النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: قاعدة في الفرق بين الشبهة والدليل

  1. #1

    افتراضي قاعدة في الفرق بين الشبهة والدليل

    ـ القاعدة :
    *الشبهة من حيث اللغة : ما فيه اشتباه ، فكل ما اشتبه على الناظر ، وتردد فيه ؛ فهو شبهة .
    ولا إشكال في أن هذا على طريقة المناطقة ؛ دور قادح في التعريف ؛ لأن شروط حدودهم لا تشترط هاهنا .
    أما المراد بها في الاستخدام العلمي : فهي فرد من جنس الأدلة في الجملة ، لا يدل على المدلول في نفس الأمر ، يعارض الثابت في نفس الأمر بالدليل .
    ـ وقيد المعارضة للثابت في نفس الأمر بالدليل ؛ يخرج به الدليل الفاسد مطلقا ، لأن الدليل الذي لا يصح ، أو لا يدل على المدلول ، أو كلاهما = دليل فاسد ، لكنه متى ما عارض ما دل عليه الدليل الصحيح = كان شبهة على الدليل الصحيح .
    فصار بينهما عموم وخصوص مطلق ، فكل شبهة = دليل فاسد ، ولا عكس .
    مثال الدليل الفاسد الذي ليس بشبهة : الاستدلال بحديث ضعيف على وجوب الختان للذكور .
    ومثال الدليل الفاسد الذي هو شبهة : الاستدلال بحديث ضعيف على استحباب الختان للذكور .

    *والدليل في اللغة : ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري .

    فإنتاج المدلول من الدليل إنما هو بالقوة ، ولا يشترط فيه بالفعل ، فإذا كان الدليل في نفسه يدل على المدلول لم يضره عدم تحصيل المدلول منه لقصور في النظر أو فساد .

    ومتي لم يكن الدليل دالا على المدلول بالقوة ، لم يكن دالا عليه بالفعل بالضرورة ، فلم يكن دليلا على المدلول المعين حقا .
    ومتى لم يكن الدليل دالا على المدلول بالقوة ؛ ودلَّ عليه بالفعل ، كان ذلك الفعل غلطا ، ونظرا فاسدا ، وهو معنى قولهم ( بصحيح النظر فيه ) .

    فمتى استخدم الدليل على ما لا يدل عليه في نفس الأمر ، كان دليلا فاسدا.
    ومتى عارض الدليلُ الذي لا يدل على المدلول في نفس الأمر ، الدليلَ الذي يدل على المدلول في نفس الأمر ؛ كان دليلا فاسدا وشبهة .

    ـ ملحوظات :
    1 ـ الدليل المراد منه تعريفه فوق بإطلاق ، فيشتمل العقلي والنقلي ، والاتفاقي والخلافي خلافا سائغا ، أما مالم يكن من جنس الأدلة أصلا كالرؤى و الذوق المجرد ؛ فليس شيئا .

    2 ـ يشترط في الشبهة بعد أن تكون من جنس الأدلة = أن تكون معتبرة ، فإن لم تكن ؛ فليست بشيء ، فالحديث الموضوع والقياس الغلط والإجماع المخروم البين نقضه من جنس الأدلة من حيث الأصل ، لكنها ليست معتبرة ، فلما لم تكن معتبرة لم تكن حديثا ولا قياسا ولا إجماعا ، فخرجت من حنس الأدلة .

    3 ـ يشترط في الشبهة بناء على ما سبق أن تكون شيئا وجوديا ، ولو جهلا مركبا ، أما الجهل البسيط ( العدمي ) ، الذي هو فراغ النفس عن التصور ، فليست شبهة .

    4 ـ بناء على ما ذكر كله ، يتبين أن الشبهة أمر نسبي ، فقد يشتبه على الإنسان ما لا يشتبه على غيره ، بل قد يشتبه على الإنسان نفسه في حال ، مالا يشتبه عليه في أخرى .
    وقد يسمى كل من المخالفين أدلة مخالفه ( شبهة ) ، لكونها تعارض الثابت عنده في نفس الأمر بالأدلة ، ولا تدل على المطلوب المعارض في نفسها .
    وهذا نفسه ( يعني وصف الدليل بالشبهة من عدمها ) = مسألة اجتهادية سائغة ، من أهلها ، في محلها .
    وتقييد ذلك بالقول ( في محلها ) يفيد أنه ربما أقول :
    إنه يقبح تسمية الأدلة المخالفة في مسألة مشهورٌ فيها الخلاف وقوته ، تكره تسميتها ( شبهات ) كما يحدث عند كثير من المعاصرين ، يؤلف في مسألة الخلاف فيها أشهر من أن يذكر ، ثم يسمي أدلة المخالفين شبهات بإطلاق هكذا .

    5 ـ متى استقر في نفس المجتهد حكم المسألة بأدلتها ، وعارضها غيرها بأوجه لا تجتمع مع ما توصل إليه = كان المعارض عنده شبهة لا دليلا .

    ـ وهذه نقطة كنت قد تأملت فيها طويلا في أوقات قديمة ، وهي ( أوجه الدفوع التي يذكرها جلة من العلماء ويكون ضعفها لائحا عند الناظر ) ، وهي في تقديري من المسائل التي تجرئ المبتدئين على أهل العلم .

    وسبب ذلك أننا كنا نقرأ في الكتب ، أن الإمام الفلاني ( النووي ، ابن القيم ، ابن حجر ، ..) ، بعدما يعرض مسألة بحكمها عنده ودليلها ، قد يورد أدلة المخالفين ، فنجد الشيخ يجيب إجابة ، قد يصدرها بـ " ربما " ، وقد يصدرها بكلمة : " وهذا يحمل على كذا " ، أو يقول : " ولعل المراد منه كذا" .
    كل ذلك بحيث لا يخالف الحكمَ الذي قرره في المسألة محل البحث .
    فيأتي الاعتراض من القارئ أن أغلب ما يذكره الشيخ على الظاهر = ضعيف ، فـ " ربما " قد لا تكون " ربما " ! ، والحمل لا يسلم للشيخ من المخالف ، و" لعله " لا تغني ولا تسمن من جوع ! ، ويجب إعمال الأدلة ما استطيع إلى ذلك سبيلا ، ونحو ذلك .

    فكان وجه تأملي = أن الأوجه التي تتقافز في ذهن القارئ لا تخفى على المبتدئة من الطلاب ـ بدليل القارئ نفسه ـ فبأي وجه تفوت على المؤلف ؟
    و ليس له علاقة بعصمة المؤلف ، لكنها أوجه في الرد والدفع لا يفوت أحدا ممن ينظر إليها مستقلة أن فيها ضعفا .
    ثم بدا لي بعد النظر الطويل في سياقات أقوالهم تلك ، أن في النظر فيها بتلك الطريق نوع إجحاف وعدم فهم .
    وأن العالم متى استقر في نفسه حكم الله في المسألة ، ورأى الأدلة التى تتكامل وتتعاضد = يرسخ في نفسه الرأي الذي استولده منها .
    ثم متى عارضها من الأدلة ما ( يشتبه عنده ) أنها معارضة ، فإنه يرد تلك الدلالة للجمع مع أدلته ودفع المعارضة ، بأوجه لو استقلت في ميزان النظر والفقه = ربما لم تكن تنهض على مطلوبه منها .

    والله أعلم

  2. #2

    افتراضي

    ما شاء الله .. بارك الله فيك ..
    إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
    [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
    قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].

  3. #3

    افتراضي

    كم نحتاج لمثلِ هذه التأصيلات ..!
    جزاك الله خير الجزاء
    أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
    وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

  4. افتراضي

    ماشاء الله ممتاز جداً , بارك الله فيك .. ومن بعدِ إذنك ,
    أتوضّح هذا وتُردف مثالاً عليه رزقكَ الله الجنّة :

    فإنتاج المدلول من الدليل إنما هو بالقوة ، ولا يشترط فيه بالفعل
    قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


    تغيُّب

  5. #5

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا .

    معنى أن الدليل ينتج المدلول بالقوة = أنه صالح للدلالة ، ويحتوى عليها .

    ومعنى أنه ينتجها بالفعل = أن يوجد ذلك الإجراء ( الاستدلال ) في الخارج فعلا .

    مثال الأول : صلاحية قوله تعالى ( وأقيموا الصلاة ) على الدلالة على وجوب الصلاة .
    ومثال الثاني : استدلال الشافعي بقوله ( واقيموا ) على وجوب الصلاة .

    فتحرر : أن الذي بالقوة ( مطلق ذهني ) ، وأن الذي بالفعل ( معين واقعي ) .

    والحاصل : أن كون الدليل يدل على المدلول بالقوة = يعني ( إمكان ) أن يؤدي إليه بالفعل .
    لا ضرورة ذلك ، ولهذا قلت إنه لا يشترط .

    وهذا في حق الأفراد بلا نزاع ، فقد يستدل المجتهد على الحكم بدليل ولا يستدل عليه بدليل آخر صحيح ، غفلة عنه ، أو قصورا عن معرفة وجه الدلالة فيه .

    وهل يصح ذلك في عموم الأمة ، فيه بحث
    لعل الأصوب أن يقال : إن كان ذلك الحكم لا يتوقف على ذلك الدليل بخصوصه ، فيمكن أن لا يستدل به مطلقا ، ويستدل بغيره ، ويكون ذلك مما يعرفه الناس يوم القيامة في الجنة ، حيث تتسامى علومهم ، ونحو ذلك .

    إذ المطلوب من العبيد تحصيله ؛ الاجتهاد في معرفة الحكم ، ثم لا يخلو في الأمة من يعرف الحق في المسألة الواحدة ن لكنه لا يلزم أن يعرف كل ما يدل عليها من الأدلة ، فمتى تخقق معرفة الحق بدليله فلا يجب أن يُعرف كل دليل عليه .

    والله أعلم

  6. افتراضي

    واضح جداً , زادك الله علماً وعملاً .
    قال الله سُبحانه وتعالى { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ } الأنبياء:18


    تغيُّب

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. التمييز بين الشبهة والدليل
    بواسطة أبو القـاسم في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 11-18-2012, 03:09 AM
  2. التمييز بين الشبهة والدليل
    بواسطة أبو القـاسم في المنتدى أبو القاسم المقدسي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-14-2012, 05:05 PM
  3. مشكلة المصطلحات والدليل.
    بواسطة الدرادو في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 25
    آخر مشاركة: 06-03-2009, 05:56 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء