النتائج 1 إلى 8 من 8

الموضوع: نزول القرآن الكريم وتاريخه وما يتعلق به ..

  1. #1

    افتراضي نزول القرآن الكريم وتاريخه وما يتعلق به ..

    نزول القرآن الكريم وتاريخه وما يتعلق به ..
    إعداد
    الدكتور محمد عمر حويه ..

    مدير مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ..
    المقدمة
    من مقتضيات النزول
    إن ما يسمى بعلوم القرآن الكريم مندرج تحت نزول القرآن الكريم ولازم له، وعليه فلابد من الإلمام في الأسطر التالية بالأمور التالية إجمالاً من غير تفصيل في الدقائق، فذلك شأن الموضوعات الخاصة بالنزول الذي هو موضوع البحث.
    اعلم أن الأمة اعتنت بنص القرآن الكريم وحفظه وعلى رأس الأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد بلغ من عنايته بالقرآن الكريم وحرصه على حفظه أن كان يعاجل جبريل حين يقرئه القرآن حتى أنزل الله عليه "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"القيامة : 16-19 وأنزل عليه "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"الحجر : 9 فعندئذ اطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم على القرآن وكان جبريل يعارض الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن في كلّ سنة وعارضه القرآن في سنته التي توفي فيها مرتين. وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بكتابة القرآن الكريم فكان له كتبه يكتبون القرآن الكريم، يقول لهم ضعوا آية كذا في مكان كذا من السورة كذا، وكتب القرآن كله في حياته محمد صلى الله عليه وسلم في الرقاع واللخاف بإقراره صلى الله عليه وسلم. ومما يدل على عناية المسلمين بالقرآن الكريم أنه حفظه منهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم عدد لا بأس به، ثم تتابع الحفظ بعد ذلك حتى قيل إنه قتل يوم بئر معونة سبعون من القراء.
    ومن مظاهر العناية به أنه لما استحرّ القتل في الحفظة عمد أبو بكر إلى جمعه في مكان واحد في الصحف، واحتاط لذلك الجمع، حيث ألف نخبة من الحفظة، على رأسهم زيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كان أمير المؤمنين أبو بكر الصديق موفقاً في هذا الجمع، ثم بعد هذا الجمع ظلت الصحف عند أمير المؤمنين أبي بكر في خلافته ثم بعد وفاته انتقلت إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ثم بعد وفاته كانت عند حفصة رضي الله عنها حتى كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه فحصل في زمن عثمان اختلاف بين القراء في الأمصار، فكان من توفيق الله أن جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه الصحابة، وعرض عليهم اختلاف القراء في الأمصار وفي المدينة، وكان رأيه أن يجمع القرآن في مصحف واحد، فوافقه الصحابة بالإجماع على ذلك، فأرسل إلى حفصة وأخذ منها الصحف، وجمع القرآن في مصحف واحد ووزعه على الأمصار، فكان بذلك موفقاً حيث أدرك الناس قبل أن يختلفوا. ومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند المسلمين، أنهم حرروا القراءات وفرقوا بين المتواتر والشاذ، وجعلوا قواعد لا يثبت القرآن إلا بها وهي:
    أولاً:-الإسناد المتصل للقراءة في كل طبقة.
    ثانياً:-موافقة القراءة لوجه نحوي.
    ثالثاً:-أن يحتملها الرسم العثماني.
    وكل قراءة لا تتوفر فيها هذه الشروط، فاعتبرها العلماء شاذة لا تسمى قرآناً، ولاتجوز القراءة بها(1).
    ومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند هذه الأمة، أنه لابد فيه من التلقي مشافهة، تلقاه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل عليه السلام شفاها، وتلقاه الصحابة الأثبات العدول من النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلقاه التابعون الأخيار من الصحابة، كذلك، ثم تلقاه أتباع التابعين من التابعين كذلك، إلى أن وصل إلينا غضا طريا كما أنزل، فالقراءة سنة متبعة لا مدخل للقياس فيها، والاعتماد فيها على التلقي والتواتر.
    وقد اعتنى المسلمون بالقرآن عناية فائقة، حيث ألَّفوا في كل جزء منه، فرقوا بين مكيه، ومدنيه. وعرَّفوا مَكيه بأنه ما نزل قبل الهجرة ،كما عرفوا المَدَني بأنه ما نزل بعد الهجرة، هذا التعريف المختار، ومع تعريف المكي والمدني، فقد جمعوا المكي، وميزوه دون المدني وكل ذلك عناية بالقرآن الكريم.
    كما اعتنوا بسور القرآن الكريم وآياته، وذكروا أن ترتيب الآيات توقيفي، من النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما هو الآن، وأما ترتيب السور ففيه خلاف بينهم(2)، كما ألفوا في أسماء السور، وعدد الآيات ومن هذه العناية الدقيقة اعتناؤهم برسمه الذي رسم به في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبإقراره، وأجْمَعَ عليه الصحابة بعد ذلك في زمن عثمان، وذهب الكثير من العلماء إلى أن رسم القرآن توقيفي لا تجوز مخالفته، حتى إن بعضهم كان يرى أن تكتب الكتابات الأخرى كما كتب القرآن على رسمه وعلى نمطه. وخلاصة القول أن العلماء لم يتركوا شيئاً يتعلق بالقرآن الكريم إلا وكتبوا فيه مثل نَاسخه ومنسوخه، وأقسامه، ومطلقه ومجمله، ولمّا كان هذا البحث الذي كلفنا بالكتابة فيه، تحت عنوان (نزول القرآن) اخترنا الكتابة فيما له صلة وثيقة بالنزول.
    التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم



    التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم وقد تحدى القرآن بأساليب منوعة، وكونه معجزاً بألفاظه ومعانيه، وأن الناس لم يُصْرفوا عنه، والردّ على من قال بالصرفة
    .
    اعلم أن تعريف القرآن الكريم: هو كلام الله المنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته، وقد عرفه صاحب المراقي في ألفيته بقوله(3) : لفظ منزّل على محمّد لأجل الإعجاز وللتعبد(4)



    ويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن، وعلى كل آية من آياته
    (5) فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول إنه يقرأ القرآن "وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"الأعراف : 204
    والقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة لأن المعجزات على ضربين الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي صلى الله عليه وسلم.
    والثاني: ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله واستفاضت بثبوته ووجوده ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقاً كثيراً وجمّا غفيراً، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علماً ضرورياً، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي صلى الله عليه وسلم قال القرطبي(6): "لأن الأمة رضي الله عنها لم تزل تنقل القرآن خلفاً عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي عليه الصلاة والسلام، المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل عليه السلام عن ربه عز وجل، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به، فالقرآن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم الباقية بعده إلى يوم القيامة مع أن معجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل كالتوراة والإنجيل، فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم تقوله أنزل الله تحدياً لهم قوله "أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ"الطور : 33-34 ثم تحدّاهم وأنزل تعجيزاً أبلغ من ذلك فقال "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ" هود: 13. فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ"البقرة : 23. فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأشد تأثيراً مع كونهم أرباب البلاغة وعنهم تؤخذ الفصاحة.
    واعلم أن القرآن نفسه هو المعجز بألفاظه ومعانيه لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، وما قاله النظام ومن على شاكلته من أن وجه الإعجاز في القرآن هو أنهم منعوا منه وصرفوا عنه قول فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزاً، وذلك خلاف الإجماع.
    هذا وقد ذكر العلماء أوجهاً كثيرة للإعجاز نلخص منها ما يأتي بإيجاز:-
    20887. النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب لأن، نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال ربّ العزة الذي تولى نظمه "وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ"يس : 69. وفي صحيح مسلم أن أنيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحِرٌ وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر(7) فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون(8).
    الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب.
    الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، قال القرطبي(9): وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه "وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ"الزمر:67 إلى آخر السورة، وكذا قوله "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ" إبراهيم : 42 إلى آخر السورة قال ابن الحصار: فمن علم أن الله سبحانه وتعالى هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ"غافر : 16 ولا أن يقول "وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء" الرعد : 13
    التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف مَوْضعه.
    20888. الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، مع أنه أخذ بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر عليهما السلام، وحال ذي القرنين.
    20889. الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه،20890. وينقسم إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله عليه السلام، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله " وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ"الطلاق : 3 وقوله "وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ"التغابن :11
    الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه عليه السلام أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ"التوبة :33 آية ففعل ذلك، وكان أبو بكر رضي الله عنه إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجاح، وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقاً وغرباً، براً وبحراً.
    ما تضمنه القرآن الكريم من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام.
    التناسب في جميع ما تضمنه ظاهراً وباطناً من غير اختلاف. قال تعالى " وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا"النساء:82 .
    الحكم الكثيرة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدميّ.
    التعريف بعلوم القرآن فناً مستقلاً ومتى ظهر هذا الاصطلاح
    هو علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم(10)، وقد يسمى هذا العلم بأصول التفسير لأنه يتناول العلوم التي لابد للمفسر منها(11).
    وأول ظهور هذا المصطلح لعلوم القرآن فناً مستقلاً كان على يد الحوفي المتوفي 430هـ في كتابه "البرهان في علوم القرآن"، ثم تبعه ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ في كتابه "فنون الأفنان في عجائب القرآن" ثم جاء بدر الدين الزركشي المتوفى سنة 794هـ بكتاب واف سماه "البرهان في علوم القرآن" ثم جاء البلقيني المتوفى سنة 824هـ فألف كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم" ثم جاء خاتمة الحفاظ وفارس الميدان جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ بكتابه "الإتقان في علوم القرآن"، وصار الناس بعده عيالاً عليه، كلٌ يأخذ منه، والبعض يلخص والبعض يختصر.
    وقد نشط التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث مثل كتاب مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن، والنبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب الشيخ طاهر الجزائري (التبيان في علوم القرآن) وكتاب مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني وكتاب المدخل في علوم القرآن لشيخنا الشيخ الدكتور محمد محمد أبو شهبة رحمه الله وكتاب مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان رحمه الله إلى غير ذلك من التأليف الكثيرة في هذا العصر.
    متى بدأ النزول وكم كانت مدة النزول
    إن بحث نزول القرآن وتاريخ نزوله، لمن أهم المباحث إذ به تعرف تنزلات القرآن الكريم، ومتى نزل، وكيف نزل، وعلى من نزل وكيف كان يتلقاه جبريل من الله تبارك وتعالى؟ ولاشك أن العلم بذلك يتوقف على كمال الإيمان، بأن القرآن من عند الله، وأنه المعجزة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما أن كثيراً من المباحث التي تذكر في هذا الفن يتوقف على العلم بنزوله، فهو كالأصل بالنسبة لغيره.
    أنزل الله القرآن الكريم على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكان نزوله حدثاً جللاً مؤذنا بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل السماء والأرض.
    فإنزاله الأول في ليلة القدر نبه العالم العلوي على شرف هذه الأمة، وأنها القائدة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس.
    قال تعالى "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" البقرة الآية 185 ، فقد مدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأنه اختاره من بينها لإنزال القرآن العظيم فيه، قال ابن كثير(12): "وكما اختصه بذلك فقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء ".
    قال الإمام أحمد بن حنبل(13) رحمه الله حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة يعني ابن الاسقع- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان.
    وقد روى من حديث جابر بن عبد الله وفيه أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان والإنجيل لثماني عشرة والباقي كَمَا تقدم رواه ابن مردويه(14).
    أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة وأما القرآن فكان نزوله الأول جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، كما تدل عليه الآيات: "شَهْرُ رَمَضَانَ "البقرة: 185 "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ"الدخان : 3 .
    أما تاريخ نزول القرآن منجماً وهو النزول الثاني، فقد كان بعد الأربعين من عمره صلى الله عليه وسلم حينما بعث في يوم الاثنين وكان أول ما نزل عليه صدر سورة اقرأ كما ذكر ذلك محققو أهل العلم من أهل التفسير والحديث والسير، قال العلامة الفاسي في نظمه قرة الأبصار في سيرة المشفّع المختار(15):
    صلى عليه أشرف العباد
    من بعد أربعين عاما غبرا

    صلى عليه الله فالق الفلق

    توحيد رّب العالمين مرسلا
    إحصاءه من معجزات كالمطر
    نورا ورفعة مع ابتهاجى
    كما أتت بذلك الأخبار
    لو شاء لكن جاد بالتأخير
    منهم ومن أصلابهم أبناء
    وأيّد الحق به وأظهره
    بيان مبعث النبي الهاد
    وجاءه جبريل في غار حرا
    في يوم الاثنين بسورة العلق
    فقام يدعو الإنس والجن إلى
    مؤيّداً منه بِرا أعْيا البشر
    نفعاً وكثرة وكالسراج
    ومع ذا حاصره الفجّار
    وكان قادرا على التدمير
    حتى هدى الله به من شاء
    ثم أعز دينه ونصره
    قال في الاتقان(16): "أما إنزاله الثاني مفرقاً على حسب الوقائع خلافا لما كان معهوداً عندهم في الكتب السابقة فقد أثار الضجة عند القوم حتى حملهم على المحادّة والمساءلة حتى ظهر لهم الحق فيما بعد من أسرار الحكم الإلهية في إنزاله منجما على حسب الوقائع حتى أكمل الله الدين".
    هذا وقد يظن البعض أن الآيات من قوله "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ"البقرة:185 الخ وقوله "حم* وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ* إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ" الدخان:1-3 وقوله "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ"القدر : 1. بينها تعارض والواقع أنه لا تعارض بينها، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، وإنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل عليه خلال ثلاث وعشرين سنة.
    وقد روى من غير وجه عن ابن عباس كما قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ"وقد أنزل في شوال وذي القعدة وفي ذي الحجة ومحرم، وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس وجمهور العلماء:إن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث، نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيما لشأنه عند الملائكة، ثم أنزل بعد ذلك منجما على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام في ثلاث وعشرين سنة، حسب الوقائع والأحداث منذ بعثه صلى الله عليه وسلم إلى أن توفى حيث أقام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات منها:
    1- عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا(17) ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ "وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا"الفرقان : 33. وقوله "وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ" الإسراء : 106.
    2- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم.
    3- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه إثر بعض. رواه الحاكم والبيهقي(18).
    4- وعنه رضي الله عنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوماً "رواه الطبراني".
    2- المذهب الثاني: هو المروي عن الشعبي أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك مندرجاً مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة.
    قال: فليس للقرآن إلا نزول واحد هو نزوله منجما على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الذي جاء به القرآن قال تعالى "وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ"الإسراء:106، ولهذا جادل فيه المشركون لكون الكتب السماوية نقل إليهم نزولها جملة واحدة قال تعالى "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا* وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا"الفرقان:32-33.
    قال: ولا يظهر للبشرية مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى في غزوة بدر "وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" الأنفال:41. وقد كانت غزوة بدر في رمضان، ويؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي.
    عن عائشة قالت: "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"(19) فالمحققون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبئ أولاً بالرؤيا في الشهر الذي ولد فيه وهو شهر ربيع الأول، وكانت المدة بين الرؤيا والوحي إليه يقظة ستة أشهر ثم أوحي إليه يقظة بـ "اقْرَأْ"
    قال الشيخ مناع القطان رحمه الله(20) "وبهذا تتآزر النصوص على معنى واحدٍ".
    3-المذهب الثالث:يرى أن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر في كل ليلة منها ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك منجماً على رسول صلى الله عليه وسلم في جميع السنة.
    ولاشك أن هذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين فليس هناك ما يدل عليه، أما المذهب الثاني فإنه لا تعارض بينه وبين المذهب الأول الذي هو مذهب ابن عباس والجمهور.
    فالراجح أن القرآن الكريم له تنزّلان، كما علمت:
    الأول:نزوله إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة.
    وقد نقل القرطبي(21) الإجماع على هذا النزول عن مقاتل بن حيان وممن قال بقوله الخليمي والماوردي(22). الثاني:نزوله من السماء الدنيا مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة.
    الحكمة في إنزال القرآن جملة إلى السماء
    1-تفخيم أمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم. قال السيوطي: نقلاً عن أبي شامة في المرشد الوجيز " لولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقاً تشريفاً للمنزل عليه"(23).
    2- وقال السخاوي في جمال القراء:" نزوله إلى السماء الدنيا جملة تكريم لبني آدم وتعظيم لشأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم ".
    والقرآن بالاستقراء كان ينزل حسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة.
    ونزول عشر آيات من أول سورة المؤمنون جملة، كما صح نزول "غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ"وحدها وهي بعض آية وكذا قوله "وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً" إلى آخر الآيات.
    ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري(24) عن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل "لاتزنوا" لقالوا لا ندع الزنى أبدا.
    اعلم أن القرآن الكريم له وجودات ثلاثة:-
    1- وجوده في اللوح المحفوظ.
    2- وجوده في السماء الدنيا.
    3- وجوده في الأرض.
    بنزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقترن النزول إلا بالوجود الثاني والثالث وقد دل القرآن الكريم أنه كان قبل نزوله في اللوح المحفوظ حيث يقول الله تعالى "بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ"البروج : 21-22.
    وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذي قال الله عنه "إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ* لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ* تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ"الواقعة: 77-80 والذي عليه جمهور المفسرين أن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ هو السجل العام الذي كتب الله فيه في الأزل كل ما كان وكل ما يكون، والواجب علينا أن نؤمن به وأنه موجود ثابت، أما البحث فيما وراء ذلك فلسنا مطالبين به.
    أما كيف كان جبريل يتلقى الوحي، فلا يركن إلى شيء مما قيل في ذلك إلا ما أومأ له الدليل، وأولى قول في هذا المجال هو ما ذكره البيهقي في تفسير قوله تعالى "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" القدر : 1 قال: يريد والله أعلم " إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع، وهذا القول يشهد له ما رواه الطبراني من حديث النواس بن سمعان" مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجداً، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به حيث أمر" والحديث وإن لم يكن نصاً في القرآن إلا أن الوحي يشمل وحي القرآن وغيره(25).
    أما قول من قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب، لم يسمعه من الله، فهذا قول باطل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية(26) وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه قال تعالى "وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ" الأنعام : 114 وقال تعالى "حم* تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" فصلت : 1-2. وقال "حم
    "تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" الأحقاف: 1-2. فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البشر والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس. وكلاهما مبلغ له.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية(27): " وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئاً من حروفه ولا معانيه ".
    قال الإمام السيوطي(28) قال الجويني: كلام الله المنزل قسمان:
    أ - قسم قال الله لجبريل قل للنبي صلى الله عليه وسلم الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول افعل كذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وقال له ما قاله ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال. فإن قال الرسول بقول الملك لا تتهاون في خدمته ولا تترك الجند تتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة.
    ب قسم آخر قال الله لجبريل اقرأ على النبي هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول له اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفاً.
    قال السيوطي: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة، وقد ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن قال: ولهذا جازت رواية السنة بالمعنى بخلاف القرآن الكريم فإنه نزل جبريل بألفاظه ومعانيه فلا تجوز روايته بالمعنى. والسر في ذلك أن القرآن يقصد التعبد بألفاظه وهو كذلك معجز فلا يمكن لأحد مَهْمَا أوتي من البلاغة والفصاحة أن يأتي بلفظ يقوم مقامه.
    كما أن فيه تخفيفاً على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين قسم يروونه بلفظه الموحي به وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروي باللفظ، لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل. قال صاحب المدخل(29) : "وكذلك ليس للنبي صلى الله عليه وسلم في القرآن شيء إلاّ مجرَّد التبليغ فقط وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به ".
    قال: ولا يلتفت إلى ما زعمه بعض من يهرف بما لايعرف، أو من يفتري ويختلق من أن جبريل أوحي إليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ الدالة على المعاني بلغة العرب، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أو أن جبريل أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم عبر عن هذه المعاني بلفظ من عنده فهذا القول زعم وَخَرْصٌ لم تقم عليه أثارة من علم.
    وهو خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة من أن القرآن لفظه ومعناه كلام الله ومن عند الله مِنهُ بدأ وإليه يعود.
    إلى أن قال: وهذا الزعم لا يقول به إلا جاهل استولى الجهل والغفلة عليه أو زنديق قد يدس في الدين والعلم ما ليس منه.
    ولا يغتر بوجوده في بعض الكتب الإسلامية، فأغلب الظن أنه مَدْسوسٌ على الإسلام والمسلمين هذا وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لشيء منه ولا كتمان له، ولو كان كاتماً شيئاً [حاشاه من ذلك] لكتم تبليغ الآيات التي عوتب فيها ويكفي أن تقرأ قول الحق تبارك وتعالى "أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ"المائدة، : 67 وقوله "وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ" يونس : 15 وقوله "وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ" الحاقة : 44-47
    يتبع

    التعديل الأخير تم 05-12-2006 الساعة 10:06 PM
    ............................

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Sep 2004
    المشاركات
    2,210
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    بارك الله لك
    الدنيا ساعة اختبار *** فإما جنة وإما نار تحقق من حديث
    http://www.dorar.net/hadith.php

  3. #3

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سيف الكلمة
    بارك الله لك
    بارك الله في عمرك وعملك
    ............................

  4. #4

    افتراضي

    كيف كان يتلقى النبي صلى الله عليه وسلم الوحي من جبريل

    1-أحيانا يأتي جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في صفة رجل من البشر وكان كثيراً مايأتي في صورة دحية الكلبي.

    2-وأحياناً يأتي ولا يراه الحاضرون، وقد يسمعون له دوياً وصلصلة كصلصلة الجرس.

    ودل على هاتين الحالتين من الوحي مارواه البخاري في صحيحه(30) بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيقصم عَنّي وقد وعيت منه ماقال: وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي مايقول … الخ هذا والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل عليه السلام ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جلياً(31).

    نزول القرآن مفرقا – منجما -

    قال تعالى "وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ " الشعراء : 192-195 وقال تعالى "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " النحل : 102 ويقول تعالى "حم* تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ " الجاثية 1-3. وقال تعالى "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ " البقرة : 23 وقال تعالى "قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ " البقرة : 97 فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى السماء الدنيا فالمراد به نزوله منجما، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم فإن علماء اللغة يفرقون بين الإنزال والتنزيل فالتنزيل لما نزل مفرقا، والإنزال أعم(32).

    فقد نزل القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين سنة ثلاث عشرة بمكة على القول الراجح، وعشر بالمدينة المنورة.

    من الأدلة على نزول القرآن مفرقاً قوله تعالى "وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً " الإسراء : 106 والمعنى: جعلنا نزوله مفرقا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزلناه تنزيلاً بحسب الوقائع والأحداث(33).

    قال الزرقاني في مناهل العرفان(34) :"وفي تعدد النزول وأماكنه، مرة في اللوح وأخرى في بيت العزة، وثالثة على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، في ذلك التعدد مبالغة في نفي الشك عن القرآن الكريم، وزيادة للإيمان لأن الكلام إذا سجل في سجلات متعددة، وصحت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه، وأدعى إلى تسليم ثبوته، وأدنى إلى وفرة الايقان به مّما لو سجّل في سجل واحد، أو كان له وجود واحد ".

    نزول الكتب السماوية الأخرى

    الصحيح المشهور بين العلماء أن الكتب السماوية غير القرآن نزلت جملة واحدة ولم تنزل متفرقة، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان، وهي قوله تعالى "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا " الفرقان : 32.

    فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية غير القرآنية نزلت جملة واحدة كما على ذلك جمهور العلماء.

    ووجه الدلالة أن الله لم يكذبهم في دعواهم أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة، فلو كان نزول الكتب السماوية مفرقا لما كان هناك مايدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن مفرقاً منجما، لأن معنى قوله "لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً" هلاّ أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب، وماله أنزل على التنجيم ولم ينزل مفرقا، بل بيَّن لهم الحكمة من نزول القرآن منجما، ولو كانت الكتب السماوية نزلت مفرقة لكان يكفي في الرد عليهم أن يقول لهم إن التنجيم سنة الله في الكتب التي أنزلت على الرسل كما أجاب بمثل ذلك في قولهم "وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ " الفرقان : 7. قال في الرد عليهم "وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ " الفرقان : 20. فبيّن لهم أن ذلك سنن المرسلين والأنبياء(35).

    الحكم التي تستفاد من نزول القرآن مفرقاً منجما

    هذا ولاشك أن في نزول القرآن منجما -مفرقا- على حسب الوقائع والأحداث حِكَما وأسراراً عظيمة، كيف وذلك التنجيم ممّن أنزل القرآن وهو سبحانه أعلم بما يصلح عبادة "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الملك : 14. يعلم سبحانه المنهج الصالح لتربية الأمّة المنهج الذي يجعلها أمّةً منقادة لأوامر الله، منتهية عن مساخطه.

    ونلخص هنا بعض الحكم التي ذكرها العلماء والباحثون في هذا المجال:-

    1- الحكمة الأولى تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتطمين خاطره وقلبه وقد أشار الحق تبارك وتعالى إلى هذه الحكمة في قوله " كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا" الفرقان : 32. ويندرج تحت هذه الحكمة كثير.

    لقد وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الناس فوجد منهم نفوراً شديداً وقلوباً قاسية، قابله قومه بقلوب قاسية فطرت على الأذى، وقابلوه بصنوف الأذى والشتم مع رغبته الصادقة وسعيه المشكور في إيصال الخير الذي جاء به إليهم حتى قال الله تعالى في حقه "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا " الكهف :6 فكان الوحي ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فترة بعد فترة ليثبت فؤاده على الحق ويقوي عزمه على المضي في الخير.

    وقد بين الله أن سنته في أنبيائه السابقين أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله، وبيَّن كذلك أن قومه ما كذبوه إلا استكبارا وعلوا، وردّاً للحَق، فيجد الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك تسلية له قال تعالى "قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ " الأنعام : 33. "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا " الأنعام : 34. "فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ" آل عمران : 184. ، ونجد القرآن يأمره بالصبر في قوله تعالى "فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ " الأحقاف: 35.

    فكلما اشتد ألم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب تكذيب قومه وداخله الحزن لأذاهم، نزل القرآن دعما وتسلية له عما يعانيه من قومه فهدد المشركين المكذبين بأنه يعلم أحوالهم وسيجازيهم بما يستحقون قال تعالى "فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ " سورة يس : 76 ، وقال: "وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" المائدة : 67. وقال: "وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا " الفتح : 3. ، قال "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي " المجادلة : 21

    وأحياناً تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء كما قال تعالى "أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ* أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ " الأعراف : 97-98

    وآونة تنزل الآية بالبراهين والحجج الدامغة في الرد عليهم فيما يتمسكون به من شبه واهية، كالآيات الواردة في إثبات توحيده وصفاته، واستحقاقه للعبادة وإثبات البعث والحشر، وكان من ثمرة هذا التثبت أن أبدى النبي صلى الله عليه وسلم غاية الثبات والشجاعة والوثوق بالله في أحرج المواقف وأشدها هولاً. انظر إلى قوله للصديق في الغار "لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا " التوبة: 40.

    وهكذا كانت آيات القرآن تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تباعاً تسلية له بعد تسلية، وعزاء حتى لايأخذ منه الحزن مَأخذه، ولايجد اليأس إلى نفسه سبيلا.

    2 – من الحكم البارزة تيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه على النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على ذلك غاية الحرص، حتى إنه كان يعاجل جبريل ولاينتظره حتى يفرغ حتى أنزل الله "وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا " طه الآية 114. وقال تعالى "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ " القيامة : 16-19.

    هذا وإن القرآن الكريم نزل على أمة أمية لاتعرف الكتابة ولا القراءة وكانت ذاكرتها وحفظها هما السجلُّ لها، لادراية لها بالكتابة حتى تكتب وتدون ثم تحفظ قال تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ " الجمعة : 2. وقال تعالى "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ " الأعراف : 157.

    فلو نزل القرآن جملة واحدة على هذه الأمة الأمية التي لاتعرف الكتابة ولا التدوين لم يصح لها أن تحفظ القرآن كله بيسر، وكان نزوله مفرقاً أكبر عون لها على حفظه في صدورها وفهمها لآياته.

    كلما نزلت الآية فهمها الصحابة، وتدبروا معانيها، وقد كان هذا منهجاً لحفظ القرآن في عهد التابعين.

    عن أبي نضرة قال: "كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي، ونجد أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات" أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن خالد بن دينار قال: قال لنا أبو العالية تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذه من جبريل خمساً أخرجه البيهقي"(36).

    3- من الحكم كذلك التدرج في تربية الأمة دينيا وخلقيا واجتماعيا وعقيدة وعلماً وعملا وهذه الحكمة أشار إليها القرآن في قوله "وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً " الإسراء : 106

    لقد تدرج القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم يعبدون الأصنام ويشركون بالله، ويسفكون الدماء، ويئدون البنات ويشربون الخمر ويقتلون النفس لأتفه الأسباب، ويفعلون القبائح ومعلوم أن النفس يشق عليها ترك ما ألفته وتعودته مرة واحدة كما يصعب رجوعها وإقلاعها عما اعتقدته بمجرد النهي عنه للعقائد والعادات سلطان على النفوس، والناس أسراء ماألفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة، وطالب بالتخلي عما هم منغمسون فيه من الكفر والجهل والمنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد.

    لذلك اقتضت حكمة الله أن يتدرج القرآن في انتزاع العقائد الفاسدة فينهى أولا عن عبادة غير الله فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر آخر وهكذا تدرج القرآن معهم في انتزاع المنكر الواحد كما حدث في تحريم الخمر فقد نزل فيه أول مانزل "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " فشربها قوم وتركها آخرون ثم إن بعض المسلمين صنع طعاماً ودعا أصحابه فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا أيها الكافرون فخلط فيها ونقص وزاد، فأنزل الله عز وجل "ياأيها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة وأنتم سكارى" النساء : 43.

    فكانوا بعد ذلك يتركونها عند الصلوات وفي الأوقات القريبة منها حتى لايقعوا في مثل هذا الخلط، وبذلك صار من السهل تحريمها تحريماً باتاً، فقد صنع بعض المسلمين طعاماً فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برؤوسهم فتناشدوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر فقال الفاروق عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافياً فحرمها الله بعد ذلك تحريماً باتا حيث أنزل فيها "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ " المائدة : 90 إلى قوله "فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ " المائدة : 91 فقال عمر: انتهينا فمن ثم اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا(37).

    من الحكم كذلك: التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة.

    فقد أمر القرآن أولاً بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل والملائكة حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وأشربوا حبه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر، والتشريعات التفصيلية والأحكام العلمية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف ثم بالزكاة ثم بالصوم، ثم بالحج، كما بينت أحكام النكاح، والطلاق والرجعة والمعاملات من بيع وشراء وتجارة إلى غير ذلك من المعاملات.

    وقد أشارت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى هذه الحكمة كما في صحيح البخاري(38) قالت عائشة: إنما نزل من القرآن أول مانزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لاتشربوا الخمر لقالوا لاندع الخمر أبدا، ولو نزل لاتزنوا لقالوا لاندع الزنى أبدا.

    وقد دل القرآن بهذه السياسة الحكيمة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيب أخلاقها على أنه معجز وأنه كلام الله، فما كان لبشر مهما كان ذكاؤه أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة، في الوقت الذي بعث فيه نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن هذا من صنع العليم الخبير.

    4 – من الحكم كذلك، تثبيت قلوب المؤمنين وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء، ومالاقوه وأن العاقبة للمتقين كقوله تعالى "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ " النور الآية 55 وكقوله "الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " العنكبوت الآية 1-3.

    5 - التحدي والإعجاز: فالمشركون تمادوا في غيهم وبالغوا في عتوهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحدّ يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نبوته، ويسوقون له من ذلك كل عجيـب كعلـم الســاعة "يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ " الأعراف: 187. وكقوله "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ " سورة الحج : 47. وحيث عجبوا من نزول القرآن منجماً بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقاً مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم "لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً " الفرقان:32.

    ويشير لهذه الحكمة ماجاء في بعض الروايات من حديث ابن عباس عن نزول القرآن فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس(39).

    قال في المدخل(40) فنزوله منجماً مفرقاً من أقوى الأدلة على أنه معجز وأنه كلام الله، إذ لو أنزله الله جملة واحدة لكانت لهم حجة أن يقولوا شيء نزل علينا مرة واحدة، فلو نزل علينا مفرقا لعارضناه فقطع الله عليهم تلك الحجة فكأنه يقول لهم إن كنتم تقولون إنه ليس كلام الله، فأتوا بسورة مثله أو بعشر سور، أو آية، فسجل عليهم العجز الأبدي.
    ومع نزوله مفرقاً على مدى بضع وعشرين سنة كان غاية في روعة الأسلوب ورصانة الألفاظ، لاتفاوت فيه، فكان بذلك معجزا.
    من الحكم كذلك: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد.
    ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقا على مدى عشرين سنة حسب الوقائع والأحداث، ومع طول هذه الفترة، كانت تنزل منه الآية والآيات الكثيرة، والآيات القليلة على اختلاف الموضوعات ومع ذلك كان أسلوبه أسلوباً واحداً لم يتغير في فصاحته وجزالته وقوته، فأسلوبه واحد، مترابط بعضه ببعض، لا انفكاك فيه متناسق الآيات والسور كأنه عقد واحد "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" فلو كان من كلام البشر وقد قيل في مناسبات كثيرة، وموضوعات مختلفة متباينة، لوقع فيه التفكك والانفصام قال تعالى "وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا اً" النساء : 82 هذا والحكم التي أخذت من نزول القرآن مفرقاً منجما كثيرة لاتكاد تحصر، وقد نثرها علماء هذا الفن في كتبهم وقد لخصنا منها ماذكرنا تلخيصاً، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين وأن يجنبنا الزيغ.

    الكلام في نزول القرآن على سبعة أحرف
    بما أن هذا الموضوع من أخصّ موضوعات نزول القرآن لابد من التطرق إليه على انفراد بإيجاز، مع العلم أن الموضوع تكلم فيه العلماء قديماً وحديثاً وأكثروا فيه الأقوال، ولاسيما المعنى المراد بكونه نزل على سبعة أحرف وأنا أتناوله حسب المحاور التالية:
    المحور الأول: النصوص الدالة على نزوله على سبعة أحرف:
    اعلم أيها القارئ الكريم أن حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف جاء عن كثير من الصحابة حتى ذكر بعض العلماء عنه التواتر، وممن قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد ذكر السيوطي في الاتقان أنه جاء عن واحد وعشرين من الصحابة(41).
    منهم على سبيل المثال: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس وابن مسعود وعبدالرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على المنبر "أذكر الله رجلاً سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها(42) كاف شاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم، قال في المدخل:" وهذا يدل على أن الحديث كان معروفاً مشهوراً غاية الشهرة في زمن الصحابة، ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر قال هذا مايحتاج إلى إثبات وإلا فغاية أمره أنه مشهور من الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف ".
    1 - ما جاء في الصحيحين بسندهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف "(43).
    2 - وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبدالرحمن بن عبدالقارى أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساوره(44) في الصلاة، فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت كذبت فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله اقرأ ياهشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ ياعمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم : كذلك أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ماتيسر منه"(45).
    3 – روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أضاة(46) بني غفار قال فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لاتطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأي حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا.
    4 – روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه (47) فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماقد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فقال لي ياأبيّ أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت عليه، أن هون على أمتي فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة رددتها مسألة تسألنيها فقلت: اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم .
    5 - وروى أحمد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو أن رجلاً قرأ آية من القرآن فقال له عمرو: إنما هي كذا وكذا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تحاروا فيه" إسناده حسن (48).
    هذا: والأحاديث في إثبات نزول القرآن على سبعة أحرف كثيرة مستفيضة، ذكر معظمها ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره(49).
    المحور الثاني: مايستخلص من الروايات الأمور التالية:
    1 - لو نزل القرآن على حرف واحد لشق ذلك على الأمة العربية فقد كانت متعددة اللغات واللهجات، وما يتسهل النطق به على البعض لايسهل على البعض الآخر، وكانت تغلب عليها الأمية فلا عجب أن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الاستزادة من الحروف حيث بلغت سبعة أحرف.
    فكان من رحمة الله بهذه الأمة أن أنزل القرآن على سبعة أحرف رفعاً للحرج، وتيسيراً لقراءته وحفظه.
    2 - إن هذه التوسعة إنما كانت في الألفاظ، ولم تكن في المعاني والأحكام وأنها كانت في المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مختلفة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر كلاً من المختلفين على قراءته.
    3 - إن هذه التوسعة والإباحة في القراءة بأي حرف من الحروف السبعة إنما كانت في حدود مانزل به جبريل وماسمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بدليل أن كلاً من المختلفين كان يقول: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقب على قراءة كل من المختلفين بقوله: هكذا أنزلت كما في حديث عمر وهشام.
    ولايتوهم أي إنسان أن التوسعة كانت باتباع الهوى، فذلك مالايليق أن يفهمه مسلم فضلاً عن عاقل إذ الروايات الواردة ترده وتبطله ولو كان لكل أحدٍ أن يقرأ بما يتسهل له من غير تلق وسماع من النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبدل ذلك من تلقاء نفسه لذهب إعجاز القرآن ولكان عرضة أن يبدله كل من أراد، ولما تحقق وعد الله سبحانه بحفظه في قوله "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " الحجر : 9 وكيف يتفق هذا الوهم الباطل مع قول الله عز وجل " قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ" يونس : 15-16

    4 - أن الأمة كانت مخيرة في القراءة بأي حرف منها من غير إلزام بواحد منها فمن قرأ بأي حرف منها فقد أصاب، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عمر فاقرأوا ماتيسر منه.

    5 - أن التوسعة على الأمة لم تكن في مبدأ الدعوة فحسب بل كانت بعد الهجرة وبعد أن دخل في الإسلام كثير من القبائل غير قريش فكانت الحاجة ماسة إلى هذا التسهيل وتلك التوسعة: يشهد لهذا حديث مسلم أن النبي كان عند أضاة بني غفار وقد تقدم(50).
    6 - هذه التوسعة مظهر من مظاهر الرحمة والنعمة ولاينبغي أن تكون مصدر اختلاف أو أن تكون مثيرة للشك، أو مضعفة لليقين، فقد حذرهم الرسول صلوات الله عليه من الاختلاف، كما في حديث ابن مسعود، ومن الشك في القرآن كما في حديث عمرو بن العاص "فلا تماروا فيه" وفي رواية لابن جرير الطبري من حديث أبي جهم "فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر"(51).
    7 - حرص الصحابة رضوان الله عليهم البالغ على القرآن وغاية تحوطهم في المحافظة عليه، ونفي الريب والتغيير والتبديل عنه، ويدل على هذا ماكان من الفاروق عمر رضي الله عنه مع هشام بن حكيم حتى هم أن يأخذ بتلابيبه وهو في الصلاة(52).
    المحور الثالث: المراد بمعنى الاحرف السبعة:
    اعلم أنه اختلف في ذلك اختلافاً كثيراً حتى أوصل السيوطي الأقوال في معناها إلى نحو أربعين قولاً(53).
    وأنا أذكر بعضها فقط، ملخصاً ذلك من كتب الفن:-
    1 - القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنى من المعاني يأتي القرآن منزلاً بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لايكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر.
    2 - القول الثاني: أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه في جملته لايخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم.
    3- القول الثالث: أن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة من الأمر والنهي والوعد والوعيد، والجدل والقصص، والمثل، أو من الأمر والنهي والحلال والحرام والمحكم والمتشابه والأمثال عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف، زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال"(54).
    4 - القول الرابع: أن المراد بالأحرف السبعة وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف وهي:
    ( 1 ) اختلاف الأسماء بالأفراد والتذكير وفروعهما، كقوله تعالى "والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون" قرئ لأماناتهم بالجمع، وقرئ لأمانتهم بالإفراد، ورسمها في المصحف "لأمنتهم " يحتمل القراءتين لخلوها من الألف الساكنة، ومآل الوجهين في المعنى واحد فيراد بالجمع الاستغراق الدال على الجنسية، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة، أي جنس الأمانة(55).
    ( 2 ) الاختلاف في وجوه الإعراب كقوله تعالى "مَا هَـذَا بَشَرًا " يوسف : 31. قرأ الجمهور بالنصب على أن "ما" عاملة عمل ليس وهي لغة أهل الحجاز، وبها نزل القرآن، وقرأ ابن مسعود "مَا هَـذَا بَشَر" بالرفع على لغة بني تميم، فإنهم لايعملون ماعمل ليس.
    ( 3 ) الاختلاف في التصريف: كقوله تعالى "فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا " سبأ : 19 قرئ بنصب "رَبَّنَا" على أنه منادى مضاف "وبَاعِدْ" بصيغة الأمر وقرئ ربنا بالرفع، "وبَاعِدْ" بفتح العين على أنه فعل ماض.
    ( 4 ) الاختلاف بالتقديم والتأخير، إما في الحرف كقوله "أَفَلَمْ يَيْئسِ " الرعد: 31. وقرئ "أَفَلَمْ يَيْأَسِ " وإما في الكلمة كقوله تعالى "فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ " التوبة : 111. بالبناء للفاعل في الأول وللمفعول في الثاني.
    ( 5 ) الاختلاف بالإبدال سواء كان إبدال حرف بحرف كقوله تعالى "وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا" البقرة : 259. قرئ بالزاي المعجمة مع ضم النون، وقرئ بالراء المهملة مع فتح النون، أو إبدال لفظ بلفظ كقوله تعالى "كالعهن المنفوش" قرأ ابن مسعود وغيره "كالصوف المنفوش".
    ( 6 ) الاختلاف بالزيادة والنقص فالزيادة كقوله تعالى "وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار" قرئ من تحتها الأنهار بزيادة من، وهما قراءتان متواترتان والنقصان كقوله تعالى "وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا " البقرة : 116. بدون واو وقراءة الجمهور وقالوا اتخذ الله ولداً بالواو.
    ( 7 ) اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام والهمز والتسهيل، والإتمام ونحو ذلك.
    كالإمالة وعدمها في مثل قوله "وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى " طه : 9. قرئ بإمالة "أتى" موسى" وترقيق الراء في قوله "خَبِيرًَا بَصِيرًا " وتفخيم اللام في الطلاق، وتسهيل الهمزة في قوله "قد أفلح المؤمنون" وإشمام الغين ضمه مع الكسر في قوله "وَغِيضَ الْمَاء " هود : 44
    5 - القول الخامس: ذهب بعضهم إلى أن العدد سبعة لامفهوم له، وإنما هو رمز إلى ماألفه العرب من معنى الكمال في هذا العدد، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد، كما يطلق السبعون في العشرات والسبعمائة في المئات، ولايراد العدد المعين(56).
    6 – القول السادس: أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع وهناك أقوال كثيرة وقد رجح كثير من العلماء القول الأول في أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد نحو أقبل، وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، ممن رجح هذا القول كبير المفسرين ابن جرير الطبري(57) وإليه ذهب سفيان بن عيينة، وابن وهب وخلائق، ونسبه ابن عبدالبر لأكثر العلماء(58).
    واعلم أن أسباب النزول من مقتضيات نزول القرآن الكريم ولذلك لابد من الكلام عليها كلاماً غير مطول لأنها تحتاج إلى بحث مستقل فنتناولها من النواحي التالية:
    تعريف سبب النزول، العبارات التي تعد نصا في سبب النزول، اعتناء الصحابة بمعرفة أسباب النزول.
    فوائد أسباب النزول، هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ كذلك يلزم على معرفة نزول القرآن، الكلام على جمعه والاعتناء بحفظه والكلام على تواتره وشروط القراءة الصحيحة.
    تعريف المكي والمدني والكلام عليه كلاما موجزاً من مظاهر العناية بالقرآن الكريم ونزوله العناية بكتابته ورسمه.
    يتبع
    التعديل الأخير تم 05-17-2006 الساعة 07:33 PM
    ............................

  5. #5

    افتراضي

    الكلام على أسباب النزول
    إن القرآن الكريم نزل لهداية البشر، وإرشادهم إلى الطريق المستقيم في العقائد والأحكام ومكارم الأخلاق، وأكثر القرآن نزل إلى هذه الأغراض النبيلة من غير سبب، وبعضه نزل مرتبطاً بأسباب خاصة.
    فالصحابة رضي الله عنهم الذين عاشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاشوا معه حياتهم قد تقع منهم حادثة تحتاج إلى بيان حكم الله فيها، وقد يسألون عن أشياء فينزل القرآن لذلك.
    فسبب النزول هو ما نزلت الآية أو الآيات أيام وقوعه متحدثة عنه مبينة حكمه والمعنى أن حادثة وقعت أو سؤالاً وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي ببيان ما يتصل بتلك الحادثة مثل حادثة خولة التي ظاهر منها زوجها فأنزل الله تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُ" المجادلة :1. واعلم أنه لا طريق لمعرفة سبب النزول إلا بالنقل الصحيح عن الصحابة رضي الله عنهم. قال الواحدي في أسباب النزول "لا يحل القول في أسباب النزول إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب".
    فالمعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة، ومن أخذ عنهم من التابعين ومعرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تختص بالقضايا، وكثير ما يجزم بعضهم بالسبب وربما لم يجزم بعضهم بالسبب، وربما لم يجزم بعضهم فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما قال الزبير في قوله تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ" سورة النساء : 65، روى الشيخان في صحيحيهما عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلاً من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون منها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند رسول الله
    r فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري ثم قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله r ثم قال للزبير يا زبير احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ" فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد أشار على الزبير رأيا.
    هذا وقول الصحابة في سبب النزول محمول على الرفع كما نص على ذلك أئمة المصطلح لأنه قول فيما لا مجال للرأي فيه، وبعيد كل البعد أن يقول الصحابي ذلك من تلقاء نفسه فعدالته تمنعه من ذلك، فذلك محمول على السماع أو المشاهدة.
    أما قول التابعي: في سبب النزول فله حكم الرفع إلا أنه مرسل، قد يقبل إذا صح السند إليه وكان من أئمة التفسير كمجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير.
    واعلم أيها القارئ الكريم أن الصحابة كانوا علماء مجتهدين في معرفة سبب النزول ولذلك جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه كما في صحيح البخاري والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، ولو كنت أعلم أحداً أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه.
    بعض فوائد أسباب النزول باختصار
    1- الاستعانة على فهم الآية وإزالة الإشكال عنها: قال الواحدي "لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها". وقال ابن دقيق العيد: معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن. وقال شيخ الإسلام بن تيمية في رسالته أصول التفسير "معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية فإن العلم بالسبب يورث معرفة المسبب " ولذلك أمثلة كثيرة منها:-
    أ - أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أشكل عليه فرضية السعي بين الصفا والمروة من قول الله عز وجل: "إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا" البقرة : 158 فقال: إن الله نفى الجناح ونفي الجناح يدل على نفي الوجوب فسأل خالته عائشة رضي الله عنها، فقالت له: "إن سبب النزول أنه كان قبل الإسلام على الصفا صنم يقال إساف وعلى المروة صنم يقال له نائلة فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من السعي بينهما فأنزل الله الآية رفعاً للحرج.
    ب - قوله تعالى: "وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" الطلاق : 4 فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة حتى نقل عن الظاهرية أن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب وقد أزال هذا الإشكال سبب النزول، وذلك أنه لما نزلت الآية التي في البقرة في عدد النساء قال الناس بقي عدد من النساء لم تذكر عدتها، فحينئذ أنزل الله الآية فعلم منها أن حكم عدة اليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر، إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم عدتهن.
    ج - قوله تعالى: "وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ" البقرة : 115 فلو تركت على ظاهرها لفهم منها أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة فلما علم أنها نازلة في صلاة النافلة، أو في من عميت عليه القبلة فصلى باجتهاده وبان له الخطأ بعد ذلك زال الإشكال عنه.
    د - ومن ذلك ما روى في الصحيح عن مروان بن الحكم أنه أشكل عليه قوله تعالى: "لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" آل عمران : 188. قال مروان: لئن كان كل أحد فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون، حتى سأل ابن عباس عن ذلك فقال له ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأروه أنهم أجابوه واستحمدوه لذلك.
    2- من الفوائد دفع توهم الحصر: قال الشافعي: في قوله تعالى: "قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا" الآية الأنعام : 145 قال: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة والمحادة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال لا حلال إلا ما حرمتوه ولا حرام إلا ماأحللتموه، نازلا منزلة من يقول: لا تأكل اليوم حلوى فتقول له لا آكل اليوم إلا حلوى، والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل.
    ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هذا إذا كان السبب خاصاً واللفظ عاماً، فالحكم الذي يؤخذ من اللفظ العام يتعدى صورة السبب الخاص إلى نظائرها كآيات اللعان التي نزلت في قذف هلال بن أمية زوجته "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ" .. إلى قوله .. "إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِين" سورة النور : 6-9. فيتناول الحكم المأخوذ من هذا اللفظ العام "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ" غير حادثة هلال دون احتياج إلى دليل، هذا هو الرأي الراجح والأصح وهو الذي يتفق مع عموم أحكام الشريعة والذي سار عليه الصحابة والمجتهدون من هذه الأمة.
    أما صيغة سبب النزول فتارة تكون نصا في سبب النزول، وتارة تكون محتملة فتكون نصاً في سبب النزول فيما إذا قال الراوي سبب نزول هذه الآية كذا، أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، كما إذا قال "حدث كذا" أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا فنزلت الآية، فهاتان صيغتان صريحتان في السببية وتكون الصيغة محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام إذا قال الراوي نزلت هذه الآية في كذا، فذلك يراد به تارة سبب النزول ويراد به تارة أنه داخل في معنى الآية.
    هذا: وقد يتعدد السبب والمنزل واحد، وذكر العلماء لذلك أربع حالات:
    1- إما أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعول عليه ما صحت روايته.
    2- أن تكون كلتا الروايتين صحيحة، ولأحدهما مرجح.
    3- وإما أن تكون كل منها صحيحة ولا يمكن الترجيح، وقد يمكن نزول الآية عقبها.
    4- وإما أن تكون كل منهما صحيحة ولا يمكن الترجيح ولا يمكن نزول الآية عقبها.
    مثال الحالة الأولى: أن تكون إحدى الروايتين صحيحة والأخرى غير صحيحة فالمعتمد في السبب الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءت امرأة فقالت: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله "وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى* مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى" الضحى : 1-3 مع ما أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة والواحدي وغيرهم بسند فيه من لا يعرف عن حفص بن ميرة عن أمه عن أمها، وكانت خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم فدخل تحت السرير ومات فمكث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل لا يأتيني فقلت في نفسي لو هيأت البيت وكنسته فأهويت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة فأنزل الله "وَالضُّحَى" فالمعتمد الرواية الأولى لأنها صحيحة أما الثانية وإن كانت مشهورة لكنها غير صحيحة لوجود الجهالة في سندها.
    قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية غريب بل شاذ مردود وفي إسناده من لا يعرف.
    مثال الحالة الثانية: التي هي أن تكون كلتا الروايتين صحيحة ولأحدهما مرجح ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يتوكأ على عسيب فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لو سألتموه فقالوا حدثنا عن الروح فقام ساعة ورفع رأسه فعرفت أنه يوحى إليه ثم قال: "قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً" الإسراء : 84.
    مع ما أخرجه الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئاً نسأل هذا الرجل يريدون النبي صلى الله عليه وسلم.
    فالأولى تدل على أن السائل اليهود، وأن نزولها بالمدينة والثانية تدل على أن السائل الكفار وأنها نزلت بمكة، والرواية الأولى أرجح لأمرين:
    أ - أنها من رواية البخاري.
    ب - أن الراوي في الأولى وهو ابن مسعود حاضر للقصة ومشاهد لها بينما ابن عباس الذي هو الراوي في الثانية لم يثبت أنه كان مشاهدا لها.
    مثال الحالة الثالثة: التي هي أن تكون كل من الروايتين صحيحة، ولا يمكن الترجيح لكي يمكن نزول الآيتين عقب السببين لعدم العلم بالتباعد مثاله: ما أخرجه البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا وجد أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول البينة أو حدّ في ظهرك فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري فأنزل الله "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ .." الآية وأخرج الشيخان عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يصنع به؟ فسأل عاصم رسول الله فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر عاصم عويمرا فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه فقال: إنه قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك القرآن … الحديث.
    فهاتان الروايتان صحيحتان: ويمكن الجمع بينهما بأن أول من سأل هلال ثم سأل عويمر قبل الإجابة ثم نزلت الآيات.
    مثال الحالة الرابعة: التي هي استواء الروايتين أو الروايات في الصحة، ولا مرجح مع عدم إمكان نزول الآية عقبها لتباعد الزمان فالحكم أن يحمل الأمر على تكرر النزول. مثال ذلك ما أخرجه البيهقي والبزار عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة حين استشهد، وقد مثل به فقال "لأمثلن بسبعين منهم مكانك" فنزل جبريل بقوله "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ" النحل : 126 مع ما أخرج الترمذي والحاكم عن أبيّ بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ومن المهاجرين ستة منهم حمزة فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله سبحانه: وإن عاقبتم فعاقبوا الآية. قال في المدخل:" فالأولى تفيد أن الآيات نزلت عقب أحد والثانية تفيد أنها نزلت يوم الفتح، وبين الفتح وأحد حوالي خمس سنين إلى أن قال فلا مناص من القول بتعدد النزول مرة يوم أحد ومرة يوم الفتح".
    أول ما نزل من القرآن وآخر ما نزل منه
    اعلم أيها القارئ الكريم أن المتكلم في موضوع نزول القرآن لابد أن يتكلم عن أول ما نزل وآخر ما نزل لتعلق هذا الموضوع بالنزول وعليه، فإن العلماء بحثوا هذا الموضوع بحثا واسعاً لأهميته وأنا أتكلم فيه من النواحي التالية:
    أول ما نزل مطلقاً.
    آخر ما نزل مطلقاً.
    أوائل مقيدة.
    أواخر مقيدة.
    بعض فوائد هذا النوع.
    أول ما نزل من القرآن مطلقاً:
    ذكر العلماء في ذلك أربعة أقوال:
    1- أول ما نزل قوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" العلق: 1-5.
    من الأدلة على هذا القول:
    أ – ما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت "أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال "اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق" الخ
    ب – روى الحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة وصححاه عن عائشة أنها قالت أول سورة نزلت من القرآن "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " ومرادها بالسورة صدرها.
    2- أن أول ما نزل قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ .." إلى قوله .. "وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ" المدثر : 1-5 وهذا القول مروي عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ومن الأدلة على هذا القول: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عن يحيى بن أبي كثير: قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل أول؟ فقال "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" فقلت أنبئت أنه "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله أي القرآن أنزل أول؟ فقال "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" فقلت نبئت أنه "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" فقال: "لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي ثم نظرت إلى السماء فإذا هو –يعني جبريل- بين السماء والأرض فأخذتني رجفة، فأتيت خديجة فقلت "دثروني" فأنزل الله يا أيها المدثر.
    وأجاب أهل القول الأول عن هذا بأجوبة أحسنها.
    أن "يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ" أول ما نزل بعد فترة الوحي، أما اقرأ فهي أول ما نزل على الإطلاق.
    3- أن أول ما نزل سورة الفاتحة وقد عزا هذا القول الزمخشري في كشافه إلى أكثر المفسرين، ورد عليه الحافظ ابن حجر بأن هذا القول لم يقل به إلا عدد أقل من القليل. من أدلة هذا القول: ما رواه البيهقي في دلائل النبوة والواحدي بسنده عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة: إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا فقالت: معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم، وتصدق الحديث، فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت: اذهب مع محمّد إلى ورقة بن نوفل فانطلقا فقصا عليه فقال: إذا خلوت وحدي سمعت نداء من خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأفق فقال لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول، ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم "الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" إلى قوله "وَلاَ الضَّالِّينَ" الفاتحة : 2-7 قال العلماء: والجواب عن هذا الحديث أنه مرسل لا يعارض القول الأول.
    القول الرابع: إن أول ما نزل "بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ" دليل هذا القول ما أخرجه الواحدي بإسناده عن عكرمة والحسن قالا: أول ما نزل من القرآن "بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ" وأول سورة "اقرأ باسم ربك" قال السيوطي: وعندي أن هذا القول لا يعد قولا برأسه فإن من ضرورة نزول السورة نزول البسملة.
    واعلم أن هذه الآثار والأحاديث لا تنهض لمعارضة حديث عائشة الذي هو في الصحيح الدال على أن أول ما نزل "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ".
    آخر ما نزل من القرآن مطلقاً
    اعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس في هذا الموضوع أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمكن التحاكم إليها وكل ما فيه آثار مروية عن بعض الصحابة والتابعين استنتجوها من مشاهداتهم للنزول، وملابسات الأحوال فقد يسمع أحدهم ما لا يسمع الآخر، ويرى ما لا يراه غيره، ومن هنا كثر الاختلاف في هذا الموضوع ولنكتفِ بالبعض فقط على النحو التالي:
    القول الأول: أن آخر ما نزل قوله تعالى في آخر سورة البقرة "وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" البقرة : 281.
    من الأدلة على هذا القول:
    أ – ما رواه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: آخر ما نزل من وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ" الآية وروى ابن مردويه بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال آخر آية نزلت من القرآن "وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ" الآية وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال، ثم مات ليلة الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول.
    وذكر البغوي في تفسيره عند هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جبريل ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة، وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وعشرين يوما.
    وروى الألوسي في تفسيره عند هذه الآية روى أنه قال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها بين آية الربا وآية الدين.
    وفي رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال جاءني جبريل فقال اجعلوها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة.
    قال في المدخل: وهذا الرأي هو أرجح الآراء والأقوال وهو الذي تركن إليه النفس للأسباب التالية:
    1- لم يحظ قول من الأقوال الآتية بما حظي به هذا القول من الآثار وأقوال الأئمة.
    2- ما تشير به هذه الآية في ثناياها من التذكير باليوم الآخر والرجوع إلى الله ليوفي كلا جزاء عمله، وهو أنسب بالختام.
    3- ماظفر به هذا القول من تحديد الوقت بين نزولها ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يظفر قول بهذا التحديد.
    القول الثاني: أن آخر ما نزل هو قوله تعالى في سورة البقرة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" البقرة : 278.
    ويدل لهذا القول ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: وآخر آية نزلت آية الربا.
    والحق الأول: ويجاب عن هذا القول إما بأنها آخر آية نزلت في شأن الربا وإما أنها من آخر الآيات نزولاً.
    القول الثالث: أن آخر آية نزلت آية الدين "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ" البقرة : 282. وهي أطول آية في القرآن. ومن أدلة هذا القول ما أخرجه ابن جرير من طريق بن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن آخر القرآن عهداً بالعرش آية الدين، مرسل صحيح الإسناد ويجاب عنه بأنها آخرية مقيدة، فهي آخر ما نزل في باب المعاملات.
    هذا: وقد جمع السيوطي في الإتقان بين هذه الأقوال الثلاثة فقال: ولا منافاة عندي بين هذه الروايات في آية الربا، وآية واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله، وآية الدين، لأن الظاهر أنها نزلت دفعة واحدة كترتيبها في المصحف لأن موضوعها واحد، فأخبر كل واحد عن بعض ما نزل بأنه آخر، وذلك صحيح.
    وقد جمع الحافظ بين القولين بأن هذه الآية هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن، كما رجح أن آية واتقوا يوما… هي الأليق بالختام.
    القول الرابع: آخر ما نزل قوله تعالى "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ" وآخر ما نزل من السور براءة، ويدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب أنه قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ" النساء : 176. يجاب عن هذا بأن سورة براءة آخر ما نزل في شأن القتال والجهاد.
    القول الخامس: أن آخر ما نزل قوله تعالى: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" النساء : 93 ويدل لهذا القول ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً، هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء والجواب أنها آخر ما نزل في حكم قتل المؤمن عمداً، فهي آخرية مقيدة.
    القول السادس: أن آخر ما نزل قوله تعالى: "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" براءة : 128. إلى آخر سورة براءة من الأدلة على هذا القول ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبيّ بن كعب قال آخر آية نزلت: "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ" إلى آخر السورة.
    قال في الإتقان "وروى ابن مردويه عن أبيّ أيضاً قال: آخر القرآن عهدا بالله هاتان الآيتان "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ" إلى قوله "وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ". ويجاب عنه أنهما آخر ما نزل من سورة براءة.
    القول السابع: آخر ما نزل سورة المائدة من الأدلة على هذا القول ما رواه الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه.
    ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت في الحلال والحرام.
    القول الثامن: آخر سورة نزلت "إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ" النصر : 1 قال في الإتقان رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس، ورواه النسائي أيضاً عنه ويجاب عن هذا القول بأنها آخر سورة نزلت بتمامها.
    قال في المدخل: "وقد عرفت أن القول الأول هو الصحيح الراجح وعرفت الإجابة عما ورد مخالفاً له وأن المراد أواخر مقيدة لا مطلقة".
    الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة
    هذا البحث كثير، ولهذا يكتفى فيه بذكر نماذج من الأوائل المقيدة والأواخر المقيدة: حسب ما ذكره العلماء فأقول: أول آية نزلت في الخمر "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا" البقرة : 219.
    أول ما نزل في الجهاد قوله تعالى "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" إلى قوله "وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ" الحج : 39-41
    أول ما نزل في شأن القتل آية الإسراء وهي قوله تعالى "وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا" الإسراء : 33.
    نماذج من الأواخر المقيدة
    1- آخر ما نزل في تحريم الخمر "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" إلى قوله "فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ" المائدة:90-91
    2- آخر آية نزلت في شأن القتل "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" النساء : 93.
    فوائد معرفة أول ما نزل وآخر ما نزل
    اعلم أن هذا المبحث لا مجال للعقل فيه، إلا بالترجيح بين الأدلة وجمع المتعارض إن وجد، والمدار فيه على النقل، ولمعرفته فوائد نلخّص منها بعض الفوائد: فيما يلي:
    1- معرفة الناسخ والمنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو أكثر في موضع واحد وحكم إحداهما يغاير الآية الأخرى تغايراً لا يمكن معه الجمع فنلجأ حينئذ إلى معرفة المتقدم فيعلم أنه منسوخ بالمتأخر.
    2- تاريخ التشريع الإسلامي وذلك مثل ما إذا عرفنا أن الآيات التي فيها الأمر بالصلاة نزلت بمكة قبل الهجرة، وأن الآيات التي فيها الأمر بالزكاة وبالصوم كانت في السنة الثانية للهجرة بالمدينة المنورة، وأن آيات الحج نزلت في السنة السادسة على الراجح كان بالإمكان ترتيبها ترتيبا شرعياً فنقول: أول ما فرض الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج.
    وكذلك إذا علم أن آية "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" الحج : 39 نزلت بالمدينة في السنة الثانية علم أن الجهاد فرض في المدينة في السنة الثالثة وهكذا.
    3- من الفوائد كذلك معرفة التدرج في التشريع ويتوصل به إلى معرفة حكمة الله في أخذ الشعوب بهذه السياسة الحكيمة في الإسلام، وذلك مثل ما إذا عرفنا ترتيب الآيات التي نزلت في شأن الخمر، ومثل ما إذا علمنا أن الآيات الداعية إلى أصول العقائد، نزلت أولاً بمكة، بخلاف الآيات النازلة في الأحكام التشريعية التفصيلية والعملية، فإنها نزلت بالمدينة، فإنه ما لم تعرف الأصول ويطمئن إليها، لا يسهل الأخذ بالفروع".
    تنبيه
    قال السيوطي: قد يشكل على ما تقدم في آخر ما نزل مطلقاً قوله تعالى "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ" المائدة : 3 فإنها نزلت بعرفة عام حجة الوداع، وظاهرها إكمال جميع الفرائض والأحكام قبلها، وقد صرح بذلك جماعة منهم السدي فقال: لم ينزل بعدها حلال ولا حرام مع أنه وارد في آية الربا والدين والكلالة أنها نزلت بعد ذلك. وقد استشكل ذلك ابن جرير وقال: الأَولى أن يتأول على أنه أكمل لهم دينهم بإفرادهم بالبلد الحرام، وإجلاء المشركين عنه، حتى حَجَّه المسلمون لا يخالطهم المشركون.
    قال الشاعر:
    فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ
    وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
    وكان الفراغ من هذا البحث في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم، بتاريخ 25/1/1421هـ من هجرته صلى الله عليه وسلم.
    يتبع
    ............................

  6. #6

    افتراضي

    الخاتمة
    وهي عبارة عن بعض النتائج التي توصل إليها الباحث مع اقتراح يقترحه.
    1- النتيجة الأولى: أن نزول القرآن الكريم من أهم موضوعات علوم القرآن بل كل موضوعاته الأخرى مبنية على نزول القرآن الكريم.
    2- النتيجة الثانية: أن علوم القرآن الكريم كفن مدون مستقل بنفسه بهذا اللقب ما كان معروفاً في العصور الأولى.
    3- النتيجة الثالثة: أن أول ظهور لهذا الفن، مدوناً مستقلاً كان على يد الحوفي المتوفى سنة 430هـ في كتابه البرهان في علوم القرآن.
    4- النتيجة الرابعة: أن العلماء اختلفوا في تعريف القرآن وأحسن تعاريفه، كما عرفه في المراقي "أنه اللفظ المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المتعبد بتلاوته المعجز بألفاظه ومعانيه".
    5- النتيجة الخامسة: أن القرآن معجز بلفظه ومعناه، وأن النظَّام ومن شايعه القائلين بالصرفة قولهم ضعيف مردود.
    6- النتيجة السادسة: أن القرآن الكريم أنزل مرتين مرة جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، ومرة أنزل مفرقاً منجما على حسب الوقائع والأحداث على مدى ثلاث وعشرين سنة.
    7- النتيجة السابعة: أن لنزول القرآن الكريم مفرقاً حكماً كثيرة كما ذكر بعضها في ثنايا البحث.
    8- النتيجة الثامنة: أن حديث نزول القرآن على سبعة أحرف ثابت حيث ورد بروايات صحيحة لا طعن فيها، وأنه يدل على التيسير بهذه الأمة واللطف بها مع أن معنى الحديث من المشكل المختلف فيه بين العلماء.
    9- النتيجة التاسعة: أن القرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل عليه السلام، ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جلياً.
    10- النتيجة العاشرة: أن الكتب السماوية غير القرآن الكريم كالتوراة والإنجيل نزلت جملة واحدة، ولم تنزل مفرقة.
    11- النتيجة الحادية عشرة: أن المعول عليه في أسباب النزول هم الصحابة ومن أخذ عنهم من التابعين، لا غير.
    12- النتيجة الثانية عشرة: أن معرفة سبب النزول طريق قوي ومعين على فهم الآية، وإزالة الإشكال عنها وله فوائد جمة.
    13- النتيجة الثالثة عشرة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين.
    14- النتيجة الرابعة عشرة: أن أوّل ما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم صدر سورة "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ".
    15- النتيجة الخامسة عشرة: أن آخر ما نزل من القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى "وَاتَّقُواْيَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ".
    أما الاقتراح الذي اقترحه فهو أن يشكل المسلمون هيئة عليا من العلماء والقادة، للدفاع عن القرآن الكريم وحقوقه بحيث يكون للهيئة مقر ثابت في إحدى الدول الإسلامية، كالهيئات العالمية الأخرى.
    فهرس المصادر والمراجع
    1- اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر: للدكتور فهد بن سليمان الرومي، (بدون مكان طبع) ط (1) 1407هـ.
    2- الإتقان في علوم القرآن: لأبي الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: 911هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مكتبة دار التراث القاهرة ط (3) 1405هـ.
    3- أحكام القرآن: لأبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي (ت: 543هـ) تحقيق محمد علي البجاوي، دار المعرفة – بيروت (بدون ناريخ).
    4- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: لأبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت: 951هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ).
    5- أسباب النزول: لأبي حسن علي بن أحمد الواحدي (ت:468هـ) تخريج عصام بن عبد المحسن الحميدان، دار الإصلاح – الدمام ط (2) 1412هـ.
    6- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي (ت:1393هـ) طبع وتوزيع: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض 1403هـ.
    7- إعجاز القرآن: لأبي بكر بن الطيب الباقلاني (ت: 403هـ) تحقيق/ السيد أحمد صقر، دار المعارف – القاهرة ط (5)، 1401هـ.
    8- البرهان في علوم القرآن: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الزركشي (ت:794هـ) تحقيق د/يوسف عبد الرحمن المرشلي وزميليه، دار المعرفة – بيروت ط (1) 1410هـ – ومصوّرة دار المعرفة – بيروت بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (بدون تاريخ).
    9- التبيان في آداب حملة القرآن: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:676)، حققه وخرّج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، مطبوعات جمعية القرآن الكريم – جدة ط (2)، 1408هـ.
    10- تفسير التحرير والتنوير: لمحمد الطاهر بن عاشور (ت: 1393هـ)، دار التونسية – تونس 1404هـ.
    11- تفسير القرآن العظيم: لأبي الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت: 774هـ)، نشر: مكتبة المعارف – الرياض ط(1) 1406هـ.
    12- التفسير والمفسرون: للدكتور محمد حسين الذهبي (ت: 1397هـ)، دار الكتب الحديثة – القاهرة، ط (2) 1396هـ.
    13- تناسق الدرر في تناسب السور: لأبي الفضل عبد الرحمن السيوطي (ت: 911هـ) تحقيق/عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، ط (1) 1406هـ.
    14- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: لعبد الرحمن بن ناصر السعدي (1376هـ) مركز صالح بن صالح الثقافي – عنيزة ط (1) 1407هـ.
    15- جامع البيان عن تأويل آي القرآن: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري (ت: 310هـ) شركة مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي – القاهرة ط (3) 1388هـ.
    16- جامع الترمذي: لأبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي (ت: 279هـ)، مطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة ط (2) 1398هـ.
    17- الجامع لأحكام القرآن: لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (671هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ).
    18- حديث الأحرف السبعة: دراسة لإسناده ومتنه واختلاف العلماء في معناه وصلته بالقراءات القرآنية: للدكتور عبد العزيز القارئ، دار النشر الدولي – الرياض ط (1)، 1412هـ.
    19- الدر المنثور في تفسير المأثور: لأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:911هـ) دار الفكر- بيروت ط (1) 1403هـ.
    20- دلائل النبوة: لأبي بكر أحمد الحسين البيهقي (ت: 458هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت ط (1)، 1405هـ.
    21- روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني: لأبي الثناء محمود الألوسي (ت: 1270هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ).
    22- روضة الناظر وجنة المناظر: لأبي محمد عبدالله بن أحمد بن قدامة المقدسي (ت:620هـ)، دار الكتاب العربي – بيروت ط (1) 1401هـ.
    23- سلسلة الأحاديث الصحيحة: لمحمد ناصر الدين الألباني (ت:1420هـ) ، مكتب الإسلامي – بيروت.
    24- سنن أبي داود: لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت: 275هـ)، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد، دار الحديث للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت ط (1)، 1388هـ.
    25- صحيح البخاري: لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (ت:256هـ) ضبط وترقيم وعناية: د. مصطفى البُغا دار القلم – دمشق – بيروت ط (1) 1401هـ.
    26- صحيح مسلم: لأبي الحسين مسلم بن حجاج القشيري ( ت: 261هـ) تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ)
    27- صحيح مسلم شرح النووي: لأبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ت:676هـ) دار الكتب العلمية – بيروت (بدون تاريخ).
    28- طبقات المفسرين : لأبي الفضل عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:911هـ) تحقيق: علي محمد عمر، نشر :مكتبة وهبة – القاهرة ط (1) 1396هـ.
    29- طيبة النشر في القراءات العشر: لأبي الخير محمد بن محمد بن الجزري (ت:833هـ) مراجعة وتحقيق علي محمد الطباع، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – القاهرة، ط(1) 1369هـ.
    30- علوم القرآن: للدكتور عدنان زرزور، المكتب الإسلامي – بيروت، ط (2) 1404هـ.
    31- علوم القرآن بين البرهان والإتقان دراسة مقارنة: للدكتور حازم سعيد حيدر، مكتبة دار الزمان – المدينة ط(1) 1420هـ.
    32- غاية المنتهى في طبقات القراء: لأبي الخير محمد بن محمد الجزري (ت:833هـ) عني بنشره: ج. برجستراسر دار الكتب العلمية – بيروت ط(3) 1402هـ .
    33- فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ت:852هـ) تحقيق/ محب الدين الخطيب، دار الريان – القاهرة، ط(1) 1407هـ.
    34- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: لمحمد علي الشوكاني (ت:1250هـ) دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ).
    35- فنون الأفنان في عيون علوم القرآن: لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي (ت:597هـ) تحقيق د/ حسن ضياء الدين عتر، دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط (1) 1408هـ.
    36- القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (ت:817هـ) تحقيق : مكتب التراث في مؤسسة الرسالة – بيروت ط (2) 1407هـ.
    37- قرة الأبصار في سيرة المشفع المختار: (خ) للَّمطي عبد العزيز بن عبد العزيز الفاسي (ت: نحو 880هـ).
    38- الكشاف عن حقائق التنزيل: لأبي القسم محمود بن عمر الزمخشري (ت: 538هـ) مكتبة المعارف – الرياض (بدون ناريخ).39- لباب النقول في أسباب النزول:
    لجلال الدين عبد الرحمن بن الكمال السيوطي (ت:911هـ) دار إحياء العلوم – بيروت ط(4) 1406هـ.
    40- لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير: د.محمد الصباغ، المكتب الإسلامي – بيروت (بدون تاريخ).
    41- مباحث في علوم القرآن: للدكتور صبحي الصالح (ت:1407هـ)، دار العلم للملايين – بيروت، ط(16) 1405هـ.
    42- مباحث في علوم القرآن: لمناع خليل القطّان، مؤسسة الرسالة – بيروت ط (21) 1407هـ.
    43- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم النجدي وابنه محمد، توزيع رئاسة شؤون الحرمين – مكة مصورة عن الطبعة الأولى /1398هـ.44- محاسن التأويل: لمحمد جمال الدين القاسمي (ت:1332هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر – بيروت ط(2) 1398هـ.
    45- المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: لأبي محمد عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت: 546هـ)، تحقيق المجلس العلمي بفاس عام 1413هـ.
    46- مختار الصحاح: لأبي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي (ت: بعد 660هـ)مكتبة لبنان – بيروت، 1409هـ.
    47- المدخل لدراسة القرآن الكريم: د.محمد بن محمد أبو شهبة (ت: 1403هـ) مكتبة السنة – القاهرة ط(1) 1412هـ.
    48- مذكرة أصول الفقه: د. لمحمد الأمين بن المختار الشنقيطي (1393هـ) دار القلم – بيروت (بدون تاريخ).
    49- مراقي السعود: لسيدي عبد الرحمن بن حاج إبراهيم (ت: 1233هـ) طبعة فضالة- المغرب.
    50- المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم (ت: 405هـ) تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، توزيع مكتبة الباز- مكة ط (1) 1411هـ.
    51- مسند الإمام أحمد: لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (ت: 241هـ) دار صادر – بيروت (بدون تاريخ).
    52- معالم التنزيل: لأبي محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت:516هـ) تحقيق/ محمد عبد الله النمر وزميليه، دار طيبة – الرياض 1409هـ.
    53- مفردات ألفاظ القرآن: لأبي القاسم الحسين بن الفضل المعروف بالراغب الأصفهاني (ت: في حدود 425هـ) تحقيق صفوان عدنان داوودي. دار القلم – دمشق ط(1) 1412هـ.
    54- مقدمة في أصول التفسير: لأبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (ت:728هـ)، تحقيق د.عدنان زرزور، دار القرآن الكريم – بيروت ط(3)، 1399هـ.
    55- مناهل العرفان في علوم القرآن: لمحمد عبد العظيم الزرقاني (ت:1367هـ) دار إحياء التراث العربي – بيروت (بدون تاريخ).
    56- النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع: لإبراهيم المارغني (ت:1349هـ). (بدون تاريخ).
    57- النكت والعيون : تفسير الماوردي: لأبي الحسن علي بن حبيب الماوردي (ت:450هـ) تحقيق : خضر محمد خضر، منشورات وزارة الأوقاف الكويتية ط (1) 1402هـ.
    تم بحمد الله
    ............................

  7. افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بارك الله فيك يا أختي على هذا المجهود الرائع وجعله الله في ميزان حساناتك

  8. #8

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مجد الاسلام
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    بارك الله فيك يا أختي على هذا المجهود الرائع وجعله الله في ميزان حساناتك
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    بارك الله في عمركِ وعملك
    ............................

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. حمل برنامج نور القرآن الكريم لتفسير ونسخ آيات القرآن الكريم والاستماع
    بواسطة اسامة81 في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 11-09-2013, 03:02 AM
  2. مقطع يقطع الاحشاء نسئل الله الكريم من فضله
    بواسطة فدائى مرتقب في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-11-2013, 04:32 PM
  3. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 07-23-2012, 07:09 AM
  4. إعلان عن مقرأة على أصول رواية ورش وفرشها .. شارك أخي الكريم
    بواسطة عبدالملك السبيعي في المنتدى قسم الاستراحة والمقترحات والإعلانات
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 03-09-2008, 07:00 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء