صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 18 من 18

الموضوع: رمضان يرد على اللادينين والملحدين

  1. Arrow

    كعبٌ وصاحباه



    رجعتُ إلى قوله سبحانه وتعالى: ((والذين آمنوا أشد حبًّا لله)) ونحوها من الآيات الدالة على حب المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى، فتوقفتُ طويلا أمام هذه الآيات المباركات.

    وأخذتُ أسرح بعقلي كثيرًا، أطوف بين آيات الموضوع وأحاديثه، فبهرني حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه وصاحبيه الذين تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والحديث مشهور في الصحاح والمسانيد وغيرها من كتب الإسلام.

    خرج النبي صلى الله عليه وسلم لغزوتهِ، وكان سفرًا طويلا وشاقًا، وفي الناس حاجةٌ وجهد، غير أن بعض ميسوري الحال لم يهمه أمر الرحلة كثيرًا، فهو يملك راحلته القوية التي تعينه على إنفاذ المهمة أكثر من غيره، وهو يملك المؤنة فلا حاجة به لغيره، فلم ير بأسًا أن يتخلف بعض الوقت عن الركب الأول، ويدرك الجيش السائر بعد وقت، خاصة وراحلته تعينه على هذا، وحالته ميسورة.
    لكنه لم يكن يعلم أن تسويفه هذا سيفقده القافلة، وسيعطله عن اللحاق بها.

    إنه يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتخلف لنفاق فيه، غير أنه سَوَّف، وما أدراك ما ضرر التسويف على النفس حين يتمكن منها؟

    سبقت القافلة ولم يعد أملٌ في إدراكها، ورحل الراحلون، وانقضى الأمر، ولم يعد سوى حسرات وندم على ما كان من تسويفٍ.
    وما لبثت القافلة المباركة والجيش المكلل بالنصر أن عاد ثانية، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم، وطفق كلٌّ يدلي بعذره لينجو من لائمة النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج من نظرات المسلمين وتأنيبهم وشكهم في نفاقه.. غير أن منهم من لم يفعل هذا.
    منهم من ثبتَ على حُبِّه لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، فأصر على الصدق، فجاء كعبٌ وصاحباه أهل الصدق فذكروا الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم كما كانت بلا (رتوش)، فذكروا تسويفهم وندمهم على ما صدر منهم، وطلبوا العفو والمسامحة.
    فاعتزلهم النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملا حتى قضى الله عز وجل فيهم بقضائه، وتاب عليهم توبة مسطرة في كتابه الكريم، تقرأها الأجيال صباحًا ومساءًا وفي كل وقتٍ.

    كعبٌ رضي الله عنه رجلٌ شريفٌ عزيز في قومه، صاحب منزلة كبيرة، يمرُّ صاحب المنزلة والشرف على الناس فيلقي عليهم السلام فلا يجيبونه.
    يرجع كعبٌ لأقاربه ويلقي على بعضهم السلام فلا يجيبونه.
    صاحب المنزلة والمكانة لا يجاب سلامه، ولا يرد عليه أحدٌ، الكل قد أجمع على اعتزاله حتى يقضي الله فيه أمرًا.

    لم يغترَّ كعبٌ بمنزلتِه، ولم تفتنه حالته الميسورة، وجلس يبكي ويتذلل ويتضرع لله عز وجل، ويمشي والدموع بعينيه مما يرى، حتى تنكَّرَتْ له الأرض، وضاق عليه الرحب والفضاء الواسع، فصاروا كما وصفهم سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:
    {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118].

    ضاقت عليهم الأرض الواسعة بما رحبت، بل وضاقت عليهم أنفسهم التي بين ضلوعهم، لكنهم لغلبة حبهم وقناعتهم بهذا الدين (ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه).
    لغلبة قناعتهم بهذا الدين الذي خاطب عقولهم ومشاعرهم حتى اقتنعت به ورسخ الإيمان في عقولهم وقلوبهم رسوخ الجبال، لذلك كله تأكدوا يقينًا أن لا ملجأ لهم من الله إلا إليه.

    في هذه الأثناء يأتي البريد لكعب بن مالك؟
    وممن؟
    إنه ملك غسان يرسل لكعب بن مالك رسالة يطلب فيها من كعب أن يلحق به، ويرحل إليه، فيواسيه ويكرمه، وينزله المنزل اللائق به.
    العزيز الشريف ميسور الحال يعتزله ضعاف الناس وفقراء المسلمين كما يعتزله كبارهم استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم باعتزاله وصاحبيه حتى يقضي الله فيهم أمرًا.
    وفي هذه الأثناء تأتي له رسالة من ملك يطالبه أن يرحل إليه على الفور ليواسيه ويكرمه وينزله منزلته التي يستحقها فيما يظن.

    لكن قناعة كعب بالإسلام والإيمان حالت دون ذلك، وجعلت مصير رسالة الملك إلى التنور، لتأكل النار رسالة الملك التي يرى فيها كعب فتنة أخرى من الفتن التي يتعرض لها.

    ما أصبرك على اعتزال الناس أيها الشريف العزيز؟
    ما أصبرك على اعتزالهم لك وأنت أنت في المنزلة؟
    ثم لديك العرض الكبير من ملك كبير؟
    فرصة عمرك كما يتصورها البعض قد حانت، فارحل يا كعب.
    هكذا يقول لك الذين لا يؤمنون..
    لكن قناعة كعبٍ رضي الله عنه بالإسلام، تحول بينه وبين الفتن.

    إنها قناعة العقل والروح معًا، وهي في الوقت نفسه بشاشة الإيمان وحلاوته حين تتذوق النفس حلاوة الإيمان وطعمه، وتتلذَّذ به، فتتحمل في سبيله الغالي والرخيص.

    إنه رجل مطرود من الجماعة، محكوم عليه بالاعتزال، فهو أمر من السجن، وأقصى عقوبة من النفي، حين يمشي في الناس لا يكلمه أحد، وكأنه ليس موجودًا أصلا.
    فلم يكن ثمة إرهاب أو قمع له على البقاء، بل التأثيرات العاطفية والنظرة السطحية ربما جاءت في صف ملك غسان، وألقت باللائمة على كعبٍ لماذا لم يستجب لملك غسان ويرحل إليه ليواسيه في محنتِه، وينزله منزلته التي كانت له قبل تخلُّفِه عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم.
    ولكن ثمة قناعات أخرى لدى كعب بن مالك رضي الله عنه تقول لنا: بل الله ورسوله أريد!!

    فهل يلتفت الذين يقولون لنا: أنتم تدخلون الناس في دينكم بحد السيف إلى هذا الدرس العظيم؟
    وهل يلتفت الذين يقولون لنا: بل ربكم أجبركم على ما تصنعون دون رغبة منكم إلى هذا الدرس العظيم؟

    درسٌ يقول لنا: مطرودٌ معزولٌ يصر على البقاء، ويتمسك في الإسلام..
    كلا؛ بل ويسمى مطالبة ملك غسان له بالرحيل إليه فتنة من الفتن!!
    فهل يفعل كعبٌ العربي الفطن الذكي هذا كله بغير قناعة مسبقة بهذا الإسلام العظيم؟ ورؤية ثاقبة بوجود النجاة في الإسلام؟
    اللهم لا وألف لا

  2. Arrow

    لعل السر يكمن وراء الخاصية الإسلامية الأصيلة في خطاب الإسلام للعقل والروح معًا.
    فلا هو بالذي يخاطب العقل وحده حتى يخرج بالإنسان إلى جفافٍ لا عاطفة فيه.
    ولا هو بالذي يخاطب العاطفة وحدها حتى يخرج بأتباعه إلى مهيع من العواطف والأحاسيس التي لا ضابط لها ولا رقيب.

    لكنه خاطب العقل وضرب له الأمثال، وأمره بالتدبر فيما ضربه له، ولفت انتباهه إلى خلق الله عز وجل، وأمره بالسير في الأرض متفكرًا متدبِّرًا، والنظر في خلق الله عز وجل متفكرًا متدبرًا.

    كل هذا فعله الإسلام العظيم، وشواهده في القرآن والسنة لا حصر لها.

    نعم كما خاطب الروح، وعُنِي بالإجابة على ما يدور بداخلها من أسئلة، وأرشدها إلى طريق الطمأنينة والسكينة وهناءة العيش في هذه الدنيا، ثم السعادة في الآخرة، إذا هي رجعت إلى بارئها وخالقها.

    وهذا الخطاب الإسلامي ((المزدوج)) إن جاز التعبير سرٌّ من أسرار قوة الخطاب الإسلامي، وهيمنته على العقول والنفوس حين يلامسها..
    ولذلك رأينا ملوك الأرض وفسقتها يحولون بين أقوامهم وبين سماع الإسلام، خشية أن يخطف الإسلام عقولهم وقلوبهم بقوة حجته، ورصانة عرضه وخطابه.

    ما من نبي من الأنبياء إلا وطلب أن يخلى بينه وبين الناس، يبلغهم رسالة ربه كما انزلت.
    لم يطلب الأنبياء أكثر من هذا؛ لأنهم كانوا يعلمون جيدًا معجزة الخطاب الإسلام وقوته على الإقناع.

    المسألة ليست ضربًا بالعصا، ولا قهرًا على الإيمان، فإنه لا إكراه في الدين.
    نعم (لا إكراه في الدين) كما في الآية الكريمة من سورة البقرة، رغم أن الله عز وجل قادر على أن يجبر من يشاء على ما شاء، لكنه سبحانه لا يُجبر أحدًا على الإيمان أو الكفر، ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ظهوره وانتصاره وبناء دولة الإسلام كان قادرًا لو أراد على إرغام الجزيزة ومن حولها على الإسلام، لكنه لم يفعل هذا، وحاشاه، إذ لا إكراه في الدين.

    فقط المطلب الدائم هو: (دعو السنة تمضي ولا تعترضوها بالآراء) على حد تعبير بعض السلف الصالح.
    المطلب الدائم: دعونا نعرض الإسلام على الناس، ونترك لهم حرية الاختيار، لن نجبرهم لأننا لسنا أصحاب جبرية ولا عنصرية ولا ديكتاتورية، ولن نمنِّيهم بما لا نقدر عليه، لأننا لسنا نملك شيئًا من الكون، وليس بأيدينا جنة ولا نار، فلا نملك لمؤمنٍ جنةً، ولا نملك لكافر نارًا.
    ما نقول إلا ما أُمرنا بإبلاغه للناس وكفى، ولا نطلب منهم إلا ما طلبه الله عز وجل منهم، أن ادخلوا في الإسلام، وآمنوا خيرًا لكم.

    فقط نرجو أن يترك الإعلام رسالته المغرضة في التشويش والتضليل، كما يترك المستشرقون واللادينيون والإلحاديون وغيرهم التشويش على الدين الإسلامي لدى القراء العرب والغربيين.
    فقد اتركوهم صفحة بيضاء.
    دعوهم نعرض عليهم الإسلام، ليختاروا بأنفسِهم.

    كفاكم أيها الناس سلبًا لحريات الشعوب واختياراتهم!
    كفاكم تغييرًا للحقيقة أو وقوفًا في وجهها.

    إن لم يكن لكم في الهداية من حاجةٍ فدعوا غيركم يهتدي، فلستم أوصياء على عقول الناس.

    وكفاك أيها القارئ العاقل الذكي طاعة مطلقة لهؤلاء.
    كفاك تسليمًا لعقلك وجوارحك لغيرك يصنعهما لك كيفما يشاء.

    عُد إلى عقلك حيث كان في بياضه أول أمره.
    عُد إلى عقلك وتدبر ما يصلح لك أن تختاره.

    وأنا أثق في اختيار عقلك إذا سمع نداء الإسلام وخطابه العظيم

  3. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    الدولة
    المغرب ـ> مراكش
    المشاركات
    343
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. إلى اللادينين
    بواسطة وصايا شهيدة بإذن الله في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-23-2012, 02:17 AM
  2. جنايات اللادينين والملحدين على النفس البشرية والعالم ((القتل بدافع الشفقة))
    بواسطة المستشار سالم عبد الهادي في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-28-2005, 01:08 PM
  3. جنايات اللادينين والملحدين على النفس البشرية والعالم ((القتل بدافع الشفقة))
    بواسطة المستشار سالم عبد الهادي في المنتدى المستشار سالم عبد الهادى
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-13-2005, 06:14 PM
  4. رمضان يصرخ في وجوه البعض : قف لا تبذّر باسم رمضان
    بواسطة الأندلسى في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 10-28-2004, 04:42 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء