النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: ما بعد العلمانية (4) : المثقفون الجدد والسياسة -مفهوم التجاوز-

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,294
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي ما بعد العلمانية (4) : المثقفون الجدد والسياسة -مفهوم التجاوز-

    لم يكن فصل الكنيسة عن السياسة مجرد إعلان عن تراجع دور رجال الدين كنخبة وحزام ضامن ومبرر لإستبداد وجور النُّظم الكنسية آنذاك..وإنما أيضا كان إعلانٍ عن سد لهذا الشغور بنخبة أخرى أوكل لها نفس الدور في نظام سياسي مغاير كنخبة وحزام ضامن لاستمرار هذا النظام الجديد الذي مثلت فيه الفلسفة العلمانية الحزام الجديد الموصول بحبل السياسة باعتبارها روح ذلك العصر الثائر على النظام الكنسي ورجالاته..فحل المفكرون والفلاسفة العلمانيين محل رجال الكنيسة ومنذ عهد آل الميديتشي Medicis في إيطاليا لعب الشعراء والمفكرون والمثقفون "المستنيرون" دورا بارزا في مقاومة سلطة البابويين في روما وكانوا اليد الغليظة بيد حكام فلورنسا "المستنيرين" دون أن ينزعجوا من استبدادهم..ومنذ ذلك الوقت تكونت نخبة تحمي النظام السياسي العلماني على مر العصور من أي فكر مخالف أو مناهض للوضع القائم وهو ما نلحظة اليوم وبشدة في سطوة هذه النخب على مجالات كالتربية والتعليم والثقافة والصحافة والبرامج التلفزية ليحذو حذو رجال الكنيسة الذين كانوا يتحدثون باسم الله وإخراجهم من دائرة الإيمان كل من خالف سياسات رجال الكنيسة وأمانيهم تحدث هؤلاء باسم العقل والتاريخ ووسموا المعارضين والمخالفين للنظام العلماني قديما وحديثا بما يخرجهم من دائرة العقلانية..العلمية..والحداثة سواءٌ في النظم اللبرالية أو في نظيرتها الماركسية.

    واستمر هذا الوصل النخبوي الجديد إلى أواخر القرن العشرين تاريخ بداية حلقة أخرى وفصل جديد من حركية الفصل والوصل: فصل العلماني عن السياسي ووصل مابعد العلماني بالسياسي.
    غير أن الإنتقال أو حلقة الوصل والفصل هذه المرة جاءت أكثر سلاسة وغير مرئية تقريبًا فكانت أقل حدة من حلقة الفصل الكنسي-الوصل العلماني الذي اتسم بالصدام والحدة والدموية أحيانًا. ويرجع الفضل في ذلك إلى ظهور وسطوع نجم فلسفة الإختلاف وسطوتها واختراقها مناهج الفلسفة الغربية الحديثة معلنةً نهاية الدور النخبوي والتبريري للمثقف سواء أكان بالعباءة الدينية أو العلمانية معلنة تراجع وانحسار ثقافة النخبة لصالح ثقافة الجماهير وليفقد المثقفون العلمانيون كما فقد رجال الكنسية من قبلهم مفتاح سلطتهم الأوليجارشية حيث حرمتهم من احتكار الكلام وأسقطت عنهم مفهوم الوصاية والمزاعم النخبوية وهو ما أسماه آلان تورين باختفاء دورهم كرجال دين علمانيين أو ما يعبر عنه مفكرو ما بعد الحداثة بموت المثقفين. لقد سقطت أخيرًا فلسفة المساواة المواطنية أساس الأطروحة العلمانية وحلت محلها فلسفة الإختلاف أو كما يقول آلان تورين ما القضية هنا قضية حق في أن يكون هؤلاء كالآخرين بل بالعكس مختلفين عنهم. ثم امتد هذا الإختراق من المجال الفكري ليطال قلوب رجال السياسة والفاعلين وصناع القرار فالجاليانية أو الجماعاتية caummunautarisme التي تعتبر أبرز التيارات التي دخلت في صدام مباشر مع الأطروحات العلمانية الكلاسيكية نجدها مؤيدة اليوم من قبل العديد من الشخصيات البريطانية الديمقراطية العملية والمحافظة والجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا بالإضافة إلى الديمقراطيين الإجتماعيين والمسيحيين في ألمانيا ويعد المنظر السياسي والفيلسوف الكندي الشهير شارلز تايلور أبرز ممثليها إذ أن نظرياته تدرس في إطار التقليد اللبرالي الحديث وقد سبق أن عينه رئيس الوزراء الكندي جون شاريست jean charest في 2007 رئيسا لمبادرته للجنة االإستشارية الخاصة بممارسات التكيف المرتبطة بالإختلافات الثقافية وهي الدراسة التي لاقت اعتراضات وامتعاضات باعتبارها ممارسات غير مشروعة تتعارض وروح العلمانية. إذ أن تايلور شأنه شان الفلاسفة الجماعيتون يهاجم في نظرياته أبرز المفاهيم التي تضمنتها النظريات الخاصة بالعقد الإجتماعي ويهاجم روسو معتبرا إياه سببا رئيسيا في نشوء الشر منذ نشوء رعب اليعقوبية terreur jacobine إلى حدود الأنظمة التوتالتارية التي شاهدناها في العصر الحديث إذ يعتبر أن مفهوم المساواة في التقليد اللبرالي العلماني كان سببا رئيسيا في نشوء الخواء الفرداني والعقل المنعتق من كل قيمة أخلاقية ودينية الشيء الذي حول البشر إلى أشياء متماثلة مجردة عن كل قيمة إنسانية أو أخلاقية نتيجة العبور المباشر للمجتمع من دون وساطات دينية أو أخلاقية ثقافية تقليدية direct-access to society وهذا النوع من المساواة لا يرفضه تايلر وإنما يدرجه في ما يسمى بــ: "الأخلاق في حدها الأدنى Morale minimale" فهي بنظره مساواة ناقصة تدبر قسط يسير من حياة الكائن البشري جاءت لحماية الفرد من شتى أنواع الهيمنة إلا أنها لم تأخذ بعين الإعتبار هوية وشخصية الفرد لغة ثقافة دين تقاليد مما جعلها وفق تايلور مساواة مجردة لاواقعية قيمة فرضية hypothétique خيالية fictive واصطناعية artificielle فارغة من المعاني الثقافية والدلالات التاريخية جعلت من مشاركة الفرد السياسية خالية من كل دلالة أو قيمة الشيء الذي ادى إلى سقوط تلك المجتمعات في التفكك والنفعية. وينادي تايلر بضرورة تجاوزها إلى نوع آخر بات يعرف بــ: "الأخلاق القصوى Morale maximale" وهي أخلاق ترعى كينونة الشخص ومعنى وجوده والغاية منها وتحاكي تسؤلاته الأنطولوجية فهي أخلاق تعنى بما يشغل بال الإنسان ويبعث على القلق والضياع والحتمية اليائسة الهدامة وهو تحول مفاهيمي لمبدأ المساواة وتطور في بعده الصوري formel ليصبح تعبيرا عن مساواة أكثر واقعية تمنح الإعتراف السياسي بالثقافة كمنبع أصيل لتعيين المعايير الأخلاقية[1] وهي نقطة التصادم مع العلمانية ومبادئ اللبرالية التقليدية وهي الفكرة التي يشترك فيها مع تايلر كل الفلاسفة الجماعتيون وهي أسماء لها وزنها في عالم التنظير والفلسفة السياسية الحديثة أمثال الفيلسوف الكندي ويل كيمليكا WILL Kymlicka صاحب اوديسا التعدية الثقافية والمقرب من صناع القرار في كندا والفيلسوف الاسكتلندي ألاسدير ماكنتاير Alasdair Macintyre صاحب كتاب بعد الفضيلة.

    لا يقتصر الأمر على فلاسفة التيار الجالياني بل يمتد التنظير إلى اثنين من ممثلي نادي الخمسة لأشهر فلاسفة العصر الحديث وهما بول ريكور ويرغن هابرماس وكل منهما يعتبر مدرسة قائمة بذاتها..فالأول فيلسوف فرنسي ارتودكسي جمع بين الفينومينولوجيا الوصفية والتأويل الهرمينوطيقي تأثر بأفكاره الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون منذ أن كان طالبا لريكور ومن ثم عندما عمل مساعدًا له ولهذا وُصِفَ وصول ماكرون لكرسي الرئاسة في فرنسا ببداية حقبة الأرتودكسية الجديدة في هذا البلد وهي الظاهرة التي تناولها الفيلسوف الفرنسي رجيس دوبريه في كتابه "السلطة الجديدة" معتبرها دلالة على تحول عميق في الثقافة السياسية الفرنسية وليس مجرد تغير ظرفي في المشهد السياسي فهو يرى أن المجتمع الفرنسي انتقل من النموذج الكاثولوكي اللائكي إلى نموذج بروتستني جديد في إشارة إلى الإنتشار الجديد الذي باتت تحظى به فلسفة بول ريكور الذي سبق أن وجه في كتابه الإنتقاد والإعتقاد نقدا لاذعا لمناهج التعليم العلمانية الفرنسية متهما إياها بممارسة ما أسماه "بتر غريب للثقافة" أنتجت جيلاً فقيرًا وجاهلاً ثقافيًّا يعرفون البانتيون panthéon اليوناني أو الروماني او المصري أو القصص الغرامية لزوس zeus ومغامرات أوليس ulysse أكثر مما يعرفون أنبياء بني إسرائيل أو أمثال وحكم المسيح والحال أن هذه النصوص بتعبير ريكور هي من أسست الثقافة الغربية أكثر مما فعلت أساطير الإغريق وبالتالي ليس عاديًّا أن لا يتمكن التلاميذ من معرفة ماضيهم الخاص وتراثهم الثقافي الخاص ويضرب ريكور مثالاً لأطفال يذهبون إلى المتحف بيد أنهم عاجزون تمامًا عن فهم التمثيل الأيقوني لما تعنيه العذراء أو حتى صورة "المسيح مصلوبا". والحال أن هذه المواضيع الدينية تخترق فن الرسم الغربي برمته بدءا من الفسيفساء البيزنطية والرسوم الجدارية يقول: «نحن هنا أمام بتر غريب للثقافة...سيكون من الخطأ الإعتقاد بأن علمانية الإمتناع تكفي ذاتها بذاتها»[2]
    ومن جهة ثانية يعتبر ريكور أن المد الإسلامي في فرنسا يدفع العلمانية هناك نحو الوقوع في الخطأ ويقترح بدلاً عن علمانية الإمتناع والقمع ما أسماه العلمانية الثالثة يقول: «إننا برأيي نتواجد في وضعية العاجز ولا نملك إلا حلولا قمعية لأننا لم نبلور هذا المفهوم الخاص بالعلمانية الثالثة وأعترف بأني مصدوم فيما يتعلق بقضية الحجاب ...لا يمكن أن امنع نفسي من التفكير بأن هناك شيئا مضحكا في إعطائنا الحق لفتاة مسيحية في أن تظهر مؤخرتها في حين تحرم فتاة مسلمة من الحق في تغطية رأسها»[3] ويرى ريكور أنه ليس من المستغرب أن يحصل مجددا التقاء بين السياسي والديني في المستقبل القريب وليس حتى البعيد خصوصا في فترات تفكك الترابط الاجتماعي يقول: «هذا هو حال صربيا ولكن يمكن أن يكون أيضا في مستقبل قريب حال روسيا التي نعاين فيها من جديد عودة الكنائس للعمل كهيئات مانحة للشرعية وكسلط تعطي للسياسي تراخيص عمله..نحن هنا بحضرة عودة مباركة الديني للسياسي»[4]
    أما الألماني يرغن هابرماس فهو ممثل الجيل الثاني للنظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت وتكتسي النظرية أهمية بالغة في الفلسفة الغربية المعاصرة نظرا لانتشارها الواسع في شتى بلدان العالم فهي تدرس في ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، اسبانيا، النرويج، هولندا، المكسيك، البرازيل، الأرجنتين، أمريكا وتعتبر من أهم المراجع في السياسات الدولية المعاصرة. ويرغن هابرماس هو الفيلسوف الوحيد الذي فرض نفسه على المشهد السياسي والثقافي في ألمانيا حتى أن وزير الخارجية الألماني الأسبق يوشكا فيشر وصفه بــ"فيلسوف الجمهورية الألمانية الجديدة" ونظريته في الفعل التواصلي أو العقلانية التواصلية rationalité communicationnelle كانت بمثابة هوية فلسفية لألمانيا ما بعد النازية. ويدعو هابرماس إلى الديمقراطية التشاورية وهي ديمقراطية قائمة على الحوار أو إيتيقا المناقشة في فضاء عمومي مفتوح public sphere بين الفرقاء السياسيين ذوي الأفكار المتضادة وهي نقيض التصور الديمقراطي الكلاسيكي الذي تمتلك فيه الدولة حق الإكراه والتي يعتبرها هابرماس ديمقراطية تمثيلية نخبوية قائمة على الإكراه. وتتسع ديمقراطية هابرماس التشاورية لتشمل المنظومة الدينية كطرف في النقاش والإتفاق حول قضايا اختلافية في أصلها وآلياتها. فهابرماس يرى أن المجتمعات المعاصرة وصلت لمرحلة من التعقيد مما لا يمكن أن نصفها بالدينية أو العلمانية لذلك لا يرتكز هابرماس في رؤيته لأحد الطرفين متبنيا طريقا ثالثا أسماه ما بعد العلمانية يشكل فيه الدين أداة فاعلة في المشاركة السياسية ويدعو إلى خلق معايير قانونية وفق منظور توافقي للشرعية يتم تبريرها بمنطق تشاوري تشاركي قائم على الحوار والإتفاق والإجماع من أجل تحقيق تسوية منصفة بين المصالح المتضادة بعيدا عن الصراع أو الإقتتال.
    وتجدر الإشارة إلى أن الديمقراطية التشاورية أو التشاركية يروج لها اليوم في بلدان ما بعد الثورات وغيرها من البلدان العربية حيث لاقت استحسانا كبيرا خاصة من قبل رموز الحركات الإسلامية المعاصرة وقد وصل الأمر إلى حد التنظير لمثل هذه الأطروحات في محاولة لإضفاء نوع من المشروعية الدينية لاستتباعاتها من توافقات وما تستلزمه هذه التوافقات من تنازلات وهو ما يراه البعض تورط للحركات الإسلامية في المسايرة الفكرية لما أنتجه الغرب من فكر ما بعد حديث واعتبر تورُّطًا لأن الجيل الأول من أبناء الحركة الإسلامية يعتبرون المشاركة الديمقراطية والبرلمانية استثناءا مخالفا للأصل يدخل في باب الضرورة ويكيف بمقضتى فقهها ثم صارت الأجيال الحالية متشبعة بكتابات وتنظيرات مابعد العلماني مع تزكية شرعية من رموزها لتلك التنظيرات فتحولت الديمقراطية الحديثة إلى منهج حياة وتحول الإستثناء إلى أصل ثابت والأصول الثابتة انحرافات وما يكان يوصف بسور الأعراف كنايةً بات اليوم جنة الخلد ودار المقام..غير أن هذا الطريق الثالث الذي تم إحداثه للتوفيق بين العلمانية والدين هو في حقيقة الأمر غيرُ ثابت لا منهجيا ولا عمليا ويتعرض للانتقاد على الدوام من قبل المشتغيلين بحقل الفكر والسياسة وأبرز نقد ذاك الذي أشار إليه علي عبود المحمداوي في كتابه الإشكالية السياسية للحداثة بقوله: «لا يمكن تخيل ذلك الطرف الثالث إلا ومنتميا لاحد الطرفين ولا يمكن تخيل ذلك الثالث أبدا فإما العلمانية أو الدينية ولا وجود لعنقاء الرجل الديني العلماني أو علمانية الدين فنظريات الحكم الديني لا تقبل الجدل بشأن الرضى بما هو دون حكم الله -كما يجزم دعاته- وذلك لا يتيح أي مجال للنقاش أو الحوار ولا يمكن أن ندعي إمكانية الإجماع بشأن تلك الموارد للنزاعات مما يجعلنا نتوقع ديمومة الصراع أو التنازل عن مبدأ الحجاج في أصل الإختلاف»[5]

    [1]- انظر كتاب مسائل التعدد والإختلاف في الانظمة اللبرالية الغربية مدخل إلى دراسة أعمال شارلز تايلر
    [2]- الإنتقاد والإعتقاد ص 45-46 // بول ريكور
    [3]- الإنتقاد والإعتقاد ص51 // بول ريكور
    [4]- الإنتقاد والإعتقاد ص 53-54 // بول ريكور
    [5]- الإشكالية السياسية للحداثة ص389 // علي عبود المحمداوي

    ------
    مواضيع ذات صلة:
    ما بعد العلمانية (1) : مفهوم الحياد
    ما بعد العلمانية (2) : غروب الدين -مفهوم التنبؤ-
    ما بعد العلمانية (3) : العَصرنَة والعَلمنَة -مفهوم التقدم-
    التعديل الأخير تم 11-16-2018 الساعة 01:15 PM
    ﴿ وأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء