العالمية للمياه
    بواسطة ابوابراهيم في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08-07-2010, 02:58 PM
  3. الإشهار لما عليه السلفيين فى مصر من أخبار
    بواسطة الجندى في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 22
    آخر مشاركة: 03-13-2006, 02:41 PM
  4. زمان الجرذان
    بواسطة سعيد الحلبي في المنتدى قسم اللغة والشعر والأدب
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 07-01-2005, 12:13 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء