النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: (( التقدم إلى الخلف)) للدكتور مصطفى محمود

  1. افتراضي (( التقدم إلى الخلف)) للدكتور مصطفى محمود

    التقدم إلى الخلف


    حينما اكتشف الرجل الأوروبي البخار و الكهرباء، و صنع الصلب و القطارات و الطائرات، و أضاء المدن فأحال ظلامها نهاراً امتلأ شعوراً بالسعادة و العظمة.

    و حينما وضع قدمه في أفريقيا السوداء نظر إليها نظرة السيد إلى ملايين العبيد المتخلفين المتأخرين، المتبربرين المتوحشين. و شعر بأن عليه واجب الأخذ بيد هؤلاء الحيوانات إلى نور المعرفة و العلم و الوصايا العشر.

    و بين زنوج عراة حفاة وقف المبشر الأوروبي في ثياب نظيفة يقول لكل واحد:
    لا تسرق..
    و نظر كل عريان بجواره يتساءل: نسرق ماذا؟
    لا أحد يملك حتى خرقة على جسده، و الطير يمرح على الشجر لمن يصطاده، و الأرض مجاناً لمن يزرعها، و الفاكهة دانية لمن يقطفها..
    نسرق ماذا و لماذا؟
    أسهل على الجمل أن يدخل ثقب إبرة من أن يدخل الغني جنة الله.

    و لكن من هو الغني؟
    الذي يملك.. الذي عنده نقود أكثر.. الذي عنده سندات و عقارات أكثر.
    و لكن ليس بيننا من يملك أكثر و لا من يملك أقل. و لا نعرف ملكية. و لا نعرف نقوداً. و ليس بيننا من يملك سندات و عقارات.
    هذا عين التأخر و البربرية و الوحشية!
    سوف يصك لكم الرجل الأوروبي النقود. سوف يجعل بعضكم فقراء و بعضكم أغنياء. سوف يجعل بعضكم يملك و بعضكم لا يملك. و هكذا تنشأ بينكم الأحقاد فتعرفون معنى الوصايا العشر.

    و لكن ما بال الرجل الأوروبي نفسه لا يعمل بالوصايا العشر؟
    لماذا يسرق خيرات الغابة و يشحنها في البواخر المتراصة على الشاطئ إلى بلاده؟ لماذا يقتل العبيد بالسخرة في المناجم؟ لماذا يتزوج واحدة و يزني بألف. و لماذا يكذب على نفسه و علينا و على الله؟!


    و ظلت الحياة تسير في رتابة بين المتوحشين المتبربرين تحصدهم الأمراض، و تتحالف عليهم الملاريا و الحمى الصفراء، و الحيات و الأفاعي، و رصاص المستعمرين.

    و تولى الرجل الأوروبي مهمة قتل نفسه في حربين عالميتين.
    و تولى حصاد المدينة التي أقامها. كلما بنى هدم، و كلما أقام حطم.
    و لكن الأدوات في يديه ظلت تتقدم من طائرات إلى صواريخ، و من كهرباء إلى ذرة.
    و ها هو ذا اليوم قد امتلأ شعوراً بالثقة، و قد ازداد تأكيداً أنه أصبح السيد بالفعل.

    سيد من؟!!
    سيد على الطبيعة و عبد لنفسه!
    و هو يزداد عبودية لهذه النفس كل يوم.

    تستهويه البضائع الاستهلاكية في الفاترينات، و تستعبده الثلاجة و الغسالة و العربة البويك، و الريكوردر، و الترانزيستور.
    و سيطرة البضائع الاستهلاكية و الترف الشخصي تفرض نفسها على بلد رأسمالي كأمريكا كما تفرض نفسها على بلد اشتراكي كروسيا.

    و من أجل مزيد من الترف و البضائع الاستهلاكية لكل فرد، و من أجل السيطرة و التحكم في الآخرين سوف تقوم حرب ثالثة، فلم تعد المسألة مسألة مذاهب. و إنما حقيقة المسألة أن الإنسان لم يتقدم و إنما تأخر. و هو كل يوم يتأخر.

    الأدوات في يديه هي التي تقدمت و تحول هو من صانعها إلى خادمها ثم إلى عبدها.
    لكن كل هذه البضائع الاستهلاكية ليست أكثر من لعب أطفال في فاترينة، و كل ما أحرزه الإنسان من تقدم هو تقدم شكلي.

    و الإنسان في أثينا، منذ أكثر من ألفي سنة، أيام سقراط و أفلاطون و أرسطو كان أكثر تقدماً. و كان يعرف طريقه الصحيح إلى التقدم بالفعل. كان يبحث كيف يعرف نفسه، و كيف يتخلص من عبوديتها، و كيف يحقق الحرية، و كيف يحقق العدالة، و كيف يصل إلى معرفة الله. و كان كل واحد يناقش الآخر في حرية.

    أما اليوم فكل واحد يطلق على الآخر الرصاص.
    و لا أحد يفكر كيف يعرف نفسه، و لكن كيف يشبع نهم تلك النفس الجشعة بلا حدود.
    و النفس تدفن شيئاً فشيئاً تحت ركام البضائع الاستهلاكية، يخنقها طمعها اللانهائي.

    نحن نتأخر.
    الأدوات في أيدينا تنمو في القوة باطراد حسابي كما تنمو الأموال تلقائياً في البنوك.

    و لكن التقدم ليس أن تنمو الأدوات، و إنما أن ينمو الإنسان.
    ليس أن يسيطر الإنسان على الآخرين، و إنما أن يسيطر على نفسه، على غضبه.
    ليس أن يمتلك الإنسان القوة، بل أن يمتلك الرحمة.
    ليس أن يفرض الشرق مذهبه على الغرب، و لا أن يفرض الغرب مذهبه على الشرق، و إنما أن ترحب الصدور ليقول كل واحد كلمته.

    صحيح أننا الآن نركب صواريخ و نسير بسرعة، و لكن إلى وراء، و إلى تحت، و إلى خلف، و إلى دغل كثيف نعود فيه حيوانات أكثر افتراساً من كل الحيوانات.. حيوانات مخالبها ذرية و أنيابها نووية. مسوخ اختل فيها التوازن فأصبحت لها أبدان هائلة، و قلوب ضئيلة، و أرواح هزيلة.

    الجنس البشري الآن هو الديناصور الجديد الذي سوف ينقرض.
    و اقرأوا التاريخ لتعرفوا كيف كان على الأرض منذ ملايين السنين حيوان هائل ضخم كالجبل، يحكم جميع الحيوانات، اسمه الديناصور، ثم انقرض و هلك. و السبب أنه كان قوياً جداُ و مغفلا.ً

    د. مصطفى محمود

  2. افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فكر
    الجنس البشري الآن هو الديناصور الجديد الذي سوف ينقرض.[/size]
    سوف ينقرض فعلاً ولكن بقدر الله ، وليس بفعل الطبيعة ولا بنظرية التطور.

  3. افتراضي

    و الإنسان في أثينا، منذ أكثر من ألفي سنة، أيام سقراط و أفلاطون و أرسطو كان أكثر تقدماً. و كان يعرف طريقه الصحيح إلى التقدم بالفعل. كان يبحث كيف يعرف نفسه، و كيف يتخلص من عبوديتها، و كيف يحقق الحرية، و كيف يحقق العدالة، و كيف يصل إلى معرفة الله. و كان كل واحد يناقش الآخر في حرية.
    إن كان الأمر هكذا فلماذا قتلوا فلاسفتهم إذن وسقوهم السم!!!!!؟؟؟
    من العجيب أن نزكى أهل الباطل بالباطل ، وبما ليس فيهم.
    الجنس البشري الآن هو الديناصور الجديد الذي سوف ينقرض.
    لن ينقرض ولكن سيقضى عليه بالصعق ، كما ورد بأحاديث قيام الساعة.
    أم أن كاتب المقال ، يؤمن بالتطور ، منكر للسنة!؟
    نعم هو كذلك.
    وإنا لله وإنا إليه راجعون.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. (( الفن مسئولية )) للدكتور مصطفى محمود
    بواسطة فكر في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-07-2014, 12:24 PM
  2. ((المكر الإلهي)) للدكتور مصطفى محمود
    بواسطة فكر في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 11-18-2005, 11:58 PM
  3. ((العذاب ليس له طبقة)) للدكتور مصطفى محمود
    بواسطة فكر في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 09-27-2005, 10:00 AM
  4. ((علم نفس قرآني جديد)) للدكتور مصطفى محمود
    بواسطة فكر في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-22-2005, 02:52 PM
  5. ((النفس و الروح)) للدكتور مصطفى محمود
    بواسطة فكر في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 09-19-2005, 12:13 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء