النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: ما بعد العلمانية (1) : مفهوم الحياد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,241
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي ما بعد العلمانية (1) : مفهوم الحياد

    تزامن ظهور العلمانية مع سطوع نجم العلوم التجريبية في عصر النهضة واعتبرت مكون من المكونات الرئيسية للحداثة الغربية فهي تجسيد للحداثة في مجال السياسة هذا ما يؤكده آلان تورين بقوله أن العلمانية تتطابق مع الحداثة السياسية. ولهذا لا نستبعد التعريف الذي يقدمه أنصارها باعتبارها: «دعوة إلى الإعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس ونبذ كل ما لا تؤيده التجربة والتحرر من العقائد الغيبية التي تحول بينه وبين الوصول إلى أحكام موضوعية محايدة»[1]..فمنتجات الحداثة كانت سمتها الأبرز الأخذ بنسق ما كمعيار ومحاولة تعميمه، فكانت عبارة عن أنساق يتلاشى فيها الإنسان في حتمية كونية حيث أن أي نسق اجتماعي أو سياسي يجب أن يتكيف مع بيئته وأن يتحرك لكي يحقق أهدافه بانسجام بين مكوناته، والعلمانية من جهتها تفترض أن المجتمع قابلاً للعقلنة والترشيد والضبط والتقييد أي يجب أن يكون نسخة من العالم الطبيعي في رضوخه للقوانين والضبط والتحكم، فكان طموحها بلوغ الموضوعية في التشريع وسن معايير أخلاقية ومعايير عامة تستبعد المعايير الشخصية والذاتية باعتبارها تقدح في الموضوعية والعقلانية وهو تقليد فلسفي موروث من عصر النهضة والثورة على ذاتيات الكنيسة إلى حدود النصف الأول من القرن العشرين ولهذا كانت الدراسات السياسية التقليدية خلال تلك الحقبة تستند إلى أدبيات يغلب عليها طابع الدليل الموضوعي عوضا عن المفاهيم الذاتية..إلى أن جاءت الثورات العلمية وقلبت الإبستيمولوجيا التقليدية رأسًا على عقب حيث تبين أن الباحث في الظواهر الطبيعية يؤثر في الظاهرة محل البحث كما تعتريه نقائص وقيود بيئية تفرض عليه عدم الإحاطة بالصورة الكاملة فكأن هناك جزء محجوب لن يستطيع الإنسان بلوغه وليس أمامه إلا الإحتمالات، ولهذا السبب قام أنموذج معرفي جديد في الغرب يقوم على التشكيك في المفاهيم العالمية universalism والحتمية الأحادية monodeterminism والموضوعية objectivity والتصنيفية comparatmentalism وأنشأ على أنقاضه انموذج جديد يقوم على الثقافية culturalism والفعل الاجتماعي social action والذاتية subjectivity -انظر مقال: ما وراء الفيزياء إيديولوجيا الحداثة وما بعد الحداثة- وسلم بذلك علماء السياسة بالنسبية والإحتمالية وأفسح المجال للإقرار بدور الإرادة الإنسانية في صياغة وتعديل القانون الإجتماعي. وعلى هذا الأساس اعتبرت مناهج العلوم السياسية التي وصمت في حقبة الحداثة بالموضوعية والعلمية بالذاتية والمتحيزة ولا تعدو نتائجها أكثر من رؤية تنتصر للعرق ethnocentrism أو مدفوعة بأهداف خاصة انتصارًا لايديوليجيات معينة. ومع بداية الألفية الثالثة ظهرت بوادر دعوات إلى إصلاح علم السياسية أو ما اصطلح عليه بـــ بريسترويكا علم السياسة والذي انتقد الخيار العقلاني Rational Choice بشدة واتهمه بالمبالغة في استخدام الأساليب العلمية وإهمال وتجاهل العوامل التاريخية والإقتصادية والإجتماعية عند دراسة الظواهر السياسة فتم اسقاط ما يسميه مفكرو ما بعد الحداثة بالسرديات الكبرى القائمة على القطعية واليقين وحل محلها منطق التفكيك والتجزئة النسبية والإحتمالية وهو الأساس الذي قامت عليه ما يعرف اليوم بالتعددية الثقافية ومبدأ الإعتراف والإختلاف الشيء الذي يتناقض مباشرة مع سرديات العلمانية الكبرى بشكليها اللين والصلب وهي: "الفصل بين الدين والدولة" " حياد الدولة إزاء الديانات" "خروج الدين من الحيز العمومي".

    أثبتت الدراسات الإجتماعية والسياسية الحديثة أن الباحث الإجتماعي أو السياسي لا يستطيع أن يتجرد من ميوله ورغباته وآراءه الخاصة أثناء عملية البحث وهكذا تتسرب عناصر الذاتية إلى ساحة بحوثه وتتداخل معارفه السابقة مع المعارف العلمية وعلى هذا الأساس تم التشكيك فيما يعرف بالقرار الرشيد أو القرار العقلاني أو الإجرائي. جاء في كتاب علم النفس المعرفي «أن صناعة القرار تحتوي على درجة من عدم الرشد لوجود عوامل شخصية وبيئية تشكل عقبات وصعوبات تمنع التوصل إلى قرار رشيد وأن متخذ القرار ليس كامل العقلانية بل تعتوره الأخطاء والنواقص وتعيقه محدودية الإمكانات...فالمشكلة لم تعد تُعرف على أنها نشاطا معلوما أو قضية كلية واضحة المعالم سواء عقلية كالقرار الرشيد أو شرطية إجرائية operant conditioning.»ن[2]..وأشار كاهنمان وتيفرسكي kaheneman and tevreski أن «تقدير الإحتمالات مبني على اجتهادات يقوم بها صانع القرار وتنتج أحيانًا تقديرات معقولة ولكنها في أحيان أخرى تقود إلى قرارات خاطئة»[3] وبالإستناد إلى ما آلت إليه دراسات علم الاجتماع والأنثربولوجيا وعلم النفس بنى الفيلسوف السياسي الأمريكي مايكل ساندل والمحاضر في جامعة هارفارد ما أسماه الإعترض السوسيولوجي يقول في كتابه اللبرالية وحدود العدالة : «اللبرالية مخطئة لأن الحياد مستحيل في هذه الحالة وذلك بسبب استحالة تحررنا تمامًا من أثر محيطنا في حياتنا مهما حاولنا ذلك. وعليه فكل الأنظمة السياسية تحمل بعض القيم بحيث لا مفر من طرح هذا السؤال : قيم من هي التي تسود؟ ومن هو الرابح ومن هو الخاسر تبعا لذلك؟..تلك الإستقلالية التي يفتخر بها في نظرية الذات في أخلاق الواجب إنما هي وهم ليبرالي. إنها تخطئ فهم طبيعة الإنسان التي هي اجتماعية أصلا...أولوية الذات لا يمكن أن يكون لها معنى آخر غير أولوية الفرد ما يؤدي إلى الإنحياز في التصور لصالح القيم الفردانية المعروفة لدى التقليد اللبرلي...باختصار : المثل الذي يتطلع إليه مجتمع ما ويتصوره محكوما بمبادئ محايدة إنما هو الوعد الكاذب الذي تعدنا به اللبرلية حيث تؤكد القيم الفردانية وتدعي حيادًا لا يمكن تحقيقه أبدا»[4]
    وما أسماه ساندل الإعتراض السوسيولوجي على ما أسماه الحياد الكاذب اعتبره آخرون عقبة ابستيمولوجية لا سبيل إلى رفعها أبدًا حيث يؤكد أغلب باحثي السياسة المقارنة على «أن تكييف المنهج العلمي وتطبيقه على الظواهر السياسية قد اصدم بعقبات ابستيمولوجية لا سبيل إلى رفعها ذلك أن الباحث في العلوم السياسية لا يستطيع مهما حاول أن يفصل ذاته عن الظواهر التي يبحث فيها ولا يستطيع أن يتجرد من آرائه ومعتقداته أو من انتماءه للمجتمع والتاريخ فهذه الأمور رغم وعيه وإخلاصه قد تختلط بالظواهر التي يدرسها وتتداخل مع المعارف الموضوعية التي يدرسها»[5]

    وما يؤكد زيف الحياد العلماني هو التطابق التام بين نتائج تلك الدراسات مع الواقع. تطابق من شأنه أن يرفع الجدل حول أسطورة الحياد ولو بالقدر الذي يسمح بالحديث عن شبه حياد علماني والأمثلة في هذا الباب كثيرة فلو أخذنا مثلاً علم الإتحاد الأروبي لوجدناه تعبيرًا صريحًا عن روح الكاثوليكية إذ أنه يتكون من اثنتا عشر نجمة ذهبية وهي فكرة مستوحاة من التقليد المسيحي تشير إلى هالة الاثني عشر نجمة التي تحيط بمريم العذراء والمعروفة في الفن المقدس للكنيسة الكاثوليكية وقد ذكر مصمم العلم باول ليفي وهو يهودي اعتنق المسيحية أنه استوحى الفكرة من سفر الرؤيا يوحنا في الكتاب المقدس القائل: "امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها تاج من اثني عشر نجوم" وقد تزامن اعتماد العلم في 8 ديسمبر 1955، وهو تاريخ العيد الكاثوليكي عيد الحبل بلا دنس ولعل هذا ما يفسر اللفظ الذي أطلق على الإتحاد الأروبي بوصفه نادٍ مسيحي ولعله يفسر أيضا لماذا يحجر على دولة كتركيا دخول مثل هذا النادي..
    ترفض العلمانية إبراز الرموز الدينية في الفضاءات العامة وألطف العلمانيات ترفض على الأقل الإعلاء من ديانة أو طائفة على حساب بقية الطوائف ومثل هذه المبادئ نجدها تتناقض بشكل كلي مع الأعلام الوطنية المرفوعة في كل المرافق والمؤسسات العمومية والتعليمية التابعة للدولة فلو ألقينا نظرة على غالبية الأعلام الوطنية للبلدان الغربية العلمانية لوجدناها حاملة لرموز دينية مسيحية إذ اعتمد صليب القديس جرجس في دول كجورجيا وإنجلترا وصليب القديس أندرو -على شكل إكس- كما هو موجود في علم سكتلندا..والصليب الشمالي في البلدان السكندنافية وأقدمها علم الدنمارك حيث تشير خلفيته الحمراء إلى دم المسيح..والصليب الإغريقي في العلم اليوناني وهو يرمز للكنيسة الأرتودكسية اليونانية وكذلك العلم السويسري. وعلم المملكة المتحدة الذي يضم الصلبنان الثلاثة صليب القديس جرجس، صليب القديس أندرو وصليب القديس باتريك..هذا فضلاً عن شعارات الأندية الرياضية حيث تقريبًا جميعها حاملة للصلبان وهي رموز دينية يفرض حملها على لاعبين لا يدينون بالمسيحية بل وقد يتعارض حملها مع معتقدات الكثيرين. قد يعتبر البعض أن مثل هذه الأمور هي مجرد شكليات لا تقدح في مبدأ الحياد التشريعي ولكن عند الإنتقال إلى الدساتير العلمانية أو المفروض أنها كذلك سنجد مفارقات كثيرة حيث تعتبر المسيحية الدين الرئيسي لدول أروبا رغم ادعاءها العلمانية والحيادية. ففي دستور بلغاريا مثلاً يحدد في المادة (2 – 13) أن الدين منفصل عن الدولة ولكن في المادة نفسها من دستور 1991 والمعدل عام 2007 تعتبر المسيحية الأرثوذكسية الشرقية الدين التقليدي في جمهورية بلغاريا أي إنها تعلي من شأن هذه الديانة على غيرها من الديانات. وتنص المادة 47 من الدستور اليوناني على أن كل من يعتلي عرش اليونان يجب أن يكون من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية وتنص المادة الثالثة إن الديانة السائدة في اليونان هي ديانة كنيسة المسيح الأرثوذكسية الشرقية. وفي المملكة المتحدة نجد في المادة الثانية من قانون التسوية لعام 1971 (المبرم مع كنيسة إنجلترا) ينص على أن كل شخص يتولى الملك يجب أن يكون من رعايا كنيسة إنجلترا وإن العاهل الإنجليزي هو الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا ولا يسمح بتاتا لغير المسيحيين ولا لغير البروتستانيين بأن يكونوا أعضاء في مجلس اللوردات. كما تنص المادة 62 من الدستور الأيسلندي على: أن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية هي كنيسة الدولة وبموجبه ستظل هذه الكنيسة مدعومة ومحمية من قبل الدولة. وفي النرويج تنص المادة 16 من دستور 1814 والمعدل عام 2015 أن الكنيسة الوطنية النرويجية هي كنيسة إنجيلية- لوثرية وعلى هذا النحو تكون معتمدة من قبل الدولة. وفي الدستور الدنماركي نجد الكنيسة الإنجيلية اللوثرية الكنيسة الرسمية في الدنمارك وعليه يتعين دعمها من قبل الدولة. وفي اسبانيا نصت المادة 16 من دستور إسبانيا لعام 1987 والمعدل عام 2011 على أنه لا يوجد دين رسمي للدولة بينما على السلطات العامة أن تأخذ في الاعتبار المعتقدات الدينية للمجتمع الإسباني ومعاملة خاصة للكاثوليكية.وهذا هو الحال أيضا في كل من إيطاليا بولندا البرتغال وإسبانيا مالطا مونوكو بلجيكا سويسرا والبقية. وهكذا فإن كل البلدان الأوروبية وعلى الرغم من علمانيتها فإنها تمنح اعتراف خاص لدين وتعلي من معتقد معين في دساتيرها على بقية المعتقدات والأديان..وحتى فرنسا التي تعتبر أكثر العلمانيات تغنيا بالحياد نجدها تضع استثناءات في قانون الفصل الذي صدر عام 1905 والذي يسمح بترميم المعابد التي بنيت قبل إصدار القانون وهي جميعها كنائس كاثولوكية ومجامع يهودية إضافة إلى تمويلها المدارس الخاصة الدينية بنسبة تفوق النسبة التي تدفعها مقاطعة كيبك إلى المدارس الرسمية ( 85 فيىلمائة فرنسا مقابل 60 في المائة كيبك) كما يجرم االقانون العلماني الفرنسي المساس أو التشكيك في المعتقدات اليهودية وعلى النقيض تصنف الإساءة للمسلمين في خانة حرية الفكر والإبداع والضمير. إضافة إلى كون الأعياد الرسمية في أروبا هي أعياد دينيةكاثوليكية: عيد الفصح والصعود والعنصرة وانتقال العذراء وعيد جميع القديسين وعيد الميلاد والتي تعد كلها أعياد رسمية. وفي الولايات المتحدة الامريكية تغلق المدارس أبوابها في يوم الغفران yom kippour وروش هاشانا roch ha-shana والتي هي أعياد يهودية وأية حيادية هذه التي التي تجعل من وصول ملحد لرئاسة الولايات المتحدة أمر لا مجال للتفكير فيه بتاتا فعلى الرغم من غرس الأفكار والأعراف العلمانية داخل الدستور أواخر القرن الثامن عشر إلا أن هناك انتماء متسق بين الدين والدولة.. القومية الدينية نجدها حاضرة في الولايات المتحدة وبشكل هائل.

    مصطلح ما بعد العلماني ليس منتجا دينيا أو رؤية دينية كما قد يظن البعض وإنما هي بمثابة ثورة اندلعت في قلب العلمانية الغربية والراية اليوم يرفعها صفوة ماكانوا يوصفون بالنخب العلمانية وفي جانب كبير منهم هم نخبة النخبة وهي حالة أو ظاهرة يرجعها سكوت هيبارد في كتابه السياسة الدينية والدول العلمانية إلى أن هناك: «تضاءل في التزام النخب العلمانية بالدولة وبالحياد العلماني وتقلص معهم الإخلاص تجاه رؤية علمانية للحياة الوطنية»[6] يكفي أن مصطلح مابعد العلماني كان قد صكه ممثل العقلانية النقدية الغربية يورغن هابرماس المتربع على عرش الفلسفة الغربية الحديثة وأحد أبرز الذين أثروا في السياسة الدولية ومن أبرز الذين أثروا في التفكير النخبوي الغربي وبلغ تأثيره حديثا بيئتنا العربية المعاصرة.. ففي تعليقه على قضية الحجاب في فرنسا اعتبر هابرماس أن «الحياد الذي يعتبر المدار الجوهري للعملية السياسية "قد ينتهك من الجانب العلماني بالقدر نفسه الذي ينتهك به من طرف الجانب الديني».[7] ويعتقد هابرماس أن من مصلحة الدولة الدستورية الحديثة مراعاة كل المصادر والينابيع الثقافية التي يتغذى منها التضامن بين الناس وينمي وعيهم بالقيم ويتساءل هابرماس كيف يمكن أن يستمر حتى يومنا الحاضر إزالة ما هو عقلاني في علم اللاهوت ومحتوياته الجوهرية[8] كما يرفض شارلز تايلر وهو أحد أهم منظري السياسة في كندا شأنه شأن الفلاسفة الجماعاتيين مثل هذا الحياد ويعتبر أن الادعاء بأن المعايير العمومية هي معايير محايدة ليس إلا ادعاء هزيلاً وغير مقنع فالإعياد الرسمية والعطل هي أعياد تتبع الديانة المسيحية. وفي تعليقة حول تبريرات لجنة ستازي حول منعها الحجاب في فرنسا حين اعتبرت قرار المنع قانونا محايدا يصب في مصلحة الفتيات المسلمات قال أنه لا يمكن أن يعتبر هذا القانون قانونًا محايدا لأنه قانون يقصي المعتقدات الدينية ويناصر المعتقدات المدهرنة وبحسب تايلر فإنه: «ممكن للدولة -عموما- أن تتخطى العلمانية الحيادية فتدبر شؤونها السياسية والقانونية وفقا لمعتقد وتصور جوهري ديني أو ثقافي إذا اتضح أن المواطنين كافة يجمعون عليه»[9] وحول قضية الحجاب أيضا اعترف عالم الإنسانيات الفرنسي وأحد أعضاء نادي الخمسة لأشهر فلاسفة هذا العصر بول ريكور بانه مصدوم فيما يتعلق بقضية الحجاب يقول ساخرا " «...لا يمكن أن امنع نفسي من التفكير بأن هناك شيئا مضحكًا في إعطائنا الحق لفتاة مسيحية في أن تظهر مؤخرتها في حين تحرم فتاة مسلمة من الحق في تغطية رأسها»[10]
    وفي سياق حديثة عن المجتمع مابعد الاجتماعي يقول آلان تورين الذي يعترف بأنه علماني –وهو يقصد مابعد العلماني- : «بهذه المصطلحات (مابعد الإجتماعي) تطرح مسألة تمدد الحقوق السياسية وبالتالي المواطنية لكي تشمل ميدان النزاعات الثقافية الواسع. إن الإغلاق على الحياة الدينية ضمن الدائرة الخاصة يعني فرض تصور مضاد للدين على مجمل الحياة العامة وما يجدر فعله هو العكس..إغناء الحياة العامة بتنوع الثقافات»[11] ويضيف في كتابه براديغم جديد لفهم عالم اليوم : «إنشاء حدود قاطعة بين الحياة العامة والحياة الخاصة يسيء إلى الفكر والعمل الدينيين وأيضا السياسيين لأن لكل الديانات نشاطات ورؤية عامة»[12]..
    ويذهب عديد الباحثين والأكادميين الغربيين إلى أن الدول الغربية تشكلت وفق قوالب دينية إقصائية لا تزال فاعلة تحت غطاء العلمانية والحياد فقد عارض عالم الإجتماع الأميركي والأستاذ الفخري بجامعتي كاليفورنيا وبركلي روبرت بيلا Robert Neelly Bellah ما اعتبره «الحياد الزائف» في علم الاجتماع فهو يرى ّأن الأمة تابعة للمبادئ الأخلاقية التي تتجاوزها والتي يجب أن يتم الحكم عليها بموجبها ومن هذا المنطلق يجب أن تعمل الفضيلة الدينية على إرشاد وتقييد[13] وأبرز الباحث السياسي الإسباني أنجل رفيرو رودريغيز أستاذ علم السياسة والفلسفة السياسية بالجامعة المستقلة بمدريد زيف الفصل بين الدين والدول في أروبا وهو الفصل الذي لم يكن كاملاً أبدا إذ يرى أن الكثير من الرايات رقمت عليها الصلبان وملكة بريطانيا هي رأس الكنيسة الأنجليكانية وحتى في فرنسا تحتفظ قوات البحرية برموز دينية وحكومة كطالونيا أعلنت رنين الأجراس بالكنائس تراثا وطنيا لكاطلونيا وهو ما يظهر حسب أنخل أن الفصل الكامل للسياسي عن الديني أمر يستحيل عمليا.

    في مجتمع مابعد العلماني لا مجال للحدايث عن دولة علمانية أقصى ما يمكن أن توصف به الدول هو نصف علمانية..شبه علمانية..ولا علمانية. والرؤية التي يمكن رسمها لمستقبل أروبا هو اعتبار العلمانية عقيدة وطائفة من الطوائف ففي مقال الجدل حول العلمانية في عصر مابعد العلمانية يقول عالم الاجتماع كلود جافو بأن العلمانية تمثل العقيدة السابعة المعترف بها في بلجيكا ويقول جون بول ويلاّم في ذات المقال أنه في الجيش أو في السجن يمكن لأي مواطن أن يطلب رجل دين كاثوليكي أو بروتستنتي أو يهودي أو مسلم أو إنساني (أي لا يحمل صفة دينية) ...ويضيف: بعبارات أخرى لا تعتبر العلمانية في بلجيكا كالإطار الشامل للمجتمع بأسره بل تعامل كوجهة نظر غير دينية للعالم أي كبديل فلسفي محدد يعادل في حق متبعيه كونه دينا. ويضيف ويلاّم: أنه في بعض أوجه التحول الأروبي تقوم هذه العملية بتعزيز التصور البلجيكي للعلمانية كخيار فلسفي محدد وهكذا من بعض الوجوه فإن النموذج البلجيكي هو الذي ينتشر على المستوى الأروبي.
    وتحت هذا الإطار تغذت الحركات الإنجيلية في أروبا وتأسست الأحزاب وشاركت في السياسة فالمسألة متعلقة بانقلاب مفاهيمي معرفي يعيشه الغرب بدليل أن الدول التي تصر على إقصاء الدين من المجال السياسي والمجال العام باتت تصنف اليوم من ضمن الدول الأقل حداثة.

    [1]- سقوط العلمانية ص39// أنور الجندي
    [2]- علم النفس المعرفي ص335-333// د.رافع و د. عماد الزغول
    [3]- علم النفس المعرفي ص343// د.رافع و د. عماد الزغول
    [4]- اللبرالية وحدود العدالة ص50-51// مايكل ج ساندل
    [5]- أبعاد التموجات الإبستيمولوجية على دينامية البناء والتفكيك المعرفي في حقل السياسة المقارنة ص88-89// بلخضر طيفور رسالة ماجستير
    [6]- السياسة الدينية والدول العلمانية ص25-26// سكوت هيبارد
    [7]- جوناس جاكوبسن مقال العلمانية الديمقراطية اللبرالية والإسلام في أروبا نقد هابرماسي لطلال الأسد
    [8]- الإشكالية السياسية للحداثة ص357// علي عبود المحمداوي
    [9]- مسائل التعدد والإختلاف في الأنظمة اللبرالية الغربية ص147// سايد مطر
    [10]- الإنتقاد والإعتقاد ص51// بول ريكور
    [11]- براديغم جديد لفهم عالم اليوم ص273-274// آلان تورين
    [12]- براديغم جديد لفهم عالم اليوم ص305 // آلان تورين
    [13]- السياسة الدينية والدول العلمانية ص243// سكوت هيبارد

    ----------
    مواضيع ذات صلة:
    ما بعد العلمانية (2) : غروب الدين -مفهوم التنبؤ-
    ما بعد العلمانية (3) : العَصرنَة والعَلمنَة -مفهوم التقدم-
    ما بعد العلمانية (4) : المثقفون الجدد والسياسة -مفهوم التجاوز-
    التعديل الأخير تم منذ يوم مضى الساعة 02:40 PM
    الله نور السموات والأرض

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء