صفحة 3 من 21 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 31 إلى 45 من 301

الموضوع: الكوميديا الإلحادية

  1. #31
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    موت الإلحاد

    أوى أبو إلحاد إلى فراشه, وحاول أن يغمض عينيه فلم يقدر, لم يطاوعه النوم فتناوم, لكن النوم هجره, حاول أن يتسلى بعد الضباع لعله يمل فينام, حاول أن يصعد بخياله في سلم التطور, تخيل ذوات الخلية الواحدة كيف استطاعت بفضل الجهد التعاوني أن تلتحق بأخواتها فتكون أولى الكائنات الحية, تخيل بعض الزواحف العمياء تتجه لتغطس في المحيط, تخيل كيف نبتت لها خياشيم وزعانف, لكنه فشل في تخيل الحلقات المفقودة, بدأت الأفكار تنهال عليه, اجتهد أن يسترخي دون جدوى, كلما سكن ذهنه وأوشك أن يصير صفحة بيضاء, تسللت إليه هواجس سوداء, إنه يخاف من الوحدة, يخاف من السكون, يخاف من الصمت, الصمت يفتح باب التفكر, والتفكر يستدعي آلاف الخواطر والصور , تهجم عليه كالجيش العرمرم, إذا صدها من الميمنة هجمت عليه من الميسرة, تطرق باب عقله, تغمره ببحر من الأسئلة.

    بدأ يتساءل عن الحياة وعن الموت, لقد وطئت قدماه اليوم أبغض البقاع إلى قلبه, لقد قضى ساعة في المقبرة كأنها سنة, غطى وجهه بالوسادة كأنه يهرب مما علق بذهنه, وتقلب كأنه ينفض عن عقله هذه الوساوس الخانقة, أحس بغبار المقابر يملأ أنفه, بدأ هذا الحوار الداخلي يدور بداخله: "كيف أتخلص من هذه الهواجس؟ مالي والتفكر في الموت ولم أبلغ الأربعين بعد؟ سأعود للعناية بنفسي, سأترك التدخين, سأنظم الشرب, فلأقتصر على كأس أو كأسين في الأسبوع, مات مروان, لقد كان وسيما ممتلئا شبابا؟ سقط فجأة كجذع من خشب أثناء المباراة, توقف قلب مروان قلب هجوم الفريق, مات في الوقت الإضافي, مات وهو يركض في حالة شرود, قال الأطباء: أزمة قلبية, سحقا لهم لماذا لم يكتشفوا ذلك قبل موته؟ قطعة لحم في حجم التفاحة تقذف بك بعيدا إلى العالم الآخر, أعني عالم الموت والفناء, وأي شيء الموت؟ لا شيء, الموت عدم, لكن مهلا لماذا قد أخاف من شيء لا وجود له؟ كيف أخاف من لا شيء؟ تنهد كأنه يدفع من صدره هذا الانقباض الذي يجثم عليه, ثم تساءل: ما زلت أخاف من هذا الشيء الغامض البغيض منذ عقلت, إنهم يقولون إن الموت أخو النوم, لكني أحب النوم فلماذا أكره الموت؟ إذا كنت مجرد مادة صماء, فلماذا أخاف من الموت؟ ربما هي الغريزة الحيوانية الداروينية؟ انظر إلى حيوانات الأدغال, إنك تكاد تقرأ معاني الرعب على وجه الحمار الوحشي المبرقش وهو يعدو بأقصى سرعة لينجو بجلده ولحمه وعظمه وبياضه وسواده من السبع الضاري الذي يلاحقه, إنه يكاد يشعر بأنفاسه الملتهبة تلفح قفاه, أليس هذا خوفا من الموت؟ بلى ولكن ما هذا الخوف أقصد, هذا خوف طبيعي له سبب وجيه, لكن الحمار الأنيق في بذلته المخططة, مثل نجوم السبعينات, لا يخاف حين يكون في سربه في لحظات الأمن والسكينة, ينعم برفقة الأتان وبرؤية الجيل الصاعد من الجحوش ,يقضم العشب الأخضر ويكرع من ماء النهر, هل نتصور حمارا ممددا فوق حشائش السافانا الإفريقية تتصارعه هذه الأفكار الوجودية التي تعصف في رأسي الليلة؟ هل سمعتم بحمار يعاني من الأرق ويدمن المهدئات؟ أنا لا أقصد الخوف الدارويني الذي يصرخ في داخل كل حيوان: "أريد أن أبقى, أريد أن أعيش", إنما أعني هذا الخوف الذي يتملكني الآن, إنه شيء مختلف, إنه شيء غريب, فأنا لا أرى له من سبب, ترى هل يمكن تفسير هذا الخوف "الفلسفي" من الموت بالرجوع إلى مبادئ نظرية التطور؟ لا أدري, لكن التطور يعني الانتقال من طور أدنى إلى طور أعلى وأفضل, وأي فضل في إحساس بالخوف يشل تفكيرك وينغص عيشك؟ أنا كائن مادي قلبا وقالبا, أيقنت أن الروح خرافة, الوعي تفاعلات كيميائية, تفاعلات معقدة لكنها تبقى مجرد تفاعلات, هل يخاف البحر حين تلقي فيه حجرا؟ إنه لا يهتم ولا يتقي, بل ينتظر في هدوء حتى يلامس الحجر صفحته فترتسم عليه أمواج دائرية رقيقة كأنه يبتسم, إنه تعبير البحر عن عدم اكتراثه, هل يترقب البحر سقوط الحجر؟ هل يخاف؟ إنه لا يبالي ولا يأبه بشيء, إنها عظمة المادة, وأنا مادة, ففيم الجزع إذن؟ أمر محير, انظر إلى التلفاز تطفئه وتشغله بزر واحد, الإنسان آلة داروينية متطورة, لماذا لا نعتبر موته مثل إطفاء أي آلة أخرى نعرفها؟ تضغط الزر قليلا فينتهي كل شيء؟ لكن الأمر ليس بهذه البساطة أبدا, حتى من يقف والسكين بيده ليحز شرايينه, أو يحمل كأس السم ليحتسيه, أو يقف على حافة هاوية ليتردى منها, حتى هذا الإنسان المقبل على الإنتحار يشعر أن الأمر لا يشبه أبدا إطفاء جهاز أو تعطيل آلة, لكن لماذا؟.. هل المادة تجزع؟ هل المادة تخاف؟ هل المادة تتردد في فعل ما ينبغي لها فعله؟ أبدا فالمادة في غاية الحزم والمثابرة والبرود, تحية تقدير وإكبار للمادة, المادة لا تعرف لا العواطف ولا الكلام الشاعري الرقيق, فمن أين جاءنا هذا الخوف القاتل؟

    سأعتني بنفسي, لكن ذلك لم ينفع مروان, لقد مات في الثلاثين, إذا كانت الرياضة لم تنفعه فهل تنفعني؟ أنا لا أريد أن أموت, على الأقل أريد أن أعيش كما يعيش الناس سبعين, ثمانين, تسعين, أو مائة سنة, ولم لا؟ تبا, حتى ألف لا تشبع نهمي للحياة! لماذا يسكنني هذا الإحساس برغبتي في البقاء؟ هل هذا هو منشأ فكرة الخلود التي يدندن حولها أهل الأديان؟ أمر مثير للاهتمام أن يكون لهذه الفكرة الدينية مكان في تفكيري وأنا ملحد عريق في الإلحاد, إني أتمنى الخلود وإن كنت لا أفصح عن هذه المُنية, لكنها هنا في أعماق نفسي, إنها في قعر سحيق, لكنها تصرخ بي: "لا تكابر, أنت لن تشبع أبدا من الحياة" واأسفاه, إني أؤمن وأقطع وأجزم بأني لا بد أن أذوق كأس المنية, لماذا أعجز عن تقبل الأمر بكل هدوء كما يفترض بالمادة أن تفعل ما ينبغي لها فعله؟ عجبا, شيء ما داخلي لا يقنع بمطلب دون الخلود, ياه, لو كان ذلك ممكنا؟ إنها فكرة عريقة في القدم, لقد حنط المصريون فراعنتهم, ماتوا ولم يمت أملهم في حياة أخرى, مساكين, كانوا يؤمنون بحياة أخرى, فماذا كان من أمرهم؟ الحياة الأخرى الوحيدة التي نالوها هي حياة خلف الزجاج البارد في متاحف لندن وباريس, لكن الزملاء الملاحدة أنفسهم بدأوا يتساقطون كالذباب ضحايا لهذا النهم الأسطوري للخلود, إن بعضهم دفع كل ما يملك ليدفع التكاليف الباهضة لحجز تذكرة العودة إلى الحياة, النيتروجين هو الكلمة السحرية التي تعزف سيمفونية "أحلام الخلود" في آذان الزملاء المتنورين, كما كان التحنيط البدائي يعزفها في أذن توت عنخ آمون ورمسيس الثاني.

    تخيل أبو الإلحاد نفسه مغمورا بالنيتروجين السائل, ينتظر الجيل الموعود الذي سيفك اللغز المحير لغز الحياة, لغز الموت, لغز الوجود, ليحقق حلمه المنشود, فيهبه تذكرة إياب إلى الحياة التي سيغادرها مكرها, أحس برائحة النيتروجين التي لم يشمها من قبل, لكنه تخيل أنها رائحة باردة, تخيل نفسه ملقى في تابوت زجاجي كأنه ثور أرجنتيني مجمد, وهل يعقل أن يعود بعدها إلى الحياة, إلا كما يتصور أن قطع الديك الرومي في ثلاجته ستتجمع ليصيح من جديد, يا له من حلم جميل, لكنه حلم بعيد المنال, فهو لا يملك الملايين لسد نفقات التحنيط عالي التقنية, ما أشد جشع زملائنا في العالم الجديد, عالم الأفلام والأحلام, يبيعون وعدا معلقا قد تخلفه القرون, ثم يقبضون ثمن الخدمة الموعودة نقدا, هلا أخروا السداد إلى وقت الوفاء؟ هلا اقتدوا في بيعهم للخلود بخصومنا المتدينين؟ إنهم لم يجعلوا العودة للحياة حكرا على الأغنياء دون الفقراء, ولا على البيض دون السود, لقد جعلوا الباب مفتوحا يلجه كل أحد, كل ما هنالك أنهم جعلوا الإنسان يقرر بنفسه كيف تكون جولته الثانية من رحلة الحياة, كأنهم قالوا: "بيتك هناك, فاجعله نعيما أو جحيما" يجب أن أقر لهم رغم اختلافي معهم, أنهم أكثر إنصافا من هؤلاء التجار مصاصي الدماء, إنهم أحفاد شايلوك, إنهم سماسرة يتجرون في الخلود ليراكموا الكنوز, أما أهل الأديان فإنهم ربطوا فكرة الخلود بأمر يستطيعه كل أحد, وليس بكم الأصفار عن شمال الحسابات البنكية, شعر بالفزع مما دار في ذهنه, لقد تزحزح إلحاده, وكاد يركن إلى الإيمان, انفجر ضاحكا, وهو يقول: "لقد فضح الموت الإلحاد" عدنا من حيث بدأنا, اتفق المؤمن والملحد على أن الحياة سر دفين, علق كلاهما الكشف عنه على المستقبل, لا إشكال أن يؤمن المتدين بالبعث والنشور وبالجنة والنار, لكن العجب كل العجب أن يسترزق الملحد المتنور من نفس ما ينكره على خصومه نهار مساء, إن الملاحدة أصبحوا يؤمنون بالبعث, لقد صاروا يبيعون الوهم, إن الملاحدة لم يعودوا ملاحدة, إن الإلحاد صار ملة ودينا وإيمانا, إن الإلحاد أثبت أن الإنسان كائن متدين, لقد أحسنت باعتناق المذهب اللاأدري, فهذا الإلحاد الملفق لا يكتفي بالسطو على شذرات من التراث الديني, بل يستثمرها للسمسرة في بورصته "الشايلوكية". لقد اكتملت أركان الملة "التنويرية" ولم يبق إلا تأسيس كنيسة إلحادية تقدم فيها القرابين والنذور للقسيس "دونكي" بالوسائل التقنية المتطورة.

    شعر أبو الإلحاد بالإحباط, إنه لا يملك ثمن النيتروجين, ولا يملك أن يقتلع من نفسه فكرة الخلود, ولا يملك أن ينام, كل ما بقي له أن يغوص في أحلام اليقظة, تخيل نفسه من خلف ستار القرون وقد استنقذه أبناء المستقبل من مسبح النيتروجين, فتح عينيه فنظر إلى كائنات خضراء تلبس ثيابا بيضاء وتضع الكمامات, وبدل أن يتساءل هل صارت الأرض مستعمرة في قبضة شعب المريخ, تساءل: "كيف له أن يعرف أنه هو الشخص نفسه الذي كانه قبل أن يغطسوه في المحلول النفيس؟ كيف علم الجسد المحنط أنه جسد أبو الإلحاد؟ إنه الآن ممدد في قاعة معقمة في ضيافة المخلوقات التي ينسب لها البروفيسور "دونكي" برمجة حمضنا النووي, فكيف يكون الشخص نفسه الذي كان يوما ما في غرفة حقيرة, ممددا على سرير خشبي متهالك, تتصارعه الهواجس ويكده الأرق؟ ما هو هذا الشيء الذي يدعوه "أنا"؟ هل هو هذه البلايين من الخلايا المتجمعة؟ وكيف عرفت الخلايا أنها تكون كيانا متجانسا حتى تدعو نفسها فجأة "أنا" بدل أن تقول "نحن"؟ من هو هذا "الأنا" الذي يسافر عبر الزمان والمكان ولا يلتبس بغيره أبدا؟ ماهو مفتاح هويتك يا أبا الإلحاد؟ هل يمكن أن نفترض على سبيل التنزل أن هذا "الأنا المجهول" يبقى في صورة ما, وفي بعد آخر لا نعلمه بوسائلنا الفيزيائية والتقنية المحدودة؟ وإذا كان هذا "الأنا" الذي أعنيه حين أقول "أنا" هو منبع هذا الطوفان من الأسئلة التي تكاد تهشم رأسي, فلم لا يظهر حتى أراه وألمسه وأطمئن عليه؟ من "أنا" يا "أنا"؟ هل يعقل أن يكون هذا "الأنا" يسكن بعدا آخر من أبعاد المادة لا نعلمها بعد؟ ربما تعرف المخلوقات الخضراء عنوان هذا "الأنا" وموطنه, فتستقدمه يوما ما لتعيده مرة أخرى في أجساد المحظوظين الذين يحظون بحمام بارد طويل الأمد في حاويات النيتروجين؟ من يدري ربما كان الزملاء الشقر على حق؟ فقد علمني الإلحاد ألا أستهين بأي احتمال مهما دق ورق حتى أشبه المحال." وعلى إيقاع هذا الأمل الضئيل الذي تناهى في دقته حتى كأنه هباء, شعر أبو الإلحاد ببصيص من السكون, فأغمض الجفون, وبدأ النوم يغزو رأسه شيئا فشيئا...
    التعديل الأخير تم 04-02-2011 الساعة 08:45 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  2. #32
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    يبدو أن يوميات أبي الإلحاد بدأت تتفاعل في أوساط القوم, فإن أحدهم نقلها إلى أكبر منتديات "الجرب والجذام" لكن و يا للأسف إن زملاء صاحب اليوميات ليسوا في مثل سعة صدره.. فإنهم تدخلوا إداريا لمنع زميلهم من حقه في التعبير وإبداء الرأي وعلقوا على الموضوع بالتالي:
    تم الإغلاق تمهيدا للحذف

    منقول دون ذكر المصدر

    الإغراق

    سأعتبر هذا تشجيعا بكل المقاييس للاستمرار في فسح المجال لأبي الإلحاد الرقمي ليطلعنا على خبايا نفسه المظلمة واليومية التالية ستكون بعنوان: تأملات داروينية .
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  3. #33
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    تأملات داروينية

    عاد أبو الإلحاد من السوق يتصبب عرقا, دخل بيته وهو يحمل الفقة, اشترى بيضا وباذنجانا وسمكا, و أعد لنفسه فنجان شاي, ثم جلس ينتظر عودة أم الإلحاد لعلها تهيئ له طبقا شهيا من الباذنجان المحشو بالسردين المفروم. إنه طبقه المفضل. لقد وجد هذه الوصفة يوما في قسم الإستراحة في أحد منتديات "الجرب والجذام". ومنذ ذلك اليوم وهو يكاد يشعر برائحة الخنوزة تهجم على أنفه كلما دخل على زملائه الافتراضيين, ربما تنبعث تلك الروائح من بين ركام الشتائم والكلام البذيء, وربما تفوح من الوصفات الغريبة في قسم الإستراحة, فهو رغم إلحاده العميق لا يستسيغ كل ما يروج في المطبخ الإلحادي, كل ما في الأمر أن هذه الوصفة الفريدة وافقت هواه. جلس يتخيل مقادير الزيت والثوم والليمون والبهارات اللازمة لطبقه المنشود, وتساءل كم من الوقت يلزم الصدفة الخلاقة لتهبه طبقه الشهي الذي تنجزه زوجه في أقل من ساعة؟ لا بد أن الصدفة تحتاج زمانا مديدا لهذه الغاية كما هي عادتها, حاول أن يحسب احتمال تكون مثل هذا الطبق اللذيذ بمحض الصدفة, يبدو أنه احتمال ضئيل جدا, لكن الطبيعة تعمل بصبر وأناة, من حسن حظه أنه لا يعتمد على الصدفة في مثل هذه الأمور المصيرية, فإن مصارينه لن تحتمل طويلا. بدأ يحتسي الشاي و يتأمل محتويات قفته, تفكر في غلاء الأسعار وفي ندرة الخضار, سمع أن ارتفاع سعر البنزين هو السبب في ذلك, تخيل كيف سيتحول هو نفسه إلى بنزين بعد ملايين السنين, تساءل هل سينتهي يوما ما محترقا في محرك جرار يحرث الأرض أو في خزان صحن طائر يجوب الفضاء, لكنهم سيستعملون طاقة أخرى على الأرجح, لا يهم, فالمادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم, لكنه لو لم يأكل شيئا فإنه يوشك أن يغمى عليه من الجوع, نظر إلى سمكة سردين بجلدها الفضي البراق, نظر إلى عينيها الجميلتين فوجدهما جاحظتين كأنهما تنظران إلى شيء ما, تخيلها كيف كانت تسبح في رشاقة بالغة في أعماق المحيط حين اكتشفت فجأة أنها وقعت في الفخ , وأن الشبكة أطبقت عليها من كل جانب, خاطبها قائلا: "للأسف فإنك خسرت معركة البقاء, إن أسلافك لم يفهموا آليات الانتخاب الطبيعي كما ينبغي, لقد جازفوا بالبقاء في المحيط, ربما ظنوا أن المستقبل مظلم على ظهر اليابسة, ماذا لو كانوا بادروا باستكشاف البر؟ من يدري لو كانوا فعلوا فربما كنت الآن مكاني تلبسين الثياب الأنيقة وتنعمين بالشاي الأخضر الصيني, ولكنت تنظرين إلي في القفة وتعجبين من زعانفي المدببة ورائحتي الغريبة", تخيل نفسه مقليا أو مشويا, يا له من مصير مؤلم, لكن لحسن حظه أنه ارتقى في سلم التطور درجات كافية جنبته هذا العذاب المؤلم, لكن أهل الإسلام يتوعدونه بنفس المصير لأنه كفر بدينهم و اعتنق "ديانة" التطور, تفكر: "إنهم يسمون كل شيء دينا, فليكن كذلك, فماذا ينقمون على التطور؟ لو لم يكن فيه علي من فضل إلا أني لست سمكة سردين فما أعظمه من دين." تمنى لو أنه لقي داروين ليشكره شخصيا على كشفه لأسرار التطور المذهلة.

    قرر أن يسلق بعض البيض ريثما تعود أم الإلحاد, وضع البيض على النار وهو يتساءل: "ما الذي سبق البيضة أم الدجاجة؟ و ما الذي سبق الآح أم الماح؟ لو كانت الطبيعة تسير وفق تسلسل المعجم لكان الآح أسبق, لكن بحث التطور لم يصل بعد إلى هذه التفاصيل الدقيقة, لكن كيف استطاعت الطبيعة أن تعمل في هذا المجال الضيق؟ شيء عجيب, جلد وعظم, ريش ولحم, جناحان ومنقار, لا بد أن هذا كله استغرق وقتا طويلا, الطبيعة مدهشة, الطبيعة خلاقة, تصنع هذا كله بشيء لا أستطيع أن أصنع منه إلا شيئين لا ثالث لهما بيضا مسلوقا أو مقليا." تخيل أسلافه الأوائل وتساءل: "ما الذي تطور أولا الطعام أم الأسنان؟ اللعاب أم اللسان؟ البلعوم أم المريء؟ المعدة أم الأمعاء؟ ياه, إن الأمر محير فعلا" تصور إنسانا تنبت له أسنان قبل أن تكون له معدة, فماذا يصنع؟ أمر عجيب: "هل يسقط الطعام الممضوغ في البطن لا يمسكه شيء؟ لا بد أن الطبيعة تداركت الأمر بطريقة ما؟ لكن كيف عرفت الطبيعة أننا نحتاج إلى الإحساس بالجوع ثم علمت أن مجاوزة الحد في الأكل مضر في معركة البقاء فوهبتنا الإحساس بالشبع؟ لا بد أن بعض القبائل النهمة انقرضت بسبب التخمة لوجود هذه الثغرة في بنيان التطور, فبادرت الطبيعة بابتكار هذا البرنامج الوقائي الكيميائي الدقيق الذي يضبط الجوع والشبع, لكني الآن أتضور من الجوع." شرع يقشر البيض واقفا ويلتهمه في لمح البصر, لكنه ما يزال جائعا, أخذ رغيف خبز وشرع يقضمه في شره, ثم أخذ قنينة عسل, فشرع يضع منه على الرغيف ويأكل, كان لفرط جوعه لا يجيد المضغ, كان يزدرد الخبز ازدرادا ويسرطه سرطا, وكان صوت أضراسه وبلعه للطعام يقطع سكون البيت, إلى أن حل ضيف غريب, سمع طنينا عند أذنه, إنها نحلة, شعر بالرعب, إنه يخاف من النحل, صار يركض في المطبخ, لكن النحلة تلاحقه, يبدو أنها عازمة على استخلاص بقايا العسل العالق في شواربه, نظر إليها وهي تطير إليه, رفع كلتي يديه يصدها, لكن فات الأوان لقد أحس باللسعة المؤلمة على أنفه, إن حقنة الطبيب ألطف من هذه الوخزة السامة, ما له وللعسل؟ يا ليته صبر قليلا, نظر إلى أنفه وقد تضاعف حجمه, ثم نظر إلى النحلة وهي تجود بنفسها وقال متسائلا: "ماذا استفدت الآن, ها أنت تموتين, عجبا لماذا لم تطوري سلاحا لا يودي بحياتك, يا لها من حماقة, وخزة فيها هلاكك" ثم خيل إليه أنه سمع صوتا يقول له: "بل أنت ما قيمة حياتك؟ أما أنا فحياتي كفاح, وكدحي شفاء, ووخزي سلاح, وأنت فلأي شيء تحيا ولأي شيء تموت يا بن الأربعين؟" حينها أيقن أبو الإلحاد أنه صار يهذي من الجوع, ثم سمع صوتا مألوفا يقول: "عزيزي لحود ماذا جرى لأنفك, ياه كل هذا أنف؟" فأجابها: "أبدا لا شيء, لكني جائع, اشتريت سردينا.." فقاطعته قائلة: "ألم نتفق أنني لا أدخل المطبخ أيام العطل؟ ضعه في الثلاجة إلى الغد." عندها خرج أبو إلحاد يركض كالمجنون ليشتري شيئا يأكله...
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  4. #34
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    الآلهة الإلحادية

    تصفح أبو الإلحاد منتدى إسلاميا ذات ليلة, فشده مقال يدعي صاحبه أن الإلحاد دين وإيمان. تبسم وهو ينظر إلى المغالطات تسري في أوصال المقالة, لكنه استمر في القراءة فاستوقفته الخاتمة التالية: "وخلاصة القول أن الملحد صاحب عقيدة شاء أم أبى, فهو يدين بدين, ويعبد إلها بل آلهة, بل إنه يسبحها ويمجدها سرا وجهرا, والطريف أن الملحد يغضب إن أهين معتقده الذي ينكر وجوده, ويستميت في الدفاع عنه, كما يستميت المؤمن الذي ينتسب لدين من الأديان." توقف صاحبنا عن القراءة, وتذكر الشكوك التي ظلت تساوره منذ طرده من منتديات "الجرب والجذام", وتذكر خشيته من انزلاقه من إلحاد عقلاني متنور إلى إلحاد عاطفي متحجر, تذكر اقتباسه اللاشعوري لكثير من مقولات المتدينين, تذكر تدليسه باختراع مصطلحات من قبيل "الغيب العلمي" و"الصدفة العلمية", وأقر في قرارة نفسه أن هذه السقطات توشك أن تنسف بنيان إلحاده نسفا. لكن الذي قرأه في هذه المقالة الجريئة نكأ جراحه القديمة فأزمع في نفسه أمرا. قرر أن يدخل هذه الشبهة الخطيرة إلى "المشرحة" ليكشف عما في أحشائها من التلفيق والتدليس. لا بد أن ينظر في هذه الدعوى العريضة التي يتبجح بها عليه الخصوم, ويفكك أجزائها ويكشف عن مغالطاتها واحدة واحدة حتى يستريح عقله ويخلص له إلحاده ويصفو له كفره.

    بدأ يرتب أفكاره: "يدعي الزميل المؤمن أننا مثله أهل اعتقاد وإيمان, ودليله أننا نفتقر للدليل على ما ندين به من الإلحاد, فلننظر فيما يرد به حزب "التنوير" على هذه الفرية العظيمة" تفكر طويلا, وقلب وجوه الرأي, واستعرض أهم معلوماته الإلحادية, فلم يجد شيئا ذا بال, لم يجد دليلا علميا دامغا يدحض هذه الشبهة, كل ما في الأمر أن الزملاء يهربون من هذه الورطة بقولهم: "إن الإلحاد نفي محض, فلا يحتاج لدليل." أو يقولون: "إنما يسأل المثبت عن دليل إثباته, فكيف يسأل النافي؟" ومن الطريف أنهم يستشهدون لإلحادهم من قاموس الخصم فيقولون: "البينة على من ادعى" وكأن نفيهم ليس دعوى! وربما أضافوا -إمعانا في الهرب- : "الإلحاد يا عزيزي هو غياب الإيمان, وغياب الدليل هو دليل الغياب, وما يقال بغير دليل, ينقض بغير دليل." تأمل في كل هذه الأقاويل وحك جبهته متسائلا: "لكن أين الدليل؟" وخطر في باله أن افتقار أصل المذهب الإلحادي إلى دليل مادي دامغ يجعله بالفعل "معتقدا" بكل المقاييس, وألح عليه السؤال: "كيف يستمر الزملاء في تفريع المسائل وتشقيق الأقوال إذا كان أساس المذهب هشا بهذا القدر؟" "هل يعقل أن مذهب "التنوير" لا يقوم إلى على عمود واحد هو "الإنكار" و"النفي" و"السلب"؟ "أليس في الإلحاد "إثبات" أو "إيجاب"؟ يا للورطة, فالزملاء لا يستطيعون حتى أن ينفوا وجود وحش لوخ نيس أو الييتي, لأن العلم لا يعترف إلا بالدليل ولا يقيم وزنا للدعاوى المجردة. إذن فلا يزال ثمة احتمال لوجود هذه المخلوقات في مكان ما, بل إن البروفيسور "دونكي" الذي يطلق عليه الخصوم "قسيس الإلحاد" يعتقد وجود كائنات فضائية, وهو على سعة علمه لا يملك شبهة دليل على ذلك, لكنه من أشرس المنكرين لوجود الخالق, فهل خرج من الكون واستقصى أرجائه وتفقد زواياه النائية وأركانه, وتجول في كل العوالم الظاهرة والكامنة حتى يجزم بأمر كهذا؟ ماذا لو كان البروفيسور المشهور مخطئا؟ يسوءني أن أقر أن كل الأدلة تشير إلى أن مذهب الزملاء يعتبر بسبب هذه الثغرة العظيمة دينا يشمل جملة من التصورات والمعتقدات التي تسد النقص الحاصل في فهمهم لهذا الكون الفسيح وأسراره الغامضة. فما دام الإلحاد لا يقدم الدليل على نفيه للخالق فإن هذا -بكل أسف- إيمان غيبي مجرد عن الدليل. لكن الخصم العنيد لا يقف عند هذا الحد الذي يؤسفني أن أقر له به, بل يرمينا بعبادة آلهة, إنه اتهام مضحك, هذا مما يغني إيراده عن رده.

    دار هذا بخلده, وهم بإطفاء حاسوبه, لولا أنه تذكر أنه قرأ يوما مقالا عن علاقة الإلحاد بعبادة الشيطان, لم يعبأ به يومها كثيرا. قام ببحث سريع على الشبكة فوجد موضوع "كنيسة الشيطان" قرأ عن أنطون ليفي مؤسس هذه الكنيسة, وقرأ عن إنجيله الأسود وطقوسه الخبيثة, كم يبغض هؤلاء الشيطانيين, لكنه حين قرأ أن هذا المعتوه زميل ملحد شعر بالصدمة, لقد وجد ملحدا مشهورا يعبد إلها و أي إله؟ إنه يعبد رمز الشر والرذيلة والفساد في العالم, إنه قطعا لا يؤمن بوجوده, لكن إقراره على نفسه أنه يعبد الشيطان بذيله وقرونه وصمة عار في جبين أهل "التنوير". لكن هذا ليس كل شيء, فهناك زميل آخر متنور يدعى بوبي هندرسن أضاف إلها آخر إلى قائمة الآلهة الإلحادية, إنه "وحش السباجيتي الطائر" لم يصدق عينيه حين قرأ عن ذلك أول مرة, ظنها مزحة إيطالية, لكن الزميل جاد لا يمزح, لقد ألف إنجيلا يتضمن وصايا إلهه "المعجون" ويا ليت الأمر اقتصر على الزميل الذي ورطنا في هذا المأزق القاتل, فإن البروفيسور "دونكي" نفسه يستشهد في حماس بالإله الإلحادي الكرتوني "وحش السباجيتي الطائر". على الأقل هذا ما اطلعت عليه في كتابه "وهم الإله". ولا أدري كيف خفي عليه أن من يستشهد بإله يسبح في الصلصة الحمراء ويغمس في الماء المغلي أعظم وهما ممن يؤمن بإله يخلع عليه صفات قد يقبلها العقل. إن المطبخ الإلحادي يمور بالوصفات الغريبة, ويفوح بروائح الخنوزة التي تزكم الأنوف, لكن أن ينزلق الزملاء إلى عبادة المعجنات فهذه فضيحة مدوية, تذكر أنه قرأ يوما في منتديات المتدينين أن عرب الجاهلية كانوا يصنعون أصنامهم مما يتيسر لهم, وربما صنعوها من تمر, فكان أحدهم يعبد إلهه اللذيذ ما دام شبعان فإذا جاع شرع يقضمه في خشوع أهل الجوع حتى يصير معبوده في بطنه, وحتى يفنى المعبود في العابد, وحتى تتحقق وحدة الوجود, فيصير الرب عبدا والعبد ربا, ما أتفه هذه العقول, أإله مأكول؟ أإله يتنقل بين المطبخ والكنيف؟ يجب أن أقر أن إلها يتأرجح الناس بين نفيه وإثباته, ولا يقدر العقل أن يحيل وجوده, خير من إله مأكول مطعوم مهضوم.

    تصور الزملاء "المتنورين" وقد قدموا من أرجاء العالم لأداء طقوس "العبادة السباجيتية" ولأمر ما تخيلهم قد تجمعوا في سهول جنوب إيطاليا في يوم مشمس, ووقفوا جميعا في صعيد واحد, وجاء القسيس الأكبر "دونكي" بلحمه وعظمه وشحمه في حلة مهيبة, كالتي يلبسها الطباخون, ويضع على رأسه تلك القبعة العظيمة التي تزيده بهاء, وهو يقول: "أعزائي الزملاء الأجلاء.. يا أهل الأنوار.. يا من تخطيتم الأسوار.. يا أذكياء العالم.. يا زبدة الأرض.. لقد تجمعنا هنا اليوم لنجدد الولاء والطاعة لإلهنا العظيم.. ولنسبح بحمده على إنعامه العميم.. فنضعه في القدر على نار هادئة حتى يستوي في جماله وجلاله.. وحتى ننعم بطيب ريحه ومطعمه.. فلتبارككم "السباجيتي" ولتحمكم "الطماطم" أيها العابدون الأكَلة.. ثم تخيله يقرأ وصفة طبخ إلهه مطرقا ويترنم في خشوع: "إلهنا "وحش السباجيتي الطائر".. جئناك كما أمرتنا فنورنا كما وعدتنا.. وصنعناك كما علمتنا.. فاملأ بطوننا كما عودتنا.. طن من خالص المعجنات.. وطن من الطماطم غير المهجنات.. وأكياس من العطور والبهارات.. لننعم بعطاياك الباهرات.. إلهنا "وحش السباجيتي الطائر" ائذن لنا أن نغمسك في المياة المقدسة.. وأن نرفعك فوق النار المتوهجة.. لتطهرنا من أدران البشرية وتخلع علينا من هبات "السباجيتية".. إلهنا لنشكرنك "بصلصة ناسوتية بنكهة سوفسطائية ولنرشن قدرك العلية ببهارات داروينية.." شعر أبو الإلحاد بالجوع يعتصر أحشائه, وتمنى لو حضر مثل هذا القداس الإلحادي مرة في حياته, تخيل "دونكي" يخلط مقادير إلهه فوق نار هادئة, في سكينة ووقار, ثم يستمر في تلاوة الأوراد الإلحادية ويرتل فقرات من كتابه "وهم الإله" حتى استوى أمامه "إله الوهم" حينها دعا بالأطباق فطار إليه الملاحدة من كل حدب وصوب, فهم إلى معبودهم بالأشواق, فما هي لحظات و دقائق, حتى مزقت السكاكين والأضراس أوصال الإله المطبوخ وتلاشت ألياف المعبود الممضوغ, حين خرست الألسنة وأعملت فيه الأسنان كأنها أسنة, وفني العباد في معبودهم, واستيقنوا وحدة وجودهم, واختلطت المقادير العلية في بطون الرعية, وذابت المعجنات السامية في الأفواه الحامية, وسالت الآلهة "السباجيتية" في الأمعاء الإلحادية, فلا تسل عن الدموع الساخنة التي سالت من حر البهارات الهندية, ولا تسل عن المنامات الشيطانية التي أعقبت التخمة السلطانية, ولا تسل عن القيء والقلس, ولا تسل عن الجشاء والفساء. تذكر أبو الإلحاد ذلك كله واستغرب من سعة الخيال الإلحادي, وخجل من زملائه الذين يوشكون أن يعبدوا "البصل" و"الباذنجان", بعدما عبدوا "الطماطم" و"العجين", توقف عن التفكير قليلا ثم قال يحدث نفسه: "أظنهم بالفعل يعبدون كل شيء, إنهم يعظمون المادة, ويقولون إن الكون أزلي, إنهم يعبدون كل شيء بالفعل. لقد أحسنت بتخفيف حدة إلحادي واعتناق اللاأدرية." أحس بالجوع حتى تخيل أن رائحة صلصة "وحش السباجيتي" بدأت تنفذ إلى أنفه. فرفع صوته يسأل زوجته: "عزيزتي, هل العشاء جاهز؟" فأجابته: "نعم يا لحود, تعال قد أعددت طبق سباجيتي على الطريقة الإيطالية التقليدية" قام إليها مسرعا وهو يقول في نفسه: "سأطير إليك يا طبق السباجيتي الطائر."...
    التعديل الأخير تم 04-07-2011 الساعة 12:57 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  5. #35

    افتراضي

    أقترح علي الأخوة القائمين بمجلة منتدي التوحيد أن يفسحوا لك عمود دائم فيها,,
    وأتمني أن أري في الأسواق قريبا كتب لك وليس في الألحاد واللادينيه فقط بل والعلمانية وغيرها أيضا..
    فأسلوبك أخي هشام متميز حقا
    جزاك الله خيرا
    تقبل هذه
    ما رأيك في صفقة !
    ( هلا دعوت لأخيك أن يخرج من هذه الدنيا مؤمنا ً, ويدعو لك ملـَـك بالمثل )
    ------------------
    أسلوب حوار الملحدين وأهل الباطل:
    ----------------
    - أثناء الكلام:
    -أثناء الأستماع:
    -------------------------
    أستحلفكم بالله الدعاء لي بالصلاح والهداية , وأعلم أن المـَلك يدعوا لك بالمثل.

  6. #36
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    جزاك الله خيرا أخي ماجد على كلامك الطيب..
    أهديك يومية أخرى لصاحبنا المبتلى بلوثة الإلحاد. أسميتها:
    فصل لتعليم الإلحاد
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  7. #37
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    فصل لتعليم الإلحاد

    أحس أبو الإلحاد بالحنق الشديد على زملائه إذ هجروه وتركوه في العراء الإلكتروني عرضة لشبهات المسلمين, مضوا وخلفوه في الفضاء الرقمي المكشوف بلا سلاح, حرموه صحبتهم فخبا دخان الإلحاد من عقله رويدا رويدا, إنه وحيد شريد يخشي على نفسه الفتنة, استلقى على فراشه, شعر بضيق في صدره, حدق في السقف طويلا, أغلق عينيه لينام فأبت جفونه أن تنطبق, يبدو أن أرقه أصبح مزمنا, وأنه طور مناعة ضد الحبوب المهدئة.

    أطفأ السراج وشرد بعيدا, بدا كأنه يسترد شريط أيامه, أحس أنه عاد طفلا, تذكر الصبا وعاودته ذكريات أيام المدرسة, غاص في ذلك الزمان البعيد, حاول أن يستعيد ذكرياته في ضوء إلحاده, تذكر المقاعد الخشبية, والسبورات السوداء, وسترات المدرسين البيضاء, تذكر آثار الحبر الأزرق على أنامله وتذكر أقلام الرصاص, أحس برائحة تلك السنوات الهنيئة, رائحة الطباشير, تذكر الفصول المتعاقبة والمواد المختلفة.

    تذكر مادة الجغرافيا حتى خيل إليه أنه يسبح في أنهار الصين ويتسلق جبال الهيملايا ويتجول في غابات الأمازون, تصور أنه ينظر إلى قطعان الغنم في الأرجنتين ويتسلى بمشاهدة أسراب البطريق في القطب الشمالي, تخيل ذلك كله وتمنى لو يعود كما كان بريئا سعيدا, يركض في دروب الحياة بعقل طفل ويقفز في خفة كنغر أسترالي. تنهد كأنه يتحسر على صفاء تلك الأيام الخالية وتساءل: "أين يقع إلحاده من هذا كله؟" ماذا لو قيل له: "صف لنا الموقع الجغرافي لإلحادك يا أبا الإلحاد؟" فتح عينيه وهمهم: "لا بد أن هذا المذهب العقلاني المتنور يقع في واد سحيق بين المجازفة والتهور, أو في أخدود غائر بين الشكوك والظنون, وربما أفضى بمنتحله -إن أخفق في بلوغ بر الأمان- إلى ما يشبه ما ظنه القدماء حافة العالم. إن الإلحاد جزيرة جرداء تسبح فوق مستنقع من الظنون والهواجس والشكوك, إنها مكان فظيع يحده اليأس شمالا والقنوط جنوبا والحيرة شرقا والاضطراب غربا, لاشك عندي في دقة هذه الإحداثيات, فزعماء الإلحاد وقسسه يحطون رحالهم إما في مستشفيات المجانين أو يركبون مراكب اليأس فيقضون منتحرين, لكنهم في كل الأحوال لا يبرحون الجزيرة الملعونة." تذكر كيف كتب إسماعيل أدهم : "لماذا أنا ملحد؟" نشر إعلانه الجريء يتبجح "بيقينه الإلحادي", ويفاخر بطمأنينة نفسه وسكينتها, وينادي: "إني وجدت السعادة الروحية التي يدعيها المؤمنون لأنفسهم, إنها هنا, في مذهب الإلحاد." امتعض أبو الإلحاد من هذا النفاق البين: "ياله من مخاتل كذاب, فلم انتحر إذن؟" إنه يعلم هذا كله الآن ويخشى أن يبوح بشيء منه لأحد, إنه يصارح نفسه لأنه يفكر بعقل طفل, إنها لحظات صفاء نادرة يستسرل فيها أبو الإلحاد مع شكوكه, ويكاد يصرخ بما لا يكاد يهمس به عادة, إنه يدفع إلى ذلك دفعا, فقد هجره الأقران, وقلاه الخلان, ونبذوه كالحذاء البالي, وأوصدوا في وجهه أبواب منتديات "الجرب والجذام", فماذا يصنع إن لم يطلق لافكاره العنان؟ هل يريدونه أن يجن أم يتوقعون أن ينتحر؟ يجب أن يجتاز هذه المحنة بسلام, إنه يحب الحياة, فكيف ينتحر؟ إن الحرب الأهلية تكاد تندلع في رأسه من فرط الحيرة والاضطراب, ويكاد يحس بالأعاصير الإستوائية المدمرة تعصف بين مخه مخيخه. يجب عليه أن يجد لنفسه حلا. لقد أصبح بالفعل على حافة الإفلاس الفكري, ودخل فيما يشبه الركود الكبير, هل هو مقبل على الجنون؟ غطى وجهه بالوسادة كأنه يهرب من هذا الهاجس المرعب, إن زلزالا عنيفا بدأ يهز أرجاء نفسه بقوة لا يكفي لقياسها سلم ريشتر. استمسك بسريره واجتهد أن يحافظ على البقية الباقية من يقينه الإلحادي وأفكاره التنويرية.

    تذكر مادة التاريخ, تذكر الحضارات البائدة, والممالك العظيمة, والمدن العامرة, تذكر الإنسان القديم, إنسان الكهوف الذي روض الوحوش, وتساءل: "لماذا لم يخل زمان من دين؟ ولماذا لم تخل مدينة من معبد؟ لماذا لا ينفك مجتمع بشري عن إيمان؟ من أين جاءت كل هذه الأديان؟ أحس بجحافل جيش الشك تزحف على رأسه؟ وأحس بهواجس الظنون تراود عقله, وخشي إن استسلم أن تستولي دولة الإيمان على زمام نفسه, فتقلب في فراشه يدافع شكوكه, ويتخيل فصولا أخرى لعلها تزكي كفره وترسخ إلحاده.

    تذكر مادة الأحياء وندم أنه لم يدرس التطور في صباه, فهو على كثرة ما سمع وقرأ عن التطور, ما يزال يشعر أنه لغز كبير محير؟ تخيل زملائه في صورة فايروسات إلكترونية متطورة تحمل الأفكار الإلحادية وتترقب الفرصة المواتية لإخراجها من حيز القوة إلى حيز الفعل, ومن العالم الافتراضي إلى العالم الأرضي, تذكر كيف يتسترون في مكر بإلحادهم ولا يبوحون به إلا في منتديات "الجرب والجذام" التي ينزلقون إليها ليلا كالجرذان, تصور "منتدى المجذومين العرب" مزرعة حيوانات مثل مزرعة جورج أورويل, تقودها الخنازير والكلاب, وهذا ليس قدحا في الكلاب والخنازير أبدا, إذ لا يفصل هذه الخنانيص الذكية وتلك الجراء الوفية, عن الزملاء الذين يرتدون الثياب, إلا بضعة كروموزومات وبضع درجات في سلم التطور. لقد نسفت الداروينية أوهام الكرامة البشرية الأصيلة ووضعت حدا لاستعلاء فرد واحد من الأسرة الحيوانية على أقرانه, "ما دام الجميع يرجع إلى سلف مشترك, ففيم الفخر بالأحساب والتعالي بالأنساب؟" تصور كثيرا من الملاحدة الافتراضيين يتلونون تلون الحرباء وينقنقون نقيق الضفادع ويبثون أفكارهم التنورية في مكر ودهاء ولا يكاد يسمع لهم إلا فحيح, تخيل شعر القرود يتساقط وظهورها تستقيم وذيولها تندثر شيئا فشيئا لتلتحق بركب الإنسانية, تخيل الزرافة تمد رقبتها في طموح, فهي لا تقنع بالثمار الدانية, بل تشرئب إلى العلياء حتى صار عنقها بهذا الطول العجيب. يحيا التطور.

    تخيل مدرس الكيمياء في سترته البيضاء يقول: "يستخرج "زيت التنوير" من مسام المجتمعات الخرافية, ومن خلايا الثقافات الرجعية, ويستخلص بوسائل علمية دقيقة وبآليات منهجية حديثة من مستنقع الشك ومن حمأة الحيرة, ويحمى عليه في أتون التحرر ويرش بمحلول الإنفتاح ويحفظ في جو العقلانية حتى يتخمر ويصير كالقار الخالص, حينها يسقى به المتنورون شربة هنيئة لا يظمؤون بعدها إلى الإيمان أبدا.

    تذكر فصل العربية, وتذكر المعلقات والمقامات, وتذكر الشواهد القرآنية, امتعض من المدرس الذي كان يرى أن الإسلام مبتدأ وخبر, وأنه فاعل مرفوع لا حد لرفعته وعلامة رفعه ضمه لأجناس أهل الأرض تحت رايته, فلا يختص به جنس دون آخر, ولا أرض دون أخرى, استغرب من اجتياح هذا الدين للشمال المتنور, عجبا كيف يكون منهج من "الماضي" فاعلا في "المضارع", بل كيف يريد أصحابه أن يملكوا "المستقبل" وكيف لم يزالوا يخاطبوننا بصيغة "الأمر", لا شك أن هذا الإسلام دين "الجمع", يصر أن يجمع كل شيء تحت ظله: ""المفرد و"الجمع", "الضمير الظاهر" و"المقدر", إن الإسلام يتصور أن يجتاح أعاصير عصور ما بعد الحداثة, وعواصفها الهوجاء التي تسلط عليه بسلام, لكن هيهات, نحن في زمان ما بعد الحداثة. إن هؤلاء القوم لا يرون حقائق دينهم إلا مصدرة "بحروف التحقيق", ولا يراها هو إلا في جوار "حروف الشك والمقاربة". إنه يحب السلام والتسامح و الإسلام أقام بنيانه على "الفتح".

    لكن أين موقع الإلحاد من العربية؟ لا شك أنه ما زال "مجرورا" منذ وجد, يعيش في "الضمير المستتر", كأنه "فعل مبني للمجهول", وأحسن أحواله أن يكون "مفعولا به". وربما أتاح له الزمان فلتات فيتسلم منصب "نائب الفاعل" على حين غرة من "الفاعل" الحقيقي. الإلحاد لا يحيا –للأسف- إلا مصدرا "بحروف النفي", إذا كان الإلحاد استفهاما, فإنه استفهام استنكاري لا ريب في ذلك, إنه فكر لا يرجى له مستقبل إلا في أحضان "لعل" و"عسى", الإلحاد "جملة اعتراضية" و"خبر محذوف". يبدو أن هذا المذهب المنبوذ قد ابتلي بكل "حروف العلة". الإلحاد في ديار الإسلام كلمة لا محل لها من الإعراب. الإلحاد دين "المفرد والمثنى", تنتحله شرذمة منبوذة, تضاف إليها كل الأوصاف الدنيئة والأفعال الناقصة. لهذا كله يسعى كثير من الزملاء إلى كسر كبرياء هذه اللغة المؤمنة بتوجيه سهام النقد اللاذع إليها, إن حزب التنوير يفضل اللغات الأجنبية و اللهجات العامية على العربية, فلا عجب أن راجت عند بعضهم موضة تعلم الأمازيغية, لكنه سمع من مصادر موثوقة أنه لا ينصح أبدا بالجهر بالأفكار الإلحادية في بيئة أمازيغية أصيلة, فإن هذا الشعب ما زال شديد التأثر بالموروث الديني, وربما تنقلت إليه جينات "بن آجروم" عبر القرون. تخيل أبو الإلحاد ذلك كله وتساءل في قرارة نفسه: "هل سيأتي يوم ينعم فيه الإلحاد العربي بالازدهار في أحضان لغات لا تعامله بمنطق الفتح والكسر والضم والجر؟" حينها بدأ يحس بالنوم يسري في أوصاله وسرعان ما شرع في الشخير...

    التعديل الأخير تم 04-08-2011 الساعة 12:57 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  8. #38
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    من سيربح الغليون؟

    لقي أبو الإلحاد أثناء سفره شابا متوقد الذكاء من عفاريت الشبيبة الإلحادية, إنه أحد الذين نغصوا عليه إقامته في العالم الإلكتروني, مع فارق ظاهر, فأولئك مجرد معرفات رقمية تسبح في عوالم افتراضية, لكنه يرى أمامه الآن مليحيدا حقيقيا غض الإهاب, من لحم ودم, فتملكه الفضول للتعرف على الزميل الصغير. وجده في القطار منكبا على حاسوبه الصغير, كانت أصابعه النحيفة تنقر الأزرار كأنها طير يلتقط الحب في خفة, أمهله حتى فرغ ثم استدرجه في الحديث في مكر بالغ, وحين أفضى إليه أخيرا بحقيقة معتقده داعبه قائلا: "مرحبا بك على الجزيرة المتنورة أيها الزميل" نظر إليه الشاب في استغراب فبادر أبو الإلحاد إلى انتهاز الفرصة الثمينة, وبدأ يستفسر رفيق سفره عن خبايا تصميم البرامج الإلكترونية, فهو وإن كان قد تدرب على بعض برامج التصميم فإنه لم يفلح قط في ردم الهوة السحيقة بين معلوماته النظرية وبين تطبيقاتها العملية.

    خطر له شيء قد ينهي أيامه العجاف كملحد منبوذ, لقد قرر أن يطور مهاراته التقنية حتى يثبت لزملائه أنه رقم صعب في معادلة التنوير الافتراضي. بدأ حلم وردي يداعب خياله السوداوي, راودته فكرة تصميم برنامج يكون مفتاحا لعودته إلى عالم المنتديات اللادينية, يجب أن يكون برنامجه قنبلة بكل المقاييس تفتح له الطريق من جديد إلى منتديات "الجرب والجذام", إنه يريد شيئا مبتكرا فريدا, فماذا يكون ياترى؟ هل يصمم شجرة التطور بتقنية ثلاثية الأبعاد بحيث كلما نقر على فرع منها خرجت منه الحيوانات المتفرعة التي تطورت منه؟ كأن ينقر فتخرج الديناصورات تتبعها التماسيح ثم تتلوها القوارض والقرود. ربما استعان بالمؤثرات الصوتية التي اقتبسها من سلسلة "مغامرات السحلية والسعدان" التي يدمن مشاهدتها ولا يمل منها أبدا. إنه يعدها من روائع الفن الكرتوني العالمي.

    لعل موضوع التطور أصبح يثير الملل, فليصمم برنامجا تثقيفيا حول منجزات أباطرة الإلحاد من لينين إلى بول بوت, تخيل بول بوت بملامحه الصفراء القاسية يعتلي جبلا من الجماجم البشرية, فتخلى عن هذه الفكرة, إنهم يعيروننا بأمثال هذا الزميل المتهور, لقد بالغ في سعيه لتسريع وتيرة التطور, هذا كل ما في الأمر, لقد أتعبه الانتظار ملايين السنين, فقرر اختصار المدة بوسائله الخاصة, لو نظرنا إلى القضية بتجرد علمي بعيد عن الرومانسية, لوجدنا أنه قام بتقديم بعض المساعدة لأمنا الطبيعة, فأخذ على عاتقه القيام بعملية تجميلية لوجه المجتمع بإزالة بعض العناصر الدنيا ليفسح المجال بعدها للانتخاب الطبيعي ليواصل عمله. إن الخصوم يبالغون في التشنيع علينا بإرث الزميل المتحمس, فهلا نظروا إلى مقاصده النبيلة, عجبا إنهم صدعوا رؤوسنا بكلامهم عن النيات والمقاصد, فليتأملوا برهة في مقاصد الزميل الكامبودجي. لكن المتغيرات الكونية لا تسمح الآن بتبجيل هذا الرفيق المناضل, فلنصبر ريثما تهدأ النفوس.

    استرسل في تأملاته ثم نظر إلى الشاب فوجده غائصا في لعبة إلكترونية, فانفرجت أساريره وفغر فاه كمن عثر فجأة على شيء يفتقده, فربت على كتفه سائلا: "هل لديك خبرة في تصميم الألعاب" فأجابه دون أن يلتفت إليه:" طبعا ومن تظن صمم هذه اللعبة التي تراها؟ انظر إنها لعبة "بيغ بانغ سوبر دي لوكس تاور" لقد صممت عمارة من مائة طابق, في كل طابق مائة شقة, في كل شقة عشر غرف, في كل غرفة عشر أرائك, فضلا عن المطابخ والحمامات والمسابح, طبعا لك أن تتخيل كم تفننت في تصميم الأثاث الإيطالي الفاخر, كل ما يخطر على بالك موجود في عمارة "سوبر دي لوكس تاور", لو قدر لعمارتي أن ترى النور لخطفت الأضواء من برج العرب, ومن أبراج كوالا لومبور, لكني صممتها لغرض آخر, انظر هذا الزر الأحمر, تأمل الحروف اللاتينية "بانغ" أشار إليه ثم ضغط عليه ضغطة سريعة فسمع دوي انفجار, ثم قال: "هل رأيت كيف تستحيل "سوبر دي لوكس تاور" سديما كونيا متناثرا؟ انظر بنفسك." حدق أبو الإلحاد فإذا سحابة سوداء داكنة تملأ الشاشة, وتلاشت المكونات الإلكترونية للبنيان الافتراضي الباهر كأنها بهارات هندية ضلت طريقها بين أسنان مطحنة كهربائية صينية, "بهذه الضغطة تكون اللعبة قد بدأت, ويبدأ العداد الإلكتروني يحصي عليك المدة, عندها عليك أن تبدأ بضغط الزر الأخضر باستمرار, انظر إليه وإلى حروفه الجميلة: "بيغ", لقد صممت اللعبة حسب آخر داراسات نظرية "البيغ بانغ" وجعلت فرص الفوز متقاربة مع أدق الحسابات الفيزيائية لنشأة الكون, يعني, فوزك في هذه اللعبة أشبه بالمعجزة, ويعادل احتمال تكون جزيء بروتين بمحض الصدفة, لكن اللعبة لها هدف تربوي إلحادي, فمهما ضعف الاحتمال, فإنه حقيقة لا يتطرق إليها الشك والاحتمال." نظر إليه أبو الإلحاد بإعجاب وسأله: "لكن كيف تستمتع بلعبة لا يرجى فيها فوز؟" فأجابه الشاب في ثقة: "الفوز يحتاج إلى صبر ومثابرة أيها الزميل, ثم إنني حصلت على نتائج مشجعة وإن كانت نادرة, فقد ضغطت مرة "بانغ" فاندثر كل شيء, ثم عدت فضغطت "بيغ" صحيح إن العمارة لم تعد كما كانت, لكن المرحاض الفاخر كان هناك بكامل تفاصيله شامخا فوق كومة الغبار المتناثر كأنه يقول: "هائنذا أيها الزملاء!", هل تعي المغزى أيها الزميل, انفجار يعيد الحياة إلى مرحاض حديث بكامل أجهزته, حتى المرآة كانت هناك بدون خدش, طبعا أنابيب المجاري كانت تسيل, لكن ألا ترى معي إلى قيمة هذا النجاح الجزئي؟

    نظر إليه أبو الإلحاد وتخيل أنه ينظر إلى نفسه قبل عشرين سنة, نظر إلى بريق عينيه وإلى حرارة الحماسة تسري في كلامه, فسأله: "عندي فكرة لعبة إلكترونية تضاهي لعبتك, لكني أحتاج لبعض التوجيه..." قاطعه الشاب: "هات فكرتك" فانطلق أبو الإلحاد كأنه يقرأ من كتاب: "إنها لعبة تجمع بين المحتوى التنويري وبين البعد الترفيهي, أريد أن أدخل البهجة إلى قلوب الزملاء في هذه الظروف العصيبة, وفي هذه المجتمعات الرجعية, حيث يتغلغل الإيمان, إنها لعبة من طراز: "من سيربح المليون" سأسميها "من سيربح الغليون" وتكون الجائزة الكبرى غليونا من عاج الماموت الأوكراني النادر المطعم بالذهب الأحمر, هذا لو قامت إحدى الشركات الإلحادية العظمى باحتضان المشروع, أريد أن تكون الأسئلة جولة لطيفة في أنحاء الفكر الإلحادي المتنور, يلعبها الصغير والكبير والمثقف والعامي والرجل والمرأة, لعبة تنير ظلمة البيوت الإلحادية, وتصلح لقضاء ليالي الشتاء الباردة, وتكون بديلا لبرامج القنوات الدينية, لعبة تحفز المجتمع المتنور على تنمية الثقافة العامة الإلحادية." قال له الشاب: "هذا من أهون الأشياء, لكن كيف تتصور الأسئلة؟" اعتدل أبو الإلحاد في مقعده, ومد بصره خارج النافذة كأنه يستلهم الأفكار من منظر أشجار الأكالبتوس الممتدة على طول الطريق, ثم أغمض عينيه وقال:

    أيها الزملاء مرحبا بكم جميعا مع اللعبة الإلحادية الأولى: "من سيربح الغليون" أمامكم أحد عشر سؤالا, ولديكم ثلاث وسائل مساعدة: 1. تجاهل السؤال 2. القص واللصق 3. الاتصال بجوجل

    السؤال الأول: واحدة من أكثر الأشجار انتشارا في أستراليا:
    1.كلى البسوس, 2. أكالبتوس, 3. آكلة التيوس, 4. شجرة التطور.
    السؤال الثاني: ما هي كنية الزميل الراحل جوزيف ستالين؟
    1. أبو مطرقة, 2. أبو منجل, 3. أبو شنب, 4. أبو الهول.
    السؤال الثالث: ما هو معرف مؤسس أكبر صفحة إلحادية على الفيس بوك؟
    1.أبو حنتمة الملوخي, 2. التنين القطبي 3. العلامة اللاأدري 4. كلكامش الحكيم.
    السؤال الرابع: الطبيعة أم الملاحدة فمن أبوهم؟
    1. الصدفة 2. الطاقة 3. مجهول لا يعرف 3. لا أبا لهم فالطبيعة تلقح نفسها.
    السؤال الخامس: ما اسم الحلقة المفقودة بين الشمبانزي والإنسان؟
    1. سمك السلمون 2. ذبابة الليمون 3. البوكيمون 4. أبو قشة السعدان.
    السؤال السادس: ما هو الشيء الذي لا يقدر عليه الإله الإلحادي وحش السباجيتي الطائر؟
    1. أن يطير فوق بلاد السوشي 2. أن ينقلب إلى طبق محشي 3. أن يتصرف بشكل وحشي 4. أن يدنو من ديك حبشي.
    السؤال السابع: ما هي هواية البروفيسور ريشارد "دونكي" المفضلة؟
    1. مطالعة روايات هاري بوتر 2. التواصل مع الكائنات الفضائية 3. جمع الحلقات المفقودة 4. رتق الثقوب السوداء.
    السؤال الثامن: فيم كان يفكر زميل "دونكي" صانع الساعات الأعمى طوال تلك السنين؟
    1. متى سينتهي ليذهب إلى بيته؟ 2. كيف سيواجه المنافسة الصينية؟ 3. كم ستكلف الحملة الإشهارية؟ 4. أين سيقضي عطلته السنوية؟
    السؤال التاسع: كم قردا نحتاج لكتابة "أصل الأنواع" في عشرين سنة؟
    1. تريليون قردا 2. بليون قردا 3. مليون قردا 4. نحتاج قردا واحدا متطورا.
    السؤال العاشر: ما هي أهم الحفريات التي تنقض نظرية التصميم الذكي؟
    1. مشط آردي 2. خلخال لوسي 3. شظايا الانفجار الكمبري 4. حذاء إنسان بلتداون.

    عندها فتح عينيه, فلم يجد أمامه أحدا, لقد جمع الزميل أغراضه واختفى, شعر أبو الإلحاد بضيق في صدره, لقد كان يهم أن يسأل زميله عن سؤال الغليون, أراد أن يسمع رأي غيره, فلا بد لسؤال كهذا أن يكون مدروسا بعناية, لكن الزميل رحل دون أن ينبس بكلمة, ربما اضطر لذلك حتى ينزل في المحطة التالية, وربما كان إلحاد أبو الإلحاد نسخة أثرية لا مكان لها في عالم الملاحدة الناشئين من الجيل الثالث أصحاب الهواتف الذكية, عندها وصل إلى مقصده فنزل من القطار يجر أذيال الخيبة...
    التعديل الأخير تم 04-09-2011 الساعة 11:22 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  9. #39
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    14
    مأساة الأبوة الإلحادية


    جلس أبو الإلحاد إلى مائدة العشاء, حمل الشوكة بيده الشمال وأحس بشعور غريب, فأن تكون ملحدا ثم تلتهم "السباجيتي" بالصلصة الحمراء أمر يثير إشكالات ميتافيزيقية عميقة. لا شك أن هندوسيا مخلصا سيفضل الموت جوعا على أن يشهر سكينا وشوكة في وجه بقرة مقدسة, لكنه ملحد, فليأكل إلهه إذن. لقد سئم السكون الذي يملأ البيت, تمنى الذرية, كان قبل سنوات يكبت عواطفه الأبوية ريثما تستقر أحواله, كان الأمر ترتيبا مقصودا للأولويات, أما الآن فالأمر مختلف, إنه يرى أن الطبيعة قد خذلته ولم تسعفه بعد بالولد, لكنه يستغرب من عجلته, وكيف عساه يجيب عن أسئلة طفل؟ إن رأسه تكاد تنفجر تحت ركام من الأسئلة المعلقة, لكن هذا الصمت الخانق بيئة خصبة للتفكر, والتفكر يسبب له الصداع والاكتئاب, ما الحل إذن؟

    فجأة نادى بأعلى صوته:" نوال, نوال, يا سعد أيامي, يا أميرة التنوير, ما رأيك أن نتخذ حيوانا أليفا يملأ علينا البيت؟" فأجابته أم الإلحاد بسرعة: "لحود, عليك أن تختار بيني وبين الكلب, هل نسيت اتفاقنا؟" فأجابها: "أبدا, من ذكر الكلب؟ أي شيء إلا الكلب, قطة, سلحفاة, تمساح حتى.." قاطعته في حدة: "لا أريد مخلوقا بشعا يمشي في الشقة على أربع, هل فهمت؟" فقال لها: "وماذا لو ظفرنا بمخلوق ظريف يمشي على رجلين؟" تجاهلت كلامه فجلس يفكر في الأمر, امتعض من العنصرية التي يعامل بها الإنسان أشقائه المتخلفين داروينيا, فأنت تجد الكلاب محرومة من ولوج المطاعم والمتاجر والإدارات, لا لشيء إلا لأنها تعثرت قليلا في مسيرة التطور, يا له من مغرور هذا الإنسان! ماذا لو تداركت الكلاب النقص وتسلقت درجات سلم التطور طفرة واحدة, فصارت أرقى منه؟ حينها ستذيقه من ذات الكأس التي تتجرعها الآن. يجب عليه أن يغير نظرته إلى بقية الفصائل الحية بكل أصنافها, فإن البشر والحيوانات يشكلون في النهاية أسرة واحدة, لقد كشف العلامة أبو الطفرات مجدد علوم الأحياء عن شجرة نسبها وعن سلفها المشترك. لكن التغيير لن يحصل بالكلام المعسول, لا بد من أفعال تتبع الأقوال, فماذا عساه يفعل حتى يستأصل من نفسه هذه الرواسب الرجعية التي تفصله عن العجماوات؟ تخيل كيف يضع الناس الطيور في أقفاص, وكيف يستعبدون الحمير في البيادر, وكيف يستخدمون الكلاب في الحراسة والصيد, تتجرع الحيوانات كل ذلك الذل لقاء حفنات من الطعام الرديء وجرعات من الماء الملوث, ثم يتكلم البشر في مجتمعاتهم عن حقوق العمال وعن النقابات وعن الحريات وعن المساواة, يا له من منافق هذا الحيوان المنتصب على قدمين, هل سيتمادى في عنهجيته حتى تتحقق الثورة الحيوانية التي تنبأ بها جورج أورويل؟ هل سينتظر حتى يصرخ به الزملاء: "الدواب والهوام تريد تغيير النظام"؟ لكن أبا الإلحاد سيبدأ رحلة الألف ميل بنفسه, وسيشرع في إذابة الجليد بين المجتمع البشري والمجتمع الحيواني بطريقة مبتكرة, سيحيا في رفقة حيوان يعترف له بحيوانيته كاملة, سيأتي بحيوان يحيا بجنبه على قدم المساواة, يطعمه مما يطعم, ويكسوه مما يلبس, ويعلمه مما يعلم, المشكلة الوحيدة أن أم الإلحاد لا تريد كلابا ولا قططا ولا فئرانا, فماذا يفعل؟ إنها لا تريد ذوات الأربع, فماذا يصنع؟ عندها أشرقت أمام عينيه صورة جعلته يلبس ثيابه بسرعة وهو يقول: "نوال, سأعود بعد قليل, نصف ساعة على الأكثر." نظرت إليه مندهشة وقالت: سأخرج بعد قليل, هل تحتاج شيئا من السوق؟" توقف برهة وقال: "لعب أطفال" ثم ركض خارجا...

    حين عاد كان يحمل قريدا في عمر الزهور في يد, وبعض المقتنيات في اليد الأخرى, وضعه فوق الأريكة في رفق شديد, لقد نام في الطريق, تأمله طويلا في حنان, ثم أخرج من كيسه حليب أطفال ورضاعة واتجه إلى المطبخ, عاد يحمل أول وجبة للوافد الجديد, ثم أخذ بقية محتويات الكيس إلى الحمام, عاد وشرع ينظر إلى الصغير الوديع, كان يرقد في سلام, خاطبه في سره قائلا: "فلتهنأ بالنوم الآن, فأمامك عمر طويل وأعمال جليلة." حينها تقلب القريد وفتح عينيه, والتقت عيناهما, كان الصغير يحملق في صاحبه في فضول, وكان صاحبنا يكاد يغوص في تينك العينين العسليتين اللتين لم ير لجمالهما وصفائهما مثيلا عند بني جنسه, نظر إلى الأهداب الفاتنة التي تغار من طولها الحسناء, أخذه إلى الحمام, فغسله بصابون معطر, وجففه ثم مشط فروه فصار كأبهى ما أنت راء من الصبيان, حقا إن القرود زينة الحياة الإلحادية, أخذ ثيابا اشتراها للقريد فألسبه إياها, ثم نظر إليه, وقال: "هائتنذا يا قريدي العزيز تخطو أولى خطواتك في مسيرة التطور, خطوة صغيرة لك يا صغيري, خطوة جبارة للجنس القردي المظلوم" وقف يتخير الأسماء, وتساءل: "هل أسميك "دونكي" باسم قدوتي قسيس الإلحاد, أم أسميك"تروتسكي" لعلك تقتبس منه حسه الثوري, أم أسميك "دارون" تيمنا بقابليتك للتطور السريع؟ نعم, هذه فكرة جيدة, لكنك صغير جدا, فليكن اسمك منذ اليوم "دُرَيوين" هكذا, التصغير أحسن وأجمل, حمله بين يديه ورسم قبلة على جبينه وهو يقول "مرحبا بك في بيتك الجديد, عزيزي "دُريوين", عندها أحس بزغب على شفتيه, أزاله بكفه, وهو يقول: "أمر جميل لقد بدأ هذا الشعر الكثيف يتساقط منذ الآن, سرعان ما سيظهر جلدك الجميل يا ذا العينين العسليتين." ثم حمله إلى غرفة الجلوس.

    رأى دمعا يترقرق في عيني دُرَيوِين, وسمع له بكاء فعلم أن به الجوع, فحرك الرضاعة وسكب على كفه قطرة يتحقق من حرارتها, ثم أخذ مكانه على الأريكة واحتضن القريد وشرع يرضعه في حنان أبوي دارويني منقطع النظير, نظر إلى الشفاه الجميلة تمتص الحليب في نهم, شعر بالسعادة تغمره, وأحس بنفسه يغوص في بحر من الأحلام, رأى نفسه يأخذ القريد إلى مصلحة تسجيل المواليد لإتمام إجراءات التبني, لم يكن الأمر سهلا, لكن ما فاز إلا الجسور, إنه محظوظ لأن حزب التنوير نجح في اكتساح الانتخابات البلدية, أما الخصوم فإنه يحرمون التبني جملة, خرج يحمل الوثيقة التاريخية: "شهادة تبني مختلط رقم 1: الفصيلة: القرديات, السن: ستة أشهر, لون الفرو: أسمر فاتح, لون العينين: عسليتان, الاسم: دُرَيوين, الأب المتبني: أبو الإلحاد, الأم: توفيت في انهيار أرضي. السبب: الاحتباس الحراري, الموطن الأصلي: جزيرة بورنيو. آخر عنوان: دار أيتام رياض السعدان.

    تخيل صاحبنا المتنور كيف انحنى شهرا كاملا أمام عاصفة التهكم والتندر الهوجاء التي أعقبت خطوته التقدمية, لكنه كان مستعدا بما يكفي, من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل, كانوا يتهكمون ويتغامزون, وهو لا يزيد على أن يقول: "انتظروا قليلا, فالضحك جولات, لنر لم تكون الجولة الحاسمة." لقد قلب الأمر من كل وجوهه, الداروينية نظرية علمية شامخة يتطاول عليها الجهلة, وهو يدرك السبب تمام الإدراك, إنها لم تبرح عالم البحوث الأكاديمية ولم تغادر مجال التنظيرات المجردة, وهو يريد أن ينزل بالفكرة إلى الميدان, ميدان التطبيق العملي الواقعي.

    لقد رأى في التلفار قردا يعزف الكمان, وآخر يلبس سترة بيضاء ويحمل سماعة, خمن أنه طبيب أو ممرض على أقل تقدير, ورأى برنامجا قديما عن أول قرد يغزو الفضاء, بل إنه رأى شريطا سينمائيا عن كوكب كامل يديره القرود, تذكر أن كل شيء كان يمشي على ما يرام لولا تطفل بعض السياح من بني جنسه, فها قد ثبت عنده بالدليل المادي أن للقرود سابقة فضل في كل ميدان, فمنهم المغمور والمشهور, والوسيم والذميم, والأكاديمي والفنان, إنهم مثلنا تماما.
    ومن آخر ما زكى إيمانه بفكرته التقدمية القضية التي رفعها بعض أنصار الحيوان في النمسا للاعتراف بالزميل الشيمبانزي ماتياس بان كإنسان, للأسف لم يكن القضاء في مستوى المسئولية التاريخية, لكن أبا الإلحاد أهل لها وأحق بها.

    تخيل كيف يلاعب وليده, و كيف نظر إليه يحبو ثم يخطو خطواته الأولى, ثم قضى معه الساعات الطوال يدربه على النطق, وبعد مجهود خارق ومثابرة حثيثة سمع منه الكلمة السحرية, لقد قال له القريد: "بابا" دمعت عيناه وتراقص قلبه في صدره, ثم أدخله الحضانة, فكان يلعب مع صبيان المتنورين, فهم أكثر تسامحا من غيرهم, صار دُريوين يدهش الجميع بقوته ورشاقته, لقد تطور بشكل عجيب, لم يبق فيه من شيء يذكر بأصله إلا ذيله, ولما كبر صار يقرأ عليه فصولا من "أصل الأنواع" حتى يزيل عنه العقد النفسية, ويقرأ عليه "صانع الساعات الأعمى" حتى ينمي خياله ويمحو من عقله شيئا اسمه المستحيل. وحين كبر ألحقه بإحدى مدارس البعثة الفرنسية, ثم حصل على منحة من الجامعة الأمريكية. تخيل أبو الإلحاد كيف صار ابنه الموهوب بطلا أولمبيا في القفز الطولي والعلوي, كما أنه أحرز بطولة العالم للشطرنج ثلاث مرات متتالية, لكن المفخرة العظمى هي حصوله على جائزة نوفل لأحسن ابتكار علمي, لقد حقق ذلك كله قبل سن الثلاثين. ثم جاء سن الزواج, تخيل أبو الإلحاد كيف يخطب دُريوين بنت الدكتور أبو قشة الملقب بداروين الثاني, مؤلف كتاب "كشف الأسرار ونسف الأسوار" الذي يشرح فيه نظرية التطور بالتفصيل الممل, حينها تكاد رواسب الرجعية تجهض حلم الدكتور الشاب الطموح, لكن الزواج يتم بعد أخذ ورد, ومد وجزر وأمور يطول شرحها, وقبيل اليوم المشهود يقرر أبو الإلحاد أن يرافق ابنه لقضاء إجازة الصيف على جزيرة جالاباجوس, وهناك يسبح دُرَيوين ذات يوم, ثم يهيج البحر فجأة ويختفي عن الأنظار, فيهب أبوه لينقذه, و يغوص تحت الماء يبحث عنه, لكن رائحة الماء غريبة, لا بد أن لذلك علاقة بالتطور خصوصا أنه على جزيرة التطور, ثم إن الماء دافئ بشكل مريب كأنه يسبح في فنجان شاي, حينها عاد أبو الإلحاد إلى رشده, وأفاق من أحلامه, و نظر إلى ثيابه مبللة, فالتفت إلى صغيره قائلا: "فعلتها يا عفريت!" وحمله قاصدا الحمام , وفي هذه اللحظة فتحت أم الإلحاد الباب, فحملقت في وجهه فاغرة فاها كأنها رأت مخلوقا فضائيا, وحاولت أن تقول شيئا, لكنها لم تزد على غمغمة غير مفهومة وهي تشير إلى القريد كأنها تقول: "أي شيء هذا؟" فأجابها: "عزيزتي أمهليني لأشرح لك كل شيء, هذا قرة العين, هذا رأسمال المستقبل, مستقبلنا ومستقبل الإنسانية, هذا "دُرَيوين" أليس ظريفا؟" قال هذه الكلمات ودنا منها ليريها الصغير لعل قلبها يحنو عليه, فنكصت وهي تصرخ وتقول: "أبعد عني هذا المسخ" فأجابها: "أعذرك عزيزتي, الأمر يحتاج إلى بعض الوقت, ستتطور مشاعرك بقدر تطور "دُرَيوين" صرخت في وجهه: "إن لم تخرج هذا الوحش من بيتي فإني سأخرج ولن تراني بعدها أبدا" نظر أبو الإلحاد إلى زوجه ثم نظر إلى ابنه, ومكث لحظات يقلب نظره بينهما وقلبه يتفطر كمدا, يا له من خيار صعب, وحين رأى زوجته تتجه صوب الباب, قال : "عزيزتي, حسنا, أمهليني دقائق" جمع أغراض الصغير في كيس ونظر إليه نظرة أخيرة كهيئة المودع, وشعر بأنه يوشك أن يستيقظ من حلم جميل, ثم حمله وخرج وهو يكاد يجهش بالبكاء...
    التعديل الأخير تم 04-12-2011 الساعة 12:37 AM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  10. #40

    افتراضي

    سلمت يديك .....ضحكت كثيرا ....... سبحان الله تعالى وتنزه عما يشركون

  11. افتراضي

    لا أملك إلا أن أقول جزاك الله خيرا

  12. #42
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    أخي مومو وأخي راجي رحمة الله, بارك الله فيكما.
    وأهديكما يومية جديدة من يوميات أبي الإلحاد عنوانها:
    الإلحاد وإيقاف الزمن
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  13. #43
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    الإلحاد وإيقاف الزمن


    عاد أبو الإلحاد مساء وصدره يكاد ينفجر من الغم, شرب حبوبا مهدئة واستلقى في فراشه كأنه جذع أجوف, نظر إلى السقف فخيل إليه أنه يكاد يسقط عليه, وأحس بسيل من الهواجس يهجم عليه, فقام إلى الحمام وشرع يمسح وجهه بالماء لعله يطفئ الحرارة التي تنبعث من رأسه, نظر إلى وجهه في المرآة يتأمل تعاسته ويتملى في ذمامته, خيل إليه أنه قبطان تائه كسرت العواصف العاتية دفة مركبه, فغدا ذرة تتقاذفها أمواج المحيط, نظر إلى وجهه طويلا كأنه يتساءل: "من هذا المخلوق الغريب؟" نظر إلى عينيه فبدا كأنهما تنظران إلى داخله, وقد أحاطت بهما دوائر دقيقة بدأت تشق طريقها على تضاريس وجهه الكالح, يبدو أن الطبيعة ستحيل هذا الإهاب السهل المنبسط صحراء جرداء تشقها الأخاديد والوديان, تأمل التجاعيد على جبينه فخمن أنها خطوط لغة لم يتعلم قراءة حروفها بعد, إنها لغة الزمن, إنه اللغز الأكبر, إنه هناك في مكان ما, يستخف بغرورك, تنهد بعمق وهم أن يستدير حين رأى شيئا يشرق في سواد حاجبه الأيسر, اقترب حتى كاد أنفه يلامس المرآة, فتكدرت صفحتها ببخار نفسه, ثم رآها هناك وحيدة فريدة تنطق دونما لسان, إنها شعرة بيضاء متمردة تتوسط حاجبه في تحد, قطب جبينه في قلق واستغراب, وقال يحدث نفسه: "لقد ابيض مني آخر ما يبيض من بني البشر! هل بلغت الثمانين حتى يبيض حاجباي؟ لا بد أني أسرفت في التفكير وبالغت في إرخاء العنان للهموم والأحزان, يجب أن أجد حلا عاجلا لهذه الورطة." بدأ يتتبع الشعرة المرعبة ليلتقطها بإبهامه وسبابته, وكلما ظن أنه أمسك بها انسلت من بين أظفاره كأنها تشعر بما يراد بها, خيل إليه أنها تضحك منه, لكن الداروينية علمته ألا يستسلم بسهولة, ظلت عيناه متسمرتين على صورته الكئيبة وسحنته الكالحة, ولمح قطرة عرق تنزلق من جبينه, ثم ظفر بالشعرة أخيرا فجبذها جبذة ظن أن عينه ستنخلع لها, أحس بألم شديد سرعان ما نسيه حين رأى الشعرة المتطفلة بين أنامله. إنها رسول الزمن إليه, إنه عدوه اللدود, إنه يهزأ من إلحاده, إنه خصم عنيد لا يبعأ بسفسطته ولا يلقي بالا إلى جداله, إنه عدو رهيب صامت, يدفعه دفعا إلى حافة العالم, يدفعه إلى عدو آخر أشد منه وأنكى, يدفعه إلى الموت, إنه الزمن فهل يستطيع أحد إيقافه؟ أحس أبو الإلحاد بحقارته, لقد كان في العشرين حين انسلخ من الدين, كان يصرخ في المنتديات: "إلي أيها المتدينون, أنا أبو الإلحاد, أنا قاهر الخرافة, أتحدى كبيركم وأفحم عالمكم" كان طبلا كبيرا فارغا, وكان لفظا فضفاضا بلا معنى, وهاهو يشارف الأربعين وكل ما يعلمه أنه لا يعلم شيئا, وهاهو الزمن "المعلم الأكبر" يلقنه أقسى درس في حياته, وينذره بدنو انقضاء أيامه, إن الشعرة البيضاء سفيره الوقور, لقد استوعب أبو الإلحاد الدرس جيدا, لكنه يرفض أن يستسلم بسهولة لهذا الخصم الخفي. وأي شيء يكون الزمن؟ أهو شيء له حقيقة أم أنه وهم كبير؟ كيف له أن يفسر الزمن وهو لا يؤمن بشيء خلا المادة؟ لكن الزمن خصم لا يسعه إنكاره, إنه ينحت في عقله وفي كل بقعة من جسمه معاني الفناء, لكنه لا يكاد يجد الكلمات المناسبة لوصفه. إنه ظاهر إلى درجة الخفاء.

    عاد أبو الإلحاد إلى فراشه وقد استولت عليه الهموم وصار يتنهد وينفث أنفاسا حارة كأنه محموم. ومن مكان ما من أعماق نفسه المتحيرة نبت سؤال جعله يجلس على حافة سريره متفكرا متأملا. تساءل: "هل من سبيل إلى إيقاف الزمن؟ لا بد أن هذا هو مفتاح اللغز" وصار هذا الخاطر يكبر في نفسه شيئا فشيئا وقال كأنه يخاطب نفسه: "شيء ينقص منك في كل لحظة, ويفنيك في كل نفس, وينقلك مرحلة مرحلة, حتى يفضي بك إلى آخر الرحلة, إنك تركبه, وهو يمضي يشق طريقه, وأنت تقاومه بلا جدوى, إنه أشبه شيء بقطار يقطع الأرض من أدناها إلى اقصاها, ويحمل الناس من بلد إلى بلد ومن سهل إلى جبل, وليس بينهم وبين التخلص من هذا التنقل الدائم إلا النزول من هذا المركب السيار, لذا تراهم يسارعون بالهبوط كلما وصل إلى محطة, يحاذرون أن توصد دونهم الأبواب فتبدأ قافلة الحديد تقطع الأرض من جديد. نعم إن الزمن مركب لا نعلم له لونا ولا طعما ولا رائحة, ولا نعلم له شكلا ولا صورة, لكنه مركب لا شك. فكل ما ينبغي لمحب البقاء وعاشق الحياة فعله أن يفارق متن هذا المركب الذي يفضي بك آخر الرحلة إلى الموت." توقف صاحبنا قليلا, وهو يقلب أفكاره ويشعر أنه أمسك بالخيط السحري الذي تقف الحياة الأبدية على جانبه الآخر وهمهم: "ترى هل عرض فلاسفة التنوير لمثل هذه المسألة العميقة؟ لا بد أنهم فعلوا, فهذا أمر بديهي, إذا لم تستطع إيقاف الزمن فلا اقل من أن تفارقه, لكن كيف؟" أخفى وجهه بين كفيه وخطر له أن مفارقة الزمن تعني الموت, فاكفهر وجهه, وأحس أنه يدور في حلقة مفرغة, وأنه ذرة حقيرة بين فكي رحى تطحنه, يديرها الزمن, ويخرج منها ميتا, لكن كيف له أن يخرج من هذه الرحى القاتلة قبل فوات الأوان؟ إنه يؤمن بالعلم ولا شيء غير العلم, لقد قطع العلم بالجنس البشري أشواطا هائلة, فهل يعجز عن إتمام فتوحاته بالانتصار الحاسم على هذه الدوامة التي تمحق الحياة محقا وتنتزع الناس من نعيم الحياة انتزاعا؟ كلا, إننا في عصر الذرة وغزو الفضاء, في عصر الاستنساخ والخلايا الجذعية, إننا في عصر التكنولوجيا, ولا بد أن يكون هناك حل لهذه المعضلة العويصة, إذا كانت الملخوقات أحادية الخلية قد تطورت عبر الزمن في صبر ومثابرة حتى وهبتنا هذه الأنواع المذهلة وهذه الكائنات المدهشة التي تملأ الكوكب الأزرق, أفنعجز نحن عن حل لغز الزمن؟ تخيل أبو الإلحاد أن العلم سيكتشف يوما ما حقيقة بعد الزمن, فلا بد أن هذا الزمن يوجد بصورة ما في عالمنا, لا بد أنه يحيط بنا كما تحيط الشرنقة بالفراشة, وأول خطوة لنهزمه أن نكشف عن موطنه فنراه ونلمسه, يجب أن نضع أيدينا على جدار الزمن الذي يحيط بالجنس البشري, فإذا فعلنا فحينذاك يمكن أن نصنع آلة الزمن.

    وعلى وقع هذه الأفكار الفلسفية المضنية بدأ النوم يدب في أوصال صاحبنا فاستسلم لنوم عميق سرعان ما حمله إلى مملكة الأحلام. رأى أبو الإلحاد نفسه وقد ركب الآلة العجيبة, وأحاطت به قوقعة زجاجية فبدا كأنه من الصدفيات, ورأى أمامه لوحة إلكترونية عليها أرقام كثيرة, لكن الذي استوقفه هو "لوحة التاريخ", وأمامها "زر التثبيت", خمن أن هذا هو أهم شيء في الآلة السحرية, يجب أن يختار تاريخا معينا ليحيا فيه, فإذا قام بتثبيته انتقل إلى الفترة المبرمجة, فيستقر فيها ويتوقف الزمن. هذه فرصته ليتغلب على الخصم العنيد, هذه فرصته ليقهر الزمن, هذه فرصته ليخدع الموت, شرع يحدث نفسه: "هيا يا أبا الإلحاد لا مجال للتردد, فأنت لا تدري ما الذي يعرض لك, ربما تتعطل الآلة, وربما يكون بالخارج طابور طويل مثل طابور المواصلات العامة, فلا بد لي أن أحسم أمر وأن أسرع" وبالفعل خيل له أنه يسمع جلبة وقرعا على باب الآلة, وأن أحدهم يقول له متوعدا: "بقيت لك دقيقة واحدة إما أن ترحل أو ننزلك بالقوة." عندها تذكر أبو الإلحاد أنه كان سعيدا في طفولته, أو هكذا خيل إليه, فاختار يوما من أيام إحدى سنوات الثمانينات, شرع يعد بأصابعه ليتأكد كم كان سنه حينها, لكنه سمع القرع مرة أخرى, حينها أحس بالارتباك الشديد, فشرع ينقر الأزرار, فنقر يوم الاربعاء الثامن من سنة 1982 ونظر إلى زر إضافي رسمت عليه الساعات والدقائق, وقد كتب بجنبه بالخط العريض (اختياري), لكنه لم ينتبه فنقر الأزرار فارتسمت أمام التاريخ الذي اختاره الساعة الثامنة والنصف صباحا. ثم سمع النقر وخيل إليه أن أحدهم يسعى لفتح باب المركبة فضغط "زر السفر عبر الزمن" فلم يشعر بنفسه إلا وهو صبي جائع في العاشرة يلج باب المدرسة وهو يلهث, والخوف ينهش فؤاده, فقد تأخر عن الموعد مرة أخرى, ولم يتح له حتى أن يتناول كوبا من الشاي وقطعة من الخبز, لقد تأخر نصف ساعة كاملة, زملاؤه الآن في الفصل, إنه يجري ويتصبب عرقا, ويتمنى أن يكون الناظر المرعب قد نام هو الآخر هذا الصباح, ولم تكد هذه المنية تداعب خياله الصغير حتى أحس بصفعة مدوية على خده, وشعر كأن نارا قد أضرمت على جلده, ثم أمسك الناظر بأذنه يجره ويقول: "أيها البليد تأخرت مرة أخرى, متى تتعلم احترام مواعيد المدرسة؟" وقبل أن ينبس ببنت شفة, رأى نفسه مرة أخرى بباب المدرسة يلهث ويأمل أن يمر دون أن يشعر به أحد, ثم جاءت الصفعة, وأحس بيد قوية تجذب أذنه, ثم سمع الكلمات ذاتها, فعلم أبو الإلحاد أنه صار سجين لحظة من الزمن الغابر, بعدما كان سجين زمن رحب يولد في كل لحظة, فكان كلما وصل إلى باب المدرسة يكاد يمد وجهه يترقب الصفعة و يمد أذنه لعل ذلك يكون أخف لألمه, وما زالت اللحظة القاسية تتكرر حتى صار يتمنى الموت كي ينجو من هذا الفخ القاتل, والمصيبة أنه لم يستطع أن يقول شيئا, لم يستطع أن يقول للناظر: "سيدي الناظر, لقد مضى عليك دهر وأنت تصفعني, فتوقف" لم يقدر على شيء من ذلك لأن آلة الزمن ألقته في حفرة زمنية اسمها الدقيقة الثلاثون بعد الساعة الثامنة من صباح ذلك اليوم البعيد, أراد الطفل الذي كانه أبو الإلحاد أن يفعل شيئا فلم يستطع, فإن آلة الزمن لا تهبك إلى تذكرة ذهاب واحدة بلا إياب, تقلب أبو الإلحاد في فراشه وهو يتأوه, ولم يزل يتقلب والناظر يصفعه في حلمه, حتى سقط من فراشه على وجهه وحين استيقظ فرح فرحا شديدا, لقد سره أنه خرج من تلك الدقيقة الرهيبة, وأنه عاد إلى ضيافة الزمن الواسع الذي كان يسعى جهده أن يفر من قبضته, لكنه الآن تمنى لو يلقى هذا الزمن الرحيم ليشكره على إبداعه وتنوع ألوانه وأشكاله, لكنه ما زال لا يعرف له أرضا ولا عنوانا, لكن لأمر ما أحس بوجهه يؤلمه, فقام إلى الحمام, فشرع يغسل وجهه بالماء البارد, ثم نظر إلى خده الأيمن فوجده محمرا, فلم يدر هل أصابه ذلك عند ارتطامه بالأرض, أم أن ذلك الناظر الغليظ كان يصفعه بالفعل طوال ليلته؟...
    التعديل الأخير تم 04-15-2011 الساعة 10:24 PM
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  14. #44
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي

    16 ملحدستان

    مشى أبو الإلحاد على الأرض الحمراء المغبرة بحذر, كان يخطو ويتساءل: "ألا يفترض انعدام الجاذبية في هذا المكان النائي؟" ومع هذا الخاطر بدأ يثب على تلك الهيئة المضحكة التي رآها يوما في التلفاز, إنها مشية رواد الفضاء, كان يحمل في يده راية يريد أن يغرزها على تل بدا مدببا كأنه قبعة صينية ضخمة, لم يتمعن في الراية جيدا, لكنه لم ير لها مثيلا من قبل, كانت سوداء تتوسطها صورة جعلته يشعر بالجوع, كان كل شيء مختلفا وكان كل شيء جميلا, لكن صوتا مألوفا بدأ يطرق سمعه, هل هي المخلوقات الفضائية؟ إنهم موجودون إذن, لقد صدق البروفيسور "دونكي", لكنه سرعان ما تبين كلمات عربية, "عجبا, أيعقل أن ساكنة الكوكب الأحمر تتكلم العربية؟" هل هاجرت إحدى القبائل القحطانية بسرعة الضوء لتستوطن الكوكب الجميل؟" وعلى وقع هذا التمازج بين الحقيقة والخيال استيقظ أبو الإلحاد على صوت انتشله من حلمه الأحمر, إنه صوت الأذان يخترق سكون الليل من مآذن المساجد, تقلب في فراشه وغطى رأسه كيلا يسمعه, تسللت إلى أذنيه هذه الكلمات: "الصلاة خير من النوم", لكنه لا يصدق أن شيئا في العالم يعدل دفء لحافه الساعة, عجب لمن يقومون الآن ليخرجوا سراعا يلفهم الظلام ليلبوا هذا النداء المبكر, أحس بالحنق إذ حيل بينه وبين إتمام مغامرته الخيالية على كوكب المريخ, أنى له أن يعرف الآن إن كان صحراء جرداء, أم مركز حضارة فضائية مزدهرة؟ عاد السكون أخيرا ليخيم على الحي لكن يبدو أن النوم ولى إلى غير رجعة, فجلس صاحبنا في فراشه متضجرا. إنها ضريبة المتنورين ما أقاموا بين أظهر المتدينين. لا حل لأضرابه من ملاحدة العرب إلا الهجرة إلى بلاد تدين بالإلحاد الخالص الذي لا تشوبه شائبة دين أو ملة, استعرض بسرعة عددا من دول العالم المتحضر لعله يجد بينها حامية حمى المذهب الإلحادي وحاملة لواء التنوير فلم يجد. يا لها من خسارة فادحة للجنس البشري. منذ سقطت راية المطرقة والمنجل المغموسة بالدماء والناس لا ينعمون إلا بدول هجينة أقصى ما تستطيعه أن ترفع شعار المدنية دون أن تتبرأ من الأفكار الدينية جملة. لكنه سئم من أنصاف الحلول, إنه يحلم بمدينة الإلحاد الفاضلة, إنه يتطلع إلى جنة الإلحاد, إنه يحلم بفردوسه المنشود. رفع بصره ونظر بعيدا كأنه يستحث أفكاره ويستحضر شيطانه, ثم شرد في خواطره وتخيل المدينة التي سيحكمها الزملاء الملاحدة يوما ما. فهل ستكون على بقعة من أرض الشمال البارد, أم أنها ستكون في مكان ما في العالم الجديد؟ بعد طول تفكر رجح أنها ستكون جزيرة ليتحقق لها أكبر قدر من الأمن. جزيرة معتدلة المناخ طيبة الهواء واسعة الأرجاء يفسح فيها المجال لجميع الكائنات لتتطور على قدم المساواة, إنها مدينة تعتنق الإلحاد و تدين بالداروينية ولا ترضى دونها بدين أي دين, لكنه لم يستبعد أن تحتضن الزملاء من عبدة الشيطان بين مواطنيها فإنهم لا يؤمنون لا بشيطان ولا بعبادة, كل ما هنالك أنهم ابتدعوا لهم رمزا يترجم رغبتهم في الحياة ويعكس سخريتهم من أهل الملل. تساءل: "وماذا عن عباد البقر؟ لا ضير من ضمهم أيضا, فمعتقدهم يدفع نحو إذابة الفوارق المصطنعة بين القرود المتطورة وبين بقية الكائنات الداروينية. أقر في صمت أن عبادة ذوات ذوات الضروع الحافلة والأظلاف الجميلة والقرون الملساء والأسنان المجترة لا يناقض الإلحاد في شيء. لكن الذين لن يكون لهم موطئ قدم في مدينة المستقبل أبدا هم أولئك المؤمنون الذين يزعمون أن للكون إلها حقيقيا خلقه وصوره وقدره, يدبر أمره ويقوم على جميع أمره. أولئك الذين يقومون للصلاة في مثل هذه الساعة."

    بدأ حلم مدينته الفاضلة يداعب مخيلته: "إنها ستكون منارة للتنوير وقاطرة للتحرير, إنها مدينة تقوم على الإلحاد في كل شأنها. فعمارتها تتبع أخر صيحة في عالم الهندسة العبثية المشاكسة, شوارع تنتهي بمتاهات متشعبة, وسلالم حلزونية تفضي إلى جدران مغلقة, ونوافذ على الأرض وأبواب على السقف, طبعا سيكون الطابع العبثي فقط في قشرتها السطحية, أما الأساسات والقواعد فإنه ستوضع بالطريقة التقليدية ريثما تتطور الهندسة الإلحادية."

    أغمض عينيه حتى خيل إليه أنه دخل المدينة وسار في طرقها ودخل مبانيها ورأى أهلها, فارتسمت في ذهنه صور هذه بعض ملامحها: "سيرفرف علم "ملحدستان" في كل مكان منها, إنه علم أسود تتوسطه صورة الإله الإلحادي الكاريكاتيري "وحش السباجيتي الطائر" لقد تذكر الآن أنه رأى هذه الراية في حلمه المريخي. إنه يتوسط العلم الأسود وتقطر منه قطرات من الصلصة الحمراء, ترمز إلى معاناة أهل الملة الإلحادية عبر الدهور. عند مدخل المدينة تستقبلك لوحة كبيرة كتب عليها بعدد من لغات العالم: "ارفع رأسك أيها الزميل, فأنت في ملحدستان المدينة الفاضلة." وأمامها تمثال برونزي لمخلوق خرافي له جسم تنين ذي رؤوس ثلاث, وحين تقترب منه تبدو لك الملامح القاسية لكل من الزملاء: لينين وستالين وبول بوت, فهؤلاء وإن فشلوا في إقامة ملحدستان الفاضلة بأنفسهم, فإنهم قد مهدوا لها بجهودهم الجبارة وحاولوا تشييدها على الجماجم والأشلاء. وليس يضيرهم في شيء أن جهودهم لم تكلل بالنجاح, فإن فشل التطبيق لا يعني أبدا فشل التنظير كما هو معلوم من مذهب الإلحاد بالضرورة.

    وإن قدر لك أن تهبط في المطار فستجد فيه مدرجا غريبا إهليجي الشكل, فلا تستغرب فإنه مخصص لهبوط الصحون الفضائية, وبجانبه قاعة مجهزة بكل ما يلزم لاستقبال الضيوف الخضر سكان المريخ, ففيها حمامات بخارية, وقاعات تدليك, وخبراء نفسيون وأطباء. باختصار إنها شامة في جبين وزارة السياحة في ملحدستان ومفخرة من مفاخر كرم الضيافة الإلحادية. وترسيخا للعلاقات الكونية ستقوم وكالة ملحدستان لغزو الفضاء بالتواصل الدؤوب مع الحضارات التي تستوطن المجرات المجاورة, وستركز على كوكب المريخ, لأن الوصول إليه هدف استراتيجي للزملاء. وربما سمي المدرج باسم القسيس "دونكي" صاحب نظرية الأصول الفضائية لهندسة المورثات البشرية.

    المدينة الفاضلة لن يحكمها الفلاسفة كما توهم أفلاطون وإن كانت ستنتهج الديمقراطية نظاما لصهر خلافات الزملاء في بوتقة واحدة. ولست أستبعد أن تفضي تجربتها السياسية إلى إفراز فريقين عظيمين يمسكان بخيوط لعبة السياسة الإلحادية: اليمين الليبرالي الدوغمائي المحافظ, واليسار السوفسطائي البراغماتي المتفتح. ومن أهم المهمات التي ستسند إلى النخبة السياسية في مدينة المستقبل صياغة الميثاق الإلحادي الذي هو دستور ملحدستان.

    ومن المؤسسات المؤثرة في ملحدستان المجلس الأعلى لتشريع وتنقيح الأخلاق السنوية, ففي المدينة الفاضلة تتطور الأخلاق باستمرار, ولا تفرض على المتنورين أخلاق بالية وقيم تقليدية بائدة, بل يقوم المجلس بصياغة أخلاق إلحادية توافقية بشكل ديمقراطي. فشعار ملحدستان سيكون: "ارفعوا رؤوسكم يا ملاحدة العالم, فأنتم تصنعون أخلاقكم بأنفسكم." وحين تستقر الخطة السنوية للسلوك المتنور سيبقى المجال رحبا أمام المواطنين للانغماس في حريتهم المقدسة التي طالما قيدتها الأديان المتحجرة والأعراف المنافقة. لن يكون هناك محرمات تذكر في ملحدستان, بل سيكون شعارها: "لا عبرة بقوانين غير مادية" فما دمت لا تسبب لغيرك أذى ماديا فأنت ملحد صالح. فليس في المدينة الفاضلة شيء يجرم السخرية أو الشتم مثلا, إلا إذا رافقه ضرر مادي كالصراخ مثلا, فالشتم الهادئ المتحضر تعبير عن تفاعلات كيميائية وتجليات "أدرينالينية" قاهرة, فكيف يحاسب عليها الإنسان؟ و ستضطلع بتنظيم هذا الصنف من الشتم المؤدب مؤسسات كاملة, لتنفيس كوامن النفوس الغضبية للزملاء المتنورين. مثل أجهزة الصحافة والإعلام بجيمع أصنافها.

    وبناء على هذه الأسس المبتكرة فلن يكون في المدينة الإلحادية شيء اسمه قضاء أو محاكم, بل ستسعى السلطات المختصة لتشييد مصحات نفسية وإقامة مختبرات متنقلة لإعادة التوازن للزملاء الذين يؤدي اضطراب تفاعلاتهم الكيميائية إلى سلوكات غير متوقعة. سيتم علاج المنحرفين بالعقاقير الكيميائية بدلا من العقوبات التي اخترعها أصحاب الشرائع الدينية والقوانين الوضعية.

    التخطيط السكاني سيتخذ مسارا فريدا ومبتكرا حيث ستبدأ ملحدستان بتشجيع الاستنساخ حتى نخلص الزميلات تدريجيا من أعباء الحمل والولادة. وهذا سيخلص المدينة الفاضلة من معضلة اسمها "المعاقون" فلن يرى أحد النور على الأرض الموعودة إلا إذا كان يلبي الشروط الداروينية ويستجيب للمعايير المتعارف عليها للإنسان الكامل السوي داروينيا. ومن أجل ذلك ستسخر ملحدستان كل طاقاتها العلمية لدفع عجلة التطور الدارويني, فالتطور الذي لم يتوقف قط, يمكن تسريع وتيرته وتكثيف آلياته. ومن أهم المشاريع التي ستخصص لها الميزانيات الضخمة: "مشروع تحفيز الطفرات الجينية", وهو مشروع سيقوم بتحفيز الحمض النووي لأقاربنا الداروينيين بطريقة تكفل لهم حرق المراحل التطورية والقيام بقفزات داروينية صعودا في سلم التطور. وسيحصل الزملاء النوابغ كل سنة على فرصة التباري للحصول على الجائزة العلمية المرموقة "مشط آردي الذهبي". وهي جائزة تقديرية مرموقة يحصل عليها صاحب أفضل بحث علمي حول نظرية التطور, وستعطى الأولوية لمن يعثر على الحلقات المفقودة التي حيرت الزملاء بدءا بالقسيس "دونكي".

    ستحتفل المدينة الإلحادية بعيدين عظيمين. أولهما عيد الصدف التراكمية, وهذا العيد لا يحدد له يوم ولا شهر ولا ساعة, بل يتم إجراء اقتراع سنوي ليختار المواطنون يوم الاحتفال به بالصدفة. وثانيهما عيد الانفجار الكبير, وهذا هو يوم الفرحة الإلحادية العظمى, ويوم تخليد معجزة المادة الأبهر, ودليل نبوغها الأظهر, إذ وهبتنا بانفجار عظيم كل ما نراه من نجوم وجبال وبحار وأنهار. وفي كلا العيدين ستعم الفرحة أرجاء ملحدستان السعيدة, وستوقد الألعاب النارية, وسيتبادل الزملاء أحر التهاني والتحيات حسب أرقى أعراف الأخوة الداروينية. ولن يكون في المدينة الإلحادية الفاضلة مكان للحزن خلا يوما واحدا في السنة, يقف فيه الزملاء صغارا وكبارا شيبا وشبابا صفا واحدا, ويغمضون عيونهم دقيقة كاملة صامتين خاشعين, إحياء لذكرى انقراض الديناصورات إثر كارثة طبيعية مدمرة يرجح العلماء منهم أنها نيزكية.

    لن يستسلم الزملاء في ملحدستان للحزن أبدا, ولن يركنوا لليأس قط, بل سيعلنون تحدي العدو الأكبر, إنهم سيشنون الحرب على الموت. لن تكون في مدينتهم الفاضلة مقابر البتة, بل ستقيم وزارة "التخطيط للحياة الأبدية" مسابح "نيتروجينية" تكفي المواطنين جميعهم. وستسمى هذه المسابح "قاعات انتظار" ينتظر فيها الزملاء في حاويات النيتروجين اليوم الموعود الذي سيحل فيه العلم لغز الحياة, فيحصلون على حق العودة, بدل دفنهم في التراب وتركهم عرضة للتلف و طعاما للديدان. وفي هذه المؤسسات الإنسانية الرحيمة, ستوضع تسجيلات وصور للمنتظرين, تخفيفا عن ذويهم الذين سيزورونهم باستمرار, خصوصا في عيد الصدفة التراكمية." تخيل أبو الإلحاد ذلك كله, ونظر في مؤهلاته العلمية متساءلا: "ماذا لو أقيمت ملحدستان الفاضلة غدا, فماذا أستطيع أن أقدم للزملاء يا ترى؟ ما هو الميدان الذي أميل إليه وأستطيع أن أبدع فيه؟" تثاءب حتى دمعت عيناه, وقال يحدث نفسه: "كم سيكون جميلا لو عينت سفيرا للمريخ في دولة ملحدستان." داعبت هذه الفكرة الثورية خياله, فابتسم وأغمض عينيه, وأحس بالنوم يسري في عروقه كدبيب النمل, وتمنى أن يستأنف حلمه حيث توقف ساعة ارتفاع الأذان, ولم تمض إلا لحظات حتى شرع في الشخير...
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  15. #45
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    المشاركات
    1,842
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    منك لله على هذا الادمان و لا ادمان المسلسلات...كلما قرأت احداها الا و استغربت لم لا يثبت الموضوع في قسم الأدب على الأقل...

    " المعرفة الحقة هي الوصول الى التعرف على الذكاء الذي يتحكم في كل شيء...من خلال كل شيء " هرقليطس.

صفحة 3 من 21 الأولىالأولى 1234513 ... الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الكوميديا الألحادية
    بواسطة شهرزاد في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 04-24-2014, 10:01 PM
  2. إعلان: الكوميديا الإلحادية السابعة بين الإلحاد الإفتراضي والارضي - فيديو -
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 03-21-2014, 09:42 PM
  3. إعلان: الكوميديا الإلحادية، الحلقة الخامسة - نحو تنوير النحو - بالصوت ..
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-15-2014, 09:46 PM
  4. إعلان: برومو للحلقة القادمة - نحو تنوير النحو - من الكوميديا الإلحادية
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-13-2014, 09:12 PM
  5. لأول مرة الكوميديا الإلحادية بالصوت - بصوتي - ..
    بواسطة محمود المغيربي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 11-26-2013, 08:25 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء