النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الديمقراطية..أنجع نظام للسيطرة

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,296
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي الديمقراطية..أنجع نظام للسيطرة

    ليلة الخميس الـ25 من أبريل 1974 -لشبونة-البرتغال. قامت الإذاعة المحلية ببث أغنية "مدينة البحر" الأغنية التي مثلت إشارة إنطلاق الوحدات العسكرية حول لشبونة لتنفيذ إنقلاب عسكري على يد الضباط الشبان الذين قادوا حركة القوات البحرية ليقع في المساء خلع الدكتاتور مارشيلو كاتيانو ويستسلم للقادة العسكريين الجدد للبرتغال. هذه الحادثة التي ذكرها صامويل هنتنجتون في كتابه الموجة الثالثة ذكرها باستغراب شديد فالإنقلابات العسكرية عادة ما تخلع دكتاتور وتنصب آخر لكنها هذه المرة كانت مختلفة تماما يقول هنتنجتون: «كان انقلاب 25 أبريل بداية قاسية لحركة عالمية نحو الديمقراطية لأن الإنقلابات عادة ما تقوم بخلع النظم الديمقراطية ولا تأتي بها. فكانت بداية مفاجئة» (1). فعلى إثر هذا الإنقلاب تحولت البرتغال مباشرة إلى دولة ديمقراطية ثم تبعتها مباشرة موجة عالمية نحو الديمقراطية حيث قامت في اسبانيا على أنقاض ديكتاتورية فرانكو إثر وفاته عام 1975 وفي اليونان على أنقاض نظام ضباط الجيش إثر سقوطه في منتصف عام 1974 وفي السنوات الخمس عشر التالية أصبحت موجة عالمية في مداها حيث تحول ثلاثون دولة من الشمولية إلى الديمقراطية مع تأثر عدد آخر مماثل بهذه الموجة.
    أن تأتي الديمقراطية الحديثة على ظهر الدبابات فهذا يدفعنا لطرح التساءل حول شكل القمع والدكتاتورية تحديدا هل فعلا منحت الدبابات والجنرالات التي كانت جزءا من منظومة القمع الحرية لشعوبها أم أن هناك تطورا لأشكال السيطرة والهيمنة تتخذ فيه الديمقراطية الشكل الأسمى لهذا المفهوم.
    يقول أحد أقطاب فلسفة السياسة في العصر الحديث يورغن هابرماس: «يوجد نوعان من السيطرة : سيطرة قامعة وسيطرة محررة» (2) ويقول زميله في مدرسة فرانكفورت النقدية هاربرت ماركوز في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد بأن الحرية يمكن أن تكون أداة سيطرة قوية. ومعنى هذا أن ممارسة أشكال التحرر والمناداة بالمساواة وإلغاء الرق والعبودية أو ممارسة الحق في تقرير المصير واختيار الحكام لا يمثل ضمانة لهذه المجتمعات من كونها تجاوزت فعليًّا نقيض تلك الممارسات وإنما هي تعبير متقدم عن تطور أشكال الرقابة والقمع والسيطرة ذلك أن الحرية الإنسانية لا تقاس بالخيارات المتاحة وإنما تقاس بما يستطيع الإنسان اختياره وما يختاره. إن هذا المستوى من الإختيار أو مجال الحرية المسموح به هنا يراه ماركوز بأنه شبيه بالعبد الذي يتوهم أنه حر لمجرد أن منحت له حرية اختيار سادته وأن قدرة العبد على اختيار سادته بحرية لا تلغي لا السادة ولا العبيد بتعبير ماركوز. إن الحرية تكمن في التقاط الإختيارات والحلول البديلة المحظورة وهو ما تفتقده المجتمعات الديمقراطية الحديثة.
    فهل فعلا تمارس الشعوب الديمقراطية حقها في تقرير المصير وأن النظام الديمقراطي الرأسمالي يكفل له هذا الحق؟ هل من الممكن تحقيق معنى المساواة وانتفاء الطبقية والعبودية في ظل هكذا نظام إلى غير رجعة؟.يجيب هوركهايمر وادورنو في كتابهما المشترك جدل التنوير: «كل ذلك هو بهلونيات خالصة».
    فعندما يتحول الناخبون إلى صناديق الإقتراع لاختيار من يمثلهم في السلطة ومن يمثلهم في المعارضة نكتشف أننا أمام لعبة عقلية نجد انفسنا أمام نظام يمثل السلطة وفي نفس الوقت يمثل المعارضة وما يحصل على أرض الواقع ليس أكثر من تغير شكلي وتبادل أدوار ما بين حكومة ومعارضة اندمجت مع السلطة اندماجا كليا ومثلت جدارا يحيل دون أي تحول بالمعنى الكيفي أو قيام مؤسسات تختلف اختلافا جوهريا عما هو كائن فالحرية المتوفرة هنا للشعوب هي حرية مصطنعة عقلانية مصطنعة بتعبير هابرماس كاذبة أقرب للوهم فعلى سبيل المثال يتم فرض المصلحة القومية ابتداءًا كتعبير عن إرادة الشعوب كلائكية الدولة أو قوميتها أو رأسماليتها ّأو شيوعيتها ومن ثم يمنع على كل فكر مخالف لهاته المصلحة العامة التواجد في جملة الخيارات الممنوحة للشعوب ولا يكون الإنتخاب إلا لعبة عقلية ففي كل ديمقرطيات العالم تتحدد سلفا التيارات المشاركة في الإنتخابات تحت بند الرخصة أو الموافقة والتي هي شرط تكوين حزب ومن ثم المشاركة في العملية الديقراطية وطبعا هذه الموافقات والرُّخص التي تُمنح في الغرف المغلقة بعيدا عن إرادة الشعوب لا تمنح لما يمكن أن يؤدي إلى أي تغيير جذري اقتصادي كان أو اجتماعي أو سياسي ولهذا يتساءل ماركوز عمَّن يربي هؤلاء المربين وأين البرهان على أنهم يملكون "مفتاح الخير" ؟ ويقول عن هكذا النظام بأنه: «يؤدي دوره عن طريق تحكمه بالحاجات باسم مصلحة عامة زائفة. ولا يمكن في مثل هذه الشروط قيام معارضة فعالة للنظام فالنزعة الكلية الإستبدادية ليست مجرد شكل حكومي أو حزبي نوعي وإنما تنبثق بالأحرى عن نظام نوعي للإنتاج والتوزيع متوافق تمام التوافق مع تعدد الأحزاب والصحف ومع انفصال السلطات إلخ» (3)
    مفهوم الهيمنة في الأنطمة الدكتاتورية التقليدية ارتبط إلى حد بعيد بمفهوم الحداثة ونعني هنا العناوين الكبرى كالمركزية وفلسفة القرار الرشيد وما إلى ذلك من آليات قمعية مباشرة وهو الوضع الذي استمر في أروبا إلى حدود ما أسماه هانتغتون بالموجة الثالثة للديمقراطية التي اجتاحت أروبا أواخر القرن العشرين وهي الفترة التي سطع فيها نجم فلسفة ما بعد الحداثة لهذا يربط كثير من المفكرين مفهوم الديمقراطية الحديثة بكونه مفهوم قادم من مناخات مابعد الحداثة ذلك أن مفكرو مابعد الحداثة يرون أن الأفكار السياسية الحداثية أفكارا ميتة ولابد من صياغة شكل سياسي ما بعد حداثي تفكيكي من خلال التمكين للديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان وهو ما يعرف بالكوانتا السياسية. وبالتالي فإن وهم الحرية الذي يُشار إليه هنا هو وهم قادم من هذه المناخات فإيديولوجيا ما بعد الحداثة قائمة على ما يسميه فلاسفة فراكفورت بالعقلانية الأداتية والتي دورها تمويه الفرق بين ما هو واقعي وما هو زائف وتحويل الشعوب إلى مجرد قطعان تحوم حول معابد الإستهلاك بما فيها المرشحون للإنتخابات من رؤساء ونواب حيث لم يعد الجدل السياسي يدور حول القضايا الجوهرية للإنسان فالمرشحون للمناصب يسوقون أنفسهم كما تسوق المنتوجات الإستهلاكية الأخرى الإعلان والتسويق والإيهام لغرض إغراء الناس باقتناء منتجات بعينها ويتم هذا في حركة دائرية لانهائية تكون نتيجتها سيطرة يعتبرها مفكرو النظرية النقدية أكثر شمولية وتوتاليتارية وأكثر خطورة من السيطرة التقليدية التي عرفها الإنسان في الماضي ذلك أنها شملت عقله وعواطفه ورغباته وغرائزه وجسده وهو ما يجعل من الديمقراطية أنجع نظام للسيطرة بتعبير هاربرت ماركوز.
    وتكمن الخطورة في كون هذه اللعبة العقلية التي تمارسها الديمقراطية تجعل من الصعب أن نُبرِّر عقلانيًّا ضرورة تجاوز هذا المجتمع لاعتبارين أساسيين أولا لكون المجتمع المعاصر اليوم هو مجتمع الدمج يدمج مفاهيمَ النقضِ والهدمِ مع القوى التي من المفترض أن تلعب دور المقاوم والبديل. فبعد دمج المعارضة تم دمج الشعوب سواء بواسطة لغة الإتصال الوظيفي المُوَجَّه لغة يسميها ماركوز بلغة شخصية الطابع لغة تتقمص شخصية وذات المخاطَب توهمه قصرا أنه صاحب الفعل وأنه هو السيد فنجد ألفاظ من قبيل هذا نائبكم "أنتم" هذا الطريق الذي اخترموه "أنتم" هذه إذاعتكم المفضلة هذه قناتكم المفضلة.. هذه صحيفتكم المفضلة استورد خصيصا لكم "أنتم" وبهذه الصورة تبدو الأشياء والوظائف المفروضة من فوق والموحدة نمطيا وكأنها صنعت خصيصا وفقا لطلبكم أنتم وهي لغة يعتبرها ماركوز لغة مناهضة في جوهرها للنقد ومن خلالها تمتص العقلانية العاملية وعقلانية السلوك عناصر العقل المتعالية السالبة المعارضة.
    الإيديولوجيا التسلطية الما بعد حداثية تكمن في تمويه الفرق بين الفعل العقلاني والتفاعل كما يقول هابرماس «حيث يختفي الفرق بين الفعل العقلاني وبين التفاعل فالقوة الإيديولوجية للوعي التكنوقراطي تثبت جدارته من خلال تمويه هذا الفرق» (4) فباستخدم منتجات ما بعد الحداثة أو ما يسميه مركوز الطابع الإستبدادي للغة أو لغة التنويم والجمع بين المتناقضات يقع تمويه الفرق بين الفعل والتفاعل. يقع الجمع بين عبارات من قبيل أب القنبلة الهيدروجينية أو أب القنبلة النووية كلمة الأب الحنون الذي يهب الحياة تنسب إلى الشيء الذي ينزع الحياة لتضيف له شيئ من أخلاقيتها. أو عبارات من قبيل القنبلة النظيفة (النيوترونية النووية ) الحرب الباردة أو ثعلب الصحراء وغيرها من التعابير التي وبتعبير مركوز: «تنسب إلى الإبادة نزاهة أخلاقية ومادية».. أو إعلانات ترتكز في مضمونها على الرفاه للتعمية على الشقاء إعلانات من شاكلة "مخبأ فخم ضد الإشعاعات الذرية" إنها لغة تؤدي إلى خلق ردود أافعال ساذجة لاوعية يقول ماركوز : «هي مصطلحات متناقضة غير قابلة للتوفيق و لا يمكن لأي لغة ولأي منطق أن يجمعا بين مصطلحات الفخامة والإشعاعات الذرية. بيد أنَّ المنطق واللغة يصبحان عقلانيين تماما عندم نعلم أن "غواصة ذرية حاملة للصواريخ تكلف 120 مليون دولار" وان "نموذج المخبأ الذي يكلف 1000 مجهز بسجادة ومروحة وجهاز تلفزيون ... إن استعمال المسند التحليلي يشكل إنشاءًا قمعيًّا من هذا النوع. فاقتران الإسم النوعي بنفس الصفات بنفس الأخبار التفسيرية يحوّل الجملة إلى صيغة من صيغ التنويم المغناطيسي تفرض نفسها من كثرة تكرارها اللامتناهي على فكر من يتلقاها. وهكذا لا تعود تحضر في بال هذا الأخير المعاني الأخرى للكلمة المختلفة وربما الأصح» (5)
    إن هذه الوسائل القمعية لا تجعل من الضمير السعيد يبارك إبادة الأبرياء باسم الإزدهار وحياة الرفاه تحت ذرائع محاربة الإرهاب والدفاع عن الأمن القومي وإنما تجعله كذلك لا يمانع في اقتناص سبل إزالته هو وكأنه يعيش فصولا من مسرحية رقصة الموت لسترندبرغ إذ لا يمانع في ابتلاعِ قوتٍ مشبعٍ بالإشعاعات النووية والكيمايائية لا يمانع في عقلنة إبادته بشرعنة تقليص عدد سكان العالم مستقبلا تحت ذريعة المصلحة العمومية سواء بتحديد النسل أو بفوائد انتشار الأمراض والأوبئة أو شرعنة التجارب على البشر تحت ذريعة الإكتشافات العلمية. يقول ماركوز: «إن هذ الضمير السعيد يأوي ويحمي الإعتقاد بأن الواقع عقلاني وبأن النظام القائم يوزع في خاتمة المطاف الخيرات...وهكذا يسلم الضمير زمام أمره للتشيأ...لقد اقشعر العلم في الماضي اشمئززا من معسكرت الإعتقال وهاهم الناس يُدرَّبُون اليوم على ابتلاع قوت مشبع بالإشعاع الذري...إن الضمير السعيد الذي يعتقد بأن الواقع عقلاني وبأن النظام يلبي الحاجات هو خير مثال على الإمتثالية الجديدة السلوك الإجتماعي المتأثر بالعقلانية التكنولوجية... إن المجتمع الذي يتفاقم فيه الصراع في سبيل البقاء بنتيجة تزايد عدد سكانه لهو مجتمع مجرم» (6)

    أما الإعتبار الثاني فهو راجع أساسا لكون إنتاج الخيرات وتوزيعها في المجتمعات الديمقراطية يلعب دور الإغراء ما يجعل أي خطوة مناهضة لهذا الإتجاه هي خطوة رجعية محفوفة بالمخاطر.
    إن السيطرة التقليدية كان يمارسها حاكم مستبد طاغية وهي سيطرة لا تستند إلى أي أساس عقلي أو منطقي الشيء الذي يسهل معه خلق مبرر عقلاني في نفوس الجموع المستضعفة إذ يكفي أن يأتي من يرفع منسوب الوعي والذكاء والتمكين حتى تفك أغلال العبودية. ولكننا اليوم في عصر صار فيه الذكاء إصطناعيا ملقى على قارعة الطريق إننا أمام شعوب تعتقد في نفسها الذكاء والفطنة تنظر للاعقلانية على أنها عين العقل وترى في العقل غباءً وحُمقا. ولذا يرى ماركوز أنه قد صار صعبا إمساك الناس عبر لجام ذلك أن التقدم في إظهار حمقهم قد صار موازيا مع درجة تقدمهم في الذكاء. لأجل هذا النوع من العقلانية اعتبرت السيطرة الحديثة أكثر الأنواع شمولية واعتُبِر نظامها الديمقراطي حسب ماركوز: «أنجع نظام للسيطرة». ولهذا نجد اليوم توجها جديدا بدأ يظهر في الغرب ينظر للديمقراطية الكلاسيكية على أنها نظام تسلطي قمعي عقلنة للسيطرة كما يراها هابرماس مقترحا بدلا عن ذلك نظام ديمقراطي مغاير قائم على العقلانية التواصلية بديلا للعقلانية الأداتية وهو ما يعرف اليوم بالديمقراطية التداولية Deliberative Democracy. وأبرز الأسماء الداعين لهذا النظام الديمقراطي المعدَّل جون رولز وخاصة الألماني يرغن هابرماس وهي الديمقراطية التي سنتناول آلياتها في مقال لاحق.


    1- صامويل هنتنجتون الموجة الثالثة ص21
    2- يورغن هابرماس العلم والتقنية كإيديولوجيا ص50
    3- هاربرت ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد ص38
    4- يورغن هابرماس العلم والتقنية كإيديولوجيا ص67
    5- هاربرت ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد ص127-128
    6- هاربرت ماركوز الإنسان ذو البعد الواحد ص116-120-254
    التعديل الأخير تم 09-18-2019 الساعة 07:36 PM
    ﴿ وأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء