صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 19

الموضوع: الحكمة والتعليل في أفعال العليم الحكيم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي الحكمة والتعليل في أفعال العليم الحكيم

    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين .

    فهذا باب من أجل الابواب الموصلة بالاتسبصار وبالاسترشاد للتعرف الى الحكيم العلّام , فبالمضي قدماً يزداد العبد خضوعاً وانكساراً للكريم المتعال , مع ما اودعه الله في الخلق من عظيم حكمته ,وتدبير خلقه , ودقة نظمه , فسبحانه من مليكٍ مقتدر .

    فيزداد العبد هيبةً له , وتعظم عليه معصيته , وتخف جوارحه في طاعته والانكباب على الحسنات ليكفر بها السيئات ..
    فمتى تعرف المخلوق على الخالق عظم ذلك في صدره وباشر العلم مع العمل . وان شرف العلم بشرف المعلوم , وهو التعرف على الحكيم وحكمته
    فان ذلك يورث التفويض الى من يعلم عواقب الامور , والرضا بما يختاره ويرتضيه , والتسليم والانقياد لمن تعرف على جوانب من الحكمة والتعليل في افعال العليم الحكيم

    "من تأمل مبتداه ومنتهاه، وتفكّر في الدنيا ومصيرها، ونظر في السموات وأنجمها، والأرض وما فيها وما عليها؛ ظهر له شيءٌ من عظمة الخالق وحكمته تبارك وتعالى. فمخلوقاته - تعالى - تسير في انتظام، ولها ابتداءٌ وانتهاء على وفق حكمته وإرادته، ومن أسمائه الحسنى - جلّ في علاه - الحكيم {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28].
    وقد ورد هذا الاسم الجليلُ في القرآن أربعًا وتسعين مرة، وهو متضمنٌ لصفةِ الحكمة التي يتصف بها ربُنا جل جلاله.

    والحكيم: هو الذي لا يقولُ ولا يفعلُ إلا الصواب، وإنما ينبغي أن يوصف ربنا - جلّ جلاله - بالحكمة؛ لأنَّ أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهرُ الفعلُ المتقن السديدُ إلا من حكيم.

    إن الله - تبارك وتعالى - حكيم فلا يخلق ولا يأمر عبثًا وسدى وباطلاً؛ بل له المرادُ فيما أراد، وأفعاله صادرةٌ عن حكمةٍ بالغة، ومصلحةٍ عظيمة، وغايةٍ حميدة.
    وكمالُ حكمته - جلّ شأنه - يقتضي كمالَ علمه المحيط بكل شيء كما قال - سبحانه -: {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الشُّورى: 12]، {إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5]، وقال - سبحانه -: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} [الأنبياء: 81] ولذا جمع بين الصفتين - العلم والحكمة - في آيات كثيرة فقال - سبحانه -: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 128].

    ظهرت حكمتُه البالغة في خلقه، خلقهم فأحكم خلقهم، وصوّرهم فأحسن صورهم، وأبدع الكون ورتّبه أكمل ترتيب، ونظّمه أجمل تنظيم، ومنح كلّ مخلوق شكله اللائق به فأبدع أيما إبداع.

    قال الخطابي - رحمه الله تعالى -: "ومعنى الإحكام لخلقِ الأشياء إنما ينصرفُ إلى إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها؛ إذ ليس كلُ الخليقةِ موصوفًا بوثاقة البُنية، وشدةِ الأسر، كالبعوضة والنملة وما أشبههما من ضعاف الخلق إلا أن التدبير فيهما، والدَّلالة بهما على كون الصانع وإثباته ليس بدون الدَّلالة عليه بخلق السموات والأرض والجبال وسائر معاظم مخلوقاته. وكذلك هذا في قوله - جل وعزّ -: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة: 7]، لم تقع الإشارة به إلى الحسنِ الرائق في المنظر؛ فإن هذا معدوم في القرد والخنزير والدب، وأشكالها من الحيوان. وإنما ينصرف المعنى فيه إلى حسن التدبير في إنشاء كل شيء من خلقه على ما أحبَّ أن ينشئه عليه، وإبرازه على الهيئة التي أراد أن يهيئه عليها؛ كقوله - تعالى -: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2].
    فما من شيء خلقه الله - تعالى - إلا وأحسن خلقه، وأتم صنعه على ما يريده، تبارك وتعالى.

    وما خلق هذا الخلق العظيم، والأمم الكثيرة إلا لحكمة عظيمة، وغايةٍ جليلة تتمثل في عبادته وحده لا شريك له، ومن ثم امتحان عباده وابتلائهم بالشرائع لينظر كيف يعملون {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} [ص: 27].


    وحكمته البالغة ظاهرةٌ فيما شرعه من الشرائع المشتملة على كل خير في الدنيا والآخرة. فأمره ونهيه يحتويان على غاية الحكمة والصلاح والإصلاح للدين والدنيا، فما أمر الله تعالى بشيء إلا وفيه مصلحةٌ عاجلةٌ أو آجلةٌ أو كلاهما. وما نهى عن شيء إلا وفيه مفسدة عاجلةٌ أو آجلة أو كلاهما. وليس المرادُ بالآجل أمور الآخرة؛ لأن الشرائع لا تحدد للناس سيرهم في الآخرة؛ ولكن الآخرة جعلها الله جزاءً على الأحوال التي كانوا عليها في الدنيا.. وإنما المراد: أنَّ من التكاليف الشرعية ما قد يبدو فيه حرج، وإضرارٌ بالمكلفين، وتفويتُ مصالح عليهم؛ ولكن المتدبّر إذا تدبَّر في تلك التشريعات ظهرت له مصالحها في عواقب الأمور. وتلك المصالح يُحصِّلها العباد إذا التزموا الأمر والنهي في الدنيا قبل الآخرة.


    وقد جمع الله - تعالى - حكمته في خلقه، وحكمته في شرعه في قوله - تبارك وتعالى -: {أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ} [الأعراف: 54]..."[1]


    فحكمة الله تعالى هي صفته القائمة به , وما تضمنته من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه في خلقه وأمره , التي فعل لأجلها بعلمه وعدله التامين , وهي كسائر صفاته من سمعه وبصره وقدرته وارادته , وعلمه , وحياته , وكلامه


    بين يديك تعريفات مهمات ..

    الحكمة ...

    الحكمة بالكسر : العدل والعلم والحلم
    فالحكمة من علم , ويقال : رجل حكيم : أي عدل حليم
    وأصل الباب( الحاء , والميم , والكاف) أصل واحد وهو المنع , وهذا المنع يكون للاصلاح

    ومن هذا الحُكم – بالضم - , وهو المنع من الظلم , وقيل للحاكم حاكم ,لأنه يمنع من الظلم

    والحكم كذلك : القضاء , يقول حَكَم : أي قضى , وهذا المعنى راجع الى المنع أيضاً
    فالقاضي مثل الحاكم يمنع من الظلم

    وهو كذلك : الفصل أي الفصل بين الحق والباطل , والحاكم يفصل في الخصومات بين الناس ليظهر الحق , وهذا المعنى راجع الى المنع أيضاً فإنه يمنع الالتباس بينهما , وكل شيء منعته من الفساد فقد حكمته
    وكذلك حكّمته , وحكّمت الرجل تحكيماً اذا منعته مما أراد
    ويقال حكمت السفيه وأحكمته أي منعته , وأخذت على يده ....

    فتعريفها بأنها العلم والعدل والحلم راجع الى المنع , اذ كل صفة من هذه الصفات تمنع صاحبها ما يضادها , فصفة العلم والحلم تمنع عنه الجهل في علمه وعمله وكل تصرفاته , وصفة العدل تمنع عنه الظلم , أو وضع الاشياء في غير مواضعها .

    على أن تعريف الحكمة هنا بهذه الصفات الثلاث مشتركة بعطيها معاني أخرى غير مجرد معاني هذه الصفات

    فليست الحكمة مجرد العلم أو العدل أو الحلم , بل تمام ذلك كله وزيادة .

    فهي تتضمن صفة العلم وزيادة , اذ هي تمام العلم لتضمنها العلم بدقائق الأشيئا فضلاً عن جلائلها , أو لكونها عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم

    ثم انها تدل مع تضمنها لهذه الصفة العمل بمقتضياتها , دل هذا تفسيرها بالصفتين الاخريين العدل والحلم الدالتين على الصواب في العمل , وهي أيضاً تتضمن تمام وضع الاشياء في مواضعها دل على هذا تفسيرها بالعدل , ودل على التمام كونها مفسرة مع ذلك بتمام العلم والحلم وهكذا .

    وعلى هذا تضمنت الحكمة أمرين : حكمة علمية , وحكمة عملية ...

    ف الحكمة ( إصابة الحق بالعلم والعمل ) ومنه قولهم : ان فلاناً لحكيم بيّن الحكمة : ( يعني به انه لبين الاصابة في القول والفعل )
    أو هي ( وضع الشيء في موضعه ) , أو هي العلم بحقائق الاشياء على ما هي عليه والعمل بمقتضاها )

    ومن معاني الحكمة أيضاً : الاتقان , تقول أحكمت الشيء : أتقنته ( ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم )

    ومن معانيها التوثيق ...

    والاتقان والتوثيق يكونان في العمل , لكن العمل لا يكون متقناً موثقاً الا اذا كان صادراً عن علم تام به , وبأفضل طرقه وغاياته , وهذا دال أيضاً على اشتمال الحكمة للعلم والعمل ...

    وبناءاً على ما مضى يكون معنى الحكيم , فالحكيم ( العالم , وصاحب الحكمة , والحكيم المتقن للأمور)

    يقول البغوي –رحمه الله – ( والحكيم له معنيان : أحدهما : الحاكم وهو القاضي العلد , والثاني المحكم الامر كي لا يتطرق اليه الفساد )

    ويقول الالوسي –رحمه الله – ( الحكيم : ذو الحكمة البالغة وهي العلم بالاشياء على ما هي عليه , والاتيان من الافعال على ما ينبغي أو المبالغة في الاحكام وهي اتقان التدبير واحسان التقدير )

    وكل هذه التعريفات تتضمن اثبات معنى مهم جداً في هذا الباب , وهو أنه إذا كان الحكيم من يضع الاشياء في مواضعها , أو أنه المحكم للأمور المتقن لها , أو أنه الذي يعلم بالأشياء على ما هي عليه , ثم يأتي من الافعال المناسبة لها , ونحو هذا من التعريفات , فإن هذا يتضمن اثبات أنه يراعي المصالح والغايات الحميدة بأفعاله , فيطلبها بها , فتعلل أفعاله بذلك القصد والطلب لها , وهذا من حيث أنه لما وضع الاشياء في مواضعها , فإنه راعى المواضع والاشياء وطلب لكل شيء ما يناسبه , وكذلك من حيث أن احكامه واتقانه يكون متضمناً ذلك الوضع , وكذلك من حيث أنه لما علم مصالحها ومنافعها عمل بمقتضى ذلك العلم فطلب تلك المصالح بأفعاله


    فحكمة الله تعالى هي صفته القائمة به , وما تضمنته من الغايات المحمودة المطلوبة له سبحانه في خلقه وأمره , التي فعل لأجلها بعلمه وعدله التامين , وهي كسائر صفاته من سمعه وبصره وقدرته وارادته , وعلمه , وحياته , وكلامه


    العلة

    المقصود بالعلة : هي ما لأجله وجد الشيء , أو ما لأجله يفعل الفاعل . فالمقصود بالعلة هنا العلة الموصوفة بالغائية , التي هي غرض الفاعل من فعله , والتي يتجه الى تحقيقها بواسطة وسائلها وأسبابها , وهي التي تتقدم على الفعل في الوجود الذهني , وتتأخر في الوجود الخارجي , فهي أول الفكرة وآخر العمل .

    فالعلى الغائية اذاً هي : القصد الذي يظهر باديء ذي بدء في أعماق الارادة فيتوسط له بوسائط من الاعمال والانجازات الخارجية , بحيث يكون مآلها ظهور ذلك القصد ثمرة ونتيجة لها , ويكون دورها اذ تكون حبيسة في القصد والارادة هو الدفع الى التوسط والسعي , ثم يصبح دورها بعد تحقيقها في الخارج أن تكون ثمرة لذلك التوسط والسعي



    الفرق بين الحكمة والعلة
    بينهما فوارق وهي ما يلي :

    1- الحكمة تدل على الصفة القائمة بالله تعالى , والتي تتضمن آثاراً ترجع الى الخلق وهي الحكم والمصالح العائدة اليهم , ويطلق على هذه الاثار أيضاً حكمة من باب اطلاق اسم الصفة على الأثر .

    اما العلة فليست كذلك , فإنها لا تدل على الصفة القائمة به تعالى وانما تطلق على الغايات والمقاصد التي هي من آثار صفة الحكمة .


    2- الحكمة أخص من العلة من ناحية الدلالة على جهة التعليل , فإنها تتضمن الدلالة على التعليل الغائي فقط , أما العلة من ناحة الدلالة على جهة التعليل , فإنها تتضمن التعليل بالفاعلية والتعليل بالغائية .

    فالعلة تطلق على السبب وتطلق على الغاية , فيقال مثلاً : النار علة الاحراق , أي سببه , ويقال : النار لغلة الإحراق , اي لغاية الاحراق , فهو العلة الغائية للنار , فمصطلح العلة اذاّ أعم من مصطلح الحكمة من هذه الجهة


    كذلك الحكمة أخص من العلة من جهة دلالتها على العاقبة المحمودة خصوصاً دون غيرها , فلا تكون الحكمة الا غاية محمودة , واذا أراد شراً فالعلة مذمومة .


    3- الحكمة لفظ شرعي دون العلة , فالنصوص إنما وردت بفلك – الحكمة – واما لفظ العلة فهي مما عبر بها المتكلمون عن الحكمة , كلفظ الغرض والباعث والغاية ونحوها , والا فلم ترد في نص شرعي . [2]

    -------------------------------
    [1] حكمة الله في خلقه وأمره - إبراهيم الحقيل

    [2] الحكمة والتعليل- للشهري.... تصرف
    التعديل الأخير تم 03-10-2011 الساعة 03:25 AM
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    ظهور آثار حكمة الله وخفائها

    يقول الاستاذ ناصر الشريعة : وهي معرفة أسرار حكمة الله تعالى في أفعاله وخلقه من أعظم المسائل وأدقها، وفيها جانبان:
    أحدهما في غاية الوضوح.
    والآخر في غاية الخفاء الذي لا يحيله العقل ولا يمنعه.

    فأما الجانب الأول الذي هو في غاية الوضوح:فهو أن كل ما في هذا الكون كائنا ما كان فهو من آثار قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ومشيئته، فلا يكون شيء إلا بقدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ومشيئته، وهذا الأصل العام واضح غاية الوضوح. فكل ما أشكل على الإنسان أو غمض عليه لا يصل أبدا إلى مرتبة أن يكون شبهة في جوار حكمة الله الواسعة التامة.

    وبراهين هذا تشمل كل ما علم الإنسان فيه مظاهر حكمة الله تعالى وقدرته وعلمه في آياته ومخلوقاته، والحكمة الظاهرة في الكون ثابتة بيقين وإجماع الخلق!! ولكن هناك من يؤمن بالحكيم الفاعل لهذه الأفعال الحكيمة وهم الموحدون وأكثر الناس، وهناك من يجعلها مفعولات بلا فاعل أو ينسبها إلى فاعل لا حقيقة له وهو الصدفة أو الطبيعة التي تجهل ذاتها فضلا عن أن يكون لها صفات وأفعال تخصها، وهؤلاء أقل الناس في كل عصر ومصر.

    وأما الجانب الذي هو في غاية الخفاء الذي لا يحيله العقل ولا يمنعه فهو: - الإحاطة بجميع حكمة الله تعالى وعلمه في جميع أفعاله ومفعولاته.
    - أو تعيين حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته.

    فأما الأول، فغموضه وعجز الإنسان عنه هو من كمال الخالق الجليل.
    فكما أن الجاهل لا يحيط بعلم العالم أو حكمة الحكيم من البشر، فيكون ذلك لنقص الجاهل لا لعيب راجع إلى العالم أو الحكيم، فمن باب أولى أن يكون عدم إحاطة الإنسان بعلم الله وحكمته راجعا لنقص الإنسان لا لنقص أو عيب راجع إلى علم الله وحكمته تنزه الله عن ذلك.

    وحكمة الله من علم الله وإذا كان الإنسان لا يحيط بعلم الله تعالى فكذلك لا يحيط الإنسان بحكمة الله تعالى، فأين المستنكر هنا؟

    وأما الثاني وهو خفاء تعيين حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته، فكذلك الأمر فيه، فالغموض راجع لسبب من الإنسان لا لعيب أو نقص في حكمة الله تعالى.

    وكما أن العالم قد يغمض عليه بعض كلام وفعل من هو أعلم منه وأحكم من الراسخين في ذلك العلم، فيكون ذلك لنقصه وعدم اكتمال علمه، ولسبق أولئك عليه في المعرفة ودقة الفهم، فمن باب أولى أن يكون خفاء تعيين بعض حكمة الله تعالى في بعض أفعاله ومفعولاته عائدا إلى قصور علم الإنسان ونقصه عن الكمال لا إلى عيب أو نقص في حكمة الله وعلمه الذي أحاط بكل شيء علما.


    ثم أنَّ حكمة الله في أفعاله ومفعولاته على قسمين:
    الأول: حكمة ظاهرة بينة لا تخفى على عاقل وناظر، ومعرفة الإنسان لها كافية في هدايته وصلاح أمر دينه ودنياه وآخرته لمن استجاب وآمن.

    الثاني: حكمة خفية ، وهذه الحكمة الخفية يتعلق بها فرعان:

    الفرع الأول: أن خفائها قد يكون مطلقا أو مقيدا، فالمطلق ما كان خافيا عن جميع الخلق كل وقت، وهذا ممكن لكمال حكمة الله تعالى، والمقيد ما كان خافيا عن بعض الخلق ظاهرا لبعضهم، أو كان خافيا في وقت دون وقت.

    وهذا يعني أن خفاء الحكمة في بعض أفعال الله أو مفعولاته لا يلزم منه أن يكون خفاء مطلقا في كل وقت ولكل أحد.
    وبهذا يعلم كثرة براهين حكمة الله تعالى الظاهرة في أفعاله ومفعولاته.


    يقول الشيخ إبراهيم الحقيل "وخفاء الحكمة من الخلق أو الشرع لا يعني عدمها، وإنما يعني عدم علمنا بها. والقاعدة المقرَّرة: "أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم". أي: عدمُ علمنا بالحكمة لا يعني أنها معدومة فعلاً، وإنما غايةُ الأمر أننا جهلناها ولم ندركها.
    ويجب أن نعتقد أن الله - تعالى - إنما أخفاها عنّا أيضًا لحكمة أخرى، فالحُكْم شُرع لحكمة، والحكمة أخفيت لحكمة، والإيمان بذلك يندرج تحت ركن من أركانِ الإيمان وهو الإيمان بالغيب.

    وأما الأصل العملي فهو وجوب الامتثال لأمر الله - تعالى - واجتناب نهيه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].



    : العلة أو الحكمة من خفاء بعض الحكمة، فمن حكمة ذلك:
    - الابتلاء للناس في التسليم بحكمة الحكيم الذي استقرت في العقول والقلوب براهين حكمته الظاهرة، وما يترتب على هذا الابتلاء من الفرقان بين الناس، ورفعة المؤمنين وظهور آثار أسماء الله تعالى وصفاته في خلقه.

    -الرحمة بعقول الناس وإدراكهم، فإن عقل الإنسان وإدراكه لا يحيط بجميع علوم المخلوقات فضلا عن علم الخالق جلَّ وعلا، وإن معرفة الإنسان بما ينفعه خير له من معرفة ما يضره، فضلا عن معرفة كل ما يعلمه الخالق جلَّ وعلا، ولهذا فإن خفاء بعض الأمور على المخلوق رحمة به، وهو خفاء لا يضره، وإنما الذي يضره أن يخفى عليه ما هو بأمس الحاجة إليه لنجاته في الدنيا والآخرة، وهذا ما قد أرسل الله الرسل ليهدوا الناس إليه ويدلوهم عليه، وجعله الحجة المعتبرة التي يكفر من لا يقبلها ويؤمن بها.

    - دلالتها على اتساع حكمة الله تعالى وكمالها، مع عجز الإنسان وضعفه عن الإحاطة بجميع حكمة الله تعالى، فهي بينة باهرة ظاهرة في الحكمة المخفية على ظهور كمال حكمة الله تعالى.

    فسبحان من جعل في خفاء بعض حكمته ظهورا لكمال حكمته وتمامها!


    وقد قرب هذا المعنى ابو العباس ابن تيمية حيث قال : وعلى هذا فكل ما فعله علمْنا أن له فيه حكمة ، وهذا يكفينا من حيث الجملة ، وإن لم نعرف التفصيل ، وعدم علْمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته ، وكما أن ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا وأما كنه ـ أي حقيقة ـ ذاته فغير معلومة لنا : فلا نكذب بما علمناه ـ أي من كماله ـ ما لم نعلمه ـ أي من تفاصيل هذا الكمال ـ ، وكذلك نحن نعلم أنه حكيم فيما يفعله ويأمر به ، وعدم علْمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته ، فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها .

    ونحن نعلم أن مَن علم حذق أهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفاً بصفاتهم التى استحقوا بها أن يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو
    لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه ، والعباد أبعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو ، فاعتراضهم على حكمته أعظم جهلاً وتكلفاً للقول بلا علم من العامي المحض إذا قدح فى الحساب والطب والنحو بغير علمٍ بشىءٍ من ذلك .

    يتبع ..
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    والحكمة نوعان :.

    كل ما خلقه الله فله فيه حكمة كما قال : { صنع الله الذي أتقن كل شيء } وقال : { الذي أحسن كل شيء خلقه } . وهو سبحانه غني عن العالمين .
    " فالحكمة " تتضمن شيئين

    أحدهما : حكمة تعود إليه يحبها ويرضاها .

    و الثاني إلى عباده هي نعمة عليهم يفرحون بها ويلتذون بها ؛ وهذا في المأمورات وفي المخلوقات .

    أما في " المأمورات " فإن الطاعة هو يحبها ويرضاها ؛ ويفرح بتوبة التائب أعظم فرح [1] يعرفه الناس ؛ فهو يفرح أعظم مما يفرح الفاقد لزاده وراحلته في الأرض المهلكة إذا وجدها بعد اليأس ؛ كما أنه يغار أعظم من غيرة العباد ؛ وغيرته أن يأتي العبد ما حرم عليه [2] فهو يغار إذا فعل العبد ما نهاه ويفرح إذا تاب ورجع إلى ما أمره به والطاعة عاقبتها سعادة الدنيا والآخرة ؛ وذلك مما يفرح به العبد المطيع ؛ فكان فيما أمر به من الطاعات عاقبته حميدة تعود إليه وإلى عباده ففيها حكمة له ورحمة لعباده [3]



    ------------------------

    [1] كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم جيث قال ( لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده ) بخاري 5949

    [2] قال صلى الله عليه وسلم (إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله) بخاري 4925

    [3] الفتاوى 8-35
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    نسبة الشر إلى الله تعالى وحكم ذلك:

    إذا سأل سائل فقال: نحن نؤمن بالقدر خيره وشره من الله، فهل تصح نسبة الشر إلى الله تعالى ؟ وهل يقع في أفعاله شر؟

    فالجواب: أن يُقال: إن الله سبحانه وتعالى منزَّه عن الشر، ولا يفعل إلا الخير، والقدر من حيث نسبته إلى الله لا شر فيه بوجه من الوجوه؛ فإنه علم الله، وكتابتُه، ومشيئته، وخلقُه، وذلك خير محض، وكمال من كل وجه، فالشر ليس إلى الرب بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه ولا صفاته، ولا في أفعاله.

    ولو فَعَلَ الشر سبحانه لاشتُق له منه اسم، ولم تكن أسماؤه كلها حسنى، ولعاد إليه من الشر حكمٌ تعالى وتقدس.


    وإنما الشر يدخل في مخلوقاته، ومفعولاته، فالشر في المقضي، لا في القضاء، ويكون شرَّاً بالنسبة إلى محل، وخيراً بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شر من وجه آخر، بل هو الغالب، وهذا كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكفار؛ فإنه شرٌ بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم لما فيه من مصلحة الزجر، والنكال، ودفع الناس بعضهم ببعض , وكذلك الأمراض وإن كانت شروراً من وجه فهي خيرٌ من وجوهٍ عديدة.

    والحاصل أن الشر لا يُنسب إلى الله تعالى ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي " كان يثني على ربه بتنزيهه عن الشر بدعاء الاستفتاح في قوله "لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت"

    قال الإمام الصابوني " في معنى هذا الحديث ومعناه والله أعلم والشر ليس مما يُضاف إلى الله إفراداً أو قصداً حتى يُقال: يا خالق الشر، ويا مقدر الشر وإن كان الخالق والمقدر لهما جميعاً؛ لذلك أضاف الخضر عليه السلام إرادة العيب إلى نفسه فقال فيما أخبر الله عنه في قوله [أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا] سورة الكهف:79.

    ولمَّا ذكر الخير والبر والرحمة أضاف إرادتها إلى الله عز وجل فقال:[فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] سورة الكهف: 82.

    ولذلك قال مخبراً عن إبراهيم عليه السلام أنه قال:[وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] سورة الشعراء: 80.
    فأضاف المرض إلى نفسه، والشفاء إلى ربه، وإن كان الجميع منه"

    قال ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث"فتبارك وتعالى عن نسبة الشر إليه، بل كل ما نسب إليه فهو خير، والشر إنما صار شرَّاً لانقطاع نسبته وإضافته إليه؛ فلو أُضيف إليه لم يكن شرَّاً، وهو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته، لا في خلقه وفعله.

    وخلقُهُ، وفعلُه، وقضاؤه، وقدره خيرٌ كله؛ ولهذا تنزَّه سبحانه عن الظلم، الذي حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وُضِع في محله لم يكن شرَّاً، فعُلم أن الشر ليس إليه، وأسماؤه الحسنى تشهد بذلك.


    وقال أيضاً :فأسماؤه الحسنى تمنع نسبة الشر، والسوء، والظلم إليه، مع أنه سبحانه الخالق لكل شيء؛ فهو الخالق للعباد، وأفعالهم، وحركاتهم، وأقوالهم، والعبد إذا فعل القبيحَ المنهيَّ عنه، كان قد فعل الشرَّ والسوءَ.

    والربُّ سبحانه هو الذي جعله فاعلاً لذلك، وهذا الجَعْل منه عدلٌ وحكمةٌ، وصوابٌ، فَجَعْلُهُ فاعلاً خيرٌ، والمفعولُ شرٌّ قبيح؛ فهو سبحانه بهذا الجعل قد وضع الشيء في موضعه؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة التي يحمد عليها، فهو خير وحكمة، ومصلحة، وإن كان وقوعه من العبد عيباً، ونقصاً، وشرَّاً.

    والحاصل أن الله تعالى لا يُنسب إليه الشر؛ لأنه إن أريد بالشر وضع الشيء في غير موضعه فهو الظلم، ومقابله العدل، والله منزَّه عن الظلم.


    وإن أُريد به الأذى اللاحق بالمحل بسبب ذنب ارتكبه فإيجاد الله للعقوبة على ذنب لا يُعد شرَّاً له؛ بل ذلك عدلٌ منه تعالى.
    وإن أُريد به عدم الخير، وأسبابه الموصلة إليه فالعَدَمُ ليس فعلاً حتى ينسب إلى الله، وليس للعبد على الله أن يوفقه، فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، ومنع الفضل ليس بظلم ولا شر.

    ثم إن على العبد إذا عرف ما يضره وينفعه أن يَذلَّ لله عز وجل حتى يعينه على فعل ما ينفعه، ولا يقول: أنا لا أفعل حتى يخلق الله فيَّ الفعل، كما أنه لو هجم عليه عدو أو سبع فإنه يهرب ويفر ولا يقول: سأنتظر حتى يخلق الله فيَّ الهرب.

    ومن هنا يتبين لنا أن الشر لا ينسب إلى الله عز وجل.


    الايمان بالقضاء والقدر(94) محمد الحمد
    لمزيد بيان ينظر http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?t=14050
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  5. افتراضي

    بارك الله فيكم أستاذ ماكولا ونفعنا بعلمكم .

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    حفظك الله يا اخي الكريم وزادك الله تواضعاً ..
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الحكمة من إرادة الله لما يحبه:

    إذا قيل: كيف يريد الله أمراً، وفي الوقت نفسه لا يرضاه ولا يحبه؟ وكيف يجمع بين إرادته له وبغضه وكراهته؟

    قيل: إن المراد نوعان: مراد لنفسه، ومراد لغيره، فالمراد لنفسه مطلوب محبوب لذاته وما فيه من الخير؛ فهو مراد إرادة الغايات والمقاصد.

    والمراد لغيره قد لا يكون مقصوداً لما يريد، ولا فيه مصلحة بالنظر إلى ذاته وإن كان وسيلة إلى مقصوده، ومراده فهو مكروه له من حيث نفسه وذاته، مراد له من حيث قضاؤه، وإيصاله إلى مراده؛ فيجتمع الأمران: بغضه، وإرادته، ولا يتنافيان، فيبغض من وجه، ويحب من وجه آخر.

    وهذا أمر معلوم عند الخلق؛ فهذا الدواء الكريه الطعم والرائحة إذا علم الإنسان أن فيه شفاءَه أبغضه من وجه، وأحبه من وجه آخر؛ فيكرهه من جهة تألمه به، ويحبه من جهة إفضائه إلى ما يحب.


    وقل مثل ذلك في العضو المتآكل إذا عَلِم أن في قطعه بقاءً لجسده، وكقطع المسافة الشاقة إذا عَلِم أنها توصل إلى مراده، ومحبوبه، كالذي يقطع الفيافي، والمفاوز، والقفار، قاصداً البيت العتيق.

    ومن هنا يتبين لنا أن الشيء يجتمع فيه الأمران: بغض من وجه، وحب من وجه آخر، ولا يتنافيان، هذا في شأن المخلوق، فكيف بالخالق الذي لا تخفى عليه خافية، الذي له الحكمة البالغة؟ فهو سبحانه يكره الشيء، ولا يتنافى ذلك مع إرادته له لأجل غيره، وكونه سبباً إلى أمر محبوب
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  8. #8

    افتراضي

    طوبى لمن اختصه الله بهذه المنزلة: "يوتي الحكمة من يشاء ومن يوت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" البقرة.
    بارك الله فيك

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    3,520
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    3

    افتراضي

    موضوعاتٌ قيّمة....جزى الله خيراً كاتبها
    لا يحزنك تهافت الجماهير على الباطل كتهافت الفراش على النار ، فالطبيب الحق هو الذي يؤدي واجبه مهما كثر المرضى ، ولو هديت واحداً فحسب فقد أنقصت عدد الهالكين


    العجب منّا معاشر البشر.نفقد حكمته سبحانه فيما ساءنا وضرنا، وقد آمنا بحكمته فيما نفعنا وسرّنا، أفلا قسنا ما غاب عنا على ما حضر؟ وما جهلنا على ما علمنا؟ أم أن الإنسان كان ظلوماً جهولاً؟!


    جولة سياحية في جزيرة اللادينيين!!


    الرواية الرائعة التي ظلّت مفقودة زمنا طويلا : ((جبل التوبة))

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    زينب من المغرب / شكر الله لكم , وبارك فيكم .

    اخي مجرد انسان / حفظك ربي , ورفع قدرك .
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الحكمة من خلق إبليس، وخلق المصائب والآلام


    المطلب الأول: خلق إبليس والحكمة من ذلك: [1]

    الله عز وجل خلق إبليس الذي هو مادة الفساد التي تمد كل فساد في هذه الدنيا، في الأديان، والاعتقادات، والشهوات، والشبهات، وهو سبب لشقاوة العباد، وعَمَلِهم ما يغضب الله عز وجل وهو مع ذلك كله وسيلة إلى محابَّ كثيرةٍ، وحكم عظيمة.

    إذا تقرر ذلك فهذه بعض الحكم التي تلمسها العلماء من خلق إبليس:

    1- أن يَظهر للعباد قدرةُ الرب تعالى على خلق المتضادات والمتقابلات: فخلق هذه الذات - إبليس - التي هي أخبث الذوات، وهي سبب كل شر، وخَلَق في مقابلها ذات جبريل التي هي من أشرف الذوات وأزكاها، والتي هي مادة كل خير، فتبارك من خلق هذا وهذا، كما ظهرت قدرته في خلق الليل والنهار، والحر والبرد، والماء والنار، والداء والدواء، والموت والحياة، والحسن والقبيح، فالضد يظهر حسنه الضد، وهذا أدلُّ دليل على كمال قدرته، وعزته، وملكه، وسلطانه؛ فإنه خلق هذه المتضادات، وقابل بعضها ببعض، وسلط بعضها على بعض، وجعلها محل تصرفه، وتدبيره، وحكمته، فخلوُّ الوجود عن بعضها بالكلية تعطيل لحكمته، وكمال تصرفه، وتدبير مملكته .


    2- أن يُكَمِّلَ الله لأوليائه مراتب العبودية: وذلك بمجاهدة إبليس وحزبه، وإغاظته بالطاعة لله، والاستعاذة بالله منه، واللجوء إلى الله أن يعيذهم منه ومن كيده، فيترتب لهم على ذلك من المصالح الدنيوية، والأخروية ما لا يحصل بدونه.
    ثم إن المحبة، والإنابة، والتوكل، والصبر، والرضا، ونحوها أحب أنواع العبودية لله، وهذه إنما تتحقق بالجهاد، وبذل النفس، وتقديم محبته - عز وجل- على كل من سواه، فكان خلق إبليس سبباً لوجود هذه الأمور .


    3- حصول الابتلاء: ذلك أن إبليس خُلق ليكون محكَّاً يمتحن به الخلق؛ ليتبين به الخبيث من الطيب؛ فإن الله - سبحانه - خلق النوع الإنساني من الأرض، وفيها الطيب والخبيث؛ فلا بد أن يظهر فيهم ما هو من مادتهم .


    4- ظهور آثار أسمائه - تعالى - ومقتضياتها، ومتعلقاتها: فمن أسمائه: الرافع، الخافض، المعز، المذل، الحكم، العدل .
    وهذه الأسماء تستدعي متعلقاتٍ يظهر فيها أحكامُها، فكان خلق إبليس سبباً لظهور آثار هذه الأسماء، فلو كان الخلق كلهم مطيعين، ومؤمنين لم تظهر آثار هذه الأسماء.

    وقد ضرب الاستاذ ناصر الشريعة لفرعون مثالاً لحكمة الباري في خلقه فقال - حفظه الله -:

    فمن ذلك أننا لو مثلنا للحكمة في ذلك بخلق الله لفرعون، فسيظهر لنا من بعض حكمة الله في خلقه أمور منها:

    ظهور مقتضى اسم الله تعالى (الأعلى) حيث أظهر الله علوه على خلقه بمجازاة من أنكر وجوده وعلوه بالإغراق في اليمّ، معاقبة له على قوله {أنا ربكم الأعلى} فجعله الله الأسفل.

    وما في خلقه من ابتلاء واختبار لبني إسرائيل وأهل مصر، فصار سببا في زيادة ثواب المؤمنين المحسنين، وتمييزا لهم عن المفتونين الخاسرين.

    وما في خلقه من إظهار لعدل الله تعالى في عقوبته على ظلمه وبغيه في الأرض، وعلم أن بطش الكافر لا يحول بينه وبين عاجل نقمة الله عليه.

    كما كان في خلقه لفرعون ظهور فضيلة موسى عليه السلام في مقارعته له بالحجة والآيات، وصموده بالحق أمام كفر الكافرين من علية القوم وأرباب الكفر.

    وكان فيه إظهار عجز الكافر في أمره حتى أنه يسخره لحفظ المؤمن من حيث لا يشعر، فقد ربِي موسى عليه السلام في بيت فرعون أمام عينيه وسط داره وأهله، فإذا نهاية أمره وخاتمة ملكه على يديه.

    وغير ذلك من الحكم الكثيرة التي تتعلق بخلق فرعون، فضلا عن خلق كل واحد واحد من أفراد أهل الكفر.

    فسبحان الله عز وجل ما أحكمه وأعلمه وأقدره، وما أعجز الإنسان عن أن يحيط ببعض حكمة الله تعالى في بعض مخلوقاته فضلا عن جميع ذلك! "



    5- استخراج ما في طبائع البشر من الخير والشر: فالطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، والطيب والخبيث، وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد، فَخُلق الشيطان مستخرجاً لما في طبائع أهل الشر من القوة إلى الفعل، وأرسلت الرسل تستخرج ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل؛ فاستخرج أحكم الحاكمين ما في هؤلاء من الخير الكامن فيها؛ ليترتب عليه آثاره، وما في أولئك من الشر؛ ليترتب عليه آثاره وتظهر حكمته في الفريقين، وينفذ حكمه فيهما، ويظهر ما كان معلوماً له، مطابقاً لعلمه السابق .


    6- ظهور كثير من آيات الله وعجائب صنعه: فلقد حصل بسبب وقوع الكفر والشر من النفوس الكفَّارة الظالمة ظهور كثير من الآيات والعجائب، كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود وقوم لوط، وآية انقلاب النار على إبراهيم برداً وسلاماً، والآيات التي أجراها الله على يد موسى، وغير ذلك من الآيات؛ فلولا تقدير كفر الكافرين وجحد الجاحدين لما ظهرت هذه الآيات الباهرة التي يتحدث بها الناس جيلاً بعد جيل إلى الأبد.

    أما كونه - سبحانه وتعالى - أنظر إبليس إلى يوم القيامة فليس ذلك إكراماً له بل إهانة له ليزداد إثماً، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، إضافة إلى ذلك فالله جعله محكَّاً ليميز به الخبيث من الطيب - كما سبق - وما دام أن الخلق مستمر إلى يوم القيامة فإن هذا يقتضي بقاءه ببقاء خلق البشر، والله أعلم.






    -------------------------------

    [1] الايمان بالقضاء والقدر للحمد ( 98 ) ...وهي مستفادة ( شفاء العليل ص364_412 و 445_460، وطريق الهجرتين ص181_183، والفوائد ص136_140، ومقدمة مفتاح دار السعادة ص3 ومابعدها من المقدمة، ومدارج السالكين1/264_269، و2/190_198، شرح العقيدة الطحاوية ص252_256، والحكمة والتعليل في أفعال الله ص205_210، ولوامع الأنوار البهية 1/339_343.)
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    المطلب الثاني: خلق المصائب والآلام والحكمة من ذلك:

    وكذلك خلقُ الآلام، والمصائب فيه من الحكم ما لا يحيط بعلمه إلا الله - عز وجل- تلك الحكم التي تنطق بفضل الله، وعدله، ورحمته.

    قال ابن القيم : فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها، وإما لدفع ألم هو أصعب منها، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولِّدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن تكون من لوازم العدل، أو لوازم الفضل والإحسان؛ فتكون من لوازم الخير التي إن عُطِّلت ملزوماتها فات بتعطيلها خيرٌ أعظمُ من مفسدة تلك الآلام.

    والشرع والقدر أعدلا شاهد بذلك؛ فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى كما سماه الله بقوله:[إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ ] سورة النساء: 102.
    وكم في هذا الحر والبرد والرياح من أذى موجب لأنواع من الآلام لصنوف الحيوانات.
    وأعظم لذات الدنيا لذة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها، ومتولدة منها.
    بل الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق كالعلم، والشجاعة، والزهد، والعفة، والحلم، والمروءة، والصبر، والإحسان كما قال:
    لولا المشقة ساد الناس كلهم ... الجود يُفْقرُ والإقدام قتَّالُ
    وإذا كانت الآلام أسباباً لِلَذَّاتٍ أعظم منها وأدوم ـ كان العقل يقضي باحتمالها .

    إلى أن قال "وقد حجب الله - سبحانه - أعظم اللذات بأنواع المكاره، وجعله جسراً موصلاً إليها كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات، وجعلها جسراً موصلاً إليها.

    ولهذا قالت العقلاء قاطبة: إن النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن الراحة لا تنال بالراحة، وإن مَنْ آثر اللذات فاتته اللذات؛ فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم؛ إذ هي أسباب النِّعم.

    وما ينال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمورٌ جداً بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها كما ينالها من حر الصيف، وبرد الشتاء، وحبس المطر والثلج، وألم الحمل والولادة، والسعي في طلب أقواتها وغير ذلك.

    ولكن لذاتها أضعافُ أضعافِ آلامها، وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام؛ فسُنَّتُه في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمالُ علمه وحكمته وعزته.
    ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك، وقيل لكلٍّ منهم: ارجع بصر العقل فهل ترى من خلل؟
    [ثُمَّ ارْجِع الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ] سورة الملك:4، فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها، والأشياء من خلافها؛ فأخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والرطب من اليابس، واليابس من الرطب؛ فكذلك أنشأ اللذاتِ من الآلامِ، والآلامَ من اللذات؛ فأعظم اللذاتِ ثمراتُ الآلام ونتائجها، وأعظم الآلامِ ثمراتُ اللذات ونتائجها.

    وبعدُ فاللذةُ والسرورُ، والخيرُ والنعمُ، والعافيةُ والصحةُ والرحمةُ في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء ـ أكثرُ من أضدادها بأضعافٍ مضاعفة؛ فأين آلام الحيوان من لذته؟ وأين سقمه من صحته؟ وأين جوعه وعطشه من شبعه وريِّه وتعبه من راحته؟!


    هذا وفي الآلام والمصائب حكم عظيمة غير ما ذُكِرَ، وفيما يلي ذكرٌ لبعضها:.

    1- استخراج عبودية الضراء وهي الصبر: قال تعالى : [وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ] سورة الأنبياء: 35.
    فالابتلاء بالسراء والخير يحتاج إلى شكر، والابتلاء بالضراء والشر يحتاج إلى صبر.
    وهذا لا يتم إلا بأن يقّلِّبَ الله الأحوال على العبد حتى يتبين صدق عبوديته لله - تعالى -.

    قال صلى الله عليه وسلم "عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له" مسلم


    2- طهارة القلب، والخلاص من الخصال القبيحة: ذلك أن الصحة قد تدعو إلى الأشر، والبطر، والإعجاب بالنفس، لما يتمتع به المرء من نشاط، وقوة، وهدوء بال، ونعيم عيش.

    فإذا قُيِّد بالبلاء والمرض انكسرت نفسه، ورق قلبه، وتطهر من أدران الأخلاق الذميمة، والخصال القبيحة من كبر، وخيلاء، وعجب، وحسد، ونحوها، وحلَّ محلَّها الخضوعُ لله، والانكسار بين يديه، والتواضع لخلق الله، وترك الترفع عليهم.

    قال المنبجي "وليعلم أهل المصائب أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد من أدواء الكبر، والعجب، والفرعنة، وقسوة القلب ما هو سبب هلاكه عاجلاً وآجلاً؛ فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب؛ تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظاً لصحة عبوديته، واستفراغاً للمواد الفاسدة، الرديئة، المهلكة؛ فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه، كما قيل:
    قد ينعم الله بالبلوى، وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

    فلولا أنه - سبحانه وتعالى - يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا، وبغوا، وعتوا، وتجبروا في الأرض، وعاثوا فيها بالفساد؛ فإن من شيم النفوس إذا حصل لها أمر، ونهي، وصحة، وفراغ، وكلمة نافذة من غير زاجر شرعي يزجرها تمردت، وسعت في الأرض فساداً، مع علمهم بما فعل بمن قبلهم، فكيف لو حصل لهم مع ذلك إهمال؟

    ولكن الله - سبحانه وتعالى - إذا أراد بعبده خيراً سقاه دواء الابتلاء والامتحان على قدر حاله، يستفرغ منه الأدوية المهلكة، حتى إذا هذبه، ونقاه، وصفَّاه أهَّلَه لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته، ورقاه أرفع ثواب الآخرة، وهي رؤيته .


    3- تقوية المؤمن: ذلك أن في المصائب تدريباً للمؤمن، وامتحاناً لصبره، وتقوية لإيمانه.

    4- النظر إلى قهر الربوبية وذل العبودية: فإنه ليس لأحد مفر عن أمر الله، وقضائه، ولا محيد عن حكمه النافذ وابتلائه؛ فنحن عبيد الله، يتصرف فينا كما يشاؤه ويريده، ونحن إليه راجعون في جميع أمورنا، وإليه المصير يجمعنا لنشورنا.

    5- حصول الإخلاص في الدعاء، وصدق الإنابة في التوبة: ذلك أن المصائب تُشعر الإنسان بضعفه، وافتقاره الذاتي إلى ربه، فيبعثه ذلك إلى إخلاص الدعاء له، وشدة التضرُّع والاضطرار إليه، وصدق الإنابة في التوبة والرجوع إليه.
    ولولا هذه النوازل لم يُرَ على باب اللجأ والمسكنة؛ فالله - عز وجل - علم من الخلق اشتغالهم عنه، فابتلاهم من خلال النعم بعوارض تدفعهم إلى بابه يستغيثون به؛ فهذا من النعم في طي البلاء، وإنما البلاء المحض ما يشغلك عن ربك.
    قال سفيان بن عيينة "ما يكره العبد خيرٌ له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يهيجه للدعاء، وما يحبه يلهيه ".


    6- إيقاظ المبتلى من غفلته: فكم من مبتلى بفقد العافية حصلت له توبة شافية، وكم من مبتلى بفقد ماله انقطع إلى الله بحسن حاله، وكم من غافل عن نفسه، معرضٍ عن ربه أصابه بلاء فأيقظه من رقاده، ونبهه من غفلته، وبعثه لتفقد حاله مع ربه.

    7- معرفة قدر العافية: لأن الشيء لا يعرف إلا بضده، فيحصل بذلك الشكرُ الموجب للمزيد من النعم؛ لأن ما مَنَّ الله به من العافية أتم وأنعم، وأكثر وأعظم مما ابتلى وأسقم، ثم إن حصول العافية والنعمة بعد ألم ومشقة أعظم قدراً عند الإنسان.


    8- أن من الآلام ما قد يكون سبباً للصحة: فقد يصاب المرء بمرض ويكون سبباً للشفاء من مرض آخر، وقد يبتلى ببلية فيذهب لعلاجها فيكتشف أن به داءً عضالاً لم يكتشف إلا بسبب هذا المرض الطارئ، قال أبو الطيب المتنبي:
    لعلَّ عَتْبَك محمودٌ عواقِبُه ... وربما صحت الأبدان بالعلل

    قال ابن القيم "وكثيراً ما تكون الآلام أسباباً للصحة لولا تلك الآلام لفاتت.
    وهذا شأن أكبر أمراض البدن؛ فهذه الحمى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا الله، وفيها من إذابة الفضلات، وإنضاج المواد الفَجَّة وإخراجها ما لا يصل إليه دواءٌ غيرها.
    وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمى استبشر بها الطبيب .

    9- حصول رحمة أهل البلاء: فالذي يبتلى بأمر ما يجد في نفسه رحمة لأهل البلاء، وهذه الرحمة موجبة لرحمة الله وجزيل العطاء؛ فمن رَحِمَ من في الأرض رَحِمَهُ من في السماء.

    10- حصول الصلاة من الله والرحمة والهداية: قال تعالى: [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ] سورة البقرة: 155-157.

    11- حصول الأجر، وكتابة الحسنات وحط الخطيئات: قال صلى الله عليه وسلم "ما من شيء يصيب المؤمن، حتى الشوكةِ تصيبه، إلا كتب الله له بها حسنة، أو حُطت عنه بها خطيئة" مسلم

    قال بعض السلف: لولا مصائب الدنيا لوردنا القيامة مفاليس ".


    بل إن الأجر والثواب لا يختص به المبتلي فحسب، بل يتعداه إلى غيره؛ فالطبيب المسلم إذا عالج المريض واحتسب الأجر كتب له الأجر - بإذن الله -؛ فمن نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.
    وكذلك الذي يزور المريض المبتلى يكتب له الأجر، وكذلك من يقوم على رعايته.

    12- العلم بحقارة الدنيا وهوانها: فأدنى مصيبة تصيب الإنسان تعكر صفوه، وتنغص حياته، وتنسيه ملاذَّه، والكَيِّسُ الفَطِنُ لا يغتر بالدنيا، بل يجعلها مزرعة للآخرة.

    13- أن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه: وهذا سر بديع، يحسن بالعبد أن يتفطن له؛ ذلك أن الله - عز وجل - أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين؛ فهو أعلم بمصالح عباده منهم، وهو أرحم بهم من أنفسهم ووالديهم.
    وإذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيراً لهم من ألا ينزل بهم؛ نظراً منه لهم، وإحساناً إليهم، ولطفاً بهم.
    ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم، لكنه -عز وجل- تولى تدبير أمورهم بموجب علمه، وعدله، وحكمته، ورحمته أحبوا أم كرهوا.

    14- أن الإنسان لا يعلم عاقبة أمره: فربما طلب ما لا تحمد عقباه، وربما كره ما ينفعه، والله - عز وجل - أعلم بعاقبة الأمر.

    قال ابن القيم "فقضاؤه للعبد المؤمن عطاء وإن كان في صورة المنع، ونعمة وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية, ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذ به في العاجل، وكان ملائماً لطبعه.
    ولو رزق من المعرفة حظَّاً وافراً لعدَّ المنع نعمة، والبلاء رحمة، وتلذذ بالبلاء أكثر من لذته بالعافية، وتلذذ بالفقر أكثر من لذته بالغنى، وكان في حال القلة أعظم شكراً من حال الكثرة".


    15- الدخول في زمرة المحبوبين لله - عز وجل -: فالمبتلون من المؤمنين يدخلون في زمرة المحبوبين المُشَرَّفين بمحبة رب العالمين؛ فهو -سبحانه- إذا أحب قوماً ابتلاهم، وقد جاء في السنة ما يشير إلى أن الابتلاء دليل محبة الله للعبد؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط" الترمذي وابن ماجه

    16- أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والعكس: فإذا صحت معرفة العبد بربه علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه، والمحن التي تنزل به أنها تحمل في طياتها ضروباً من المصالح والمنافع لا يحصيها علمه، ولا تحيط بها فكرته.

    بل إن مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب؛ فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامَّة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها، قال تعالى: [فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً] سورة النساء: 19.

    وقال: [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ] سورة البقرة: 216.
    فإذا علم العبد أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، وأن المحبوب قد يأتي بالمكروه لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة.
    إلى غير ذلك من الحكم التي قد يعلمها بعض الناس وقد لا يعلمها.

    ومن هنا يتضح لنا أنه لا تنافي بين إرادة الله لأمر من الأمور مع بغضه له؛ لما له - عز وجل - من الحكم العظيمة الباهرة.


    ينظر الايمان بالقضاء والقدر للحمد
    التعديل الأخير تم 03-21-2011 الساعة 01:00 PM
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    هل هناك من حكم لخلق المعاصي وتقديرها؟

    قال الإمام ابن القيم : وهذا باب عظيم من أبواب المعرفة قلَّ من استفتحه من الناس، وهو شهود الحكمة البالغة من قضاء السيئات وتقدير المعاصي وإنما استفتح الناس باب الحكم في الأوامر والنواهي، وخاضوا فيها، وأتوا بما وصلت إليه علومهم , واستفتحوا أيضاً بابها في المخلوقات كما قدمناه وأتوا بما وصلت إليه قواهم.
    وأما هذا الباب فكما رأيت كلامهم فيه، فقلَّ أن ترى لأحدهم ما يشفي، أو يلم. وكيف يطَّلع على حكمة هذا الباب من عنده أن أعمال العباد ليست مخلوقة لله ولا داخلة تحت مشيئته أصلاً؟ وكيف يتطلب لها حكمة، أو يثبتها، أم كيف يطلع من يقول: هي خلق الله، ولكن أفعاله غير معللة بالحكم؟ مفتاح دار السعادة 1/286.

    إلى أن قال"والمقصود أن مشاهدة حكمة الله في أقضيته وأقداره التي يجريها على عباده باختياراتهم وإراداتهم هي ألطف ما تكلم فيه الناس، وأدقُّه، وأغمضه، وفي ذلك حِكَمٌ لا يعلمها إلا الحكيم العليم سبحانه ونحن نشير إلى بعضها" مفتاح دار السعادة 1/286.
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    المشاركات
    1,574
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    الحكمة من خلق المعاصي وتقديرها :.

    1 - أن الله يحب التوابين: حتى إنه ليفرح بتوبة أحدهم أعظم من فرح الواحد براحلته التي عليها طعامه، وشرابه في الأرض الدوية المهلكة إذا فقدها وأيس منها.

    وليس من أنواع الفرح أكمل وأعظم من هذا الفرح؛ فالله -عز وجل- يقضي على عبده بالذنب، ثم إن كان ممن سبقت له الحسنى قضى له بالتوبة، وإن كان ممن غلبت عليه الشقاوة أقام عليه حجة عدله، وعاقبه بذنبه. قال صلى الله عليه سلم "لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة، ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومةً، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله.قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومةً، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده"

    قال ابن القيم : تعليقاً على هذا الحديث"ولم يجيء هذا الفرح في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيراً عظيماً في حال التائب وقلبِه، ومزيدُه لا يُعبَّر عنه. وهو من أسرار تقدير الذنوب على العباد؛ فإن العبد ينال بالتوبة درجة المحبوبية، فيصير حبيباً لله؛ فإن الله يحب التوابين، ويحب العبد المفتن التواب

    2- أن الله - عز وجل - يُحب أن يتفضل على عباده: ويتم نعمه عليهم، ويريهم مواقع بره وكرمه؛ فلذلك ينوعه عليهم أعظم الأنواع في سائر الوجوه الظاهرة والباطنة. ومن أعظم ذلك أن يحسن إلى من أساء، ويعفو عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب، ويتوب على من تاب إليه، ويقبل عذر من اعتذر إليه.

    وقد ندب عباده إلى هذه الشيم الفاضلة، والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحق، وكان في تقدير أسبابها من الحكم والعواقب الحميدة ما يبهر العقول.
    هذا ولو شاء الله ألا يُعصى في الأرض طرفة عين لم يُعْصَ، ولكن اقتضت مشيئته ما هو موجب حكمته - سبحانه -

    3- أن يعرف العبد حاجته إلى حفظ الله له، ومعونته، وصيانته: وأنه كالوليد في حاجته إلى من يحفظه؛ فإنه إن لم يحفظه مولاه، ويصونَه، ويعينه فهو هالك ولابد .

    وقد ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قدم على النبي صلى الله عليه و سلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا النبي صلى الله عليه و سلم ( أترون هذه طارحة ولدها في النار ) . قلنا لا وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال ( لله أرحم بعباده من هذه بولدها )

    قال ابن القيم "وقد مدَّت الشياطين أيديها إلى العبد من كل جانب، تريد تمزيق حاله كله، إفساد شأنه كله، وأن مولاه إن وكله إلى نفسه وكله إلى ضيعة وعجز وذنب وخطيئة وتفريط؛ فهلاكه أدنى إليه من شراك نعله؛ فقد أجمع العلماء بالله على أن التوفيق ألا يكل اللهُ العبدَ إلى نفسه، وأجمعوا على أن الخذلان أن يخلي بينه وبين نفسه .


    4- استجلاب العبوديات المتنوعة من العبد إذا أذنب: من استعاذة، واستعانة، ودعاء، وتضرع، مما هو من أعظم أسباب سعادته وفلاحه؛ فيحصل للروح بذلك قرب خاص لم يكن يحصل بدون هذه الأسباب، ويجد العبد نفسه كأنه ملقى على باب مولاه بعد أن كان نائياً عنه؛ فهو لا يرى نفسه إلا مسيئاً، ولا يرى ربَّه إلا محسناً، قد كسر إزراؤه على نفسه قلبَه، وذلل لسانُه جوارحَه؛ فلو لم يكن من ثمرات ذلك القضاء والقدر إلا هذا لكفى به حكمة وكفى .


    5- استخراج تمام العبودية: وذلك بتكميل مقام الذل والانقياد؛ فأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً لله، وانقياداً، وطاعة .


    6- أن يعرف العبد حقيقة نفسه: وأنها الظالمة الجهول، وأن ما صدر منها من شر فقد صدر من أهله ومعدنه؛ إذ الجهل والظلم منبع الشر كله، وأن كل ما فيها من خير، وعلم، وهدى، وإنابة، وتقوى فهو من ربها الذي زكاها به، وأعطاها إياه.
    فإذا ابتلي العبد بالذنب عرف نفسه، ونَقْصَها؛ فَرُتِّبَ له على ذلك حِكَمٌ ومصالح عديدة، منها أن يأنف نقصها، ويجتهد في كمالها، ومنها أن يعلم فقرها إلى من يتولاها ويحفظها .

    7- تعريف العبد بكرم الله، وستره، وسعة حلمه: وأنه لو شاء لعاجله على الذنب، ولهتك ستره بين العباد، فلم يَطِبْ له عيشٌ معهم أبداً.ولكنه - عز وجل - جلَّله بستره، وغشاه بحلمه، وقيَّض له من يحفظه وهو في حالته هذه، بل كان شاهداً عليه وهو يبارزه بالمعاصي والآثام، ومع ذلك يحرسه بعينه التي لا تنام .


    8- تعريف العبد بكرم الله في قبول التوبة: فلا سبيل إلى النجاة إلا بعفو الله وكرمه ومغفرته، فهو الذي جاد عليه بأن وفقه للتوبة، وألهمه إياها، ثم قبلها منه، فتاب عليه أولاً وآخراً .

    9- إقامة الحجة على العبد: فإذا أصابه ما أصابه فلا يقل: من أين أُتيت، ولا بأي ذنب أُصبت؛ فما أصاب العبد من مصيبة قط دقيقة أو جليلة إلا بما كسبت يده، وما يعفو الله أكثر .


    10- أن يعامل العبد بني جنسه بما يحب أن يعامله الله به: فيعامل بني جنسه في زلاتهم وإساءاتهم بما يحب أن يعامله الله في إساءته، وزلاته، وذنوبه؛ فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفى عفى الله عنه، ومن سامح أخاه سامحه الله، ومن استقصى استقصى الله عليه، وهكذا. . .


    ثم إذا علم أن الذنوب والإساءة لازمة للإنسان لم تعظم عنده إساءة الناس إليه؛ فليتأمل حاله مع ربه، كيف هو مع فرط إحسانه إليه، وحاجته هو إلى ربه، وهو هكذا له؛ فإذا كان العبد هكذا لربه فكيف ينكر أن يكون الناس له بتلك المنزلة؟ .



    11- إقامة المعاذير للخلائق: فإذا أذنب العبد أقام المعاذير للخلائق، واتسعت رَحمته لهم، واستراح من الضيق والحصر، وأَكْلِ بعضه بعضاً، واستراح العصاة من دعائه عليهم، وقنوطه من هدايتهم؛ فإنه إذا أذنب رأى نفسه واحداً منهم، فهو يسأل الله لهم المغفرة، ويرجو لهم ما يرجوه لنفسه، ويخاف عليهم ما يخافه على نفسه.
    ومع هذا فيقيم أمر الله فيهم؛ طاعةً لله، ورحمةً بهم، وإحساناً إليهم؛ إذ هو عين مصلحتهم، لا غلظة، ولا قوة، ولا فظاظة .


    12- أن يخلع العبد صولة الطاعة من قلبه: وينزع داء الكبر والعظمة الذي ليس له، ويلبس رداء الذل، والانكسار، والفقر والفاقة؛ فلو دامت تلك الصولة والعزة في قلبه لخيف عليه مما هو أعظم الآفات؛ فكم بين آثار العجب والكبر وصولة الطاعة، وبين آثار الذلة والمسكنة والانكسار؟

    قال ابن القيم : وأكثر الناس من المتنزهين عن الكبائر الحسية والقاذورات في كبائر مثلها أو أعظم منها أو دونها، ولا يخطر بقلوبهم أنها ذنوب ليتوبوا منها؛ فعندهم من الإزراء على أهل الكبائر واحتقارهم وصولة طاعتهم، ومنَّتهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاء بواطنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعتهم اقتضاءاً لا يخفى على أحد غيرهم، وتوابع ذلك ما هو أبغض إلى الله، وأبعد لهم عن بابه من كبائر أولئك؛ فإن تدارك الله أحدهم بقاذورة أو كبيرة يوقعه فيها؛ ليكسِر بها نفسه، ويعرفه قدره، ويُذله بها، ويخرج بها صَوْلة الطاعة من قلبه _ فهي رحمة في حقه، كما أنه إذا تدارك أصحاب الكبائر بتوبة نصوح، وإقبال بقلوبهم إليه فهو رحمة في حقهم، وإلا فكلاهما على خطر .

    ثم إن التذلل والانكسار والخضوع لب العبودية؛ إذ هذه الأعمال القلبية أحب إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة، وحصول ذلك للمذنب التائب أكمل له من غيره؛ فإنه قد شارك من لم يُذنب في ذل الفقر والعبودية والمحبة، وامتاز عنه بانكسار قلبه.
    وقد جاء في الأثر الإسرائلي: يا رب أين أجدك؟
    قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي
    ولأجل هذا كان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد
    لأنه مقام ذل وانكسار بين يدي ربه.

    ولعل هذا هو السر في استجابة دعوة المظلوم، والمسافر، والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعة المظلوم تُحْدِثُ عنده كسرة في قلبه، وكذلك المسافر في غربته يجد كسرة في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سورة النفس السَّبُعية الحيوانية.


    13- هياج العبوديات القلبية وانبعاثها: ذلك أن لله على القلوب أنواعاً من العبودية، من الخوف، والخشية، والإشفاق، والوجل، وتوابعها من المحبة، والإنابة، وابتغاء الوسيلة وتوابعها.
    وهذه العبوديات لها أسباب تهيجها وتبعث عليها؛ وكلما قيَّض الرب _تعالى_ لعبده من الأسباب الباعثة على ذلك، المهيجة له فهو من أسباب رحمته، ورُبَّ ذنب قد هاج لصاحبه من الخوف، والإشفاق، والوجل، والإنابة، والمحبة، والفرار إلى الله ما لا يهيجه كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سبباً لاستقامة العبد، وفراره إلى الله، وبعده عن طريق الغي .

    14- أن يعرف العبد نعمة معافاة الله وفضله، وتوفيقه له، وحفظه إياه: فإن من تربى في العافية لا يعلم ما يقاسيه المبتلى، ولا يعرف مقدار العافية؛ فلو عرف أهل الطاعة أنهم هم المنعم عليهم في الحقيقة لعلموا أن لله عليهم من الشكر أضعاف ما على غيرهم وإنْ توسَّدوا التراب، ومضغوا الحصى، فهم أهل النعمة المطلقة، وأنَّ من خلَّى الله بينه وبين معاصيه فقد سقط من عينه، وهان عليه.

    فإذا طالبت العبدَ نَفْسُه بما تطالبه من الحظوظ والأقسام، وأَرَتْهُ أنه في بلية وضائقة تداركه الله برحمته، وابتلاه ببعض الذنوب، فرأى ما كان فيه من المعافاة والنعمة، وأنه لا نسبة لما كان فيه من النعم إلى ما طلبته نفسه من الحظوظ، فحينئذٍ يكون أكثر أمانيه وآماله العودَ إلى حاله، وأن يمتعه الله بعافيته .


    15- أن التوبة توجب للتائب آثاراً عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدونها: فتوجب له المحبة، والرقة، واللطف، وشكر الله، وحمده، والرضا عنه، فَرُتِّبَ له على ذلك أنواع من النعم لا يهتدي العبد لتفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركتها، وآثارها ما لم ينقضها، أو يفسدها .


    16- استكثار القليل من النعم: فإذا شهد العبد ذنوبه، ومعاصيه، وتفريطه في حق ربه استكثر القليل من نعم ربه عليه - ولا قليل منه - لعلمه أن الواصل إليه منها كثير على مسيء مثله، واستقل الكثير من عمله؛ لعلمه أن الذي ينبغي أن يغسل به أوضاره أضعافُ ما أتى به؛ فهو دائماً مستقل لعمله كائناً ما كان، مستكثر لنعمة الله عليه وإن دقَّت.

    قال ابن القيم عن هذا الوجه: وهو من ألطف الوجوه؛ فعليك بمراعاته؛ فله تأثير عجيب، ولو لم يكن من فوائد الذنب إلا هذا لكفى؛ فأين حال هذا من حال من لا يرى لله عليه نعمة إلا ويرى أنه ينبغي أن يعطى ما هو فوقها وأجل منها

    إلى أن قال عن هذا الضرب من الناس وهذا الضرب من الناس من أبغض الخلق إلى الله، وأشدهم مقتاً عنده، وحكمةُ الله تقتضي أنهم لا يزالون في سفال؛ فهم بين عتب على الخالق وشكوى له، وذلٍّ لخلقه وحاجة إليهم، وخدمة لهم

    17- أن الذنب يوجب لصاحبه التحرز والتيقظ من مصائد عدوه ومكائده: فيعلم من أين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم، ومن أين يخرجون عليه، وفي أي وقت يخرجون؛ فهو قد استعد لهم، وتأهب، وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم؛ فلو أنَّه مرَّ عليهم على غِرَّةٍ وطمأنينة لم يأمن أن يظفروا به، ويجتاحوه جملة


    18- مراغمة الشيطان وإغاظته ومجاهدته: فالقلب يذهل عن عدوه، فإذا أصابه منه مكروه استجمعت له قوته، وطلب بثأره إن كان قلبه حرَّاً كريماً.كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجاً، طالباً، مقداماً.
    والقلب المهين كالرجل الضعيف المهين إذا جرح ولَّى هارباً، والجراحات في أكتافه.وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق؛ فلا خير فيمن لا مروءة له، لا يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوٍّ له. فما شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدوَّ أعدى له من الشيطان؛ فإن كان له قلب من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد جدَّ في أخذ الثأر، وغاظ عدوَّه كل الغيظ، وأضناه

    كما جاء عن بعض السلف إن المؤمن لَيُنْضِي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره

    19- معرفة الشر؛ حذر الوقوع فيه: فالذي يقع في الذنب يصير كالطبيب ينتفع به المرضى في علاجهم ودوائهم؛ فالطبيب الذي عرف المرض مباشرة، وعرف دواءه وعلاجه أحذق وأخبر من الطبيب الذي عرف الداء وصفاً فحسب.
    هذا في أمراض الأبدان، وكذلك أمراض القلوب وأدواؤها.

    ولذلك كان الصحابة - رضي الله عنهم - أعرف الأمة بالإسلام، وتفاصيله، وأبوابه، وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه، ومحبةً له، وجهاداً لأعدائه؛ لعلمهم بضده.
    فإذا عرف العبد الضدين، وعلم مباينة الطرفين، وعرف أسباب الهلاك على التفصيل كان أحرى أن تدوم له النعمة ما لم يؤثر أسباب زوالها على علم، وفي مثل هذا قال

    القائل:
    عرفتُ الشرَّ لا للشرْ ... رِ لكنْ لتوقِّيه
    ومن لا يعرف الشرَّ ... من الناس يقعْ فيه

    وهذه حال المؤمن يكون فطناً حاذقاً أعرف الناس بالشر، وأبعدهم عنه؛ فإذا تكلم في الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالَطْتَهُ، وعرفت طويته رأيته من أبر الناس.
    والمقصود أن من بُليَ بالآفات صار أعرف الناس بطرقها، وأمكنه أن يسدها على نفسه، وعلى من استنصحه من الناس، ومن لم يستنصحه .

    20- ابتلاء العبد بالإعراض عنه: - فالله عز وجل - يذيق عبده ألم الحجاب عنه، وزوال ذلك الأنس به، والقرب منه؛ ليمتحن عبده، فإن أقام العبد على الرضا والحال، ولم يجد نفسه تطالبه بحالها الأول مع الله، بل اطمأنت وسكنت إلى غيره علم أنه لا يصلح، فوضعه في مرتبته التي تليق به.

    وإن استغاث استغاثة الملهوف، وتَقَلَّقَ تَقَلُّقَ المكروب، ودعاه دعاء المضطر، وعلم أنه قد فاتته حياته حقَّاً، فهو يهتف بربه أن يرد عليه ما لا حياة له بدونه علم أنه موضعٌ لما أُهِّلَ له، فردَّ عليه أحوج ما هو محتاج إليه، فعظمت به فرحته، وكملت به لذته، وتمت به نعمته، واتصل به سروره، وعلم حينئذٍ مقداره، فعضَّ عليه بالنواجذ، وثنَّى عليه بالخناصر؛ فالعبد إذا بُليَ بَعْدَ الأنْسِ بالوحشة، وبعد القرب بنار البعاد اشتاقت نفسه إلى لذة تلك المعاملة، فحنَّتْ، وأنَّتْ، وتصدَّعت، وتعرضت لنفحات مَنْ ليس لها عنه عوضٌ أبداً، ولاسيما إذا تذكر برَّه، ولطفه، وحنانه، وقربه .


    21 - أن الحكمة الإلهية اقتضت تركيب الشهوة والغضب في الإنسان: وهاتان القوتان فيه بمنزلة صفاته الذاتية التي لا ينفك عنهما، وبهما وقعت الفتنة والابتلاء.
    وتركيب الإنسان على هذا الوجه هو غاية الحكمة، ولابد أن يقتضي كل واحد من القوتين أثره، فلابد من وقوع الذنب، والمخالفات والمعاصي.
    ولو لم تُخلق في الإنسان لم يكن إنساناً، بل كان مَلَكاً، فأما من اكتنفته العصمة، وضُرِبَتْ عليه سرادقاتُ الحفظ فهم أقل أفراد النوع الإنساني، بل هم خلاصته ولبه .


    22- أن الله إذا أراد بعبد خيراً أنساه رؤية طاعاته، ورفعها من قلبه ولسانه: فإذا ابتلي العبد بالذنب جعله نصب عينيه، وجعل همه كله بذنبه، فلا يزال ذنْبه أمامه إن قام أو قعد، أو غدا أو راح، فيكون هذا عين الرحمة في حقه، كما

    قال بعض السلف: إن العبد ليعمل الخطيئةَ فلا تزال نصبَ عينيه كلما ذكرها بكى، وندم، واستغفر، وتضرع، وأناب إلى الله، وذل وانكسر، وعمل لها أعمالاً فتكون سبباً للرحمة في حقه. ويعمل الحسنة، فلا تزال نصب عينيه، يمن بها، ويراها، ويعتد بها على ربه، وعلى الخلق، ويتكبر بها، ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه، ويكرمونه، ويجلونه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار.


    23- لزوم التواضع وترك الترفع: فإذا شهد العبد ذنوبه وخطاياه أوجب له ذلك ألا يرى لنفسه على أحد فضلاً، ولا له على أحد حقَّاً، فلا يظن أنه خير مسلم يؤمن بالله ورسوله، وإذا شهد ذلك من نفسه لم يرَ لها على الناس حقوقاً من الإكرام، فاستراح هذا في نفسه، وأراح الناس من شكايته وغضبه على الوجود وأهله؛ فما أطيب عيشه، وما أنعم باله؛ فأين هذا ممن لا يزال عاتباً على الخلق، شاكياً تركَ قيامهم بحقه، ساخطاً عليهم وهم عليه أسخط؟

    24- الاشتغال بعيوب النفس، والإمساك عن عيوب الناس: فالذنب يوجب له الإمساك عن عيوب الناس، والفكر فيها؛ فإنه في شغل بعيب نفسه، وهذا من أمارات السعادة.

    25- الاستغفار للخطائين: فإذا وقع الذنب من العبد شهد نفسه مثل إخوانه الخطائين، وشهد أن المصيبة واحدة، وأنهم مشتركون في الحاجة، بل الضرورة إلى مغفرة الله، وعفوه، ورحمته؛ فكما يحب أن يستغفر له أخوه المسلم كذلك هو أيضاً يجب أن يستغفر لأخيه المسلم.

    هذه بعض الحكم من خلق المعاصي، وتقدير السيئات، يتضح بها شيء من حكمة العليم الحكيم فيما يقدره ويقضيه.
    وبعد أن ساق الإمام ابن القيم كلاماً طويلاً نفيساً في الحِكَمِ من خلق المعاصي قال في آخره: فهذه الأثمار ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب فهي علامة كونه رحمة في حقه، ومتى اجتنى منه أضدادها، وأوجبت له خلاف ما ذكرناه فهي والله علامة الشقاوة" .


    استفيدت هذه المادة من الايمان بالقضاء والقدر لمحمد الحمد - حفظه الله -
    وأيُّما جِهَةٍ أعرَضَ اللهُ عَنها ؛ أظلمت أرجاؤها , ودارت بها النُحوس !

    -ابن القيم-

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,722
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    1

    افتراضي

    جزاك الله عنا خيراً .. هذا المقال يستحق المقدمة ..
    وكل من يريد الغطلاع على مسائل الحكمة .. يحسن له قراءته ..
    فقد حوى درراً إنتظمت من دقائق كلام أهل العلم

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الحكمة والتعليل من الخلق - تساؤلات
    بواسطة نور الدين الدمشقي في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 30
    آخر مشاركة: 09-26-2013, 11:43 PM
  2. إعلان: نفي > نفي الحكمة عن أفعال الله
    بواسطة أبو حب الله في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-07-2012, 06:25 PM
  3. تعليل أفعال الله وإثبات الحكمة فيها.
    بواسطة مالك مناع في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 07-18-2011, 03:31 AM
  4. الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى pdf
    بواسطة السالم في المنتدى المكتبة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-26-2008, 05:02 PM
  5. مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 11-13-2008, 07:08 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء