صفحة 2 من 20 الأولىالأولى 123412 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 16 إلى 30 من 295

الموضوع: الكوميديا الإلحادية

  1. #16
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    أخي الكريم, رزقني الله وإياك التواضع.. هذه الخربشات لها هدف معين.. أريد أن أنقل الكلام مع الملاحدة من دائرة الجد إلى دائرة الهزل.. فأكثرهم ليس إلا آلة صماء لبث الشبهات.. فلمثل هؤلاء نصبت يوميات أبي الإلحاد الرقمي ليروا فيها وجوههم وفكرهم وتخبطهم.
    لا يهم كيف تسميني, المهم أن تصل كلماتي وأن تبلغ وجهتها.. وإن كنت أطمع أن أبلغ يوما مراتب فحول أهل الأدب من المسلمين.
    التعديل الأخير تم 03-17-2011 الساعة 03:15 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  2. افتراضي

    بارك الله فيك

    حقيقة حري بكل مسلم تسخير وتوظيف كل ما لديه من طاقات ومواهب في الدفاع عن الدين وفي خدمة الاسلام و المسلمين , ولا شك ان سلاح الكلمة الراقية تحدث من التأثير ما لا يمكن تصوره, فقد تغني احدى هذه المقالات الادبية عن عشرات المناظرات والأخذ والرد ولنا مثال بذلك الصحابي الجليل حسان بن ثابت وكيف استطاع النبي عليه الصلاة والسلام توظيف هذه الموهبة حتى قال عليه الصلاة والسلام "اهجهم وروح القدس معك"

    تحياتي لك.

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    وفيك بارك الله أبا الوليد..
    ولك أهدي المقالة التالية.. وأتمنى أن تروقك..
    إنها جواب سؤال خطر يوما ببالي وهو: أيها الملحد: هل شعرت يوما أنك سلفي؟
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  4. #19
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    السلفية الإلحادية

    عاد أبو الإلحاد من عمله وهو يفكر في مقالة جديدة يدبجها, ثم يضعها لبنة في بناء "التنوير" الذي لا يفهم معناه خفافيش الظلام.. تفكر في تراجع القيم الإنسانية البحتة لحساب القيم البالية الموروثة.. تفكر في عودة "الميتافيزيقا" إلى عالم يحلم رواده باستيطان المريخ.. عجبا لهؤلاء المتعلقين بالأوهام.. كيف يصدقون المحال.. كيف يسلمون عقولهم للخرافة.. تصور "الميتافيزيقا" امرأة ذميمة تركب حصانا بلا سرج تغير على الأميين وأنصاف المتعلمين لتسلبهم "الفكر الحر" و"النقد العلمي".. توقف عند هذه النقطة قليلا وتساءل: هل صحيح أن خصوم "التنوير" وحدهم يصدرون عن فكر موورث؟ هل غيرهم بريء من التقليد؟ "المتنورون" يدعون التحرر والاستقلال الفكري.. فهل تصمد هذه الدعوى أمام النقد؟.. وهل تسلم من الاعتراضات نفسها التي يرمون بها خصومهم؟ أحس بأن تفكيره يقوده في وجهة طالما هرب منها.. دعته غريزة حب البقاء "الداروينية" إلى توخي الحذر.. خشي على إلحاده أن يتدنس بشوائب "الهرطقة الدينية".. أحس باقترابه من مأزق.. هم بالنكوص.. لكنه تذكر تشدقه الممجوج بالحرية الفكرية والموضوعية والنقد الذاتي فأصر على أن يمضي خلف تأملاته إلى آخر الطريق.. ومهما كلفه الأمر.

    حينها شغل حاسوبه وفتح صفحة جديدة.. بدأ يكتب مقالته: " إسهاما في جهود "التنوير" التي يقودها جنود مجاهيل في العالم الافتراضي.. وإتماما لسلسلة مقالاتي السابقة الموسومة ب"نقد الفكر الديني من منظور لاديني" أعرض اليوم لأكبر شعار يحمله رواد "التزمت الديني المعاصر" ألا وهو "السلفية" إنه شعار يصيبني بالسعار.. إنه سيف قدّ من كلمات.. فماذا يقصد بهذا الشعار أصحابه؟ وسترون أني لن أحيد عن المنهج العلمي في هذا البحث, وأني سأتحرى الموضوعية إلى أبعد حد حتى أصل إلى رؤية واضحة للمسألة المطروحة.

    إن الفكر الديني يتهم بأنه يحتكر الحقيقة.. ولست أدري من استعمل هذا التعبير "السوقي" أول مرة.. لعله بقال أو خضار.. وإلا كيف نفسر أن يتهم أحد باحتكار الحقيقة.. وهل الحقيقة سلعة في دكان..طبعا يقصدون أن المتدينين يعتقدون أن ما معهم هو الحق.. ولكن هل يوجد صاحب فكرة يحسب نفسه على باطل؟ في رأيي المتواضع –أنا أبو الإلحاد- يجب أن نراجع هذه التهمة التي أراها منافية لأصول المنهج العلمي.. فلنحتكم جميعا في نقاشنا للمتدينين إلى الموضوعية العلمية.. وإلى الحجج.. أما الحقيقة فكل يدعي بها وصلا.. وإلا ففيم الخلاف أصلا؟ إذن الفكر الديني يدعي معرفة الحق.. فيخالفه الفكر اللاديني فينسب ما معه إلى الحق.. لكن ليس هذا موضوعنا.. إنما أردت أن أضع مصطلح "السلفية" على طاولة البحث.. أو على مشرحة "الأفكار الميتة". حسنا.. ماذا لدينا؟ سين و لام و فاء.. المعاجم تقول "سلف" أي "تقدم".. والسلف أي المتقدمون.. أصحاب الفكر الديني إذن يدعون أنهم أتباع لسلف ما.. إنهم لا يمتلكون فكرا خاصا بهم أصلا.. فكيف يجدون لقولهم صدى في زمان ما بعد الحداثة وفي عصر التكنولوجيا؟ لماذا تنتشر "سلفيتهم" في مجتمعاتنا المتمدنة انتشار النار في الهشيم؟ توقف عن الكتابة وتمعن فيما كتبه للتو: "سلفيتهم" وهل لغيرهم "سلفية"؟ أخذته قشعريرة.. هم بإلقاء الموضوع في سلة المهملات.. لكنه أصر على الإنسياق وراء حبل أفكاره.. فاستأنف الكتابة: "ماذا لو وضعنا فكرنا "اللاديني" "الإلحادي" بدوره على المشرحة؟ دعونا نعامل أنفسنا بما نعامل به الخصم.. فصاحب الحق لا يخشى شيئا.. والمنهج العلمي لا يحابي أحدا.. إذن نحن نرمي "المتدينين" باجترار فكر قديم بال.. فدعونا نتأمل فكرنا "التقدمي المتحرر".. دعونا ننفذ إلى جذوره.. حتى يتبين لنا بالبرهان الساطع أن "سلفية" القوم بدعة في ميزان العلم, وأننا أهل الحداثة والإبداع والإبتكار.

    لا شك أن مجتمعاتنا المدنية المعاصرة شامة في جبين الزمان.. إنها مجتمعات تنزهت عن كل الأديان.. وتنكرت للإيمان بالغيب وآمنت بما في الجيب.. لكن دعونا نقلب صحائف التاريخ لنفتش عن جذور مذهبنا.. هل هو وليد اليوم أم أن له أصلا وسلفا؟ هل كان ثمة من يخالف سلف هؤلاء "المتدينين" في الزمن الغابر ويرد عليهم؟ أم أن العصور القديمة كانت أرضا خصبة لأديانهم لا ينازعهم فيها أحد؟ لا شك أن الفلاسفة عاشوا جنبا إلى جنب مع قساوسة الأديان ورهبانه.. لقد كانوا حقا فرسان "التنوير" ربما كان أولئك "سلفنا الصالحين".. فأعظم بهم وأكرم بتراثهم.. سقراط.. أفلاطون.. أرسطو.. كانوا فلاسفة أنوار غير متدينين.. لكن مهلا.. إنهم لم يكونوا ملحدين أيضا.. لا يصح لنا أن ننسب مذهبنا "الإلحادي الراديكالي" إلى هؤلاء.. هذا تدليس.. فنحن برآء من تهمة "السلفية" نحن "متنورون أقحاح" إذن..

    يبدو الأمر كذلك لولا أن الفلاسفة انبروا للرد على طائفة أخرى ينبغي أن نلقي على فكرها نظرة عابرة.. فكلنا نعلم أن السوسفطائين كانوا متحررين من كل حقيقة.. لقد كانوا لا يرون لشيء حقيقة البتة.. لقد كانوا يرون السواد بياضا والبياض سوادا.. والحق باطلا والباطل حقا.. لقد تركوا لك فرد أن يرى حقيقته.. فلا حقيقة على الحقيقة.. لقد كانوا رواد النسبية.. نسبية الحقيقة ونسبية المعرفة.. هل يعقل أن يكون هؤلاء "سلفنا"؟ قوم ينكرون بداهات العقول؟ إن كثيرا من الفلاسفة يرون الإيمان بعلة أولى لهذا الكون من العلوم الضرورية التي يُشك في عقل من يقدح فيها.. أما رواد المذهب السوفسطائي فإنهم لم يعترفوا قط بشيء اسمه "علم ضروري" فلا ضرورة في العلم ولا العلم ضرورة.. إنهم حقا عظماء.. إنهم فرسان شجعان حطموا كل الثوابت وجعلوا معرفة الحق أمرا موكولا لكل إنسان.. فما رآه فهو الحق.. وليس له أن ينكر على غيره أبدا.. هكذا تقوم المجتمعات المنطلقة المتحررة.. تصبح بحرا تعوم فيه ملايين الجزر البشرية بآرائها المتناقضة وأخلاقها المتضاربة.. ألا يحق لنا أن نفخر بسلفنا الأولين؟ يا لها من نتيجة غير متوقعة.. إن المتدينين كانوا يدلسون علينا باحتكار "السلفية" فإن السلفية كما بينا بالبرهان القاطع أمر مشترك بين أهل كل ملة ومذهب.. إننا لم نخترع إلحادنا اختراعا.. بل إن له جذورا في الفلسفات والوثنيات القديمة.. بل إن كتب المتدينين حوت طرفا من تاريخ "سلفنا".. كيفلا فكتبهم "المقدسة" ليست إلا نصوصا موروثة تشهد لمراحل تاريخية منقرضة.. إننا إذ نطالع أخبار إبليس ومناظراته "العقلانية" ونتأمل "أقيسته المنطقية".. وحين نتدبر ردود قوم نوح وعاد وفرعون على أنبيائهم, نكاد نلمس إرهاصات نشأة مذهبنا الذي نعتز به اليوم.. بل إننا حين ننظر في سير أبي جهل وأبي لهب نكاد نجزم أن هؤلاء العظماء قد مهدوا لنا طريق الكفر والإلحاد.. وأمدونا بإرث "تنويري" عظيم لا نزال نستقي منه في نقدنا للأديان.. هؤلاء آبائي فجيئوني بمثلهم أيها المتزمتون.

    وختاما ألخص فكرة هذا البحث قائلا: إن "السلفية" فكرة إنسانية لا يصح أن نتركها للمتزمتين يشنعون بها علينا ويرموننا بالابتداع.. فكما أن لهم دينهم فإن لنا لادينيتنا.. وكما أن لهم سلفيتهم فإن لنا سلفيتنا.. وشتان بين "دين" و"لادين" وشتان بين "سلفية" و"سلفية".. وما أبعد البون بين "سلفية النور" و"سلفية الظلام" وشتان بين "سلفية الإيمان " وبين "سلفية الإلحاد ".. أعلم أنكم أيها الزملاء قد تختلفون معي.. لكني نقضت للتو إحدى أكبر وأعتى آليات الفكر الديني المعاصر.. وسلبت "المتزمتين أمضى سلاح يشهرونه في وجوهنا.. ختم بهاته الكلمات مقاله.. نظر إليه في زهو.. أعاد قراءته مرة أخيرة ثم كتب العنوان: "نظرات في سلفية الإلحاد" ثم ضغط على الزر فأرسله إلى أكبر منتديات "الجرب والجذام".. ذهب ليحضر فنجان قهوة و لفافة دخان.. تفقد موضوعه فلم يجده.. عبثا حاول أن يفهم الذي جرى.. بعد دقائق استلم رسالة خاصة من المشرف.. فتحها فإذا فيها: "عزيزي أبا الإلحاد.. لقد تم توقيف اشتراكك.. لمزيد من التوضيح يرجى مراسلة المشرف العام.."...
    التعديل الأخير تم 03-19-2011 الساعة 01:02 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  5. #20
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    نحو تنوير النحو

    فرغ أبو الإلحاد من مقاله الأسبوعي.. رفع فيه مذهبه وخفض مخالفه.. وذكر امتعاضه المتفاقم من تعاظم أمواج الفكر الجامد.. وحذر من الأخطار المحدقة بالمجتمع المدني.. وبين أنها بدأت تنحت في صبر حروف اليقين الديني في بيئة نشأت على الشك المنهجي.. وأنها بدأت تصبغ حياة الناس بصبغة البداوة وبألوان ما قبل الحداثة الباهتة.. تنهد حسرة على تغير الأحوال.. وتعجب من انقلاب الموازين.. نشر مقاله في مدونته الكالحة فما لبث أن جاءه تعليق.. اعتدل في جلسته فرحا يترقب وبدأ يقرأ: عزيزي أبا الإلحاد.. بغض النظر عن مضمون أفكارك إلا أنني بصفتي أستاذا للعربية أخبرك أن قراءة مقالتك اصابتني بالصداع النصفي.. إن كلماتك تئن تحت ركام من اللحن والركاكة.. (...) خذها مني نصيحة مشفق: لا تنشر بعد شيئا قبل أن المراجعة اللغوية الدقيقة. تحياتي.. (فارس الضاد). شعر بالحنق لأن التعليق لم يلق بالا لا إلى تحليله العميق للتحولات التي تكاد تعصف بمكتسبات الحداثة, ولا إلى رؤاه التقدمية الثاقبة التي تعيد الأمل إلى النخبة المتنورة.. قال كأنه يحدث نفسه: "لا بد أن هذا المعلق المغرور منهم.. لا أكاد أشك في ذلك.. فليمت هو ونحوه غيظا.. لا يلتفتون إلا إلى القشور.. متى يدركون حقائق الأشياء؟" جلس يفكر في علاقة اللغة العربية بتنامي الفكر الديني.. فعنت له فكرة سرعان ما استهوته واستحوذت على فكره.. لم لا يكون هذا موضوع مقالته التالية: "نحو تنوير النحو"؟ غضب لتذكر التعليق الوقح وتسارعت أنفاسه وغاظه تقريعه على خطئه المتكرر في كتابة الهمزة.. فوق السطر أو فوق الألف أو فوق الياء.. فلتكن فوق السقف فما الذي يتغير؟ يا لهم من متنطعين.. فتح مذكرته ليدون أولى أفكاره.. لتكون لبنات لمقالته القادمة.

    كتب رؤوس أقلام: "الإلحاد منهج حياة.. اللغة رداء الفكر.. علوم العربية نشأت تحت قهر الفكر الديني.. لا بد من مراجعة الإرث اللغوي في ضوء مذهب التنوير.. النحو يرزح تحت ركام القرون المتطاولة.. النحو وُضع لتكريس هيمنة الخطاب الديني المنغلق.. تأمل جملته هاته فانتبه لهذه العبارة الغريبة: "النحو وُضع.." حك جبهته بقلمه وفغر فاه متفكرا.. من وضعه؟.. لماذا نقبل مثل هذا الاسلوب الغامض؟.. لماذا ننساق وراء هذا التلبيس؟.. ومن أدرانا أن أحدهم وضعه؟ كل ما هنالك أنه هنا كالسيف مصلتا في وجه التحرر والانعتاق الفكري.. تأمل تدفق أفكاره وابتسم فبدت أسنان علاها القلح.. "وجدتها.. وجدتها.." لقد عثر لتوه على قلب مقالته الوليدة.. وشرع يبحث عن الشرايين والأوردة ليضخ إليه بنات أفكاره المتنورة.. بدأ يتتبع خيوط فكرته لينسج منها هيكلا لمقالته.. النحو الذي يشنع به عليه مخالفوه مرة تلو أخرى ليس منزها عن النقد.. وكيف يكون كذلك؟ إذا كان لا يتورع عن الطعن في القرآن.. فكيف يقبل بالنحو دون نقده وتمحيصه ؟.. استغرب أنه لم ير الأمر على هذا النحو من قبل.. كان يكتب ويجتهد أن يوافق ما قيل له إنه يوافق النحو.. وكان يضحي من أجل ذلك بكثير من العبارات المتألقة التي يشك في صحتها.. لا شك أن كثيرا من أفكاره التنويرية العبقرية قد ضاع بسبب الحرص الزائد على اتباع هذا النحو العتيق.. ثم هاهي ذي تأملاته تفضي به إلى هذا الكشف العلمي الفريد.. هاهو يخرج مناقيشه ليستل هذا الأسلوب اللغوي المتدنس بأوحال الميتافيزيقا.. "المبني للمجهول" انظر كيف يسمونه.. إنهم لا يريدون لنا أن نقبل بالجهالة والجهل فحسب.. بل يريدوننا أن نبني عليه.. كم يستخفنا هؤلاء.. لكن لن نقبل بتدليسهم بعد اليوم.. لا بد من تطبيق الإلحاد على العلوم.. فلأبدأ بالعربية.. وليكن النحو بداية رحلة الألف فن.. قد أموت قبل أن أفلح في تحرير العربية من شوائب الميتافيزيقا ومن رواسب الخرافة.. لكن حسبي أن أكون شمعة تضيء لتنير للزملاء المتنورين الطريق.. سأنتهي حتما سمادا يغذو الأرض فتنبت حشائش تأكلها البغال والحمير.. أو أصير وقودا يدير عجلة الإقتصاد المادي في مجتمع متنور.. لكني سأخفف من وطأة الجهل والتزمت بفتوحاتي العلمية.. فإن مذهب الظلام لن يدوم طويلا.. أنا أوقن يقينا ماديا أن التنوير سينتصر في النهاية..

    لكن كيف أستطيع أن أزيح "المبني للمجهول" عن ساحة النحو ريثما أزحزح النحو برمته عن عرشه؟.. بحث قليلا فوجد أن أهل العربية يدعونه أيضا: "ما لم يسم فاعله" فتريث قليلا.. وقارن الاسمين.. ثم حرك رأسه في استغراب وهو يقول: "لا ينقضي عجبي من تدليس القوم: مبني للمجهول أو ما لم يسم فاعله.. هذا تدليس بين.. إنه استدلال بموطن النزاع.. النزاع ليس على جهالة الفاعل.. بل على وجوده من عدمه.. فلا فرق إذن بين قولهم عن الفاعل أنه مجهول, وقولهم إنه لم يسم..".. ثم إنه دسوا تدليسهم في التعريف عينه.. "لم يُسم" كم يغيظه هذا التعبير.. حاول أن يبني جسرا يجمع بين شتات أفكاره فتأمل في أصل مقالة الإلحاد التي يعتز بها ويكررها في نفسه كلما تسربت إليه وساوس الإيمان وكلما قذفته الشبكة الإلكترونية بشبهات الإسلام.. حينها يكرر ما غدا مثل الشهادتين في ملته: "لا إله والكون مادة.. والمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم." نظر إلى معاني التنوير في الأصل الأعظم لملته.. فلم يبصر إلا ظلاما دامسا..لا بد أنه مرهق بسبب الجهد الذي بذله.. تفكر في أنه إنما ينكر الخالق لأنه لم يره قط.. وينكر الخلق لأنه لم يشهده.. فخطر له أن هذا سر ابتداع المتدينين لصيغة "المبني للمجهول" إنهم أسسوا لفكرهم الديني من داخل النحو.. اعترف في نفسه بعبقرية النحاة من هذا الوجه.. تملكه الإعجاب بروحه العلمية وبإقراره بمكر الخصم وفضله.. حاول أن يطبق مبادئ ما تحصل له حتى الساعة من ثمرات مشروعه في تنقية النحو من شوائبه الدينية.. فكتب: "لو تركنا هذا الأسلوب الظلامي يعيث الفساد داخل اللغة, فإننا سنرتد مؤمنين يوما ما.. كيف؟ إليكم الجواب..

    تنشأ في بيئة التقليد على المعتقد الموروث.. فتتوهم معانقة الحقيقة وامتلاك اليقين.. ثم تهب عليك نسائم التنوير فترتاب وتشك.. ثم تنسلخ من الإيمان شيئا فشيئا حتى تبلغ مبلغي من الإلحاد وتجرب تجربتي فيه فتحس بمعنى الحرية من كل دين وخلق.. فتقول: أنا لم أر لا الخلق ولا الخالق, إذن النتيجة المنطقية التي يمليها عليك التنوير المادي الذي يكفر بكل ما غاب عن الحس: "لا خلق ولا خالق" ومن جادلك فقل له هات برهانا علميا واحدا على دعواك.. حينها تكون قد قطعت أشواطا من رحلة التنوير تكل عنها أبصار المتدينين.. وتكون قد ذقت مذاق الإلحاد الذي لا يدركه الوصف.. إنما يعرفه من ذاقه.. ومن ذاق عرف.. لكن انتبه.. إذا كنت ممن يصدقون بن آجروم وبن مالك وأضرابهما.. فإنك توشك أن ترتد على عقبيك.. خصوصا إذا بلغت إلى باب [باب المفعول الذي لم يسم فاعله: وهو الاسم المرفوع الذي لم يُذكر معه فاعله، فاِن كان الفعل ماضيا ضُمَّ أوله وكُسر ما قبل آخره، واِن كان مضارعا ضُمَّ أوله وفُتِحَ ما قبل آخره.] قرأ هذه الفقرة من الآجرومية ثم تساءل: كيف ندع أمثال هؤلاء يستخفوننا بالنحو على هذا النحو؟ انظر كيف يقول: يُذكر.. ضُمَّ.. فُتح.. لو غفلت عن الخطر الذي أتخوفه عليك فإنك ستقول يوما ما في لحظة ضعف: لحظة بدء الحياة في هذا الكون مجهولة والذي جرى في الأزل كله مجهول.. إذن تطبيقا لمبادئ النحو قد نقول تجوزا: "ابتدئ الكون.. أو أنشئ الكون.. أو خُلق الكون" طبعا سيستعمل الملحد المتنور ذلك كله من باب المجاز.. استطرد في أفكاره: "المجاز يصلح ليكون حلقة أخرى من سلسلة تنوير النحو" انتهى الاستطراد.. ثم يرتفع الملحد على هذا النحو درجة درجة ليبلغ سقف الوهم الذي نصبه له النحاة في مكر.. فيقول: "حسنا: خُلق الكون. هذا مبني للمجهول ولم يسم فاعله.. إذن أنا أقر من ناحية لغوية نحوية بحتة بالجهل بالخالق, كما أقر -دائما من داخل النحو- بوجوده.. فلا يبقى بعد إلا أن يتعرض من مر بهذه المراحل أو بعضها إلى هزة عاطفية كأن يموت له قريب, أو يجتاز محنة نفسية فتغلبه رواسب التدين الموروث فينتكس مرة أخرى إلى التفكير الجدي في ارتداء ثياب الإيمان.. وهكذا تكتمل خيوط الفخ المحكم الذي نصبه النحاة لمن لم يؤت فهما ثاقبا كفهمي.. ولم يعرف مثل معرفتي.. فتتحقق على أيدي أولئك الخصوم الأفذاذ نهاية جهود التنوير..

    ستسألونني حتما: وكيف نخرج من هذا الإشكال؟ فأقول -أنا أبو الإلحاد-: لا يجبرنا شيء أن نؤمن بالمحال ولا أن نتعلق بالأوهام.. لذا أقترح من يوم المتنورين هذا, أن نعدل عن هذا الأسلوب المحفوف بالأخطار "الميتافيزيقية" والمتلبس بالعقائد الغيبية إلى أسلوب متحرر من ذلك كله.. فنسمي ما لم نشهد له فاعلا: "المنفعل" فنستعمل مثلا: بدل "بُني": "انبنى" وبدل "فُعل": "انفعل" وبدل "ضُمّ": "انضمَّ" وهكذا.. فلا نقول: "ضُرب زيد" بل نقول: "انضرب زيد" ولا نقول: "قيست المسافة.." بل: "انقاست.." ولا نقول: "طُرح في سلة المهملات" بل نقول: "انطرح فيها" وهكذا دواليك حتى نؤسس لصيغة "المنفعل" التي ستزيح البساط من تحت أقدام النحاة ومبنيهم للمجهول. ولو أخذنا مثالا من درس التاريخ, فلا ينبغي أبدا أن نقول "بنيت صخور (ستون هنج) في إنجلترا." بل نقول إنها: "انبنت." ولو شنع علينا متدين واعترض باستحالة هذا المعنى, فنجيبه بإمكانية تضافر عوامل مادية طبيعية متعددة عبر بلايين السنين ونؤيد نظرياتنا المتعددة حول الموضوع بحساب احتمالات الصدفة الدقيقة حيث الأرقام الفلكية التي لا تفصل أصفارها عن يمين وشمال إلا فاصلة.. نعم إنها مقادير أخف من هباء وأوهى من هواء, لكن الإيمان بها يجعل الإيمان بالغيب بلا فائدة.. لا تهم الوسائل.. المهم هو نسف العقائد الغيبية التي استوطنت بنيان النحو العربي.. حينها دخلت أم الإلحاد الغرفة وسألت بعلها: "عزيزي لحّود.. أريد أن أكتب رسالة تهنئة لحليمة بمناسبة نجاح ابنها.. فماذا يقال في هذا المناسبة؟" أغلق مذكرته ونظر إليها وهم بالجواب.. ثم تريث لحظة وقال: "ينقال: ألف ألف مبروك." نظرت إليه في استغراب ثم انصرفت دون أن تنطق بكلمة...


    التعديل الأخير تم 03-21-2011 الساعة 02:16 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  6. #21
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    1,842
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    نعم ديستويفسكي التوحيد
    و الله قليله عليه .. قلم استاذنا هشام يقارب قلم دوستويفسكي في البعد عن التكلف و مجاراة نمط النفس في السرد و العين الفاحصة الملاحظة ...و يتفوق عليه في يقين العلم و التدليل على الحل و الاثبات بعد النفي دون الافصاح عنه....و اؤيد مطالب المتظاهرين بافراد جناح للأستاذ في قسم المقالات لهذه المقالات القوية و التي يعز وجودها على الشبكة بهذه الجودة في السبك و حسن اصابة الفكرة للمفصل...الشعب يريد ....
    حرام عليك يا ابني...ليش تدخن
    هذا لا بد انه الشيخ محمد حسين يعقوب حفظه الله فهذا اسلوبه و كم مرة وقعت لي معه هذه الصدف
    التعديل الأخير تم 03-21-2011 الساعة 03:33 AM

    " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

  7. #22
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عياض مشاهدة المشاركة
    و الله قليله عليه .. قلم استاذنا هشام يقارب قلم دوستويفسكي في البعد عن التكلف و مجاراة نمط النفس في السرد و العين الفاحصة الملاحظة ...و يتفوق عليه في يقين العلم و التدليل على الحل و الاثبات بعد النفي دون الافصاح عنه....و اؤيد مطالب المتظاهرين بافراد جناح للأستاذ في قسم المقالات لهذه المقالات القوية و التي يعز وجودها على الشبكة بهذه الجودة في السبك و حسن اصابة الفكرة للمفصل...الشعب يريد ....
    حياك الله أستاذي عياض قارئا لهذه الصفحات المشاكسة.. دوستويفسكي أغرب شيء في هذا التشبيه أني لم أقرأ حرفا واحد لهذا الدب الروسي الحكيم.. أعتز بتشجيعكم وأصر على الحفاظ على هذا الركن المتاح حاليا فهو يفي بالغرض

    أخي عياض: ما الصلة بين الإلحاد و الإقتراض؟
    هذا هو "مفصل" اليومية التالية من يوميات أبي الإلحاد.. وقد استوت وفاحت رائحتها.. ولم يبق إلا أن تأخذ مكانها بين سابقاتها..
    فمرحبا بك وبكل الأحباب.. وحبذا لو شرفنا أحد أقران بطلنا بالمشاركة في إثراء الموضوع ...
    التعديل الأخير تم 03-23-2011 الساعة 09:57 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  8. #23
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    تطهير العلم من الإيمان

    دخل أبو الإلحاد إلى مدونة أبي سليمان يتصفح آخر مقالاته.. لكن شيئا ما أسفل الصفحة استوقفه.. نظر إلى التوقيع مليا فأعياه فهم معناه.. "من افترض اقترض..." تأمل الكلمات ونقط الحذف.. تملكه الفضول.. هل هي مجرد زخرفة لفظية تتراقص فيها الحروف المتشابهة؟.. لا أظن فالكاتب من عتاة الموحدين لا ريب.. لكنه نبيه لبيب.. أخفى وجهه بين كفيه وردد الكلمات مرارا "من افترض اقترض..." كأنه يستجدي تفسيرا ما.. أي تفسير.. إنه ملحد لكنه محب للعلم واسع الفضول.. لذا يتسلل بين الفينة والأخرى إلى هذا المكان ليقتنص بعض الفوائد التي قلما يجد لها نظيرا في منتديات "الجرب والجذام".. طالما تنبه بفضل مقالات أبي سليمان إلى إشكالات عميقة تستحث فكره ونظره.. وإن كانت تكاد تعصف بملته الإلحادية.. لذا كان يذهب بها لحسن حظه –فيما يحسب- إلى زملائه فيطرحها عليهم متندرا.. يقول: "انظروا بم يرمينا الظلاميون!".. فينهال عليه سيل من الشتائم المقذعة تعلوه ردود كأنها زبد نتن كريه الريح.. فكان يلتقط تلك الردود المتناثرة فوق ركام الكلام البذيء يتبلغ بها ليخفف حدة الإشكالات في عقله وليرمم شيئا من بنيان دينه الخرب.. فيقنع بذلك مستبشرا مسرورا ويؤجل محو تلك الشبهات من رأسه إلى حين.. كان يصبر على الهزيمة على مضض.. ويمني نفسه بيوم تعلو فيه راية الفكر المادي فوق الصوامع والمعابد.. إنه يحيا على أمل ذلك اليوم الذي تسقط فيه حجج الموحدين جملة.. يوم يأتيهم العلم بجواب كل سؤال يشهرونه اليوم في وجه حزب التنوير.. ضبط نفسه مرة أخرى متلبسا بعين ما يرمي به خصومه.. أليس تعليقه لأمله على الغد المجهول إيمانا بالغيب؟.. يذكر أنه قضى ليلة يفكر في حل هذا الإشكال الخطير.. فخرج بمصطلح ضمنه عصارة جوابه عنه: "الغيب العلمي" يومها سطر رؤوس أقلام يراها فرقانا بين "الغيب الديني الأسطوري" و"الغيب العلمي التكنلوجي" وكان مما استشهد به على اصطلاحه الوليد أن "الغيب العلمي" يحمل في طياته إرهاصات الكشف عن عوالم فضائية تعج بمجتمعات ذكية من الكائنات المتطورة.. ولا يستبعد أن تكون لتلك المخلوقات الخضراء ملكات خارقة قياسا إلى عالمنا.. لكن هذا لا يقارن أبدا بما يقرره "الغيب الديني" من وجود مخلوقات ملائكية نورانية لا تأكل ولا تشرب .. فشتان بين سكان المريخ وسكان السماء.. فأولئك عالم بدأ العلم يقفو آثاره ويكشف أستاره.. وهؤلاء وهم سيعجل العلم اندثاره.. والمريخ كوكب مادي أحمر قان.. والسماء تعبير ديني أسطوري.. وشتان بين غيب وغيب.. وإنما هو اشتراك لفظي بحت.. فالقدر المشترك هو كلمة "غيب" والفارق تلخصه الهوة السحيقة التي تفصل "العلم" عن "الدين".. تأمل كلمة "المخلوقات الخضراء" تساءل: من أين عرف أنها خضراء؟ حك خيشومه بظفر خنصره متفكرا.. لم يجد جوابا.. لكنه رجح أن للون تفسيرا ما في نظرية "الغيب العلمي".. فجأة قفزت صورة إلى مخيلته: صورة مخلوق غريب قصير عظيم الرأس أصلع له جسم بين الإنسان والصرصار.. يكاد ينوء بحمل تلك الرأس الضخمة.. وله عينان كأنهما مصابيح نوع نفيس من السيارات الرياضية الإيطالية.. نعم إنه أخضر اللون كأنه أحد أنواع الطحالب اليابانية التي تنتهي رحلتها على أطباق بيضاء في عناق أخير مع جاراتها من فواكه البحر ملفوفة بالأرز الأبيض.. "سوشي".. آه الآن تذكر من أين تسلل اللون الأخضر اليانع إلى تصوره للكائنات الفضائية التي اتخذها مثالا حيا لنظريته عن "الغيب العلمي" أم أنه "الخيال العلمي"؟ لا يهم.. فليركز على مشكلته الراهنة الآن.. لقد تذكر الآن منشأ الخضرة.. لقد استورد الصورة برمتها من سلسلة رسوم متحركة يابانية.. تذكر ذلك كله وهو يحملق في التوقيع المحير: "من افترض اقترض..."

    هم بتجاهل الأمر حين حدثته نفسه: "لا بد أنك توشك أن تحرم نفسك فائدة.. اسأل فلن تخسر شيئا.. ثم إنها فرصة لتكتب تعليقا لاذعا حول هذا التوقيع الغريب دون أن تنجر إلى النقاشات الجوهرية التي يحفل بها المقال نفسه.."
    لم يتمالك نفسه فبدأ بالكتابة: "عزيزي أبا سليمان, كيف يكون توقيع أستاذ مثقف مثلك بهذه السطحية؟.. لم أكن أحسب أنك مغرم بالسجع؟ أبو الإلحاد ". لما عاد في المساء وجد الجواب التالي: "عزيزي أبا الإلحاد.. شكرا على زيارتك.. وعلى اهتمامك بتوقيعي: "من افترض اقترض..." إنه يتضمن إشكالا هادما للإلحاد بل للفكر المادي عامة.. فالفكر البشري لا تقوم له قائمة إلا إذا انبنى على افتراضات ومسلمات غير قابلة للبرهنة.. إنها أشبه بالحبل السري الذي نمده بين جهلنا وبين ما نسعى لمعرفته.. إنها أفكار نؤمن بها ولن نستطيع أبدا أن نخضعها للتجربة.. هل انتبهت يا عزيزي: "نؤمن بها"؟ فمن افترض من الملاحدة فقد اقترض.. أي أنه اقترض من قاموس أهل الإيمان.. إذن العلم يحتاج إلى إيمان والفكر يحتاج إلى إيمان والأغرب من هذا كله أن الإلحاد نفسه يحتاج إلى الإيمان أي أنه يحتاج إلى نقيضه.. فهل يعني هذا أن الإلحاد مجرد رد فعل سلبي على فعل إيجابي محرك ومؤثر يدعى الإيمان؟.. فالمفترض إذن مقترض والمقترض مفتقر إلى من يقترض منه.. الاقتراض استعارة والمستعير لا يملك العارية.. بل لصاحبها أن يستردها متى شاء.. فتوقيعي يقول لبني الإلحاد.. ردوا ما استعرتم.. انقضوا ما بنيتم.. فبنيانكم مغشوش وليس خالصا.. أزيحوا عنه أساسه الغيبي حتى تبنوا بنيانا ماديا صرفا.. لا بد أن هذا كله يلزمكم فمن اقترض من أحد أصبح عليه عالة.. مثلا يفترض الملحد أن الكون لم يزل ههنا وأن لا خالق له.. فهذا الفرض إيمان ما عليه من برهان.. فضلا عن أنه قرض من معسكر الإيمان.. فيبدأ بنائه الإلحادي بهذه اللبنة المستعارة.. فهو كمن يبني في الهواء.. جرب أن تضع زملائك الأعزاء أمام هذا اللغز.. صدقني لن يحيروا جوابا.. أنْبَهُهُم سيقول: أنتم تؤمنون بالخرافات ابتداء.. أما نحن فنتسلق في درجات العلم درجة درجة.. والرد عليه ميسور: يا عزيزي ما شأنك بنا؟ هذا ديننا.. الإشكال يتوجه إليك أنت يا من تنكر الإيمان ولا تؤمن إلا بالمادة المحسوسة.. فأين المادة في افتراضات لا برهان عليها.. أرأيت إن كانت خاطئة؟ علمك إذن كله خاطئ تبعا لها.. أما نحن فإيماننا ليس افتراضا.. إذ أنا لم نقترضه من أحد.. بل إن دليله وحي ثبت بالبرهان القاطع أنه كلام خالق البشر لهداية البشر.. إذن بنياننا متين وأساسه أمتن.. بنيان ديننا نقل معصوم صحيح شهد له عقل صريح مفهوم.. فلا افتراض فيه ولا اقتراض.. ولا شك فيه ولا اعتراض.. ولا افتقار إلا لمن شهدت له الأفلاك والأملاك بالذل والافتقار.. وبينانكم خواء وأساسه هواء.. هل فهمت الآن يا عزيزي معنى قولي: من افترض اقترض ومن اقترض افتقر ؟ وختاما أضرب لك مثالا من هذه المحاورة اللطيفة بيننا التي سعدت بها كثيرا: أنت قرأت التوقيع فلبثت متحيرا تتساءل: أي توقيع هذا؟ ثم اجتهدت أن تخرج من شرنقة الجهل بهذه الجزئية التافهة.. فلم تجد لذلك سبيلا.. فكنت بين أمرين: إما أن تبقى على جهلك وإما أن تسأل؟ فلم تقنع بأن تسأل بل أبيت إلا أن تتهكم.. فوقعت في عين ما يرمز إليه التوقيع: لقد افترضت فاقترضت فافتقرت فنسفت حظيرة الإلحاد بافتراضك الخاطئ.. فوقع طوبها وطينها وروثها على أم رأسك.. لقد افترضت أن التوقيع توقيع حروف لا معنى لها وتشقيق كلمات لا حقيقة ورائها. ثم نثرت على ذلك "بهار" الأدب الإلحادي فقلت "يا عزيزي" و"بهار" التهكم برميك لي بالسطحية وتكلف السجع ثم ختمت بنيانك الافتراضي ببسمة إلكترونية صفراء.. أما وقد جاءك الخبر اليقين عاليا.. فقد رأيت بأم عينك أن بنيانك سراب سرعان ما تلاشى من ذهنك.. وأن الافتراض سم قاتل يسري في أحشاء فكرك المادي ويوشك أن يذهب بريحه.. فأنصحك أن تدرك نفسك وأن تتوب مما تدنست به.. فأدرك بنيان إلحادك فخلخله ثم فككه وفتته وخلصه مما علق به من شوائب ليست منه.. ثم غربله واحفظه في مكان لا تصل إليه أيادي الأطفال حتى تصبح ذات يوم خريف عاصف, فاقصد به مكانا خاليا فاجعله في مهب الريح لترى كم هو متين دينك وفكرك.. حتى إذا لم تبق منه الريح العاتية باقية فاعلم أنها ريح شرقية مباركة تدمر كل فكرة واهية..(...) أحس أبو الإلحاد بمهانته ولم يقو على إتمام القراءة.. فأغلق الصفحة ورأسه تكاد تغلي وعيناه تؤلمانه كأن كلمات هذا الهجّاء الماكر إبر تساقطت عليه كالنبال.. أحس بوخزها في كل مكان من نفسه.. أجهش بالبكاء.. فقد صار منبوذا لا منتدى له في الشبكة يؤويه وقد قلاه زملاؤه المتنورون.. فماذا بقي له ؟ ضاق عليه العالم الإلكتروني بما رحب, وأحس ألا ملجأ له إلا العالم الأرضي وعالمه الداخلي.. لكنه فضل الانطواء على نفسه.. إذ ليس من معارفه من يستطيع أن ينقذه من ورطته وأن يرقع ثوب إلحاده الذي غدا بعد هذه المعركة الكلامية التي سعى إليها بظلفه كالخيش العتيق..

    أخرج مذكرته.. طالع لائحة الفروق بين "الغيب العلمي" و"الغيب الديني" كتب في هامشها: "الافتراض اقتراض والاقتراض افتقار.." حاول أن يطبق نظريته لحل هذا الإشكال القاتل.. عبثا حاول.. إنها محنة عويصة.. إذ لا يتعلق الأمر بتطبيقات على جزئيات المسائل.. بل بدعامة الدعامات وأصل الأصول.. هل يعني اقتراض افتراضات إيمانية ومسلمات تسليمية أن الإلحاد ملة وعقيدة؟.. دين وإيمان؟.. حرك رأسه مستنكرا.. ورفع كفه كمن يدافع شيئا.. ثم انتفض كالفرخ المبتل.. هم بالدخول على رفقاء الجرب.. ثم نكص حين تذكر أنه مطرود.. لا بد أن يزيل هذه الشبهة التي بدأت تفعل فعل السم في عقله.. لا بد أن يبدأ مشروعا جديدا.. يبدو أنه مشروع عمره.. مشروع "تطهير العلم من الإيمان" حمل قلمه ساعة وهو يحدق في الصفحة الخالية.. فلم يسعفه فكره بكلمة منقذة.. يبدو أن شيطانه قد هجره كما هجره صناديد ملاحدة الشبكة.. تمتم :"من افترض اقترض.. ومن اقترض افتقر.." ثم مزق أوراقه في غضب وخرج من بيته مسرعا لعل هواء المساء يخفف عنه بعضا مما أصابه...
    التعديل الأخير تم 03-23-2011 الساعة 11:51 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  9. #24
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    بين الإلحاد الافتراضي والأرضي

    قرأ أبو الإلحاد الإعلان بإمعان.. كادت عيناه تقفزان من محجريهما.. انفرجت أساريره فرحا.. كاد يطير لهذه البشرى طربا .. سال لعابه للثمرات التنويرية اليانعة التي بدأت تشرق في مخيلته المهترئة.. "إلحاد "كونغرس".. معا يدا واحدة ضد الأديان." دعوة إلى المؤتمر السنوي الأول لملاحدة الشبكة العرب.. وتُظلل الشعار صورة لقبضة حديدية تكسر جدارا عليه رموز دينية.. وفي الخلفية أشباح بشر وحيوانات.. بدأ يحدث نفسه: " قد فعلها الزملاء.. العفاريت فعلوها.. إنهم على وشك نقل معركة التنوير من العالم الافتراضي إلى العالم الأرضي.." تأمل الإعلان فلم ير ألوانا خلا الأبيض والأسود.. تساءل: "عجبا.. لماذا لم يفطنوا إلى قيمة البعد الجمالي؟ هل فاتهم أن الخصوم يدعوننا بخفافيش الظلام؟.. هل نسوا أنهم يعيّروننا بالنازية والفاشية؟ لو كان لي من الأمر شيء لجعلت الإعلان روضة زاهية تتراقص فيها ألوان الطيف.. لا أفهم لماذا جعلوه بألوان إخواننا من عبدة الشيطان؟" أتمنى ألا يكون المؤتمر تحت إشرافهم.. فأنا لا أطيق رموزهم الغريبة وطقوسهم المريبة.. أذكر آخر مرة لقيت فيها أحدهم في القطار في إحدى بلدان الشمال المتنور.. كان منظره أشبه بليل الشتاء الأوربي المظلم.. كان ثوبه كجلد حمار وحشي.. وكان جلده مزركشا كالهر البري.. وَشَم كل بقعة فيه إلا لسانه.. ولعل ذلك أعياه فجعل فيه حلقة كالخلخال لو جعلت في قدم فتاة لناءت به.. كان منظره كريها مخيفا.. ويا ليته صمت.. بل كانت شهوته للكلام أكبر من شهوتي للقفز من النافذة كيلا أرى طلعته الذميمة.. نظر إلي وقال بلغته: "آراب.. آراب؟" فأومأت له أن نعم.. فعاد يسأل: "مسلم.. مسلم؟" فحركت رأسي أن لا.. عندها قهقه بصوت عال فاهتزت الحلقات حول عينيه وفي أنفه وأذنيه.. المجنون لم يصدقني: "أوف كورس يو آر" ارتعبت لمنظره الخبيث حتى كدت أصدق خرافات الجن والشياطين.. ثم بدأ يتكلم ساعة عن العرب والأجانب والموسيقى والتسامح.. كانت حصة تعذيب صينية تقرع فيها كلماته أذني, ممزوجة بقرع الحلقة في لسانه لحافات أضراسه وأسنانه.. لو كان هذا المؤتمر تحت مظلة الزملاء الشياطين فوا حسرة على مستقبل التنوير.." تأمل الشعار مرة أخيرة ثم أرسل رسالة إلكترونية يطلب إلقاء كلمة أمام المؤتمرين وقع في نفسه أن يسميها: "من الإلحاد الافتراضي إلى الأرضي".. وسرعان ما جاءه الرد بالإيجاب.. بدأ يكتب كلمته.. ثم ارتأى أن يرتجلها في حينها حسبما يراه موافقا للحال.. بقي أسبوع ليهيئ أفكاره..

    ثم جاء اليوم الموعود.. استيقظ أبو الإلحاد من نوم متقطع راودته فيه الأحلام و الأماني بقضاء يوم مشهود يلتقي فيه برفاق "الجرب والجذام" ليخطوا معا خطوة جبارة إلى الأمام.. لن يدعوهم أحد بعد اليوم بمجاهيل الشبكة.. إنهم سيأتون ورؤوسهم مرفوعة في عناد وعقولهم مفعمة بيقين الإلحاد.. قطع طريقه وهو يتمرن على كلمته.. يقدم ويؤخر.. ويحلل ويفكر.. يتخير الكلمات والنبرات والحركات المناسبة.. حتى وقف بباب فندق "المريخ جاردن سيتي".. تفكر في اسم المكان: "اختيار موفق يحمل رسالة عميقة.. يبدو أن الزملاء درسوا أمر هذا اللقاء التاريخي من كل الوجوه.. المريخ.. ولِم لا؟ فلو ضيق علينا المتدينون الخناق أكثر قليلا.. فلربما حجزنا مع الزملاء تذكرة ذهاب بلا إياب إلى الكوكب الأحمر حتى نستريح من خرافاتهم.." وجد بعض الزملاء في الإستقبال.. سأله أحدهم عن بطاقة تعريفه.. فلما رأى اسمه قال: "هل معك دعوة؟" قال: "دعوة؟ لا أنا أبو الإلحاد.. سألقي كلمة.." رد عليه قائلا: "ليس عندنا أحد بهذا الاسم على لائحة المحاضرين".. ظن أبو الإلحاد أن في الأمر خطأ فبادر بالسؤال: "كيف؟ لقد تم قبول مشاركتي.. حصلت على رسالة إلكترونية.." أجابه الشاب: "نعم نعم.. لكن تم إخطارنا ببعض التحفظات على سيرتكم الذاتية.. لذا تم شطبكم من لائحة المحاضرين.. قل لي أما زلت ملحدا؟؟" أجابه ممتعضا: "طبعا.. طبعا.. هل هذا سؤال؟ إنني.." قاطعني في هدوء: "معذرة لكنا اطلعنا على بعض مقالاتك المنشورة أيها الزميل.. فوجدنا أنها تنم عن انتكاسة فكرية خطيرة.. طيب قد نسمح لك بالدخول.. بشرط أن تثبت لنا أنك ملحد" كاد شعر رأسه يقف من هذا التحقيق الذي لم يعهد له مثيلا إلا في منتديات المتدينين فقال مستنكرا: "أثبت ماذا؟ وكيف؟.. أنا أقول وأقر وأشهد أني ملحد.. "لا إله والكون مادة والمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم" هل تريدني أن أستظهر لك كتاب أصل الأنواع حتى تصدقني؟" قال الشاب وهو يحرك رأسه: "أنا آسف لكن هذا لا يكفي.. هذا كلام في الهواء أيها الزميل: " البينة على من ادعى" هات بينة.. أو ارجع من حيث أتيت.." لم يصدق أذنيه.." "إنه يحمل على كاهله عشرين سنة من النضال التنويري الإلحادي.. منها عشرة كاملة قضاها وهو متعلق كالذباب بخيوط الشبكة العنكبوتية.. لقد بدأ تعب السنين يدب إلى مفاصل عظامه.. بل إنه أصبح يقضي بعض الوقت أمام المرآة لنتف البياض المتسلل إلى رأسه.. ثم يأتي هذا الصبي المغرور ليشكك في صفاء إلحاده.. قال بنبرة الواثق متحديا: "أيها الزميل.. ابتعد من طريقي.. فلا بد أن أدخل" فحال الرجل بينه وبين باب القاعة وقال في حزم:" لا تتعب نفسك.. عندي أوامر صارمة" حينها تملكه اليأس وتذكر طبقة المنبوذين الهنود.. وتساءل هل يتجه الملحد العربي إلى نفس مصيرهم.. أطرق كأنه يبصر حضيض مهانته.. ثم سمع صوتا معروفا يناديه: "لحود.. أنت هنا يا عزيزي؟ .. ياه مضى زمان طويل" إنه الأستاذ عرقوب مدير تحرير مجلة "زهر العلقم" أخذ بيده فدخلا إلى قاعة المؤتمر كأن شيئا لم يكن..

    رأى ثمة منظرا عجيبا غريبا.. رأى بضع عشرات من الشباب والكهول يجلسون متفرقين هنا وهناك تلفهم سحابة داكنة من الدخان.. ورأى الصفوف الأمامية خاوية.. ورأى المنصة وقد سلطت عليها الأضواء الكاشفة.. ثم رأى بشرا ونسانيس وكلابا وقططا.. بل رأى جحشا أبيض وبغلا أحمر.. كان الجميع يلبسون الثياب.. حتى الدواب!.. حك عينيه وظن أنه أخطأ العنوان.. هل هذا مؤتمر نضال وتنوير أم سوق للبغال والحمير.. رفع بصره فقرأ لافتة المؤتمر كما رآها في الإعلان أول مرة.. جلس وحيدا.. إذ انشغل عنه عرقوب باتصال هاتفي دام حوالي الساعة.. بعدها التفت إليه مستفسرا عن كل ما أشكل عليه من هذه الغرائب.. فأجابه عرقوب متبسما: "عزيزي هذا مؤتمر تأسيسي.. يجمع كل أطياف المشهد الإلحادي.. لا بد أن نقبل بعضنا بعضا مهما اختلفنا.. الصفوف الأمامية محجوزة لبعض الزوار المهمين.. أما ذوات الأربع فإنها في رفقة زملائنا في جمعية: "من أجل ديمقراطية كونية" وهم يدعون إلى تقريب الهوة بين الكائنات المتقاربة جينيا.. فالفوارق بيننا وبين هؤلاء "الزملاء المتخلفين داروينيا" ضيئلة نسبيا.. فبيننا وبين "الشيمانزي مثلا كروموزومان فقط.. تصور.. ربما يتشاور الزملاء حول أوجه الترجيح بين نظريتين تقودهما مدرستان رائدتان اليوم.. إحداهما تهيئ مناهج "تطويرية تأطيرية" للنسانيس لتحفيز قابليتها التطورية.. والأخرى تركز على إرسال رسائل مشفرة لطلب المشورة من الكائنات الفضائية.. نعم لو استطعنا أن نضيف للفئران ستة كروموزومات فحسب, فربما ضممناها إلينا في المؤتمر التالي.. زملاؤنا الديمقراطيون الكونيون أو "الديموكونيون" -كما يحبون أن نسميهم- لهم رسالة واضحة: "إننا مدعوون جميعا لتسريع وتيرة البحث العلمي حتى ندفع عجلة التطور قدما.." في آخر مقال لها نشر على صفحات مجلتي الغراء تذكر الدكتورة أحلام الشحرور إحصائية حديثة تقول: "لو استطعنا تطوير عشرين بالمائة فقط من شعب "الشيمبانزي" الذي يعيش في الشتات حاليا فإنهم سيكونون دعما كبيرا للحركة التنويرية الكونية.. حيث سندخلهم دورات تعليمية مكثفة يتولى تأطيرها كبار المختصين في بيداغوجيا الإلحاد.. رسالتنا باختصار هي إذابة الفوارق الوهمية التي اختلقتها القوى الرجعية بيننا وبين إخواننا في سلسلة التطور الذين نشترك معهم في سلف مشترك.." التفت الأستاذ عرقوب إلى الصف الحيواني وقال: "انظر إلى سيد "أوران غوتان" صاحب ربطة العنق البرتقالية.. أليس وسيما؟.. لكن انظر إلى الحزن يملأ عينيه.. لا أشك في أن الأمل يحدوه في نجاح هذه الجهود التطويرية النبيلة.. أما عن الثياب, فإن الزملاء يرون أن كسوة "زملاء التطور" خطوة في الطريق الصحيح.. حيث أعطت بعد عام نتائج مهمة.. منها أن شعر "الكلاب التي لبست الثياب" بدأ يتساقط.. يا له من تطور ملحوظ!.." حين بلغ هذا الموضع من كلامه بدأت أشغال المؤتمر بإنشاد مقطوعة غنائية ما أن بدأت حتى انخرطت الكلاب في عواء.. إنه يعرف هذه الكلمات.. نعم إنها فصول من: "هكذا تكلم زرادشت" نظمها شاعر الإلحاد المبدع "أبو المجامر".. استمع إلى الترانيم يرافقها النهيق والمواء والعواء.. فكاد أن يغلبه البكاء -من فرط التأثر- لولا أنه تجلد..

    انتهت الافتتاحية الفنية ثم دخل الضيوف المميزون.. يتقدمهم عميد ملاحدة الشبكة بلحمه وشحمه الزميل شقيق بن آوى.. لقد افتتح وحده مائة صفحة "فيسبوك" وعشرين قناة "يوتيوب" وخمس منتديات.. الزميل يحتفظ في جعبته بمئات المعرفات.. يكتب المقال.. ثم يعلق عليه.. ويمدح نفسه.. ثم يعود بمعرف آخر فيشتمها.. وهكذا دواليك.. إن الزميل يتحرك في الفضاء الإلكتروني وحيدا كالفارس المغوار.. فيحسبه الخصوم جيشا عرمرما.. أخذ الجميع مقاعدهم.. للأسف لم يتمكن أكبر المدعوين من الحضور.. إنه إمام الإلحاد العالمي البروفيسور الذي لم يستطع حفظ اسمه قط.. كل ما يعرفه أنه يسكن جزيرة نائية يلفها الضباب.. إنه ملحد متمرس إذا سئل عن الدين صار كالذئب الشرس.. ما أحوج الزملاء إلى التتلمذ عليه.. بعضهم يدعوه بالقسيس لسعة إلحاده.. لكم كان يود أن يلقاه هنا ليسأله عن تفاصيل نظريته عن الأصول الفضائية للحضارة الإنسانية وأوجه الجمع بينها وبين النظرية النسناسية لسلفه دارون.. هذا إشكال آخر يصيبه بالصداع ولم يجد له بعد جوابا شافيا على الشبكة.. حسنا سيؤجل النظر في هذه المعضلة ريثما يتشرف بلقاء ملحد موسوعي من طينة "دونكي" أظنه اسمه هكذا.. لكن أليس هذا اسم حمار في لغة تلك الجزيرة؟ لا يهم إنه مجرد اشتراك لفظي آخر.. ثم ما المانع من أن يستعير ملحد الأسماء الحيوانية وأن يتقلد الأوسمة البهيمية؟ لا مانع أبدا بل إن نظرة إلى أعضاء المؤتمر يلمس التمازج الأخوي الدارويني بين أبناء "الخلية الواحدة" التي نشأت يوما ما صدفة –كما هي نظرية الإلحاد- ثم ألقت الملخوقات الفضائية عليها برنامجا ذكيا أسماه العلماء بعد اكتشافه "دي إن إيه".. فلماذا لا يدعى البروفيسور "دونكي" أو البروفيسور "حمار" لا أظنه يمانع أبدا.. لكن ربما يمانع الحمار.. لا إشكال أيضا.. حين يتطور ويستطيع الاعتراض نسمع رأيه.. لا بد أن نتحلى بالتسامح في هذه الظروف العصيبة ريثما تتحقق الديمقراطية الكونية التي تنصهر فيها الجراثيم والحشرات والبشر والحيات في بوتقة واحدة فتزول عن الإنسان نظرة الإستعلاء ويخلع عنه أوهام الكرامة والتفرد التي هي آخر الرواسب الدينية..

    بدأ الزميل من حركة "الديمقراطية الكونية" كلمته.. وأرادها أن تبدأ بشيء طريف يلطف الجو المفعم برائحة الدخان وروث الدواب.. فوضع طائر ببغاء على الطاولة أمامه وأشار إليه بإشارة يعرفها فانطلق الببغاء صارخا: "النجدة ملحد.. ملحد.. النجدة النجدة.. لص لص.." فأشار إليه يسكته فلم يسكت فانفجرت القاعة بالضحك فقال معتذرا: "إنما لقنته أن يقول: "أنا ملحد" فإذا بالأمر يختلط عليه فلفق كلمات أخرى تعلمها" كان يتكلم والببغاء لا يكف عن الصراخ.. فلم يستطع أن يتم كلمته.. فانصرف إلى مكانه في الصف الأول معتذرا.. جاء بعده ممثل "النهضة العلمية اللاأدرية" فلما أخذ مكانه صرخ به الببغاء مرة أخرى: "ملحد ملحد النجدة.." فقام المنظمون باصطحاب الضيف المزعج خارج القاعة.. حين بدأ الزميل في إلقاء كلمته: طرح عشرين سؤالا.. ثم قال: من قال "لا أدري" فقد برئ وأنصف.. وأنا لا أدري شيئا فأترك الأسئلة مفتوحة للتصويت العام ثم نزل من المنصة.. شعر أبو الإلحاد بضآلة الزملاء وتساءل أين تلك العروض العلمية الدقيقة وتلك الخطب الإنترنيتية الرنانة؟.. حينها تمنى لو أنه يعرف عنوان العلامة الحبر "جوجل" ليدعوه إلى مثل هذا المؤتمر.. فإن الجعجعة اللفظية التي يهتز بها العالم الإلكتروني للملاحدة ليست إلا قبسا من علومه.. إنهم ملاحدة "القص واللصق".. زال عنه حزنه لمنعه من إلقاء كلمته.. لأنه لو تكلم لقال: "أرى أن الإلحاد الافتراضي حلم جميل يوشك أن يتحول إلى كابوس فظيع حين يغادر به أصحابه أسوار العالم الرقمي.." التفت إلى الأستاذ عرقوب فوجده يغط في نوم عميق.. استسلم هو الآخر لإغفاءة لم ينبهه منها إلا نهيق مفاجئ.. فتح عينيه فإذا به يبصر الحمار يتقدم جحافل التنوير وهي تغادر القاعة في موكب مهيب...

    التعديل الأخير تم 03-27-2011 الساعة 12:48 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  10. #25
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    صراع الأجيال: نسخة إلحادية

    أطفأ أبو الإلحاد حاسوبه بعد جولة أخرى من تجواله على أمواج الشبكة العنكبوتية, لقد ساءه ما صار يلقاه في منتديات "الجرب والجذام" من زملائه من شبيبة الإلحاد, إنه ملحد مخضرم عاش في الزمن قبل الرقمي وشم رائحة الأوراق وقلب بأنامله الصحائف, إنه ليس من هؤلاء المغرورين من حدثاء الأسنان الذين يملئون الآن نفسه غيظا, إنهم ملاحدة لا جدال في ذلك, لكنهم ملاحدة بأسنان الحليب, ولعلهم إنما ألحدوا بسبب جهود أمثاله من جنود "التنوير" المجهولين, لعلهم كانوا يبقون على تدينهم الموروث لو لم يعاصروا ثورة المعلومات, إنهم ملاحدة الصور والأرقام, لا ملاحدة الحروف والأفكار, إنهم ملاحدة الفيسبوك والتويتر, إنهم ملاحدة الجيل الثالث من الهواتف الذكية, لذا فهم موهوبون في أساليب التدليس التقني وفنون التضليل الإلكتروني, إنهم يجيدون "المونتاج" وإن كانوا مفلسين عند الاحتجاج, تجد أحدهم يبتكر فيديو في خمس دقائق يلخص فيه "مغالطات" المسلمين, لكنه يضمنه فقرات من نشيد الإنشاد أو سفر التكوين! إنهم أهل حماسة لا كياسة, إنهم أهل طيش ونزق, إنهم أهل تنطع وعجلة, لكن حسبنا أنهم يديرون العجلة, عجلة "التنوير الإلكتروني". إنه مستعد للتغاضي عن كل هفواتهم لو سلم هو نفسه منهم, لكن سهامهم أصبحت تناله, وألسنتهم صارت تنهشه.

    ما أشد وقاحتهم ونكرانهم للجميل! لقد أسمعوه اليوم أقذع الشتائم, توقف عن التفكير قليلا وتساءل: "بأي قانون مادي يكون الشتم مذموما من وجهة نظر إلحادية بحتة؟" حدق في الجدار أمامه طويلا وهو يتأمل هذا المعنى الغريب الذي خطر في باله, هل يعقل أن يكون مخطئا في انفعاله؟ ربما كان هؤلاء العفاريت حقا أعمق منه إلحادا على حداثة أسنانهم, الشتم شيء لا وجود له في العالم المادي, هل يمكن أن يكون استنكاره لتلك العبارات القاسية وتلك الكلمات الجارحة مجرد أثر لرواسب مجتمع ما قبل "التنوير"؟ ربما كان الأمر كذلك, وهب أن الشتم مذموم لسبب ما, كأن يكون محظورا بسبب التوافق الاجتماعي على ذلك, فلنتصور أن في "العقد الاجتماعي المادي": بندا يقول: "لا تشتم متنورا بما ليس فيه", ثم خطر له أنه غضب لأنهم شتموه ببعض ما هو فيه, فاستطرد في خواطره: "إذن فليكن البند هكذا: "لا تشتم متنورا أبدا"", ما هذا الهراء؟ كيف نفرض على الإنسان المادي قيدا مثل هذا؟ يجب أن نمحو من قاموس المجتمع المتنور هذه القيود الرجعية التي تكبل حريته بسلسلة طويلة من "افعل ولا تفعل", و هب أن شيئا مثل هذا يوجد بالفعل, ماذا لو رفض أحدهم أن يوقع مثل هذا العقد فضلا عن أن يمتثل له؟ ماذا لو احتفظ لنفسه بحقها في الغضب, وفي ترجمة هذا الغضب في صورة شتائم تنفس الحرارة التي يثيرها ارتفاع نسبة الأدرنالين في جسمه, فهل نلومه على هذه السلسلة من التفاعلات المادية؟ أبدا, هل نلوم الماء لأنه يغلي فوق النار؟ هل نلوم الحجر الساقط من الجبل؟ أبدا لا عتب على المادة ولا ملام, ولا استدراك على سلوكها الحتمي ولا كلام, كل ماهنالك أنها تفعل ما تأمرها القوانين المادية بفعله, و الانسان مادة, والمادة تخضع لتفاعلات لا تملك حيالها شيئا, فالغضب انعكاس لإفراز الأدرينالين, مما يؤدي إلى سلسلة معقدة من التفاعلات تفضي إلى رد فعل يسمى شتما وسبابا وتقريعا ولعنا, هذا كل شيء, لكن المادة تخضع لحتمية قاهرة, فهل يقال مثل ذلك عنه وهو الإنسان الحر؟ لكن هل هو حر فعلا؟

    أحس بالتعب والصداع, وغضب من نفسه وعجب منها كيف تقوده في متاهات سوداء لا يكاد يبصر منها مخرجا, غضب من طوفان الأسئلة التي تنقض عليه من كل حدب وصوب, ولا يكاد يحير لها جوابا, غضب لأنهم شتموه, ثم غضب حين اكتشف أنه لا يستطيع القطع بأن الشتم أمر يستحق أن يغضب لأجله, بل إن تفكيره بلغ به زاوية موصدة لا يكاد يتبين من خلالها إن كان يملك شيئا من أمره, إنه لا يعلم إن كان حرا يملك الاختيار, أم أنه كتلة مادية تزحف على سطح الأرض تحكمها تفاعلات مادية حتمية؟ كل ما يعلمه أنه لا يعلم شيئا, لكنه ما يزال غاضبا, لكنه الآن غاضب على نفسه, يجادلها ويلومها ويسألها: "فيم الغضب؟ " ثم إنه من المشين أن يلوم أحدا على شيء هو فيه, فهو مثلهم شتام سليط اللسان, لكن مهلا, أليس هو نفسه وأقرانه من ربى هؤلاء الصبية وصنعوهم على أعينهم وسقوهم بلبانهم؟ أليس هو من شحذ ألسنتهم وأظفارهم حتى صارت كالأسنة والحراب؟ نعم إنه يقر بذلك, ولكن استعمال ذلك كله يفترض أن يقتصر على إدارة حرب "التنوير" مع المتدينين, ها هو ذا يضبط نفسه مرة أخرى متلبسا باستعمال كلمة ملوثة ميتافيزيقيا: "يفترض" وما للملحد والافتراض؟ الملحد جسم مادي كما أن الزنك والقصدير والفحم أجسام مادية, هل تملك هذه كلها أن تفترض؟ كلا, فلم يفترض إذن وهو ملحد؟ لِم يندم؟ لم يغضب؟ لم يفرح؟ لم يضحك؟ لم يبكي؟ لم يبسم؟ إنه بكل أمانة لا يدري, لكنه يحذر كل الحذر أن يقر مثل هذا الإقرار بين الزملاء وفي منتديات الخصوم, تساءل منكسرا: "متى يصفو لي الإلحاد؟ ومتى أخلصه من كل هذه الشوائب المتراكمة؟"

    إن الزملاء مراتب ثلاث تنصهر كلها في بوتقة الإلحاد دون أن تمتزج تماما, أعلاها وأجدرها بتقديره واحترامه العميقين "طبقة الملاحدة" إنهم علية القوم وزبدة "التنوير" إنهم ملأ المجتمع المادي. إنك تجد أحدهم في منتداه يصرخ فخورا متحديا: "إلي أيها المتدينون, هلموا إلي: "أنا ملحد" إنك مهما قلبت عينيك في هذه الشرذمة القليلة من رواد "الإلحاد الإلكتروني" فلن تجد شيئا اسمه الحياء, لقد تحرروا منه تماما. ودونهم في الرتبة زملاء ألحدوا على استحياء فزعموا أنهم يؤمنون بخالق لا يعرفون له اسما ولا صفة, وهم إنما يريدون هذا الوجود المادي برمته, إنهم يحيدون عن الإقرار بألوهية الخالق فيسقطون في تأليه المخلوقات, فالكون في عرفهم يستحق كل تبجيل وتعظيم, إنهم ضعفاء الإلحاد, يمسكون عصا "التنوير" من الوسط فيتسمون "لا دينيين" إنهم لم يبلغوا بعد أن يقولوا كلمتهم صريحة فيلتحقوا بالكوكبة التي تقود قاطرة "الإلحاد" لكنهم يبقون زملاء جديرين بكل دعم. وفي أدنى مراتب "الإلحاد الافتراضي" زملاء مذبذبون يميلون مع كل هبة ريح, ليس لآرائهم ثبات ولا لإلحادهم أساس إنهم لا يدرون ولا يعلمون ولا يوقنون إنهم رواد اللاأدرية. حينها بدأ أبو الإلحاد يتصور مسائل الخلاف بينه وبين هذه الطبقة, ثم استعرض كل الأسئلة العالقة في ذهنه والتي لو أجاب عنها بإنصاف لقال: "لا أدري", فلو سئل: "ما دليل إلحادك؟" أو "كيف أنكرت خالقك؟" أو "كيف تجزم أن لا حياة إلا هذه الحياة؟" أو "كيف جزمت بأن الإنسان جسد بلا روح؟" لما كان له جواب مقنع سوى أن يقول: "لا أدري" أمر غريب إن الهرم الإلحادي يوشك أن ينقلب رأسا على عقب في رأسه, هل يعقل أنه كان طيلة الوقت يراه مقلوبا؟ لقد كان يرى قمته سفحا, وسفحه قمة, إن أدعياء الإلحاد الخالص في أسفل السلم الإلحادي في واقع الأمر, إنهم في سفح الهرم, إنهم يدعون أمرا لا حقيقة له ولا برهان عليه, إنهم مجرد جعجعة لفظية فارغة, لهذا السبب يكثرون السباب, لهذا السبب يكثرون الضجيج. أحس أنه يوشك أن يحل لغزا طالما حيره, لماذا لا يجيب الملاحدة عن أكبر سؤال للمتدينين: "أعطونا دليلا واحدا على إنكار الخالق." السبب هو أنهم "لا يدرون ولا يعلمون ولا يوقنون." إذن الزملاء في الفرع "اللاأدري" من "حزب التنوير" أقوم سبيلا, إنهم أتوا الأمر من بابه, يقولون "لا ندري" ومن قال: "لا أدري" فقد أنصف ومن كان لا يدري ثم يكابر فلن يأتي بشيء سوى السفسطة والبقبقة اللفظية. أما زملاؤنا "اللادينيون" فهؤلاء يصدق عليهم لقب "منافقي الإلحاد" إنهم متلونون, إنك تعجب من سرعة تقلبهم وتناقضهم, إنهم كائنات حربائية تلبس لكل حالة لبوسها, هؤلاء أولى بأحقر المراتب. تنهد أبو الإلحاد لما بذله من جهد تنويري مضن, وشعر بشيء من الإرتياح, وقال يحدث نفسه: "يجب أن أغير معلومات الديانة في سيرتي الذاتية, فأنا من اليوم "لا أدري" ولست "ملحدا" بالمعنى الذي كنت أعتز به." خف غضبه قليلا ورضي من أسئلته المتكاثرة أن يؤجل النظر فيها كما يملي عليه منهجه الجديد الذي يرفع الشعار الرنان: "لا أدري"...
    التعديل الأخير تم 03-30-2011 الساعة 11:21 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  11. #26
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    مصري من مدينة الإسكندرية يعيش في الغرب
    المشاركات
    2,687
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    توقف عن التفكير قليلا وتساءل: "بأي قانون مادي يكون الشتم مذموما من وجهة نظر إلحادية بحتة؟" حدق في الجدار أمامه طويلا وهو يتأمل هذا المعنى الغريب الذي خطر في باله, هل يعقل أن يكون مخطئا في انفعاله؟ ربما كان هؤلاء العفاريت حقا أعمق منه إلحادا على حداثة أسنانهم, الشتم شيء لا وجود له في العالم المادي, هل يمكن أن يكون استنكاره لتلك العبارات القاسية وتلك الكلمات الجارحة مجرد أثر لرواسب مجتمع ما قبل "التنوير"؟ ربما كان الأمر كذلك, وهب أن الشتم مذموم لسبب ما, كأن يكون محظورا بسبب التوافق الاجتماعي على ذلك, فلنتصور أن في "العقد الاجتماعي المادي": بندا يقول: "لا تشتم متنورا بما ليس فيه", ثم خطر له أنه غضب لأنهم شتموه ببعض ما هو فيه, فاستطرد في خواطره: "إذن فليكن البند هكذا: "لا تشتم متنورا أبدا"", ما هذا الهراء؟ كيف نفرض على الإنسان المادي قيدا مثل هذا؟ يجب أن نمحو من قاموس المجتمع المتنور هذه القيود الرجعية التي تكبل حريته بسلسلة طويلة من "افعل ولا تفعل",
    يبدو ان هشام ابن الزبير يحاجج الجماهير الغربية التي تعيش هذه الحالة المادية بل اللاادرية
    ولااظن ان كثير مما يعيشون في الشرق ويعلمون شيئا عن هذه الحالة اللاادرية-المادية التي لها شبه في عالمنا يمكنهم صنع نص واضح مركز بهذه الصورة
    حتى مخيال اللاادري لو تمعن في عملية تفكير لاادريته لعلم انها تجري في منطقة مادية بشيء عاقل غير مادي
    فأدري ولا أدري عملية عقلية خاصة بالروح العاقل المتلبس بالجسد او قل باللفظ القديم بالجثمان البشري
    ان هشام ابن الزبير يفتحني بهذا النص على كتاب دراسات في النفس الانسانية للاستاذ محمد قطب فهو كتاب يكشف للاادري هذا عن خطوط غير منظورة داخل كيانه الانساني اختلط بها-او فيها- المادي بالروحي فظن المادي انه جسم رطب تجري فيه الدماء الحارة ونسي ماعبر عنه نص هشام ابن الزبير مما اقتطفت منه المقطع المصنوع من خبرة من داخل الغرب على اغلب الظن!
    بارك الله فيك

  12. #27
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    أخي طارق..
    ظنك في محله..
    ولم أضع قط في اعتباري ما يعيشه الغربيون في مجتمعاتهم, إنما تصورت ما يتخبط فيه الملحد العربي الإنترنيتي على ضوء ما نراه في المنتدى..
    سررت بتعليقك أخي الحبيب.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  13. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2011
    الدولة
    Abu Dhabi -UAE
    المشاركات
    85
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    أسلوب رائع افتقدناه في كتابنا منذ زمن ...
    أعتقد أنك مشروع كاتب ناجح

    بوركت
    قال عليه الصلاة والسلام إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب .. فإنما هو استدراج )
    و رتل قوله تعالى :
    "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة "

    "فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون"

  14. #29
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مصر
    المشاركات
    1,722
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    1

    افتراضي

    أستحى أن أكتب سطراً فى مقالتك أخى هشام .. حتى لا أقطع حبل أفكارك ..
    لكن .... هذا بالضبط ما نفتقده هنا .. بارك الله فيك

  15. #30
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,859
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسن المرسى مشاهدة المشاركة
    أستحى أن أكتب سطراً فى مقالتك أخى هشام .. حتى لا أقطع حبل أفكارك ..
    لكن .... هذا بالضبط ما نفتقده هنا .. بارك الله فيك
    أخي الكريم حسن,
    دعني أبوح لك بسر.. إني حين أقرأ ما تكتب أنت وأخي طالب العفو أغبطكما على نبرة في كتابتكما, أظنها من أسلوب الأطباء.. إني أكاد أستطيع أن أخمن أن هذه كتابة أحدكما.. لهذا فأنا أتلصص قليلا على ما يخطه الإخوة الأحباب هنا.. فالمنتدى مثل الروضة الندية حفلت بالأزهار والثمار..
    وما دمت قد حللت ضيفا على يوميات صاحبنا المبتلى بلوثة الإلحاد هداه الله, فأهديك يوميته التالية التي يعرض فيها للسؤال الناسف للإلحاد: -لماذا نخاف من الموت؟ وقد أسميتها: موت الإلحاد.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

صفحة 2 من 20 الأولىالأولى 123412 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الكوميديا الألحادية
    بواسطة شهرزاد في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04-24-2014, 10:01 PM
  2. إعلان: الكوميديا الإلحادية السابعة بين الإلحاد الإفتراضي والارضي - فيديو -
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 03-21-2014, 09:42 PM
  3. إعلان: الكوميديا الإلحادية، الحلقة الخامسة - نحو تنوير النحو - بالصوت ..
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-15-2014, 09:46 PM
  4. إعلان: برومو للحلقة القادمة - نحو تنوير النحو - من الكوميديا الإلحادية
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-13-2014, 09:12 PM
  5. لأول مرة الكوميديا الإلحادية بالصوت - بصوتي - ..
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 11-26-2013, 08:25 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء