المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القضاء والقدر وكفر من كذب بها من البشر



باسل
09-25-2004, 04:08 AM
رد شيخ الاسلام فى من يقول ان الله لم يخلق افعال العباد .

الباب الثامن عشر :في فَعَل وأَفْعل في القضاءِ والقَدَرِ والكسْب وذِكْر الفِعْل والانْفِعَال
ينبغي الإعتناء بكشف هذا الباب وتحقيق معناه، فبذلك ينحل عن العبد أنواع من ضلالات القدرية والجبرية حيث لم يعطوا هذا الباب حقه من العرفان.
اعلم أن الرب سبحانه فاعل غير منفعل، والعبد فاعل منفعل، وهو في فاعليته منفعل للفاعل الذي لا ينفعل بوجه.
فالجبرية شهدت كونه منفعلاً يجري عليه الحكم بمنزلة الآلة والمحل، وجعلوا حركته بمنزلة حركات الأشجار، ولم يجعلوه فاعلاً إلا على سبيل المجاز، فقام وقعد وأكل وشرب وصلى وصام عندهم بمنزلة مرض وألم ومات، ونحو ذلك مما هو فيه منفعل محضاً. والقدرية شهدت كونه فاعلاً محضاً غير منفعل في فعله.
وكل من الطائفتين نظر بعين عوراء. وأهل العلم والاعتدال أعطوا كلا المقامين حقه، ولم يبطلوا أحد الأمرين بالآخر فاستقام لهم نظرهم ومناظرتهم، واستقر عندهم الشرع والقدر في نصابه، ومهدوا وقوع الثواب والعقاب على من هو أولى به.
فأثبتوا نطق العبد حقيقة، وإنطاق الله له حقيقة، قال تعالى:
وقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا، قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء
فالإنطاق فعل الله الذي لا يجوز تعطيله، والنطق فعل العبد الذي لا يمكن إنكاره، كما قال تعالى:
فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون
فعلم أن كونهم ينطقون هو أمر حقيقي حتى شبه به في تحقيق كون ما أخبر به، وأن هذا حقيقة لا مجاز، ومن جعل إضافة نطق العبد إليه مجازاً لم يكن ناطقاً عنده حقيقة، فلا يكون التشبيه بنطقه محققاً لما أخبر به، فتأمله.
ونظير هذا قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى
فهو المضحك المبكي حقيقة، والعبد الضاحك الباكي حقيقة، كما قال تعالى: فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً
وقال: أفمن هذا الحديث تعجبون* وتضحكون ولا تبكون
فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك.
فإذا أحب عبداً أنطقه بما يحب وأثابه عليه، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه، وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحب على لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه وعلى قلب هذا وما أبكاه.
وكذلك قوله تعالى: هو الذي يسيركم في البر والبحر
وقوله: قل سيروا في الأرض
فالتسيير فعله حقيقة، والسير فعل العبد حقيقة، فالتسيير فعل محض، والسير فعل وانفعال.
ومن هذا قوله تعالى: فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها
فهو سبحانه المزوج ورسوله المتزوج. وكذلك قوله: وزوجناهم بحور عين
فهو المزوج وهم المتزوجون
وقد جمع سبحانه بين الأمرين في قوله: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
فالإزاعة فعله والزيغ فعلهم.
فإن قيل: أنتم قررتم أنه لم يقع منهم الفعل إلا بعد فعله، وأنه لولا إنطاقه لهم وإضحاكه وإبكاؤه لما نطقوا ولا ضحكوا ولا بكوا، وقد دلت هذه الآية على أن فعله بعد فعلهم، وأنه أزاغ قلوبهم بعد أن زاغوا، وهذا يدل على أن إزاغة قلوبهم هو حكمة عليها بالزيغ لا جعلها زائغة، وكذلك قوله: أنطقنا الله المراد جعل لنا آلة النطق، أضحك وأبكى جعل لهم آلة الضحك والبكاء.
قيل: أما الإزاغة المترتبة على زيغهم فهي إزاغة أخرى غير الإزاغة التي زاغوا بها أولاً عقوبة لهم على زيغهم، والرب تعالى يعاقب على السيئة بمثلها كما يثيب على الحسنة بمثلها. فحدث لهم زيغ آخر غير الزيغ الأول، فهم زاغوا أولاً فجازاهم الله بإزاغة فوق زيغهم.
فإن قيل: فالزيغ الأول من فعلهم وهو مخلوق لله فيهم على غير وجه الجزاء وإلا تسلسل الأمر.
قيل: بل الزيغ الأول وقع جزاء لهم وعقوبة على تركهم الإيمان والتصديق لما جاءهم من الهدى، وهذا الترك أمر عدمي لا يستدعي فاعلاً فإن تأثير الفاعل إنما في الوجود لا في العدم.
فإن قيل: فهذا الترك العدمي له سبب أو لا سبب له؟
قيل: سببه عدم سبب ضده فيبقى على العدم الأصلي، ويشبه هذا قوله:
ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم
عاقبهم على نسيانهم له بأن أنساهم أنفسهم فنسوا مصالحهم أن يفعلوها، وعيوبها أن يصلحوها، وحظوظها أن يتناولوها.
ومن أعظم مصالحها وأنفع حظوظها ذكرها لربها وفاطرها، وهي لا نعيم لها ولا سرور ولا فلاح ولا صلاح إلا بذكره وحبه وطاعته والإقبال عليه والإعراض عما سواه، فأنساهم ذلك لما نسوه، وأحدث لهم هذا النسيان نسياناً آخر.
وهذا ضد حال الذين ذكروه ولم ينسوه، فذكرهم مصالح نفوسهم ففعلوها، وأوقفهم على عيوبها فأصلحوها، وعرفهم حظوظها العالية فبادروا إليها، فجازى أولئك على نسيانهم بأن أنساهم الإيمان ومحبته وذكره وشكره، فلما حلت قلوبهم من ذلك لم يجدوا عن ضده محيصاً.
وهذا يبين لك كمال عدله سبحانه في تقدير الكفر والذنوب عليها، وإذا كان قضاؤه عليها بالكفر والذنوب عدلاً منه عليها فقضاؤه عليها بالعقوبة أعدل وأعدل، فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه.
وله فيها قضاآن: قضاء السبب، وقضاء السبب، وقضاء المسبب، وكلاهما عدل فيه، فإنه لما ترك ذكره وترك فعل ما يحبه عاقبه بنسيان نفسه، فأحدث له هذا النسيان ارتكاب ما يبغضه ويسخطه بقضائه الذي هو عدل، فترتب له على هذا الفعل والترك عقوبات وآلام لم يكن له منها بد، بل هي مترتبة عليه ترتب المسببات على أسبابها، فهو عدل محض من الرب تعالى، فعدل في العبد أولاً وآخراً، فهو محسن في عدله محبوب عليه محمود فيه، يحمده من عدل فيه طوعاً وكرهاً.
قال الحسن : لقد دخلوا النار وإن حمده لفي قلوبهم ما وجدوا عليه سبيلاً. وسنزيد هذا الموضع بسطاً وبياناً في باب دخول الشر في القضاء الإلهي إن شاء الله، إذ المقصود هنا بيان كون العبد فاعلاً منفعلاً، والفرق في هذا الباب بين فعل وأفعل، وأن الله سبحانه أفعل والعبد فعل، فهو الذي أقام العبد وأضله وأماته، والعبد هو الذي قام وضل ومات.
وأما قولكم: إن معنى أنطقه وأضحكه وأبكاه جعل له آلة ينطق بها ويضحك ويبكي، فإعطاؤه الآلة وحدها لا يكفي في صدق القول بأنه أنطقه وأضحكه. فلو أن رجلاً صمت يوماً كاملاً فحلف حالف أن الله أنطقه لكان كاذباً حانثاً، ولو دعوت كافرين إلى الإسلام فنطق أحدهما بكلمة الشهادة وسكت الآخر لم يقل أحد قط إن الله قد أنطق الساكت كما أنطق المتكلم، وكلاهما قد أعطي آلة النطق، ومتعلق الأمر والنهي والثواب والعقاب الفعل لا الإفعال.
فإن قيل: هل تطردون هذا في جميع أفعال العبد من كفره وزناه وسرقته فتقولون: إن الله أفعله، وهو الذي فعل، أم تخصون ذلك ببعض الأفعال فيظهر تناقضكم؟
قيل: ههنا أمران: أمر لغوي، وأمر معنوي، فأما اللغوي فإن ذلك لا يطرد في لغة العرب، لا يقولون: أزنى الله الرجل وأسرقه وأشربه وأقتله، إذا جعله يزني ويسرق ويشرب ويقتل، وإن كان في لغتها أقامه وأقعده وأنطقه وأضحكه وأبكاه وأضله، وقد يأتي هذا مضاعفاً كفهمه وعلمه سيره، وقال تعالى: ففهمناها سليمان
فالتفهيم منه سبحانه والفهم من نبيه سليمان. وكذلك قوله وعلمناه من لدنا علماً
فالتعليم منه سبحانه، وكذلك التسيير والسير والتعلم من العبد، فهذا المعنى ثابت في جميع الأفعال. فهو سبحانه هو الذي جعل العبد فاعلاً كما قال:
وجعلناهم أئمةً يهدون بأمرنا وجعلناهم أئمةً يدعون إلى النار
فهو سبحانه الذي جعل أئمة الهدى بأمره، وجعل أئمة الضلال والبدع يدعون إلى النار.
فامتناع إطلاق أكلمه فتكلم، لا يمنع من إطلاق أنطقه فنطق: وكذلك امتناع إطلاق أهداه بأمره وأدعاه إلى النار لا يمنع من إطلاق جعله يهدي بأمره ويدعو إلى النار.
فإن قيل: ومع ذلك كله هل تقولون: إن الله سبحانه هو الذي جعل الزانيين يزنيان، وهو الذي جمع بينهما على الفعل وساق أحدهما إلى صاحبه؟
قيل: أصل بلاء أكثر الناس من جهة الألفاظ المجملة التي تشتمل على حق وباطل، فيطلقها من يريد حقها فينكرها من يريد باطلها، فيرد عليه من يريد حقها. وهذا باب إذا تأمله الذكي الفطن رأي منه عجائب وخلصه من ورطات تورط فيها أكثر الطوائف. فالجعل المضاف إلى الله سبحانه يراد به الجعل الذي يحبه ويرضاه، والجعل الذي قدره وقضاه، قال الله:
ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام
فهذا نفي لجعله الشرعي الديني، أي: ما شرع ذلك ولا أمر به ولا أحبه ورضيه، وقال تعالى: وجعلناهم أئمةً يدعون إلى النار
فهذا جعل كوني قدري، أي: قدرنا ذلك وقضيناه، وجعل العبد إماماً يدعو إلى النار أبلغ من جعله يزني ويسرق ويقتل. وجعله كذلك أيضاً لفظ مجمل [لا] يراد به أنه جبره وأكرهه عليه واضطره إليه، وهذا محال في حق الرب تعالى، وكماله المقدس يأبى ذلك، وصفات كماله تمنع منه كما تقدم، ويراد به أنه مكنه من ذلك وأقدره عليه من غير أن يضطره إليه ولا أكرهه ولا أجبره، فهذا حق.
فإن قيل: هذا كله عدول عن المقصود، فمن أحدث معصية وأوجدها وأبرزها من العدم إلى الوجود؟ قيل: الفاعل لها هو الذي أوجدها وأحدثها وأبرزها من العدم إلى الوجود بإقدار الله له على ذلك وتمكينه منه من غير إلجاء له ولا اضطرار منه إلى فعلها.
فإن قيل: فمن الذي خلقها إذاً؟
قيل لكم: ومن الذي فعلها؟ فإن قلتم الرب سبحانه هو الفاعل للفسوق والعصيان أكذبكم العقل، والفطرة، وكتب الله المنزلة، وإجماع رسله، وإثبات حمده وصفات كماله، فإن فعله سبحانه كله خير وتعالى أن يفعل شراً بوجه من الوجوه، فالشر ليس إليه، والخير هو الذي إليه، ولا يفعل إلا خيراً، ولا يريد إلا خيراً ولو شاء لفعل غير ذلك، لكنه تعالى تنزه عن فعل ما لا ينبغي وإرادته ومشيئته كما هو منزه عن الوصف به والتسمية به.
وإن قلتم: العبد هو الذي فعلها بما خلق فيه من الإرادة والمشيئة.
قيل: فالله سبحانه خالق أفعال العباد كلها بهذا الاعتبار. ولو سلك الجبري مع القدري هذا المسلك لاستراح معه وأراحه، وكذلك القدري معه، ولكن انحراف الفريقان عن سواء السبيل كما قال: سارت مشرقةً وسرت مغرباًشتان بين مشرق مغرب
فإن قيل: فهل يمكنه الامتناع منها وقد خلقت فيه نفسها أو أسبابها الموجبة لها، وخلق السبب الموجب خلق لمسببه وموجبه؟
قيل: هذا السؤال يورد على وجهين:
أحدهما: أن يراد به أنه يصير مضطراً إليها، ملجأ إلى فعلها بخلقها أو خلق أسبابها بحيث لا يبقى له اختيار في نفسه ولا إرادة وتبقى حركته قسرية لا إرادية.
الثاني: أنه هل لاختياره وإرادته وقدرته تأثير فيها أو التأثير لقدرة الرب ومشيئته فقط، وذلك هو السبب الموجب للفعل.
فإن أوردتموه على الوجه الأول فجوابه: أنه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل ولا يصير مضطراً ملجأ بخلقها فيه ولا بخلق أسبابها ودواعيها، فإنها إنما خلقت فيه على وجه يمكنه فعلها وتركها ولو لم يمكنه الترك لزم اجتماع النقيضين، وأن يكون مريداً عير مريد، فاعلاً غير فاعل، ملجأ غير ملجأ.
وإن أوردتموه على الوجه الثاني فجوابه أن لإرادته واختياره وقدرته أثراً فيها، وهي السبب الذي خلقها الله به في العبد.
فقولكم: إنه لا يمكنها الترك مع الاعتراف بكونه متمكناً من الفعل، جمع بين النقيضين، فإنه إذا تمكن من الفعل كان الفعل اختيارياً إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله، فكيف يصح أن يقال: لا يمكنه ترك الفعل الاختياري الممكن؟ هذا خلف من القول، وحقيقة الأمر أنه يمكنه الترك لو أراده لكنه لا يريده فصار لازماً بالإرادة الجازمة.
فإن قيل: فهذا يكفي في كونه مجبوراً عليه.
قيل: هذا من أدل شيء على بطلان الجبر، فإنه إنما لزم بإرادته المنافية للجبر، ولو كان وجوب الفعل بالإرادة يقتضي الجبر لكان الرب تعالى وتقدس مجبوراً على أفعاله لوجوبها بإرادته ومشيئته، وذلك محال.
فإن قيل: الفرق أن إرادة الرب تعالى من نفسه، لم يجعله غيره مريداً، والعبد إرادته من ربه، إذ هي مخلوقة له فإنه هو الذي جعله مريداً.
قيل: هذا موضع اضطرب فيه الناس فسلكت فيه القدرية وادياً وسلكت الجبرية وادياً.
فقالت القدرية: العبد هو الذي يحدث إرادته وليست مخلوقة لله، والله مكنه من إحداث إرادته بأن خلقه كذلك.
وقالت الجبرية : بل الله هو الذي يحدث إرادات العبد شيئاً بعد شيء، فإحداث الإرادات فيه كإحداث لونه وطوله وقصره وسواده وبياضه مما لا صنع له فيه البتة. فلو أراد أن لا يريد لما أمكنه ذلك وكان كما لو أراد أن يكون طوله وقصره ولونه على غير ما هو عليه، فهو مضطر إلى الإرادة، وكل إرادة من إرادته فهي متوقفة على مشيئة الرب لها بخصوصها، فهي مرادة له سبحانه كما هي معلومة مقدورة، فلزمهم القول بالجبر من هذه الجهة ومن جهة نفيهم أن يكون لإرادة العبد وقدرته أثر في الفعل.
فإن قيل: فأي واد تسلكونه غير هذين الواديين، وأي طريق تمرون فيها سوى هذين الطريقين؟
قيل: نعم ههنا طريقة ثالثة لم يسلكها الفريقان، ولم يهتد إليها الطائفتان، ولو حكمت كل طائفة ما معها من الحق والتزمت لوازمه وطردته لساقها إلى هذا الطريق ولأوقعها على المحجة المستقيمة.
فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعله التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله: العبد بجملته مخلوق لله، جسمه وروحه وصفاته وأفعاله وأحواله، فهو مخلوق من جميع الوجوه، وخلق على نشأة وصفة يتمكن بها من إحداث إرادته وأفعاله. وتلك النشأة بمشيئة الله وقدرته وتكوينه فهو الذي خلقه وكونه كذلك، وهو لم يجعل نفسه كذلك، بل خالقه وبارئه جعله محدثاً لإرادته وأفعاله، وبذلك أمره ونهاه وأقام عليه حجته وعرضه للثواب والعقاب، فأمره بما هو متمكن من إحداثه، ونهاه عما هو متمكن من تركه ورتب ثوابه وعقابه على هذه الأفعال والتروك التي مكنه منها وأقدره عليها وناطها به، وفطر خلقه على مدحه وذمه عليها مؤمنهم وكافرهم المقر بالشرائع منهم والجاحد لها، فكان مريداً شائياً بمشيئة الله له، ولولا مشيئة الله أن يكون شائياً لكان أعجز وأضعف من أن يجعل نفسه شائياً.
فالرب سبحانه أعطاه مشيئة وقدرة وإرادة، وعرفه ما ينفعه وما يضره، وأمره أن يجري مشيئته وإرادته وقدرته في الطريق التي يصل بها إلى غاية صلاحه، فإجراؤها في طريق هلالكه بمنزلة من أعطى عبده فرساً يركبها وأوقفه على طريق نجاة وهلكة، وقال أجرها في هذه الطريق، فعدل بها إلى الطريق الأخرى وأجراها فيها، فغلبته بقوة بأسها وشدة سيرها، وعز عليه ردها عن جهة جريها، وحيل بينه وبين إدارتها إلى ورائها مع اختيارها وإرادتها.
فلو قلت: كان ردها عن طريقها ممكناً له مقدوراً أصبت.
وإن قلت: لم يبق في هذه الحال بيده من أمرها شيء ولا هو يتمكن أصبت.
بل قد حال بينه وبين ردها من يحول بين المرء وقلبه ومن يقلب أفئدة المعاندين وأبصارهم.
وإذا أردت فهم هذا على الحقيقة فتأمل حال من عرضت له صورة بارعة الجمال فدعاه حسنها إلى محبتها، فنهاه عقله وذكره ما في ذلك من التلف والعطب، وأراه مصارع العشاق عن يمينه وعن شماله ومن بين يديه ومن خلفه، فعاد يعاود النظر مرة مرة، ويحث نفسه على التعلق وقوة الإرادة، ويحرضها على أسباب المحبة، ويدني الوقود من النار، حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ورمت بشررها وقد حاطت به وطلب الخلاص، قال له القلب هيهات لات حين مناص، أنشده:
تولع بالعشق حتى عشق فلما استقل به لم يطق
رأى لجةً ظنها موجةً فلما تمكن منها غرق
فكان الترك أولاً مقدوراً لما لم يوجد السبب التام والإرادة الجازمة الموجبة للفعل، فلما تمكن الداعي واستحكمت الإرادة قال المحب لعاذله:
يا عاذلي والأمر في يده هلا عذلت وفي يدي الأمر
فكان أول الأمر إرادة واختياراً ومحبة، ووسطه اضطراراً، وآخره عقوبة وبلاءً، ومثل هذا برجل ركب فرساً لا يملكه راكبه ولا يتمكن من رده، وأجراه في طريق ينتهي به إلى موضع هلاك، فكان الأمر إليه قبل ركوبها، فلما توسطت به الميدان خرج الأمر عن يده، فلما وصلت به إلى الغاية حصل على الهلاك.
ويشبه هذا حال السكران الذي قد زال عقله إذا جنى عليه في حال سكره لم يكن معذوراً لتعاطيه السبب اختياراً، فلم يكن معذوراً بما ترتب عليه اضطراراً. وهذا مأخذ من أوقع طلاقه من الأئمة، ولهذا قالوا: إذا زال عقله بسبب يعذر فيه لم يقع طلاقه، فجعلوا وقوع الطلاق عليه من تمام عقوبته.
والذين لم يوقعوا الطلاق قولهم أفقه، كما أفتى به عثمان بن عفان ، ولم يعلم له في الصحابة مخالف، ورجع عليه الإمام أحمد واستقر عليه قوله، فإن الطلاق ما كان عن وطر، والسكران لا وطر له في الطلاق. وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم وقوع الطلاق في حال الغلق، والسكر من الغلق، كما أن الإكراه والجنون من الغلق، بل قد نص الإمام أحمد و أبو عبيد و أبو داود على أن الغضب إغلاق وفسر به الإمام أحمد الحديث في رواية أبي طالب ، وهذا يدل على أن مذهبه أن طلاق الغضبان لا يقع.
وهذا هو الصحيح الذي يفتى به إذا كان الغضب شديداً قد أغلق عليه قصده، فإنه يصير بمنزلة السكران والمكره، بل قد يكونان أحسن حالاً منه، فإن العبد في حال شدة غضبه يصدر منه ما لا يصدر من السكران من الأقوال والأفعال. وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يجيب دعاءه على نفسه وولده في هذه الحال، ولو أجابه لقضى إليه أجله.
وقد عذر سبحانه من اشتد به الفرح بوجود راحلته في الأرض المهلكة بعد ما يئس منها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ولم يجعله بذلك كافراً لأنه أخطأ بهذا القول من شدة الفرح.
فكمال رحمته وإحسانه وجوده يقتضي أن لا يؤاخذ من اشتد غضبه بدعائه على نفسه وأهله وولده ولا بطلاقه لزوجته، وأما إذا زال عقله بالغضب فلم يعقل ما يقول فإن الأمة متفقة على أنه لا يقع طلاقه ولا عتقه، ولا يكفر بما يجري على لسانه من كلمة الكفر.

نقلاً عن الاخ حليمو فى منتدى الجامع للرد على النصارى

جـواد
09-09-2009, 07:04 PM
سأل أحد علماء الذميين شيخ الإسلام عن القدر فقال :

أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأوضح حجة

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم و لم يرضه منى فما وجه حيلتي

دعانى و سد الباب عنى فهل الى دخولى سبيل بينوا لى قضيتي

قضى بضلالى ثم قال إرض بالقضا فما أنا راض بالذى فيه شقوتي

فإن كنت بالمقضى يا قوم راضيا فربى لا يرضى بشؤم بليتي

فهل لى رضا ماليس يرضاه سيدى فقد حرت دلونى على كشف حيرتي

إذا شاء ربى الكفر منى مشيئة فهل أنا عاص فى إتباع المشيئة

و هل لى إختيار أن أخالف حكمه فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي



فأجاب شيخ الإسلام الشيخ الإمام العالم العلامة أحمد بن تيمية مرتجلا :

الحمد الله رب العالمين...






سؤالك يا هذا سؤال معاند = مخاصم رب العرش بارى البرية

فهذا سؤال خاصم الملأ العلا = قديما به إبليس أصل البلية

و من يك خصما للمهيمن يرجعن = على أم رأس هاويا فى الحفيرة

ويدعى خصوم الله يوم معادهم = الى النار طرا معشر القدرية

سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا = به الله أو مارواد به للشريعة

وأصل ضلال الخلق من كل فرقة = هو الخوض في فعل الإله بعلة

فإنهموا لم يفهموا حكمة له = فصاروا على نوع من الجاهلية

فإن جميع الكون أوجب فعله = مشيئة رب الخلق بارى الخليقة

وذات إله الخلق و اجبة بما = لها من صفات و اجبات قديمة

مشيئته مع علمه ثم قدرة = لوازم ذات الله قاضي القضية

وإبداعه ما شاء من مبدعاته = بها حكمة فيه و أنواع رحمة

ولسنا إذا قلنا جرت بمشيئة = من المنكري آياته المستقيمة

بل الحق أن الحكم لله و حده = له الخلق و الأمر الذي في الشريعة

هو الملك المحمود فى كل حالة = له الملك من غير إنتقاص بشركة

فما شاء مولانا إلا له فإنه= يكون و مالا لا يكون بحيلة

وقدرته لا نقص فيها و حكمه = يعم فلا تخصيص فى ذي القضية أريد

بذا أن الحوادث كلها = بقدرته كانت و محض المشيئة

و ماكنى فى كل ماقد أراده = له الحمد حمدا يعتلى كل مدحة

فإن له فى الخلق رحمته سرت = و من حكم فوق العقول الحكيمة

أمورا يحار العقل فيها إذا أرى = من الحكم العليا و كل عجيبة

فنؤمن أن الله عز بقدرة = و خلق و إبرام لحكم المشيئة

فنثبت هذا كله لا لهنا = و نثبت مافى ذاك من كل حكمة

وهذا مقام طالما عجز الأولى = نفوه و كروا راجعين بحيرة

وتحقيق ما فيه بتبيين غوره = و تحرير حق الحق فى ذي الحقيقة

هو المطلب الأقصى لوراد بحره = و ذا عسر في نظم هذى القصيدة

لحاجته الى بيان محقق = لأوصاف مولانا الإله الكريمة

وأسمائه الحسنى و أحكام دينه = و أفعاله في كل هذى الخليقة

وهذا بحمد الله قد بان ظاهرا = و إلهامه للخلق أفضل نعمة

وقد قيل فى هذا و خط كتابه = بيان شفاء للنفوس السقيمة

فقولك لم قد شاء مثل سؤال من = يقول فلم قد كان فى الأزلية

وذاك سؤال يبطل العقل و جهه = و تحريمه قد جاء فى كل شرعة

و فى الكون نخصيص كثير يدل من = له نوع عقل أنه بإرادة

وإصداره عن و احد بعد و احد = أو القول بالتجويز رمية حيرة

و لا ريب فى تعليق كل مسبب = بما قبله من علة موجبية

بل الشأن فى الأسباب أسباب ما ترى = و إصدارها عن حكم محض المشيئة

وقولك لم شاء الاله هو الذي = أزل عقول الخلق فى قعر حفرة

فإن المجوس القائلين بخالق = لنفع و رب مبدع للمضرة

سؤالهم عن علة السر أو قعت = أوائلهم فى شبهة الثنوية

و أن ملاحيد الفلاسفة الأولى = يقولون بالفعل القديم لعلة

بغوا علة للكون بعد إنعدامه = فلم يجدوا ذاكم فضلوا بضلة

وأن مبادى الشر فى كل أمة = ذوى ملة ميمونة نبوية

بخوضهمو فى ذاكم صار شركهم = جاء دروس البينات بفترة

ويكفيك نقضا أن ما قد سألته = من العذر مردود لدى كل فطرة

فأنت تعيب الطاعنين جميعهم = عليك و ترميهم بكل مذمة

وتنحل من و الاك صفو مودة = و تبغض من ناواك من كل فرقة

وحالهم فى كل قول و فعلة = كحالك يا هذا بأرجح حجة

وهبك كففت اللوم عن كل كافر = و كل غوى خارج عن محجة

فيلزمك الاعراض عن كل ظالم = على الناس فى نفس مال وحرمة

و لا تغضبن يوما على سافك دما = و لا سارق مالا لصاحب فاقة

ولا شاتم عرضا مصونا و إن علا = و لا ناكح فرجا على و جه غية

ولا قاطع للناس نهج سبيلهم = و لا مفسد فى الأرض فى كل و جهة

ولا شاهد بالزور إفكا و فرية = و لا قاذف للمحصنات بزنية

ولا مهلك للحرث و النسل عامدا = و لا حاكم للعالمين برشوة

وكف لسان اللوم عن كل مفسد = و لا تأخدن ذا جرمة بعقوبة

و سهل سبيل الكاذبين تعمدا = على ربهم من كل جاء بفرية

وإن قصدوا إضلاك من يستجيبهم = بروم فساد النوع ثم الرياسة

و جادل عن الملعون فرعون إذ طغى = فأغرق فى أليم إنتقاما بغضبة

وكل كفور مشرك بإلهه = و آخر طاغ كافر بنبوة

كعاد و نمروذ و قوم لصالح = و قوم لنوح ثم أصحاب الأئكة

وخاصم لموسى ثم سائر من أتى = من الأنبياء محييا للشريعة

على كونهم قد جاهدوا الناس إذ بغوا = و نالوا من المعاصى بليغ العقوبة

و إلا فكل الخلق فى كل لفظة = و لحظة عين أو تحرك شعرة

وبطشة كف أو تخطى قديمة = و كل حراك بل و كل سكينة

همو تحت أقدار الإله و حكمه = كما أنت فيما قد أتيت بحجة

وهبك رفعت اللوم عن كل فاعل = فعال ردى طردا لهذى المقيسة

فهل يمكن رفع الملام جميعه = عن الناس طرا عند كل قبيحة

و ترك عقوبات الذين قد إعتدوا = و ترك الورى الإنصاف بين الرعية

فلا تضمنن نفس و مال بمثله = و لا يعقبن عاد بمثل الجريمة

و هل فى عقول الناس أو فى طباعهم = قبول لقول النذل ما و جه حيلتى

و يكفيك ما بجسم نقضا بن آدم صبى = و مجنون و كل بهيمة

من الألم المقضى فى غير حيلة = و فيما يشاء الله أكمل حكمة

إذا كان فى هذا له حكمة فما = يظن بخلق الفعل ثم العقوبة

وكيف و من هذا عذاب مولد = عن الفعل فعل العبد عند الطبيعة

كآكل سم أوجب الموت أكله = وكل بتقدير لرب البرية

فكفرك يا هذا كسم أكلته = و تعذيب نار مثل جرعة غصة

ألست ترى فى هذا الدار من جنى = يعاقب إما بالقضا أو بشرعة

ولا عذر للجاني بتقدير خالق = كذلك في الأخرى بلا مثنوية

و تقدير رب الخلق للذنب موجب = لتقدير عقبى الذنب إلا بتوبة

و ما كان من جنس المتاب لرفعه = عواقب أفعال العباد الخبيثة

كخير به تمحى الذنوب و دعوة = تجاب من الجاني و رب شفاعة

وقول حليف الشر إنى مقدر = علي كقول الذئب هذى طبيعتى

وتقديره للفعل يجلب نقمة = كتقديره الأشياء طرا بعلة

فهل ينفعن عذر الملوم بأنه = كذا طبعه أم هل يقال لعثرة

أم الذم و التعذيب أوكد للذي = طبيعته فعل الشرور الشنيعة

فإن كنت ترجوا أن تجاب بما عسى = ينجيك من نار الإله العظيمة

فدونك رب الخلق فاقصده ضارعا = مريدا لأن يهديك نحو الحقيقة

و ذلل قياد النفس للحق و اسمعن = و لا تعرضن عن فكرة مستقيمة

و ما بان من حق فلا تتركنه = و لا تعص من يدعو لأقوم شرعة

ودع دين ذا العادات لا تتبعنه = و عج عن سبيل الأمة الغضبية

و من ضل عن حق فلا تقفونه = و زن ما عليه الناس بالمعدلية

هنالك تبدو طالعات من الهدى = تبشر من قد جاء بالحنيفية

بملة إبراهيم ذاك إمامنا = و دين رسول الله خير البرية

فلا يقبل الرحمن دينا سوى الذى = به جاءت الرسل الكرام السجية

وقد جاء هذا الحاشر الخاتم الذي = حوى كل خير في عموم الرسالة

وأخبر عن رب العباد بأن من = غدا عنه فى الأخرى بأقبح خيبة

فهذى دلالات العباد لحائر = و أما هداه فهو فعل الربوبة

و فقد الهدى عند الورى لا يفيد من = غدا عنه بل يجزى بلا و جه حجة

و حجة محتج بتقدير ربه = تزيد عذابا كإحتجاج مريضة

و أما رضانا بالقضاء فإنما = أمرنا بأن نرضى بمثل المصيبة

كسقم و فقر ثم ذل و غربة = و ما كان من مؤذ بدون جريمة

فأما الأفاعيل التى كرهت لنا = فلا ترتضى مسخوطة لمشيئة

وقد قال قوم من أولى العلم لأرضا = بفعل المعاصي و الذنوب الكبيرة

وقال فريق نرتضى بقضائه = ولا نرتضي المقضى أقبح خصلة

وقال فريق نرتضي بإضافة = إليه و ما فينا فنلقى بسخطة

كما أنها للرب خلق و أنها = لمخلوقة ليست كفعل الغريزة

فنرضى من الوجه الذي هو خلقه = ونسخط من و جه إكتساب الخطيئة

ومعصية العبد المكلف تركه = لما أمر المولى و إن بمشيئة

فإن إله الخلق حق مقاله = بأن العباد فى جحيم و جنة

كما أنهم فى هذه الدار هكذا = بل البهم فى الآلام أيضا و نعمة

وحكمته العليا إقتضت ما إقتضت من = الفروق بعلم ثم أيد و رحمة

يسوق أولى التعذيب بالسبب الذي = يقدره نحو العذاب بعزة

و يهدي أولى التنعيم نحو نعيمهم = بأعمال صدق في رجاء و خشية

وأمر إله الخلق بين ما به يسوق = أولى التنعيم نحو السعادة

فمن كان من أهل السعادة أثرت = أوامره فيه بتيسير صنعة

ومن كان من أهل الشقاوة لم ينل = بأمر و لا نهى بتقدير شقوة

ولا مخرج للعبد عما به قضى = ولكنه مختار حسن و سوأة

فليس بمجبور عديم الإرادة = و لكنه شاء بخلق الإرادة

و من أعجب الأشياء خلق مشيئة = بها صار مختار الهدى بالضلالة

فقولك هل إختار تركا لحكمة = كقولك هل إختار ترك المشيئة

وإختار أن لا إختار فعل ضلالة = و لو نلت هذا الترك فزت بتوبة

وذا ممكن لكنه متوقف = على ما يشاء الله من ذي المشيئة