النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: عناية العلماء بإبراز وجوه إعجاز القرآن

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي عناية العلماء بإبراز وجوه إعجاز القرآن

    عناية العلماء بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم

    1 مقدمة حول إعجاز القرآن
    2 القرآن كتاب هداية
    3 حال العرب قبيل نزول القرآن
    4 التحدي بالقرآن
    5 نشأة مبحث إعجاز القرآن الكريم
    6 لمحة تاريخية عن تطور هذا المبحث.
    7 خاتمة

    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي


    1 مقدمة حول إعجاز القرآن
    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا, والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن بل كان قرآنا يمشي على الأرض, النبي الخاتم المؤيد بالآيات البينات والبراهين الواضحات والمعجزات الباهرات, وأعظم آيات نبوته القرآن الكريم.
    قال صلى الله عليه وسلم: ( ما من نبي إلا أوتي ما على مثله آمن البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) متفق عليه. إنما: حصر التحدي بالقرآن.
    ومن تدبر قول الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء: 107 فهم سر التحدي بالقرآن دونما سواه, فالرسالة خاتمة والمرسل إليهم هم العالمون جنهم وإنسهم فاقتضت الحكمة أن تكون المعجزة باقية متجددة والتحدي بها يشمل الخلق إلى قيام الساعة. فبقي القرآن محفوظا لا تتغير منه نقطة واحدة إلى يوم الناس هذا.

    فإن سأل سائل : لكل كتاب غرض وغاية فما غرض القرآن وما غايته؟ وهل غرضه مجرد الإعجاز؟ قلنا:

    2 القرآن كتاب هداية
    ألا ترى الفاتحة التي هي منه بمنزلة المقدمة تدعو الخلق إلى طلب الهداية: إهدنا الصراط المستقيم. وتصف هذا الصراط المفرد الذي لا يتعدد بأنه مستقيم لا ترى فيه عوجا ولا أمتا. فلعلك يا قارئ السبع المثاني تقول, وأين أجد هذا الهدى وما صفة ذلكم الصراط المستقيم؟ فلا تلبث أن تقرأ مفتتح البقرة: ( الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) البقرة: 1-2 والأبلغ للقارئ الوقوف على لا ريب فيه. فيكون المعنى: ذلك الكتاب هدى. أي هو هدى كله.
    والتحقق بهذا الهدى القرآني يستلزم فهم معانيه: وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, لذا تعين على المكلف تعلم معاني كلام الله ودراسة طرف من التفسير.
    قال الله تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزل إليهم) النحل: 44 فبيان القرآن وتفسير ما أشكل منه على الصحابة يعتبر من أعظم خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. إذن البيان النبوي لآيات الكتاب هو البذرة الأولى لعلم التفسير. ثم تفرعت بعد ذلك مباحث وعلوم القرآن.
    ومن هذه العلوم القرآنية مبحث إعجاز القرآن الذي سنعرض لتاريخ نشأته وتطوره لاحقا.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي


    3 حال العرب قبيل نزول القرآن
    فتعالوا بنا ننظر في حال هؤلاء الذين أنزل عليهم القرآن ماذا كانوا يحسنون وفيم كانوا يتفاخرون:
    قال الجاحظ يصف العرب زمن البعثة: "كان أغلبُ الأمور عليهم وأحسنُها عندهم وأجلّها في صدورهم، حُسْنَ البيان، ونَظْمَ ضروب الكلام، مع علمهم له، وانفرادهم به، فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة منهم، وكثُر شعراؤهم، وفاق الناس خطباؤهم، بعثه الله عزّ وجل، فتحداهم بما كانوا لا يشكّون أنهم يقدرون على أكثر منه، فلم يزل يقرِّعهم بعجزهم وينتقصهم على نَقْصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم وعوامِّهم كما تبيّن لأقويائهم وخواصهم".حجج النبوة، رسائل الجاحظ 2/279.
    وهذه حقيقة حفظتها لنا كتب السير:
    ألم يقل الوليد بن المغيرة عن القرآن وهو من أساطين البيان وفحول العربية: "والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، وما هو بقول بشر؟" السيرة النبوية، ابن كثير (1/499)

    وهذا جبير بن مطعم رضى الله عنه لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ) الطور: 35-37 قال: (كاد قلبي أن يطير)، : أخرجه البخاري (4854) و(4023).

    4 التحدي بالقرآن
    قال الله تعالى:
    (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) الإسراء : 88
    وقال تعالى:
    (أَم يَقولونَ افتَراهُ قُل فَأتوا بِعَشرِ سورٍ مِّثلِهِ مُفتَرَياتٍ وادعوا مَنِ استَطَعتُم مِّن دونِ اللهِ إِن كُنتُم صادِقينَ، فَإِن لَّم يَستَجيبوا لَكُم فاعلَموا أَنَّما أُنزِلِ بِعِلمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلهَ إِلاَّ هو فَهَل أَنتُم مُّسلِمونَ) هود 11-12
    وهاتان الآيتان مكيتان.
    فدعاهم بادئ الأمر أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزوا تنزل معهم إلى الأخف فالأخف فتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله فلما عجزوا تنزل معهم في التحدي إلى أبعد مدى، فاكتفى منهم بأن يأتوا بسورة واحدة منه هكذا نكرة، دون تحديد السورة، طالت أم قصرت، وذلك في قوله تعالى في سورة البقرة، وهي آخر وأشد آيات التحدي وقعا على المشركين، إذ نزلت في الفترة المدنية:
    (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) البقرة: 23-24.
    ويبلغ التحدي مبلغا عظيما حين يبيح لهم القرآن أن يستعينوا بمن شاءوا ثم يبلغ منتهاه حين يقرر في ثقة ويقين عجزهم وقصورهم وأنهم لن يفعلوا ثم يتوعدهم بنار يكونون مع الحجارة وقودا لها.

    ومن علم أنفة العرب آنذاك ومبلغ حميتهم الجاهلية تبين له مدى شعورهم بالعجز والمهانة لتوالي هذه التقريعات عليهم في ميدان طالما كانوا فرسانه وفي فن لا يدانيهم فيه بشر, ألا وهو الفصاحة والبلاغة والبيان.
    انظر مثلا إلى قول عمرو بن كلثوم في معلقته:
    ألا لا يعلم الأقوام أنا ****** تضعضنا وأنا قد ونينا
    ألا لا يجهلن أحد علينا ****** فنجهل فوق جهل الجاهلينا
    فتأمل هذين البيتين الذين يعكسان نفسية العربي وقتذاك, لتعلم أنهم ما سكتوا عن معارضة القرآن زهدا بل عجزا, وأنهم استيقنوا أن الذي تكلم بهذا القرآن قد أتاهم بما لا قبل لهم به.
    فقعودهم عن معارضته وعجزهم أمام إعجازه وتخلفهم عن الإستجابة للتحدي مع قوة الداعي وتظافر الأسباب واستحكام العداوة كاف لإثبات وقوع الإعجاز بهذا الكتاب.

    وكثير من الملحدين يريدون أن يطفئوا نور هذا التحدي وذلكم الإعجاز بأفواههم, بمجرد الإنكار, فتارة يقولون, لا إعجاز في القرآن؟ وتارة يقولون السابقون كانوا قادرين على معارضته. وهم في إنكارهم وادعائهم لم يأتوا بجديد, بل هم عالة يقتاتون على سفر المشركين وموائد المستشرقين, يجترون ما قاله أسلافهم تشابهت قلوبهم.
    ونحن نسلم لهم أن أقواما راموا معارضة القرآن, ومن شاء اليوم الوقوف على ما جادت به قرائحهم فعليه بكتب الطرائف والنوادر تحت باب نوادر المتنبئين:
    "ادعى رجل النبوة في زمن خالد بن عبد الله القسري وعارض القرآن فأتى به إلى خالد فقال له ما تقول قال عارضت القرآن قال بماذا ؟ قال الله تعالى : إنا أعطيناك الكوثر ... الآيه . وأنا قول : إنا أعطيناك الجواهر ، فصل لربك وجاهر ، ولا تطع كل ساحر . فأمر به خالد فضرب عنقه وصلب . فمر به خليفة الشاعر فضرب بيده على الخشبه وقال : إنا أعطيناك العود ، فصل لربك من قعود ، وأنا ضامن لك ألا تعود ."
    وأسخف منه ما ينسب إلى كذاب اليمامة مسيلمة من قبيل قوله
    "والعاجنات عجنا ، والخابزات خبزا ، واللاقمات لقما ، إهالة وسمنا ، إن قريشا قوم يعتدون " فأين هذا الهذيان من كلام الرحمن؟ رغم أن هذين المفتريين إنما غيرا كلمات سورتي الكوثر والعاديات, ورغم بقاء صورة وترتيب الكلام الرباني فإن عجزهم ظاهر وقصورهم صارخ والسبب أن لا قبل لبشر بمحاكاة كلام خالق البشر.
    وآخر ما أوحته الشياطين إلى أوليائهم في هذا الزمان ما اسماه أصحابه عليهم لعائن الله تترى بالفرقان الحق الذي أوحي إليهم في تكساس زمن فرعونهم الصغير بوش, وكيف يوحى إلى علج أمريكي بكلام عربي؟ وقد امتلأ كتابهم الملفق الهجين بالكلام الفاحش والقول البذيء والعبارات الركيكة التي لا تدع مجالا للشك أن هذا الكلام لا يصدر عن بشر سوي لبيب فكيف يصح في الأذهان أن ينسب إلى رب الأرض والسماء, ومما تقرأه في وحيهم الشيطاني استهزاؤهم بنعيم الجنة بقولهم:
    "فهم في كهوف تعج بالقتلة والكفرة والزناة يتمرغون في حمأة الفجور، تلفحهم زفرات الغرائز، وتسوطهم شهوة البهائم، فهم في الرجس والموبقات غارقون وفي شغل فاكهون، متكئون على سرر مصفوفة، والمسافحات مسجورات في المواخر يطوف عليهم ولدان اللواط بأكواب الرجس والخمر الحرام..." إلى نهاية هذا الهذيان.

    وقد روي أن بعض الأدباء راودته الأماني في أن يعارض القرآن بكلام يدانيه في النظم والبلاغة والتناسب والمعاني, فما لبث أن نكص وأدبر وعجز وتوارى يتجرع الذل والمهانة, كيف لا و عقل المخلوق قاصر لا يلبث أن ينقلب إليه خاسئا وهو حسير إذا رام معارضة كلام الخالق العليم الخبير. وينسب شيء من ذلك إلى ابن المقفع والمعري والمتنبي.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي


    5 نشأة مبحث الإعجاز في القرآن

    مصطلح "إعجاز القرآن مركب إضافي من كلمتي: (إعجاز) و(القرآن))
    فما معنى الإعجاز؟ العجز لغة الضعف وأصله: التأخر عن الشيء وضده القدرة. وأعجزه الشيء فاته. وأعجزته أوعاجزته جعلته عاجزا. قال الله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء) العنكبوت: 22

    والإعجاز يحصل بأمر معجز, والمعجزة هي: "أمرٌ خارقٌ للعادة، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وهي إمّا حسّية وامّا عقلية". الإتقان 4/3.

    ووجه الإعجاز في معجزات الأنبياء أن الناس يعلمون أن الكون يسير على سنن مطردة لا تتخلف أبدا ولا تحابي أحدا. فإذا حدث خلاف ذلك علم الناس أن الفاعل يفعل ما يشاء وأنه فوق الأسباب وأن الذي يخرق الأسباب والسنن لا شك هو خالق الكون بما فيه من أسباب وسنن. واقتضت الحكمة أن تكون المعجزة من أرقى ما يحسنه المرسل إليهم, حتى تكون قاطعة لحجتهم كما حصل لسحرة فرعون, فإن فهمت ذلك تبين لك سر تحدي العرب بالقرآن فهم لم يكونوا يحسنون شيئا من الأمور المادية إحسانهم لصنعة البيان والبلاغة.

    مبحث إعجاز القرآن يبحث في خصائص هذا الكتاب ومزاياه التي جعلته وحيا معجزا.

    وإن شئت قلت موضوع مبحث (إعجاز القرآن) إثبات عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به القرآن، وهو أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله.
    وبعبارة أخرى: البحث في إعجاز القرآن يراد منه الكشف عن الأمور الدالة أنه من عند الله وأن الجن والإنس عاجزون عن معارضته.
    ولكن ما الغرض من هذا التحدي؟ وهل هو مقصود لذاته؟

    كلا, ليس هذا التحدي مقصودا لذاته.وإنما يقصد منه إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وإثبات أن هذا الكتاب حق من عند الله حتى يقبل الناس على هذا الكتاب الهادي إلى الصراط المستقيم مطمئنين أنه وحي صادق من الله.
    وقد عني العلماء قديما وحديث بهذا المبحث العظيم وتدارسوه خدمة لكتاب الله.
    ذكر القاضي أبو بكر الباقلانى( ت سنة 403 ) أن التأليف في بيان وجوه إعجاز القرآن أحق بالعناية من كثير من بديع الإعراب وغامض النحو.

    5 لمحة تاريخية عن تطور هذا المبحث

    الغرض من هذه النقطة بيان نشأة هذا العلم وتطوره.

    ذكر الرافعي في تاريخ آداب العرب أن مبدأ الطعن في القرآن، مقالة تُعزى إلى اليهودي لبيد بن الأعصم فكان يقول: إن التوراة مخلوقة؛ فالقرآن كذلك مخلوق. وتلقى مقالته هذه من نقلها و أشاعها، حتى كان ما كان من الفتنة العظيمة زمن الإمام أحمد.
    أفضى توسع رقعة الخلافة الإسلامية ودخول أفكار الأمم الأخرى إلى دار الإسلام إلى ظهور مذاهب وآراء تأثرت بحضارات الفرس والروم واليونان والهند. ولقد أسهمت حركة الترجمة زمان المأمون العباسي في تسارع هذه الظاهرة. فبدأ المتأثرون بالمذاهب الوافدة يطرحون إشكالات ويثيرون شبهات جديدة يوردونها على المسلمين. فانبرى لهم أهل العلم بالرد والبيان. ومن أهم الشبهات التي أثيرت حول إعجاز القرآن, القول بالصرفة وهو قول النظام من رؤوس المعتزلة (ت سنة 224ه‍.
    قال الخطابى : (وذهب قوم إلى أن العلة في إعجازه الصرفة ، أي صرف الهمم عن المعارضة ، وإن كانت مقدورا عليها).
    وقد رد على القائلين بهذا القول جمهرة من العلماء, سنعرض لبعضهم في ثنايا الكلام.
    وحسبنا أن القول بالصرفة ترده آية من القرآن نفسه: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الإسراء :88.
    فقد استنبط بعض المحققين من الآية أنها تدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم, فلو سلبوا القدرة لم يبق لهم فائدة من اجتماعهم. والآية أثبتت لهم القدرة متفرقين ومجتمعين. وهي نفسها دليل المعتزلة.
    والصواب أن القرآن معجز بذاته فهو كلام الله. وليس عجز الناس على معارضته بسبب أن الله أعجزهم. وهذه مسألة مهمة. إذن الإعجاز راجع إلى القرآن ذاته وليس إلى صرف الله الناس بقدرته عن معارضة القرآن.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي


    القرن الثالث
    وفي أواخر القرن الثالث الهجري وضع أبو عبد الله محمد بن يزيد الواسطي توفي سنة 306ه‍) كتابا سماه (إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه) ولعله أول كتاب استعمل مصطلح إعجاز القرآن.
    يقول الرافعي: "بيد أن أول كتاب وضع لشرح الإعجاز وبسط القول فيه على طريقتهم في التأليف إنما هو فيما نعلم كتاب "إعجاز القرآن" لأبى عبد الله محمد بن يزيد الواسطي"

    القرن الرابع
    ثم جاء القرن الرابع الهجري ، وفيه ألف أبو الحسن على بن عيسى الرماني توفي سنة 386ه‍) كتابا صغيرا سماه : ( النكت في إعجاز القرآن) وقد جاء في شكل جواب عن سؤال وُجِّه للرماني ، فلخص جوانب الإعجاز في وجوه سبعة منها ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة ، والتحدي للكافة ، والبلاغة. وفصل كثيرا في إعجاز القرآن البلاغي.

    وفي القرن نفسه كتب أبو سليمان الخطابي (ت سنة 388ه‍) الذي عاصر الرماني (بيان إعجاز القرآن) وفيه أشار إلى إختلاف الناس في موضوع الإعجاز القرآني ، وناقش القول بالصرفة ، وتعرض لما تضمنه القرآن من الإخبار عن غيوب المستقبل ، وعَدَّه نوعا من أنواع إعجازه ، ولم يعول عليه إذ أنه ليس بالأمر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن. وهذا الرأي يستحق النقاش, فها نحن نرى الباحثين المعاصرين يوسعون دائرة وجوه الإعجاز في القرآن لتشمل أمورا كثيرة لم يعتد بها القدماء.
    ثم انتقل إلى موضوع إعجاز القرآن الكريم في نظمه (سبق الجرجاني) وبلاغته، وفي الختام أشار إلى وجه في الإعجاز ذهب عنه الناس في رأيه وهو صنيع القرآن بالقلوب وتأثيره القوي في النفوس. وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالإعجاز النفسي .

    وجاء بعد ذلك واحد من أشهر من كتبوا في إعجاز القرآن وانتشرت كتبهم ، وهو الإمام أبو بكر الباقلاني (ت سنة403ه‍) فألف كتابه (إعجاز القرآن) وقد ذكر فيه جملة من وجوه الإعجاز متمثلة في : الإخبار عن الغيوب المستقبلة ، وقصص الأولين ، وبديع نظم القرآن ، وعجيب تأليفه ، وما فيه من الشريعة والأحكام التي يتعذر على البشر مثلها.
    ومن السمات التي ذكر الباقلاني اختصاص القرآن بها مغايرته لكل أساليب البيان والتعبير المعروفة فهو ليس شعرا ولا سجعا ولا مرسلا إرسالا لكنه نمط فريد لم يعهده البشر.
    ومنها أن القرآن في مجموعه في أعلى درجات البلاغة على تفاوت أغراضه ومواضيعه فآيات الأحكام والأخبار لا تقل بلاغة عن آيات المواعظ والقصص. وهذا لا يتأتى لبشر مهما علا كعبه في البلاغة.
    فالعرب إذا وازنوا بين شعرائهم ميزوا التفاوت بينهم في إتقان غرض معين.فأنت تراهم يضربون المثل بامرىء القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب.
    وحتى يزيد الباقلاني فكرته بيانا عمد إلى معلقة امرئ القيس وقصيدة للبحترى فأبرز ما يعتري البلاغة البشرية من تفاوت ونقص, فهي تحلق تارة وتهوي تارة ولا تكون أبدا على نسق واحد.

    القرن الخامس
    وفي القرن الخامس كذلك ألف الإمام أبو بكر عبد القاهر الجرجاني (ت سنة 471ه‍) كتابه (دلائل الإعجاز) الذي كشف فيه عن وجوه إعجاز القرآن كما رآها ، وأنها في بلاغته وفصاحته ، وردَّ فيه على المعتزلة قولهم بالصرفة ، وقد صرح بما يراه في إعجاز القرآن من أول الأمر ، فقال (أعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نظمه ، وخصائص صادفوها في سياق لفظه).
    وخلاصة رأي الجرجاني أن القرآن معجز بنظمه.
    وجوهر النظم عند عبد القاهر، أن تصاغ العبارة بطريقة تفصح تماماً عما في نفس قائلها، وتكشف عما يريد أن يوصله إلى مخاطبة، ولا يتم ذلك إلا إذا كانت عبارته صورة للمعنى القائم في نفسه.
    فالنظم تآلف الألفاظ والجمل مع دلالات المعاني البلاغية واللفظية وما معها من صلات نحوية عالية.
    ويمكن القول إن الجرجاني بلغ بمبحث الإعجاز البلاغي في القرآن مرحلة النضج التي تمثلت في كتبه: دلائل الإعجاز، والرسالة الشافية، وأسرار البلاغة.

    القرن السادس
    وفي القرن السادس خصص القاضي عياض (ت سنة 544ه‍) فصلا في الجزء الأول من كتابه : (الشفا بتعريف حقوق المصطفي)لإعجاز القرآن فذكر أقوال المتقدمين ثم عرض لوجوه أخرى إجمالا فقال (وقد عدّ جماعة من الأئمة في إعجازه وجوها كثيرة منها : أن قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة ، وترديده يوجب له محبه ، ولا يزال غضا طريا ، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ، ويُعادى إذا أعيد ، وكتابنا يستلذ به في الخلوات ، ويؤنس بتلاوته في الأزمات).
    تأملوا كثرة وجوه إعجاز القرآن في كلام القاضي عياض.

    القرن السابع
    وفي القرن السابع كذلك كتب القرطبى ( ت سنة671ه‍ ) فصلا في مقدمة تفسيره : ( الجامع لأحكام القرآن) ذكر فيه نكتا في إعجاز القرآن وعدد عشرة وجوه للإعجاز هي: النظم البديع ، والأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب ، والجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال ، والتصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي ، والإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله ، من أمي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه ، والإخبار عن المغيبات في المستقبل إلى آخر ما عده من ذلك.
    تأملوا كيف لم يحصر الإعجاز في الجوانب البلاغية.

    القرن الثامن
    وفي القرن الثامن ألف بدر الدين الزركشي (سنة 794ه‍) كتابه (البرهان في علوم القرآن) وضمّن مباحثه نوعا في معرفة إعجاز القرآن الكريم ، ثم ذكر أوجها للإعجاز من بينها : تأليف القرآن ونظمه الخاص به ، وكذلك ما فيه من الإخبار عن الغيوب المستقبلة ، وما تضمنه من إخباره عن قصص الأولين ، وإخباره عن الضمائر- أي السرائر- من غير أن يبدو من أصحابها ما أكنته ضمائرهم من قول أو فعل ، مثل قول الله تعالى : وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ (المجادلة : 8).
    كما نرى فالزركشي أيضا يذكر وجوها متعددة لإعجاز القرآن الكريم.

    القرن التاسع
    وفي القرن التاسع سلك برهان الدين البقاعي ( ت سنة 885ه‍) طريقة التطبيق في إظهاره لإعجاز القرآن ، فألف كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) حاول فيه الكشف عن سر التناسق بين آي وسور القرآن ، واجتهد في بيان المناسبة بين سور القرآن ، وهو من باب إعجاز القرآن في حسن تأليفه وتناسبه .
    وهذا المبحث الذي افتتحه البقاعي دليل على أن وجوه الإعجاز القرآني لا تنحصر, بل لا يزال العلماء ينهلون من معين هذا الكتاب العظيم ما ينكشف لهم به شيئا فشيئا بعض من أسراره وألوان من بديع إعجازه.

    القرن العاشر
    ثم كان القرن العاشر على موعد مع علم من أعلام القرآن وفارس من فرسان علومه وهو الحافظ جلال الدين السيوطي (ت سنة 911ه‍) صاحب (الإتقان في علوم القرآن) والذي بلغ بمباحث القرآن الثمانين مبحثا.
    وجعل إعجاز القرآن النوع الرابع والستين منها. ثم بسط الموضوع ملخصا لما دونه المتقدمون من أوجه الإعجاز القرآني.

    القرن الثالث عشر
    وفي القرن الثالث عشر ألف العلامة شهاب الدين الألوسي (ت سنة 1270ه‍) تفسيره الموسوعي (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) وجاء في مقدمته بعد أن ذكر وجوه الإعجاز التي ذكرها من تقدموه: (، والذي يخطر بقلب هذا الفقير : أن القرآن بجملته وأبعاضه حتى أقصر سورة منه معجز بالنظر إلى نظمه وبلاغته ، وإخباره عن الغيب ، وموافقته لقضية العقل ، ودقيق المعنى ، وقد تظهر كلها في آية ، وقد يستتر البعض كالإخبار عن الغيب ، ولا ضير ولا عيب ، فما يبقى كافٍ ، وفي الغرض وافٍ)
    فانظروا رحمكم الله كيف وسع دائرة الإعجاز لتشمل ما يستتر في زمان ثم يظهر في آخر كالإخبار بالأمور المستقبلة.

    القرن الرابع عشر
    القرن الرابع عشر شهد هجمة منظمة على الإسلام وعلى القرآن والسنة تولى كبرها المستشروقون وتلامذتهم من العلمانيين الذين هم مطية الإستعمار ومركبه وسدنته ومعاوله لهدم دين الإسلام ومحو معالم التوحيد. والإستشراق باختصار امتداد فكري للحرب العسكرية التي أدرك العدو أنه لن يخضع بها المسلمين لصفاء عقيدتهم ولإستمساكهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم, فعمد إلى تقويض هذه الأسس, أي العقيدة, والقرآن والسنة من داخل الإسلام وباسم الإسلام نفسه. فسرعان ما خلع الأعداء عدة الحرب والمبارزة ولبسوا لبوس العلم والمناظرة, فاستبدلوا الأقلام بالسيوف والصحائف بالدروع والكتب بالكتائب وقاعات المؤتمرات ومدرجات الجامعات بساحات النزال وميادين القتال.
    وكان ممن قيضهم الله للتصدى لهذه الحملة الشعواء مصطفي صادق الرافعي (ت سنة 1356 ه‍) فصنف كتابه القيم: (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية)
    يعرف الرافعي الإعجاز فيقول : (وإنما الإعجاز شيئان : ضعف القدرة الإنسانية في محاولة المعجزة ومزاولته على شدة الإنسان واتصال عنايته ، ثم استمرار هذا الضعف على تراخي الزمن وتقدمه ، فكأن العالم كله في العجز إنسان واحد ليس له غير مدته المحدودة بالغة ما بلغت).
    ويلخص تصوره لإعجاز القرآن فيقول : ( فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب ومعجز في أثره الإنساني ، ومعجز كذلك في حقائقه).
    وتعريف الرافعي للإعجاز أعم من تعاريف المتقدمين.
    ومن المعاصرين الذين أجادوا في هذا الباب الشيخ عبد الله دراز في كتابه القيم النبأ العظيم. وهو يبدأ مع الخصم الطاعن في القرآن من نقطة البداية. وإن شئت فقل إنه يبدأ معه من الصفر.
    فهو كتاب يأخذ بيد المتشكك الباحث عن الحقيقة ليترقى به شيئا فشيئا, يعرض الشبهات شبهة شبهة, ويفندها واحدة تلو الأخرى, فيصعد معه بروية وأناة درجة درجة, فيناقش الإشكال الذي يتوقع من الخصم إيراده في منهج واضح وتسلسل متين ولغة عذبة رقراقة قلما تجدها عند المتاخرين.
    وسنبدأ بإذن الله في مدارسة هذا الكتاب ابتداء من الأسبوع المقبل إن شاء الله.
    وإذا ضربنا صفحا عن كلام القائلين بالصرفة وجها للإعجاز تبينت الوجوه التالية من الإعجاز في كلام من ذكرناهم:
    1.الإعجاز باللفظ: بلغ المنتهى في الفصاحة: البلاغيون: فصاحة المفرد في سلامته من نفرة فيه ومن غرابته.
    2. الإعجاز بالمعاني: قول الجاحظ: الشأن في المعاني الألفاظ ملقاة على قارعة الطريق في كتاب الحيوان: لكن الشأن في الدلالة بالألفاظ على المعاني, لكن القرآن معجز بالأمرين.
    3. معجز في نظمه: النظم: التآلف: ألفاظ و معان و رابط بينهم في صور بلاغية ونحوية: الجرجاني. سبقه إليه الخطابي. أراد الرد على عبد الجبار المعتزلي في المغني الذي كتب فيه مجلدا في الإعجاز.
    4. إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه: أخبار ماضية ومستقبلة, تشريعات, هداية, يشكل على هذا القول: تحدي العرب فيما تميزوا به. خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به.
    هكذا نرى هذه السلسلة الذهبية المباركة من أهل القرآن التي امتدت عبر عصور الإسلام تنافح عن دين الله وتذب الأقوال الباطلة والآراء المتهافتة عن كتاب الله.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    المشاركات
    2,866
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    19

    افتراضي


    7 خاتمة
    القرآن كلام الله, والله ذو الجلال والكمال, فكذلك كلامه, فلكمال كلامه كان غاية في الإعجاز, فبركة القرآن لا يحدها حد ولا يحيط بها وصف, وكلما قصده المؤمن بنية خالصة وقلب حي مستعملا آلة الفكر والتدبر تكشفت له من المعاني والأسرار ما لم يخطر لمن قبله على بال.
    كلام الله لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق: قال الطحاوي: "علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر ومن وصف الله بشيء من معاني البشر كفر."
    فوجه الإعجاز بصفة عامة هو الصورة العامة للقرآن التي تميزه لأنه من كلام الله. فهو صفته. فلم تخرج أقوال العلماء المتقدمين والمتأخرين في ذكرهم لوجوه الإعجاز عن وصف خصائص كلام الله. لكن المحصلة أن الإعجاز راجع إلى أنه كلام الله وصفته. وكان مقاتل بن سليمان يقول‏:‏ لولا أن الله تعالى يسره ما استطاع أحد أن يتكلم بكلام الرحمن‏.‏.............
    فلقد رأينا في هذه العجالة أن مداومة تدبر القرآن ومدارسته على مر العصور وتطور العلوم واختلاف البيئات جعل حقائق هذا الكتاب العظيم تتكشف للناس شيئا فشيئا, فهو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد ولا تشبع منه العلماء ولا تمله الأتقياء. فالقرآن كلام الغني الوهاب, فكيف يحيط مخلوق بكلام من هذه أسماؤه وتلك صفاته, بل كلامه دائم عطاؤه لا ينقطع مدرار سناؤه لا ينتهي:
    قال الله عز وجل: ( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ) [الكهف: 109]
    فهذا من إعجاز القرآن الذي يجعله في كل زمان يعجز الخلق ويفحم الخصم فلا يدع عند منصف شكا أن هذا كلام الله لفظا ومعنى, كما استيقن السحرة في مجلس فرعون أن الحية التي ابتلعت عصيهم وأبطلت سحرهم حق لا تخييل فإن العقلاء أيقنوا أن هذا القرآن وحي يحيل العقل نسبته إلى مخلوق. والفرق أن القرآن معجزة باقية متجددة وعصا موسى معجزة مادية مؤقتة.
    فإذا كان السلف قد ركزوا على إعجاز القرآن في نظمه وبلاغته, فلإختصاص عصورهم بأفانين البلاغة والخطابة والبيان, ثم إن من جاء بعدهم كانت لهم مقاييس للنبوغ والكمال غير الملكات اللغوية. فأهل هذه الأزمنة يعظم في قلوبهم الكلام عن دقائق العلوم المادية والحقائق العلمية المجربة التي تزيح الستار عن أسرار هذا العالم من الذرة إلى المجرة كما كان يعظم في قلوب السابقين كلام البلغاء وفصاحة الفصحاء. ومن عجيب الأمر أن هذا القرآن كشف لأهل هذا الزمان أنه لا تزال فيه كنوز دفينة وأسرار خبيئة تجعله يفصح في جمل يسيرات وكلمات مضيئات جمعت بين دقة الوصف وطلاوة العبارة ورونق السياق ما كدت واجتهدت عقول الأذكياء في كشفه ووصفه قرونا متطاولة وأزمنة متباعدة. حتى إذا خرج العالم من مختبره فرحا بكشفه مزهوا بفتحه, خاطبه أهل القرآن بكلام الرحمن فقال نحوا من مقالة عالم الأجنة المشهور كيث مور الذي قال حين سمع الوصف القرآني لأطوار تكون الجنين: "إن التعبيرات القرآنية عن مراحل تكون الجنين في الإنسان لتبلغ من الدقة والشمول مالم يبلغه العلم الحديث."
    فانظروا كيف شهد للقرآن بالدقة والشمول وليس فقط بكشف الحقيقة العلمية. وإن كان مبحث الحقائق العلمية ليس موضوعنا ولكننا أشرنا إليه إجمالا لما رأينا من تعدد وجوه الإعجاز القرآني التي ذكرها أهل العلم الذين ذكرناهم في هذه الكلمة. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    تنبيه: هذا الموضوع جمعته معتمدا على فصول كثيرة من كتاب: عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم لمؤلفه محمد السيد جبريل, والكتاب موجود في موقع الشاملة وغيرها, فجزى الله الكاتب خيرا.
    {‏ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} إبراهيم: 41

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. إعجاز القرآن - الباقلاني
    بواسطة memainzin في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 05-27-2014, 09:39 AM
  2. عناية العلماء بإبراز وجوه إعجاز القرآن
    بواسطة هشام بن الزبير في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 10-06-2012, 03:33 PM
  3. وجوه الإعجاز في القرآن الكريم ..
    بواسطة مالك مناع في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 06-03-2010, 11:03 AM
  4. حوار حول القرآن الكريم وبعض وجوه إعجازه
    بواسطة أبو جهاد الأنصاري في المنتدى قسم الحوار عن الإسلام
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 04-29-2006, 02:07 PM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء