النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: الديمقراطية التشاورية: جولة نقدية في عقلانية هابرماس التواصلية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    أقصى المدينة..
    المشاركات
    2,296
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي الديمقراطية التشاورية: جولة نقدية في عقلانية هابرماس التواصلية

    في محاولة منه لتجاوز الديمقراطية النخبوية القائمة على الإكراه التي يعتبرها مرتبطة بالوضعية والتجريبية والنزعة التقنوعلموية الجامحة والتي تحولت إلى آلية للهيمنة والتسلط يقترح هابرماس نمطا آخر من الديمقراطية تخلُ من كل هيمنة إلاَّ هيمنة واحدة هي هيمنة الحجة في فضاء عمومي مفتوح public sphere قوامه التشاور والتحاور اللغوي بين جميع الأطراف وهو فضاء لا يكون صدى لآراء النخب الحاكمة أو الأحزاب التي ينتمون إليها خال من الإنتماءات التلقائية كالحزب والقبيلة والعشيرة والمعتقد حتى يتمكنوا من صياغة وبلورة إرادة عامة تكتسي طابع المؤسسة القانونية تتسم بالشرعية يمكن أن تحل محل المؤسسات التشريعية بالإضافة إلى كونها طريقة لمنع الإقتتال والتنازع بين أفراد المجتمع الواحد أو العالم ككل (القوانين الكونية) والخروج بتوافقات والتزامات مجمع حولها.
    إن هابرماس يرفض فلسفة الوعي ولا يؤمن بذات عارفة كالتي يقول بها ديكارت ويدعو إلى التخلص من هذا الفكر الأحادي ويقترح بدلا عنه تواصل فكري مزدوج لا يقوم على الذات وإنما على التذاوت intersubjectivité إن الحقيقة لا يمكن ان تمتلكها ذات واحدة مهما بلغ نفاذ بصيرتها وإنما هي متناثرة بين عديد الذاوت وليست الحقيقة في عالم نفس المتكلم ولا في العالم الخارجي إنما هي في عالم ثالث هو عالم اللغة وبالتواصل والتداول وحده يمكن للبشر بل هو قدرهم المحتوم أن يتوافقوا حول حقائق سواء مرتبطة بالاخلاق أو بالقوانين التشريعية وليس المقصود بالتداول هنا تداول السلطة إنما التداول اللغوي وفق شروط معيارية وضعتها عقلانية هابرماس التواصلية هي أخلاقيات النقاش أو موقف الكلام المثالي وهي أربعة: الصدق : عبارات المتكلم صادقة وغير مزيفة..المصداقية: يجب على المتكلم ألا يكون مقلا في حديثه فلا يفهم..ولا ثرثارا فيحشو ويطنب بل محكم التعبير عن نواياه ومقاصده..الصلاحية المعيارية: يجب أن يكون استخدام العبارات والكلمات متطابقا ولا يخرج عن السياق المتعارف عليه في لغة المجتمع الذي ينتمي إليه المتكلم..المعقولية: أي تم إنجازها بفعل جملة مركبة تركيبا صحيحا تحترم قوعد اللغة المستعملة. هذه الآليات هي المكون الأساسي والرئيسي لما يعرف اليوم بالديمقراطية التشاورية أو التداولية Deliberative Democracy ولا توجد نظرية في العالم استحوذت على الإهتمام مثل نظرية هابرماس التشاورية والتي لاق بفضلها شهرة عالمية واسعة حتى أنها أصبحت قبلة دول ما بعد الثورات العربية وهي الموجة التي ركبتها وستركبها عديد بلدان ما بعد الدكتاتورية أو ما بعد الحروب الأهلية.

    اعتقاد وانتقاد
    المتأمل في نظرية هابرماس لا يجدها فلسفة أصيلة ويرجع هذا إلى المناهل الكثيرة التي نهل منها هابرماس مما جعله يصوغ نظريته الخاصة بالإستناد إلى نظريات فلاسفة آخرين دون أن يولي اهتماما لإمكانية الدحض المستقبلي لتلك الفرضيات وهذا ما لاحظه أقرب المقربين من هابرماس فنظرته في الأخلاق هي نظرة تطورية مرحلية نفعية قائمة على نظرية التطور في العقل البشري وأخلاقه وقد وجه أبرز شراح هبرماس ومترجميه الفيلسوف الأنجليزي ماك كارتي نقدا لاستناد هابرماس على هاته النظريات من دون نقاش علمي ولا تمحيص لفرضياتها.(1) كما يعيب عليه صديقه كارل اوتو آبل تأسيسه لأخلاقيات الحوار على أسس لسانية نفسية وإجتماعية ويعتبر بأن هابرماس أسّس نظريته على فرضيات العلوم الإنسانية القابلة للدحض مستقبلا بعد أن تتبين طبيعتها الخاطئة مع الزمن وظهور فرضيات علمية أخرى مكانها شأنها شأن النظريات العلمية. فموقف الكلام المثالي ideal-speech situation وهي "المسلمة" التي استمدها هابرماس من تشومسكي تتعارض بشكل صريح مع مخرجات علم النفس اللغوي وهو من أحدث موضوعات البحث العلمي والذي من خلاصاته أن «الأفراد لا يتكملون بطريقة واحدة حتى في حالة انتمائهم إلى وسط اجتماعي واحد إذ نجد فروقا واضحة في كيفية استجاباتهم للمواقف المتشابهة وفي حصيلتهم من المفردات اللغوية ونوعيتها وفي درجة تعبيرهم سواء أكان ذلك بالحديث أم بالكتابة» (2)
    فانموذج المتكلم المثالي هو موقف لذات تنطبق على البشر في كل الأحوال. ذات لها القدرة على إنجاز لغوي سليم والتصرف في اللغة على نحو غير محدود فهو أنموذج يتجاهل بشكل فج الفروقات الفردية اللغوية ويجعل لجميع الأشخاص فرصًا متساوية في النقاش والجدال بينما على النقيض تدلنا الدراسات التي قامت على القياس الإحصائي للأسلوب من أن هناك فروقا فردية في حصيلة الأفراد من المفردات اللغوية تبعا لدرجة الثقافة ونوعية البيئة والعمر والحصيلة اللغوية فهناك من يسخدم الأسلوب المباشر الواضح وهناك من يسخدم الأسلوب المعقد. كما تدلنا الدراسات على وجود فروقات في فهم معاني الجمل تبعا لنسبة الذكاء حيث يرى ترمان terman أن نمو الفهم اللغوي مرتبط إلى حد كبير بنمو الذكاء فكلما زاد ذكاء الفرد زادت قدرته على فهم معاني الجمل وإبراز المضامين الكامنة بين مدلولاتها وكل ما قل ضعفت قدرة الفهم وقلت المضامين المستخرجة من الجمل ولهذا نجد من يستخدم اللغة بيسر وطلاقة وقدرة ابتكارية في صوغ الأفكار وبناء مكونات جديدة للموضوعات بينما يستخدمها آخرون بلعثمة وتعسر وبمقدار إلمام المتكلم بأساليب اللغة وظروف المخاطب يتوقف مقدار ما يمكن أن تؤديه التراكيب اللغوية من معان (3)
    كما يهمل الأنموذج المثالي للكلام أيضا اللغة الانفعالية الناتجة عن الإنفعال والتسرع وعدم التروي وهي لغة مرتبطة بالحالة السيكولوجية والمزاجية للمتكلم أثناء الكلام فعلم النفس اللغوي يرى أن اللغة تعبر عن مكنونات النفس فقد يقع الفرد في أخطاء عديدة تبعا للحالة المزاجية والنفسية للمتكلم. بينما يتبنى هابرماس مبادئ وآليات التحليل النفسي الفرويدي يفترض في الأطراف المتحاورة كونها أطرافا مضطربة ومرضى نفسانيين ولا يمكن الوصول للحقيقة إلا عبر التواصل أو الحوار فبالحوار وحده يمكن المجتمع تشخيص أمراضه ومن ثم يسعى في علاجها وبهذا المعنى يصبح الحوار كذلك في سياقه الاجتماعي أداة لفك المجتمع من الحالات المرضية التي تصيبه والنفاذ إلى العراقيل الباطنية في المجتمع وإصلاح أعطابه على حد سواء. (4) ( للتوسع انظر مقال: الفرويدية، لا منهجية التأويل وإشكالية رموز الليبيدو )
    من جهة أخرى يتبنى هابرماس مخرجات وآليات المدرسة الظاهراتية. والعقلانية التواصلية مبنية أساسا على المنهج الفينيومينولوجي لتأثر هابرماس الشديد بالألماني الآخر ادموند هوسرل. فلا وجود لأحكام أو ماهيات أو مسلمات قبلية كالإيديولوجيا والدين والثقافة فيجب عزل وإضعاف تأثيراتها على مجريات النقاش ووضعها بين قوسين وهو ما يعرف في الظاهراتية بالقصر أو الإرجاع الفينونمينولوجي phenomenological reduction ثم ما يتم الإتفاق حوله هو حتما صحيح لأن "الذوات" تكون قد تحررت من مسببات الخطأ وهو شبيه بالحدس الغشتطلي في المنهج الفينومينولوجي والذي سبق أن قلنا انه حدس شبيه بالكشف الصوفي الشيء الذي جعل كل من يستخدم هذا المنهج يغرق في المثالية ولهذا المنهج إخلالات كثيرة تعرضنا لها بالنقد في مقال سابق -انظر مقال الوجودية: التفكير مع سارتر ضد سارتر- غير أن ما يهمنا في المقال هو العقبة الإبستيمولوجية التي تعترض هذا المنهج وهي عقبة لا سبيل إلى رفعها أبدا كما يرى باحثون ذلك أن «الباحث في العلوم السياسية لا يستطيع مهما حاول أن يفصل ذاته عن الظواهر التي يبحث فيها ولا يستطيع أن يتجرد من آرائه ومعتقداته أو من انتماءه للمجتمع والتاريخ فهذه الأمور رغم وعيه وإخلاصه قد تختلط بالظواهر التي يدرسها وتتداخل مع المعارف الموضوعية التي يدرسها» (5) وهو ما يسميه الفيلسوف السياسي الأمريكي مايكل ساندل والمحاضر في جامعة هارفارد بالإعتراض السوسيولوجي فالدراسات الإجتماعية والسياسية الحديثة خلصت إلى أن الباحث الإجتماعي أو السياسي لا يستطيع أن يتجرد من ميوله ورغباته وآراءه الخاصة أثناء عملية البحث وهكذا تتسرب عناصر الذاتية إلى ساحة بحوثه وتتداخل معارفه السابقة مع المعارف العلمية وعلى هذا الأساس تم التشكيك فيما يعرف بالقرار الرشيد أو القرار العقلاني أو الإجرائي وهو ما تؤكده دراسات وخلاصات علم النفس المعرفي وهذا ما سنلاحظه في شخص هابرماس نفسه في مدى تأثير الإرث النازي في مواقفه الأخلاقية والسياسية كما سيأتي.

    فينومينولوجيا الإتفاق
    وتعني أولوية الإجراء على المبدأ فإذا قبلنا واتبعنا المعايير الإجرائية المتعلقة بالنقاش والجدل فحتما سوف نصل إلى اتفاق جوهري على الطرق الصحيحة فالإجراء هنا ينقل إنصافه إلى النتيجة بالضرورة لأن الحقيقة بالنسبة إلى هابرماس لا تتأتى من عالم متعال بل الحقيقة فقط ما يستقر عليه رأي الجميع ويتفقون جميعا بشأنها. وهذه النظرة على نقيض الإلتزام بقوانين قبلية في النقاشات كقانون الله او الأحكام الأخلاقية وهو ذات الصراع الذي أقيم ما بين الفلسفة الوجودية والفلسفات الماهوية من هل أن الوجود سابق على الماهية أم العكس ونظرة هابرماس تتبنى النظرة الوجودية الفينومينولوجية التي تعتبر الإلتزام بقوانين قبلية منافي للبعد الإرادوي إذ يجعل من جميع الأطراف مشروطة مسبقا ويجعل الأطراف غير قادرة على اعتبار نفسها حرة لها القدرة الكاملة على الإختيار. ولكن العدالة الإجرائية التي يبشر بها هابرماس والتي تجعل من كل اتفاق هو اتفاق منصف وعادل بالضرورة هو تضييق أشد للحرية والبعد الإرادوي يقول مايكل .ج ساندل: «تبدو الحرية المتاحة للأطراف في الوضع الأصلي أضيق بكثير...مادامت المبادئ العادلة هي وحدها التي يمكن الإتفاق عليها فإن الجانب الإرادوي في المبادرة ليس بذلك الإتساع الذي يمكن أن يظهر به في البداية... إذا كان كل من الحق والخير ناشئين عن الإختيار فسيكون للظروف الخاصة التي يقع في ظلها اختيار الحق معنى يفيد بأن الأشخاص الفعليين لا يد لهم فيه. هكذا فإن ما يعتبر حقا أو عدلا ليس شيئا نحن أحرارا في اختياره مادامت مبادئ العدالة سارية قبل أن يبدأ أي اختيار فعلي» (6)
    إن هابرماس ومن خلال فينومينولوجيا الإتفاق كان قد صور لنا المجتمع في صورة هلامية لمجتمع يسود فيه استعمال لغوي سليم معافى وخال من الكذب واللغط والثرثرة والحشو والنفاق والخداع الشيء الذي جعله موضع انتقادات واسعة سواء من فلاسفة ما بعد الحداثة او حتى من أقرانه في مدرسة فرانكفورت النقدية. فقد عارض فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي جون فرنسوا ليوطار J.F Lyotard مفهوم الإجماع لدى هابرماس معتقدا ان الأصل في اللغة هو الاختلاف و النزاع معتبرا خطاب هابرماس حول الإجماع خطابا حداثيا ميتا. صحيح أن موقف ليوطار وغيره من مفكري ما بعد الحداثة يحمل مغالاة لفلسفة الإختلاف والنزاع ولكن تقابلها على النقيض مغالاة هابرماس لفينومينولوجيا الإتفاق والحق أن كل فلسفة تحمل أدوات هدم الفلسفة الأخرى وقد تعرضنا في مقال سابق لأدوات الهدم التي تضمنتها الفلسفة التحليلية وفلسفة هابرماس تحديدا لفلسفة الإختلاف تفكيكية دريدا تحديدا وهي مشكلة مزمنة في الفلسفة الغربية قديما وحديثا وهو صراع الأقطاب والثنائيات فوجود الإختلاف في اللغة لا يعني بالضروة أن اللغو تنازعية وبالمثل وجود التواصل في اللغة لا يعني ان اللغة تواصلية وتفيد دوما التفاهم والإجماع..وهو ما يؤكده جون جراندن حين يقول أنه يمكننا معارضة هابرماس على أكثر من مستوى في كون اللغة لا تستهدف دائما التفاهم بحكم تحريكها من أجل غايات المزايدة أو الخداع أو ادعاء التفاهم إلا أننا في الحقيقة على عكس ذلك تماما فليست كل الأفعال تواصلية بالضرورة فقد أتصرف وفق ما تمليه علي مصالحي الخاصة دونما إكتراث بالآخرين وبأي تفاهم معهم. (7)
    كما شك اكسل هونيث احد أبرز أسماء الجيل الثال لمدرسة فرانكفورت في فرضية هابرماس تحقيق المساواة بين المتكلمين عبر اللغة فالأشخاص غير متساوين من الناحية الجدلية واللغوية وبالتالي فإن التوافق ليس بحقيقة دائما فقد تغيب الحجة عن أحد الأطراف فيحصل التوافق حول الحجة الأضعف. ويعتبر ألبرت فيلمر أحد أبرز أسماء الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت أن الإحالة إلى هذه الجماعة ( جماعة غير محدودة للتواصل) يعبر عن وهم مثالي للتفاهم وبعيد عما يجري في الواقع.
    وفي سياق رده على جون رولز الذي يتفق مع هابرماس في فينومينولوجيا الاتفاق حيث يرى –أي رولز- ان مبادئ العدالة هي عادلة لكونها مختارة ..وما يتفق عليه الأطرف هو ذاتي التبرير يقول ساندل: «من الناحية السياسية فإن مداولاتنا حول العدالة والحقوق لا يمكن أن تنطلق من دون الرجوع إلى تصورات الخير التي تجد التعبير عنها في مختلف الثقافات والتقاليد التي تجري فيها تلك المداولات» (8)
    وهذا ما تقرر في علم الإجتماع الحديث من كون الباحث في موضوع السياسة أو الأخلاق او الإجتماع يمثل جزء من موضوع البحث ولا يمكن أن يعزل نفسه وهذا ما نلاحظه في الإرث النازي المؤثر في هابرماس نفسه بدليل أننا لو عرضنا موضوع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على طاولة نقاش تلتزم بمعايير هابرماس الإجرائية التزاما حرفيا يكون هابرماس طرفا في هذا النقاش لما استطاع التخلص من العقدة النازية وسنلحظ تأثيرها بشكل مباشر في تحديد مواقفه السياسية والأخلاقية ففي الحوار الذي أجرته معه الباحثة الأمريكية جيوفانا بورادوري حول الفلسفة في زمن الرعب أو الإرهاب للرد على الإنتقادات التي وُجهت لنظريته جرد هابرماس العمليات الفلسطينية من بعدها الوطني ولم يعتبرها حركة من حركات التحرر التي طبعت النصف الثاني من القرن العشرين وإنما اعتبرها حالة من حالات الإرهاب الأعمى بقصد الثأر وتدمير الآخر و في المقابل لا يدين اسرائيل بكلمة واحدة حول إرهاب "الدولة" بحق شعب أعزل واستخدام أسلحة محرمة في حق شيوخ ونساء وأطفال بل ويصورهم في صورة شعب وديع ابتلي بآفة الإرهاب ولا يمكن فهم هذا الموقف من فيلسوف التواصل إلا في إطار المركزية الأروبية التي لا يخرج عنها تفكير هابرماس أو كرد فعل عما تعرض له اليهود في الحقبة النازية جعلت من موقفه السلبي وكأنه حالة من حالات التكفير عن الذنب الألماني لما ضاقه اليهود في الحقبة النازية من تشريد وازدراء. حادثة أخرى تخص هابرماس يذكرها رث والاس بقوله: «لم يتمسك بإمكانية حدوث الصراع في هذه المواقف على الرغم من اعتدال وتعقل المشاركين ...ففي عام 1987 تمزقت جماعة المفكرين والصحفيين نتيجة الجدل العنيف الذي دار بين المؤرخين حول ما إذا كان ينبغي النظر إلى الفاشية كرد فعل للبلشفية أو ان اوزوفيش Auschwitz وغيره من الجنود الميتين كانوا متجزرين في شبكة مخيمات العمل الإجباري الروسية ومن المتوقع أن هابرماس كان قد انخرط في الهجوم على مثل وجهات النظر هذه» (9)
    ونتيجة لهذا وقع اختراق الفضاء العام من إيديولجيات مختلف وأصحاب المصالح تحت مسميات منظمات شغلية وجمعيات وطنية حقوقية ودستورية وما إلى ذلك من أطراف متداخلة ومؤدلجة ولهذا لا يمكن أن ندعي إمكانية الإجماع بشأن تلك الموارد للنزاعات مما يجعلنا نتوقع ديمومة الصراع أو التنازل عن مبدأ الحجاج في أصل الإختلاف. (10)


    الأخلاق
    المعايير الاخلاقية في نظر هابرماس لم تسقط من السماء ولا هي معطى قبليا سابق على الإجراء العقلاني التواصلي وإنما هي حصيلة لفينومينولوجيا الإتفاق فالأخلاقي هو ذاك الذي تم الإتفاق حوله بين جملة الأطراف المتحاورة ووقع تبريره تبريرا عقليا يخضع لشروط اخلاقيات التواصل. وبهذا تكون فلسفة التواصل قد تبنت منطقا دائريا فشروط أخلاقيات التواصل متأتية من خلال فهم سابق ومحدد للأخلاق من دون إقامة الدليل والبرهان على صلاحية تلك الشروط فهي تتبنى معايير الصدق الحقيقة المصداقية الصلاحية كأسس أخلاقية مسلم بها قبليا وفي هذا يقول حسن مصدق: «يكتفي بصك عريضة مبدئية : (نتبنى هذه الشروط اللغوية المعيارية والأخلاقية لانها أخلاقية ) أي عندما نطالب روادها بتقديم الحجة على هذا الإختيار لا يجدون مبرر لتبرير ذلك إلا باللجوء إلى الأخلاق ذاتها. ولأنها أيضا تكتفي باعتماد تلك الإفتراضات المعيارية للبرهنة العقلانية المشهود بصلاحيتها قبليا على الرغم من أن هذه الصلاحية الأخلاقية المطلقة تتطلب بدورها تبريرا وتعليلا» (11)
    وهذا ناتج من تأثر هابرماس بالسيسيولوجيا الفنومينولوجية علم الاجتماع الذي يستلهم أسسه من نظريات المدرسة الظاهراتية في الفلسفة القائمة على الإدراك والتحليل دون فروض مسبقة.
    هذا من ناحية الأسس والمقدمات أما من ناحية النتائج فإن نظرية التواصل غير قادرة من الناحية الأخلاقية على البرهنة من أن الفرد مجبر دائما على الإعتماد على معايير التواصل العقلاني والفاعلية التواصلية عوضا عن الفاعلية الأداتية أو الدينية.فالإختلافات القِيَمِيَّة تكون في النهاية متضاربة ولا يمكن الوصول لاتفاق حولها حتى باتباع المعايير الإجرائية التواصلية التي من المفترض أن تفضي بالضرورة إلى اتفاق جوهري يقول رث والاس: «خذ الإفتراض بانه من الخطأ إبادة أي كائنات أخرى تشاركنا الكون وأنه ليس فقط يفتقد إلى الحكمة (لأنه قد تكون مفيدة في يوم ما) لكنه بالفعل خطأ. إذا كنتَ تؤمن بهذا فربما يعود الأمر لأسباب دينية أو ببساطة لأنك تتخيل أن كل شيء له الحق في الحياة وبدلا من ذلك فإنه قد لا تؤمن بهذا الإفتراض على الإطلاق. إنه ليس واضحا لماذا يعمل الفكر الإتصالي العقلاني على تحريك مواقف الناس من هذه القضية أو غيرها من القضايا مثل الإجهاض والطلاق ونفقات الدفاع أو دور الحكومة في الإقتصاد. يعتقد هابرماس وبالفعل معظم العلماء الإجتماعيين يعتقدون بأن الإختلافات القيمية تكون في النهاية متضاربة» (12)
    من ناحية ثانية تؤسس الأخلاق التواصلية للأخلاق النفعية فما سيتم الإتفاق حوله هو في نهاية المطاف أخلاق مصلحية آنية أداتية قائمة أساسا على العقل ومنعتقة من كل قيمة اعتبارية وأخلاقية فهي ابستيمولوجيا تتبنى أولوية العقل النظري ونهائيته وموضوعيته في ميدان المعارف المتصلة بالأخلاق والسياسة وهو تقليد فلسفي موروث نشأ منذ ديكارت وأثر في الفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية المدرسة التي تأثر بها يورغن هابرماس أشد التأثير وهي الإبستيمولوجيا التي يرفضها شارلز تالور ويهاجمها في مؤلفاته ويعتبرها "غلو عقلاني" ومنهج فكري إجرائي لا يُعنى بمضامين الخلفيات الثابتة لأنه يتخذ من العقل الخالص وسيلة للعمل الإنساني ويقترح شأنه شأن الفلاسفة الجماعتيين ضرورة تجاوز الإبستيمولوجيا الحديثة وذلك لقصورها وإخفاقها في الأخذ بالمعاني المنبثقة من أصالة الحياة وغاية له فالعقل المنعتق عقل قصير النظر مجرد بمعنى فارغ في طبيعته من مضامين أو غايات كامنة قادرة على توجيه العمل الإنساني وتحفيزه. أصالة الفرد الأخلاقية لا تتحقق في معايير أخلاقية مجردة مفترضة أو مصطنعة أو في عقل ذاتي نفعي بل فيما يسميه تايلر الخلفيات الثابتة inescapable backgrounds وهذه الخلفيات هي الموروثات الثقافية الثابتة لغة تقاليد دين فإن هذه الموروثات تنشئ هوية الفرد التاريخية وهي قيمة أخلاقية بحد ذاتها ومرتكزا أساسيا للشرعية السياسية تُبنى عليها التشريعات والقرارات العمومية. فليست هي مسألة ثانوية كما ساد الإعتقاد منذ الحداثة التي فصلت بين السياسي والثقافي بل هي مستند التواصل السياسي والمجتمعي. فتكون حرية الفرد وممارسته السياسة ممارسة ذات دلالة وقيمة تاريخية أصيلة تعبيرا أصيلا عن انتمائه التاريخي والحضاري لا حرية مجردة مصطنعة فارغة من المعاني الثقافية والدلالات التاريخية. -انظر كتاب مدخل إلى أعمال شارلز تايلور-
    ودعنا نشير هنا إلى مشلكة لطالما عانت منها الفلسفة الغربية عبر تاريخها وهو صراع الأقطاب والإنتقال في كل مرة من النقيض إلى النقيض فالتيار الجماعاتي يرفض الأخلاق المنعتقة من الروابطة الثقافية ويقول بأن الجماعة سابقة من حيث التكوين عن الفرد وبالتالي كل قيمة مشتركة تعتبر قيمة أخلاقية بذاتها وهذا تطرف مقابل فأن تتفق جماعة ما على قيمة مشتركة كزنا المحارم لا يجعل منها قيمة أخلاقية بالضروية وأبرز نقد وُجه لهذا التيار ما جاء على لسان جوستين لاكروا justine lacroix بقولها: «ففي كثير من الأحيان على نحو ما يتراءى لنا أن تفكر هؤلاء الجماعتيين ينزلق من الوصفي إلى المعياري. ذلك أن عملا اجتماعيا ما لا ينطوي بالضرورة على الخير. كما أن دلالة ما لا تستحق أن تُسند إليها قيمة بمجرد أن تصبح مشتركة» (13)

    الكونية
    الكوني في العقلانية التواصلية ليس هو معطى قبلي كما هو في التوجه اللبرالي القائم على الإكراه بل هو قائم على الحوار ويحصل بفعل اتفاق وجهات النظر والإجماع يشترك في وضعه جميع الأمم على اختلاف ثقافاتها وعاداتها وبالتالي يتحول إلى حكم أخلاقي محايد ملزم للجميع سواء تعلق الأمر بمجال الأخلاق أو السياسة فهو إرادة عقلانية تبرر القوة الإلزامية ثم إن ما يهم هابرماس هو سن معايير كونية قادرة على حل المشكلات التي فيها تتخبط البشرية و تعمق ثقافة السلام بين الأمم وبلورة قواسم مشتركة تدعم الإندماج بين الشعوب على الصعيد العالمي.
    ما يعيب مبدأ الكونية أنها كونية في إطار المركزية الأروبية فعقلانية هبرماس هي نتاج "عرقي التمركز" ethnocentrique فشروط التداول اللغوي النموذجية خالية من البعد الكوني لأنها مبنية عن تصور غربي خاص للعقل والمنطق والبرهنة رؤية قائمة على أولوية العقل النظري ونهائيته في ميدان المعارف وهو تقليد فلسفي موروث نشأ منذ ديكارت وأثر في الفلسفة التحليلية الأنجلوسكسونية ولهذا كانت لها نظرة محدودة للذات والفرد والاخلاق والمجتمع والعدل والمساواة نظرة تعلي من الثقافة الغربية دون غيرها فهي تتبنى نظرة تطورية للأخلاق تعتبر أن لكل زمن معاييره وأخلاقه يقول حسن مصدق: «فهي تعبر في الحقيقة عن نزعة عرقية مركزية تقوم على صدارة الحضارة الغربية في الكون وتعبر عن تصورها لنمو الفرد وتطوره مما يؤكد أن عقلانية كونيتها محل شك إذا عتمدنا منظور دراسة ثقافية تجريبية بين سائر الشعوب والحضارات» (14)
    ويرى أكسل هونيث أن التذرع بافتراضات معيارية يستنتج منها مبدأ لكونية هو تصور جد ضيق لمفهوم العدالة الذي حصره هابرماس في النموذج الغربي كنموذج أعلى..وفي نفس المنحى أيضا ذهبت زميلته في الجيل الثالثة الفيلسوفة الأمريكية سيلا بنحبيب التي ترى أن هابرماس ظل سجينا لتاريخ وثقافة الغرب وحضارتها ومنطقها وهو ما جعله يقدم افتراضات تتضمن مفهوما ضيقا ومحدود للمساواة.
    ويتساءل المفكر البلجيبي ميشال مايير M.meyer قائلا هل تعتبر الإرادة المخالفة لمبدأ الكونية مذنبة أو شاذة بحيث يتعين محاربتها باسم قاعدة الكوني أَوَلَيْسَ الإختلاف هو نفسه عبارة عن حق كوني. أليس الإختلاف أيضا هو حق كوني هذا ما يذهب إليه أيضا شارلز تايلور وأنصار التيار الجماعاتي الذين يُعلُون من مبدأ الإختلاف ويجعلونها الركن الأساسي للحقوق السياسة والمرجعية الرئيسية المتعلقة بسنّ القوانين المرتبطة بجماعة ما وهذا خلافا لفلسفة العقد الاجتماعي اللبرالية وخلافا أيضا للفلسفة التواصلية.

    من جانبٍ آخر انحرفت الكونية من مجال القيم الانسانية الى مجال تبرير الهيمنة والاستعمار لتصبح شكلاً من أشكال العولمة من خلال فرض المفاهيم الغربية للذات والفرد والمجتمع على الشعوب والثقافات المختلفة والذي كان قد فُرض في حقبة ما بقوة السلاح والإسعمار المباشر أما اليوم فهو يُفرض على الشعوب من خلال الديمقراطية وما يترتب عنها من إجبار شعوب محافظة على قبول مبادئ غربية يتم تسويقها على أنها مبائ كونية كالمثلية ومنع الإعدام وحرية الضمير والمساواة في الإرث وغيرها وغيرها مما يُدرج في مسببات حالة الخواء الفرداني والدمار النفسي الذي يطوق الذات في الغرب وكأنها صورة انتقامية من باقي الثقافات أو كما يقول جون بودريار: "إن ثقافة أضاعت قيمها لا تستطيع الا أن تنتقم من قيم الثقافات الأخرى" واقع تلخصه مقولة للروائي النيجيري تشيوا آتشيبي وهو يبدو غاضبا «إنني أود أن أرى كلمة العالمية هذه وقد حظر استخدامها تماما في المناقشات عن الأدب الإفريقي حتى يأتي اليوم الذي يكف فيه الناس عن استخدامها كمرادف لتلك النظرة الضيقة المحدودة التي تمجد الذات من جانب أروبا» (15)
    ولعل ما يجلب الإنتباه أن بعض النخب العربية المتأثرين والداعين لتطبيق فلسفة هابرماس في بيئتنا يركزون على العقلانية التواصلية والمعايير الإجرائية والحقوق الكونية ولا يشيرون مطلقا إلى دعوة هابرماس تجاوز الدولة القُطرية والوطنية والقومية ودعوته إلى توحيد أوروبا ليس فقط إقتصاديا وإنما تحت دستور موحد وكأنها دعوة صريحة إلى نظام خلافة أروبية! وهو حلم راود هابرماس كثيرا ولم يستطع تحقيقة لانعدام أرضية مشتركة لم تقدر العقلانية التواصلية أن تكون هي الأرضية..هذا الحلم الحداثي الذي راود الرجل المتربع على عرش الفلسفة الغربية الحديثة لو قيل في غير تلك البيئة لاتهم بالرجعية والتخلف.

    1- يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية التواصلية. حسن مصدق ص167
    2- علم النفس اللغوي د.نوال محمد عطية z15
    3- (انظر علم النفس اللغوي د.نوال محمد عطية)
    4- يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت النظرية النقدية التواصلية ص142-141حسن مصدق
    5- أبعاد التموجات الإبستيمولوجية على دينامية البناء والتفكيك المعرفي في حقل السياسة المقارنة ص88-89// بلخضر طيفور رسالة ماجستير
    6- مايكل ج ساندل اللبرالية وحدود العدالة ص217- 256
    7- أودينة سليم فلسفة التداوليات الصورية وأخلاقيات النقاش عند يرغن هابرماس ص99
    8- مايكل ج ساندل اللبرالية وحدود العدالة ص304
    9- رث والاس النظرية المعاصرة في علم الإجتماع: تمدد آفاق النظرية الكلاسيكية ص‎ 299-300
    10- علي عبود المحمداوي الإشكالية السياسية للحداثة ص389
    11- يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت النظرية النقدية التواصلية حسن مصدق. ص168
    12- رث والاس النظرية المعاصرة في علم الإجتماع : تمدد آفاق النظرية الكلاسيكية ص 298-299
    13- مدخل إلى أعمال شارلز تايلور ص106
    14- يورغن هابرماس ومدرسة فرانكفورت النظرية النقدية التواصلية حسن مصدق ص168
    15- نهاية اليوتوبيا السياسية والثقافية في زمن اللامبالاة راسل جاكوبي ص170
    التعديل الأخير تم منذ 3 أسابيع الساعة 04:03 PM
    ﴿ وأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء