صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 16 إلى 30 من 30

الموضوع: المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (7) ..

  1. #16

    افتراضي

    الأخت الكريمة ..قرآن الفجر

    *****

    السلام عليكم ورحمة الله

    ****

    موضوع بل موسوعة هائلة

    جزاكى الله خير الجزاء على هذا الجهد الكبير

    ****

  2. #17

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة السعيد شويل مشاهدة المشاركة
    الأخت الكريمة ..قرآن الفجر
    *****
    السلام عليكم ورحمة الله
    ****
    موضوع بل موسوعة هائلة
    جزاكى الله خير الجزاء على هذا الجهد الكبير
    ****
    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    حياك الله
    ............................

  3. #18

    افتراضي

    سلام الله عليكم ورحمته وبركاته
    تنويه:
    سأكمل باقي الحلقة ، والخاتمة بالاعتماد على كتاب "المُختصَر القويم في دَلائل نبُوّة الرّسول الكَريم" الذي قام بتحويله الأخ الفاضل عادل محمد
    ............................

  4. #19

    افتراضي

    5- أدب الحيوانات معه صلى الله عليه وسلم ..

    وقد كانت الحيوانات على عجماوتها تعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقه فما كانت تأتي شيئًا يؤذيه صلى الله عليه وسلم.

    روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها قالت: كَانَ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْشٌ فَإِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعِبَ وَاشْتَدَّ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ فَإِذَا أَحَسَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَخَلَ رَبَضَ فَلَمْ يَتَرَمْرَمْ مَا دَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُؤْذِيَهُ.

    كانت هذه بعض الآثار والصور على إقرار الحيوانات والجمادات بنبوته صلى الله عليه وسلم وقيامهم بحقوقه صلى الله عليه وسلم، ونستكمل بقية معجزاته.

    6- تكلم ذراع الشاة يحذره صلى الله عليه وسلم من أكله ..

    ومن أظهر الأدلة على صدقه صلى الله عليه وسلم أن الله عزوجل أنطق ذراع الشاة لما وضعت اليهودية فيه السم فحذره الذراع؛ روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما عن أنس بن مالك رضلى الله عنه قال: إنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ قَالَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ قَالَ أَوْ قَالَ عَلَيَّ قَالَ قَالُوا أَلَا نَقْتُلُهَا قَالَ لَا قَالَ فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وقد ذكر البيهقي القصة بأبسط من ذلك في دلائل النبوة عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها، وأكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ارفعوا أيديكم » وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها، فقال لها : « أسممت هذه الشاة ؟ » قالت اليهودية : من أخبرك ؟ قال : « أخبرتني هذه في يدي للذراع » قالت : نعم ، قال : « فما أردت إلى ذلك ؟ » قالت : قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها ، وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة ، واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة.

    قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: "فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم كما قال الله : { والله يعصمك من الناس } وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السم المهلك لغيره ، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة ، وكلام عضو منه له".

    يتبع ..
    7- إجابة الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ..
    ............................

  5. #20

    افتراضي

    7- إجابة الله دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم ..

    ومن أظهر الأدلة وأوضح البراهين على نبوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إجابة الله عزوجل دعائه حين يدعوه ويرفع إليه يديه، وتكرار إجابة الدعاء واستمراره دليل على صدقه صلى الله عليه وسلم، فالله عزوجل لا يؤيد كاذباً ولا دعياً يدعي عليه الكذب.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومعلوم أن من عوّده الله إجابة دعائه، لا يكون إلا مع صلاحه ودينه، ومن ادّعى النبوة، لا يكون إلا من أبرّ الناس إن كان صادقاً، أو من أفجرهم إن كان كاذباً، وإذا عوّده الله إجابة دعائه، لم يكن فاجراً، بل برّاً، وإذا لم يكن مع دعوى النبوة إلا برّاً، تعيّن أن يكون نبياً صادقاً، فإن هذا يمتنع أن يتعمّد الكذب، ويمتنع أن يكون ضالاً يظن أنه نبي".

    وقد تعددت الوقائع التي شهدت إجابة الله عزوجل لدعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكل واحدة من هذه الوقائع تكفى دليلاً شاهدًا على صدقه صلى الله عليه وسلم.

    ومن ذلك ما رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا.

    يقول أنس: فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى.

    وفي الجمعة الأخرى َقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ: غَيْرُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا).

    يقول أنس: فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ.

    يقول الحافظ ابن حجر: "وفيه عَلَمٌ من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقِبه أو معَه، ابتداء في الاستسقاء، وانتهاء في الاستصحاء، وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة".

    وقال النووي: "ومراده بهذا؛ الإخبار عن معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعظيم كرامته على ربه سبحانه وتعالى، بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلاً بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزَع، ولا سببٍ آخر، لا ظاهرٍ ولا باطن".

    ولقد أجاب الله عزوجل دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم في عدد من أتباعه وأصحابه، ومن ذلك دعائه صلى الله عليه وسلم لأنس بن مالك رضى الله عنه، روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: (أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ)، ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ، فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً، قَالَ: مَا هِيَ، قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ؛ فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا؛ وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ.

    وفي رواية عند مسلم في صحيحه قال أنس رضى الله عنه: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَمِعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ صَوْتَهُ، فَقَالَتْ: (بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أُنَيْسٌ)، فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ قَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا اثْنَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ فِي الْآخِرَةِ.

    قال ابن حجر: "وفيه التحدّث بنعم الله تعالى، وبمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد".

    ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لصحابي من أصحابه بالبركة، فكان لو اشترى التراب ربح فيه، روى البخاري في صحيحه عن عروة البارقي رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ وَكَانَ لَوْ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ.

    وفي رواية عند الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ)، يقول عروة: فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَقِفُ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ فَأَرْبَحُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا قَبْلَ أَنْ أَصِلَ إِلَى أَهْلِي".

    يقول ابن حجر: "المقصود منه الذي يدخل في علامات النبوة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لعروة فاستجيب له، حتى كان لو اشترى التراب لربح فيه".

    ولأبي هريرة رضى الله عنه واقعتان أجاب الله فيهما دعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، تحقق في أول هاتين الواقعتين أمنية غالية لأبي هريرة، يقول أبو هريرة رضى الله عنه: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَكْرَهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي.

    قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: (إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَتَأْبَى عَلَيَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)، فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    يقول أبو هريرة: فَلَمَّا جِئْتُ، فَصِرْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ (صوت مشيه)، فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ قَالَ فَاغْتَسَلَتْ وَلَبِسَتْ دِرْعَهَا وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا فَفَتَحَتْ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

    قَالَ فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ وَأَنَا أَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبْشِرْ قَدْ اسْتَجَابَ اللَّهُ دَعْوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ خَيْرًا.

    لقد ذهب أبو هريرة أول النهار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي حُزناً على تمنُّعِ أمِّه عن الإسلام وسِبها للنبي صلى الله عليه وسلم، فما لبِث أن عاد يبكي فرَحاً بإسلامها ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول النووي: "وفيه استجابة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على الفَور بعين المسؤول، وهو من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم".

    ويفرح أبو هريرة رضى الله عنه بإسلام أمه، ويسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ثانية، يقول أبو هريرة: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَبِّبْ إِلَيْهِمْ الْمُؤْمِنِينَ).

    يقول أبو هريرة: فَمَا خُلِقَ مُؤْمِنٌ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي".

    ومن الأخبار العجيبة في هذا الشأن دعاء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص بسداد رميته وإجابة دعوته، فكان سعد رضي الله عنه كلما رمى عدوا أصابه ، ومتى دعا الله أجابه ، وكان الصحابة رضي الله عنهم يرون أن ذلك بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم له: (اللهم سدد رميته، وأجب دعوته).

    ويروى أبو نعيم الأصبهاني في دلائل النبوة أن سعدًا رضى الله عنه سمع رجلا يسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وعليا والزبير رضي الله عنهم، فنهاه فلم ينته فقال له سعد: (لتنتهين أو لأدعون الله عليك)، فقام الرجل مغضبا وهو يقول: (يخوفنا بدعائه كأنه نبي)، قال سعد: (اللهم إن كان عبدك ذكر قوما سبق لهم منك أراد بذكره إياهم شتما فأره اليوم آية تجعله بها آية للعباد)، فخرج الرجل من المسجد مغضبا فأقبل فحل هائج يشق الناس حتى انتهى إلى الرجل فضربه فصرعه ثم برك عليه فلم يزل يطحنه ما بين الأرض وكركرته حتى قطعه.
    يقول سعيد بن المسيب : فأنا رأيت الناس يسعون إلى سعد يقولون : تهنيك الإجابة.

    ومن الأخبار في هذا الشأن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه أن يجمله الله عزوجل، روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي زيد الأنصاري قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(ادْنُ مِنِّي)، قَالَ فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ قَالَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ وَأَدِمْ جَمَالَهُ.
    قَالَ فَلَقَدْ بَلَغَ بِضْعًا وَمِائَةَ سَنَةٍ وَمَا فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَيَاضٌ إِلَّا نَبْذٌ يَسِيرٌ وَلَقَدْ كَانَ مُنْبَسِطَ الْوَجْهِ وَلَمْ يَنْقَبِضْ وَجْهُهُ حَتَّى مَاتَ.

    وفي رواية عند الترمذي: مَسَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ عَلَى وَجْهِي، وَدَعَا لِي.

    قَالَ عَزْرَةُ : إِنَّهُ عَاشَ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ إِلاَّ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.

    وكما أجاب الله عزوجل دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم لأتباعه وأصحابه، فقد أجاب دعائه على أعدائه ومخالفيه، يقول عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى مِنْ النَّاسِ إِدْبَارًا؛ قَالَ: اللَّهُمَّ سَبْعٌ كَسَبْعِ يُوسُفَ، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنْ الْجُوعِ.

    فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ لَهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إِلَى قَوْلِهِ: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ).

    فهذه عدد من الوقائع التي أجاب الله عزوجل فيها دعاء نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكون ذلك إلا لمن كان مرسلاً من عند الله عزوجل، فالله لا يؤيد الكاذبين فضلاً عن أن يؤيد من يكذب عليه.

    يتبع ..
    7- نبوءات النبي الأكرم وتحققها ..
    ............................

  6. #21

    افتراضي

    7- نبوءات النبي الأكرم وتحققها ..

    ومن آيات النبوة الباهرة والمعجزات الظاهرة، إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بأمور غيبية وأحداث مستقبلية وقعت كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك دليل على أنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى، فالغيب سر الله، فهو وحده تبارك وتعالى الذي يعلم السر وأخفى، والنبي صلى الله عليه وسلم كسائر البشر لا يعلم الغيب: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188].

    فإذا ما أخبر النبي عن شيء من الغيوب؛ فإنما يخبر بشيء من علم الله الذي خصه به وأطلعه عليه، ليكون برهان نبوته ودليل رسالته.

    وقد كثرت الأمثلة والأحداث التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدها العلماء فبلغت قرابة ألف أمر غيبي تحقق معظمها وإنا على يقين بتحقق بقيتها، وما كثرة هذه الوقائع إلا لحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغ الحق وتبيين الطريق لأمته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، جاء في الصحيح عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.

    ويفصل عمرو بن أَخطب أمر هذه الخطبة فيقول: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الظُّهْرُ فَنَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتْ الْعَصْرُ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا.

    يقول الحافظ ابن حجر: "دل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتُدئت إلى أن تفنى، إلى أن تُبعث, فشمل ذلك الإخبارَ عن المبدأ والمعاش والمعاد, في تيسير إيراد ذلك كلِّه في مجلس واحد من خوارق العادة أمرٌ عظيم, ويقْرَب ذلك - مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها - أنه صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم".

    ونذكر هنا بعضًا من تلك الوقائع والأحداث:
    إخباره صلى الله عليه وسلم عمه أبي طالب بأن الأرضة أكلت صحيفة المقاطعة الظالمة التي علقتها قريش في الكعبة ووضعت فيها بنود المقاطعة المفروضة على المسلمين ومن ناصرهم من آل عبد المطلب، يقول ابن هشام في السيرة النبوية: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب: يا عم إن ربي الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش، فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان، فقال أربك أخبرك بهذا ؟، قال نعم، قال فوالله ما يدخل عليك أحد، ثم خرج إلى قريش، فقال يا معشر قريش، إن ابن أخي أخبرني بكذا وكذا، فهلم صحيفتكم فإن كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا، وانزلوا عما فيها ؟ وإن يكن كاذبا دفعت إليكم ابن أخي، فقال القوم رضينا، فتعاقدوا على ذلك ثم نظروا، فإذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شرا.

    ومن الغيوب التي تنبأ بها صلى الله عليه وسلم ووقعت حال حياته خبر الريح التي تنبأ بها هو منطلق وأصحابُه إلى تبوك، يقول أبو حميد الساعدي راوي الحديث: فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ، قَالَ (رسول الله صلى الله عليه وسلم): (أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ)، فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّءٍ.

    يقول النووي: "هذا الحديث فيه هذه المعجزة الظاهرة؛ من إخبارِه عليه الصلاة والسلام بالمغيَّب، وخوفِ الضرر من القيام وقت الريح، وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمته, والرحمةِ لهم, والاعتناءِ بمصالحهم, وتحذيرِهم مما يضرُّهم في دين أو دنيا".

    ومن الغيوب كذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بموت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما شهيدين، روى البخاري في صحيحه عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ بِهِمْ فَقَالَ اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ"، فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فمات أبو بكر بمرضٍ أصابه، وقُتل عمر في المحراب شهيدًا، وقُتل عثمان في داره شهيدًا، فرضي الله عنهم أجمعين.

    وفي الحديث دلالة أخرى على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الجبل يسكن ويثبت لما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وفي هذا إشارة لطاعة الجبال والجمادات لخير البرية محمد صلى الله عليه وسلم.

    ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتنة بين علي ومعاوية رضى الله عنهما، روى البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.

    فهذان خبران أخبر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وقعا كما أخبر، فقد اقتتل عليّ ومعاوية رضي الله عنهما بجيشيهما في صفين، ودعواهما واحدة، فكان ما أخبر به صلى الله عليه وسلم كما أخبر فهي آية نبوّته صلى الله عليه وسلم ومعجزته التي على مثلها آمن البشر.

    وأما الخبر الثاني فقد ظهر مصداق ذلك في آخر زمن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طليحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أن سجاح أيضا تابت.

    وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ لهم ذلك عن جنون أو سوداء وإنما المراد من قامت له شوكة وبدت له شبهة، وقد أهلك الله تعالى من وقع له ذلك منهم.

    ومن الغيوب كذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن استشهاد أمراء مؤته قبل أن يأتي الخبر بمقتلهم؛ روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ).

    ومن الغيوب الباهرة الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم وعده لأصحابه بالنصر والتمكين لهذا الدين رغم ما كان يصيبهم من أذى واضطهاد من قريش في مكة، روى البخاري عن خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا،قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ، وقد تم هذا كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فكان آية نبوته ومعجزتها التي لا يقدر عليها أحدٌ إلا الله جل جلاله، وعظم سلطانه.

    ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بفتوح أمته للبلدان المتفرقة، وانتشار الإسلام حتى يرفرف على جهات الأرض المختلفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مخبرًا عن ملك أمته وسلطانها: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ).

    يقول النووي: "هذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله كما أخبر به صلى الله عليه وسلم قال العلماء : المراد بالكنزين الذهب والفضة، والمراد كنزي كسرى وقيصر ملكي العراق والشام، وفيه إشارة إلى أن ملك هذه الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال فقليل بالنسبة إلى المشرق والمغرب، وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى".

    ولقد فصل صلى الله عليه وسلم أخبار تلك الفتوحات في العديد من الأحاديث، منها إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح مصر روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضى الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضًا يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا.

    ولقد تحقق ذلك زمن الخلفاء الراشدين، وكان أبو ذر رضى الله عنه ممن فتح مصر وسكنها، يقول: فرأيت عبدَ الرحمنِ بنَ شرحبيلَ بنِ حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لَبِنة، فخرجت منها.

    يقول النووي: "وفيه معجزات ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : منها إخباره بأن الأمة تكون لهم قوة وشوكة بعده بحيث يقهرون العجم والجبابرة، ومنها أنهم يفتحون مصر، ومنها تنازع الرجلين في موضع اللبنة ، ووقع كل ذلك ولله الحمد".

    ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بفتح فارس والروم، روى مسلم في صحيحه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضى الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا فُتِحَتْ عَلَيْكُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ أَيُّ قَوْمٍ أَنْتُمْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ثُمَّ تَنْطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ الْمُهَاجِرِينَ فَتَجْعَلُونَ بَعْضَهُمْ عَلَى رِقَابِ بَعْضٍ.

    كما أخبر صلى الله عليه وسلم بفتح المسلمين للسند والهند، روى الإمام أحمد في مسنده عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي خَلِيلِي الصَّادِقُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْثٌ إِلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ، فهذا الخبر الصادق وقع كما أخبر صلى الله عليه وسلم فقد فتح المسلمون الهند أيام معاوية سنة 44هـ أربع وأربعين ثم توالى الغزو والفتح كما أخبرصلى الله عليه وسلم.

    ولقد كان صلى الله عليه وسلم يبلغ أصحابه بهذه الغيوب رغم ما كان عليه المسلمون من ضعف، يروى لنا عدى بن حاتم رضى الله عنه إحدى هذه الأخبار، فيقول: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ، [فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فلعلك إنما يمنعك عن الإسلام أنك ترى من حولي خصاصة، إنك ترى الناس علينا ألبا)]، ثم قال: (يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ)، قُلْتُ: (لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا).
    قَالَ: (فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ)، [يقول عدي، وهو يتشكك من وقوع هذا الخبر] قُلْتُ: فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ قَدْ سَعَّرُوا الْبِلَادَ.

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم: وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى، قُلْتُ: (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ).

    قَالَ: (كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ).

    هذه ثلاث نبوءات يبشر بها رسول الله عليه وسلم رغم ما كان عليه المسلمون من ضعف وفاقة، حتى أن عديًا تشكك في وقوعها، ولكن هل تحققت هذه النبوءات يقول عدي: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ.

    وصدق عدي رضى الله عنه، حيث تحققت النبوءة الثالثة زمن الخليفةِ الراشدِ عمر بن عبد العزيز.

    ومن الأخبار التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثبت التاريخ والعلم الحديث وقوعها، إخباره صلى الله عليه وسلم بخروج نار من أرض الحجاز، روى البخاري في صحيحه عن أَبي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.

    يقول الدكتور‏ زغلول النجار: في هذا الحديث الشريف إشارة علمية دقيقة إلى حقيقة من حقائق أرض الحجاز لم تدرك إلا في منتصف القرن العشرين حين بدئ في رسم الخريطة الجيولوجية لأرض شبه الجزيرة العربية, وكان من نتائج ذلك انتشار الطفوح البركانية على طول الساحل الغربي لجزيرة العرب من عدن جنوبًا إلى المرتفعات السورية شمالاً, عبر كل من الحجاز والأردن, وفلسطين, مغطية مساحة من تلك الطفوح تقدر بحوالي مائة وثمانين ألفًا (180.000 كم2) من الكيلومترات المربعة, ومكونة واحدًا من أهم أقاليم النشاط البركاني الحديث في العالم, ويقع نصف هذه المساحة تقريبًا في أرض الحجاز (حوالي تسعين ألفًا من الكيلو مترات المربعة) موزعة في ثلاثة عشر حقلاً بركانيًا تعرف باسم الحرات, وأغلب هذه الحرات تمتد بطول الساحل الشرقي للبحر الأحمر ممتدة في داخل أرض الحجاز بعمق يتراوح بين 150 كيلو مترًا, 200 كيلو مترًا, ويعتقد بأن هذه الطفوح البركانية قد تدفقت عبر عدد من الصدوع الموازية لاتجاه البحر الأحمر, ومن فوهات مئات من البراكين المنتشرة في غرب الحجاز , كما يعتقد بأن تلك الصدوع والبراكين لا تزال نشطة منذ نشأتها وإلى يومنا الحاضر, سببت العديد من الهزات الأرضية, كما تم مشاهدة تصاعد أعمدة من الغازات والأبخرة الحارة من عدد من تلك الفوهات البركانية.

    والحرات الثلاث عشر المنتشرة في أرض الحجاز هي من الجنوب إلى الشمال: حرة السراة, البرك, البقوم, النواصف, هادان, الكشب, رهط, حلة أبو نار, خيبر, إشارة, العويرض, الشامة والحماد, بالإضافة إلى عدد آخر من الحرات الصغيرة في مساحاتها.

    وتقع المدينة المنورة (على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم) بين حرة رهط في الجنوب, وحرة خيبر في الشمال, وتمتد حرة رهط بين المدينة المنورة شمالاً, ووادي فاطمة بالقرب من مكة المكرمة جنوبًا عبر مسافة تقدر بحوالي 310 كيلو مترًا في الطول, وستين كيلو مترًا في متوسط العرض لتغطي مساحة تقدر بحوالي 19830 كيلو مترًا مربعًا, بسمك متوسط حوالي المائة متر وإن كان يصل إلى أربعمائة مترًا في بعض الأماكن .

    ويوجد في حرة رهط وحدها أكثر من سبعمائة فوهة بركانية, ويعتبر الجزء الشمالي من حرة رهط والذي يقع إلى الجنوب من المدينة المنورة مباشرة من أكثر أجزاء تلك الحرة نشاطًا؛ لأنه قد شهد أكثر من ثلاثة عشر ثورة بركانية وتدفقًا للحمم خلال الخمسة آلاف سنة الماضية (بمتوسط ثورة بركانية واحدة كل أربعمائة سنة تقريبًا) منها ثورة سنة 21 هجرية (644 ميلادية) ثورة 654 هـ (1256 ميلادية) واللتين سبقتا بعدد من الهزات الأرضية العنيفة وأصوات الانفجارات الشديدة.
    وقد كونت الثورة البركانية الأخيرة (654 هـ / 1256 م) ستة مخاريط بركانية جديدة, ودفعت بطفوحها لمسافة زادت على ثلاثة وعشرين كيلو مترًا من الشمال إلى الجنوب, وامتدت حتى الطرف الجنوبي لموقع مطار المدينة المنورة الحالي, ثم تحولت إلى الشمال لطفا بأهل المدينة, وكرامة لساكنها صلى الله عليه وسلم بعد أن أصاب الناس كثير من الذعر والهلع .

    ويوجد في حرة خيبر أكثر من أربعمائة فوهة بركانية تضم عددًا من أحدث تلك الفوهات عمدًا وأكثرها نشاطًا, فقد تم تسجيل أكثر من ثلاثمائة هزة أرضية خفيفة, حول إحدى تلك الفوهات البركانية في سنة من السنوات الماضية, مما يوحي بتحرك الصهارة الصخرية تحت ذلك المخروط ويهدد بإمكانية انفجاره بثورة بركانية عارمة.

    وتشير الدراسات العلمية التي أجريت على منطقة الحجاز إلى أن الثورات البركانية التي كونت حرة رهط قد بدأت منذ عشرة ملايين من السنين على الأقل, تميزت بتتابع عدد من الثورات البركانية التي تخللتها فترات من الهدوء النسبي, ونحن نحيا اليوم في ظل إحدى هذه الفترات الهادئة نسبيًا.

    ومعنى هذا الكلام أن المنطقة مقبلة حتمًا على فترة من الثورات البركانية تندفع فيها الحمم من تلك الفوهات والصدوع كما اندفعت من قبل بملايين الأطنان فتملأ المنطقة نارًا ونورًا تصديقًا لنبوءة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي قال فيها : "لا تقوم حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى".

    وبصرى مدينة في جنوب بلاد الشام (سوريا) كذلك فإن حرة خيبر تعتبر أكبر هضبة بركانية في أرض الحجاز؛ حيث تغطي قرابة العشرين ألف كيلو مترًا مربعًا, بسمك يترواح بين الخمسمائة والألف متر, يمثل عدة طفوح بركانية متتالية, يتركز أحدثها في وسط الحرة ؛ حيث تنتشر غالبية الفوهات البركانية الحديثة في حزام يمتد بطول ثمانين كيلو مترًا موازيًا لاتجاه البحر الأحمر, وبعرض 15 كيلو مترًا في المتوسط, وقد تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر, أحدهما في سنة 460 هـ, والآخر في سنة 654 هـ, وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات انفجارات عالية, تلتها ثورة بركانية كبيرة, وصاحبتها هزات أرضية استمرت بمعدل عشر هزا ت يوميًا لمدة خمسة إلى ستة أيام قدرت شدة أكبرها بخمسة درجات ونصف الدرجة على مقياس ريختر, وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددًا من المخاريط البركانية, ورفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب, ولا تزال تلك المخاريط تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت المخروط البركاني لا تزال نشطة, مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله, وذلك تصديقًا لنبوءة النبي الخاتم, والرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم وشهادة له بالنبوة وبالرسالة , وبأنه (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم) كان موصولاً بالوحي, ومعلمًا من قبل خالق السماوات والأرض.

    ومن الغيوب التي أبلغ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يظهر تحققها إلا في العقود الأخيرة، ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا".

    يقول الدكتور زغلول النجار: ".. وهذا الحديث الشريف من المعجزات العلمية التي تصف حقيقة كونية لم يدركها العلماء إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين حين ثبت لهم بأدلة قاطعة أن جزيرة العرب كانت في القديم مروجًا وأنهارًا, كما تشير الدراسات المناخية إلى أن تلك الصحراء القاحلة في طريقها الآن للعودة مروجًا وأنهارًا مرة أخرى, وذلك لأن كوكب الأرض يمر – في تاريخه الطويل – بدورات مناخية متقلبة تتم على مراحل زمنية طويلة ومتدرجة – كما قد تكون فجائية , ومتسارعة.

    وبدراسات متأنية ثبت لنا أن جزيرة العرب قد مرت في خلال الثلاثين ألف سنة الماضية بسبع فترات مطيرة تخللت ثماني فترات جافة, تمر حاليًا بالفترة الثامنة منه.

    وتشير الدراسات المناخية إلى أننا مقدمون على فترة مطيرة جديدة شواهدها بدايات زحف للجليد في نصف الكرة الشمالي باتجاه الجنوب, وانخفاض ملحوظ في درجات حرارة فصل الشتاء.

    وفي فترات المطر كسيت الجزيرة العربية بالمروج الخضراء, وتدفقت الأنهار بالمياه الجارية, وتحولت المنخفضات إلى بحيرات زاخرة بالحياة, وعمرت اليابسة بمختلف صور الحياة الأرضية, كما وصفها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نحن بصدده وحتى صحراء الربع الخالي التي تعتبر اليوم واحدة من أكثر أجزاء الأرض قحولة وجفافًا ثبت أن بها أعدادًا من البحيرات الجافة, والمجاري المائية القديمة المدفونة تحت رمالها السافية, وأن تلك البحريات والمجاري المائية كانت زاخرة بالحياة, ومتدفقة بالمياه إلى زمن قوم عاد الذين أقاموا في جنوب الجزيرة العربية حضارة مادية لم يكن يدانيها في ازدهارها المادي حضارة أخرى في زمانها.

    وقد وصف الحضارة المادية لقوم عاد أثناء ازدهارها اثنان من المؤرخين القدامى كان أولهما بطليموس الإسكندري, الذي كان أمينًا لمكتبة الإسكندرية وقام برسم الأنهار المتدفقة في منطقة الربع الخالي الحالية بتفرعاتها, والبحيرات التي كانت تفيض إليها , وكان ثانيهما هو يليني الكبير , أحد مؤرخي الحضارة الرومانية والذي وصف حضارة عاد بأنها لم يكن يدانيها في زمانها حضارة أخرى.

    وتمثل فترة الأمطار الغزيرة الأخيرة في شبه الجزيرة العربية في خلال الثلاثين ألف سنة الماضية نهايات العصر الجليدي الأخير الذي عم الأرض خلال المليوني سنة الأخيرة في دورات متتالية من زحف الجليد وانحساره تركت بصماتها واضحة على أشكال سطح الأرض الحالية بصفة عامة, وفي نصفها الشمالي بصفة خاصة, وقد حصى العلماء من تلك الدورات عشرين دورة استغرقت كل منها حوالي المائة ألف سنة, كان نصفها دورات زحف جليدي تخللتها عشرة دورات من دورات انحسار هذا الزحف الجليدي, ونعيش اليوم في نهاية آخر دورة من دورات هذا الانحسار الجليدي, ويبشر العلماء ببداية دورة من دورات هذا الانحسار الجليدي, ويبشر العلماء ببداية دورة جليدية جديدة قريبًا إن شاء الله, وقد بدأت شواهد هذا بالفعل.

    وإشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم إليها في حديثه الكريم "تعود جزيرة العرب مروجًا وأنهارًا" مما يشهد له بالنبوة وبالرسالة, وبأنه عليه الصلاة وأزكى التسليم كان دومًا موصولاً بالوحي, ومُعَلَّمًا من قِبَل خالق السماوات والأرض .

    ويدخل كذلك في دلائل صدقه صلى الله عليه وسلم إخباره بأشراط الساعة وعلامات القيامة، فكل ما يحدث من أشراط الساعة؛ كظهور الدجال، ويأجوج ومأجوج، وظهور الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، بل والنفخ في الصور، وغير ذلك؛ هو من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر بها قبل أن يكون، فكذّبهم المكذّبون، فإذا ظهر بعد مئات، أو آلاف السنوات، كما أخبروا به كان هذا من آيات صدقه صلى الله عليه وسلم.

    يتبع ..
    8- ختامًا معجزات نبينا أظهر من معجزات الرسل ..
    ............................

  7. #22

    افتراضي

    8- ختامًا معجزات نبينا أظهر من معجزات الرسل

    وفي الختام ننقل هنا ما قاله القاضي عياض في كتابه الشفا عن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من التصرف:

    قال القاضي عياض: " قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته واضحة، وجمل من علامات نبوته مقنعة، في واحد منها الكفاية والغنية وتركنا الكثير سوى ما ذكرنا، وبحسب هذا الباب لو تقصي أن يكون ديواناً جامعاً يشتمل على مجلدات عدة.

    ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين:

    أحدهما : كثرتها، وأنه لم يؤت نبي معجزةً إلا وعند نبينا مثلها، أو ما هو أبلغ منها، وقد نبه الناس على ذلك، وأما كونها كثيرة فهذا القرآن، وكله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة : (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)، أو آية في قدرها، وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة، وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة.
    ثم إعجازه ـ كما تقدم ـ بوجهين : طريق بلاغته، و طريق نظمه، فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان ، فتضاعف العدد من هذا الوجه.
    ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز، فتضاعف العدد كرة أخرى.

    ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف، هذا في حق القرآن وحده، فلا يكاد يأخذ العد معجزاته، ولا يحوي الحصر براهينه.
    ثم الأحاديث الواردة، والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحواً من هذا.

    الوجه الثاني : وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم، وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه، أما معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاصة القرآن الكريم فهي متجددة ومناسبة لأهل كل زمان ومكان، فالقرآن الكريم كما ذكرنا لا تنقضى عجائبه، فإن كانت معجزات الرسل قد انقرضت بانقراضهم، وعُدمت بعدم ذواتها، فإن معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع، وآياته تتجدد ولا تضمحل، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في أول الفصل: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي ، فأرجو أني أكثرهم تابعاً يوم القيامة).

    شبهة وردها:
    قد يقول البعض أو يزعم من في قلبه مرض أن هذه المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة التي أوردنا أمثلة منها، إنما اختص المسلمون بنقلها فما الدليل على وقوعها، والإجابة على هذه الشبهة الباطلة، من وجوه:

    أولها: لكل قوم تاريخها وأخبارها وتواترها:
    مما يجمع عليه العقلاء أن لكل قوم أخبار يتناقلونها عبر الأزمنة وأحداث تنتقل عبر الأجيال جيل بعد جيل، فللأمريكان مثلا أخبارهم وقصصهم، ولكل دولة من دول أوروبا قصصها وتاريخها الذي قد تعتمد في كتابتها على أشخاص مجهولين وأحداث مشكوك في صحتها، فهل يصح أن يقول أحد ما الدليل على صحة هذه الأخبار دون أن يدرسها ويناقشها بعد أن يكون قد ألم بها إلمامًا واسعًا، فإذا كان كذلك مع أخبار الأمم والأقوام والتي لا يهتم عامة الناس بضبط أحداثها ودقة تفاصيلها، فما الشأن برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله إلى قوم عرفوا بقوة الحافظة وسعة الذاكرة ودقة الملاحظة، فإن هذه الأخبار والوقائع التي ذكرنها منها ما هو في القرآن ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة؛ والمتواتر هو ما نقله العدد الكثير من الناس الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب، وهو ما تناقلته الأمة المسلمة جيلاً بعد جيل وخلفًا عن سلف من أخبار معجزات النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يشكك في شهادة هؤلاء الأخيار الأفاضل، أو يزعم أن هؤلاء الأفاضل إنما شهدوا لنبيهم فشهادتهم غير مقبولة، فإن هذا الزعم من شأنه أن يلغى جميع معجزات الأنبياء وجميع ما ورد عن أخبار السابقين لأنه يمكننا أن نقول أن ما ورد عن عيسي عليه السلام أو ورد عن موسي عليه السلام إنما ذكره أصحابهما والمقربون منهما، وكذلك الشأن مع بقية أخبار الأمم السابقة والمعاصرة.

    ولا يزال الناس على مر العصور يعتمدون على بعضهم البعض في نقل الأخبار والأحداث ولم يقل أحد بإلغاء هذه الأخبار لأنها تعتمد على نقل أناس قد يخطئون أو يوهمون، غير أننا نقول أنه مع ذلك فإن الإسلام تميز بمنهج في نقل الأخبار ونقد الروايات فاق كل المناهج المعروفة وفاق كل النظريات المعرفية.

    الوجه الثاني: منهج نقل الروايات ونقدها لدى المسلمين:
    تميز المسلمون بمنهج في نقل الروايات والآثار ونقدها لا يوجد عند غيرها من الأمم، حيث يعتمد هذا المنهج على الإسناد، والمقصود بالإسناد هو تلقي الخبر من راو ينقله عمن فوقه وهكذا حتى نصل إلى أول الإسناد، وقد وضع علماء المسلمين شروطًا صارمة للقبول بصحة الخبر اعتمادًا على الإسناد، يقول الإمام عبد الله بن المبارك: (الإسناد عندي من الدين، ولولا الإسناد لقال مَنْ شاء ما شاء ولكن إذا قيل له : من حدثك ؟ بَقِيَ)، ويقول الحافظ أبا حاتم الرازي كان في مجلس فقال: (لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم فروايتهم ذلك-أي الحديث الواهي – للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها).

    ومن الشروط التي وضعها العلماء للقبول بخبر ما أن يكون الراوي عدل ضبط، أي عدل فلا يكذب ولا يأتي بما يقدح في دينه وشهادته، وضبطه فلا يكون سيئ الحفظ أو كثير الخطأ، وأن يكون الراوي قد سمع هذا الخبر من شيخه الذي ينقل عنه الخبر فلا يكون بينهم انقطاع، وبهذه الشروط تميزت الأمة المسلمة بمنهج نقدي تاريخي لا يوجد مثيله لدى الأمم الأخرى لا في الماضي ولا في الحاضر يقول ابن حزم في الفِصَل في الملل والنحل: (نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال، ويخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلها، وأبقاه عندهم غَضَّا جديدا على قديم الدهور، يدخل في طلبه إلى الآفاق البعيدة مَنْ لا يُحصِي عددَهم إلا خالقُهم، ويواظب على تقييده من كان الناقل قريبا منه.

    قد تولى الله حفظه عليهم والحمد لله رب العالمين فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شئ من النقل إن وقعت لأحدهم ولا يمكن فاسقا أن يقحم كلمة موضوعة ولله تعالى الشكر، وأما مع الإرسال والإعضال – سقط في السند - فيوجد في كثير من اليهود ولكنهم لا يَقْرُبُون فيه من موسى عليه الصلاة والسلام قُربَنَا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا في أزيد من ألف وخمسمائة عام ، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه، وأما النصارى فلبس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مخرجه من كذاب قد صح كذبه، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فلا يمكن اليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلا ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولس).

    ولقد مارس المسلمون المنهج النقدي ذاته في نقد الروايات التاريخية والتأكد من صحتها، ومن رجع إلى كتب العلماء الأعلام في ذلك لوجد الأدلة متضافرة على ذلك، فمن قرأ "طبقات ابن سعد" أو "البداية والنهاية" لاستطاع أن يخرج بمنهج نقدي متكامل للروايات التاريخية، أما صحيح البخاري الذي أكثرنا النقول عنه في رسالتنا تلك، فهو في القمة بين كتب المسلمين بل هو أعظم وأصح كتب المسلمين بعد القرآن الكريم يقول العلامة مصطفى صبري: (الطريقة المتبعة في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية أفضل طريق وأعلاها لا تدانيها في دقتها وسموها أي طريقة علمية غريبة اتبعت في توثيق الروايات، ففي صحيح البخاري مثلا ألفان وستمائة واثنان من الأحاديث المسندة سوى المكررة انتقاها البخاري من مائة ألف حديث صحيح يحفظها وفيه قريب من ألفي راو اختارهم من نيف وثلاثين ألفا من الرواة الثقات الذين يعرفهم وكتاب البخاري البالغ أربع مجلدات كبيرة يبقى بعد حذف أسانيده على حجم مجلد واحد متوسط الحجم فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتاب تاريخ في هذا الحجم يروى مافية سماعا من ألفي رجل ثقة يعرفهم المؤلف وغيره من أهل العلم بأسمائهم وأوصافهم على أن تكون كل جملة معينة من الكتاب مؤلفة من سطر أو أكثر أو أقل تقريبا سمعها فلان وهو من فلان إلى أن تصل – الإسناد والسماع – بالنبي صلى الله عليه وسلم فيقام لكل سطر من سطور الكتاب تقريبا شهود من الرواة يتحملون مسؤولية روايته).

    الوجه الثالث: أن هذه المعجزات والوقائع التي ذكرنا بعضها وقعت بمحضر من الخلق الكثير كتكثير الطعام يوم الخندق فإنه كان أهل الخندق رجالهم ونساؤهم ألوفا وكذلك نبع الماء من بين أصابعه وفيضان البئر بالماء يوم الحديبية وكانوا يومئذ ألفا وخمسمائة وكلهم صالحون من أهل الجنة لا يعرف فيهم من تعمد كذبة واحدة على النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك تكثير الماء والطعام في غزوة خيبر كانوا ألفا وخمسمائة وفي تبوك كانوا ألوفا مؤلفة وكان بعض من حضر هذه المشاهد نقل هذه الآيات قدام آخرين ممن حضرها وينقلها لأقوام فيذهب أولئك فيخبرون بها أولئك ويصدق بعضهم بعضا ويحكي هذا مثل ما حكى هذا من غير تواطىء وتشاعر وأدنى أحواله أن يقره ولا ينكر عليه روايتها ونحن نعلم بموجب العادة الفطرية التي جبل الله عليها عباده وبموجب ما كان عليه سلف الأمة من اعتقاد الصدق وتحريه واعتقادهم أن ذلك واجب ومن شدة توقيهم الكذب على نبيهم وتعظيمهم، فإذا كان الحال كذلك فما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقروا من يعلمون أنه يكذب عليه ومن أخبر عنه بما كانوا مشاهدين له وكذب عليه فقد علموا انه كذب عليه فلما اتفقوا على الإقرار على ذلك وعلى تناقله بينهم من غير إنكار أحد منهم لذلك علم قطعا أن القوم كانوا متفقين على نقل ذلك كما هم متفقون على نقل القرآن والشريعة المتواترة.

    ثالثًا: الأدلة النظرية على نبوة سيد البرية صلى الله عليه وسلم:
    ناقشنا فيما سبق بشارات الأنبياء السابقين بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ثم تبعنا ذلك بذكر شيء من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وهذان الأمران يندرجان تحت الأدلة النقلية على نبوة الرسول الكريم، أما الأدلة النظرية والمتمثلة في خلقه صلى الله عليه وسلم وشريعته والبيئة التي أرسل فيها، فهذا ما سوف نناقشه في الصفحات القادمة، ولقد اخترنا لمناقشة هذا الأمر قصة عظيم الروم هرقل مع أبي سفيان بعد أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فإن هرقل لما جاءه هذا الكتاب بحث وسأل وحاور أبا سفيان عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ودعوته حتى استدل وعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي المنتظر.

    وهذا المنهج الذي اتبعه هرقل هو منهج نظري بحثي اعتمد على التفكر في الوقائع والتأمل في الأحداث التي لا يستطيع أن يشكك فيها، ولعل هرقل وكان على علم بالدين النصراني قد استقي هذا المنهج مما ورد في الرسالة الأولى ليوحنا؛ حيث جاء "أيها الأحياء لا تصدقوا كل روح، بل امتحنوا الأرواح هل هي من اللّه، لأن الأنبياء الكذبة كثيرون قد خرجوا إلى العالم"، فهذا القول لم ينف وجود نبي منتظر يخرج في آخر الزمان ولكن دعا إلى امتحان واختبار من يعلن نفسه نبيًا حتى يتم التأكد من نبوته والتمييز بين الصادق والكاذب، وهو ما اتبعه هرقل حتى جزم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النبي الخاتم الذي بشرت به الكتب السابقة.
    وجاء في إنجيل متي وصف النبي المنتظر والصالحين بالقول المنسوب لعيسي عليه السلام: "من ثمارهم تعرفونهم، هل يجتنون من الشوك عنباً أو من الحسك تيناً"، فهذه دعوة إلى النظر في مبادئ الرسالة وثمارها لمعرفة الحق من الباطل.

    لذلك فإنه إذا كان الغرب يزعم اليوم أنه أهل المعرفة والبحث فإننا ندعوه إلى أن يبحث في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل هرقل، ولا نستدل عليه بالبشارات والمعجزات، ولكننا نستدل بوقائع وأحداث ومبادئ لا يشكك فيها أحد ولا يختلف عليها اثنان، فأين العقول النيرة والعيون المبصرة والقلوب الواعية.

    قصة هرقل مع أبي سفيان:

    هذه القصة العظيمة رواها البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد ووردت في عدد من كتب السنة، وفيما يلي نص هذه القصة كما جاءت في صحيح البخاري، وما بين القوسين فهي زيادات وجدناها في الروايات الأخرى.

    روى البخاري عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ.

    وَكَانَ قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ حِينَ قَرَأَهُ الْتَمِسُوا لِي هَا هُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لِأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا تِجَارًا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ.

    قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَنَا رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّأْمِ فَانْطُلِقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ)، وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ.

    فَقَالَ (هرقل): أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟.

    (قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا.

    قَالَ: مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ فَقُلْتُ هُوَ ابْنُ عَمِّي؛ وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي).

    فَقَالَ (هرقل): أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ، (قالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ).

    قَالَ كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟، قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.

    قَالَ فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟، قُلْتُ لَا.

    قَالَ فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟، قُلْتُ لَا.

    قَالَ فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟، فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.

    قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟، قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ.

    قَالَ فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟، قُلْتُ لَا.

    قَالَ فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟، قُلْتُ لَا.

    قَالَ فَهَلْ يَغْدِرُ؟، قُلْتُ لَا وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا،

    قَالَ وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.

    قَالَ فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟، قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟، قُلْتُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ.

    قَالَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟، قُلْتُ يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.

    فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا.

    وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ.

    وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا قُلْتُ فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ.

    وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ.

    وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.

    وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ.

    وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ.

    وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ.

    (وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا وَيُدَالُ عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ).

    وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ.

    ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ.

    بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْأَرِيسِيِّينَ وَ{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }.

    قَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، (فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ هَذَا مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ يَخَافُهُ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ قَلْبِي الْإِسْلَامَ وَأَنَا كَارِهٌ).

    وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ قَدْ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالُوا لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْيَهُودِ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ وَسَأَلَهُ عَنْ الْعَرَبِ فَقَالَ هُمْ يَخْتَتِنُونَ فَقَالَ هِرَقْلُ هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي الْعِلْمِ وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الرُّومِ هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الْأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ الْإِيمَانِ قَالَ رُدُّوهُمْ عَلَيَّ وَقَالَ إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ فَقَدْ رَأَيْتُ فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ".

    تلك قصة هرقل مع أبي سفيان كما وردت في كتب الصحاح وهي توضح لنا بجلاء كيف أن هرقل كان ملكًا ذكيًا اتبع منهجًا علميًا للتأكد من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يقابل الأمر بكفر وجحود وكبر مثلما فعل كسرى عظيم فارس، بل ناقش وبحث وسأل حتى يتأكد من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبني على هذه المعلومات قراره الذي لم يكن صائبًا بل خذلته شجاعته وطمعه في الرياسة والمنصب فاختار الفانية على الباقية، غير أن ما يهمنا المنهج الذي اتبعه هرقل في معرفة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الأسئلة والبحث الذي قام به هرقل أفاده علما جازما بأن هذا هو النبي الذي ينتظره.

    وكل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذه الأسئلة وأطلع على هذا البحث علم أنه من أدل الأمور على عقل السائل وخبرته واستنباطه ما يتميز به هل هو صادق أو كاذب وأنه بهذه الأمور تميز له ذلك، وقبل عرض هذا المنهج الذي اتبعه هرقل والذي ينبني على ثلاثة محاور أساسية هي:

    1- النظر في شأن الرسول وسيرته.
    2- النظر في نصر الله أو خذلانه لمدعى الرسالة.
    3- النظر في منهج ومبادئ هذه الرسالة.

    هذه هي المحاور الثلاثة التي دار حولها بحث هرقل، وقبل تفصيلها نود الإشارة إلى وجود إضافات مهمة لهذه القصة هي:

    1- رد هرقل على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    روى الإمام أحمد في مسنده حديثًا يفيد أن هرقل أرسل برسالة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن رسالته، روى الإمام أحمد بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمْصَ وَكَانَ جَارًا لِي شَيْخًا كَبِيرًا، فَقُلْتُ أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى هِرَقْلَ؛ فلما أبلغه بخبر رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وموقف هرقل.

    قال: ثم دعا هرقل "رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ: (ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ عَرَبِيَّ اللِّسَانِ أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ)، فَجَاءَ بِي فَدَفَعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالَ: (اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَمَا ضَيَّعْتُ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ الَّتِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ، وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ، وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ هَلْ بِهِ شَيْءٌ يَرِيبُكَ.

    ثم يقول التنوخي: فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا عَلَى الْمَاءِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ، قِيلَ هَا هُوَ ذَا فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَاوَلْتُهُ كِتَابِي فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: (مِمَّنْ أَنْتَ)، فَقُلْتُ: أَنَا أَحَدُ تَنُوخَ، قَالَ: (هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ)، قُلْتُ: (إِنِّي رَسُولُ قَوْمٍ وَعَلَى دِينِ قَوْمٍ لَا أَرْجِعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ)، فَضَحِكَ.

    وَقَالَ: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، يَا أَخَا تَنُوخَ إِنِّي كَتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَهُ وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقٌ مُلْكَهُ وَكَتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ بِصَحِيفَةٍ فَخَرَقَهَا وَاللَّهُ مُخْرِقُهُ وَمُخْرِقٌ مُلْكَهُ وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأَمْسَكَهَا فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجِدُونَ مِنْهُ بَأْسًا مَا دَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ.

    قُلْتُ: (هَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي)، وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِي فَكَتَبْتُهَا فِي جِلْدِ سَيْفِي، ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قُلْتُ: (مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمْ الَّذِي يُقْرَأُ لَكُمْ) قَالُوا: (مُعَاوِيَةُ).

    فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي [أي كتاب هرقل]: (تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فَأَيْنَ النَّارُ؟)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ)، قَالَ: (فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جَعْبَتِي فَكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي).

    فَلَمَّا أَنْ فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي، قَالَ: (إِنَّ لَكَ حَقًّا وَإِنَّكَ رَسُولٌ فَلَوْ وُجِدَتْ عِنْدَنَا جَائِزَةٌ جَوَّزْنَاكَ بِهَا إِنَّا سَفْرٌ مُرْمِلُونَ)، قَالَ فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ قَالَ أَنَا أُجَوِّزُهُ فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُورِيَّةٍ فَوَضَعَهَا فِي حَجْرِي، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ قِيلَ لِي عُثْمَانُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ، َقَالَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا، َقَامَ الْأَنْصَارِيُّ وَقُمْتُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخَ، فَأَقْبَلْتُ أَهْوِي إِلَيْهِ حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الَّذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَقَالَ هَاهُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي مَوْضِعِ غُضُونِ الْكَتِفِ مِثْلِ الْحَجْمَةِ الضَّخْمَةِ.

    2- مصير ضغاطر:
    أما صاحب رومية، فقد ذكر ابن إسحاق أن اسمه كان ضغاطر، وروى محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم‏:‏ أن هرقل قال لدحية بنخليفة الكلبي، حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك، والله إنيلأعلم أن صاحبك نبيٌّ مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى ضغاطر الأسقفّ، فاذكر له أمر صاحبكم،فهو أعظم في الروم مني، وأجوز قولاً مني عندهم، فانظر ما يقول‏.

    فجاء دحية فأخبرهبما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ضغاطر‏:‏ صاحبك، والله نبيٌّ مرسل، نعرفه في صفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم ألقى ثياباً كانت عليه سوداً، ولبس ثياباً بيضاً، ثم أخد عصاه، ثم خرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال‏:‏ يا معشرالروم، إنه قد جاءنا كتاب أحمد، يدعونا فيه إلى الله وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن أحمد رسول الله‏.

    فوثبوا عليه وثبة رجلٍ واحد، فضربوه فقتلوه، فرجع دحيةإلى هرقل فأخبره الخبر، فقال‏:‏ قد قلت لك‏:‏ إنا نخافهم على أنفسنا، وضغاطر كان،والله، أعظم عندهم مني‏.‏

    3- مصير كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    قال ابن حجر في فتح الباري: ذكر السهيلي أنه بلغه أن هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب تعظيما له، وأنهم لم يزالوا يتوارثونه حتى كان عند ملك الفرنج الذي تغلب على طليطلة، ثم كان عند سبطه، فحدثني بعض أصحابنا أن عبد الملك بن سعد أحد قواد المسلمين اجتمع بذلك الملك فأخرج له الكتاب ، فلما رآه استعبر وسأل أن يمكنه من تقبيله، فامتنع.

    قلت (ابن حجر): وأنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، قال: حدثني سيف الدين فليح المنصوري قال: أرسلني الملك المنصور قلاوون إلى ملك الغرب بهدية، فأرسلني ملك الغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها، وعرض علي الإقامة عنده فامتنعت، فقال لي: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقا مصفحا بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه وقد التصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم إلى جدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا ، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا.

    فلا يزال كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودًا حتى الآن، غير أننا لا نتوقف كثيرًا عند تلك النقطة، ونناقش الآن المنهج الذي اتبعه هرقل في معرفة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يتبع ..
    9- المنهج النظري لمعرفة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
    ............................

  8. #23

    افتراضي

    9- المنهج النظري لمعرفة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

    أولا: النظر في شخص الرسول الكريم وسيرته:
    أولى النقاط التي اعتمدها هرقل لمعرفة صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النظر في شأنه وسيرته، حيث سأل أبا سفيان عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أجداده وعن صدقه ووفاءه، وهذه الأسئلة تصب مباشرة في المنهج الذي اتبعه هرقل للتأكد من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أخلاق الإنسان شاهدة عليه، وسلوكه حاكم لأفعاله، والخُلق هيئة راسخة بالإنسان لا تنفك عنه فلا يستطيع من شيمته الكذب أن يكذب تارة ويصدق تارة، ومن اعتاد الصدق حتى اشتهر به بين الناس وصار علمًا عليه فلا يكذب على الله عزوجل، وهو يعلم أن الله يهلك من يكذب عليه سبحانه.

    فمن أعظم دلائل النبوة الأخلاق الحسنة والفضائل العليا، فشتان بين الكاذب الدعي والنبي الصادق، فالدعي الكاذب تفضحه أخلاقه وتكشفه جرائمه، أما النبي الصادق فتلوح عليه علامات الصدق وتزينه الأخلاق الحسنة ويجافيه سيئها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا جمع الله له من أوصاف المدح والثناء ما تفرق في غيره، صانه الله سبحانه وحفظه من أدنى وصف يعاب صاحبه، فلم يستطيع أعدائه الذين يتربصون به ويقفون في طريق دعوته مؤذين له محذرين منه تحصيل شيء يعيبونه به وأنى لهم ذلك، وقد شهدوا بصدقه وأمانته وهما الغاية من الأخلاق، وها هي السيدة الفاضلة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تستدل على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخلاقه وشيمه؛ ففي حديث بدء الوحى الذي رواه الإمام البخاري قالت السيدة خديجة رضى الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء إليها فؤاده يرجف بعد لقاءه الأول مع جبريل عليه السلام يقول زَمِّلُونِي ‏زَمِّلُونِي، ‏وأخبر خديجة بالخبر، فقالت له خديجة: ‏كَلَّا وَاللَّهِ ‏مَا يُخْزِيكَ ‏‏اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ ‏الْكَلَّ ‏وَتَكْسِبُ ‏الْمَعْدُومَ ‏وَتَقْرِي ‏الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى ‏نَوَائِبِ ‏الْحَقِّ.
    ولقد دارت أسئلة هرقل عن شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم على محورين، المحور الأول: تركز على اتصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة الصدق والإمانة والوفاء، فيما تركز المحور الثاني: على مناقشة البيئة التي ظهر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوف نقوم بمناقشة أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم الحديث عن البيئة التي ولد فيها صلى الله عليه وسلم.

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله:
    من المعلوم أن مدعى الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم؛ فهما شخصان لا ثالث لهما لذلك فإن معرفة الصادق والتمييز بينه وبين الكاذب من أسهل الطرق وأيسرها لبعد ما بين الشخصين، فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم.

    وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز، وما من نبي صادق إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز، بل إن كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة.

    وقبل الحديث عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم يحسن بنا أن نقدم بمقدمة نتحدث فيها عن الأخلاق وأهميتها وحرص الإسلام عليها.

    تعريف الأخلاق:
    أما تعريف الخلق، فالخليقة هي: الطبيعة، كما قال ابن منظور رحمه الله في لسان العرب: وفي التنزيل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4] والجمع: أخلاق، والخُلْق والخُلُق السجية، والخُلُق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة -وهي نفسه- وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة.

    وقال القرطبي رحمه الله تعالى في المفهم : الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة، فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها ولا تنصف لها، وعلى التفصيل: العفو، والحلم، والجود، والصبر، والرحمة، والشفقة، والتوادد، ولين الجانب، ونحو ذلك، والمذموم منها ضد ذلك: أي: ضد الأخلاق المحمودة، كالكذب والغش والقسوة ونحوها من الأخلاق الرديئة.

    وقد عرّف الجرجاني الخلق في التعريفات بقوله: الخلق: عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، وهو تعريف جيد حيث أن الأخلاق تترسخ في نفس الإنسان وتصطبغ بها أفعاله وسلوكياته، ولا يمنع ذلك من إمكانية تغيير الأخلاق السيئة إلا إن ذلك يحتاج إلى جهد وإرادة من صاحب الخلق السيء.

    مكانة الأخلاق في الإسلام:
    للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة، بلغت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حصر مهمة بعثته، وغاية دعوته، بكلمة عظيمة جامعة، فقال فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ.

    وفي هذا أكبر دليل وأنصع حُجة على أن رسالة الإسلام حققت ذروة الكمال، وقمة الخير والفضيلة والأخلاق، كما أن قدوة هذه الأمة عليه الصلاة والسلام كان المثل الأعلى والنموذج الأسمى للخلق الكريم.
    وكما كانت سيرته العملية، وسنته الفعلية نبراساً في الأخلاق، فقد زخرت سنته القولية بالإشادة بمكارم الأخلاق، ومكانة أهلها، وعظيم ثوابها، وهي مبثوثة في الصحاح والسنن وغيرها، منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقاً)، (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق)، (إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم)، (أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)، (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً).

    فللأخلاق الحسنة في الإسلام شأن عظيم من تخلف عنها نقص من حسناته وزيد في سيئاته، فالحذار الحذار من مذموم الأخلاق وسيئها.

    ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذروة العليا من محاسن الأخلاق وكريمها، ولم يتخلف عنها، فأخلاق المرء لا تنفك عنه، ولا يستطيع التحلى بها في وقت وتركها في وقت آخر، وقد نشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أول أمره إلى آخرة لحظة من لحظاته متحليا بكل خلق كريم، مبتعدا عن كل وصف ذميم، فهو أعلم الناس وأنصحهم وأفصحهم لسانا، وأقواهم بيانا، وأكثرهم حياء، يضرب به المثل في الأمانة والصدق والعفاف.

    ولا عجب فقد أدبه الله فأحسن تأديبه فكان أرجح الناس عقلا، وأكثرهم أدبا، وأوفرهم حلما، وأكملهم قوة وشجاعة وشفقة، وأكرمهم نفسا، وأعلاهم منزلة، وبالجملة كل خلق محمود يليق بالإنسان فله صلى الله عليه وسلم منه القسط الأكبر والحظ الأوفر، وكل وصف مذموم فهو أسلم الناس منه وأبعدهم عنه شهد له بذلك العدو والصديق، ونورد هنا شهادات الأحباب والأعداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحسن أخلاقه واكتسابه لكريمها.

    شهادة الله العلي على حسن أخلاق النبي الكريم:
    يكفى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم شهادة له بحسن خلقه وصف اللهُ عزوجل بذلك، قال الله في كتابه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]

    يقول الحافظ ابن كثير: "قال العوفي، عن ابن عباس: أي: وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد.

    وقال عطية: لعلى أدب عظيم، وقال مَعْمَر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: كان خلقه القرآن، تقول كما هو في القرآن.

    وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة قوله: { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن.

    وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين -عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أتقرأ القرآن؟ فقلتُ: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن.

    هذا حديث طويل. وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه، من حديث قتادة بطوله.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن ...

    ومعنى هذا أنه، عليه السلام، صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا، سجية له، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجِبِلِّي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا مع ما جَبَله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة، والصفح والحلم، وكل خلق جميل. كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي: "أف" قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا ولا مَسسْتُ خزًا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شَمَمْتُ مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول الله صلى الله عليه وسلم".

    ونتجول الآن مع بعض أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم التي حاز منها القدح المعلى، لنرى كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان في الذروة العليا من الأخلاق التي لا تكون إلا لخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.

    1- صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
    من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه ووفائه ومطابقة قوله لعلمه علم علمًا يقينيًا أنه صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر ولا كاهن ولا كاذب؛ وإذا كان الناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات فما الشأن بمن يرسله الله عزوجل إلى البشر يبلغهم رسالته ويدعوهم إلى عبادته أليس يكون يحمل من علامات الصدق وكريم الأخلاق ما يلوح على قسمات وجهه قبل أن يظهر في أقواله وأفعاله، وهذا هو ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي بسببه أسلم عبد الله بن سلام الحبر اليهودي.

    يقول عَبْدُ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَثْبَتُّ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ"؛ فهذا عبد الله بن سلام حبر من أحبار اليهود لم يحتج الأمر أن يعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى أن نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف أنه ليس بوجه كذاب.

    إن دلائل صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أن تحصر ونكتفي هنا بإيراد شهادات الأعداء على صدقه صلى الله عليه وسلم.

    شهادة الأعداء بصدق النبي المختار صلى الله عليه وسلم :
    من أعظم دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعدائه شهدوا له بالصدق والإمانة، فها هو أبو سفيان وكان يوم لقائه مع هرقل على الشرك والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد أنه لم يكذب في حياته قط، فما كان جواب هرقل على هذه الشهادة إلا بقوله ما كان – رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليترك الكذب على الناس ليكذب على الله.

    ولقد كان المشركون يعلمون يقينًا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عاش بينهم أربعين عامًا قبل البعثة وتعامل معهم وتعاملوا معه حتى لقبوه بالأمين، يقول "عبد الله بن السائب" وهو يصف تجديد بناء الكعبة قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر (الأسود) وما يرى الحجر أحد فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل، وإن قريشا اختلفوا في الحجر حين أرادوا أن يضعوه حتى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف، فقال : اجعلوا بينكم أول رجل يدخل من الباب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا : هذا الأمين، وكانوا يسمونه في الجاهلية الأمين، فقالوا : يا محمد، قد رضينا بك، « فدعا بثوب فبسطه ووضع الحجر فيه، ثم قال لهذا البطن، ولهذا البطن ليأخذ كل بطن منكم بناحية من الثوب، ففعلوا، ثم رفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده.

    ومن الأخبار في هذا الشأن، ما رواه البخاري في صحيحه عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) صَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ }.

    وروى أبو داود عن السَّائِبِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَجَعَلُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَيَذْكُرُونِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا أَعْلَمُكُمْ يَعْنِي بِهِ قُلْتُ صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي كُنْتَ شَرِيكِي فَنِعْمَ الشَّرِيكُ كُنْتَ لَا تُدَارِي وَلَا تُمَارِي.

    وروى الترمذي في سننه عن عَلِيٍّ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّا لَا نُكَذِّبُكَ وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }[الأنعام:33]"، ولما قال له الأخنس بن شريق: "يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟"فقال: "ويحك والله إن محمدا صادق وما كذب محمد قط".

    فهذا أبو جهل أكبر أعداء الإسلام يقر بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه، وما حمله على عداوته إلا الحسد والبغي، كما اعترف هو قائلاً: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدا، ولا نصدقه.

    ومن عجائب الأخبار في ذلك ما يرويه عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ فَبَيْنَا سَعْدٌ يَطُوفُ إِذَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ فَقَالَ سَعْدٌ أَنَا سَعْدٌ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ تَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ آمِنًا وَقَدْ آوَيْتُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَتَلَاحَيَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ أُمَيَّةُ لسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ فَإِنَّهُ سَيِّدُ أَهْلِ الْوَادِي ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَأَقْطَعَنَّ مَتْجَرَكَ بِالشَّامِ قَالَ فَجَعَلَ أُمَيَّةُ يَقُولُ لِسَعْدٍ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ وَجَعَلَ يُمْسِكُهُ فَغَضِبَ سَعْدٌ فَقَالَ دَعْنَا عَنْكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلُكَ قَالَ إِيَّايَ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ إِذَا حَدَّثَ فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَمَا تَعْلَمِينَ مَا قَالَ لِي أَخِي الْيَثْرِبِيُّ قَالَتْ وَمَا قَالَ قَالَ زَعَمَ أَنَّه سَمِعَ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي قَالَتْ فَوَاللَّهِ مَا يَكْذِبُ مُحَمَّدٌ قَالَ فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى بَدْرٍ وَجَاءَ الصَّرِيخُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَمَا ذَكَرْتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ الْيَثْرِبِيُّ قَالَ فَأَرَادَ أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ إِنَّكَ مِنْ أَشْرَافِ الْوَادِي فَسِرْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَسَارَ مَعَهُمْ فَقَتَلَهُ اللَّه".

    فهؤلاء أشراف مكة قد حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاردوه ورغم ذلك لم يستطيعوا أن ينكروا صدقه صلى الله عليه وسلم، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاذبًا – حاشاه وكلا – ما وجد أعداؤه مطعنًا فيه أفضل من ذلك.

    صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهاده دليل على صدقه:
    ومن دلائل صدقه صلى الله عليه وسلم صبره على الأذى وتكذيب قومه له فما رجل يواجه ما واجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يعاني ما عاناه ويصبر على هذا إلا وكان صادقًا في دعواه.

    روى البخاري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيءٍ صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلي بفناء الكعبة؛ إذ أقبل عقبة بن أبي معيط وهو من الكفار، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبه ودفع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) [غافر:28]).

    هذه صورة واحدة من صور الأذى الذي تعرض له صلى الله عليه وسلم، بلغ درجة أنهم حاولوا اغتياله وقتله إلا إن ذلك لم يثنيه عن دعوته، بل إن أعدائه ذهبوا إلى عمه أبي طالب وكان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضوا عليه أن يسلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابل ابن من أبنائهم، فأبلغه أبو طالب بهذا الأمر، وقال له: فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا ولا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه سوف يخذله ويسلمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك في طلبه)، فمن يصبر ذلك الصبر ويكافح هذا الجهاد لا يكون إلا صادقًا في دعواه، بل هو أصدق الصادقين صلى الله عليه وسلم.

    2- كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوده:
    ومن حسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم، والتي لا تكون إلا لنبي اصطفاه الله عزوجل، سخاؤه وكرمه فهو إن لم يكن يملك المال ما كان ليرد سائله بشيء يكرهه أو يجيبه إجابة تحرجه، روى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: ‏مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ لَا.

    يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "مَعْنَاهُ مَا طُلِبَ مِنْهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا فَمَنَعَهُ, قَالَ الْفَرَزْدَق:" مَا قَالَ لَا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّده" .. وَلَيْسَ الْمُرَاد أَنَّهُ يُعْطِي مَا يُطْلَب مِنْهُ جَزْمًا, بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُ لَا يَنْطِق بِالرَّدِّ, بَلْ إِنْ كَانَ عِنْدَه أَعْطَاهُ إِنْ كَانَ الْإِعْطَاء سَائِغًا وَإِلَّا سَكَتَ، وَقَدْ وَرَدَ بَيَان ذَلِكَ فِي حَدِيث مُرْسَل لِابْنِ الْحَنَفِيَّة أَخْرَجَهُ اِبْن سَعْد وَلَفْظه " إِذَا سُئِلَ فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَل قَالَ نَعَمْ , وَإِذَا لَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَل سَكَتَ" ..

    وَقَالَ الشَّيْخ عِزُّ الدِّين بْن عَبْد السَّلَام: مَعْنَاهُ لَمْ يَقُلْ " لَا " مَنْعًا لِلْعَطَاءِ, وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقُولهَا اِعْتِذَارًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ( قُلْت لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ عَلَيْهِ ) وَلَا يَخْفَى الْفَرْق بَيْنَ قَوْل لَا أَجِد مَا أَحْمِلكُمْ وَبَيْنَ لَا أَحْمِلكُمْ".

    وقد تواترت الأخبار بجوده صلى الله عليه وسلم، وكرمه، فما بخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا ولا منع أحدًا سأله شيئًا قط روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا).

    ومن الأخبار العجيبة في هذا الشأن ما رواه البخاري عن سهل بن سعد رضى الله عنه ‏أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏بِبُرْدَةٍ ‏مَنْسُوجَةٍ فِيهَا ‏حَاشِيَتُهَا ‏أَتَدْرُونَ مَا ‏الْبُرْدَةُ ‏قَالُوا ‏الشَّمْلَةُ ‏قَالَ نَعَمْ ‏قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏مُحْتَاجًاإِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ إِنِّي وَاللَّهِمَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ ‏سَهْلٌ ‏فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

    وفي هذا الحديث دليل واضح وإشارة ظاهرة على كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوده، فرغم حاجته الشديدة لهذه البردة إلا إنه لم يرد الصحابي الذي طلبها، وهذه الدرجة من الجود والكرم لا تكون إلا لأكرم المصطفين الأخيار محمد صلى الله عليه وسلم.

    3- شجاعته صلى الله عليه وسلم:
    من روؤس الأخلاق التي اتسم بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، شجاعته وجوده بنفسه، ومن قصص شجاعته ما رواه مسلم عن أنس بنِ مالك رضى الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا قَالَ وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ.

    وفي هذه القصة بيان عملي لشجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه وهو قائد المسلمين وسيد المدينة نجده أسرع الناس إلى تبين الأمر برغم ما في ذلك من خطر بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج قبل الناس كلهم، وكشف الحال ، ورجع قبل وصول الناس، وهذا أمر لا يكون إلا لمن استجمع من الشجاعة أطرافها.

    وروي عن عليٍّ رضى الله عنه قال : كنا إذا احمَرَّ البأسُ ولقي القوم، اتَّقَيْنا برسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فما يكونُ أحدٌ أقربَ إلى العدوِّ منه.

    وقال علي رضى الله عنه أيضًا: لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا.

    وجاء رجلٌ إلى البراء، فقال: أكنتُم وَلَّيْتُم يومَ حُنين يا أبا عمارة؟ فقال : أشهدُ على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولّى، ولكنه انطلقَ أخفاء من الناسِ وحَسَرَ إلى هذا الحي من هوازن، وهم قومٌ رماةٌ، فرمَوْهم برشقٍ من نَبْلٍ، كأنها رجل من جراد، فانكَشَفوا، فأقبلَ القومُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ يقودُ به بغلتَه، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:
    أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ
    اللهم نَزِّلْ نصرَك.

    قال البراء: كنا والله إذا احمرَّ البأسُ، نَتَّقِي به، وإن الشجاعَ منا للَّذي يحاذي به، يعني النبي صلى الله عليه وسلم".

    4- حيائه صلى الله عليه وسلم:
    ومن روؤس الأخلاق التي اتصف بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ودعا المسلمين إلى الالتزام بها، خلق الحياء، الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ.

    وقد حاز منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الغاية العليا روى البخاري في صحيحه عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، وَإِذَا كَرِهَ شَيْئًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ.

    غير أن حيائه صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعه من قول الحق والغضب له إلا إنه لم يكن يواجه أحدًا بما يكره، لهذا وصفه الصحابة بأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا كره شيئًا عُرف في وجهه إشارة إلى أنه لم يكن يواجه أحدا بما يكرهه بل يتغير وجهه فيفهم أصحابه كراهيته لذلك.

    ومما يذكر في ذلك ما رواه البخاري عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ قَالَ خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ تَوَضَّئِي بِهَا فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وفي هذا الحديث دليل بين على حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وعظيم حلمه وحيائه.

    5- زهده صلى الله عليه وسلم:
    ومن عظيم أخلاقه صلى الله عليه وسلم التي تؤكد نبوته وبعثته للبشر أجمعين، زهده في هذه الدنيا مثله في ذلك مثل كافة الأنبياء الذين سبقوه، فلم تتشوف نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا يومًا من الأيام بل كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

    وبلغ من زهده صلى الله عليه وسلم أنه كانت تمر عليه وعلى أهل بيته الهلالين والثلاثة ولا يوقد في بيوته صلى الله عليه وسلم نارًا أي أنهم لم يكونوا يطبخون اللحم لشهرين متواصلين، روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ لعروة بن الزبير: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَارٌ قَالَ قُلْتُ يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَاهُ.

    بل إن الخبز نفسه لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشبع منه، روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ.

    وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت : ما شبِعَ آلُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم منذُ قدِمَ المدينةَ من طعامِ البرِّ ثلاثَ ليالٍ تباعاً حتى قُبِضَ.

    وعن عمروِ بنِ الحارثِ ختنِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أخي جويريةَ بنتِ الحارثِ قال: ما تركَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عندَ موته درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمةً ولا شيئاً ، إلا بغلتَه البيضاءَ وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة.

    وروى مسلم عن النعمان بن بشير رضى الله عنه قال: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ.

    وكان يبلغ به صلى الله عليه وسلم الجوع أنه يخرج في الليل يبحث عن طعام من شدة الجوع، روى مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ فإذا هو بأبي بكر وعمر، فقال: "ما أخرَجَكما من بيوتِكما هذه الساعة "؟ قالا : الجوعُ يا رسولَ الله، قال : "وأنا والذي نفسي بيده لأَخْرَجَني الذي أخرَجَكُما"، قوموا، فقاموا معه، فأتى رجلاً من الأنصارِ، فإذا هو ليسَ في بيته، فلما رأتْه المرأةُ، قالت: مرحباً وأهلاً فقال لها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "أين فلانٌ"، قالت: ذهبَ يَسْتَعْذِبُ لنا من الماءِ، إذ جاءَ الأنصاريُّ فنَظَرَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصاحِبَيهِ، ثم قال: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليومَ أكرمَ أضيافاً مني، قال: فانطَلَقَ فجاءهم بعذقٍ فيه بُسرٌ وتمرٌ ورُطَبٌ، فقال: كلوا من هذه، وأخذ المديةَ، فقال له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إياك والحلوبَ" فذَبَحَ لهم، فأكلوا من الشاةِ، ومن ذلك العذقِ وشرِبوا، فلما أن شبِعوا ورَوُوا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "والذي نفسي بيده لتُسأَلُنَّ عن هذا النعيمِ يومَ القيامةِ، أخرجكم من بيوتِكم الجوعُ ثم لم ترجعوا، حتى أصابكم هذا النعيمُ".

    وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه - رضي الله عنهم - من التقلل من الدنيا، وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات.

    وكان زهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبة في الآخرة الباقية ونفورًا من الدنيا الفانية، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يتقلب في اليسار والقلة حتى توفي صلى الله عليه وسلم، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله من وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهكذا كان خلق صاحبيه - رضي الله عنهما - بل أكثر أصحابه.

    وروى البخاري في صحيحه عن عقبةَ قال: صلَّيتُ وراءَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينةِ العصرَ فسلَّمَ، ثم قام مسرعاً، فتخطّى رقابَ الناسِ إلى بعضِ حُجَرِ نسائِه، ففزِع الناسُ من سُرْعَتِه، فخرَج عليهم فرأى أنهم عجِبوا من سرعته فقال:"ذكرتُ شيئاً من تِبْرٍ عندَنا، فكرِهْتُ أن يحبِسَني، فأَمَرْتُ بقِسْمَته".

    6- تواضعه صلى الله عليه وسلم:
    كان النبي صلى الله عليه وسلم القمة في التواضع فكان يرقّع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد، ويجلس على الأرض، ورغم انشغاله كان يجيب دعوة الجارية الصغيرة ويسير معها في طرقات المدينة لا يتحرج من ذلك، يقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ.

    وهذا الحديث يدل على عظم تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو تواضع لم يسبق إليه أحد، فالتي ينقاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة من أي إماء المدينة لا يهم نسبها أو مكانتها، وتذهب به صلى الله عليه وسلم إلى المكان التي تريد؛ يقول الحافظ ابن حجر: (والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم".

    وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضى الله عنه قال: "مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي قَالَتْ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقِيلَ لَهَا إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ لَمْ أَعْرِفْكَ فَقَالَ إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى".

    ونرى كيف أنه لم يكن من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يتخذ بوابا مع قدرته على ذلك تواضعا، وكان من شأنه أنه لا يستتبع الناس وراءه إذا مشى كما جرت عادة الملوك والأكابر، فلذلك اشتبه على المرأة فلم تعرفه مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء.

    وعن أنس رضى الله عنه أن ناساً قالوا: يا رسولَ الله، يا خيرَنا وابنَ خيرِنا، وسيدَنا وابنَ سيدنا، فقال: "يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يسْتَهْوِيَنَّكم الشيطانُ، أنا محمدٌ عبدُ الله ورسوله ما أحبُّ أن ترفعوني فوقَ منزلتي التي أنزلني الله عزوجل".

    وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك فأْتِ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بشرابٍ من عندِها، فقال: "اسقني"، قال: يا رسولَ الله، إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال:"اسقني"، فشرِبَ منه، ثم أتى زمزمَ وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: "اعملوا فإنكم على عملٍ صالح"، ثم قال : "لولا أن تُغلَبوا لنزلت حتى أضع الحبلَ على هذه - يعني عاتقِه - وأشار إلى عاتقه".

    وعن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ركِبَ على حمارٍ على إكافٍ عليه قطيفة، وأردفَ أسامةَ وراءه.

    فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم يمنعه عظيم مقامه وكبير عمره من أن يركب الحمار بل ويركب معه شابًا صغيرًا في السن هو أسامة بن زيد رضى الله عنه، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأنف من التعامل مع المصابين في عقولهم، روى مسلم عن أنس رضى الله عنه أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً فَقَالَ يَا أُمَّ فُلَانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا.

    وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ، وقد أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم المبالغة في مدحه والثناء عليه صلى الله عليه وسلم، قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ.

    7- رفقه ولينه صلى الله عليه وسلم:
    الرفق هو: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف، ولقد وصف الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

    يقول الشيخ السعدي في تفسيره: (أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك.

    {ولو كنت فظا} أي: سيئ الخلق {غليظ القلب} أي: قاسيه، {لانفضوا من حولك} لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ.
    فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟!.

    أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبا لعباد الله لدين الله.

    ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان".

    وقد سارت الركبان بأخبار رفقه ولينه صلى الله عليه وسلم، يحكى معاوية بن الحكم فيقول: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

    ومن أعجب المواقف الدالة على عظيم ما حبا اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم بالرفق واللين ما رواه مسلم عن أنس بن مالك رضى الله عنه: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ.

    وعن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: "ما خُيِّرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينَ أمرَيْنِ إلا أَخَذَ أيسَرَهما مالم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعدَ الناسِ منه، وما انتَقَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن تُنْتَهَكُ حرمةُ الله فينتقمُ لله بها ".

    وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الغضب ممن يطيلون في الصلاة وخلفهم الضعيف والكبير، عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: قال رجل: يا رسولَ الله، لا أكادُ أدركُ الصلاةَ مما يطول بنا فلان، فما رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في موعظةٍ أشدَّ غضباً من يومئذ، فقال: "يا أيها الناس إنكم مُنَفِّرون، فمن صلى بالناس فليخفف، فإن فيهم المريضَ، والضعيفَ، وذا الحاجة".

    بل إن أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم نالهم من رفقه الشيئ الكثير فعن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ.

    وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا.

    8- مزاحه صلى الله عليه وسلم وتبسمه
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح مع الآخرين فلم تكن تفارق البسمة وجهه الشريف صلى الله عليه وسلم، روى الترمذي عن عبد الله بن الحارث رضى الله عنه قال: ما رأيتُ أحداً أكثرَ تبسُّماً من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

    وروى البخاري عن جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.

    وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا قَالَ إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا.

    وروى أبو داود عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِلْنِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ قَالَ وَمَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَلْ تَلِدُ الْإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ.

    قال صاحب عون المعبود: "( قال وما أصنع بولد الناقة ) : لما كان المتعارف عند العامة في بادي الرأي استعمال ولد الناقة فيما كان صغيرا لا يصلح للركوب وإنما يقال للصالح الإبل توحش الرجل على فهم المعنى .. والمعنى إنك لو تدبرت لم تقل ذلك ففيه الإشارة إلى أنه ينبغي لمن سمع قولا أن يتأمله ولا يبادر إلى رده، وفي هذا الحديث إباحة المزاح والدعابة، وكان صلى الله عليه وسلم يداعب الصحابة ولا يقول إلا حقا".

    9- وفاؤه صلى الله عليه وسلم:
    أما وفاؤه صلى الله عليه وسلم فقد كثرت الأخبار في هذا الأمر منذ ولادته وحتى وفاته، روى أبو داود عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَمْسَاءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَيْعٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ ثُمَّ ذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَجِئْتُ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ يَا فَتًى لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ أَنَا هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى المكان المتفق عليه في الموعد ثلاث مرات متوالية حتى يأتيه الرجل وما ذلك إلا لصدق وعده وحسن وفائه صلى الله عليه وسلم لا لقبض ثمنه، وإذا كان ذلك حاله قبل البعثة فإن حاله بعد الإسلام أعظم وأكبر كيف لا وقد عد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يف بوعده من المتلبسين بعلامات النفاق، روى البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: قَالَ آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.

    ومن وفائه صلى الله عليه وسلم وفاؤه لزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، تقول أمُ المؤمنين عائشة رضي الله عنها: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ.


    أما وفاؤه صلى الله عليه وسلم مع أعدائه فكان ذلك من عظيم أخلاقه رغم ما واجهه من اضطهاد وتعذيب، ولقد رأينا كيف أن هرقل عظيم الروم سأل أبا سفيان بن حرب ولم يكن أسلم يؤمئذ سأله إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغدر فكانت إجابة أبي سفيان الصريحة: لا.
    وهذا صحابي يتخلف عن غزوة بدر لا لشيء إلا وفاءًا بالعهد، يقول حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ، فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: (انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ).

    ولقد شهد له الأعداء بوفائه ومن ذلك أنه لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه إلى العمرة بعد صلح الحديبية مع قريش، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران، فيجد بها نفرا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة فقال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد، فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا، فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل، ففزعت قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا، وإنا على كتابنا وهدنتنا، ففيم يغزونا محمد في أصحابه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح إلى بطن يأجج حيث ينظر إلى أنصاب الحرم، وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، والهدي والسلاح قد تلاحقوا فقالوا: يا محمد، ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك، وقد شرطت لهم ألا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لا أدخل عليهم السلاح»، فقال مكرز:هذا الذي يعرف به البر والوفاء، ثم رجع سريعا بأصحابه إلى مكة.

    10- رحمته صلى الله عليه وسلم:
    وصف الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 107]، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: تمت الرحمة لمن آمن به في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل.

    فالله عزوجل أرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذّبة رسلها من قبله.

    ولقد تمثلت رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحكامه وهديه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ.

    ومن صور رحمته العحيبة ما رواه البخاري عن أَبِي قَتَادَةَ الأنصاري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ.

    ولم يحرم رسولُ الله المشركين من رحمته، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً.

    ولم تقتصر رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على البشر فقط بل تعدت إلى الحيوانات، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ قُلْنَا نَحْنُ قَالَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ.

    وكانت الحيوانات تعرف رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته فتلجأ إليه وتشكو له ظلم أصحابها يقول عبد الله بن جعفر: أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ".

    ونكتفي بهذا الأمثلة على رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكفيه أنه نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

    11- حلمه صلى الله عليه وسلم وعفوه عن من أساء له:
    ومن الأخلاق التي كانت سببًا في إسلام حبر يهودي، حلمه صلى الله عليه وسلم، وعفوه عن من أساء له، روى الطبراني عن عَبْدِ اللَّهِ بن سَلامٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ هُدَى زَيْدِ بن سَعْنَةَ، قَالَ زَيْدُ بن سَعْنَةَ: مَا مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ، يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ وَلا تَزِيدُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا، فَكُنْتُ أَلْطُفُ لَهُ لأَنْ أُخَالِطَهُ، فَأَعْرِفَ حِلْمَهُ مِنْ جَهْلِهِ.

    قَالَ زَيْدُ بن سَعْنَةَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا مِنَ الْحُجُرَاتِ وَمَعَهُ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَالْبَدَوِيِّ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بُصْرَى قَرْيَةَ بني فُلانٍ قَدْ أَسْلَمُوا، وَدَخَلُوا فِي الإِسْلامِ، وَكُنْتُ حَدَّثَتْهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَتَاهُمُ الرِّزْقُ رَغَدًا، وَقَدْ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ وَشِدَّةٌ وقُحُوطٌ مِنَ الْغَيْثِ، فَأَنَا أَخْشَى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الإِسْلامِ طَمَعًا كَمَا دَخَلُوا فِيهِ طَمَعًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُرْسِلَ إِلَيْهِمْ بِشَيْءٍ تُعِينُهُمْ بِهِ فَعَلْتَ، فَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ إِلَى جَانِبِهِ أُرَاهُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ.

    قَالَ زَيْدُ بن سَعْنَةَ: فَدَنَوْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، هَلْ لَكَ أَنْ تَبِيعَنِي تَمْرًا مَعْلُومًا مِنْ حَائِطِ بني فُلانٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ : لا يَا يَهُودِيُّ، وَلَكِنِّي أَبِيعُكَ تَمْرًا مَعْلُومًا إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، وَلا تُسَمِّي حَائِطَ بني فُلانٍ، قُلْتُ : بَلَى، فَبَايَعَنِي فَأَطْلَقْتُ هِمْيَانِي، فَأَعْطَيْتُهُ ثَمَانِينَ مِثْقَالا مِنْ ذَهَبٍ فِي تَمْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجْلِ كَذَا وَكَذَا، فَأَعْطَاهَا الرَّجُلَ، فَقَالَ : اغْدُ عَلَيْهِمْ فَأَعِنْهُمْ بِهَا.

    فَقَالَ زَيْدُ بن سَعْنَةَ: فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ مَحَلِّ الأَجَلِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ، أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ بِمَجَامِعِ قَمِيصِهِ وَرِدَائِهِ، وَنَظَرْتُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ غَلِيظٍ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلا تَقْضِيَنِي يَا مُحَمَّدُ حَقِّي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكُمْ بني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَمَطْلٌ، وَلَقَدْ كَانَ لِي بِمُخَالَطَتِكُمْ عَلِمٌ، وَنَظَرْتُ إِلَى عُمَرَ، وَإِذَا عَيْنَاهُ تَدُورَانِ فِي وَجْهِهِ كالْفَلَكِ الْمُسْتَدِير، ثُمَّ رَمَانِي بِبَصَرِهِ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَتَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَسْمَعُ، وَتَصْنَعُ بِهِ مَا أَرَى، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَوْلا مَا أُحَاذِرُ فَوْتَهُ لَضَرَبْتُ بِسَيْفِي رَأْسَكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إِلَى عُمَرَ فِي سُكُونٍ وتُؤَدَةٍ، ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَرُ، أَنَا وَهُوَ كُنَّا أَحْوَجَ إِلَى غَيْرِ هَذَا، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الأَدَاءِ، وتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ وأَعْطِهِ حَقَّهُ وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رَوَّعْتَهُ.

    قَالَ زَيْدٌ : فَذَهَبَ بِي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَأَعْطَانِي حَقِّي، وَزَادَنِي عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ : أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَزِيدَكَ مَكَانَ مَا رَوَّعْتُكَ، قُلْتُ : وتَعْرِفُنِي يَا عُمَرُ ؟، قَالَ : لا ، مَنْ أَنْتَ ؟، قُلْتُ : أَنَا زَيْدُ بن سَعْنَةَ، قَالَ : الْحَبْرُ، قُلْتُ : الْحَبْرُ ، قَالَ : فَمَا دَعَاكَ أَنْ فَعَلْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا فَعَلْتَ وَقُلْتَ لَهُ مَا قُلْتَ؟.

    قُلْتُ : يَا عُمَرُ، لَمْ تَكُنْ مِنْ عَلامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلا وَقَدْ عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ إِلا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ، يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلا يَزِيدُهُ الْجَهْلُ عَلَيْهِ إِلا حِلْمًا، فَقَدْ أُخْبِرْتُهُمَا، فَأُشْهِدُكَ يَا عُمَرُ أَنِّي قَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَأُشْهِدُكَ أَنَّ شَطْرَ مَالِي وَإِنِّي أَكْثَرُهَا مَالا صَدَقَةٌ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ.

    فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَإِنَّكَ لا تَسَعُهُمْ، قُلْتُ : أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَرَجَعَ عُمَرُ وَزَيْدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ زَيْدٌ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَبَايَعَهُ وَشَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً.

    ولعل في هذا الحديث غنية عن إيراد أمثلة أخرى عن حلم النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.

    11- لطف معاملته وحسن معاشرته للآخرين صلى الله عليه وسلم:
    ومن جماع محاسن أخلاقه صلى الله عليه وسلم لطف معاملته وحسن عشرته للآخرين، وقد ورد في هذا آثار كثيرة وأخبار متفرقة تدل على طيب عشرته صلى الله عليه وسلم، روى الترمذي عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَقْبَلَهُ الرَّجُلُ فَصَافَحَهُ لَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْزِعُ وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُهُ وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ.

    وعند أبي داود عن أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ.

    وأورد الترمذي في الشمائل المحمدية عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَى أَشَرِّ الْقَوْمِ، يَتَأَلَّفُهُمْ بِذَلِكَ، فَكَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ وَحَدِيثِهِ عَلَيَّ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي خَيْرُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا خَيْرٌ، أَوْ أبُو بَكْرٍ ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْر، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُمَرُ ؟ فَقَالَ: عُمَرُ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا خَيْرٌ أَمْ عُثْمَانُ؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ، فَلَمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَدَقَنِي، فَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ.

    ومن أجمع ما ورد في ذلك ما رواه البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا.

    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (قوله فاحشا ولا متفحشا) أي ناطقا بالفحش، وهو الزيادة على الحد في الكلام السيئ، والمتفحش المتكلف لذلك أي لم يكن له الفحش خلقا ولا مكتسبا".

    ومن عجيب الأخبار في ذلك ما رواه أبو نعيم في دلائل النبوة عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أشد الناس لطفا والله ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد ولا من أمة ولا صبي أن يأتيه بالماء فيغسل وجهه وذراعيه، وما سأله سائل قط إلا أصغى إليه أذنه فلم ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه وما تناول أحد بيده إلا ناوله إياها فلم ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه.

    هذا هو نبينا صلى الله عليه وسلم لم يكن يمنعه برودة المياه من قبوله من صبي أو فتاة صغيرة في السن لا لشيء حتى يدخل السرورَ على قلوبهم ولا يواجههم بما يكرهون، وما كان صلى الله عليه وسلم ينزع يده من يد أحد أخذها، ونذكر فيما يأتي شيئ من التفصيل عن معاملته صلى الله عليه وسلم لنسائه وأولاده ولأطفال المسلمين.

    معاملته صلى الله عليه وسلم لنسائه:
    شهدت له زوجته عائشة رضى الله بسمو خلقه صلى الله عليه وسلم مع نسائه فقالت: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بخدمة أهله رغم مشاغله ومهامه الجسام، روى البخاري عن الأسودِ قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراعي حاجات زوجاته النفسية فهذه عائشة زوجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وكانت صغيرة في السن تحكي فتقول: دخلَ الحبشةُ المسجدَ يلعبونَ، فقال لي: "يا حميراء، أتحبينَ أن تنظري إليهم ؟" فقلت: نعم، فأسندْتُ وجهي على خَدِّه، قالت: ومِن قولهم يومئذٍ: أبا القاسمِ طيباً، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " حسبُكِ " فقلت: يا رسولَ الله لا تعجلْ، فقام لي ثم قال: "حسبك"، فقلت: لا تعجلْ يا رسولَ الله، قالت: ومالي حبُّ النَّظَرِ إليهم، ولكني أحببتُ أن يبلغَ النساءَ مقامُه لي، ومكاني منه.

    ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأنف منهن وهن في حال الحيض بل كان يتحبب إليهن، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ.

    وكان يعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه، روى البخاري عن أنسٍ بنِ مالكٍ أَنَّ نَبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبر على غضبهن وغيرتهن روى البخاري في صحيحه عن أنسٍ قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ "غَارَتْ أُمُّكُمْ" ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ.

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاورهن في أمور الدين والدولة فقد ذكر البخاري في قصةِ صلح الحديبيةِ بعد أن فرغ المسلمون من كتابة الصلح قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:"قوموا فانحروا ثم احلِقوا"، قال: فوالله ما قامَ منهم رجلٌ، حتى قال ذلكَ ثلاثَ مراتٍ فلما لم يقمْ منهم أحدٌ دخلَ على أم سلمةَ فذكر لها ما لَقِيَ من الناس، فقالت أمُّ سلمة: يا نبيَّ الله، أتحبُّ ذلك؟ اخرجْ، ثم لا تكلِّمْ أحداً منهم كلمةً حتى تنحَرَ بُدَنَك، وتدعو حالقَكَ فيحلقك فخرج فلم يكلِّمْ أحداً منهم حتى فعلَ ذلك؛ نَحَرَ بُدَنَه، ودعا حالقَه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضُهم يحلِقُ بعضاً، حتى كادَ بعضُهم يقتُلُ بعضاً غما.

    رسول الله صلى الله عليه وسلم أب:
    كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجًا للأب المثالي الذي يحب أطفاله ويداعِبُهم ويمازِحُهم، ويهتم بتأديبِهم، ولا يفرق بين الذكر والأنثي، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟، فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالُوا لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ.

    وعن أبي هريرةَ رضى الله عنه أن الأقرَعَ بنَ حابسٍ أبصَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُ الحَسَنَ، فقال: إن لي عشرةً من الولَدِ ما قبِّلْتُ واحداً منهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنه من لا يَرحَمُ لا يُرْحَمُ ".

    وروى ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلَعُ لسانه للحسين، فيرى الصبي حمرةَ لسان، فيهش إليه، فقال له عيينة بن حصن بن بدر: ألا أرى تصنع هذا بهذا، والله ليكون لي الابن قد خرج وجهه وما قبلته قط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من لا يرحم لا يرحم ».

    وروى البخاري عن أبي قتادةَ الأنصاريِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا.

    معاملته لأطفال المسلمين:
    ومن حسن أخلاقه انبساطه صلى الله عليه وسلم، وملاعبته لأطفال المسلمين روى البخاري عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ قَالَ أَحْسِبُهُ فَطِيمًا وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَالَ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ نُغَرٌ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ فَرُبَّمَا حَضَرَ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي بَيْتِنَا فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ فَيُكْنَسُ وَيُنْضَحُ ثُمَّ يَقُومُ وَنَقُومُ خَلْفَهُ فَيُصَلِّي بِنَا.

    وعن أمِّ خالدٍ بنتِ خالدٍ قالت: قَدِمْتُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأَنَا جُوَيْرِيَةٌ فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةً لَهَا أَعْلَامٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ الْأَعْلَامَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ سَنَاهْ سَنَاهْ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ يَعْنِي حَسَنٌ حَسَنٌ.

    وعن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُهُ.

    وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأنف من اللعب معهم، يقول سلمة بنِ الأّكْوَعِ رضي الله عنه: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ قَالُوا كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ ".

    وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف حقهم فلم يكن يهضمه حتى وإن كان هناك كبار، روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وَالْأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ يَا غُلَامُ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الْأَشْيَاخَ قَالَ مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

    هذه صورة مختصرة لأخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وشمائله الكريمة، التي تكفي دليلاً على نبوته وبعثته، فإن الله عزوجل لم يكن ليصطفي من يحمل هذه الرسالة العظيمة إلا من كان في مثل هذه الأخلاق، وكان متصفًا بتلك الشمائل، فإن النبوة اصطفاء واختيار من الرب تبارك وتعالى.

    التوازن النفسي والسلوكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم
    وإضافة لما سبق ذكره من الأخلاق القويمة والشيم الكريمة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمتع بتوازن نفسي وسلوكي لا يتصف به إلا أنبياء الله ورسله الذين اصطفاهم الله عزوجل واختارهم لأعظم مهمة وأفضل دور.

    عن أنسٍ رضى الله عنه قال : جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا : وأينَ نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غَفَرَ الله له ما تقدَّمَ من ذنبه وما تأخَّرَ.

    قال أحدُهم : أما أنا فأنا أصلّي الليلَ أبداً، وقال آخر : أنا أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ ، وقال آخرُ : أنا أعتزلُ النساءَ فلا أتزوجُ أبداً.

    فجاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال : "أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصومُ وأفطر ، وأصلي وأرقُد ، وأتزوَّجُ النساءَ ، فمن رغِبَ عن سنتي فليس مني".

    فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم ما كان عليه من زهد في الحياة وإقبال على الأخرة، ورغم اجتهاده في عبادته لربه إلا إنه لم يعتزل الدنيا بل إنه نهى أصحابه عن فعل ذلك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عظيم عبادته وخشيته وزهده يسير أمر الأمة أعظم تسيير ويراعى حاجات بيته ويداعب أطفاله كما رأينا فيما ذكرناه من أخلاقه الكريمة وشيمه العظيمة وليس ذلك إلا لما تمتع به من توازن نفسي وسلوكي حباه به الله عزوجل.

    يتبع ..
    10- البيئة التي نشأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم..
    ............................

  9. #24

    افتراضي

    10- البيئة التي نشأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

    دار جزء من المحاورة بين هرقل وأبي سفيان، عن البيئة التي نشأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك للتأكد من أن إعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم النبوة ليس محل شبهة، فلم يكن في العرب من قبل نبي أو رسول كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن طالب ملك أو ساع لثأر، وهذا مما يؤكد بعثته صلى الله عليه وسلم.

    إن من علامات النبوة أن تظهر في زمان في حاجة إلى نبي، وقد كان ذلك هو زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث انحرفت الأرض وضلت عن سواء السبيل، خطب رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقَالَ: "أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ".

    لقد كان العالم كله في هذا الوقت في حاجة شديدة إلى رسالة نبي الهدي والرحمة صلى الله عليه وسلم، حيث انتشر الظلم والفساد والانحراف في حياة الناس ولم يكن الخلاص إلا برسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.
    ولقد ظهر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قبيلة ليسوا من أهل العلم ومن بلدة كانت الجهالة غالبة عليهم، ولم يتفق له الاتصال بعالم، فإذا نبت في هذه البيئة ثم بلغ في معرفة الله وصفاته وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم وجاء بكتاب يحتوي على مختلف العلوم عجز جميع الأذكياء من العقلاء عن القرب منه، فإن ذلك يحمل كل ذي عقل سليم وطبع قويم على الاقرار بأن هذا العلم الفذ لا يتيسر لأحد من البشر إلا بتعليم إلهي خاص؛ وهذا ما قرره الله عزوجل في كتابه الكريم يقول تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [ هود : 49 ].

    غير أنه قد ترد هنا شبهة يلقيها بعض أهل الكتاب بزعمهم أن النبوات ختمت بعيسي عليه السلام، وهذا الزعم الباطل نرد عليه من نصوص أهل الكتاب أنفسهم التي تؤكد أنهم كانوا ينتظرون نبياً آخر غير المسيح وإيلياء، فقد جاء في إنجيل يوحنا (1: 19-25) أن علماء اليهود سألوا يحيى عليه السلام: أأنت المسيح ؟ فقال لهم: لا، فسألوه: أأنت إيلياء ؟، فقال: لا، فسألوه : أأنت النبي ؟ أي النبي المعهود الذي أخبر عنه موسى عليه السلام، فقال يحيي عليه السلام: لا".

    فهؤلاء ثلاثة أنبياء كان ينتظرهم بنو إسرائيل الأول المسيح عليه السلام والثاني إيلياء عليه السلام والثالث النبي الذي أخبر عنه موسي عليه السلام، فمن يكون هذا النبي إن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    كما أن عيسي عليه السلام قال كما روى عنه في إنجيل متي (15 : 24): "لم أرسل إلا إلى خراف بني إسرائيل الضالة"، فإذا كان عيسي عليه السلام أرسل إلى بني إسرائيل فحسب فماذا عن بقية العالم، كما أن عيسي عليه السلام أبلغ تلاميذه أنه لم يقل لهم كل ما يريده بل بقيت أمور يبلغها المعزي الذي يأتي بعده، جاء في إنجيل يوحنا (16 :12-13 ): "إن لي أمورًا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق".

    فرسالة عيسي عليه السلام ورسالة الأنبياء قبله كانت في حاجة إلى من يكملها ويبلغها العالم كله، وقد كان ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك حذر المسيح عليه السلام من الكذابين الذين يأتون بعده، ولولا أنه يعلم أن هناك نبيًا خاتمًا سوف يأتي لأبلغ تلاميذه بأن خاتم الأنبياء وأنه لن يأتي أحد بعده بدلا من أن يطالبهم بالتمييز بين الكاذب والصادق.

    يتبع ..
    11- ثانيًا النظر في نصر الله أو خذلانه لمدعى الرسالة ..
    التعديل الأخير تم 10-24-2007 الساعة 12:37 AM
    ............................

  10. #25

    افتراضي

    ثانيًا: النظر في نصر الله أو خذلانه لمدعى الرسالة ..

    المحور الثاني الذي دارت حوله محاورة هرقل لأبي سفيان، تمثل في معرفة هل نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أم لا، فإن كان قد نصره فهذا دليل على نبوته وبعثته، أم إذا كانت الإجابة لا، فإن الله عزوجل لا يؤيد أو ينصر الكذابين.

    يقول هرقل: "وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.

    وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ.

    وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ.

    وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَقَاتَلَكُمْ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا وَيُدَالُ عَلَيْكُمْ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ".

    في ضوء هذه الأسئلة والأجوبة يدور ذلك المحور تأييد الله ونصره لأنبيائه، فإن من أبلغ أدلة صدق النبي صلى الله عليه وسلم إقرار الله لدعوته؛ وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن رسول الله صلى لله عليه وسلم لو تقوّل على ربه شيئا من الأقاويل لأهلكه، قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَامِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْأَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) [الحاقة :41-47]، وقال سبحانه: (قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْخَابَ مَنِ افْتَرَى) [طه:61]، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [يونس:69]، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) [الزمر: 3]، وما خاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضل بل هُدي وأفلح في كل المجالات، وصار دينه من أعظمالأديان في الأرض وأكثرها انتشارا.

    الله عزوجل لا يؤيد الكذابين:
    لقد دلّ القرآن الكريم واتفقت الكتب والشرائع على أنّ الله عزوجل لا يؤيّد الكذّاب عليه، بل لا بُدّ أن يظهر كذبه، وأن ينتقم منه، وعد الله عزوجل إدعاء النبوة والرسالة كذبًا من أعظم الافتراء عليه فقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبَاً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِليَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيهِ شَيء وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله) [الأنعام: 93].

    وإن القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاذبًا في نبوته لهو طعن في الرب تبارك وتعالى، ولقد استدل الإمام ابن القيم على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله وتأييده له.

    يقول ابن القيم: وقد جرت لي مناظرة بمصر مع أكبر من يشير إليه اليهود بالعلم والرياسة، فقلت له في أثناء الكلام: أنتم بتكذيبكم محمدا صلى الله عليه وسلم قد شتمتم الله أعظم شتيمة، فعجب من ذلك وقال: مثلك يقول هذا الكلام؟ فقلت له: اسمع الآن تقريره؛ إذا قلتم : إن محمدا ملك ظالم، وليس برسول من عند الله، وقد أقام ثلاثا وعشرين سنة يدعي أنه رسول الله أرسله إلى الخلق كافة، ويقول أمرني الله بكذا ونهاني عن كذا، وأُوحي إلي كذا؛ ولم يكن من ذلك شيء، وهويدأب في تغيير دين الأنبياء، ومعاداة أممهم، ونسخ شرائعهم؛ فلا يخلو إما أن تقولوا: إن الله سبحانه كان يطلع على ذلك ويشاهده ويعلمه، أو تقولوا: إنه خفيعنه ولم يعلم به.
    فإن قلتم: لم يعلم به نسبتموه إلى أقبح الجهل، وكان من عَلَمذلك أعلم منه.

    وإن قلتم: بل كان ذلك كله بعلمه ومشاهدته واطلاعه عليه، فلا يخلوإما أن يكون قادرا على تغييره والأخذ على يديه ومنعه من ذلك أو لا، فإن لم يكن قادرا فقد نسبتموه إلى أقبح العجز المنافي للربوبية، وإن كان قادرا وهو مع ذلك يعزه وينصره، ويؤيده ويعليه ويعلى كلمته، ويجيب دعاءه، ويمكنه من أعدائه، ويظهرعلى يديه من أنواع المعجزات والكرامات ما يزيد على الألف، ولا يقصده أحد بسوء إلا أظفره به، ولا يدعوه بدعوة إلا استجابها له، فهذا من أعظم الظلم والسفه الذي لايليق نسبته إلى آحاد العقلاء، فضلا عن رب الأرض والسماء، فكيف وهو يشهد له بإقراره على دعوته وبتأييده وبكلامه، وهذه عندكم شهادة زور وكذب.
    فلما سمع ذلك قال معاذ الله أن يفعل الله هذا بكاذب مفتر بل هو نبي صادق مناتبعه أفلح وسعد.

    قلت : فما لك لا تدخل في دينه ؟، قال : إنما بعث إلى الأميينالذين لا كتاب لهم، وأما نحن فعندنا كتاب نتبعه.

    قلت له : غُلبت كل الغلب، فإنه قد علم الخاص والعام أنه أخبر أنه رسول الله إلى جميع الخلق، وإن من لم يتبعهفهو كافر من أهل الجحيم، وقاتل اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، وإذا صحت رسالتهوجب تصديقه في كل ما أخبر به، فأمسك ولم يحر جواباً".

    إن هذه المناظرة التي أجراها الإمام ابن القيم لهي دليل واضح على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله عزوجل لم يكن لينصره ويؤيده هذا التأييد إن لم يكن خاتم النبيين وسيد المرسلين، ونذكر هنا بعض صور نصر الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

    1- زيادة أتباعه وانتشار دينه صلى الله عليه وسلم:
    من أكبر صور نصرة الله عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أتباعه في زيادة مطردة مستمرة ودينه في انتشار وصعود دائم، قد مضى عليه أكثر من 14 قرنًا وهو في انتشار وتزايد حتى بلغ عدد أتباعه أكثر من 1.3 مليار مسلم ويوشك أن يصبح الإسلام في الأعوام القادمة هو الدين الأول في الأرض، فقد أظهرت إحصائية غربية عن معدل انتشار الأديان الثلاثة (اليهودية والنصرانية والإسلام) في العالم خلال الخمسين سنة الماضية النتائج التالية:
    اليهودية: - 4%.
    النصرانية : 57%.
    الإسلام: 235%.

    إن هذه النتائج لهي من علامات الصدق والحق فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه.

    ولقد صح لدى النصارى أن المتنبىء الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة، يذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه أن بعض ملوك النصارى رأى رجلا يسب النبي صلى الله عليه وسلم من رؤوس النصارى ويرميه بالكذب فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبىء الكذاب كم تبقى نبوته فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء إن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة لمدة قريبة إما ثلاثين سنة أو نحوها فقال لهم هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا كذابا ثم ضرب عنق ذلك الرجل.

    لقد دخل في الإسلام فئام من الناس في الماضي والحاضر، من بينهم ملوك وعلماء لا يشك أحد في عقولهم ورجاحته، وسوف نورد هنا بعض الأمثلة على ذلك من القديم والحديث:

    إسلام النجاشي ملك الحبشة:
    هذا أصحمة النجاشي كان ملكًا نصرانيًا على الحبشة، لجأ إليه المسلمون هربًا بدينهم من قريش فلما أطلع على دينهم وعرف الحق أمن به واتبعه، ولا يستطيع أحد أن يورد شبهة على إيمان النجاشي فيزعم مثلا أنه فعل ذلك رغبة في الدنيا، فلقد كان النجاشي ملكًا متوجًا والمسلمون كان ضعفاء مضطهدون فما منعه ذلك من الإيمان والتصديق، ولعل في القصة خير برهان على ذلك.

    تقول أم سلمة رضي الله عنها: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم ثم قدموا للنجاشي هداياه ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.

    قالت فخرجا فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار وعند خير جار فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ثم قالا لكل بطريق منهم إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم فإذا كلمنا الملك فيهم فتشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما نعم ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما ثم كلماه، فقالا له أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.

    قالت ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم، فقالت بطارقته حوله صدقوا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم، فغضب النجاشي ثم قال لا ها الله ايم الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

    قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل إذا جئتموه، قالوا نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم.

    قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

    قالت فقال له النجاشي هل معك مما جاء به عن الله من شيء.
    قالت فقال له جعفر نعم.

    فقال له النجاشي فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من كهيعص، قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد.

    قالت أم سلمة فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص والله لأنبئنهم غدا عيبهم عندهم ثم أستأصل به خضراءهم، فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا، قال والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد، ثم غدا عليه الغد فقال له أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه.

    قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه قالت ولم ينزل بنا مثله فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه قالوا نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن فلما دخلوا عليه قال لهم ما تقولون في عيسى بن مريم.

    فقال له جعفر بن أبي طالب نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

    قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال.

    فقال وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسيوم الآمنون - من سبكم غرم ثم من سبكم غرم فما أحب أن لي دبرا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم - والدبر بلسان الحبشة الجبل- ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.

    قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار".

    تلك كانت قصة ملك عظيم في التاريخ القديم، أما الحاضر فإن قصص الذين آثروا الحياة الأخرة على الدنيا كثيرة، نورد منها قصتين فحسب:

    البروفسور خالد ميلاسنتوس
    (آرثر ميلاسنتوس) دكتوراه في اللاهوت، وكان الرجل الثالث في مجمع كنائس قارة آسية، في أثناء عمله بالتنصير عام 1983 قال لنفسه: أي ضير في قراءة القرآن من أجل الرد على المسلمين؟ فتوجه إلى أحد المسلمين سائلاً إياه أن يعيره كتاب المقدس، فوافق المسلم مشترطاً عليه أن يتوضأ قبل كل قراءة، ثم شرع آرثر يقرأ القرآن خفية، ولنستمع إليه يحدثنا عن تجربته الأولى مع القرآن: "عندما قرأت القرآن أول مرة، شعرت بصراع عنيف في أعماقي، فثمة صوت يناديني ويحثني على اعتناق هذا الدين، الذي يجعل علاقة الإنسان بربه علاقة مباشرة، لا تحتاج إلى وساطات القسس، ولا تباع فيها صكوك الغفران !! وفي يوم توضأت، ثم أمسكت بالقرآن فقرأت:

    { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها }
    فأحسستُ بقشعريرة، ثم قرأت:

    { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}

    فحلت السكينة في الروح الحيرى . وشعرت أني قد خلقت من جديد .
    في تلك الليلة لم يصبر آرثر حتى تطلع الشمس، بل اتجه حالاً إلى منزل صديقه المسلم ليسأله عن كيفية الدخول في الإسلام ، وبين حيرة الصديق ودهشته نطق آرثر بالشهادتين".

    الدكتور موريس بوكاي
    طبيب فرنسي، رئيس قسم الجراحة في جامعة باريس ، اعتنق الإسلام عام1982م ، ويُعتبر كتابه (التوراة والقرآن والعلم) من أهم الكتب التي درست الكتب المقدسة على ضوء المعارف الحديثة ، وله كتاب (القرآن الكريم والعلم العصري) منحته الأكاديمية الفرنسية عام 1988م جائزة في التاريخ، يقول :"إن أول ما يثير الدهشة في روح من يواجه نصوص القرآن لأول مرة هو ثراء الموضوعات العلمية المعالجة، وعلى حين نجد في التوراة الحالية أخطاء علمية ضخمة، لا نكتشف في القرآن أي خطأ، ولو كان قائل القرآن إنساناً فكيف يستطيع في القرن السابع أن يكتب حقائق لا تنتمي إلى عصره، ليس هناك تفسير وضعيّ لمصدر القرآن".

    "لم أجد التوافق بين الدين والعلم إلا يوم شرعت في دراسة القرآن الكريم فالعلم والدين في الإسلام شقيقان توأمان لأن القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف يدعوان كل مسلم إلى طلب العلم، طبعاً إنما نجمت إنجازات الحضارة الإسلامية العظيمة عن امتثال الأوامر المفروضة على المسلمين منذ فجر الإسلام".

    هذان مثالان فقط نكتفي بهما لنثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء العقلاء والمفكرين والعلماء الذين يقرون كل يوم بصحة هذا الدين وفضل ذلك النبي لا يستطيع أحد أن يطعن في عقولهم ورجاحته.

    2 - نصر الله رسوله على قومه:
    ومن صور تأييد الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن الله نصره على قومه، وأهلك الله المكذبين منهم، والأمئلة على ذلك كثيرة، نكتفي بإيراد مثالين منها:

    1- الأسْدُ تنتصر لرسول الله (مصير عتبة بن أبي لهب):
    كان "عتبة بن أبي لهب" من أشد المتطاولين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، بلغ من جرمه وعدوانه أن أمسك بتلابيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفل في وجهه الشريف، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلط عليه الله كلبًا من كلابه.

    ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره أن ابن عساكر أورد في "تاريخ دمشق" في ترجمة "عتبة بن أبي لهب" من طريقه عن هَبَّار بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه، سبحانه، فانطلق حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، هو يكفر بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم ابعث إليه كلبا من كلابك"، ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال: يا بني، ما قلت له؟ فذكر له ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال: "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" قال: يا بني، والله ما آمنُ عليك دُعاءه.

    فسرنا حتى نزلنا الشراة، وهي مأْسَدَة، ونزلنا إلى صَوْمَعة راهب، فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد فإنها تسرح الأسْدُ فيها كما تسرح الغنم؟ فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوةً، والله ما آمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم افرشوا حولها، ففعلنا، فجاء الأسد فَشَمّ وجوهنا، فلما لم يجد ما يريد تَقَبّض، فوثب، فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه ثم هزمه هَزْمة فَفَضخ رأسه. فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد.

    2- الكلاب تثأر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
    ومن الوقائع العجيبة في انتقام الله عزوجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما ذكره الحافظ ابن حجر في كتابه "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة"؛ حيث ذكر الحافظ ابن حجر ".. أن بعض أمراء المغل تنصر فحضر عنده جماعة من كبار النصارى والمغل فجعل واحد منهم ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم وهناك كلب صيد مربوط فلما أكثر من ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه.

    وقال بعض من حضر: هذا بكلامك في محمد صلى الله عليه وسلم.
    فقال كلا بل هذا الكلب عزيز النفس رآني أشير بيدي فظن أني أريد أن أضربه، ثم عاد إلى ما كان فيه فأطال فوثب الكلب مرة أخرى فقبض على زردمته فقلعها فمات من حينه فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين ألفا من المغل".

    اكتفينا بهذين المثالين ومن راجع كتب التاريخ والسير لرأى كيف أن الله عزوجل نصر نبيه وهزم أعدائه على مر الدهور والعصور وفي مختلف الأماكن والأنحاء، وهي وقائع كثيرة تؤكد أن الله نصر نبيه وأيده بسلطانه ولا يكون ذلك إلا إقرار من الله عزوجل للنبي بأنه رسوله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

    ثالثًا: النظر في منهج ومبادئ هذه الرسالة ..
    المحور الثالث الذي دار عليه بحث هرقل عن حقيقة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان النظر في الرسالة التي جاء بها ومقارنتها بما يعرف من رسالات الأنبياء والرسل السابقين.

    يقول هرقل:"وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ".

    إن النبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، ولقد اتفقت الشرائع السماوية جميعها على الدعوة إلى الخير والصلاح، فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان وإباحة الفواحش والظلم والكذب ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم الآخر، فهل مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي ولو قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس المخاريق أو الفتن والمحنة.

    ولقد استدل النجاشي، كما رأينا، على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع القرآن الكريم وقارنه بما يعرفه من علوم الأنبياء السابقين حتى قال: "إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة"، لذلك فإن الكذاب الفاجر لا يتصور أن يكون في أخباره وأوامره موافقا للأنبياء بل لا بد أن يخالفهم في الأصول الكلية التي اتفق عليها الأنبياء كالتوحيد والنبوات والمعاد كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بد أن يخالف سنة القضاة العالمين العادلين وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب والطبيب الكاذب أو الجاهل فإن كل هؤلاء لا بد أن يتبين كذبهم أو جهلهم بمخالفتهم لما مضت به سنة أهل العلم والصدق.

    وإن كان قد يخالف بعضهم بعضا في أمور اجتهادية فإنه يعلم الفرق بين ذلك وبين المخالفة في الأصول الكلية التي لا يمكن مخالفتها.

    إن القيم العظيمة والمبادئ السامية التي يدعو إليها الإسلام لهي دليل واضح بين على صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبل الحديث عن رسالة الإسلام ومميزاتها العظيمة، يحسن بنا أن نشير إلى حاجة البشرية الشديدة إلى الرسل ورسالاتهم، وقد أوضح شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - حاجة العباد إلى بعثة المرسلين في مواضع شتى من كتبه، فمن ذلك قوله: "والرسالة ضرورية للعباد، لا بدّ لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كلّ شيء، والرسالة روح العالم، ونوره، وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور، والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة. وكذلك العبد ما لم تُشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة، وهو من الأموات. قال تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)[الأنعام، 122]، فهذا وصف المؤمن، كان ميتاً في ظلمة الجهل، فأحياه الله بروح الرسالة ونور الإيمان، وجعل له نوراً يمشي به في الناس. وأما الكافر فميّت القلب في الظلمات".

    وقال - رحمه الله - أيضاً: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة، فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإنّ الإنسان مضطر إلى الشرع؛ فإنه بين حركتين؛ حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضرّه. والشرع هو النور الذي يُبيِّن ما ينفعه وما يضرّه، والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده، وحصنه الذي من دخله كان آمناً، وليس المراد بالشرع التمييز بين الضارّ والنافع بالحسّ، فإن ذلك يحصل للحيوانات العجم؛ فإن الحمار والجمل يميّز بين الشعير والتراب. بل التمييز بين الأفعال التي تضرّ فاعلها في معاشه ومعاده؛ كنفع الإيمان والتوحيد والعدل والبر والتصديق والإحسان والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلة الأرحام، وبرّ الوالدين، والإحسان إلى المماليك والجار، وأداء الحقوق، وإخلاص العمل لله، والتوكل عليه، والاستعانة به، والرضا بمواقع القدر به، والتسليم لحكمه، والانقياد لأمره، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وخشيته في الغيب والشهادة، والتقرب إليه بأداء فرائضه واجتناب محارمه واحتساب الثواب عنده، وتصديقه، وتصديق رسله في كل ما أخبروا به، وطاعته في كل ما أمروا به، مما هو نفع وصلاح للعبد في دنياه وآخرته، وفي ضد ذلك شقاوته ومضرته في دنياه وآخرته، ولولا الرسالة لم يهتد العقل إلى تفاصيل النافع والضار في المعاش والمعاد. فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف منة عليهم أن أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبيَّن لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أشرّ حالاً منها. فمن قبل رسالة الله واستقام عليها، فهو من خير البرية، ومن ردَّها وخرج عنها فهو من شرّ البرية، وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير والحيوان البهيم".

    فحاجة الناس إلى الرسل لا تماثلها حاجة، واضطرارهم إلى بعثتهم لا تفوقها ضرورة، فهم في أشدّ حاجة، وأعظم ضرورة.

    وهذا ما وضّحه شيخ الإسلام - رحمه الله - بقوله: "وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسول كحاجتهم إلى الشمس والقمر والرياح والمطر، ولا كحاجة الإنسان إلى حياته، ولا كحاجة العين إلى ضوئها، والجسم إلى الطعام والشراب، بل أعظم من ذلك، وأشدّ حاجة من كلّ ما يقدّر ويخطر بالبال. فالرسل وسائط بين الله وبين خلقه في أمره ونهيه، وهم السفراء بينه وبين عباده".

    إن اضطرار العباد إلى المرسلين لا يُعادله اضطرار، وحاجتهم إلى المبشرين والمنذرين لا تماثلها حاجة، وفيما نقلناه من أقوال بيان كاف شاف لمن ألقي السمع وهو شهيد، أما الإسلام فهو خاتمة الرسالات وجاء بالسعادة والصلاح للبشرية في الدنيا والآخرة، وهذا ما سنعرضه في الصفحات القادمة.

    مزايا الرسالة المحمدية:
    تميزت الشريعة المحمدية بعدة مزايا عن بقية الرسالات التي سبقتها، ولا عجب في ذلك فهي الرسالة الخاتمة والتي بها سعادة العباد في الدنيا والآخرة؛ ومن هذه المزايا:

    الأولى: شمول التشريع الإسلامي لجميع شئون الحياة وإحاطته بها:
    لقد أنزل الله سبحانه هذه الشَريعة وجعلها منهاجاً لهذه الأمة وطريقاً تسلكها في جميع شئونها، فهذه الشريعة شاملة لجميع شئون الحياة ومرافقها، فانتظمتها جميعاً بأحكامها العادلة وتوجيهاتها الحكيمة.

    وعندما ننظر في أحكام الشريعة وموقفها من شئون الناس وأحوالهم نجدها على ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: من شئون الناس والحياة، أمرت به الشريعة ودعت إليه، وقد يكون هذا الأمر على وجه الإلزام أو على غير وجه الإلزام.

    النوع الثاني: من شئون الناس والحياة نهي عنه الشارع وحذر منه، وقد يكون، هذا النهي كذلك على وجه الإلزام أو على غير وجه الإلزام.

    النوع الثالث: ما سكت عنه الشارع، وهذا السكوت ليس عن غفلة ولا نسيان، وإنما بقصد التخفيف، وهو ما يدخل في دائرة المباح وتحكمه ضوابط تحقيق المصلحة ورعاية حاجات البشر وعدم الإتيان بمخالفة لضوابط الإسلام وثوابته.

    ولقد دل النقل الصريح والعقل الصحيح على عموم الشريعة الإسلامية وشمولها لجميع شئون الحياة:

    الدليل الأول: النص من الكتاب والسنة وواقع الأمة الإسلامية خاصة في عصر النبوة والخلافة الراشدة، يقول الله عزوجل: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89].

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قال ابن مسعود- رضي الله عنه- قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء، وقال مجاهد- رحمه الله - كل حلال وكل حرام وقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم".

    والآيات الواردة في هذا الصدد كثيرة، وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على شمولية الرسالة الخاتمة، فهذا يهودي يقول لسلمان الفارسي رضي الله عنه: "قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ، فأجابه سلمان قائلاً: أَجَلْ لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ".

    وقال حذيفة - رضي الله عنه-: " قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَقَامًا مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.

    ومن نظر إلى واقع الأمة الإسلامية في العهد النبوي لرأى كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رعى جميع أحوال المسلمين، وتولى جميع شئونهم الدينية والدنيوية فأفتي وقضي في الحقوق والحدود، وقاد الجيوش وقسم الغنائم وأم المسلمين في الجمع والجماعات، وكاتب الملوك ودعاهم إلى الإسلام، وتفقد أحوال المسلمين في تعاملهم بالبيوع والإجارات وأنواع المزارعة وفي النكاح والطلاق والرجعة وفي الاستطباب وتجهيز الأموات وقسمة المواريث فلا يمكن أن يتم أمر في المدينة من أحوال الناس وشئونهم إلا وله عليه الصلاة والسلام حكمة في ذلك من إقرار أو إنكار، وفي عهد الخلفاء الراشدين- رضى الله عنهم وعن الصحابة أجمعين- فكذلك، ما كان يبت في أمر من الأمور الدقيقة أو الجليلة إلا بالرجوع إلى كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو بالاجتهاد وفق أصول الشرع وقواعده.

    فمسألة شمول الإسلام وإحاطته بجميع شئون المسلمين كما أمر الله كانت واضحة تماما في هذا العصر الزاهر الذي يعتبر امتداداً لعصر النبوة ولا زال الأمر كذلك في العصور الإسلامية التالية، مع شيء من الضعف الذي أصبح شديداً في القرون المتأخرة، حيث غلبت العادات القبلية والتقاليد الواردة من الأمم الأخرى على الأحكام الشرعية.

    الدليل الثاني: إقرار العقل الصحيح بشمولية رسالة الإسلام، فإن العقل والاستنتاج لا يتصور أن الله سبحانه يترك خلقه مهملين دون ما رعاية ترعاهم وعناية تحوطهم في كل ما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، لأن هذا لو حصل لاعتبر تقصيرا وتفريطا لا يليق بالله سبحانه وحاشاه من ذلك، فكيف وإذا كانت هذه الشريعة هي خاتمة الشرائع بنبيها وكتابها.

    لذلك فإن التشريع الإسلامي يشمل أحوال الناس وينظمها في كل الأحوال ينظم أحوال الفرد والأسرة، وينظم شئون الدولة في الثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد، يحدد السياسة الداخلية والخارجية وصلة الدولة بالأعداء والأصدقاء في حالة السلم والحرب، ويحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم والعلاقة بين العامل ورب العمل وبين الابن وأبويه والزوج وزوجه.

    الثانية: العدل:
    ومن أعظم مزايا الشريعة الإسلامية، تميزها بالعدل في المبادئ وعند التطبيق، وصور العدل في التشريع الإسلامي كثيرة متعددة، يدركها من يمعن النظر في أحكامه ويتدبرها بتجرد وإخلاص، فأحكام الأسرة وحقوق الأفراد وواجباتهم في الأسرة لا تماثلها أحكام مما تواضع عليه البشر واعتادوه، فالأب له حقوقه وعليه التزاماته، والأم كذلك، والأبناء المكلفون كذلك، ونجد هذه القاعدة الفريدة في التعامل بين الزوجين المتمثلة في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَة) [البقرة: 299].

    وتتدرج صور العدل في أحكام الشريعة حتى تعم الفئات كلها والحياة جميعها بل إن أعداء الإسلام ينالون نصيبًا كبيرًا من هذا العدل، يقول الله تبارك وتعالى: (لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].

    أما عند التطبيق، فقد طالب الإسلام المسلمين والعلماء منهم خاصة وولاة الأمر بتحري العدل في تطبيق الأحكام، أو عند استنباطها، فوضع قوالب عامة ومعايير دقيقة ومقاييس عادلة لاستنباط الأحكام، فالأحكام الاجتهادية ليست عشوائية في استنباطها ولا ارتجالية في وضعها، ولكنها محكومة بقواعد وأصول فلابد أن تكون منسجمة مع الأصول العامة للشريعة، والقواعد الأساسية، والغايات والأهداف الكبرى، ويمكن الرجوع إلى هذا الموضوع في كتب أصول الفقه.

    وفي مجال التطبيق كذلك فقد حث الله سبحانه المسلمين عامة وولاة الأمر بصفة خاصة على العدل، وحث على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا".

    الثالثة: المصلحة:
    ومن أهم معالم الشريعة الإسلامية تميزها بحرصها على كل ما فيه مصلحة للبشر، حتى صار ذلك من قواعد الدين وأصول الفتيا؛ يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "والشريعة ما وُضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم"، ويقول الإمام ابن القيم الجوزية: "الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها".

    أما في التطبيق فإن وقائع المسلمين وفتاوى علمائهم في القديم والحديث حاوية بأمثلة كثيرة على ذلك، غير أن المصلحة ليست أمرًا عامًا يسوغ العمل به دون ضوابط، لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بالأحكام التشريعية، وقد وضع الفقهاء شروطاً يجب إستيفاؤها قبل الإذن بالعمل بالمصلحة، وهي :

    1 - أن تكون منسجمة مع مقاصد الشرع ، غير معارضة لنص قطعي ولا لأصل من الأصول .

    2 - أن يرفع بها مشقة واقعة أو حرجاً لازماً.

    3- أن تكون عامة للأمة وليست خاصة لأفراد معدودين.

    4- أن لا تتعارض مع مصلحة أكبر أو تتسبب في مفسدة أخطر.

    وبهذه الضوابط وبهذا الحرص على صالح الناس، تنسجم الشريعة الإسلامية مع أحوال الناس في كل مكان وزمان.

    الرابعة: اليسر:
    من مزايا التشريع الإسلامي الاتجاه إلى التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في الحرج والضيق والمشقة وهذا واضح من الآيات والأحاديث الكثيرة يقول جل ذكره: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]، ويقول سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُم)[النساء: 28].

    أما هديه صلى الله عليه وسلم في ذلك فتقول السيدة عائشة رضى الله عنها: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ".

    وهذا واضح في العبادات من صلاة وصوم وحج، وكذلك في المعاملات فإنها مبنية على التيسير على الناس وعدم إيقاعهم في المشقة والحرج، أما فيما يتصل بحقوق الناس إن كانت في الأموال أو الدماء أو الأعراض، فهذه ينبغي أن يمكن صاحب الحق من حقه، ولكن برفق، لذلك فإن أي نظام يسن ينبغي أن يراعى فيه التيسير والرفق بمن وضع لهم والرحمة بهم.

    الخامسة: الحكمة:
    والحكمة هي: وضع الشيء في موضعه المناسب، ونلاحظ الحكمة في التشريع الإسلامي في عدة مواضع, فمنها فيما يختص بالإرث وتقسيمه بنسب معينة, نلاحظ أنها في منتهى الحكمة, فعندما نقارن بين أنصبة البنين والبنات والأخوة والأخوات والأبوين والزوجين, نجدها تتناسب مع مسئولياتهم ومع واجباتهم وصلتهم بالميت, وعندما نلاحظ العقوبات وتفاوتها من حد إلى حد ومن جناية إلى جناية نجد التناسب التام والانسجام الدقيق العقوبة والجريمة, وكذلك نجد الحكمة في تفاوت أنصبة الزكاة ومقاديرها من مال إلى مال, كذلك العبادات فأحكامها في غاية الحكمة, وهذا شأن التشريع الإسلامي وصفته المميزة له الحكمة, فهو من لدن عليهم حكيم.

    السادسة: العناية بالدنيا والآخرة:
    من المميزات الرئيسية للتشريع الإسلامي بصفة عامة، أنه شامل للدنيا والآخرة، علاج للظاهر والباطن، فهو لا يكتفي بعلاج الظاهر دون الباطن، ولا يكتفي بالحديث عن الدنيا دون الحديث عن الآخرة.

    ولذلك فإن النظم الإسلامية كلها يجب أن تكون مبنية على الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر وبالبعث بعد الموت والمجازات بالعمل إن خيراً فخيرا وإن شراً فشراً، ولاشك أن النظم التي ترتكز على هذه القواعد العظيمة، وتعتبر مستمدة من المنهج الإلهي لا شك أنه سوف يكون لها قدسية في نفوس الناس وأثر كبير وهيبة عظيمة، وإن المسلم الذي يعتقد أنه أن أفلت في الدنيا من قبضة الحاكم فلن يفلح في الآخرة من قبضة الله سبحانه وأنه له بالمرصاد، وأن أعماله وحركاته وسائر تصرفاته مرصودة وأن أنفاسه محسوبة معدودة.

    وهذا بخلاف القوانين الوضعية التي لا ترتكز على دعائم من الإيمان في جوهرها، ولا تراعي أحاسيس الإنسان ومشاعره في أسلوبها، فهي مجرد أوامر ونواه جافة، تكتفي بعلاج الظاهر والحديث عن الدنيا على ضعف في العلاج وقصور في الحديث وركاكة في الأسلوب.

    السابعة: العصمة والصدق:
    ومن أعظم مزايا الشريعة الإسلامية أنها معصوما عن الخطأ، معصوما عن التحريف والتبديل والتغيير، وذلك لأنها من عند الله تبارك وتعالى خالق الإنسان والخبير بما ينفعه ويضره، كما أن الله عزوجل تعهد بحفظ كتابه وحفظ شريعته من أي تحريف أو تزييف أو انحراف.

    يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله-: إن هذه الشريعة معصومة كما أن صاحبها صلى الله عليه وسلم معصوم، وكما كانت أمته فيما اجتمعت عليه معصومة ثم دلل على ذلك بأمرين:

    الأول:من القرآن الكريم حيث قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

    والثاني: دليل الاعتبار الوجودي الواقع من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن.

    وكما تعتبر هذه الشريعة معصومة، فهي صادقة مصيبة يقول الله جل وعلا: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) [النساء: 87]، ويقول تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9]، ويصف الله القرآن فيقول: (َلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) [النساء: 82].

    هذه هي أهم مميزات الشريعة الإسلامية التي تجعلها بحق أفضل الشرائع والتي تلزم كل من أقر بها أن يؤمن ويعمل بها لا أن ينحرف ويضل عنها؛ غير أن البعض قد يتهم الشريعة الإسلامية بالقسوة وذلك بسبب الحدود والعقوبات المقدرة, ونرد على هذه الشبهة في النقاط التالية:

    ماذا عن العقوبات والحدود؟
    يتهم غير المنصفين الإسلام بأن أحكامه قاسية ويدللون على ذلك بالحدود التي قررتها الشريعة الإسلامية لمرتكبي الجرائم المختلفة من السرقة والزنا والقتل، غير أن المتبصر والمتأمل في مقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها لأدرك عظمة هذا الدين، فهو ليس الدين الفرد الواحد الذي يقدم شهواته ورغباته على صالح المجتمع والأمة، بل هو دين جماعي مجتمعي يحافظ على وحدة المجتمع وينفى عنه ما يضره، وبالتأكيد فإن مكونات هذا المجتمع هم الأفراد أنفسهم، وإنما نهت الشريعة الإسلامية عن الأشياء التي تعتبرها جرائم لا لشيء إلا لأن في ارتكابها أضراراً جسيمة تلحق بنظام المجتمع وعقائده أو بأمنه وكرامته أو بحياة أفراده وأموالهم وأعراضهم ومشاعرهم.
    والحكمة من الحدود في الشرع الحنيف هي معالجة الأمراض الاجتماعية فإذا نظرنا إلى المجتمع كوحدة واحدة وجسم واحد، ونظرنا إلى الأفراد وهم يمثلون خلايا الجسم وأعضائه وأطرافه، أمكننا أن نتصور كيف أن إيقاع العقوبات على بعض الأفراد يعتبر علاجاً للمجتمع، تماماً كما يعالج جسم الإنسان، إما بأدوية مرة، أو بالمضاد، أو بالشق والجراحة، وقـد يصل الأمر إلى بتر العضو وإزالته حتى لا يكون سببا في تلف الجسم كله، وهذا ما يحصل لخلايا وأعضاء هذا الجسم الكبير المجتمع، فقد يعالج بعض أفراده بالجَلد، أو الهجر أو الحبس أو القطع أو القتل إذا لزم الأمر.

    ويحسن بنا أن ننقل مقارنة عقدها الأستاذ القانوني عبد القادر عودة رحمه الله في كتابه التشريع الجنائي الإسلامي حيث قال: "فإذا قدرنا أن الجرائم التعزيرية التي يمكن العقاب عَليها بالقتل تصل إلى خمس جرائم، كانت كل الجرائم المعاقب عليها بالقتل في الشريعة لا تزيد على عشر جرائم عند من يجيزون القتل تعزيرا، وكان عددها لا يزيد على خمس جرائم عند من لا يجيزون القتل تعزيرا، وتلك ميزة انفردت بها الشريعة الإسلامية من يوم نزولها، فهي لا تسرف في عقوبة القتل ولا تفرضها دون مقتضى، ونستطيع أن نحيط بمدى تفوق الشريعة في هذه الوجهة، إذا علمنا أن القوانين الوضعية كانت إلى آواخر القرن الثامن عشر تسرف في عقوبة القتل إلى حد بعيد، بحيث كان القانون الإنجليزي مثلا يعاقب على مائتي جريمة بالإعدام، والقانون الفرنسي يعاقب على مائة وخمس عشرة جريمة بالإعدام".

    وإن كان الغرب قد ألغى عقوبة الإعدام في هذا العصر واتخذ بدلاً منها عقوبة الحبس والسجن، فإن السجن المؤبد أو الطويل الأجـل ليس إلا قتلا بالتقسيـط للمجرم، وقتلا لأسرته معه، فلا هو بالميت الذي استراح من عناء السجن ورهبته وأفضى إلى ما قدم من خير أو شر، ولا هو بالمطلق سراحه ليعمل ويكدح، وكم تعاني أسرة السجين من الشقاء والضياع، وكم تفقد من العناية والرعاية.

    لقد لخص "عبد القادر عودة"رحمه الله عيوب عقوبة الحبس بعدة نقاط؛ فذكر منها:
    أولا: إرهاق خزانـة الدولة وتعطيل الإنتاج: حيث تتحمل الدولة نفقات كبيرة لإعداد السجون وصيانتها والعناية بها، ومع ذلك فلا يزال السجناء يعانون في كثير من الدول من قلة العناية والرعاية.

    ثانيا: إفساد المسجونين: ويقول بهذا الصدد وكان من الممكن أن تتحمل الجماعة هذه الخسارة الكبيرة سنوياً أي نفقات هذا السجن والسجناء لو كانت عقوبة الحبس تؤدي إلى إصلاح المسجونين، ولكنها في الواقع تؤدي بالصالح إلى الفساد وتزيد الفاسد فساداَ على فساده، فالسجن يجمع بين المجرم الذي ألف الإجرام وتمرس بأساليبه، وبين المجرم المتخصص في نوع من الإجرام وبين المجرم العادي، كما يضم السجن أشخاصاً ليسوا بمجرمين حقيقين، وبذلك أصبح السجن مدرسة إجرامية يلقن فيها المجرمون العتاة والمعتادون المبتدئين من المجرمين.

    إلى أن قال: ولقد دلت المشاهدات على أن الرجل يدخل السجن لأمر لا يعتبره العرف جريمـة كضبط قطعة سلاح معه، وكان المعروف عنه قبل دخوله السجن أنه يكره المجرمين ويأنف أن يكون منهم، فإذا خرج من السجن حبب إليه الإجرام واحترافه بل صار يتباهى به.

    ثالثا: قتل الشعور بالمسئولية: فوق أن عقوبة الحبس غير رادعة فإنها تؤدى إلى قتل الشعور بالمسئولية في نفوس المجرمين، وتحبب إليهم التعطل، خاصة من يقضى منهم مدة طويلة في السجن.

    رابعا: انعدام قوة الردع: إن عقوبة الحبس قد فرضت على أساس أنها عقوبة رادعة ولكن الواقع قد أثبت أنها لا فائدة منها ولا أثر لها في نفوس المجرمين، فالذين يعاقبون بالأشغال الشاقـة وهى أقصى أنواع الحبس لا يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا لارتكاب الجرائم، ولو كانت العقوبة رادعة لما عادوا، لما عوقبوا عليه بهذه السرعة ثم ذكر إحصائيات تدعم ذلك.

    خامسا: ازدياد سلطان المجرمين بعد خروجهم من السجن وتمردهم على المجتمع.

    من خلال هذه النظرة السريعة يتضح لنا بجلاء أن العقوبات الإسلامية أفضل بكثير من العقوبات الوضعية التي تتمثل أكثر مما تتمثل بالسجن المؤقت أو المؤبد والذي ذكرنا شيئا من عيوبه.

    ضمانات تنفيذ الحدود الشرعية:
    إضافة إلى هذه الفوائد التي ذكرناها، فإن الحدود والعقوبات في الشريعة الإسلامية أُحيطت بضمانات كثيرة حتى تنحصر في أضيق دائرة ممكنة فالحدود تدرأ بالشبهات والإثبات فيها اقترن بضمانات قوية تمنع الكذب كما أن الإسلام في تطبيقه القضائي ما سوغ لأحد التتبع والتجسس على الناس (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا) [الحجرات: 12].

    فلا تجسس ولا تتبع للعورات بل إنّ العقاب يكون حيث يتحقق الإثبات فهو مفسدة ودفعها مصلحة.

    إن من ينظر إلى الحدود في جريمتي الزنا والسرقة، يلاحظ أنها لا تثبت إلا عن طريقين فقط.

    الطريقة الأولى : طريِقة الاعتراف الصحيح، الخالي من الموانع، الصادر من عاقل بالغ، وفى حالة معتبرة شرعاً، دون إكراه أو ضرورة، وأن يثبت على إقراره حتى يتم تنفيذ العقوبة فيه، وله الحق أن يرجع عن إقراره ولو بعد الشروع في معاقبته، فأي شدة أو قسوة في ذلك؟.

    الطريقة الثانية : أن تثبت هذه الحدود عن طريق الشهادة، وإنها لطريق صعبة، ومسلك وعر، فقد وضعت شروط دقيقة عديدة، قل أن تتوفر، خاصة بالنسبة للزنا، فهناك شروط في الشاهد، وهناك شروط في الشهادة وشروط في الإحصان، وشروط في الزنا، ومن النادر جدا أن تتوفر هذه الشروط في قضية من القضايا.

    ولعلنا قبل أن نترك تلك النقطة ننقل شهادة أوروبي عن نتائج وآثار العقوبات الإسلامية في المجتمع الإسلامي، وآثار العقـوبات الوضعية في المجتمعات الأخرى، ينقل لنا الأستاذ أبو الحسن الندوي انطباعات الأستاذ محمد أسد، وهو من النمسا عندما زار دمشق في أول القرن العشرين الميلادي، يوم كانت دمشق تعيش تحت ظل الخلافة العثمانية، على ما كان فيها من تقصير وإهمال يقول: "وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أحدهم يتصرف بها نحو الآخر، ثم يسترسل فيقول: وفي الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعاملون بعضهم بعضا، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة الذين كانوا يبدون وكأنـما ليس فيهم أيما قدر من الخوف أو الحسد، حتى إن صاحب دكان فيهم ليترك دكانـه في عهدة جاره ومزاحمة، كل ما دعته حاجته إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبونا يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه، يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع أو ينتقل إلى الدكان المجـاور، فيتقدم التاجر المجاور دائما "التاجر المزاحم "، ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة، لا بضاعته هو بل بضاعة جاره الغائب، ويـترك له الثمن على مقعـده، أين في أوروبا يستطيـع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة".

    هذه هي الشريعة الإسلامية، وتلك مميزاتها وهذا رد على أهم الشبهات المحيطة بها، فأين المنصفون والعقلاء.

    يتبع ..
    12- ثبوت نبوة خير الأنام بدليل الإلزام ..
    ............................

  11. #26

    افتراضي

    12- ثبوت نبوة خير الأنام بدليل الإلزام ..

    تعرضنا في المحاور السابقة إلى المنهج النظري العقلي الذي اتبعه هرقل للتأكد من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعرض الآن دليلا جدليًا لم يأتي في قصة هرقل إلا إنه من الدلائل الهامة التي تثبت نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو دليل الإلزام، وهو دليل جدلي يستخدم عند مجادلة أهل الكتاب أو مناظرتهم بشأن نبوة خير الأنام صلى الله عليه وسلم.

    دليل الإلزام:
    الغاية من هذا الدليل هو إقامة الحجة على من يقر بنبوة موسي وعيسي عليهما السلام وينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان لهؤلاء الأنبياء والرسل دلائل على نبوتهما وصدقهما، فإن دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر وأظهر.

    فنسأل أهل الكتاب من اليهود: ما الذي جعلكم تؤمنون بموسي عليه السلام؟، عندها سوف تنحصر إجابتهم في الحديث عن دلائل نبوته عليه السلام من معجزات، وأخلاق، وتأييد الله له، ورسالته ومبادئها، أو غير ذلك من الأدلة.

    وتكون إجابتنا عليهم عندها: إن كل ما ذكرتموه، فهو موجود في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل أكثر من ذلك وأظهر وأوضح.

    فمعجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تجاوزت ألفًا وهي ظاهرة وواضحة وأعظم من معجزات موسي عليه السلام، فمن معجزاته صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر وهي تفوق معجزة شق البحر لموسي عليه السلام، ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم نبع الماء من بين أصابعه وهي تفوق معجزة ضرب موسي الحجر بالعصا فنبعت منه أعين الماء، وهكذا فما من معجزة أجراها الله عزوجل على يد نبي من الأنبياء السابقين إلا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها وأكثر وأظهر، ويكفيه رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةً هذا القرآن الكريم المعجز في لغته وبلاغته، والمعجز في تشريعه، والمعجز بما كشفه من حقائق علمية لم تعرف إلا في العصور المتأخرة، والمعجز بما حواه من حقائق تاريخية وقصص الأمم السابقة ما لم يأتي في كتب السابقين مع تناسق وتماسك ووضوح وأسلوب أبلغ وأوضح من أسلوب الكتب السابقة.

    أما أخلاقه صلى الله عليه وسلم فقد ذكرنا منها طائفة في هذه الرسالة ورأينا كيف أنه صلى الله عليه وسلم كان في قمة الأخلاق وتمتع بتوازن نفسي وسلوكي لا يكون إلا لمن أدبه ربه عزوجل فأحسن تأديبه صلى الله عليه وسلم.

    أما دعوته ورسالته صلى الله عليه وسلم فهي أكمل الشرائع وأفضلها، وقد عرضنا مميزات الشريعة الإسلامية ورددنا على أهم شبهة يلقيها أعداء الإسلام.

    لذلك فإن أهل الكتاب إذا أقروا بما سقناه لهم من أدلة وبراهين فلا يسعهم إلا أن يصدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا بشرعته.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب النبوات: "ثم نبوة عين هذا النبيّ تكون ظاهرة؛ لأنّ الذي جاء به أكمل مما جاء به جميع الأنبياء، فمن أقرّ بجنس الأنبياء، كان إقراره بنبوة محمّد في غاية الظهور، أبين مما أقرّ أنّ في الدنيا نحاة، وأطباء، وفقهاء .. ولهذا كان من نازع من أهل الكتاب في نبوة محمد إما أن يكون لجهله بما جاء به، وهو الغالب على عامتهم، أو لعناده وهو حال طلاب الرياسة بالدين منهم، والعرب عرفوا ما جاء به محمد. فلمّا أقرّوا بجنس الأنبياء، لم يبق عندهم في محمّد شكّ.

    وجميع ما يذكره الله تعالى في القرآن من قصص الأنبياء، يدلّ على نبوّة محمّد بطريق الأولى؛ إذ كانوا من جنس واحد، ونبوّته أكمل، فينبغي معرفة هذا، فإنّه أصل عظيم، ولهذا جميع مشركي العرب آمنوا به، فلم يحتج أحد منهم أن تؤخذ منه جزية. فإنّهم لما عرفوا نبوته، وأنّه لا بُدّ من متابعته، أو متابعة اليهود والنصارى، عرفوا أنّ متابعته أولى".

    وناقش شيخ الإسلام ابن تيمية أهل الكتاب الذين يؤمنون بنبوة موسي وعيسي عليهما السلام، وينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: "وإما أن لا يقروا برسالته إلى العرب ولا غيرهم بل قالوا فيه ما كان يقوله مشركو العرب من أنه شاعر أو ساحر أو مفتر كاذب ونحو ذلك؛ فيقال لهم فدليلكم أيضا باطل ولا يجوز أن تحتجوا بتقدير تكذيبكم لمحمد بشيء من كلام الأنبياء قبله سواء صدقتم محمدا صلى الله عليه وسلم في جميع ما يقوله أو في بعضه أو كذبتموه فدليلكم باطل فيلزم بطلان دينكم على كل تقدير وما ثبت بطلانه على كل تقدير فهو باطل في نفس الأمر فيثبت أنه باطل في نفس الأمر، وذلك أنكم إذا كذبتم محمدا لم يبق لكم طريق تعلمون به صدق غيره من الأنبياء فيمتنع مع تكذيبه القول بصدق غيره بل من اعتقد كذبه وصدق غيره لم يكن عالما بصدق غيره بل يكون مصدقا لهم بغير علم وإذا لم يكن عالما بصدقهم لم يجز احتجاجه قط بأقوالهم بل ذلك قول منه بلا علم ومحاجة فيما لا علم له بها فإن الدلائل الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكثر من الدلائل الدالة على صدق موسى وعيسى ومعجزاته أعظم من معجزات غيره والكتاب الذي أرسل به أشرف من الكتاب الذي بعث به غيره والشريعة التي جاء بها أكمل من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام وأمته أكمل في جميع الفضائل من أمة هذا وهذا ولا يوجد في التوراة والإنجيل علم نافع وعمل صالح إلا وهو في القرآن أو مثله أو منه وفي القرآن من العلم النافع والعمل الصالح ما لا يوجد مثله في التوراة والإنجيل فما من مطعن من مطاعن أعداء الأنبياء يطعن به على محمد صلى الله عليه وسلم إلا ويمكن توجيه ذلك الطعن وأعظم منه على موسى وعيسى .. فيمتنع الإقرار بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام مع التكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يفعل ذلك إلا من هو من أجهل الناس وأضلهم أو من أعظمهم عنادا واتباعا لهواه وذلك أن هؤلاء القوم احتجوا بما نقلوه عن الأنبياء ولم يذكروا الأدلة الدالة على صدقهم بل أخذوا ذلك مسلما وطلبوا أن يحتجوا بما نقلوه عن الأنبياء قبله وبما نقلوه عنه على صحة دينهم وهذه حجة داحضة سواء صدقوه أو كذبوه فإن صدقوه بطل دينهم وإن كذبوه بطل دينهم؛ فإنهم إن صدقوه فقد علم أنه دعاهم وجميع أهل الأرض إلى الإيمان به وطاعته كما دعا المسيح وموسى وغيرهما من الرسل وأنه أبطل ما هم عليه من الاتحاد وغيره وكفرهم في غير موضع ولهذا كان مجرد التصديق بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو إلى العرب يوجب بطلان دين النصارى واليهود وكل دين يخالف دينه فإن من كان رسولا لله فإنه لا يكذب على الله ومحمد صلى الله عليه وسلم قد علم منه أنه دعا النصارى واليهود إلى الإيمان به وطاعته كما دعا غيرهم وأنه كفر من لم يؤمن به ووعده النار وهذا متواتر عنه تواترا تعلمه العامة والخاصة وفي القرآن من ذلك ما يكثر ذكره".

    وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: "والمقصود هنا أنهم سواء صدقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم أو كذبوه فإنه يلزم بطلان دينهم على التقديرين؛ فإنه إن كان نبيا صادقا فقد بلغ عن الله في هذا الكتاب كفر النصارى في غير موضع ودعاهم إلى الإيمان به وأمر بجهادهم فمن علم أنه نبي ولو إلى طائفة معينة يجب تصديقه في كل ما أخبر به وقد أخبر بكفر النصارى وضلالهم وإذا ثبت هذا لم يغن عنهم الاحتجاج بشيء من الكتب والمعقول بل يعلم من حيث الجملة أن كل ما يحتجون به على صحة دينهم فهو باطل وإن لم يبين فساد حججهم على التفصيل لأن الأنبياء لا يقولون إلا حقا كما أن المسيح عليه السلام لما حكم بكفر من كذبه من اليهود كان كل ما يحتج به اليهود على خلاف ذلك باطلا فكل ما عارض قول النبي المعصوم فهو باطل؛ وإن كذبوا محمدا تكذيبا عاما مطلقا وقالوا ليس هو نبي أصلا ولا أرسل إلى أحد لا إلى العرب ولا إلى غيرهم بل كان كذابا امتنع مع هذا أن يصدقوا بنبوة غيره فإن الطريق الذي يعلم به نبوة موسى وعيسى يعلم به نبوة محمد بطريق الأولى فإذا قالوا علمت نبوة موسى والمسيح بالمعجزات وعرفت المعجزات بالنقل المتواتر إلينا قيل لهم معجزات محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ والكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكمل وأمته أفضل وشرائع دينه أحسن وموسى جاء بالعدل وعيسى جاء بتكميلها بالفضل وهو قد جمع في شريعته بين العدل والفضل".
    ............................

  12. #27

    افتراضي

    الخاتمة ..

    ماذا بعد:
    بعد ما أوردناه في هذا الكتاب من دلائل نبوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نقول إن على كل من قرأ تلك الدلائل أو أطلع أن يعلم أن تلك الدلائل هي أدلة على صدق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأعظم ما صدق فيه محمد صلى الله عليه وسلم تبليغه بأنه نبي مرسل من الرب الرحيم للبشرية جمعاء.

    فما سقناه في هذا الكتاب من أخبار وآثار ليس من أجل الإشادة بحسن أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، ولكن سقناها من أجل الإيمان بنبوته ورسالته وتصديقه فيما أبلغ عن ربه وطاعته فيما أمر.

    ونود أن نشير هنا إلى أن الهدف من دراسة سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ليس الإشادة بعبقريته ولكن للتدليل بعبقريته صلى الله عليه وسلم على نبوته، فما اصطفاه الله عزوجل إلا وهو يعلم أنه في الغاية العليا من حسن الأخلاق وعبقرية الأفعال، ويحسن الإشارة هنا إلى أمر قد يغفل بعض المسلمين عند سماعهم أقوال الغربيين بحق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم واعترافهم بشيمه وعظيم أخلاقه، فكثيرون من الغربيين يشيدون بتلك الأخلاق ويقفون عند هذا الأمر ولا يتجاوزونها إلى ما يجب بشأنه صلى الله عليه وسلم من التصديق برسالته والإيمان بنبوته.

    وقد أشار شيخ الإسلام "ابن تيمية" رحمه الله إلى هذه النقطة في كتابه الماتع "الجواب الصحيح"، فقال: "فسواء قالوا هو ملك عادل أو هو عالم من العلماء أو هو رجل صالح من الصالحين أو جعلوه قديسا عظيما من أعظم القديسين فمهما عظموه به ومدحوه به لما رأوه من محاسنه الباهرة وفضائله الظاهرة وشريعته الطاهرة متى كذبوه في كلمة واحدة مما جاء به أو شكوا فيها كانوا مكذبين له في قوله إنه رسول الله وأنه بلغ هذا القرآن عن الله ومن كان كاذبا في قوله إنه رسول الله لم يكن من الأنبياء والمرسلين ومن لم يكن منهم لم يكن قوله حجة البتة لكن له أسوة أمثاله .. فتبين أنه إن لم يقر المقر لمن ذكر أنه رسول الله بأنه صادق في كل ما يبلغه عن الله معصوم عن استقرار الكذب خطأ أو عمدا لم يصح احتجاجهم بقوله.

    وهذا الأصل يبطل قول عقلاء أهل الكتاب وهو لقول جهالهم أعظم إبطالا فإن كثيرا من عقلاء أهل الكتاب وأكثرهم يعظمون محمدا صلى الله عليه وسلم لما دعا إليه من توحيد الله تعالى ولما نهى عنه من عبادة الأوثان ولما صدق التوراة والإنجيل والمرسلين قبله ولما ظهر من عظمة القرآن الذي جاء به ومحاسن الشريعة التي جاء بها وفضائل أمته التي آمنت به ولما ظهر عنه وعنهم من الآيات البراهين والمعجزات والكرامات لكن يقولون مع ذلك إنه بعث غيرنا وإنه ملك عادل له سياسة عادلة وإنه مع ذلك حصل علوما من علوم أهل الكتاب وغيرهم ووضع لهم ناموسا بعلمه ورتبه كما وضع أكابرهم لهم القوانين والنواميس التي بأيديهم.

    ومهما قالوه من هذا فإنهم لا يصيرون به مؤمنين به ولا يسوغ لهم بمجرد ذلك الاحتجاج بشيء مما قاله لأنه قد عرف بالنقل المتواتر الذي يعلمه جميع الأمم من جميع الطوائف أنه قال إنه رسول الله إلى جميع الناس وأن الله أنزل عليه القرآن فإن كان صادقا في ذلك فمن كذبه في كلمة واحدة فقد كذب رسول الله ومن كذب رسول الله فهو كافر وإن لم يكن صادقا في ذلك لم يكن رسولا لله بل كان كاذبا ومن كان كاذبا على الله يقول الله أرسلني بذلك ولم يرسله به لا يجوز أن يحتج بشيء من أقواله".

    إذن فإن المنتظر من قارئ هذا الكتاب أن يمعن فيه بنظره ويعمل فيه عقله، فإن كان مسلمًا فيزيده ما جاء في الكتاب إيمانًا بالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فيقوم بحقوقه من تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وإتباعه فيما فعل صلى الله عليه وسلم.

    أما إذا كان القارئ غير مسلم فإننا ندعوه إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم لما رآه من دلائل باهرة على صدقه وصدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم، فلا يمنعن كبره أو حسده أن يقر بالحق ويشهد بكلمة التوحيد، ونقول له لا يكفي منك أن تشهد بعبقرية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل عليك أن تتبع ذلك بالإيمان به صلى الله عليه وسلم.
    ولقد أوجب الله سبحانه وتعالى على الثقلين – الإنس والجن – الذين أدركتهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.

    يقول تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: 158]، وقال تعالى في حق من لم يؤمن: (وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً) [الفتح: 13].

    ولقد وردت في السنة أحاديث كثيرة جدا تدل على وجوب الإيمان به صلى الله عليه وسلم على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، روى أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع لي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".

    و"الإيمان بالرسول: هو تصديقه وطاعته وإتباع شريعته"، فهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    أما تصديقه صلى الله عليه وسلم فيتعلق به أمران عظيمان:
    أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به صلى الله عليه وسلم.
    ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:
    1- الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنهم.
    2- الإيمان بكونه خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات.
    3- الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
    4- الإيمان بأنه صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة وأكملها وأدى الأمانة ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.
    5- الإيمان بعصمته صلى الله عليه وسلم.
    6- الإيمان بماله من حقوق خلاف ما تقدم ذكره كمحبته وتعظيمه صلى الله عليه وسلم.

    الثاني:"تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب إتباعه، وهذا يجب عليه صلى الله عليه وسلم وعلى كل أحد".

    أما طاعته وإتباع شريعته، فالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به صلى الله عليه وسلم، وهي تعني: الانقياد له صلى الله عليه وسلم وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالا لقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر:7].

    فيجب على الخلق إتباع شريعته والالتزام بسنته مع الرضا بما قضاه والتسليم له، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله وأن معصيته معصية لله لأنه هو الواسطة بين الله وبين الثقلين في التبليغ.

    وبهذا يتحقق الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وينال المرء الصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.

    وفي الختام أسال الله عزوجل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بالرضي والقبول والتكريم، وأن ينفع الله به المسلمين والمؤمنين، وأن يجمعنا مع نبيه صلى الله عليه وسلم في الجنة ويحشرنا تحت رايته بعد أن يحيينا على سنته ويمتنا على شرعته.

    وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    تم بحمد الله ..
    21/ 10/ 1428 هـ

    ............................

  13. افتراضي

    السلام عليكم

    احيكي اختي قرآن الفجر علي هذه التغطية الرائعة لهذا الموضوع الهام.

    سلمت وسلمت يمناك وسارت للجنة خطاك.

    ادعو الله ان ينفع به كل من زار هذا المنتدي وان يجعله في ميزانك وان يجعله الله نصرة لنبيه

    جزاك الله خيرا
    التعديل الأخير تم 11-03-2007 الساعة 05:09 AM
    (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (الكهف : 57 ))

  14. #29

    افتراضي

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    حيا الله الجويرية ..
    اللهم آمين .. جميعاً
    هلا عزيزتي
    ............................

  15. #30

    افتراضي

    موضوع رائع

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (6)
    بواسطة أحمــــد في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 06-13-2007, 02:23 AM
  2. المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (5)
    بواسطة أحمــــد في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 06-08-2007, 02:01 AM
  3. المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (4) ..
    بواسطة قرآن الفجر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 06-01-2007, 02:46 AM
  4. المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (2)
    بواسطة قرآن الفجر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 05-23-2007, 09:28 PM
  5. المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم (1)
    بواسطة قرآن الفجر في المنتدى قسم العقيدة والتوحيد
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 04-30-2007, 01:30 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء