المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إني أرى الإلحاد عاريًا . ( 3-1 )



حسام الدين حامد
10-01-2007, 03:26 AM
الرداء الثالث : عما وراء الجسد ..

قال تعالى: "أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً"



كلا !! ..



كلا لن أخاطبك خطاب حجة و بيان ..



لقد دفنتَ عقلك بما يكفي لمنع أية حجة من الوصول إليه ..



لقد قرأتُ لك بما يكفي لأوقن هذا ..



وجدتك تمتنع عن مناظرة أهل الإسلام لا لشيء .. إلا لأنك تخشى افتضاح حقيقتك !!



وجدتك في رحلة بحثك المزعوم عن الحقيقة صرت مجرد أكذوبة تتوالد ذاتيًّا !!



وجدتك تحيد عن الإلزامات لا لشيء .. إلا لأنك لا تستطيع جوابها !!



وجدتك تترك الحوارات لأنك تأبى الاعتراف بالحق !!



إذن ..



فلن أخاطب عقلك !!



و ما عساي أن أخاطب منك إن لم أخاطب عقلك !!؟



احترت ..



احترت حتى بحثت في ثنايا الخيال علني أجد الجواب !!



الخيال !! ..



تخيلتني و قد انعدمت كتلتي و زالت كثافتي !



تخيلتني روحًا خَفَّت عن حِمْل الجسد فلا يقف دونها جسد !!



صرتُ روحًا تسري ..



سريت في جسد ذاك الكافر الذي وسم نفسه بإلحاد أو لادينية أو .. أو ..



دخلت ..



مشيت يسيرًا ..



وجدتُ كثيرًا !!



وجدتُ قومًا يذهبون من جهة .. و يعود مثلهم من نفس الجهة ..



ذهبت في طريقي حتى وجدت مصدر الأمر و آخره ..



وجدتُ عجبًا !! ..



وجدتُ كائنًا ساجدًا أمام عملاق منتفخ ..



و القوم – الذين رأيتُ منهم خارجًا – يدخلون على ذلك الساجد و يخبرونه و يخبرهم ..



و كلما أخبروه أمرًا صاح المنتفخ ( سبحاني سبحاني !! ما أعظم شاني !! ) !!


و كلما أعلموه خبرًا صاح المنتفخ ( حسبي نفسي !! حسبي نفسي !! ) !!


و كلما لقنوه قولًا صاح المنتفخ ( أنا .. أنا .. أنا .. أنا ) !!



استوقفت أحدهم ..



من أنت ؟



أنا رسول من مركز السمع إلى سيدي أنقل له شكر زميلٍ على مداخلته الكفرية الممتعة !!


سألت غيره : من أنت ؟



أنا رسول من مركز البصر أنقل له أن أحد مستمعيه ينحني له معجبًا بعد كلامه الكُفري !!


سألتُ غيره : و من أنت ؟



أنا رسول من باب الجلد ، أنقل أن أحد الأساتذة يربت على الكتف مشجعًا بعد نطق الكفر !!


قلت : تنقل لمن ؟



لسيدي ؟



قلت : و من سيدك ؟



سيدي " العقل " !!



قلت : أهو ذاك المنتفخ المسبح بحمد نفسه ؟!!



قال : لا !! بل هذا الساجد أمامه !!



قلت : ويحك !! فمن هذا المنتفخ الذي استعبد سيدك ؟!!



قال : هذا إله سيدي ؟!



قلت : و ما اسمه ؟



قال : اسمه " الهوى " !! ألستَ مسلمًا ؟



قلتُ : بلى ! و لِمَ ؟!



قال : ألم تقرأ قول الله تعالى: "أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً" ؟!
ألم تعلم بحقارة هذا الإله حتى إنه كما ترى :
رب يميل البهلوان برأسه *** لقد ذل من مالت إليه المثالب !!؟



قلتُ : ويلك !! أتحفظ القرآن و تحقِّر الأوثان و تخدم من يعبد غير الله ؟!!


قال : يا هذا !! اعرف حدك !! و اعلم أن لله في خلقه شؤونًا تخفى على مثلك !! فانتهِ حيث وقفك علمك !! و لا تقفُ ما ليس من شأنك !! فنحن نخدم هؤلاء في الدنيا و لكنَّا يوم القيامة نشهدُ عليهم !! و تلك سُنَّة الله عز و جل فينا !! فهل زال عجبك ؟!



قلتُ : سبحانك ربي !! تُسَخِّر لهم و يَسْخَرون !! و تملي لهم من حيث لا يفهمون !!



لكن صاحبي جاءه مرسوم آخر ..



مرسوم من باب الجلد أن أحدهم يصافح سيده مصافحة حارة معجبًا به لقوله الزور ..



فأسرع ناقلًا ، و تركني واقفًا ..



فواصلتُ رحلتي ..



وجدتُ عجبًا ..



وجدتُ مكانًا منعزلاً ما به عامل و لا ناقل و لا مُؤنس !!



سرت فيه مستوحشًا حتى كدت أن أرجع ..



لكني عزمت عزمًا صريحًا ..



لا بد أن أواصل رحلتي ..



وجدتُ شخصًا قابعًا شاحبًا ..



سألته عن حاله فلم يُجِب ..



حاولت إسعافه فلم أستطع ..



بحثت عن سبب شحوبه ..



لا .. لم أجد ..



ماذا أفعل ؟!!



........



فواصلتُ رحلتي ..



وجدتُ عجبًا ..



وجدتُ مخلوقًا عجيبًا ..



فيه من الإنسان و ليس بإنسان ..



فيه من الحيوان و ليس بحيوان ..



فيه من الجمال و ليس جميلًا ..



فيه من القبح و ليس قبيحًا ..



لكنه لم يكن يسر من نظر إليه ..



لكنه لم يمنع الاقتراب للسلام عليه ..



" السلام عليك و رحمة الله و بركاته "



لم يرد !!



" السلام عليكم "



ما من جواب يُسْتَمع !!



" من فعل بك هذا ؟ "



فأشار أنه لا يعرف ..



فهمت أنه لم يرد السلام لعلةٍ ..



علة أصابت لسانه فلم يجب التحية ..



و علة أصابت مرفقه فلم يشر بالتحية ..



لكنها ليست بأهون العلل ..



قلت " صبرك الله و أعانك !! "



و انصرفت ..



واصلت رحلتي ..



وجدتُ عجبًا ..



وجدت مخلوقًا كئيبًا باهتًا حزينًا به من كل ما لا يسر نصيب .. هكذا رأيته !!
لكنه كان – على سوء حاله – يُحَب و يُفْرَح لرؤيته .. هكذا أحسسته !!



اقتربت و استأنست ..



" السلام عليك "



" و عليك السلام و رحمة الله "



" من أنت أيها الشيخ ؟! "



" أنا الضمير الحي "



قلت : وجدت بغيتي !!



" و من أنت يا بني ؟ "



قلت : أخوك ( مسلم ) .



" و ما تريد – زادك الله هداية ؟ "



قلتُ : أريد أن أسألك !



" تكلم يا بني ! فالشيخ ليس له عمل ! " يقصد نفسه !



قلت : من هذا الشاحب المستلقي هناك ؟



قال : ذاك أخونا " عقل الرشد " !! ذاك الرجل الصالح !! لقد كان آخر أعماله قبل مرضه الصلاة !!



قلت : و من هذا المخلوق الذي به بقايا إنسان ؟



قال : تلك أختنا الكبيرة " الفطرة " !! ما إن أنهى أخونا " عقل الرشد " معي الصلاة حتى وجدناها هكذا !! و حالها في ازدياد !!



قلت : أختك الكبيرة ؟!



قال : نعم يا بني !! عمرها من عمر صاحبي !!



و من صاحبك ؟



قال : صاحبي الذي أعطاه الله تعالى التصرف في هذا الكيان !!



لكنك يا شيخنا تبدو هرمًا عتيقًا !! و أنا كنت حاورت صاحبك و ناظرته و رأيته و عرفته و هو ما يزال في ظاهره شابًّا يافعًا !! و لو كانت أختك " الفطرة " من عمره ، فهي أختك الصغيرة لا الكبيرة كما تقول !!



قال : ذاك أمر شرحه يطول ..



قلت : صاحبك عنده عمل بعد قليل " أقصد نفسي " ..



قال : إذن اختصر !



انحنى عليّ بوجهه قائلًا ..



هيه !! لقد كنتُ وصاحبي على وفاق دائمًا !!



ثم رجع للخلف مكملًا ..



لقد كنتُ همَّه ..
كنتُ شغله الشاغل ..
كان لا يذوق غمضًا حتى أرضى ..
و كان يرضيني ليرضي ربي و ربه و ربك و رب العالمين ..



كنت أحاسبه حساب الشريك الشحيح ..



إن كذب عاتبته حتى يصلح ما أفسد ..
إن غش زجرته حتى يعيد ما أخذ ..
إن حاور عاتبته إن كابر في الحق بعدما تبين ..
إن تعالم أخبرته أن العلم ينير بصيرة العالم فيعرف المتعالم ..
إن ترك الصلاة عنفته حتى يقضيها ..
إن لم يغض البصر أرّقته جراء فعلته حتى يعزم ألا يأتيها ..
إن سأل سؤالًا لا يبغي جوابه ذكَّرته : الوضوحَ الوضوحَ !!
إن عاب ما لا عيب فيه نهرته : الاستقامةَ الاستقامةَ !!



لقد كنت يقظًا إلى درجة الإرهاق ..
و كان مطيعًا إلى درجة البر ..
رحمه الله ..
لقد كان صالحًا على زلات له ..



و أتى علينا حينٌ من الدهر ..
وجدته يُكْثِرُ الاطلاع على الخطأ ..
وجدته يستلذ بالمعاصي ..
وجدته يصاحب من يدله على تأجيج الشهوات و ليس لها منصرَف حلال ..
وجدته يعاشر كتابات الكفار معاشرة ملأت عليه نفسه بالشبهات ..



فزجرته و نهرته و أمرته ونادرًا ما انزجر ..
حذرته و قلما احترز ..



و بقينا حينًا من الدهر على هذا ..
يسير في غيه أحيانًا ، و يطيعني أحيانًا ..
لكنه كان محتارًا دائمًا ..



يا ويح نفسي !!
أظنني أرهقته !!
أحسبني أتعبته !!



لكن لم يكن من ذاك بد !!
فلو تركته لهلك !!
و لو شجعته لضاع !!
و لكني أردت نصحه !!
و تلك وظيفتي !!



و أكثر صيحة رددتها حينها من وراء أختي ..
قول ربنا "أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ" ..
و قول ربنا "أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" ..




ثم جاءت لحظة ..
وآهًا من لحظاتٍ بعدها !!



لم يعد يأتيني من نبأ سيدي شيء ..
و كنت على قرب من السمع و البصر و غيرها ..
فصرت هاهنا في هذا المكان القفر ..
و مرضت أختي ..



و أُلْقِي في روعنا أن صاحبي قد مات ..
فناديت " عقل الرشد " ..
و صلينا على سيدي صلاة الغائب ..
فقد كان عبدًا صالحًا رغم زلاته ..
و بعدما كبَّرنا عليه أربعًا ..
التفتنا ..
فوجدت أختنا الكبيرة كما ترى ..



و كلما مر الزمن ..
ازداد تشوه " الفطرة "حتى صارت إلى ما ترى ..
و ازداد مرض " عقل الرشد " حتى صار إلى ما ترى ..
و ازددت هرمًا و بؤسًا حتى صرت إلى ما ترى ..
فتلك قصتنا !!



قلت ُ : واعجباه !! لقد صليتم على غائب !! و لكنَّ غائبكم حي !!



دهشة الضمير الحي أغنتني عن قوله " ماذا تعني ؟!! "



قلتُ : صاحبك حي أيها الشيخ و لكنك لا تدري !!



حيرة الضمير الحي أغنتني عن صرخته " أَبِن الأمر !! "



لكني كنت على عجلةٍ من أمري ..



فسلمتُ عليه و انصرفت ..



دهشة الضمير الحي جعلتني أعذره حين لم يرد السلام ..



تركت الضمير الحي في عجبه ..



انصرفت عالِمًا ..



عالِمًا أن وقوفنا عند حد كلام الملحد و قوله فقط دون أن نضع في الحسبان ما وراء الجسد يمنح إلحاده قيمة ليست لمثله ، فعلمتُ قيمة رحلتي فيما وراء الجسد في تعرية الإلحاد ..



انصرفتُ حزينًا ..



حزينًا أن تركت ذلك الرجل الطيب " الضمير الحي " في حيرة من أمره ..



لكن عزائي ..



أني أنوي الرجوع إليه ..



أرجع إليه أشرح له ..



أشرح له كيف أن جسد صاحبه جسدٌ حي !!



أشرح له عله يعود كما كان زاجرًا ..



زاجرًا يأمر و ينهى و يعظ ..



يعظُ كافرًا !!