صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 24 من 24

الموضوع: سلسلة أساس صلاح البشر في فهم عقيدة القضاء والقدر

  1. افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أنواع التقدير
    التقدير الأزلي


    الحمد لله الذي خلق الإنس والجن لعبادته ، فكلفهم أن يوحدوه ويعبدوه ، ويقدسوه ويحمدوه ، ويشكروه ولا يكفروه ، ويطيعوه ولا يعصوه ، فالعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ولا إله إلا الله ، إله الأولين والآخرين وقيوم السماوات والأرضين ، الذي لا فوز إلا في طاعته ، ولا عز إلا في عبوديته ، ولا غنى إلا بالافتقار إلى رحمته ، ولا هدى إلا في التمسك بهدايته ، ولا حياة إلا في حبه وطاعته ، ولا نعيم إلا في قربه وجنته ولا صلاح للقلب إلا بإخلاص نيته ، إله عظيم كريم عزيز رحيم ، إذا أطعته أثاب وشكر ، وإذا عصيته تاب وغفر .

    وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، كلمة قامت بها السماوات والأرض ، ومن أجلها أوجد الحق سبحانه جميع الخلق ، وبها أرسل الله تعالى رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وشرع لهم شرائعه ، ولأجلها نصبت الموازين ، ووضعت الدواوين ، وبقيت الجنة والنار أبد الآبدين ، وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار ، والأبرار والفجار ، فهي منشأ الخلق والأمر ، والثواب والعقاب ، وهي الحق الذي من أجله كان العرض والحساب ، وعليها نصبت القبلة ، وعليها أسست الملة ، ولأجلها جردت سيوف الجهاد ، وهي حق الله على جميع العباد ، فهي كلمة الإسلام ومفتاح دار السلام ، يسأل الله عنها الأولين والآخرين ، ماذا كنتم تعبدون وماذا أجبتم المرسلين .

    وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله إلي الناس كافة ليوقروه ويطيعوه ، وينصروه ويتبعوه ، فأمرهم على لسانه بكل بر وإحسان ، وزجرهم على لسانه عن كل إثم وعدوان ، أمرهم بالمعاونة على البر والتقوى ، ونهاهم عن المعاونة على الإثم والطغيان ، وحثهم على الاقتداء والاتباع ، وحذرهم من الاختلاف والابتداع ، أمر العباد بكل خير واجب محبوب ، وبكل مستحب أو مندوب ، سبحانه وتعالى غنى عن طاعتهم ، غير مفتقر إلى عبادتهم ، لكنه رتب مصالح الدارين على طاعته ، وجعل سعادة العباد في ترك معصيته ، فأنزل الكتب بالأمر والزجر والوعد والوعيد ، ولو شاء الله بدون ذلك لفعله بقدرته ، ولكنه يفعل ما يشاء بحكمته ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وما ربك بظلام للعبيد ، فصلى الله علي سيدنا محمد ، وعلى آله الطاهرين ، وسائر أصحابه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد . .

    فحديثنا اليوم عن معتقد السلف الصالح في أنواع التقدير التي نظم الله عز وجل الكون من خلالها ، وكيف رتبها من تقدير عام يشمل المخلوقات بأسرها ، إلى تقدير خاص يتعلق بآحاد المخلوقات وأفرادها ، فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع: تقدير أزلي وتقدير ميثاقي ، وتقدير عمري ، وتقدير حولي أو سنوي ، وتقدير يومي ، والمقصود بأنواع التقدير تنظيم أمور الكون من خلال مجموعة من التقديرات تتعلق بجميع المخلوقات أو بعضها ، عمومها وخصوصها ، فهناك تقدير أزلي عام مدون في اللوح المحفوظ ، وشامل لكل أمر سيحدث لجميع المخلوقات بلا استثناء ، وقد قضاه الله وقدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، ومن أنواع التقدير أيضا التقدير الميثاقي وهو تقدير خاص بالإنسانية جمعاء ، قدر الله فيه أهل النعيم والشقاء ، وكان ذلك وقت أخذ الميثاق على آدم وذريته ، وإشهادهم وهم في عالم الذر أن يوحدوا الله في ربوبيته ، فعندها حدد الفريقين وميز النوعين وخلق بعضهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وخلق بعضهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ، وهذا التقدير أخص من الأول وداخل فيه ، وهذان التقديران أعنى الأزلي والميثاقي ، لا يقبلان المحو والتبديل ، ولا يخضعان للإضافة والتغيير ، ولا يطلع عليهما ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولا يُعلم عنهما شيئا إلا بعد حدوثهما ، ووقوع ما قدره الله فيهما .

    أما التقدير الثالث فهو أخص من التقدير الثاني ، ويسمى بالتقدير العمري ، ويشمل مجموعة الأوامر التي يُكَلف بكتابتها الملك الموكل بالنطفة في الرحم ، مما يخص عمر كل إنسان ، ورزقه وشقي هو أم سعيد ، والتقدير الرابع يسمى بالتقدير السنوي ، وهو أخص من الثالث ، ويشمل مجموعة الأوامر السنوية التي تصدر من الله لملائكته في ليلة القدر مما يخص حياة الناس وموتهم ، وتصنيف أرزاقهم على قدر أعمالهم ، كل ذلك علي مدار عام كامل ، وهناك نوع خامس من أنواع التقدير يسمى بالتقدير اليومي ، وهو أخص من الرابع ويشمل مجموعة الأوامر اليومية التي تصدر في شأن الناس وحياتهم لحظة بلحظة .

    وهذه التقديرات الثلاثة أعنى التقدير العمري والسنوي واليومي ، تقبل المحو والإثبات والتغيير ، وتتولاها الملائكة المكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، ولكنهم لا يعلمون إن كان ما صدر لهم من أوامر وأحكام يتطابق مع ما كتب في اللوح من تقدير أزلي أو يتطابق مع ما صدر من أحكام في التقدير الميثاقي أم لا ، فهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يطلعون علي ما دونه الله في أم الكتاب .

    هذه أنواع التقدير عند السلف سوف نتناول شرحها بالتفصيل ، وبيان الاعتقاد فيها بالدليل ، ونبدأ اليوم بإذن الله تعالى بشرع النوع الأول من التقدير وهو التقدير الأزلي ، وقبل أن نبدأ هناك سؤال ، لماذا هذا التنوع في أنواع التقدير لماذا جعل الله عز وجل تقديرا أزليا وتقدير ميثاقيا ، وتقدير عمريا ، وتقدير حوليا أو سنويا ، وتقدير يوميا ؟ ألا يكفي التقدير المدون في اللوح المحفوظ ؟

    والجواب أن الله عز وجل حكيم في صنعه ، والحكمة صفته ، ومقتضي الحكمة أن تقع الصنعة على وجه الكمال والإتقان ، والإبداع التام الذي يبهر العقلاء ويحير الأذهان ، كما نبه سبحانه على ذلك في القرآن فقال تعالى: (صُنْعَ اللهِ الذِي أَتْقَنَ كُل شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) (النمل:88) ، فالصناعة تتطلب الخبرة والحكمة ، لا سيما المشروعات العملاقة الضخمة ، ولله المثل الأعلى ، بناء أي مشروع يتطلب تقديرا عاما شاملا كاملا ، لا يدع صغيرة أو كبيرة إلا بين فيها الأمر بيانا مفصلا ، ثم بعد ذلك وعند التنفيذ والتكوين ، يقسم التقدير المكتوب في العموم والجملة والمجموع ، إلى تقديرات في الخصوص تتعلق بكل جزء من أجزاء المشروع ، وكل جزء من أجزاء المشروعات العملاقة يقسم أيضا إلى أجزاء أخص وأخص ، وكل جزء له من التقدير ما يخصه حسب الزمان والمكان الذي يتم فيه الإنشاء والبنيان ، فقد تتغير أحكام الزمان والمكان بتغير أحوالها ، فمكان يقتضي أن يكون العمل فيه بالنهار لأن الطقس مثلا مشمس حار ، ومكان يتطلب التأخير بعض الشيء لهطول الأمطار ، وهكذا تتفاعل منظومة العمل في إتمام المشروع ثم إعداد تقرير عن كل موضوع بحيث إذا رفع كل تقرير إلى الإدارة العليا يتوافق مع التقدير العام بمنتهى الإتقان والتوافق التام ، لا خلل في الأمور صغيرها وكبيرها ، علامة الجودة خاتم موضوع على المصنوعات وأجزائها ، هكذا يكون الكمال في الصنعة ، وهكذا تكون الأعمال عن الحكمة والخبرة ، ولا أحد ينكر ذلك بين العقلاء ، فالله عز وجل له المثل الأعلى في السماء: (وَهُوَ الذِي يَبْدأُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَليْهِ وَلهُ المَثَلُ الأَعْلى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الروم:27) فالعزيز هو الذي تعزز بقدرته وغناه فلا يفتقر إلى أحد سواه والحكيم هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده بكمال القدرة ، وبالغ الخبرة ، ومنتهى الحكمة ، فإذا كان هذا شأن المشروعات العملاقة الضخمة ، فهل بعد مشروع الكون مشروع ، وهل بعد بناء الخلق لتوحيد الحق موضوع ؟

    من أجل ذلك كان التنوع في أنواع التقدير فجعل الله عز وجل تقديرا أزليا عاما شاملا وتقدير ميثاقيا يتناول الإنسانية تناولا كاملا ، وتقدير عمريا يخص حياة كل إنسان علي حدة ، وتقدير حوليا يخص سنة واحدة ، وتقديرا يوميا لمتابعة التنفيذ في مشرع الخلق لحظة بلحظة ، وكلمة كلمة ، إلى أن ينتهي العالم كما كتبه الله في اللوح المحفوظ ولذلك تنوعت الأقلام ، وتعدد تدوين الأحكام ، فمن ذلك القلم الأول الذي جف بما هو كائن إلى يوم القيامة ، روى الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن سُرَاقَة بْنَ مَالكٍ قَال: يَا رَسُول اللهِ بَيِّنْ لنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلقْنَا الآنَ فِيمَا العَمَلُ اليَوْمَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ قَال لا بَل فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ قَال فَفِيمَ العَمَلُ ؟ قَال: (فَقَال اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لعَمَلهِ) .

    روى الترمذي وصححه الشيخ الألباني من حديث 2516 ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: (كُنْتُ خَلفَ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَوْمًا فَقَال يَا غُلامُ إِنِّي أُعَلمُكَ كَلمَاتٍ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل اللهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَاعْلمْ أَنَّ الأُمَّةَ لوِ اجْتَمَعَتْ عَلى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لكَ وَلوِ اجْتَمَعُوا عَلى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَليْكَ رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) .

    وقد جاءت الأقلام في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة فدل ذلك على أن للمقادير أقلاما غير القلم الأول الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ ، يقول ابن أبي العز الحنفي في شرحه عقيدة الطحاوي:
    (والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة: القلم الأول العام الشامل لجميع المخلوقات وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح ، والقلم الثاني: خبر خلق آدم وهو قلم عام أيضا لكن لبني آدم ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم - وهو يشير إلي التقدير الميثاقي الذي سنتحدث عنه بإذن الله في محاضرة مستقلة - ، والقلم الثالث حين يرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة ، والقلم الرابع الموضوع على العبد عند بلوغه الذي بأيدي الكرام الكاتبين الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم كما ورد ذلك في الكتاب والسنة) كما قال نبينا المصطفي صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: (رُفِعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَشِبَّ وَعَنِ المَعْتُوهِ حتى يَعْقِل ، وفي رواية رُفِعَ القَلمُ عَنْ الغُلامِ حتى يَحْتَلمَ) ، وهو حديث صحيح رواه الترمذي وصححه الشيخ الألباني .

  2. افتراضي

    فأول أنواع التقدير التقدير الأزلي وهو ما أشار إليه الإمام الطحاوي بقوله: (ونؤمن باللوح والقلم ، وبجميع ما فيه قد رقم) ، روى أبو داود في سننه وصححه الشيخ الألباني من حديث (4692) عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ أنه قال لابْنِهِ: (يَا بُنَيَّ إنَّكَ لنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإيْمَانِ حَتَّى تَعْلمَ أنَّ مَا أصَابَكَ لمْ يَكُنْ ليُخْطِئَك َ ، وَما أخْطَأَكَ لمْ يَكُنْ ليُصِيبَكَ ، سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنَّ أوَّل مَا خَلقَ الله تَعَالى القَلمَ فقال له: اْكْتُبْ ، فقَال: رَبِّ وَمَاذَا أكْتُب ؟ قال: اْكْتُبْ مَقَادِيرَ كُل شَيْء حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، يَا بُنَيَّ إنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلى غَيْرِ هذَا فَليْسَ مِنِّي) .

    والسؤال لما ذا كتب الله التقدير الأزلي ؟ والإجابة على ذلك أن الكتابة من لوازم كمال الحكمة ، ومن الأمور الضرورية لقيام الحجة ، وإذا كان الصانع الحكيم ، لا يصنع إلا ومخطط الصناعة بين يديه ، والمهندسون ينفذون ويشرفون عليه ، ثم بعد ذلك يطابقون المصنوع علي دليل التصنيع وقياس الرسومات ، ومراقبة الجودة تدقق في المواصفات وتطبيق القياسات ، ولا يمكن أبدا الاستغناء عن الكتابة في مثل هذه الضروريات ، أليست للخالق من باب أولي ، فكتابة مقادير المخلوقات من لوازم الحكمة والكمال ، ولا يحتاج إليها رب العزة والجلال ، كما أنه لا يحتاج إلي خلقه ولا يفتقر إليهم بأي حال ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي عن رب العزة: (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لكُمْ ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَليَحْمَدِ اللّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذ?لكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ) .

    كما أن كتابة الأعمال والمقادير فيها قيام الحجة على الخلق ، فالعبد يكون بين يدي الحق ويكذب ربه ويقسم علي أنه يقول الصدق: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلفُونَ لهُ كَمَا يَحْلفُونَ لكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ) (المجادلة:18) (ثُمَّ لمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَل عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأنعام:24) (وَوُضِعَ الكِتَابُ فَتَرَى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلتَنَا مَال هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلمُ رَبُّكَ أَحَداً) (الكهف:49) .

    روى البخاري من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: قلتُ: يا رسول الله ، إني رجلٌ شابٌّ ، وأنا أخافُ على نفسي العَنَتَ ولا أجد ما أتزوجُ به النساء ، فسكَتَ عني ، ثم قلتُ مثل ذلك ، فسكت عني ، ثم قلتُ مثل ذلك ، فسكت عني ، ثم قلتُ مثل ذلك ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا هريرةَ جفَّ القلم بما أنتَ لاقٍ ، فاختصِ على ذلكَ أو ذَر ، وعلى ما يبدو أن النبي أذن فيه ثم حرمه تكرر طلبه من الكثيرين ، وهذا الحديث أورده البخاري في باب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّبَتُّل وَالخِصَاء ، والمراد بالتبتل هنا الانقطاع عن النكاح وما يتبعه من الملاذ إلى العبادة ، ووصفت مريم بالبتول لانقطاعها عن التزويج إلى العبادة ، والخصاء هو الشق على الأنثيين أو الخصيتين وانتزاعهما ، ومن حديث قَيْسٍ ابن أبي حازم قَال قَال عَبْدُ اللهِ ابن مسعود كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ وَليْسَ لنَا شَيْءٌ فَقُلنَا أَلا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلكَ)
    قوله (ألا نستخصي) أي ألا نستدعي من يفعل لنا الخصاء أو نعالج ذلك أنفسنا ، وقوله (فنهانا عن ذلك) هو نهى تحريم بلا خلاف في بني آدم لما فيه من المفاسد وتعذيب النفس والتشويه مع إدخال الضرر الذي قد يفضي إلى الهلاك ، وفيه إبطال معنى الرجولية وتغيير خلق الله وكفر النعمة ، لأن خلق الشخص رجلا من النعم العظيمة فإذا أزال ذلك فقد تشبه بالمرأة واختار النقص على الكمال ، قال القرطبي: الخصاء في غير بني آدم ممنوع في الحيوان إلا لمنفعة حاصلة في ذلك كتطييب اللحم أو قطع ضرر عنه ، وقال النووي: يحرم خصاء الحيوان غير المأكول مطلقا ، وأما المأكول فيجوز في صغيره دون كبيره .

    وقوله (فاختص على ذلك أو ذر) في رواية أخري عند الطبري (فاقتصر على ذلك أو ذر) ومعناه اقتصر على الذي أمرتك به أو اتركه وافعل ما ذكرت من الخصاء ، وأما اللفظ الذي وقع في الأصل فمعناه فافعل ما ذكرت أو اتركه واتبع ما أمرتك به ، وعلى الروايتين فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد ، وهو كقوله تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) والمعنى إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدر ، وليس فيه تعرض لحكم الخصاء ، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل ، فالخصاء وتركه سواء ، فإن الذي قدر لا بد أن يقع ، وليس هذا إذنا في الخصاء ، بل فيه إشارة إلى النهى عن ذلك ، كأنه قال إذا علمت أن كل شيء بقضاء الله فلا فائدة في الاختصاء ، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم نهى عثمان بن مظعون لما استأذنه في ذلك ، وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: (شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العزوبة فقال ألا أختصي قال: ليس منا من خصى أو اختصى فقال ألا أختصي قال: ليس منا من خصى أو اختصى) .

    وشاهدنا من الحديث قوله (جف القلم بما أنت لاق) أي نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه لفراغ ما كتب به .

    وقد كان توقيت كتابة المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، لما ثبت في صحيح مسلم من عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ أنه قَال: (سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ يَقُولُ كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلائِقِ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ ، وَعَرْشُهُ عَلى المَاءِ) وفي رواية الترمذي 2156 (قَدَّرَ اللهُ المَقَادِيرَ قَبْل أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ) .

    وما دون في أم الكتاب لا يقبل المحو والتبديل ، أو التعديل والتغيير ، فكل ما كتب فيه واقع لا محالة ، كما قال تعالى: (قُل لنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللهُ لنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلى اللهِ فَليَتَوَكَّل المُؤْمِنُون َ) (التوبة:51) ، يقول ابن عباس إن الله خلق الخلق وعلم ما هم عاملون ثم قال لعلمه كن كتابا فكان كتابا ثم أنزل تصديق ذلك في قوله: (أَلمْ تَعْلمْ أَنَّ اللهَ يَعْلمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ) (الحج:70) ، وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ) (الحديد:22) وقال: (وَلقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالحُونَ) (الأنبياء:105) ، وقال: (لكُل أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ) (الرعد:39) .

    لكن ما هو السر في عدم التغيير والتبديل ؟ السر في عدم التغيير والتبديل ، أن الخلق والتصنيع والتكوين قائم علي ما دون فيه ، فالمخلوقات وسائر المصنوعات إلى قيام الساعة ، أحكم الله غاياتها وقضى في اللوح أسبابها ومعلولاتها ، فلا يتغير بنيان الخلق الذي حكم به الحق إلا بعد استكماله وتمامه ، ولا يتبدل سابق الحكم في سائر الملك إلا بقيامه وكماله ، وهذه مشيئة الله في خلقه ، وما قضاه وقدره في ملكه ، فالله عز وجل على عرشه في السماء يفعل ما يشاء ، وبيده أحكام التدبير والقضاء ، حكم بعدله أن يقوم الخلق على الابتلاء ، ثم يتحول العالم إلى دار الجزاء ، فالله عز وجل يخلق ما يشاء ، ولكن حكمة سبقت فيما تم به القضاء ، ولذلك ينبهنا الله في بعض المواطن إلى هذه الحقيقة ، وأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يفعل ما يشاء ، لولا ما دون في الكتاب من أحكام القضاء: (لوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ) (لأنفال:68) (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلفُوا وَلوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلفُونَ) (يونس:19) (وَلقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَاخْتُلفَ فِيهِ وَلوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (هود:110) (وَلوْلا كَلمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لكَانَ لزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً) (طه:129) .

    والعقلاء يعلمون أن العلماء من البشر ، لو اجتمعوا على وضع خطة محكمة لبناء مشروع عملاق أو أي مشروع من المشروعات ، درسوا فيها جميع الجوانب بمختلف المقاييس والدراسات ، وراعوا في خطتهم الموازنة بين السلبيات والإيجابيات ، ثم وضعوا تخطيطا محكما لا مجال فيه للإضافات ، ثم انتهوا إلى تقرير شامل دونوه في كتاب كامل أو مجموعة من الملفات ، ثم قدموا هذا المكتوب لإدرارة التنفيذ والمشروعات ، هل يصح بعد ذلك لعامل جاهل ينقصه العلم والفهم أن يعترض أو يغير أو يبدل في هذا المشروع الضخم ؟ هل يصح أن يعبث فيه حسب هواه ، أو يغير في تخطيطه على وفق ما يراه ؟ فالله وله المثل الأعلى كتب مقادير كل شيء ورفعت الأقلام وجفت الصحف حتى يتم الخلق على ما قضى به الحق ، فالمخلوقات ولله المثل الأعلى كمشروع عملاق كامل ، موضوع على تخطيط محكم شامل ، لا يصح العبث فيه من قبل أحمق جاهل .

    يقول ابن القيم: "إنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئاً عبثاً ، ولا لغير معنىً ومصلحة ، وحكمته هي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمة بالغة لأجلها فعل) .

    واللوح فوق العرش عند رب العرش لما ثبت عند البخاري 7554 من حديث أبى هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْهم أن رَسُول اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ قال: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْل أَنْ يَخْلُقَ الخَلقَ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ) ، فكل كتابة كونية لا تتغير ولا تتبدل ، أو ذكر فيها اللوح فهي شاهد للتقدير الأزلي الجامع المانع .

    فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع: تقدير أزلي وتقدير ميثاقي ، وتقدير عمري ، وتقدير حولي أو سنوي ، وتقدير يومي ، والمقصود بأنواع التقدير كما تقدم تنظيم أمور الكون من خلال مجموعة من التقديرات تتعلق بجميع المخلوقات أو بعضها ، عمومها وخصوصها ، فهناك تقدير أزلي عام مدون في اللوح المحفوظ ، وشامل لكل أمر سيحدث لجميع المخلوقات بلا استثناء ، وقد قضاه الله وقدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، ومن أنواع التقدير أيضا التقدير الميثاقي وهو تقدير خاص بالإنسانية جمعاء ، قدر الله فيه أهل النعيم والشقاء ، وكان ذلك وقت أخذ الميثاق على آدم وذريته ، وإشهادهم وهم في عالم الذر أن يوحدوا الله في ربوبيته ، فعندها حدد الفريقين وميز النوعين وخلق بعضهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وخلق بعضهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ، وهذا التقدير أخص من الأول وداخل فيه ، وهذان التقديران أعنى الأزلي والميثاقي ، لا يقبلان المحو والتبديل ، ولا يخضعان للإضافة والتغيير ، ولا يطلع عليهما ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولا يُعلم عنهما شيئا إلا بعد حدوثهما ، ووقوع ما قدره الله فيهما .

    أما التقدير الثالث فهو أخص من التقدير الثاني ، ويسمى بالتقدير العمري ، ويشمل مجموعة الأوامر التي يُكَلف بكتابتها الملك الموكل بالنطفة في الرحم ، مما يخص عمر كل إنسان ، ورزقه وشقي هو أم سعيد ، والتقدير الرابع يسمى بالتقدير السنوي ، وهو أخص من الثالث ، ويشمل مجموعة الأوامر السنوية التي تصدر من الله لملائكته في ليلة القدر مما يخص حياة الناس وموتهم ، وتصنيف أرزاقهم على قدر أعمالهم ، كل ذلك علي مدار عام كامل ، وهناك نوع خامس من أنواع التقدير يسمى بالتقدير اليومي ، وهو أخص من الرابع ويشمل مجموعة الأوامر اليومية التي تصدر في شأن الناس وحياتهم لحظة بلحظة .

  3. افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أنواع التقدير
    التقدير الميثاقي


    (الحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَل عَلى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلمْ يَجْعَل لهُ عِوَجَا قَيِّماً ليُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالحَاتِ أَنَّ لهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلدا مَا لهُمْ بِهِ مِنْ عِلمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِباً) ، (وَقُل الحَمْدُ للهِ الذِي لمْ يَتَّخِذْ وَلداً وَلمْ يَكُنْ لهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلمْ يَكُنْ لهُ وَليٌّ مِنَ الذُّل وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرا ً) ، (هُوَ الحَيُّ لا إِلهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلصِينَ لهُ الدِّينَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ) (غافر:65) (قُل الحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفي آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من يؤمن بأنه لا معين له ولا ظهير ، ولا وزير له ولا مشير .

    سبحانه منفرد بالخلق والتدبير ، سبحانه منفرد والأمر والتقدير ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله ، البشير النذير ، والسراج المنير ، المبعوث إلى كافة الخلق من غني وفقير ، ومأمور وأمير ، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، وسائر أصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، صلاة تنجى قائلها من هول المطلع في يوم عسير ، ومن حساب يحصى الصغير والكبير ، صلاة تباعد بيننا وبين عذاب السعير ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذِي خَلقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلقَ مِنْهَا زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الذِي تَتَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَليْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1) (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر:18) (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلمُون) (آل عمران:102) أما بعد . .

    تحدثنا في المقال السابق عن النوع الأول من أنواع التقدير وهو التقدير الأزلي وعلمنا أن التقدير الأزلي هو التقدير العام المدون في اللوح المحفوظ ، وهو تقدير شامل لكل ما سيحدث في جميع المخلوقات بلا استثناء ، وقد قضاه الله وقدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وقد علمنا أيضا أن تقدير الله لأمور الإنسان ، وكذلك سائر الأشياء والأوامر والأحكام التي صدرت بالمشيئة الإلهية في قضائه الكوني والتي ستقع لا محالة رتبها الله عز وجل على عدة أنواع ، من نوع عام يتعلق بجميع الخلق إلي نوع خاص يتعلق بالإنسانية إلي أخص يتعلق بكل إنسان علي حده ، وأخص من ذلك مما يتعلق بكل عام وبكل يوم ، فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع ، تقدير أزلي ، وتقدير ميثاقي ، وتقدير عمري ، وتقدير سنوي ، وتقدير يومي ، واليوم بإذن الله تعالى نتحدث عن النوع الثاني من أنواع التقدير وهو التقدير الميثاقي ، هذا التقدير كان عند أخذ الميثاق على بنى آدم في عالم الذر ، ويشمل أحكام التدبير التي حدد الله من خلالها أهل الجنة والنار ، يوم مسح على ظهر آدم واستخرج ذريته وخلق بعضهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وخلق بعضهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ، وهذا التقدير أخص من التقدير الأزلي .

    ورد في القرآن والسنة ما يبين أن الله عز وجل أخذ عهدا وميثاق علي الإنسانية جمعاء ، يقول تعالي: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلكُنَا بِمَا فَعَل المُبْطِلُونَ) (لأعراف:173) وهذا التقدير الميثاقي قدر الله فيه سعادة العباد وشقاوتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم ، وهو تقدير ثان بعد التقدير الأول ، فمن حديث عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَليَ رضي الله عنه قَال: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلهُ ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ ، فَنَكَّسَ فَجَعَل يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَال َ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ ، إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللّهُ مَكَانَهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ، قَال: فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلى كِتَابِنَا ، وَنَدَعُ العَمَل ؟ فَقَال: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلى عَمَل أَهْل السَّعَادَةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلى عَمَل أَهْل الشَّقَاوَة ، ثُمَّ قَرَأَ: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لليُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِل وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرَى ) .

    ومن حديث عمر رضي الله عنه أن النبي سُئِل عَنْ قوله تعالي: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ) ، فَقَال: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل خَلقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَال: خَلقْتُ هَؤُلاءِ للجَنَّةِ وَبِعَمَل أَهْل الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً فَقَال: خَلقْتُ هَؤُلاءِ للنَّارِ وَبِعَمَل أَهْل النَّارِ يَعْمَلُونَ ، فَقَال رَجُلٌ: يَا رَسُول اللهِ ، فَفِيمَ العَمَلُ ؟ فَقَال رَسُولُ اللهِ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل إِذَا خَلقَ العَبْدَ للجَنَّةِ اسْتَعْمَلهُ بِعَمَل أَهْل الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال أَهْل الجَنَّةِ فَيُدْخِلهُ بِهِ الجَنَّةَ ، وَإِذَا خَلقَ العَبْدَ للنَّارِ اسْتَعْمَلهُ بِعَمَل أَهْل النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَال أَهْل النَّارِ ، فَيُدْخِلهُ بِهِ النَّارَ) وهذا الحديث أخرجه أبو داود في كتاب السنة وقال عنه الشيخ الألباني هو صحيح إلا لفظ مسح الظهر .

    وروى مسلم في صحيحه من حديث أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئَليِّ أنه قَال: قَال لي عِمْرَانُ بْنُ الحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ اليَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَليْهِمْ وَمَضَى? عَليْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَليْهِمْ ؟ فَقُلتُ: بَل شَيْءٌ قُضِيَ عليْهِمْ ، وَمَضَى? عَليْهِمْ . قَال: فَقَال: أَفَلاَ يَكُونُ ظُلماً ؟ قَال: فَفَزِعْتُ مِنْ ذ?لكَ فَزَعاً شَدِيداً . وَقُلتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلقُ اللّهِ وَمِلكُ يَدِهِ . فَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . فَقَال لي: يَرْحَمُكَ اللّهُ إِنِّي لمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلتُكَ إِلاَّ لأَحْزِرَ عَقْلكَ . إِنَّ رَجُليْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُول اللّهِ . فَقَالاَ: يَا رَسُول اللّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ اليَوْمَ ، وَيَكْدَحُونَ فِيهِ ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَليْهِمْ وَمَضَى? فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ ، وَثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَليْهِمْ ؟ فَقَال: لاَ . بَل شَيْءٌ قُضِيَ عَليْهِمْ وَمَضَى? فِيهِمْ . وَتَصْدِيقُ ذ?لكَ فِي كِتَابِ اللّهِ عَزَّ وَجَل: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) .

    وروى الترمذي وحسنه الألباني من حديث شُفَيِّ بنِ مَاتعٍ عن عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو قَال: (خَرَجَ عَليْنَا رَسُولُ الله وفي يَدِهِ كِتَابَانِ ، فَقَال: أَتَدْرُونَ ما هَذَانِ الكِتَابَانِ ؟ فَقُلنَا: لا يا رسول الله إِلاَّ أَنْ تُخْبِرَنَا ، فقال للّذِي في يَدِهِ اليُمْنَى: هذا كِتَاب مِنْ رَبِّ العَالمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْل الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبائهِمْ وَقَبَائِلهِمْ ، ثم أُجْمِل عَلى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَداً . ثم قال للّذِي في شِمَالهِ هذا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْل النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبائهِمْ وَقَبَائِلهِمْ ثم أُجْمِل عَلى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِمْ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَداً . فقال أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يا رسول الله إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فقال: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لهُ بِعَمَل أَهْل الجنَّة وَإِنْ عَمِل أي عَمَلٍ وإنَّ صاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لهُ بِعَمَل أهْل النَّارِ وإنْ عَمِل . أَيَّ عَمَلٍ . ثم قال رسولُ الله بِيَدَيْهِ فَنَبَذَهُما ثم قال: فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ في السَّعِير) .

    أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، والحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وصححه الذهبي ، أن أبي بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قال فِي معنى قوله تعالي: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلكُنَا بِمَا فَعَل المُبْطِلُونَ) (لأعراف:173) يقول أبي: (جَمَعَهُمْ فَجَعَلهُمْ أَرْوَاحًا ، ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلمُوا ، ثُمَّ أَخَذَ عَليْهِمُ العَهدَ وَالمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَال: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَليْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ ، وَالأرَضِينَ السَّبْعَ ، وَأُشْهِدُ عَليْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ عَليْهِ السَّلام ، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ ، لمْ نَعْلمْ بِهَذَا ، اعْلمُوا أَنهُ لا إِلهَ غَيرِي ، وَلا رَبَّ غَيْرِي ، فَلا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِليْكُمْ رُسُلي يُذَكِّرُونَكُمْ عَهدِي وَمِيثَاقِي ، وَأُنْزِلُ عَليْكُمْ كُتُبِي ، قَالُوا: شَهدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلهُنَا ، لا رَبَّ لنَا غَيْرُكَ ، فَأَقَرُّوا بِذَلكَ) .

  4. افتراضي

    نحن لا ندري كيف تم ذلك ؟ أو كيف أوقفهم الله بين يديه كالذر ؟ لكنا نؤمن بذلك لأن الله أخبرنا به ، سؤال: لماذا أخذ الله الميثاق علي آدم وذريته ؟ ولو حاولنا التماس العلة التي من أجلها أخذ الميثاق علي الذرية ، لوجدنا من خلال الآية وما ورد في السنة وأقوال السلف أن ذلك كان لتعريف الحقوق بين الخالق والمخلوق ، وبيان دورهم ووظيفتهم التي من أجلها كرمهم الله ورفع درجتهم وميزهم عن غيرهم ، وأنهم مستخلفون في أرضه ، أمناء في ملكه ليبلوهم أيهم أحسن عملا .

    فعرفهم جميعا حق الله عليهم وحقهم عليه ، فحق الله عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحقهم عليه ألا يعذبهم إذا فعلوا ذلك ، أشهدهم على أنفسهم وسألهم جميعا ألست بربكم ؟ قالوا: بلى ، إقرارا منهم لما انفرد به من معاني العبودية ، وأنه منفرد بالخلق والأمر وتوحيد الربوبية ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه ، وهو وحده مالك الملك لأنه وحده خالق الكل ، منفرد بإنشاء العالم وتنظيمه على هذه الهيئة البديعة ، فالله عز وجل لن يقبل منهم أن يتخذوا شريكا له في ملكه ، أو منازعا له في تدبير خلقه ، ولن يقبل المساس بتوحيده أبدا ، كما قال سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلكَ لمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) (النساء:48) وقال تعالي أيضا: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلكَ لمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَل ضَلالاً بَعِيداً) (النساء:116) وقال عن عيسى عليه السلام (يَا بَنِي إِسْرائيل اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَليْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا للظَّالمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة:72) فالشرك لكونه ظلما عظيما أخذ الله العهد والميثاق على الإنسانية قبل نزولهم إلى الأرض ، فإن ادعى أحد بعد ذلك أن الله له شريك في الملك أو له معين في تدبيره السماوات والأرض ، فقد وقع في الظلم العظيم وعطل دوره ولم يوفق في الابتلاء والامتحان ، ولن يفلح وقتها احتجاج بالنسيان ، أو ادعاء التبعية للآباء في سالف الزمان ، فوجب على الإنسان أن يراعى في قوله وعمله الخوف من الله وحده ، لأن صاحب الأمانة وخالقها ، وولى النعمة ومالكها ، وما سواه لا يملك شيئا ، بل هو مجرد أمين مستخلف في الحياة ، يقول تعالى: (قُل ادْعُوا الذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ:22) ، فالله عز وجل أخذ عليهم الميثاق ليعلمهم جميعا بأنه منفرد بالملك والربوبية وله العلو في الشأن والقهر والفوقية ، لا يقبل شريكا معه في العبودية ، ولا يقبل أن يتشبه به أحد في معنى من معاني الربوبية ، فقد ظلم نفسه وتعدى وصفه من قال بعد ذلك بقول فرعون: (وَقَال فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلمْتُ لكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لي يَا هَامَانُ عَلى الطِّينِ فَاجْعَل لي صَرْحاً لعَلي أَطَّلعُ إِلى إِلهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِليْنَا لا يُرْجَعُونَ) (العنكبوت:39) .

    وقد ظلم نفسه من تناسى فضل ربه ، وتكبر على إخوانه وقومه ، وتناسي حقيقة الأمانة والابتلاء ، وأن نسبة الملك إليه نسبة استخلاف واسترعاء ، وأن شرف العبد يكمن في التواضع والعبودية ، يقول الله تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَليْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولي القُوَّةِ إِذْ قَال لهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِليْكَ وَلا تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلى عِلمٍ عِنْدِي أَوَلمْ يَعْلمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلكَ مِنْ قَبْلهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ) (القصص:78) ، ومن أعظم الظلم أن الإنسان الذي كرمه الله في ملكه ، واستخلفه في أرضه ووكل ملائكته بحفظه والقيام على تدبير أمره ، من أعظم الظلم أن يسوى بين الله الذي ليس كمثله شيء والمخلوق العاجز الفقير الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، يسوى بينه وبين الله في المحبة والخوف والرجاء .

    فلما أشهدهم الله على أنفسهم بالتوحيد ونبذ الشرك ، وأقروا أمام ربهم بأنه المنفرد بالملك ، وأنه خالقهم المتفرد بتدبير شئونهم ، وأنه لا حول ولا قوة لهم إلا بمعونة الله وهدايته ، وأنهم لا ينسبون شيئا من ملكه لهم أو لغيرهم إلا على سبيل الأمانة والابتلاء ، فالأمر لله في كونه على سبيل الربوبية وتصريف خلقه ، والأمر لله في شرعه على سبيل العبودية وتنفيذ حكمه ، وأن الفضل كله يرجع إليه وأنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ، وهم على هذا العهد قائمون ، يوحدون ولا يشركون ، ويشكرون ولا يكفرون ، صابرون مؤمنون إلى أن يعيدهم يوم القيامة إليه ، ويكرمهم بجنته يوم العرض عليه ، وعدا عليه بعدله ، وإكراما لهم بفضله كما بين ذلك في سائر كتبه ، فقال سبحانه وتعالي: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَليْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ التَّائِبُونَ العَابِدُونَ الحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَالحَافِظُونَ لحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ) (التوبة:112) .

    لماذا أنسانا الله الميثاق ؟ حدثت وقت أخذ العهد والميثاق على الذرية أمور تتعلق بأنواع التقدير ، وما رتبه الله في خلقه من أمور الصنعة ولوازمها من علوم التدبير ، ولو أن الله أبقي في ذاكرة الإنسان أحداث الميثاق بالتفصيل ، لبطلت حكمة الله في خلقه ، وتعطل سر إخفائه لقضائه وقدره ، فالقدر سر الله في خلقه لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولمزيد من البيان فإن تقدير الله لأمور الإنسان ، وكذلك سائر الأشياء والأوامر والأحكام التي صدرت بالمشيئة الإلهية في قضائه الكوني والتي ستقع لا محالة رتبها الله عز وجل على عدة أنواع ، من نوع عام يتعلق بجميع الخلق إلي نوع خاص يتعلق بالإنسانية إلي أخص يتعلق بكل إنسان علي حده ، وأخص من ذلك مما يتعلق بكل عام ويوم ، فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع:
    النوع الأول: تقدير أزلي عام مدون في اللوح المحفوظ ، وشامل لكل ما سيحدث لجميع المخلوقات بلا استثناء ، وقد قضاه الله وقدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .

    النوع الثاني: وهو المعني بموضوعنا ويسمي بالتقدير الميثاقي ، وذلك التقدير كان عند أخذ الميثاق على بنى آدم في عالم الذر ، ويشمل أحكام التدبير التي حدد الله من خلالها أهل الجنة والنار ، يوم مسح على ظهر آدم واستخرج ذريته وخلق بعضهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، وخلق بعضهم للنار وبعمل أهل النار يعملون ، وهذا التقدير أخص من الأول وداخل فيه .

    النوع الثالث: وهو أخص من الثاني ، ويسمى بالتقدير العمري ويشمل مجموعة الأوامر التي يُكَلف بكتابتها الملك الموكل بالنطفة في الرحم مما يخص عمر كل إنسان ورزقه ، وشقي هو أم سعيد ؟

    النوع الرابع: ويسمى بالتقدير السنوي ، وهو أخص من الثالث ، ويشمل مجموعة الأوامر السنوية التي تصدر من الله لملائكته في ليلة القدر ، هذه الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم مما يخص حياة الناس وموتهم ، وتقسيم أرزاقهم على قدر أعمالهم .

    النوع الخامس: ويسمى بالتقدير اليومي وهو أخص من الرابع ويشمل مجموعة الأوامر اليومية التي تصدر في شأن الناس وحياتهم لحظة بلحظة ، فالله عز وجل كل يوم هو في شأن .

    وهناك نوعان من هذه الخمسة لا يقبلان المحو والإثبات والتغيير ، ولا يطلع عليهما ملك مقرب ولا نبي مرسل ، ولا يعلم عنهما أحد إلا الله ، هذان النوعان هما الأول والثاني أو التقدير الأزلي والميثاقي ، أما بقية الأنواع - أعني التقدير العمري والسنوي واليومي - فهذه تتولاها الملائكة بأمر الله ، ينفذون أحكامها كما أمرهم ربهم ، وكما ذكر الله في شأنهم: (لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: من الآية6) .

    ولكن الملائكة لا يعلمون إن كان ما صدر لهم من أوامر وأحكام تتعلق بعمر الإنسان وحياته أو تدبير شئونه يطابق ما كتبه الله في اللوح من تقدير أزلي أو يخالف ، ولا يعلمون أيضا ما الذي صدر من أحكام إلهية عند التقدير الميثاقي وأخذ العهد علي الذرية ، لكن ما يعنينا الآن من هذه الأنواع ، أنه عند أخذ الميثاق على بني آدم في عالم الذر حدث نوع من أنواع التقدير حدد الله فيه المصير الذي يؤول إليه أهل الجنة والنار ، وهذا التقدير الميثاقي مع التقدير الأزلي كما تقدم لا يقبلان المحو والإثبات والتغيير ، ولا يطلع عليهما ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يُعلمان إلا بعد وقوعهما .

    ولو أن إنسانا علم ما حدث في التقدير الميثاقي عند أخذ العهد علي الذرية ، وبقيت أحداثه في ذاكرته حاضرة غير منسية لتعطلت معاني الحكمة الإلهية في خلق الإنسان ، كيف يكلفنا الله بالشرائع والأحكام وكل منا يعلم مصيره إن كان من أهل الجنة أو النار ؟ ومن هنا ظهرت حكمة الله في إخفاء تفاصيل الأحداث التي وقعت يوم أخذ الميثاق ، فالعلة إذا في عدم تذكر الميثاق إخفاء المقدر وذلك حتى تظهر معاني الحكمة الإلهية ، وقد يسأل سائل عن الحكمة والعلة من إخبار الرسل عن وقوعه؟

    والجواب والله أعلم أن ذلك أيضا لإظهار الحكمة في نشأة الكون وبداية وانسجام الفطرة مع الشريعة وتعريف الحقوق بإقام الحجة علي العباد ، والله عز وجل لأنه أنسانا الميثاق ببالغ كرمه وحكمته ، فإنه لن يعذب أحدا إلا بعد إرسال الرسل ، وتذكيرهم بأحكام الله في خلقه وما شرعه لهم في ملكه .

    وهنا سؤال هل يكفي الميثاق لإقامة الحجة ؟

    علي الرغم من حدوث الميثاق وفطرة الخلق على التوحيد ، وما ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مَولودٍ إلاَّ يولدُ على الفِطرةِ ، فأَبَواهُ يُهوِّدانه أو يُنَصِّرانهِ أو يُمجِّسانهِ ، كما تُنْتَجُ البَهيمةُ بَهيمةً جَمْعاءَ ، هل تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعاءَ ؟) ، وعلي الرغم مما ثبت في السنة من مقت الله للمشركين الذين ماتوا في الجاهلية إلا أن الله قد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا ، قال تعالى: (وَلوْ أَنَّا أَهْلكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلهِ لقَالُوا رَبَّنَا لوْلا أَرْسَلتَ إِليْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْل أَنْ نَذِل وَنَخْزَى) (طـه:134) (وَلوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لوْلا أَرْسَلتَ إِليْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) (القصص:47) يقول شيخ الإسلام ابن تيمية معقبا علي هذه الآيات: " فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا ، وبين أنهم قبل الرسول كانوا قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذم وهي سبب للعذاب لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة " .

    فمن فضل الله عز وجل على عباده أنه لا يكلفهم أمرا ولا يكتب عليهم وزرا إلا إذا بلغ العبد سن الاحتلام ، واستوعب المعني الذي ورد في الكلام ، وأدرك شيئا من رسالة الإسلام ، وقد ثبت مرفوعا أنه قد رُفِعَ القَلمُ عَنْ الغُلامِ حتى يَحْتَلمَ ، وعن النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ المَعْتُوهِ حتى يَعْقِل ، وقال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) .

    فالإنسان مسئول عن السبب في جهله ، فإن كان الجهل من كسبه وفعله وإعراضه وكبره ، فهو محاسب على كل معصية وقع فيها بجهله ، سواء كانت المخالفة مخالفة عظيمة تؤدي إلي الخلود في النار ، أو كانت المخالفة كبيرة تحت مشيئة الله ، إن شاء غفرها لعبده وإن شاء عذبه بذنبه ، أما إذا انقطعت به الأسباب وانسدت في وجهه الأبواب ، ولم يتمكن من معرفة ما نزل في الكتاب بعد الطلب والبحث والسؤال ولم يعص الله فيما قال: (فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلمُونَ) (الأنبياء:7) ، فهو باتفاق معذور بجهله لا يؤاخذ على ذنبه لأن الجهل ليس من كسبه ، بل هو من تقدير الله وفعله فالحق سبحانه وتعالي لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة ، وإعراضه عن الهداية إلي الضلالة ، لئلا يكون له حجة على الله في نفي العدالة ، ومعلوم من السنة أنه لا أحد أحب إليه العذر من الله .

    والميثاق وإن كانت الحجة لا تقوم به بمفرده ، ولكن الله من حكمته أنه يذكر المشركين به يوم القيامة فيذكرونه ، فمن حديث أَنَسَ بْنَ مَالكٍ رَضِي الله عَنْه أَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَال: (يَقُولُ اللهُ تَعَالى لأَهْوَنِ أَهْل النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لوْ أَنَّ لكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلبِ آدَمَ ، أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تُشْرِكَ بِي) أخرجه البخاري .

  5. افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أنواع التقدير
    التقدير العمري


    الحمد لله الذي خلق خلقه أطوارا ، وصرفهم في أطوار التخليق كيف شاء عزة واقتدارا ، وأرسل الرسل إلى المكلفين إعذارا منه وإنذارا ، فأتم بهم على من أتبع سبيلهم نعمته السابغة ، وأقام بهم على من خالف منهجهم حجته البالغة ، فنصب الدليل وأنار السبيل ، وأزاح العلل وقطع المعاذير ، وأقام الحجة وأوضح المحجة ، وقال: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلهِ ذَلكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لعَلكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام: 153) فعمهم بالدعوة على ألسنة رسله حجة منه وعدلا ، وخص بالهداية من شاء منهم نعمة منه وفضلا ، فقبل نعمة الهداية من سبقت له سابقة السعادة ، (وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَليَّ وَعَلى وَالدَيَّ وَأَنْ أَعْمَل صَالحا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالحِينَ) (النمل: من الآية19) وردها من غلبت عليه الشقاوة ولم يرفع بها رأسا بين العالمين ، فهذا فضله وعطاؤه ، وما كان عطاء ربك محظورا ، وما كان فضله بمنون ، وهذا عدله وقضاؤه فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، فسبحان من أفاض على عباده النعمة ، وكتب على نفسه الرحمة أحمده والتوفيق للحمد من نعمه ، وأشكره والشكر كفيل بالمزيد من فضله ، وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نعمه وحلول نقمه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة قامت بها الأرض والسماوات وفطر الله عليها جميع المخلوقات ، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة ، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد ، وهي النجاة يوم يقوم الأشهاد ، هي كلمة الإسلام ، ومفتاح دار السلام ، وأساس الفرض والسنة ، من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وخيرته من خلقه ، وحجته على عباده ، وأمينه على وحيه أرسله رحمة للعالمين ، وقدوة للناس أجمعين ، ومحجة للسالكين وحجة على المعاندين ، وحسرة على الكافرين ، أرسله بالهدى ودين الحق ، بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، فصلي الله عليه ما دار في السماء فلك ، وما سبح في الملكوت ملك ، وعلى آله الطاهرين وسائر أصحابة أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد .

    فقد علمنا أن تقدير الله لمخلوقاته أنواع ، النوع الأول هو التقدير الأزلي وهو التقدير العام المدون في اللوح المحفوظ ، التقدير الشامل الذي يتعلق بكل ما سيحدث في جميع المخلوقات ، قدره في أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وهناك نوع آخر من التقدير يتعلق بالإنسانية وتقرير المصير ، فقدر منهم فريقا في الجنة وفريقا في السعير ، وهذا التقدير أخص من الأول ، فأنواع التقدير عند السلف خمسة أنواع ، تقدير أزلي ، وتقدير ميثاقي ، وتقدير عمري ، وتقدير سنوي ، وتقدير يومي ، واليوم بإذن الله تعالى نتحدث عن النوع الثالث من أنواع التقدير وهو التقدير العمري ، الذي يتعلق بكل إنسان على حدة ، وقت نفخ الروح وهو في بطن أمه ، هذا التقدير يكتب فيه أربعة أمور: أولا رزقه ، وثانيا: أجله ، وثالثا: عمله ، ورابعا: أهو شقي أو سعيد ؟ فالتقدير العمري تقدير شقاوة العبد وسعادته ، ورزقه ومنيته ، وعمله في دنيته ، وسائر ما يلقاه في هذه الحياة .

    الدليل على التقدير العمري: البخاري ومسلم من حديث عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلكَ عَلقَةً مِثْل ذَلكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلكَ مُضْغَةً مِثْل ذَلكَ ثُمَّ يُرْسَلُ المَلكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلهِ وَعَمَلهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ فَو َالذِي لاَ إِلهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ ليَعْمَلُ بِعَمَل أَهْل الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَها إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَليْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْل النَّارِ فَيَدْخُلُهَا وَإِنَّ أَحَدَكُمْ ليَعْمَلُ بِعَمَل أَهْل النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَليْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَل أَهْل الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا ‏) .‏

    وعند مسلم عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ المَكِّيِّ ، أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلةَ ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، يَقُولُ الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ ‏ ، فَأَتَى رَجُلا مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الغِفَارِيُّ فَحَدَّثَهُ بِذَلكَ مِنْ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَال: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ ؟ فَقَال لهُ الرَّجُلُ:أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏"‏ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ ليْلةً بَعَثَ اللهُ إِليْهَا مَلكًا فَصَوَّرَهَا وَخَلقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلدَهَا وَلحْمَهَا وَعِظَامَهَا ثُمَّ ‏ ، قَال يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ المَلكُ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ أَجَلُهُ ، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ المَلكُ ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ رِزْقُهُ: فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ المَلكُ ثُمَّ يَخْرُجُ المَلكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ فَلاَ يَزِيدُ عَلى مَا أُمِرَ وَلاَ يَنْقُصُ ‏"‏ .

    وعند مسلم من حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الغِفَارِيِّ ، فَقَال: سَمِعْتُ رَسُول اللّهِ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ ، يَقُولُ: إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ ليْلةً . ثُمَّ يَتَصَوَّرُ عَليْهَا المَلكُ ، قَال زُهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَال: الذِي يَخْلُقُهَا: «فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى? ؟ فَيَجْعَلُهُ اللّهُ ذَكَرا أَوْ أُنْثَى? . ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيَ ؟ فَيَجْعَلُهُ اللّهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيَ . ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزْقُهُ ؟ مَا أَجَلُهُ ؟ مَا خُلُقُهُ ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللّهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدا» .

    وعند البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك رضيَ اللّه عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَكل اللّه بالرحمِ مَلكا فيقول: أي ربِّ نُطفةٌ أي رب علقة ، أي رب مضغة . فإِذا أراد اللّه أن يَقضيَ خَلقَها قال: أي ربِّ ذكرٌ أم أُنثى ، أشَقيٌّ أم سعيد ؟ فما الرزق ، فما الأجَل ؟ فيُكتَب كذلك في بطنِ أمِّه» .

    دلت هذه الأحاديث مجتمعة على تقدير رزق العبد وأجله وشقاوته وسعادته وهو في بطن أمه ، واختلفت في وقت هذا التقدير ، وهذا هو التقدير العمري الذي يأتي بعد التقدير الأول السابق على خلق السماوات والأرض وبعد التقدير الذي وقع يوم استخراج الذرية بعد خلق أبيهم آدم ، في حديث ابن مسعود أن هذا التقدير يقع بعد مائة وعشرين يوما من حصول النطفة في الرحم ، وحديث أنس غير مؤقت ، وأما حديث حذيفة بن أسيد فقد وقت فيه التقدير بأربعين يوما ، وفي لفظ آخر بأربعين ليلة وفي لفظ ثنتين وأربعين ليلة وفي لفظ بثلاث وأربعين ليلة ، وكثير من الناس يظن التعارض بين الروايات ولا تعارض بينهما بحمد الله ، فالملائكة تتابع تخليق الإنسان ، عبر مراحل تكوينه داخل الرحم ، فالملك الموكل بالنطفة يكتب ما يقدره الله سبحانه على رأس الأربعين الأولى حتى يأخذ في الطور الثاني وهو العلقة ، وأما الملك الذي ينفخ فيه ، فإنما ينفخها بعد الأربعين الثالثة ، فيؤمر عند نفخ الروح فيه بكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته وهذا عمل آخر غير الذي كتبه الملك الموكل بالنطفة ، ولهذا قال في حديث ابن مسعود ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ، وأما الملك الموكل بالنطفة فذلك قائم معها ينقلها بإذن الله من حال إلى حال ، فيقدر الله سبحانه شأن النطفة حتى تأخذ في مبدأ التخليق وهو العلق ، ويقدر شأن الروح حين تتعلق بالجسد بعد مائة وعشرين يوما ، فهو تقدير بعد تقدير ، فاتفقت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وصدق بعضها بعضا ، ودلت كلها على إثبات التقدير العمري .

    ويقول تعالى عن خلق الإنسان في بطن أمه: (مَا لكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ وَقَارا وَقَدْ خَلقَكُمْ أَطْوَاراً) (نوح:14) (وَلقَدْ خَلقْنَا الإنسان مِنْ سُلالةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلقْنَا النُّطْفَةَ عَلقَةً فَخَلقْنَا العَلقَةَ مُضْغَةً فَخَلقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالقِينَ) (المؤمنون:14) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلقَةٍ لنُبَيِّنَ لكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفي وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَل العُمُرِ لكَيْلا يَعْلمَ مَنْ بَعْدِ عِلمٍ شَيْئاً) (الحج:5) (وَاللهُ خَلقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ) (فاطر:11) .

  6. افتراضي

    الأطوار التي يمر بها الجنين: المرحلة الأولي:

    1- مرحلة النطفة: خلال عملية الإخصاب يرحل ماء الرجل ليقابل البويضة في ماء المرأة في قناة البويضات (قناة فالوب) ولا يصل من ماء الرجل إلا القليل ، ويخترق حيوان منوي واحد البويضة ، ويحدث عقب ذلك مباشرة تغير سريع في غشائها ، يمنع دخول بقية الحيوانات المنوية ، وبدخول الحيوان المنوي في البويضة تتكون النطفة الأمشاج أي البويضة الملقحة (الزيجوت) ، وبهذا تبدأ مرحلة النطفة ، والنطفة معناها اللغوي القطرة ، وهو الشكل الذي تتخذه البويضة الملقحة ، إذن بداية هذا الطور مكونة من نطفة مختلطة من سائلين وتتحرك في وسط سائل ، وتستغرق فترة زمنية هي الأيام الستة الأولى من الحمل ، ويبدأ بعد ذلك التحول إلى طور العلقة في اليوم الرابع عشر .
    وفي اليوم السادس تقريبا تشق النطفة طريقها إلى تحت سطح بطانة الرحم ، مواصلة انقساماتها الخلوية وتطورها ثم يتم انغراسها فيه ، وتكتمل بذلك مرحلة النطفة في اليوم الرابع عشر من التلقيح تقريبا ، وبذلك تأخذ حصتها من الأربعين يوما .

    2- طور العلقة: تستمر الخلايا في الانقسام والتكاثر بعد مرحلة النطفة ويتصلب الجنين بذلك ، ثم يتثلم عند تكون الطبقة العصبية ويأخذ الجنين في اليوم الحادي والعشرين شكلا يشبه العلقة ، كما تعطي الدماء المحبوسة في الأوعية الدموية للجنين لون قطعة من الدم الجامد وبهذا تتكامل المعاني التي يدل عليها لفظ علقة المطلق على دودة تعيش في البرك وعلى شيء معلق وعلى قطعة من الدم الجامد ، إلى حوالي اليوم الواحد والعشرين ، وبهذا تأخذ العلقة حصتها من الأربعين يوما وإلى هذا تشير الآية الكريمة (ثُمَّ خَلقْنَا النُّطْفَةَ عَلقَةً) (المؤمنون: 14) .

    3- طور المضغة: يبدأ هذا الطور بظهور الكتل البدنية في اليوم الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين في أعلى اللوح الجنيني ، ثم يتوالى ظهور هذه الكتل بالتدريج إلى مؤخرة الجنين .

    وفي اليوم الثامن والعشرين يتكون الجنين من عدة فلقات تظهر بينها انبعاجات ، مما يجعل شكل الجنين شبيها بالعلكة الممضوغة ، ويزداد اكتساب الجنين في تطوره شكل المضغة تدريجيا من حيث الحجم بحيث يكتمل هذا الطور في بقية الأيام الأربعين الأولى من حياته ، وهذا الترتيب في خلق الأطوار الأولى يجيء فيه طور المضغة بعد طور العلقة مطابقا لما ورد في الآية الكريمة: (فَخَلقْنَا العَلقَةَ مُضْغَةً) (المؤمنون: 14) ، وينتهي هذا الطور بنهاية الأسبوع السادس .

    الجسد الفاصل: وفي الأسبوع السابع تبدأ الصورة الآدمية في الوضوح نظرا لبداية انتشار الهيكل العظمي ، فيمثل هذا الأسبوع (ما بين اليوم 40 و45) الحد الفاصل ما بين المضغة والشكل الإنساني .

    4- طور العظام: مع بداية الأسبوع السابع يبدأ الهيكل العظمي الغضروفي في الانتشار في الجسم كله ، فيأخذ الجنين شكل الهيكل العظمي ، وتكَوُّن العظام هو أبرز تكوين في هذا الطور حيث يتم الانتقال من شكل المضغة الذي لا ترى فيه ملامح الصورة الآدمية إلى بداية شكل الهيكل العظمي في فترة زمنية وجيزة ، وهذا الهيكل العظمي هو الذي يعطي الجنين مظهره الآدمي ، ومصطلح العظام الذي أطلقه القرآن الكريم على هذا الطور هو المصطلح الذي يعبر عن هذه المرحلة من حياة الحُمَيل تعبيرا دقيقا يشمل المظهر الخارجي ، وهو أهم تغيير في البناء الداخلي وما يصاحبه من علاقات جديدة بين أجزاء الجسم واستواء في مظهر الحُمَيل ويتميز بوضوح عن طور المضغة الذي قبله ، قال تعالى: (فَخَلقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا) (المؤمنون: 14) .

    5- طور الكساء باللحم: يتميز هذا الطور بانتشار العضلات حول العظام وإحاطتها بها كما يحيط الثوب أو الكساء بصاحبه ولابسه ، وبتمام كساء العظام بالعضلات تبدأ الصورة الآدمية بالاعتدال ، فترتبط أجزاء الجسم بعلاقات أكثر تناسقا ، وبعد تمام تكوين العضلات يمكن للجنين أن يبدأ بالتحرك ، تبدأ مرحلة كساء العظام باللحم في نهاية الأسبوع السابع وتستمر إلى نهاية الأسبوع الثامن ، وتأتي عقب طور العظام كما بين ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: (فَكَسَوْنَا العِظَامَ لحْمًا) (المؤمنون: 14) .

    ويعتبر هذا الطور الذي ينتهي بنهاية الأسبوع الثامن نهاية مرحلة التخلق ، كما اصطلح علماء الأجنة على اعتبار نهاية الأسبوع الثامن نهاية لمرحلة الحُمَيل ، ثم تأتي بعدها مرحلة الجنين ، التي توافق مرحلة النشأة ، كما جاء في قوله تعالى: (فَكَسَوْنَا العِظَامَ لحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالقِينَ) (المؤمنون: 14) .

    ب- المرحة الثانية: مرحلة النشأة خلقا آخر: النشأة مصدر مشتق من الفعل نشأ ، وهذا الفعل معناه الارتفاع بالشيء وزيادته ونماؤه ، يبدأ هذا الطور بعد مرحلة الكساء باللحم ، أي من الأسبوع التاسع ، ويستغرق فترة زمنية يدل عليها استعمال حرف العطف (ثم) الذي يدل على فاصل زمني بين الكساء باللحم والنشأة خلقا آخر ، قال تعالى: (فَكَسَوْنَا العِظَامَ لحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلقًا آخَرَ) (المؤمنون: 14) ، وفي خلال هذه المرحلة تتم عدة عمليات هامة في نمو الجنين تندرج بجلاء تحت الوصفين الذين جاءا في القرآن الكريم ويمكن بيانهما في ما يلي:
    1- النشأة: ويتضح بجلاء في سرعة معدل النمو من الأسبوع التاسع مقارنة بما قبله من المراحل .

    2- خلقا آخر: هذا الوصف يتزامن مع الأول ويدل على أن الحُمَيل قد تحول في مرحلة النشأة إلى خلق آخر .
    ففي الفترة ما بين الأسبوعين التاسع والثاني عشر تبدأ أحجام كل من الرأس والجسم والأطراف في التوازن والاعتدال ، وفي الأسبوع الثاني عشر يتحدد جنس الجنين بظهور الأعضاء التناسلية الخارجية .

    وفي نفس الأسبوع يتطور بناء الهيكل العظمي من العظام الغضروفية اللينة إلى العظام الكلية الصلبة ، كما تتمايز الأطراف ، ويمكن رؤية الأظافر على الأصابع ، كما يظهر الشعر على الجلد في هذا الطور ، ويزداد وزن الجنين بصورة ملحوظة ، وتتطور العضلات ، وتبدأ الحركات الإرادية في هذا الطور ، وتصبح الأعضاء والأجهزة مهيأة للقيام بوظائفها ، وفي هذه المرحلة يتم نفخ الروح ، طبقا لما دلت عليه نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة ، ويمكن التعرف على نفخ الروح بمشاهدة ظاهرة النوم واليقظة في الجنين التي تدل نصوص قرآنية ونبوية عديدة على ارتباطها بالروح ، تمتد هذه المرحلة ، مرحلة النشأة خلقا آخر من الأسبوع التاسع إلى أن يدخل الجنين مرحلة القابلية للحياة خارج الرحم .

    جـ: المرحلة الثالثة: طور القابلية للحياة: تبدأ تهيئة الجنين للحياة خارج الرحم في الأسبوع الثاني والعشرين وتنتهي في الأسبوع السادس والعشرين عندما يصبح الجهاز التنفسي مؤهلا للقيام بوظائفه ويصبح الجهاز العصبي مؤهلا لضبط حرارة جسم الجنين ، وتعادل الأسابيع الستة والعشرون تقريبا ستة أشهر قمرية ، وقد قدّر القرآن الكريم أن مرحلة الحمل والحضانة تستغرق ثلاثين شهرا فقال تعالى: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا) (الأحقاف: 15) وبين أيضا أن مدة الحضانة تستغرق عامين في قوله تعالى: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ) (لقمان: 14) .

    وبذلك تكون مدة الحمل اللازمة ليصبح الجنين قابلا للحياة هي ستة أشهر قمرية ، وقبل الأسبوع الثاني والعشرين الذي يبدأ منه هذا الطور يخرج سقطا في معظم الأجنة .

    د- المرحلة الرابعة: طور الحضانة الرحمية: يدخل الجنين بعد الشهر السادس فترة حضانة تتم في الرحم ، فلا تنشأ أجهزة أو أعضاء جديدة فكلها قد وجدت وأصبحت مؤهلة للعمل ، ويقوم الرحم فيها بتوفير الغذاء والبيئة الملائمة لنمو الجنين وتستمر إلى طور المخاض والولادة .

    هـ: المرحلة الخامسة: طور المخاض: بعد مرور تسعة أشهر قمرية يبدأ هذا الطور الذي ينتهي بالولادة ، ويمثل هذا الطور مرحلة التخلي عن الجنين من قبل الرحم ودفعه خارج الجسم ، قال تعالى: (ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ) .

    سُئِل ابن تيمية عَنْ قَوْله تَعَالى: (هُوَ الذِي خَلقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) وقَوْله تَعَالى (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ) وقَوْله تَعَالى (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ) هَل المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ فِي اللوْحِ المَحْفُوظِ ، وَالكِتَابِ الذِي جَاءَ فِي الصَّحِيحِ (أَنَّ اللهَ تَعَالى كَتَبَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدُهُ عَلى عَرْشِهِ) الحَدِيثَ . وَقَدْ جَاءَ: (جَفَّ القَلمُ) فَمًا مَعْنَى ذَلكَ فِي المَحْوِ وَالإِثْبَاتِ ؟ . وَهَل شُرِعَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يَقُول: " اللهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبْتنِي كَذَا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي كَذَا فَإِنَّك قُلت: (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) ، وَهَل صَحَّ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو بِمِثْل هَذَا ؟ وَهَل الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ أَنَّ العُمْرَ يَزِيدُ بِصِلةِ الرَّحِمِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ .
    فَأَجَابَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ . أَمَّا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: (ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) فَالأَجَلُ الأَوَّلُ هُوَ أَجَلُ كُل عَبْدٍ ؛ الذِي يَنْقَضِي بِهِ عُمُرُهُ وَالأَجَلُ المُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ: أَجَلُ القِيَامَةِ العَامَّةِ . وَلهَذَا قَال: (مُسَمًّى عِنْدَهُ) فَإِنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لا يَعْلمُهُ مَلكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ كَمَا قَال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُل إنَّمَا عِلمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَليهَا لوَقْتِهَا إلا هُوَ) . بِخِلافِ مَا إذَا قَال: (مُسَمًّى كَقَوْلهِ: (إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى) إذْ لمْ يُقَيِّدْ بِأَنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ فَقَدْ يَعْرِفُهُ العِبَادُ . وَأَمَّا أَجَلُ المَوْتِ فَهَذَا تَعْرِفُهُ المَلائِكَةُ الذِينَ يَكْتُبُونَ رِزْقَ العَبْدِ وَأَجَلهُ وَعَمَلهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ . كَمَا قَال فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَال: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ -: إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خُلُقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلقَةً مِثْل ذَلكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْل ذَلكَ ثُمَّ يُبْعَثُ إليْهِ المَلكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلمَاتٍ فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلهُ وَعَمَلهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ) فَهَذَا الأَجَلُ الذِي هُوَ أَجَلُ المَوْتِ قَدْ يُعَلمُهُ اللهُ لمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ . وَأَمَّا أَجَلُ القِيَامَةِ المُسَمَّى عِنْدَهُ فَلا يَعْلمُهُ إلا هُوَ .
    وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) فَقَدْ قِيل إنَّ المُرَادَ الجِنْسُ أَيْ مَا يُعَمَّرُ مِنْ عُمُرِ إنْسَانٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ إنْسَانٍ ، ثُمَّ التَّعْمِيرُ وَالتَّقْصِيرُ يُرَادُ بِهِ شَيْئَانِ:
    أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا يَطُولُ عُمْرُهُ وَهَذَا يَقْصُرُ عُمُرُهُ فَيَكُونُ تَقْصِيرُهُ نَقْصًا لهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ المُعَمَّرَ يَطُولُ عُمُرُهُ وَهَذَا يَقْصُرُ عُمُرُهُ فَيَكُونُ تَقْصِيرُهُ نَقْصًا لهُ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ التَّعْمِيرَ زِيَادَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى آخَرِ .

    وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ أَنَّهُ قَال: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحِمَهُ) وَقَدْ قَال بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ المُرَادَ بِهِ البَرَكَةُ فِي العُمُرِ بِأَنْ يَعْمَل فِي الزَّمَنِ القَصِيرِ مَا لا يَعْمَلُهُ غَيْرُهُ إلا فِي الكَثِيرِ قَالُوا: لأَنَّ الرِّزْقَ وَالأَجَل مُقَدَّرَانِ مَكْتُوبَانِ . فَيُقَالُ لهَؤُلاءِ تِلكَ البَرَكَةُ . وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَمَل وَالنَّفْعِ . هِيَ أَيْضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ وَتَتَنَاوَلُ لجَمِيعِ الأَشْيَاءِ .

    وَالجَوَابُ المُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ للعَبْدِ أَجَلا فِي صُحُفِ المَلائِكَةِ فَإِذَا وَصَل رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلكَ المَكْتُوبِ . وَإِنْ عَمِل مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلكَ المَكْتُوبِ ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ (أَنَّ آدَمَ لمَّا طَلبَ مِنْ اللهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ، فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلا لهُ بَصِيصٌ فَقَال مَنْ هَذَا يَا رَبِّ ؟ فَقَال ابْنُك داود . قَال: فَكَمْ عُمُرُهُ ؟ قَال أَرْبَعُونَ سَنَةً . قَال: وَكَمْ عُمْرِي ؟ قَال: أَلفُ سَنَةٍ . قَال فَقَدْ وَهَبْت لهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً ، فَكَتَبَ عَليْهِ كِتَابٌ وَشَهِدَتْ عَليْهِ المَلائِكَةُ ، فَلمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَال: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً ، قَالُوا: وَهَبْتهَا لابْنِك داود . فَأَنْكَرَ ذَلكَ فَأَخْرَجُوا الكِتَابَ . قَال النَّبِيُّ صَلى اللهُ عَليْهِ وَسَلمَ فَنَسِيَ آدَمَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ وَجَحَدَ آدَمَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّل لآدَمَ عُمُرَهُ ولداود عُمُرَهُ ، فَهَذَا داود كَانَ عُمُرُهُ المَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلهُ سِتِّينَ وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: اللهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ ، وَاَللهُ سُبْحَانَهُ عَالمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لمْ يَكُنْ لوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ ؛ فَهُوَ يَعْلمُ مَا كَتَبَهُ لهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلكَ وَالمَلائِكَةُ لا عِلمَ لهُمْ إلا مَا عَلمَهُمْ اللهُ وَاَللهُ يَعْلمُ الأَشْيَاءَ قَبْل كَوْنِهَا وَبَعْدَ كَوْنِهَا ؛ فَلهَذَا قَال العُلمَاءُ: إنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ المَلائِكَةِ وَأَمَّا عِلمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلا يَخْتَلفُ وَلا يَبْدُو لهُ مَا لمْ يَكُنْ عَالمًا بِهِ فَلا مَحْوَ فِيهِ وَلا إثْبَاتَ .

    أسأل الله تبارك وتعالي أن يعلمنا ما ينفعنا وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    Dec 2004
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    361
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    ليت شيخنا الرضوانى يكمل هذه السلسلة الهامة .
    كل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه ولا وفى بموجب العلم والإيمان ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,888
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    كثر الكلام عن القضاء والقدر هذه الايام فوجب رفع الموضوع لعل فيه الجواب لمن احتار فى هذه المسالة

  9. افتراضي

    أتمنى من الدكتور الفاضل إكمال السلسة

    كما أود معرفة إن كان هناك مصدر لهذه السلسة ؟

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. القضاء والقدر وكفر من كذب بها من البشر
    بواسطة باسل في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-09-2009, 07:04 PM
  2. ما هو القضاء والقدر ..؟!
    بواسطة حائر في زمن الشكوكـ! في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 07-12-2009, 04:05 AM
  3. القضاء والقدر
    بواسطة ناصر التوحيد في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-30-2009, 06:16 PM
  4. إلى الراغبين في دراسة عقيدة السلف في القضاء والقدر وكيف تكون علاجا
    بواسطة د. محمود عبد الرازق الرضواني في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 04-20-2005, 07:57 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء