النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، إعداد: بوودن دحمان.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    20
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، إعداد: بوودن دحمان.

    المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين
    إعداد: بوودن دحمان
    الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله، و على آله و صحبه ومن اتبع هداه، و بعد:لقد حاول علماء الانثروبولوجيا دراسة الإنسان من جميع جوانبه، و قد أخذ الجانب الديني النصيب الأوفر من تلك الدراسة، وبخاصة تلك المسألة التي تتعلق بأصل الدين: هل هو من وحي الإله أم هو من اختراع البشر؟ وبالرغم من اختلاف أنصار القول الثاني في مقدماتهم، إلاّ أنّ نتائج أبحاثهم كلها تنصّ على أنّ الحياة الدينية كانت في بداية الأمر ساذجة سذاجة الإنسان البدائي(؟!) فقد كانت تقوم -بزعمهم- على الخرافة و تعدد الآلهة، ثم ما فتئت تتطور شيئا فشيئا حتى توصل الإنسان إلى معرفة التوحيد وعبادة الإله الواحد، و سأحاول بتوفيق الله من خلال هذه الأسطر الموجزة تقديم نقد داخلي و خارجي على تلك الترّهات، التي في الحقيقة يُغني بطلانها عن إبطالها و فسادها عن إفسادها.
    ذهب أصحاب النظرية الطبيعية إلى القول بأنّ بداية الدين تعود إلى تلك الظواهر الطبيعية الباهرة و المخيفة-كالكسوف والزلازل و البراكين و الرعد و غير ذلك- فقد كان الإنسان البدائي يجهل سبب حدوثها، فأورثه ذلك خوفا من الطبيعة وظواهرها، ولذلك قَصَدَ استرحامها بألوان من العبادات و الطقوس، و هكذا كانت بداية الدين بحسب هذه النظرية و الرد عليها من وجوه، نقول: حتى لو كانت تلك الظواهر جدّ مخيفة، فإنّ علماء النفس يؤكدون أنّ الشيء المخيف يصير مع الوقت أمرا عاديا -شهد شاهد من أهلها- ثم أليس يوجد في الطبيعة إلاّ ما يخيف؟! ألا يوجد في الطبيعة من الظواهر ما يدعو إلى الإيمان ويبعث الأمان إلى النفس؟ بلى يوجد الكثير و لكن الملحد ينظر بعين واحدة عوراء...و أمّا دعوى جهل الإنسان البدائي بتلك الظواهر هو السبب الذي دعاه إلى عبادتها، هي دعوى يكذبها الواقع، فنحن اليوم نعرف سبب حدوثها بل و نتنبأ بها، و مع ذلك يفرض الدين وجوده أكثر من أي وقت مضى، و من جهة أخرى: إذا كان الإنسان البدائي عبد عناصر الطبيعة العظيمة لانبهاره بها، فلماذا إذا عبد حقائر الأشياء كالأحجار و الحشرات؟! فكل هاته التساؤلات كافية للحٌكم على هذه النظرية بأنّها متناقضة في مضمونها.
    وأمّا دوركايم مؤسس النظرية الطوطمية فيقول أنّ الدين في نشأته يعود إلى تلك الاجتماعات التي يقوم بها أهل قبيلة ما حول رمزا ماديًا يدعونه "الطوطم" و تظهر الحياة الدينية خصيصا في تلك الرقصات الصاخبة إلى درجة اللاوعي، مستدلاً بذلك على حلول الإله في الشخص! لكن الدراسة التحليلية للنظام الطوطمي أثبتت بأنّه نظام سياسي، اقتصادي... غايته الحفاظ على روح القبيلة ووحدتها، و أمّا الدين فلا أثر له هنالك، ناهيك عن القيم الأخلاقية، ثم إنّ الدين حاجة فطرية قبل أن يكون ضرورة اجتماعية، فكيف هو إذًا دين الرجل الأول قبل أن تتكون تلك المجتمعات؟ و إذا كان الدين و ليد تلك الاجتماعات القبلية حقا، فكيف نفسر تلك العبادات الفردية في هذه الأديان القديمة و الحديثة على حد تعبيرهم؟ إنّ اقتصار دوركايم في دراسته هاته على بعض القبائل الأسترالية ثم تعميم نتائجه على كل أمم الأرض، تعتبر دراسة عرجاء ليس لها قدم تقوم عليه و لا جناح تطير به.
    و أما النظرية الروحانية فترى أنّ أساس نشأة الدين هو عبادة الأرواح، فتعاقب النوم و اليقظة أثبت وجود الروح و خلودها، حيث أنّ الإنسان يرى في منامه أناسا ماتوا منذ أمد بعيد، و لما كان الموت هو الذي يفصل الروح عن الجسد، كان ذلك الجسد المدفون في قبر ما موضع تقديس، تذبح عليه القرابين و تؤدى فيه الطقوس و الشعائر، و هكذا ظهر الدين في صورة عبادة الأسلاف!و يكفي للرد على هذا الزعم الباطل أن نقول: لماذا إذًا وجدت قبورا لم تُعبد؟! أليس الواجب على قانون هذه النظرية أن تُعبد كل القبور ما دام لكل إنسان روح؟ ثم إنّ تجربة الأحلام في حد ذاتها غير كافية للتدليل على وجود الأرواح المقدسة، وذلك لما يعتري الأحلام من الأضغاث و الفوضى، فقد يرى المرء في منامه شيء يخيفه، ثم يراه في اليوم التالي على حال يسخر منه، الأمر الذي يتنافى ابتداءً مع مفهوم الدين، الذي يقتضي وجود علاقة خضوع بين الدَّائن و المدين له.
    و لو ألقينا نظرة خارجية على هذه النظريات التطورية للدين، لعلمنا يقينًا أنّ مكمن الخطأ فيها واقع أساسًا من حيث المنهج المتبع، و ذلك أنّ الإنسان الأوروبي لما تطوّر ماديًا و بَدَأَ في تحقيق شيء من القُدرة على التحرك من موطنه إلى أماكن مُوغلة في البُعد، تعرّف على شعوب متخلّفة وبدائية، فطرأت عليه فكرة مفادها أنّه عند دراسة هؤلاء الأقوام ربّما كان بإمكاننا تتبع ما كان عليه أسلافنا في المراحل التاريخية القديمة، ومن هذا المنطلق حاول علماء الانثروبولوجيا رسم سلم التطور للمجتمعات الإنسانية من أوطأ درجاته، وذلك باعتبار المجتمعات البدائية المعاصرة أولى تلك الدرجات، ثم تعاملوا معها على أنّها نوع من المتحجرات الاجتماعية، بمعنى أنها نسخة مُجمّدة لما كانت عليه حالة الأسلاف، وعليه فَفَهم هذه المجتمعات البدائية المعاصرة -كتلك التي تكون في الأدغال و الأرياف- يؤول بنا في النهاية إلى فَهم ما كان عليه الأسلاف، إذًا فالمطلوب الآن هو فهم الحالات الأكثر بساطة، حتى تكون المادة الأولية لتتبع مسار تطور مفهوم البشرية للدين، و هذا ليس بصحيح، لأنّ اعتبار المجتمعات البدائية المعاصرة على أنها نسخة مجمدة لما كانت عليه حالة الأسلاف، يعتبر تناقضًا مع الواقع،خاصة مع القول بتعاقب الحضارات، لأنّه لا أحد يجزم أنّ تلك الديانات القديمة كالسومرية و البابلية هي ديانات أصيلة لم يطرأ عليها أي تغيير وتبديل -كما هو الشأن في اليهودية و النصرانية- فالتاريخ لم يحفظ لنا أنّ حضارة من الحضارات دامت لآلاف السنين واستطاعت رغم ذلك الحفاظ على هويتها من غير تأثر بالحضارات الخارجية.
    ورغم ذلك المجهود الذي قام بها بعض الرحّالة في سبيل اكتشاف مجموعات إنسانيّة ليست لديها أيّة مفاهيم دينية، إلا أنّ مفهوم الإيمان بقوى فوق الطبيعة ووجود تصورات ميثالوجية حول خلق الكون كانت موجودة بصورة أو بأخرى في كل المجتمعات البشريّة، حتى في تلك المجتمعات الأكثر بساطة، مثل قارة أستراليا التي تشكِّل المهاد الأساس لدراسة الديانات في أشكالها الأولية، فالآثار تدلّ على أصالة الفكرة الدينية وقدمها قدم الإنسان، فقد تخلو القرى الآثارية من المسارح و القصور و الأسواق...لكنها لا تخلو أبدا من المعابد، وبالتالي فلا يوجد أي تبرير منطقي للقول بأنّ هذه الديانة أقدم من تلك، ليس هذا فحسب، بل إنّ الآثار تدلّ على اشتراك المجتمعات المتباعدة جغرافيا في العديد من المعتقدات، كالإيمان بالملائكة و قصة الطوفان و خلق الإنسان من تراب و البعث بعد الموت..وهذا يدلّ على أنّه كان في تلك المجتمعات المتباعدة أنبياء يبلغون رسالة الله إلى الخلق، لأنّ لب الرسالات واحد و إنما الاختلاف يكمن في الشرائع كما هو معلوم.
    ومن أكبر المغالطات الأنثروبولوجية في دراسة الدين، القول بأنّ المجتمعات المتخلفة تقنياً لابد أن تكون نظمها الاجتماعية والدينية بدائية مثل تقنياتها،إلاّ أنّ العديد من علماء الانثروبولوجيا أثبتوا نقيض ذلك، فقد وجدوا أنّ كثيراً من نُظُم و أَنساق المجتمع البدائي كانت متطورة جدا -كنظم الإدارة و الفن و الحريات الفردية وغير ذلك- وفي المقابل فإن الواقع اليوم يشهد بوجود فريق من الناس يعيش حياة مادية جدّ راقية، و مع ذلك يعتقد أمورا ساذجة و يعبد أشياء تافهة -كالأبقار و الفئران-ولهذا فإنّ قياس التطور الديني -من التعدد الساذج إلى التوحيد المعقول- بالتطور المادي -من عصر المغارات إلى عصر القصور الشامخة- يعتبر قياس مع الفارق، بل هو قياس فاسد لعَدم وجود طبيعة مشتركة بينهما.
    وأمّا محاولة الوصول إلى الحقيقة المطلقة حول بداية الدين عن طريق الحفريات وفك الرموز الموجودة على القبور و الجدران، فهي أيضا إحدى المغالطات المنهجية في دراسة الدين، لأنّ الدين أو المعتقد ليس شيئاً حسياً نستطيع وصفه، بل هو شيء يُعرف بما يُعبّر عنه صاحب المعتقد أو ما نفهمه من صاحب المعتقد نفسه، فهو لا يُعرف إلا من خلال الكلمات و السلوكيات التي تدلّ عليه، ولهذافإنّ تلك المعلومات التي تحصلوا عليها بتلك الطريقة هي في الحقيقة إلى الوهم و الظن أقرب منها إلى العلم و اليقين، و من جهة أخرى فإنّ ميلاد الكتابة بكل أشكالهاحديث جدًا بالنسبة إلى عمر الإنسان، و عليه فإنّ الإشكال لا يزال يطرح نفسه: كيف هو دين الرجل الأول قبل ظهور الكتابة بآلاف السنين؟ إنّ الإنسان و بكل ما توصل إليه من تقنيات المعرفة يقف عاجزا عن تقديم إجابة شافية لهذا السؤال، لأنّ هذا المجال الزمني ينتمي إلى حيز الغيب الذي لا يُعلم إلاّ عن طريق الوحي.
    و مما يدلّ على تخليط القوم، أنهم جعلوا "اخناتون" مكتشفا للتوحيد، وذلك لأنّه قام بتحطيم كل الآلهة التي كانت بمصر القديمة إلاّ الإله "آتون" فقد أبقى عليه وجعله أكبر الآلهة هنالك، و الحق أنّ الحامل له على هذا هو الحفاظ على أمن مصر ووحدتها باعتباره حاكمًا للبلاد، ثم إنّ صنيعه هذا لا يُخرجه من دائرة الشرك قيد أُنملة، فضلاً على أنّ إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام قد سبق اخناتون بآلاف السنين.
    و في الختام أقول:إنّ البحث في هذا الموضوع لا يستقيم إلا بعد التسليم بوجود خالق حكيم لهذا الإنسان، وهو أمر ثابت بالضرورة العقلية، ويترتب عليه نتيجة منطقية مفادها أنّ الله لم يخلق الإنسان سُدىً ولم يتركه هملاً، بل أرسل إليه الرسل و أنزل عليه الكتب ليُجيبه على كل تلك التساؤلات التي تُناشد غريزته: من أوجدني؟ ماذا يريد مني؟ ماذا ينتظرني بعد الموت؟... ولهذا فقد جاء الدين الحقّ بالتوحيد الخالص الموافق للفطرة، وأمّا تلك الشركيات و الوثنيات التي اعتبرها علماء الانثروبولوجيا بداية الدين و أصله، ما هي في الحقيقة إلا أعراض طارئة على التوحيد، كان سببها غواية إبليس اللعين الذي ساعده على ذلك جهل الناس و إعراضهم عن الوحي الإلهي، وقد استخدم علماء الانثروبولوجيا هذه الأعراض من أجل تثبيت نظرياتهم، لكنها لم تكن نظريات مليئة بالمغالطات فحسب، بل لقد كانت انتقائية تماما، وذلك لأنّ الرواد الأوائل لهذا العلم في أوربا كانوا مدفوعين بدافع البحث عن بدائل للانهيارات في المؤسسات الدينية بسبب الثورة الصناعية و الثورة السياسية التي حصلت منذ منتصف القرن الثامن عشر، فكانوا كأنهم يبحثون عن علم أخلاق بديل للأخلاق التي كانت تفرضها المنظومات الدينية، ولو أنهم توجهوا لدراسة الدين الإسلامي بعناية وحسن قصد، لَقَادهم ذلك إلى امتلاك تصورات صحيحة عن الكون و الحياة، و الحمد لله أن هدانا لدين الإسلام العظيم و اتباع هدي سيد المرسلين،صلى الله عليه و على آله و صحبه و من اقتفى أثره إلى يوم الدين. "لاتنسونا من صالح دعائكم"
    التعديل الأخير تم 09-16-2016 الساعة 09:21 PM السبب: تنسيق النص

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    3,521
    المذهب أو العقيدة
    مسلم
    مقالات المدونة
    3

    افتراضي

    بارك الله فيك
    لا يحزنك تهافت الجماهير على الباطل كتهافت الفراش على النار ، فالطبيب الحق هو الذي يؤدي واجبه مهما كثر المرضى ، ولو هديت واحداً فحسب فقد أنقصت عدد الهالكين


    العجب منّا معاشر البشر.نفقد حكمته سبحانه فيما ساءنا وضرنا، وقد آمنا بحكمته فيما نفعنا وسرّنا، أفلا قسنا ما غاب عنا على ما حضر؟ وما جهلنا على ما علمنا؟ أم أن الإنسان كان ظلوماً جهولاً؟!


    جولة سياحية في جزيرة اللادينيين!!


    الرواية الرائعة التي ظلّت مفقودة زمنا طويلا : ((جبل التوبة))

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2016
    الدولة
    الجزائر
    المشاركات
    20
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    و فيك بارك الله أخي.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء