كثيرٌ من الآباء والأمّهات يلاحظون في مراحل مبكرةٍ من حياة أحد أبنائهم، أن لهم أصدقاءَ متخيّلين، أو يعيشون في عالمٍ خياليٍّ، يتكلّمون لوحدهم، ويشيدون إمبراطوريّاتٍ وهميّةٍ، يعتبرها الآباء أنها من اللعب الطفوليّ، وأنها مرحلةٌ ستنقضي بالنضج !

لكن ما لا يعرفه الكثير من النّاس، أن هذا آليةٌ نفسيّةٌ دفاعيّةٌ قد يقع فيها أكبر الناضجين، وأعقل العاقلين ! وليس شرطاً أن يكون للإنسان صديقٌ متخيّلٌ أو عالمٌ وهميٌّ كما هو عند الأطفال، بل هي نوعٌ من القناعات التي يبنيها الفرد لا على أدلةٍ، بل على أشياء يتمنّاها هو في نفسه، متخيّلةٌ لا تجد لها ترجمةً واقعيّةً ملموسةً !

هاته الآلية يسميها بعض علماء النفس بالتمنيّ التخيليّ Fantaisie، ويسمّيها آخرون باللجوء التخيّلي Refuge dans la rêverie، وهي آليةٌ كثيرة الاستعمال أيضاً عند الملاحدةِ les athées، و اللادينيين الربوبيين les déistes. حينما يتحوّل الخوف من ذلك المجهول، الغامض بالنسبة لهؤلاء، والذي يدشّنه الموت برهبته وآلامه وسكراته، إلى قلق وقضيّةٍ تشغل باله صباحاً ومساءً، حتى إن انشغل عنها في غمرة مسيرته الحياتيّة بقيت في لاوعيه، قارّةً راسخةً !

حينها تنطلق هاته الآلية الدّفاعية، كمنقذٍ من هذا القلق، وحينها يصبح الإنسان ملحداً، أو ربوبيّاً، يشيّد عالماً من الأفكار والمعتقدات التي لا أساس لها في الواقع، منطلقاً من رغباته هو، وأحساسيه، ومشاعره، وكأنّ معتقده يكيّفه تكييفاً مع ما يريده هو!

ولكي نقرّب هذا المفهوم أكثر في ذهن القرّاء نضرب أمثلةً معيّنة بسيطةً تبيّن طريقة اشتغال هاته الآليّة ونتيجتها:

فمثلا : حينما يبني اللادينيّ الربوبيّ مجموعة من المعتقدات حول الإله الخالق، ليست عليها براهين وأدلّة، ولا كتاب فيه يدرسون منزّلٌ من خالقهم، فيدّعون مثلا أن الله تعالى " محايدٌ" لا دخل له في تسيير الكون، ولن يعاقب مسيئاً، ولن يجازي صالحاً، فيبني صرحاً من المتخيّل على هذا الأساس، كلما واجهه أحد أهل الأديان بتهافت منطقه، ازداد تعلّقا بهذا العالم المتوهّم الذي شيّده في نفسه !

أو كمثل ذاك اللادينيّ الآخر، والذي يؤمن بوجود إله خالقٍ وبعثٍ بعد الموتِ، لكنّه يمنّي نفسه بأن كل البشريّة ستدخل الجنّة ! صالحها وطالحها، مؤمنها وكافرها، موحّدها ومشركها ! -1-

كما الملحد حينما يدّعي أنه لو كان هناك إله فسيدخله الجنّة، أو أنه يستطيع إفحام الإله الخالق ببضع كلماتٍ فينجو من العقاب !! -2-

كل هاته الآراء وأكثر، في حقيقتها مجرّد نتاج تلك الآلية النفسية الدفاعيّة ذكرها القرآن {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } ( البقرة : 111) وقوله تعالى : { وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور } ( الحديد: 14).

فهاته الأمانيّ توقع الإنسان في المحظور وتؤدي به إلى التهلكة، حينما ينقلب الواقع إلى خيالٍ L’inversion du réel et de l’imaginaire، والتي يسميها علماء النفس الانطواء على الذات l'introversion، فيصبح أصل المعتقد ليس ما أنزله الله تعالى وما ثبتت بالدليل صحته، بل الأصل في هاته الحالة هي الذات، أي حينما تصبح النّفس منبعاً لذلك المعتقد أو ذاك، حينها تصبح الأمانيّ أفكاراً، وتصبح التخيلات في درجة الواقع بالنسبة لهؤلاء! ومن هنا ذاك التضارب في المعتقد اللاديني، فهذا يتصور الإله رحيماً، وذاك يتصوره جبّاراً، والآخر يصفه بالوداعة وأنه لن يحاسب أحداً، والآخر يرى فيه العدل والمجازاة، وذاك يقول بوجود حياةٍ بعد الموت، والآخر ينفي،حتى أصبحت اللادينيّة متعددة المذاهب بتعدد الخلائق القائلين بها !

وكذلك الإلحاد بمختلف تناقضاته بين مدارسه، وهلمّ جرا في القضايا التابعة، كنظرة الإنسان للكون، وأسئلته الوجودية، ومصدر أخلاقه، وكيفية عيشه ...

فيكون هذا اللجوء التخيّلي من أسباب الإعراض عن الحقّ، لأن الإله في صفاته هو ما شاء هو لا ما شاء البشر، ويفعل سبحانه ما يريده هو لا ما يريده البشر !

ويفرض عليهم ما فرض هو لا ما يفرضه البشر ! لهذا كان المعتقد اللاديني كما الإلحادي هو مجرّد ترجمةٍ لتلك الأحاسيس والأهواء والمشاعر والغرائز عن الانكفاء عن الذات، وجعلها مصدراً للحقيقة زوراً وبهتاناً، حتى إن أعيتهم حجج أهل الإيمان لجؤوا لاشعورياّ إلى التخيّل وأضغات الأحلام، كآليةٍ ناصرةٍ لباطلهم، مسوّغةٍ لتهافتاتهم، لا يُرجى منها الفكاك إلا بإرادة صُلبةٍ قويّةٍ.

هوامش المقال
1- الدكتور يوسف شلحت وهو أستاذ علم الإجتماع، ولادينيّ المعتقد في آخر صفحات كتابه " نحو نظرية جديدة في علم الإجتماع الديني" استشهد بقصّةٍ متخيّلةٍ عن قسيسٍ يقول بنحو هذا الفكر، وأقره وأثنى عليه !
2- ريتشارد داوكنز قال بأنه سيحاجج الإله إن كان موجوداً بعد الموت ! وذاك في مقابلة وثائقية “No Intelligence Allowed”