بسم الله الرحمن الرحيم


أطلق المسلمون أسم الأندلس على القسم الذي أحتلوه من شبه الجزيرة الايبرية0 وقد أرتقت ‏الحضارة الاسلامية في تلك المنطقة من دنيا الإسلام ارتقاءً رائعاً ونافست الحضارة الإسلامية ‏فيها حضارة الإسلام في المشرق, وبلغ من عظمة قرطبة وأزدهارها وخاصة إبان العهد الأموي ‏في الأندلس إنها كانت أعظم مدينة في أوربا كلها وتأتي على قدم المساواة مع القسطنطينية ‏وبغداد إبان عزهما0 وناهيك ببلدة بلغ عدد مساجدها 1600 مسجداً وحماماتها 600وفيها ‏مائتا ألف دار وثمانون ألف قصر منها قصر دمشق شيده الأمويون حاكوا به قصورهم في بلاد ‏الشام0 وقد بلغ عدد أرباض قرطبة ( ضواحيها ) تسعة أرباض كل ربض كالمدينة الكبيرة , ‏ودور قرطبة ثلاثون ألف ذراع , وفي ضواحيها ثلاثة الآف قرية في كل واحدة منبر وفقيه0 وقد ‏قدر بعض المؤرخين عدد سكان قرطبة في أيام مجدها وعزها بمليوني نسمة, وكان بالربض ‏الشرقي من قرطبة مائة وسبعون أمرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي. هذا في ضاحية من ‏ضواحيها, فكيف ببقية الضواحي, وقد كانت شوارعها مبلطة وترفع قماماتها وتنار شوارعها ‏ليلاً بالمصابيح ويستضئ الناس بسروجها ثلاثة فراسخ لا ينقطع عنهم الضوء. هذا شئ لم ‏يحدث في أوربا إلا في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر . وطبعاً لم تكن ‏قرطبة وحدها بهذا السمو فهناك طليطلة التي كانت لا تقل تألقاً وبهاءاً عن قرطبة, وهناك ‏إشبيلية وغرناطة ومالقة والمرية0000وإنما ذكرنا قرطبة كنموذج لما كانت عليه بقية المدن ‏الأندلسية, لذلك لا غرابة إن أنتشرت المكتبات والكتب في جميع أنحاء البلاد وكثر عشاقها وكثر ‏التأليف والمؤلفون , ولاسيما أنه وجد حكام شجعوا العلم وهم أنفسهم كانوا مثلاً عالياً في حب ‏الكتب وجمعها والاهتمام بها كالحكم الثاني وغيره0
ولقد أنتشرت الحلقات التعليمية في أغلب جوامع الأندلس وبشكل خاص في المدن الرئيسية ‏كقرطبة وطليطلة وإشبيلية, ولقد وجد في كل جامع مكتبة غنية بمختلف فروع المعرفة ‏الأنسانية, فقد كان للحلقات التي تعقد في جامع طليطلة شهرتها وأهميتها وجذبت أليها الطلاب ‏المسلمين والنصارى على السواء حتى لقد كان يقصدها طلاب نصارى من جميع أنحاء أوربا ‏بما فيها أنكلترا وأسكوتلندا 0
وقد أحتفظت طليطلة بمكانتها هذه بعد سقوطها بيد الأسبان سنة 1085م حيث وجد فيها هؤلاء ‏مكتبة غنية عامرة حافلة بالكتب في أحد مساجدها وقد بلغت شهرة هذه المكتبة من حيث هي ‏مركز للثقافة أقصى البلاد النصرانية في الشمال0
والواقع أن الثقافة العربية الإسلامية والتربية والتعليم أنتشرت في القرنين العاشر والحادي ‏عشر الميلاديين في إسبانيا المسلمة إلى درجة جعلت دوزي المؤرخ المشهور يقول إن أغلب ‏الناس في الأندلس أصبحوا قادرين على القراءة والكتابة, بل يمكننا أن نقول إن كل فرد تقريباً ‏كان يعرف القراءة والكتابة0 وقد أنتقلت الثقافة العربية إلى المستعربين الأسبان وهم الإسبان ‏النصارى الذين أقاموا في البلاد الإسلامية وعاشوا تحت ظل الحكم الإسلامي , فقد سرت إليهم ‏العادات الإسلامية وتعلموا اللغة العربية وكتبوا بها وألف بعضهم كتباً بها , بل واقتنوا مكتبات ‏عربية0 يبدو ذلك واضحاً من نص يروي عن الكاتب النصراني المتعصب الفارو, ذلك أن هذا ‏القس المهوس ببغض الإسلام وأهله كتب في القرن التاسع ميلادي يقول : " إن أخواتي ‏المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها , بل لتعلم أسلوب عربي بليغ0 ‏واأسفاه, إنني لا أجد اليوم علمانياً يقبل على قراءة الكتب الدينية أو الأنجيل , بل إن الشباب ‏المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة إلا العربية , ‏ذلك إنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال ‏الطائلة في الوقتالذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها0000
بل أن كثيراً من رجال الدين في الأندلس تعلموا اللغة العربية وألفوا بها , فقد نقل يوحنا رئيس ‏أساقفة أشبيليه التوراة من اللاتينية إلى العربية وذلك سنة 764م 0 كذلك نقل الأب فيسنتي ‏ثمانية أجزاء من قوانين الكنيسة إلى اللسان العربي وأهداها إلى الأسقف عبد الملك في أبيات ‏من الشعر العربي مطلعها0
كتاب لعبد الملك الأسقف الندب جواد نبيل الرفد في الزمن الجدب
وصنف ربيع بن زياد الأسقف كتاباً في تفضيل الأزمان ومصالح الأبدان وآخر بعنوان الأنواء0 ‏وألف بدرو الفونسو (1062 - 1110م ) كتاباً بالعربية عنوانه : تعليم رجال الدين0 ثم ترجمه ‏إلى اللاتينية, ومنها نقل إلى لغات كثيرة وقد طواه على ثلاث وثلاثين قصيدة شرقية أقتبسها من ‏حنين بن أسحق ومباشر ( لعل الاسم الصحيح المبشر بن فاتك ) وكليلة ودمنة0 لذلك إذا رغب ‏الطالب الإسكتلندي أو الانكليزي الأستزادة من أرسطو والتعمق فيه أكثر مما يسنح له في ‏الترجمات اللاتينية الميسورة فلا مندوحة له من الرحيل الى طليطلة ليتعلم هناك كيف يقرأ كتب ‏اليونان باللغة العربية0 وقد تحدث هيستر باش ‏Ceasar of Heister Bach‏ عن شباب ‏قصدوا توليدو ( الصواب طليطلة ) ليتعلموا الفلك لذلك لا غرابة إن لعبت الأندلس الدور ‏الرئيسي في نقل معارف المسلمين العقلية وكتبهم الى أوربا ولا سيما أن تذكرنا أنه كانت هناك ‏فئة أخرى من السكان المقيمين تحت الحكم الأسلامي هم اليهود والذين تمتعوا بالحرية الدينية ‏المطلقة تحت حكم الإسلام وتعلموا اللغة العربية وألفوا بها إلى جانب أتقانهم اللغة اللاتينية ‏والعبرانية, ولقد أصبح هؤلاء اليهود إلى أجانب المستعربين وعدد من اللاتينيين الوسطاء في ‏عملية النقل هذه0
‏-------------------------------
المصدر: روح التحرر في القرآن