النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: أربع رسائل .. في البحث عن (طبيب) !!

  1. افتراضي أربع رسائل .. في البحث عن (طبيب) !!

    حينما كان التخدير علمًا جنينًا يتلمس طريقه من رحم الغيب إلى ميدان الجراحة، رحب به كثيرون بينما كان رئيس جراحي باريس ألفريد فلبو (1795 – 1867م) Alfred Velpeau فيمن وقف ليجهض هذا الخروج مستعملًا كل ما أتيح له من نفوذ، وكان مما قال: (الآلات القاطعة والألم في الطب الجراحي هما كلمتان متلازمتان إلى الأبد)(1).

    ما رأيك في رئيس جراحي باريس ؟! وهل أصابتك ذكراه بهيبةٍ وإجلال ؟! أم تراه سقط من نظرك سقوطًا لا يُرجى منه قيامٌ ؟! وجُرِحت مكانتُه جرحًا لا يؤمَّل لمثله التئامٌ؟! وما ذاك إلا من سطرين ذكرتُ فيهما موقفَه المؤيد لاستمرار الألم (إلى الأبد)؟!

    إن المريض يأتيك طالبًا العلاج، متوسمًا فيك حُسنَ الأخلاق ورفعة المنزلة، فإن أقبلتَ عليه باهتمامٍ، واهتممت لأمره وخبره، متواضعًا له، مخاطبًا إياه بلغةٍ يفهمها، وحفظت له سره، وحافظت على ستره، وحدثته ناصحًا، ونصحته صادقًا، وراعيت شعوره، وشعرت به فلم تكلفه ما لا يحتاجه، إن فعلت معه ذلك ازدانت أخلاقك في عينيه حسنًا، وازدادت منزلتك في قلبه رفعة، وإلا سقطتَ من نظرِه كما سقط "ألفريد فلبو" من نظرك بجملةٍ واحدة!!

    يعتذر بعضنا هنا بعذرٍ غير مقبول، وهو أن شدة انشغالهم وكثرة مشاغلهم هي مبررهم لترك الإحسان في معاملة مرضاهم، وتلك -لعمرك- حجة داحضة، وما فعل المريض حتى تزيده ألمًا وحزنًا لأن مشاغلك قد زادت؟! ومن قال إن الطبيب يمدح بحسن الخلق إن كان حسن خلقه مرتبطًا براحة باله وصفاء مزاجه؟! إنّ الشأنَ الحقيقَ والمعنى الرئيسَ والمعدنَ الأصيلَ يظهر وقت الشدة، فإن كان حسن الخلق لا يظهر إلا وقت الرخاء فليس هذا مما يستحق المدح والثناء، إنما الشأن في ظهور حسن الأخلاق وقت الانشغال، ولو استشعر الطبيب أن المريض أولى بالعذر منه لما يمر به من ظروفٍ مرضيةٍ لكان ذلك أدعى أن نحسن إليه ونخفض له جناح الرحمة!

    إنها - إذن - عبرةٌ لكلِّ لبيب، فقد تكون -في مستقبلك- عظيمًا كما تأمل أن تكون، وقد تبلغ -في عصرك- مكانة رئيس جراحي باريس في عصره، ثم يذهب بهذه المكانة ويعصف بها موقفٌ واحدٌ تعادي فيه تخفيف الآلام، وتبدد تلك العظمة جملةٌ ترددها مؤكدًا على رضاك بألم المريض بين يديك، فتصبح بعد العظمة محل استنكار، وتمسي على ما فعلت نادمًا، وأظنك -أخي الطبيب- لبيبًا وصلتك رسالتي، وعدّها معي الرسالة الأولى!!

    أما الرسالة الثانية فهي في الحديث النبوي (من تَطَبَّبَ ولا يُعْلَمُ منه طِبٌّ، فهو ضَامِن)(2) ، وهي رسالةٌ مبناها كلماتٌ قليلة ومعناها أحِكَامٌ كثيرة، رسالةٌ ترسم لنا حدود ما نحن مقبلون عليه في الحياة المهنية، فتبيِّن أن الأصل (براءة ذمة الطبيب، وأن العهدة في إثبات مُوجِب المسؤولية إنما تقع على المدعي، كما هو مقرر في القاعدة "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر")(3) ، كما تبين أن ثمّة خطوطًا حمراءَ من التقصير والإهمال من تجاوزها فقد استحق العقوبة، وعلى ذلك فما نحن بصدده ليس يسيرًا ولا هيّنًا، ولم يعد أمامنا اختيارٌ فيما يتعلق بتحصيل العلم والتدرب عليه من عدمهما.

    لقد كنّا فيما مضى - في الجامعة - متخذين سبلًا شتى، ولعلك توافقني على أن ليس منّا واحدٌ كان له من التعلم ما كان لغيره، فبيننا من يفتخر بقراءته عشرات المراجع الطبية وقدرته على تأسيس قراره علميًّا، كما أن بيننا من يعتد بحضوره عشرات العمليات الجراحية وملاحظته العديد من الحالات سريريّا، وثَمَّ من أخذ من هذا ومن ذلك على قدر استطاعته، وهناك من اكتفى بأن يكون "ناجحًا ومنقولًا إلى الصف التالي!!"، ومنا - مع الأسف - من حاصل خبرته لا يتعدى "إعطاء حقنتين في العضل مع تشخيص خُرَّاجَيْن حيث أعطى!!"، لقد كان لك اختيارٌ -فيما مضى- أن تتعلم أو تهمل، أن تتدرب أو تجهل، أن تسأل أو تخجل، ولن تكون النتيجة - أيًّا كان اختيارك - متعلقةً بحياة إنسانٍ بصورةٍ مباشرة، أما الآن فلا سبيل إلا سبيل التعلم والتدرب والسؤال، لتستطيع اتخاذ القرار العلمي، والذي على أساسه تتعامل مع المريض سريريًّا أو جراحيًّا أو معمليّا أو كيفما كان التعامل.

    كما ينبغي أن يراعي الطبيب الجانب الروحي للمريض كمراعاته الجانب العضوي، ليس من باب الفضل والتفضل بل من باب أداء الواجب؛ يقول د.كارل يونج ( كان ثمة إلى هذه الساعة زعمٌ شائعٌ في التطبيب مُؤدّاه أننا نستطيع وأنّ علينا مداواة المرض ومعالجته بحد ذاته، بيد أننا صرنا نسمع في الآونة الأخيرة أصواتًا مسؤولةً تخطِّئ هذا الرأي؛ داعيةً إلى معالجة الشخص المريض لا إلى معالجة المرض، تلك ضرورةٌ تفرض نفسها علينا أيضًا في معالجة الأدواء النفسية، فإمعان النظر في المرض المرئي لا يشكّل شيئًا إذا لم تشمل نظرتنا الفرد بكليته)(4).

    والرسالة الثالثة تتعلق بآداب المعاملة بيني وبينك، بين الطبيب وزميله، فإني أحب منك - كما تحب مني - أن تكون القلوب عامرةً بالمحبة والتقدير والاحترام، وإنزال الناس منازلهم، والبراءة من الغل والحقد والبغض، وأحب منك إن رأيت مني غلطًا أن تصوب لي برفقٍ ولين، وأحب لك أن تتقبل نصحي بصدرٍ رحب، ولا تكتمني علمًا سألتك إياه، ولا أكتم فضلًا لك عليّ، و (من المعلوم أن مجال الطب مجال اجتهادٍ واسع، وقد يجانب الطبيب التوفيق أحياناً في اختيار علاجٍ أو تشخيص حالةٍ، أو قد يستعصي عليه الأمر بالكلية، بل قد تقع منه أخطاء يسيرة لا تضر في نفس الأمر، فيجب على الطبيب الذي يقع على شيءٍ من أخطاء زملائه التي لا تضر في نفسها أن يستر على أخيه بما لا غش فيه للمريض ولا ضرر، بخلاف ممارسة بعض الأطباء الذين لا يلبثوا أن يكتشفوا زلةً يسيرةً لطبيبٍ آخر حتى يبادروا إلى تجريحه واتهامه في علمه وفهمه وتوهين ثقة المريض به .. ومحل الستر ها هنا هو فيما لا يضر بالمريض مما هو مسلكٌ سائغ في مجال الطب وإن كان خلاف الأولى، أو كان خلاف مسلكٍ طبيٍّ آخر مما هو مغتَفَر في نفس الأمر، أما إذا كان الخطأ مما يضر بالمريض أو يستلزم كشفه له فمحل الستر هنا هو عدم الإفراط وتجاوز الحد في اتهام الطبيب، وإنما البيان على قدر الحاجة، فتنبه إلى هذا الخُلُق فإنه بين الأطباء اليوم نادرٌ جدًّا)(5).

    والرسالة الأخيرة ففي شأن الطبيب في نفسه، فلا ينبغي أن يكون إلا مخلصًا في عمله، طالبًا به رضا ربه، غير مقصرٍ في المعرفة المتعلقة بمهنته، وَفِقْهِ ما يحتاج إليه في عمله، متواضعًا في غير ذل، يصون نفسه عن سفاسف الأمور وصغائرها من غير كبر، لا يترك بابًا -يقدر عليه- من أبواب العمل الخيري والإغاثي إلا وطرقه، وأقبل عليه وما تركه، (يختار من كل شيءٍ الأفضل والأكثر ملاءمة، ألا يكون عنيدًا أو مهذارًا أو طائشًا متكبرًا، وألا يكون مغتابًا، ولا سوقيًّا أو متكلفًا في زيه، وألا يغتر بنفسه إذا ما وضع في منزلة أعلى من الآخرين)(6).

    تلك رسائلُ مختصرةٌ تتعلق بما أراه لازمًا في زاد الرحلة، ولو تأملتها – حق التأمل – لوجدت فيها ما لو بُسِطَ فيه القول لخرج عن حد الاختصار إلى ما لا يسمح به المقام، ولعلك – وأنت الطبيب الأريب – أن تضاعف العائدة وتتمسك بالفائدة، فتكون هذه الكلمة المختصرة دافعًا للقراءة في آداب الطبيب وأخلاقه، وما ينبغي له وما لا يجوز عليه، عازمًا على التنفيذ عسى أن يكون لك بنيتك أجرٌ إن حال بينك وبين التنفيذ حائل سوء، وإلا فالظن بك أن تترجم ما علمتَ من الخير إلى أرض الواقع دون إبطاء.

    -----
    (1) تاريخ الطب: 272.
    (2) حسنه الألباني بمجموع طرقه: ( سلسلة الأحاديث الصحيحة : حديث 635 "2/ 226").
    (3) الخطأ الطبي مفهومه وآثاره : 17.
    (4) الإنسان يبحث عن نفسه : 29.
    (5) حلية الطبيب المسلم : 32 مختصرًا.
    (6) بواسطة تاريخ الطب: 88 بتصرف.
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  2. افتراضي

    كنت أقلّب في بعض الملفات، فوجدت هذا المقال الذي كتبته ليوضع في كتاب إحدى الدفعات الطبية، فقلت أنشره هنا عسى أن ينتفع به أحد!
    " أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ "
    صفحتي على الفيسبوك - صفحتي على تويتر.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2014
    الدولة
    ليبيا
    المشاركات
    1,106
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    هناك تطورات تتلاحق فى علم الطب...
    واما التخدير فأصبح متطور جدا ...واصبحت تستخدم غازات لازالة الخوف ,,كغاز الثيروكسين :يريح المريض ويهدئه
    مع استخدام مخدر موضعى محاصر للألم بشكل دقيق يعتمد على تكنولوجيا النانو

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء