النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: المقال الثامن - رياض النعيم- شبهات حول مفهوم الرحمة الإلهية -الجزء الأول.

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    مصر -الأسكندرية
    المشاركات
    66
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    Arrow المقال الثامن - رياض النعيم- شبهات حول مفهوم الرحمة الإلهية -الجزء الأول.

    (8)

    شبهات حول مفهوم الرحمة الإلهية





    *)كيف يوصف الله جل وعلا بالرحمة مع ما نراه من مصائب وكوارث تقع على الخلق في الدنيا ؟

    *) العقوبات الشرعية والحدود تنافي الرحمة بل تتسم بالعنف والقسوة.

    *) كيف وهو جل وعلا أرحم الراحمين ويعذب عباده بالنار ؟









    أولاً : الشبهة الأولى وجوابها:

    *)كيف يوصف الله جل وعلا بالرحمة مع ما نراه من مصائب وكوارث تقع على الخلق في الدنيا ؟

    سؤال له موضعه في نفس الإنسان الحائر البعيد عن منهج الله U ، الذي لم يذق طعم الإيمان وحلاوته مهما تسمى بأسماء المسلمين وانتسب إلى الإسلام ، فهو في داخله لم يستضئ بنور الله U { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ}(النور: من الآية40) إن أول من سأل مثل هذا السؤال هو( جهم بن صفوان وكان يقف على الجذامي([1]) ويشاهد ما هم فيه من البلايا ويقول أرحم الراحمين يفعل مثل هذا؟! ([2]) ).



    بل وصل الحال ببعض الخارجين على الدين المنكرين للحِكَم الشرعية الدينية ، الذين يتهمون خالقهم بالظلم والعبث ( تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا ) بالإفصاح عن مكنون حالهم من تيهٍ وضياعٍ ، وسودوا بأقلامهم السوداء بيض الصحف وقد عرض الشيخ الفاضل عبد الرحمن عبد الخالق (حفظه الله U )لهذه الشبهة قائلًا:

    شبهة معروفة هي قولة :بعض الملاحدة من القدماء و المحدثين (( إذا كان الله رحيما و رحمانا علي هذا النحو فلماذا نشاهد في الكون كثيراً من القسوة و الظلم و الآلام الجسدية والنفسية الهائلة فالزلازل و البراكين التي تجتاح بلدانا بكاملها و العواصف المدمرة ، ظلم الإنسان لأخيه الإنسان و قتله له ، بل و الأمراض المعدية و الأوبئة الماحقة ، و الآلام النفسية الهائلة التي يتعرض لها كثير من الناس في حياتهم )) .

    لم خلق الله كل هذا ؟

    و لم فعل هذا و هو الرحمن الرحيم ؟

    يقول عبد الله القصيمي ([3])



    في كتابه ( هذا الكون ما ضميره ؟ )

    ( إن كل ما في الكون من جمال لا يستطيع أن يكون غفرانا واعتذارا عن أية دمامة يعاني منها أي إنسان ، لأن كل ذلك الجمال لن يستطيع أن يجعل دميما واحدا من دمامته أو من شعوره بها ، و لا أن يكون عزاء أو تعويضاً له عنها ) .

    و هذا القول و إن كان طعنا في حكمة الله سبحانه و تعالي و ازدراء لخلق هذا الشر النسبي مع هذا الخير العام إلا أن قائله لا يورد هذه الشبهة لأنها هي شبهته التي منعته من الإيمان فهو منكر لوجود الخالق أصلا و لذا فهذه الشبهة منه من تناقضه وحيرته و تخبطه و العياذ بالله فهو يقول

    (( لقد عاش الإنسان طويلا يقتات بخطأ شهير كبير ، لقد ظل يؤمن بوجود قدره مطلقة ، وكان يتصور ذلك دون معاناة كان و لا يزال يتصور ذاتاً لا حدود لأبعادها و لا لأعماقها )) .

    و هذا فيه التخليط و الكذب علي المؤمنين الشيء الكثير فالله سبحانه و تعالى في حس المؤمن وتصوره ليست ذاتا مطلقة ، و وجود الله الذي يؤمن به المؤمن ليس وجوداً مطلقا بل ذات موصوفة بصفات الكمال، و وجود الله سبحانه و تعالى وجود حقيقي يتصور المؤمن فيه رؤية الله و سماع كلامه و أما الذين جعلوا وجود الله مطلقا فهم أهل وحدة الوجود من الملاحدة التي وصفوا الله وصفًا عدميًا مطلقا يتصور في الأذهان و لا حقيقة له في الخارج يصح أن يوصف بها و أما إيمان المؤمنين بالله فغير ذلك و المهم أن الشبهة السابقة التي ترد علي اتصاف الله عز وجل بالرحمة شبهة قديمة حديثة وذلك من تشابه قلوب الكافرين قديما وحديثا كما قال تعالى{تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ}(البقرة: من الآية118) ) و ذلك أن المعلم واحد و هو الشيطان ([4]).

    العجب العجاب أن مثل هذه التافهات قد راجت على ألباب بعض المسلمين وصار من حيث لا يدرى يردد كلمات هؤلاء الملحدين ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

    وقبل الجواب على هذه الشبهة ونورد هذا السؤال :

    هل أنواع البلاء التى تلحق بالإنسان متعلق برحمة الله U ؟!! أم لا ؟

    ما هو البلاء ؟ وموقف المؤمن منه وقت نزوله ؟

    إن المؤمن في نظرته لهذه المصائب والبلايا غير نظرة غيره من البشر ، إذ نظرته نظرة ربانية المصدر ، علوية المكانة ، نبوية الطريقة ، وصدق r « عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ »([5]).



    الجواب على هذه الشبهة ،والسؤال الذي طرحناه بحول الله U وقوته :

    ما هو البلاء؟

    البلاء لغةً([6]):

    البلاء: البلاء؛ واحد، والجمع " بلايا "، وبلاه جربَّه واختبره، وبلاه اللهُ؛ اختبره([7]). ويُقال بَلِيَ الثوبُ وبلاءً؛ أي خَلُقَ، ومنه لمن قِيل سافرَ بلاهُ سفَرٌ؛ أي أبلاهُ السفرُ، وبلوتُه؛ اختبرتهُ كأني أخلَقتُهُ من كثرة اختباري له، وأبليتُ فلاناً إذا اختبرتَه، وسُمي الغمُّ بلاءً من حيث إنه يبلي الجسم، وسُمي التكليف بلاءً من أوجه: أحدُها أن التكاليف كلها مشاقُّ على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاءً، والثاني أنها اختبارات.

    وإذا قيل: ابتلَى فلانٌ كذا وأبلاهُ، فذلك يتضمن أمرين: أحدهما تعرُّف حاله، والوقوف على ما يُجهَلُ من أمره، والثاني ظهور جودته ورداءته، وربما قُصِد به الأمران، وربما قُصد به أحدهما ([8]).

    أنواع البلاء:

    البلاء نوعان:

    بلاء يأتي من جهة الشر والشدة، وبلاء يأتي من جهة الخير والرخاء والسِّعَة.

    النوع الأول: بلاء الشَّرِّ والشِّدَّةِ:

    وهذا النوع من البلاء ينقسم إلى قسمين:

    - بلاء قدري كوني؛ كأن يُقدِّر الله U على عبدٍ من عباده الفقر، أو الجوع، أو الخوف، أو المرض، ونحوه فقدان الأصحاب والأحبة، ودليل هذا النوع من البلاء قوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة:155. وكذلك قوله تعالى وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (الفجر:16. وقوله تعالى لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (آل عمران:186.

    وقوله تعالى أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:2-3.

    - وبلاء شرعي تكليفي؛ كالجهاد في سبيل الله وما يترتب عليه من مشقة وجراح وآلام، والهجرة وما يترتب عليها من مفارقة الأهل والأوطان والديار، والعمل بما تقتضيه عقيدة الولاء والبراء في الإسلام، وكذلك الصلاة في أوقاتها، والزكاة، والحج، والصيام .. وغيرها من العبادات التكليفية الشرعية التي تستلزم بذل الجهد، وحمل النفس على خلاف المألوف وما اعتادته من دعة ورفاهية ورخاء.

    ومن البلاء الشرعي التكليفي، كذلك الإمساك عن المنهيات والمحظورات التي نهى الشارع عنها، وحمل النفس على مخالفة الهوى .. وما أقل من يقدر على ذلك!

    والدليل على هذا النوع من البلاء قوله تعالى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (النازعات:40-41. وقوله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم (محمد:31.



    النوع الثاني: بلاء الخير والسِّعَة:

    وهذا النوع من البلاء كذلك ينقسم إلى قسمين:

    - بلاء قدري كوني؛ كأن يُقدِّر الله U على عبدٍ من عباده الغنى والسعة، والصحة، ويرزقه من البنين والذرية العدد الوفير .. مما يكون مدعاة للفخر والتباهي عند كثير من الناس .. والدليل على هذا النوع من البلاء في كتاب الله تعالى قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (الأنبياء:35. فالآية الكريمة دلت على نوعي البلاء: بلاء الشر والخير معاً.

    وكذلك قوله تعالى وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الأعراف:168.

    قال ابن كثير في التفسير: ) وَبَلَوْنَاهُمْ (؛ أي اختبرناهم ) بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ (؛ أي بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء ا- هـ.

    وقال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (الأنفال:28. والأموال والأولاد تكون فتنة وبلاء عندما تُشغل صاحبها عن ذكر الله، وعن القيام بما يجب عليه القيام به شرعاً. كما قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (المنافقون:9. فإن ألهتك عن ذكر الله، وعن القيام بالواجبات الشرعية فاعلم حينئذٍ أنها فتنة وبلاء عظيم.

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" إن الولدَ مبخلة مجبنة مجهَلةٌ محزَنةٌ ([9])". وهذا من قبيل التحذير والتنبيه؛ أي لا يحملنَّك ولدك وتعلقك به على البخل إذا ما استدعى الأمر منك الإنفاق في سبيل الله، كما لا ينبغي أن يحملك على الجبن إذا ما استدعى الأمر منك الإقدام، والنفير إلى الجهاد في سبيل الله.

    - والقسم الآخر من هذا النوع من البلاء شرعي تكليفي؛ كالإمساك عن الاستغناء والتوسع، وطلب سبل الخير والسعة عن الطرق المحرمة شرعاً؛ كطلب المال عن طريق الربا أو الميسر أو الغش، وكذلك طلب الصيد وقت الإحرام، والدليل على هذا النوع من البلاء في كتاب الله، قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (المائدة:94.

    قال ابن كثير في التفسير: قال ابن عباس قوله آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ ( قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره، يبتلي الله عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا لتناولوه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه.

    وقال مجاهد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ (؛ يعني صغار الصيد وفراخه، ) وَرِمَاحُكُمْ (؛ يعني كباره.

    وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون ) لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ (؛ يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد، يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه باليد والرماح سراً وجهراً، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره وجهره ا- هـ.

    وهذا النوع من البلاء قد ابتلي به مَن قبلنا من بني إسرائيل لما حرم الله عليهم صيد البحر يوم السبت؛ فكانت الأسماك والحيتان تأتيهم شُرَّعاً فتظهر على سطح الماء في هذا اليوم، وبصورة يسهل اصطيادها والتقاطها، وتختفي في سائر الأيام التي يجوز فيها الصيد بصورة يصعب اصطيادها .. ففتنوا فلم يصبروا أمام إغواء الصيد السهل .. فعصوا الله تعالى .. واصطادوا في اليوم المحرم عليهم الصيد فيه، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (الأعراف:163. فعاقبهم الله تعالى على عصيانهم هذا فمسخهم قردة خاسئين، كما قال تعالى وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (البقرة:65.

    وبلاء الخير في كثير من الأحيان يكون أشد فتنة ووطأً على صاحبه من بلاء الشدة والشر، فالشدة غالباً ما تحمل صاحبها على الرجوع واللجوء إلى الله تعالى، وعلى طلب العون والمدد والغوث من رب العالمين، فيمده الله تعالى بالصبر والثبات، بينما بلاء الخير والسعة والدعة والرخاء غالباً ما يحمل صاحبه ـ إلا من رحم الله ـ على الطغيان والظلم والتعدي، وعلى النسيان وقساوة القلب، والركون إلى الدنيا وزينتها ومتاعها، فيقع ذليلاً في أسرها فلا يستطيع الفكاك ولا الخلاص منها، لذا نجد أن النبي r قد خاف على أمته فتنة وبلاء الخير والسعة أكثر من فتنة الشدة والشر، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، أن رسول الله r بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافقت صلاة الصبح مع رسول الله r فلما انصرف تعرضوا له، فتبسم رسول الله r حين رآهم وقال:" أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيء ". قالوا : أجل يا رسول الله، قال:" فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم ". وفي رواية:" فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم ".وهذا ليس موضع الشبهة فليس حديث فيه.



    ـ مقاصد البلاء:

    بعد أن عرفنا البلاء وأنواعه، وأقسامه، بقي أن نتعرف على مقاصد البلاء والغاية منه، وهو الجانب الأهم من الموضوع؛ لأنه يُعين المرء على فهم البلاء الذي نزل بساحته، ولماذا نزل به أو بغيره، وما الحكمة منه.

    وإليك أهم وأبرز مقاصد وغايات البلاء:

    1- لرفع مقامات ودرجات العبد عند ربه يوم القيامة:

    والبلاء الذي ينزل بساحة الأنبياء، والصديقين، والشهداء، فهو من هذا القبيل؛ لرفع درجاتهم ومقاماتهم، ومضاعفة الأجر الجزيل لهم يوم القيامة، كما في الحديث عن سعد بن أبي وقاص، قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:" الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه .. ([10])".

    وعن أبي سعيد الخدري قال: دخلت على النبي r وهو يوعك فوضعت يدي عليه فوجدت حرَّهُ بين يدي فوق اللحاف. فقلت يا رسول الله ما أشدها عليك! قال إنَّا كذلك يُضَعَّفُ لنا البلاء ويُضعَّف لنا الأجر ". قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:" الأنبياء "، قلت يا رسول الله ثم من ؟ قال:" ثم الصالحون إنْ كان أحدُهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة يحويها وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء ([11])".

    وقال r:" إنا كذلك، يشتد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر "، فقال: يا رسول الله ! أي الناس أشد بلاء ؟ قال:" الأنبياء، ثم الصالحون، وقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر، حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويُبتلى بالقمل حتى يقتله، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء، من أحدكم بالعطاء([12]) ".

    وقال r:" إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخَطُ([13]) ".

    وسئل رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:" الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الناس على قدر دينهم؛ فمن ثخن دينه اشتد بلاؤه، ومن ضعف دينه ضعف بلاؤه ([14])".

    وعن أبي سعيد t أنه دخل على رسول الله r وهو موعوك عليه قطيفةٌ، فوضع يده فوق القطيفة، فقال: ما أشدَّ حُمَّاك يا رسول الله!، قال r:" إنا كذلك يُشدد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر "، ثم قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال:" الأنبياء " قال: ثم من ؟ قال :" العلماء "، قال: ثم من؟ قال:" الصالحون، وكان أحدهم يبتلى بالقَمْلِ حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحاً بالبلاء من أحدكم بالعطاء([15]) ".

    وقال r:" كما يُضاعف لنا الأجر، كذلك يُضاعف علينا البلاء ([16]) ".

    وقال r:" إنا معشرَ الأنبياء يُضاعَفُ علينا البلاء ([17])".

    وقال r:" يَودُّ أهلُ العافية يوم القيامة حين يُعطى أهلُ البلاء الثوابَ لو أن جلودهم كانت قُرِضت في الدنيا بالمقاريض([18]) ". أي بمقاريض من حديد.

    وقال r:" إن الرجلَ ليكونُ عند الله المنزلةُ، فما يبلُغها بعملٍ، فما يزالُ يبتليه بما يكرهُ حتى يُبلِغَهُ إيَّاها([19]) ".

    وقال r:" إن العبدَ إذا سبقتْ له من الله منزلةٌ فلم يبلُغْها بعملٍ، ابتلاهُ الله في جسدِه أو ماله أو في ولده، ثم صَبَر على ذلك حتى يُبلِغَهُ المنزلة التي سَبقت له من الله U ([20])".

    وقال r:" يقول الله U: من أذهبتُ حبيبتيه ـ أي عينيه ـ فصَبَرَ واحتسَب، لم أرضَ له ثواباً دون الجنَّة([21]) ".

    وقال r:" لو تعلمون ما لكم عند الله U، لأحببتم لو أنكم تزدادون حاجةً وفاقةً ([22])".

    ـ فوائد: يُستفاد من الأحاديث الآنفة الذكر فوائد عدة:

    منها: أن الرسل والأنبياء أشد وأقوى وأصلب الناس إيماناً؛ لذا فهم أشد الناس بلاء في الله، وأشدهم صبراً على البلاء.

    قالت عائشة ~:" لم يزل البلاء بالرسل، حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم، فكانت تقرأ قوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا (يوسف:110. مثقَّلَة " البخاري.

    وقال r:" ما أوذي أحدٌ ما أوذيتُ في الله U ([23])".

    ومنها: أن شدة البلاء عند المسلم يكون في الغالب دليلاً على قوة الإيمان، وأن ضعف البلاء عنده يكون في الغالب دليلاً على ضعف الإيمان؛ فكلما كان قليل أو ضعيف البلاء، كلما كان ذلك دليلاً على ضعف ونقصان الإيمان عنده.

    فمن لا يُبتلى بالشدة قط، ولا يعرف طعم هذا النوع من البلاء، فعليه أن يتهم نفسه، ويراجع دينه، وينظر أين هو من دين الإسلام.

    عن أبي هريرة t قال: جاء أعرابيٌّ، فقال النبيُّ r:" هل أخذتكَ أم مِلْدَم ـ يعني الحمى ـ ؟" قال: وما أم مِلدم ؟ قال:" حرٌّ بين الجلد واللحم "، قال: لا، قال:" فهل صُدِعت ؟"، قال: وما الصداع ؟ قال:" ريح تعترض الرأس، تضربُ العروقَ "، قال: لا، قال: فلما قام، قال:" من سرَّه أن ينظر إلى رجلٍ من أهلِ النار " أي فلينظره ([24]).

    ومنها: أن من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ r نبياً ورسولاً .. لا بد أنه مبتلى .. فعليه أن يروض نفسه على قبول البلاء .. والصبر عليه.

    وفي الحديث الذي أخرجه ابن حبان، أن رجلاً أتى النبيَّ r فقال: والله يا رسول الله إني أحبك، فقال له رسول الله r:" إن البلايا أسرعُ إلى من يُحبني من السيل إلى منتهاه ([25])". أي هذا الزعم له برهان؛ وبرهانه نزول البلايا في ساحتك .. وتحملك إياها .. وصبرك عليها .. فإن لم تكن أهلاً لذلك، فدعواك المحبة والولاء زعم لا حقيقة له ولا برهان([26])!



    ومنها: أن العلماء هم أشد الناس بلاء بعد الأنبياء؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، ومن إرث الأنبياء البلاء في الله والصبر عليه .. وعليه فإن العالم الذي لا يُبتلى .. ولا يعرف البلاءُ سبيلاً إليه .. فهو ليس من زمرة العلماء العاملين .. مهما اتسع صيته .. وعليه أن يتهم نفسه، وينظر أين هو من دين الله تعالى.



    ومنها: أن المبتلى في الله .. ثم هو يصبر على البلاء .. وبخاصة إن كان من العلماء .. ينبغي أن يُحسَّن به الظن ويُتسع له في التأويل ـ على قدر شدة بلائه ـ عند وقوعه في الخطأ .. والشبهات .. والأمور المحتملة لأكثر من وجه وتفسير.



    2- ليُطهِّرَ العبدَ ويُكفِّرَ عنه ذنوبه وخطاياه([27]):

    فمن مقاصد البلاء وغاياته أن يُطهِّرَ العبد من ذنوبه وخطاياه حتى إذا جاء يوم القيامة يكون طاهراً ونظيفاً من الخطايا والذنوب .. والبلاء الذي ينزل بعصاة أهل التوحيد .. وأصحاب الذنوب والخطايا .. هو من هذا القبيل.

    كما في الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في جسده وأهله وماله، حتى يلقىالله U وما عليه خطيئة ([28])".

    وقال r:" ما ابتلى الله عبداً ببلاءوهو على طريقة يكرهها، إلا جعل الله ذلكالبلاءكفارة وطهوراً ما لم يُنزل ما أصابه منالبلاءبغيرالله، أو يدعو غير الله في كشفه([29]) ".

    وقال r:" ما يزالالبلاءبالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقىالله تعالى وما عليه خطيئة ".

    وقال r:" ما يُصيبُ المؤمنَ من نصَبٍ ـ تعب ـ، ولا وصَبٍ ـ مرض ـ ولا همٍّ ولا حزَنٍ، ولا أذىً ولا غمٍّ، حتى الشوكَة يُشاكها؛ إلا كفَّرَ اللهُ بها من خطاياه " البخاري.

    وقال r:" ما من مؤمنٍ يُشاكُ بشوكةٍ في الدنيا يحتسبُها؛ إلا قصَّ بها من خطاياهُ يوم القيامة([30]) ". وقال r:" ما من شيء يُصيب المؤمِنَ في جسده يؤذيه؛ إلا كفَّر الله به عنه من سيئاته([31])".

    وقال r:" ما من مصيبةٍ تصيبُ المسلمَ؛ إلا كفر الله عنه بها، حتى الشوكَةِ يُشاكُها " متفق عليه. وفي رواية لمسلم:" إلا رفعه الله بها درجةً وحطَّ عنه بها خطيئةً ". وقال r:" إذا اشتكى المؤمنُ؛ أخلصَهُ الله من الذنوب كما يُخلِصُ الكيرُ خبَثَ الحديد([32]) ".

    وقال r:" ما من مؤمن ولا مؤمنة، ولا مسلم ولا مسلمة، يمرض مرضاً، إلا قصَّ الله به عنه من خطاياه ([33])".

    وقال r:" وصَبُ المؤمن ـ أي مرضه ـ كفَّارةٌ لخطاياه ([34])". وغيرها كثير من الأحاديث النبوية الشريفة الدالة على هذا المعنى العظيم، فلله تعالى وحده الحمد والمنة والفضل.

    ـ مسألة: إذا كان البلاء يكفر الذنوب والخطايا، ويرفع صاحبه الدرجات والمقامات العليا يوم القيامة .. هل يجوز للمرء أن يطلب البلاء، ويستشرفه، ويسعى له سعيه ..؟

    أقول([35]): لا يجوز للمسلم أن يطلب البلاء، أو أن يستشرفه، ويسعى له سعيه .. وإنما عليه أن يسأل الله السلامة والعفو والعافية .. ولكن الذي يمكن أن يُقال: أن على المسلم أن يقوم بواجباته الشرعية، وأن يتحرك نحو أهداف هذا الدين، وفق ما أمر الله تعالى .. فإن أصابه بلاء وشدة وهو في الطريق نحو أهداف هذا الدين ـ ولا بد أنه صائبه ـ فعليه حينئذٍ أن يتجلد ويترجل، ويتصبر، ويسأل الله تعالى السلامة والصبر والثبات.

    البلاء لا يُطلب .. ولا يجوز أن يُطلب .. ولكن إن قدَّره الله تعالى من غير سعي ولا استشراف من العبد .. فحينئذٍ يُستقبل بنفس راضية صابرة محتسبة.

    فقد صح عن النبي r أنه قال:" لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: وكيف يُذلُّ نفسَه قال يتعرَّض من البلاء لما لا يطيقه([36]) ".

    وفي رواية عند الترمذي:" لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا: وكيف يُذل نفسه؟ قال: يَتعرَّض من البلاء لما لا يُطيق([37]) ".

    وفي رواية عند البخاري في صحيحه:" كان رسول الله r يتعوذ من جهد البلاء، ودَرْكِ الشَّقاءِ، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء ". وعند مسلم:" أن النبي r كان يتعوذ من سوء القضاء، ومن دَرْكِ الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء ".

    وعن أنس أن النبي r كان يقول:" اللهم إني أعوذ بك من البَرَصِ، والجنونِ، والجُذامِ، ومن سيِّئ الأسقام([38]) ".



    وصح عنه r كذلك أنه كان يقول:" اللهم إني أعوذ بك من جَهد البلاء ثم يسكت، فإذا قال ذلك فليقل: إلا بلاء فيه عَلاء ([39])". فيستثني البلاء الذي فيه رفعة في الدين، والدنيا والآخرة، فلا يستعيذ منه.

    وعن أنس t قال: قال رجل عند النبي r: اللهم إن لم تعطني مالاً فأتصدق به، فابتلني ببلاء يكون فيه أجر، فقال r:" سبحان الله، لا تُطيقه! ألا قلت: اللهمَّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ".

    وفي رواية عنه قال: دخل النبي r على رجلٍ قد جهد من المرض، فكأنه فرخٌ منتوف، قال:" ادعُ الله بشيءٍ أو سله "، فجعل يقول: اللهم ما أنت معذبي به في الآخرة، فعجِّله في الدنيا، قال r:" سبحان الله! لا تستطيعه ـ أو ـ لا تستطيعون، ألا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار "، ودعا له فشفاه الله U([40]).



    3- ومنه ما ينزل عقوبة وانتقاماً:

    فمن مقاصد البلاء وغاياته كذلك الانتقام من الظالمين ومعاقبتهم على ظلمهم وعدوانهم، وطغيانهم .. وتقصيرهم .. وهذا النوع من البلاء يشمل ظالمي أهل القبلة، وغيرهم من الكفرة الظالمين.

    قال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (الإسراء:16. وقال تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (الأعراف:96. وقال تعالى وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (الشورى:30.وقال تعالى أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (آل عمران:165. وقال تعالى فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (الذريات:44. وقال تعالى وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (البقرة:49.

    ونحو ذلك البلاء الذي نزل ببني إسرائيل لما عبدوا العجل، فأمرهم الله تعالى أن يقتلوا أنفسهم كما في قوله تعالى وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(البقرة:54.

    قال ابن كثير ’ في التفسير: قال ابن عباس t: أمر موسى قومه عن أمر ربه U أن يقتلوا أنفسهم، قال: وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد جلو عن سبعين ألف قتيل، كل من قُتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.

    وعن سعيد بن جبير ومجاهد ) فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ( قالا: قال بعضهم على بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضاً لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل ا- هـ.

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" إذا استحلت أمتي خمساً فعليهم الدمار: إذا ظهر التلاعنُ، وشربوا الخمورَ، ولبسوا الحرير، واتخذوا القيانَ، واكتفى الرجالُ بالرجال، والنساءُ بالنساء([41]) ". فهذا الدمار ينزل بهم عقوبة وانتقاماً لارتكابهم الكبائر الآنفة الذكر في الحديث.

    وقال r:" يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذ بالله أن تُدركوهنَّ: لم تظهر الفاحشةُ في قومٍ قط، حتى يُعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضَوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين ـ أي بالقحط ـ وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا. ولم ينقضوا عهدَ الله وعهدَ رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيرون مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسَهم بينهم ([42])". فهذا البلاء هو عقاب يترتب على الوقوع في المخالفات المشار إليها في الحديث أعلاه. وقال r:" من لم يغزُ أو يجهز غازياً، أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة([43]) ". هذه القارعة هي من البلاء، وهي تنزل عقوبة وانتقاماً بساحة من تنطبق عليه الصفات الآنفة الذكر في الحديث أعلاه.

    ونحوه قوله r:" إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم([44]) ". فهذا الذل بلاء وهو عقوبة وانتقام لكل من يؤثر الدنيا ومشاغلها على الجهاد الواجب.

    وقال r:" ما ظهر في قومٍ الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقابَ الله ([45])". وغيرها كثير من النصوص الشرعية الدالة على أن من البلاء ما ينزل عقوبة وانتقاماً من الظالمين الآثمين على ما يرتكبونه من مظالم وآثام.

    ـ فوائد: يُستفاد من النصوص الشرعية الواردة أعلاه فوائد عدة:

    منها: أن البلاء الذي ينزل بالمؤمن الظالم منه ما يكون عقوبة وانتقماً، ومنه ما يكون عقوبة، وكفارة لذنوبه وخطياه، ورفع درجاته ومقامه يوم القيامة معاً، كما في رواية مسلم الآنفة الذكر:" إلا رفعه الله بها درجةً وحطَّ عنه بها خطيئةً ".

    وقال r:" إذا أراد الله بعبده الخيرَ عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسكَ عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ([46])". فدل أن البلاء منه ما ينزل عقوبة على العبد على ما فرط بحق ربه، وحق نفسه والعباد عليه.

    بينما البلاء والهلاك والدمار الذي ينزل بالكافرين المشركين فهو ينزل على وجه العذاب والانتقام وحسب.

    ومنها: إذا كان البلاء الذي ينزل بساحة المسلم؛ منه ما يكون انتقاماً وعقوبة، ومنه ما يكون

    لرفع مقاماته ودرجاته يوم القيامة، ومنه ما يكون عقوبة وطهوراً وكفَّارة لذنوبه وخطاياه ورفع مقامه يوم القيامة معاً كما تقدم .. فإن ذلك يستدعي فقهاً دقيقاً من المبتلى يجعله يفهم ويفقه حقيقة البلاء الذي نزل بساحته، والغاية أو المقصد الذي نزل لأجله!

    كما أن من الفقه والسلامة، وحسن الظن بالخالق I .. أن يتهم المبتلى نفسه ابتداءً، ويراجع مواقفه، وأفعاله، وأقواله .. عسى أن يجد فيها السبب الذي نزل لأجله البلاء!

    كثير من الناس ممن تغشاهم الذنوب والمعاصي .. إذا ما نزل به البلاء على ما اقترفت يداه .. تراه مباشرة يسيء الظن بالله U .. ويُزكي نفسه على الله .. معرباً بلسان القال أو الحال عن اعتراضه على ما قدر الله عليه من بلاء .. وأنه لا يستحق هذا البلاء الذي نزل بساحته .. وأنه لم يفعل شيئاً يستدعي نزول هذا البلاء .. وهذا من الجهل المركب .. وتزكية النفس على الله I .. وسوء الظن الذي لا تُحمد عواقبه.

    وفريق آخر كذلك ممن يُقارف السيئات والمنكرات طيلة يومه .. وعندما يُبتلى على ما يقترفه من ذنوب بنوع بلاء .. تراه مباشرة يحسِّن الظن بنفسه .. ويزكيها على الله .. فيُسارع في تفسير البلاء على أنه من النوع الذي ينزل بالأنبياء والصديقين والشهداء؛ المراد منه رفع المقامات والدرجات يوم القيامة، ولو سألته، لأجابك من فوره:" أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ....."، وهذا من جهله وتلبيس إبليس عليه!

    يروى أن محمد بن سيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك، فقال:" إني لأعرف هذا الغم بذنبٍ أصبته منذ أربعين سنة "!

    تأملوا هذا التابعي الجليل لما أصابه الغم لدَين عليه .. فلم يزكي نفسه على الله .. ولم يبرئ نفسه من موجبات العقاب .. بل أخذ يفتش في ساحات ماضيه ماذا قد فعل واقترف حتى نزل به هذا البلاء .. فوجد ـ بعد بحث ومحاسبة للنفس ـ أنه قد أذنب ذنباً قبل أربعين عاماً من نزول هذا البلاء بساحته!

    وقد كتبت عائشة ~ إلى معاوية t:" أما بعد، فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذامَّاً ".

    وقال بعض السلف:" إني لأعصي الله، فأرى ذلك في خلق دابتي وامرأتي ". يرون البلاء فيعرفون سببه قبل نزول البلاء بهم، وهذا من فقههم رحمهم الله وè.

    يقول ابن القيم في كتابه القيم الجواب الكافي:" وهاهنا نكتة دقيقة يغلط فيها الناس في أمر

    الذنب؛ وهي أنهم لا يرون تأثيره في الحال، وقد يتأخر تأثيره فيُنسى، ويظن العبدُ أنه لا يَغِيرُ بعد ذلك، وأن الأمر كما قال القائل:

    إذا لم يغبر حائطٌ في وقوعه ... فليس له بعد الوقوعِ غُبارُ

    وسبحان الله! كم أهلكت هذه النكتة من الخلق؟ وكم أزالت من نعمة؟ وكم جلبت من نقمة؟ وما أكثر المغترين بها من العلماء والفضلاء، فضلاً عن الجهال، ولم يعلم المغتر أن الذنبَ ينقضُّ ولو بعد حين ا- هـ.

    4- لتمحيص النفوس، ومعرفة الصالح من الطالح، والمجاهد ممن سواه:

    وهو مقصد من مقاصد البلاء، كما قال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (محمد:31. أي حتى نرى ويظهر مَن منكم المجاهد الصابر المحتسب الذي يأتمر بما أمرنا وينتهي عما نهينا ممن سواه؛ إذ زعم الإيمان الكل يتقنه المؤمن والمنافق، الصالح والطالح سواء، ولكن الذي يفرق بينهما ويميز أحدهما عن الآخر، ويُظهر حقيقة كل منهما على حقيقته كما هي هو البلاء .. والصبر على البلاء.

    قال تعالى أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (؟! سؤال استنكاري .. فهذا ما كان ولن يكون .. فمن زعم الإيمان وأنه من أتباع الأنبياء والرسل، وأنه يسير على طريقهم ومنهاجهم لا بد وأن يُفتن ويُبتلى ليترجم الأقوال إلى أفعال .. وليَظهر صدق زعمه من كذبه .. ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت:2-3. أي ليُظهر الله ويرى بالبلاء مَن الصادق في دعواه الإيمان ومَن الكاذب!

    وقال تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (آل عمران:142.

    قال ابن كثير في التفسير: أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تُبتلوا بالقتال والشدائد .. أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تُبتلوا، ويرى اللهُ منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقارعة الأعداء ا- هـ.



    5- ومنه ما يكون فتنة:

    أي من غايات ومقاصد البلاء ما يكون فتنة لصاحبه؛ أيصبر ويثبت على الحق أم يرتد عن دينه، وينزلق في أوحال الباطل، كما قال تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ (؛ كأن يتعرض للبلاء بالسجن عند الطواغيت الظالمين أو يصيبه منهم نوع تعذيب أو أذى، أو ملاحقة ومطاردة .. أو حرمان من عطاء أو وظيفة أو عمل، انقلب على عقبيه وارتد عن دينه ليتفادى أذى الظالمين له و ) جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ( العنكبوت:10. أي هذا العذاب أو الأذى الذي يناله من الطواغيت الظالمين يجعله كعذاب الله تعالى الشديد يوم القيامة، فيرتد عن دينه، قال القرطبي في التفسير:" جزع من ذلك كما يجزع من عذاب الله ولا يصبر على الأذية في الله "ا- هـ.

    وقال ابن عباس:" يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله ".

    ونحو ذلك قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ (؛ أي على شك وطرف ) فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ ( وهو ما تميل إليه نفسه وترغبه وتحبه ) اطْمَأَنَّ بِهِ (؛ أي استقر على أمر العبادة، ) وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ (؛ أي بلاء وشدة ) انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ ( كافراً مرتداً ) خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (الحج:11.

    وما أكثر هؤلاء الذين يعبدون الله على حرف في زماننا؛ حيث تراهم لأدنى بلاء ينزل بالأمة أو إرهاب يمارسه الطاغوت الحاكم على شعبه .. يبادرون الإسراع إلى حلق لحاهم، وخلع الهدي الظاهر الدال على إسلامهم وتدينهم، واعتزال الجمعة والجماعات .. ومقاطعة الأخلاء من الإخوان الملتزمين من ذوي الدين والخلق .. خشية أن يناله شيء من أذى الطاغوت أو يُصنفه في خانة الأعداء المعارضين له!!

    وكذلك قوله تعالى وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ (؛ فيبتلي الله المؤمنين بالكافرين الظالمين؛ هل يجاهدونهم، وهل يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر، ويأطرونهم إلى الحق أم لا، ويبتلي الكافرين والظالمين بالمؤمنين؛ فيقيم عليهم الحجة بالمؤمنين، ويختبرهم هل سيطيعونهم إلى ما يدعونهم إليه من الإيمان والحق أم أنهم سيرفضون ويُعرضون، ليحق عليهم العذاب.

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" يقول الله تعالى: إني مبتليك ومُبتلٍ بك " مسلم.

    6- لدفع بلاءٍ أشد:

    أي أن البلاء أحياناً ينزل بالعبد ليدفع عنه بلاءً أشد وأكبر قد لا يعلمه، الله تعالى يعلمه، كما في قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (البقرة:216. فالقتال وما يترتب عليه من قتل وجراحات وآلام بلاء عظيم، ولكنه شُرع لدفع بلاء أشد وأعظم مما يمكن أن يترتب على القتل والقتال، وإن كان هذا الشر المترتب على ترك القتال ـ على المدى القريب ـ لا نعلمه .. أو كان الخير الراجح المترتب على القتل والقتال كذلك نجهله ولا نعلمه .. فإن الله يعلمه ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (.

    بل كم من خيرٍ أحدنا يتمناه ويسعى له سعيه .. ثم يتبين له فيما بعد أن هذا الخير كان شراً محضاً وأن الخير كل الخير في أن الله تعالى لم يقدره له .. فيحمد الله على ذلك .. وما أكثر القصص والشواهد الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال على ذلك!

    وكم من شرٍّ يكرهه الإنسان ويحذره، ويتمنى لو أنه لم ينزل بساحته .. ثم فيما بعد يتبين له أن هذا الشر الذي كان يكرهه ويحذره ولا يريده ولا يتمناه كان خيراً .. فيحمد الله تعالى أن قدره له .. وما أكثر القصص والشواهد الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال على ذلك.

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" ألا تسألوني مما ضحكت؟ قلنا يا رسول الله مما ضحكت؟ قال: رأيت ناساً من أمتي يُساقون إلى الجنة في السلاسل ما أكرهها إليهم! قلنا من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلون في الإسلام ([47])".

    وفي الأثر:" لو اطلعتم على الغيب لرضيتم بالواقع ". لأن الله تعالى لا يصدر عنه إلا الحكمة والعدل المطلق، علم من علم وجهل من جهل .. ورضي من رضي وسخط من سخط!



    8- ليُعيد العبد إلى خالقه:

    فمن مقاصد البلاء وغاياته كذلك أن يُعيد العبد إلى رشده وصوابه، وإلى خالقه إن كان العبد من ذوي الطغيان والنسيان والمعاصي والشرود عن الطاعة، وما أكثر هذا الصنف من الناس في هذا الزمان!

    من الناس من تجده قد تمادى في غيه وظلمه وطغيانه .. لا تؤثر به الموعظة ولا الكلمة .. فيحتاج إلى بلاء ينزل بساحته يذكره بربه وبحقه عليه .. والغاية من وجوده في هذه الحياة .. ويُعيده إلى الرشد والصواب.

    كثير هم الذين لا يذكرون الله .. ولا يقولون يا رب .. ولا يعرفون للرب I حقاً .. إلا بعد نزول البلاء بساحتهم .. فيتنبهون .. فيستغفرون ويتوبون!

    الله تعالى من صفاته أنه غيور .. يغار على عباده .. لا أحد أغير منه I .. وهو I عندما يرى عبده قد تناوشته الأهواء والمشارب الباطلة .. وضل عنه إلى ما سواه .. فانصرف عن عبادته

    وطاعته إلى عبادة وطاعة ما سواه .. ثم هو مع ذلك لا يردعه ولا يوقفه عن غيه خطاب ولا تذكير .. نرى أن الله تعالى يُقدر عليه البلاء الذي يوقظه من ثباته وسكرته، ويعيده إلى جادة الحق والصواب، والطاعة والاستقامة.

    كما قال تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ (أي بالفقر والضيق في العيش، ) وَالضَّرَّاءِ ( وهي الأمراض والأسقام والآلام، ) لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (الأنعام:42. أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون([48]). وهو الغاية والمقصد من نزول البأساء والضراء بهم لو كانوا يعلمون.

    وقال تعالى ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا (، قال ابن كثير في التفسير: أي يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختباراً منه لهم ومجازاة على صنيعهم ) لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الروم:41. أي عن المعاصي ويتقون الله.

    ونحو ذلك قوله تعالى وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ (؛ أي بالرخاء والشدة ) لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (الأعراف:168. عن المعاصي ويدخلون في التوبة والاستغفار، والطاعة والاستقامة.

    لكن هناك فريق من الناس من ذوي الكفر المركب والمغلظ لا ينفع معه سراء ولا ضراء، ولا رخاء ولا شدة؛ فإن أخذوا بالسراء وبلاء الرخاء ازدادوا طغياناً وكفراً وفسوقاً، وإن أخذوا بالضراء والشدة ازدادوا كذلك عناداًً وطغياناً وكفراً وإعراضاً، والقرآن الكريم قد أشار لهذا الصنف من الناس، كما قال تعالى وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ . وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (المؤمنون:75-76.

    وقال تعالى فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (الأنعام:43. فهم لشدة كفرهم وقساوة قلوبهم لا يتضرعون إلى الله بالدعاء والاستغفار والإنابة ليكشف عنهم الضراء!

    وهؤلاء سنة الله تعالى فيهم الهلاك، والدمار، والزوال، ولو بعد حين، كما قال تعالى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً (الإسراء:16.

    وقال تعالى أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ

    بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (الأنعام:6.



    9- لإظهار الشكر، وليُرى من يَشكر ومن يَكفر:

    وهذا المقصد متعلق ببلاء الخير والسعة والرخاء دون بلاء الشدة والشر .. إذ أن من مقاصد بلاء الخير والسعة، والتفضل على العباد بالنعم الظاهرة والباطنة التي لا تُحصى إظهار الشاكرين من الكافرين للنعم .. ومن يشكر الله على نعمائه وفضله، فيزيده، ويُضاعف له الأجر والمثوبة .. ومن يكفُره فلا يَشكرُه، فيعذبه ويُعاقبه!

    كما قال تعالى وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ (؛ أي لئن شكرتم النعم والفضل، ورددتم الفضل والخير كله لله I ليزيدنكم الله تعالى من فضله وعطائه، ) وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ( النعمة، وجحدتم فضل الله عليكم، ورددتم الفضل لأنفسكم فيما أنتم فيه من الخير والنعم ) إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (إبراهيم:7.

    وقال تعالى فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ (؛ أي ليختبرني أأشكر فضله ونعمته علي، وأرد الفضل له وحده، أم أجحد فضله ونعمته علي، وأرد الفضل لنفسي ) وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ (؛ فحسنة الشكر مردها على الإنسان نفسه؛ ففي الدنيا يزيده الله تعالى بالخير والفضل، وفي الآخرة يُقابله ويجزيه أحسن الجزاء، ) وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (النمل:40.

    وقال تعالى فَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ (؛ أي على علم وخبر عندي، ولأنني أستحقه .. فطغى وبغى وجحد فضل الله عليه .. ورسب في الاختبار .. ونسي الضر الذي مسه من قبل، وكيف كان يدعونا لنكشفه عنه .. فالأمر ليس كما زعم هذا الجاهل المغرور ) بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ (؛ أي هذه النعمة التي مننا بها عليه هي بمثابة اختبار وابتلاء أيشكر أم يكفر، وهل هي ستحمله على الدخول في الطاعة والعبادة لله U أم ستزيده عصياناً وطغياناً ) وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (الزمر:49.

    ونحو ذلك قوله تعالى وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (الزمر:8.

    وقال تعالى عن قارون الهالك الذي آتاه الله من الكنوز والأموال الكثيرة، فكفر أنعم الله عليه، وطغى وتجبر إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( القصص:76. إلى قوله تعالى قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (القصص:78.



    10- لتعرف نعمة وفضل الله عليك، وتتذكرها فلا تنساها:

    فمن مقاصد البلاء وغاياته أن تستشعر فضل الله عليك، فيحملك ذلك على شكره وعبادته، وذلك عندما ترى مبتلىً ببلاء قد نجاك الله منه، فتشعر بفضل الله عليك، وتحمده I على أن نجاك مما ابتلاه به، كما أن البلاء الذي ينزل بساحتك قد يكون عظة وعبرة للآخرين ممن سلموا مما ابتُليت به، فيحملهم ذلك على شكر الله أن نجاهم مما ابتليت به، وهذا مطلب من مطالب الشرع.

    كما في الحديث، فقد صح عن النبي r أنه قال:" من رأى مبتلىً، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك الأذى ([49])".

    وقال r:" من فجئه صاحب بلاء فقال الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان([50]) ".





    وقال r:" كن مع صاحبِ البلاءِ، تواضعاً لربك وإيماناً ([51])". أي كن مع صاحب البلاء في تعاملك معه وخدمته ورعايته، والرفق به، تواضعاً لربك الذي سلَّمك مما ابتلاه به، وإيماناً به I وبفضله عليك.

    ثم أن الشيء يُعرف بضده؛ فنعمة الإيمان والتوحيد تُعرف أكثر عندما يُعرف الكفر وقباحته وظلمه([52])، ونعمة العدل تُعرف أكثر عندما يُعرف الظلم وقبحه، ونعمة الصحة والعافية تُعرف أكثر ويُقدر قدرها عندما تُعرف الأسقام والأمراض وآلامها، ونعمة الغنى يُعرف قدرها أكثر عندما يُعرف الفقر، وتُرى آثاره السيئة على الناس، ونعمة الأمن تعرفها وتعرف لها قدرها عندما تفقدها وتعيش الخوف والرعب .. أو ترى ذلك في الآخرين .. وهكذا ما من نعمة فإنها لا تُعرف كما ينبغي، ولا يُقدَّر فضلها إلا إذا فُقدت وعُرف ضدها .. وهذه من جملة الحكم العديدة من خلق الله تعالى للأشياء وأضّدادها في آنٍ معاً!



    ـ كيفية التعامل مع البلاء:

    ذكرنا من قبل أن البلاء نوعان: بلاء الشدة والشر، وبلاء الخير والسِّعة .. ويأتي السؤال الآن: كيف يكون التوجيه والتعامل مع كلٍّ من بلاء الشدة والشَّر، وبلاء الخير والسِّعة ([53])..؟

    نجيب عن هذا السؤال وفق التفصيل التالي:

    1- كيفية التعامل مع بلاء الشِّدة والشر: يجب على المسلم أن يستقبل بلاء الشدة بالرضى والتسليم من جهة كونه قضاء وقدر من الله([54]).. وبالصبر .. والحمد والاسترجاع؛ فيقول عند كل مصاب أو بلاء .. الحمد لله .. وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون .. وأن لا يلتمس كشف ما نزل به من ضر إلا من الله تعالى وحده.

    قال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (البقرة:155-166.

    وقال تعالى وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال:46. وقال تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (محمد:31. أي لنرى من منكم يصبر على بلاء التكاليف وبلاء الجهاد وما يتبعه من آلام وجراح.

    وفي الحديث فقد صح عن النبي r أنه قال:" ما ابتلى الله عبداً ببلاءٍ وهو على طريقة يكرهها، إلا جعل الله ذلك البلاء له كفارة وطهوراً، ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله، أو يدعو غير الله في كشفه([55]) ".

    وقال r:" إذا أصابت أحدكُم مصيبةٌ فليقل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فآجرني فيها، وأبدل لي بها خيراً منها " مسلم.

    وقال r:" إذا ماتَ ولدُ العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمِدَكَ واسترجَع ـ أي قال إنَّا لله وإنَّا لله راجعون ـ، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسمُّوه بيتَ الحمد ([56])".

    والصبر على البلاء ينبغي أن يكون عند الصدمة الأولى، وليس عند نهايتها، أو بعد حصولها بزمن؛ بعد أن يكون المبتلى قد سخط القدر، واعترض، وناح، وشتم، وشق الجيب .. ثم هو لو سألته بعد كل ذلك، لقال لك: الحمد لله .. صابرون!!

    وفي الحديث عن أنس t قال: أتى نبي الله r على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها:" اتقي الله واصبري "، فقالت: وما تبالي أنت بمصيبتي؟ فقيل لها: هذا النبي r، فأتته فلم تجد على بابه بوابين فقالت يا رسول الله لم أعرفك! فقال:" إنما الصَّبرُ عند الصدمةِ الأولى أو عند أول صدمةٍ ([57])".

    وقال r:" يقول الله سُبحانه: ابنَ آدم! إن صبرت واحتسبتَ عندَ الصدمةِ الأولى، لم أرضَ لك ثواباً دونَ الجنةِ([58]) ".

    وقال r:" يقول الله تعالى: يا ابن آدم! إذا أخذتُ كريمتَيْكَ ـ أي عينيك ـ فصبرتَ واحتسبتَ عند الصدمةِ الأولى لم أرضَ لك ثواباً دونَ الجنة ([59])".

    ومما بايع النبي r عليه النساء:" أن لا نخمش وجهاً، ولا ندعو وَيْلاً، ولا نشقُّ جيباً، ولا ننشُرُ شعراً ([60])".



    هذه بعض مقاصد وغايات البلاء التي تعينك على فقه البلاء عندما ينزل بساحتك أو ساحة غيرك .. فإن استعصى عليك فقه البلاء، والمقصد منه .. ولم تجد في المقاصد الآنفة الذكر جواباً عما نزل بك من بلاء .. فاعلم أنه لم يبق أمامك سوى التسليم والرضى، مع تحسين الظن باختيار الخالق I لك .. واحذر أن تعترض فتنطرد من رحمة الله، وتبوء بإثمك ووزرك!



    كتب أ.د/ إبراهيم الأزرق حفظه الله U تحت عنوان :

    الكوارث الطبيعية وهلاك الصالحين([61])



    إن مـن رحمـة الله بالخـلق أنـه لا يعـذبهم بـعذاب عـام ينال المسـيء والمحسـن إلاّ إذا فـشـا فـيـهـم الخَـبـَث، وابـتعـدوا عن منهج الله. «قــال المـهلب: ظهـور الـزلازل والآيـات وعـيـدٌ مـن الله ـ تعالى ـ لأهـل الأرض. قـال الله ـ تعالى ـ: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59]، والتخويف والوعيد بهذه الآيات إنما يكون عند المجاهرة والإعلان بالمعاصي، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله تعالى عنه ـ حين زلزلت المدينة في أيامه قال: يا أهل المدينة! ما أسرع ما أحدثتم! والله لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم([62]). فخشي أن تصيبه العقوبة معهم»([63]).

    حينها يكون الهلاك خيراً عند أهل الإيمان المغلوبين على أمرهم من الحياة وسط بيئة يُحارَب فيها الله صباح مساء، ويجاهَر فيها بمعصيته ومحادّته.

    وعلى هذا جرت سنَّة الله في خلقه؛ فمتى استشرى السرطان في الجسد وتمكن منه فغلب عليه وساد أعضاءه؛ بعث الله برحمته ملك الموت ليقبض المصاب على الرغم من صلاح الكبد والطحال أو غيرها من الأعضاء، فيموت المريض وله قلب ينبض، وعقل يحمد، ولو مدَّ الله في أجله لفسدا تأثُّراً بالبيئة السرطانية.

    وهكذا إذا استشرى الفساد في المجتمعات، وأبى مفارقتَها أهلُ الصلاح، أوشك أن يعمهم العذاب، إما عقوبة لهم على بقائهم، أو رحمة بهم قبل أن ينالهم الفساد الذي أحكم قبضته فحال بينهم وبين المفارقة.

    وفي حديث أنس المتفق عليه: «لا يتمنينَّ أحدكم الموت من ضر أصابـه؛ فـإن كـان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحيـاة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي»([64])، فدلَّ هذا بمفهومه على أن الوفـاة قد تكون خيراً للمسلم. قال ابن عبد البر ـ عند هذا الحديث بعد أن قرر النهي عن تمنِّي الموت لبلاء نزل ـ: «وقد يجوز تمنِّي الموت لغير البلاء النازل، مثل: أن يخاف على نفسه المرء فتنة في دينه»([65])، قال النووي: «فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا؛ فأما إذا خاف ضرراً في دينه أو فتنة فيه فلا كراهة فيه؛ لمفهوم هذا الحديث وغيره، وقد فعل هذا الثاني خلائق من السلف عند خوف الفتنة في أديانهم»([66]).

    وما ضُرُّ مشتاق إلى لقاء ربه، طامع في النظر إلى وجهه، أن تعجلت له بوادر ذلك، بأمر الله إذا فسد الناس؟

    ذكرت هذه المقدمة حتى لا يقال:

    كيف تعدون هذه الزلازل وتلك الكوارث والحوادث عقوبات من الله وقد يهلك فيها الصالحون؟ أو كيف يجوز نزول العذاب على الصالحين عندكم؟

    ومع أن هذه المقدمة تشير إلى الجواب، بل إن النص النبوي فيها صريح، غير أن بسطه من الأهمية بمكان؛ لأن التشغيب بنحو هذا من قِبَل أولياء الباطل من أجل تقرير أن الزلازل والفيضانات والبراكين التي تصيب بعض الأمم الباغية لا علاقة لها ولا مدلول يشير إلى صلاح أو فساد نجمت عنه الكارثة، والحجة عندهم أن تلك الكوارث ـ بعينها ـ تصيب أهل الإسلام فيهلك من الصالحين أناس؛ مع أن الله ـ تعالى ـ يقول: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 14]، وقال سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، وقال لخير القرون è: {أَوَ لَـمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165].

    أنهلك وفينا الصالحون؟

    فإذا قيل: أيهلك القوم وفيهم الصالحون؟ أجيب أن الله قد أعذر فأنذر عباده. قال ـ عز سلطانه ـ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]، وفي الصحيحين من حديث زينب بنت جحش ـ ~ ـ قالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟

    قال: نعم! إذا كثُر الخَبَث([67]).

    قال أبو الوليد الباجي وهو من علماء القرن الخامس([68]): «فهذا مع الصالحين؛ فكيف مع قلّتهم أو مع عدمهم؟! نسأل الله أن يتجاوز عنا بفضله ويتغمد زللنا برحمته»([69])، ولا يسعنا إلاّ أن نقول: آمين!

    وفي صحيح البخاري بابٌ: إذا أنزل الله بقوم عذاباً([70]).

    قال ابن حجر: «حذف الجواب اكتفاء بما وقع في الحديث»([71])، ثم ساق حديث يونس بن زيد: «إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بُعِثوا على نياتهم» قال ابن حجر: «والمراد من كان فيهم ممن ليس هو على رأيهم، قوله: «ثم بعثوا على أعمالهم» أي بُعث كل واحد منهم على حسب عمله، إن كان صالحاً فعقباه صالحة، وإلاّ فسيئة، فيكون ذلك العذاب طهرة للصالحين ونقمة على الفاسقين». ثم ذكر آثاراً عدة في هذا المعنى، وقال: «والحاصل أنه لا يلزم من الاشتراك في الموت الاشتراك في الثواب أو العقاب بل يُجازى كل أحد بعمله على حسب نيته»، ثم ذكر قول ابن أبي جمرة في سبب إهلاك الصالحين فقال: «إنما يقع بسبب سكوتهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما من أمر ونهى فهم المؤمنون حقاً، لا يرسل الله عليهم العذاب، بل يدفع بهم العذاب، ويؤيده قوله ـ تعالى ـ: {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِـمُونَ} [القصص: 59] ، وقوله ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، ويدل على تعميم العذاب لمن لم يَنْهَ عن المنكر وإن لم يتعاطاه قولُه ـ تعالى ـ: {فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكُمْ إذًا مِّثْلُهُمْ} [النساء: 140]، ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار، ومن الظلمة؛ لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهـلكة، هـذا إذا لـم يُعِنْهـم ولـم يـرض بأفعـالهم، فـإن أعـان أو رضي فهو منهم، ويؤيده أمره -‘- بالإسراع في الخروج من ديار ثمود.

    وأما بعثهم على أعمالهم فحكم عدل؛ لأن أعمالهم الصالحة إنما يجازون بها في الآخرة، وأما في الدنيا فمهما أصابهم من بلاء كان تكفيراً لما قدموه من عمل سيئ، فكان العذاب المرسل في الدنيا على الذين ظلموا يتناول من كان معهم ولم ينكر عليهم؛ فكان ذلك جزاء لهم على مداهنتهم، ثم يوم القيامة يُبعث كل منهم فيجازى بعمله.

    وفي الحديث تحذير وتخويف عظيم لمن سكت عن النهي، فكيف بمن داهن، فكيف بمن رضي، فكيف بمن عاون؟ نسأل الله السلامة. قلت: فأتى كلامه أن أهل الطاعة لا يصيبهم العذاب في الدنيا بجريرة العصاة، وإلى ذلك جنح القرطبي في التذكرة»([72]) اهـ.

    ثم مال ابن حجر إلى أنه ليس من شرط إهلاكهم سكوتهم عن الإنكار فقال: «وما قدمناه قريباً أشبه بظاهر الحديث وإلى نحوه مال القاضي ابن العربي».

    ولعل هذا القول قريب من قول ابن قتيبة ’ في تـأويل مخـتلف الحـديـث: (فأما عقـاب الله تعالى إذا هو أتى فيعـم وينـال المسيء والمحسن، قال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25]، يـريـد أنـهـا تعـم فتصـيب الظـالم وغيره. وقـال U: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} [الروم: 14]، وقالت أم سلمة([73]): يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ فقال: «نعم! إذا كثُر الخَبَث»، وقد تبين لهم أن الله تعالى أغرق أمة نوح À كلها وفيهم الأطفال والبهائم بذنوب البالغين، وأهلك قوم عاد بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالحجارة، ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير، وعذّب بعذابهم الأطفال. قال أنس بن مالك _: إن الضب في جحره ليموت هزلاً بذنب ابن آدم، وقد دعا رسول الله ‘ على مضر فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف»([74])، فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام.. فنال ذلك الجدب رسول الله -‘- وأصحابه...) إلخ.

    ثم عقَّب’ بكلمة تَسَطَّر بماء الذهب، رأى صوابها كل من له عينان، فقال: «وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الأخبار؛ فكم من بلد فيه الصالحون والأبرار، والأطفال والصغار، أصابته الرجفة، فهلك به البر والفاجر، والمسيء والمحسن، والطفل والكبير؛ كقومس ومهرجان وقذق والري ومدن كثيرة من مدن الشام واليمن، وهذا شيء يعرفه كل من عرف الله U من أهل الديانات وإن اختلفوا»([75])، وما حل مؤخراً بأجزاء من أرض الباكستان عنا ببعيد.

    مناقشة الخلاف في إهلاك المصلحين وأممهم:

    لعل ما اختاره ابن أبي جمرة من عدم وقوع العذاب على المصلحين بل دفع الله بهم العذاب عن العاصين أقرب للصواب.

    شبهة عصرية:

    إن الزلازل ونحوها آيات كونية يجريها الله لحِكَم عظيمة وأسبـاب كثـيرة، إلاّ أن بعـض المـاديين الذيـن أعرضوا عن آيـات الله السمعية، تمادوا فأعرضوا عن الآيات الكونية؛ فإذا رأى أحدهم كسوفاً أو خسوفاً جلّى أسنانه الصفراء بابتسامة مثلها فرحاً بما عنده من العلم، وبصدق ما تنبأت به أرصاده، ولأنه علم أسبابه.

    وهكذا حال بعضهم مع غير الشمس والقمر من الآيات الكونية كالزلازل؛ فأسبابها عندهم معروفة، كما أن التنبؤ بها ورصدها لم يعد أمراً شاقاً في ظل العلم الحديث.

    وقد تجرأ بعضهم فعزا الحوادث الكونية إلى أسبابها التي علمها، ثم استطال فقال: إن فكرة الخالق لم تعد ضرورية.

    يعني لأجل تفسير الحوادث. وربما كان هذا المنطق حجة على من ينكر قانون الأسباب، أما أهل الإسلام الذين يعلمون أن الله تعالى قد أجرى هذا الكون على نواميس، وجعل النتائج متعلقة بأسبابها، فلا ينبغي أن يرد عليهم هذا، فإذا قال المسلم: إن الله هو الرزاق، فلا يعني ذلك نفيه أسباب الرزق المختلفة.

    وكـذلك إذا قـالـوا: الــزلازل أو الـبراكـين أو الـخـســوف أو الكسـوف آيـات يخـوِّف الله بها عبـاده، أو أنها من خلقه، فلا يلزم من ذلك ألا يكون له سبب أو قانون تجري عليه. أما من قصر نظره على السبب ـ فمتى وجد أسباباً أو قوانين مطردة تمسّك بها، ورفض أن ينسب الفعل إلى ما عداها، وغفل عن مسببها ـ فهؤلاء في الحقيقة لا يختلفون عن بعض الحمقى الذين وجدوا طفلاً تائهاً في البرية يتحدث بغير لسانهم فلم يفهموا منه شيئاً، فقال بعضهم: هذا خَلْقُ الله؟ ثم بحذق بعضهم أو بفضل مترجم عابر تمكنوا من معرفة أبيه فاستنتجوا من ذلك أنه ليس له خالق.

    وهؤلاء كذلك فجميعهم عزا الأمر الحادث إلى سبب عرف طريقة عمله، وغفل عن أنه يفتقر هو بدوره إلى سبب آخر ينتهي في سلسلة تنتهي عند مسببها الذي أجراها لحكمة ومراد.

    وإذا تأملت هذا المذهب وجدت أن له أصولاً قديمة قدم البشرية، فجلُّ الأمم التي أخذها الله بذنوبها جاء أخذها بعد أن بعث الله إليهم رسله فأنذروهم بالآيات السمعية، ثم بعث عليهم الآيات المرئية في أثر السمعية، فلما لم يرتدعوا دمدم عليهم ربهم بذنبهم فسوّاها. ولعظم غفلة هؤلاء لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه مقتصرين على قولهم بالأسباب.

    ولم يُذكر في القرآن أن الله أنجى قوماً بعد أن رأوا الآية الكونية المرئية إلاّ قوم يونس. قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]. فما أعقلهم من قوم آبوا جميعاً ورجعوا إلى ربهم مذعنين عندما رأوا الآية؛ بينما قال غيرهم: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف:24]!.

    قد يتعجب المرء: ما بال أولئك المكذبين؟ أليست لهم عقول؟ أوَ لا يرون الآيات؟ فما بالهم لا يتعظون ولا يرجعون؟! أيُعقل أن يرى فرعون تسع آيات ثم يصر مستكبراً؟ ألا يَعقِل؟

    والجـواب: بلى كـانت لـهم عقول، وكانت لهم حضارة، وكـانـت لهم عـلـوم، ولـكنـهـم اغـتـروا بـهـا، فاقتصر نظرهم على الأسباب القريبة ولم يتعدّاها إلى مسبباتها وحقائقها وما وراءها. وتـأمـل مـعـي قـول الـعزيـز الحـكيم: {وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَـمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 81 - 85].

    نعم! قد سمعوا بالآيات التي نزلت بالأمم كما سمعنا بها، ورأوها كما شهدناها، وعلموا أن الهالكين أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض كما علمنا، وفوق ذلك كله قد جاءتهم الرسل بالبينات كما جاءتنا، ولكن... {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُم مِّنَ الْعِلْمِ} [غافر: 83]، فكانت النتيجـة الطبيعية: {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]، {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمَانُهُمْ لَـمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } [غافر: 84 - 85].

    لقد كانوا يرون الآيات، ولكن ما عندهم من العلم قد قادهم إلى بطر الحق، فإذا رأوا عارضاً في أفق من آفاق السماء، قالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} [الأحقاف:24]. ومن أُهلكوا بالريح قالوا عنهم: غضبت عليهم الطبيعة؛ وفق علومهم إثر تقلبات جوية سببتها تخلخلات في الضغوطات الجوية بفعل تغيرات في السخونة والبرودة. وهكذا تنتهي الآية فلا ينظر عاقل في مسبب الأمر وموقته ومدبره، سبحانه وتعالى.

    بل من أصبح على فراشه ميتاً حتف أنفه بغير علة فموته موت طبيعي، ومن أُهلك بالريح العقيم مات موتاً طبيعياً أيضاً.

    كان أحدهم يرى الخسوف فيقول: من الطبيعي: انعكاس ظل الأرض على القمر؛ وينسى الذي أوجد هذه الطبيعة بعد أن كوكب الكواكب وأجراها على ناموس مطَّرد فلا يتساءل: من أوجده؟ وما باله اضطرب هنا؟ ولماذا؟

    وإذا أُهلك قوم بالطوفان، ورأوا الآية فرحوا بما عندهم من العلم، وقالوا: هزة أرضية ناجمة عن تخلخل للصفائح في قعر المحيط أدى إلى ارتفاع مد البحر، وتنتهي القضية دون نظر إلى من أوجد تلك الصحائف وأرساها وجعل بها صدوعاً في ذلك المكان، ودون اعتناء بأمرِ مَنْ أمر تلك الصحائف أن تضطرب الساعة فاضطربت، وأمرها أن تسكن بعدها فسكنت؛ فتلك سنة الله التي خلت في عباده تجري اليوم في هؤلاء.

    فإذا تساءلت عن كل تلك العوارض وقلت: من المسبب لتلك الأسباب؟ وما هي الحكمة وراء تسبيبها؟ يخرس متفلسفة كل عصر، وينطق العجاج؛ من عاصرَ الجاهلية الأولى ثم منّ الله عليه بالإسلام:

    الحمد لله الذي استَقَـلَّتْ

    بإذنه السمـاءُ واطمـأنتْ

    بإذنه الأرض فما تَعَنَّـتْ

    وَحَّى لها القرارَ فاستقرتْ

    وشَدَّها بالراسيات الثُبَّتْ

    رَبُّ العبادِ والبـلادِ القُنَّتْ

    لقد رأى فرعون طوفان النهر أو البحر أحد تسع آيات ذكرت في القرآن فلم يعتبرها آية، بل ثورة كونية! وفرصة سانحة لكي يطارد أتباع الأنبياء، ويرى اليوم بعض الناس الزلازل المودية بالآلاف والفيضانات والأعاصير، فلا يعدها آيات بل هو غدر الطبيعة القاسي.

    ثم يصر على عـزو الحـوادث إلى أسبـاب تفتقر إلى أخرى لا تنتهي إلاّ عند مسببها الغافل عنه، المصر على إنكاره بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ولا برهان تجريـبي أو عقلي واحد، فليس معه حجة في إنكاره غير الجهل، مع أنه يرى الحوادث تترى. وقد تقرر في ميزان العقول أن كل ما هو جائز الحدوث من نحو هذه العوارض الأرضية وأسبابها التي يذكرونها، من الممكن أن تكون، ومن الممكن ألا تكون؛ فكونها جائزة قضى باستواء طرفي الوجود والعدم فيها، فلا يترجح أحد الطرفين فيكون موجوداً أو يكون معدوماً إلاّ بمرجح خارجي ليس بجائز، بل هو واجب تختلف صفاته ونعوته عما يدركه البشر من الموجودات الجائزة فلا تجري فيه مقايسهم.

    إن المسلم لا ينكر الأسباب والنواميس التي أجراها الله في الكون، ولكنه ينكر على بعض القائلين بها اقتصارهم عليها، ونسيانهم لمسببها وجهلهم بحكمته منها؛ فإن الله قد أجرى الدنيا على قانون الأسباب، فلا يقتضي القول بها إنكار الخالق، ولا يقتضي إثبات الخالق إنكاراً لها.

    إن من فرح بما علمه من أسباب كونية وأصر على قصر تفسير الظواهـر الأرضية بها فسينتهي به المطـاف إلى الحيرة أو الاتِّكـاء على سبب هشٍّ لن يجد له مسبباً إلاّ إن أقرّ بالخالق الرازق المدبـر، واعـتـرف بعـلمه وقـدرتـه ومشـيئتـه، وعلم أنـه لا يحيط به علماً.

    وعندها حري به أن يلهج بدعاء الأنبياء: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْـمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143]، {وَذَا النُّونِ إذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إلَهَ إلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِـمِينَ} [الأنبياء: 87].

    أسأل الله أن يرفع الضر والبأس عن المسلمين، وأن يتداركهم برحمته فهو أهل التقوى وأهل المغفرة.















    الأطفال والبلاء!!!



    إن كان ربكم هو أرحم من الأم بولدها فما وجه تنزُّل الآلام والأمراض والتشوهات بالأطفال وهم لم يجرِ عليهم القلم ولم يكتمل عندهم نصاب العقل الذي هو محل التكليف؟ إن كونهم غير مكلفين يخرج بهم عن ترتب آثار الابتلاءات عليهم؛ فلا ذنب عليهم يُكفره الابتلاء ، ولا معصية عندهم يعاقَبون عليها بالمصيبة، وليسوا أهل عملٍ ليرفع لهم الألم درجة أو منزلة!([76])



    وإن من الأصول الثابتة في الشريعة الإسلامية أن محل التكليف عند العبد هو العقل، وأن الثواب والعقاب والعبادة والاحتساب لا بد من أن تقوم على أساس التكليف،قد يستشكل البعض منا ما يقع لغير المكلفين أحياناً من آلام أو ابتلاءات ظاهرها الشر، إذ أن غير المكلف لا يكون محلاً للاحتساب فيؤجر، ولا يكون محلاً للتذمر والتبرم فيزجر ويؤزر، وقد يجد إبليس وجنده في هذا مدخلاً يدخل به على العبد فيثير فيه الهواجس والشكوك متسائلاً عن ذنب هؤلاء حتى يُبتلوا، وعن وجه تقصيرهم حتى يُحرموا، وغير ذلك من الوساوس والأوهام التي يعكّر بها إبليس على العبد صفاء عقيدته وسكون قلبه.



    ولما كان محل الرأفة والرحمة والشفقة في قلب الأبوين أرضاً خصبة لبذور إبليس ووساوسه هذه، ولما اقتضت حكمة الله تعالى أن يُصاب بعض الأطفال بشيء من الآلام والأمراض والتشوهات الخلقية، ولشدة الأمر على كثير من الآباء والأمهات حين يبذلون قصارى جهدهم ويبذلون الغالي والنفيس في سبيل التخفيف عن أطفالهم مع تباينٍ وتفاوتٍ في مدى فهم وقبول هذا الأمر والابتلاء.



    تصوير المسألة:



    إن صورة المسألة من المنظور الإسلامي تنطلق من جملةٍ من النصوص التي تجعل العقل مناط التكليف وتجعل الابتلاء بالشر وسيلة عقاب أو رفع درجة أو حط خطيئة عن المكلف؛ فأما دليل الأصل الأول فقوله ‘:" رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل([77])"، وأما دليل الأصل الثاني فقوله تعالى:" وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير([78])"، وحديث أبي هريرة عن النبي ‘ :" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه([79])". فإذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك – فما وجه تنزُّل الآلام والأمراض والتشوهات بالأطفال وهم لم يجرِ عليهم القلم ولم يكتمل عندهم نصاب العقل الذي هو محل التكليف؟ إن كونهم غير مكلفين يخرج بهم عن ترتب آثار الابتلاءات عليهم؛ فلا ذنب عليهم يُكفره الابتلاء ، ولا معصية عندهم يعاقَبون عليها بالمصيبة، وليسوا أهل عملٍ ليرفع لهم الألم درجة أو منزلة، وعند هذا المشهد يفترق الخلق إلى فريقين؛ فريق الضلالة وفريق الهدى. فأما فريق الضلالة فلا يكلف نفسه عناء رفع غشاوة الجهل وخرق حجب الشبهات عن قلبه، وأما فريق الهدى فلا يعدم في أي مشهدٍ يشهده رؤية أثرٍ من آثار الله عز وجل وأسمائه وصفاته القدسية، إما على سبيل الإجمال إن تعذر عليه الفهم، وإما على سبيل التفصيل إذا وفقه الله تعالى لإدراك حكمة المشهد، فتأمل.

    فصل: تحرير القول في كون الأطفال محل ابتلاء:

    مما تقدم نستطيع أن نقول إن الأطفال ليسوا محل ابتلاء من حيث كونهم مكلفين، في حين أن الواقع الذي نراه يثبت نزول المصائب والآلام والأمراض بالأطفال، وهذا يدفعنا إلى تقرير كون الأطفال محلاً لنزول البلاء ولكن باعتبارٍ آخر؛ ذلك أن الأطفال - فضلاً عن كونهم من جنس المكلفين – يمثلون مادةً من مواد ابتلاء أفراد المكلفين الذين تعيَّن توجُّه خطاب الشرع إليهم، بمعنى أن الأطفال في مرحلة ما قبل التكليف ليسوا إلا وسيلة من وسائل ابتلاء الله عز وجل للأبوين المكلَّفين ومادة من مواد الاختبار، وهم أحد أنواع الزينة التي ابتلى الله تعالى بها المكلفين كما جاء صريحاً في قوله تعالى : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }(الكهف: من الآية46) وقد تجنح هذه الزينة بالعبد جنوحاً يلهيه عن الآخرة وحرثها كما قال تعالى منبهاً:{ )اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد:20) ، كما قد تكون وسيلة حرثٍ طيبٍ للآخرة كما أخبر المعصوم ‘ ‏قال:"‏إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له([80]) "

    فإذا تبين كون الأولاد وسيلة حرثٍ أخروي طيب أو خبيث، تقرر أن الأولاد مادة من مواد اختبار المكلف ووسيلة من وسائل ابتلائه وفتنته وتمحيصه، وقد تقرر في النصوص الشرعية الثابتة أن الابتلاء يكون بالشر كما يكون بالخير، حيث قال سبحانه وتعالى:{ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)(الأنبياء: من الآية35)، فإذا تبين ذلك كان تحرير القول في مسألة كون الأطفال محلاً للابتلاء هو تقرير ذلك الأمر لا باعتبارهم مكلَّفين بل باعتبارهم أدوات امتحان ووسائل تمحيص للمكلّف المعيَّن الذي توجه إليه الخطاب الشرعي. فتارةً يكون ابتلاء المكلف بالخير فيرزقه الله تعالى الولد سليم الخلق معافى البدن لا ألم يصيبه ولا أذى يناله، فتقرُّ عين الوالد والوالدة بعد طول تربصٍ وتضرعٍ إلى الله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } (الأعراف:189) ، وتكون غاية الابتلاء هاهنا استخراج عبودية الشكر لله عند الوالدين، وتارةً يكون ابتلاء المكلف بعدم تمام الحمل أصلاً فيسقط الحمل بتقدير الله تعالى وحكمته: { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } (الرعد:8) ، وتارةً أخرى يكون ابتلاء الله تعالى عبده بالمصيبة فيولد الطفل ناقصاً أو معلولاً أو مشوهاً وذلك لحكمةٍ يريدها الله تعالى – كما سنبين إن شاء الله – وحسبك أن تعلم أن الله تعالى قد شاء أن يبتلي بعض صفوة خلقه - وهم الأنبياء – بشيء من هذا حيث سجل القرآن الكريم تلك الحادثة في قوله تعالى حكايةً عن سليمان À:{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } (صّ:34).

    وبهذا يتحرر لدينا كون الأطفال محلاً للآلام والمصائب وتتحرر لدينا ألوان الفتن التي قد تعرض للمكلف في أولاده، ويبقى علينا أن نتجول في بستان أسماء الله تعالى وصفاته لننتقي بعض الأزهار والثمار الدالة على آثار هذه الأسماء والصفات العلية القدسية لتتحقق عبوديتنا لله تعالى على أفضل وجه ممكن لنا، والله المستعان.



    فصل: الحكم والعبر المستفادة من شهود آلام الاطفال ومصائبهم :



    أولاً: مشاهدة تمام تصرف الله تعالى في مملكته والتدبر في لوازم ذلك:

    إن الله تعالى حيث خلق الكون جعله يجري وفق سنن كونية تحفظ ثباته وتصون نظامه، وقد يدفع هذا الانتظام الثابت المستقر بعض الناس إلى توهم حتمية هذا النظام وقهريته، بل إن البعض قد يغفل عن شهود الصانع المتصرف في خلقه نتيجة هذا الثبات الذي لا يكاد يختل البتة. فكان من تمام حكمة الله تعالى أن تحدث الحوادث الكونية الخارقة لسنن الكون المعتادة لتدل على أن حوادث الكون المعتادة مخلوقة مصنوعة لبارئها المتصرف في مملكته تمام التصرف بدليل حدوث غير المعتاد وغير المألوف.



    ثانياً: مشاهدة تمام مشيئة الله تعالى في أفعاله:

    وإنني أقرر في هذا المقام أننا في عصر العلم والتقدم التقني الطبي والتشخيصي والعلاجي أحوج ما نكون إلى استحضار هذه الناحية أعني مشيئة الله تعالى النافذة في كل خلقه، لا سيما وأن العلم من مظانِ طغيان العبد وتجاوزه حده، قال تعالى :{ كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(7) }(العلق) ، فالإنسان اليوم في عصر العلم - كما يدّعي - كثيراً ما يجنح إلى الطغيان، ويغفل عن الضراعة إلى الله عز وجل مكتفياً بالركون إلى أسباب العلم المادية، فكان لا بد من تذكير مثل هذا الإنسان وتنبيهه إلى أنه مهما استغنى بسببٍ فهو أبداً مفتقرٌ إلى خالقه وخالق ذلك السبب. ولعل من المفارقات العجيبة في هذا الباب مثلاً ما حصل من تطور وتقدم علمي في مجال العقم؛ ففي حين كان الملجأ الوحيد – ولا يزال في حقيقة الأمر – للزوجين المحرومين من الإنجاب والذرية هو التضرع إلى الله تعالى والدعاء واللجوء إليه سبحانه، نجد خفوت وتضاؤل داعي التضرع والتذلل هذا اليوم مع وجود بعض التقدم العلمي التقني الذي يمكن أن يتجاوز بعض أسباب العقم ، واستغنى الإنسان بها بغفلته وزعمه فطغى وتجاوز الحد ولم يعد يلتفت إلى الدعاء التفاته السابق لاكتشاف هذه الأسباب، فكان لا بد من أن يكون التنبيه أشد والتذكرة أعنف، وإنك لترى أن نسبة حدوث الاعتلالات والتشوهات الخلقية عند أطفال ما يسمى " أطفال الأنابيب" وغيرها من وسائل تدبير ومعالجة العقم أكبر منها عند غيرهم من الأطفال، ولا أقصد التثريب على من تحرى طرق التداوي فهذا في حد ذاته مشروع وإنما التنبيه من الغفلة والركون إليها عن كمال الاستسلام والانقياد والخضوع لمشيئة الله U.



    ثالثاً: تحقيق عبادة الإنابة إلى الله تعالى:

    والإنابة هي الرجوع، وهي من أنواع الهجرة إلى الله سبحانه وتعالى، ولا بد من أن تكون الإنابة إلى الله تعالى بعد نوع بعدٍ عنه سبحانه إما بغفلة أو معصية أو تقصير في أداء الشكر ونحو ذلك، فلا جرم أن الإنابة والرجوع إلى الله تعالى من أعظم أنواع الخير الذي يكتبه الله تعالى للعبد ويوفقه إليه، بحيث إنه لو فُرض أن سبب الإنابة إلى الله تعالى كان ظاهره الشر لم يبق لهذا الشر أثر في مقابل الخير العظيم والنفع العميم المترتب على إنابة العبد إلى ربه وسيده.



    رابعاً: تحقيق مقام الافتقار إلى الله والمداومة على التذلل إليه:

    من المعلوم طبياً أن بعض الأجنَّة تتخلق بصورة طبيعية في بداية الحمل ثم تعرض لها بعض الحوادث والعوارض داخل الرحم في مرحلة لاحقة من الحمل فتؤدي إلى اعتلال وتشوه شكلي أو وظيفي ينتج معه ولادة طفل غير طبيعي رغم سلامة الجنين في بداية الحمل. ومن أمثلة هذه الحوادث بعض الإنتانات التي تصيب الجنين داخل الرحم أو حالات انسداد شرايين المشيمة أو الجنين أو بعض الالتصاقات التي تصيب الأغشية المحيطة بالجنين، وقد تحدث بعض هذه الحوادث في المراحل المتأخرة من الحمل بعد أن يكون الأبوان قد اطمأنا إلى سلامة الحمل من خلال بعض الفحوص المتوفرة اليوم كتصوير الجنين بأمواج ما فوق الصوت ونحوه، فيفتر الأبوان عن الدعاء إلى الله طلباً لسلامة الحمل لأن الجنين سليمٌ في ظنهما. والشاهد هنا أن الأبوين في بداية الحمل كثيراً ما يستشعران افتقارهما إلى الله تعالى لأجل سلامة خلق الجنين ويستسلمان إلى الله تعالى في ذلٍ وضراعةٍ راجين صحة الجنين وعافيته، فإذا ما تبين لهما سلامة الجنين قرب منتصف الحمل – وهي الفترة التي يجرى فيها عادة هذا التصوير بالأمواج فوق الصدى – فترت همة الدعاء وخفا صوت المناجاة وخبا داعي الافتقار إلى الله تعالى كدأب الإنسان مع ربه حين يصل شاطئ السلامة، قال تعالى:{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ }(الإسراء: من الآية83)، فكان في شهود هذا النوع من التشوهات الخلقية الناجمة عن إصابة الجنين في مراحل الحمل المتأخرة رادعاً عن ذلك وداعياً إلى مداومة النظر في حال فقر العبد لخالقه وملازمة عتبة الضراعة إلى الله واللجوء إلى جنابه.وإن من تأمل في قوله تعالى: { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }(الزمر: من الآية6) أدرك أن سلامة الخلق في مرحلة من مراحل حياة الجنين لا تحول دون وقوع الابتلاء في الخلق في مرحلة تالية ولم يقع فريسة وهمِ السلامة من الابتلاء ولم يركن إلى صورة طبيعية أو اختبار سليم أو غيرهما من الأسباب المادية وإنما نظر إلى السلامة المرحلية للجنين بعين الشكر من جانب وبعين التذلل والرجاء والخضوع والابتهال إلى الله تعالى أن يجعل تمام الحمل كبدايته من جانبٍ آخر، ولولا مشاهدة أنواع التشوهات الخلقية المتأخرة هذه لفات على كثير من الناس القيام في مشهد العبودية هذا، فتأمل.



    خامساً: شهود تمام نعمة الله في سقوط الحمل المشوَّه:

    وأعني بطبيعة الحال السقوط العفوي للجنين، إذ من المعلوم أن بعض الحوامل يسقط ما في أرحامهنَّ في مراحل مبكرة جداً من حياة الجنين، وإن الفحص التشريحي المرضي الدقيق لهذا السِقط كثيراً ما يشير إلى وجود اعتلالات خلقية وراثية وشكلية في هذا السِقط، فيكون من نعمة الله تعالى على الأبوين عدم تمام هذا الحمل بتقديره عز وجل وحكمته، ولولا أن بعض الأحمال تصل إلى تمامها بولادة أطفال مشوهي الخلقة لما أدركنا تمام نعمة الله علينا بإسقاط الحمل المشوه وإتمام الحمل السليم، يقول تعالى:{ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ(9)} (الرعد) ؛ فما تغيض – أي تنقص – الأرحام هو السِقط([81])، والسِقط يكون نتيجة تشوهاتٍ خلقية أحياناً وتكون هذه التشوهات مستورةً عنا في علم الغيب ولولا ظهور بعضها لنا في علم الشهود لما أدركنا تمام نعمة الله علينا حين تقضي مشيئته سبحانه بسقوط الحمل الذي قُدِّر له التشوه وإتمام الحمل الذي قُدِّر له سلامة الخلقة.



    سادساً: شهود تمام نعمة الله تعالى على العبد بعدم الإنجاب:

    ولا شك أن هذا بلاء شديد في نفسه، إلا أن ما قلناه في الحكمة السابقة ينسحب وينطبق على هذا الوضع بحيث إن مشاهدة ما يبتلي به الله تعالى بعض الأهالي بالأطفال المصابين بالتشوهات الخلقية أدعى لقناعة هؤلاء الأهالي المحرومين بما قسمه الله تعالى لهم من عدم الإنجاب ، ولا حاجة للتفصيل هاهنا لأنه متمم لما تم ذكره في الفقرة السابقة، فما يدري هذين الأبوين أن لو كتب الله لهما الإنجاب لكان الطفل سليماً أم مشوهاً، صحيحاً أم مريضاً؟



    سابعاً: الوقاية من البلاء:

    وهذه حكمة متعدية إلى الغير في الواقع، إذ أن مشاهدة أنواع الابتلاءات والتشوهات الخلقية لا بد من أن يدفع صاحب القلب المؤمن إلى الالتفات إلى خالق هذه الابتلاءات مقرَّاً بفضل الله تعالى عليه بعدم ابتلائه بها ومتضرعاً إليه سبحانه أن يصرفها عنه وعن ذريته، وفي هذا من ألوان العبودية والتضرع والافتقار إلى الله تعالى ما فيه من خير ونفعٍ عظيم. ولقد تكفلت النصوص الشرعية ببيان أثر ونتيجة هذا الدعاء والتضرع لمن حقق هذا الدعاء واستوفى مقدماته وأسباب قبوله، وتأمل معي الحديثين التاليين:

    عن ابن عمر ù عن عمر _ أن رسول الله ‘ قال: "من رأى صاحب بلاء فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً إلا عوفي من ذلك البلاء كائناً ما كان ما عاش([82])"

    وعن أبي هريرة _ قال : قال رسول الله ‘ :" من رأى مبتلى فقال : الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً لم يصبه ذلك البلاء([83])"

    فأنت ترى أن أثر هذا الدعاء – بالإضافة إلى ما تقدم من تحقيق مرتبة التضرع والتبرؤ من الحول والقوة – يتضمن أيضاً الوقاية من نفس البلاء المشاهد . وهنا نكتةٌ دقيقةٌ أرجو أن أوفَّق إلى بيانها وهي أن التشوهات الخلقية التي تصيب الأطفال تكون ناجمة عن خلل أو اضطراب في التصوير والتطور الجنيني بما لا يُتصور حصوله بشكل كسبي عند من وُلِد سليماً معافى من هذه التشوهات، فهو ليس محلاً لحصول هذه التشوهات فيه بعد أن تم خلقه وتصويره، فما وجه الأثر المترتب على هذا الدعاء عنده وقد قلنا إن من فوائد هذا الدعاء عدم إصابة المكلف بهذا الابتلاء؟ وصورة المسألة أن المكلف سليم الخلق قد يتوهم أنه غير محتاج إلى أثر هذا الدعاء في الوقاية من الابتلاء بالتشوهات الخلقية لفوات محل حصول ذلك التشوه فيستغني – واهماً – عن هذا الدعاء، فكيف نزيل هذه الشبهة وندحض هذا الوهم؟

    والجواب عن هذا بسيط وله وجهان:

    أحدهما تحقيق النظر في محل الابتلاء على النحو الذي قدمناه في فصلٍ سابق([84])، فهذا التشوه الخلقي قد لا يصيب نفس المكلف ولكنه قد يصيبه في ولده وذريته التي قد يرزقه الله تعالى بها، بحيث يكون أثر الدعاء متحققاً في المعافاة من ابتلاء ذريته بمثل هذا التشوه الذي يشاهده في ذرية أناسٍ آخرين، وبالتالي يتحقق أثر الدعاء عند هذا المكلف وإن لم يكن هو نفسه محلاً لوقوع البلاء في جسده، فتنبه.

    أما الوجه الثاني فيعود إلى تحقيق الإيمان بتمام قدرة الله U على خرق أي ناموسٍ كوني، فلا يمتنع في قدرة الله تعالى أن يبتلي من يتكبر على الخضوع لهذا المشهد التعبدي بمسخٍ أو نقصٍ كسبيٍ في خلقته يكون شبيهاً بهذا الابتلاء الذي توهم أنه ناجٍ منه وأنه غير مفتقرٍ إلى الله تعالى في مداومة التنعم بالسلامة منه، ولقد دلت النصوص صراحةً على وقوع مثل هذا المسخ كما قال تعالى: { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة:60) ، وقوله تعالى :{ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } (الأعراف:166) ، وقوله تعالى:{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} (البقرة:65) ، وأنت ترى أن القاسم المشترك بين من عوقب بهذا المسخ هو العتو والاستكبار عن الانقياد لأمر الله تعالى، وشبيه به – والله أعلم – الاستكبار عن الخضوع له تعالى بعبادة الدعاء المأثور عن النبي ‘ لتوهم عدم الحاجة إليه والاستكبار عن التبرؤ من الحول والقوة في دوام النعمة والافتقار في ذلك إلى الله تعالى وحده، وإليك هذه الآية الجامعة في تقرير مشيئة وقدرة الله تعالى المطلقة على مسخ من يشاء من خلقه، قال تعالى : { وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلا يَرْجِعُونَ) (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ(68)} (يّـس) ، والمشاهد المذكورة في هذه الآية وإن كان منها ما هو في الآخرة إلا أنها عامة في تقرير مشيئة الله تعالى وقدرته على هذا الطمس والمسخ، أما التنكيس في الخلق فصريحٌ ومشاهدٌ في الدنيا في كل يوم فيمن يذهب بصره وسمعه وعافيته وعقله مع تقدم عمره نسأل الله العافية، فكيف يركن بعد هذا أحدٌ إلى سلامة خلقته فيما مضى ويأمن مكر الله تعالى فيما هو آت، ألا فلا يركنن أحدٌ إلى سلامة خلقته ولا يستكبرنّ أحد عن مداومة النظر والافتقار إلى الله تعالى للوقاية من ابتلاء شبيه بما يراه عند الأطفال مشوهي الخلقة وإن قصر عقله عن تصور كيفية إنزال الله تعالى هذا البلاء به.



    ثامناً: استخراج عبادة الصبر عند الأبوين:

    إذ لاشك في أن الابتلاء بمثل هذه التشوهات والآفات يشكل صدمةً شديدة للأبوين في لحظةٍ هي أرجى ما تكون فرحاً بقدوم الطفل السليم الصحيح المنتظر فإذا بالمولود على غير ما هو متوقع، أو بالطبيب يخبر الأهل بما لم يخطر على بالهما وهما يريان طفلاً سليماً في الظاهر فإذا به مصابٌ بمرض خلقي خفي خطير، والحقيقة أن مواجهة هذه اللحظة بالصبر والجلَد والقبول لقضاء الله تعالى وقدره لا يمكن أن يتحقق تمام التحقيق وأن يمارس حق الممارسة إلا باستعدادٍ سابق وعلى قاعدة إيمانية راسخة، إذ من السهل على الإنسان أن يصبر على بلاءٍ ما بعد مرور سنين طوال ويتعود الأمر ويقبله، وهذا المشهد يشترك فيه الكثير من الناس، ولكن الصبر المميز للثلة القليلة هو صبر الصدمة الأولى الذي ينأى بالمرء عن مظاهر التذمر والتبرم والتضجر ويقيه من معصية السخط على قضاء الله تعالى والعواقب الوخيمة لذلك.

    وهنا مسألة لطيفة وهي : أيهما أفضل من رُزق بولدٍ سليم معافى فشكر أم من رُزق بولد مبتلى مشوه الخِلقة فصبر؟

    وهذه المسألة نظير مسألة الغني الشاكر والفقير الصابر، والتحقيق في هذه المسألة – وكل المسائل النظيرة لها – أن نذعن لقوله تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}(النجم: من الآية32)، فالعبد قد يُصلحه الابتلاء بالخير على وجه لا يحققه ابتلاؤه بالشر، وغيره قد يصلحه الابتلاء بالشر على وجهٍ لا يتحقق لديه بابتلائه بالخير، فكم من غنيٍ غافل لو أصابته العالة والفقر لثاب إلى الله، وكم من فقيرٍ صابرٍ قانع لو أصابه غنى لطغى وفجر ونسي الله، وكم من غني شاكر لو أصبته عالة لضجر وتبرم وسخط على قدر الله، وكم من فقير متذمر لو كان غنياً لكان قوَّاماً أواباً إلى الله تعالى، وهكذا .. فالتحقيق أن نذعن لحكمة الله تعالى فيما يختاره لنا من الابتلاء ونذعن لعلمه بنا الذي يفوق علمنا بأنفسنا، وأن الله تعالى أعلم بما هو أصلح لنفوسنا، فمن كان محلاً قابلاً ومتجهاً إلى الله تعالى وعلم الله أن الابتلاء بالخير أرجى لتحقيق إيمانه ورفع درجاته ابتلاه بالخير، ولو علم أن الابتلاء بالشر هو أرجى لتحقيق إيمانه ورفع درجاته لابتلاه بالشر، وهكذا. وتحقيق الأمر في مسألتنا أن نقول لمن رُزق بالطفل المشوَّه أن يصبر ولا يسخط ولا يحدِّث نفسه ويسيء الأدب مع ربه قائلاً: لو أن الله رزقني طفلاً سليماً لكنت أريته سبحانه كيف أشكره، و أن نقول لمن رُزق طفلاً سليماً أن يشكر الله ولا يسيء الأدب مع ربه قائلاً: لا يهمني لو أن الله ابتلاني بطفلٍ مشوَّه فإني أصبر على ذاك كما أشكر على هذا، إذ أن هذا كله من قبيل إحسان الظن بالنفس وهو مذموم قطعاً، بل يقبل الإنسان ما ابتلاه الله تعالى به محسناً الظن بالله أنه سبحانه ما قدر له إلا ما هو خير له وأصلح في دينه ودنياه، كيف لا وهو الرؤوف بعباده الرحيم، فتأمل هذا فإنه عظيمٌ جداً.



    تاسعاً: الإقرار بكمال الخلق الإلهي للإنسان وبلوغ ذروة الإبداع في ذلك:

    وهذه نعمة مغبون بها كثير من الناس لكثرة مشاهدة النعمة وأُلفها حتى يكاد ينعدم شهودها واستشعار منِّ الله بها فإذا بشكرها يضمحل شيئاً فشيئاً، بل قد يصل الطغيان والغرور بالإنسان إلى محاولة تبديل خلق الله تعالى واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، فيتبع خطوات الشيطان فيما نبه الله تعالى به من مكائده: { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} (النساء: من الآية119)، وها أنت ترى مظاهر فسق الإنسان وانحرافه في تغيير خلق الله يتعدى المظاهر الشكلية من وسمٍ ووشم ووصل وتفليج وتبتيك آذان([85]) وثقب أجسام – كما هو مشاهد بكثرة عند الغرب الكافر- فإذا به يتعدى ذلك إلى مجال آخر هو الإقدام على التلاعب بالمادة الوراثية التي منَّ الله تعالى على الإنسان باكتشافها لا بغية علاج مرض – فهذا مشروع بضوابطه إن شاء الله - وإنما بغية تغيير لون عينين أو "تفصيل" جنين حسب الطلب لأبوين متطاولين على حدود الله تعالى غير قانعين بهبة الله عز وجل، يظن أولئك السفهة أن بعض العلم الذي لديهم يغنيهم عن الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ قال: {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى(6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى(7) (العلق) .



    عاشراً: تحقيق القناعة بجنس المولود:

    لطالما كان جنس المولود محط اهتمام الأهل؛ يفرحون بولادة الذكر ويستبشرون ، ويتشاءمون بولادة الأنثى ويحزنون، ولئن كانت لحظة الفرح والحزن هذه رهينة ساعة الولادة في السابق، فإننا نجد اليوم تهافتاً من الأبوين وغيرهما على تحديد جنس الجنين أثناء الحمل بالتصوير بأمواج ما فوق الصوت ونحوه مما يتوفر من وسائل طبية، فإذا بالأم تقضي فترة حملها المتبقية مكتئبةً لكون الجنين من هذا الجنس أو ذاك، وربما تحيَّرت في كتمان الخبر عن زوجها، وهكذا دواليك، قلق واضطراب وفي حقيقة الأمر كفران نعمة وتطاول على الله تعالى وجحود لمشيئته، قال تعالى: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)} (الشورى) ، فمن حكمة الله تعالى في حدوث بعض التشوهات الخلقية المخلَّة بسلامة المولود أن يدرك الناس تمام نعمة الله عليهم حين يرزقهم مولوداً سليماً ويرتدعوا عن التبرم والتضجر والتسخط لكون هذا الطفل السليم ذكراً أم أثنى، بل إن بعض التشوهات أو الاعتلالات الخلقية قد تصيب الأعضاء التناسلية للمولود فلا يتميز كونه ذكراً أم أنثى أصلاً – وهو ما يعرف بالخنثى – فيكون في شهود هذه الأنواع من الاعتلالات الخلقية ترسيخ للقناعة بالمولود السليم بغض النظر عن موافقة جنسه لرغبة الوالدين وهواهما.



    حادي عشر: الزجر والردع عن اقتراف المعاصي :

    فلقد بينت الاستقصاءات الطبية أن نسبةً من الأمراض والتشوهات الخلقية التي تصيب الجنين تكون ناجمةً عن إصابة الحامل ببعض الإنتانات أو الأمراض الجرثومية أو الحُموية ([86])، وإن بعضاً من هذه الأمراض يكون منتقلاً عن طريق ممارسة الجنس ويكون انتشاره وسرايته ناجماً عن العلاقات الجنسية المحرمة، وأضرب مثالين اثنين في هذا المقام:

    أولاً: الزُهري أو الإفرنجي (السفلس ):

    فهذا المرض الجرثومي البشع من أكثر الأمراض المنتقلة عبر الجنس، وإن إصابة الحامل به تُعرض الجنين إلى الإصابة بمختلف الاعتلالات الخلقية نتيجة إصابة الجنين بجرثومة الزهري أثناء الحمل مما يؤثر على سلامة الجهاز العصبي والدموي والعظمي مما يسبب اضطرابات صحية شديدة للوليد وللطفل من ثمَّ ، وقد لا تستجيب كل هذه الأعراض للعلاج.

    ثانيا: مرض نقص المناعة المكتسب المعروف بـ "الأيدز" :

    وهذا الوباء المستشري اليوم ما هو إلا عقاب من الله تعالى لقومٍ تنكست فطرتهم وأوغلوا في ما دون البهيمية متخذون من الشذوذ الجنسي منهجاً لحياتهم تترفع عنه أحطُّ البهائم قدراً، ولقد نبه النبي ‘ على هذا النوع من العقوبة فعن عبد الله بن عمر قال : أقبل علينا رسول الله ‘ فقال: يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يُعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا،...الحديث([87]))، ولقد أصبح هذا الوباء من أخطر الأمراض انتشاراً في العالم ، وإن الحامل المصابة بهذا المرض تنقله إلى جنينها مما يؤدي إلى إصابته الخلقية بهذا المرض مما يؤدي – إضافةً إلى خلل الجهاز المناعي للجنين وللطفل من ثمَّ – إلى التأثير على نضج وسلامة أعضاء الجسم كالجهاز العصبي وغيره.

    وهكذا فمن حكمة الله تعالى في شهود هذين المرضين وغيرهما عند الوليد ارتداع الناس عن اقتراف جريمة الزنا والشذوذ الجنسي التي تترافق بانتشار هذه الأوبئة والأمراض الخبيثة عافانا الله وإياكم منها.

    ومن جهةٍ أخرى، فإن بعض الأمراض والتشوهات الخلقية تحدث عند الجنين نتيجة التعرض للسموم والقاذورات عن طريق تعاطي الحامل لها، كالمخدرات والخمور ونحوها، ولكم كنا نشاهد في الولايات المتحدة الأمريكية من إصابات الولدان الخلقية نتيجة تعاطي الأمهات للكوكائين والخمر وغيرها من السموم ([88])، ولقد وصفت المراجع الطبية في السنوات الأخيرة حالة تسمى " متلازمة الطفل الكحولي" حيث تُصاب أجنة الحوامل اللواتي يرتكبن جريمة شرب الخمر بنقصٍ في نمو الدماغ والرأس والجسم وإصابة القلب والهيكل العظمي باعتلالات خلقية مختلفة مع نقص ذكاء هؤلاء الأطفال المصابين بهذه المتلازمة التي ما هي إلا جريمة نكراء ترتكبها الحامل في حق ربها ونفسها وطفلها ومجتمعها، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فمن حكمة الله تعالى أن يشاهد الناس هذه الأمراض والاضطرابات الخلقية الناجمة في الحقيقة عن مخالفة أمر الله وتعدي حدوده، بل قد تكون الإصابة بهذه الأمراض الخلقية عند الجنين مظهراً من مظاهر رحمة الله تعالى بهذه الحامل العاصية لله إذا ما أفضت مشاهدتها وتدبرها في مصابها بطفلها إلى توبةٍ نصوح تجبُّ ما قبلها فيكون هذا الابتلاء في الدنيا خير لها من أن تطعم طينة الخبال ([89]) التي توعد الله تعالى بها من عاقر الخمر في الدنيا؛ ورب معصيةٍ أورثت بالتوبة ذلاً وانكساراً خير من طاعةٍ أورثت عُجباً وافتخاراً، فحكمة الله تعالى في استخراج توبة عبده بما يورثه ذنبه من ابتلاء وذل وخضوع لله تعالى من أعظم حكمه سبحانه وتعالى في هذا المشهد.

    ولا يفوتني هاهنا التنبيه على سمٍ آخر يُعرض كثير من الآباء والأمهات أجنَّتهم وأطفالهم له ألا وهو التبغ أو الدخان حيث إن تعاطي الحامل – أو من حولها – لهذا المحرَّم يؤذي جنينها ويؤدي إلى نقص نمو الجنين ويؤثر على سلامته بما يحدثه من تأثيرات على الأوعية الدموية المشيمية المسؤولة عن تغذية الجنين ووظائفه الحياتية المختلفة.

    ولكأن الحال في مشاهدة هذه الأمراض الخلقية الناجمة عن معصية الله تعالى أن الله تعالى ينبهنا إلى عواقب هذه المعاصي في الدنيا حيث الضنك والابتلاء بالمكروه، فما بالنا بعقوبة الآخرة وعذابها؟ لا جرم أن هذه العقوبات الدنيوية ليست بشيء أمام عقوبة الآخرة، قال تعالى :{ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (القلم:33) ، بل انظر إلى نكتة لطيفة هنا وهي كون هذه الأمراض الخلقية الناجمة عن المعصية أمراض وآفات دائمة وكأنها إشارة إلى الوعيد بعذابٍ دائمٍ في الآخرة، فتنبه لهذا فإنه دقيق جداً.



    فما هي الحكم والعبر المستفادة من شهود آلام الأطفال الكسبية سواء أكانت عابرةً أم مترقية بعد أن تم خلقهم سليماً وقرَّت بذلك عينا والديهم؟



    أولاً: استخراج عبادة الدعاء عند الوالدين:

    إن سلامة الطفل وصحته كثيراً ما تؤدي بالأهل إلى الغفلة عن شكر الله والتضرع إليه سبحانه بإدامة هذه النعمة، فكان من فضل الله تعالى وحكمته أن جعل بعض الابتلاءات العابرة منبهةً للغافلين لتستخرج منهم عبادة الدعاء والتذلل والخضوع لله سبحانه، وانظر على سبيل المثال ما رواه الإمام البخارري في صحيحه تحت باب "من ذهب بالصبي المريض ليُدعى له" حيث روى عن الجُعيد قال: سمعت السائب يقول: ذهبَت بي خالتي إلى رسول الله ‘ فقالت :" يا رسول الله إن ابن أختي وَجِع" . فمسح رأسي ودعا لي بالبركة ، ثم توضأ فشربت من وضوئه ، وقمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زر الحجلة([90]).

    فتأمل هذا الحديث العظيم وانظر إلى تلك المآلات الحسنة التي ترتبت على وقوع المرض والألم بهذا الصبي من استخراج عبادة الدعاء عند خالته القائمة على شأنه والتوسل بدعاء الصالحين الأحياء([91]) والتعرض بالصبي إلى مجالس الصالحين وما يترتب على ذلك من بركة وخير عظيم.

    والحاصل هنا أن المرض والألم تذكرة لتلك النعمة المغبون بها الأهل ألا وهي نعمة الصحة والعافية في أولادهم، ومن فاته تدبر هذا الأمر فاته خيرٌ عظيم، ونفع عميم فليتنبه.



    ثانياً: ترقيق قلوب العباد واستخراج الرحمة الكامنة فيها:

    وليس أحد قد رأى طفلاً مريضاً متألماً إلا وهو يدرك هذه الحكمة إن كان سليم الفطرة يقظ الحس والشعور، ومن منا لا تتفطر كبده لمشاهدة ألم طفلٍ صغير أو معاينة بلائه؟ وكم من أناسٍ قد قست قلوبهم وتحجرت لا تكاد ترى منهم أي مظهر من مظاهر الشفقة أو الرحمة يقصرون تعاملهم مع الغير على الغلظة والشدة، حتى إذا أصيب ولده ببلاء أو صرخ صرخة ألم وجدته قد خارت قواه وانهار كبرياؤه وأخذ يتلفت يمنةً ويسرة باذلاً الغالي والنفيس لمن عساه يخفف من ألم ولده شيئاً. هذا فيمن عادته الغلظة والقسوة، فما بالك بالمؤمن مرهف الحس رقيق القلب، وما بالك بالصالحين والفضلاء وهم يعاينون هذا المشهد؟ وإنني أدعو نفسي وإياكم إلى تأمل هذا المشهد النبوي بما فيه من أسوة حسنة خيِّرة حيث روى أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ‘ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها – أو ابناً لها – في الموت. فقال للرسول:" ارجع إليها فأخبرها : إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى ،فمُرها فلتصبر ولتحتسب". فعاد الرسول فقال: إنها قد أقسمت لتأتينها. قال: فقام النبي ‘ وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وانطلقت معهم، فرُفع إليه الصبي ونفسُه تقعقع كأنها في شنَّة([92])، ففاضت عيناه . فقال سعد: ما هذا؟([93])يا رسول الله. قال: "هذه رحمة جعلها في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء([94])"

    فأنت ترى في هذا الحديث اختلاف تأثر النبي ‘ – وهو أرأف وأرحم الناس بأمته – فلم تفض عيناه لسماع الخبر كما فاضت لمعاينة الصبي وهو يعاني ألم الموت، فلله تعالى حكمته في استخراج هذه الرحمة من قلوب العباد والتظاهر بما لا يُغضب الله عز وجل من مظاهر الشفقة، ولولا أمثال هذه الابتلاءات لظلت هذه الخصلة الطيبة كامنةً ساكنةً في قلوب العباد لا يُرى لها أثر في تعاملهم مع الغير، فتأمل هذه الحكمة فإنها جليلةٌ جداً.



    ثالثاً: تجريد استعاذة العبد بالله والتجائه إليه:

    فالمرض من الأمور التي لا يستطيع المرء دفعها ولا يستطيع الخلاص منها إلا بالتجاء تام إلى الله تعالى واستعاذة به تعالى من وقوعها ومن شرها بعد وقوعها. ولئن كان حال المرء كذلك مع نفسه، فإن هذا اللجوء إلى الله تعالى يكون أشد حاجةً عند العبد الذي يخشى على ولده أثر مرضٍ أو داءٍ أو مصيبة، فإذا بمشاهدة هذه الابتلاءات التي تصيب الأطفال تدفع بالعبد إلى مزيد تضرع والتجاء إلى الله تعالى حمايةً لولده ووقايةً له من هذه المصائب، وانظر إلى حديث ابن عباس قال: كان رسول الله ‘ يعوِّذ الحسن والحسين يقول: ((أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامَّة ومن كل عينٍ لامَّة، ويقول: هكذا كان إبراهيم يعوِّذ إسحاق وإسماعيل عليهم السلام))([95]).، قلت: فإن شهود هذه الابتلاءات التي قد تصيب الطفل في أي وقت وساعة حريٌ بأن يدفع العبد إلى مداومة الاستعاذة بالله تعالى منها، ويالها من عبودية رائعة نسأل الله تعالى أن يبلغنا أعلى مراتبها.



    رابعاً: عدم الركون إلى حال القوة والشباب([96]):

    لقد جرت سنة الله الكونية في خلق الإنسان أن يسير عبر مراحل متدرجة من الضعف فالقوة فالهرم كما بينت ذلك بتفصيل دقيق الآية الكريمة من سورة الحج:{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج:5) ؛ فهذه المراحل المتدرجة تمثل سنة الله تعالى الكونية التي تعوَّدها الناس ، وقد تستقر مشاهدة هذه العادة الجارية في أذهان الناس إلى حدٍ يوهم بحتميتها، ويتطلع الناس إلى سن الطفولة على أنها سن ازديادٍ في القوة والنماء والصحة، تليها سن الشباب واكتمال الأشُد والجسد في نماءٍ والقوة في ازدياد، وينسى – أو يتناسى – هؤلاء ما يلي ذلك من موتٍ مبكر أو طول عمر وتنكيسٍ في الخلق يعود فيه الإنسان إلى مظاهر ضعفه كما قال تعالى : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} (الروم:54) ، والحاصل أن الناس قد يركنون إلى طور القوة وبلوغ الأشد بل قد يركنون إلى طور الطفولة باعتباره طور ترقٍ نحو الأفضل، فكان لا بد من تنبيه الغافلين وزجرهم عن الركون والطمأنينة إلى سببٍ دنيوي زائلٍ عارض والانتباه إلى أن عوارض الموت والانتكاس وإن جرت العادة بتأخرها إلى سن الهرم كما قال تعالى:{ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ}(يّـس:68)

    إلا أن هذه العوارض قد تتلبس بالأطفال واليافعين لتتحقق – بحكمة الله – الغاية من تنكيس الخلق وهي "أفلا تعقلون"؛ قال الحافظ ابن كثير في معناها:"أي يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى سن الشيبة ثم إلى الشيخوخة ليعلموا أنهم خُلقوا لدارٍ أخرى لا زوال لها ولا انتقال منها ولا محيد عنها وهي الدار الآخرة"([97]). قلت: فإذا ما غفل الناس عن التدبر في هذا كان من حكمة الله تعالى أن يصاب بعض الأطفال وصغار السن بأمراض تؤدي إلى تنكس خلقهم وعودتهم إلى حالة الضعف والوهن بعد أن يكونوا قد تسلقوا درجاتٍ عديدة في سلم التطور الروحي الحركي، فإذا بالطفل بعد أن زحف وقام ومشى ونطق وركن الأهل إلى سلامة الجسد ويفعان الشباب إذا بمشهدٍ غير متوقع وعوارض ليس الطفل محلاً لها في العادة وفي عرف الناس ومشاهداتهم لتقول بلسان الحال: إن وراء هذا الخلق وهذه الأطوار وهذه القوة بعد الضعف والضعف بعد القوة خالقاً متصرفاً يشاء فيكون ولا يكون إلا ما يشاء. ولكأني بمشهد التنكس والضعف المبكر هذا بعد اطمئنان المرء إلى ظهور بوادر الصحة والسلامة واشتداد قوى الطفل واليافع شبيه بهذا المشهد القرآني العجيب:{ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس:24) ،وليس المقصود هنا أن هذه الأمراض تمثل عقوبةً إلهية في كل حال ولكل أحد، وإنما المقصود هو ما وجَّهت إليه الاية الكريمة؛ التفكُّر والتدبر: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

    ثم انظر إلى العبودية التي تُستخرج بمعاينة هذا المشهد وتدبُّر هذه الفكرة، فعن أنس بن مالك أن رسول الله ‘ كان يدعو :" أعوذ بك من البخل والكسل والهرم وأرذل العمر وعذاب القبر وفتنة الدجال وفتنة المحيا والممات"([98])، وإن هذا الدعاء ممن عاين هذه الابتلاءات ورأى أثرها في الناس ليس كدعاء من لم يعاينها. وانظر إلى أشد غرابةً مما تقدم وهو أن بعض الأمراض النادرة جداً تصيب الأطفال بحالة من الشيخوخة المبكرة، فترى الطفل وهو في سنوات عمره الأولى لم يتجاوز أربع أو خمس سنين وقد ظهرت كل معالم الشيخوخة والهرم عليه سواءٌ أفي مظهره الخارجي أم في أعضائه الداخلية - كالقلب والشرايين ونحوها – حتى تكاد تجزم أن من أمامك شيخٌ طاعنٌ في السن لا طفلٌ صغير، ولقد شاهد كاتب هذه الأسطر بعضاً من هذه الحالات ، فسبحان الله تعالى ما أعظم قدرته وأكمل حكمته، ولكأني بلسان حال هؤلاء الأطفال يخاطب الناس: يأيها الغافلون الراكنون إلى صغر سنهم وصحة أجسادهم وبُعدهم عن الهرم وعن الشيخوخة وعن أرذل العمر انظروا إلى حالنا؛ ها نحن أطفال وقد تلبست بنا الشيخوخة وتنكست أجسادنا ولم يشفع لنا صغر سننا، فإلام تركنون وأي شيء تنتظرون من هذه الدنيا الفانية، أي شيء؟


    <رفض المتصفح تحميل كافة الجزء الأول لتجاوز العدد المسموح به>
    البقية ههنا فى أسفل

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2005
    الدولة
    مصر -الأسكندرية
    المشاركات
    66
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    Arrow تكملة الجزء الأول -2

    خاتمة

    لطمات الرأفة وصفعات الرحمة ([99])

    المسألة الاولى:

    إن المصيبة التي تعدّ مصيبة حقاً والتي هي مضرة فعلاً، هي التي تصيب الدين. فلابد من الالتجاء الى الله سبحانه والانطراح بين يديه والتضرع اليه دون انقطاع. أما المصائب التي لاتمس الدين فهي في حقيقة الامر ليست بمصائب، لأن قسماً منها:

    تنبيه رحماني! يبعثه الله سبحانه الى عبده ليوقظه من غفلته، بمثل تنبيه الراعي لشياهه عندما تتجاوز مرعاها، فيرميها بحجر، والشياه بدورها تشعر أن راعيها ينبهها بذلك الحجر ويحذرها من أمر خطير مضر، فتعود الى مرعاها برضى واطمئنان. وهكذا النوائب الظاهرة فان الكثير منها تنبيه الهي، وايقاظ رحماني للانسان.

    أما القسم الآخر من المصائب فهو كفارة للذنوب.

    وقسم آخر أيضاً من المصائب هو منحة إلهية لتطمين القلب وإفراغ السكينة فيه، وذلك بدفع الغفلة التي تصيب الإنسان، وإشعاره بعجزه وفقره الكامنين في جبلته.

    أما المصيبة التي تنتاب الإنسان عند المرض - فكما ذكرنا آنفا - فهي ليست مصيبة حقيقية، بل هي لطف رباني لانه تطهير للإنسان من الذنوب وغسل له من أدران الخطايا، كما ورد في الحديث الصحيح:

    (ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتّ الله عنه خطاياه كما يحاتّ ورق الشجر )([100])

    وهكذا فان سيدنا أيوب &Agrave;لم يدعُ في مناجاته لأجل نفسه وتطميناً لراحته، وإنما طلب كشف الضر من ربه عندما أصبح المرض مانعاً لذكر الله لسانا، وحائلاً للتفكر في ملكوت الله قلباً، فطلب الشفاء لأجل القيام بوظائف العبودية خالصة كاملة. فيجب علينا نحن أيضا أن نقصد - بتلك المناجاة - أول ما نقصد: شفاء جروحنا المعنوية وشروخنا الروحية القادمة من ارتكاب الآثام واقتراف الذنوب ولنا الالتجاء الى الله القدير عندما تحول الأمراض المادية دون قيامنا بالعبادة كاملة، فنتضرع إليه عندئذ بكل ذل وخضوع ونستغيثه دون أن يبدر منا أي اعتراض أو شكوى، اذ مادمنا راضين كل الرضا بربوبيته الشاملة فعلينا الرضا والتسليم المطلق بما يمنحه سبحانه لنا بربوبيته.. أما الشكوى التي تومئ الى الاعتراض على قضائه وقدره، واظهار التأفف والتحسر، فهي أشبه ما يكون بنقد للقدر الإلهي العادل واتهام لرحمته الواسعة.. فمن ينقد القدر يصرعه ومن يتهم الرحمة يُحرم منها. اذ كما ان استعمال اليد المكسورة للثأر يزيدها كسراً، فان مقابلة المبتلي مصيبته بالشكوى والتضجر والاعتراض والقلق تضاعف البلاء.

    المسألة الثانيـة:

    كلما استعظمت المصائب المادية عظُمت، وكلما استصغرتَها صغرت. فمثلاً: كلما اهتم الانسان بما يتراءى له من وهم ليلاً يُضخم ذلك في نظره، بينما اذا أهمله يتلاشى. وكلما تعرض الانسان لوكر الزنابير ازداد هجومها واذا أهملها تفرقت.

    فالمصائب المادية كذلك كلما تعاظمها الانسان واهتم بها وقلق عليها تسربت من الجسد نافذة في القلب ومستقرة فيه، وعندها تتنامى مصيبة معنوية في القلب وتكون ركيزة للمادية منها فتستمر الاخيرة وتطول. ولكن متى ما أزال الإنسان القلق والوهم جذوره بالرضا بقضاء الله، وبالتوكل على رحمته تضمحل المصيبة المادية تدريجياً وتذهب، كالشجرة التي تموت وتجف أوراقها بانقطاع جذورها.

    ولقد عبّرتُ عن هذه الحقيقة يوماً بما يأتي:

    ومن الشكوى بلاءٌ.

    أنت يامسكينُ دعها وتوكلْ.

    أنت ان تسلمْ الى الوهاب نجواك وجدتْ.

    فاذا الكلُّ عطاء.

    واذا الكلُّ صفاء.

    فبغير الله: دنياك متاهات وخوف!

    أفيشكو مَن على كاهله يحمل كلّ الراسيات

    حبةَ الرمل الضئيلة؟

    انما الشكوى بلاءٌ في بلاء.

    وأثام في أثام وعناء!

    أنت ان تَبْسَم وفي وجه البلاء.

    عادت الأرزاء تذوي وتذوب.

    تحت شمس الحق حباتِ بَرَد!

    فاذا دنياك بَسمة،

    بسمةٌ من ثغرها ينسابُ ينبوعُ اليقين.

    بسمةٌ نشوى باشراق اليقين.

    بسمةٌ حيرى باسرار اليقين.

    نعم..! ان الانسان مثلما يخفف حدًّة خصمه باستقباله بالبشر والابتسامة، فتتضاءل سَورة العداوة وتنطفئ نار الخصومة، بل قد تنقلب صداقةً ومصالحة، كذلك الامر في استقبال البلاء بالتوكل على القدير يذهبُ أثره.







    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) المصابون بمرض الجذام المعروف الذي يسبب تساقط الأطراف .

    ([2]) شفاء العليل صـ 390.

    ([3]) ولد عبد الله القصيمي في عام 1907م تقريباً في " خب الحلوة" الواقع إلى الغرب من مدينة بُريدة النجدية في المملكة العربية السعودية،وهلك في مصر عام9/1/ 1996م ، وهو من أشهر الملاحدة في العصر الحديث ،بدايته كانت دينية ناصر فيها انتماءه لدنيه في أكثر من كتاب ، ثم انقلب على وجهه خاسرًا دنياه و أخرته ، بما خلف وراءه من كتب ومقالات حاد فيها دينه وانتماءه خالعًا ربقة الإسلام من عنقه، فنسأله الثبات على الإسلام إلى يوم نلقاه (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ).

    ([4]) منهج جديد في دراسة التوحيد صـ22،21 ).

    ([5]) رواه مسلم.

    ([6]) هذا وما بعده ملخص من كتاب البلاء أنواعه ومقاصده.

    ([7])مختار الصحاح، كلمة " البلاء ".

    ([8])المفردات في غريب القرآن.

    ([9])صحيح الجامع الصغير: 1990.

    ([10])صحيح سنن ابن ماجه: 3249.

    ([11])صحيح سنن ابن ماجه: 3250

    ([12])صحيح الأدب المفرد: 395.

    ([13])صحيح سنن الترمذي: 1954

    ([14])صحيح الترغيب والترهيب: 3402.

    ([15])صحيح الترغيب والترهيب: 3403.

    ([16])صحيح الجامع: 4577.

    ([17])صحيح الجامع: 2288.

    ([18])صحيح سنن الترمذي: 1960.

    ([19])صحيح الترغيب والترهيب: 3408.

    ([20])صحيح الترغيب والترهيب: 3409.

    ([21])صحيح سنن الترمذي: 1959.

    ([22])السلسلة الصحيحة: 2169.

    ([23])السلسلة الصحيحة: 2222.

    ([24])صحيح الأدب المفرد: 381.

    ([25])السلسلة الصحيحة: 1586.

    ([26]) قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ’ فإن قلت :كيف يبتلي الله أحبابه؟!

    قيل لما كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرا لهم كما صحت بذلك الأحاديث وفي أثر إلهي ابتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعائب ولأنه زيادة في درجاتهم لما يحصل مع المصيبة للمؤمن من الأعمال الصالحة كما تقدم في حديث إذا سبقت للعبد من الله منزلة الحديث ولأن ذلك يدعو الى التوبة فإن الله تعالى يبتلي العباد بعذاب الدنيا ليتوبوا من الذنوب كما قال تعالى ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه ولأن ذلك يحصل به دعاء الله والتضرع اليه ولهذا ذم الله من لا يستكين لربه ولا يتضرع عند حصول البأساء كما قال تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين فإن صلاح الدين في أن يعبد الله وحده ويتوكل عليه وأن لا تدع مع الله إلها آخر لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة فإذا حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده وتطيع رسله بفعل المأمور وترك المحظور كنت ممن يعبد الله وإذا حصل لك الدعاء الذي هو سؤال الله حاجاتك فتسأله ما تنتفع به وتستعيذ به مما تستضر به كان هذا من أعظم نعم الله عليك وهذا كثيرا ما يحصل بالمصائب واذا كانت هذه النعم في المصائب فأولى الناس بها أحبابه فعليهم حينئذ أن يشكروا الله لخصت ذلك من كلام شيخ الإسلام ’. إ.هـ) (تيسير العزيز الحميد صـ420)



    ([27]) و قال شيخ الإسلام ’ ( المصائب نعمة لأنها مكفرات للذنوب ولأنها تدعو إلى الصبر فيثاب عليها ولأنها تقتضي الإنابة الى الله والذل له والإعراض عن الخلق إلى غير ذلك من المصالح العظيمة فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا ومعلوم أن هذا من أعظم النعم ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن يدخل صاحبها بسبها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررا في دينه بحسب ذلك فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة لا من جهة المصيبة كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق والله تبارك وتعالى محمود عليها فإن اقترن بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها وإن اقترن بها للمؤمن معصية فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية فمن ابتلى فرزق الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه حيث قال اولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون فحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات وهذا من أعظم النعم فالصبر واجب على كل مصاب فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك انتهى ملخصا) تيسير العزيز الحميد صـ .

    ([28])صحيح الأدب المفرد: 380.

    ([29])صحيح الترغيب: 3401.

    ([30])صحيح الترغيب: 3411.

    ([31])أخرجه الطبراني والحاكم، صحيح الترغيب: 3412.

    ([32])أخرجه الطبراني وغيره، صحيح الترغيب: 3417.

    ([33])صحيح الأدب المفرد: 393.

    ([34])السلسلة الصحيحة: 2410.

    ([35]) القائل هو صاحب كتاب (البلاء أنواعه ومقاصده) حفظه الله U.

    ([36])صحيح سنن ابن ماجه: 3243.

    ([37])صحيح سنن الترمذي: 1838.

    ([38])صحيح سنن أبي داود: 1375.

    ([39])صحيح الدب المفرد: 560.

    ([40])صحيح الأدب المفرد: 559.

    ([41])أخرجه البيهقي، صحيح الترغيب: 2386.

    ([42])صحيح سنن ابن ماجه: 3246.

    ([43])صحيح سنن أبي داود: 2185.

    ([44])أخرجه أبو داود وغيره، السلسلة الصحيحة: 11.

    ([45])أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 5634.

    ([46])صحيح سنن الترمذي: 1953.

    ([47])السلسلة الصحيحة: 3874.

    ([48])انظر تفسير ابن كثير.

    ([49])أخرجه الطبراني، السلسلة الصحيحة: 2737.

    ([50])صحيح سنن ابن ماجه: 3140.

    ([51])أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار، السلسلة الصحيحة: 2877.

    ([52])تأمل يا عبد الله يا موحد حال عبدة البقر وبرازها، وعبدة الحجر والشجر .. وما هم فيه من شقاء .. وما أكثرهم في زماننا .. تدرك فضل الله عليك وعظمة نعمته عليك أن هداك للإيمان وعقيدة التوحيد .. وتحمد الله تعالى أن نجاك من عبادة الأبقار، والحجارة والأوثان، وآلهة هي أحط منك شأناً وقدراً!!

    ثم لتعلم ـ يا عبد الله يا مسلم ـ عِظم نعمة الإيمان والتوحيد عليك، اطرح على نفسك هذا الخيار: وهو أن تتخلى عن دينك وإيمانك .. وتدخل صادقاً مخلصاً في عبادة البقر وبرازها .. أو الحجارة والأصنام .. ولك مقابل ذلك الدنيا كلها .. أتراك تفعل؟!!

    ([53]) قد فصل الكاتب فى ذلك فليراجع ، ونكتفى هنا بما له علاقة بموضوعنا.

    ([54])كونه قضاء وقدر من الله تعالى يُستقبل بالرضى والقبول وانتفاء الحرج .. فهذا لا يمنع من ملاحقة العبد ومساءلته إن كان سبباً في هذا الشر؛ فمن تعدى على الآخرين بالقتل بغير حق، نرضى الخاتمة التي خُتم بها على المقتولين كقضاء وقدر من الله تعالى .. ونسخط القاتل وفعله ـ كسببٍ في القتل ـ ونلاحقه ونُحاسبه .. وهذا لا يتعارض مع ذاك، ولا يخلط بينهما إلا جاهل.

    ([55])السلسة الصحيحة: 2500.

    ([56])أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.

    ([57])صحيح سنن أبي داود: 2679.

    ([58])صحيح سنن ابن ماجه: 1298.

    ([59])أخرجه احمد، وغيره، صحيح الجامع: 8143.

    ([60])صحيح سنن أبي داود: 2685.

    ([61])مجلة البيان عدد ذى الحجة 1426هـ

    ([62])روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسند مستقيم عن صفية بنت أبي عبيد [زوج ابن عمر] قالت: «زلزلت الأرض على عهد عمر حتى اصطفقت السرر وابن عمر يصلي فلم يدرِ بها ولم يوافق أحداً يصلي فدرى بها، فخطب عمر الناس، فقال: أحدثتم لقد عجلتم، قالت: ولا أعلمه إلا قال: لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم»، وقد رواه أيضاً البيهقي في السنن الكبرى: 3/342 برقم (6170)، وابن عبد البر في التمهيد: 3/318، وغيرهم.

    ([63])عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني: 7/57.

    ([64])ينظر: صحيح البخاري: 5/2146 (5347)، ومسلم: 4/2064 (2680)، ورواه غيرهما.

    ([65])التمهيد لابن عبد البر: 18/28.

    ([66])شرح النووي على مسلم: 17/8.

    ([67])صحيح البخاري: 3/1317 برقم (3403)، ومسلم: 4/2207 برقم (2880).

    ([68])فقيه المالكية وإمامهم في الأندلس سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب الباجي القرطبي، ولد في آخر ثلاث وأربعمائة، وكانت وفاته في سنة أربع وسبعين وأربعمائة، تنظر ترجمته في تكملة الإكمال: 1/361، وطبقات الحفاظ: 1/440، وغيرهما.

    ([69])المنتقى شرح الموطأ لأبي الوليد الباجي: 5/109.

    ([70])6/2602، باب رقم (18).

    ([71])ينظر فتح الباري: 13/60 وما بعدها.

    ([72])السابق ص 61.

    ([73])الحديث مشهور عن زينب بنت جحش، ترويه زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان أو عن حبيبة عنها - هكذا وقع عند بعضهم - عن أم المؤمنين زينب بنت جحش، ولكن ذكره الإمام مالك بلاغاً عن أم سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- (الموطأ: 2/991 برقم (1798))، قـال ابن عبد البر في التمـهـيد 24/304: (وهـذا الحديث لا يعرف لأم سلمة بهذا اللفظ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، إلاّ من وجه ليس بالقوي يروى عن محمد بن سوقة عن نافع بن جبير بن مطعم عن أم سلمة، وقد روي في معنى هذا الباب حديث عن أم سلمة في هذا المعنى بغير هذا اللفظ، وأما هذا اللفظ فإنما هو معروف لزينب بنت جحش عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مشهور محفوظ من حديث ابن شهاب).

    ([74])حديث مشهور أصله عن البخاري ومسلم متفق عليه روياه في غير موضع، ينظر صحيح الإمام البخاري: 1/277 (771)، ومسلم: 1/466 (675).

    ([75])تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 249 ـ 251.

    ([76]) هذه الفقرة ملخصة من (رسالة في آلام الأطفال وتشوهات الخلقية) نظرة إسلامية لد. وسيم فتح الله.

    ([77])رواه أبو داود والنسائي، واللفظ لأبي داود، وصححهما الألباني

    ([78])سورة الشورى – آية 30

    ([79])صحيح البخاري – كتاب المرضى

    ([80])صحيح مسلم

    ([81]) السِقط اسم يُطلق على ما تسقطه الحامل قبل تمام الحمل سواء أكان الإسقاط عفوياً أم محرضاً.

    ([82]) رواه الترمذي ، وقال : حديث غريب

    ([83]) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه

    ([84]) راجع فصل " تحرير القول في كون الأطفال محل ابتلاء"

    ([85]) الوسم : إحداث علامة دائمة في جسد بهيمة أو إنسان كما يكون بأداة حديدية محماة ، والوشم: حقن مادة تحدث نزيفاً تحت الجلد بشكل رسوم وأشكال دائمة، والوصل: من وصلت شعرها بشعر آخر كما هو معروف بالباروكة، والتفليج : توسيع المسافة بين الأسنان بالمبرد طلباً للجمال وإيهاماً بصغر السن، وتبتيك الآذان : إحداث شق في أذن البهيمة. وهي كلها ممنوعة شرعاً (باستثناء بعص أشكال الوسم في غير الوجه)

    ([86]) نسبةً إلى الحمات الراشحة ، أو ما يعرف بالأجنبية بـ "الفيروسات"

    ([87]) سنن ابن ماجه – حسنه الشيخ الألباني

    ([88]) وإن هؤلاء القوم لا يهنأ لهم بال حتى ينفثوا سمومهم هذه في مجتمعاتنا وبين ظهرانينا لتنتشر الفاحشة فينا كما انتشرت فيهم وتنتشر الأمراض الخبيثة فينا كما انتشرت فيهم ويأخذنا الله بعذاب كما يوشك أن يأخذهم، فتنبه!

    ([89]) طينة الخبال عصارة أهل النار توعد الله شارب الخمر أن يسقيه إياها والعياذ بالله

    ([90]) صحيح البخاري – باب من ذهب بالصبي المريض ليدعى له.

    ([91]) يجوز التوسل بدعاء الصالحين من الأحياء أما الأموات فلا يصح التوسل بهم، أما سؤال الأموات فشرك نعوذ بالله منه.

    ([92]) كناية عن حشرجة الموت

    ([93]) استشكل على سعد أن دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاناً أنه من البكاء الممنوع شرعاً ، فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مشروع وما هو ممنوع

    ([94]) متفق عليه

    ([95]) أخرجه الترمذي

    ([96]) يقول النورسي ’: المسـألة الثالثـة:

    أن لكل زمان حُكمه، وقد غيّر البلاء شكله في زمن الغفلة هذا، فلايكون البلاء بلاء عند البعض دوماً، بل إحساناً إلهياً ولطفاً منه سبحانه. وأرى المبتلين بالضر في هذا الوقت محظوظين سعداء بشرط ألا يمس دينهم، فلا يولد المرض والبلاء عندي مايجعلهما مضرين في نظري حتى أعاديهما، ولا يورثانني الاشفاق والتألم على صاحبهما، ذلك ماأتاني شاب مريض الاّ وأراه أكثر ارتباطاً من أمثاله بالدين، وأكثر تعلقاً منهم بالآخرة.. فأفهم من هذا أن المرض بحق هؤلاء ليس بلاء، بل هو نعمة من نعمه سبحانه التي لاتعد ولاتحصى، حيث أن ذلك المرض يمد صاحبه بمنافع غزيرة من حيث حياته الاُخروية ويكون له ضرباً من العبادة، مع أنه يمس حياته الدنيا الفانية الزائلة بشئ من المشقة.

    نعم قد لايستطيع هذا الشاب أن يحافظ على ما كان عليه في مرضه من الالتزام بالاوامر الإلهية فيما اذا وجد العافية، بل قد ينجرف الى السفاهة بطيش الشباب ونزواته وبالسفاهة المستشرية في هذا الزمان. (كليات رسائل النور جـ 3 اللمعات)



    ([97]) تفسير القرآن العظيم – ابن كثير – تفسير سورة يس

    ([98]) صحيح البخاري ومسلم

    ([99]) النورسي ’ (كليات رسائل النور جـ 2 المكتوبات صـ 54:53)، النورسي ’ (كليات رسائل النور جـ 3 اللمعات صـ 19:16)

    ([100])رواه البخاري ـ كتاب المرضى والطب. ـ المترجم.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2008
    الدولة
    مــــــصـــــــــر
    المشاركات
    1,178
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    رفع الله قدر كاتبه .
    جزاك الله خيرا وبارك فيك .
    تركت كل المنتديات واسأل الله الفرج القريب .
    دردشة مع ملحد لادينى
    تتمة الدردشة
    نـــــور * مدونتى لطلبة العلم **نـــور على نـــور مدونتى لى ولكل التائبين
    رضيت بما قَسم الله لى ، وقلتُ ياقلبى يكفيك الجليل مدبراً لى ولا علم لى فحسبى الله ونعم الوكيل .كلمة أعجبتنى .
    وإني لأدعو الله حتى كأنني أرى بجميل الظن ما الله صانع .كلمة أعجبتني .

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 11-18-2009, 06:24 PM
  2. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-23-2007, 09:42 PM
  3. المقال الحادى عشر - رياض النعيم - (11) الآثار والفوائد الإيمانية
    بواسطة ابوالمنذر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 11-23-2007, 09:16 PM
  4. المقال التاسع - رياض النعيم - شهود رحمة ارحم الراحمين
    بواسطة ابوالمنذر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-08-2007, 12:01 PM
  5. المقال الثامن - رياض النعيم- شبهات حول مفهوم الرحمة الإلهية -الجزء الثاني.
    بواسطة ابوالمنذر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 06-26-2007, 07:02 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء