المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب البداية والنهاية _مفرغ



اخت مسلمة
04-10-2009, 11:31 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن كثير:[ فهذا الكتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدأ المخلوقات‏:‏ من خلق العرش والكرسي والسماوات، والأرضين ...، وقصص النبيين ... ، حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه ...... ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة‏.‏ ثم البعث والنشور وأهوال القيامة.... وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المعقولة عند العلماء وورثة الأنبياء... ] فكان الكتاب بحق المرآة الصادقة ، والمرجع الأصيل لأهل هذا الفن
الحافظ ابن كثير



الحمدلله الأول الآخر الباطن الظاهر الذي هو بكل شيء عليم الأول فليس قبله شيء الآخر فليس بعده شيء الظاهر فليس فوقه شيء الباطن فليس دونه شيء الأزلي القديم الذي لم يزل موجودا بصفات الكمال ولا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء وعدد الرمال وهو العلي الكبير المتعال العلي العظيم الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا
ورفع السموات بغير عمد وزينها بالكواكب الزاهرات وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وسوى فوقهن سريرا شرجعا عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا وهو العرش العظيم له قوائم عظام تحمله الملائكة الكرام وتحفه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام ولهم زجل بالتقديس والتعظيم وكذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة ويفد منهم في كل يوم سبعون ألفا إلى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون إليه آخر ما عليهم في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم
ووضع الأرض للأنام على تيار الماء وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها
في أربعة أيام قبل خلق السماء وأثبت فيها من كل زوجين اثنين دلالة للالباء من جميع ما يحتاج العباد إليه في شتائهم وصيفهم ولكل ما يحتاجون إليه ويملكونه من حيوان بهيم
وبدأ خلق الإنسان من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين في قرار مكين فجعله سميعا بصيرا بعد أن لم يكن شيئا مذكورا وشرفه بالعلم والتعليم خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر وصور جنته ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وخلق منه زوجه حواء أم البشر فأنس بها وحدته وأسكنها جنته وأسبغ عليهما نعمته ثم أهبطهما إلى الأرض لما سبق في ذلك من حكمةالحكيم وبث منهما رجالا كثيرا ونساء وقسمهم بقدره العظيم ملوكا ورعاة وفقراء وأغنياء وأحرارا وعبيدا وحرائر وإماء وأسكنهم أرجاء الأرض طولها والعرض وجعلهم خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض إلى يوم الحساب والعرض على العليم الحكيم وسخر لهم الأنهار من سائر الأقطار تشق الأقاليم إلى الأمصار ما بين صغار وكبار على مقدار الحاجات والأوطار وأنبع لهم العيون والآبار وأرسل عليهم السحائب بالأمطار فأنبت لهم سائر صنوف الزرع والثمار وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار فسبحان الكريم العظيم الحليم وكان من أعظم نعمه عليهم وإحسانه إليهم بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم أن أرسل رسله إليهم وأنزل كتبه عليهم مبينة حلاله وحرامه وأخباره وأحكامه وتفصيل كل شيء في المبدإ والمعاد إلى يوم القيامة
فالسعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم والأوامر بالإنقياد والنواهي بالتعظيم ففاز بالنعيم المقيم وزحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم والحميم والعذاب الأليم
أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملأ أرجاء السموات والأرضين دائما أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين في كل ساعة وآن ووقت وحين كما ينبغي لجلاله العظيم وسلطانه القديم ووجهه الكريم وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له ولا عديد ولا نديد ولا قسيم
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم خاتم الأنبياء وصاحب الحوض الأكبر الرواء صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة وحامل اللواء الذي يبعثه الله المقام المحمود الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وعلى سائر أخوانه من النبيين والمرسلين وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم وأعلى تشريف وتكريم ورضي الله عن جميع أصحابه الغر الكرام السادة النجباء الأعلام خلاصة العالم بعد الأنبياء ما اختلط الظلام بالضياء وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم
أما بعد فهذا الكتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدإ المخلوقات من خلق العرش والكرسي والسموات والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين وكيفية خلق آدم عليه السلام وقصص النبيين وما جرى مجرى ذلك إلى أيام بني إسرائيل وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة إلى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفي الصدور والغليل وتزيح الداء عن العليل ثم نذكر ما بعد ذلك إلى زماننا ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة ثم البعث والنشور وأهوال القيامة ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم وما يقع فيه من الأمور الهائلة ثم صفة النار ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان وغير ذلك وما يتعلق به وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المعتولة عند العلماء وورثة الأنبياء الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام
ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب مما فيه بسط لمختصر عندنا أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والإعتماد عليه وإنما الإعتماد والإستناد على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم العلي العظيم
فقد قال الله تعالى في كتابه كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا وقد قص الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر ما مضى من خلق المخلوقات وذكر الأممم الماضين وكيف فعل بأوليائه وماذا أحل بأعدائه وبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بيانا شافيا سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه صلوات الله وسلامه عليه من ذلك تلو الآيات الواردات في ذلك فأخبرنا بما نحتاج إليه من ذلك وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء اهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس إليه وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها إلا القليل على سبيل الإختصار ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا وما خالفه فوقع فيه الإنكار
فأما الحديث الذي رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وحدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها
عندنا فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها فيجوز روايتها للإعتبار وهذا هو الذي نستعمل في كتابنا هذا فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا إليه استغناء بما عندنا وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال
فإذا كان الله سبحانه وله الحمد قد أغنانا برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الشرائع وبكتابه عن سائر الكتب فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط وكذب ووضع وتحريف وتبديل وبعد ذلك كله نسخ وتغيير
فالمحتاج إليه قد بينه لنا رسولنا وشرحه وأوضحه عرفه من عرفه وجهله من جهله كما قال علي بن أبي طالب كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وقال أبو ذر رضي الله عنه لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلا أذكرنا منه علما وقال البخاري في كتاب بدء الخلق وروي عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه قال أبو مسعود الدمشقي في أطرافه هكذا قال البخاري وإنما روه عيسى غنجار عن أبي حمزة عن رقية وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده حدثنا أبو عاصم حدثنا عزرة بن ثابت حدثنا علباء بن أحمر اليشكري حدثنا أبو زيد الأنصاري قال قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر ثم نزل فصلى الظهر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر جميعا عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبي زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
*2* فصل قال الله تعالى في كتابه العزيز ( الله خالق كل شيء )
@ وهو على كل شيء وكيل فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له مربوب مدبر مكون بعد أن لم يكن محدث بعد عدمه فالعرش الذي هو سقف المخلوقات إلى ما تحت الثرى وما بين ذلك من جامد وناطق الجميع خلقه وملكه وعبيده وتحت قهره وقدرته وتحت تصريفه ومشيئته خلق السموات وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير
وقد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم فاختلفو في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون على قولين كما بينا ذلك في التفسير وسنتعرض لإيراده في موضعه واختلفوا هل كان قبل خلق السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما فذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقتا من العدم المحض وقال آخرون بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أخر لقوله وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء الآية وفي حديث عمران بن حصين كما سيأتي كان الله ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض وقال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي انه قال يا رسول الله أين كان ربنا قبل ان يخلق السموات والأرض قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء ورواه عن يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة به ولفظه أين كان ربنا قبل ان يخلق خلقه وباقيه سواء وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجة عن أبي بكر بن ابي شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هرون وقال الترمذي حسن واختلف هؤلاء في ايها خلق اولا فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها وهذا هو اختيار ابن جرير وابن الجوزي وغيرهما قال ابن جرير وبعد القلم السحاب الرقيق واحتجوا بالحديث الذي رواه الإمام احمد وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة لفظ أحمد وقال الترمذي حسن صحيح غريب والذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمداني وغيره أن العرش مخلوق قبل ذلك وهذا هو الذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك الحديث الذي رواه
مسلم في صحيحه حيث قال حدثني أبو الطاهر احمد بن عمرو بن السرج حدثنا ابن وهب اخبرني ابو هانيء الخولاني عن أبي عبدالرحمن الجيلي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير الخلائق قبل ان يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على الماء قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك الجماهير ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين قال قال أهل اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية معه وفي رواية غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض وفي لفظ ثم خلق السموات والأرض فسألوه عن ابتداء خلق السموات والأرض ولهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فأجابهم عما سألوا فقط ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبي رزين المتقدم قال ابن جرير وقال آخرون بل خلق الله عز وجل الماء قبل العرش رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق انه قال أول ما خلق الله عز وجل النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا قال ابن جرير وقد قيل أن الذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي ثم خلق بعد الكرسي العرش ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء والله سبحانه وتعالى أعلم
*2* فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي
@ قال الله تعالى ( رفيع الدرجات ذو العرش ) وقال تعالى ( فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ) وقال الله تعالى ( لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) وقال (وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد ) وقال تعالى( الرحمن على العرش استوى ) وقال ( ثم استوى على العرش) في غير ما آية من القرآن وقال تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما)
وقال تعالى ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) وقال تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش الكريم لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم وقال الإمام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد حدثني سماك بن حرب عن عبدالله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قال قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة وكشف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء هذا لفظ الإمام أحمد ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث سماك بإسناده نحوه وقال الترمذي هذا حديث حسن وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك ووقفه ولفظ أبي داود وهل تدرون بعد ما بين السماء والأرض قالوا لا ندري قال بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة والباقي نحوه وقال أبو داود حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير قال أحمد كتبناه من نسخته وهذا لفظه قال حدثنا أبي قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاعت العيال ونهكت الأموال وهلكت الأنعام فاستسق الله لنا فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سمواته لهكذا وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الزحل بالراكب قال ابن بشار في حديثه أن الله فوق عرشه وعرشه فوق سمواته وساق الحديث وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عقبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده قال أبو داود والحديث بإسناد أحمد بن سعيد وهو الصحيح وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلي بن المديني ورواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال احمد ايضا وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني تفرد بإخراجها أبو داود وقد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقي جزءا في الرد على هذا الحديث سماه ببيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه وذكر كلام الناس فيه ولكن قد روي هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق فرواه عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما وابن أبي عاصم والطبراني في كتابي السنة لهما والبزار في مسنده والحافظ الضياء المقدسي في مختاراته من طريق أبي إسحاق السبيعي عن عبدالله بن خليفة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال أتت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب تبارك وتعالى وقال إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الزحل الجديد من ثقله عبدالله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور وفي سماعه من عمر نظر ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة والله أعلم
وثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن يروى وفوقه بالفتح على الظرفية وبالضم قال شيخنا الحافظ المزي وهو أحسن أي وأعلاها عرش الرحمن وقد جاء في بعض الآثار أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه وما ذاك إلا لقربهم منه وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ وذكر الحافظ بن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة وذكرنا عند قوله تعالى ( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) أنه بعد ما بين العرش إلى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة وقد ذهب طائفة من أهل الكلام إلى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير وهذا ليس بجيد لأنه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل وأيضا فإنه فوق الجنة والجنة فوق السموات وفيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فالبعد الذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك إلى فلك وأيضا فإن العرش في اللغة عبارة عن السرير الذي للملك كما قال تعالى ( ولها عرش عظيم ) وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك والقرآن إنما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات قال الله تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ) وقد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية وفوق ظهورهن العرش وقال تعالى ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية )
وقال شهر بن حوشب حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن محمد هو أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق أمية يعني ابن أبي الصلت في بيتين من شعره فقال
رجل وثور تحت رجل يمينه * و النسر للأخرى وليث مرصد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فقال
والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء مطلع لونها متورد
تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * إلا معذبة وإلا تجلد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق فإنه حديث صحيح الإسناد رجاله ثقات وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة فيعارضه حديث الأوعال اللهم إلا أن يقال إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفي ما عداهم والله أعلم ومن شعر أمية بن أبي الصلت في العرش قوله
مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا
بالبناء العالي الذي بهر النا * س وسوى فوق السماء سريرا
شرجعا لا يناله بصر العي * ن ترى حوله الملائك صورا
صور جمع أصور وهو المائل العنق لنظره إلى العلو
والشرجع هو العالي المنيف والسرير هو العرش في اللغة ومن شعر عبدالله بن رواحة رضي الله عنه الذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته
شهدت بأن وعد الله حق * وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف * وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام * ملائكة الإله مسومينا
ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبدالله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله عز وجل من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ورواه ابن أبي عاصم ولفظه محقق الطير مسيرة سبعمائة عام
*2* وأما الكرسي
@ فروى ابن جرير من طريق جويبر وهو ضعيف عن الحسن البصري أنه كان يقول الكرسي هو العرش وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض أي علمه والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه وقال إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره عن أبي عاصم النبيل عن الثوري فجعله مرفوعا والصواب أنه موقوف على ابن عباس وحكاه ابن جرير عن أبي موسى الأشعري والضحاك بن مزاحم واسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير ومسلم البطين وقال السدي عن أبي مالك الكرسي تحت العرش وقال السدي السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين العرش يدي وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس انه قال لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفارة وقال ابن جرير حدثني يونس حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد حدثني أبي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السموات السبع في الكرسي إلا كدارهم سبعة ألقيت في ترس قال وقال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض أول الحديث مرسل وعن أبي ذر منقطع وقد روى عنه من طريق أخرى موصولا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني أنبأنا عبدالله ابن وهيب المغربي أنبأنا محمد بن أبي سري العسقلاني أنبأنا محمد بن عبدالله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة وقال ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال
سئل ابن عباس عن قوله عز وجل وكان عرشه على الماء على أي شيء كان الماء قال على متن الريح قال والسموات والأرضون وكل ما فيهن من شيء تحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي وروى عن وهب ابن منبه نحوه وفسر وهب الهيكل فقال شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط وقد زعم بعض من ينتسب إلى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت وفيما زعموه نظر لأنه قد ثبت أنه أعظم من السموات السبع بشيء كثير ورد الحديث المتقدم بان نسبتها إليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة وهذا ليس نسبة فلك إلى فلك فإن قال قائلهم فنحن نعترف بذلك ونسميه مع ذلك فلكا فنقول الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك وإنما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة إليه ومثل هذا لا يكون فلكا وزعم أن الكواكب الثوابت مرصعة فيه لا دليل لهم عليه هذا مع اختلافهم في ذلك أيضا كما هو مقرر في كتبهم والله أعلم
*2* ذكر اللوح المحفوظ
@ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبدالله عن ليث عن عبدالملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق ولوما محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء قلمه نور وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء وقال إسحاق بن بشر أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة قال واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه نور وكلامه معقود بالعرش وأصلح في حجر ملك وقال أنس بن مالك وغيره من السلف اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل وقال مقاتل هو عن يمين العرش
*2* ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما
@ قال الله تعالى ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ) وقال تعالى ( خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) في غير ما آية من القرآن وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين فالجمهور على أنها كأيامنا هذه وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك وكعب الأحبار إن كل يوم منها كألف سنة مما تعدون رواهن ابن جرير وابن أبي حاتم واختار هذا القول الإمام أحمد ابن حنبل في كتابه الذي رد فيه على الجهمية وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم وسيأتي ما يدل على هذا القول وروى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم وغيره أن أسماء الأيام الستة أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال نروى عن محمد بن إسحاق أنه قال يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد ويقول أهل الإنجيل ابتدأ الله الخلق يوم الإثنين ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ الله الخلق يوم السبت وهذا القول الذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال إليه طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم وسيأتي فيه حديث أبي هريرة خلق الله التربة يوم السبت والقول بأنه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن جماعة من الصحابة ورواه أيضا عن عبدالله بن سلام واختاره ابن جرير وهو نص التوراة ومال إليه طائفة آخرون من الفقهاء وهو اشبه بلفظ الأحد ولهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع وهو اليوم الذي أضل الله عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه إن شاء الله وقال تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ) وقال تعالى ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى ( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ) قال تعالى ( ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا إلى أن قال وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا ) وقال ( أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا
من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) أي فصلنا ما بين السماء والأرض حتى هبت الرياح ونزلت الأمطار وجرت العيون والأنهار وانتعش الحيوان ثم قال وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت والسيارات والنجوم الزاهرات والأجرام النيرات وما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض والسموات كما قال تعالى ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) فأما قوله تعالى ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم ) فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض فخالفوا صريح الآيتين المتقدمتين ولم يفهموا هذه الآية الكريمة فإن مقتضى هذه الآية أن دحى الأرض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى ( وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ) أي هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلي والعلوي دحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون وجرت الأنهار ونبت الزرع والثمار ولهذا فسر الدحى بإخراج الماء والمرعى منها وإرساء الجبال فقال والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها وقوله ( والجبال أرساها ) أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها وثبتها وأكدها وأطدها وقوله ( والسماء بنيناها بايد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) بايد أي بقوة وأنا لموسعون وذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها ولهذا كان الكرسي أعلى من السموات وهو أوسع منهن كلهن والعرش أعظم من ذلك كله بكثير وقوله بعد هذا والأرض فرشناها أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم ولهذا قال ( فنعم الماهدون ) والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع وإنما يقتضي الإخبار المطلق في اللغة والله أعلم
وقال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال أقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إن لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها هكذا رواه هاهنا وقد رواه في كتاب المغازي وكتاب التوحيد وفي بعض ألفاظه ثم خلق السموات والأرض وهو لفظ النسائي أيضا وقال الإمام أحمد بن حنبل حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاث وخلق النور يوم الأربعاء وبث الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهرون بن عبدالله والنسائي عن هرون ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عن ابن جريج به مثله سواء وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد بن الصباح عن أبي عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع وخلق التربة يوم السبت وذكر تمامه بنحوه فقد اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ وقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعني أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار فإنهما كان يصطحبان ويتجالسان للحديث فهذا يحدثه عن صحفه وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكد رفعه بقوله أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ثم في متنه غرابة شديدة فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين من دخان وهو بخار الماء الذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الذي خلق من ربذة الأرض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات قال إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين الأحد والإثنين وخلق الأرض على حوت وهو النون الذي قال الله تعالى ( نون والقلم وما يسطرون ) والحوت في الماء والماء على صفات والصفات على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب
فتزلزت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت وخلق الله يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب وفتق السماء وكانت رتقا فجعلها سبع سموات في يومين الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا يحفظ من الشياطين فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش هذا الإسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقي من الإسرائيليات فإن كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا ولما جاء من الأذن في التحديث عن بني إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ كثير
وقد روى البخاري في صحيحه عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم
ونحن نورد ما نورده من الذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه ويبقى الباقي مما لا يصدق ولا يكذب وبه المستعان وعليه التكلان
قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبدالرحمن القرشي عن أبي زناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي وكذا رواه مسلم والنسائي عن قتيبة به ثم قال البخاري
*2* ما جاء في سبع أرضين
@ وقوله تعالى ( والله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وإن الله قد أحاط بكل شي علما ) ثم قال حدثنا علي بن عبدالله أخبرنا ابن علية عن علي بن المبارك حدثنا يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة بن عبدالرحمن وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك فقالت يا أبا سلمة
اجتنب الأرض فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين ورواه أيضا في كتاب المظالم ومسلم من طرق عن يحيى بن كثير به ورواه أحمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة به ورواه أيضا عن يونس عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة بمثله ثم قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبدالله عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين ورواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبدالله هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به وهو من أفراده وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثني عشر شهرا الحديث ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ) أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثني عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمن كما أن تلك مطابقة في المكان ثم قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى في حق زعمت أنه انتقصه لها إلى مروان فقال سعيد رضي الله عنه انا انتقص من حقها شيئا أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين ورواه .



وقال الإمام أحمد حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عبدالله بن لهيعة حدثنا عبدالله ابن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم قال ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم وقال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه إلى سبع أرضين تفرد به أيضا وهو على شرط مسلم وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين تفرد به أيضا وقد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله فهذه الأحاديث كالمتواترة في اثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهي الأمر إلى السابعة وهي صماء لا جوف لها وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة وهو محط الأثقال إليه ينتهي ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع واختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا والظاهر أن بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة لظاهر قوله تعالى ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن ) الآية وقال الإمام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبدالملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت سحابة فقال أتدرون ما هذه قلنا الله ورسوله أعلم قال العنان وزوايا الأرض تسوقه إلى من لا يشكرونه من عباده ولا يدعونه أتدرون ما هذه فوقكم قلنا الله ورسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ أتدرون كم بينكم وبينها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة سنة ثم قال أتدرون ما الذي فوقها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قلنا الله ورسوله أعلم قال العرش أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام ثم قال أتدرون ما هذه تحتكم قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أتدرون ما تحتها قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أخرى أتدرون كم بينهما قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال وأيم الله لو دليتم أحدكم إلى الأرض السفلى السابعة لهبط ثم قرأ ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) ورواه الترمذي عن عبد بن حميد وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبدالرحمن عن قتادة قال حدث الحسن عن أبي هريرة وذكره إلا أنه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام وذكر في آخره كلمة ذكرناها عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبي هريرة ورواه أبو محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره ورواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا وقد يكون هذا أشبه والله أعلم ورواه الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث أبي ذر الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لا يصح إسناده والله أعلم
وقد تقدم عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له وفيه وبعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام وكثفها أي سمكها خمسمائة عام وأما ما ذهب إليه بعض المتكلمين على حديث طوقه من سبع أرضين أنها سبعة أقاليم فهو قول يخالف ظاهر الآية والحديث الصحيح وصريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الذي أوردناه من طريق الحسن عن أبي هريرة ثم إنه حمل الحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل والله أعلم وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب والتي تحتها من حديد والأخرى من حجارة من كبريت والأخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس أنه قال في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كإبراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات وهو محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس رضي الله عنه عن الإسرائيليات والله أعلم
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبي سليمان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الريح قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به أحمد
وقد ذكر أصحاب الهيئة إعداد جبال الأرض في سائر بقاعها شرقا وغربا وذكروا طولها وبعد امتدادها وارتفاعها وأوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا وقد قال الله تعالى ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ) قال ابن عباس وغير واحد الجدد الطرائق وقال عكرمة وغيره الغرايب الجبال الطوال السود وهذا هو الشاهد من الجبال في سائر الأرض تختلف باختلاف بقاعها وألوانها وقد ذكر الله تعالى في كتابه الجودي على التعيين وهو جبل عظيم شرقي جزيرة ابن عمر إلى جانب دجلة عند الموصل امتداده من الجنوب إلى الشمال مسيرة ثلاثة أيام وارتفاعه مسيرة نصف يوم وهو أخضر لأن فيه شجرا من البلوط وإلى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح عليه السلام في موضعها فما ذكره غير واحد من المفسرين والله أعلم
*2* فصل في البحار والأنهار
@ قال الله تعالى ( وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهدون وعلامات وبالنجم هم يهتدون أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ) وقال تعالى ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون )وقال تعالى ( وهو الذي مرج البحرين هذا أعذب فرات وهذا أملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ) وقال تعالى ( مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان) فالمراد بالبحرين البحر الملح المر وهو الأجاج والبحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة وقال تعالى ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور أو يوبقهن بما كسبوا ويعفو عن كثير ) وقال تعالى ( ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختال كفور ) وقال تعالى ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) فامتن تعالى على عباده بما خلق لهم من البحار والأنهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لأنتن الجو وفسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدي إلى تفاني بني آدم ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة ولهذا لما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحر قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته .
وأما الأنهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك وجعلها جارية سارحة ينبعها تعالى في أرض ويسوقها إلى أخرى رزقا للعباد ومنها كبار ومنها صغار بحسب الحاجة والمصلحة وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار والأنهار الكبار وأصول منابعها وإلى أين ينتهي سيرها بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى وأنه فاعل بالاختيار والحكمة وقوله تعالى( والبحر المسجور ) فيه قولان أحدهما أن المراد به البحر الذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال وأنه فوق السموات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماء إلى سماء وهو الذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس والثاني أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض وهو قول الجمهور .
واختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء وقيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وابن مجاهد وغيرهم وقيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض ومن عليها فيغرقوا رواه الوالبي عن ابن عباس وهو قول السدي وغيره ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله عز وجل أن يتفصح عليهم فيكفه الله عز وجل ورواه إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال خرجت ليلة لمحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلي أن البحر يشرف يحاذي برءوس الجبال فعل ذلك مرارا وأنا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله عز وجل في إسناده رجل مبهم والله أعلم .
وهذا من نعمه تعالى على عباده أن كف شر البحر عن أن يطغى عليهم وسخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها إلى الأقاليم النائية بالتجارات وغيرها وهداهم فيه بما خلقه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم وبما خلق لهم فيه من اللآلىء والجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد إلا فيه وبما خلق فيه من الدواب الغريبة وأحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه وقال النبي صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته وفي الحديث الآخر أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال رواه أحمد وابن ماجه وفي إسناده نظر.
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه قال كلم الله هذا البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للغربي أني حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم قال بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد وكلم هذا البحر الشرقي فقال إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد ثم قال لا تعلم أحدا ما رواه عن سهيل إلا عبدالرحمن بن عبدالله بن عمر وهو منكر الحديث قال وقد رواه سهيل عن عبدالرحمن بن أبي عياش عن عبدالله بن عمرو موقوفا قلت الموقوف على عبدالله بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك ذا ملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود فأما المعروف فتفرد به عبدالرحمن بن عبدالله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها قال فيه الإمام أحمد ليس بشيء وقد سمعته منه ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير وكذا ضعفه بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي وقال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر .
قال علماء التفسير المتكلمون على العروض والأطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم والأقاليم المتعددة العرفية وما في البلدان والأقاليم من الخواص والنباتات وما يوجد في كل قطر من صنوف المعادن والتجارات قالوا الأرض مغمورة بالماء العظيم إلا مقدار الربع منها وهو تسعون درجة والعناية الالهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها وتنبت الزرع والثمار منها كما قال تعالى ( والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان ) قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا وهو خمس وتسعون درجة قالوا فالبحر المحيط الغربي ويقال له أوقيانوس وهو الذي يتاخم بلاد المغرب وفيه الجزائر الخالدات وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا وهو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة موجه واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج وليس فيه صيد ولا يستخرج منه شيء ولا يسافر فيه لمتجر ولا لغيره وهو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر ويقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر ويتجاوز خط الإستواء ثم يمتد شرقا ويصير جنوبي الأرض وفيه هناك جزائر الزابج وعلى سواحله خراب كثير ثم يمتد شرقا وشمالا حتى يتصل بحر الصين والهند ثم يمتد شرقا حتى يسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة وهناك بلاد الصين ثم ينعطف في شرق الصين إلى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين ويسامت سد يأجوج ومأجوج ثم ينعطف ويستدير على أراضي غير معلومة الأحوال ثم يمتد مغربا في شمال الأرض ويسامت بلاد الروس ويتجاوزها ويعطف مغربا وجنوبا ويستدير على الأرض ويعود إلى جهة الغرب وينبثق من الغربي إلى متن الأرض الزقاق الذي ينتهي أقصاه إلى أطراف الشام من الغرب ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة حتى إنه يقال إن في بحر الهند ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة فيها مدن وعمارات سوى الجزائر العاطلة ويقال لها البحر الأخضر فشرقيه بحر الصين وغربيه بحر اليمن وشماله بحر الهند وجنوبيه غير معلوم .
وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالا فاصلة بينهما وفيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الذي خلقها كما جعل مثلها في البر ايضا قال الله تعالى وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه المسمى بالمجسطي الذي عرب في زمان المأمون وهو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدا فمنها ما هو واحد ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له فمن ذلك بحر القلزم والقلزم قرية على ساحله قريب من أيلة وبحر فارس وبحر الخزرة وبحر ورنك وبحر الروم وبحر بنطش وبحر الأزرق مدينة على ساحله وهو بحر القرم أيضا ويتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية وهو خليج القسطنطينية ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم وتبطيء إذا جاءت من الإسكندرية إلى القرم لاستقبالها جريان الماء وهذا من العجائب في الدنيا فإن كل ماء جار فهو حلو إلا هذا وكل بحر راكد فهو ملح أجاج إلا ما يذكر عن بحر الخزر وهو بحر جرجان وبحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه .
قال أهل الهيئة وهو بحر مستدير الشكل إلى الطول ما هو وقيل إنه مثلث كالقلع وليس هو متصلا بشيء من البحر المحيط بل منفرد وحده وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة وقيل أكثر من ذلك والله أعلم .
ومن ذلك البحر الذي يخرج منه المد والجزر عند البصرة وفي بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر ولا يزال في زيادة إلى تمام الليلة الرابعة عشر منه وهو المد ثم يشرع في النقص وهو الجزر إلى آخر الشهر وقد ذكروا تحديد هذه البحار ومبتداها ومنتهاها وذكروا ما في الأرض من البحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول وهي البطائح .
وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار وذكروا ابتداءها وانتهاءها ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه وإنما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث وقد قال الله تعالى ( الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران فأما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وفي لفظ في البخاري وعنصرهما أي مادتهما أو شكلهما وعلى صفتهما ونعتهما وليس في الدنيا مما في الجنة إلا سماوية وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمر عن خبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة .
وقال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير ويزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم وكأن المراد والله أعلم من هذا أن هذه الأنهار تشبه أنهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها كما قال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي وصححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم أي تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة فإن الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره وكذا قوله صلى الله عليه وسلم الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء وكذا قوله إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فإن شدة الحر من فيح جهنم وهكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض .
أما النيل وهو النهر الذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبعد مسراه فيما بين مبتداه إلى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر أي البيض ومنهم من يقول جبال القمر بالإضافة إلى الكواكب وهي في غربي الأرض وراء خط الإستواء إلى الجانب الجنوبي ويقال أنها حمر ينبع من بينها عيون ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر ثم يخرج منها أنهار ستة ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان الحبشة ثم على النوبة ومدينتها العظمى دمقلة ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر وقد تحمل إليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهي محتاجة إليهما معا لأن مطرها قليل لا يكفي زروعها وأشجارها وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجيء النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون إليه وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله تعالى أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد ويصب في البحر المالح وأما الشرقي فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها ويصب في البحر والشرقية منهما تمر على أشمون طناح فيصب هناك في بحيرة شرقي دمياط يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط وهذا بعد عظيم فيما بين مبتداه إلى منتهاه ولهذا كان ألطف المياه قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الأرض فمنها أنه أبعدها مسافة من مجراه إلى أقصاه ومنها أنه يجري على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة وما ذاك إلا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته ومنها أن زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها وأما ما يذكره بعضهم من ان أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة وأن الذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات الأفاكين .
وقد قال عبدالله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها إليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم القبطية فقالوا يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إذا كان لثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فارضينا أبويها وجعلنا عليها من الجلى والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو أن هذا لا يكون في الإسلام وأن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة والنيل لا يجري لا قليلا ولا كثيرا وفي رواية فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى وهو لا يجري حتى هموا بالجلاء فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب إليه عمر إنك قد أصبت بالذي فعلت وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها من عبدالله عمر عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله أن يجريك فألقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم .



وأما الفرات فأصلها من شمالي أررن الروم فتمر إلى قرب ملطيه ثم تمر على شميشاط ثم على البيرة قبليها ثم تشرق إلى بالس وقلعة جعبر ثم الرقة ثم إلى الرحبة شماليها ثم إلى عانة ثم إلى هيت ثم إلى الكوفة ثم تخرج إلى فضاء العراق ويصب في بطائح كبار أي بحيرات وترد إليها ويخرج منها أنهار كبار معروفة .
وأما سيحان ويقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم ويجري من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر وهو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس وقد كانت في أول الدولة الإسلامية في أيدي المسلمين فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية وملكوا الشام وأعمالها عجزوا عن صونها عن الأعداء فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد أعني بلاد سيس في حدود الثلاثمائة وإلى يومنا هذا والله المسئول عودها إلينا بحوله وقوته ثم يجتمع سيحان وجيحان عند إذنه فيصيران نهرا واحدا ثم يصبان في بحر الروم بين أياس وطرسوس .
وأما جيحان ويقال له جيحون أيضا وتسميه العامة جاهان وأصله في بلاد الروم ويسير في بلاد سيس من الشمال إلى جنوب وهو يقارب الفرات في القدر ثم يجتمع هو وسيحان عند اذنة فيصيران نهرا واحدا ثم يصبان في البحر عند اياس وطرسوس والله أعلم .
*2* فصل قال الله تعالى ( الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها )
@ (ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) وقال تعالى ( أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون ) وقال تعالى (هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) .
فذكر تعالى ما خلق في الأرض من الجبال والأشجار والثمار والسهول والأوعار وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري والقفار والبر والبحار ما يدل على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه وما سهل لكل دابة من الرزق الذي هي محتاجة إليه في ليلها ونهارها وصيفها وشتائها وصباحها ومسائها كما قال تعالى ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) وقد روى الحافظ أبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى بن كيسان عن محمد بن المنكدر عن جابر عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خلق الله ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه .
عبيد بن واقد أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم وقال بن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه وشيخه أضعف منه قال الفلاس والبخاري منكر الحديث وقال أبو زرعة لا ينبغي أن يحدث عنه وضعفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم .
وقال تعالى ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون )
*2* ذكر ما يتعلق بخلق السموات وما فيهن من الآيات
@ قد قدمنا أن خلق الأرض قبل خلق السماء كما قال تعالى ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ) وقال تعالى ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) وقال تعالى ( أأنتم أشد خلق أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها ) فإن الدحى غير الخلق وهو بعد خلق السماء وقال تعالى ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير )وقال تعالى ( وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا ) وقال تعالى ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) وقال تعالى ( الله الذي خلق سبع سموات والأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) وقال تعالى ( تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) وقال تعالى ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب ) وقال تعالى ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين ) وقال تعالى ( والسماء بنيناها بايد وانا لموسعون ) وقال تعالى ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون ) وقال تعالى ( وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) وقال تعالى ( فالق الإصباح وجعلى الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ) وقال تعالى ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ) والآيات في هذا كثيرة جدا وقد تكلمنا على كل منها في التفسير
والمقصود أنه تعالى يخبر عن خلق السموات وعظمة اتساعها وارتفاعها وأنها في غاية الحسن والبهاء والكمال والسناء كما قال تعالى ( والسماء ذات الحبك ) أي الخلق الحسن وقال تعالى ( فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير ) أي خاسئا عن أن يرى فيها نقصا أو خللا وهو حسير أي كليل ضعيف ولو نظر حتى يعي ويكل ويضعف لما اطلع على نقص فيها ولا عيب لأنه تعالى قد أحكم خلقها وزين بالكواكب أفقها كما قال ( والسماء ذات البروج ) أي النجوم وقيل محال الحرس التي يرمي منها بالشهب لمسترق السمع ولا منافاة بين القولين وقال تعالى ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم ) فذكر أنه زين منظرها بالكواكب الثوابت والسيارات الشمس والقمر والنجوم الزاهرات وأنه صان حوزتها عن حلول الشياطين بها وهذا زينة معنى فقال وحفظناها من كل شيطان رجيم كما قال ( إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ) .
قال البخاري في كتاب بدء الخلق وقال قتادة ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) خلق هذه النجوم الثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به وهذا الذي قاله قتادة مصرح به في قوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) وقال تعالى ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ) فمن تكلف غير هذه الثلاث أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وأن ذلك يدل على حوادث أرضيه فقد أخطأ وذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه الا حدس وظنون كاذبة ودعاوي باطلة وذكر تعالى أنه خلق سبع سموات طباقا أي واحدة فوق واحدة واختلف أصحاب الهيئة هل هن متراكمات أو متفاصلات بينهن خلاء على قولين والصحيح الثاني لما قدمنا من حديث عبدالله بن عميرة عن الأحنف عن العباس في حديث الأوعال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون كم بين السماء والأرض قلنا الله ورسوله أعلم قال بينهما مسيرة خمسمائة عام ومن كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة الحديث بتمامه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه وفي الصحيحين من حديث أنس في حديث الإسراء قال فيه ووجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فرد عليه السلام وقال مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت إلى أن قال ثم عرج إلى السماء الثانية وكذا ذكر في الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فدل على التفاصل بينها لقوله ثم عرج بنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا الحديث وهذا يدل على ما قلناه والله أعلم
وقد حكى ابن حزم وابن المنير وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة واستدل على ذلك بقوله كل في فلك يسبحون قال الحسن يدورون وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل قالوا ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق كما قال أمية ابن أبي الصلت .
والشمس تطلع كل آخر ليلة حمراء مطلع لونها متورد تأبي فلا تبدو لنا في رسلها إلا معذبه والا تجلد فأما الحديث الذي رواه البخاري حيث قال حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس تدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى ( والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم ) .
هذا لفظه في بدء الخلق ورواه في التفسير وفي التوحيد من حديث الأعمش أيضا ورواه مسلم في الإيمان من طريق الأعمش ومن طريق يونس بن عبيد وأبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبي ذر به نحوه وقال الترمذي حسن صحيح إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين ولا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون قد أبطلنا قولهم فيما سلف ولا يدل على أنها تصعد إلى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لأنه مقبب من جهة وجه العالم وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب جل جلاله في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدوا من جهة الشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بني آدم أن تطلع عليهم ولهذا قال أمية تأبى فلا تبدو لنا في رسلها إلا معذبة والا تجلد فإذا كان الوقت الذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم تسجد فلا يؤذن لها وتطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير فتقول يا رب إن الفجر قد اقترب وإن المدى بعيد فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا وفسروا بذلك قوله تعالى ( والشمس تجري لمستقر لها ) قيل لوقتها الذي تؤمر فيه تطلع من مغربها وقيل مستقرها موضعها الذي تسجد فيه تحت العرش وقيل منتهى سيرها وهو آخر الدنيا وعن ابن عباس أنه قرأ والشمس تجري لا مستقر لها أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد وهي سائرة ولهذا قال تعالى ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه ودولته ولا هو أيضا ولا الليل سابق النهار أي ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في أثره متعقبا له كما قال في الآية الأخرى ( يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ).
وقال تعالى ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ) أي يخلف هذا لهذا وهذا لهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم فالزمان المحقق ينقسم إلى ليل ونهار وليس بينهما غيرهما ولهذا قال تعالى ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ) فيولج من هذا في هذا أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا والنهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص والنهار يتزايد حتى يعتدلا وهو أول الربيع ثم يشرع النهار يطول ويتزايد والليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف ثم يشرع الليل يطول ويقصر النهار إلى آخر فصل الخريف ثم يترجح النهار قليلا قليلا ويتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا وهكذا في كل عام ولهذا قال تعالى ( وله اختلاف الليل والنهار ) أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الذي لا يخالف ولا يمانع ولهذا يقول في ثلاث آيات عند ذكر السموات والنجوم والليل والنهار ( ذلك تقدير العزيز العليم ) أي العزيز الذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء فلا يمانع ولا يغالب العليم بكل شيء فقدر كل شيء تقديرا على نظام لا يختلف ولا يضطرب وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار وفي رواية فأنا الدهر أقلب ليله ونهاره .
قال العلماء كالشافعي وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر أيتم الأولاد أرمل النساء قال الله تعالى ( وأنا الدهر ) أي أنا الدهر الذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الذي أسنده إلى الدهر والدهر مخلوق وإنما فعل هذا هو الله فهو يسب فاعل ذلك ويعتقده الدهر والله هو الفاعل لذلك الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء كما قال وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره وكما قال تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب ) وقال تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض لآيات لقوم يتقون ) أي فاوت بين الشمس والقمر في نورهما وفي شكلهما وفي وقتهما وفي سيرهما فجعل هذا ضياء وهو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر والقمر نورا أي أضعف من برهان الشمس وجعله مستفادا من ضوئها وقدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس وقلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره ولهذا في الليلة الثانية يكون أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الأولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة ثم كلما بعد ازداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة
مقابلته إياها من المشرق وذلك ليلة أربع عشرة من الشهر ثم يشرع في النقص لاقترابه إليها من الجهة الأخرى إلى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدا في أول الشهر الثاني فبه تعرف الشهور وبالشمس تعرف الليالي والأيام وبذلك تعرف السنين والأعوام ولهذا قال تعالى ( هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) وقال تعالى ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ) وقال تعالى (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ).
وقد بسطنا القول على هذا كله في التفسير فالكواكب التي في السماء منها سيارات وهي المتخيرة في اصطلاح علماء التفسير وهو علم غالبه صحيح بخلاف علم الأحكام فإن غالبه باطل ودعوى ما لا دليل عليه وهي سبعة القمر في سماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشتري في السادسة وزحل في السابعة وبقية الكواكب يسمونها الثوابت وهي عندهم في الفلك الثامن وهو الكرسي في اصطلاح كثير من المتأخرين وقال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا ولا مانع من كون بعضها فوق بعض وقد يستدل على هذا بقوله تعالى ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ) وبقوله ( فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فإن دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك والا فلا مانع مما قاله الآخرون والله أعلم وعندهم أن الأفلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب إلى المشرق فالقمر يقطع فلكه في شهر والشمس تقطع فلكها وهو الرابع في سنة فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت وحركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتي عشرة مرة وزحل يقطع فلكه وهو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدينا ثلثمائة وستين مرة .
وقد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب وسيرها وحركاتها وتوسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا إلى علم الأحكام وما يترتب على ذلك من الحوادث الأرضية ومما لا علم لكثير منهم به وقد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح عليه السلام يدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه وهم الذين بنوا مدينة دمشق وجعلوا لها أبوابا سبعة وجعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة يعبدون كل واحد في هيكله ويدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ وغيرهم وذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم وغيره من علماء الحرنانيين فلاسفة حران في قديم الزمان وقد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبع وهم طائفة من الصابئين ولهذا قال الله تعالى ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) وقال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان عليه السلام مخبرا عن بلقيس وجنودها ملكة سبأ في اليمن وما والاها ( إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون أن لا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) وقال تعالى ( ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) وقال تعالى (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) وقال تعالى ( ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال ) وقال تعالى ( تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) والآيات في هذا كثيرة جدا .
ولما كان أشرف الأجرام المشاهدة في السموات والأرض هي الكواكب وأشرفهن منظرا وأشرفهن معتبرا الشمس والقمر استدل الخليل على بطلان آلهية شيء منهن وذلك في قوله تعالى ( فلما جن الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) أي للغائبين ( فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برىء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) فبين بطريق البرهان القطعي أن هذه الأجرام المشاهدات من الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للالهية لأنها كلها مخلوقة مربوية مدبرة مسخرة في سيرها لا تحيد عما خلقت له ولا تزيغ عنه إلا بتقدير متقن محرر لا تضطرب ولا تختلف
وذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة ولهذا قال تعالى ( ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) وثبت في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته .
وقال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبدالعزيز بن المختار حدثنا عبدالله الداناج حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشمس والقمر مكوران يوم القيامة انفرد به البخاري وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق فقال حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبدالعزيز بن المختار عن عبدالله الداناج سمعت أبا سلمة بن عبدالرحمن زمن خالد بن عبدالله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما دينهما فقال أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول وما دينهما ثم قال البزار لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه ولم يرو عبدالله الداناج عن أبي سلمه سوى هذا الحديث وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشي وهو ضعيف عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشمس والقمر ثوران عقيران في النار وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج وعمر بن عبدالله الأزدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس إذا الشمس كورت قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا فدلت هذه الآثار على أن الشمس والقمر من مخلوقات الله خلقها الله لما أراد ثم يفعل فيها ما يشاء وله الحجة الدافعة والحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب وما أحسن ما أورده الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء والأرض والشمس والقمر وغير ذلك قال ابن هشام هي لأمية بن أبي الصلت
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لا يني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا
ألا أيها الإنسان إياك والردى * فإنك لا تخفي من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره * فإن سبيل الرشد أصبح باديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهم ربا فلن أرى * أدين إلها غيرك الله ثانيا
وأنت الذي من فضل من ورخمة * بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له إذهب وهرون فادعو * إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له آأنت سويت هذه * بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له آأنت رفعت هذه * بلا عمد ارفق إذا بك بانيا
وقولا له آأنت سويت وسطها * منيرا إذا ماجنه الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة * فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى * فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رؤسه * وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني لو سبحت باسمك ربنا * لا كثر إلا ما غفرت خطائيا
فرب العباد ألق سيبا ورحمة * علي وبارك في بني وماليا
فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت والسيارات الجميع مخلوقة خلقها الله تعالى كما قال ( وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ).
وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت ومروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا إلى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بني إسرائيل وقد روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه أحمد عن يحيى ابن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر القصة بطولها وفيه فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها وذكر القصة وقد رواه عبدالرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب الأحبار به وهذا أصح وأثبت وقد روى الحاكم في مستدركه وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره وقال فيه وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وذكر تمامه وهذا أحسن لفظ روى في هذه القصة والله أعلم
وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبدالملك الواسطي حدثنا يزيد بن هرون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبدالأعلى حدثنا إبرهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر سهيلا فقال كان عشارا ظلوما فمسخه الله شهابا ثم قال لم يروه عن زيد بن أسلم إلا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار إلا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث وإنما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه إلا من هذين الوجهين قلت أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة فقد ضعفه الجميع وقال فيه الإمام أحمد والدارقطني كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي وهو ضعيف باتفاقهم قال فيه أحمد والنسائي متروك .
وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشيء وقال البخاري سكتوا عنه وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث ومثل هذا الإسناد لا يثبت به شيء بالكلية وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بني إسرائيل كما تقدم من رواية بن عمر عن كعب الأحبار ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم .
*2* المجرة وقوس قزح
@ قال أبو القاسم الطبراني حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب إلى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه قال فكتب إليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا من لهذا قيل ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به إلى ابن عباس فكتب إليه أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق والمجرة باب السماء الذي تنشق منه الأرض وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من النهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنه فأما الحديث الذي رواه الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج.
حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبي يحيى عن مجاهد عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ إني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع ورواية الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري ثم انتقل إلى مصر قال فيه أبو حاتم الرازي هو مجهور حدث بالأباطيل وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا إسنادا وقال الله تعالى ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) وقال تعالى ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) وروى الإمام أحمد عن يزيد بن هرون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بني غفار قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله ينشىء السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبرهيم أنه قال إن نطقة الرعد وضحكه البرق وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام عن عبيدالله الرازي عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الأدب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبي هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده وعن علي أنه كان يقول سبحان من سبحت له وكذا عن ابن عباس والأسود بن يزيد وطاوس وغيرهم وروى مالك عن عبدالله ابن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض وروى الإمام أحمد أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال ربكم لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة.


افتراضي

باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم
@ قال الله تعالى ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين ) وقال تعالى ( تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم ) وقال تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم ).
وقال تعالى ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون ) وقال ( ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) وقال تعالى ( وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) وقال تعالى ( وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ) وقال تعالى ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) وقال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) وقال تعالى ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) وقال تعالى ( الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) وقال تعالى ( يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ).
وقال تعالى ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ) وقال تعالى ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الأشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى ( ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدو لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وكذلك كان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صفات متعددة فتارة يأتي في صورة دحية بن خليفة الكلبي وتارة في صورة أعرابي وتارة في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين مرة منهبطا من السماء إلى الأرض وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وهو قوله تعالى ( علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى ) أي جبريل كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ( فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ) أي إلى عبدالله محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى )
وقد ذكرنا في أحاديث الإسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها قيل غشيها نور الرب جل جلاله وقيل غشيها فراش من ذهب وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها أي من حسنها وبهائها ولا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة وذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال وفي رواية كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران فأما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض وما فيها من البحار والأنهار وفيه ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودونه إليه آخر ما عليهم وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل عليه السلام مستندا ظهره إلى البيت المعمور وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكوا سأل علي بن أبي طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدا وهكذا روى علي بن ربيعة وأبو الطفيل عن علي مثله وقال الطبراني أنبأنا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فإن له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة يعني في الأرض وهكذا قال العوفي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما لأصحابه هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم .
وقال آخرون في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون إليه بالنوبة والبدل كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن قال سعبد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد أن الحرم حرم مناه يعني قدره من السموات السبع والأرضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبدالله بن عمرو يقول إن الحرم محرم في السموات السبع مقداره من الأرض وإن بيت المقدس مقدس في السموات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء
إن الذي سمك السماء بنى لها * بيتا دعائمه أشد وأطول
واسم البيت الذي في السماء بيت العزة واسم الملك الذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم إلى البيت المعمور ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر يكونون من سكان السماء السابعة وحدها ولهذا قال تعالى ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) وقال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل فقال أبو ذر والله لوددت أني شجرة تعضد ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفا وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقي حدثنا عبيدالله بن عمرو عن عبدالكريم بن مالك عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السموات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة منهم من هو قائم أبدا ومنهم من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجدا أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى ( وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون ) وقال صلى الله عليه وسلم ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا وكيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول ويتراصون في الصف وقال فضلنا على الناس بثلاث جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وكذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب جل جلاله صفوفا كما قال تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا ويقفون صفوفا بين يدي ربهم عز وجل يوم القيامة كما قال تعالى يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا والمراد بالروح ههنا بنو آدم قاله ابن عباس والحسن وقتادة وقيل ضرب من الملائكة يشبهون بني آدم في الشكل قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش وقيل جبريل قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك وقيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله يوم يقوم الروح قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا وقال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود بن الجراح عن أبي حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيى يوم القيامة صفا وحده وهذا غريب جدا وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبدالله بن عبدالحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبدالله بن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات والأرضين بلقمة واحدة لفعل تسبيحه سبحانك حيث كنت وهذا أيضا حديث غريب جدا وقد يكون موقوفا وذكرنا في صفة حملة العرش عن جابر بن عبدالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام رواه أبو داود وابن أبي حاتم ولفظه مخفق الطير سبعمائة عام
وقد ورد في صفة جبريل عليه السلام أمر عظيم قال الله تعالى علمه شديد القوى قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط وكن سبعا بمن فيها من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى وقوله ذو مرة أي خلق حسن وبهاء وسناء كما قال في الآية الأخرى إنه لقول رسول كريم أي جبريل رسول من الله كريم أي حسن المنظر
ذي قوة أي له قوة وبأس شديد عند ذي العرش مكين أي له مكانه ومنزلة عاليه رفيعة عند الله ذي العرش المجيد مطاع ثم أي مطاع في الملأ الأعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه عليهم السلام الذي ينزل عليهم بالوحي فيه الأخبار الصادقة والشرائع العادلة وقد كان يأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرا عن قوله فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى قال حدثنا عبدالله يعني ابن مسعود أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح
وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبي وائل عن عبدالله قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل من الدر والياقوت ما الله به عليم وقال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين حدثني عاصم بن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جبريل على السدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل في خضر تعلق به الدر إسناده صحيح وقال ابن جرير حدثنا ابن بزيع البغدادي قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله ما كذب الفؤاد ما رأى قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض إسناد جيد قوي وفي الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول ولقد رآه بالأفق المبين ولقد رآه نزلة أخرى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين
رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض
وقال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر ح وحدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا الآية وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وقال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبدالعزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نزل جبريل فأمني فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات
ومن صفة إسرافيل عليه السلام وهو أحد حملة العرش وهو الذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة أولاهن نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه والصور قرن ينفخ فيه كل دارة منه كما بين السماء والأرض وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الأرواح تتوهج فيقول الرب جل جلاله وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الأجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الأجساد وتنشق عنهم الأجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر كما سيأتي تفصيله في موضعه
ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له قالوا كيف نقول يا رسول الله قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا رواه أحمد والترمذي من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الصور فقال عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل عليهم السلام وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبدالله الحضرمي حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبي ليلى حدثني عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل بناحية إذ انشق أفق السماء فأقبل

يتبع ...

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:37 PM
إسرافيل يدنو من الأرض ويتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال فأشار جبريل إلي بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبد نبي فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل فقال هذا إسرافيل عليه السلام خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء من السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل وعلى أي شيء أنت قال على الريح والجنود قلت وعلى أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة وما الذي رأيت مني إلا خوفا من قيام الساعة هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصور وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ حكاه أبو القاسم السهيلي في كتابه التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن من الأعلام وقال تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وهو ذو مكانة من ربه عز وجل ومن أشراف الملائكة المقربين وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثنا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بني المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط فقال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن وفي الصحاح هم المذكورون في الدعاء النبوي اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم وميكائيل موكل بالقطر والنبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب جل جلاله وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور والحضور يوم البعث والنشور ليفوز الشكور ويجازى الكفور فذاك ذنبه مغفور وسعيه مشكور وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور وهو يدعو بالويل والثبور فجبريل عليه السلام
يحصل بما ينزل به الهدى وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم
وقد قال الله تعالى قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة
ثم يصعدون بها فإن كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء وإلا غلقت دونها وألقى بها إلى الأرض قال الله تعالى وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء احدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين
وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنهم قالوا إن الأرض بين يدي ملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الإنسان على حسب عمله إن كان مؤمنا أتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الأرواح وإن كان كافرا فبالضد من ذلك عياذا بالله العظيم من ذلك وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبي يقول نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت يا محمد طب نفسا وقر عينا فإني بكل مؤمن رفيق واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها قال جعفر بن محمد أبي هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان ولقنه الملك لا إله إلا الله محمد رسول الله في تلك الحال العظيمة هذا حديث مرسل وفيه نظر وذكرنا في حديث الصور من طريق إسمعيل بن رافع المدني القاص عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله وفيه ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفخة الصعق فيصعق أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا جاء ملك الموت إلى الجبار عز وجل فيقول يا رب قد مات أهل السموا والأرض إلا من شئت فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل فيقول ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل
وميكائيل فيقول اسكت فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي فيموتان ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار عز وجل فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة عرشي فتموت ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتي ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملت عرشك فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد كان آخرا كما كان أولا وذكر تمام الحديث بطوله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب الطوالات وعنده زيادة غريبة وهي قوله فيقول الله له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبدا
ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات وروى الإمام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه وفي صحته عندي نظر والأشبه أنه موقوف على عبدالله بن عمر ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه والله أعلم وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر وعن علي وابن عباس وابن عمر أيضا أن الزهرة كانت امرأة وأنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال وفي ذلك الزمان إمرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة ثم قيل كان أمرهما وقصتهما في زمان إدريس وقيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير
وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه إلى كعب الأحبار كما رواه عبدالرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار بالقصة وهذا أصح إسنادا وأثبت رجالا والله أعلم
ثم قد قيل إن المراد بقوله وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت قبيلان من الجان قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد من اللفظ ومن الناس من قرأ وما أنزل على الملكين بالكسر ويجعلهما علجين من أهل فارس قاله الضحاك ومن الناس من يقول هما ملكان من السماء ولكن
سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره
ومن الملائكة المسمين في الحديث منكر ونكير عليهما السلام وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر وقد أوردناها عند قوله تعالى يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء وهما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ويمتحنان البر والفاجر وهما أزرقان أفرقان لهما أنياب وأشكال مزعجة وأصوات مفزعة أجارنا الله من عذاب القبر وثبتنا بالقول الثابت آمين وقال البخاري حدثنا عبدالله بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ورواه مسلم من حديث ابن وهب به
*2* فصل ثم الملائكة عليهم السلام بالنسبة إلى ما هيأهم الله له أقسام
@ فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومنهم جبريل وميكائيل عليهما السلام وقد ذكر الله عنهم أنه يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم
ولما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثل
ومنهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا ونهارا صباحا ومساء كما قال يسبحون
الليل والنهار لا يفترون فمنهم الراكع دائما والقائم دائما والساجد دائما ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة إلى البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر
وخازن الجنة ملك يقال له رضوان جاء مصرحا به في بعض الأحاديث ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على جميع الخزنة وهم المذكورون في قوله تعالى وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب الآية وقال تعالى ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال انكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون وقال تعالى عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وقال تعالى عليها تسعة عشر وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو
وهم الموكلون بحفظ بني آدم كما قال تعالى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظون من أمر الله أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وماله من دونه من وال
قال الوالبي عن ابن عباس له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله وهي الملائكة وقال عكرمة عن ابن عباس يحفظونه من أمر الله قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وقال مجاهد ما من عبد الا وملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام وليس شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك الا شيء يأذن الله فيه فيصيبه وقال أبو أسامة ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له وقال أبو مجلز جاء رجل إلى علي فقال إن نفرا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه إن الأجل جنة حصينة
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد وقال تعالى وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون قال الحافظ أبو محمد
عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي في تفسيره حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن يزيد عن مجاهد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجذم حائط أو بعيره أو يستره أخوه هذا مرسل من هذا الوجه وقد وصله البزار في مسنده من طريق جعفر بن سليمان وفيه كلام عن علقمة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من الله والذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستر بثوبه أو بجذم حائط أو بعيره ومعنى اكرامهم أن يستحي منهم فلا يملي عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها فإن الله خلقهم كراما في خلقهم وأخلاقهم ومن كرمهم أنه قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب وفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن علي ولا بول وفي رواية رافع عن أبي سعيد مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولاتمثال وفي رواية مجاهد عن أبي هريرة مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تمثال وفي رواية ذكوان أبي صالح السماك عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس ورواه زرارة بن أوفى عنه لاتصحب الملائكة رفقة معهم جرس
وقال البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوس حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ملائكة الله يعرفون بني آدم وأحسبه قال ويعرفون أعمالهم فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا هلك فلان الليلة ثم قال سلام أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث وقد قال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون هذا اللفظ في كتاب بدء الخلق بهذا السياق وهذا اللفظ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه وقد أخرجاه في الصحيحين في البدء من حديث مالك عن أبي الزناد به وقال البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعني البصري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من حافظين يرفعان إلى الله عز وجل ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا إلا قال الله غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة ثم قال تفرد بن تمام بن نجيح
وهو صالح الحديث قلت وقد وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الإمام أحمد لا أعرف حقيقة أمره والمقصود أن كل إنسان له حافظان ملكان اثنان واحد من بين يديه وآخر من خلفه يحفظانه من أمر الله بأمر الله عز وجل وملكان كاتبان عن يمينه وعن شماله وكاتب اليمين أمير على كاتب الشمال كما ذكرنا ذلك عند قوله تعالى عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا أسود ابن عامر حدثنا سفيان حدثنا منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبدالله هو ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي
ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير انفرد بإخراجه مسلم من حديث منصور به فيحتمل أن هذا القرين من الملائكة غير القرين بحفظ الإنسان وإنما هو موكل به ليهديه ويرشده بإذن ربه إلى سبيل الخير وطريق الرشاد كما أنه قد وكل به القرين من الشياطين لا يألوه جهدا في الخبال والإضلال والمعصوم من عصمه الله عز وجل وبالله المستعان
وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن والأغر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يسمعون الذكر وهكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وهو في الصحيحين من وجه آخر وقد قال الله تعالى وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وقال الإمام أحمد حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وحدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أسباط وقال الترمذي حسن صحيح قلت وهو منقطع
وقال البخاري حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر يقول أبو هريرة اقرؤا ان شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح تابعه شعبة وأبو حمزة وأبو داود وأبو معاوية عن
الأعمش وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل بلفظ إذا قال الإمام آمين فإن الملائكة تقول في السماء آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث مالك وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد هو شك يعني الأعمش قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله فنادوا هلموا إلى بغيتكم فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا فيقول الله أي شيء تركتم عبادي يصنعون فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وتمجيدا وذكرا قال فيقول فأي شيء يطلبون فيقولون يطلبون الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول وكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا قال فيقول من أي يتعوذون فيقولون من النار فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا قال فيقول أشهدكم أني قد غفرت لهم قال فيقول إن فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم
وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن جرير بن عبدالحميد عن الأعمش به وقال رواه شعبة عن الأعمش ولم يرفعه ورفعه سهيل عن أبيه وقد رواه أحمد عن عفان عن وهيب عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه كما ذكره البخاري معلقا عن سهيل ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهب به وقد رواه الإمام أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن سليمان هو الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما أشار إليه البخاري رحمه الله وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش وابن نمير أخبرنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم عن
أبي هريرة وأبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما اجتمع قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده وكذا رواه أيضا من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق به نحوه ورواه مسلم من حديث شعبة والترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم عن عمار بن زريق عن أبي إسحاق بإسناد نحوه وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة وفي مسند الإمام أحمد والسنن عن أبي الدرداء مرفوعا وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع أي تتواضع له كما قال تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقال تعالى واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبدالله بن السائب عن زاذان عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سياحين في الأرض ليبلغوني عن أمتي السلام وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان الأعمش كلاهما عن عبدالله بن السائب به وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع وعبدة بن حميد كلاهما عن عبدالرزاق به والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا وقد ذكرنا ما يسره الله تعالى وله الحمد
*2* فصل وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال
@ فأكثر ما توجد هذه المسئلة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم وأقدم كلام رأيته في هذه المسئلة ما ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص أنه حضر مجلسا لعمر بن عبدالعزيز وعنده جماعة فقال عمر ما أحد أكرم على الله من كريم بني آدم واستدل بقوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد فقال عراك بن مالك ما أحد أكرم على الله من ملائكته هم خدمة داريه ورسله إلى أنبيائه واستدل بقوله تعالى ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين فقال عمر بن عبدالعزيز لمحمد بن كعب القرظي ما تقول أنت يا أبا حمزة فقال قد أكرم الله آدم فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وجعل من ذريته الأنبياء والرسل ومن يزوره الملائكة فوافق عمر بن عبدالعزيز في الحكم واستدل بغير دليله وأضعف دلالة ما صرح به من الآية وهو قوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات مضمونة أنها ليست بخاصة بالبشر فإن الله قد وصف الملائكة بالإيمان في
قوله ويؤمنون به وكذلك الجان وانا لما سمعنا الهدي آمنا به وانا منا المسلمون قلت وأحسن ما يستدل به في هذه المسئلة ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن عبدالله بن عمرو مرفوعا وهو أصح قال لما خلق الله الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب فإنك خلقت الدنيا لبني آدم فقال الله لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان
*2* باب خلق الجان وقصة الشيطان
@ قال الله تعالى خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان وقال تعالى ولقد خلقناالإنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد من مارج من نار قالوا من طرف اللهب وفي رواية من خالصه وأحسنه وقد ذكرنا آنفا من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه مسلم قال كثير من علماء التفسير خلقت الجن قبل آدم عليه السلام وكان قبلهم في الأرض الحن والبن فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم وذكر السدي في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره إنما أعطاني الله هذا لمزية لي على الملائكة وذكر الضحاك عن ابن عباس أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعث الله إليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض إلى جزائر البحور
وقال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية عزازيل وكان من سكان الأرض ومن أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان من حي يقال لهم الجن وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عنه كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من أولى الأجنحة الأربعة وقد أسند عن حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا وكان له سلطان الأرض وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس كان يسوس ما بين السماء والأرض رواه ابن جرير وقال قتادة عن سعيد بن المسيب كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا وقال الحسن البصري لم يكن من الملائكة طرفة عين وانه لأصل الجن كما أن آدم أصل البشر وقال شهر ابن حوشب وغيره كان ابليس من الجن الذين طردوهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء رواه ابن جرير قالوا فلما
أراد الله خلق آدم ليكون في الأرض هو وذريته من بعده وصور جثته منها جعل إبليس وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادة إذ ذاك وكان اسمه عزازيل يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك وقال أما لئن سلطت عليك لأهلكنك ولئن سلطت علي لأعصينك فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي وأمر الملائكة بالسجود له دخل ابليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له وقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين فخالف الأمر واعترض على الرب عز وجل وأخطأ في قوله وابتعد من رحمة ربه وأنزل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم لأنه مخلوق من نار وهم من نور فخانه طبعه في أحوج ما كان إليه ورجع إلى أصله النار فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين وقال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا
فأهبط إبليس من الملأ الأعلى وحرم عليه قدر أن يسكنه فنزل إلى الأرض حقيرا ذليلا مذؤما مدحورا متوعدا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والإنس إلا أنه مع ذلك جاهد كل الجهد على اضلال بني آدم بكل طريق وبكل مرصد كما قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا
وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم عليه السلام والمقصود أن الجان خلقوا من النار وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون كما أخبر تعالى عنهم في صورة الجن في قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين وقال تعالى قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وإنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا وأن ظننا أنا لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملائت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا
رصدا وانا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجنهم حطبا وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا وقد ذكرنا تفسير هذه السورة وتمام القصة في آخر سورة الأحقاف وذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك هنالك وأن هؤلاء النفر كانوا من جن نصيبين وفي بعض الآثار من جن بصرى وأنهم مروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته ثم اجتمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها ونهاهم عنها وسألوه الزاد فقال لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل روثة علف لدوابكم ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجي بهما وقال إنهما زاد إخوانكم الجن ونهى عن البول في السرب لأنها مساكن الجن وقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية فبأي آلاء ربكما تكذبان الا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد وقد أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا فقال الجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليم فبأي آلاء ربكما تكذبان الا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد رواه الترمذي عن جبير وابن جرير والبزار عن ابن عمر
وقد اختلف في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم أن لا يعذب بالنار فقط على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن ولعموم قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فامتن تعالى عليهم بذلك فلولا أنهم ينالونه لما ذكره وعده عليهم من النعم وهذا وحده دليل مستقل كاف في المسئلة وحده والله أعلم
وقال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبدالرحمن بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدري قال له إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لايسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم انفرد به البخاري دون مسلم

افتراضي

وأما كافرو الجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر إبليس عدو آدم أبي البشر وقد سلطه هو وذريته على آدم وذريته وتكفل الله عز وجل بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه منهم كما قال إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا وقال تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها
في شك وربك على كل شيء حفيظ وقال تعالى يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنوا
وقال وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك أن لا تكون من الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حماء مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين الا عبادك المخلصين قال هذا صراط على مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم
وقد ذكر تعالى هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وههنا وفي سورة سبحان وفي سورة طه وفي سورة ص وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد وسنوردها في قصة آدم إن شاء الله والمقصود أن إبليس أنظره الله إلى يوم القيامة محنة لعباده واختبارا منه لهم كما قال تعالى وما كان له عليهم من سلطان الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ وقال تعالى وقال الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان الا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام
فابليس لعنه الله حي الآن منظر إلى يوم القيامة بنص القرآن وله عرش على وجه البحر وهو جالس عليه ويبعث سراياه يلقون بين الناس الشر والفتن وقد قال الله تعالى إن كيد الشيطان كان ضعيفا وكان اسمه قبل معصيته العظيمة عزازيل قال النقاش وكنيته أبو كردوس ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد ما ترى قال أرى عرشا على الماء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اخسأ فلن تعدو قدرك فعرف أن مادة مكاشفته التي كاشفه بها شيطانية مستمدة من إبليس الذي هو يشاهد عرشه على البحر ولهذا قال له اخسأ فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز قيمتك الدنية الخسيسة الحقيرة
والدليل على أن عرش إبليس على البحر الذي رواه الامام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني معاذ التميمي عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرش إبليس في البحر يبعث
سراياه في كل يوم يفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس ورواه
وقال أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عرش إبليس على البحر يبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة تفرد به من هذا الوجه
وقال أحمد حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صائد ما ترى قال أرى عرشا على الماء أو قال على البحر حوله حيات قال صلى الله عليه وسلم ذاك عرش إبليس هكذا رواه في مسند جابر
وقال في مسند أبي سعيد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن صائد ما ترى قال أرى عرشا على البحر حوله الحيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق ذاك عرش إبليس
وروى الإمام أحمد من طريق معاذ التميمي وأبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم وروى الإمام مسلم من حديث الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقر بهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة يجىء أحدهم فيقول مازلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا فيقول إبليس لا والله ما صنعت شيئا ويجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت يروى بفتح النون بمعنى نعم أنت ذاك الذي تستحق الاكرام وبكسرها أي نعم منك وقد استدل به بعض النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمرا وهو قليل واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج الأول ورجحه ووجهه بما ذكرناه والله أعلم
وقد أوردنا هذا الحديث عند قوله تعالى ما يفرقون به بين المرء وزوجه يعني أن السحر المتلقي عن الشياطين من الإنس والجن يتوصل به إلى التفرقة بين المتآلفين غاية التآلف المتوادين المتحابين ولهذا يشكر إبليس سعى من كان السبب في ذلك فالذي ذمه الله يمدحه والذي يغضب الله يرضيه عليه لعنة الله وقد أنزل الله عز وجل سورتي المعوذتين مطردة لأنواع الشر وأسبابه وغاياته ولا سيما سورة قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس وثبت في الصحيحين عن أنس وفي صحيح البخاري عن صفية بنت حسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا محمد بن جبير حدثنا عدي بن أبي عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس ولما كان ذكر الله مطردة للشيطان عن القلب كان فيه تذكار للناس كما قال تعالى واذكر ربك إذا نسيت وقال صاحب موسى وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره وقال تعالى فأنساه الشيطان ذكر ربه يعني الساقي لما قال له يوسف اذكرني عند ربك نسي الساقي أن يذكره لربه يعني مولاه الملك وكان هذا النسيان من الشيطان فلبث يوسف في السجن بضع سنين ولهذا قال بعده وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أي مدة وقرىء بعد أمة أي نسيان وهذا الذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين كما قررناه في التفسير والله أعلم
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عثر بالنبي صلى الله عليه وسلم حماره فقلت نفس الشيطان فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقل نفس الشيطان فإنك إذا قلت نفس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب تفرد به أحمد وهو إسناد جيد وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأيس به كما يئس الرجل بدابته فإذا سكن له زنقة أو ألجمه قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر الا الله وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله عز وجل تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعني ابن يزيد عن مكحول عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبدالله الهمداني عن عبدالله بن شداد عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن أبي ذر به
وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني عروة قال قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته وهكذا رواه مسلم من حديث الليث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة به وقد قال الله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فاذا هم مبصرون وقال تعالى وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون وقال تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه سميع عليم وقال تعالى
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون وروى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه وجاء مثله من رواية جبير بن مطعم وعبدالله بن مسعود وأبي أسامة الباهلي وتفسيره في الحديث فهمزه الموتة وهو الخنق الذي هو الصرع ونفخه الكبر ونفثه الشعر وثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال اعوذ بالله من الخبث والخبائث قال كثير من العلماء استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم وروى الإمام أحمد عن شريح عن عيسى بن يونس عن ثور عن الحسين عن ابن سعد الخير وكان من أصحاب عمر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد الا أن يجمع كثيبا فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ثور بن يزيد به وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عدى بن ثابت قال قال سليمان بن صرد استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لست بمجنون ورواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله وهذا على شرط الصحيحين بهذا الإسناد وهو في الصحيح من غير هذا الوجه
وروى الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن أبي حكيم عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر أنبأنا شعبة عن أبي زياد الطحان سمعت أبا هريرة يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال له قه قال لم قال أيسرك أن يشرب معك الهر قال لا قال فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أيضا حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن رجل عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء قال وحدثنا عبدالرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث الزهري وقال الإمام أحمد حدثنا موسى حدثنا ابن لهيعة عن ابن الزبير أنه سأل جابرا
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء ههنا وإن دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال أدركتم المبيت وإن لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء قال نعم وقال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبدة حدثنا محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني الشيطان أو الشياطين لا أدري أي ذلك قال هشام ورواه مسلم والنسائي من حديث هشام به وقال البخاري حدثنا عبدالله بن مسلمة عن مالك عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى المشرق فقال ها إن الفتنة ههنا إن الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان هكذا رواه البخاري منفردا به من هذا الوجه وفي السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يجلس بين الشمس والظل وقال إنه مجلس الشيطان وقد ذكروا في هذا معاني من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما يرى كان يحبه الشيطان لأن خلقته في نفسه مشوه وهذا مستقر في الأذهان ولهذا قال تعالى طلعها كأنه رؤس الشياطين الصحيح أنهم الشياطين لا ضرب من الحيات كما زعمه من زعمه من المفسرين والله أعلم فإن النفوس مغروز فيها قبح الشياطين وحسن خلق الملائكة وإن لم يشاؤا ولهذا قال تعالى طلعها كأنه رؤس الشياطين وقال النسوة لما شاهدن جمال يوسف حاش لله ما هذا بشرا إن هذا الا ملك كريم وقال البخاري حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري حدثنا ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استجنح أو كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفىء مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا
ورواه أحمد عن يحيى عن ابن جريج وعنده فإن الشيطان لا يفتح مغلقا وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن قط عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأطفؤا سرجكم فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ولا يكشف غطاء ولا يحل وكاء وان الفويسقة تضرم البيت على أهله يعني الفأرة وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي
أهله قال اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فإن كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه وحدثنا الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس مثله
ورواه أيضا عن موسى بن إسماعيل عن همام عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أما لو أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره الشيطان وقال البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا أخي عن سليمان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة مكانها عليك ليل طويل فارقد فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة فإن توضأ انحلت عقدة فإن صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وقال البخاري حدثنا إبراهيم عن حمزة حدثني ابن أبي حازم عن يزيد يعني ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت على خيشومه ورواه مسلم عن بشر بن الحكم عن الدراوردي والنسائي عن محمد بن زنبور عن عبدالعزيز بن أبي حازم كلاهما عن يزيد بن الهادي به وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبدالله قال ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم رجل نام ليله ثم أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه أو قال في أذنه
ورواه مسلم عن عثمان واسحاق كلاهما عن جرير به وأخرجه البخاري أيضا والنسائي وابن ماجه من حديث منصور بن المعتمر به وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف أنبأنا الأوزاعي عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضى أقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضى أقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول اذكر كذا وكذا حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلى أم أربعا سجد سجدتي السهو هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا جعفر يعني الأحمر عن عطاء بن السائب عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم راصوا الصفوف فإن الشيطان يقوم في الخلل وقال أحمد حدثنا أبان حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول راصوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بين الأعناق فوالذي نفس محمد بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبدالوارث حدثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بين يدي أحدكم شيء فليمنعه فإن أبى فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان ورواه أيضا مسلم وأبو داود من حديث سليمان بن المغيرة عن
حميد بن هلال به وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أحمد حدثنا بشير بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه يقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل وروى أبو داود منه فمن استطاع إلى آخره عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد محمد بن عبدالله بن محمد بن الزبير به وقال البخاري حدثنا محمود حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى صلاة فقال إن الشيطان عرض لي فسد علي لقطع الصلاة علي فامكنني الله منه فذكر الحديث وقد رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به مطولا
ولفظ البخاري عند تفسير قوله تعالى إخبارا عن سليمان عليه السلام أنه قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب من حديث روح وغندر عن شعبه عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة نحوها ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فاردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب قال روح فرده خاسئا وروى مسلم من حديث أبي إدريس عن أبي الدرداء قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك فقال إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجمله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة وقال تعالى فلا تغرنكم الحياة الدينا ولا يغرنكم بالله الغرور يعني الشيطان وقال تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير فالشيطان لا يألو الإنسان خبالا جهده وطاقته في جميع أحواله وحركاته وسكناته كما صنف الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابا في ذلك سماه مصائد الشيطان وفيه فوائد جمة وفي سنن أبي داود إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وروينا في بعض الأخبار أنه قال يا رب وعزك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الله تعالى وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني وقال الله تعالى الشيطان
يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم فوعد الله هو الحق المصدق ووعد الشيطان هو الباطل وقد روى الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم في تفسيره من حديث عطاء بن السائب عن مرة الهمداني عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن للشيطان للمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمةالشيطان فأيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم
وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة أن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه وذكرنا في فضل آية الكرسي أن من قرأها في ليلة لا يقربه الشيطان حتى يصبح وقال البخاري حدثنا عبدالله بن يوسف أنبأنا مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث مالك وقال الترمذي حسن صحيح
وقال البخاري أنبأنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب تفرد به من هذا الوجه وقال البخاري حدثنا عاصم بن علي حدثنا بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فإن أحدكم إذا قال ها ضحك الشيطان ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث ابن أبي ذئب به وفي لفظ إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل
وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب العطاس ويبغض أو يكره التثاؤب فإذا قال أحدكم هاها فإنما ذلك الشيطان يضحك من جوفه ورواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به
وقال البخاري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق قال قالت عائشة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم وكذا رواه أبو داود والنسائي من رواية أشعث بن أبي الشعثاء سليم بن أسود المحاربي عن أبيه عن مسروق به
وروى البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير حدثني عبدالله بن أبي قتادة عن
أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار أخرجاه من حديث عبدالرزاق وقال الله تعالى ولقد زينا السماء الدينا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير وقال إنا زينا السماء الدينا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب وقال تعالى ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين وحفظناها من كل شيطان رجيم الا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين وقال تعالى وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون أنهم عن السمع لمعزولون وقال تعالى إخبارا عن الجان وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وإنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا
وقال البخاري وقال الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أن أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الملائكة تحدث في العنان والعنان الغمام بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كلمة هكذا رواه في صفة إبليس معلقا عن الليث به ورواه في صفة الملائكة عن سعيد بن أبي مريم عن الليث عن عبيدالله بن أبي جعفر عن محمد بن عبدالرحمن أبي الأسود عن عروة عن عائشة بنحوه تفرد بهذين الطريقين دون مسلم وروى البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث الزهري عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال قالت عائشة سأل ناس النبي صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال إنهم ليسوا بشيء فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقا فقال صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة من الحق يخطفها من الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون معها مائة كذبة هذا لفظ البخاري
وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يقول إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة
كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء انفرد به البخاري وروى مسلم من حديث الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وقال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنه مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين وقال تعالى وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم الآية وقال تعالى وقال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد وقال تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ماهم مقترفون
وقد قدمنا في صفة الملائكة ما رواه أحمد ومسلم من طريق منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه واسمه رافع عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير
وقال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه واسمه حصين بن جندب وهو أبو ظبيان الجنبي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعانني عليه فأسلم تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيح وقال الإمام أحمد حدثنا هارون حدثنا عبدالله بن وهب أخبرني أبو صخر عن يزيد بن قسيط حدثه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال مالك يا عائشة أغرت قالت فقلت ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفأخذك شيطانك قالت يا رسول الله أو معي شيطان قال نعم قلت ومع كل إسنان قال نعم قلت ومعك يا رسول الله قال نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم وهكذا رواه مسلم عن هارون وهو ابن سعيد الأيلي بإسناده نحوه
وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن المؤمن لينصي شيطانه كما ينصي أحدكم بعيره في السفر تفرد به أحمد من هذا الوجه ومعنى لينصي شيطانه ليأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه وقوله تعالى إخبارا عن إبليس قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين
قال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل هو عبدالله بن عقيل الثقفي حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي فاكه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتدر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم قال وقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك منهم كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وإن كان غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري حدثني جبير بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم سمعت عبدالله بن عمر يقول لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسي اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعود بعظمتك أن أغتال من تحتي قال وكيع يعني الخسف ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به وقال الحاكم صحيح الإسناد
*2* باب خلق آدم عليه السلام
@ قال الله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وقال تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وقال تعالى يا أيها
الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا كما قال يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير وقال تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها الآية وقال تعالى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال انظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخسفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون كما قال في الآية الأخرى منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى وقال تعالى ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون والجان خلقناه من قبل من نار السموم وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال هذا صراط علي مستقيم إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم وقال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته الا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم
جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا وقال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا وقال تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فـأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وقال تعالى قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي الا أنما أنا نذير مبين إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس استكبر وكان من الكافرين قال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جنهم منك وممن تبعك منهم أجمعين قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ان هو الا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين
طفهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير ولنذكر ههنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والله المستعان
فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم إني جاعل في الأرض خليفة أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال وهو الذي جعلكم خلائف الأرض فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض
جهلة المفسرين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قيل علموا أن ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة
وقال عبدالله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله إليهم جندا من الملائكة فطردوهم إلى جزائر البحور وعن ابن عباس نحوه وعن الحسن ألهموا ذلك وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل رواه ابن أبي حاتم عن أبي جعفر الباقر وقيل لأنهم علموا أن الأرض لا يخلق منها الا من يكون بهذه المثابة غالبا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد فإن كان المراد بخلق هؤلاء أن يعبدون فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا قال إني أعلم مالا تعلمون أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء مالا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال وعلم آدم الأسماء كلها قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء
وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد وقال الربيع علمه أسماء الملائكة وقال عبدالرحمن بن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وأفعالها مكبرها ومصغرها كما أشار إليه ابن عباس رضي الله عنهما وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء وذكر تمام الحديث ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قال الحسن البصري لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخ لق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا وذلك قوله إن كنتم صادقين وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك كما قال ولا يحيطون بشيء من علمه الا بما شاء قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون أي أعلم السر كما أعلم العلانية وقيل إن المراد بقوله وأعلم ما تبدون ما قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها وبقوله وما كنتم تكتمون المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم عليه السلام قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة وما كنتم تكتمون قولهم لن يخلق ربنا خلقاالا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه قوله وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا
الا إبليس أبى واستكبر هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فهذه أربع تشريفات خلقه له بيده الكريمة ونفخه فيه من روحه وأمره الملائكة بالسجود له وتعليمه أسماء الأشياء ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي أنت آدم أبو البشر الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله تعالى وقال في الآية الأخرى ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر الا بالمقاييس رواهما ابن جريج ومعنى هذا أنه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار ثم هو فاسد في نفسه فإن الطين أنفع وخير من النار فإن الطين فيه الرزانة والحلم والأنة والنمو والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والاحراق ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه ولهذا أمر الملائكة بالسجود له كما قال إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين قال يا إبليس مالك أن لا تكون مع الساجدين قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين استحق هذا من الله تعالى لأنه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الآلهي ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته الا قليلا قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا وقال في سورة الكهف وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا إبليس كان ن الجن ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك الا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان إليها فإنه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا في



يتبع...

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:40 PM
في صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم
قال الحسن البصري لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط وقال شهر بن حوشب كان من الجن فلما أفسدوا في الأرض بعث الله إليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم إلى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم إلى السماء فكان هناك فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا قال ابن عباس وكان اسمه عزازيل وفي رواية عن الحارث قال النقاش وكنيته أبو كردوس قال ابن عباس وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم وأكثرهم علما وعبادة وكان من أولى الأجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيما وقال في سورة ص إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين الا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملئن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين وقال في سورة الأعراف قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن إيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه
وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل هو عبدالله بن عقيل الثقفي حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبي الجعد عن سبرة بن أبي الفاكه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يقعد لابن آدم بأطرقه وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس
وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور أو المراد بهم ملائكة الأرض كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس وفيه انقطاع وفي السياق نكارة وإن كان بعض المتأخرين قد رجحه ولكن الا ظهر من السياقات الأول ويدل عليه الحديث وأسجد له ملائكته وهذا عموم أيضا والله أعلم وقوله تعالى لإبليس اهبط منها و واخرج منها دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ثم سلب ذلك بكبره وحسده
ومخالفته لربه فأهبط إلى الأرض مذؤما مدحورا وأمر الله آدم عليه السلام أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وقال في الأعراف قال اخرج منها مذؤما مدحورا لمن تبعك منهم لأملئن جهنم منكم أجمعين ويآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين وقال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى إن لك أن لا تجوع فيها ولاتعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وهذا قد صرح به إسحاق بن بشار وهو ظاهر هذه الآيات
ولكن حكى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا أخرج إبليس من الجنة واسكن آدم الجنة فكان يمشي فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها من أنت قالت امرأة قال ولما خلقت قالت لتسكن إلي فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه ما اسمها يا آدم قال حواء قالوا ولم كانت حواء قال لأنها خلقت من شيء حي وذكر محمد ابن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم مكانه لحما ومصداق هذا في قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء الآية وفي قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به الآية وسنتكلم عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى
وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا لفظ البخاري
وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فقيل هي الكرم وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال وتزعم يهود أنها الحنطة وهذا مروي عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفي وأبي مالك ومحارب بن دثار وعبدالرحمن بن أبي ليلى قال وهب والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل وقال الثوري عن أبي حصين عن أبي مالك ولا تقربا هذه الشجرة هي النخلة وقال ابن جريج عن مجاهد هي التينة وبه قال قتادة وابن حريج وقال أبو العالية كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث
وهذا الخلاف قريب وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن
وانما الخلاف الذي ذكروه في أن هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الأرض هو الخلاف الذي ينبغي فصله والخروج منه والجمهور على أنها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى وقلنا يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة والألف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وإنما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى عليه السلام لآدم عليه السلام علام أخرجتنا ونفسك من الجنة الحديث كما سيأتي الكلام عليه وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشجعي واسمه سعد بن طارق عن أبي حازم سلمة بن دينار عن أبي هريرة وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم وذكر الحديث بطوله وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على أنها جنة المأوى وليست تخلو عن نظر
وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لأنه كلف فيها أن لا يأكل من تلك الشجرة ولأنه نام فيها وأخرج منها ودخل عليه إبليس فيها وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى وهذا القول محكي عن أبي بن كعب وعبدالله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة واختاره ابن قتيبة في المعارف والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة وحكاه عن أبي حنيفة الإمام وأصحابه رحمهم الله ونقله أبو عبدالله محمد بن عمر الرازي بن خطيب الري في تفسيره عن أبي القاسم البلخي وأبي مسلم الأصبهاني ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل وأبو محمد بن عطية في تفسيره وأبو عيسى الرماني في تفسيره
وحكى عن الجمهور الأول وأبو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي أسكناها يعني آدم وحواء على قولين أحدهما أنها جنة الخلد الثاني جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء ومن قال بهذااختلفوا على قولين أحدهما انها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن والثاني أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهكذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بالصواب من ذلك
هذا كلامه فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة ولقد حكى
أبو عبدالله الرازي في تفسيره في هذه المسألة أربعة أقوال هذه الثلاثة التي أوردها الماوردي ورابعها الوقف وحكى القول بأنها في السماء وليست جنة المأوى عن أبي علي الجبائي وقد أورد أصحاب القول الثاني سؤالا يحتاج مثله إلى جواب فقالوا لا شك أن الله سبحانه وتعالى طرد إبليس حين امتنع من السجود عن الحضرة الالهية وأمره بالخروج عنها والهبوط منها وهذا الأمر ليس من الأوامر الشرعية بحيث يمكن مخالفته وإنما هو أمر قدري لا يخالف ولا يمانع ولهذا قال اخرج منها مذءوما مدحورا وقال اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها وقال اخرج منها فإنك رجيم والضمير عائد إلى الجنة أو السماء أو المنزلة وأياما كان فمعلوم أنه ليس له الكون قدرا في المكان الذي طرد عنه وأبعد منه لا على سبيل الاستقرار ولا على سبيل المرور والاجتياز قالوا ومعلوم من ظاهر سياقات القرآن أنه وسوس لآدم وخاطبه بقوله له هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى وبقوله ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور الآية وهذا ظاهر في اجتماعه معهما في جنتهما وقد أجيبوا عن هذا بأنه لا يمتنع أن يجتمع بهما في الجنة على سبيل المرور فيها لا على سبيل الاستقرار بها أو أنه وسوس لهما وهو على باب الجنة أو من تحت السماء وفي الثلاثة نظر والله أعلم
ومما احتج به أصحاب هذه المقالة ما رواه عبدالله بن الإمام أحمد في الزيادت عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن البصري عن يحيى بن ضمرة السعدي عن أبي بن كعب قال إن آدم لما احتضر اشتهى قطفا من عنب الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد كفيتموه فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسله وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل ومن خلفه من الملائكة ودفنوه وقالوا هذه سنتكم في موتاكم وسيأتي الحديث بسنده وتمام لفظه عند ذكر وفاة آدم عليه السلام قالوا فلولا أنه كان الوصول إلى الجنة التي كان فيها آدم التي اشتهى منها القطف ممكنا لما ذهبوا يطلبون ذلك فدل على أنها في الأرض لا في السماء والله تعالى أعلم
قالوا والاحتجاج بان الألف واللام في قوله ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة لم يتقدم عهد يعود عليه فهو المعهود الذهني مسلم ولكن هو ما دل عليه سياق الكلام فإن آدم خلق من الأرض ولم ينقل أنه رفع إلى السماء وخلق ليكون في الأرض وبهذا أعلم الرب الملائكة حيث قال إني جاعل في الأرض خليفة
قالوا وهذا كقوله تعالى إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة فالألف واللام ليس للعموم ولم يتقدم معهود لفظي وإنما هي للمعهود الذهني الذي دل عليه السياق وهو البستان
قالوا وذكر الهبوط لا يدل على النزول من السماء قال الله تعالى قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك الآية وإنما كان في السفينة حين استقر على الجودى ونضب الماء
عن وجه الأرض أمر أن يهبط إليها هو ومن معه مباركا عليه وعليهم وقال الله تعالى اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم الآية وقال تعالى وإن منها لما يهبط من خشية الله الآية وفي الأحاديث واللغة من هذا كثير
قالوا ولا مانع بل هو الواقع أن الجنة التي أسكنها آدم كانت مرتفعة عن سائر بقاع الأرض ذات أشجار وثمار وظلال ونعيم ونضرة وسرور كما قال تعالى إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى أي لا يذل باطنك بالجوع ولا ظاهرك بالعرى وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أي لا يمس باطنك حر الظمأ ولا ظاهرك حر الشمس ولهذا قرن بين هذا وهذا وبين هذا وهذا لما بينهما من الملايمة فلما كان منه ما كان من أكله من الشجرة التي نهى عنها أهبط إلى أرض الشقاء والتعب والنصب والكدر والسعي والنكد والابتلاء والاختبار والامتحان واختلاف السكان دينا وأخلاقا وأعمالا وقصودا وإرادات وأقوالا وأفعالا كما قال تعالى ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ولا يلزم من هذا أنهم كانوا في السماء كما قال تعالى وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ومعلوم أنهم كانوا فيها لم يكونوا في السماء
قالوا وليس هذا القول مفرعا على قول من ينكر وجود الجنة والنار اليوم ولاتلازم بينهما فكل من حكى عنه هذا القول من السلف وأكثر الخلف ممن يثبت وجود الجنة والنار اليوم كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحاح كما سيأتي إيرادها في موضعها والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
وقوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها أي عن الجنة فأخرجهما مما كانا فيه أي من النعيم والنضرة والسرور إلى دار التعب والكد والنكد وذلك بما وسوس لهما وزينه في صدورهما كما قال تعالى فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين يقول ما يقول ما نهاكما عن أكل هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين أي ولو أكلتما منها لصرتما كذلك وقاسمهما أي حلف لهما على ذلك إني لكما لمن الناصحين كما قال في الآية الأخرى فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى أي هل أدلك على الشجرة التي إذا أكلت منها حصل لك الخلد فيما أنت فيه من النعيم واستمررت في ملك لا يبيد ولا ينقضي وهذا من التغرير والتزوير والإخبار بخلاف الواقع
والمقصود أن قوله شجرة الخلد التي إذا أكلت منها خلدت وقد تكون هي الشجرة التي قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها شجرة الخلد وكذا رواه أيضا عن غندر وحجاج عن شعبة ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة أيضا به
قال غندر قلت لشعبة هي شجرة الخلد قال ليس فيها هي
تفرد به الإمام أحمد وقوله فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة كما قال في طه أكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليها من ورق الجنة وكانت حواء أكلت من الشجرة قبل آدم وهي التي حدته على أكلها والله أعلم
وعليه يحمل الحديث الذي رواه البخاري حدثنا بشر بن محمد حدثنا عبدالله أنبأنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه لولا بنوا إسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها تفرد به من هذا الوجه وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة به ورواه أحمد ومسلم عن هارون بن معروف عن أبي وهب عن عمرو بن حارث عن أبي يونس عن أبي هريرة به وفي كتاب التوراة التي بين أيدي أهل الكتاب أن الذي دل حواء على الأكل من الشجرة هي الحية وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم عليه السلام وليس فيها ذكر لابليس فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فوصلا من ورق التين وعملا ميازر وفيها أنهما كانا عريانين وكذا قال وهب بن منبه كان لباسهما نورا على فرجه وفرجها
وهذا الذي في هذه التوراة التي بأيديهم غلط منهم وتحريف وخطأ في التعريب فإن نقل الكلام من لغة إلى لغة لا يكاد يتيسر لكل أحد ولا سيما ممن لا يعرف كلام العرب جيدا ولا يحيط علما بفهم كتابه أيضا فلهذا وقع في تعريبهم لها خطأ كثير لفظا ومعنى وقد دل القرآن العظيم على أنه كان عليهما لباس في قوله ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما فهذا لا يرد لغيره من الكلام والله تعالى أعلم
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن بن اسكاب حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه فأول ما بدا منه عورته فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة فأخذت شعره شجرة فنازعها فناداه الرحمن عز وجل يا آدم مني تفر فلما سمع كلام الرحمن قال يا رب لا ولكن استحياء وقال الثوري عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ورق التين وهذا إسناد صحيح إليه وكأنه مأخوذ من أهل الكتاب وظاهر الآية يقتضي أعم من ذلك وبتقدير تسليمه فلا يضر والله تعالى أعلم
وروى الحافظ بن عساكر من طريق محمد بن إسحاق عن الحسن بن ذكوان عن الحسن البصري عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أباكم آدم كان كالنخلة السحوق ستين ذراعا كثير الشعر موارى العورة فلما أصاب الخطيئة في الجنة بدت له سوأته فخرج من الجنة فلقيته شجرة فأخذت بناصيته
فناداه ربه أفرارا مني يا آدم قال بل حياء منك والله يا رب مما جئت به ثم رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن يحيى بن ضمرة عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وهذا أصح فإن الحسن لم يدرك أبيا ثم أورده أيضا من طريق خيثمة بن سليمان الاطرابلسي عن محمد بن عبدالوهاب أبي قرصافة العسقلاني عن آدم بن أبي إياس عن شيبان عن قتادة عن أنس مرفوعا بنحوه وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين وهذا اعتراف ورجوع إلى الإنابة وتذلل وخضوع واستكانة وافتقار إليه تعالى في الساعة الراهنة وهذا السر ما سرى في أحد من ذريته الا كانت عاقبته إلى خير في دنياه وأخراه قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين وهذا خطاب لآدم وحواء وإبليس قيل والحية معهم أمروا أن يهبطوا من الجنة في حال كونهم متعادين متحاربين وقد يستشهد لذكر الحية معهما بما ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الحيات وقال ما سالمناهن منذ حاربناهن وقوله في سورة طه قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو هو أمر لآدم وإبليس واستتبع آدم حواء وإبليس الحية وقيل هو أمر لهم بصيغة التثنية كما في قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين والصحيح أن هذا لما كان الحاكم لا يحكم إلا بين اثنين مدع ومدعى عليه قال وكنا لحكمهم شاهدين وأما تكريره الاهباط في سورة البقرة في قوله وقلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قلنا اهبطوا منها جميعا فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون فقال بعض المفسرين المراد بالإهباط الأول الهبوط من الجنة إلى السماء الدنيا وبالثاني من السماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف لقوله في الأول قلنا اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين فدل على أنهم أهبطوا إلى الأرض بالإهباط الأول والله أعلم
والصحيح أنه كرره لفظا وإن كان واحدا وناط مع كل مرة حكما فناط بالأول عداوتهم فيما بينهم وبالثاني الاشتراط عليهم أن من تبع هداه الذي ينزله عليهم بعد ذلك هو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وهذا الأسلوب في الكلام له نظائر في القرآن الكريم
وروى الحافظ بن عساكر عن مجاهد قال أمر الله ملكين أن يخرجا آدم وحواء من جواره فنزع جبريل التاج عن رأسه وحل ميكائيل الاكليل عن جبينه وتعلق به غصن فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة فنكس رأسه يقول العفو العفو فقال الله فرارا مني قال بل حياء منك يا سيدي وقال الأوزاعي
عن حسان هو ابن عطية مكث آدم في الجنة مائة عام وفي رواية ستين عاما وبكى على الجنة سبعين عاما وعلى خطيئته سبعين عاما وعلى ولده حين قتل أربعين عاما رواه ابن عساكر
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن سعيد عن ابن عباس قال أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال له دحنا بين مكة والطائف وعن الحسن قال اهبط آدم بالهند وحواء بجدة وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال وأهبطت الحية بأصبهان رواه ابن أبي حاتم أيضا وقال السدي نزل آدم بالهند ونزل معه بالحجر الأسود وبقبضة من ورق الجنة فبثه في الهند فنبتت شجرة الطيب هناك وعن ابن عمر قال اهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة رواه ابن أبي حاتم أيضا وقال عبدالرزاق قال معمر أخبرني عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء وزوده من ثمار الجنة فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير وقال الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو بكر بن بالوية عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمر عن زائدة عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ما أسكن آدم الجنة الا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وفي صحيح مسلم من حديث الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفي الصحيح من وجه آخر وفيه تقوم الساعة وقال أحمد حدثنا محمد بن مصعب حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار عن عبدالله بن فروخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها وفيه تقوم الساعة على شرط مسلم
فأما الحديث الذي رواه ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا محمد بن جعفر الوركاني حدثنا سعيد بن ميسرة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هبط آدم وحواء عريانين جميعا عليهما ورق الجنة فأصابه الحر حتى قعد يبكي ويقول لها يا حواء قد أذاني الحر قال فجاءه جبريل بقطن وأمرها أن تغذل وعلمها وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج وقال كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة قال وكان كل واحد منهما ينام على حدة ينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله قال وعلمه كيف يأتيها فلما أتاها جاءه جبريل فقال كيف وجدت امرأتك قال صالحة فإنه حديث غريب ورفعه منكر جدا وقد يكون من كلام بعض السلف وسعيد بن ميسرة هذا هو أبو عمران البكري البصري قال فيه البخاري منكر الحديث وقال ابن حبان يروى الموضوعات وقال ابن عدي مظلم الأمر وقوله فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم قيل هي قوله ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين روى
هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب حدثنا علي بن عصام عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آدم عليه السلام أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة قال نعم فذلك قوله فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وهذا غريب من هذا الوجه وفيه انقطاع
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الكلمات اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وروى الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه قال قال آدم يا رب ألم تخلقني بيدك قيل له بلى ونفخت في من روحك قيل له بلى وعطست فقلت يرحمك الله وسبقت رحمتك غضبك قيل له بلى وكتبت علي أن أعمل هذا قيل له بلى قال أفرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة قال نعم ثم قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الحاكم أيضا والبيهقي وابن عساكر من طريق عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد أن غفرت لي فقال الله فكيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد فقال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك الا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذ سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك قال البيهقي تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه وهو ضعيف والله أعلم وهذه الآية كقوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى
*2* احتجاج آدم وموسى عليهما السلام
@ قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا أيوب بن النجار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حاج موسى آدم عليهما السلام فقال له أنت الذي أخرجت الناس بذنبك من الجنة وأشقيتهم قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه أتلومني على أمر قد
كتبه الله علي قبل أن يخلقني أو قدره علي قبل أن يخلقني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد والنسائي عن محمد بن عبدالله بن يزيد عن أيوب بن النجار به قال أبو مسعود الدمشقي ولم يخرجاه عنه في الصحيحين سواه وقد رواه أحمد عن عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق به
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم حدثنا أبو شهاب عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة فقال له آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه تلومني على أمر قدر علي قبل أن أخلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى مرتين قلت وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم من حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه
وقال الإمام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة قال فقال آدم وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض قال فحج آدم موسى وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن يحيى بن حبيب بن عدي عن معمر بن سليمان عن أبيه عن الأعمش به قال الترمذي وهو غريب من حديث سليمان التيمي عن الأعمش قال وقد رواه بعضهم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قلت هكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده عن محمد بن مثنى عن معاذ بن أسد عن الفضل بن موسى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ورواه البزار أيضا حدثنا عمرو بن علي الفلاس حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه وقال احمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع طاووسا سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله بكلامه وقال مرة برسالته وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال حج آدم موسى حج آدم موسى حج آدم موسى وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني حدثنا عن سفيان قال حفظناه من عمرو عن طاووس قال سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فحج آدم موسى فحج آدم موسى هكذا ثلاثا
قال سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقد رواه الجماعة
إلا ابن ماجه من عشر طرق عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال أحمد حدثنا عبدالرحمن حدثنا حماد عن عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقي آدم موسى فقال أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك الجنة ثم فعلت فقال أنت موسى الذي كلمك الله واصطفاك برسالته وأنزل عليك التوراة أنا أقدم أم الذكر قال لا بل الذكر فحج آدم موسى
قال أحمد وحدثنا عفان حدثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وحميد عن الحسن عن رجل قال حماد أظنه جندب بن عبدالله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقي آدم موسى فذكر معناه تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا الحسن حدثنا جرير هو ابن حازم عن محمد هو ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي آدم موسى فقال أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته ثم صنعت ما صنعت قال آدم يا موسى أنت الذي كلمه الله وأنزل عليه التوراة قال نعم قال فهل تجده مكتوبا علي قبل أن أخلق قال نعم قال فحج آدم موسى فحج آدم موسى وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه
وكذا رواه علي بن عاصم عن خالد وهشام عن محمد بن سيرين وهذا على شرطهما من هذه الوجوه وقال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبدالأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني أنس بن عياض عن الحارث بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى قال موسى أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله كتب التوراة قال موسى بأربعين عاما قال آدم فهل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى
قال الحارث وحدثني عبدالرحمن بن هرمز بذلك عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه مسلم عن إسحق بن موسى الأنصاري عن أنس بن عياض عن الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب عن يزيد بن هرمز والأعرج كلاهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتج آدم وموسى فقال موسى لآدم يا آدم أنت الذي أدخلت ذريتك النار فقال آدم يا موسى اصطفاك الله برسالاته وبكلامه وأنزل عليك التوارة فهل وجدت أن أهبط قال نعم قال فحجه آدم وهذا على شرطهما ولم يخرجاه
من هذا الوجه وفي قوله أدخلت ذريتك النار نكارة
فهذه طرق هذا الحديث عن أبي هريرة رواه عنه حميد بن عبدالرحمن وذكوان أبو صالح السمان وطاووس ابن كيسان وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج وعمار بن أبي عمار ومحمد بن سيرين وهمام بن منبه ويزيد بن هرمز وأبو سلمة بن عبدالرحمن

افتراضي

وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال حدثنا الحارث بن مسكين المصري حدثنا عبدالله بن وهب أخبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال موسى عليه السلام يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه آدم عليه السلام فقال أنت آدم فقال له آدم نعم قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك الأسماء كلها قال نعم قال فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة فقال له آدم من أنت قال أنا موسى قال أنت موسى نبي بني إسرائيل أنت الذي كلمك الله من وراء الحجاب فلم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه قال نعم قال تلومني على أمر قد سبق من الله عز وجل القضاء به قبل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى ورواه أبو داود عن أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب به قال أبو يعلى وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي حدثنا عمران عن الرديني عن أبي مجلز عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن عمر قال أبو محمد أكبر ظني أنه رفعه قال التقى آدم وموسى فقال موسى لآدم أنت أبو البشر أسكنك الله جنته وأسجد لك ملائكته قال آدم يا موسى أما تجده على مكتوبا قال فحج آدم موسى فحج آدم موسى وهذا الإسناد أيضا لا بأس به والله أعلم
وقد تقدم رواية الفضل بن موسى لهذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد ورواية الإمام أحمد له عن عفان عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن رجل قال حماد أظنه جندب بن عبدالله البجلي عن النبي صلى الله عليه وسلم لقي آدم موسى فذكر معناه
وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من اثبات القدر السابق واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم باديء الرأي حيث قال فحج آدم موسى لما احتج عليه بتقديم كتابه وسيأتي الجواب عن هذا وقال آخرون إنما حجه لأنه لامه على ذنب قد تاب منه والتائب من الذنب كمن لا ذنب له وقيل إنما حجه لأنه أكبر منه وأقدم وقيل لأنه أبوه وقيل لأنهما في شريعتين متغايرتين وقيل لانهما في دار البرزخ وقد انقطع التكليف فيما يزعمونه
والتحقيق إن هذا الحديث روي بألفاظ كثيرة بعضها مروي بالمعنى وفيه نظر ومدار معظمها في الصحيحين وغيرهما على أنه لامه على إخراجه نفسه وذريته من الجنة فقال له آدم أنا لم أخرجكم وإنما
أخرجكم الذي رتب الإخراج على أكلي من الشجرة والذي رتب ذلك وقدره وكتبه قبل أن أخلق هو الله عز وجل فأنت تلومني على أمر ليس له نسبة إلى أكثر ما أني نهيت عن الأكل من الشجرة فأكلت منها وكون الإخراج مترتبا على ذلك ليس من فعلي فأنا لم أخرجكم ولا نفسي من الجنة وإنما كان هذا من قدره الله وصنعه وله الحكمة في ذلك فلهذا حج آدم موسى
ومن كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة رضي الله عنه وناهيك به عدالة وحفظا واتقانا ثم هو مروي عن غيره من الصحابة كما ذكرنا ومن تأوله بتلك التأويلات المذكورة آنفا فهو بعيد من اللفظ والمعنى وما فيهم من هو أقوى مسلكا من الجبرية وفيما قالوه نظر من وجوه أحدها أن موسى عليه السلام لا يلوم على أمر قد تاب منه فاعله الثاني أنه قد قتل نفسا لم يؤمر بقتلها وقد سأل الله في ذلك بقوله رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له الآية الثالث أنه لو كان الجواب عن اللوم على الذنب بالقدر المتقدم كتابته على العبد لانفتح هذا لكل من ليم على أمر قد فعله فيحتج بالقدر السابق فينسد باب القصاص والحدود ولو كان القدر حجة لاحتج به كل أحد على الأمر الذي ارتكبه في الأمور الكبار والصغار وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة فلهذا قال من قال من العلماء بأن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية والله تعالى أعلم
*2* الأحاديث الواردة في خلق آدم
@ قال الإمام أحمد حدثنا يحيى ومحمد بن جعفر حدثنا عوف حدثني قسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب والسهل والحزن وبين ذلك
ورواه أيضا عن هوذة عن عوف عن قسامة بن زهير سمعت الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن قسامة بن زهير المازني البصري عن أبي موسى عبدالله بن قيس الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال الترمذي حسن صحيح
وقد ذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فبعث الله عز وجل جبريل في الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ وقال رب إنها عاذت بك فأعذتها
فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها فرجع فقال كما قال جبريل فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره فأخذ من وجه الأرض وخلطه ولم يأخذ من مكان واحد وأخذ من تربة بيضاء وحمراء وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة فلذلك حين يقول من صلصال كالفخار ويقول لأمر ما خلقت ودخل من فيه وخرج من دبره وقال للملائكة لا ترهبوا من هذا فإن ربكم صمد وهذا أجوف لئن سلطت عليه لأهلكته فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له فلما نفخ فيه من الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة قل الحمد لله فقال الحمد لله فقال له الله رحمك ربك فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت الروح في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلان إلى ثمار الجنة وذلك حين يقول الله تعالى خلق الإنسان من عجل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون من الساجدين وذكر تمام القصة ولبعض هذا السياق شاهد من الأحاديث وإن كان كثير منه متلقى من الإسرائيليات فقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما خلق الله آدم تركه ما شاء أن يدعه فجعل إبليس يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نفخ في آدم فبلغ الروح رأسه عطس فقال الحمد لله رب العالمين فقال له تبارك وتعالى يرحمك الله
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن حلال حدثنا مبارك بن فضالة عن عبيدالله عن حبيب عن حفص هو ابن عاصم بن عبيدالله بن عمر بن الخطاب عن أبي هريرة رفعه قال لما خلق الله آدم عطس فقال الحمد لله فقال له ربه رحمك ربك يا آدم وهذا الإسناد لا بأس به ولم يخرجوه وقال عمر بن عبد العزيز لما أمرت الملائكة بالسجود كان أول من سجد منهم إسرافيل فآتاه الله أن كتب القرآن في جبهته رواه ابن عساكر وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا عمرو بن محمد عن إسمعيل بن رافع عن المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم من تراب ثم جعله طينا ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنونا خلقه الله وصوره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار قال فكان إبليس يمر به فيقول لقد خلقت لأمر عظيم ثم نفخ الله فيه من روحه
فكان أول ما جرى فيه الروح بصره وخياشيمه فعطس فلقاه الله رحمة ربه فقال الله يرحمك ربك ثم قال الله يا آدم اذهب إلى هؤلاء النفر فقل لهم فانظر ماذا يقولون فجاء فسلم عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقال يا آدم هذا تحيتك وتحية ذريتك قال يا رب وما ذريتي قال اختر يدي يا آدم قال اختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين وبسط كفه فإذا من هو كائن من ذريته في كف الرحمن فإذا رجال منهم أفواههم النور فإذا رجل يعجب آدم نوره قال يا رب من هذا قال ابنك داود قال يا رب فكم جعلت له من العمر قال جعلت له ستين قال يا رب فأتم له من عمري حتى يكون له من العمر مائة سنة ففعل الله ذلك وأشهد على ذلك فلما نفد عمر آدم بعث الله ملك الموت فقال آدم أولم يبق من عمري أربعون سنة قال له الملك أولم تعطها ابنك داود فجحد ذلك فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار والترمذي والنسائي في اليوم والليلة من حديث صفوان بن عيسى عن الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي حديث حسن غريب من هذا الوجه وقال النسائي هذا حديث منكر وقد رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن عبدالله بن سلام وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا أبو نعيم حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي رب من هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه فقال أي رب من هذا قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود قال رب وكم جعلت عمره قال ستين سنة قال أي رب زده من عمري أربعين سنة فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت قال أولم يبق من عمري أربعون سنة قال أولم تعطها ابنك داود قال فجحد فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطيء آدم فخطئت ذريته ثم قال الترمذي حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وروى ابن أبي حاتم من حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعا فذكره وفيه ثم عرضهم على آدم فقال يا آدم هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرض والأعمى وأنواع الأسقام فقال آدم يا رب لم فعلت هذا بذريتي قال كي تشكر نعمتي ثم ذكر قصة داود وستأتي من رواية ابن عباس أيضا وقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا الهيثم ابن خارجة حدثنا أبو الربيع عن يونس
ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الدر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم فقال للذي في يمينه إلى الجنة ولا أبالي وقال للذي في كتفه اليسرى إلى النار ولا أبالي
وقال ابن أبي الدينا حدثنا خلف بن هشام حدثنا الحكم بن سنان عن حوشب عن الحسن قال خلق الله آدم حين خلقه فأخرج أهل الجنة من صفحته اليمنى وأخرج أهل النار من صفحته اليسرى فألقوا على وجه الأرض منهم الأعمى والأصم والمبتلى فقال آدم يا رب ألا سويت بين ولدي قال يا آدم إني أردت أن أشكر وهكذا روى عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن بنحوه وقد رواه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه فقال حدثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن بشار حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذن الله فقال له ربه يرحمك ربك يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فسلم عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليكم السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربه فقال هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم وقال الله ويداه مقبوضتان اختر أيهما شئت فقال اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة ثم بسطهما فإذا فيهما آدم وذريته فقال أي رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك وإذا كل إنسان منهم مكتوب عمره بين عينيه وإذا فيهم رجل أضوؤهم أو من أضوئهم لم يكتب له الا أربعون سنة قال يا رب ما هذا قال هذا ابنك داود وقد كتب الله عمره أربعين سنة قال أي رب زد في عمره فقال ذاك الذي كتب له قال فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذاك اسكن الجنة فسكن الجنة ما شاء الله ثم هبط منها وكان آدم يعد لنفسه فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتب لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود منها ستين سنة فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته فيومئذ أمر بالكتاب والشهود هذا لفظه
وقد قال البخاري حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا عبدالرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة واستمع ما يجيبونك فإنها تحيك وتحيتة ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهكذا رواه البخاري في كتاب الاستئذان عن يحيى بن جعفر ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبدالرزاق به وقال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان طول آدم ستين ذراعا في سبع أذرع عرضا انفرد به أحمد
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من جحد آدم إن أول من جحد آدم إن أول من جحد آدم إن الله لما خلق آدم ومسح ظهره فأخرج منه ما هو ذاري إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلا يزهر قال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا الا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما فكتب الله عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما احتضر آدم أتته الملائكة لقبضه قال إنه قد بقي من عمري أربعون عاما فقيل له إنك قد وهبتها لابنك داود قال ما فعلت وأبرز الله عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من جحد آدم قالها ثلاث مرات إن الله عز وجل لما خلقه مسح ظهره فأخرج ذريته فعرضهم عليه فرأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب زد في عمره قال لا الا أن تزيده أنت من عمرك فزاده أربعين سنة من عمره فكتب الله تعالى عليه كتابا وأشهد عليه الملائكة فلما أراد أن يقبض روحه قال إنه بقي من أجلي أربعون سنة فقيل له إنك قد جعلتها لابنك داود قال فجحد قال فأخرج الله الكتاب وأقام عليه البينة فأتمها لداود مائة سنة وأتم لآدم عمره ألف سنة تفرد به أحمد وعلي بن زيد في حديثه نكارة ورواه الطبراني عن علي بن عبدالعزيز عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس وغير واحد عن الحسن قال لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول من جحد آدم ثلاثا وذكره وقال الإمام مالك بن أنس في موطئه عن زيد بن أبي أنيسة أن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم قالوا بلى الآية فقال عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عنها فقال إن الله خلق آدم عليه السلام ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية قال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلق الله العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل به الجنة وإذا خلق الله العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار
وهكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طرق عن الإمام مالك به وقال الترمذي هذا حديث حسن ومسلم بن يسار
لم يسمع عمر وكذا قال أبو حاتم وأبو زرعة زاد أبو حاتم وبينهما نعيم بن ربيعة وقد رواه أبو داود عن محمد بن مصفى عن بقية عن عمر بن جثعم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال كنت عند عمر بن الخطاب وقد سئل عن هذه الآية فذكر الحديث قال الحافظ الدارقطني وقد تابع عمر بن جثعم أبو فروة بن يزيد بن سنان الرهاوي عن زيد بن أبي أنيسة قال وقولهما أولى بالصواب من قول مالك رحمه الله
وهذه الأحاديث كلها دالة على استخراجه تعالى ذرية آدم من ظهره كالذر وقسمتهم قسمين أهل اليمين وأهل الشمال وقال هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي فأما الأشهاد عليهم واستنطاقهم بالأقرار بالوحدانية فلم يجىء في الأحاديث الثابتة وتفسير الآية التي في سورة الأعراف وحملها على هذا فيه نظر كما بيناه هناك وذكرنا الأحاديث والآثار مستقصاة بأسانيدها وألفاظ متونها فمن أراد تحريره فليراجعه ثم والله أعلم
فأما الحديث الذي رواه أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا جرير يعني ابن حازم عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلا قال ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إلى قوله المبطلون فهو بإسناد جيد قوي على شرط مسلم رواه النسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من حديث حسين بن محمد المروزي به وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه الا أنه اختلف فيه على كلثوم بن جبر فروى عنه مرفوعا وموقوفا وكذا روى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهكذا رواه العوفي والوالبي والضحاك وأبو جمرة عن ابن عباس قوله وهذا أكثر وأثبت والله أعلم
وهكذا روى عن عبدالله بن عمر موقوفا ومرفوعا والموقوف أصح واستأنس القائلون بهذا القول وهو أخذ الميثاق على الذرية وهم الجمهور بما قال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثني شعبة عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول نعم فيقول قد أردت منك ما هو أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت الا أن تشرك بي أخرجاه من حديث شعبة به
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم الآية والتي بعدها قال فجمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن منه إلى يوم القيامة فخلقهم ثم صورهم ثم استنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق وأشهد عليهم أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى الآية قال فإني أشهد عليكم السموات السبع والأرضين السبع وأشهد
عليكم أباكم آدم أن لا تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا اعلموا أنه لا إله غيري ولا رب غيري ولا تشركوا بي شيئا وإني سأرسل إليكم رسلا ينذرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتابي قالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك ولا إله لنا غيرك فأقروا له يومئذ بالطاعة ورفع أباهم آدم فنظر إليهم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك فقال يا رب لو سويت بين عبادك فقال إني أحببت أن أشكر ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم النور وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول الله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا وهو الذي يقول فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله وفي ذلك قال هذا نذير من النذر الأولى وفي ذلك قال وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين رواه الأئمة عبدالله بن أحمد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه في تفاسيرهم من طريق أبي جعفر وروى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف بسياقات توافق هذه الأحاديث وتقدم أنه تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم امتثلوا كلهم الأمر الإلهي وامتنع إبليس من السجود له حسدا وعداوة له فطرده الله وأبعده وأخرجه من الحضرة الإلهية ونفاه عنها وأهبطه إلى الأرض طريدا ملعونا شيطانا رجيما
وقد قال الإمام أحمد حدثنا وكيع ويعلى ومحمد ابنا عبيد قالوا حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار ورواه مسلم من حديث وكيع وأبي معاوية عن الأعمش به ثم لما أسكن آدم الجنة التي أسكنها سواء كانت في السماء أو في الأرض على ما تقدم من الخلاف فيه أقام بها هو وزوجته حواء عليهما السلام يأكلان منها رغدا حيث شاآ فلما أكلا من الشجرة التي نهيا عنها سلبا ما كانا فيه من اللباس وأهبطا إلى الأرض وقد ذكرنا الاختلاف في مواضع هبوطه منها واختلفوا في مقدار مقامه في الجنة فقيل بعض يوم من أيام الدنيا وقد قدمنا ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا وخلق آدم في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة وتقدم أيضا حديثه عنه وفيه يعني يوم الجمعة خلق آدم وفيه أخرج منها فإن كان اليوم الذي خلق فيه فيه أخرج وقلنا إن الأيام الستة كهذه الأيام فقد لبث بعض يوم من هذه وفي هذا نظر وإن كان إخراجه في غير اليوم الذي خلق فيه أو قلنا بأن تلك الأيام مقدارها ستة آلاف سنة كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك واختاره ابن جرير فقد لبث هناك مدة طويلة قال ابن جرير ومعلوم أنه خلق في آخر ساعة من يوم الجمعة والساعة منه ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فمكث مصورا طينا قبل أن ينفخ فيه
الروح أربعين سنة وأقام في الجنة قبل أن يهبط ثلاثا وأربعين سنة وأربعة أشهر والله تعالى أعلم وقد روى عبدالرزاق عن هشام بن حسان عن سوار خبر عطاء بن أبي رباح أنه كان لما أهبط رجلاه في الأرض ورأسه في السماء فحطه الله إلى ستين ذراعا وقد روى عن ابن عباس نحوه وفي هذا نظر لما تقدم من الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهذا يقتضي أنه خلق كذلك لا أطول من ستين ذراعا وأن ذريته لم يزالوا يتناقص خلقهم حتى الآن
وذكر ابن جرير عن ابن عباس إن الله قال يا آدم إن لي حرما بحيال عرشي فانطلق فابن لي فيه بيتا فطف به كما تطوف ملائكتي بعرشي وأرسل الله له ملكا فعرفه مكانه وعلمه المناسك وذكر أن موضع كل خطوة خطاها آدم صارت قرية بعد ذلك
وعنه أن أو طعام أكله آدم في الأرض أن جاءه جبريل بسبع حبات من حنطة فقال ما هذا قال هذا من الشجرة التي نهيت عنها فأكلت منها فقال وما أصنع بهذا قال ابذره في الأرض فبذره وكان كل حبة منها زنتها أزيد من مائة ألف فنبتت فحصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه فأكله بعد جهد عظيم وتعب ونكد وذلك قوله تعالى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
وكان أول كسوتهما من شعر الظأن جزاه ثم غزلاه فنسج آدم له جبة ولحواء درعا وخمارا
واختلفوا هل ولد لهما بالجنة شيء من الأولاد فقيل لم يولد لهما الا في الأرض وقيل بل ولد لهما فيها فكان قابيل وأخته ممن ولد بها والله أعلم
وذكروا أنه كان يولد له في كل بطن ذكر وأنثى وأمر أن يزوج كل ابن أخت أخيه التي ولدت معه والآخر بالأخرى وهلم جرا ولم يكن تحل أخت لأخيها الذي ولدت معه
*2* قصة قابيل وهابيل
@ قال الله تعالى واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين قد تكلمنا على هذه القصة في سورة المائدة في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد
ولنذكر هنا ملخص ما ذكره أئمة السلف في ذلك فذكر السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن
ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الأخرى وأن هابيل أراد أن يتزوج بأخت قابيل وكان أكبر من هابيل وأخت هابيل أحسن فأراد هابيل أن يستأثر بها على أخيه وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى فأمرهما أن يقربا قربانا وذهب آدم ليحج إلى مكة واستحفظ السموات على بنيه فأبين والأرضين والجبال فأبين فتقبل قابيل بحفظ ذلك فلما ذهب قربا قربانهما فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم وقرب قابيل حزمة من زرع من ردىء زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل فغضب وقال لأقتلنك حتى لا تنكح أختي فقال إنما يتقبل الله من المتقين وروى عن ابن عباس من وجوه أخر وعن عبدالله بن عمرو وقال عبدالله بن عمرو وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إليه يده
وذكر أبو جعفر الباقر أن آدم كان مباشرا لتقربهما القربان والتقبل من هابيل دون قابيل فقال قابيل لآدم إنما تقبل منه لأنك دعوت له ولم تدع لي وتوعد أخاه فيما بينه وبينه فلما كان ذات ليلة أبطأ هابيل في الرعي فبعث آدم أخاه قابيل لينظر ما أبطأ به فلما ذهب إذا هو به فقال له تقبل منك ولم يتقبل مني فقال إنما يتقبل الله من المتقين فغضب قابيل عندها وضربه بحديدة كانت معه فقتله وقيل إنه إنما قتله بصخرة رماها على رأسه وهو نائم فشدخته وقيل بل خنقه خنقا شديدا وعضا كما تفعل السباع فمات والله أعلم
وقوله له لما توعده بالقتل لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين دل على خلق حسن وخوف من الله تعالى وخشية منه وتورع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه أخوه مثله ولهذا ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار قالوا يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه وقوله إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين أي إني أريد ترك مقاتلتك وإن كنت أشد منك وأقوى إذ قد عزمت على ما عزمت عليه أن تبوء بإثمي وإثمك أي تتحمل إثم قتلي مع ما لك من الآثام المتقدمة قبل ذلك قاله مجاهد والسدي وابن جرير وغير واحد وليس المراد أن آثام المقتول تتحول بمجرد قتله إلى القاتل كما قد توهمه بعض قال فإن ابن جرير حكى الإجماع على خلاف ذلك
وأما الحديث الذي يورده بعض من لا يعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما ترك القاتل على المقتول من ذنب فلا أصل له ولا يعرف في شيء من كتب الحديث بسند صحيح ولا حسن ولا ضعيف أيضا ولكن قد يتفق في بعض الأشخاص يوم القيامة يطالب المقتول القاتل فتكون حسنات القاتل لا تفي بهذه الظلمة فتحول من سيئات المقتول إلى القاتل كما ثبت به الحديث الصحيح في سائر المظالم والقتل
من أعظمها والله أعلم وقد حررنا هذا كله في التفسير ولله الحمد
وقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال عند فتنة عثمان بن عفان أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي قال أفرأيت إن دخل علي بيتي فبسط يده إلي ليقتلني قال كن كابن آدم ورواه ابن مردويه عن حذيفة بن اليمان مرفوعا وقال كن كخير ابني آدم وروى مسلم وأهل السنن الا النسائي عن أبي ذر نحو هذا
وأما الآخر فقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا حدثنا الأعمش عن عبدالله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل ورواه الجماعة سوى أبي داود من حديث الأعمش به وهكذا روى عن عبدالله بن عمرو بن العاص وإبراهيم النخعي أنهما قالا مثل هذا سواء وبجبل قاسيون شمالي دمشق مغارة يقال لها مغارة الدم مشهورة بأنها المكان الذي قتل قابيل أخاه هابيل عندها وذلك مما تلقوه عن أهل الكتاب فالله أعلم بصحة ذلك وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن كثير وقال إنه كان من الصالحين أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهابيل وأنه استحلف هابيل أن هذا دمه فحلف له وذكر أنه سأل الله تعالى أن يجعل هذا المكان يستجاب عنده الدعاء فأجابه إلى ذلك وصدقه في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إنه وأبا بكر وعمر يزورون هذا المكان في كل يوم خميس وهذا منام لو صح عن أحمد بن كثير هذا لم يترتب عليه حكم شرعي والله أعلم
وقوله تعالى فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين ذكر بعضهم أنه لما قتله حمله على ظهره سنة وقال آخرون حمله مائة سنة ولم يزل كذلك حتى بعث الله غرابين قال السدي بإسناده عن الصحابة أخوين فتقاتلا فقتل أحدهما الآخر فلما قتله عمد إلى الأرض يحفر له فيها ثم ألقاه ودفنه وواراه فلما رآه يصنع ذلك قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ففعل مثل ما فعل الغراب فواراه ودفنه
وذكر أهل التواريخ والسير أن آدم حزن على ابنه هابيل حزنا شديدا وأنه قال في ذلك شعرا وهو قوله فيما ذكره ابن جرير عن ابن حميد
تغيرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم * وقل بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم
أبا هابيل قد قتلا جميعا * وصار الحي كالميت الذبيح
وجاء بشرة قد كان منها * على خوف فجابها يصيح
وهذا الشعر فيه نظر وقد يكون آدم عليه السلام قال كلاما يتحزن به بلغته فالفه بعضم إلى هذا وفيه أقوال والله أعلم وقد ذكر مجاهد أن قابيل عوجل بالعقوبة يوم قتل أخاه فعلقت ساقه إلى فخذه وجعل وجهه إلى الشمس كيفما دارت تنكيلا به وتعجيلا لذنبه وبغيه وحسده لأخيه لأبويه وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم
والذي رأيته في الكتاب الذي بأيدي أهل الكتاب الذين يزعمون أنه التوراة أن الله عز وجل أجله وأنظره وأنه سكن في أرض نود في شرقي عدن وهم يسمونه قنين وأنه ولد له خنوخ ولخنوخ عندر ولعندر محوايل ولمحوايل متوشيل ولمتوشيل لامك وتزوج هذا امرأتين عدا وصلا فولدت عدا ولدا اسمه ابل وهو أول من سكن القباب واقتنى المال وولدت أيضا نوبل وهو أول من أخذ في ضرب الونج والصنج وولدت صلا ولدا اسمه توبلقين وهو أول من صنع النحاس والحديد وبنتا اسمها نعمى وفيها أيضا أن آدم طاف على امرأته فولدت غلاما ودعت اسمه شيث وقالت من أجل أنه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل وولد لشيث أنوش قالوا وكان عمر آدم يوم ولد له شيث مائة وثلاثين سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وكان عمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسا وستين وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين وولد له بنون وبنات غير أنوش فولد لانوش قينان وله من العمر تسعون سنة وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وخمس عشرة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان عمر قينان سبعين سنة ولد له مهلاييل وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وأربعين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمهلاييل من العمر خمس وستون سنة ولد له يرد وعاش بعد ذلك ثمانمائة وثلاثين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان ليرد مائة سنة واثنتان وستون سنة ولد له خنوخ وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لخنوخ خمس وستون سنة ولد له متوشلح وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لمتوشلح مائة وسبع وثمانون سنة ولد له لامك وعاش بعد ذلك سبعمائة واثنين وثمانين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان للامك من العمر مائة واثنتان وثمانون سنة ولد له نوح وعاش بعد ذلك خمسمائة وخمسا وتسعين سنة وولد له بنون وبنات فلما كان لنوح خمسمائة سنة ولد له بنون سام وحام ويافث هذا مضمون ما في كتابهم صريحا
وفي كون هذه التواريخ محفوظة فيما نزل من السماء نظر كما ذكره غير واحد من العلماء طاعنين
عليهم في ذلك والظاهر أنها مقحمة فيها ذكرها بعضهم على سبيل الزيادة والتفسير وفيها غلط كثير كما سنذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه عن بعضهم أن حواء ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا قاله ابن إسحق وسماهم والله تعالى أعلم وقيل مائة وعشرين بطنا في كل واحد ذكر وأنثى أولهم قابيل وأخته قليما وآخرهم عبد المغيث وأخته أم المغيث ثم انتشر الناس بعد ذلك وكثروا وامتدوا في الأرض ونموا كما قال الله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء الآية
وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم وقال تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين إليها فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون الآيات فهذا تنبيه أولا بذكر آدم ثم استطرد إلى الجنس وليس المراد بهذا ذكر آدم وحواء بل لما جرى ذكر الشخص استطرد إلى الجنس كما في قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين وقال تعالى ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين ومعلوم أن رجوم الشياطين ليست هي أعيان مصابيح السماء وإنما استطرد من شخصها إلى جنسها فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش فسمته عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره
وهكذا رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم عند هذه الآية وأخرجه الحاكم في مستدركه كلهم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث به وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه فهذه علة قادحة في الحديث أنه روي موقوفا على الصحابي وهذا أشبه والظاهر أنه تلقه من الإسرائيليات وهكذا روي موقوفا على ابن عباس والظاهر أن هذا متلقى عن كعب الأحبار ودونه والله اعلم وقد فسر الحسن البصري هذه الآيات بخلاف هذا فلو كان فلو كان عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه إلى غيره والله أعلم وأيضا فالله تعالى إنما خلق آدم وحواء ليكونا أصل البشر وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء فكيف كانت حواء لا يعيش لها ولد ما ذكر في هذا الحديث إن كان محفوظا والمظنون بل المقطوع به أن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم خطأ والصواب وقفه والله أعلم وقد حررنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد
ثم قد كان آدم وحواء اتقى لله مما ذكر عنهما في هذا فإن آدم أبو البشر الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأسكنه جنته وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قلت يا رسول الله نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ثم نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا وقال الطبراني حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا نافع بن هرمز عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل وأفضل النبيين آدم وأفضل الأيام يوم الجمعة وأفضل الشهور شهر رمضان وأفضل الليالي ليلة القدر وأفضل النساء مريم بنت عمران وهذا إسناد ضعيف فإن نافعا أبا هرمز كذبه ابن معين وضعفه احمد وأبو زرعة وأبو حاتم وابن حبان وغيرهم والله أعلم
وقال كعب الأحبار ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم لحيته سوداء إلى سرته وليس أحد يكنى في الجنة إلا آدم كنيته في الدنيا أبو البشر وفي الجنة أبو محمد وقد روى ابن عدي من طريق سبح ابن أبي خالد عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبدالله مرفوعا أهل الجنة يدعون بأسمائهم إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد ورواه ابن عدي أيضا من حديث علي بن أبي طالب وهو ضعيف من كل وجه والله أعلم
وفي حديث الإسراء الذي في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بآدم وهو في السماء الدنيا قال له مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال وإذا عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى فقلت يا جبريل ما هذا قال هذا آدم وهؤلاء نسم بنيه فإذا نظر قبل أهل اليمين وهم أهل الجنة ضحك وإذا نظر قبل أهل الشمال وهم أهل النار بكى هذا معنى الحديث وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام بن حسان عن الحسن قال كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده
وقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن قالوا معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام وهذا مناسب فإن الله خلق آدم وصوره بيده الكريمة ونفخ فيه من روحه فما كان ليخلق إلا أحسن الأشباه وقد روينا عن عبدالله بن عمر وابن عمرو أيضا موقوفا ومرفوعا إن الله تعالى لما خلق الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه فإنك خلقت لبني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان وقد ورد الحديث المروي في الصحيحين وغيرهما من طرق أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم على صورته وقد تكلم العلماء على هذا الحديث فذكروا فيه مسالك كثيرة ليس هذا موضع بسطها والله أعلم
*2* وفاة آدم ووصيته إلى ابنه شيث
@ ومعنى شيث هبة الله وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قتل هابيل قال أبو ذر في حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل مائة صحيفة وأربع صحف على شيث خمسين صحيفة قال محمد بن إسحاق ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه شيث وعلمه ساعات الليل والنهار وعلمه عبادات تلك الساعات وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك قال ويقال إن انتساب بني آدم اليوم كلها تنتهي إلى شيث وسائر أولاد آدم غيره انقرضوا وبادوا والله أعلم
ولما توفي آدم عليه السلام وكان ذلك يوم الجمعة جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عز وجل من الجنة وعزوا فيه ابنه ووصيه شيثا عليه السلام قال ابن إسحاق وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بلياليهن وقد قال عبدالله بن الإمام أحمد حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن يحيى هو ابن ضمرة السعدي قال رأيت شيخا بالمدينة تكلم فسألت عنه فقالوا هذا أبي بن كعب فقال إن آدم لما حضره الموت قال لبنيه أي بني إني أشتهي من ثمار الجنة قال فذهبوا يطلبون له فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطه ومعهم الفوس والمساحي والمكاتل فقالوا لهم يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون أو ما تريدون وأين تطلبون قالوا أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة فقالوا لهم ارجعوا فقد قضى أبوكم فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم فلاذت بآدم فقال إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك فخلى بيني وبين ملائكة ربي عز وجل فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنظوه وحفروا له ولحدوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره ثم حثوا عليه ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم إسناد صحيح إليه وروى ابن عساكر من طريق شيبان بن فروخ عن محمد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كبرت الملائكة على آدم أربعا وكبر أبي بكر على فاطمة أربعا وكبر عمر على أبي بكر أربعا وكبر صهيب على عمر أربعا قال ابن عساكر ورواه غيره عن ميمون فقال عن ابن عمر
واختلفوا في موضع دفنه فالمشهور أنه دفن عند الجبل الذي أهبط منه في الهند وقيل بجبل أبي قبيس بمكة ويقال إن نوحا عليه السلام لما كان زمن الطوفان حمله هو وحواء في تابوت فدفنهما ببيت المقدس حكى ذلك ابن جرير وروى ابن عساكر عن بعضهم أنه قال رأسه عند مسجد إبراهيم ورجلاه عند صخرة بيت المقدس وقد ماتت بصره حواء بعده بسنة واحدة واختلف في مقدار عمره عليه السلام فقدمنا
في الحديث عن ابن عباس وأبي هريرة مرفوعا أن عمره اكتتب في اللوح المحفوظ الف سنة وهذا لا يعارضه ما في التوارة من أنه عاش تسعمائة وثلاثين سنة لأن قولهم هذا مطعون فيه مردود إذا خالف الحق الذي بأيدينا مما هو المحفوظ عن المعصوم وأيضا فإن قولهم هذا يمكن الجمع بينه وبين ما في الحديث فإن ما في التوراة إن كان محفوظا محمول على مدة مقامه في الأرض بعد الاهباط وذلك تسعمائة وثلاثون سنة شمسية وهي بالقمرية تسعمائة وسبع وخمسون سنة ويضاف إلى ذلك ثلاث وأربعون سنة مدة مقامه في الجنة قبل الاهباط على ما ذكره ابن جرير وغيره فيكون الجميع الف سنة
وقال عطاء الخراساني لما مات آدم بكت الخلائق عليه سبعة أيام رواه ابن عساكر فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة فلما حانت وفاته أوصى إلى ابنه أنوش فقام بالأمر بعده ثم بعده ولده قينن ثم من بعده ابنه مهلاييل وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة وأنه أول من قطع الأشجار وبنى المدائن والحصون الكبار وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقا من مردة الجن والغيلان وكان له تاج عظيم وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة فلما مات قام بالأمر بعده ولده يرد فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ وهو إدريس عليه السلام على المشهور
*2* إدريس عليه السلام
@ قال الله تعالى واذكر في الكتاب إدريس أنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء وقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبدالأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف
قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له ما قول الله تعالى لإدريس ورفعناه مكانا عليا فقال كعب أما إدريس فإن الله أوحى إليه أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم لعله من أهل زمانه فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت حتى ازداد عملا فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال وأين إدريس قال هو ذا على ظهري فقال ملك الموت فالعجب بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك فذلك قول الله عز وجل ورفعناه مكانا عليا ورواه ابن أبي حاتم عند تفسيرها وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري فسأله وهو معه كم بقي من عمره فقال لا أدري حتى أنظر فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره الا طرفة عين فنظر الملك إلى تحت جناحه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر وهذا من الإسرائيليات وفي بعضه نكارة وقول ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ورفعناه مكانا عليا قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار والله أعلم وقال العوفي عن ابن عباس في قوله ورفعناه مكانا عليا رفع إلى السماء السادسة فمات بها وهكذا قال الضحاك والحديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أصح وهو قول مجاهد وغير واحد وقال الحسن البصري ورفعناه مكانا عليا قال إلى الجنة وقال قائلون رفع في حياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نوح بل في زمان بني إسرائيل


يتبع ..

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:43 PM
قال البخاري ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن الياس هو إدريس واستأنسوا في ذلك بما جاء في حديث الزهري عن أنس في الإسراء أنه لما مر به عليه السلام قال له مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ولم يقل كما قال آدم وإبراهيم مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قالوا فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قال له وهذا لا يدل ولا بد لأنه قد لا يكون الراوي حفظه جيدا أو لعله قاله له على سبيل الهضم والتواضع ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر وإبراهيم الذي هو خليل الرحمن وأكبر أولي العزم بعد محمد صلوات الله عليهم أجمعين
*2* قصة نوح عليه السلام
@ هو نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن أنوش بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام كان مولده بعد وفاة آدم بمائة سنة وست وعشرين سنة فيما
ذكره ابن جرير وغيره وعلى تاريخ أهل الكتاب المتقدم يكون بين مولد نوح وموت آدم مائة وست وأربعون سنة وكان بينهما عشرة قرون كما قال الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه حدثنا محمد بن عمر بن يوسف حدثنا محمد بن عبدالملك بن زنجويه حدثنا أبو توبة حدثنا معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام سمعت أبا سلام سمعت أبا أمامة أن رجلا قال يا رسول الله أنبي كان آدم قال نعم مكلم قال فكم كان بينه وبين نوح قال عشرة قرون قلت وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام فإن كان المراد بالقرن مائة سنة كما هو المتبادر عند كثير من الناس فبينهما ألف سنة لا محالة لكن لا ينفى أن يكون أكثر باعتبار ما قيد به ابن عباس بالإسلام اذ قد يكون بينهما قرون أخر متأخرة لم يكونوا على الإسلام لكن حديث أبي أمامة يدل على الحصر في عشرة قرون وزادنا ابن عباس أنهم كلهم كانوا على الإسلام وهذا يرد قول من زعم من أهل التواريخ وغيرهم من أهل الكتاب أن قابيل وبنيه عبدوا النار والله أعلم
وإن كان المراد بالقرن الجيل من الناس كما في قوله تعالى وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وقوله ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين وقال تعالى وقرونا بين ذلك كثيرا وقال وكم أهلكنا قبلهم من قرن وكقوله عليه السلام خير القرون قرني الحديث فقد كان الجيل قبل نوح يعمرون الدهر الطويلة فعلى هذا يكون بين آدم ونوح ألوف من السنين والله أعلم
وبالجملة فنوح عليه السلام انما بعثه الله تعالى لما عبدت الأصنام والطواغيت وشرع الناس في الضلالة والكفر فبعثه الله رحمة للعباد فكان أول رسول بعث إلى أهل الأرض كما يقول له أهل الموقف يوم القيامة وكان قومه يقال لهم بنو راسب فيما ذكره ابن جبير وغيره
واختلفوا في مقدار سنه يوم بعث فقيل كان ابن خمسين سنة وقيل ابن ثلاثمائة وخمسين سنة وقيل ابن أربعمائة وثمانين سنة حكاها ابن جرير وعزا الثالثة منها إلى ابن عباس
وقد ذكر الله قصته وما كان من قومه وما أنزل بمن كفر به من العذاب بالطوفان وكيف أنجاه وأصحاب السفينة في غير ما موضع من كتابه العزيز ففي الأعراف ويونس وهود والأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت والصافات واقتربت وأنزل فيه سورة كاملة فقال في سورة الأعراف لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره اني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قال الملأ من قومه انا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين وقال في سورة يونس واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر
عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا الي ولا تنظرون فإن توليتم فما سألتكم من أجر ان أجري الا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين وقال تعالى في سورة هود ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه انى لكم نذير مبين أن لا تعبدوا الا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك الا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا بادى الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت علكيم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون ويا قوم من ينصرني من الله ان طردتهم أفلا تذكرون ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول اني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين قالوا يا نوح قد جادلتنا فاكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون أم يقولون افتراه قل ان افتريته فعلى إجرامي وأنا برىء مما تجرمون وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها إن ربي لغفور رحيم وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولاتكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم وحال بينهما الموج فكانا من المغرقين وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين ونادى نوح ربه فقال رب ان ابني من أهلي وان وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم والا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت
تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وقال تعالى في سورة الأنبياء ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين وقال تعالى في سورة الشعراء كذبت قوم نوح المرسلين إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين فاتقوا الله وأطيعون قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى في سورة العنكبوت ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين وقال تعالى في سورة والصافات ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين وتركنا عليه في الآخرين سلام على نوح في العالمين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين وقال تعالى في سورة اقتربت كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه إني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر وقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم
لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم أسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا والله جعل لكم الأرص بساطا لتسلكوا منها سبلا فجاجا قال نوح رب انهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده الا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين الا ضلالا مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا وقد تكلمنا على كل موضع من هذه في التفسير وسنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه الأماكن المتفرقة ومما دلت عليه الأحاديث والآثار وقد جرى ذكره أيضا في مواضع متفرقة من القرآن فيها مدحه وذم من خالفه فقال تعالى في سورة النساء إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما وقال في سورة الأنعام وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم الآيات وتقدمت قصته في الأعراف وقال في سورة براءة ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وتقدمت قصته في يونس وهود وقال في سورة إبراهيم ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وانا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب وقال في سورة سبحان ذرية من حملنا مع نوح أنه كان عبدا شكورا وقال فيها أيضا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب
عباده خبيرا بصيرا وتقدمت قصته في الأنبياء والمؤمنون والشعراء والعنكبوت وقال في سورة الأحزاب وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا وقال في سورة ص كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل الا كذب الرسل فحق عقاب وقال في سورة غافر كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار وقال في سورة الشورى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب وقال تعالى في سورة ق كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد وقال في الذاريات وقوم نوح من قبل أنهم كانوا قوما فاسقين وقال في النجم وقوم نوح من قبل أنهم كانوا هم أظلم وأطغى وتقدمت قصته في سورة اقتربت الساعة وقال تعالى في سورة الحديد ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون وقال تعالى في سورة التحريم ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين وأما مضمون ما جرى له مع قومه مأخوذا من الكتاب والسنة والآثار فقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام رواه البخاري وذكرنا أن المراد بالقرن الجيل أو المدة على ما سلف ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت ان آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عند تفسير قوله تعالى وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تدرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت
قال ابن عباس وصارت هذه الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد وهكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة ومحمد بن إسحاق
وقال ابن جرير في تفسيره حدثنا ابن حميد حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قال كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم فلما ماتوا وجاء آخرون
دب اليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنه قال ود ويغوث ويعوق وسواع ونسر أولاد آدم وكان ود أكبرهم وأبرهم به
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور حدثنا الحسن بن موسى حدثنا يعقوب عن أبي المطهر قال ذكروا عند أبي جعفر هو الباقر وهو قائم يصلي بزيد بن المهلب قال فلما انفتل من صلاته قال ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله قال ذكر ودا رجلا صالحا وكان مجبا في قومه فلما مات عكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه قالوا نعم فصور لهم مثله قال ووضعوه في ناديهم وجعلو يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره قال هل لكم أن اجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ليكون له في بيته فتذكرونه قالوا نعم قال فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به قال وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودرس أثر ذكرهم اياه حتى اتخذوه الها يعبدونه من دون الله اولاد أولادهم فكان أول ما عبد غير الله ودا الصنم الذي سموه ودا
ومقتضى هذا السياق أن كل صنم من هذه عبده طائفة من الناس وقد ذكر أنه لما تطاولت العهود والأزمان جعلوا تلك الصور تماثيل مجسدة ليكون أثبت لهم ثم عبدت بعد ذلك من دون الله عز وجل ولهم في عبادتها مسالك كثيرة جدا قد ذكرنها في مواضعها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة
وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكرت عنده أم سلمة وأم حبيبة تلك الكنيسة التي رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها قال أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل
والمقصود أن الفساد لما انتشر في الأرض وعم البلاد بعباد الأصنام فيها بعث الله عبده ورسوله نوحا عليه السلام يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حيان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا فيقول ربي قد غضب غضبا شديدا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك عز وجل فيقول ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده
مثله نفسي نفسي وذكر تمام الحديث بطوله كما أورده البخاري في قصة نوح
فلما بعث الله نوحا عليه السلام دعاهم إلى أفراد العبادة لله وحده لا شريك له أن لا يعبدوا معه صنما ولا تمثالا ولا طاغوتا وأن يعترفوا بوحدانيته وأنه لا إله غيره ولا رب سواه كما أمر الله تعالى من بعده من الرسل الذين هم كلهم من ذريته كما قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين وقال فيه وفي إبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب أي كل نبي من بعد نوح فمن ذريته وكذلك إبراهيم قال الله تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال تعالى واسئل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ولهذا قال نوح لقومه اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وقال ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم وقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال يا قوم إني لكم نذير مبين أن ابعدوا الله واتقوه وأطيعون يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ثم إني دعوتهم جهارا ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا الآيات الكريمات فذكر أنه دعاهم إلى الله بأنواع الدعوة في الليل والنهار والسر والإجهار بالترغيب تارة والترهيب أخرى وكل هذا فلم ينجح فيهم بل استمر أكثرهم على الضلالة والطغيان وعبادة الأصنام والأوثان ونصبوا له العداوة في كل وقت وأوان وتنقصوه وتنقصوا من آمن به وتوعدوهم بالرجم والاخراج ونالوا منهم وبالغوا في أمرهم قال الملأ من قومه أي السادة الكبراء منهم إنا لنراك في ضلال مبين قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أي لست كما تزعمون من أني ضال بل على الهدى المستقيم رسول من رب العالمين أي الذي يقول للشيء كن فيكون أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون وهذا شأن الرسول أن يكون بليغا أي فصيحا ناصحا أعلم الناس بالله عز وجل وقالوا له فيما قالوا ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين تعجبوا أن يكون بشرا رسولا وتنقصوا بمن اتبعه ورأوهم أراذلهم وقد قيل أنهم كانوا من أقياد الناس وهم ضعفاؤهم كما قال هرقل وهم أتباع الرسل وما ذاك إلا لأنه لا مانع لهم من اتباع الحق وقولهم بادى الرأي أي بمجرد ما دعوتهم استجابوا لك من غير نظر ولا روية وهذا
الذي رموهم به هو عين ما يمدحون بسببه رضي الله عنهم فإن الحق الظاهر لا يحتاج إلى روية ولا فكر ولا نظر بل يجب اتباعه والانقياد له متى ظهر ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مادحا للصديق ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم ولهذا كانت بيعته يوم السقيفة أيضا سريعة من غير نظر ولا روية لان أفضليته على من عداه ظاهرة جلية عند الصحابة رضي الله عنهم ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب الكتاب الذي أراد أن ينص فيه على خلافته فتركه وقال يأبى الله والمؤمنون الا أبا بكر رضي الله عنه وقول كفرة قوم نوح له ولمن آمن به وما نرى لكم علينا من فضل أي لم يظهر لكم أمر بعد اتصافكم بالإيمان ولا مزية علينا بل نظنكم كاذبين قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون
وهذا تلطف في الخطاب معهم وترفق بهم في الدعوة إلى الحق كما قال تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وهذا منه يقول لهم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده أي النبوة والرسالة فعميت عليكم أي فلم تفهموها ولم تهتدوا إليها أنلزمكموها أي انغضبكم بها ونجبركم عليها وأنتم لها كارهون أي ليس لي فيكم حيلة والحالة هذه ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله أي لست أريد منكم أجرة على إبلاغي إياكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم إن أطلب ذلك إلا من الله الذي ثوابه خير لي وابقى مما تعطونني أنتم وقوله وما أنا بطارد الذين آمنوا أنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون كأنهم طلبوا منه أن يبعد هؤلاء عنه ووعدوه أن يجتمعوا به إذا هو فعل ذلك فأبى عليهم ذلك وقال إنهم ملاقوا ربهم أي فأخاف إن طردتهم أن يشكوني إلى الله عز وجل ولهذا قال ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ولهذا لما سأل كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرد عنه ضعفاء المؤمنين كعمار وصهيب وبلال وخباب وأشباههم نهاه الله عن ذلك كما بيناه في سورتي الأنعام والكهف ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك أي بل أنا عبد رسول لا أعلم من علم الله إلا ما أعلمني به ولا أقدر إلا على ما أقدرني عليه ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولا أقول للذين تزدري أعينكم يعني من اتباعه لن يؤتيهم الله خيرا الله ألم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين أي لا أشهد عليهم بانهم لا خير لهم عند الله يوم القيامة الله أعلم بهم وسيجازيهم على ما في نفوسهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كما قالوا في المواضع الأخر أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين
وقد تطاول الزمان والمجادلة بينه وبينهم كما قال تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما
فأخذهم الطوفان وهم ظالمون أي ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم وكان كل ما نقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه وصاه فيما بينه وبينه أن لا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي وكانت سجاياهم تأبى الإيمان واتباع الحق ولهذا قال ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ولهذا قالوا قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين أي إنما يقدر على ذلك الله عز وجل فإنه الذي لا يعجزه شيء ولا يكترثه أمر بل هو الذي يقول للشيء كن فيكون ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون أي من يرد الله فتنته فلن يملك أحد هدايته هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الفعال لما يريد وهو العزيز الحكيم العليم بمن يستحق الهداية ومن يستحق الغواية وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن تسلية له عما كان منهم إليه فلا تبتئس بما كانوا يفعلون وهذه تعزية لنوح عليه السلام في قومه أنه لن يؤمن منهم إلامن قد آمن أي لا يسوأنك ما جرى فإن النصر قريب والنبأ عجيب واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون وذلك أن نوحا عليه السلام لما يئس من صلاحهم وفلاحهم ورأى أنهم لا خير فيهم وتوصلوا إلى أذيته ومخالفته وتكذيبه بكل طريق من فعال ومقال دعا عليهم دعوة غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبته قال الله تعالى ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وقومه من الكرب العظيم وقال تعالى ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم وقال تعالى قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين وقال تعالى فدعا ربه أني مغلوب فانتصر وقال تعالى قال رب انصرني بما كذبون وقال تعالى مما خطيآتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفار فاجتمع عليهم خطاياهم من كفرهم وفجورهم ودعوة نبيهم عليهم فعند ذلك أمره الله تعالى أن يصنع الفلك وهي السفينة العظيمة التي لم يكن لها نظير قبلها ولا يكون بعدها مثلها وقدم الله تعالى إليه أنه إذا جاء أمره وحل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين أنه لا يعاوده فيهم ولا يراجعه فإنه لعله قد تدركه رقة على قومه عند معاينة العذاب النازل بهم فإنه ليس الخبر كالمعاينة ولهذا قال ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه أي يستهزئون به استعباد الوقوع ما توعدهم به قال إن تسخورا منا فانا نسخر منكم كما تسخرون أي نحن الذين نسخر منكم ونتعجب منكم في استمراركم على كفركم وعنادكم الذي يقتضي وقوع العذاب بكم وحلوله عليكم فسوف تعلمون من يأتيه
عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم وقد كانت سجاياهم الكفر الغليظ والعناد البالغ في الدنيا وهكذا في الآخرة فإنهم يجحدون أيضا أن يكون جاءهم رسول كما قال البخاري حدثنا موسى بن إسمعيل حدثنا عبدالواحد بن زياد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء نوح عليه السلام وأمته فيقول الله عز وجل هل بلغت فيقول نعم أي رب فيقول لأمته هل بلغكم فيقولون لا ما جاءنا من نبي فيقول لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته فتشهد أنه قد بلغ وهو قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا والوسط العدل فهذه الأمة تشهد على شهادة نبيها الصادق المصدوق بأن الله قد بعث نوحا بالحق وأنزل عليه الحق وأمره به وأنه بلغه إلى أمته على أكمل الوجوه وأتمها ولم يدع شيئا مما ينفعهم في دينهم إلا وقد أمرهم به ولا شيئا مما قد يضرهم إلا وقد نهاهم عنه وحذرهم منه وهكذا شأن جميع الرسل حتى أنه حذر قومه المسيح الدجال وإن كان لا يتوقع خروجه في زمانهم حذرا عليهم وشفقة ورحمة بهم كما قال البخاري حدثنا عبدان حدثنا عبدالله عن يونس عن الزهري قال سالم قال ابن عمر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال إني لأنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه ولكني أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور وهذا الحديث في الصحيحين أيضا من حديث شيبان بن عبدالرحمن عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ألا أحدثكم عن الدجال حديثا ما حدث به نبي قومه أنه أعور وأنه يجيء معه بمثال الجنة والنار والتي يقول عليها الجنة هي النار وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه لفظ البخاري
وقد قال بعض علماء السلف لما استجاب الله له أمره أن يغرس شجرا ليعمل منه السفينة فغرسه وانتظره مائة سنة ثم نجره في مائة أخرى وقيل في أربعين سنة فالله أعلم قال محمد بن إسحق عن الثوري وكان من خشب الساج وقيل من الصنوبر وهو نص التوراة قال الثوري وأمره أن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا وأن يطلى ظاهرها وباطنها بالقار وأن يجعل لها جؤجؤا أزور يشق الماء وقال قتادة كان طولها ثلثمائة ذراع في عرض خمسين ذراعا وهذا الذي في التوراة على ما رأيته
وقال الحسن البصري ستمائة في عرض ثلثمائة وعن ابن عباس ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة ذراع وقيل كان طولها ألفي ذراع وعرضها مائة ذراع قالوا كلهم وكان ارتفاعها ثلاثين ذراعا وكانت ثلاث طبقات كل واحدة عشر أذرع فالسفلى للدواب والوحوش والوسطى للناس والعليا للطيور وكان بابها في عرضها ولها غطاء من فوقها مطبق عليها قال الله تعالى قال رب انصرني بما كذبون فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا أي بأمرنا لك وبمرأى منا لصنعتك لها ومشاهدتنا لذلك
لنرشدك إلى الصواب في صنعتها فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين واهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون فتقدم إليه بأمره العظيم العالي أنه إذا جاء أمره وحل بأسه أن يحمل في هذه السفينة من كل زوجين اثنين من الحيوانات وسائر ما فيه روح من المأكولات وغيرها لبقاء نسلها وأن يحمل معه أهله أي أهل بيته إلا من سبق عليه القول منهم أي إلا من كان كافرا فإنه قد نفذت فيه الدعوة التي لا ترد ووجب عليه حلول البأس الذي لا يرد وأمر أنه لا يراجعه فيهم إذا حل بهم ما يعاينه من العذاب العظيم الذي قد حتمه عليهم الفعال لما يريد كما قدمنا بيانه قبل
والمراد بالتنور عند الجمهور وجه الأرض أي نبعت الأرض من سائر أرجائها حتى نبعت التنانير التي هي محال النار وعن ابن عباس التنور عين في الهند وعن الشعبي بالكوفة وعن قتادة بالجزيرة وقال علي بن أبي طالب المراد بالتنور فلق الصبح وتنوير الفجر أي إشراقه وضياؤه أي عند ذلك فاحمل فيها من كل زوجين اثنين وهذا قول غريب وقوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل هذا أمر بأن عند حلول النقمة بهم أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين وفي كتاب أهل الكتاب أنه أمر أن يحمل من كل ما يؤكل سبعة أزواج ومما لا يؤكل زوجين ذكرا وأنثى وهذا مغاير لمفهوم قوله تعالى في كتابنا الحق إثنين إن جعلنا ذلك مفعولا به وأما إن جعلناه توكيدا لزوجين والمفعول به محذوف فلا ينافي والله أعلم
وذكر بعضهم ويروى عن ابن عباس أن أول ما دخل من الطيور الدرة وآخر ما دخل من الحيوانات الحمار ودخل إبليس متعلقا بذنب الحمار وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدالله بن صالح حدثني الليث حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه وكيف نطمئن أو كيف تطمئن المواشي ومعنا الأسد فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في الأرض ثم شكوا الفارة فقالوا الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها هذا مرسل وقوله واهلك إلا من سبق عليه القول أي من استجيبت فيهم الدعوة النافذة ممن كفر فكان منهم ابنه يام الذي غرق كما سيأتي بيانه ومن آمن أي واحمل فيها من آمن بك من أمتك قال الله تعالى وما آمن معه إلا قليل هذا مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ودعوتهم الأكيدة ليلا ونهارا بضروب المقال وفنون التلطفات والتهديد والوعيد تارة والترغيب والوعد أخرى
وقد اختلف العلماء في عدة من كان معه في السفينة فعن ابن عباس كانوا ثمانين نفسا معهم نساؤهم
وعن كعب الاحبار كانوا اثنين وسبعين نفسا وقيل كانوا عشرة وقيل إنما كانوا نوحا وبنيه الثلاثة وكنائنته الأربع بامرأة يام الذي انخزل وانعزل وسلل عن طريق النجاة فما عدل إذ عدل وهذا القول فيه مخالفة لظاهر الآية بل هي نص في أنه قد ركب معه غير أهله طائفة ممن آمن به كما قال ونجني ومن معي من المؤمنين وقيل كانوا سبعة وأما امرأة نوح وهي أم أولاده كلهم وهم حام وسام ويافث ويام وتسميه أهل الكتاب كعنان وهو الذي قد غرق وعابر وقد ماتت قبل الطوفان قيل إنها غرقت مع من غرق وكانت ممن سبق عليه القول لكفرها وعند أهل الكتاب أنها كانت في السفينة فيحتمل أنها كفرت بعد ذلك أو أنها أنظرت ليوم القيامة والظاهر الأول لقوله لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا قال الله تعالى فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين أمره أن يحمد ربه على ما سخر له من هذه السفينة فنجاه بها وفتح بينه وبين قومه واقر عينه ممن خالفه وكذبه كما قال تعالى الذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون وهكذا يؤمر بالدعاء في ابتداء الأمور أن يكون على الخير والبركة وأن تكون عاقبتها محمودة كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حين هاجر وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقد امتثل نوح عليه السلام هذه الوصية وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم أي على اسم الله ابتداء سيرها وانتهاؤه إن ربي لغفور رحيم أي وذو عقاب اليم مع كونه غفروا رحيما لا يرد بأسه عن القوم المجرمين كما أحل بأهل الأرض الذين كفروا به وعبدوا غيره قال الله تعالى وهي تجري بهم في موج كالجبال وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الأرض قبله ولا تمطره بعده كان كأفواه القرب وأمر الأرض فنبعت من جميع فجاجها وسائر أرجائها كما قال تعالى فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر والدسر السائر تجري بأعيننا أي بحفظنا وكلاأتنا وحراستنا ومشاهدتنا لها جزاء لمن كان كفر
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن الطوفان كان في ثالث عشر شهر آب في حساب القبط وقال تعالى إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية أي السفينة لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية قال جماعة من المفسرين ارتفع الماء على أعلى جبل بالأرض خمسة عشر ذراعا وهو الذي عند أهل الكتاب وقيل ثمانين ذراعا وعم جميع الأرض طولها والعرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق
على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ولا صغير ولا كبير قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم كان أهل ذلك الزمان قد ملأوا السهل والجبل وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم لم تكن بقعة في الأرض الا ولها مالك وحائز رواهما ابن أبي حاتم ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بنيهما الموج فكان من المغرقين وهذا الابن هو يام أخو سام وحام ويافث وقيل اسمه كنعان وكان كافرا عمل عملا غير صالح فخالف أباه في دينه ومذهبه فهلك مع من هلك هذا وقد نجا مع أبيه الأجانب في النسب لما كانوا موافقين في الدين والمذهب وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضى الأمر واستوت على الجودى وقيل بعدا للقوم الظالمين أي لما فرغ من أهل الأرض ولم يبق منها أحد ممن عبد غير الله عز وجل أمر الله الأرض أن تبلع ماءها وأمر السماء أن تقلع أي تمسك عن المطر وغيض الماء أي نقص عما كان وقضى الأمر أي وقع بهم الذي كان قد سبق في علمه وقدره من إحلاله بهم ما حل بهم وقيل بعدا للقوم الظالمين أي نودي عليهم بلسان القدرة بعدا لهم من الرحمة والمغفرة كما قال تعالى فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا أنهم كانوا قوما عمين وقال تعالى فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين وقال تعالى ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين وقال تعالى فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين وقال تعالى ثم أغرقنا الآخرين وقال ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال تعالى مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله انصارا وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدو إلا فاجرا كفارا وقد استجاب الله تعالى وله الحمد والمنة دعوته فلم يبق منهم عين تطرف
وقد روى الإمامان أبو جعفر بن جرير وأبو محمد بن أبي حاتم في تفسيريهما من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن قائد مولى عبدالله بن أبي رافع أن إبراهيم بن عبدالرحمن بن أبي ربيعة أخبره أن عائشة أم المؤمنين أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلو رحم الله من قوم نوح أحدا لرحم ام الصبي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث نوح عليه السلام في قومه ألف سنة يعني الا خمسين عاما وغرس مائة سنة الشجر فعظمت وذهبت كل مذهب ثم قطعها ثم جعلها سفينة ويمرون عليه ويسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر كيف تجري قال سوف تعلمون فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك خشيت أم الصبي
عليه وكانت تحبه حبا شديدا خرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيديها فغرقا فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي وهذا حديث غريب وقد روى عن كعب الأحبار ومجاهد وغير واحد شبيه لهذه القصة وأحرى بهذا الحديث أن يكونا موقوفا متلقى عن مثل كعب الأحبار والله أعلم

افتراضي

والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين ان عوج بن عنق ويقال ابن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشدة بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزىء به ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول
أما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإيمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعى الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا
وأما المنقول فقد قال الله تعالى ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم أخره بذلك وهلم جر إلى يوم القيامة
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ياهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق الا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء والله أعلم
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين
وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الإيمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان ثم قال تعالى قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الأرض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودى وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال بسلام منا وبركات أي اهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم ممن سيولد بعد أي من أولادك فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث
قال الإمام أحمد حدثنا عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه وقال الشيخ أبو عمرو بن عبدالبر وقد روى عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال والمراد بالروم هنا الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام ثم روى من حديث اسمعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن هانىء وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم وولد لحام القبط والبربر والسودان ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا الا من هذا الوجه تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد قلت وهذا الذي ذكره أبو عمرو هو المحفوظ عن سعيد قوله وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد الا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل
الطوفان والصحيح أن الأولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وأن يكون أولاده عبيدا لإخوته
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا كعب حام بن نوح قال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفار فقال له عيسى كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال فقالوا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا قال كيف يتبعكم من لا رزق له قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا وهذا أثر غريب جدا وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها إلى الجودى فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع علىالجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودى فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصحبوا ذات يوم وقد تبلبلت السنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنه
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشرواء من المحرم وقد روى
@ قال الله تعالى واذكر في الكتاب إدريس أنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء وقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبدالأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف
ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك وقال الإمام أحمد حدثنا أبو جعفر حدثنا عبدالصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبدالله عن شبل عن أبي هريرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال ما هذا الصوم فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم وقال لأصحابه من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم
وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شيء وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني إسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقندي بها والله أعلم
وقال محمد بن إسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض فسكن لماء وانسدت ينابيع الأرض فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر وكان استواء الفلك فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة ايام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك وهذا الذي ذكره ابن إسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب قال ابن إسحق وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا في الأرض فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عز وجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عز وجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس قزح الذي قدمنا عن ابن عباس أنه أمان من
الغرق قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيو مرث يعنون آدم إلى زماننا هذا وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجعل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الأرض والسموات وقد أجمع أهل الأديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الأزمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد ولم يبق الله احدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذ لما سبق في القدر المحتوم
*2* ذكر شيء من أخبار نوح عليه السلام
@ قال الله تعالى إنه كان عبدا شكورا قيل إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية فإن الشكر يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا
*2* صومه عليه السلام
@ وقال ابن ماجه باب صيام نوح عليه السلام حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس أنه سمع عبدالله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر ويوم الأضحى هكذا رواه ابن ماجه من طريق عبدالله بن لهيعة بإسناده ولفظه وقد قال الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج حدثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبدالله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى وصام داود نصف الدهر وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر
*2* حجه عليه السلام
@ وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال يا أبا بكر أي واد هذا قال هذا وادي عسفان قال لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف أزرهم العباء وارديتهم النمار يحجون البيت العتيق فيه غرابة
*2* وصيته لولده
@ قال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبدالله بن عمرو قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة بالديباج فقال ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس بن فارس أو قال يريد أن يضع كل فارس بن فارس ورفع كل راع بن راع قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال لا أرى عليك لباس من لا يعقل ثم قال إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لاإله إلا إله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده فإن بها صلات كل شيء وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر قال قلت أو قيل يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر أن يكون لاحدنا نعلان حسنان لهما شرا كان حسنان قال لا قال هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها قال لا قال هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها قال لا قال هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه قال لا قلت أو قيل يا رسول الله فما الكبر قال سفه الحق وغمض الناس وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد ابن إسحق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان في وصية نوح لابنه أوصيتك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين فذكر نحوه وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن إسحق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه والظاهر أنه عن عبدالله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم
ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة وقدمنا عن ابن عباس مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة وفي هذا القول نظر ثم إن لم يمكن الجمع
بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضى أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة
وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والأزرقي عن عبدالرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام وهذا أقوى وأثبت من الذكر الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكره والله أعلم






آخر مواضيعه 0 النخل . شجرة النخل , النخيل وانواعه , التمر وفوائده
0 فقر الدم , اسبابه , اعراضه
0 الشاب الملتزم والشاب الغير ملتزم
0 التوبة
0 الروح , كتاب الروح

افتراضي

والمقصود أن الله لم يبق من الكافرين ديارا فكيف يزعم بعض المفسرين ان عوج بن عنق ويقال ابن عناق كان موجودا من قبل نوح إلى زمان موسى ويقولون كان كافرا متمردا جبارا عنيدا ويقولون كان لغير رشدة بل ولدته أمه عنق بنت آدم من زنا وإنه كان يأخذ من طوله السمك من قرار البحار ويشويه في عين الشمس وإنه كان يقول لنوح وهو في السفينة ما هذه القصيعة التي لك ويستهزىء به ويذكرون أنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاث مائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا إلى غير ذلك من الهذيانات التي لولا أنها مسطرة في كثير من كتب التفاسير وغيرها من التواريخ وأيام الناس لما تعرضنا لحكايتها لسقاطتها وركاكتها ثم إنها مخالفة للمعقول والمنقول
أما المعقول فكيف يسوغ فيه أن يهلك الله ولد نوح لكفره وأبوه نبي الأمة وزعيم أهل الإيمان ولا يهلك عوج بن عنق ويقال عناق وهو أظلم وأطغى على ما ذكروا وكيف لا يرحم الله منهم أحدا ولا أم الصبي ولا الصبي ويترك هذا الدعى الجبار العنيد الفاجر الشديد الكافر الشيطان المريد على ما ذكروا
وأما المنقول فقد قال الله تعالى ثم أغرقنا الآخرين وقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ثم هذا الطول الذي ذكروه مخالف لما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن
فهذا نص الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أنه لم يزل الخلق ينقص حتى الآن أي لم يزل الناس في نقصان في طولهم من آدم إلى يوم أخره بذلك وهلم جر إلى يوم القيامة
وهذا يقتضي أنه لم يوجد من ذرية آدم من كان أطول منه فكيف يترك هذا ياهل عنه ويصار إلى أقوال الكذبة الكفرة من أهل الكتاب الذين بدلوا كتب الله المنزلة وحرفوها وأولوها ووضعوها على غير مواضعها فما ظنك بما هم يستقلون بنقله أو يؤتمنون عليه وما أظن أن هذا الخبر عن عوج بن عناق الا اختلافا من بعض زنادقتهم وفجارهم الذين كانوا أعداء الأنبياء والله أعلم
ثم ذكر الله تعالى مناشدة نوح ربه في ولده وسؤاله له عن غرقه على وجه الاستعلام والاستكشاف ووجه السؤال أنك وعدتني بنجاة أهلي معي وهو منهم وقد غرق فأجيب بأنه ليس من أهلك أي الذين
وعدت بنجاتهم أي أما قلنا لك وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم فكان هذا ممن سبق عليه القول منهم بأن سيغرق بكفره ولهذا ساقته الأقدار إلى أن انحاز عن حوزة أهل الإيمان فغرق مع حزبه أهل الكفر والطغيان ثم قال تعالى قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم هذا أمر لنوح عليه السلام لما نضب الماء عن وجه الأرض وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها أن يهبط من السفينة التي كانت قد استقرت بعد سيرها العظيم على ظهر جبل الجودى وهو جبل بأرض الجزيرة مشهور وقد قدمنا ذكره عند خلق الجبال بسلام منا وبركات أي اهبط سالما مباركا عليك وعلى أمم ممن سيولد بعد أي من أولادك فإن الله لم يجعل لأحد ممن كان معه من المؤمنين نسلا ولا عقبا سوى نوح عليه السلام قال تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين فكل من على وجه الأرض اليوم من سائر أجناس بني آدم ينسبون إلى أولاد نوح الثلاثة وهم سام وحام ويافث
قال الإمام أحمد حدثنا عبدالوهاب عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم ورواه الترمذي عن بشر بن معاذ العقدي عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن سمرة مرفوعا نحوه وقال الشيخ أبو عمرو بن عبدالبر وقد روى عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال والمراد بالروم هنا الروم الأول وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن لبطي بن يونان بن يافث بن نوح عليه السلام ثم روى من حديث اسمعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال ولد نوح ثلاثة سام ويافث وحام وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة فولد سام العرب وفارس والروم وولد يافث الترك والسقالبة ويأجوج ومأجوج وولد حام القبط والسودان والبربر قلت وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن هانىء وأحمد بن حسين بن عباد أبو العباس قالا حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي حدثني أبي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد لنوح سام وحام ويافث فولد لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والسقالبة ولا خير فيهم وولد لحام القبط والبربر والسودان ثم قال لا نعلم يروى مرفوعا الا من هذا الوجه تفرد به محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه وقد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه ورواه غيره عن يحيى بن سعيد مرسلا ولم يسنده وإنما جعله من قول سعيد قلت وهذا الذي ذكره أبو عمرو هو المحفوظ عن سعيد قوله وهكذا روى عن وهب بن منبه مثله والله أعلم ويزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ضعيف بمرة لا يعتمد عليه وقد قيل إن نوحا عليه السلام لم يولد له هؤلاء الثلاثة الأولاد الا بعد الطوفان وإنما ولد له قبل السفينة كنعان الذي غرق وعابر مات قبل
الطوفان والصحيح أن الأولاد الثلاثة كانوا معه في السفينة هم ونساؤهم وأمهم وهو نص التوراة وقد ذكر أن حاما واقع امرأته في السفينة فدعا عليه نوح أن تشوه خلقة نطفته فولد له ولد أسود وهو كنعان بن حام جد السودان وقيل بل رأى أباه نائما وقد بدت عورته فلم يسترها وسترها أخواه فلهذا دعا عليه أن تغير نطفته وأن يكون أولاده عبيدا لإخوته
وذكر الإمام أبو جعفر بن جرير من طريق علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه قال قال الحواريون لعيسى بن مريم لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فحدثنا عنها قال فانطلق بهم حتى أتى إلى كثيب من تراب فأخذ كفا من ذلك التراب بكفه قال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا كعب حام بن نوح قال وضرب الكثيب بعصاه وقال قم بإذن الله فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب فقال له عيسى عليه السلام هكذا هلكت قال لا ولكني مت وأنا شاب ولكني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت قال حدثنا عن سفينة نوح قال كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع وكانت ثلاث طبقات فطبقة فيها الدواب والوحش وطبقة فيها الإنس وطبقة فيها الطير فلما كثر أرواث الدواب أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اغمز ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فاقبلا على الروث ولما وقع الفار يخرز السفينة بقرضه أوحى الله عز وجل إلى نوح عليه السلام أن اضرب بين عيني الأسد فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفار فقال له عيسى كيف علم نوح عليه السلام أن البلاد قد غرقت قال بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت قال ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت فطوقها الخضرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في أنس وأمان فمن ثم تألف البيوت قال فقالوا يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدثنا قال كيف يتبعكم من لا رزق له قال فقال له عد بإذن الله فعاد ترابا وهذا أثر غريب جدا وروى غلباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلا معهم أهلوهم وإنهم كانوا في السفينة مائة وخمسين يوما وإن الله وجه السفينة إلى مكة فدارت بالبيت أربعين يوما ثم وجهها إلى الجودى فاستقرت عليه فبعث نوح عليه السلام الغراب ليأتيه بخبر الأرض فذهب فوقع علىالجيف فأبطأ عليه فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت رجليها بالطين فعرف نوح أن الماء قد نضب فهبط إلى أسفل الجودى فابتنى قرية وسماها ثمانين فأصحبوا ذات يوم وقد تبلبلت السنتهم على ثمانين لغة إحداها العربي وكان بعضهم لا يفقه كلام بعض فكان نوح عليه السلام يعبر عنه
وقال قتادة وغيره ركبوا في السفينة في اليوم العاشر من شهر رجب فساروا مائة وخمسين يوما واستقرت بهم على الجودى شهرا وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشرواء من المحرم وقد روى
@ قال الله تعالى واذكر في الكتاب إدريس أنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا فإدريس عليه السلام قد أثنى الله عليه ووصفه بالنبوة والصديقية وهو خنوخ هذا وهو في عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكره غير واحد من علماء النسب وكان أول بني آدم أعطى النبوة بعد آدم وشيث عليهما السلام وذكر ابن إسحاق أنه أول من خط بالقلم وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثماني سنين وقد قال طائفة من الناس إنه المشار إليه في حديث معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخط بالرمل فقال إنه كان نبي يخط به فمن وافق خطه فذاك ويزعم كثير من علماء التفسير والأحكام أنه أول من تكلم في ذلك ويسمونه هرمس الهرامسة ويكذبون عليه أشياء كثيرة كما كذبوا على غيره من الأنبياء والعلماء والحكماء والأولياء وقوله تعالى ورفعناه مكانا عليا هو كما ثبت في الصحيحين في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو في السماء الرابعة وقد روى ابن جرير عن يونس عن عبدالأعلى عن ابن وهب عن جرير بن حازم عن الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف
ابن جرير خبرا مرفوعا يوافق هذا وأنهم صاموا يومهم ذلك وقال الإمام أحمد حدثنا أبو جعفر حدثنا عبدالصمد بن حبيب الأزدي عن أبيه حبيب بن عبدالله عن شبل عن أبي هريرة قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء فقال ما هذا الصوم فقالوا هذا اليوم الذي نجا الله موسى وبني إسرائيل من الغرق وغرق فيه فرعون وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى فصام نوح وموسى عليهما السلام شكرا لله عز وجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم وقال لأصحابه من كان منكم أصبح صائما فليتم صومه ومن كان منكم قد أصاب من غد أهله فليتم بقية يومه وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضا والله أعلم
وأما ما يذكره كثير من الجهلة أنهم أكلوا من فضول أزوادهم ومن حبوب كانت معهم قد استصحبوها واطحنوا الحبوب يومئذ واكتحلوا بالاثمد لتقوية أبصارهم لما انهارت من الضياء بعد ما كانوا في ظلمة السفينة فكل هذا لا يصح فيه شيء وإنما يذكر فيه آثار منقطعة عن بني إسرائيل لا يعتمد عليها ولا يقندي بها والله أعلم
وقال محمد بن إسحاق لما أراد الله أن يكف ذلك الطوفان أرسل ريحا على وجه الأرض فسكن لماء وانسدت ينابيع الأرض فجعل الماء ينقص ويغيض ويدبر وكان استواء الفلك فيما يزعم أهل التوراة في الشهر السابع لسبع عشر ليلة مضت منه وفي أول يوم من الشهر العاشر رئيت رؤس الجبال فلما مضى بعد ذلك أربعون يوما فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها ثم أرسل الغراب لينظر له ما فعل الماء فلم يرجع إليه فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم يجد لرجلها موضعا فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها ثم مضت سبعة ايام ثم أرسلها لتنظر له ما فعل الماء فلم ترجع فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتونة فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع إليه فعلم نوح أن الأرض قد برزت فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوح الحمامة ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنين برز وجه الأرض وظهر البر وكشف نوح غطاء الفلك وهذا الذي ذكره ابن إسحاق هو بعينه مضمون سياق التوراة التي بأيدي أهل الكتاب قال ابن إسحق وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في ست وعشرين ليلة منه قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم وفيما ذكر أهل الكتاب أن الله كلم نوحا قائلا له اخرج من الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وجميع الدواب التي معك ولينموا وليكبروا في الأرض فخرجوا وابتنى نوح مذبحا لله عز وجل وأخذ من جميع الدواب الحلال والطير الحلال فذبحها قربانا إلى الله عز وجل وعهد الله إليه أن لا يعيد الطوفان على أهل الأرض وجعل تذكارا لميثاقه إليه القوس الذي في الغمام وهو قوس قزح الذي قدمنا عن ابن عباس أنه أمان من
الغرق قال بعضهم فيه إشارة إلى أنه قوس بلا وتر أي أن هذا الغمام لا يوجد منه طوفان كأول مرة
وقد أنكرت طائفة من جهلة الفرس وأهل الهند وقوع الطوفان واعترف به آخرون منهم وقالوا إنما كان بأرض بابل ولم يصل إلينا قالوا ولم نزل نتوارث الملك كابرا عن كابر من لدن كيو مرث يعنون آدم إلى زماننا هذا وهذا قاله من قاله من زنادقة المجوس عباد النيران وأتباع الشيطان
وهذه سفسطة منهم وكفر فظيع وجعل بليغ ومكابرة للمحسوسات وتكذيب لرب الأرض والسموات وقد أجمع أهل الأديان الناقلون عن رسل الرحمن مع ما تواتر عند الناس في سائر الأزمان على وقوع الطوفان وأنه عم جميع البلاد ولم يبق الله احدا من كفرة العباد استجابة لدعوة نبيه المؤيد المعصوم وتنفيذ لما سبق في القدر المحتوم
*2* ذكر شيء من أخبار نوح عليه السلام
@ قال الله تعالى إنه كان عبدا شكورا قيل إنه كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي أسامة والظاهر أن الشكور هو الذي يعمل بجميع الطاعات القلبية والقولية والعملية فإن الشكر يكون بهذا وبهذا كما قال الشاعر
أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا
*2* صومه عليه السلام
@ وقال ابن ماجه باب صيام نوح عليه السلام حدثنا سهل بن أبي سهل حدثنا سعيد بن أبي مريم عن ابن لهيعة عن جعفر بن ربيعة عن أبي فراس أنه سمع عبدالله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر ويوم الأضحى هكذا رواه ابن ماجه من طريق عبدالله بن لهيعة بإسناده ولفظه وقد قال الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن فرج حدثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي قتادة عن يزيد بن رباح أبي فراس أنه سمع عبدالله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول صام نوح الدهر إلا يوم الفطر والأضحى وصام داود نصف الدهر وصام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر
*2* حجه عليه السلام
@ وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن زمعة هو ابن أبي صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أتى وادي عسفان قال يا أبا بكر أي واد هذا قال هذا وادي عسفان قال لقد مر بهذا الوادي نوح وهود وإبراهيم على بكرات لهم حمر خطمهم الليف أزرهم العباء وارديتهم النمار يحجون البيت العتيق فيه غرابة
*2* وصيته لولده
@ قال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب بن زهير عن زيد بن أسلم قال حماد أظنه عن عطاء بن يسار عن عبدالله بن عمرو قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل البادية عليه جبة سيحان مزرورة بالديباج فقال ألا إن صاحبكم هذا قد وضع كل فارس بن فارس أو قال يريد أن يضع كل فارس بن فارس ورفع كل راع بن راع قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجامع جبته وقال لا أرى عليك لباس من لا يعقل ثم قال إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين آمرك بلا إله إلا الله فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لاإله إلا إله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ولو أن السموات السبع والارضين السبع كن حلقة مبهمة فضمتهن لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده فإن بها صلات كل شيء وبها يرزق الخلق وأنهاك عن الشرك والكبر قال قلت أو قيل يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر أن يكون لاحدنا نعلان حسنان لهما شرا كان حسنان قال لا قال هو أن يكون لاحدنا حلة يلبسها قال لا قال هو أن يكون لأحدنا دابة يركبها قال لا قال هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه قال لا قلت أو قيل يا رسول الله فما الكبر قال سفه الحق وغمض الناس وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد ابن إسحق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان في وصية نوح لابنه أوصيتك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين فذكر نحوه وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن إسحق عن عمرو بن دينار عن عبدالله بن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه والظاهر أنه عن عبدالله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم
ويزعم أهل الكتاب أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة كان عمره ستمائة سنة وقدمنا عن ابن عباس مثله وزاد وعاش بعد ذلك ثلثمائة وخمسين سنة وفي هذا القول نظر ثم إن لم يمكن الجمع
بينه وبين دلالة القرآن فهو خطأ محض فإن القرآن يقتضى أن نوحا مكث في قومه بعد البعثة وقبل الطوفان ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ثم الله أعلم كم عاش بعد ذلك فإن كان ما ذكر محفوظا عن ابن عباس من أنه بعث وله أربع مائة وثمانون سنة وأنه عاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة فيكون قد عاش على هذا ألف سنة وسبعمائة وثمانين سنة
وأما قبره عليه السلام فروى ابن جرير والأزرقي عن عبدالرحمن بن سابط أو غيره من التابعين مرسلا أن قبر نوح عليه السلام بالمسجد الحرام وهذا أقوى وأثبت من الذكر الذي يذكره كثير من المتأخرين من أنه ببلدة بالبقاع تعرف اليوم بكرك نوح وهناك جامع قد بنى بسبب ذلك فيما ذكره والله أعلم

يتبع ..

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:47 PM
قصة هود عليه السلام
@
وهو هود بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح عليه السلام ويقال إن هودا هو عابر بن شالخ ابن ارفحشذ بن سام بن نوح ويقال هود بن عبدالله بن رباح بن الجارود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام ذكره ابن جرير وكان من قبيلة يقال لهم عاد بن عوص بن سام بن نوح وكانوا عربا يسكنون الأحفاف وهي جبال الرمل وكانت باليمن من عمان وحضرموت بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر واسم واديهم مغيث وكانوا كثيرا ما يسكنون الخيام ذوات الاعمدة الضخام كما قال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد أي عاد إرم وهم عاد الأولى وأما عاد الثانية فمتأخرة كما سيأتي بيان ذلك في موضعه وأما عاد الأولى فهم عاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد أي مثل القبيلة وقيل مثل العمد والصحيح الأول كما بيناه في التفسير
ومن زعم أن ارم مدينة تدور في الأرض فتارة في الشام وتارة في اليمن وتارة في الحجاز وتارة في غيرها فقد أبعد النجعة وقال ما لا دليل عليه ولا برهان يعول عليه ولا مستند يركن إليه وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر في حديثه الطويل في ذكر الأنبياء والمرسلين قال فيه منهم أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر ويقال إن هودا عليه السلام أول من تكلم بالعربية وزعم وهب بن منبه أن أباه أول من تكلم بها وقال غيره أول من تكلم بها نوح وقيل آدم وهو الأشبه قبل غير ذلك والله أعلم
ويقال للعرب الذين كانوا قبل إسماعيل عليه السلام العرب العاربة وهم قبائل كثيرة منهم عاد وثمود وجرهم وطسم وجديس وأميم ومدين وعملاق وعبيل وجاسم وقحطان وبنو يقطن وغيرهم
وأما العرب المستعربة فهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل وكان إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد أخذ كلام العرب من جرهم الذين نزلوا عند أمه هاجر بالحرم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى ولكن انطقه الله بها في غاية الفصاحة والبيان وكذلك كان يتلفظ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمقصود أن عادا وهم عاد الأولى كانوا من عبد الأصنام بعد الطوفان وكان أصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا فبعث الله فيهم أخاهم هودا عليه السلام فدعاهم إلى الله كما قال تعالى بعد ذكر قوم نوح وما كان من أمرهم في سورة الأعراف وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين وقال تعالى بعد ذكر قصة نوح في سورة هود وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد واشهدوا أني برىء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون بعد قصة قوم نوح ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا
مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين وقال تعالى في سورة الشعراء بعد قصة قوم نوح أيضا كذبت عاد المرسلين إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى في سورة حم السجدة وأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون وقال تعالى في سورة الأحقاف واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بيد يديه ومن خلفه أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به إليكم ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين وقال تعالى في الذاريات وفي عاد إذ أرسلنا عليكم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وقال تعالى في النجم وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى وقال تعالى في سورة اقتربت كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال في الحاقة وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل يرى لهم من باقية وقال في سورة الفجر ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد وقد تكلمنا على كل من هذه
القصص في أماكنها من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة
وقد جرى ذكر عاد في سورة براءة وإبراهيم والفرقان والعنكبوت وفي سورة ص وفي سورة ق ولنذكر مضمون القصة مجموعا من هذه السياقات مع ما يضاف إلى ذلك من الأخبار وقد قدمنا أنهم أول الأمم عبدوا الأصنام بعد الطوفان وذلك بين في قوله لهم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة أي جعلهم أشد أهل زمانهم في الخلقة والشدة والبطش وقال في المؤمنون ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين وهم قوم هود على الصحيح وزعم آخرون أنهم ثمود لقوله فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء قالوا وقوم صالح هم الذين أهلكوا بالصيحة وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية وهذا الذي قالوه لا يمنع من اجتماع الصيحة والريح العاتية عليهم كما سيأتي في قصة أهل مدين أصحاب الأيكة فإنه اجتمع عليهم أنواع من العقوبات ثم لا خلاف أن عادا قبل ثمود
والمقصود أن عادا كانوا عربا جفاة كافرين عتاة متمردين في عبادة الأصنام فأرسل الله فيهم رجلا منهم يدعوهم إلى الله وإلى إفراده بالعبادة والاخلاص له فكذبوه وخالفوه وتنقصوه فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فلما أمرهم بعبادة الله ورغبهم في طاعته واستغفاره ووعدهم على ذلك خير الدنيا والآخرة وتوعدهم على مخالفة ذلك عقوبة الدنيا والآخرة قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة أي هذا الأمر الذي تدعونا إليه سفه بالنسة إلى ما نحن عليه من عبادة هذه الأصنام التي يرتجى منها النصر والرزق ومع هذا نظن أنك تكذب في دعواك أن الله أرسلك قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أي ليس الأمر كما تظنون ولا ما تعتقدون أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين والبلاغ يستلزم عدم الكذب في أصل المبلغ وعدم الزيادة فيه والنقص منه ويستلزم إبلاغه بعباة فصيحة وجيزة جامعة مانعة لا لبس فيها ولا اختلاف ولا اضطراب وهو مع هذا البلاغ على هذه الصفة في غاية النصح لقومه والشفقة عليهم والحرص على هدايتهم لا يبتغي منهم أجرا ولا يطلب منهم جعلا بل هو مخلص لله عز وجل في الدعوة إليه والنصح لخلقه لا يطلب أجره إلا من الذي أرسله فإن خير الدنيا والآخرة كله في يديه وأمره إليه ولهذا قال يا قوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون أي ما لكم عقل تميزون به وتفهمون أني أدعوكم إلى الحق المبين الذي تشهد به فطركم التي خلقتم عليها وهو دين الحق الذي بعث الله به نوحا وأهلك من خالفه من الخلق وها أنا أدعوكم إليه ولا أسألكم أجرا عليه بل أبتغي ذلك عند الله مالك الضر والنفع ولهذا قال مؤمن يس اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون وقال قوم هود له فيما قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء يقولون ما جئتنا بخارق يشهد لك بصدق ما جئت به وما نحن بالذين
نترك عبادة أصنامنا عن مجرد قولك بلا دليل أقمته ولا برهان نصبته وما نظن إلا أنك مجنون فيما تزعمه وعندنا إنما أصابك هذا أن بعض آلهتنا غضب عليك فأصابك في عقلك فاعتراك جنون بسبب ذلك وهو قولهم إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برىء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون وهذا تحد منه لهم وتبر من آلهتهم وتنقص منه لها وبيان أنها لا تنفع شيئا ولا تضر وأنها جماد حكمها حكمه وفعلها فعله فإن كانت كما تزعمون من أنها تنصر وتنفع وتضر فها أنا برىء منها لاعن لها فكيدوني ثم لا تنظرون أنتم جميعا بجميع ما يمكنكم أن تصلوا إليه وتقدروا عليه ولا تؤخروني ساعة واحدة ولا طرفة عين فإني لا أبالي بكم ولا أفكر فيكم ولا أنظر إليكم إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم أي أنا متوكل على الله ومتأيد به وواثق بجنابه الذي لا يضيع من لاذ به واستند إليه فلست أبالي مخلوقا سواه ولست أتوكل إلا عليه ولا أعبد إلا إياه وهذا وحده برهان قاطع على أن هودا عبدالله ورسوله وأنهم على جهل وضلال في عبادتهم غير الله لأنهم لم يصلوا إليه بسوء ولا نالوا منه مكروها فدل على صدقه فيما جاءهم به وبطلان ما هم عليه وفساد ما ذهبوا إليه وهذا الدليل بعينه قد استدل به نوح عليه السلام قبله في قوله يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون وهكذا قال الخليل عليه السلام ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون استبعدوا أن يبعث الله رسولا بشريا وهذه الشبهة أدلى بها كثير من جهلة الكفرة قديما وحديثا كما قال تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وقال تعالى وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدي إلا أن قالوا أبعث الله شبرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ولهذا قال لهم هود عليه السلام أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم أي ليس هذا بعجيب فإن الله أعلم حيث يجعل رسالته وقوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحى وما نحن بمبعوثين إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين قال
ربي انصرني استبعدوا المعاد وانكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها ترابا وعظاما وقالوا هيهات هيهات أي بعيد بعيد هذا الوعد إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحى وما نحن بمبعوثين أي يموت قوم ويحيى آخرون وهذا هو اعتقاد الدهرية كما يقول بعض الجهلة من الزنادقة أرحام تدفع وأرض تبلغ
وأما الدورية فهم الذين يعتقدون أنهم يعودون إلى هذه الدار بعد كل ستة وثلاثين ألف سنة وهذا كله كذب وكفر وجهل وضلال وأقوال باطلة وخيال فاسد بلا برهان ولا دليل يستميل عقل الفجرة الكفرة من بني آدم الذين لا يعقلون ولا يهتدون كما قال تعالى ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون وقال لهم فيما وعظهم به أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون يقول لهم أتبنون بكل مكان مرتفع بناء عظيما هائلا كالقصور ونحوها تعبثون ببنائها لأنه لا حاجة لكم فيه وما ذاك إلا لأنهم كانوا يسكنون الخيام كما قال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد فعاد إرم هم عاد الأولى الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحمل الخيام
ومن زعم أن إرم مدينة من ذهب وفضة وهي تتنقل في البلاد فقد غلط وأخطأ وقال ما لا دليل عليه وقوله وتتخذون مصانع قيل هي القصور وقيل بروج الحمام وقيل مآخذ الماء لعلكم تخلدون أي رجاء منكم أن تعمروا في هذه الدار أعمارا طويلة وإذا بطشتم بطشتم جبارين فاتقوا الله وأطيعون واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وقالوا له مما قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين أي أجئتنا لنعبد الله وحده ونخالف آباءنا وأسلافنا وما كانوا عليه فإن كنت صادقا فيما جئت به فأتنا بما تعدنا من العذاب والنكال فإنا لا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نصدقك كما قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين إن هذا إلا خلق الأولين وما نحن بمعذبين أما على قراءة فتح الخاء فالمراد به اختلاق الأولين أي أن هذا الذي جئت به الا اختلاق منك وأخذته من كتب الأولين هكذا فسره غير واحد من الصحابة والتابعين وأما على قراءة ضم الخاء واللام فالمراد به الدين أي أن هذا الدين الذي نحن عليه الا دين الآباء والأجداد من أسلافنا ولن نتحول عنه ولا نتغير ولا نزال متمسكين به ويناسب كلا القراءتين الأولى والثانية قولهم وما نحن بمعذبين قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني معكم من المنتظرين أي قد استحقيتم بهذه المقالة الرجس والغضب من الله أتعارضون عبادة الله وحده لا شريك له بعبادة أصنام أنتم نحتموها وسميتموها آلهة من تلقاء أنفسكم اصطلحتم عليها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان أي لم ينزل على ما ذهبتم إليه دليلا ولا
برهانا وإذا أبيتم قبول الحق وتماديتم في الباطل وسواء عليكم أنهيتكم عما أنتم فيه أم لا فانتظروا الآن عذاب الله الواقع بكم وبأسه الذي لا يرد ونكاله الذي لا يصد وقال تعالى قال رب انصرني بما كذبون قال عما قليل ليصبحن نادمين فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم عثاء فبعدا للقوم الظالمين وقال تعالى قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنما العلم عند الله وأبلغكم ما أرسلت به ولكني أراكم قوما تجهلون فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين وقد ذكر الله تعالى خبر اهلاكهم في غير ما آية كما تقدم مجملا ومفصلا كقوله فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين وكقوله ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم الا بعدا لعاد قوم هود وكقوله فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبدا للقوم الظالمين وقال تعالى فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم
وأما تفصيل إهلاكهم فلما قال تعالى فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما أستعجلتم به ريح فيها عذاب أليم كان هذا أول ما ابتدأهم العذاب أنهم كانوا ممحلين مسنتين فطلبوا السقيا فرأوا عارضا في السماء وظنوه سقيا رحمة فإذا هو سقيا عذاب ولهذا قال تعالى بل هو ما استعجلتم به أي من وقوع العذاب وهو قولهم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ومثلها في الأعراف وقد ذكر المفسرون وغيرهم ههنا الخبر الذي ذكره الإمام محمد بن إسحق بن بشار قال فلما أبو إلا الكفر بالله عز وجل أمسك عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك قال وكان الناس إذاجهدهم أمر في ذلك الزمان فطلبوا من الله الفرج منه إنما يطلبونه بحرمه ومكان بيته وكان معروفا عند أهل ذلك الزمان وبه العماليق مقيمون وهم من سلالة عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح وكان سيدهم إذ ذاك رجلا يقال له معاوية بن بكر وكانت أمه من قوم عاد واسمها جلهدة ابنة الخيبري قال فبعث عاد وفدا قريبا من سبعين رجلا ليستقوا لهم عند الحرم فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر يغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية وكانوا قد وصلوا إليه في شهر فلما طال مقامهم عنده وأخذته شفقة على قومه واستحيى منهم أن يأمرهم بالانصراف عمل شعرا فيعرض لهم بالانصراف وأمر القينتين أن تغنيهم به فقال
ألا يا قيل ويحك فم فهيم * لعل الله يمنحنا عماما
فيسقي أرض عاد ان عادا * قد أمسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد فليس نرجو * به الشيخ الكبير ولا الغلاما
وقد كانت نساؤهم بخير * فقد أمست نساؤهم أياما
وإن الوحش يأتيهم جهارا * ولا يخشى لعادي سهاما
وأنتم ههنا فيما اشتهيتم * نهاركم وليلكم تماما
فقبح وفدكم من وفد قوم * ولا لقوا التحية والسلاما
قال فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له فنهضوا إلى الحرم ودعوا لقومهم فدعا داعيهم وهو قيل ابن عنز فأنشأ الله سحابات ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السماء اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب فقال اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه اخترت رمادا رمددا لا تبقى من عاد أحدا لا والدا يترك ولا ولدا إلا جعلته همدا إلا بني اللودية الهمدا قال وهو بطن من عاد كانوا مقيمين بمكة فلم يصبهم ما أصاب قومهم قال ومن بقي من أنسابهم وأعقابهم هم عاد الآخرة قال وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل ابن عنز بما فيها من النقمة إلى عاد حتى تخرج عليهم من واد يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا فيقول تعالى بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها أي كل شيء أمرت به فكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح فيما يذكرون امرأة من عاد يقال لها فهد فلما تبينت ما فيها صاحت ثم صعقت فلما أفاقت قالوا ما رأيت يا فهد قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها فسحرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما والحسوم الدائمة فلم تدع من عاد أحدا إلا هلك قال واعتزل هود عليه السلام فيما ذكر لي في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الأنفس وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة وذكر تمام القصة
وقد روى الإمام أحمد حديثا في مسنده يشبه هذه القصة فقال حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث وهو ابن حسان ويقال ابن يزيد البكري قال خرجت أشكو العلا بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي يا عبدالله إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فهل أنت مبلغي إليه قال فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها قال فجلست قال فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فأذن لي فدخلت فسلمت فقال هل كان بينكم وبين بني تميم شيء فقلت نعم وكانت لنا الدبرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها إليك وها هي بالباب فأذن لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزا فاجعل الدهنا
فإنها كانت لنا قال فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله فإلى أين تضطر مضرك قال فقلت إن مثلي ما قال الأول معزى حملت حتفها حملت هذه الأمة ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قال هيه وما وافد عاد وهو أعلم بالحديث منه ولكن يستطعمه قلت أن عادا قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر ويغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال تهامة فقال اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومى إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمددا لا تبقى من عاد أحدا قال فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح الا كقدر ما يجري في خاتمي هذا من الريح حتى هلكوا قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وفدا لهم قالوا لا تكن كوافد عاد وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد عن زيد بن الحباب به ورواه النسائي من حديث سلام أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة ومن طريقه رواه ابن ماجه وهكذا أورد هذا الحديث وهذه القصة عند تفسير هذه القصة غير واحد من المفسرين كابن جرير وغيره وقد يكون هذا السياق لإهلاك عاد الآخرة فإن فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ذكر لمكة ولم تبن الا بعد إبراهيم الخليل حين أسكن فيها هاجر وابنه اسماعيل فنزلت جرهم عندهم كما سيأتي وعاد الأولى قبل الخليل وفيه ذكر معاوية بن بكر وشعره وهو من الشعر المتأخر عن زمان عاد الأولى لا يشبه كلام المتقدمين وفيه أن في تلك السحابة شرر نار وعاد الأولى إنما أهلكوا بريح صرصر وقد قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من أئمة التابعين هي الباردة والعاتية الشديدة الهبوب سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أي كوامل متتابعات قيل كان أولها الجمعة وقيل الأربعاء فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية شبههم بأعجاز النخل التي لا رؤوس لها وذلك لأن الريح كانت تجىء إلى أحدهم فتحمله فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخه فيبقى جثة بلا رأس كما قال إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر أي في يوم نحس عليهم مستمر عذابه عليهم تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ومن قال إن اليوم النحس المستمر هو يوم الأربعاء وتشاءم به لهذا الفهم فقد أخطأ وخالف القرآن فإنه قال في الآية الأخرى فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ومعلوم أنها ثمانية أيام متتابعات فلو كانت نحسات في أنفسها لكانت جميع الأيام السبعة المندرجة فيها مشؤمة وهذا لا يقوله أحد وإنما المراد في أيام نحسات أي عليهم وقال تعالى وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم أي التي لا تنتج خيرا فإن الريح المفردة لا تنثر سحابا ولا تلقح شجرا بل هي عقيم لا نتيجة خير لها ولهذا قال ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم أي كالشيء البالي الفاني الذي لا ينتفع به بالكلية وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وأما قوله تعالى واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم فالظاهر أن عادا هذه هي عاد الأولى فإن سياقها شبيه بسياق قوم هود وهم الأولى ويحتمل أن يكون المذكورون في هذه القصة هم عاد الثانية ويدل عليه ما ذكرنا وما سيأتي من الحديث عن عائشة رضي الله عنها وأما قوله فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا فإن عادا لما رأوا هذا العارض وهو الناشيء في الجو كالسحاب ظنوه سحاب مطر فإذا هو سحاب عذاب اعتقدوه رحمة فإذا هو نقمة رجوا فيه الخير فنالوا منه غاية الشر قال الله تعالى بل هو ما استعجلتم به أي من العذاب ثم فسره بقوله ريح فيها عذاب أليم يحتمل أن ذلك العذاب هو ما أصابهم من الريح الصرصر العاتية الباردة الشديدة الهبوب التي استمرت عليهم سبع ليال بأيامها الثمانية فلم تبق منهم أحدا بل تتبعتهم حتى كانت تدخل عليهم كهوف الجبال والغيران فتلفهم وتخرجهم وتهلكهم وتدمر عليهم البيوت المحكمة والقصور المشيدة فكما منوا بقوتهم وشدتهم وقالوا من أشد منا قوة سلط الله عليهم ما هو أشد منهم قوة وأقدر عليهم وهو الريح العقيم ويحتمل أن هذه الريح أثارت في آخر الأمر سحابة ظن من بقي منهم أنها سحابة فيها رحمة بهم وغياث لمن بقي منهم فأرسلها الله عليهم شررا ونارا كما ذكره غير واحد ويكون هذا كما أصاب أصحاب الظلة من أهل مدين وجمع لهم بين الريح الباردة وعذاب النار وهو أشد ما يكون من العذاب بالأشياء المختلفة المتضادة مع الصيحة التي ذكرها في سورة قد أفلح المؤمنون والله أعلم
وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس حدثنا ابن فضل عن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا بها إلا مثل موضع الخاتم فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم بين السماء والأرض فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عاد الريح وما فيها قالوا هذا عارض ممطرنا فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة وقد رواه الطبراني عن عبدان بن احمد عن إسماعيل بن زكريا الكوفي عن أبي مالك عن مسلم الملائي عن مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فتح الله على عاد من الريح الأمثل موضع الخاتم ثم أرسلت عليهم البدو إلى الحضر فلما رآها أهل الحضر قالوا هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا وكان أهل البوادي فيها فألقى أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا قال عتت على خزائنها حتى خرجت من خلال الأبواب قلت وقال غيره خرجت بغير حساب
والمقصود أن هذا الحديث في رفعه نظر ثم اختلف فيه على مسلم الملائي وفيه نوع اضطراب والله أعلم وظاهر الآية أنهم رأوا عارضا والمفهوم منه لمعة السحاب كما دل عليه حديث الحارث بن حسان البكري أن جعلناه مفسرا لهذه القصة وأصرح منه في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال
حدثنا أبو الطاهر حدثنا ابن وهب سمعت ابن جريج يحدثنا عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به قالت وإذا عببت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر فإذا امطرت سرى عنه فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال لعله يا عائشة كما قال قوم عاد فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج
طريق أخرى قال الإمام أحمد حدثنا هرون بن معروف أنبأنا عبدالله بن وهب أنبأنا عمرو وهو ابن الحارث أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يسار عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا قط حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم وقالت كان إذا رأى غيما أو ريحا عرف ذلك في وجهه قالت يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب قد عذب قوم نوح بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا فهذا الحديث كالصريح في تغاير القصتين كما أشرنا إليه أولا فعلى هذا تكون القصة المذكورة في سورة الأحقاف خبرا عن قوم عاد الثانية وتكون بقية السياقات في القرآن خبرا عن عاد الأولى والله أعلم بالصواب وهكذا رواه مسلم عن هارون بن معروف وأخرجه البخاري وأبو داود من حديث ابن وهب وقدمنا حج هود عليه السلام عند ذكر حج نوح عليه السلام وروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه ذكر صفة قبر هود عليه السلام في بلاد اليمن وذكر آخرون أنه بدمشق وبجامعها مكان في حائطه القبلي يزعم بعض الناس أنه قبر هود عليه السلام والله أعلم



قصة صالح نبي ثمود عليه السلام
@ وهم قبيلة مشهورة يقال ثمود باسم جدهم تمود أخي جديس وهما ابنا عابر بن ارم بن سام بن نوح وكانوا عربا من العارية يسكنون الحجر الذي بين الحجاز وتبوك وقد مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك بمن معه من المسلمين كما سيأتي بيانه وكانوا بعد قوم عاد وكانوا يعبدون الأصنام كأولئك فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو عبدالله ورسوله صالح بن عبد بن ماسح بن عبيد بن حاجر
ابن ثمود بن عابر بن ارم بن سام بن نوح فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الأصنام والانداد ولا يشركوا به شيئا فآمنت به طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال وهموا بقتله وقتلوا الناقة التي جعلها الله حجة عليهم فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر كما قال تعالى في سورة الأعراف وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون من الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين وقال تعالى في سورة هود وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا واننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز وأخذ الذين ظلموا الصحية فأصبحوا في دارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعد الثمود وقال تعالى في سورة الحجر ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون وقال سبحانه وتعالى في سورة سبحان وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وقال تعالى في سورة الشعراء كذبت ثمود المرسلين إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتتركون فيما هاهنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا إنما أنت من المسحرين ما أنت إلا بشر مثلنا فات بآية إن كنت من الصادقين قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا
تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى في سورة النمل ولقد أرسلنا ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون قالوا أطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وقال تعالى في سورة حم السجدة وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وقال تعالى في سورة اقتربت كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر انا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر وقال تعالى كذبت ثمود بطغواها إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها وكثيرا ما يقرن الله في كتابه بين ذكر عاد وثمود كما في سورة براءة وإبراهيم والفرقان وسورة ص وسورة ق والنجم والفجر ويقال إن هاتين الأمتين لا يعرف خبرهما أهل الكتاب وليس لهما ذكر في كتابهم التوراة ولكن في القرآن ما يدل على أن موسى أخبر عنهما كما قال تعالى في سورة إبراهيم وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات الآية الطاهران هذا من تمام كلام موسى مع قومه ولكن لما كان هاتان الأمتان من العرب لم يضبطوا خبرهما جيدا ولا اعتنوا بحفظه وإن كان خبرهما كان مشهورا في زمان موسى عليه السلام وقد تكلمنا على هذا كله في التفسير متقصيا ولله الحمد والمنة
والمقصود الآن ذكر قصتهم وما كان من أمرهم وكيف نجى الله نبيه صالحا عليه السلام ومن آمن به وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام قد قدمنا أنهم كانوا عربا وكانوا بعد عاد ولم يعتبروا بما كان من أمرهم ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله
ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين أي إنما جعلكم خلفاء من بعدهم لتعتبروا بما كان أمرهم وتعملوا بخلاف عملهم وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين أي حاذقين في صنعتها واتقانها وإحكامها فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح والعبادة له وحده لا شريك له وإياكم ومخالفته والعدول عن طاعته فإن عاقبة ذلك وخيمة ولهذا وعظهم بقوله انتركون فيما ههنا آمنين في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم أي متراكم كثير حسن بهي ناضج وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وقال لهم أيضا يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها أي هو الذي خلقكم فأنشأكم من الأرض وجعلكم عمارها أي أعطاكموها بما فيها من الزروع والثمار فهو الخالق الرزاق فهو الذي يستحق العبادة وحده لا سواه فاستغفروه ثم توبوا إليه أي أقلعوا عما أنتم فيه وأقبلوا على عبادته فإنه يقبل منكم ويتجاوز عنكم إن ربي قريب مجيب قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أي قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملا قبل هذه المقالة وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة وترك ما كنا نعبده من الأنداد والعدول عن دين الآباء والأجداد ولهذا قالوا أتنهانا أن نترك ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير وهذا تلطف منه لهم في العبارة ولين الجانب وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير أي فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم وأدعوكم إليه ماذا عذركم عند الله وماذا يخلصكم بين يديه وأنتم تطلبون مني أن اترك دعائكم إلى طاعته وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي ولو تركته لما قدر أحد منكم ولا من غيركم أن يجيرني منه ولا ينصرني فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له حتى يحكم الله بيني وبينكم وقالوا له أيضا إنما أنت من المسحرين أي من المسحورين يعنون مسحورا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده وخلع ما سواه من الأنداد وهذا القول عليه الجمهور إن المراد بالمسحرين المسحورين وقيل من المسحرين أي ممن له سحر وهي الرئة كأنهم يقولون إنما أنت بشر له سحر والأول أظهر لقولهم بعد هذا ما أنت إلا بشر مثلنا وقولهم فأت بآية إن كنت من الصادقين سألوا منه أن يأتيهم بخارق يدل على صدق ما جاءهم قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب عظيم وقال قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم وقال تعالى وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها
وقد ذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا يوما في ناديهم فجاءهم رسول الله صالح فدعاهم إلى الله وذكرهم وحذرهم ووعظهم وأمرهم فقالوا له إن أنت أخرجت لنا من هذه الصخرة وأشاروا إلى صخرة هناك ناقة من صفتها كيت وكيت وذكروا أوصافا سموها ونعتوها وتعنتوا فيها وأن تكون عشراء طويلة من صفتها كذا وكذا فقال لهم النبي صالح عليه السلام أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم على الوجه الذي طلبتم أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني فيما أرسلت به قالوا نعم فأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك ثم قام إلى مصلاه فصلى لله عز وجل ما قدر له ثم دعا ربه عز وجل أن يجيبهم إلى ما طلبوا فأمر الله عز وجل تلك الصخرة أن تنفظ عن ناقة عظيمة عشراء على الوجه المطلوب الذي طلبوا أو على الصفة التي نعتوا فلما عاينوها كذلك رأوا أمرا عظيما ومنظرا هائلا وقدرة باهرة ودليلا قاطعا وبرهانا ساطعا فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم ولهذا قال فظلموا بها أي جحدوا بها ولم يتبعوا الحق بسببها أي أكثرهم وكان رئيس الذين آمنوا جندع بن عمرو بن محلاه بن لبيد بن جواس وكان من رؤساهم وهم بقية الأشراف بالإسلام قصدهم ذؤاب بن عمر بن لبيد والخباب صاحبا أوثانهم ورباب بن صمعر بن جلمس ودعا جندع بن عمه شهاب بن خليفة وكان من أشرافهم فهم بالإسلام فنهاه أولئك فمال إليهم فقال في ذلك رجل من المسلمين يقال له مهرش بن غنمة بن الذميل رحمه الله
وكانت عصبة من آل عمرو * إلى دين النبي دعوا شهابا
عزيز ثمود كلهم جميعا * فهم بأن يجيب ولو أجابا
لأصبح صالح فينا عزيزا * وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا
ولكن الغواة من آل حجر * تولوا بعد رشدهم ذآبا
ولهذا قال لهم صالح عليه السلام هذه ناقة الله لكم آية أضافها لله سبحانه وتعالى تشريف وتعظيم كقوله بيت الله وعبدالله لكم آية أي دليلا على صدق ما جئتكم به فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يوما بعد يوم وكانت إذا وردت الماء تشرب ماء البئر يومها ذلك فكانوا يرفعون حاجتهم من الماء في يومهم لغدهم ويقال إنهم كانوا يشربون من لبنها كفايتهم ولهذا قال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ولهذا قال تعالى إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم أي اختبار لهم أيؤمنون بها أم يكفرون والله أعلم بما يفعلون فارتقبهم أي انتظر ما يكون من أمرهم واصطبر على أذاهم فسيأتيك الخبر على جلية ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فلما طال عليهم الحال هذا اجتمع ملؤهم واتفق رأيهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم وزين لهم الشيطان
أعمالهم قال الله تعالى فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين وكان الذي تولى قتلها منهم رئيسهم قدار بن سالف بن جندع وكان أحمر أزرق أصهب وكان يقال إنه ولد زانية ولد على فراش سالف وهو ابن رجل يقال له صبيان وكان فعله ذلك باتفاق جميعهم فلهذا نسب الفعل إلى جميعهم كلهم
وذكر ابن جرير وغيره من علماء المفسرين أن امرأتين من ثمود اسم أحداهما صدوق ابنة المحيا ابن زهير بن المختار وكانت ذات حسب ومال وكانت تحت رجل من أسلم ففارقته فدعت ابن عم لها يقال له مصرع بن مهرح بن المحيا وعرضت عليه نفسها أن هو عقر الناقة واسم الأخرى عنيزة بنت غنيم بن مجلز وتكنى أم عثمان وكانت عجوزا كافرة لها بنات من زوجها ذؤاب بن عمرو أحد الرؤساء فعرضت بناتها الأربع على قدار بن سالف أن هو عقر الناقة له أي بناتها شاء فانتدب هذان الشابان لعقرها وسعوا في قومهم بذلك فاستجاب لهم سبعة آخرون فصاروا تسعة وهم المذكورون في قوله تعالى وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون وسعوا في بقية القبيلة وحسنوا لهم عقرها فأجابوهم إلى ذلك وطاوعوهم في ذلك فانطلقوا يرصدون الناقة فلما صدرت من وردها كمن لها مصرع فرماها بسهم فانتظم عظم ساقها وجاء النساء يزمرن القبيلة في قتلها وحسرن عن وجوههن ترغيبا لهم فابتدرهم قدار بن سالف فشد عليها بالسيف فكشف عن عرقوبها فخرت ساقطة إلى الأرض ورغت رغاة واحدة عظيمة تحذر ولدها ثم طعن في لبتها فنحرها وانطلق سقبها وهو فصيلها فصعد جبلا منيعا ودعا ثلاثا
وروى عبد الرزاق عن معمر عمن سمع الحسن أنه قال يا رب أين أمي ثم دخل في صخرة فغاب فيها ويقال بل اتبعوه فعقروه أيضا قال الله تعالى فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر وقال تعالى إذ انبعث أشقاها فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها أي احذروها فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها
قال الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا هاشم هو أبو عزرة عن أبيه عبدالله بن زمعة قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال إذ انبعثت أشقاها انبعث لها رجل من غارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة أخرجاه من حديث هشام بن عارم أي شهم عزيز أي رئيس منيع أي مطاع في قومه وقال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب عن محمد بن خيثم عن يزيد عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ألا أحدثكم بأشقى الناس قال بلى قال رجلان أحدهما أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذا يعني قرنه حتى تبتل منه هذه يعني لحيته رواه ابن أبي حاتم وقال تعالى فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا
يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين فجمعوا في كلامهم هذا بين كفر بليغ من وجوه منها أنهم خالفوا الله ورسوله في ارتكابهم النهي الأكيد في عقر الناقة التي جعلها الله لهم آية ومنها أنهم استعجلوا وقوع العذاب بهم فاستحقوه من وجهين أحدهما الشرط عليهم في قوله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب وفي آية عظيم وفي الأخرى أليم والكل حق والثاني استعجالهم على ذلك ومنها أنهم كذبوا الرسول الذي قد قام الدليل القاطع على نبوته وصدقه وهم يعلمون ذلك علما جازما ولكن حملهم الكفر والضلال والعناد على استبعاد الحق ووقوع العذاب بهم قال الله تعالى فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب وذكروا أنهم لما عقروا الناقة كان أول من سطا عليها قدار بن سالف لعنه الله فعرقبها فسقطت إلى الأرض ثم ابتدروها بأسيافهم يقطعونها فلما عاين ذلك سقبها وهو ولدها شرد عنهم فعلا أعلى الجبل هناك ورغا ثلاث مرات فلهذا قال لهم صالح تمتعوا في داركم ثلاثة أيام أي غير يومهم ذلك فلم يصدقوه أيضا في هذا الوعد الأكيد بل لما أمسوا هموا بقتله وأرادوا فيما يزعمون أن يلحقوه بالناقة قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله أي لنكبسنه في داره مع أهله فلنقتلنه ثم نجحدن قتله وننكرن ذلك إن طالبنا أولياؤه بدمه ولهذا قالوا ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك اهله وإنا لصادقون وقال الله تعالى ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون وذلك أن الله تعالى أرسل على أولئك النفر الذين قصدوا قتل صالح حجارة رضختهم سلفا وتعجيلا قبل قومهم وأصبحت ثمود يوم الخميس وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كا أنذرهم صالح عليه السلام فلما أمسوا نادوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل ثم أصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة ووجهم ! محمرة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى يومان من الأجل ثم أصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو يوم السبت ووجوههم مسودة فلما أمسوا نادوا ألا قد مضى الأجل فلما كان صبيحة يوم الأحد تحنطوا وتأهبوا وقعدوا ينظرون ماذا يحل بهم من العذاب والنكال والنقمة لا يدرون كيف يفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم العذاب فلم أشرقت الشمس جاءتهم صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الأصوات وحقت الحقائق فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثا لا أرواح فيها ولا حراك بها قالوا ولم يبق منهم أحد إلا جارية كانت مقعدة واسمها كلبة بنت السلق ويقال لها الذريعة وكانت شديدة الكفر والعداوة لصالح عليه السلام فلما رأت العذاب أطلقت رجلاها فقامت تسعى كأسرع شيء فأتت حيا من العرب فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها واستسقتهم ماء فلما شربت ماتت قال الله تعالى كأن لم يغنوا فيها أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء ألا إن
ثمود كفروا ربهم إلا بعدا لثمود أي نادى عليهم لسان القدر بهذا
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر حدثنا عبدالله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت يعني الناقة ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله فقالوا من هو يا رسول الله قال هو أبو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه وهذا الحديث على شرط مسلم وليس هو في شيء من الكتب الستة والله أعلم
وقد قال عبد الرزاق أيضا قال معمر أخبرني إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبر أبي رغال فقال أتدرون من هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا قبر أبي رغال رجل من ثمود كان في حرم الله فمنعه حرم الله عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ههنا ودفن معه غصن من ذهب فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم فبحثوا عنه فاستخرجوا الغصن قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري أبو رغال أبو ثقيف هذا مرسل من هذا الوجه وقد جاء من وجه آخر متصلا كما ذكره محمد بن إسحق في السيرة عن إسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير سمعت عبدالله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال إن هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج منه أصابته النقمة التي اصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن وهكذا رواه أبو داود من طريق محمد بن إسحق به قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله هذا حديث حسن عزيز قلت تفرد به بجير بن أبي بجير هذا ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى إسماعيل ابن أمية قال شيخنا فيحتمل أنه وهم في رفعه وإنما يكون من كلام عبدالله بن عمرو من زاملته والله أعلم قلت لكن في المرسل الذي قبله وفي حديث جابر أيضا شاهد له والله أعلم وقوله تعالى فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين إخبار عن صالح عليه السلام أنه خاطب قومه بعد هلاكهم وقد أخذ في الذهاب عن محلتهم إلى غيرها قائلا لهم يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ولكن لا تحبون الناصحين أي لم تكن سجاياكم تقبل الحق ولا تريده فلهذا صرتم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمر بكم المتصل إلى الأبد وليس لي فيكم حيلة ولا لي بالدفع عنكم يدان والذي وجب على من اداء الرسالة والنصح لكم قد فعلته وبذلته لكم ولكن الله يفعل ما يريد وهكذا خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر بعد ثلاث ليال وقف عليهم وقد ركب راحلته وأمر بالرحيل
من آخر الليل فقال يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا وقال لهم فيما قال بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم فقال له عمر يا رسول الله تخاطب أقواما قد جيفوا فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يجيبون وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله ويقال إن صالحا عليه السلام انتقل إلى حرم الله فأقام به حتى مات
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بوادي عسفان حين حج قال يا أبا بكر أي واد هذا قال وادي عسفان قال لقد مر به هود وصالح عليهما السلام على بكرات خطمها الليف أزرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون يحجون البيت العتيق إسناد حسن وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام من رواية الطبراني وفيه نوح وهود وإبراهيم
*2* مرور النبي بوادي الحجر من أرض ثمود عام
@ تبوك قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور فأمرهم رسول الله فأهراقوا القدور وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم ان يدخلوا على القوم الذين عذبوا إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم وقال احمد أيضا حدثنا عفان حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبدالله بن دينار عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم أخرجاه في الصحيحين من غير وجه وفي بعض الروايات أنه عليه السلام لما مر بمنازلهم قنع رأسه وأسرع راحلته ونهى عن دخول منازلهم إلا أن تكونوا باكين وفي رواية فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم صلوات الله وسلامه عليه
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هرون حدثنا المسعودي عن إسمعيل بن أوسط عن محمد بن أبي كبشة الأنباري عن أبيه واسمه عمرو بن سعد ويقال عامر بن سعد رضي الله عنه قال لما كان في غزوة تبوك فسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل نعجب منهم يا رسول الله قال أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان
قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا إسناد حسن ولم يخرجوه وقد ذكر أن قوم صالح كانت أعمارهم طويلة فكانوا يبنون البيوت من المدر فتخرب قبل موت الواحد منهم فنحتوا لهم بيوتا في الجبال وذكروا أن صالحا عليه السلام لما سألوه آية فأخرج الله لهم الناقة من الصخرة أمرهم بها وبالولد الذي كان في جوفها وحذرهم بأس الله إن هم نالوها بسوء وأخبرهم أنهم سيعقرونها ويكون سبب هلاكهم ذلك وذكر لهم صفة عاقرها وأنه أحمر أزرق أصهب فبعثوا القوابل في البلد متى وجدوا مولودا بهذه الصفة يقتلنه فكانوا على ذلك دهرا طويلا وانقرض جيل وأتى جيل آخر فلما كان في بعض الأعصار خطب رئيس من رؤسائهم على ابنه بنت آخر مثله في الرياسه فزوجه فولد بينهما عاقر الناقة وهو قدار بن سالف فلم تتمكن القوابل من قتله لشرف أبويه وجديه فيهم فنشأ نشأة سريعة فكان يشب في الجمعة كما يشب غيره في شهر حتى كان من أمره أن خرج مطاعا فيهم رئيسا بينهم فسولت له نفسه عقر الناقة واتبعه على ذلك ثمانية من أشرافهم وهم التسعة الذين أرادوا قتل صالح عليه السلام فلما وقع من أمرهم ما وقع من عقر الناقة وبلغ ذلك صالحا عليه السلام جاءهم باكيا عليها فتلقوه يعتذرون إليه ويقولون إن هذا لم يقع عن ملأ منا وإنما فعل هذا هؤلاء الأحداث فينا فيقال إنه أمرهم باستدراك سقبها حتى يحسنوا إليه عوضا عنها فذهبوا وراءه فصعد جبلا هناك فلما تصاعدوا فيه وراءه تعالى الجبل حتى ارتفع فلا يناله الطير وبكى الفصيل حتى سالت دموعه ثم استقبل صالحا عليه السلام ودعا ثلاث فعندها قال صالح تمتعوا في داركم ثلاثة أيام وذلك وعد غير مكذوب وأخبرهم أنهم يصبحون من غدهم صفرا ثم تحمر وجوههم في الثاني وفي اليوم الثالث تسود وجوههم فلما كان في اليوم الرابع أتتهم صيحة فيها صوت كل صاعقة فأخذتهم فأصبحوا في دارهم جاثمين وفي بعض هذا السياق نظر ومخالفة لظاهر ما يفهم من القرآن في شأنهم وقصتهم كما قدمنا والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
*2* قصة إبراهيم خليل الرحمن
@ هو إبراهيم بن تسارخ بن ناحور بن ساروغ بن راعو ابن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام ابن نوح عليه السلام هذا نص أهل الكتاب في كتابهم وقد أعلمت على أعمارهم تحت أسمائهم بالهندي كما ذكروه من المدد وقدمنا الكلام على عمر نوح عليه السلام فأغنى عن إعادته وحكى الحافظ
ابن عساكر في ترجمة إبراهيم الخليل من تاريخه عن إسحق بن بشر الكاهلي صاحب كتاب المبتدأ أن اسم أم إبراهيم أميلة ثم أورد عنه في خبر ولادتها له حكاية طويلة وقال الكلبي اسمها بونا بنت كربنا بن كرثى من بني أرفخشذ بن سام بن نوح
وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنه قال كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان قالوا ولما كان عمر تارخ خمسا وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام وناحور وهاران وولد لهاران لوط وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط وان هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والاخبار وصحح ذلك الحافظ ابن عساكر بعد ما روي من طريق هشام بن عمار عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول عن ابن عباس قال ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل يقال له قاسيون ثم قال والصحيح أنه ولد ببابل وإنما نسب إليه هذا المقام لأنه صلى فيه إذ جاء معينا للوط عليه السلام قالوا فتزوج إبراهيم سارة وناحور ملكا ابنه هاران يعنون بابنة أخيه قالوا وكانت سارة عاقرا لا تلد قالوا وانطلق تارخ بابنه إبراهيم وامرأته سارة وابن أخيه لوط بن هاران فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين فنزلوا حران فمات فيها تارخ وله مائتان وخمسون سنة وهذا يدل على أنه لم يولد بحران وإنما مولده بأرض الكلدانيين وهي أرض بابل وما والاها ثم ارتحلوا قاصدين أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس فأقاموا بحران وهي ارض الكشدانيين في ذلك الزمان وكذلك أرض الجزيرة والشام أيضا وكانوا يعبدون الكواكب السبعة والذين عمروا مدينة دمشق كانوا على هذا الدين يستقبلون القطب الشمالي ويعبدون الكواكب السبعة بأنواع من الفعال والمقال ولهذا كان على كل باب من أبواب دمشق السبعة القديمة هيكل بكوكب منها ويعلمون لها أعيادا وقرابين وهكذا كان أهل حران يعبدون الكواكب والأصنام وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل وامرأته وابن أخيه لوط عليهم السلام وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور وأبطل به ذاك الضلال فإن الله سبحانه وتعالى أتاه رشده في صغره وابتعثه رسولا واتخذه خليلا في كبره قال تعالى ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين أي كان أهلا لذلك وقال تعالى وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكنون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من
قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشيء النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب اليم فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره إن شاء الله تعالى وكان أول دعوته لأبيه وكان أبوه ممن يعبد الأصنام لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني اهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني إخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن إلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدي والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه يا أبت إنه قد جاءني من العلم مالم يأتك فاتبعني اهدك صراطا سويا أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك قيل بالمقال وقيل بالفعال واهجرني مليا أي واقطعني وأطل هجراني فعندها قال له إبراهيم سلام عليك أي لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له ولهذا قال وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقيا وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له
أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم
وقال البخاري حدثنا إسمعيل ابن عبدالله حدثني أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا
وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن حفص بن عبدالله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان به وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفي سياقه غرابة ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال تعالى وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر وجمهور اهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر
وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر علم وهذا الذي قاله محتمل والله أعلم ثم قال تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم وهذا المقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله عز وجل لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه فبين لهم أولا عدم
صلاحية الكواكب قيل هو الزهرة لذلك ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهم إن كنتم إياه تعبدون ولهذا قال فلما رأى الشمس بازغة أي طالعة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا إن يشاء ربي شيئا أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة
والظاهر ان موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كان يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن إسحق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق وأما اهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم واهانها وبين بطلانها كما قال تعالى وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين وقال في سورة الأنبياء ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين وقال في سورة الشعراء واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد اصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين


رب هب لي حما وألحقني بالصالحين وقال تعالى في سورة الصافات وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ائفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد وما كانوا عليه من عبادة الأنداد قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين كما قال تعالى إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين قال قتادة فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وقال لهم هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الإقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال ولهذا قال لهم أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما ادعوه من الأصنام لانه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء فاطر السموات والأرض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين وقوله وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه بعضهم وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره فقال إني سقيم كما قال تعالى فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم راغ إلى آلهتهم أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الأطعمة قربانا إليها فقال لها على سبيل التهكم والإزدراء ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم في يده كما قال
تعالى فجعلهم جذاذا أي حطاما كسرها كلها إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار فلما رجعوا من عبدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدارء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون أي في الملأ الأكبر على رؤس الأشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الإقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى فلما اجتمعوا وجاءا به كما ذكروا قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها وإنما عرض لهم في القول فاسئلوهم إن كانوا ينطقون وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول أن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا إنكم أنتم الظالمون أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها ثم نكسوا على رؤسهم قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله إنكم أنتم الظالمون أي في عبادتها وقال قتادة أدركت القوم حيرة سوء اي فأطرقوا ثم قالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون كما قال فأقبلوا إليه يزفون قال مجاهد يسرعون قال أتعبدون ما تنحتون أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون والله خلقكم وما تعملون وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الأصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال
تعالى قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء الآية
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا اسحق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم لما ألقى إبراهيم في النار قال اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد وأعبدك
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير انه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لأذى إبراهيم بردها وقال كعب الأحبار لم ينتفع أهل الأرض يؤمئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه وقال الضحاك يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا إبراهيم وروى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يا بني إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك فقال نعم فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه
فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا قال الله تعالى وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين وفي الآية الأخرى الأسفلين ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بلى هي كما قال تعالى إنها ساءت مستقرا ومقاما
قال البخاري حدثنا عبدالله بن موسى أو ابن سلام عنه أنبأنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال وكان ينفخ على إبراهيم ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم قال فكانت عائشة تقتلهن وقال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الأوزاغ ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفيء عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه تفرد به أحمد من هذين الوجهين
وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير حدثنا نافع حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة قالت دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به
*2* ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من ادعى
@ الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء
قال الله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد
الذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجه وأوضح له طريق المحجة
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد وقال غيره نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان والكافران النمرود وبختنصر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية فلما قال الخليل ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت
قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحق يعني أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيونات وموتها على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيونات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت فقول هذا الملك الجاهل أنا أحي وأميت إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهداة فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن إسحق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة قال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء ودان له كل شيء فإن كنت كما تزعم فافعل هذا فإن لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل
به بل وسكت ولهذا قال فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن اجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة وقد روى عبدالرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت إمرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل قال زيد بن أسلم وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم الثالثة فأبى عليه وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها
*2* هجرة الخليل إلى بلاد الشام
@ ثم الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة قال الله فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين وقال تعالى ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيارت وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر إلى بلد يتمكن
فيها من عبادة ربه عز وجل ودعوة الخلق إليه والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله عز وجل إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين قاله أبي بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم وروى العوفي عن ابن عباس قوله إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين مكة ألم تسمع إلى قوله إن أول بيت وضع للناس للدى ببكة مباركا وهدى للعالمين
وزعم كعب الأحبار أنها حران وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة إبراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها
وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير وهو غريب والمشهور أنها ابنت عمه هاران الذي تنسب إليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيلي عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى أن تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل ولو
فرض أن هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فإن الأنبياء لا تتعاطاه والله أعلم ثم المشهور أن إبراهيم عليه السلام لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة وضرب قبته شرقي بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا إلى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا إلى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وإن إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك اياها هاجر ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال
وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبي هريرة قال لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقال بينا هو ذات يوم وسارة اذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل اليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختي فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني فأرسل إليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتني بإنسان وإنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بني ماء السماء تفرد به من هذا الوجه موقوفا وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن علي الفلاس عن عبدالوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد
ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل ههنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال إنها أختي فلما رجع إليها قال إن هذا سألني عنك فقلت إنك أختي وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وانك أختي فلا تكذبيني عنده فانطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها فقال ادعي الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمه فقال إنك لم تأتني بإنسان ولكن أتيتني بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلي فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمني هاجر وأخرجاه من حديث هشام ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبي هريرة الا هشام ورواه غيره موقوفا
وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات قوله حين دعى إلى آلهتهم فقال إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله لسارة أنها أختي قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختي قال فأسل بها قال فأرسل بها إليه وقال لا تكذبي قولي فإني قد أخبرته أنك أختي إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت توضأ وتصلي وتقول اللهم ان كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي الا على زوجي فلا تسلط على الكافر قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أنها قالت اللهم ان يمت يقال هي قتلته قال فارسل قال ثم قام إليها قال فقامت توضأ وتصلي وتقول اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلى على زوجي فلا تسلط على الكافر قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة أنها قالت اللهم ان يمت يقال هي قتلته قال فأرسل قال ثم قام إليها قال فقامت توضأ وتصلي وتقول اللهم ان كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر قال فغط حتى ركظ برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبي هريرة انها قالت اللهم ان يمت يقل هي قتلته قال فارسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم إلي إلا شيطانا ارجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت لإبراهيم أشعرت أن الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط لصحيح وقد رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم به مختصرا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة الا ما حل بها عن دين الله فقال إني سقيم وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختي فقوله في الحديث هي أختي أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الأرض مؤمن
غيري وغيرك يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لأن لوطا كان معهم وهو نبي عليه السلام وقوله لها لما رجعت إليه مهيم معناه ما الخبر فقالت إن الله رد كيد الكافرين وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى واستعينوا بالصبر والصلوة فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام
وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام والذي عليه الجمهور أنهن صديقات رضي الله عنهم وأرضاهن ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها ولله الحمد والمنة
وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لأخيه على مصر ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح وذكر ابن هشام في التيجان أن الذي أرادها عمرو بن امرىء القيس بن مايلون بن سبأ وكان على مصر نقله السهيلي فالله أعلم
ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن وهي الأرض المقدسة التي كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا عليه السلام نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور بالمعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك إلى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه فلما بلغ
أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل إلى شرقي دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم إنما سمي لأنه كان موقف جيش الخليل والله أعلم
ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه


يتبع ...

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:51 PM
افتراضي

*2* ذكر مولد إسماعيل عليه السلام من هاجر
@ قال أهل الكتاب إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لإبراهيم عليه السلام إن الرب قد أحرمني الولد فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه اسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله عز وجل على ذلك وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الأمم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل الأرض ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام قالوا وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد إسحق بثلاث عشرة سنة ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الأمة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم في حديثه عبدالملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يكون اثنا عشر أميرا ثم قال كلمة لم أفهمها فسألت أبي ما قال قال كلهم من قريش أخرجاه في الصحيحين وفي رواية لا يزال هذا الأمر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومنهم عمر بن عبدالعزيز أيضا ومنهم بعض بني العباس وليس المراد أنهم يكونون اثني عشر نسقا بل لا بد من وجودهم وليس المراد الأئمة الاثني عشر الذي يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد بن الحسن العسكري فيما يزعمون فإن أولئك لم يكن فيهم أنفع من
علي وابنه الحسن بن علي حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية وأخمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرؤس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر
والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا ههنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما أحلت عليه وهو لا يجيبها قالت له الله أمرك بهذا قال نعم قالت فإذا لا يضيعنا وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها قال السهيل فكانت أول من اختتن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها
*2* ذكر مهاجرة إبراهيم بابنة اسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران
@ وهي أرض مكة وبنائه البيت العتيق
قال البخاري قال عبدالله بن محمد هو أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم اسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها اسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا ابراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت إليها فقالت له الله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند
بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون وجعلت أم إسماعيل ترضع اسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يلتوي أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هلى ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت ممن الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى إذا جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سعى الناس بينهما فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا إن هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا قال وأم اسمعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا أن ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم قال عبدالله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم فألقى ذلك أم اسمعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم اسمعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج اسمعيل يطالع تركته فلم يجد اسمعيل فسأل امرأته فقالت خرج يبتغي لنا ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر في ضيق وشدة وشكت إليه قال فإذا جاء زوجك أقرئي عليه السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء اسمعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد فقالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغي لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء قال اللهم بارك لهم في اللحم والماء
قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن لهم يومئذ حب ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه فهما لا يخلو عليهما أحد بعين مكة الا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء اسمعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبي وأمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك واسمعيل يبري نبلالة تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد ثم قال يا اسمعيل إن الله أمرني بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسمعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني واسمعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان ربنا تقبل منا انك أنت السميع العليم ثم قال حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا أبو عامر عبدالله بن عمرو حدثنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من إبراهيم وأهله ما كان خرج باسمعيل وأم اسمعيل ومعهم شنة فيها ماء وذكر تمامه بنحو ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات وفيه أن اسمعيل كان رضيعا إذ ذاك وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بأن يختن ولده اسمعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضي تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر اسمعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لأمر الله عز وجل في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء أنه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه
وقد ثبت في الحديث الذي رواه البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبدالرحمن القرشي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم اختتن إبراهيم النبي عليه السلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم تابعه عبدالرحمن بن اسحق عن أبي الزناد وتابعه عجلان عن أبي هريرة ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به وفي بعض الألفاظ اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم والقدوم هو الآلة وقيل موضع وهذا
اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة رواه ابن حبان في صحيحه وليس في هذا السياق
*2* ذكر قصة الذبيح
@ وأنه اسمعيل ولم يذكر في قد مات إبراهيم عليه السلام الا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج اسمعيل بعد موت هاجر وكيف تركهم من حين صغر الولد على ما ذكر إلى حين تزويجه لا ينظر في حالهم وقد ذكر أن الأرض كانت تطوى له وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار إليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة وكان بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا على أن الذبيح هو اسمعيل على الصحيح في سورة الصافات
قصة الذبيح
قال الله تعالى وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا انا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو اسماعيل عليه السلام لأنه أول من ولد على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لأنه أول ولده وبكره وقوله فلما بلغ معه السعي أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد فلما بلغ معه السعي أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل فلما كان هذا رئى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا رؤيا الأنبياء وحي قاله عبيد ابن عمير أيضا وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الذي قد أفرده عن أمر ربه وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر
ماذا ترى فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم فقال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى فلما أسلما وتله للجبين قيل أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالأرض وأسلما أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم فعند ذلك نودي من الله عز وجل أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى إن هذا لهو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر البين وقوله وفديناه بذبح عظيم أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير قال الثوري عن عبدالله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه رواه ابن أبي حاتم
قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام فأما ما روى عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الأروى واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما ثم غالب ما ههنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى بذبح عظيم وقد رود في الحديث أنه كان كبشا قال الإمام أحمد حدثنا سفيان حدثنا منصور عن خاله نافع عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني إمرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة وقال مرة إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي قال سفيان لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا وهذا روى عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس وهذا وحده دليل على أن الذبيح اسمعيل لأنه كان وهو المقيم بمكة واسحق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو اسمعيل لأنه ذكر قصة الذبيح ثم قال
بعده وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين ومن جعله حالا فقد تكلف ومستنده أنه اسحق إنما هو اسرائيليات وكتابهم فيه تحريف ولا سيما ههنا قطعا لا محيد عنه فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكره اسحق فلفظه اسحق ههنا مقحمة مكذوبة مفتراة لأنه ليس هو الوحيد ولا البكر ذاك اسمعيل وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن اسمعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واسحق والد يعقوب وهو إسرائيل الذين ينتسبون إليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وقد قال بأنه اسحق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم وإنما أخذوه والله أعلم من كعب الأحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه اسمعيل وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه اسمعيل وليس باسحق من قوله فبشرناها بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب قال فكيف تقع البشارة باسحق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح اسحق وهو صغير قبل أن يولد له هذا لا يكون لأنه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم



وقد اعترض السهيلي على هذا الاستدلال بما حاصله أن قوله فبشرناها بإسحاق جملة تامة وقوله ومن وراء إسحاق يعقوب جملة أخرى ليست في حيز البشارة قال لأنه لا يجوز من حيث العربية أني كون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر وقال فقوله ومن وراء إسحق يعقوب منصوب بفعل مضمر تقديره ووهبنا لاسحق يعقوب وفي هذا الذي قاله نظر ورجح أنه إسحاق واحتج بقوله فلما بلغ معه السعي قال واسماعيل لم يكن عنده إنما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي وهذا أيضا فيه نظر لأنه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكبا البراق إلى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم فمن حكى القول عنه بأنه اسحق كعب الأحبار وروى عن عمر والعباس وعلي وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبي ميسرة وزيد بن أسلم وعبدالله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبي بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبي الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل عليه السلام قال مجاهد وسعيد الشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو إسماعيل عليه السلام وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى اسماعيل وزعمت اليهود أنه اسحق وكذبت اليهود وقال عبدالله بن الامام أحمد
عن أبيه هو اسماعيل وقال ابن أبي حاتم سألت أبي عن الذبيح فقال الصحيح أنه اسماعيل عليه السلام قال ابن أبي حاتم وروى عن علي وابن عمر وأبي هريرة وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبي جعفر محمد بن علي وأبي صالح أنهم قالوا الذبيح هو اسماعيل عليه السلام وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبي عمرو بن العلاء قلت وروى عن معاوية وجاء عنه أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عمر بن عبدالعزيز ومحمد بن اسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا وقال محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب أنه حدثهم أنه ذلك ذلك لعمر بن عبدالعزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام يعني استدلاله بقوله بعد العصمة فبشرناه بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب فقال له عمر إن هذا الشيء ما كنت أنظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى أنه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبدالعزيز أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال اسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه اسحق لأن اسحق أبوهم وقد ذكرنا هذه المسئلة مستقصاة بأدلتها وآثارها في في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة
*2* مولد اسحاق
@ قال الله تعالى وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى اسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى قال الله تعالى ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وقال تعالى ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا
تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون وقال تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل واسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام فنكرهم إبراهيم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رؤس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب أي بشرتها الملائكة بذلك فأقبلت امرأته في صرة أي في صرخة فصكت وجهها أي كما يفعل النساء عند التعجب وقالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي أي زوجي شيخا تعجبت من وجود ولد والحالة هذه ولهذا قالت إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما بغلام عليم وهو اسحق وأخوه اسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر وقال في الآية الأخرى فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو اسماعيل وأن اسحق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده
وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ وهو المشوي رغيفا من مكة فيه ثلاثة اكيا وسمن ولبن وعندهم أنهم أكلوا وهذا غلط محض وقيل كانوا يودون أنهم يأكلون والطعام يتلاشي في الهواء وعندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه فخر إبراهيم على وجهه يعني ساجدا وضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة يولد لي غلام أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة وقال إبراهيم لله تعالى ليت اسماعيل يعيش قدامك فقال الله لإبراهيم بحقي إن امرأتك سارة
تلد لك غلاما وتدعو اسمه اسحق إلى مثل هذا الحين من قابل وأوثقه ميثاقي إلى الدهر ولخلفه من بعده وقد استجبت لك في اسماعيل وباركت عليه وكبرته ونميته جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم وقد تكلمنا على هذا بما تقدم والله أعلم فقوله تعالى فبشرناها باسحق ومن وراء اسحق يعقوب دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها اسحق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل اسحق فائدة ولما عين بالذكر دل على أنهم يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله وقال تعالى ووهبنا له اسحق ويعقوب كلا هدينا وقال تعالى فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحق ويعقوب وهذا إن شاء الله ظاهر قوي ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن مرهان الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة قلت ثم أي قال ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى وهو مسجد ايليا بيت المقدس شرفه الله وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو اسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه اسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود اسحق لأن إبراهيم عليه السلام لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل واسحق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وكما سنورده في قصته فالمراد من ذلك والله أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواع وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق إليه
*2* بناء البيت العتيق
@ قال الله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ظامر يأتين من كل فج عميق وقال تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين وقال تعالى وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء ووالد الأنبياء عليه أفضل صلاة وتسليم أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه وبوأه الله مكانه أي أرشده إليه ودله عليه وقد روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وغيره أنه أرشد إليه بوحي من الله عز وجل وقد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السبع كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لأهل الارض فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لأهل الأض كتلك المعابد لملائكة السماء وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض كما ثبت في الصحيحين أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ولم يجيء في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت بناهض ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له قد طفنا بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة وقد قال الله إن أول بيت وضع
للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة قيل مكة وقيل محل الكعبة فيه آيات بينات أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته ولهذا قال مقام إبراهيم أي الحجر الذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله وأتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق لبر في حراء ونازل
وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطيء إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل
يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا متنعلة ولهذا قال تعالى وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل أي في حال قولهما ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله عز وجل وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم
والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار وأن يجعله حرما محرما وآمنا محتما فاستجاب الله وله الحمد له مسألته ولبى دعوته وأتاه طلبته فقال تعالى أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم وقال تعالى أولم نمكن لهم حراما آمنا يجبي إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة والاولى والأخرى وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأي رسول ختم به أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة كان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به وشرف بقعته وفصاحة لغته وكمال شفقته على أمته ولطفه ورحمته وكريم محتده وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض ان يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور الذي هو كعبة اهل السماء السابعة المبارك المبرور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم ولله الحمد فمن ذلك ما قال السدي لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس وذلك حين يقول تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال إبراهيم لإسماعيل يا بني اطلب لي الحجر الأسود من الهند وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن فقال يا أبتي من جاءك بهذا قال جاء به من هو أنشط منك فبنيا وهما يدعوان الله ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل وأن ذا القرنين وكان ملك الإرض إذ ذاك مر بهما وهما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم الله أمرنا به فقال وما يدريني بما تقول فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق
وذكر الأزرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه اليوم وفي الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبدالله بن محمد بن أبي بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألم ترى إلى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم فقلت يا رسول
الله إلا تردها على قواعد إبراهيم فقال لولا حدثان قومك وفي رواية لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية أو قال بكفر لانفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما اشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد إلى اليوم ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له إني اخشى أن يتخذها الملوك لعبة يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم
*2* ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم
@ قال الله وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهم قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين لما وفى ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس إماما يقتدون به ويأتمون بهديه وسأل الله أن تكون هذه الأمامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب إلى ما سأل ورام وسلمت إليه الإمامة بزمام واستثنى من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون كما قال تعالى ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين وقال تعالى ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسمعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور ولوط وإن كان ابن أخيه إلا أنه دخل في الذرية تغليبا وهذا هو الحامل للقائل الآخر أن الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم وقال تعالى ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب
الآية فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته وهذه خلعة سنية لا تضاهى ومرتبة عليه لا تباهى وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان إسمعيل من هاجر ثم إسحق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم إلا الذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بني إسرائيل وأما إسمعيل عليه السلام فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم وفخر بني آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبدالله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكي ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطة العقد الفاخرة وهو السيد الذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال سأقوم مقاما يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم فمدح إبراهيم أباء مدحة عظيمة في هذا السياق ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول أن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ورواه أهل السنن من حديث منصور به وقال تعالى وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ ثم ادعهم يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابا بسطناها في التفسير وقررناها بأتم تقرير والحاصل أن الله عز وجل أجابه إلى ما سأل فأمره أن يعمد إلى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال والمقصود حاصل على كل تقدير أمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهم جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن بإذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير إلى صاحبه وكل ريشة تأتي إلى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر إلى قدرة الذي يقول للشيء كن فيكون فأتين إليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا ويقال إنه أمر ان يأخذ رؤسهن في يده فجعل كل طائر يأتي فيلقي رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله إلا الله وقد كان إبراهيم عليه السلام يعلم قدرة الله تعالى على إحياء الموتى علما يقينا لا يحتمل النقيض ولكن أحب ان يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه غاية مأموله وقال تعالى يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة
والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أي فكيف يكون على دينكم وأنتم إنما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال أفلا تعقلون إلى أن قال ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد إلى الإخلاص والإنحراف وعمدا عن الباطل إلى الحق الذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية كما قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون أم كنتم
كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون فنزه الله عز وجل خليله عليه السلام عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه إنما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه يعني الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم وهذا النبي يعني محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله شرع له الدين الحنيف الذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله كما قال تعالى قل إني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين وقد قال تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه
في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسمعيل بأيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله والله إن يستقسما بالأزلام قط لم يخرجه مسلم وفي بعض الفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط فقوله أمة أي قدوة إماما مهتديا داعيا إلى الخير يقتدى به فيه قانتا لله أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته حنيفا أي مخلصا على بصيرة ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله اجتباه أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيري الدنيا والآخرة وقال تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا يرغب تعالى في اتباع إبراهيم عليه السلام لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم وقد قام بجميع ما أمره به ربه ومدحه تعالى بذلك فقال وإبراهيم الذي وفى ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم
وقد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا
وهكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيد الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبدالله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يا أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا وقال ايضا في آخر خطبة خطبها أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله أخرجاه من حديث أبي سعيد وثبت أيضا من حديث عبدالله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله إبراهيم خليلا فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة حدثنا عبدالله الحنفي حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال جلس ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته وقال آخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو
كذلك وموسى كليمه وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد المسلمي حدثنا الوليد عن إسحاق بن بشار قال لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم عليه السلام يضيف الناس فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد احدا يضيفه فرجع إلى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال يا عبدالله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بإذن ربها قال ومن أنت قال أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال من هو فوالله إن أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت قال ذلك العبد أنت قال أنا قال نعم قال فيم اتخذني ربي خليلا قال بأنك تعطي الناس ولا تسألهم رواه ابن أبي حاتم وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولي العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى وهما قوله تعالى وإذ اخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا وقوله شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه الآية ثم هو أشرف أولي العزم بعد محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي وجده عليه السلام في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم وما وقع في حديث شريك ابن أبي نمير عن أنس في حديث الإسراء من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الأول
وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الرحمن تفرد به أحمد
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى الحديث الذي قال فيه وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم رواه مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وهذا هو المقام المحمود
الذي أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ثم ذكر استشفعاع الناس بآدم ثم بنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول أنا لها أنا لها الحديث وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به
قال البخاري حدثنا علي بن عبدالله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبدالله حدثني سعيد عن أبيه عن أبي هريرة قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم قالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألوني خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة بن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر أربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم خليل الله تفرد به أحمد وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبدالرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم تفرد به من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم عليه السلام ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة إلى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وأما الحديث الآخر الذي قال الأمام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبدالله بن إدريس وعلي بن مسهر ومحمد بن فضيل أربعتهم عن المختار بن فلفل وقال الترمذي حسن صحيح وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل عليه السلام كما قال لا تفضلوني على الأنبياء وقال لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة

يتبع ...

اخت مسلمة
04-10-2009, 11:59 PM
حديث أبي بن كعب في صحيح مسلم وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ولما كان إبراهيم عليه السلام أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلى أن يقول في تشهده ما ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وقال تعالى وإبراهيم الذي وفى قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الإيمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار قال عبدالرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد في الرأس قص الشارب والمضممة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الإبط وغسل أثر الغائط والبول بالماء رواه ابن أبي حاتم وقال وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبي صالح وأبي الجلد نحو ذلك قلت وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وفي صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكع عن ذكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكي الحجبي عن طلق بن حبيب العتري عن عبدالله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء يعني الاستنجاء وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان والمقصود أنه عليه الصلاة والسلام كان لا يشغله القيام بالاخلاص لله عز وجل وخشوع العبادة العظيمة عن مراعات مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الاصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم وإبراهيم الذي وفى
*2* قصره في الجنة
@ قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن سنان القطان الواسطي ومحمد بن موسى القطان قالا حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة قصرا أحسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم عليه السلام نزلا قال البزار وحدثناه أحمد بن جميل المروزي حدثنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة عن سماك عن
عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ثم قال وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده الا يزيد بن هارون والنضر بن شميل وغيرهما يرويه موقوفا قلت لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح ولم يخرجوه
*2* صفة إبراهيم عليه السلام
@ قال الإمام أحمد حدثنا يونس وحجين قالا حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عرض علي الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ وقال أحمد حدثنا أسود بن عمر حدثنا إسرائيل عن عثمان يعني ابن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم قالوا له فإبراهيم قال انظروا إلى صاحبكم يعني نفسه وقال البخاري حدثنا بنان بن عمرو حدثنا النضر أنبأنا ابن عون عن مجاهد أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و ك ف ر فقال لم أسمعه ولكنه قال صلى الله عليه وسلم أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل أحمر مخطوم بخلبه كأني أنظر إليه أنحدر في الوادي ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبدالله بن عون به وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبي عدي عن عبدالله بن عون به
*2* وفاة إبراهيم وما قيل في عمره
@ ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذي يقال إنه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم وذكر بعضهم أنه من بني راسب الذين بعث إليهم نوح عليه السلام وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزغ النمرود فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه فأمر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله عز وجل وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وأنبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببرزة شرقي دمشق فلما
أهلك الله نمرود على يديه وهاجر إلى حران ثم إلى أرض الشام وأقام ببلاد ايليا كما ذكرنا وولد له اسماعيل واسحق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها إبراهيم عليه السلام ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بني حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه اسحق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الإبل قالوا ثم تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء ملك الموت إلى إبراهيم عليه السلام أخبارا كثيرة الله أعلم بصحتها وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك قالوا ثم مرض إبراهيم عليه السلام ومات عن مائة وخمس وسبعين وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثي عند امرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثي وتولى دفنه اسمعيل واسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبي وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا علي بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمري عن يحيى بن سعيد عن سعيد عن أبي هريرة موقوفا
ثم قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبدالله بن الجنيد نيست حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال اختتن ابراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أتت
عليه ثمانون سنة ثم روى ابن حبان عن عبدالرزاق أنه قال القدوم اسم القرية قلت الذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم وقال محمد بن اسماعيل الحساني الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية عن يحبى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهوابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وأول من قرى الضيف أول من شاب هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم
وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أو من أضاف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص شاربه وأول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا فقال الله وقار فقال يا رب زدني وقارا وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل فقبره وقبر ولده اسحق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود عليه السلام ببلد حبرون وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بني إسرائيل وإلى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا فأما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعي تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الأنبياء عليهم السلام تحتها وروى ابن عساكر بسنده إلى وهب بن منبه قال وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة
ألهى جهولا أمله * يموت من جا أجله
ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله
وكيف يبقى آخر * من مات عنه أوله
والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله
*2* ذكر أولاد إبراهيم الخليل
@ أول من ولد له إسماعيل من هاجر القبطية المصرية ثم ولد له اسحق من سارة بنت عم الخليل ثم تزوج بعدها قنطورا بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها حجون بنت أمين فولدت له خمسة كيسان وسورج وأميم ولوطان ونافس هكذا ذكره أبو القاسم السهيلي في كتابه التعريف والاعلام
ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصة قوم لوط عليه السلام وما حل بهم من النقمة
الغميمة وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الذي بنى حران وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل عليهما السلام بأمره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكان أم تلك المحله ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة إليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الأعراف ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين وقال تعالى في سورة هود ولقد جعلنا رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليهم نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها باسحق ومن رواء اسحاق يعقوب قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى تجادلنا في قوم لوط إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتاهم عذاب غير مردود ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فاسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد وقال تعالى في سورة الحجر ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قال لا توجل إنا نبشرك
بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين الا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته قدرنا أنها لمن الغابرين فلما جاء آل لوط المرسلون قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون وآتيناك بالحق وإنا لصادقون فاسر بأهلك بقطع من الليل وابتع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين وجاء أهل المدينة يستبشرون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزنون قالوا أولم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين وقال تعالى في سورة الشعراء كذبت قوط لوط المرسلين إذ لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجم بل أنتم قوم عادون قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين قال إني لعملكم من القالين رب نجني وأهلي مما يعملون فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الآخرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين إن في ذلك لآية وما أكن أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى في سورة النمل ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين وقال تعالى في سورة العنكبوت ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين قال رب انصرني على القوم المفسدين ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن أنا منجوك وأهلك إلاامرأتك كانت من الغابرين إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون وقال تعالى في سورة الصافات وإن لوطا لمن المرسلين إذ نجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين ثم دمرنا الأخرين وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون وقال تعالى في الذاريات بعد قصة
ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فاخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم وقال في سورة الانشقاق كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها مع قوم نوح وعاد وثمود والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان وذلك أن لوطا عليه السلام لما دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي ما ذكر الله عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعوا عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون فجعلوا غابة المدح ذما يقتضي الإخراج وما حملهم على مقالتهم هذه الا العناد واللجاج فطهره الله وأهله الا امرأته وأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج وما كان هذا جوابهم الا لما نهاهم عن الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم إليها أحد من أهل الدنيا ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه حتى قيل إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماض ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره علىالقوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته وأجابه إلى طلبته وبعث رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاؤوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل
عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين وقال ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين وقال الله تعالى فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط وذلك إنه كان يرجوا أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا ولهذا قال تعالى إن إبراهيم لحليم أواه منيب يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به من لا يرد أمره ولا يرد بأسه ولا معقب لحكمه وإنهم آتيهم عذاب غير مردود
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحق أن إبراهيم عليه السلام جعل يقول أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا قال ابن اسحق إلى أن قال أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا قالوا إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها الآية وعند أهل الكتاب أنه قال يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل إلى عشرة فقال الله لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون قال الله تعالى وقال ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل واسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه وذكر قتادة أنهم وردوا عليه وهو في أرض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق امامهم وجعل يعرض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم فيما قال يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات قال وكانوا قد أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك
وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقى من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فاتت أباها
فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحدا إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه وقوله ومن قبل كانوا يعملون السيئات أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم يرشدهم إلى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزراجه أمهاتهم وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم وهذا كقوله أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون وهذا هو الذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحق وهو الصواب والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا إثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد نهى لهم عن تعاطي ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء فجرة أقوياء كفرة أغبياء وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم ذي العذاب الأليم ولهذا قال عليه السلام لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا نحن أحق بالشك من إبراهيم ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد يعني الله عز وجل فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه وقال تعالى وجاء أهل المدينة يستبشرون قال ان هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون قالوا أو لم ننهك عن العالمين قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيآتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرضون ولم يعلموا ما حم
به القدر مما هم إليه صائرون وصبيحة ليلتهم إليه منقلبون ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون وقال تعالى ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا عليه السلام جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه وولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في الجاج والعاج فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد لأحللت بكم النكال قالت الملائكة يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك وذكروا أن جبريل عليه السلام حرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان قال الله تعالى ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذلك أن الملائكة تقدمت إلى لوط عليهم السلام آمرين له بان يسرى هو وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعني عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم وقوله إلا امرأتك على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فاسر بأهلك كأنه يقول الا امرأتك فلا تسر بها ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الأول أظهر في المعنى والله أعلم
قال السهيلي واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب فلما خرج لوط عليه السلام بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن امرأته خرجت معه فالله أعلم فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد إلى رأس الجبل الذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب إلى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فانا ننتظرك حتى تصير إليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب إلى قرية صغر التي يقول الناس غور زغر فلما اشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد قالوا اقتلعهن جبريل بطرف
جناحه من قرارهن وكن سبع مدن بمن فيهن من الأمم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة وقيل أربعة آلاف نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شرفاتها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوي منضود أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء مسومة أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذي يهبط عليه فيدمغه كما قال مسومة عند ربك للمسرفين وكما قال تعالى وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين وقال تعالى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى يعني قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت إلى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت واقوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين أي خانتاهما في الدين فلم يتابعاهما فيه وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما فإن الله لا يقدر على نبي أن تبغى امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط ومن قال خلاف هذا فقد أخطأ خطأ كبيرا قال الله تعالى في قصة الإفك لما أنزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وانب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة وقوله ههنا وما هي من الظالمين ببعيد أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعي وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة واحتجوا أيضا بما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به وذهب أبو حنيفة إلى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط لقوله تعالى وما هي من الظالمين ببعيد وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها

ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات وإخراجه إياهم من النور إلى الظلمات كما قال تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم وقال تعالى فأخذتهم الصيحة مشرقين فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم إن في ذلك لآية للمؤمنين أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم كيف غير الله تلك البلاد وأهلها وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة هالكة غامرة كما روى الترمذي وغيره مرفوعا اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ إن في ذلك لآيات للمتوسمين وقوله وإنها لبسبيل مقيم أي لبطريق مهيع مسلوك إلى الآن كما قال وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون وقال تعالى ولقد تركناها آية بينة لقوم يعقلون وقال تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط ومن تشبه بقوم فهو منهم وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم فإن لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به عز وجل ويقبل ما أرشده إليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال والجواري من السراري ذوات الجمال وإياه أن يتبع كل شيطان مريد فيحق عليه الوعيد ويدخل في قوله تعالى وما هي من الظالمين ببعيد
*2* قصة مدين قوم شعيب عليه السلام
@ قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين وان كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين قد أفترينا على الله كذبا ان عدنا
في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شي علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين وقال الملأ اللذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فيكف آسي على قوم كافرين وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولاتبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورائكم ظهريا إن ربي بما تعلمون محيط ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وإنهما لبامام مبين وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم كذب أصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلى على رب العالمين أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الأولين قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم
كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط وكانوا بعدهم بمدة قريبة ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة
وهم من بني مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن ذكره ابن اسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوي بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن إبراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا بن ثابت بن مدين بن إبراهيم وقيل غير ذلك في نسبه
قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبرأهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام ذكره ابن قتيبة وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم
وذكر أبو عمر بن عبدالبر في الاستعباب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وانتسب إلى عنزة فقال نعم الحي عنزة مبغى عليهم منصورون قوم شعيب وأختان موسى فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فإن هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم
وفي حديث أبي ذر الذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وكان بعض السلف يسمى شعيبا خطيب الأنبياء يعني لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال ذاك خطيب الأنبياء وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشيائهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد وهو الولي الحميد كما قال تعالى وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جائتكم بينة من ربكم أي دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وانه أرسلني وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وإن كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا
فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ولا تقعدوا بكل صراط أي طريق توعدون أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل قال السدي في تفسيره عن الصحابة ولا تقعدوا بكل صراط توعدون أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بناة يجلسون على الطريق يبخسون الناس يعني يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية واذكروا أذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم إليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الأخرى ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة فنهاهم أولا عن تعاطي ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف ثم قال لهم آمرا بعدما كان عن ضده زاجرا ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيائهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ قال ابن عباس والحسن البصري بقيت الله خير لكم أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس وقال ابن جرير ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف قال وقد روى هذا عن ابن عباس وهذا الذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث يعني أن القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فإن الحلال مبارك وإن قل والحرام ممحوق وإن كثر كما قال تعالى يمحق الله الربا ويربي الصدقات وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الربا وإن كثر فإن مصيره إلى قل رواه أحمد أي إلى قلة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وإن قل والحرام لا يجدي وان كثر ولهذا قال نبي الله شعيب بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وقوله وما أنا علكيم بحفيظ أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لأراكم أنا وغيري قالوا يا شعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء أنك لأنت الحليم الرشيد يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلوتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد الا إلهك
ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون أو أن لا نتعامل إلا على الوجه الذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وإن كنا نحن نرضاها إنك لأنت الحليم الرشيد قال ابن عباس وميمون ابن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الإستهزاء قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب هذا تلطف معهم في العبارة ودعوة لهم إلى الحق بابين إشارة يقول لهم أرأيتم أيها المكذبون إن كنت على بينة من ربي أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلني إليكم ورزقني منه رزقا حسنا يعني النبوة والرسالة يعني وعمى عليكم معرفتها فأي حيلة لي بكم وهذا كما تقدم عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه سواء وقوله وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه أي لست آمركم بالأمر إلا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشيء فأنا أول من يتركه وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بني إسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون قال الله تعالى أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه أي تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار فيقولون يا فلان مالك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء فأما السادة من النجباء والألباء من العلماء الذين يخشون ربهم بالغب فحالهم كما قال نبي الله شعيب وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد الاصلاح ما استطعت أي ما أريد في جميع أمري إلا الاصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي وما توفيقي أي في جميع أحوالي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب أي عليه أتوكل في سائر الأمور وإليه مرجعي ومصيري في كل أمري وهذا مقام ترغيب ثم انتقل إلى نوع من الترهيب فقال ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين وقوله وما قوم لوط منكم ببعيد قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بانواع الحيل والشبهات والجمع بين هذه الأقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال واستغفروا ربكم ثم توبوا
إليه إن ربي رحيم ودود أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب إليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا روى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والثوري أنهم قالوا كان ضرير البصر وقد روى في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمى فرد الله عليه بصره وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك إلى الجنة فقال بل من محبتك فإذا نظرت إليك فلا أبالي ماذا يصنع بي فأوحى الله إليه هنيئا لك يا شعيب لقائي فلذلك أخدمتك موسى ابن عمران كليمي رواه الواحدي عن أبي الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار عن أبي عبدالله محمد بن إسحق التربلي عن هشام بن عمار عن إسمعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد عن شداد بن أمين عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وهو غريب جدا وقد ضعفه الخطيب البغدادي وقولهم ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا ما نفقه كثيرا مما تقول أي ما نفهمه ولا نعقله لأنا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة إليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون وقولهم وإنا لنراك فينا ضعيفا أي مضطهدا مهجورا ولولا رهطك أي قبيلتك وعشيرتك فينا لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم ارهطي أعز عليكم من الله أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعوني بسببهم ولا تخافون جنبة الله ولا تراعوني لأني رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا أي جانب الله وراء ظهوركم إن ربي بما تعملون محيط أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون إليه ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب وهذا أمر تهديد شديد ووعيد أكيد بان يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ومن يحل عليه الهلاك والبوار من يأتيه عذاب يخزيه أي في هذه الحياة الدنيا ويحل عليه عذاب مقيم أي في الأخرى ومن هو كاذب أي مني ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر وارتقبوا إني معكم رقيب وهذا كقوله وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح
بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم فانتصب شعيب للحاجة عن قومه فقال أولو كنا كارهين أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وإنما يعودون إليه إن عادوا اضطرارا مكرهين وذلك لأن الإيمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لأحد منه ولهذا قال قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا أي فهو كافينا وهو العاصم لنا وإليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين أي الحاكمين فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه ورسوله خالفوه ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون وبه متلبسون وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون قال الله تعالى فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين ذكر في سورة الأعراف أنهم اخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثتهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل الله عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الأعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين فقابل الإرجفاف بالرجفة والإخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السباق وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والإستهزاء والتنقص أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة وكان ذلك إجابة لما طلبوا وتقريبا إلى ما إليه رغبوا فإنهم قالوا إنما أنت من المسحرين وما أن إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فاسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال رب أعلم بما تعلمون قال الله تعالى وهو السميع العليم فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إن كان عذاب يوم عظيم ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير اهل مدين فقوله ضعيف وإنما
عمدتهم شيئان أحدهما أنه قال كذب اصحاب الأيكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ولم يقل اخوهم كما قال وإلى مدين أخاهم شعيبا والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الأول أنه لم يذكر الأخوة بعد قوله كذب اصحاب الأيكة المرسلين لأنه وصفهم بعبادة الأيكة فلا يناسب ذكر الأخوة ههنا ولما نسبهم إلى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة وأما إحتجاجهم بيوم الظلة فإن كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الإنتقام بالرجفة والصيحة دليلا على أنهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيأ من هذا الشأن فأما الحديث الذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب عليه السلام من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن ابي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبدالله بن عمرو مرفوعا إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه والأشبه أنه من كلام عبدالله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بني إسرائيل والله أعلم
ثم قد ذكر الله عن أهل الأيكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة أهلكوا بأنواع من العذاب وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب وقوله فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهوا عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الإسراب فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح وخرجت الأشباح فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين كما قال تعالى وهو أصدق القائلين ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود وقال تعالى وقال الملأ من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين وهذا في مقابلة قولهم لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤبنا ومقرعا فقال تعالى يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم أي قد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل إليه فلم
ينفعكم ذلك لأن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة ولهذا قال فكيف آسى أي احزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون إليه ولا ! تلتفون إليه فحل بهم من بأس الله الذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لأحد أريد به عنه ولا مناص منه
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا عليه السلام كان بعد يوسف عليه السلام وعن وهب بن منبه أن شعيبا عليه السلام مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بني سهم
*2* باب ذرية إبراهيم
@ قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من امرهم وما آل إليه أمره عليه السلام والتحية والإكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب عليه السلام لأنها قرينتها في كتاب الله عز وجل في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الأيكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها إقتداء بالقرآن العظيم ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية إبراهيم عليه السلام لأن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده
*2* إسماعيل عليه السلام
@ وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن أشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية عليها السلام من العظيم الجليل ومن قال إن الذبيح هو إسحق فإنما تلقاه من نقله بني إسرائيل الذين بدلوا وحرفو وأولوا التوراة والإنجيل وخالفوا بأيديهم في هذا من التنزيل فإن إبراهيم أمر بذبح ولده البكر وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة وإنما ولد إسحق بعد مضى مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة أما في الصورة فلأنه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنالك ليس معهما من الزاد والماء إلا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل
والكفيل فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر واين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه إلا كل نبيه نبيل وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو إليه من عبادة رب الأرباب قال تعالى فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فطاوع أباه على ما إليه دعاه ووعده بأن سيصبر فوفى بذلك بان سيصبر وصبر على ذلك وقال تعالى واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر اهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا وقال تعالى واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار وقال تعالى وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين وقال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط الآية ونظيرتها من السورة الأخرى وقال تعالى أم يقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله الآية فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله وبرأه من كل ما نسب إليه الجاهلون وأمر بان يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشا فانسها وركبها وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه حدثنا شيخ من قريش حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن عبدالله بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث أبيكم إسماعيل وكانت هذه العراب وحشا فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل
قال الأموي حدثني علي بن المغيرة حدثنا أبو عبيدة حدثنا مسمع بن مالك عن محمد بن علي بن الحسين عن آبائه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها قال الأموي هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقي ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي
وقيل هذه ثالثة فولدت له إثني عشر ولدا ذكرا وقد سماهم محمد بن إسحق رحمه الله وهم نابت وقيذر وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصا وارر ويطور ونبش وطيما وقذيما وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل عليه السلام رسولا إلى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه ولما حضرته الوفاة أوصى إلى أخيه إسحق وزوج ابنته نسمة من ابن اخيه العيص بن إسحق فولدت له الروم ويقال لهم بنو الأصفر لصفرة كانت في العيص وولدت له اليونان في أحد الأقوال ومن ولد العيص الأشبان قيل منهما أيضا وتوقف ابن جرير رحمه الله
ودفن إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة وروى عن عمر بن عبد العزيز انه قال شكى إسماعيل عليه السلام إلى ربه عز وجل حر مكة فأوحى الله إليه أني سأفتح لك بابا إلى الجنة إلى الموضع الذي تدفن فيه تجري عليك روحها إلى يوم القيامة
وعرب الحجاز كلهم ينتسبون إلى ولديه نابت وقيذار وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن إسماعيل عليه السلام إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك إذا انتهينا إلى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من اخبار أنبياء بني إسرائيل إلى زمان عيسى بن مريم خاتم أنبيائهم ومحقق أنبائهم ثم نذكر ما كان في زمن بني اسرائيل ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهي الكلام إلى سيرة نبينا رسول الله إلى العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم من الأمم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز الحكيم
*2* إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والتسليم
@ قد قدمنا أنه ولد ولأبيه مائة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشر سنة وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة قال الله تعالى وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز وقدمنا في حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم
يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم وذكر أهل الكتاب أن إسحق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حيات أبيه كان عمره أربعين سنة وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين اولهما سموه عيصو وهو الذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو إسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل قالوا وكان إسحق يحب العيصو أكثر من يعقوب لأنه بكره وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب اكثر لانه الأصغر قالوا فلما كبر إسحق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغي ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتي إليه به قبل اخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه إليه قال من أنت قال ولدك فضمه إليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده
فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه إليه فقال له ما هذا يا بني قال هذا الطعام الذي اشتهيته فقال اما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة اخرى وأن يجعل لذريته غليظ الأرض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لابان الذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته وقالت لزوجها إسحق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب عليه السلام من عندهم من آخر ذلك اليوم فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الأرض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب تبارك وتعالى يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع إلى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبد الله عز وجل وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمى ذلك الموضع بيت إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما وأجملهما فأجابه إلى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لابان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف إليه ليلا
ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لقد غدرت بي وأنت إنما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فإن احببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزوجكها فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لأن فعل يعقوب عليه السلام دليل على جواز هذا وإباحته لانه معصوم ووهب لابان لكل واحدة من ابنتيه جارية فوهب لليا جارية اسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوي ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالي فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب عليه السلام فولدت له جاد وأشير غلامين ذكرين ثم حملت ليا أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله ندائها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض حران وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله إني قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح ببياض وكل أجلح أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شيء من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب عليه السلام إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقي الغنم من المياه لينظر الغنم إليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب عليه السلام أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه
وأوحى الله تعالى إلى يعقوب ان يرجع إلى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فاجابوه مبادرين إلى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل أصنام أبيها فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند
يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له اصناما فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم وأعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهن فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية إلى بلاد الآخرة لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين إلى بلادهم فلما اقترب يعقوب من ارض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد إلى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بان العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشى يعقوب من ذلك ودعا الله عز وجل وصلى له وتضرع إليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لأخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده ليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الذي بعده كذلك وكذا الذي بعده ويقول كل منهم وهو جائي بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما أسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم إليه وأحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر إلى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له وعرض عليه ان يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوا به ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله إسرائيل وأمر الله ببنائه ليستعلن له فيه وهو بيت المقدس اليوم الذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما
السلام وهو مكان الصخرة التي اعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا
وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وأخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فإنا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنوا يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا إليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذا قتلهم بنوا يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة
ثم حملت راحيل فولدت غلاما وهو بنيامين إلا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل إلى اليوم وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين ومن أمة راحيل دان ونفتالي ومن أمة ليا حاد وأشير عليهم السلام وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن إبراهيم ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنة ابناه العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا
*2* ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل


فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله عز وجل في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الر تلك آيات الكتاب المبين إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظر ثم وتكلمنا على هذه لسورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر ههنا نبذا مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز
وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عرب فصيح بين واضح جلي يفهمه كل عاقل ذكي زكي فهو أشرف كتاب نزل من السماء انزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان بأفصح لغة وأظهر بيان فإن كان السياق في الأخبار الماضية أو الآتية ذكر احسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه
ورده وإن كان في الأوامر والنواهي فأعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين حكما وأعدل حكما فهو كما قال تعالى وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا يعني صدقا في الأخبار عدلا في الأوامر والنواهي ولهذا قال تعالى نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين أي بالنسبة إلى ما أوحي إليك فيه كما قال تعالى وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور وقال تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا يعني من اعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على مرفوعا وموقوفا من ابتغى الهدى في غيره أضله الله وقال الإمام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد عن الشعبي عن جابر أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض اهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني إسناد صحيح ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف وفي بعضها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال في خطبته أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المنهوكون ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم وإليهم تنسب أسباط بني إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف عليه السلام وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي إخوته لم يوح إليهم وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول ومن استدل على نبوتهم بقوله قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوي
لأن المراد بالأسباط شعوب بني إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم
ومما يؤيد أن يوسف عليه السلام هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عبدالرحمن عن عبدالله بن دينار عن أبيه عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم انفرد به البخاري فرواه عن عبدالله بن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف عليه السلام وهو صغير قبل أن يحتلم كأن أحد عشر كوكبا وهم إشارة إلى بقية أخوته والشمس والقمر هما عبارة عن ابويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه وأخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه ولهذا جاء في بعض الآثار استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فإن كل ذي نعمة محسود وعند أهل الكتاب انه قصها على أبيه وأخوته معا وهو غلط منهم وكذلك يجتبيك ربك أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها يجتبيك ربك أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة ويعلمك من تأويل الأحاديث أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام مالا يفهمه غيرك ويتم نعمته عليك أي بالوحي إليك وعلى آل يعقوب أي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنبوة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك اسحق ووالد جدك إبراهيم الخليل إن ربك عليم حكيم كما قال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالته
لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الناس اكرم قال يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير وقد ضعفه الأئمة عن السدي عن عبدالرحمن بن سابط عن جابر قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها قال فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجبه بشيء ونزل جبريل عليه السلام بأسمائها قال فبعث إليه رسول الله فقال هل أنت مؤمن إن أخبرتك باسمائها قال نعم فقال هي جريان والطارق والديال وذو الكتفان وقابس ووثاب وعمردان والفيلق والمصبح والضروح وذو الفرع
والضياء والنور فقال اليهودي أي والله إنها لأسماؤها وعند أبي يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين
ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه يعنون شقيقه لامه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين إن أبانا لفي ضلال مبين أي بتقديمه حبهما علينا ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده إلى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيه أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك فلما تمالؤا على ذلك وتوافقوا عليه قال قائل منهم قال مجاهد هو شمعون وقال السدي هو يهودا وقال قتادة ومحمد بن إسحق هو أكبرهم روبيل لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة أي المارة من المسافرين إن كنتم فاعيلن ما تقولون لا محالة فليكن هذا الذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فاجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم يا بني يشق علي ان افارقه ساعة من النهار ومع هذا اخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتي الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون
وعند اهل الكتاب أنه ارسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل إليهم وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فإن يعقوب عليه السلام كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لننبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون وجاؤا اباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بؤمن لنا ولو كنا صادقين وجاؤا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان إلا أن غابوا عنه
عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال وأجمعوا على القائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الذي ينزل ليملي الدلاء إذا قل الماء والذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه فيه أوحى الله إليه أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك وهم لا يشعرون
قال مجاهد وقتادة وهم لا يشعرون بإيحاء الله إليه ذلك وعن ابن عباس وهم لا يشعرون أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها رواه ابن جرير عنه فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ورجعوا إلى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم ولهذا قال بعض السلف لا يعرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا أي ثيابنا فأكله الذئب أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين أي وما أنت بمصدق لنا في الذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه وجاؤا على قميصه بدم كذب أي مكذوب مفتعل لأنهم عمدوا إلىسخلة ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا أن يخرقوه وآفة الكذب النسيان ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم اياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه وغيبوه عن عينيه جاؤا وهم يتباكون وعلى ما تمالؤا عليه يتواطؤن ولهذا قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون
وعند أهل الكتاب أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده إلى أبيه فغافلوه وباعوه لتلك القافلة فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده فصاح وشق ثيابه وعمد أولئك إلى جدي فذبحوه ولطخوا من دمه جبة يوسف فلما علم يعقوب شق ثيابه ولبس مئزرا أسود وحزن على إبنه أياما كثيرة وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل
الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به فجاءت سيارة أي مسافرون
قال أهل الكتاب كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف فلما رآه ذلك الرجل قال يا بشرى أي يا بشارتي هذا غلام واسروه بضاعة أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم والله عليم بما يعملون أي هو عالم بما تمالأ عليه أخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر بما يجري الله على يدي هذا الغلام الذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين قال ابن مسعود وابن عباس ونوف اليكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما وقال عكرمة ومحمد بن اسحق أربعون درهما فالله أعلم وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه أي أحسني إليه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه إليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيري الدنيا والآخرة قالوا وكان الذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الذي الخزائن مسلمة إليه قال ابن اسحق واسمه اطفير بن روحيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن أبي هشام الرفاعي وقال محمد بن اسحق عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس كان اسم الذي باعه بمصر يعني الذي جلبه إليها مالك بن ذعر بن نويب بن عفقا بن مديان بن إبراهيم فالله أعلم
وقال ابن اسحق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته أكرمي مثواه والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر الصديق حين استخف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا فالله أعلم وقوله وكذلك مكنا ليوسف في الأرض أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان إليه ويعتنيان
به مكنا له في أرض مصر ولنعلمه من تأويل الأحاديث أي فهمها وتعبير الرؤيا من ذلك والله غالب على أمره أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وأمورا لا يهتدي إليها العباد ولهذا قال تعالى ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد وهو حد الأربعين الذي يوحي الله فيه إلى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين
وقد اختلفوا في مدة العمر الذي هو بلوغ الأشد فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي هو الحلم وقال سعيد بن جبير ثماني عشرة سنة وقال الضحاك عشرون سنة وقال عكرمة خمس وعشرون سنة وقال السدي ثلاثون سنة وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ثلاث وثلاثون سنة وقال الحسن أربعون سنة ويشهد له قوله تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون وقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر والفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف عليه السلام عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير قال ابن اسحق وبنت أخت الملك الريان بن الوليد صاحب مصر وهذا كله مع أن يوسف عليه السلام شاب بديع الجمال والبهاء إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء وحماه من مكر النساء فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء في قوله عليه الصلاة والسلام من رب الأرض والسماء سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله
والمقصود أنها دعته إليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال معاذ الله إنه ربي يعني زوجها
صاحب المنزل سيدي أحسن مثواي أي أحسن إلي وأكرم مقامي عنده إنه لا يفلح الظالمون وقد تكلمنا على قوله ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه بما فيه كفاية ومقنع في التفسير
وأكثر أو قال المفسرين ههنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالإعراض عنه أولى بنا والذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها ولهذا قال تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين واستبقا الباب أي هرب منها طالبا إلى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره والفيا أي وجدا سيدها أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف عليه السلام هي راودتني عن نفسي احتاج إلى أن يقول الحق عند الحاجة وشهد شاهد من أهلها قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس وروى عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه وقيل كان رجلا قريبا إلى أطفير بعلها وقيل قريبا إليها وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم فقال إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان ولهذا قال تعالى فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم أي هذا الذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال يوسف أعرض عن هذا أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الذي صدر منها والتوبة إلى ربها فإن العبد إذا تاب إلى الله تاب الله عليه وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله إلا أنه عفيف نزيه برىء العرض سليم الناحية فقال استغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انا لنراها في ضلال مبين فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهم سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن إيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين قال رب السجن أحب إلى ما يدعونني إليه والا تصرف عني كيدهن أصب اليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب
له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها والتشنيع عليها في مراودتها فتاها وحبها الشديد له تعنين وهو لا يساوي هذا لأنه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن إنا لنراها في ضلال مبين أي في وضعها الشيء في غير محله فلما سمعت بمكرهن أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها والاشارة إليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فأظهرن ذما وهي معذورة في نفس الأمر فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ولا من قبيل ما لديهن فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها واعتدت لهن ضيافة مثلهن وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه وأتت كل واحدة منهن سكينا وكانت قد هيأت يوسف عليه السلام وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهن بهذه الحالة فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة فلما رأينه أكبرنه أي أعظمنه وأجللنه وهبنه وما ظنن أن يكون مثل هذا في بني آدم وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في إيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح وكلهن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم وقد جاء في حديث الإسراء فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن
قال السهيلي وغيره من الأئمة معناه أنه كان على النصف من حسن آدم عليه السلام لأن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشري ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ويوسف كان على النصف من حسن آدم ولم يكن بينهما أحسن منهما كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل عليه السلام
قال ابن مسعود وكان وجه يوسف مثل البرق وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه وقال غيره كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس ولهذا لما قام عذر امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور وجرى لهن وعليهن ما جرى من تقطيع إيدينهم بجراح السكاكين وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ثم مدحته بالعصمة التامة فقالت ولقد راودته عن نفسه فاستعصم أي امتنع ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين وكان بقية النساء حرضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشد الإباء ونأى لأنه من سلالة الأنبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين يعني إن وكلتني إلى نفسي فليس لي من نفسي إلا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فأنا ضعيف الا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك ولهذا قال تعالى فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه
حتى حين ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الأمر الذي فيه تستفتيان يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأي بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه إلى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأخمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا وكان هذا مما قدر الله له ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم ومن ههنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعي أن من العصمة أن لا تجد قال الله ودخل معه السجن فتيان قيل كان أحدهما ساقي الملك واسمه فيما قيل بنو والآخر خبازه يعني الذي يلي طعامه وهو الذي يقول له الترك الجاشنكير واسمه فيما قيل مجلث كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه إلى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السل الأعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا إنا نراك من المحسنين فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما قيل معناه مهما رأيتما من حلم فاني أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل واسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا أي بأن هدانا لهذا وعلى الناس أي بأن أمرنا أن ندعوهم إليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز ولكن أكثر الناس لا يشكرون ثم دعاهم إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عز وجل وصغر أمر الأوثان وحقرها وضعف أمرها فقال يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله
الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء أمر أن لا تعبدوا إلا إياه أي وحده لا شريك له و ذلك الدين القيم أي المستقيم والصراط القويم ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقي ما يقول بالقبول فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه قال يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا قالوا وهو الساقي وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قالوا وهو الخباز قضى الأمر الذي فيه تستفتيان أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت
وقد روى عن ابن مسعود ومجاهد وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنهما قالا لم نر شيئا فقال لهما قضى الأمر الذي فيه تستفتيان وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين يخبر تعالى أن يوسف عليه السلام قال للذي ظنه ناجيا منهما وهو الساقي أذكرني عند ربك يعني اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب وقوله فأنساه الشيطان ذكر ربه أي فأنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام قاله مجاهد ومحمد بن اسحق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب فلبث يوسف في السجن بضع سنين والبضع ما بين الثلاث إلى التسع وقيل إلى السبع وقيل إلى الخمس وقيل ما دون العشرة حكاها الثعلبي ويقال يضع نسوة وبضع رجال ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف وقال الله تعالى فلبث في السجن بضع سنين وقال تعالى في بضع سنين وهذا رد لقوله قال الفراء ويقال بضعة عشر وبعضة وعشرون إلى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع والف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون إلى تسعين وفي الصحيح الايمان بضع وستون وفي رواية وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ومن قال إن الضمير في قوله فأنساه الشيطان ذكر ربه عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وإن كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة والحديث الذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه تفرد بإسناده إبراهيم بن يزيد الخوري المكي وهو متروك ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا ههنا بطريق الأولى والأحرى والله أعلم
فأما قول ابن حبان في صحيح ذكر السبب الذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي ثنا مسدد بن مسرهد ثنا خالد بن عبدالله ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها اذكرني عند ربك ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوي إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد قال فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها والذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبلة إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف عليه السلام من السجن على وجه الاحترام والإكرام وذلك أن ملك مصر وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن ثم ملن عليهن فأكلنهن فاستيقظ مذعورا ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن فاستيقظ مذعورا فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل قالوا أضغاث أحلام أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك ولهذا قالوا وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين فعند ذلك تذكر الناجي منهما الذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه إلى حينه هذا وذلك عن تقدير الله عز وجل وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار ولها قال تعالى وقال الذي نجا منهما وأدكر أي تذكر بعد أمة أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك وأدكر بعد أمة أي بعد نسيان وقرأها مجاهد بعد أمه
بإسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر
أمهت وكنت لا أنسى حديثا * كذاك الدهر يزري بالعقول

يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 12:23 AM
فقال لقومه وللملك أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون أي فأرسلوني إلى يوسف فجاءه فقال يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي استدعاه إلى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من قراى وربان فبذل يوسف عليه السلام ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم إلى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس يعني يأتيهم الغيث والخصب والرفاهية وفيه يعصرون يعني ما كانوا يعصرونه من الأقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم وعلى الخير دلهم وأرشدهم إلى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجد بهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في السبع الأول في سنبله الا ما يرصد بسبب الأكل ومن تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأي والفهم
وقال الملك ائتوني به فلما جاء الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاشا لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرىء نفسي أن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف عليه الصلاة والسلام وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره إلى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه برىء الساحة مما نسبوه إليه بهتانا قال ارجع إلى ربك يعني الملك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب إلي أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الأمر الذي ليس برشيد ولا سديد فلما سئلن عن ذلك أعرفن بما وقع من الأمر وما كان منه من الأمر الحميد وقلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء فعند ذلك قالت امرأة العزيز وهي زليخا الآن حصحص الحق أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين أي فيما يقوله من أنه برىء وأنه لم يراودني وأنه حبس ظلما وعدوانا وزورا وبهتانا وقوله ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين قيل إنه من كلام يوسف أي إنما
طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول وما ابرىء نفسي أن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون لما ظهر للمك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه إليه قال ائتوني به استخلصه لنفسي أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله قال إنك اليوم لدينا مكين أمين أي ذو مكانة وأمانة قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضى سبع سنى الخصب لينظر فيها بما يرضي الله في خلقه من الاحتياط لهم والرفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوي على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة وعند أهل الكتاب أن فرعون عظم يوسف عليه السلام جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه امرأة عظيمة الشأن
وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء لأن زوجها كان لا يأتي النساء فولدت ليوسف عليه السلام رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء
وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل ذلك يجاوبه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم قال الله تعالى وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق الركاب بديار مصر يتبوأ منها حيث يشاء أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل ولهذا قال ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ويقال إن أطفير زوج
زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا فكان وزير صدق
وذكر محمد بن اسحق أن صاحب مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي يوسف عليه السلام فالله أعلم وقد قال بعضهم
وراء مضيق الخوف متسع الأمن * وأول مفروح به غاية الحزن
فلا تيأسن فالله ملك يوسفا * خزائنه بعد الخلاص من السجن
وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه السلام إلى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف عليه السلام من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون
وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه بأغلظ لهم في القول وقال أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الذي أصابنا ونحن بنو أب واحد من كنعان ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد وصغيرنا عند أبينا فقال لا بد أن أستعلم أمركم وعندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم واحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر وفي بعض هذا أنظر قال الله تعالى فلما جهزهم بجهازهم أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا إثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني به معكم ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال فإن لم تأتون به فلا كيل لكم عندي ولاتقربون أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى إليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب قالوا سنراود عنه أباه أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن وإنا لفاعلون أي وإنا لقادرون على تحصيله ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاؤا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانية وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير قال لن أرسله معكم حتى تؤتوني موثقا من الله لتأتنني به الا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم إلى أبيهم وقولهم له منع منا الكيل أي بعد عامنا هذا إن لم ترسل معنا أخانا فإن أرسلته معنا لم يمنع منا ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي أي أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ونمير أهلنا أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم ونحفظ أخانا ونزداد بسببه كيل بعير قال الله تعالى ذلك كيل يسير أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب عليه السلام أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به الا أن يحاط بكم أي الا أن تغلبوا كلكم عن الاتيان به فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل أكد المواثيق وقرر العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغني حذر من قدر ولولا حاجته وحاجة قومه إلى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الأقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لأنهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر قاله إبراهيم النخعي والأول أظهر ولهذا قال وما أغنى عنكم من الله من شيء وقال تعالى ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء الا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون
وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية إلى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الأولى وعوضا آخر فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذون أيتها العيد إنكم
لسارقون قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون
يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وأيوائه إليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الإساءة إليه ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته في متاع بنيامين ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادي لهم فأقبلوا على من اتهمهم بذلك فأبنوه وهجنوه فيما قاله لهم و قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع إلى المسروق منه ولهذا قالوا كذلك نجزي الظالمين قال الله تعالى فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه ليكون ذلك أبعد للتهمه وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء أي في العلم وفوق كل ذي علم عليهم وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم إليه فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل يعنون يوسف قيل كان قد سرق صنم جده أبي أمه فكسره وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لاسحق ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وإنما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء وقيل غير ذلك فلهذا قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فاسرها يوسف في نفسه وهي كلمته بعدها وقوله أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا
شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البرىء هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف اليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم لي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون
يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به فلن أبرح الأرض أي لا أزال مقيما ههنا حتى يأذن لي أبي في القدوم عليه أو يحكم الله لي بأن يقدرني على رد أخي إلى أبي وهو خير الحاكمين ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق أي أخبروه بما رأيتم من الأمر في لظاهر المشاهدة وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين واسأل القرية التي كنا فيها والعبر التي أقبلنا فيها أي فإن هذا الذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لأنه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك وانا لصادقون قال بل سولت لكم أنفسكم أمر فصبر جميل أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه وإنما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل
قال ابن اسحق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال عسى الله أن يأتيني بهم جميعا يعني يوسف وبنيامين وروبيل إنه هو العليم أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة الحكيم فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة وتولى عنهم أي أعرض عن بنيه وقال يا أسفي على يوسف
ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول
وقال آخر
لقد لامني عند القبور على البكا * رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى * فدعني فهذا كله قبر مالك
وقوله وابيضت عيناه من الحزن أي من كثرة البكاء فهو كظيم أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه إلى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق قالوا له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون يقول لبنيه لست أشكو إليكم ولا إلى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو إلى الله عز وجل وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال واعلم من الله ما لا تعلمون ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون أي لا تيئسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجميعن
يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة عليهم رد أخيهم بنيامين إليهم فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال وجئنا ببضاعة مزجاة أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا قيل كانت دراهم رديئة وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين قيل بقبولها قاله السدي وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاؤوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف إليهم وعطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه وربهم
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الذي يعرفون هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون قالوا وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا إليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي يعني أنا يوسف الذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله وهذا أخي تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الإحتيال ولهذا قال قد من الله علينا أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا وإن كنا لخاطئين أي فيما أسدينا إليك وها نحن بين يديك قال لا تثريب عليكم اليوم أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم زادهم على ذلك فقال اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف والصحيح الأول ثم أمرهم بأن يذهبوا بقميصه وهو الذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع إليه بصره بعد ما كان ذهب بإذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين إلى ديار مصر إلى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور فلما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله مالا تعلمون قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم
قال عبدالرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان عن عبدالله بن أبي الهذيل سمعت ابن عباس يقول فلما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبي سنان به وقال الحسن البصري وابن جريج المكي كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله لولا أن تفندون أي تقولون إنما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم قال قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة قال الله تعالى فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا أي بمجرد ما جاء ألقى القميض على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا
تعلمون أي اعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيريني فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عز وجل عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للإستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم إلى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبدالرحمن بن إسحق يذكر عن محارب ابن دثار قال كان عمر يأتي المسجد فسمع انسانا يقول اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبدالله بن مسعود فسأل عبدالله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله سوف أستغفر لكم ربي وقد قال الله تعالى والمستغفرين بالأسحار وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له وقد ورد في حديث أن يعقوب أرجأ بنيه إلى ليلة الجمعة قال ابن جرير حدثني المثنى ثنا سليمان بن عبدالرحمن بن أيوب الدمشقي حدثنا الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف أستغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنه فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين هذا إخبار عن حال إجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل أنها ثمانون سنة وقيل ثلاثة وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة وقال محمد ابن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة قال وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سياق القصة يرشد إلى تحديد المدة تقريبا فإن المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون السنة الأولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين وفي الثالثة تعرف إليهم وأمرهم بإحضار اهلهم أجمعين فجاؤا كلهم فلما دخلوا
عليه آوى إليه أبويه اجتمع بها خصوصا وحدهما دون إخوته وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى إليه أبويه وضعفه ابن جرير وهو معذور قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام ثم لما اقتربوا من باب مصر قال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين قاله السدي ولو قيل إن الأمر لا يحتاج إلى هذا أيضا وأنه ضمن قوله أدخلوا معنى اسكنوا مصر أو أقيموا بها إن شاء الله آمنين لكان صحيحا مليحا أيضا
وعند اهل الكتاب أن يعقوب لما وصل إلى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم وقد ذكر جماعة من المفسرين انه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو إسرائيل اراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سني الجدب ببركة قدومه إليهم فالله أعلم
وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبدالله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون إنسانا قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم قال الله تعالى ورفع أبويه على العرش قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت خالته ليا والخالة بمنزلة الأم وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه إلى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوي والله أعلم ورفعهما على العرش أي أجلسهما مع على سريره وخروا له سجدا أي سجده له الأبوان والاخوة الأحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا وقالت يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتني بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت وجاء بكم من البدو أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي فيما كان منهم إلي من الأمر الذي تقدم وسبق ذكره ثم قال إن ربي لطيف لما يشاء أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدي إليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته إنه هو العليم أي بجميع الأمور الحكيم في خلقه وشرعه وقدره


وعند أهل الكتاب أن يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الذي كان تحت يده بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بانفسهم فصاروا أرقاء ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب
قال الشافعي قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة ثم لما رأى يوسف عليه السلام نعمته قد تمت وشمله قد إجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شيء فيها ومن عليها فان وما بعد التمام إلا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله وسأل منه وهو خير المسؤلين أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الإسلام وأن يلحقه بعباده الصالحين وهكذا كما يقال في الدعاء اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين أي حين تتوفانا ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره عليه السلام كما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عند احتضاره أن يرفع روحه إلى الملأ الاعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى
ويحتمل أن يوسف عليه السلام سأل الوفاة على الإسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روي عن ابن عباس أنه قال ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف فأما في شريعتنا فقد نهي عن الدعاء بالموت إلا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الذي رواه أحمد وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين وفي الحديث الآخر ابن آدم الموت خير لك من الفتنة وقالت مريم عليها السلام يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا وتمنى الموت علي بن أبي طالب لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبدالله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال
فأما في حال الرفاهية فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي والمراد بالضر ههنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه والظاهر أن نبي الله يوسف عليه السلام سأل ذلك إما عند احتضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك
وقد ذكر ابن اسحق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفي عليه السلام وكان قد أوصى إلى يوسف عليه السلام أن يدفن عند أبويه إبراهيم واسحق قال السدي فصبر وسيره إلى بلاد الشام فدفنه بالمنارة عند أبيه اسحق وجده الخليل عليهم السلام
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد أسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة ههنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون يوصي بنيه بالإخلاص وهو دين الإسلام الذي بعث الله به الأنبياء عليهم السلام
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثي وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا إلى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر ثم حضرت يوسف عليه السلام الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى عليه السلام فدفنه عند آبائه كما سيأتي قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة وقال غيره أوصى إلى أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه
*2* قصة نبي الله أيوب
@ قال ابن اسحق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زارح بن العيص بن اسحق بن إبراهيم الخليل وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن اسحق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط عليه السلام وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم
عليه السلام يوم ألقى في النار فلم تحرقه والمشهور الأول لأنه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح عليهما السلام وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء إليهم في سورة النساء في قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب الآية فالصحيح أنه من سلالة العيص بن اسحق وامرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا ثم نعطف بذكر أنبياء بني إسرائيل بعد ذكر قصته إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان قال الله تعالى وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين وقال تعالى في سورة ص واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم اسماعيل ثم اسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهرون ثم الياس ثم اليسع ثم عرفي بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب ثم يونس بن متي من بني يعقوب ثم أيوب بن زراح بن آموص بن لبفرز بن العيص بن اسحق بن إبراهيم وفي بعض هذا الترتيب نظر فإن هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح وقبل إبراهيم والله أعلم
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله عز وجل بها وهو في ذلك كله صابر محتسب ذاكر لله عز وجل في ليله ونهاره وصباحه ومسائه وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس وأخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقته عليها فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته وضعف حالها وقل ما لها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وتقود بأوده رضي الله عنها وأرضاها وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق
المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فإنا لله وإنا إليه راجعون وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه ولم يزد هذا كله أيوب عليه السلام الا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره عليه السلام ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا وقد روى عن وهب بن منبه وغيره من علماء بني إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته وعن مجاهد أنه قال كان أيوب عليه السلام أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب عليه السلام
ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الأشراف إحدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه ان مسني الضر وأنت أرحم الراحمين
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبدالله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب إخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد فقال احدهما لصاحبه لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط قال اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال اللهم بعزتك وخر ساجدا فقال اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عني فما رفع رأسه حتى كشف عنه
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبدالأعلى انبئنا ابن وهب أخبرني
نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من اخوانه كانا من أخص اخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك قال منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب لا أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت بنى الله هذا المبتلى فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فأنى أنا هو قال وكان له اندران اندر للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت احداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وافرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به وهذا غريب رفعه جدا والأشبه أن يكون موقوفا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن اسمعيل حدثنا حماد انبئنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبدالله هذا المبتلى الذي كان ههنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر مني يا عبدالله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله علي جسدي
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم وقال وهب بن منبه أوحى الله إليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فإن فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبي حاتم وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما عافى الله أيوب عليه السلام أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع قال يا رب ومن يشبع من رحمتك وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي داود الطيالسي وعبدالصمد عن همام عن قتادة به ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبدالله بن محمد الأزدي عن اسحق بن راهويه عن عبدالصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم
وقال الإمام أحمد ثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك قال أي رب ومن يستغني عن فضلك هذا موقوف وقد روى عن أبي هريرة من وجه أخر مرفوعا
وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك رواه البخاري من حديث عبدالرزاق به وقوله أركض برجلك أي اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به فانبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض الذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وابدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حتى صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا من ذهب واخلف الله له أهله كما قال تعالى وآتيناه أهله ومثلهم معهم فقيل أحياهم الله بأعيانهم وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة وقوله رحمة من عندنا أي رفعنا عنه شدته وكشفنا ما به من ضر رحمة منا به ورأفة واحسانا وذكرى للعابدين أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد ابعد النجعة واغرق النزع وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله إليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بارض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم وقوله خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب عليه السلام فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها وقيل لأنه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فاتته خبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط فلما عافاه الله عز وجل أفتاه أن يأخذ ضغثا وهو كالعثكال الذي يجمع الشماريخ فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة رضي الله عنها ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الإيمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الإيمان وصدوره بهذه الآية الكريمة
وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الأحكام عند الوصول إليه إن شاء الله تعالى
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب عليه السلام لما توفي كان عمره ثلاثا وتسعين سنة وقيل إنه عاش أكثر من ذلك وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان عليه السلام على الأغنياء وبيوسف عليه السلام على الأرقاء وبأيوب عليه السلام على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين ولنذكر ههنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب عليها السلام
*2* قصة ذي الكفل
@ الذي زعم قوم أنه ابن أيوب قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء واسماعيل وادريس وذا الكفل كل من الصابرين وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص واذكر عبادنا ابراهيم واسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار وانهم عندنا لمن المصطفين الأخيار واذكر اسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وانما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم
وروى ابن جرير وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وانما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه ان يكفيه أمرهم ويقضي بينهم بالعدل فسمى ذا الكفل وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق داود بن أبي هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل فجمع الناس فقال من يتقبل لي بثلاث استخلفه يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب قال فقام رجل تزدريه العين فقال أنا فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم قال فردهم ذلك اليوم وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال أنا فاستخلفه قال فجعل ابليس يقول للشياطين عليكم بفلان فاعياهم ذلك فقال دعوني واياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة وكان لا ينام الليل والنهار إلاتلك النومة فدق الباب فقال من هذا قال شيخ كبير مظلوم قال فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه فقال إن بيني وبين قومي خصومة وانهم ظلموني وفعلوا بي وفعلوا حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال إذا رحت فأتني آخذ
لك بحقك فانطلق وراح فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب فقال من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتني فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني قال فانطلق فإذا رحت فأتني قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فاني قد شق علي النوم فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمري فقال لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فانظر من أين أتيت قال فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال نعم أعييتني في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبنك فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به
وقد روى ابن أبي حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق وهكذا روى عن عبدالله بن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو هذا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر أنبئنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الأخنس قال سمعت الأشعري يعني أبا موسى رضي الله عنه وهو على هذا المنبر يقول ما كان ذو الكفل نبيا ولكن كان رجلا صالحا يصلي كل يوم مائة صلاة فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلي كل يوم مائة صلاة فسمى ذا الكفل ورواه ابن جرير من طريق عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قال قال أبو موسى الأشعري فذكره منقطعا فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن عبدالله بن عبدالله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا لو لم أسمعه الا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرار ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فاتته امرأة فاعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارعدت وبكت فقال لها ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك ثم قال والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال حسن وذكر ان بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا وفي اسناده نظر فان سعدا هذا قال أبو حاتم لا أعرفه الا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبدالله بن عبدالله الرازي هذا فالله أعلم
*2* باب ذكر أمم أهلكوا بعامة
@ وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى الآية كما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث عوفي الأعرابي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة ألم تر أن الله تعالى يقول ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ورفعه البزار في رواية له والأشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى عليه السلام فمنهم أصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا وقال تعالى في صورة ق كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد وهذا السياق والذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج لأن أولئك عند ابن اسحق وجماعة كانوا بعد المسيح عليه السلام وفيه نظر أيضا وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبي القاسم عبدالله بن عبدالله بن جرداد وغيره أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الاحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الأرض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح دمشق وبني مدينتها وسماها جيرون وهي ارم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق فبعث الله هود بن عبدالله بن رباح بن خالد بن الحلود بن عاد إلى عاد يعني أولاد عاد بالأحقاف فكذبوه وأهلكهم الله عز وجل فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم وروى ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن أبي عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان وقال الثوري عن أبي بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها وقال ابن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين وقال
قتادة فلج من قرى اليمامة قلت فان كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم إن كانت الا صحية واحدة فإذا هم خامدون وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وان كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير وقد ذكر أبو بكر محمد بن الحسن النقاش أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفي أرضهم جميعها وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له
قال السهيلي وكان يوحى إليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه والقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسد وصوت الضباع فأما ما رواه أعني ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن اسحق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الأسود ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فالقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا ثم يأتي به إلى ذلك البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت قال فكان كذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام الا ساعة من نهار فجاء إلى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع ثم إنه ذهب الى الحفرة إلى موضوعها الذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون له ما ندري حتى قبض الله النبي عليه السلام وأهب الأسود من نومه بعد ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر ولعل بسط قصته من كلام محمد بن كعب القرظي والله أعلم
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن
قال لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم اللهم إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم والله أعلم ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم
*2* قصة قوم يس وهم أصحاب القرية
@ قال الله تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون وجاء من اقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغني عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين إني آمنت بربكم فاسمعون قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية انطاكية رواه ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم قال ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيحس وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق ومصدوق وشلوم فكذبهم
وهذا ظاهر انهم رسل من الله عز وجل وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح وكذا قال ابن جرير عن وهب عن بن سليمان عن شعيب الجبائي كان اسم المرسلين الأوليين شمعون ويوحنا واسم الثالث بولس والقرية أنطاكية
وهذا القول ضعيف جدا لان أهل انطاكية لما بعث إليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول
مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا احدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها إلى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن اهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا إلى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكم الله ثم عمرت بعد ذلك فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله إليهم فلا يمنع هذا والله اعلم
فأما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن في قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله قال تعالى واضرب لهم مثلا يعني لقومك يا محمد أصحاب القرية يعني المدينة إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث أي أيدناهما بثالث في الرسالة فقالوا إنا إليكم مرسلون فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الإنتقام وما علينا إلا البلاغ المبين أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء قالوا إنا تطيرنا بكم أي تشائمنا بما جئتمونا به لئن لم تنتهوا لنرجمنكم بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الأمل القول قوله وليمسنكم منا عذاب أليم فوعدوهم بالقتل والإهانة قالوا طائركم معكم أي مردود عليكم أإن ذكرتم أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم إليه توعدتمونا بالقتل والإهانة بل أنتم قوم مسرفون أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه وقوله تعالى وجاء من اقصى المدينة رجل يسعى يعني لنصرة الرسل وأظهار الإيمان بهم قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون أي يدعونكم إلى الحق المحض بلا أجرة ولا جعالة ثم دعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة إني إذا لفي ضلال مبين أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه ثم قال مخاطبا للرسل إني آمنت بربكم فاسمعون قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة فعند ذلك قتلوه قيل رجما وقيل عضا وقيل وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه وحكى ابن إسحق عن بعض اصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته
وقد روى الثوري عن عاصم الأحول عن أبي مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا وقيل إسكافا وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم
وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه ولهذا قال تعالى
ادخل الجنة يعني لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين يعني ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي
قال ابن عباس نصح قومه في حياته يا قوم اتبعوا المرسلين وبعد مماته يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين رواه ابن أبي حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن إلا ناصحا لا يلقى غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون وقوله تعالى وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين أي ما احتجنا في الإنتقام منهم إلى إنزال جند من السماء عليهم هذا معنى ما رواه ابن إسحق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والأول أولى قلت وأقوى ولهذا قال وما كنا منزلين أي وما كنا نحتاج في الإنتقام إلى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون
قال المفسرون بعث الله إليهم جبريل عليه السلام فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله إليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين إليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح فأما الحديث الذي رواه الطبراني من حديث حسين الأشقري عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السبق ثلاثة فالسابق إلى موسى يوشع بن نون والسابق إلى عيسى صاحب يس والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب فإنه حديث لا يثبت لأن حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم
*2* قصة يونس
@ قال الله تعالى في سورة يونس فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين وقال تعالى في سورة الأنبياء وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين وقال تعالى في سورة والصافات وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون فنبذناه بالعراء وهو سقيم وانبتنا عليه شجرة من يقطين
وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين وقال تعالى في سورة نون فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم فاجتباه ربه فجعله من الصالحين قال أهل التفسير بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله عز وجل وصرخوا وتضرعوا إليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهاب وجأرت الأنعام والدواب والمواشي فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رؤسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى وما أرسلنا في قرية من نبي الا قال مترفوها انا بما أرسلتم به كافرون وقوله الا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين أي آمنوا بكمالهم
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين الأظهر من السياق نعم والله أعلم كما قال تعالى لما آمنوا وقال تعالى وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين وهذا المتاع إلى حين لا ينفي أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي والله أعلم
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف وروى الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية حدثني أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون قال يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين الفا وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا
واختلفوا هل كان أرساله اليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال هي مبسوطة في التفسير والمقصود أنه عليه السلام لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون قالوا فاشتوروا فيما
فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فأعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الأمر العظيم قال الله تعالى وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون فساهم فكان من المدحضين فالتقمه الحوت وهو مليم وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر وبعث الله عز وجل حوتا عظيما من البحر الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله
وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبي الصلت
وأنت بفضل منك نجيت يونسا * وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وقال سعيد بن أبي الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الأجاجي فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والأرضين السبع وما بينها وما تحت الثرى فعند ذلك وهنالك قال ما قال بلسان الحال والمقال كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الذي يعلم السر والنجوى ويكشف الضر والبلوى سامع الأصوات وإن ضعفت وعالم الخفيات وإن دقت ومجيب الدعوات وإن عظمت حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين وذالنون إذ ذهب إلى أهله مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين فظن أن لن نقدر عليه أن نضيق وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدر كما قال الشاعر
فلا عائد ذاك الزمان الذي مضى * تباركت ما يقدر يكن فلك الأمر
فنادى في الظلمات قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر ومظلمة الليل وقال سالم بن أبي الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر وقوله تعالى فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح
والاعتراف لله بالخضوع والتوبة إليه والرجوع اليه للبث هنالك إلى يوم القيامة ولبعث من جوف ذلك الحوت هذا معنى ما روى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه وقيل معناه فلولا أنه كان من قبل أخذ الحوت له من المسبحين أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسنده من حديث محمد بن اسحاق عمن حدثه عن عبدالله بن رافع مولى أم سلمة سمعت أبا هريرة يقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذ ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا يا ربنا إنا نسمع صوتا بأرض غريبة قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر قالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم قال فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله وهو سقيم هذا لفظ ابن جرير إسنادا ومتنا ثم قال البزار لا نعلمه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الاسناد كذا قال وقد قال ابن أبي حاتم في تفسيره حدثنا أبو عبدالله أحمد بن عبدالرحمن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشي حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم الا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يونس النبي عليه السلام حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك قالوا يا رب ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة قالوا يا ربنا أو لا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى فأمر الحوت فطرحه في العراء ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبي حاتم قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء وانبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض أو قال هشاش الأرض قال فتنفشخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتا من شعره
فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا
وهذا غريب أيضا من هذا الوجه ويزيد الرقاشي ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم وقد قال الله تعالى
فنبذناه أي ألقيناه بالعراء وهو المكان القفر الذي ليس فيه شيء من الأشجار بل هو عار منها وهو سقيم أي ضعيف البدن قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبي حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شيء وأنبتنا عليه شجرة من يقطين قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب ابن منبه وهلال بن يساف وعبدالله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغير واحد هو القرع


يتبع ؟؟؟

اخت مسلمة
04-11-2009, 12:31 AM
قال بعض العلماء في انبات القرع عليه حكم جمة منها أن ورقة في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك وتقدم كلام أبي هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الأروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه إليه ولهذا قال تعالى فاستجبنا له فنجيناه من الغم أي الكرب والضيق الذي كان فيه وكذلك ننجي المؤمنين أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى بن صالح حدثنا أبو يحيى بن عبدالرحمن حدثني بشر بن منصور عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبي وقاص يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اسم الله الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى قال فقلت يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين قال هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ألم تسمع قول الله تعالى فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين فهو شرط من الله لمن دعاه به وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب قال أبو خالد أحسبه عن مصعب يعني ابن سعد عن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعا بدعاء يونس أستجيب له قال أبو سعيد الأشج يريد به وكذلك ننجي المؤمنين وهذان طريقان عن سعد وثالث أحسن منهما
قال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا يونس بن أبي إسحق الهمذاني حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد حدثني والدي محمد عن أبيه سعد وهو ابن أبي وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام فأتيت عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شيء قال لا وما ذاك قلت لا إلا أني مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه مني ثم لم يردد علي السلام قال فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال ما منعك أن لا تكون رددت
على أخيك السلام قال ما فعلت قال سعد قلت بلى حتى حلف وحلفت قال ثم إن عثمان ذكر فقال بلى وأستغفر الله وأتوب إله إنك مررت بي آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط الا تغشى بصري وقلبي غشاوة قال سعد فانا أنبئك بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله حتى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فلما اشفقت أن يسبقني الى منزله ضربت بقدمي الأرض فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا أبو اسحق قال قلت نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط الا استجاب له ورواه الترمذي والنسائي من حديث ابراهيم بن محمد بن سعد به
*2* فضل يونس
@ قال الله تعالى وإن يونس لمن المرسلين وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والأنعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متي ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به وقال البخاري أيضا حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متي ونسبه إلى أبيه ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه لم يسمع قتادة من أبي العالية سوى أربعة أحاديث هذا احدها وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متي تفرد به أحمد ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان حدثنا عبدالله بن رجاء أنبأنا اسرائيل عن أبي يحيى العتاب عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينبغي لأحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متي إسناده جيد ولم يخرجوه
وقال البخاري حدثنا أبو الوليد شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متي وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن الفضل عن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة في قصة المسلم الذي لطم وجه اليهودي حين قال لا والذي اصطفى موسى على
العالمين قال البخاري في آخره ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متي أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس والقول الآخر لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متي كما قد رود في بعض الأحاديث لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متي وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين
*2* قصة موسى الكليم
@ وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام قال تعالى واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته ههنا من ابتدائها إلى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الاسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان قال الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذي استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الذي كأن سامعه مشاهد للأمر معاين له ان فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الأعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته إلى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن اسحق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وارداها وأدناها ومع هذا يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل
فتحدث بها القبط فيما بينهم ووصلت إلى فرعون فذكرها له بعض امرائه واساورته وهم يسمرون عنده فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل حذرا من وجود هذا الغلام ولن يغني حذر من قدر
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحزأة والسحرة وسألهم عن ذلك فقالوا هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان ولهذا قال الله تعالى ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض وهم بنو إسرائيل ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها اليهم ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل كما قال تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا الآية وقال تعالى كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بني إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى هذا والقدر يقول يا أيها ذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره ان هذا المولود الذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بعمامك وشرابك في منزلك وأنت الذي تتبناه وتربيه وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين وتكذيبك ما أوحى اليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوى والمشيئة التي لا مرد لها
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل
ولدانهم الذكور وخشي أن تتفاني الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فأمر فوعون بقتل الأبناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هرون عليه السلام ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا واحترزت من اول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل فلما وضعت الهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارهما متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته إليها به قال الله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا الآية وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة
قال السهيلي واسم أم موسى أيارخا وقيل أياذخت والمقصود أنها أرشدت إلى هذا الذي ذكرناه وألقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك وإن الله سيجعله نبيا مرسلا يعلي كلمته في الدنيا والآخرة فكانت تصنع ما أمرت به فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون فالتقطه آل فرعون قال الله تعالى ليكون لهم عدوا وحزنا قال بعضهم هذه لام العاقبة وهو ظاهر ان كان متعلقا بقوله فالتقطه وأما إن جعل متعلقا بمضمون الكلام وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا صارت اللام معللة كغيرها والله اعلم ويقوي هذا التقدير الثاني قوله إن فرعون وهامان وهو الوزير السوء وجنودهما المتابعين لهما كانوا خاطئين أي كانوا على خلاف الصواب فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرون على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عسد بن الريان بن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف وقيل أنها كانت من بني إسرائيل من سبط موسى وقيل بل كانت عمته حكاه السهيلي فالله أعلم
وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول
الله صلى الله عليه وسلم في الجنة فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية والجلالة الموسوية فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه وقالت قرة عين لي ولك فقال لها فرعون أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق وقولها عسى أن ينفعنا وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه أو نتخذه ولدا وذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن يولد لهما ولد قال الله تعالى وهم لا يشعرون أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم أن قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فرددناه إلى امه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة لولا أن ربطنا على قلبها أي صبرناها وثبتناها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته وهي ابنتها الكبيرة قصيه اي اتبعي اثره واطلبي له خبره فبصرت به عن جنب قال مجاهد عن بعد وقال قتادة جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده ولهذا قال وهم لا يشعرون وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل كما قال تعالى وحرمنا عليه المراضع من قبل فأرسلوه مع القوابل والنساء إلى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به اخته فلم تظهر انها تعرفه بل قالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها إلى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير إلى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها إلى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن إليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معي فأرسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات الكساوي والهبات فرجعت به تحوزه إلى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها قال الله تعالى فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته ولكن اكثرهم لا يعلمون وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال له فيما قال له ولقد مننا عليك مرة اخرى إذ
أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقين عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذي بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى مني وذلك كله بحفظي وكلائتي لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرددناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان
ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى وهو إحتكام الخلق والخلق وهو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه إلى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الأجل وانقضى الأمد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي قال تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار وعن ابن عباس بين العشائين فوجد فيها رجلين يقتتلان أي يتضاربان ويتهاوشان هذا من شيعته أي إسرائيلي وهذا من عدوه أي قبطي قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن اسحاق فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه وذلك أن موسى عليه السلام كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته إلى تبنى فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاها وارتفعت رؤسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الاسرائيلي موسى عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى فوكزه قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه وقال قتادة بعصا كانت معه فقضى عليه أي فمات منها وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا قال موسى هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي أي من العز والجاه فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى
أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين
اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية انطاكية رواه ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم قال ابن إسحق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب أنهم قالوا وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيحس وكان يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل وهم صادق ومصدوق وشلوم فكذبهم
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا أي من فرعون وملائه أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره إنما قتله موسى في نصره رجل من بني إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم خائفا يترقب أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له إنك لغوي مبين ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الذي هو عدو لموسى وللاسرائيلي فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد الا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين قال بعضهم إنما قال هذا الكلام الاسرائيلي الذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس وكانه لما رأى موسى مقبلا إلى القبطي اعتقد أنه جاء إليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغوي مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الأمر الذي كان وقع بالأمس فذهب القبطي فاستعدى موسى إلى فرعون وهذا الذي لم يذكر كثير من الناس سواه ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا اليه خافه ورأى من سجيته انتصارا جيدا للاسرائيلي فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام الاسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب وجاء من أقصى المدينة ساعيا إليه مشفقا عليه فقال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج أي من هذه البلدة إني لك من الناصحين أي فيما أقوله لك قال الله تعالى فخرج منها خائفا يترقب أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدي إلى طريق ولا يعرفه قائلا رب نجني من القوم الظالمين ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما انزلت إلي من خير فقير يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدري أين يتوجه ولا إلى أين يذهب وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها ولما توجه تلقاء مدين أي اتجه له طريق يذهب فيه قال عسى ربي أن يهديني
سواء السبيل أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة إلى المقصود وكذا وقع أو صلته إلى مقصود وأي مقصود ولما ورد ماء مدين وكانت بئرا يستقون منها ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب عليه السلام وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء ولما ورد الماء المذكور وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقي اثنتان منهن وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظا والا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى فسقى لهما
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجىء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر كما كان قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما ثم تولى إلى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير قال ابن عباس سار من مصر إلى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وان بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وأنه لمحتاج إلى شق تمرة قال عطاء بن السائب لما قال رب إني لما انزلت الي من خير فقير اسمع المرأة فجاءته احداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل لما جلس موسى عليه السلام في الظل و قال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير سمعته المرأتان فيما قيل فذهبتا إلى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى عليه السلام فأمر إحداهما أن تذهب إليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشي على استحياء أي مشي الحراير قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة وهذا من تمام حيائها وصيانتها فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من
فرعونها قال له ذلك الشيخ لا تخف نجوت من القوم الظالمين أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب عليه السلام وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بأن شعيبا عليه السلام عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام وتزوج بابنته وروى ابن أبي حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى عليه السلام هذا اسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس بالنبي صاحب مدين وقيل إنه ابن أخي شعيب وقيل ابن عمه وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب وقيل رجل اسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبدالله اسمه يثرون زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب زاد ابن عباس صاحب مدين
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها يا أبت استأجره أي لرعي غنمك ثم مدحته بأنه قوي أمين قال عمرو ابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن اسحق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فأخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق
قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمي مثواه وصاحبة موسى حين قالت يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين وأبو بكر حين استخلف عمر بن الخطاب قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين استدل بهذا جماعة من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله على صحة ما اذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله احدى ابنتي هاتين وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم
واستدل أصحاب أحمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة واستأنسوا بالحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه مترجما في كتابه باب استئجار الأجير على طعام بطنه حدثنا محمد بن الصفي الحمصي حدثنا بقية بن الوليد عن مسلمة بن علي عن سعيد بن أبي أيوب عن الحارث بن يزيد عن علي بن رباح قال سمعت عتبة بن الدر يقول كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال إن موسى عليه السلام آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه وطعام بطنه وهذا من هذا الوجه لا يصح لأن مسلمة بن علي الحسني الدمشقي البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده ولكن
قد روى من وجه آخر فقال ابن أبي حاتم حدثنا أبوزرعة حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكر حدثني ابن لهيعة وحدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبدالله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح اللخمي قال سمعت عتبة بن الندر السلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن موسى عليه السلام آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه ثم قال تعالى ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل يقول إن موسى قال لصهره الأمر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان علي والله على مقالتنا سامع ومشاهد ووكيل علي وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامه
قال البخاري حدثنا محمد بن عبدالرحيم حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى فقلت لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فاسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير وقد رواه ابن جرير عن أحمد بن محمد الطوسي وابن أبي حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي عن سفيان بن عيينة حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرشي عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقد رواه سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب عز وجل فقال أبرهما وأوفاهما وبنحوه رواه ابن أبي حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما وأتمهما وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من حديث عويد بن أبي عمران الجوني وهو ضعيف عن أبيه عن عبدالله بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما وأبرهما قال وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما وقد رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن علي بن رباح عن عتبة بن النذر أن رسول الله قال إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه فلما وفى الأجل قيل يا رسول الله أي الأجلين قال أبرهما وأوفاهما فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى عليه السلام
إلى عصا قسمها من طرفها ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى عليه السلام بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة الا ضرب جنبها شاة شاة قال فاتمئت وآنثت ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية قال ابن لهيعة الفشوش واسعة السخب والضبوب طويلة الضرع تجره والعزوز ضيقة السخب والثعول الصغيرة الضرع كالحلمتين والكموش التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره وفي صحة رفع هذا الحديث نظر وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال لما دعا نبي الله موسى صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا الا شاة واحدة فذهب باولادهن ذلك العام وهذا إسناد رجاله ثقات والله أعلم
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب عليه السلام حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى عليه السلام فالله أعلم فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم اليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما وقد يؤخذ هذا من قوله فلما قضى موسى الأجل وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها وقوله وسار بأهله أي من عند صهره ذاهبا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه اشتاق إلى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة برادة وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلى السلوك في الدرب المألوف وجعل يوري زناده فلا يوري شيئا واشتد الظلام والبرد فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا وكأنه والله أعلم رآها دونهم لأن هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد لعلي آتيكم منها بخبر أي لعلي أستعلم من عندها عن الطريق أو جذوة من النار لعلكم تصطلون فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الأخرى وهل أتاك
حديث موسى إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق وجمع الكل في سورة النمل في قوله إذ قال موسى لأهله إني آنست سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأي هدى واقتبس منها نورا وأي نور قال الله تعالى فلما أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين وقال في النمل فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين أي سبحان الله الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وقال في سورة طه فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى إلى تلك النار التي رآها فانتهى إليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى وما كنت بجانب الغربي اذ قضينا الى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة

يتبع

اخت مسلمة
04-11-2009, 12:45 AM
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له إني أنا الله رب العالمين إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري أي أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو الذي لا تصلح العبادة وإقامة الصلاة إلا له ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها لتجزى كل نفس بما تسعى أي من خير وشر وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شيء الذي يقول للشيء كن فيكون وما تلك بيمينك يا موسى أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها قال هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها قال القها يا موسى فالقاها فإذا هي حية تسعى وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الذي يكلمه يقول للشيء كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار
وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب
عز وجل ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها إلى الأرض فألقاها فإذا هي حية تسعى فهرب موسى من قدامها فأمره الرب عز وجل أن يبسط يده ويأخذها بذنبها فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى عليه السلام ولى مدبرا أي هاربا منها لأن طبيعته البشرية تقتضي ذلك ولم يعقب أي ولم يلتفت فناداه ربه قائلا له يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق ولهذا قال اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك وهذا وإن كان خاصما به إلا أن بركة الإيمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء وقال في سورة النمل وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار إليهما في قوله فذاتك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان حيث يقول تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء الأرب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فإن التسع من كلمات الله القدرية والعشر من كلماته الشرعية وإنما نبهنا على هذا لأنه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بني إسرائيل
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى عليه السلام في جوابه لربه عز وجل حين أمره بالذهاب إلى عدوه الذي خرج من ديار مصر فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردأ يصدقني إني أخاف أن يكذبون أي اجعله معي معينا وردأ ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك اليهم فإنه أفصح مني لسانا وأبلغ بيانا قال الله تعالى مجيبا له إلى سؤاله سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا أي برهانا فلا يصلون إليكما أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا وقيل ببركة آياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون وقال في سورة طه اذهب إلى فرعون إنه طغى قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم إنه يعيب به الكليم ولا يكاد يبين أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده ثم قال موسى عليه السلام واجعل لي وزيرا من أهلي هرون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا قال قد أوتيت سؤالك يا موسى أي قد أجبناك إلى جميع ما سألت وأعطيناك الذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه عز وجل حين شفع أن يوحي الله إلى أخيه فأوحى إليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى وكان عند الله وجيها وقال تعالى ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج أي أخ أمن على أخيه فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هرون فأوحى إليه قال الله تعالى ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا قال تعالى في سورة الشعراء وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين قوم فرعون الا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين أن أرسل
معنا نبي إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين تقدير الكلام فاتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاؤوا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى ونظر إلى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين أي أما أنت الذي ربيناه في منزلنا وأحسنا إليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر وهذا يدل على أن فرعون الذي بعث إليه هو الذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الذي بعث إليه فرعون آخر وقوله وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا قال فعلتها إذا وأنا من الضالين أي قبل أن يوحى إلى وينزل على ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والاحسان إليه وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت إلى وأنا رجل واحد من بني إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتم في اعمالك وخدمك وأشغالك قال فرعون وما رب العالمين قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون
يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع تبارك وتعالى وزعم أنه الاله فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى وقال يا أيها الملأ ما علمت لكم من اله غيري وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارىء المصور الاله الحق كما قال تعالى وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كانت عاقبة المفسدين ولهذا قال لموسى عليه السلام على سبيل الإنكار لرسالته والاظهار أنه ما ثم رب ارسله وما رب العالمين لأنهما قالا له إنا رسول رب العالمين فكانه يقول لهما ومن رب العالمين الذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثتكما فأجابه موسى قائلا رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين يعني رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتجددة من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يسلم كل موقن انها لم تحدث بأنفسها ولا بدلها من موجد ومحدث وخالق وهو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين قال أي فرعون لمن حوله من امرائه ومرازبته ووزرائه
على سبيل التهكم والتنقص لما قرره موسى عليه السلام ألا تسمعون يعني كلامه هذا قال موسى مخاطبا له ولهم ربكم ورب آبائكم الأولين أي هو الذي خلقكم والذين من قبلكم من الآباء والأجداد والقرون السالفة في الآباد فإن كل أحد يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أبوه ولا أمه ولم يحدث من غير محدث وإنما أوجده وخلقه رب العالمين وهذان المقامان هما المذكوران في قوله تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ومع هذا كله لم يستفق فرعون من رقدته ولا نزع عن ضلالته بل استمر على طغيانه وعناده وكفرانه قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب وما بينهما ان كنتم تعقلون أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة المسير للأفلاك الدائرة خالق الظلام والضياء ورب الأرض والسماء رب الأولين والآخرين خالق الشمس والقمر والكواكب السائرة والثوابت الحائرة خالق الليل بظلامه والنهار بضيائه والكل تحت قهره وتسخيره وتسييره سائرون وفلك يسبحون يتعاقبون في سائر الأوقات ويدورون فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء فلما قامت الحجج على فرعون وانقطعت شبهه ولم يبق له قول سوى العناد عدل الى استعمال سلطانه وجاهه وسطوته قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع بده فإذا هي بيضاء للناظرين وهذان هما البرهانان اللذان أيده الله بهما وهما العصا واليد وذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم الذي بهر به العقول والأبصار حين ألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين أي عظيم الشكل بديع في الضخامة والهول والمنظر العظيم الفظيع الباهر حتى قيل إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه أخذه رهب شديد وخوف عظيم بحث أنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة فانعكس عليه الحال وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها أخرجها وهي كفلقة القمر تتلألأ نورا بهر الأبصار فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى ومع هذا كله لم ينتفع فرعون لعنه الله بشيء من ذلك بل استمر على ما هو عليه وأظهر أن هذا كله سحر وأراد معارضته بالسحرة فأرسل يجمعهم من سائر مملكته ومن في رعيته وتحت قهره ودولته كما سيأتي بسطه وبيانه في موضعه من اظهار الله الحق المبين والحجة الباهرة القاطعة على فرعون وملائه وأهل دولته وملته ولله الحمد والمنه وقال تعالى في سورة طه فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى يقول تعالى مخاطبا لموسى فيما كلمه به ليلة أوحى إليه وأنعم بالنبوة عليه وكلمه منه إليه قد كنت مشاهدا
لك وأنت في دار فرعون وأنت تحت كنفي وحفظي ولطفي ثم أخرجتك من أرض مصر إلى أرض مدين بمشيئتي وقدرتي وتدبيري فلبثت فيها سنين ثم جئت على قدر أي مني لذلك فوافق ذلك تقديري وتسييري واصطنعتك لنفسي أي اصطفيتك لنفسي برسالتي وبكلامي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري يعني ولا تفترا في ذكري إذ قدمتما عليه ووفدتما إليه فإن ذلك عون لكما على مخاطبته ومجاوبته وإهداء النصيحة إليه وإقامة الحجة عليه وقد جاء في بعض الأحاديث يقول الله تعالى إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية ثم قال تعالى اذهبا إلى فرعون إنه طفى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وهذا من حلمه تعالى وكرمه ورأفته ورحمته بخلقه مع علمه بكفر فرعون وعتوه وتجبره وهو إذ ذاك أردى خلقه وقد بعث إليه صفوته من خلقه في ذلك الزمان ومع هذا يقول لهما ويأمرهما أن يدعواه إليه بالتي هي أحسن برفق ولين ويعاملاه معاملة من يرجو أن يتذكر أو يخشى كما قال لرسوله ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وقال تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم الآية قال الحسن البصري فقولا له قولا لينا أعذرا إليه قولا له إن لك ربا ولك معادا وإن بين يديك جنة ونارا وقال وهب بن منبه قولا له إني لي العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة قال يزيد الرقاشي عند هذه الآية يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه قالا ربنا إنا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى وذلك أن فرعون كان جبارا عنيدا وشيطانا مريدا له سلطان في بلاد مصر طويل عريض وجاه وجنود وعساكر وسطوة فهاباه من حيث البشرية وخافا أن يسطو عليهما في بادىء الأمر فثبتهما تعالى وهو العلي الأعلى فقال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى كما قال في الآية الأخرى إنا معكم مستمعون فاتياه فقولا إنا رسولا ربك فارسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون فيدعواه إلى الله تعالى أن يعبده وحده لا شريك له وأن يرسل معهم بني إسرائيل ويطلقهم من أسره وقهره ولا يعذبهم قد جئناك بآية من ربك وهو البرهان العظيم في العصي واليد والسلام على من اتبع الهدى تقيد مفيد بليغ عظيم ثم تهدداه وتوعداه على التكذيب فقالا إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى أي كذب بالحق بقلبه وتولى عن العمل بقالبه
وقد ذكر السدي وغيره أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمه وأخيه هرون وهما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل وهو اللفت فأكل معهما ثم قال يا هرون إن الله أمرني وأمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي فقاما يقصدان باب فرعون فإذا هو مغلق فقال موسى للبوابين والحجبة
أعلموه أن رسول الله بالباب فجعلوا يسخرون منه ويستهزئون به
وقد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل وقال محمد بن اسحق أذن لهما بعد سنتين لأنه لم يك أحد يتجاسر علىالاستئذان لهما فالله أعلم ويقال إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه فانزعج فرعون وأمر باحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه إلى الله عز وجل كما أمرهما
وعند أهل الكتاب أن الله قال لموسى عليه السلام إن هرون اللاوي يعني من نسل لاوي بن يعقوب سيخرج ويتلقاك وأمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى عند فرعون وأمره أن يظهر ما أتاه من الآيات وقال له سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب وأكثر آياتي وأعاجيبي بأرض مصر وأوحى الله إلى هرون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل وذهبا إلى فرعون فلما بلغاه رسالة الله قال من هو الله لا أعرفه ولا أرسل بني إسرائيل وقال الله مخبرا عن فرعون قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى قال فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهي منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى
يقول تعالى مخبرا عن فرعون إنه أنكر اثبات الصانع تعالى قائلا فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي هو الذي خلق الخلق وقدر لهم أعمالا وأرزاقا وآجالا وكتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له فطابق عمله فيهم على الوجه الذي قدره وعلمه لكمال علمه وقدرته وقدره وهذه الآية كقوله تعالى سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى أي قدر قدرا وهدى الخلائق إليه قال فما بال القرون الأولى يقول فرعون لموسى فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره وهو بهذه المثابة من انه لا يستحق العبادة سواه فلم عبد الاولون غيره وأشركوا به من الكواكب والأنداد ما قد علمت فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى أي هم وان عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك ولا يدل على خلاف ما أقول لأنهم جهلة مثلك كل شيء فعلوه مستطر عليهم في الزبر من صغير وكبير وسيجزيهم على ذلك ربي عز وجل ولا يظلم أحدا مثقال ذرة لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه شيء ولا ينسى ربي شيئا ثم ذكر له عظمة الرب وقدرته على خلق الأشياء وجعله الأرض مهادا والسماء سقفا محفوظا وتسخيره السحاب والأمطار لرزق العباد ودوابهم وأنعامهم كما قال كلوا وارعوا أنعامكم ان في ذلك لآيات لأولي النهي أي لذوي العقول
الصحيحة المستقيمة والفطر القويمة غير السقيمة فهو تعالى الخالق الرزاق وكما قال تعالى يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ولما ذكر أحياء الأرض بالمطر واهتزازها بإخراج نباتها فيه نبه به على المعاد فقال منها أي من الأرض خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى كما قال تعالى كما بدأكم تعودون وقال تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ثم قال تعالى ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى
يخبر تعالى عن شقاء فرعون وكثرة جهله وقلة عقله في تكذيبه بآيات الله واستكباره عن اتباعها وقوله لموسى إن هذا الذي جئت به سحر ونحن نعارضك بمثله ثم طلب من موسى أن يواعده إلى وقت معلوم ومكان معلوم وكان هذا من أكبر مقاصد موسى عليه السلام أن يظهر آيات الله وحججه وبراهينه جهرة بحضرة الناس ولهذا قال موعدكم يوم الزينة وكان يوم عيد من أعيادهم ومجتمع لهم وأن يحشر الناس ضحى أي من أول النهار في وقت اشتداد ضياء الشمس فيكون الحق أظهر وأجلى ولم يطلب أن يكون ذلك ليلا في ظلام كيما يروج عليهم محالا وباطلا بل طلب أن يكون نهارا جهرة لأنه على بصيرة من ربه ويقين أن الله سيظهر كلمته ودينه وإن رغمت أنوف القبط قال الله تعالى فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى قال قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى فأجمعوا كيدكم ثم أئتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى
يخبر تعالى عن فرعون أنه ذهب فجمع من كان ببلاده من السحرة وكانت بلاد مصر في ذلك الزمان مملوءة سحرة فضلاء في فنهم غاية فجمعوا له من كل بلد ومن كل مكان فاجتمع منهم خلق كثير وجم غفير فقيل كانوا ثمانين ألفا قاله محمد بن كعب وقيل سبعين ألفا قاله القاسم بن أبي بردة وقال السدي بضعة وثلاثين ألفا وعن أبي أمامة تسعة عشر ألفا وقال محمد بن اسحاق خمسة عشر ألفا وقال كعب الأحبار كانوا إثني عشر ألفا وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس كانوا سبعين رجلا وروى عنه أيضا أنهم كانوا أربعين غلاما من بني إسرائيل أمرهم فرعون أن يذهبوا إلى العرفاء فيتعلموا السحر ولهذا قالوا وما أكرهتنا عليه من السحر وفي هذا نظر
وحضر فرعون وأمراؤه وأهل دولته وأهل بلده عن بكرة أبيهم وذلك أن فرعون نادى فيهم أن
يحضروا هذا الموقف العظيم فخرجوا وهم يقولون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين وتقدم موسى عليه السلام إلى السحرة فوعظهم وزجرهم عن تعاطي السحر الباطل الذي فيه معارضة لآيات الله وحججه فقال ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى فتنازعوا أمرهم بينهم قيل معناه أنهم اختلفوا فيما بينهم فقائل يقول هذا كلام نبي وليس بساحر وقائل منهم يقول بل هو ساحر فالله أعلم وأسروا التناجي بهذا وغيره قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما يقولون إن هذا وأخاه هرون ساحران عليمان مطبقان متقنان لهذه الصناعة ومرادهم أن يجتمع الناس عليهما ويصولا علىالملك وحاشيته ويستأصلاكم عن آخركم ويستأمرا عليكم بهذه الصناعة فأجمعوا كيدكم ثم أتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى وإنما قالوا الكلام الأول ليتدبروا ويتواصوا ويأتوا بجميع ما عندهم من المكيدة والمكر والخديعة والسحر والبهتان وهيهات كذبت والله الظنون واخطأت الآراء أنى يعارض البهتان والسحر والهذيان خوارق العادات التي أجراها الديان على يدي عبده الكليم ورسوله الكريم المؤيد بالبرهان الذي يبهر الأبصار وتحار فيه العقول والأذهان وقولهم فأجمعوا كيدكم أي جميع ما عندكم ثم اتوا صفا أي جملة واحدة ثم حضوا بعضهم بعضا على التقدم في هذا المقام لأن فرعون كان قد وعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى قال بل القوا فاذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى
لما اصطف السحرة ووقف موسى وهرون عليهما السلام تجاههم قالوا له إما أن تلقي قبلنا وإما أن نلقي قبلك قال بل القوا أنتم وكانوا قد عمدوا إلى حبال وعصي فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها تلك الحبال والعصي اضطرابا يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها وإنما تتحرك بسبب ذلك فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم وألقوا حبالهم وعصيهم وهم يقولون بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون قال الله تعالى فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم وقال تعالى فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى فأوجس في نفسه خيفة موسى أي خاف على الناس أن يفتتنوا بسحرهم ومحالهم قبل أن يلقي ما في يده فإنه لا يضع شيئا قبل أن يؤمر فأوحى الله إليه في الساعة الراهنة لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا انما صنعوا كسد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى فعند ذلك ألقى موسى عصاه وقال ما جئتم به السحر ان الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون وقال تعالى فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون
فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها صارت حية عظيمة ذات قوائم فيما ذكره غير واحد من علماء السلف وعنق عظيم وشكل هائل مزعج بحيث أن الناس انحازوا منها وهربوا سراعا وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما ألقوه من الحبال والعصي فجعلت تلقفه واحدا واحدا في أسرع ما يكون من الحركة والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها وأما السحرة فإنهم رأوا ما هالهم وحيرهم في أمرهم واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل تحت صناعاتهم وأشغالهم فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا ليس بسحر ولا شعبذة ولا محال ولا خيال ولا زور ولا بهتان ولا ضلال بل حق لا يقدر عليه إلا الحق الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق وكشف الله عن قلوبهم غشاوة الغفلة وأنارها بما خلق فيها من الهدى وأزاح عنها القسوة وأنابوا إلى ربهم وخروا له ساجدين وقالوا جهرة للحاضرين ولم يخشوا عقوبة ولا بلوى آمنا برب موسى وهرون كما قال تعالى فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جنهم لا يموت فيها ولا يحيى ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى
قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والأوزاعي وغيرهم لما سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم وتزخرف لقدومهم ولهذا لم يلتفتوا إلى تهويل فرعون وتهديده ووعيده وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا وأشهروا ذكروا موسى وهرن في الناس على هذه الصفة الجميلة أفزعه ذلك ورأى أمرا بهره وأعمى بصيرته وبصره وكان فيه كيد ومكر وخداع وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله فقال مخاطبا للسحرة بحضرة الناس آمنتم له قبل ان آذن لكم أي هلا شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي ثم تهدد وتوعد وابرق وارعد وكذب فابعد قائلا إنه لكبيركم الذي علمكم السحر وقال في الآية الأخرى إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون وهذا الذي قاله من البهتان يعلم كل فرد عاقل ما فيه من الكفر والكذب والهذيان بل لا يروج مثله على الصبيان فإن الناس كلهم من أهل دولته وغيرهم يعلمون أن موسى لم يره هؤلاء يوما من الدهر فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر ثم هو لم يجمعهم ولا علم باجتماعهم حتى كان فرعون هو الذي استدعاهم واجتباهم من كل فج عميق وواد سحيق ومن حواضر بلاد
مصر والأطراف ومن المدن والأرياف قال الله تعالى في سورة الأعراف ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبةالمفسدين وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فات بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين قال القوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس وأسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم وأوحينا إلى موسى أن الق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا الا أن آمنا بآيات ربنا لما جائتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين وقال تعالى في سورة يونس ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون إلى فرعون وملائه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين وقال فرعون إئتوني بكل ساحر عليم فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فلما ألقو قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون وقال تعالى في سورة الشعراء قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من
خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين
والمقصود أن فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله إنه لكبيركم الذي علمكم السحر وأتى ببهتان يعلمه العالمون بل العالمون في قوله إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون وقوله لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف يعني يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى وعكسه ولأصلبنكم أجميعن أي ليجعلهم مثلة ونكالا لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته وأهل ملته ولهذا قال ولأصلبنكم في جذوع النخل أي على جذوع النخل لأنها أعلى وأشهر ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى يعني في الدنيا قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات أي لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات والذي فطرنا قيل معطوف وقيل قسم فاقض ما أنت قاض أي فافعل ما قدرت عليه إنما تقضي هذه الحياة الدنيا أي إنما حكمك علينا في هذه الحياة الدنيا فإذا انتقلنا منها إلى الدار الآخرة صرنا إلى حكم الذي أسلمنا له واتبعنا رسله إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى أي وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب وأبقى أي وأدوم من هذه الدار الفانية وفي الآية الأخرى قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أي ما اجترمناه من المآثم والمحارم أن كنا أول المؤمنين أي من القبط بموسى وهرون عليهما السلام وقالوا له أيضا وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا أي ليس لنا عندك ذنب إلا إيماننا بما جاءنا به رسولنا واتباعنا آيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا أي ثبتنا على ما ابتلينا به من عقوبة هذا الجبار العنيد والسلطان الشديد بل الشيطان المريد وتوفنا مسلمين وقالوا أيضا يعظونه ويخوفونه بأس ربه العظيم إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى يقولون له فاياك أن تكون منهم فكان منهم ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى أي المنازل العالية جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى فاحرص أن تكون منهم فحالت بينه وبين ذلك الأقدار التي لا تغالب ولا تمانع وحكم العلي العظيم بأن فرعون لعنه الله من أهل الجحيم ليباشر العذاب الأليم يصب من فوق رأسه الحميم ويقال له على وجه التقريع والتوبيخ وهو المقبوح المنبوح والذميم اللئيم ذق إنك أنت العزيز الكريم
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون لعنه الله صلبهم وعذبهم رضي الله عنهم قال عبدالله بن عباس وعبيد بن عمير كانوا من أول النهار سحرة فصاروا من آخره شهداء بررة ويؤيد هذا قولهم ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين
*2* فصل : ولما وقع ما وقع من الأمر العظيم وهو الغلب الذي غلبته القبط
@ في ذلك الموقف الهائل وأسلم السحرة الذين استنصروا ربهم لم يزدهم ذلك الا كفرا وعنادا وبعدا عن الحق قال الله تعالى بعد قصص ما تقدم في سورة الأعراف وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساهم وإنا فوقهم قاهرون قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون
يخبر تعالى عن الملأ من قوم فرعون وهم الأمراء والكبراء أنهم حرضوا ملكهم فرعون على أذية نبي الله موسى عليه السلام ومقابلته بدل التصديق بما جاء به بالكفر والرد والأذى قالوا أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك يعنون قبحهم الله أن دعوته إلى عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة ما سواه فساد بالنسبة الى اعتقاد القبط لعنهم الله وقرأ بعضهم ويذرك وآلهتك أي وعبادتك ويحتمل شيئين أحدهما ويذر دينك وتقويه القراءة الأخرى الثاني ويذر أن يعبدك فإنه كان يزعم أنه إله لعنه الله قال سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم أي لئلا يكثر مقاتلتهم وإنا فوقهم قاهرون أي غالبون وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين أي إذا هموا هم بأذيتكم والفتك بكم فاستعينوا أنتم بربكم واصبروا على بليتكم إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين أي فكونوا أنتم المتقين لتكون لكم العاقبة كما قال في الآية الأخرى وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين وقولهم قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا أي قد كانت الأبناء تقتل قبل مجيئك وبعد مجيئك إلينا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون وقال الله تعالى في سورة حم المؤمن ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب وكان فرعون الملك وهامان الوزير وكان قارون إسرائيليا من قوم موسى إلا أنه كان على دين فرعون وملائه وكان ذا مال جزيل جدا كما ستأتي قصته فيما بعد إن شاء الله تعالى فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال وهذا القتل للغلمان من بعد بعثة موسى إنما كان على وجه الإهانة والإذلال والتقليل لملأ بني إسرائيل لئلا يكون لهم شوكة يمتنعون بها ويصولون على القبط بسببها وكانت القبط منهم يحذرون فلم
ينفعهم ذلك ولم يرد عنهم قدر الذي يقول للشيء كن فيكون وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ولهذا يقول الناس على سبيل التهكم صار فرعون مذكرا وهذا منه فإن فرعون في زعمه يخاف على الناس أن يضلهم موسى عليه السلام وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب أي عذت بالله ولجأت إليه بجنابه من أن يسطو فرعون وغيره على بسوء وقوله من كل متكبر أي جبار عنيد لا يرعوي ولا ينتهي ولا يخاف عذاب الله وعقابه لأنه لا يعتقد معادا ولا جزاء ولهذا قال من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وان يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وهذا الرجل هو ابن عم فرعون وكان يكتم ايمانه من قومه خوفا منهم على نفسه وزعم بعض الناس أنه كان اسرائيليا وهو بعيد ومخالف لسياق الكلام لفظا ومعنى والله أعلم
قال ابن جريج قال ابن عباس لم يؤمن من القبط بموسى إلا هذا والذي جاء من أقصى المدينة وامرأة فرعون رواه ابن أبي حاتم قال الدارقطني لا يعرف من اسمه شمعان بالشين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون حكاه السهيلي وفي تاريخ الطبراني أن اسمه خير فالله أعلم والمقصود أن هذا الرجل كان يكتم إيمانه فلما هم فرعون لعنه الله بقتل موسى عليه السلام وعزم على ذلك وشاور ملائه فيه خاف هذا المؤمن على موسى فتلطف في رد فرعون بكلام جمع فيه الترغيب والترهيب فقال على وجه المشورة والرأي وقد ثبت في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر وهذا من أعلى مراتب هذا المقام فإن فرعون لأشد جورا منه وهذا الكلام لا أعدل منه لأن فيه عصمة نبي ويحتمل أنه كاشرهم بإظهار إيمانه وصرح لهم بما كان يكتمه والأول أظهر والله أعلم قال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله أي من أجل أنه قال ربي الله فمثل هذا لا يقابل بهذا بل بالاكرام والاحترام والموادعة وترك الانتقام يعني لأنه قد جاءكم بالبينات من ربكم أي بالخوارق التي دلت على صدقة فيما جاء به عمن أرسله فهذا إن وادعتموه كنتم في سلامة لأنه إن يك كاذبا فعليه كذبه ولا يضركم ذلك وان يك صادقا وقد تعرضتم له يصبكم بعض الذي يعدكم أي وأنتم تشققون أن ينالكم أيسر جزاء مما يتوعدكم به فكيف بكم إن حل جميعه عليكم
وهذا الكلام في هذا المقام من أعلى مقامات التلطف والاحتراز والعقل التام وقوله يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض يحذرهم أن يسلبوا هذا الملك العزيز فانه ما تعرض الدول للدين
الا سلبوا ملكهم وذلوا بعد عزهم وكذا وقع لآل فرعون ما زالوا في شك وريب ومخالفة ومعاندة لما جاءهم موسى به حتى أخرجهم الله مما كانوا فيه من الملك والأملاك والدور والقصور والنعمة والحبور ثم حولوا إلى البحر مهانين ونقلت أرواحهم بعد العلو والرفعة إلى أسفل السافلين ولهذا قال هذاالرجل المؤمن المصدق البار الراشد التابع للحق الناصح لقومه الكامل العقل يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض أي عالين على الناس حاكمين عليهم فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا أي لو كنتم أضعاف ما أنتم فيه من العدد والعدة والقوة والشدة لما نفعنا ذلك ولا رد عنا بأس مالك الممالك قال فرعون أي في جواب هذا كله ما أريكم إلا ما أرى أي ما أقول لكم إلا ما عندي وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وكذب في كل من هذين القولين وهاتين المقدمتين فإنه قد كان يتحقق في باطنه وفي نفسه أن هذا الذي جاء به موسى من عند الله لا محالة وإنما كان يظهر خلافه بغيا وعدوانا وعتوا وكفرانا قال الله تعالى اخبارا عن موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والأرض بصائر وإني لا أظنك يا فرعون مبثورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا وقال تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وأما قوله وما أهديكم الا سبيل الرشاد فقد كذب أيضا فإنه لم يكن على رشاد من الأمر بل كان على سفه وضلال وخبل وخيال فكان أولا ممن يعبد الأصنام والأمثال ثم دعا قومه الجهلة الضلال إلى أن اتبعوه وطاوعوه وصدقوه فيما زعم من الكفر المحال في دعواه أنه رب تعالى الله ذو الجلال قال الله تعالى ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين وقال تعالى فأراه الآية الكبرى فكذب وعصى ثم أدبر يسعى فحشر فنادى فقال أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى إن في ذلك لعبرة لمن يخشى وقال تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتانا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس الورد المورود وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود
والمقصود بيان كذبه في قوله ما أريكم إلا ما أرى وفي قوله وما أهديكم الا سبيل الرشاد وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من


الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار يحذرهم ولي الله إن كذبوا برسول الله موسى أن يحل بهم ما حل بالأمم من قبلهم من النقمات والمثلات مما تواتر عندهم وعند غيرهم ما حل بقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم إلى زمانهم ذلك مما أقام به الحجج على أهل الأرض قاطبة في صدق ما جاءت به الأنبياء لما أنزل من النقمة بمكذبيهم من الأعداء وما أنجى الله من اتبعهم من الأولياء وخوفهم يوم القيمة وهو يوم التناد أي حين ينادي الناس بعضهم بعضا حين يولون ان قدروا على ذلك ولا إلى ذلك سبيل يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر وقال تعالى يا معشر الجن والإنس ان استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان وقرأ بعضهم يوم التناد بتشديد الدال أي يوم الفرار ويحتمل أن يكون يوم القيامة ويحتمل أن يكون يوم يحل الله بهم البأس فيودون الفرار ولات حين مناص فلما أحسوا بأسنا اذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما اترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون ثم أخبرهم عن نبوة يوسف في بلاد مصر ما كان منه من الاحسان إلى الخلق في دنياهم وأخراهم وهذا من سلالته وذريته ويدعو الناس إلى توحيد الله وعبادته وأن لا يشركوا به أحدا من بريته وأخبر عن أهل الديار المصرية في ذلك الزمان أي من سجيتهم التكذيب بالحق ومخالفة الرسل ولهذا قال فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا أي وكذبتم في هذا ولهذا قال كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم أي يريدون حجج الله وبراهينه ودلائل توحيده بلا حجة ولا دليل عندهم من الله فإن هذا أمر يمقته الله غاية المقت أي يبغض من تلبس به من الناس ومن اتصف به من الخلق كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار قرىء بالإضافة وبالنعت وكلاهما متلازم أي هكذا إذا خالفت القلوب الحق ولا تخالفه الا بلا برهان فإن الله يطبع عليها أي يختم عليها وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب كذب فرعون موسى عليه السلام في دعواه أن الله أرسله وزعم فرعون لقومه ما كذبه وافتراه في قوله لهم ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وقال ههنا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات أي طرقها ومسالكها فاطلع إلى إله موسى وإني لا أظنه كاذبا ويحتمل هذا معنيين أحدهما وإني لأظنه
كاذبا في قوله إن للعالم ربا غيري والثاني في دعواه أن الله أرسله والأول أشبه بظاهر حال فرعون فإنه كان ينكر ظاهر اثبات الصانع والثاني أقرب إلى اللفظ حيث قال فاطلع إلى إله موسى أي فاسأله هل أرسله أم لا وإني لأظنه كاذبا أي في دعواه ذلك وإنما كان مقصود فرعون أن يصد الناس عن تصديق موسى عليه السلام وان يحثهم على تكذيبه قال الله تعالى وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وقرىء وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب قال ابن عباس ومجاهد يقول الا في خسار أي باطل لا يحصل له شيء من مقصوده الذي رامه فإنه لا سبيل للبشر أن يتوصلوا بقواهم إلى نيل السماء أبدا أعني السماء الدنيا فكيف بما بعدها من السموات العلى وما فوق ذلك من الارتفاع الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وذكر غير واحد من المفسرين أن هذا الصرح وهو القصر الذي بناه وزيره هامان له لم ير بناء أعلى منه وان كان مبنيا من الآجر المشوى بالنار ولهذا قال فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا
وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل كانوا يسخرون في ضرب اللبن وكان مما حملوا من التكاليف الفرعونية أنهم لا يساعدون على شيء مما يحتاجون إليه فيه بل كانوا هم الذين يجمعون ترابه وتبنه وماءه ويطلب منهم كل يوم قسط معين إن لم يفعلوه والا ضربوا وأهينوا غاية الإهانة وأوذوا غاية الأذية ولهذا قالوا لموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون فوعدهم بأن العاقبة لهم على القبط وكذلك وقع وهذا من دلائل النبوة ولنرجع إلى نصيحة المؤمن وموعظته واحتجاجه قال الله تعالى وقال الذي آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وان الآخرة هي دار القرار من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب يدعوهم رضي الله عنه إلى طريق الرشاد والحق وهي متابعة نبي الله موسى وتصديقه فيما جاء به من ربه ثم زهدهم في الدنيا الدنية الفانية المنقضية لا محالة ورغبهم في طلب الثواب عند الله الذي لا يضيع عمل عامل لديه القدير الذي ملكوت كل شيء بيديه الذي يعطي علىالقليل كثيرا ومن عدله لا يجازى على السيئة الا مثلها وأخبرهم أن الآخرة هي دار القرار التي من وافاها مؤمنا قد عمل الصالحات فلهم الجنات العاليات والغرف الآمنات والخيرات الكثيرة الفائقات والأرزاق الدائمة التي لا تبيد والخير الذي كل ما لهم منه في مزيد
ثم شرع في إبطال ما هم عليه وتخويفهم مما يصيرون إليه فقال ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب
النار فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب كان يدعوهم إلى عبادة رب السموات والأرض الذي يقول للشيء كن فيكون وهم يدعونه إلى عبادة فرعون الجاهل الضال الملعون ولهذا قال لهم على سبيل الإنكار ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار ثم بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة ما سوى الله من الأنداد والأوثان وأنها لا تملك من نفع ولا اضرار فقال لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار أي لا تملك تصرفا ولا حكما في هذه الدار فكيف تملكه يوم القرار وأما الله عز وجل فإنه الخالق الرازق للأبرار والفجار وهو الذي أحيا العباد ويميتهم ويبعثهم فيدخل طائعهم الجنة وعاصيهم إلى النار
ثم توعدهم إن هم استمروا على العناد بقوله فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد قال الله فوقاه الله سيئات ما مكروا أي بإنكاره سلم مما أصابهم من العقوبة على كفرهم بالله ومكرهم في صدهم عن سبيل الله مما أظهروا للعامة من الخيالات والمحالات التي ألبسوا بها على عوامهم وطغامهم ولهذا قال وحاق أي أحاط بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا أي تعرض أرواحهم في برزخهم صباحا ومساء على النار ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وقد تكلمنا على دلالة هذه الآية على عذاب القبر في التفسير ولله الحمد
والمقصود أن الله تعالى لم يهلكهم إلا بعد إقامة الحجج عليهم وارسال الرسول إليهم وإزاحة الشبه عنهم وأخذ الحجة عليهم منهم فبالترهيب تارة والترغيب أخرى كما قال تعالى ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين
يخبر تعالى أنه ابتلى آل فرعون وهم قومه من القبط بالسنين وهي اعوام الجدب التي لا يستغل فيها زرع ولا ينتفع بضرع وقوله ونقص من الثمرات وهي قلة الثمار من الأشجار لعلهم يذكرون أي فلم ينتفعوا ولم يرعوا بل تمردوا واستمروا على كفرهم وعنادهم فإذا جاءتهم الحسنة والخصب ونحوه قالوا لنا هذه أي هذا الذي نستحقه وهذا الذي يليق بنا وان تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه أي يقولون هذا بشؤمهم أصابنا هذا ولا يقولون في الأول انه بركتهم وحسن مجاورتهم ولكن
قلوبهم منكرة مستكبرة نافرة عن الحق إذا جاء الشر أسندوه إليه وإن رأوا خيرا ادعوه لأنفسهم قال الله تعالى ألا إنما طائرهم عند الله أي الله يجزيهم على هذا أوفر الجزاء ولكن أكثرهم لا يعلمون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين أي مهما جئتنا به من الآيات وهي الخوارق للعادات فلسنا نؤمن بك ولا نتبعك ولا نطيعك ولو جئتنا بكل آية وهكذا أخبر الله عنهم في قوله إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم قال الله تعالى فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين أما الطوفان فعن ابن عباس هو كثرة الأمطار المتلفة للزروع والثمار وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والسدي والضحاك وعن ابن عباس وعطاء هو كثرة الموت وقال مجاهد الطوفان الماء والطاعون على كل حال وعن ابن عباس أمر طاف بهم وقد روى ابن جرير وابن مردويه من طريق يحيى بن يمان عن المنهال بن خليفة عن الحجاج عن الحكم بن مينا عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم الطوفان الموت وهو غريب وأما الجراد فمعروف وقد روى أبو داود عن أبي عثمان عن سلمان الفارسي قال سئل رسول الله عن الجراد فقال أكثر جنود الله لا آكله ولا أحرمه وترك النبي صلى الله عليه وسلم أكله إنما هو على وجه التقذر له كما ترك أكل الضـب وتنزه عن أكل البصل والثوم والكراث لما ثبت في الصحيحين عن عبدالله بن أبي أوفى قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد وقد تكلمنا على ما ورد فيه من الأحاديث والآثار في التفسير والمقصود أنه استاق خضراءهم فلم يترك لهم زرعا ولا ثمارا ولا سبدا ولا لبدا وأما القمل فعن ابن عباس هو السوس الذي يخرج من الحطنة وعنه أنه الجراد الصغار الذي لا أجنحة له وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة وقال سعيد بن جبير والحسن هو دواب سود صغار وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم هي البراغيث وحكى ابن جرير عن أهل العربية أنها الحمنان وهو صغار القردان فرق القمقامة فدخل معهم البيوت والفرش فلم يقر لهم قرار ولم يمكنهم معه الغمض ولا العيش وفسره عطاء بن السائب بهذا القمل المعروف وقرأها الحسن البصري كذلك بالتخفيف وأما الضفادع فمعروفة لبستهم حتى كانت تسقط في أطعماتهم وأوانيهم حتى إن أحدهم إذا فتح فمه لطعام أو شراب سقطت في فيه ضفدعة من تلك الضفادع وأما الدم فكان قد مزج ماؤهم كله به فلا يستقون من النيل شيئا إلا وجدوه دما عبيطا ولا من نهر ولا بئر ولا شيء إلا كان دما في الساعة الراهنة هذا كله لم ينل بني إسرائيل من ذلك شيء بالكلية وهذا من تمام المجزة الباهرة والحجة القاطعة أن هذا كله يحصل لهم من فعل موسى عليه السلام فينالهم عن آخرهم ولا يحل هذا لأحد من بني إسرائيل وفي هذا أدل دليل قال محمد بن اسحق فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبا مفلولا ثم أبى إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر
وتابع الله عليه بالآيات فأخذه بالسنين فأرسل عليه الطوفان ثم الجراد ثم القمل ثم الضفادع ثم الدم آيات مفصلات فأرسل الطوفان وهو الماء ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يخرجوا ولا أن يعملوا شيئا حتى جهدوا جوعا فلما بلغهم ذلك قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فدعا موسى ربه فكشفه عنهم فلما لم يفوا له بشيء فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني حتى أن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم فقالوا مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا له بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم القمل فذكر لي أن موسى عليه السلام أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قملا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا له فدعا ربه فكشف عنهم فلما لم يفوا له بشيء مما قالوا أرسل الله عليهم الضفادع فملأت البيوت والأطعمة والآنية فلم يكشف أحد ثوبا ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع قد غلب عليه فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفوا بشيء مما قالوا فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دما لا يستقون من بئر ولا نهر يغترفون من إناء إلا عاد دما عبيطا وقال زيد بن أسلم المراد بالدم الرعاف رواه ابن أبي حاتم قال الله تعالى ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى أدع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين
يخبر تعالى عن كفرهم وعتوهم واستمرارهم على الضلال والجهل والاستكبار عن اتباع آيات الله وتصديق رسوله مع ما أيد به من الآيات العظيمة الباهرة والحجج البليغة القاهرة التي أراهم الله إياها عيانا وجعلها عليهم دليلا وبرهانا وكلما شاهدوا آية وعاينوها وجهدهم وأضنكهم حلفوا وعاهدوا موسى لئن كشف عنهم هذه ليؤمنن به وليرسلن معه من هو من حزبه فكلما رفعت عنهم تلك الآية عادوا إلى شر مما كانوا عليه وأعرضوا عما جاءهم به من الحق ولم يلتفتوا إليه فيرسل الله عليهم آية أخرى هي أشد مما كانت قبلها وأقوى فيقولون فيكذبون ويعدون ولا يفون لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فيكشف عنهم ذلك العذاب الوبيل ثم يعودون إلى جهلهم العريض الطويل هذا والعظيم الحليم القدير ينظرهم ولا يعجل عليهم ويؤخرهم ويتقدم بالوعيد اليهم ثم أخذهم بعد إقامة الحجة عليهم والانذار اليهم أخذ عزيز مقتدر فجعلهم عبرة ونكالا وسلفا لمن أشبههم من الكافرين ومثلا لمن اتعظ بهم من عباده المؤمنين كما قال تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين في سورة حم والكتاب المبين ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه فقال إني رسول رب العالمين فلما جاءهم بآياتنا إذا
هم منها يضحكون وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين
يذكر تعالى إرساله عبده الكليم الكريم إلى فرعون الخسيس اللئيم وأنه تعالى أيد رسوله بآيات بينات واضحات تستحق أن تقابل بالتعظيم والتصديق وأن يرتدعوا عما هم فيه من الكفر ويرجعوا إلى الحق والصراط المستقيم فإذا هم منها يضحكون وبها يستهزئون وعن سبيل الله يصدون وعن الحق يصدون فأرسل الله عليهم الآيات تتري يتبع بعضها بعضا وكل آية أكبر من التي تتلوها لأن التوكيد أبلغ مما قبله وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون لم يكن لفظ الساحر في زمنهم نقصا ولا عيبا لأن علماءهم في ذلك الوقت هم السحرة ولهذا خاطبوه به في حال احتياجهم إليه وضراعتهم لديه قال الله تعالى فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ يتنقص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه لا يكاد يبين يعني كلامه بسبب ما كان في لسانه من بقية تلك اللثغة التي هي شرف له وكمال وجمال ولم تكن مانعة له أن كلمه الله تعالى وأوحى إليه وأنزل بعد ذلك التوراة عليه وتنقصه فرعون لعنه الله بكونه لا أساور في بدنه ولا زينة عليه وإنما ذلك من حلية النساء لا يليق بشهامة الرجال فكيف بالرسل الذين هم أكمل عقلا وأتم معرفة وأعلى همة وأزهد في الدنيا وأعلم بما أعد الله لأوليائه في الأخرى وقوله أو جاء معه الملائكة مقترنين لا يحتاج الأمر إلى ذلك إن كان المراد أن تعظمه الملائكة فالملائكة يعظمون ويتواضعون لمن هو دون موسى عليه السلام بكثير كما جاء في الحديث إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضي بما يصنع فكيف يكون تواضعهم وتعظيمهم لموسى الكليم عليه الصلاة والتسليم والتكريم وان كان المراد شهادتهم له بالرسالة فقد أيد من المعجزات بما يدل قطعا لذوي الألباب ولمن قصد إلى الحق والصواب ويعمى عما جاء به من البينات والحجج الواضحات من نظر إلى القشور وترك لب اللباب وطبع على قلبه رب الأرباب وختم عليه بما فيه من الشك والارتياب كما هو حال فرعون القبطي العمي الكذاب قال الله تعالى فاستخف قومه فأطاعوه أي استخف عفو لهم ودرجهم من حال إلى حال إلى أن صدقوه في دعواه الربوبية لعنه الله وقبحهم إنهم كانوا قوما فاسقين
فلما آسفونا أي أغضبونا انتقمنا منهم أي بالغرق والإهانة وسلب العز والتبدل بالذل وبالعذاب بعد النعمة والهوان بعد الرفاهية والنار بعد طيب العيش عياذا بالله العظيم وسلطانه القديم من ذلك فجعلناهم سلفا أي لمن اتبعهم في الصفات ومثلا أي لمن اتعظ بهم وخاف من وبيل مصرعهم ممن بلغه جليه خبرهم وما كان من أمرهم كما قال الله تعالى فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أطلع إلى اله موسى وإني لأظنه من الكاذبين واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لايرجعون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين يخبر تعالى أنهم لما استكبروا عن اتباع الحق وادعى ملكهم الباطل ووافقوه عليه وأطاعوه فيه اشتد غضب الرب القدير العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع عليهم فانتقم منهم أشد الانتقام وأغرقه هو وجنوده في صبيحة واحدة فلم يفلت منهم أحد ولم يبق منهم ديار بل كان قد غرق فدخل النار وأتبعوا في هذه الدار لعنة بين العالمين ويوم القيمة بئس الرفد المرفود ولم القيمة هم من المقبوحين
*2* هلاك فرعون وجنوده
@ لما تمادى قبط مصر على كفرهم وعتوهم وعنادهم متابعة لملكهم فرعون ومخالفة لنبي الله ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام وأقام الله على أهل مصر الحجج العظيمة القاهرة وأراهم من خوارق العادات ما بهر الأبصار وحير العقول وهم مع ذلك لا يرعون ولا ينتهون ولا ينزعون ولا يرجعون ولم يؤمن منهم إلا القليل قيل ثلاثة وهم امرأة فرعون ولا علم لأهل الكتاب بخبرها ومؤمن آل فرعون الذي تقدم حكاية موعظته ومشورته وحجته عليهم والرجل الناصح الذي جاء يسعى من أقصى المدينة فقال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين قاله ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه ومراده غير السحرة فإنهم كانوا من القبط وقيل بل آمن طائفة من القبط من قوم فرعون والسحرة كلهم وجميع شعب بني إسرائيل ويدل على هذا قوله تعالى فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين فالضمير في قوله إلا ذرية من قومه عائد على فرعون لأن السياق يدل عليه وقيل على موسى لقربه والأول أظهر كما هو مقرر في التفسير وإيمانهم كان خفية لمخافتهم من فرعون وسطوته
وجبروته وسلطته ومن ملائهم أن ينموا عليهم إليه فيفتنهم عن دينهم قال الله تعالى مخبرا عن فرعون وكفى بالله شهيدا وإن فرعون لعال في الأرض أي جبار عنيد مستعل بغير الحق وإنه لمن المسرفين أي في جميع أموره وشئونه وأحواله ولكنه جرثومة قد حان إنجعافها وثمرة خبيثة قد آن قطافها ومهجة ملعونة قد حتم اتلافها وعند ذلك قال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين يأمرهم بالتوكل على الله والاستعانة به والالتجاء إليه فأتمروا بذلك فجعل الله لهم مما كانوا فيه فرجا ومخرجا وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين أوحى الله تعالى إلى موسى وأخيه هارون عليهما السلام أن يتخذوا لقومهما بيوتا متميزة فيما بينهم عن بيوت القبط ليكونوا على أهبة في الرحيل إذا أمروا به ليعرف بعضهم بيوت بعض وقوله واجعلوا بيوتكم قبلة قيل مساجد وقيل معناه كثرة الصلاة فيها قاله مجاهد وأبو مالك وإبراهيم النخعي والربيع والضحاك وزيد بن أسلم وابنه عبدالرحمن وغيرهم ومعناه على هذا الاستعانة على ما هم فيه من الضر والشدة والضيق بكثرة الصلاة كما قال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى وقيل معناه أنهم لم يكونوا حينئذ يقدرون على إظهار عبادتهم في مجتمعاتهم ومعابدهم فأمروا أن يصلوا في بيوتهم عوضا عما فاتهم من إظهار شعار الدين الحق في ذلك الزمان الذي اقتضى حالهم اخفاءه خوفا من فرعون وملائه والمعنى الأول أقوى لقوله وبشر المؤمنين وإن كان لا ينافي الثاني أيضا والله أعلم وقال سعيد بن جبير واجعلوا بيوتكم قبلة أي متقابلة وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون هذه دعوة عظيمة دعا بها كليم الله موسى على عدو الله فرعون غضبا لله عليه لتكبره عن اتباع الحق وصده عن سبيل الله ومعاندته وعتوه وتمرده واستمراره على الباطل ومكابرته الحق الواضح الجلي الحسي والمعنوي والبرهان القطعي فقال ربنا إنك آتيت فرعون وملأه يعني قومه من القبط ومن كان على ملته ودان بدينه زينة وأمولا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك أي وهذا يغتر به من يعظم أمر الدنيا فيحسب الجاهل أنهم على شيء لكون هذه الأموال وهذه الزينة من اللباس والمراكب الحسنة الهنية والدور الأنيقة والقصور المبنية والمآكل الشهية والمناظر البهية والملك العزيز والتمكين والجاه العريض في الدنيا لا الدين ربنا اطمس على أموالهم قال ابن عباس ومجاهد أي أهلكها وقال أبو العالية والربيع بن أنس والضحاك اجعلها حجارة منقوشة كهيئة ما كانت وقال قتادة بلغنا أن زروعهم صارت حجارة وقال محمد بن كعب جعل سكرهم حجارة وقال أيضا صارت
أموالهم كلها حجارة ذكر ذلك لعمر بن عبدالعزيز فقال عمر بن عبدالعزيز لغلام له قم ايتني بكيس فجاءه بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة رواه ابن أبي حاتم وقوله واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال ابن عباس أي اطبع عليها وهذه دعوة غضب لله تعالى ولدينه ولبراهينه فاستجاب الله تعالى لها وحققها وتقبلها كما استجاب لنوح في قومه حيث قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ولهذا قال تعالى مخاطبا لموسى حين دعا على فرعون وملائه وأمن أخوه هارون على دعائه فنزل ذلك منزلة الداعي أيضا قال قد أجبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب استأذن بنو إسرائيل فرعون في الخروج إلى عيد لهم فأذن لهم وهو كاره ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم وأمرهم الله تعالى فيما ذكره أهل الكتاب أن يستعيروا حليا منهم فأعاروهم شيئا كثيرا فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم طالبين بلاد الشام فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق واشتد غضبه عليهم وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوه ليلحقهم ويمحقهم قال الله تعالى وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي انكم متبعون فأرسل فرعون في المدائن حاشرين إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل فاتبعوهم مشرقين فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم قال علماء التفسير لما ركب فرعون في جنوده طالبا بني إسرائيل يقفو أثرهم كان في جيش كثيف عرمرم حتى قيل كان في خيوله مائة ألف فحل أدهم وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف فالله أعلم وقيل إن بني إسرائيل كانوا نحوا من ستمائة ألف مقاتل غير الذرية وكان بين خروجهم من مصر صحبة موسى عليه السلام ودخولهم إليها صحبة أبيهم إسرائيل أربعمائة سنة وستا وعشرين سنة شمسية
والمقصود أن فرعون لحقهم بالجنود فادركهم عند شروق الشمس وتراءى الجمعان ولم يبق ثم ريب ولا لبس وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه ولم يبق إلا المقاتلة والمجادلة والمحاماة فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون إنا لمدركون وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد الا سلوكه وخوضه وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة وفرعون قد غالقهم وواجههم وعاينوه في جنوده وجيوشه وعدده وهم منه في غاية
الخوف والذعر لما قاسوا في سلطانه من الإهانة والمنكر فشكوا إلى نبي الله ما هم فيه مما قد شاهدوه وعاينوه فقال لهم الرسول الصادق المصدوق كلا إن معي ربي سيهدين وكان في الساقة فتقدم إلى المقدمة ونظر إلى البحر وهو يتلاطم بأمواجه ويتزايد زبد اجاجه وهو يقول ههنا أمرت ومعه أخوه هرون ويوشع بن نون وهو يومئذ من سادات بني إسرائيل وعلمائهم وعبادهم الكبار وقد أوحى الله إليه وجعله نبيا بعد موسى وهرون عليهما السلام كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله ومعهم أيضا مؤمن آل فرعون وهم وقوف وبنو إسرائيل بكمالهم عليهم عكوف ويقال إن مؤمن آل فرعون جعل يقتحم بفرسه مرارا في البحر هل يمكن سلوكه فلا يمكن ويقول لموسى عليه السلام يا نبي الله أههنا أمرت فيقول نعم فلما تفاقم الأمر وضاق الحال واشتد الأمر واقترب فرعون وجنوده في جدهم وحدهم وحديدهم وغضبهم وحنقهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير رب العرش الكريم إلى موسى الكليم أن اضرب بعصاك البحر فلما ضربه يقال إنه قال له انفلق بإذن الله ويقال إنه كناه بأبي خلد فالله أعلم قال الله تعالى فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ويقال إنه انفلق اثنتي عشرة طريقا لكل سبط طريق يسيرون فيه حتى قيل إنه صار أيضا شبابيك ليرى بعضهم بعضا وفي هذا نظر لأن الماء جرم شفاف إذا كان من وارئه ضياء حكاه وهكذا كان ماء البحر قائما مثل الجبال مكفوفا بالقدرة العظيمة الصادرة من الذي يقول للشيء كن فيكون وأمر الله ريح الدبور فلقحت حال البحر فاذهبته حتى صار يابسا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب قال الله تعالى ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى فاتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى
والمقصود أنه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الرب العظيم الشديد المحال أمر موسى عليه السلام أن يجوزه ببني إسرائيل فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحير الناظرين ويهدي قلوب المؤمنين فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه كان ذلك عند قدوم أول جيش فرعون إليه ووفودهم عليه فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه ولا سبيل عليه فأمره القدير ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال وهو الصادق في المقال ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلى عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ولقد
نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ولقد اخترناهم على علم على العالمين وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين فقوله تعالى وأترك البحر رهوا أي ساكنا على هيئته لا تغيره عن هذه الصفة قاله عبدالله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم فلما تركه على هيئته وحالته وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين هاله هذا المنظر العظيم وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش الكريم فأحجم ولم يتقدم وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم لكنه أظهر لجنوده تجلدا وعاملهم معاملة العدا وحملته النفس الكافرة والسجية الفاجرة على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه وعلى باطله تابعوه أنظروا كيف انحسر البحر لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي الخارجين عن طاعتي وبلدي وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم ويرجو أن ينجو وهيهات ويقدم تارة ويحجم تارات فذكروا أن جبريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حايل فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله فحمحم اليها وأقبل عليها وأسرع جبريل بين يديه فاقتحم البحر واستبق الجواد وقد أجاد فبادر مسرعا هذا وفرعون لا يملك من نفسه ضرا ولا نفعا فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين حتى هم أولهم بالخروج منه فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه فضربه فارتد عليهم البحر كما كان فلم ينج منهم إنسان قال الله تعالى وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم أي في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد واغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحد آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة وصدق رسوله فيما جاء به عن ربه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة وقال تعالى وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتبعم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وأن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كفرة القبط وأنه لما جعلت الأمواج تخفضه تارة وترفعه أخرى وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحل الله به وبهم من البأس العظيم والخطب الجسيم ليكون أقر لأعين بني إسرائيل وأشفى لنفوسهم فلما عاين فرعون الهلكة وأحيط به وباشر سكرات الموت أناب حينئذ وتاب وآمن حين لا ينفع نفسا إيمانها كما قال تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم وقال تعالى فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأو بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون وهكذا دعا
موسى على فرعون وملائه أن يطمس على أموالهم ويشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أي حين لا ينفعهم ذلك ويكون حسرة عليهم وقد قال تعالى لهما أي لموسى وهرون حين دعوا بهذا قد أجيبت دعوتكما فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هرون عليهما السلام ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال فرعون آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل قال قال لي جبريل لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسسته في فيه مخافة أن تناله الرحمة ورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم عند هذه الآية من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حديث حسن وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن يناله الرحمة ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة وقال الترمذي حسن غريب صحيح وأشار ابن جرير في رواية إلى وقفه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن عمر بن عبدالله بن يعلى الثقفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أغرق الله فرعون أشار بإصبعه ورفع صوته آمنت أنه لا إله إلاالذي آمنت به بنو إسرائيل قال فخاف جبريل أن تسبق رحمة الله فيه غضبه فجعل يأخذ الحال بجناحيه فيضرب به وجهه فيرمسه ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان وليس بمعروف وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال لي جبريل يا محمد لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركه رحمة الله فيغفر له يعني فرعون وقد أرسله غير واحد من السلف كإبراهيم التيمي وقتادة وميمون بن مهران ويقال إن الضحاك بن قيس خطب به الناس وفي بعض الروايات إن جبريل قال ما بغضت أحدا بغضي لفرعون حين قال أنا ربكم الأعلى ولقد جعلت أدس في فيه الطين حين قال ما قال وقوله تعالى آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين استفهام إنكار ونص على عدم قبوله تعالى منه ذلك لأنه والله أعلم لو رد إلى الدنيا كما كان لعاد إلى ما كان عليه كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عاينوا النار وشاهدوها أنهم يقولون يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين قال الله بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهو عنه وإنهم لكاذبون وقوله فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية قال ابن عباس وغير واحد شك بعض بني إسرائيل في موت فرعون حتى قال بعضهم إنه لا يموت فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع قيل على وجه الماء وقيل على نجوة من الأرض وعليه درعه التي يعرفونها من ملابسه ليتحققوا بذلك هلاكه ويعلموا قدرة الله عليه ولهذا قال فاليوم ننجيك ببدنك



يتبع

اخت مسلمة
04-11-2009, 12:50 AM
أي

مصاحبا درعك المعروفة بك لتكون أي أنت آية لمن خلفك أي من بني إسرائيل دليلا على قدرة الله الذي أهلكه ولهذا قرأ بعض السلف لتكون لمن خلقك آية ويحتمل أن يكون المراد ننجيك مصاحبا لتكون درعك علامة لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وإنك هلكت والله أعلم وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء كما قال الإمام البخاري في صحيحه حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء فقالوا هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون قال النبي صلى الله عليه وسلم أنتم أحق بموسى منهم فصوموا وأصل هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما والله أعلم
*2* أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
@ قال الله تعالى فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتو على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم وكيف سلبهم عزهم ومالهم وأنفسهم وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم كما قال كذلك وأورثناها بني إسرائيل وقال ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين وقال ههنا وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون أي أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزهم العزيز العريض في الدنيا وهلك الملك وحاشيته وأمراؤه وجنوده ولم يبق ببلد مصر سوى العامة والرعايا فذكر ابن عبدالحكم في تاريخ مصر أنه من ذلك الزمان تسلط نساء مصر على رجالها بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجن بمن دونهن من العامة فكانت لهن السطوة عليهم واستمرت هذه سنة نساء مصر إلى يومك هذا
وعند أهل الكتاب أن بني إسرائيل لما أمروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أو سنتهم وأمروا أن يذبح كل أهل بيت حملا من الغنم فإن كانوا لا يحتاجون إلى حمل فليشترك الجار وجاره فيه
فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلونه مطبوخا ولكن مشويا برأسه وأكارعه وبطنه ولا يبقوا منه شيئا ولا يكثروا له عظما ولا يخرجوا منه شيئا إلى خارج بيوتهم وليكن خبزهم فطيرا سبعة أيام ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأول من سنتهم وكان ذلك في فصل الربيع فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودة وخفافهم في أرجلهم وعصيهم في أيديهم وليأكلوا بسرعة قياما ومهما فضل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار وشرع لهم هذا عيدا لأعقابهم ما دامت التوراة معمولا بها فإذا نسخت بطل شرعها وقد وقع قالوا وقتل الله عز وجل في تلك الليلة أبكار القبط وأبكار دوابهم ليشتغلوا عنهم وخرج بنو إسرائيل حين انتصف النهار وأهل مصر في مناحة عظيمة على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم ليس من بيت الا وفيه عويل وحين جاء الوحي إلى موسى خرجوا مسرعين فحملوا العجين قبل اختماره وحملوا الأزواد في الأردية والقوها على عواتقهم وكانوا قد استعاروا من أهل مصر حليا كثيرا فخرجوا وهم ستمائة ألف رجل سوى الذراري بما معهم من الأنعام وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمائة سنة وثلاثين سنة هذا نص كتابهم وهذه السنة عندهم تسمى سنة الفسخ وهذا العيد عيد الفسخ ولهم عيد الفطير وعيد الحمل وهو أول السنة وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم منصوص عليها في كتابهم ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف عليه السلام وخرجوا على طريق بحر سوف وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم فيه عامود نور وبالليل أمامهم عامود نار فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر فنزلوا هنالك وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطىء اليم فقلق كثير من بني إسرائيل حتى قال قائلهم كان بقاؤنا بمصر أحب إلينا من الموت بهذه البرية وقال موسى عليه السلام لمن قال هذه المقالة لا تخشوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا قالوا وأمر الله موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه ليدخل بنو إسرائيل في البحر واليبس وصار الماء من ههنا وههنا كالجبلين وصار وسطه يبسا لأن الله سلط عليه ريح الجنوب والسموم فجاز بنو إسرائيل البحر واتبعهم فرعون وجنوده فلما توسطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم والله أعلم قالوا ولما أغرق الله فرعون وجنوده حينئذ سبح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للرب وقالوا نسبح الرب البهي الذي قهر الجنود ونبذ فرسانها في البحر المنيع المحمود وهو تسبيح طويل قالوا وأخذت مريم النبية أخت هارون دفا بيدها وخرج النساء في أثرها كلهن بدفوف وطبول وجعلت مريم ترتل لهن وتقول سبحان الرب القهار الذي قهر الخيول وركبانها إلقاء في البحر هكذا رأيته في كتابهم
ولعل هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القرظي على زعمه أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هرون وموسى مع قوله يا أخت هرون وقد بينا غلطه في ذلك وان هذا لا يمكن أن يقال ولم يتابعه أحد عليه بل كل واحد خالفه فيه ولو قدر أن هذا محفوظ فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهرون عليهما السلام وأم عيسى عليها السلام وافقتها في الأسم واسم الأب واسم الأخ لأنهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة لما سأله أهل نجران عن قوله يا أخت هرون فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أما علمت أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم رواه مسلم وقولهم النبية كما يقال للمرأة من بيت الملك ملكة ومن بيت الإمرة أميرة وإن لم تكن مباشرة شيئا من ذلك فكذا هذه استعارة لها لا أنها نبية حقيقة يوحى إليها وضربها بالدف في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليل على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدف في العيد
وهذا مشروع لنا أيضا في حق النساء لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة يضربان بالدف في أيام منى ورسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجع مولي ظهره اليهم ووجهه إلى الحائط فلما دخل أبو بكر زجرهن وقال ابمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعهن يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا وهكذا يشرع عندنا في الأعراس ولقدوم الغياب كما هو مقرر في موضعه والله أعلم وذكروا أنهم لما جاوزوا البحر وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماء فتكلم من تكلم منهم بسبب ذلك فوجدوا ماء زعاقا أجاجا لم يستطيعوا شربه فأمر الله موسى فأخذ خشبة فوضعها فيه فحلا وساغ شربه وعلمه الرب هنالك فرائض وسننا ووصاه وصايا كثيرة وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب
وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قالوا هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلهم على صدق ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام وذلك أنهم مروا على قوم يعبدون أصناما قيل كانت على صور البقر فكأنهم سألوهم لم يعبدونها فزعموا لهم أنها تنفعهم وتضرهم ويسترزقون بها عند الضرورات فكأن بعض الجهال منهم صدقوهم في ذلك فسألوا نبيهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة فقال لهم مبينا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون إن هؤلاء متبر ما فيه وباطل ما كانوا يعملون ثم ذكرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إياهم على عالمي زمانهم بالعلم والشرع والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به اليهم وما امتن به عليهم من انجائهم من قبضة فرعون الجبار العنيد وإهلاكه إياه وهم ينظرون وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملاؤه يجمعونه من الاموال والسعادة وما كانوا يعرشون وبين لهم أنه لا تصلح العبادة الا لله وحده لا شريك له لأنه الخالق الرازق القهار وليس كل بني إسرائيل سأل هذا السؤال بل هذا الضمير عائد على الجنس في قوله وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة أي قال بعضهم كما في قوله وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا فالذين زعموا هذا بعض الناس لا كلهم وقد قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة انكم تركبون سنن الذين من قبلكم ورواه النسائي عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق به ورواه الترمذي عن سعيد بن عبدالرحمن المخزومي عن سفيان بن عيينة عن الزهري به ثم قال حسن صحيح وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن اسحق ومعمر وعقيل عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة قال فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون والمقصود أن موسى عليه السلام لما انفصل من بلاد مصر وواجه بلاد بيت المقدس وجد فيها قوما من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم فأمرهم موسى عليه السلام بالدخول عليهم ومقاتلتهم واجلائهم اياهم عن بيت المقدس فإن الله كتبه لهم ووعدهم إياه على لسان إبراهيم الخليل أو موسى الكليم الجليل فأبوا ونكلوا عن الجهاد فسلط الله عليهم الخوف والقاهم في التيه يسيرون ويحلون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدة من السنين طويلة هي من العدد أربعون كما قال الله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فانا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال فانها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين يذكرهم نبي الله نعمة الله عليهم احسانه عليهم بالنعم الدينية والدنيوية ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم أي تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا على قتال أعدائكم
فتنقلبوا خاسرين أي فتخسروا بعد الربح وتنقصوا بعد الكمال قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين أي عتاة كفرة متمردين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا فإنا داخلون خافوا من هؤلاء الجبارين وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسا وأكثر جمعا وأعظم جندا وهذا يدل على أنهم ملومون في هذه المقالة ومذمومون على هذه الحالة من الذلة عن مصاولة الاعداء ومقاومة المردة الأشقياء
وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا آثارا فيها مجازفات كثيرة باطلة يدل العقل والنقل على خلافها من أنهم كانوا أشكالا هائلة ضخاما جدا حتى إنهم ذكروا أن رسل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقاهم رجل من رسل الجبارين فجعل يأخذهم واحدا واحدا ويلفهم في أكمامه وحجزة سراويله وهم إثنا عشر رجلا فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبارين فقال ما هؤلاء ولم يعرف أنهم من بني آدم حتى عرفوه وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها وأن الملك بعث معهم عنبا كل عنبة تكفي الرجل وشيئا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم وهذا ليس بصحيح وذكروا ههنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع هكذا ذكره البغوي وغيره وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن قالوا فعمد عوج إلى قمة جبل فاقتلعها ثم أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها صارت طوقا في عنق عوج بن عنق ثم عمد موسى إليه فوثب في الهواء عشرة أذرع وطوله عشرة أذرع وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع فوصل إلى كعب قدمه فقتله يروى هذا عن عوف البكالي ونقله ابن جرير عن ابن عباس وفي إسناده إليه نظر ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل فإن الأخبار الكذبة قد كثرت عندهم ولا تميز لهم بين صحتها وباطلها ثم لو كان هذا صحيحا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم وقد ذمهم الله على نكولهم وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالاقدام ونهياهم عن الاحجام ويقال إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أنس وغير واحد قال رجلان من الذين يخافون أي يخافون الله وقرأ بعضهم يخافون أي يهابون أنعم الله عليهما أي بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين أي إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوكم وأيدكم عليهم وأظفركم بهم قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون فصمم ملاؤهم علىالنكول عن الجهاد ووقع أمر عظيم ووهن كبير فيقال إن يوشع وكالب لما سمعا هذا
الكلام شقا ثيابهما وإن موسى وهرون سجدا إعظاما لهذا الكلام وغضبا لله عز وجل وشفقة عليهم من وبيل هذه المقالة قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين قال ابن عباس اقض بيني وبينهم قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرص فلا تأس على القوم الفاسقين عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض يسيروا إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء ويقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب عليهما السلام لكن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى بل لما استشارهم في الذهاب إلى النفير تكلم الصديق فأحسن وغيره من المهاجرين ثم جعل يقول أشيروا علي حتى قال سعد بن معاذ كأنك تعرض بنا يا رسول الله فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن يلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وبسطه ذلك وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن مخارق بن عبدالله الأحمسي عن طارق هو ابن شهاب أن المقداد قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون وهذا إسناد جيد من هذا الوجه وله طرق أخرى قال أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال قال عبدالله بن مسعود لقد شهدت من المقداد مشهدا لأن أكون أنا صاحبه أحب إلى مما عدل به أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين قال والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكنا نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك رواه البخاري في التفسير والمغازي من طرق عن مخارق به وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه حدثنا علي بن الحسن بن علي حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاري حدثنا حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر استشار المسلمين فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقالت الأنصار يا معشر الأنصار إياكم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إذا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون والذي بعثك بالحق إن ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك رواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد عن حميد الطويل عن أنس به ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن خالد بن الحارث عن حميد عن أنس به نحوه وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى عن عبدالأعلى بن حماد عن معتمر عن حميد عن أنس به نحوه
*2* دخول بني إسرائيل التيه وما فيه من الأمور العجيبة
@ قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبارين وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه وحكم بأنهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنة ولم أر في كتاب أهل الكتاب قصة نكولهم عن قتال الجبارين ولكن فيها أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفة من الكفار وأن موسى وهرون وخور جلسوا على رأس أكمة ورفع موسى عصاه فكلما رفعها انتصر يوشع عليهم وكلما مالت يده بها من تعب أو نحوه غلبهم أولئك وجعل هرون وخور يدعمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس فانتصر حزب يوشع عليه السلام وعندهم أن يثرون كلهن مدين وختن موسى عليه السلام بلغه ما كان من أمر موسى وكيف أظفره الله بعدوه فرعون فقدم على موسى مسلما ومعه ابنته صفورا زوجة موسى وابناها منه جرشون وعازر فتلقاه موسى وأكرمه واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظموه وأجلوه وذكروا أنه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالا أمناء أتقياء أعفاء يبغضون الرشاء والخيانة فيجعلهم على الناس رؤس ألوف ورؤس مئين ورؤس خمسين ورؤس عشرة فيقضوا بين الناس فإذا أشكل عليهم أمر جاؤك ففصلت بينهم ما أشكل عليهم ففعل ذلك موسى عليه السلام قالوا ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر وكان خروجهم في أول السنة التي شرعت لهم وهي أول فصل الربيع فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم قالوا ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصعد موسى الجبل فكلمه ربه وأمره أن يذكر بني إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من أنجائه إياهم من فرعون وقومه وكيف حملهم على مثل جناحي نسر من يده وقبضته وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابهم وليستعدوا إلى اليوم الثالث فإذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ولا يقتربن أحد منهم إليه فمن دنا منه قتل حتى ولا شيء من البهائم ما داموا يسمعون صوت القرن فإذا سكن القرن فقد حل لكم أن ترتقوه فسمع بنو إسرائيل ذلك وأطاعوا واغتسلوا وتنظفوا وتطيبوا فلما كان اليوم الثالث ركب الجبل غمامة عظيمة وفيها أصوات وبروق وصوت الصور شديد جدا ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعا شديدا وخرجوا فقاموا في سفح الجبل وغشى الجبل دخان عظيم في وسطه عمود نور وتزلزل الجبل كله زلزلة شديدة واستمر صوت الصور وهو البوق واشتد وموسى عليه السلام فوق الجبل والله يكلمه ويناجيه وأمر الرب عز وجل موسى أن ينزل فأمر بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصية الله ويأمر الاحبار وهم علمائهم أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليقدموا بالقرب وهذا نص في كتابهم على وقوع
النسخ لا محالة فقال موسى يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه وقد نهيتهم عن ذلك فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بأخيه هرون وليكن الكهنة وهم العلماء والشعب وهم بقية بني إسرائيل غير بعيد ففعل موسى وكلمه ربه عز وجل فأمره حينئذ بالعشر كلمات
وعندهم أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله ولكن لم يفهموا حتى فهمهم موسى وجعلوا يقولون لموسى بلغنا أنت عن الرب عز وجل فانا نخاف أن نموت فبلغهم عنه فقال هذه العشر الكلمات وهي الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن الحلف بالله كاذبا والأمر بالمحافظة على السبت ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السبت أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض الذي يعطيك الله ربك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على صاحبك شهادة زور لا تمد عينك إلى بيت صاحبك ولا تشته امرأة صاحبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا من الذي لصاحبك ومعناه النهي عن الحسد وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن وهما قوله تعالى في سورة الأنعام قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربي وبعهد الله أوفوا ذلك وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه الآية وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة وأحكاما متفرقة عزيزة كانت فزالت وعملت بها حينا من الدهر ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ثم عمدوا إليها فبدلوها وحرفوها وأولوها ثم بعد ذلك كله سلبوها فصارت منسوخة مبدلة بعد ما كانت مشروعة مكملة فلله الأمر من قبل ومن بعد وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد الا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين وقد قال الله تعالى يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى يذكر تعالى منته وإحسانه إلى بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم إلى جانب الطور الأيمن أي منهم لينزل عليه أحكاما عظيمة فيها مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع منا من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد ومن أخذ منه قليلا كفاه أو كثيرا لم يفضل عنه فيصنعون منه مثل الخبز وهو
في غاية البياض والحلاوة فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقتنصون منه بلا كلفة ما يحتاجون إليه حسب كفايتهم لعشاهم وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام وهو السحاب الذي يستر عنهم حر الشمس وضوأها الباهر كما قال تعالى في سورة البقرة يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون إلى أن قال وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوي كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون إلى أن قال وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فذكر تعالى إنعامه عليهم وإحسانه إليهم بما يسر لهم من المن والسلوى طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعي لهم فيه بل ينزل الله المن باكرا ويرسل عليهم طير السلوى عشيا وأنبع الماء لهم بضرب موسى عليه السلام حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين منه تنبجس ثم تنفجر ماءا زلالا فيستقون ويسقون دولبهم ويدخرون كفايتهم وظلل عليهم الغمام من الحر وهذه نعم من الله عظيمة وعطيات جسيمة فما رعوها حق رعايتها ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها ثم ضجر كثير منها وتبرموا بها وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلا أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها وإذا هبطتم إليها أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها تجدوا بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية
والأغذية الردية ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك ههنا ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه كما قال تعالى ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار وقد حل عليه غضب الملك الجبار ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد فقال وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
*2* سؤال الرؤية
@ قال الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة واتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هرون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وأن يرو سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون الا ما كانوا يعملون قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله واتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر وفي مثله أكمل الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم دينه وأقام حجته وبراهينه والمقصود أن موسى عليه السلام لما استكمل الميقات وكان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه فأمر الله أن يمسك عشرا أخرى فصارت أربعين ليلة ولهذا ثبت في الحديث أن خلو فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بني إسرائيل أخاه هرون المحبب المبجل الجليل وهو ابن أمه وأبيه ووزيره في الدعوة إلى مصطفيه فوصاه وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة قال الله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا أي في الوقت الذي أمر بالمجىء فيه وكلمه ربه أي كمله الله من وراء حجاب الا أنه أسمعه الخطاب فناداه وناجاه وقربه وأدناه وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ومنصب شريف ومنزل منيف فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى ولما أعطى هذه المنزلة
العلية والمرتبة السنية وسمع الخطاب سأل رفع الحجاب فقال للعظيم الذي لا تدركه الأبصار القوى البرهان ربي أرني أنظر إليك قال لن تراني ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه تبارك وتعالى لأن الجبل الذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد ثباتا من الإنسان لا يثبت عند التجلي من الرحمان ولهذا قال ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال حجابه النور وفي رواية النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه وقال ابن عباس في قوله تعالى لا تدركه الأبصار ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء ولهذا قال تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال مجاهد ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فإنه أكبر منك وأشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال هكذا بإصبعه ووضع النبي صلى الله عليه وسلم الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل لفظ ابن جرير وقال السدي عن عكرمة وعن ابن عباس ما تجلى يعني من العظمة إلا قدر الخنصر فجعل الجبل دكا قال ترابا وخر موسى صعقا أي مغشيا عليه وقال قتادة ميتا والصحيح الأول لقوله فلما أفاق فإن الإفاقة إنما تكون عن غشي قال سبحانك تنزيه وتعظيم وإجلال إن يراه بعظمته أحد تبت إليك أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية وأنا أول المؤمنين أنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده وقد ثبت في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن ابي حسن المازني الأنصاري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخيروني من بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور لقظ البخاري وفي أوله قصة اليهودي الذي لطم وجهه الأنصاري حين قال لا والذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول الله لا تخيروني من بين الأنبياء وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبي سلمة وعبدالرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه لا تخيروني على موسى وذكر تمامه وهذا من باب الهضم والتواضع أو نهي عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية أو ليس هذا إليكم بل الله هو الذي رفع بعضهم فوق بعض درجات وليس ينال هذا بمجرد الرأي بل بالتوقيف ومن قال إن هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ثم نسخ باطلاعه على أفضليته
عليهم كلهم ففي قوله نظر لان هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخرا فيبعد أنه لم يعلم بهذا إلا بعد هذا والله اعلم ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه أفضل البشر بل الخليقة قال الله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس وما كملوا إلا بشرف نبيهم وثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون الذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون حتى أولو العزم إلا كملون نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وقوله صلى الله عليه وسلم فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش أي آخذا بها فلا أدري أفاق قبلي ام جوزي بصعقة الطور دليل على أن هذا الصعق الذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الأنبياء ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء فيجد موسى باطشا بقائمة العرش قال الصادق المصدوق لا أدري أصعق فأفاق قبلي أي كانت صعقته خفيقة لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق أو جوزي بصعقة الطور يعني فلم يصعق بالكلية وهذا شرف كبير لموسى عليه السلام من هذه الحيثية ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه ولهذا نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على شرفه وفضيلته بهذه الصفة لأن المسلم لما ضرب وجه اليهودي حين قال لا والذي اصطفى موسى على الشر قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى عليه السلام فبين النبي صلى الله عليه وسلم فضيلته وشرفه وقوله تعالى قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي أي في ذلك الزمان لا ما قبله لان إبراهيم الخليل أفضل منه كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ولا ما بعده لان محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما كما ظهر شرفه ليلة الإسراء على جميع المرسلين والأنبياء وكما ثبت أنه قال سأقوم مقاما يرغب إلى الخلق حتى إبراهيم وقوله تعالى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ولا تسأل زيادة عليه وكن من الشاكرين على ذلك قال الله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء وكانت الالواح من جوهر نفيس ففي الصحيح أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ عن الاثام وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام فخذها بقوة أي بعزم ونية صادقة قوية وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي يضعوها على أحسن وجوهها وأجمل محاملها سأريكم دار الفاسقين أي ستروا عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لامري المكذبين لرسلي سأصرف عن آياتي عن فهمها وتدبرها وتعقل معناها الذي أريد منها ودل عليه مقتضاها الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات لا ينقادوا لاتباعها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا أي لا يسلكوه ولا يتبعوه وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا أي صرفناهم
عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا وتغافلهم عنها وإعراضهم عن التصصديق بها والتفكر في معناها وترك العمل بمقتضاها والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون
*2* قصة عبادتهم العجل في غيبة موسى
@ قال الله تعالى واخذ قوم موسى من بعده مل حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم ورأو أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس اخيه يجره إليه قال يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وادخلنا في رحمتك وأنت ارحم الراحمين إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ولما سكت عن موسى الغضب اخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وقال تعالى وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فأنا قد فتنا قومك من بعدك واضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فاخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا حسدا له خوار فقالوا هذا إلهمكم وإلهكم موسى فنسي أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن أفعصيت أمري قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي قال فما خطبك يا سامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن لا تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى الهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما يذكر تعالى ما كان من امر بني إسرائيل حين ذهب موسى عليه السلام إلى ميقات ربه فمكث على الطور يناجيه ربه ويسأله موسى عليه السالم عن أشياء كثيرة وهو تعالى يجيبه عنها فعمد رجل منهم يقال له هرون السامري فأخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلا وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من اثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه فلما ألقاها فيه خار كما
افتراضي

بخور العجل الحقيقي ويقال إنه استحال عجلا جسدا أي لحما ودما حيا يخور قاله قتادة وغيره وقيل بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة فيرقصون حوله ويفرحون فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي أي فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلبه وهو ههنا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وتقدست أسماؤه وصفاته وتضاعفت آلاؤه وعداته قال الله تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا إليه وما عولوا عليه من الهية هذا الذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا وقال ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جوابا ولا يملك ضرا ولا نفعا ولا يهدي إلى رشد اتخذوه وهم ظالمون لانفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال ولما سقط في أيديهم أي ندموا على ما صنعوا ورأوا أنهم قد أضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين ولما رجع موسى عليه السلام إليهم ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ومعه الألواح المتضمنة التوراة القاها فيقال إنه كسرها وهكذا هو عند أهل الكتاب وإن الله أبدله غيرها وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك إلا أنه القاها حين عاين ما عاين وعند أهل الكتاب أنهما كانا لوحين وظاهر القرآن أنها الواح متعددة ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل فأمره بمعاينة ذلك ولهذا جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الخبر كالمعاينة ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا إليه بما ليس بصحيح قالوا إنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أهل حرب وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الذي له خوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار ثم أقبل على أخيه هرون عليهما السلام قائلا له يا هرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا أن لا تتبعن أي هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتني فاعلمتني بما فعلوا فقال إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل أي تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين وقد كان هرون عليه السلام نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهي وزجرهم عنه أتم الزجر قال الله تعالى ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به أي إنما قدر الله أمر هذا العجل وجعله يخور فتنة واختبارا لكم وإن ربكم الرحمن أي لا هذا فاتبعوني أي فيما أقول لكم وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى يشهد الله لهرون عليه السلام وكفى بالله شهيدا أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه ثم أقبل موسى على السامري قال ما خطبك يا سامري أي ما حملك على ما صنعت قال بصرت بما لم يبصروا به أي رأيت جبرائيل وهو راكب
فرسا فقبضت قبضة من أثر الرسول أي من أثر فرس جبريل وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكلما وطئت بحوافرها على موضع اخضر وأعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا معاقبة له على مسه مالم يكن له مسه هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال وإن لك موعدا لن تخلفه وقرىء لن نخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا قال فعمد موسى عليه السلام إلى هذا العجل فحرقه بالنار كما قاله قتادة وغيره وقيل بالمبارد كما قاله علي وابن عباس وغيرهما وهو نص أهل الكتاب ثم ذراه في البحر وأمر بني إسرائيل فشربوا فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه وقيل بل اصفرت ألوانهم ثم قال تعالى اخبارا عن موسى أنه قال لهم إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما وقال تعالى إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين وهكذا وقع وقد قال بعض السلف وكذلك نجزي المفترين مسجلة لكل صاحب بدعة إلى يوم القيمة ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب إليه بتوبته عليه فقال والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم لكم لم يقبل الله توبة عابدي العجل إلا بالقتل كما قال تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلك خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم فيقال إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف وألقى الله عليه ضبابا حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا ثم قال تعالى ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون استدل بعضهم بقوله وفي نسختها على انها تكسرت وفي هذا الاستدلال نظر وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت والله أعلم وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر وما هو ببعيد لأنهم حين خرجوا قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة
وهكذا عند أهل الكتاب فإن عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة
إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ذكر السدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بني اسرائيل ومعهم موسى وهرون ويوشع وناداب وابيهو ذهبوا مع موسى عليه السلام ليعتذروا عن بني إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع وصعد موسى الجبل فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين وحملوا عليه قوله تعالى وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون وليس هذا بلازم لقوله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله أي مبلغا وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا عن موسى عليه السلام وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله وهذا غلط منهم لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة كما قال تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون وقال ههنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي الآية قال محمد بن اسحق اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم أدنوا وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمر وينهاه افعل ولا تفعل فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل اليهم قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا فانا براء مما عملوا وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل وقوله إن هي إلا فتنتك أي اختبارك وابتلاؤك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف يعني أنت الذي قدرت هذا وخلقت ما كان من أمر العجل اختبارا تختبرهم
به كما قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به أي أختبرتم ولهذا قال تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أي من شئت أضللته باختبارك إياه ومن شئت هديته لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا اليك أي تبنا إليك ورجعنا وأنبنا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمي والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك في اللغة قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أخلقها وأقدرها ورحمتي وسعت كل شيء أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أخلقها وأقدرها ورحمتي وسعت كل شيء كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ان الله لما فرغ من خلق السموات والأرض كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش ان رحمتي تغلب غضبي فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون أي فسأوحيها حتما لمن يتصف بهذه الصفات الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الآية وهذا فيه تنويه بذكر محمد صلى الله عليه وسلم وامته من الله لموسى عليه السلام في جملة ما ناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في التفسير بما فيه كفاية ومقنع ولله الحمد والمنة وقال قتادة قال موسى يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها وكان من قبلهم يقرأون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وان الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا عن الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وان الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال رب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب فإني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعماية ضعف قال رب اجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في السلام نبذ الألواح وقال اللهم اجعلني من أمة أحمد وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى عليه السلام وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه وحسن هدايته ومعونته وتأييده
قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان في صحيحه ذكر سؤال كليم الله ربه عز وجل عن أدنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا سفيان حدثنا مطرف بن طريف وعبدالملك بن أبجر شيخان صالحان سمعنا الشعبي يقول سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي صلى الله عليه وسلم إن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل أي أهل الجنة أدنى منزلة فقال رجل يجي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال أدخل الجنة فيقول كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا إخاذاتهم فيقال له ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا فيقول نعم أي رب فيقال لك هذا ومثله ومثه فيقول أي رب رضيت فيقال له لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك وسأل ربه أي أهل الجنة أرفع منزلة قال سأحدثك عنهم غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين الآية وهكذا رواه مسلم والترمذي كلاهما عن ابن أبي عمر عن سفيان وهو ابن عيينة به ولفظ مسلم فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت رب فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فاعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه من كتاب الله فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون وقال الترمذي حسن صحيح قال ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه والمرفوع أصح وقال ابن حبان ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع حدثنا عبدالله بن محمد بن مسلم ببيت المقدس حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سأل موسى ربه عز وجل عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة والسابعة لم يكن موسى يحبها قال يا رب أي عبادك أتقى قال الذي يذكر ولا ينسى قال فأي عبادك أهدى قال الذي يتبع الهدى قال فأي عبادك أحكم قال الذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه قال فأي عبادك أعلم قال عالم لا يشبع من العلم يجمع علم الناس إلى علمه قال فأي عبادك أعز قال الذي إذا قدر غفر قال فأي عبادك أغنى قال الذي يرضى بما يؤتى قال فأي عبادك أفقر قال صاحب منقوص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الغنى عن ظهر إنما الغنى غنى النفس وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه قال ابن حبان قوله صاحب منقوص يريد به منقوص حالته يستقل ما أوتى ويطلب الفضل وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن ابن حميد عن يعقوب التميمي عن هرون بن عبيرة عن أبيه عن ابن عباس قال سأل موسى ربه عز وجل فذكر نحوه وفيه قال أي رب فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس
إلى علمه عسى أن يجد كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال أي رب فهل في الأرض أحد أعلم مني قال نعم الخضر فسأل السبيل إلى لقيه فكان ما سنذكره بعد إن شاء الله وبه الثقة
*2* حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان
@ قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن اسحق حدثنا بن لهيعة عن راج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن موسى قال أي رب عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا قال ففتح له باب من الجنة فنظر إليها قال يا موسى هذا ما أعددت له فقال موسى يا رب وعزتك وجلالك لو كان مقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط قال ثم قال أي رب عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا قال ففتح له باب إلى النار فيقول يا موسى هذا ما أعددت له فقال أي رب وعزتك وجلالك لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته إلى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير خيرا قط تفرد به أحمد من هذا الوجه وفي صحته نظر والله أعلم وقال ابن حبان ذكر سؤال كليم الله ربه جل وعلا أن يعلمه شيئا يذكره به حدثنا ابن سلمة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث إن دراجا حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال قل يا موسى لا إله إلا الله قال يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن أهل السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله ويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة وأقرب شيء إلى معناه الحديث المروي في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أفضل الدعاء دعاء عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية الكرسي حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية حدثنا أحمد بن عبدالرحمن الدسكي حدثني أبي عن أبيه حدثنا أشعث بن اسحق عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى هل ينام ربك قال اتقوا الله فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا فقال يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك قال وأنزل الله على رسوله آية الكرسي وقال ابن جرير حدثنا اسحق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن ابان عن عكرمة عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال وقع في نفس موسى عليه السلام هل ينام الله عز وجل فأرسل
الله إليه ملكا فارقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم يستمسك السماء والأرض وهذا حديث غريب رفعه والأشبه أن يكون موقوفا وأن يكون أصله إسرائيليا وقال الله تعالى وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين وقال تعالى وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون قال ابن عباس وغير واحد من السلف لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوارة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم فقالوا أنشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها فقال بل أقبلوها بما فيها فراجعوه مرارا فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رؤسهم حتى صار كأنه ظلة أي غمامة على رؤسهم وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم فصارت سنة لليهود إلى اليوم يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب وقال سنيد بن داود عن حجاج بن محمد عن أبي بكر بن عبدالله قال فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تقرأ عليه التوارة إلا اهتز ونفض لها رأسه قال الله تعالى ثم توليتم من بعد ذلك أي ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والأمر الجسيم نكتثم عهودكم ومواثيقكم فلولا فضل الله عليكم ورحمته بان تدارككم بالارسال اليكم وانزال الكتب عليكم لكنتم من الخاسرين
*2* قصة بقرة بني إسرائيل
@ قال الله تعالى واذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي وغير واحد من السلف كان رجل في بني إسرائيل كثير المال وكان شيخا كبيرا وله
بنوا أخ وكانوا يتمنون موته ليرثوه فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق ويقال على باب رجل منهم فلما أصبح الناس اختصموا فيه وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم فقالوا ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه إلى رسول الله موسى عليه السلام فقال موسى عليه السلام أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به فلم يكن عند أحد منهم علم منه وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه عز وجل فسأل ربه عز وجل في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة فقال إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل وأنت تقول هذا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى إلي وهذا هو الذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن أسأله فيه قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية وغير واحد فلو أنهم عمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ولكنهم شددوا فشدد عليهم وقد ورد فيه حديث مرفوع وفي إسناده ضعف فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في التفسير والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان وهي الوسط بين النصف الفارض وهي الكبيرة والبكر وهي الصغيرة قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها فأمروا بصفراء فاقع لونها أي مشرب بحمرة تسر الناظرين وهذا اللون عزيز ثم شددوا أيضا فقالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا وانا إن شاء الله لمهتدون ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا وفي صحته نظر والله أعلم قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا ألآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون وهذه الصفات أضيق مما تقدم حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول وهي المذللة بالحراثة وسقى الأرض بالسانية مسلمة وهي الصحيحة التي لا عيب فيها قاله أبو العالية وقتادة وقوله لا شية فيها أي ليس فيها لون يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها فلما حددها بهذه الصفات وحصرها بهذه النعوت والأوصاف قالوا الآن جئت بالحق ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بأبيه فطلبوها منه فأبى عليهم فارغبوه في ثمنها حتى أعطوه فيما ذكر السدي بوزنها ذهبا فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها منهم فأمرهم نبي الله موسى بذبحها فذبحوها وما كادوا يفعلون أي وهم يترددون في أمرها ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها قيل بلحم فخذها وقيل بالعظم الذي يلي الغضروف وقيل بالبضعة التي بين الكتفين فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو يشخب أوداجه فسأله نبي الله من قتلك قال قتلني ابن أخي ثم عاد ميتا كما كان قال الله تعالى
كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون أي كما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن أمر الله له كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة الآية
*2* قصة موسى والخضر عليهما السلام
@ قال الله تعالى وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شي حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا حتى اذا ركبا في السفينة خرقها قال اخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا امرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عزرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فاردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا
قال بعض أهل الكتاب إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي ويقال إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار والصحيح الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمر بن دينار أخبرني سعيد بن
جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل قال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك قال موسى يا رب وكيف لي به قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا وامسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر واني بارضك السلام قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه انت وانت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه فقال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال له الخضر فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلمهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا امرا قال ألم أقل إنك لن تستيطع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الأولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله الا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تسطيع معي صبرا قال وهذه أشد من الأولى قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض قال مائل فقال الخضر بيده فأقامه فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل
ما لم تستطع عليه صبرا قال ارسول الله صلى الله عليه وسلم وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا وكان يقرأ وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة بإسناده نحوه وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل ودخل البحر فلما استيقظ قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا وساق الحديق وقال ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال سلوني فقلت أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل أما عمرو فقال لي قال قد كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى رسول الله قال ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله قيل بلى قال أي رب فأين قال بمجمع البحرين قال أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمرو قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله وإذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون ليست عن سعيد بن جبير قال فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو هكذا كان أثره في حجر وحلق بين ابهاميه واللتين تليان لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال لي عثمان بن أبي سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرض من سلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال أما يكفيك أن التوارة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فاخذ طائر بمنقاره من البحر فقال والله ما علمي وعلمك



يتبع

اخت مسلمة
04-11-2009, 03:43 AM
في جنب علم الله إلا كما أخذ هذاالطائر بمنقاره من البحر حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبدالله الصالح قال فقلنا لسعيد خضر قال نعم لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا قال موسى أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال مجاهد منكرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا كانت الأولى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فاضجعه ثم ذبحه بالسكين قال أقتلت نفسا زكية لم تعمل بالخبث ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا فانطلقا فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أن سعيدا قال فمسحه بيده فاستقام قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال سعيد أجرا نأكله وكان وراءهم وكان أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون جيسور ملك يأخذ كل سفينة غصبا فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة لقوله أقتلت نفسا زكية وأقرب رحما هما به أرحم منها بالأول الذي قتل خضر وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية وأما داود بن أبي عصام فقال عن غير واحد إنها جارية وقد رواه عبدالرزاق عن معمر عن أبي اسحق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى بني إسرائيل فقال ما أحد أعلم بالله وبأمره مني فأمر أن يلقى هذا الرجل فذكر نحو ما تقدم وهكذا رواه محمد بن اسحق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كنحو ما تقدم أيضا ورواه العوفي عنه موقوفا وقال الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا قال نعم وذكر الحديث وقد تقصينا طرق هذا الحديث والفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد وقوله وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة قال السهيلي وهما أصرم وصريم ابنا كاشح وكان تحته كنز لهما قيل كان ذهبا قاله عكرمة وقيل علما قاله ابن عباس والأشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه علم قال البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا بشر بن المنذر حدثنا الحرث بن عبدالله اليحصبي عن عياش بن عباس الغساني عن بن حجيرة عن أبي ذر رفعه قال إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه لوح من الذهب مصمت عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب وعجبت
لمن ذكر النار لم ضحك وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا الله وهكذا روى عن الحسن البصري وعمر مولى عفرة وجعفر الصادق نحو هذا وقوله وكان أبوهما صالحا وقد قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فالله المستعان وقوله رحمة من ربك دليل على أنه كان نبيا وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي وقيل رسول وقيل ولي وأغرب من هذا من قال كان ملكا قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون وقيل إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة قال ابن جرير والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل إنه كان أفريدون وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل وزعموا أنه شرب من ماء الحيوة فخلد وهو باق إلى الآن وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل وقيه اسمه ملكان وقيل أرميا بن خلقيا وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب قال ابن جرير والصحيح أنه كان في زمن أفريدون واستمر حيا إلى أن أدركه موسى عليه السلام وكانت نبوة موسى في زمن منو شهر الذي هو من ولد ابرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس وكان اليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقانا وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة ويقال إنه كان من سلالة اسحاق بن ابراهيم وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ويحير السامع وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل والله أعلم وقد قال الله تعالى وإذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أءقررتم الآية
فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره فلو كان الخضر حيا في زمانه لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة وقصارى الخضر عليه السلام أن يكون نبيا وهو الحق أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر وأياما كان فجبريل رئيس الملائكة وموسى أشرف من الخضر ولو كان حيا لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته فكيف ان كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التغرية فيه وان كان الحاكم قد رواه فإسناده ضعيف والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا
*2* حديث الفتون المتضمن قصة موسى من أولها إلى آخرها
@ قال الإمام أبو عبدالرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه عند قوله تعالى في سورة طه وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا حديث الفتون حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبي أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال سألت عبدالله بن عباس عن قول الله تعالى وفتناك فتونا فسأله عن الفتون ما هو فقال استأنف النهار يا ابن جبير فإن لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس لا ننجز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال تذكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد ابراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه وكانوا يظنون انه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم فقال فرعون فكيف ترون فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة الذي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل بناتهم ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فانهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم اياكم ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون اليهم فأجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا تقتل فيه الغلمان فولدته علانية آمنة فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يا ابن جبير ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد فأوحى الله إليها أن لا تخافي ولا تحزني انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ذلك فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقى منها جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن ان في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأةالملك بما وجدنا فيه فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه اليها فلما فتحته رأت فيه غلاما فالقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا
ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم الى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت لهم أقروه فان هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتى فرعون
فاستوهبه منه فإن وهبه مني كنتم قد أحسنتم وأجملتم وإن أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت قرة عين لي ولك فقال فرعون يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ولكن حرمه ذلك فأرسلت إلى من حولها إلى كل امرأة لها لأن تختار ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فأخرج إلى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ظئرا يأخذه منها فلم يقبل وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته قصى أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحي إبني أم قد أكلته الدواب ونسيت ما كان الله وعدها فيه فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى شيء بعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك فأرسلوها فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا إلى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت إليها فأتت بها وبه فلما رأت ما يصنع بها قالت أمكثي ترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئا حبه قط قالت أم موسى لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيرا فعلت فإني غير تاركة بيتي وولدي وذكرت ام موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز موعوده فرجعت إلى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظ لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى أريني ابني فوعدتها يوما تريها إياه فيه وقالت امرأة فرعون لخازنها وظئورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصي كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون فلما دخل عليها نحلته وأكرمته فرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه فلما دخلت به وعليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها إلى الأرض فقال الغواة من أعداء الله لفرعون ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه زعم أنه يرثك ويعلوك ويصرعك فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني فقالت اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق أئت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن إليه فإن بطش باللؤلؤتين
واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل وان تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب إليه فتناول الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان هم به وكان الله بالعافية أمره فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الإمتناع فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر اسرائيلي فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله عز وجل والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين ثم قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين فأصبح في المدينة خائفا يترقب الأخبار فأتى فرعون فقيل له إن بني إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فقال ابغوني قاتله من يشهد عليه فإن الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الذي رأى فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للإسرائيلي لما فعل بالأمس واليوم إنك لغوي مبين فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالامس الذي قتل فيه الفرعوني فخاف ان يكون بعد ما قال له إنك لغوي مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده إنما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي وقال موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وإنما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول اتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون أن يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم إلى موسى فأخبره وذلك من الفتون يا ابن جبير فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه عز وجل قإنه قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ولما ورد ماء مدين وجد عليه امة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما ما خطبكما معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال إن لكما اليوم لشأنا فاخبرتاه بما
صنع موسى فأمر احداهما أن تدعوه فأتت موسى فدعته فلما كلمه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته فقالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته وما أمانته فقالت أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه وأما الأمانة فإنه نظر إلي حين أقبلت إليه وشخصت له فلما علم أني امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك ثم قال لي امشي خلفي وانعتي لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسرى عن أبيها وصدقها وظن به الذي قالت فقال له هل لك أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت السنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا قال سعيد هو ابن جبير فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري اي الأجلين قضى موسى قلت لا وأنا يومئذ لا أدري فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصي ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هرون ويكون له ردأ ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه الله عز وجل وحل عقدة من لسانه وأوحى الله إلى هرون فأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هرون فانطلقا جميعا إلى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما ثم اذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك فقال فمن ربكما فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن قال فما تريدان وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل فأبى عليه وقال أئت بآية إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون فلما رأى فرعون قاصدة إليه خافها واقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعني من غير برص ثم ردها فعادت إلى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له هذان ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى يعني ملكهم الذي هم فيه والعيش وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له إجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما فأرسل إلى المدائن فحشر له كل ساحر متغالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل السحر قالوا يعمل بالحيات قالوا فلا والله ما أحد من الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصى الذي نعمل وما أجرنا إن نحن غلبنا قال لهم أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع
إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى قال سعيد فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الامر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين يعنون موسى وهرون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله إليه أن ألق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك قالوا لو كان هذا سحرا لم تبلغ من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله تعالى آمنا بالله وبما جاء به موسى ونتوب إلى الله مما كنا عليه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعو لله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده وقال هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه ثم التقى على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى ان يضرب البحر بالعصي وانتهى إلى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله عز وجل فلما تراىء الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى إنا لمدركون إفعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصى فضرب البحر بعصاه حين دنا اوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى قال اصحابه إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنزلهم موسى منزلا
وقال أطيعوا هارون فإن الله قد استخلفه عليكم فإني ذاهب إلى ربي وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها فلما أتى ربه عز وجل وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح قال أوما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك إرجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى ما أمره به ربه فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم فقال إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوارى وودائع ولكم فيها مثل ذلك وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم ولا احل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين إليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال لا يكون لنا ولا لهم وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون يا سامري إلا تلقي ما في يديك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامري ما هذا وأنت أعلم به قال هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق وقالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى وقالت فرقة هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق واشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون عليه السلام يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ليس هذا قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم أخلفنا هذه أربعون يوما قد مضت قال سفهاؤهم أخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أصبره بما لقي قومه من بعده فرجع إلى قومه غضبان أسفا فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن وأخذ برأس اخيه يجره إليه وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر اخاه بعذره واستغفر له فانصرف إلى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت قال قبضت قبضة من أثر الرسول وفطنت لها وعميت عليكم فقذفتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ولو كان إلها لم يخلص إلى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط
افتراضي

الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير خيار بني إسرائيل ومن لم يشرك في الحق فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال لو شئت لأهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال رحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم فقال له إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهرون وأطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثم سار بهم موسى عليه السلام متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها ونتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم وأخذوا الكتاب بايمانهم وهم مصغون ينظرون إلى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قراه قال نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجنا إليه فقالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول اناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون من بني إسرائيل قالوا يا موسى إنا لن ندخلها ابدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون فأغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله لهم وسماهم كما سماهم فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من محله إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الذي كان فيه بالأمس رفع ابن عباس هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصدق ذلك عندي ان معاوية سمع ابن عباس هذا الحديث فأنكر عليه ان يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى امر القتيل الذي
قتل فقال كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الذي حضر ذلك فغضب ابن عباس فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري فقال له يا أبا إسحق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون الإسرائيلي الذي أفشى عليه ام الفرعوني قال إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هرون والأشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر وغالبه متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام وفي بعض ما فيه نظر ونكارة والأغلب أنه كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك والله أعلم
*2* بناء قبة الزمان
@ قال أهل الكتاب وقد أمر الله موسى عليه السلام بعمل قبة من خشب الشمشار وجلود الانعام وشعر الأغنام وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضة على كيفيات مفصلة عند اهل الكتاب ولها عشر سرادقات طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير ودمقس مصبغ وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان وأبواب أخر كبيرة وستور من حرير مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره وبعمل تابوت من خشب الشمشار يكون طوله ذراعين ونصفا وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعا ونصفا ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجه وله أربع حلق في اربع زواياه ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب يعنون صفة ملكين بأجنحة وهما متقابلان صفة رجل اسمه بصليال وأمراه أن يعمل مائدة من خشب الشمشار طولها ذراعا وعرضها ذراع ونصف لها ضباب ذهب واكليل ذهب بشفة مرتفعة بإكليل من ذهب وأربع حلق من نواحيها من ذهب معذرة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا واعمل صحافا ومصافي وقصاعا على المائدة واصنع منارة من الذهب دلى فيها ست قصبات من ذهب من كل جانب ثلاثة على كل قصبة ثلاث سرج وليكن في المنارة أربع قناديل ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضا وهو الذي عمل المذبح أيضا ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة وهو والله أعلم المذكور في قوله تعالى إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة قربانهم وكيفيته وفيه أن قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الذي هو متقدم على مجيء بيت المقدس وأنها كانت لهم كالكعبة
يصلون فيها وإليها ويتقربون عندها وأن موسى عليه السلام كان إذا دخلها يقفون عندها وينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا لله عز وجل ويكلم الله موسى عليه السلام من ذلك العمود الغمام الذي هو نور ويخاطبه ويناجيه ويأمره وينهاه وهو واقف عند التابوت صامد إلى ما بين الكروبين فإذا فصل الخطاب يخبر بني إسرائيل بما أوحاه الله عز وجل إليه من الأوامر والنواهي وإذا تحاكموا إليه في شيء ليس عنده من الله فيه شيء يجيء إلى قبة الزمان ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم أعني استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآليء في معبدهم وعند مصلاهم فأما في شريعتنا فلا بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما وسع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي وكله على عمارته ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس وقال ابن عباس لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه إليه والإقبال عليه وصان أبصارهم وخواطرهم عن الإشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة فلله الحمد والمنة وقد كانت قبة الزمان هذه مع بني إسرائيل في التيه يصلون إليها وهي قبلتهم وكعبتهم وإمامهم كليم الله موسى عليه السلام ومقدم القربان أخوه هارون عليه السلام فلما مات هارون ثم موسى عليهما السلام استمرت بنو هارون في الذي كان يليه أبوهم من أمر القربان وهو فيهم إلى الآن وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون عليه السلام وهو الذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون إليها فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة وكان يجعل الكعبة بين يديه فلما هاجر أمر بالصلاة إلى بيت المقدس فصلى إليها ستة عشر وقيل سبعة عشر شهرا ثم حولت القبلة إلى الكعبة وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر وقيل الظهر كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها إلى قوله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآيات
*2* قصة قارون مع موسى عليه السلام
@ قال الله تعالى إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين قال الأعمش عن المنهال بن عمرو بن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان قارون بن عم موسى وكذا قال إبراهيم النخعي وعبدالله بن الحرث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وزاد فقال هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن هافث قال ابن جريج وهذا قول أكثر أهل العلم أنه كان ابن عم موسى ورد قول ابن اسحاق إنه كان عم موسى قال قتادة وكان يسمى النور لحسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فاهلكه البغي لكثرة ماله وقال شهر بن حوشب زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه حتى أن مفاتيحه كان يثقل حملها على القيام من الرجال الشداد وقد قيل إنها كانت من الجلود وإنها كانت تحمل على ستين بغلا فالله أعلم وقد وعظه النصحاء من قومه قائلين لا تفرح أي لا تبطر بما أعطيت وتفخر على غيرك إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة يقولون لتكن همتك مسروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الآخرة فإنه خير وأبقى ومع هذا لا تنس نصيبك من الدنيا أي وتناول منها بمالك ما أحل الله لك فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال وأحسن كما أحسن الله إليك أي وأحسن إلى خلق الله كما أحسن الله خالقهم وبارئهم إليك ولا تبغ الفساد في الأرض أي ولا تسيء إليهم ولا تفسد فيهم فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك ويسلبك ما وهبك إن الله لا يحب المفسدين فما كان جواب قومه لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن قال إنما أوتيته على علم عندي يعني أنا لا أحتاج إلى استعمال ما ذكرتم ولا إلى ما إليه أشرتم فإن الله إنما أعطاني هذا لعلمه أني أستحقه وأني أهل له ولولا أني حبيب إليه وحظي عنده لما
أعطاني ما أعطاني قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب إليه أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر مالا منه ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له واعتنائنا به كما قال تعالى وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا وقال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا إليه من معنى قوله إنما أوتيته على علم عندي وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح لأن الكيمياء تخييل وصبغة لا تحيل الحقائق ولا تشابه صنعة الخالق والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به وقارون كان كافرا في الباطن منافقا في الظاهر ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم وقد وضحنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد قال الله تعالى فخرج على قومه في زينته ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله وغبطوه بما عليه وله فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح الزهاد الألباء قالوا لهم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا أي ثواب الله في الدار الآخرة خير وأبقى وأجل وأعلى قال الله تعالى ولا يلقاها إلا الصابرون أي وما يلقى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمة السامية الى الدار الآخرة العلية عند النظر إلى زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى الله قلبه وثبت فؤاده وأيد لبه وحقق مراده وما أحسن ما قال بعض السلف إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات قال الله تعالى فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين لما ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها وفخره على قومه بها قال فخسفنا به وبداره الأرض كما روى البخاري من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينا رجل يجر ازاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقد ذكر ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تقول لموسى عليه السلام وهو في ملأ من الناس إنك فعلت بي كذا وكذا فيقال إنها قالت له ذلك فارعد من الفرق وصلى ركعتين ثم أقبل عليها فاستحلفها من ذلك على ذلك وما حملك عليه فذكرت أن قارون هو الذي حملها على ذلك واستغفرت الله وتابت إليه فعند ذلك خر موسى لله ساجدا ودعا الله على قارون فأوحى الله إليه اني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك فالله أعلم وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر
بجحفله وبغاله وملابسه على مجلس موسى عليه السلام وهو يذكر قومه بأيام الله فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون إليه فدعا موسى عليه السلام فقال له ما حملك على هذا فقال يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالمال ولئن شئت لتخرجن فلتدعون علي ولأدعون عليك فخرج وخرج قارون في قومه فقال له موسى تدعو أو أدعو قال ادعو أنا فدعى قارون فلم يجب في موسى فقال موسى أدعو قال نعم فقال موسى اللهم مر الأرض فلتطغى اليوم فأوحى الله إليه إني قد فعلت فقال موسى يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم ثم قال خذيهم فأخذتهم إلى ركبهم ثم إلى مناكبهم ثم قال اقبلي بكنوزهم وأموالهم فأقبلت بها حتى نظروا إليها ثم أشار موسى بيده فقال اذهبوا بني لاوى فاستوت بهم الأرض وقد روى عن قتادة أنه قال يخسف بهم كل يوم قامة إلى يوم القيامة وعن ابن عباس أنه قال خسف بهم إلى الأرض السابعة وقد ذكر كثير من المفسرين ههنا إسرائيليات كثيرة اضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا وقوله تعالى فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال فماله من قوة ولا ناصر ولما حل به ما حل من الخسف وذهاب الأموال وخراب الدار واهلاك النفس والأهل والعقار ندم من كان تمنى مثل ما أوتي وشكروا الله تعالى الذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ولهذا قالوا لولا أن من الله علينا لخسف بنا وبك انه لا يفلح الكافرون وقد تكلمنا على لفظ ويك في التفسير وقد قال قتادة ويكأن بمعنى ألم تران وهذا قول حسن من حيث المعنى والله أعلم ثم أخبر تعالى أن الدار الآخرة وهي دار القرار وهي الدار التي يغبط من أعطيها ويعزى من حرمها إنما هي سعدة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا فالعلو هو التكبر والفخر والاشر والبطر والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية من أخذ أموال الناس وافساد معايشهم والاساءة إليهم وعدم النصح لهم ثم قال تعالى والعاقبة للمتقين وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر لقوله فخسفنا به وبداره الأرض فإن الدار ظاهرة في البنيان وقد تكون بعد ذلك في التيه وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة
يا دارا عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
والله أعلم وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن قال الله ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فالذي خسف به
الأرض قارون كما تقدم والذي أغرق فرعون وهامان وجنودهما أنهم كانوا خاطئين وقد قال الإمام أحمد حدثنا أبو عبدالرحمن حدثنا سعيد حدثنا كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف انفرد به أحمد رحمه الله
*2* باب فضائل موسى عليه السلام وشمائله وصفاته ووفائه
@ قال الله تعالى واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا وقال تعالى قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي وتقدم في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تفضلوني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أصعق فافاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور وقدمنا أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب الهضم والتواضع وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض وقال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط إلى أن قال ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها قال الإمام أبو عبدالله البخاري حدثنا اسحق بن ابراهيم بن روح بن عبادة عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى جلده شيء استحياء منه فأذاه من أذاه من بني إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر الا من عيب بجلده إما برص أو أدرة وإما آفة وأن الله عز وجل أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل على ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا قال فذلك قوله عز وجل يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وقد رواه الإمام أحمد من حديث عبدالله بن شقيق وهمام بن منبه عن أبي هريرة به وهو في الصحيحين من حديث عبدالرزاق عن معمر عن همام عنه به ورواه مسلم من حديث عبدالله بن شقيق العقيلي عنه
قال بعض السلف كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله وطلب منه أن يكون معه وزيرا فأجابه الله إلى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيا كما قال ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا ثم قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سألت أبا وائل قال سمعت عبدالله قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما فقال رجل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه ثم قال يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به وقال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن حجاج سمعت إسرائيل ابن يونس عن الوليد بن أبي هاشم مولى لهمدان عن زيد بن أبي زائد عن عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر قال وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه قال فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله فقلت يا رسول الله إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا وإني مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه ثم قال دعنا منك فقد أوذي موسى أكثر من ذلك فصبر وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن أبي هاشم به وفي رواية للترمذي ولأبي داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد به وقال الترمذي غريب من هذا الوجه وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بموسى وهو قائم يصلي في قبره ورواه مسلم عن أنس وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر ليلة أسري به بموسى في السماء السادسة فقال له جبريل هذا موسى فسلم عليه قال فسلمت عليه فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبيك لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي وذكر إبراهيم في السماء السابعة وهذا هو المحفوظ وما وقع في حديث شريك بن أبي نمر عن أنس من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الذي عليه الجادة أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة وأنه مسند ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون إليه آخر ما عليهم واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة فمر بموسى قال ارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك فإني قد عالجت بني إسرائيل قبلك أشد المعالجة وأن أمتك أضعف اسماعا وابصارا وافئدة فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله عز وجل ويخفف عنه في كل مرة حتى صارت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة وقال الله تعالى هي خمس وهي خمسون أي بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا صلى الله عليه وسلم خيرا وجزى الله عنا موسى عليه السلام خيرا وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا حصين
ابن نمير عن حصين بن عبدالرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال عرضت على الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا مختصرا وقد رواه الإمام أحمد مطولا فقال حدثنا شريح حدثنا هشام حدثنا حصين بن عبدالرحمن قال كنت عن سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت قال وكيف فعلت قلت استرقيت قال وما حملك على ذلك قال قلت حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال لا رقية الا من عين أو حمة فقال سعيد يعني ابن جبير قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ثم قال حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد اذ رفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتي فقيل هذا موسى وقومه ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم ثم قيل انظر إلى هذا الجانب فإذا سواد عظيم فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا قط وذكروا أشياء فخرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا الذي كنتم تخوضون فيه فأخبروه بمقالتهم فقال هم الذين لا يكنوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محيصن الأسدي فقال أنا منهم يا رسول الله قال أنت منهم ثم قام آخر فقال أنا منهم يا رسول الله فقال سبقك بها عكاشة وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا وهو في الصحاح والحسان وغيرها وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها وقد ذكر الله تعالى موسى عليه السلام في القرآن كثيرا واثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مرارا وكررها كثيرا مطولة ومبسوطة ومختصرة واثنى عليه بليغا وكثيرا ما يقرنه الله ويذكره ويذكر كتابه مع محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه كما قال في سورة البقرة ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون وقال تعالى الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وانزل الفرقان ان الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام وقال تعالى في سورة الأنعام وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباءكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون فاثنى تعالى على التوراة ثم مدح
القرآن العظيم مدحا عظيما وقال تعالى في آخرها ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون وقال تعالى في سورة المائدة إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون إلى أن قال وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه الآية فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره وجعله مصدقا لها ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل فإن أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها ولا على ضبطها وصونها لهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهو مهم وقصورهم في علومهم وردائه قصودهم وخيانتهم لمعبودهم عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسوله ما لا يحد ولا يوصف وما لا يوجد مثله ولا يعرف وقال تعالى في سورة الأنبياء ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون وقال الله تعالى في سورة القصص فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فأثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين عليهما السلام وقالت الجن لقومهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى من الأول الوحي وتلا عليه إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم قال سبوح سبوح هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران
وبالجملة فشريعة موسى عليه السلام كانت عظيمة وامته كانت امة كثيرة ووجد فيها أنبياء وعلماء وعباد وزهاد وألباء وملوك وأمراء وسادات وكبراء لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا كما بدلت شريعهم ومسخوا قردة وخنازير ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان
*2* حجته عليه السلام إلى البيت العتيق
@ قال الإمام أحمد حدثنا هشام حدثنا داود بن أبي هند عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق فقال أي واد هذا قالوا وادي الأزرق قال كأني أنظر إلى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية حتى أني على ثنية هرشاء فقال أي ثنية هذه قالوا هذه ثنية هرشاء قال كأني انظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة قال هشيم يعني ليفا وهو يلبي اخرجه مسلم من حديث داود بن أبي هند به وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن موسى حج على ثور احمر وهذا غريب جدا وقال الإمام احمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن مجاهد قال كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال إنه مكتوب بين عينيه ك ف ر قال ما يقولون قال يقولون مكتوب بين عينيه ك ف ر فقال ابن عباس لم أسمعه قال ذلك ولكن قال اما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأني أنظر إليه وقد انحدر من الوادي يلبي قال هشيم الخلبة الليف ثم رواه الإمام أحمد عن أسود عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم فأما عيسى فابيض جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم قالوا فابراهيم قال انظروا إلى صاحبكم وقال الإمام احمد حدثنا يونس حدثنا شيبان قال حدث قتادة عن أبي العالية حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال شنؤة ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأي وأخرجاه من حديث قتادة به وقال الإمام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال الزهري وأخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسري بي لقيت موسى فنعته فقال رجل قال حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة ولقيت عيسى فنعته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني حماما قال ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولد به الحديث وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل
*2* ذكر وفاته عليه السلام
@ قال البخاري في صحيحه وفاة موسى عليه السلام حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال ارسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام فلما جاءه
صكه فرجع إلى ربه عز وجل فقال ارسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله عز وجل أن يدنيه من الأرض المقدسة رميه بحجر قال أبو هريرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر قال وأنبأنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به ورواه الإمام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة مرفوعا وسيأتي وقال الإمام أحمد حدثنا الحسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس يعني سليم بن جبير عن أبي هريرة قال الإمام أحمد لم يرفعه قال جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع الملك إلى الله فقال إنك بعثتني إلى عبد لك لا يريد الموت قال وقد فقأ عيني قال فرد الله عينه وقال ارجع إلى عبدي فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم الموت قال فالآن يا رب من قريب تفرد به أحمد وهو موقوف بهذا اللفظ وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال معمر وأخبرني من سمع الحسن عن رسول الله فذكره ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى عليه السلام كما جاء جبريل في صورة أعرابي وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه لأنه دخل داره بغير اذنه وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير اذن ثم اورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه قال له أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه وذكر تمام الحديث كما أشار إليه البخاري ثم تاوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له أجب ربك وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشى له وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق إذا لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم لانه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه ودخولهم الأرض المقدسة وكان قد سبق في قدرة الله أنه عليه السلام يموت في التيه بعد هرون أخيه كما سنبينه إن شاء الله تعالى وقد زعم بعضهم أن موسى عليه السلام هو الذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة وهذا خلاف ما عليه اهل الكتاب وجمهور المسلمين ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية حجر ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه
السلام أحب أن يتقرب إلى الأرض التي هاجر إليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر ورسول الله إلى أهل الوبر والمدر فلو كنت ثم لاريتكم قبره عند الكثيب الأحمر وقال الإمام حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس بن مالك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وقال السدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا ثم إن الله تعالى أوحى إلى موسى إني متوف هرون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهرون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها وإذا هم ببيت مبني وإذا هم بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هرون إلى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب علي قال له لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم قال يا موسى نم معي فإن جاء رب هذا البيت غضب علي وعليك جميعا فلما ناما أخذ هرون الموت فلما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء فلما رجع موسى إلى قومه وليس معه هرون قالوا فإن موسى قتل هرون وحسده حب بني إسرائيل له وكان هرون أكف عنهم والين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخي أفتروني أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض ثم إن موسى عليه السلام بينما هو يمشي ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موسى عليه السلام من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع فلما جاء يشوع بالقميص آخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله فقال لا والله ما قتلته ولكنه أستل مني فلم يصدقوه وأرادوا قتله قال فإذا لم تصدقوني فاخروني ثلاثة أيام فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وإنا قد رفعناه الينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وهو زوج مريم أخت موسى وهرون وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بني إسرائيل بالدخول عليهم وذكر وهب بن منبه أن موسى عليه السلام مر بملأ من الملائكة يحفرون قبرا فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج فقال يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا لعبد من عباد الله كريم فإن كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر وتمدد فيه وتوجه إلى ربك وتنفس أسهل تنفس ففعل ذلك فمات صلوات الله


يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 03:47 AM
وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ودفنوه وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة وقد قال الإمام أحمد حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يونس رفع هذا الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال كان ملك الموت يأتي الناس عيانا قال فأتى موسى عليه السلام فلطمه ففقأ عينه فأتى ربه فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لعتبت عليه وقال يونس لشققت عليه قال له اذهب إلى عبدي فقل له فليضع يده على جلد أو مسك ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة فأتاه فقال له فقال ما بعد هذا قال الموت قال فالان قال فشمه شمة فقبض روحه قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتي الناس خفية وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به فرفعه أيضا
*2* نبوة يوشع وقيامه بأعباء بني إسرائيل بعد موسى وهرون
@ هو يوشع بن نون بن أفراثيم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام وأهل الكتاب يقولون يوشع بن عم هود وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله وإذ قال موسى لفتاه فلما جاوزا قال لفتاه وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه يوشع بن نون وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب فإن طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى الا يوشع بن نون لأنه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة
وأما ما حكاه ابن جرير وغيره ومن المفسرين عن محمد بن اسحق من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى فكان موسى يلقي يوشع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له يا كليم الله إني كنت لا أسألك عما يوحي الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت ففي هذا نظر لأن موسى عليه السلام لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله اليه من جميع أحواله حتى توفاه الله عز وجل ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ثم بعثه الله اليه إن كان يريد الحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها قال ثم ماذا قال الموت قال فالان يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر وقد اجيب إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه
فهذا الذي ذكره محمد بن اسحق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين يحتاجون إليه إلى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدا بني إسرائيل على أسباطهم وأن يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا وهو النقيب وماذاك الا ليتأهبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة ولهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى عليه السلام عين ملك الموت لأنه لم يعرفه في صورته تلك ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجي وقوعه في زمانه ولم يكن في قدر الله ان يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون عليه السلام كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع ثم حج في سنة عشر ثم رجع فجهز جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج اليهم امتثالا لقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطو الجزية عن يد وهم صاغرون ولما جهز رسول الله جيش أسامة توفي عليه الصلاة والسلام وأسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه ثم لما لم شعث جزيرة العرب وما كان دهى من أمر أهلها وعاد الحق إلى نصابه جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس وإلى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم وملكهم نواصي أعدائهم كما سنورده عليك في موضعه إذا انتهينا إليه مفصلا إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن ارشاده وهكذا موسى عليه السلام كان الله قد أمره أن يجند بني إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لاكفرن عنكم سيآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منك فقد ضل سواء السبيل يقول لهم لئن قمتم بما أوجبت عليكم ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك كما قال تعالى لمن تخلف من الأعراب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد
والمقصود أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يكتب أسماء المقاتلة من بني إسرائيل ممن يحمل
السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم السبط الأول سبط روبيل لأنه بكر يعقوب كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين ألفا سنة وخمسمائة ونقيبهم منهم وهو اليصور بن شديئورا السبط الثاني سبط شمعون وكانوا تسعة وخمسين ألفا وثلاثمائة ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي السبط الثالث سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين ألفا وستمائة ونقيبهم نحشون بن عميناداب السبط الرابع سبط ايساخر وكانوا أربعة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوغر السبط الخامس سبط يوسف عليه السلام وكانوا أربعين ألفا وخمسمائة ونقيبهم يوشع بن نون السبط السادس سبط ميشا وكانوا أحدا وثلاثين الفا ومائتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور السبط السابع سبط بنيامين وكانوا خمسة وثلاثين ألفا وأربعمائة ونقيبهم أبيدن بن جدعون السبط الثامن سبط حاد وكانوا خمسة وأربعة ألفا وستمائة وخمسين رجلا ونقيبهم الياساف بن رعوئيل السبط التاسع سبط أشير وكانوا أحدا وأربعين الفا وخمسمائة ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن السبط العاشر سبط دان وكانوا اثنين وستين ألفا وسبعمائة ونقيبهم أخيعزر ابن عمشداي السبط الحادي عشر سبط نفتالي وكانوا ثلاثة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم أخيرع بن عين السبط الثاني عشر سبط زبولون وكانوا سبعة وخمسين ألفا وأربعمائة ونقيبهم الباب بن حيلون هذا نص كتابهم الذي بأيديهم والله أعلم وليس منهم بنو لاوى فأمر الله موسى أن لا يعدهم معهم لأنهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهرون عليهما السلام وكانوا اثنين وعشرين الفا من ابن شهر فما فوق ذلك وهم في أنفسهم قبائل إلى كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها وهم كلهم حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمنتها وشمالها ووراءها وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بني لاوى خمسمائة الف وأحد وسبعون ألفا وستمائة وستة وخمسون لكن قالوا فكان عدد بني إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلا سوى بني لاوى وفي هذا نظر فإن جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها والله أعلم فكان بنو لاوى الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بني إسرائيل وهم القلب ورأس الميمنة بنو روبيل ورأس الميسرة بنوران وبنو نفتالي يكونون ساقه وقرر موسى عليه السلام بأمر الله تعالى له الكهانة في بني هرون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بكره وأبيهو والعازر ويثمر والمقصود أن بني إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون قاله الثوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس وقاله قتادة وعكرمة ورواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف ومات موسى وهرون قبله كلاهما في التيه جميعا وقد زعم ابن اسحق أن الذي فتح بيت المقدس
هو موسى وإنما كان يوشع على مقدمته وذكر في مروره اليها قصة بلعام بن باعور الذي قال تعالى فيه واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون وقد ذكرنا قصته في التفسير وأنه كان فيما قاله ابن عباس وغيره يعلم الاسم الأعظم وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم ولما الحوا عليه ركب حمارة له ثم سار نحو معسكر بني إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت فسارت غير بعيد وربضت فضربها ضربا أشد من الأول فقامت ثم ربضت فضربها فقالت له يا بلعام أين تذهب أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان ونظر إلى معسكر موسى وبني إسرائيل فأخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه فلاموه على ذلك فاعتذر اليهم بأنه لا يجري على لسانه إلا هذا واندلع لسانه حتى وقع على صدره وقال لقومه ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم حتى لعلهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموه ففعلوا وزينوا نساءهم وبعثوهن إلى المعسكر فمرت امرأة منهم اسمها كستى برجل من عظماء بني إسرائيل وهو زمري بن شلوم يقال إنه كان رأس سبط بني شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بني إسرائيل فجعل يحوس فيهم فلما بلغ الخبر إلى فنحاص بن العزار بن هرون أخذ حربته وكانت من حديد فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعا فيها ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده وقد اعتمد على خاصرته وأسندها إلى لحيته ورفعهما نحو السماء وجعل يقول اللهم هكذا تفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين ألفا والمقلل يقول عشرين الفا وكان فنحاص بكر أبيه العزار بن هرون فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة الليه والذراع واللحى ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم وهذا الذي ذكره ابن اسحق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية ولعله مراد ابن اسحاق ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه فإن في هذا السياق ذكر حسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس كما صرح به السدي والله أعلم وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور أن هرون توفي بالتيه
قبل موسى أخيه بنحو من سنتين وبعده موسى في التيه أيضا كما قدمنا وانه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك فكان الذي خرج بهم من التيه وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع بني إسرائيل نهر الأردن وانتهى إلى أريحا وكانت من أحصن المدائن سورا وأعلاها قصورا وأكثرها أهلا فحاصرها ستة أشهر ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا بالقرون يعني الأبواق وكبروا تكبيرة رجل واحد فتفسخ سورها وسقط وجبة واحدة فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء وحاربوا ملوكا كثيرة ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان قال لها إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد وأمر القمر فوقف عند الطلوع وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر والأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الذي سأذكره وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب ولكن ذكرهم أن هذا في فتح اريحا فيه نظر والأشبه والله أعلم أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم وفتح اريحا كان وسيلة اليه والله أعلم
قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون عليه السلام لا موسى وان حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا اريحا كما قلنا وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع عليه السلام فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي صلى الله عليه وسلم على ركبته فسأل رسول الله أن يردها عليه حتى يصلي العصر فرجعت وقد صححه علي بن صالح المصري ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه فجمعوا ما غنموا فأتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه
فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول وليتابعني قبيلتك فبايعته قبيلته فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه بالمال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا انفرد به مسلم من هذا الوجه وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة عن عبيدالله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه قال ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري قال ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين لله عز وجل على ما من به عليهم من الفتح العظيم الذي كان الله وعدهم اياه وأن يقولوا حال دخولهم حطة أي حط عنا خطيانا التي سلفت من نكولنا الذي تقدم منا ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته وهو متواضع حامد شاكر حتى أن عثنونه وهو طرف لحيته ليمس مورك رحله مما يطأطىء رأسه خضعانا لله عز وجل ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما دخلها اغتسل وصلى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء وقيل إنها صلاة الضحى وما حمل هذا القائل على قوله هذا الا لأنها وقعت وقت الضحى وأما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا دخلوا الباب يزحفون على استاههم يقولون حبة في شعرة وفي رواية حنطة في شعرة وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزؤا به كما قال تعالى حاكيا عنهم في سورة الأعراف وهي مكية وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون وقال في سورة البقرة وهي مدنية مخاطبا لهم وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وادخلوا الباب سجدا قال ركعا من باب صغير رواه الحاكم وابن جرير وابن أبي حاتم وكذا روى العوفي عن ابن عباس وكذا روى الثوري عن ابن اسحاق عن البراء قال مجاهد والسدي والضحاك والباب هو باب حطة من بيت ايلياء بيت المقدس قال ابن مسعود فدخلوا مقنعي رؤوسهم ضد ما أمروا به وهذا لا ينافي قول ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على استاههم وهكذا في الحديث الذي سنورده بعد فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رؤوسهم وقوله وقولوا حطة الواو هنا حالية لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع
أمروا أن يستغفروا قال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ورواه عن محمد بن اسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفا وقد قال عبدالرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على استاههم فقالوا حبة في شعرة ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبدالرزاق وقال الترمذي حسن صحيح وقال محمد بن اسحاق كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة وعمن لا اتهم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على استاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة وقال اسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم قال قالوا هطى سقاثا ازمة مزبا فهي في العربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الذي أنزله عليهم وهو الطاعون كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عامر بن سعد ومن حديث مالك عن محمد بن المنكدر وسالم أبي النضر عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن هذا الوجع أو السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم وروى النسائي وابن أبي حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم وقال الضحاك عن ابن عباس الرجز العذاب وكذا قال مجاهد وأبو مالك والسدي والحسن وقتادة وقال أبو العالية هو الغضب وقال الشعبي الرجز إما الطاعون وإما البرد وقال سعيد بن جبير هو الطاعون ولما استقرت يد بني إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله إليه وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة فكان مدة حياته بعد موسى سبعا وعشرين سنة
*2* قصتا الخضر والياس عليهما السلام
@ أما الخضر فقد تقدم أن موسى عليه السلام رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللدني وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف وذكرنا في تفسير ذلك هنالك وأوردنا هنا ذكر الحديث
المصرح بذكر الخضر عليه السلام وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل عليه السلام الذي أنزلت عليه التوراة
وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته الى الآن على أقوال سأذكرها لك ههنا إن شاء الله وبحوله وقوته قال الحافظ ابن عساكر يقال إنه الخضر بن آدم عليه السلام لصلبه ثم روى من طريق الدارقطني حدثنا محمد بن الفتح القلانسي حدثنا العباس بن عبدالله الرومي حدثنا رواد بن الجراح حدثنا مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس قال الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال وهذا منقطع وغريب وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا إن أطول بني آدم عمرا الخضر واسمه خضرون بن قابيل بن آدم قال وذكر ابن اسحق أن آدم عليه السلام لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة وأن يدفنوه في مكان عينه لهم فلما كان الطوفان حملوه معهم فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى فقالوا إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك وقال إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر فهابوا المسير إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه وأنجز الله ما وعده فهو يحيى إلى ما شاء الله له أن يحيى وذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه أن اسم الخضر بليا ويقال ايليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام وقال اسماعيل بن أبي أويس اسم الخضر فيما بلغنا والله أعلم المعمر بن مالك بن عبدالله بن نصر بن لازد وقال غيره هو خضرون بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن اسحق بن ابراهيم الخليل ويقال هو أرميا بن خلقيا فالله أعلم وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جدا قال ابن الجوزي رواه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة وهما ضعيفان وقيل إنه ابن مالك وهو أخو الياس قاله السدي كما سيأتي وقيل إنه كان على مقدمة ذي القرنين وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه وقيل كان نبيا في زمن بشتاسب بن لهراسب
قال ابن جرير والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون ابن اثفيان حتى أدركه موسى عليهما السلام وروى الحافظ بن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال الخضر أمه رومية وأبوه فارسي
وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضا قال أبو زرعة في دلائل النبوة حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليله أسري به وجد رائحة طيبة فقال يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة قال هذه ريح قبر الماشطة وابنتها وزوجها وقال وكان بدء ذلك أن الخضر كان من
أشراف بني إسرائيل وكان ممره براهب في صومعته فتطلع عليه الراهب فعلمه الاسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الاسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا وكان لا يقرب النساء ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا ثم طلقها فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر فأقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر قال قد رأيت العزقيل ومن رآه معك قال فلان فسئل فكتم وكان من دينهم انه من كذب قتل فقتل وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة قال فبينما هي تمشط بنت فرعون اذ سقط المشط من يدها فقالت نعس فرعون فأخبرت أباها وكان للمرأة ابنان وزوج فأرسل اليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما فأبيا فقال إني قاتلكما فقالا احسان منك الينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فجعلتها في قبر واحد فقال وما وجدت ريحا أطيب منهما وقد دخلت الجنة وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجا من كلام أبي بن كعب أو عبدالله بن عباس والله أعلم وقال بعضهم كنيته أبو العباس والأشبه والله أعلم أن الخضر لقب غلب عليه قال البخاري رحمه الله حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء تفرد به البخاري وكذلك رواه عبدالرزاق عن معمر به ثم قال عبدالرزاق الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه يعني الهشيم اليابس وقال الخطابي وقال أبو عمر الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها وقال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر كما قال الراعي
ولقد ترى الحبشي حول بيوتنا * جذلا إذا ما نال يوما ما كلا
جعدا أصك كأن فروة رأسه * بذرت فأنبت جانباه فلفلا
قال الخطابي إنما سمي الخضر خضرا لحسنه واشراق وجهه قلت هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت إلى ما عداه وقد روى الحافظ بن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق اسماعيل بن حفص بن عمر الأيلي حدثنا عثمان وأبو جزي وهمام بن يحيى عن قتادة عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما سمي الخضر خضرا لأنه صلى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء وهذا غريب من هذا الوجه وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله وتقدم أن موسى ويوشع عليهما السلام لما رجعا يقصان الاثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه فسلم عليه السلام فكشف عن وجهه فرد وقال أني بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل قال نعم فكان من أمرهما ما قصه
الله في كتابه عنهما
وقد دل سباق القصة على نبوته من وجوه أحدهما قوله تعالى فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما الثاني قول موسى له هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا فلو كان وليا وليس بني لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصه الله به دونه فلو كان غير نبي لم يكن معصوما ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى إليه كما يوحى إليه وقد خص من العلوم اللدنية والأسرار النبوية بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بني إسرائيل الكريم وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني على نبوة الخضر عليه السلام الثالث أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلام وهذا دليل مستقل على نبوته وبرهان ظاهر على عصمته لأن الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده لأن خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلم علما منه بأنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دل ذلك على نبوته وأنه مؤيد من الله بعصمته وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا الرابع أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلى قال بعد ذلك كله رحمة من ربك وما فعلته من أمري يعني ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحى إلي فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا وإذا ثبت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وإن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون إليه ولا معتمد يعتمدون عليه
وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا فالجمهور على أنه باق إلى اليوم قيل لأنه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة وقيل لأنه شرب من عين الحياة فحيى
وذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه إلى الآن وسنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة وهذه وصيته لموسى حين قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئكم بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة قال البيهقي أنبأنا أبو سعيد ابن أبي عمرو حدثنا أبو عبدالله الصفار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا اسحاق ابن اسماعيل حدثنا جرير حدثني أبو عبدالله الملطي قال لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى أوصني قال كن نفاعا ولا تكن ضرارا كن بشاشا ولا تكن غضبان ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة وفي رواية من طريق أخرى زيادة ولا تضحك إلا من عجب وقال وهب بن منبه قال الخضر يا موسى إن الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها وقال بشر بن الحارث الحافي قال موسى للخضر أوصني فقال يسر الله عليك طاعته وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق ذكرياء بن يحيى الوقاد إلا أنه من الكذابين الكبار قال قرىء على عبدالله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري قال مجالد قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدري قال عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخي موسى يا رب ذكر كلمته فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها فقال السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران إن ربك يقرأ عليك السلام قال موسى هو السلام وإليه السلام والحمد لله رب العالمين الذي لا أحصي نعمه ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ثم قال موسى أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك فقال الخضر يا طالب العلم ان القائل اقل ملامة من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم وأعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك واغرف من الدنيا وأنبذها وراءك فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد ورض نفسك على الصبر تخلص من الاثم يا موسى تفرغ للعلم ان كنت تريده فانما العلم لمن تفرغ له ولا تكن مكثارا للعلم مهذارا فإن كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوي السخفاء ولكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من التوفيق والسداد وأعرض عن الجهال وماطلهم وأحلم عن السفهاء فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء اذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما وجانبه حزما فإن ما بقي من جهله عليك وسبه اياك أكثر وأعظم يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا فإن الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا ندري ما غلقه ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نهمته ولا تنقضي منها رغبته ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدا هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بواره ولغيرك نوره يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك والعلم والذكر كلامك واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يرضى ربك واعمل خيرا فإنك لا بد
عامل سوء قد وعظت ان حفظت قال فتولي الخضر وبقي موسى محزونا مكروبا يبكي
لا يصح هذا الحديث وأظنه من صنعة ذكريا بن يحيى الوقاد المصري كذبه غير واحد من الأئمة والعجب أن الحافظ بن عساكر سكت عنه وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ثنا عمرو بن اسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي حدثنا بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ألا أحدثكم عن الخضر قالوا بلى يا رسول الله قال بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال تصدق علي بارك الله فيك فقال الخضر آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون ما عندي من شيء أعطيكه فقال المسكين أسألك بوجه الله لما تصدقت علي فإني نظرت إلى السماء في وجهك ورجوت البركة عندك فقال الخضر آمنت بالله ما عندي من شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني فقال المسكين وهل يستقيم هذا قال نعم الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم أما أني لا أخيبك بوجه ربي بعنى قال فقدمه إلى السوق فباعه بأربعمائة درهم فمكث عند المشتري زمانا لا يستعمله في شيء فقال له انك ابتعتني التماس خير عندي فأوصني بعمل قال أكره أن أشق عليك انك شيخ كبير ضعيف قال ليس يشق على قال فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة فقال أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه ثم عرض للرجل سفر فقال إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال فأوصني بعمل قال إني أكره أن أشق عليك قال ليس تشق على قال فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك فمضى الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه فقال أسألك بوجه الله ما سبيلك وما أمرك فقال سألتني بوجه الله والسؤال بوجه الله أوقعني في العبودية سأخبرك من أنا أنا الخضر الذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شيء أعطيه فسألني بوجه الله فامكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو بقدر وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع فقال الرجل آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم فقال لا بأس أحسنت وأبقيت فقال الرجل بأبي وأمي يا نبي الله أحكم في أهل ومالي بما أراك الله أو أخيرك فاخلى سبيلك فقال أحب أن تخلي سبيلي فاعبد ربي فخلى سبيله فقال الخضر الحمد لله الذي أوقعني في العبودية ثم نجاني منها وهذا حديث رفعه خطأ والأشبه أن يكون موقوفا وفي رجاله من لا يعرف فالله أعلم


وقد رواه ابن الجوزي في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر من طريق عبدالوهاب بن الضحاك وهو متروك عن بقية وقد روى الحافظ بن عساكر بإسناده إلى السدي أن الخضر والياس كانا أخوين وكان أبوهما ملكا فقال الياس لأبيه إن أخي الخضر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر فقال لها الخضر إنه لا حاجة لي في النساء فإن
شئت اطلقت سراحك وان شئت أقمت معي تعبدين الله عز وجل وتكتمين على سرى فقالت نعم وأقامت معه سنة فلما مضت السنة دعاها الملك فقال إنك شابة وابني شاب فأين الولد فقالت إنما الولد من عند الله إن شاء كان وان لم يشأ لم يكن فأمره أبوه فطلقها وزوجه بأخرى ثيبا قد ولد لها فلما زفت إليه قال لها كما قال للتي قبلها فأجابت إلى الإقامة عنده فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد فقالت إن ابنك لا حاجة له بالنساء فتطلبه أبوه فهرب فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره فهرب من أجل ذلك وأطلق سراح الأخرى فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة فمر بها رجل يوما فسمعته يقول بسم الله فقالت له أنى لك هذا الاسم فقال إني من أصحاب الخضر فتزوجته فولدت له أولادا ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت فرعون فبينما هي يوما تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت ابنة فرعون أبي فقالت لا ربي وربك ورب أبيك الله فأعلمت أباها فأمر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها فألقيت فيه فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها فقال لها ابن معها صغير يا أمه اصبري فإنك على الحق فألقت نفسها في النار فماتت رحمها الله وقد روى ابن عساكر عن أبي داود الأعمى نفيع وهو كذاب وضاع عن أنس بن مالك ومن طريق كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف وهو كذاب أيضا عن أبيه عن جده أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو ويقول اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني وارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم اليه فبعث اليه رسول الله أنس بن مالك فسلم عليه فرد عليه السلام وقال قل له ان الله فضلك على الأنبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره الحديث وهو مكذوب لا يصح سندا ولا متنا كيف لا يتمثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجيء بنفسه مسلما ومتعلما وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي اليهم ويسلم عليهم ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادى بعد ايراده حديث أنس هذا وأهل الحديث متفقون على أنه حديث منكر الاسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلا أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا كامل بن طلحة حدثنا عباد بن عبدالصمد عن أنس بن مالك قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فإلى الله فأنيبوا واليه فارغبوا ونظر اليكم في البلاء فانظروا فإن المصاب من لم يجبر وانصرف فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل فقال أبو بكر وعلي
نعم هو أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر عليه السلام وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة به وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ثم قال البيهقي عباد بن عبدالصمد ضعيف وهذا منكر بمرة قلت عباد بن عبد الصمد هذا هو ابن معمر البصري روى عن أنس نسخة قال ابن حبان والعقيلي أكثرها موضوع وقال البخاري منكر الحديث وقال أبو حاتم ضعيف الحديث جدا منكره وقال ابن عدي عام ما يرويه في فضائل علي وهو ضعيف غال في التشيع وقال الشافعي في مسنده أخبرنا القاسم بن عبدالله بن عمر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب قال علي بن الحسين أتدرون من هذا هذا الخضر شيخ الشافعي القاسم العمري متروك قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يكذب زاد أحمد ويضع الحديث ثم هو مرسل ومثله لا يعتمد عليه ههنا والله أعلم وقد روى من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أبيه عن علي ولا يصح وقد روى عبدالله بن وهب عمن حدثه عن محمد بن عجلان عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفا وهو يقول لا تسبقنا يرحمك الله فانتظره حتى لحق بالصف فذكر دعاءه للميت إن تعذبه فكثيرا عصاك وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك ولما دفن قال طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا فقال عمر خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو قال فتوارى عنهم فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع فقال عمر هذا والله الخضر الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الأثر فيه مبهم وفيه انقطاع ولا يصح مثله
وروى الحافظ بن عساكر عن الثوري عن عبدالله بن محرز عن يزيد بن الأصم عن علي بن أبي طالب قال دخلت الطواف في بعض الليل فإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يمنعه سمع من سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يبرمه الحاح الملحين ولا مسألة السائلين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال فقلت أعد علي ما قلت فقال لي أو سمعته قلت نعم فقال لي والذي نفس الخضر بيده قال وكان هو الخضر لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم لغفرها الله له وهذا ضعيف من جهة عبدالله بن المحرز فإنه متروك الحديث ويزيد بن الأصم لم يدرك عليا ومثل هذا لا يصح والله أعلم وقد رواه أبو اسماعيل الترمذي حدثنا مالك بن اسماعيل حدثنا صالح بن أبي الأسود عن محفوظ بن عبدالله الحضرمي عن محمد بن يحيى قال بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا يغلطه السائلون ويا من لا يتبرم بالحاح الملحين أرزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك
قال فقال له علي يا عبدالله أعد دعاءك هذا قال وقد سمعته قال نعم قال فادع به في دبر كل صلاة فوالذي نفس الخضر بيده لو كانت عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها وحصباء الأرض وترابها لغفر لك أسرع من طرفة عين وهذا أيضا منقطع وفي اسناده من لا يعرف والله أعلم
وقد أورد ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا حدثنا يعقوب بن يوسف حدثنا مالك بن اسماعيل فذكر نحوه ثم قال وهذا إسناد مجهول منقطع وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر أنبأنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد أنبأنا أبو اسحق المزكى حدثنا محمد بن اسحق بن خزيمة حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان أنبأنا عمرو بن عاصم حدثنا الحسن بن زريق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ولا أعلمه إلا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال يلتقي الخضر والياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف الشر إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال وقال ابن عباس من قالهن حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحق والسرق قال وأحسبه قال ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب
قال الدارقطني في الافراد هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشيخ عنه يعني الحسن بن زريق هذا وقد روى عنه محمد بن كثير العبدي أيضا ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي ليس بالمعروف وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي مجهول وحديثه غير محفوظ وقال أبو الحسن بن المنادي هو حديث واه بالحسن بن زريق وقد روى ابن عساكر نحوه من طريق علي بن الحسن الجهضمي وهو كذاب عن ضمرة بن حبيب المقدسي عن أبيه عن العلاء بن زياد القشيري عن عبدالله بن الحسن عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب مرفوعا قال يجتمع كل يوم عرفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر وذكر حديثا طويلا موضوعا تركنا ايراده قصدا ولله الحمد وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن يحيى الخشني عن ابن أبي رواد قال الياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويحجان في كل سنة ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما إلى مثلها من قابل وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبدالملك بن مروان باني جامع دمشق أحب أن يتعبد ليلة في المسجد فأمر القومة أن يخلوه له ففعلوا فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء فقال للقومة ألم آمركم أن تخلوه فقالوا يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلي ههنا وقال ابن عساكر أيضا أنبأنا أبو القاسم بن اسماعيل بن أحمد أنبأنا أبو بكر بن الطبري أنبأنا أبو الحسين بن الفضل أنبأنا عبدالله بن جعفر حدثنا يعقوب هو
ابن سفيان الفسوي حدثني محمد بن عبدالعزيز حدثنا حمزة عن السري بن يحيى عن رباح بن عبيدة قال رأيت رجلا يماشي عمر بن عبدالعزيز معتمدا على يديه فقلت في نفسي إن هذا الرجل حافي قال فلما انصرف من الصلاة قلت من الرجل الذي كان معتمدا على يدك آنفا قال وهل رأيته يا رباح قلت نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخي الخضر بشرني أني سألي وأعدل قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي الرملي مجروح عند العلماء وقد قدح أبو الحسين بن المنادى في ضمرة والسرى ورباح ثم أورد من طرق أخر عن عمر بن عبدالعزيز أنه اجتمع بالخضر وضعفها كلها وروى ابن عساكر أيضا أنه اجتمع بابراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الاسناد وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنه يجوز عليه الخطأ والله أعلم وقال عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن أبا سعيد قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا عن الدجال وقال فيما يحدثنا يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيرهم فيقول أشهد أنك أنت الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحيى والله ما كنت أشد بصيرة فيك مني ألآن قال فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه قال معمر بلغني أنه يجعل على حلقه صحيفة من نحاس وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حيدث الزهري به وقال أبو اسحق ابراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراوي عن مسلم الصحيح أن يقال إن هذا الرجل الخضر وقول معمر وغيره بلغني ليس فيه حجة وقد ورد في بعض الفاظ الحديث فيأتي بشاب ممتلىء شباب فيقتله وقوله الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتضي المشافهة بل يكفي التواتر وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي رحمه الله في كتابه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعات ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ومنهم البخاري وابراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي وقد انتصر لذلك والف فيه كتابا سماه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر فيحتج لهم بأشياء كثيرة منها قوله وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى والأصل عدمه حتى يثبت ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله ومنها أن الله تعالى قال وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب
وحكمه ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه ذكره البخاري عنه فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق فلو كان حيا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه وإن كان نبيا فموسى أفضل منه وقد روى الإمام أحمد في مسنده حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع معهم ليلة الإسراء رفع فوقهم كلهم ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم فصلى بهم في محل ولايتهم ودار اقامتهم فدل على أنه الامام الأعظم والرسول الخاتم المبجل المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين فإذا علم هذا وهو معلوم عند كل مؤمن علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك هذا عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان بحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بني إسرائيل والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم واحد ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه عز وجل واستنصره واستفتحه على من كفره اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة حتى جبريل عليه السلام كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب
وثبير بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد
فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض أصحابنا عن الخصر هل مات فقال نعم قال وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري قال وكان يحتج بأنه لو كان حيا لجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نقله ابن الجوزي في العجالة فإن قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات
ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث النبوة والآيات القرآنية وانكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة والروايات المقلوبة والآراء البدعية والأهواء العصبية وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهوده جمعه وجماعاتهم ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم وتسديده العلماء والحكام وتقريره الأدلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار وجوبه الفيافي والأقطار واجتماع بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم وهذا الذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ليلة العشاء ثم قال أرأيتم ليلتكم هذه فإنه إلى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد وفي رواية عين تطرف قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وإنما أراد انخرام قرنه قال الامام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري قال اخبرني سالم بن عبدالله وأبو بكر بن سليمان ابن أبي خيثمة أن عبدالله بن عمر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن أبي نضرة عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بقليل أو بشهر ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهي يومئذ حية وقال أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بشهر يسألونني عن الساعة وإنما علمها عند الله أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نضرة وأبي الزبير كل منهما عن جابر بن عبدالله به نحوه وقال الترمذي حدثنا عباد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة وهذا أيضا على شرط مسلم قال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر قالوا فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو المظنون الذي يترقى في القوى إلى القطع فلا إشكال وإن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لأنه داخل في هذا العموم والأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم
وقد حكى الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتابه التعريف والاعلام عن البخاري وشيخه أبي بكر بن العربي أنه أدرك حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن مات بعده لهذا الحديث وفي كون البخاري رحمه الله يقول بهذا وأنه بقي إلى زمان النبي صلى الله عليه وسلم نظر ورجح السهيلي بقاءه وحكاه عن الأكثرين قال وأما اجتماعهم
مع النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيته لأهل البيت بعده فمروى من طرق صحاح ثم ذكر ما تقدم مما صعفناه ولم يورد أسانيدها والله أعلم

افتراضي

وأما الياس عليه السلام
@ فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهرون من سورة الصافات وإن الياس لمن المرسلين إذ قال لقومه ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آباءكم الأولين فكذبوه فإنهم لمحضرون إلا عباد الله المخلصين وتركنا عليه في الآخرين سلام على الياسين إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين قال علماء النسب هو الياس التشبي ويقال ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هرون وقيل الياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران قالوا وكان ارساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا وقيل كانت امرأة اسمها بعل والأول أصح ولهذا قال لهم ألا تتقون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين الله ربكم ورب آباءكم الأولين فكذبوه وخالفوه وأرادوا قتله فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم قال أبو يعقوب الأذرعي عن يزيد بن عبدالصمد عن هشام بن عمار قال وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال إن الياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك الله الملك وولى غيره فأتاه الياس فعرض عليه الاسلام فأسلم وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم وقال ابن أبي الدنيا حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم حدثنا عمر بن سعيد الدمشقي حدثنا سعيد بن عبدالعزيز عن بعض مشيخة دمشق قال أقام الياس عليه السلام هاربا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة أو قال أربعين ليلة تأتيه الغربان برزقه وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسماعيل واسحق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون ابنا عمران ثم الياس التشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم عليهم السلام هكذا قال وفي هذا الترتيب نظر وقال مكحول عن كعب أربعة أنبياء أحياء اثنان في الأرض الياس والخضر واثنان في السماء ادريس وعيسى وقد قدمنا قول من ذكر أن الياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك وأن الذي يقوم عليه الدليل أن الخضر مات وكذلك الياس عليهما السلام وما ذكره وهب بن منبه وغيره أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه اليه لما كذبوه وآذوه
فجاءته دابة لونها لون النار فركبها وجعل الله له ريشا وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكيا بشريا سماويا وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ففي هذا نظر وهو من الاسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب بل الظاهر أن صحتها بعيدة والله أعلم
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبدالله الحافظ حدثني أبو أحمد بن سعيد المعداني ببخارا حدثنا عبدالله بن محمود حدثنا عبدان بن سنان حدثني أحمد بن عبدالله البرقي حدثنا يزيد بن يزيد البلوي حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن مكحول عن أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلا فإذا رحل في الوادي يقول اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم المرحومة المغفورة المتاب لها قال فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال لي من أنت فقلت أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأين هو قلت هو ذا يسمع كلامك قال فأته فأقرئه السلام وقل له أخوك الياس يقرئك السلام قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم ثم قعدا يتحادثان فقال له يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يوما وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت قال فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس فـأكلا وأطعماني وصلينا العصر ثم ودعه ورأيت مر في السحاب نحو السماء فقد كفانا البيهقي أمره وقال هذا حديث ضعيف بمرة والعجب أن الحاكم أبا عبدالله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين وهذا مما يستدرك به على المستدرك فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه ومعناه لا يصح أيضا فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في السماء إلى أن قال ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان هو الذي ذهب إليه وهذا لا يصح لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء وفيه أنه يأكل في السنة مرة وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه كيف تكلم عليه فانه أورده من طريق حسين بن عرفة عن هانىء بن الحسن عن بقية عن الأوزاعي عن مكحول عن واثلة عن ابن الاسقع فذكر نحو هذا مطولا وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنس ابن مالك وحذيفة بن اليمان قالا فإذا هو أعلى جسما بذراعين أو ثلاثة واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الابل وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلا من طعام الجنة وقال إن لي في كل أربعين يوما أكلة وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورطب وبقل ما عدا الكراث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن الخضر فقال عهدي به عام أول وقال لي إنك ستلقاه قبلي فأقرئه مني السلام وهذا يدل على أن الخضر
والياس بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة وهنا لا يسوغ شرعا وهذا موضوع أيضا وقد أورد ابن عساكر طرقا فيمن اجتمع بالياس من العباد وكلها لا يفرح بها لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني بشر بن معاذ حدثنا حماد بن واقد عن ثابت قال كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة فدخلت حائطا أصلي فيه ركعتين فافتتحت حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال لي إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي وإذا قلت قابل التوب فقل يا قابل التوب تقبل توبتي وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني وإذا قلت ذي الطول فقل يا ذا الطول تطول علي برحمة فالتفت فإذا لا أحد وخرجت فسألت مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنيه فقالوا ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون الا أنه الياس وقوله تعالى فكذبوه فإنهم لمحضرون أي للعذاب إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون وقوله إلا عباد الله المخلصين أي إلا من آمن منهم وقوله وتركنا عليه في الآخرين أي ابقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ولهذا قال سلام على الياسين أي سلام على الياس العرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا اسماعيل واسماعين واسرائيل واسرائين والياس والياسين ومن قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمد وقرأ ابن مسعود وغيره سلام على ادراسين ونقل عنه من طريق اسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال الياس هو ادريس واليه ذهب الضحاك بن مزاحم وحكاه قتادة ومحمد بن اسحاق والصحيح أنه غيره كما تقدم والله أعلم


يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 03:52 AM
*2* جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام
@ ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان عليهما السلام قال ابن جرير في تاريخه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القائم بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنا يعني أحد أصحاب موسى عليه السلام وهو زوج أخته مريم وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله وهما يوشع وكالب وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قال ابن جرير ثم من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل حزقيل بن يوذي وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت
*2* قصة حزقيل
@ قال الله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون قال محمد بن اسحاق عن
وهب بن منبه إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذى وهو ابن العجوز وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت قال ابن اسحاق فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعا فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت عليهم دهور طويلة فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكرا فقيل له أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر فقال نعم فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحما وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له بذلك فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد وقال أسباط عن السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم قالوا كانت قرية يقال لها داورد ان قبل واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادى وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبى يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقيه وأصابعه فأوحى الله اليه تريد أن أريك كيف أحييهم قال نعم وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقيل له ناد فنادى يا أيتها العظام ان الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله إليه أن ناد يا أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسى لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها ثم قيل له ناد فنادى أيتها الأجساد ان الله يأمرك أن تقومى فقاموا قال أسباط فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا سبحانك اللهم وبحمدك لا اله إلا أنت فرجعوا الى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد رسما حتى ماتوا لآجالهم التى كتبت لهم وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه ثمانيه آلاف وعن أببي صالح تسعه آلاف وعن ابن عباس أيضا كانوا أربعين ألفا وعن سعيد بن عبدالعزيز كانوا من أهل أذرعات وقال ابن جريج عن عطاء هذا مثل يعنى أنه سيق مثلا مبينا أنه لن يغنى حذر من قدر وقول الجمهور أقوى ان هذا وقع وقد روى الإمام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن عبدالله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء وقع بالشام فذكر الحديث يعني في مشاورته المهاجرين
والأنصار فاختلفوا عليه فجاءه عبدالرحمن بن عوف وكان متغيبا ببعض حاجته فقال إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه فحمد الله عمر ثم انصرف وقال الإمام حدثنا حجاج ويزيد المفتي قالا حدثنا ابن أبي ذؤيب عن الزهري عن سالم عن عبدالله بن عامر بن ربيعة أن عبدالرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فرجع عمر من الشام وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه
قال محمد بن اسحاق ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل ثم إن الله قبضه إليه فلما قبض نسى بنو إسرائيل عهد الله اليهم وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل فبعث الله إليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران قلت وقد قدمنا قصة الياس تبعا لقصة الخضر لأنهما يقرنان في الذكر غالبا ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك والله أعلم قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال ثم تنبأ فيهم بعد الياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام وهذه
*2* قصة اليسع عليه السلام
@ وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله واسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين وقال تعالى في سورة ص واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار قال اسحاق بن بشر أبو حذيفة أنبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان بعد الياس اليسع عليهما السلام فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم إلى الله مستمسكا بمنهاج الياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل إليه ثم خلف فيهم الخلوف وعظمت فيهم الأحداث والخطايا وكثرت الجبابرة وقتلوا الأنبياء وكان فيهم ملك عنيد طاغ ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل
قال محمد بن إسحاق هو اليسع بن أخطوب وقال الحافظ أبو القسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ويقال هو ابن عم الياس النبي عليهما السلام ويقال كان مستخفيا بجبل معه قاسيون من ملك بعلبك ثم ذهب معه إليها فلما رفع الياس خلفه اليسع فى قومه ونبأه الله بعده ذكر ذلك عبدالمنعم بن
ادريس عن أبيه عن وهب بن منبه قال وقال غيره وكان ببانياس ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف وبالتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء قلت قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليهما السلام لأنه قد قيل إنه ابن أيوب فالله أعلم
فصل
قال ابن جرير وغيره ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الأنبياء وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكا جبارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضا وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان فى قبة الزمان كما تقدم ذكره فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم فلما علم بذلك ملك بنى إسرائيل فى ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمدا وبقى بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبيا من الأنبياء يقال له شمويل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا ليقاتلوا معه الأعداء فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه قال ابن جرير فكان من وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عز وجل شمويل بن بالى أربعمائة سنة وستون سنة ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدا واحدا تركنا ذكرهم قصدا
*2* قصة شمويل وفيها برأ أمر داود عليهما السلام وفيها بدأ أمر داود عليها السلام
@ هو شمويل ويقال له أشمويل بن بالى بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا قال مقاتل وهو من ورثة هارون وقال مجاهد هو أشمويل بن هلفاقا ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا فالله أعلم
حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل وقتلوا منهم خلقا كثيرا وسبوا من أبنائهم جمعا كثيرا وانقطعت النبوة من سبط لاوى ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها ولدا ذكرا فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه بالعبرانية إسماعيل أي سمع الله دعائي فلما ترعرع بعثته إلى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورا فظنه الشيخ يدعوه فسأله أدعوتني
فكره أن يفزعه فقال نعم نم فنام ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال إن ربك قد بعثك إلى قومك فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه قال الله تعالى في كتابه العزيز ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم وقال لهم نبيهم ان آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين
قال أكثر المفسرين كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل وقيل شمعون وقيل هما واحد وقيل يوشع وهذا بعيد لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة فالله أعلم
والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الاعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الأعداء فقال لهم هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله أي وأي شيء يمنعنا من القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا يقولون نحن محروبون موتورون فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم قال تعالى فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال وقال لهم نبيهم ان الله قد بعث لكم طالوت ملكا قال الثعلبي وهو طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل
قال عكرمة والسدي كان سقاءا وقال وهب بن منبه كان دباغا وقيل غير ذلك فالله أعلم ولهذا قالوا أنى يكون لك الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى وأن الملك كان في سبط يهوذا فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في امارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه وذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه فكيف يكون مثل هذا ملكا قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم قيل كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا وإذا حضر عندك يفوز هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه الملك عليهم وقال لهم إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم قيل في أمر الحروب وقيل بل مطلقا والجسم قيل الطول وقيل الجمال والظاهر من السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه السلام والله يؤتي ملكه من يشاء فله الحكم وله الخلق والأمر والله واسع عليم وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم وقهرهم الأعداء عليه وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه فيه سكينة من ربكم قيل طشت من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء وقيل السكينة مثل الريح الحجوج وقيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون قيل كان فيه رضاض الألواح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه تحمله الملائكة أي تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عيانا ليكون آية لله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ولهذا قال إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين وقيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة وقيل كان فيه التوراة أيضا فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم فأخذهم داء في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما فيقال إن الملائكة ساقتهما حتى جاؤا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم بالجنود من الآية والله أعلم وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم فلما فصل طالوت قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده
قال ابن عباس وكثير من المفسرين هذا النهر هو نهر الأردن وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له إختبارا وامتحانا أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبني في هذه الغزوة ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده قال الله تعالى فشربوا منه إلا قليلا منهم
قال السدي كان الجيش ثمانين ألفا فشرب منه ستة وسبعون ألفا فبقي معه أربعة آلاف كذا قال وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة مؤمن وقول السدي أن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا والله أعلم قال الله تعالى فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طافة لنا اليوم بجالوت وجنوده أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة إلى قلتهم وكثرة عدد عدوهم قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين يعني بها الفرسان منهم والفرسان أهل الإيمان والإيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الأبطال وحومة الوغى والدعاء إلى النزال فسألوا التثبت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير إلى ما سألوا وأنا لهم ما إليه فيه رغبوا ولهذا قال فهزموهم بإذن الله أي بحول الله لا بحولهم وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم كما قال تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون وقوله تعالى وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام وأنه قتله قتلا أذل به جنده وكسره ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة ويأسر الأبطال والشجعان والأقران وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان ويدال لأولياء الله على أعدائه ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكرا كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رميا عظيما فبينا هو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت فأخذه ثم
حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك فأخذ الثلاثة في مخلاته فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا إلى نفسه فتقدم إليه داود فقال له ارجع فإني أكره قتلك فقال لكني أحب قتلك وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة ثم أدارها فصارت الثلاثة حجرا واحدا ثم رمى بها جالوت ففلق رأسه وفر جيشه منهزما فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته وأجرى حكمه في ملكه وعظم داود عليه السلام عند بني إسرائيل وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك فلم يصل إليه وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل ثم حصر له توبة وندم واقلاع عما سلف منه وجعل يكثر من البكاء ويخرج إلى الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة فقيل له وهل أبقيت عالما حتى دل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشع عليه السلام قالوا فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال أقامت القيامة فقالت لا ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة فقال نعم ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل ثم عاد ميتا فترك الملك لداود عليه السلام وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا قالوا فذلك قوله وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي بإسناده وفي بعض هذا نظر ونكارة والله أعلم


وقال محمد بن اسحق النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضا وذكر الثعلبي انها أتت به إلى قبر اشمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور وهذا أنسب ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيا فإن هذا إنما يكون معجزة لنبي وتلك المرأة لم تكن نبية والله أعلم وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلى أن قتل مع أولاده أربعون سنة فالله أعلم
*2* قصة داود وما كان في أيامه ثم فضائله وشمائله ودلائل نبوته واعلامه
@ هو داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن ارم بن حصرون ابن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحق بن ابراهيم الخليل عبدالله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس
قال
محمد بن اسحق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه كان داود عليه السلام قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلى ملكه عليهم فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلى داود عليه السلام وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين أي لولا اقامة الملوك حكاما على الناس لأكل قوي الناس ضعيفهم ولهذا جاء في بعض الآثار السلطان ظل الله في أرضه وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له اخرج إلي وأخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت قال وهب بن منبه فمال الناس إلى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود وقيل إن ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضهم أنه ولاه قبل الوقعة قال ابن جرير والذي عليه الجمهور أنه إنما ولي ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبدالعزيز أن قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي هناك هو المذكور في الآية فالله أعلم وقال تعالى ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا اني بما تعملون بصير وقال تعالى وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده إلى صنعتها وكيفيتها فقال وقدر في السرد أي لا تدق المسمار فيغلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة
قال الحسن البصري وقتادة والأعمش كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلى نار ولا مطرقة قال قتادة فكان أول من عمل الدروع من زرد وإنما كانت قبل ذلك من صفائح قال ابن شوذب كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان نبي الله داود كان يأكل من كسب يده وقال تعالى واذكر عبدنا داود ذا الأيد انه أواب انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب قال ابن عباس ومجاهد الايد القوة في الطاعة يعني ذا قوة في العبادة والعمل الصالح قال قتادة اعطى قوة في العبادة وفقها في الإسلام قال وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أحب الصلوة إلى الله صلاة داود
وأحب الصيام إلى الله صيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى وقوله انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب كما قال يا جبال أوبي معه والطير أي سبحي معه قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية انا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق أي عند آخر النهار وأوله وذلك أنه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا بحيث أنه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا صلوات الله وسلامه عليه وقال الأوزاعي حدثني عبدالله بن عامر قال اعطى داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا وحتى ان الأنهار لتقف وقال وهب بن منبه كان لا يسمعه أحد الا حجل كهيئة الرفص وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الأذان بمثله فيعكف الجن والإنس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعا وقال أبو عوانة الاسفراييني حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا محمد بن منصور الطوسي سمعت صبيحا أنبئنا برادح قال أبو عوانة وحدثني أبو العباس المدني حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر عن مالك قال كان داود عليه السلام إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى وهذا غريب وقال عبدالرزاق عن ابن جريج سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال وما بأس بذلك سمعت عبيد بن عمر يقول كان داود عليه السلام يأخذ العزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكي وتبكي وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داود وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود على شرط مسلم وقد روينا عن أبي عثمان الترمذي أنه قال لقد سمعت البربط والمزمار فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابه الزبور كما قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خفف على داود القراءة فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته وكان لا يأكل الا من عمل يديه وكذله رواه البخاري
منفردا به عن عبدالله بن محمد بن عبدالرزاق به ولفظه خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوا به فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل الا من عمل يديه ثم قال البخاري ورواه موسى بن عقبة عن صفوان هو ابن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة ومن طريق أبي عاصم عن أبي بكر السبري عن صفوان بن سليم به
والمراد بالقرآن ههنا الزبور الذي أنزله عليه وأوحاه إليه وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإنه كان ملكا له اتباع فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع صلوات الله وسلامه عليه وقد قال الله تعالى وآتينا داود زبورا والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه وقوله وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب أي أعطيناه ملكا عظيما وحكما نافذا روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا إلى داود عليه السلام في بقر ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما إلى الليل فلما كان الليل أوحى الله إليه أن يقتل المدعي فلما أصبح قال له داود ان الله قد أوحى إلي أن أقتلك فأنا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما ادعيته على هذا قال والله يا نبي الله إني لمحق فيما ادعيت عليه ولكني كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بني إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما قال ابن عباس وهو قوله تعالى وشددنا ملكه وقول تعالى وآتيناه الحكمة أي النبوة وفصل الخطاب قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبدالرحمن السلمي وغيرهم فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك البينة على المدعي واليمين على من أنكر وقال مجاهد والسدي هو اصابة القضاء وفهمه وقال مجاهد هو الفصل في الكلام وفي الحكم واختاره ابن جرير وهذا لا ينافي ما روى عن أبي موسى أنه قول أما بعد وقال وهب بن منبه لما كثر الشر وشهادات الزور في بني إسرائيل أعطي داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء إلى صخرة بيت المقدس وكانت من ذهب فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا نالها والآخر لا يصل إليها فلم تزل كذلك حتى اودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه واتخذ عكازا وأودعها فيه فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعي فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد إلى العكاز فأعطاه المدعى وفيه تلك اللؤلؤة وقال اللهم انك تعلم أني دفعتها إليه ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بني إسرائيل ثم رفعت سريعا من بينهم ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين وقد رواه اسحق بن بشر عن ادريس بن سنان عن وهب به بمعناه وهل أتاك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم
قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغى بعضهم على بعض الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف ههنا قصصا وأخبارا أكثرها اسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا ايرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
وقد اختلف الأئمة فس سجدة ص هل هي من عزائم السجود أو انما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين قال البخاري حدثنا محمد بن عبدالله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال سألت ابن عباس من أين سجدت قال أو ما تقرأ ومن ذريته داود وسليمان أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فكان داود ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وسلم أن يقتدى به فسجدها داود عليه السلام فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الإمام أحمد حدثنا اسماعيل هو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي حسن صحيح وقال النسائي أخبرني أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا تفرد به أحمد ورجاله ثقات وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عياض بن عبدالله بن سعد بن أبي سرح عن أبي سعيد الخدري قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشرف الناس للسجود فقال إنما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشرفتم فنزل وسجد تفرد به أبو داود واسناده على شرط الصحيح وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يسجد بها بعد تفرد به أحمد وروى الترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيدالله بن أبي يزيد قال قال لي ابن جريج حدثني جدك عبيدالله بن أبي يزيد عن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني
رأيت فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودي فسمعتها تقول وهي ساجدة اللهم اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عني بها وزرا واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود وقال ابن عباس فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه
وقد ذكر بعض المفسرين أنه عليه السلام مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشي وهو ضعيف متروك الرواية قال الله تعالى فغفرنا له ذلك وان له عندنا لزلفى وحسن مآب أي إن له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا وقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الأغر به وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبدالله بن أبي زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله وان له عندنا لزلفى وحسن مآب قال يقوم داود عليه السلام يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله يا داود مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته فيقول اني أرده عليك اليوم قال فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب هذا خطاب من الله تعالى مع داود والمراد ولاة الأمور وحكام الناس وأمرهم بالعدل واتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والأهواء وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وقد كان داود عليه السلام هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات حتى إنه كان لا يمضي ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا اسمعيل بن ابرهيم بن بسام حدثنا صالح المزي عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد قال قرأت في مسألة داود عليه السلام أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي أن يا داود ألست تعلم أن الذي بك من النعم مني قال بلى يا رب قال فاني أرضى بذلك منك وقال البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن يونس القرشي حدثنا روح بن عبادة حدثني عبدالله بن لاحق عن ابن
شهاب قال قال داود الحمد لله كما ينبغي لكم وجهه وعز جلاله فأوحى الله إليه إنك أتعبت الحفظة يا داود ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن علي بن الجعد عن الثوري مثله وقال عبدالله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري عن رجل عن وهب بن منبه قال إن في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا غفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فإن هذه الساعة عون على هذه الساعات واجمام للقلوب وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن أبي بكر بن أبي خيثمة عن ابن مهدي عن سفيان عن أبي الأغر عن وهب بن منبه فذكره ورواه أيضا عن علي بن الجعد عن عمر بن الهيثم الرقاشي عن أبي الأغر عن وهب بن منبه فذكره وأبو الأغر هذا هو الذي أبهمه ابن المبارك في روايته قاله ابن عساكر وقال عبدالرزاق أنبأنا بشر بن رافع حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبدالله قال سمعت وهب بن منبه فذكر مثله وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه السلام أشياء كثيرة مليحة منها قوله كن لليتيم كالأب الرحيم واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد وروى بسند غريب مرفوعا قال داود يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها وعن داود عليه السلام أنه قال مثل الخطيب الأحمق في نادي القوم كمثل المغني عند رأس الميت وقال أيضا ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى وقال انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادي القوم فلا تفعله اذا خلوت وقال لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فان ذلك عداوة ما بينك وبينه وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر الواقدي حدثني هشام بن سعد عن عمر مولى عفرة قال قالت يهود لما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوج النساء انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة إلا إلى النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه فقال أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله يعني بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما يعني ما أتى الله سليمان ابن داود كانت له الف امرأة سبعمائة مهرية وثلثمائة سرية وكانت لداود عليه السلام مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد صلى الله عليه وسلم وقد ذكر الكلبي نحو هذا وانه كان لداود عليه السلام مائة امرأة ولسليمان الف امرأة منهن ثلثمائة سرية وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقي الذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج
ابن فضالة الحمصي عن أبي هريرة الحمصي عن صدقة الدمشقي أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى وكان يصوم يوما ويفطر يوما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكون فيها وكانت له ركعة من الليل يبكي فيها نفسه ويبكي ببكائه كل شيء ويصرف بصوته الهموم والمحموم وان شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فانه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام وان شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم فانه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميه وقام يصلي حتى يصبح وكان راميا لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بني إسرائيل فيقضي لهم حوائجهم
وإن شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين
وإن شئت أنبأتك بصوم النبي العربي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر وقد روى الإمام أحمد عن أبي النصر عن فرج بن فضالة عن أبي هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود
*2* كمية حياته وكيفية وفاته عليه السلام
@ قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء عليهم السلام ورأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا الا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم الف سنة ولداود مائة سنة رواه أحمد عن ابن عباس والترمذي وصححه عن أبي هريرة وابن خزيمة وابن حبان وقال الحاكم على شرط مسلم وقد تقدم ذكر طرقه والفاظه في قصة آدم قال ابن جرير وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة قلت هذا غلط مردود عليهم قالوا وكان مدة ملكه أربعين سنة وهذا قد يقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه



وأما وفاته عليه السلام فقال الإمام أحمد في مسنده حدثنا قبيصة حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان داود عليه السلام فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة والله لنفتضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقاله له داود من أنت قال أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب فقال داود أنت والله إذن ملك الموت مرحبا بأمر الله ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس فقال سليمان للطير أظلي على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال سليمان للطير اقبضي جناحا قال قال أبو هريرة فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يرينا كيف فعلت الطير وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وغلبت عليه يومئذ المضرحية انفرد بإخراجه الإمام أحمد وأسناده جيد قوي رجاله ثقات ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية أي وغلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الأجنحة وأحدها مضرحي قال الجوهري وهو الصقر الطويل الجناح وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس قال مات داود عليه السلام فجأة وكان بسبت وكانت الطير تظله وقال السدي أيضا عن أبي مالك وعن سعيد بن جبير قال مات داود عليه السلام يوم السبت فجأة وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال مات داود عليه السلام وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة وقال أبو السكن الهجري مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه ابن عساكر وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له دعني انزل أو أصعد فقال يا نبي الله قد نفذت السنون والشهور والآثار والأرزاق قال فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد وقال اسحاق بن بشر أنبأنا وافر بن سليمان عن أبي سليمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال إن الناس حضروا جنازة داود عليه السلام فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ولم يمت في بني إسرائيل بعد موسى وهرون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود قال فآذاهم الحر فنادوا سليمان عليه السلام ان يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضهم إلى بعض من كل وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا
إلى سليمان عليه السلام من الغم فخرج سليمان فنادى الطير ان أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح فعلت فكان الناس في ظل وتهب عليهم الريح فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع حدثني الوليد بن مسلم عن الهيثم بن حميد عن الوضين بن عطاء عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قبض الله داود من بين أصحابه ما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث اصحاب المسيح على سننه وهديه مائتي سنة هذا حديث غريب وفي رفع نظر والوضين بن عطاء كان ضعيفا في الحديث والله اعلم
*2* قصة سليمان بن داود عليهما السلام
@ قال الحافظ بن عساكر هو سليمان بن داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عمينا داب بن ارم بن حصرون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم أبي الربيع نبي الله بن نبي الله جاء في بعض الآثار انه دخل دمشق قال ابن ماكولا فارص بالصاد المهملة وذكر نسبه قريبا مما ذكره ابن عساكر قال الله تعالى وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين أي ورثه في النبوة والملك وليس المراد ورثه في المال لأنه قد كان له بنون غيره فما كان ليخص بالمال دونهم وأنه قد ثبت في الصحاح من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة وفي لفظ نحن معاشر الأنبياء لا نورث فأخبر الصادق المصدوق أن الأنبياء لا تورث أموالهم عنهم كما يورث غيرهم بل يكون أموالهم صدقة من بعدهم على الفقراء والمحاويج لا يخصون بها أقرباؤهم لأن الدنيا كانت أهون عليهم وأحقر عندهم من ذلك كما هي عند الذي أرسلهم واصطفاهم وفضلهم وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير الآية يعني أنه عليه السلام كان يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها ويعبر للناس عن مقاصدها وارادتها وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ أنبأنا علي بن حشاد حدثنا إسمعيل بن قتيبة حدثنا علي بن قدامة حدثنا أبو جعفر الاسواني يعني محمد بن عبدالرحمن عن أبي
يعقوب العمي حدثني أبو مالك قال مر سليمان بن داود بعصفور يدور حول عصفورة فقاله لأصحابه أتدرون ما يقول قالوا وما يقول يا نبي الله قال يخطبها إلى نفسه ويقول زوجيني أسكنك أي غرف دمشق شئت قال سليمان عليه السلام لأن غرف دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها أحد ولكن كل خاطب كذاب رواه ابن عساكر عن أبي القاسم زاهر بن طاهر عن البيهقي به وكذلك ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات والدليل على هذا قوله بعد هذا من الآيات وأوتينا من كل شيء أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والشياطين السارحات والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من النطقات والصامتات ثم قال إن هذا لهو الفضل المبين أي من بارىء البريات وخالق الأرض والسموات كما قال تعالى وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون حتى إذا أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني ان أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين
يخبر تعالى عن عبده ونبيه وابن نبيه سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام أنه ركب يوما في جيشه جميعه من الجن والإنس والطير فالجن والإنس يسيرون معه والطير سائرة معه تظله بأجنحتها من الحر وغيره وعلى كل من هذه الجيوش الثلاثة وزعة أي نقباء يردون أوله على آخره فلا يتقدم أحد عن موضعه الذي يسير فيه ولا يتأخر عنه قال الله تعالى حتى إذا أتوا على وداي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فأمرت وحذرت واعذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور وقد ذكر وهب أنه مر وهو على البساط بواد بالطائف وأن هذه النملة كان اسمها جرسا وكانت من قبيلة يقال لهم بنو الشيصبيان وكانت عرجاء وكانت بقدر الذئب وفي هذا كله نظر بل في هذا السياق دليل على أنه كان في موكبه راكبا في خيوله وفرسانه لا كما زعم بعضهم من أنه كان إذ ذاك على البساط لأنه لو كان كذلك لم ينل النمل منه شيء ولا وطء لأن البساط كان عليه جميع ما يحتاجون إليه من الجيوش والخيول والجمال والاثقال والخيام والأنعام والطير من فوق ذلك كله كما سنبينه بعد ذلك إن شاء الله تعالى
والمقصود أن سليمان عليه السلام فهم ما خاطبت به تلك النملة لامتها من الرأي السديد والأمر الحميد وتبسم من ذلك على وجه الاستبشار والفرح والسرور بما أطلعه الله عليه دون غيره وليس كما يقوله بعض الجهلة من أن الدواب كانت تنطق قبل سليمان وتخاطب الناس حتى أخذ عليهم سليمان بن داود العهد وألجمها فلم تتكلم مع الناس بعد ذلك فإن هذا لا يقوله إلا الذين لا يعلمون ولو كان هذا هكذا لم يكن لسليمان في فهم لغاتها مزية على غيره إذ قد كان الناس كلهم يفهمون ذلك ولو كان قد أخذ عليها العهد أن لا تتكلم مع غيره وكان هو يفهمها لم يكن في هذا أيضا فائدة يعول عليها ولهذا قال رب أوزعني أي ألهمني وأرشدني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين فطلب من الله أن يقيضه للشكر على ما أنعم به عليه وعلى ما خصه به من المزية على غيره وأن ييسر عليه العمل الصالح وأن يحشره إذا توفاه مع عباده الصاحين وقد استجاب الله تعالى له والمراد بوالديه داود عليه السلام وأمه وكانت من العابدات الصالحات كما قال سنيد بن داود عن يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قالت أم سليمان بن داود يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تدع العبد فقيرا يوم القيامة رواه ابن ماجة عن أربعة من مشايخه عنه به نحوه وقال عبدالرزاق عن معمر عن الزهري أن سليمان بن داود عليه السلام خرج هو وأصحابه يستسقون فرأى نملة قائمة رافعة احدى قوائمها تستسقي فقال لأصحابه ارجعوا فقد سقيتم إن هذه النملة استسقت فاستجيب لها قال ابن عساكر وقد روي مرفوعا ولم يذكر فيه سليمان ثم ساقه من طريق محمد بن عزيز عن سلامة بن روح بن خالد عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خرج نبي من الأنبياء بالناس يستسقون الله فإذا هم بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء فقال النبي ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة وقال السدي أصاب الناس قحط على عهد سليمان عليه السلام فأمر فأمر الناس فخرجوا فإذا بنملة قائمة على رجليها باسطة يديها وهي تقول اللهم إنا خلق من خلقك ولا غناء بنا عن فضلك قال فصب الله عليهم المطر قال تعالى وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون إلا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين إذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون
قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والإمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا اعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة اليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فماآتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون يذكر تعالى ما كان من أمر سليمان والهدهد وذلك أن الطيور كان على كل صنف منها مقدمون يقدمون بما يطلب منهم ويحضرون عنده بالنوبة كما هي عادة الجنود مع الملوك وكانت وظيفة الهدهد على ما ذكره ابن عباس وغيره انهم كانوا إذا اعوزوا الماء في القفار في حال الأسفار يجيء فينظر له هل بهذه البقاع من ماء وفيه من القوة التي اودعها الله تعالى فيه أن ينظر إلى الماء تحت تخوم الأرض فإذا دلهم عليه حفروا عنه واستنبطوه وأخرجوه واستعملوه لحاجتهم فلما تطلبه سليمان عليه السلام ذات يوم فقده ولم يجده في موضعه من محل خدمته فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين أي ماله مفقود من ههنا أو قد غاب عن بصري فلا أراه بحضرتي لأعذبنه عذابا شديدا توعده بنوع من العذاب اختلف المفسرون فيه والمقصود حاصل على كل تقدير أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين أي بحجة تنجيه من هذه الورطة قال الله تعالى فمكث غير بعيد أي فغاب الهدهد غيبة ليست بطويلة ثم قدم منها فقال لسليمان احطت بما لم أحط به أي اطلعت على ما لم تطلع عليه وجئتك من سبأ بنبأ يقين أي بخبر صادق إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم يذكر ما كان عليه ملوك سبأ في بلاد اليمن من المملكة العظيمة والتبابعة المتوجين وكان الملك قد آل في ذلك الزمان إلى امرأة منهم ابنة ملكهم لم يخلف غيرها فملكوها عليهم
وذكر الثعلبي وغيره أن قومها ملكوا عليهم بعد أبيها رجلا فعم به الفساد فأرسلت إليه تخطبه فتزوجها فلما دخلت عليه سقته خمرا ثم حزت رأسه ونصبته على بابها فأقبل الناس عليها وملكوها عليهم وهي بلقيس بنت السيرح وهو الهدهاد وقيل شراحيل بن ذي جدن بن السيرح بن الحرث بن قيس بن صيفي بن سبابن يشجب بن يعرب بن قحطان وكان أبوها من أكابر الملوك وكان يأبى أن يتزوج من أهل اليمن فيقال إنه تزوج بامرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن فولدت له هذه المرأة واسمها تلقمة ويقال لها بلقيس وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كان أحد أبوي بلقيس جنيا وهذا حديث غريب وفي سنده ضعف وقال الثعلبي أخبرني أبو عبدالله بن قبحونة حدثنا أبو بكر بن جرحة حدثنا ابن أبي الليث حدثنا أبو كريب حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال ذكرت بلقيس
عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة اسماعيل بن مسلم هذا هو المكي ضعيف وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث عوف عن الحسن عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم ابنة كسرى قال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ورواه الترمذي والنسائي من حديث حميد عن الحسن عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي حسن صحيح وقوله وأوتيت من كل شيء أي مما من شأنه أن تؤتاه الملوك ولها عرش عظيم يعني سرير مملكتها كان مزخرفا بأنواع الجواهر والآلي والذهب والحلي الباهر ثم ذكر كفرهم بالله وعبادتهم الشمس من دون الله واضلال الشيطان لهم وصده اياهم عن عبادة الله وحده لا شريك له الذي يخرج الخبء في السموات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون أي يعلم السرائر والظواهر من المحسوسات والمعنويات الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم أي له العرش العظيم الذي لا أعظم منه في المخلوقات فعند ذلك بعث معه سليمان عليه السلام كتابه يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله والإنابة والإذعان إلى الدخول في الخضوع لملكه وسلطانه ولهذا قال لهم ألا تعلوا على أي لا تستكبروا عن طاعتي وامتثال أوامري واتوني مسلمين أي وأقدموا علي سامعين مطيعين بلا معاودة ولا مراودة فلما جاءها الكتاب مع الطير ومن ثم اتخذ الناس البطائق ولكن أين الثريا من الثرى تلك البطاقة كانت مع طائر سامع مطيع فاهم عالم بما يقول ويقال له فذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن الهدهد حمل الكتاب وجاء إلى قصرها فالقاه إليها وهي في خلوة لها ثم وقف ناحية ينتظر ما يكون من جوابها عن كتابها فجمعت أمراءها ووزراءها وأكابر دولتها إلى مشورتها قالت يا أيها الملأ اني القى الى كتاب كريم ثم قرأت عليهم عنوانه أولا انه من سليمان ثم قرأته وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي واتوني مسلمين ثم شاورتهم في أمرها وما قد حل بها وتأدبت معهم وخاطبتهم وهم يسمعون قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمرها ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون تعني ما كنت لأبت أمرا الا وأنتم حاضرون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد يعنون لنا قوة وقدرة على الجلاد والقتال ومقاومة الأبطال فإن أردت منا ذلك فانا عليه من القادرين و مع هذا الأمر اليك فانظري ماذا تأمرين فبذلوا لها السمع والطاعة وأخبروها بما عندهم من الاستطاعة وفوضوا اليها في ذلك الأمر لترى فيه ما هو الا رشد لها ولهم فكان رأيها أتم وأسد من رأيهم وعلمت أن صاحب هذا الكتاب لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف ولا يخادع قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون تقول برأيها السديد إن هذا الملك لو قد غلب على هذه المملكة لم يخلص الأمر من بينكم الا إلى ولم تكن الحدة والشدة والسطوة البليغة الا على وإني مرسلة اليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون أرادت أن تصانع عن نفسها وأهل مملكتها بهدية ترسلها وتحف تبعثها ولم تعلم أن سليمان عليه السلام لا يقبل منهم والحالة هذه صرفا ولا عدلا لأنهم كافرون وهو
وجنوده عليهم قادرون ولهذا لما جاء سليمان قال اتمدونن بمال فما آتاني الله خيرا مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون هذا وقد كانت تلك الهدايا مشتملة على أمور عظيمة كما ذكره المفسرون ثم قال لرسولها اليه ووافدها الذي قدم عليه والناس حاضرون يسمعون ارجع اليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون يقول ارجع بهديتك التي قدمت بها الى من قدمن بها فان عندي مما قد أنعم الله علي وأسداه إلي من الأموال والتحف والرجال ما هو أضعاف هذا وخير من هذا الذي أنتم تفرحون به وتفخرون على أبناء جنسكم بسببه فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها أي فلأبعثن اليهم بجنود لا يستطيعون دفاعهم ولا نزالهم ولا مما نعتهم ولا قتالهم ولأخرجنهم من بلدهم وحوزتهم ومعاملتهم ودولتهم أذلة وهم صاغرون عليهم الصغار والعار والدمار فلما بلغهم ذلك عن نبي الله لم يكن لهم بد من السمع والطاعة فبادروا إلى اجابته في تلك الساعة وأقبلوا صحبة الملكة أجمعين سامعين مطيعين خاضعين فلما سمع بقدومهم عليه ووفودهم اليه قال لمن بين يديه ممن هو مسخر له من الجان ما قصه الله عنه في القرآن قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك واني عليه لقوي أمين قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم قال نكروا لها عشرها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم ن قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب اني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين
لما طلب سليمان من الجان أن يحضروا له عرش بلقيس وهو سرير مملكتها التي تجلس عليه وقت حكمها قبل قدومها عليه قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك يعني قبل أن ينقضي مجلس حكمك وكان فيما يقال من أول النهار إلى قريب الزوال يتصدى لمهمات بني إسرائيل وما لهم من الأشغال واني عليه لقوي أمين أي واني لذو قدرة على احضاري اليك وأمانة على ما فيه من الجواهر النفيسة لديك قال الذي عنده علم من الكتاب المشهور أنه آصف بن برخيا وهو ابن خالة سليمان وقيل هو رجل من مؤمني الجان كان فيما يقال يحفظ الاسم الأعظم وقيل رجل من بني إسرائيل من علمائهم وقيل إنه سليمان وهذا غريب جدا وضعفه السهيلي بأنه لا يصح في سياق الكلام قال وقد قيل فيه قور رابع وهو جبريل أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك قيل معناه قبل أن تبعث رسولا إلى أقصى ما ينتهي إليه طرفك من الأرض ثم يعود اليك وقيل قبل أن يصل إليك أبعد من تراه من
الناس وقيل قبل أن يكل طرفك إذا أدمت النظر به قبل أن تطبق جفنك وقيل قبل أن يرجع اليك طرفك إذا نظرت به إلى أبعد غاية منك ثم أغمضته وهذا أقرب ما قيل فلما رآه مستقرا عنده أي فلما رأى عرش بلقيس مستقرا عنده في هذه المدة القريبة من بلاد اليمن إلى بيت المقدس في طرفة عين قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر أي هذا من فضل الله علي وفضله على عبيده ليختبرهم على الشكر أو خلافه ومن شكر فإنما يشكر لنفسه أي إنما يعود نفع ذلك عليه ومن كفر فإن ربي غني كريم أي غني عن شكر الشاكرين ولا يتضرر بكفر الكافرين ثم أمر سليمان عليه السلام أن يغير حلى هذا العرش وينكر لها ليختبر فهمها وعقلها ولهذا قال ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وهذا من فطنتها وغزارة فهمها لأنها استبعدت أن يكون عرشها لأنها خلفته وراءها بأرض اليمن ولم تكن تعلم أن أحدا يقدر على هذا الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى اخبارا عن سليمان وقومه وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي وقومها من دون الله اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج وعمل في ممره ماء وجعل عليه سقفا من زجاج وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ربي إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها وخشوا أن يتزوجها لأن أمها من الجان فتتسلط عليهم معه وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف وفي الأول أيضا نظر والله أعلم الا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الانس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك فسأل الجان فصنعوا له النورة ووضعوا له الحمام فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب اوه أوه قبل أن لا ينفع اوه رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر
وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها اقرها على مملكة اليمن وردها اليه وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم وقد روى ابن اسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أنه سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن والأول أشهر وأظهر والله أعلم
وقال تعالى في سورة ص ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ولقد فتنا سليمان والقينا على كرسيه جسدا ثم أناب قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي انك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وان له عندنا لزلفى وحسن مآب يذكر تعالى أنه وهب لداود سليمان عليهما السلام ثم أثنى الله عليه تعالى فقال نعم العبد إنه أواب أي رجاع مطيع لله ثم ذكر تعالى ما كان من أمره في الخيل الصافنات وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة الجياد وهي المضمرة السراع فقال اني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب يعني الشمس وقيل الخيل على ما سنذكره من القولين ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق قيل مسح عراقيبها وأعناقها بالسيوف وقيل مسح عنها العرق لما أجراها وسابق بينها وبين يديه على القول الآخر والذي عليه أكثر السلف الأول فقالوا اشتغل بعرض تلك الخيول حتى خرج وقت العصر وغربت الشمس روى هذا عن علي بن أبي طالب وغيره والذي يقطع به أنه لم يترك الصلاة عمدا من غير عذر اللهم الا أن يقال إنه كان سائغا في شريعتهم فأخر الصلاة لأجل أسباب الجهاد وعرض الخيل من ذلك وقد ادعى طائفة من العلماء في تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر يوم الخندق أن هذا كان مشروعا إذ ذاك حتى نسخ بصلاة الخوف قاله الشافعي وغيره وقال مكحول والأوزاعي بل هو حكم محكم إلى اليوم أنه يجوز تأخيرها بعذر القتال الشديد كما ذكرنا تقرير ذلك في سورة النساء عند صلاة الخوف وقال آخرون بل كان تأخير النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العصر وعلى هذا فيحمل يوم الخندق نسيانا فعل سليمان عليه السلام على هذا والله أعلم وأما من قال الضمير في قوله حتى توارت بالحجاب عائد على الخيل وأنه لم تفته وقت صلاة وان المراد بقوله ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق يعني مسح العرق عن عراقيبها وأعناقها فهذا القول اختاره ابن جرير ورواه الوالبي عن ابن عباس في مسح العرق ووجه هذا القول ابن جرير بأنه ما كان ليعذب الحيوان بالعرقبة ويهلك مالا بلا سبب ولا ذنب لها وهذا الذي قاله فيه نظر لأنه قد يكون هذا سائغا في ملتهم وقد ذهب بعض علمائنا إلى أنه إذا خاف المسلمون أن يظفر الكفار على شيء من الحيوانات من أغنام ونحوها جاز ذبحها واهلاكها لئلا يتقووا بها وعليه حمل صنيع جعفر بن أبي طالب يوم عقر فرسه بموته وقد قيل إنها كانت خيلا عظيمة قيل كانت عشرة آلاف فرس وقيل عشرين ألف فرس وقيل كان فيها عشرون فرسا من ذوات الأجنحة وقد روى أبو داود في سننه حدثنا محمد بن عوف حدثنا سعيد بن أبي مريم أنبأنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن عزية أن محمد بن إبراهيم حدثه عن محمد بن أبي سلمة
ابن عبدالرحمن عن عائشة قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت الريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة تلعب فقال ما هذا يا عائشة فقالت بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال ما هذا الذي أرى وسطهن قالت فرس قال وما الذي عليه هذا قالت جناحان قال فرس له جناحان قالت أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة قالت فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم وقال بعض العلماء لما ترك الخيل لله عوضه الله عنها بما هو خير له منها وهو الريح التي كانت غدوها شهرا ورواحها شهرا كما سيأتي الكلام عليها كما قال الإمام أحمد حدثنا اسمعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي قتادة وأبي الدهماء وكانا يكثران السفر نحو البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل وقال انك لا تدع شيئا اتقاء الله عز وجل الا أعطاك الله خيرا منه وقوله تعالى ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من المفسرين ههنا آثارا كثيرة عن جماعة من السلف وأكثرها أو كلها متلقاة من الإسرائيليات وفي كثير منها نكارة شديدة وقد نبهنا على ذلك في كتابنا التفسير واقتصرنا ههنا على مجرد التلاوة ومضمون ما ذكروه أن سليمان عليه السلام غاب عن سريره أربعين يوما ثم عاد إليه ولما عاد أمر ببناء بيت المقدس فبناه بناء محكما وقد قدمنا أنه جدده وأن أول من جعله مسجدا اسرائيل عليه السلام كما ذكرنا ذلك عند قول أبي ذر قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال مسجد بيت المقدس قلت كم بينهما قال أربعون سنة ومعلوم أن بين ابراهيم الذي بنى المسجد الحرام وبين سليمان بن داود عليهما السلام أزيد من ألف سنة دع أربعين سنة وكان سؤاله الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بعد إكماله البيت المقدس كما قال الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم بأسانيدهم عن عبدالله بن فيروز الديلمي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه اياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله قد أعطانا اياها فأما الحكم الذي يوافق حكم الله تعالى فقد أثنى الله تعالى عليه وعلى أبيه في قوله وداود وسليمان اذ يحكمان في الحرث اذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وقد ذكر شريح القاضي وغير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كان لهم كرم فنفشت فيه غنم قوم آخرين أي رعته بالليل فأكلت شجره بالكلية فتحاكموا إلى داود عليه السلام فحكم لأصحاب الكرم بقيمته فلما خرجوا على سليمان قال بما حكم لكم نبي الله فقالوا بكذا وكذا فقال أما لو كنت أنا لما حكمت الا بتسليم الغنم إلى أصحاب الكرم فيستغلونها نتاجا ودرا حتى
يصلح أصحاب الغنم كرم أولئك ويردوه إلى ما كان عليه ثم يتسلموا غنمهم فبلغ داود عليه السلام ذلك فحكم به وقريب من هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما امرأتان معهما ابناهما إذ عدا الذئب فأخذ ابن احداهما فتنازعتا في الآخر فقالت الكبرى إنما ذهب بابنك وقالت الصغرى بل انما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فحكم به للكبرى فخرجتا على سليمان فقال ائتوني بالسكين أشقه نصفين لكل واحدة منكما نصفه فقالت الصغرى لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به لها ولعل كلا من الحكمين كان سائغا في شريعتهم ولكن ما قاله سليمان ارجح ولهذا أثنى الله عليه بما ألهمه اياه ومدح بعد ذلك أباه فقال وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون ثم قال ولسليمان الريح عاصفة أي وسخرنا لسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين وقال في سورة ص فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب لما ترك الخيل ابتغاء وجه الله عوضه الله منها الريح التي هي أسرع سيرا وأقوى وأعظم ولا كلفة عليه لها تجري بأمره رخاء حيث أصاب أي حيث أراد من أي البلاد كان له بساط مركب من أخشاب بحيث إنه يسع جميع ما يحتاج إليه من الدور المبنية والقصور والخيام والأمتعة والخيول والجمال والأثقال والرجال من الأنس والجان وغير ذلك من الحيوانات والطيور فإذا أراد سفرا أو مستنزها أو قتال ملك أو أعداء من أي بلاد الله شاء فإذا حمل هذه الأمور المذكورة على البساط أمر الريح فدخلت تحته فرفعته فإذا استقل بين السماء والأرض أمر الرخاء فسارت به فإن أراد أسرع من ذلك أمر العاصفة فحملته أسرع ما يكون فوضعته في أي مكان شاء بحيث إنه كان يرتحل في أول النهار من بيت المقدس فتغدو به الريح فتضعه باصطخر مسيرة شهر فيقيم هناك إلى آخر النهار ثم يروح من آخره فترده إلى بيت المقدس كما قال تعالى ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور قال الحسن البصري كان يغدو دمشق فينزل باصطخر فيتغدى بها ويذهب رائحا منها فيبيت بكابل وبين دمشق وبين اصطخر مسيرة شهر وبين اصطخر وكابل مسيرة شهر قلت قد ذكر المتكلمون على العمران والبلدان أن اصطخر بنتها الجان لسليمان وكان فيها قرار مملكة الترك قديما وكذلك غيرها من بلدان شتى كتدمر وبيت المقدس وباب جبرون وباب البريد اللذان بدمشق على أحد الأقوال
وأما القطر فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد هو النحاس قال قتادة وكانت باليمن أنبعها الله له قال السدي ثلاثة أيام فقط أخذ منها جميع ما يحتاج إليه للبنايات وغيرها وقوله ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير أي وسخر الله له من الجن عمالا يعملون له ما يشاء لا يفترون ولا يخرجون عن طاعته ومن خرج منهم عن الأمر عذبه ونكل به يعملون له ما يشاء من محاريب وهي الأماكن الحسنة وصدور المجالس وتماثيل وهي الصور في الجدران وكان هذا سائغا في شريعتهم وملتهم وجفان كالجواب قال ابن عباس الجفنة كالجوبة من الأرض وعنه كالحياض وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم وعلى هذه الرواية يكون الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبي فيه الماء كما قال الأعشى
تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي يفهق
وأما القدور الراسيات فقال عكرمة أثافيها منها يعني أنهن ثوابت لا يزلن عن أماكنهن وهكذا قال مجاهد وغير واحد ولما كان هذا بصدد اطعام الطعام والاحسان إلى الخلق من انسان وجان قال تعالى اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور وقال تعالى والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد يعني أن منهم من قد سخره في البناء ومنهم من يأمره بالغوص في الماء لاستخراج ما هنالك من الجواهر والآلي وغير ذلك مما لا يوجد الا هنالك وقوله وآخرين مقرنين في الأصفاد أي قد عصوا فقيدوا مقرنين اثنين اثنين في الأصفاد وهي القيود هذا كله من جملة ما هيأه الله وسخر له من الأشياء التي هي من تمام الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده ولم يكن أيضا لمن كان قبله
وقد قال البخاري ثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عفريتا من الجن تفلت على البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا اليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة وقال مسلم حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبدالله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد عن أبي ادريس الخولاني عن أبي الدرداء قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إن عدو الله ابليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدنية وكذا رواه النسائي عن محمد بن سلمة به وقال أحمد حدثنا أبو أحمد حدثنا مرة بن معبد ثنا أبو عبيد
حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وابليس فاهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين اصبعي هاتين الابهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل روى أبو داود منه فمن استطاع إلى آخره عن أحمد بن سريج عن أحمد الزبيري به
وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء الف امرأة سبعمائة بمهور وثلثمائة سراري وقيل بالعكس ثلثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرا عظيما جدا قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا مغيرة بن عبدالرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل فلم تحمل شيئا الا واحدا ساقطا أحد شقيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قالها لجاهدوا في سبل الله وقال شعيب وابن أبي الزناد تسعين وهو أصح تفرد به البخاري من هذا الوجه وقال أبو يعلى حدثنا زهير حدثنا يزيد أنبأنا هشام بن حسان عن محمد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة كل امرأة منهن تلد غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف تلك الليلة على مائة امرأة فلم تلد منهن امرأة إلا امرأة ولدت نصف انسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قال إن شاء الله لولدت كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل إسناده على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم ثنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله الله ولم يستثن فما ولدت الا واحدة منهن بشق انسان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو استثنى لولد له مائة غلام كلهم يقاتل في سبيل الله عز وجل تفرد به أحمد أيضا
وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله قال ونسي أن يقول إن شاء الله فأطاف بهن قال فلم تلد منهن امرأة الا واحدة نصف إنسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته وهكذا أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالرزاق به مثله وقال اسحاق بن بشر أنبأنا مقاتل عن أبي الزناد وابن أبي الزناد عن أبيه عن عبدالرحمن عن أبي هريرة أن سليمان بن داود كان له أربعمائة امرأة وستمائة سرية فقال يوما لأطوفن الليلة على الف امرأة فتحمل كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يستثن فطاف عليهن فلم تحمل واحدة منهن
الا امرأة واحدة منهن جاءت بشق إنسان فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو استثنى فقال إن شاء الله لولد له ما قال فرسان ولجاهدوا في سبيل الله عز وجل وهذا اسناد ضعيف لحال اسحاق بن بشر فانه منكر الحديث ولا سيما وقد خالف الروايات الصحاح وقد كان له عليه السلام من أمور الملك واتساع الدولة وكثرة الجنود وتنوعها ما لم يكن لأحد قبله ولا يعطيه الله أحدا بعده كما قال وأوتينا من كل شيء وقال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي انك أنت الوهاب وقد أعطاه الله ذلك بنص الصادق المصدوق ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليه واسداه من النعم الكاملة العظيمة اليه قال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب أي أعط من شئت واحرم من شئت فلا حساب عليك أي تصرف في المال كيف شئت فإن الله قد سوغ لك كلما تفعله من ذلك ولا يحاسبك على ذلك وهذا شأن النبي الملك بخلاف العبد الرسول فإن من شأنه أن لا يعطي أحدا ولا يمنع أحدا إلا بإذن الله له في ذلك وقد خير نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بين هذين المقامين فاختار أن يكون عبدا رسولا وفي بعض الروايات أنه استشار جبريل في ذلك فأشار إليه أن تواضع فاختار أن يكون عبدا رسولا صلوات الله وسلامه عليه وقد جعل الله الخلافة والملك من بعده في أمته إلى يوم القيامة فلا تزال طائفة من أمته ظاهرين حتى تقوم الساعة فالله الحمد والمنة
ولما ذكر تعالى ما وهبه لنبيه سليمان عليه السلام من خير الدنيا نبه على ما أعده له في الآخرة من الثواب الجزيل والأجر الجميل والقربة التي تقربه اليه والفوز العظيم والاكرام بين يديه وذلك يوم المعاد والحساب حيث يقول تعالى وان له عندنا لزلفى وحسن مآب
*2* وفاته ومدة ملكه وحياته
@ قال الله تبارك وتعالى فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما من حديث ابراهيم بن طهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان سليمان نبي الله عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك فتقول كذا فيقول لأي شيء أنت فان كانت لغرس غرست وان كانت لدواء أنبتت فبينما هو يصلي ذات يوم اذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك قالت الخروب قال لأي شيء أنت قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان اللهم عم على الجن موتى حتى تعلم الانس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا والجن تعمل فأكلتها الأرضة فتبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين قال وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء
لفظ ابن جرير وعطاء الخراساني في حديثه نكارة وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق سلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهو أشبه بالصواب والله أعلم وقال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر يدخل طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفي فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها ما اسمك فتقول الشجرة اسمي كذا وكذا فان كانت لغرس غرسها وان كانت نبتت دواء قالت نبت دواء لكذا وكذا فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك فقالت أنا الخروبة فقال ولأي شيء نبت فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال سليمان ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فتنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول الست جليدا ان دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام وهو في المحراب الا احترق ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي قراءة ابن مسعود فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا فايقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذلك قول الله عز وجل ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يقول تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام لأتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل اليك الماء والطين قال فانهم ينقلون اليها ذلك حيث كانت قال الم تر الى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو ما يأتيها بها الشيطان تشكرا لها وهذا فيه من الاسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب
وقال أبو داود في كتاب القدر حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال قال سليمان بن داود عليهما السلام لملك الموت اذا أردت أن تقبض روحي فأعلمني قال ما أنا أعلم بذاك منك انما هي كتب يلقي الي فيها تسمية من يموت وقال اصبغ بن الفرج وعبدالله بن وهب عن
عبدالرحمن بن زيد بن أسلم قال قال سليمان لملك الموت إذا أمرت بي فاعلمني فأتاه فقال يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلي فاتكأ على عصاه قال فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متوك على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت قال والجن تعمل بين يديه وينظرون اليه يحسبون أنه حي قال فبعث الله دابة الأرض عني إلى منسأته فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر فلما رأت الجن ذلك انفضوا وذهبوا قال فذلك قوله ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين قال اصبغ وبلغني عن غيره أنها مكثت سنة تأكل في منسأته حتى خر وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف وغيرهم والله أعلم
قال اسحاق بن بشر عن محمد بن اسحاق عن الزهري وغيره أن سليمان عليه السلام عاش ثنتين وخمسين سنة وكان ملكه أربعين سنة وقال اسحاق أنبأنا أبو روق عن عكرمة عن ابن عباس أن ملكه كان عشرين سنة والله أعلم وقال ابن جرير فكان جميع عمر سليمان بن داود عليهما السلام نيفا وخمسين سنة وفي سنة اربع من ملكه ابتدأ ببناء بيت المقدس فيما ذكر ثم ملك بعده ابنه رحبعام مدة سبع عشرة سنة فيما ذكره ابن جرير وقال ثم تفرقت بعده مملكة بني إسرائيل
*2* جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم السلام
@ فمنهم شعيا بن امصيا قال محمد بن اسحاق وكان قبل زكريا ويحيى وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام وكان في زمانه ملك اسمه حزقيا على بني إسرائيل ببلاد بيت المقدس وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح وكانت الأحداث قد عظمت في بني إسرائيل فمرض الملك وخرجت في رجله قرحة وقصد بيت المقدس ملك بابل في ذلك الزمان وهو سنحاريب قال ابن اسحاق في ستمائة الف راية وفزع الناس فزعا عظيما شديدا وقال الملك للنبي شعيا ماذا أوحى الله إليك في أمر سنحاريب وجنوده فقال لم يوح الي فيهم شي بعد ثم نزل عليه الوحي بالأمر للملك حزقيا بأن يوصي ويستخلف على ملكه من يشاء فإنه قد اقترب أجله فلما أخبره بذلك أقبل الملك على القبلة فصلى وسبح ودعا وبكى فقال وهو يبكي ويتضرع الى الله عز وجل بقلب مخلص وتوكل وصبر اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا رحمن
يا رحيم يا من لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعلمي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك فأنت أعلم به من نفسي سري واعلاني لك قال فاستجاب الله له ورحمه وأوحى الله إلى شعيا أن يبشره بأنه قد رحم بكاءه وقد أخر في أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنحاريب فلما قال له ذلك ذهب منه الوجع وانقطع عنه الشر والحزن وخر ساجدا وقال في سجوده اللهم أنت الذي تعطي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعيا أن يأمره أن يأخذ ماء التين فيجعله على قرحته فيشفي ويصبح قد برىء ففعل ذلك فشفي وارسل الله على جيش سنحاريب الموت فأصبحوا وقد هلكوا كلهم سوى سنحاريب وخمسة من أصحابه منهم بخت نصر فأرسل ملك بني إسرائيل فجاء بهم فجعلهم في الأغلال وطاف بهم في البلاد على وجه التنكيل بهم والإهانة لهم سبعين يوما ويطعم كل واحد منهم كل يوم رغيفين من شعير ثم أودعهم السجن وأوحى الله تعالى إلى شعيا أن يأمر الملك بإرسالهم إلى بلادهم لينذروا قومهم ما قد حل بهم فلما رجعوا جمع سنحاريب قومه وأخبرهم بما قد كان من أمرهم فقال له السحرة والكهنة انا أخبرناك عن شأن ربهم وأنبيائهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد من ربهم فكان أمر سنحاريب مما خوفهم الله به ثم مات سنحاريب بعد سبع سنين قال ابن اسحاق ثم لما مات حزقيا ملك بني إسرائيل مرح امرهم واختلطت أحداثهم وكثر شرهم فأوحى الله تعالى إلى شعيا فقام فيهم فوعظهم وذكرهم وأخبرهم عن الله بما هو أهله وأنذرهم بأسه وعقابه ان خالفوه وكذبوه فلما فرغ من مقالته عدوا عليه وطلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وادركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأوا ذلك جاؤا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها فانا الله وإنا إليه راجعون
*2* ومنهم ارميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب
@ وقد قيل إنه الخضر رواه الضحاك عن ابن عباس وهو غريب وليس بصحيح قال ابن عساكر جاء في بعض الآثار أنه وقف على دم يحيى بن زكريا وهو يفور بدمشق فقال أيها الدم فتنت الناس فاسكن فسكن ورسب حتى غاب وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني علي بن أبي مريم عن أحمد بن حباب عن عبدالله بن عبدالرحمن قال قال أرميا أي رب أي عبادك أحب اليك قال أكثرهم لي ذكرا الذين يشتغلون بذكري عن ذكر الخلائق الذين لا تعرض لهم وسادس الفناء ولا يحدثون انفسهم بالبقاء الذين اذا عرض لهم عيش الدنيا قلوه واذا زوى عنهم سروا بذلك اولئك انحلهم محبتي واعطيهم فوق غاياتهم
*2* خراب بيت المقدس
@ وقوله تعالى وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا ذرية من حملنا مع نوح انه كان عبدا شكورا وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وان عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا وقال وهب بن منبه أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا حين ظهرت فيهم المعاصي أن قم بين ظهراني قومك فأخبرهم أن لهم قلوبا ولا يفقهون وأعينا ولا يبصرون وآذانا ولا يسمعون واني تذكرت صلاح آبائهم فعطفني ذلك على أبنائهم فسلهم كيف وجدوا غب طاعتي وهل سعد أحد ممن عصاني بمعصيتي وهل شقى أحد ممن أطاعني بطاعتي إن الدواب تذكر أوطانها فتنزع اليها وان هؤلاء القوم تركوا الأمر الذي أكرمت عليه آباءهم والتمسوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم فأنكروا حقي وأما قراؤهم فعبدوا غيري وأما نساكهم فلم ينتفعوا بما علموا وأما ولاتهم فكذبوا علي وعلى رسلي خزنوا المكر في قلوبهم وعودوا الكذب ألسنتهم وإني أقسم بجلالي وعزتي لاهيجن عليهم جيولا لا يفقهون ألسنتهم ولا يعرفون وجوههم ولا يرحمون بكاءهم ولأبعثن فيهم ملكا جبارا قاسيا له عساكر كقطع السحاب ومواكب كأمثال الفجاج كان خفقان راياته طيران النسور وكان حمل فرسانه كر العقبان يعيدون العمران خرابا ويتركون القرى وحشة فيا ويل أيليا وسكانها كيف أذللهم للقتل وأسلط عليهم السبا واعيد بعد لجب الأعراس صراخا وبعد صهيل الخيل عواء الذآب وبعد شرافات القصور مساكن السباع وبعد ضوء السرج وهج العجاج وبالعز ذلا وبالنعمة العبودية وأبدلن نساءهم بعد الطيب التراب وبالمشي على الزرابي الخبب ولأجعلن أجسادهم زبلا للأرض وعظامهن ضاحية للشمس ولأدوسنهم بألوان العذاب ثم لآمرن السماء فتكون طبقا من حديد والأرض سبيكة من نحاس فان أمطرت لم تنبت الأرض وان أنبتت شيئا في خلال ذلك فبرحمتي للبهائم ثم أحبسه في زمان الزرع وأرسله في زمان الحصاد فان زرعوا في خلال ذلك شيئا سلطت عليه الآفة فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة فإن دعوني لم أجبهم وان سألوا لم أعطهم وان بكوا لم أرحمهم وان تضرعوا صرفت وجهي عنهم رواه ابن عساكر بهذا اللفظ
وقال اسحاق بن بشر أنبئنا إدريس عن وهب بن منبه قال ان الله تعالى لما بعث أرميا الى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم فعملوا بالمعاصي وقتلوا الأنبياء طمع بخت نصر فيهم وقذف
الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير اليهم لما أراد الله أن ينتقم به منهم فأوحى الله إلى أرميا إني مهلك بني إسرائيل ومنتقم منهم فقم على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي فقام أرميا فشق ثيابه وجعل الرماد على رأسه وخر ساجدا وقال يا رب وددت أمي لم تلدني حين جعلتني آخر أنبياء بني إسرائيل فيكون خراب بين المقدس وبوار بني إسرائيل من أجلي فقال له ارفع رأسك فرفع رأسه فبكى ثم قال يا رب من تسلط عليهم فقال عبدة النيران لا يخافون عقابي ولا يرجون ثوابي قم يا أرميا فاستمع وحيى أخبرك خبرك وخبر بني إسرائيل من قبل أن أخلقك اخترتك ومن قبل أن أصورك في رحم أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك ومن قبل أن تبلغ نبأتك ومن قبل أن تبلغ الأشد اخترتك ولأمر عظيم أجتبيتك فقم مع الملك تسدده وترشده فكان مع الملك يسدده ويأتيه الوحي من الله حتى عظمت الأحداث ونسوا ما نجاهم الله به من عدوهم سنحاريب وجنوده فأوحى الله إلى أرميا قم فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي عليهم وعرفهم أحداثهم فقال أرميا يا رب اني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخطىء إن لم تسددني مخذول إن لم تنصرني ذليل إن لم تعزني فقال الله تعالى أو لم تعلم ان الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن الخلق والأمر كله لي وأن القلوب والألسنة كلها بيدي فاقلبها كيف شئت فتطيعني فانا الله الذي ليس شيء مثلي قامت السموات والأرض وما فيهن بكلمتي وانه لا يخلص التوحيد ولم تتم القدرة إلا لي ولا يعلم ما عندي غيري وأنا الذي كلمت البحار ففهمت قولي وأمرتها ففعلت أمري وحددت عليها حدودا فلا تعدو حدي وتأتي بأمواج كالجبال فإذا بلغت حدي ألبستها مذلة لطاعتي وخوفا واعترافا لأمري واني معك ولن يصل اليك شيء معي واني بعثتك إلى خلق عظيم من خلقي لتبلغهم رسالاتي فتستوجب لذلك أجر من اتبعك ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا انطلق إلى قومك فقم فيهم وقل لهم ان الله قد ذكركم بصلاح آبائكم فلذلك استبقاكم يا معشر أبناء الأنبياء وكيف وجد آباؤكم مغبة طاعتي وكيف وجدتم مغبة معصيتي وهل وجدوا أحدا عصاني فسعد بمعصيتي وهل علموا أحدا اطاعني فشقى بطاعتي ان الدواب اذا ذكرت أوطانها الصالحة نزعت اليها وان هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهلكة وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم وابتغوا الكرامة من غير وجهها أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي وعزوهم عني فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي الا لي فهم يطيعونهم في معصيتي
وأما ملوكهم وأمراؤهم فبطروا نعمتي وآمنوا مكري وغرتهم الدنيا حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي فهم يحرفون كتابي ويفترون على رسلي جرأة منهم على وغرة بي فسبحان جلالي وعلو مكاني وعظمة شأني هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي وهل ينبغي لي
أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهي لا تنبغي إلا لي
وأما قراؤهم وفقهاؤهم فيدرسون ما يتخيرون فينقادون للملوك فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني ويطيعونهم في معصيتي ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي فهم جهلة بما يعلمون لا ينتفعون بشيء مما علموا من كتابي
وأما أولاد النبيين فمقهورون ومفتونون يخوضون مع الخائضين يتمنون مثل نصرى آباءهم والكرامة التي أكرمتهم بها ويزعمون أنه لا أحد أولى بذلك منهم بغير صدق منهم ولا تفكر ولا يذكرون كيف كان صبر آبائهم وكيف كان جهدهم في أمري حين اغتر المغترون وكيف بذلوا أنفسهم ودماءهم فصبروا وصدقوا حتى عز أمري وظهر ديني فتأنيت هؤلاء القوم لعلهم يستحيون مني ويرجعون فتطولت عليهم وصفحت عنهم فأكثرت ومددت لهم في العمر وأعذرت لهم لعلهم يتذكرون وكل ذلك أمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو ولا يزدادون الا طغيانا وبعدا مني فحتى متى هذا أبى يسخرون أم بي يتحرشون أم اياي يخادعون أم على يجترئون فاني أقسم بعزتي لأتيحن عليهم فتنة يتحير فيها الحكيم ويضل فيها رأي ذوي الرأي وحكمة الحكيم ثم لأسلطن عليهم جبارا قاسيا عاتبا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرأفة والرحمة وآليت أن يتبعه عدد وسواد مثل الليل المظلم له فيه عساكر مثل قطع السحاب ومواكب مثل العجاج وكأن حفيف راياته طيران النسور وحمل فرسانه كسرب العقبان يعيدون العمران خرابا والقرى وحشا ويعثون في الأرض فسادا ويتبرون ما علوا تتبيرا قاسية قلوبهم لا يكترثون ولا يرقبون ولا يرحمون ولا يبصرون ولا يسمعون يجولون في الأسواق بأصوات مرتفعة مثل زئير الأسد تقشعر من هيبتها الجلود وتطيش من سمعها الأحلام بالسنة لا يفقهونها ووجوه ظاهر عليها المنكر لا يعرفونها فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها ولأوحشن مساجدهم من عمارها وزوارها الذين كانوا يتزينون بعمارتها لغيري ويتهجدون فيها ويتعبدون لكسب الدنيا بالدين ويتفقهون فيها لغير الدين ويتعلمون فيها لغير العمل لأبدلن ملوكها بالعز الذل وبالأمن الخوف وبالغنى الفقر وبالنعمة الجوع وبطول العافية والرخاء أنواع البلاء وبلباس الديباج والحرير مدارع الوبر والعباء وبالأرواح الطيبة والأدهان جيف القتل وبلباس التيجان أطواق الحديد والسلاسل والأغلال ثم لأعيدن فيهم بعد القصور الواسعة والحصون الحصينة الخراب وبعد البروج المشيدة مساكن السباع وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب وبعد ضوء السراج دخان الحريق وبعد الأنس الوحشة والقفار ثم لأبدلن نساءها بالأسورة الأغلال وبقلائد الدر والياقوت سلاسل الحديد وبألوان الطيب والأدهان النقع والغبار وبالمشي على الزرابي عبور الأسواق والأنهار والخبب إلى الليل في بطون الأسواق وبالخدور والستور الحسور عن الوجوه والسوق والأسفار


يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 03:55 AM
والأرواح السموم ثم لا دوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه إني إنما أكرم من أكرمني وإنما أهين من هان عليه أمري ثم لآمرن السماء خلال ذلك فلتكونن عليهم طبقا من حديد ولآمرن الأرض فلتكونن سبيكة من نحاس فلا سماء تمطر ولا أرض تنبت فإن أمطرت خلال ذلك شيئا سلطت عليهم الآفة فإن خلص منه شيء نزعت منه البركة وإن دعوني لم أجبهم وإن سألوني لم أعطهم وإن بكوا لم أرحمهم وإن تضرعوا صرفت وجهي عنهم وإن قالوا اللهم أنت الذي أبتدأتنا وآبائنا من قبلنا برحمتك وكرامتك وذلك بانك اخترتنا لنفسك وجعلت فينا نبوتك وكتابك ومساجدك ثم مكنت لنا في البلاد واستخلفتنا فيها وربيتنا وآباءنا من قبلنا بنعمتك صغارا وحفظتنا وإياهم برحمتك كبارا فأنت أوفى المنعمين وإن غيرنا ولا تبدل وإن بدلنا وأن تتم فضلك ومنك وطولك وإحسانك فإن قالوا ذلك قلت لهم إني ابتدىء عبادي برحمتي ونعمتي فإن قبلوا أتممت وإن استزادوا زدت وإن شكروا ضاعفت وإن غيروا غيرت وإذا غيروا غضبت وإذا غضبت عذبت وليس يقوم شيء بغضبي
قال كعب فقال أرميا برحمتك أصبحت أتعلم بين يديك وهل ينبغي ذلك لي وأنا أذل وأضعف من أن ينبغي لي ان أتكلم بين يديك ولكن برحمتك أبقيتني لهذا اليوم وليس أحد أحق أن يخاف هذا العذاب وهذا الوعيد مني بما رضيت به مني طولا والإقامة في دار الخاطئين وهم يعصونك حولي بغير نكر ولا تغيير مني فإن تعذبني فبذنبي وإن ترحمني فذلك ظني بك ثم قال يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وحيك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت ربنا وتعاليت لمخرب هذا المسجد وما حوله من المساجد ومن البيوت التي رفعت لذكرك يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت لمقتل هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك وأمة موسى نجيك وقوم داود صفيك يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد وأي العباد يأمنون سطوتك بعد لد خليلك إبراهيم وأمة نجيك موسى وقوم خليفتك داود تسلط عليهم عبدة النيران قال الله تعالى يا أرميا من عصاني فلا يستنكر نقمتي فإني إنما أكرمت هؤلاء القوم على طاعتي ولو أنهم عصوني لأنزلنهم دار العاصين إلا أن أتداركهم برحمتي
قال أرميا يا رب اتخذت إبراهيم خليلا وحفظتنا به وموسى قربته نجيا فنسألك أن تحفظنا ولا تتخطفنا ولا تسلط علينا عدونا فأوحى الله إليه يا أرميا إني قدستك في بطن امك وأخرتك إلى هذا اليوم فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل لمكنت الداعم لهم وكانوا عندي بمنزلة جنة ناعم شجرها طاهر ماؤها ولا يغور ماؤها ولا تبور ثمارها ولا تنقطع ولكن سأشكو إليك بني إسرائيل إني كنت لهم بمنزلة الداعي الشفيق أجنبهم كل قحط وكل عسرة واتبع بهم الخصب حتى صاروا كباشا ينطح
بعضها بعضا فيا ويلهم ثم ياويلهم إنما أكرم من أكرمني وأهين من هان عليه أمري إن من كان قبل هؤلاء القوم من القرون يستخفون بمعصيتي وإن هؤلاء القوم يتبرعون بمعصيتي تبرعا فيظهرونها في المساجد والأسواق وعلى رؤس الجبال وظلال الأشجار حتى عجت السماء إلى منهم وعجت الأرض والجبال ونفرت منها الوحوش بأطراف الأرض وأقاصيها وفي كل ذلك لا ينتهون ولا ينتفعون بما عملوا من الكتاب
قال فلما بلغهم أرميا رساله ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب عصوه وكذبوه وأتهموه وقالوا كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده فمن يعبده حين لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب لقد أعظمت الفرية على الله واعتراك الجنون فأخذوه وقيدوه وسجنوه فعند ذلك بعث الله عليهم بخت نصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال تعالى فجاسوا خلال الديار قال فلما طال بهم الحصر نزلوا على حكمه ففتحوا الأبواب وتخللوا الأزقة وذلك قوله فجاسوا خلال الديار وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين فقتل منهم الثلث وسبى الثلث ترك الزمني والشيوخ والعجائز ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق الصبيان وأوقف النساء في الأسواق حاسرات وقتل المقاتلة وخرب الحصون وهدم المساجد وحرق التوراة وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له الكتاب فوجدوه قد مات وأخرج لهم أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل فأمضى لهم ذلك الكتاب وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر ودخل بخت نصر بجنوده بيت المقدس ووطىء الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم فلما فرع منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف غلام وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير وكان الغلمان سبعة آلاف غلام من بيت داود وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه بنيامين وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون ونفتالي ابني يعقوب وأربعة عشر ألفا من سبط دان بن يعقوب وثمانية آلاف من سبط يستاخر بن يعقوب وألفين من سبط زبالون بن يعقوب وأربعة آلاف من سبط روبيل ولاوي واثني عشر ألفا من سائر بني إسرائيل وانطلق حتى قدم أرض بابل
قال إسحاق بن بشر قال وهب بن منبه فلما فعل ما فعل قيل له كان لهم صاحب يحذرهم ما أصابهم ويصفك وخبرك لهم ويخبرهم أنك تقتل مقاتلتهم وتسبي ذراريهم وتهدم مساجدهم وتحرق كنائسهم فكذبوه واتهموه وضربوه وقيدوه وحبسوه فأمر بخت نصر فأخرج أرميا من السجن فقال له أكنت تحذر هؤلاء القوم ما أصابهم قال نعم قال فإني علمت ذلك قال أرسلني الله إليهم فكذبوني قال كذبوك وضربوك وسجنوك قال نعم قال بئس القوم قوم كذبوا نبيهم وكذبوا رساله ربهم فهل لك أن تلحق
بي فأكرمك وأواسيك وإن أحببت أن تقيم في بلادك فقد أمنتك قال له أرميا إني لم أزل في أمان الله منذ كنت لم أخرج منه ساعة قط ولو أن بني إسرائيل لم يخرجوا منه لم يخافوك ولا غيرك ولم يكن لك عليهم سلطان فلما سمع بخت نصر هذا القول منه تركه فأقام أرميا مكانه بأرض أيليا وهذا سياق غريب وفيه حكم ومواعظ وأشياء مليحة وفيه من جهة التعريب غرابة
وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي كان بخت نصر أصفهبذا لما بين الأهواز إلى الروم للملك على الفرس وهو لهراسب وكان قد بنى مدينة بلخ التي تلقب بالخنساء وقاتل الترك والجأهم إلى أضيق الاماكن وبعث بخت نصر لقتال بني إسرائيل بالشام فلما قدم الشام صالحه أهل دمشق وقد قيل إن الذي بعث بخت نصر إنما هو بهمن ملك الفرس بعد بشتاسب بن لهراسب وذلك لتعدي بني إسرائيل على رسله إليهم وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبد الاعلى عن بن وهب عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب ان بخت نصر لما قدم دمشق وجد بها دما يغلي على كبا يعني القمامة فسألهم ما هذا الدم فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وقد تقدم من كلام الحافظ بن عساكر ما يدل على أن هذا دم يحيى بن زكريا وهذا لا يصح لان يحيى بن زكريا بعد بخت نصر بمدة والظاهر ان هذا دم نبي متقدم أو دم لبعض الصالحين أو لمن شاء الله ممن الله أعلم به
قال هشام بن الكلبي ثم قدم بخت نصر بيت المقدس فصالحه ملكها وكان من آل داود وصانعه عن بني إسرائيل وأخذ منه بخت نصر رهائن ورجع فلما بلغ طبرية بلغه أن بني إسرائيل ثاروا على ملكهم فقتلوه لأجل أنه صالحه فضرب رقاب من معه من الرهائن ورجع إليهم فأخذ المدينة عنوة وقتل المقاتلة وسبى الذرية قال وبلغني أنه وجد في السجن أرميا النبي فأخرجه وقص عليه ما كان من أمره إياهم وتحذيره لهم عن ذلك فكذبوه وسجنوه فقال بخت نصر بئس القوم قوم عصوا رسول الله وخلى سبيله وأحسن إليه واجتمع إليه من بقي من ضعفاء بني إسرائيل فقالوا إنا قد أسأنا وظلمنا ونحن نتوب إلى الله عز وجل مما صنعنا فادع الله أن يقبل توبتنا فدعا ربه فأوحى الله إليه أنه غير فاعل فإن كانوا صادقين فليقيموا معك بهذه البلدة فأخبرهم ما أمره الله تعالى به فقالوا كيف نقيم بهذه البلدة وقد خرجت وغضب الله على أهلها فأبوا أن يقيموا
قال ابن الكلبي ومن ذلك الزمان تفرقت بنو إسرائيل في البلاد فنزلت طائفة منهم الحجاز وطائفة يثرب وطائفة وادي القرى ودهبت شرذمة منهم إلى مصر فكتب بخت نصر إلى ملكها يطلب منه من شرد منهم إليه فأبى عليه فركب في جيشه فقاتله وقهره وغلبه وسبى ذراريهم ثم ركب إلى بلاد المغرب حتى بلغ أقصى تلك الناحية قال ثم انصرف بسبي كثير من أرض المغرب ومصر وأهل بيت
المقدس وأرض فلسطين والأردن وفي السبي دانيال قلت والظاهر أنه دانيال بن حزقيل الأصغر لا الأكبر على ما ذكره وهب بن منبه والله اعلم
*2* شيء من خبر دانيال عليه السلام
@ قال ابن أبي الدنيا حدثنا أحمد بن عبد الأعلى الشيباني قال إن لم أكن سمعته من شعيب بن صفوان فحدثني بعض أصحابنا عنه عن الأجلح الكندي عن عبدالله بن أبي الهذيل قال ضرا بخت نصر أسدين فألقاهما في جب وجاء بدانيال فألقاه عليهما فلم يهيجاه فمكث ما شاء الله ثم اشتهى ما يشتهي الآدميون من الطعام والشراب فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام أن اعدد طعاما وشرابا لدانيال فقال يا رب أنا بالأرض المقدسة ودانيال بأرض بابل من أرض العراق فأوحى الله إليه أن أعدد ما أمرناك به فإنا سنرسل من يحملك ويحمل ما أعددت ففعل وأرسل إليه من حمله وحمل ما أعده حتى وقف على رأس الجب فقال دانيال من هذا قال أنا أرميا فقال ما جاء بك فقال أرسلني إليك ربك قال وقد ذكرني ربي قال نعم فقال دانيال الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره والحمد لله الذي يجيب من رجاه والحمد لله الذي من وثق به لم يكله إلى غيره والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحسانا والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاة والحمد لله الذي هو يكشف ضرنا بعد كربنا والحمد لله الذي يقينا حين يسوء ظننا بأعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين ينقطع الحيل عنا
وقال يونس بن بكير عن محمد بن إسحق عن أبي خلد بن دينار حدثنا أبو العالية قال لما افتتحنا تستر وجدنا في مال بيت الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر بن الخطاب فدعا له كعبا فنسخه بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأه قرأته مثل ما أقرأ القرآن هذا فقلت لأبي العالية ما كان فيه قال سيركم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس فلا ينبشونه قلت فما يرجون منه قال كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون قلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال قلت منذ كم وجدتموه قد مات قال منذ ثلثمائة سنة قلت ما تغير منه شيء قال لا الاشعرات من قفاه إن لحوم الأنبياء لا تبليها الارض ولا تأكلها السباع وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية ولكن إن كان تاريخ وفاته محفوظا من ثلثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح لأن عيسى بن مريم ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي بنص الحديث الذي في البخاري والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة وقيل ستمائة وقيل ستمائة وعشرون سنة وقد يكون تاريخ وفاته من ثمانمائة سنة وهو قريب من وقت دانيال إن كان كونه دانيال هو المطابق لما في نفس الأمر فإنه قد يكون رجلا آخر
إما من الأنبياء او الصالحين ولكن قربت الظنون أنه دانيال لأن دانيال كان قد أخذه ملك الفرس فأقام عنده مسجونا كما تقدم وقد روى بإسناد صحيح إلى أبي العالية أن طول أنفه شبر وعن أنس بن مالك بإسناد جيد أن طول أنفه ذراع فيحتمل على هذا أن يكون رجلا من الأنبياء الأقدمين قبل هذه المدد والله أعلم
وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب أحكام القبور حدثنا أبو بلال محمد بن الحارث بن عبدالله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري حدثنا أبو محمد القاسم بن عبدالله عن أبي الأشعث الأحمري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن دانيال دعا ربه عز وجل أن يدفنه أمة محمد فلما افتتح أبو موسى الأشعري تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دل على دانيال فبشروه بالجنة فكان الذي دل عليه رجل يقال له حرقوص فكتب ابو موسى إلى عمر بخبره فكتب إليه عمر أن ادفنه وابعث إلى حرقوص فإن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة وهذا مرسل من هذا الوجه وفي كونه محفوظا نظر والله أعلم
ثم قال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو بلال حدثنا قاسم بن عبدالله عن عنبسة بن سعيد وكان عالما قال وجد أبو موسى مع دانيال مصحفا وجرة فيها ودك ودراهم وخاتمة فكتب أبو موسى بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر أما المصحف فابعث به إلينا وأما الودك فابعث إلينا منه ومر من قبلك من المسلمين يستشفون به واقسم الدراهم بينهم وأما الخاتم فقد نفلنا كه وروى عن ابن أبي الدنيا من غير وجه أن أبا موسى لما وجده وذكروا له أنه دانيال التزمه وعانقه وقبله وكتب إلى عمر يذكر له أمره وأنه وجد عنده مالا موضوعا قريبا من عشرة آلاف درهم وكان من جاء اقترض منها فإن ردها وإلا مرض وإن عنده ربعة فأمر عمر بأن يغسل بماء وسدر ويكفن ويدفن ويخفى قبره فلا يعلم به أحد وأمر بالمال أن يرد إلى بيت المال وبالربعة فتحمل إليه ونفله خاتمه وروي عن أبي موسى أنه أمر اربعة من الإسراء فسكروا نهرا وحفروا في وسطه قبرا فدفنه فيه ثم قدم الأربعة الإسراء فضرب أعناقهم فلم يعلم موضع قبره غير أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وقال ابن أبي الدنيا حدثني إبراهيم بن عبدالله حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال رأيت في يد ابن بردة بن أبي موسى الأشعري خاتما نقش فصه أسدان بينهما رجل يلحسان ذلك الرجل قال أبو بردة هذا خاتم ذلك الرجل الميت الذي زعم أهل هذه البلدة أنه دانيال أخذه أبو موسى يوم دفنه قال أبو بردة فسأل أبو موسى علماء تلك القرية عن نقش ذلك الخاتم فقالوا إن الملك الذي كان دانيال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له إنه يولد ليلة كذا وكذا غلام يعور ملكك ويفسده فقال الملك والله لا يبقى تلك الليلة غلام إلا قتلته إلا أنهم أخذوا دانيال فألقوه في اجمة الأسد فبات
الأسد ولبوته يلحسانه ولم يضراه فجاءت أمه فوجدتهما يلحسانه فنجاه الله بذلك حتى بلغ ما بلغ قال أبو بردة قال أبو موسى قال علماء تلك القرية فنقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك اسناد حسن
*2* عمارة بيت المقدس بعد خرابها واجتماع بني إسرائيل بعد تفرقهم في بقاع الأرض
@ قال الله تعالى في كتابه المبين وهو أصدق القائلين أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال انى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلة العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم ان الله على كل شيء قدير قال هشام بن الكلبي ثم أوحى الله تعالى الى ارميا عليه السلام فيما بلغني انى عامر بيت المقدس فأخرج إليها فأنزلها فخرج حتى قدمها وهي خراب فقال في نفسه سبحان الله أمرني الله أن أنزل هذه البلدة وأخبرني أنه عامرها فمتى يعمرها ومتى يحييها الله بعد موتها ثم وضع رأسه فنام ومعه حماره وسلة من طعام فمكث في نومه سبعين سنة حتى هلك بخت نصر والملك الذي فوقه وهو لهراسب وكان ملكه مائة وعشرين سنة وقام بعده ولده بشتاسب بن لهراسب وكان موت بخت نصر في دولته فبلغه عن بلاد الشام أنها خراب وان السباع قد كثرت في أرض فلسطين فلم يبق بها من الانس احد فنادى في أرض بابل في بني إسرائيل ان من شاء أن يرجع إلى الشام فليرجع وملك عليهم رجلا من آل داود وأمره ان يعمر بيت المقدس ويبني مسجدها فرجعوا فعمروها وفتح الله لارميا عينيه فنظر إلى المدينة كيف تبني وكيف تعمر ومكث في نومه ذلك حتى تمت له مائة سنة ثم بعثه الله وهو لا يظن أنه نام أكثر من ساعة وقد عهد المدينة خرابا فلما نظر إليها عامرة آهلة قال أعلم أن الله على كل شيء قدير قال فأقام بنو اسرائيل بها ورد الله عليهم امرهم فمكثوا كذلك حتى غلبت عليهم الروم في زمن ملوك الطوائف ثم لم يكن لهم جماعة ولا سلطان يعني بعد ظهور النصارى عليهم هكذا حكاه ابن جرير في تاريخه عنه وذكر ابن جرير ان لهراسب كان ملكا عادلا سائسا لمملكته قد دانت له العباد والبلاد والملوك والقواد وانه كان ذا رأي جيد في عمارة الأمصار والأنهار والمعاقل ثم لما ضعف عن تدبير المملكة بعد مئة سنة ونيف نزل عن الملك لولده بشتاسب فكان في زمانه ظهور دين الجوسية وذلك ان رجلا كان اسمه زردشت
كان قد صحب ارميا عليه السلام فأغضبه فدعا عليه ارميا فبرص زردشت فذهب فلحق بأرض آذربيجان وصحب بشتاسب فلقنه دين المجوسية الذي اخترعه من تلقاء نفسه فقبله منه بشتاسب وحمل الناس عليه وقهرهم وقتل منهم خلقا كثيرا ممن اباه منهم ثم كان بعد بشتاسب بهمن بن بشتاسب وهو من ملوك الفرس المشهورين والأبطال المذكورين وقد ناب بخت نصر لكل واحد من هؤلاء الثلاثة وعمر دهرا طويلا قبحه الله والمقصود أن هذا الذي ذكره ابن جرير من أن هذا المار على هذه القرية هو ارميا عليه السلام قال وهب بن منبه وعبدالله بن عبيد بن عمير وغيرهما وهو قوي من حيث السياق المتقدم وقد روى عن علي وعبدالله بن سلام وابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة وغيرهم أنه عزير وهذا اشهر عند كثير من السلف والخلف والله أعلم
*2* وهذه قصة العزير


@ قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر هو عزير بن جروة ويقال بن سوريق بن عديا بن أيوب بن درزنا بن عري بن تقي بن اسبوع بن فنحاص بن العازر بن هارون بن عمران ويقال عزير بن سروخا جاء في بعض الآثار ان قبره بدمشق ثم ساق من طريق أبي القاسم البغوي عن داود بن عمرو عن حبان بن علي عن محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا لا أدري العين بيع أم لا ولا أدري أكان عزير نبيا أم لا ثم رواه من حديث مؤمل بن الحسن عن محمد بن اسحاق السجزي عن عبدالرزاق عن معمر عن ابن أبي ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا نحوه ثم روى من طريق اسحاق بن بشر وهو متروك عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ان عزيرا كان ممن سباه بخت نصر وهو غلام حدث فلما بلغ اربعين سنة أعطاه الله الحكمة قال ولم يكن أحد أحفظ ولا أعلم بالتوراة منه قال وكان يذكر مع الأنبياء حتى محى الله اسمه من ذلك حين سأل ربه عن القدر وهذا ضعيف
ومنقطع ومنكر والله أعلم
وقال اسحاق بن بشر عن سعيد عن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن عبدالله بن سلام أن عزيرا هو العبد الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه وقال اسحاق بن بشر أنبأنا سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس وعبدالله بن اسماعيل السدي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس وادريس عن جده وهب بن منبه قال اسحاق كل هؤلاء حدثوني عن حديث عزير وزاد بعضهم على بعض قالوا باسنادهم ان عزيرا كان عبدا صالحا حكيما خرج ذات يوم إلى ضيعة له يتعاهدها فلما انصرف أتى إلى خربة حين قامت الظهرية وأصابه الحر ودخل الخربة وهو على حماره فنزل عن حماره ومعه سلة فيها تين وسلة فيها عنب فنزل في ظل تلك الخربة وأخرج قصعة معه فاعتصر من العنب الذي كان معه في القصعة ثم أخرج خبزا يابسا معه فألقاه في تلك القصعة في العصير ليبتل ليأكله ثم استلقى على قفاه وأسند رجليه إلى الحائط فنظر سقف تلك البيوت ورأى ما فيها وهي قائمة على عروشها وقد باد أهلها ورأى عظاما بالية فقال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فلم يشك أن الله يحييها ولكن قالها تعجبا فبعث الله ملك الموت فقبض روحه فأماته الله مائة عام فلما أتت عليه مائة عام وكانت فيما بين ذلك في بني إسرائيل أمور واحداث قال فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل قلبه وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى ثم ركب خلقه وهو ينظر ثم كسى عظامه اللحم والشعر والجلد ثم نفخ فيه الروح كل ذلك وهو يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم وذلك أنه كان لبث صدر النهار عند الظهيرة وبعث في آخر النهار والشمس لم تغب فقال أو بعض يوم ولم يتم لي يوم فقال له الملك بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك يعني الطعام الخبز اليابس وشرابه العصير الذي كان اعتصره في القصعة فإذا هما على حالهما لم يتغير العصير والخبز يابس فذلك قوله لم يتسنه يعني لم يتغير وكذلك التين والعنب غض لم يتغير شيء من حالهما فكأنه أنكر في قلبه فقال له الملك أنكرت ما قلت لك انظر إلى حمارك فنظر إلى حماره قد بليت عظامه وصارت نخرة فنادى الملك عظام الحمار فأجابت وأقبلت من كل ناحية حتى ركبه الملك وعزير ينظر إليه ثم ألبسها العروق والعصب ثم كساها اللحم ثم أنبت عليها الجلد والشعر ثم نفخ فيه الملك فقام الحمار رافعا رأسه وأذنيه إلى السماء ناهقا يظن القيامة قد قامت فذلك قوله وانظر إلى حمارك ولنجعلنك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما يعني وانظر إلى عظام حمارك كيف يركب بعضها بعضا في أوصالها حتى إذا صارت عظاما مصورا حمارا بلا لحم ثم انظر كيف نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم أن الله على كل شيء قدير من أحياء الموتى وغيره قال فركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منزله فانطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو
بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وعقلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها عزير يا هذه اهذا منزل عزير قالت نعم هذا منزل عزير فبكت وقالت ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس قال فإني انا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني قالت سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر قال فانى أنا عزير قالت فإن عزيرا رجل مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء فادع الله أن يرد على بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك قال فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال قومي بإذن الله فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال فنظرت فقالت اشهد أنك عزير وانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشر سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادتهم فقالت هذا عزير قد جائكم فكذبوها فقالت أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد على بصري واطلق رجلي وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه قال فنهض الناس فأقبلوا اليه فنظروا اليه فقال ابنه كان لأبي شامة سوداء بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير فقالت بنو اسرائيل فإنه لم يكن فينا أحد حفظ التوراة فيما حدثنا غير عزير وقد حرق بخت نصر التوراة ولم يبق منها شيء إلا ما حفظت الرجال فاكتبها لنا وكان أبوه سروخا وقد دفن التوراة أيام بخت نصر في موضع يعرفه أحد غير عزير فانطلق بهم إلى ذلك الموضع فحفره فاستخرج التوراة وكان قد عفن الورق ودرس الكتاب قال وجلس في ظل شجرة وبنو اسرائيل حوله فجدد لهم التوراة ونزل من السماء شهابان حتى دخلا جوفه فتذكر التوراة فجددها لبني اسرائيل فمن ثم قالت اليهود عزير بن الله للذي كان من أمر الشهابين وتجديده التوراة وقيامه بأمر بني إسرائيل وكان جدد لهم التوراة بأرض السواد بدير حزقيل والقرية التي مات فيها يقال لها سايراباذ قال ابن عباس فكان كما قال الله تعالى ولنجعلك آية للناس يعني لبني اسرائيل وذلك انه كان يجلس مع بنيه وهم شيوخ وهو شاب لأنه مات وهو ابن أربعين سنة فبعثه الله شابا كهيئة يوم مات قال ابن عباس بعث بعد بخت نصر وكذلك قال الحسن وقد أنشد أبو حاتم السجستاني في معنى ما قاله ابن عباس
وأسود رأس شاب من قبله ابنه * ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
يرى ابنه شيخا يدب على عصا * ولحيته سوداء والرأس أشقر
وما لابنه حيل ولا فضل قوة * يقوم كما يمشي الصبي فيعثر
يعد ابنه في الناس تسعين حجة * وعشرين لا يجري ولا يتبختر
وعمر أبيه أربعون أمرها * ولان ابنه تسعون في الناس عبر
فما هو في المعقول ان كنت داريا * وان كنت لا تدري فبالجهل تعذر
*2* فصل المشهور أن عزيرا نبي من أنبياء بني إسرائيل
@ وانه كان فيما بين داود وسليمان وبين زكريا ويحيى وأنه لما لم يبق في بني إسرائيل من يحفظ التوراة ألهمه الله حفظها فسردها على بني إسرائيل كما قال وهب بن منبه أمر الله ملكا فنزل بمغرفة من نور فقذفها في عزير فنسخ التوراة حرفا بحرف حتى فرغ منها وروى ابن عساكر عن ابن عباس أنه سأل عبدالله بن سلام عن قول الله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله لم قالوا ذلك فذكر له ابن سلام ما كان من كتبه لبني إسرائيل التوراة من حفظه وقول بني إسرائيل لم يستطع موسى أن يأتينا بالتوراة الا في كتاب وان عزيرا قد جاءنا بها من غير كتاب فرماه طوائف منهم وقالوا عزير ابن الله ولهذا يقول كثير من العلماء ان تواتر التوراة انقطع في زمن العزير وهذا متجه جدا إذا كان العزيز غير نبي كما قاله عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وفيما رواه اسحاق ابن بشر عن مقاتل بن سليمان عن عطاء وعن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه ومقاتل عن عطاء بن أبي رباح قال كان في الفترة تسعة أشياء بخت نصر وجنة صنعاء وجنة سبأ وأصحاب الأخدود وأمر حاصورا
وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل ومدينة انطاكية وامر تبع وقال اسحاق بن بشر أنبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان امر عزير وبخت نصر في الفترة وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان أولى الناس بابن مريم لانا إنه ليس بيني وبينه نبي وقال وهب بن منبه كان فيما بين سليمان وعيسى عليهما السلام وقد روى ابن عساكر عن أنس بن مالك وعطاء بن السائب أن عزيرا كان في زمن موسى بن عمران وانه استأذن عليه فلم يأذن له يعني لما كان من سوآله عن القدر وانه انصرف وهو يقول مائة موتة أهون من ذل ساعة وفي معنى قول عزير مائة موتة أهون من ذل ساعة قول بعض الشعراء
قد يصبر الحر على السيف * ويأنف الصبر على الحيف
ويؤثر الموت على حالة * يعجز فيها عن قرى الضيف
فأما ما روى ابن عساكر وغيره عن ابن عباس ونوف البكالي وسفيان الثوري وغيرهم من أنه سأل عن القدر فمحى اسمه من ذكر الأنبياء فهو منكر وفي صحته نظر وكأنه مأخوذ عن الاسرائيليات وقد روى عبدالرزاق وقتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن نوف البكالي قال قال عزير فيما يناجي ربه يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء فقيل له أعرض عن هذا فعاد فقيل له لتعرض عن هذا أولا محون اسمك من الأنبياء إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون وهذا لا يقتضي وقوع ما توعد عليه لو عاد فما محيا اسمه والله أعلم
وقد روى الجماعة سوى الترمذي من حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة
عن أبي هريرة وكذلك رواه شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملةفأمر بجبازه فأخرج من تحتها ثم أمر بها فأحرقت بالنار فأوحى الله إليه مهلا نملة واحدة فروى اسحاق بن بشر عن ابن جريج عن عبدالوهاب بن مجاهد عن أبيه أنه عزير وكذا روى عن ابن عباس والحسن البصري أنه عزير فالله علم
*2* قصة زكريا ويحيى عليهما السلام
@ قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا واني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يا زكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قال رب اجعل لي آية قال آيتك ان لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا فخرج على قومه من المحراب فأوحى اليهم ان سبحوا بكرة وعشيا يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا وقال تعالى وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم انى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين قال رب انى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء قال رب اجعل لي آية قال آيتك ان لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار وقال تعالى في سورة الأنبياء وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وانت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين وقال تعالى وزكريا ويحيى وعيسى والياس كل من الصالحين قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل زكريا بن برخيا ويقال زكريا بن دان يقال زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوق بن حشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهفاشاط بن اينا من ابن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي عليه السلام من بني إسرائيل دخل البثينة من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى وقيل انه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى والله أعلم وقد قيل غير ذلك في نسبه
ويقال فيه زكريا بالمد وبالقصر ويقال زكرى أيضا
والمقصود ان الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقص على الناس خبر زكريا عليه السلام وما كان من أمره حين وهبه الله ولدا على الكبر وكانت امرأته عاقرا في حال شبيبتها وقد أسنت أيضا حتى لا ييئس أحد من فضل الله ورحمته ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس قال تعالى ذكر رحمت ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال قتادة عند تفسيرها ان الله يعلم القلب النقي ويسمع الصوت الخفي وقال بعض السلف قام من الليل فنادى ربه مناداة اسرها عمن كان حاضرا عنده مخافته فقال يا رب يا رب يا رب فقال الله لبيك لبيك لبيك قال رب اني وهن العظم مني أي ضعف وخار من الكبر واشتعل الرأس شيبا استعارة من اشتعال النار في الحطب أي غلب على سواد الشعر شيبه كما قال ابن دريد في مقصورته
أما ترى رأسي حاكى لونه * طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض في مسوده * مثل اشتعال النار في جمر الغضا
وآض عود اللهو يبسا ذاويا * من بعد ما قد كان مجاج الثرى
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنا وظاهرا وهكذا قال زكريا عليه السلام اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا وقوله لم أكن بدعائك رب شقيا أي ما دعوتني فيما أسألك الا الإجابة وكان الباعث له على هذه المسئلة انه لما كفل مريم بنت عمران بن ماثان وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير إوانها ولا في آوانها وهذه من كرامات الأولياء فعلم أن الرازق للشئ في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدا وان كان قد طعن في سنه هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء وقوله واني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا قيل المراد بالموالي العصبة وكأنه خاف من تصرفهم بعده في بني اسرائيل بما لا يوافق شرع الله وطاعته فسأل وجود ولد من صلبه يكون برا تقيا مرضيا ولهذا قال فهب لي من لدنك أي من عندك بحولك وقوتك وليا يرثني أي في النبوة والحكم في بني إسرائيل ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يعني كما كان آباؤه واسلافه من ذرية يعقوب أنبياء فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي وليس المراد ههنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة ووافقهم ابن جرير ههنا وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه أحدها ما قدمنا عند قوله تعالى وورث سليمان داود أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروى في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة فهذا نص على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث ولهذا منع الصديق ان يصرف ما كان يختص به في حياته إلى أحد من وراثه الذين لولا هذا
النص لصرف اليهم وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس رضي الله عنهم واحتج عليهم الصديق في منعه اياهم بهذا الحديث وقد وافقه على روايته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبدالمطلب وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير وأبو هريرة وآخرون رضي الله عنهم الثاني أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء نحن معاشر الأنبياء لا نورث وصححه الثالث أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا اليها أو يهمهم أمرها حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم فان من لا يصل إلى قريب من منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدا يكون وارثا له فيها الرابع أن زكريا عليه السلام كان نجارا يعمل بيده ويأكل من كسبها كما كان داود عليه السلام يأكل من كسب يده والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل اجهادا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده وهذا أمر بين واضح لكل من تأمله وتدبره وتفهم ان شاء الله
قال الإمام أحمد حدثنا يزيد يعني ابن هرون أنبأنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان زكريا نجارا وهكذا رواه مسلم وابن ماجه من غير وجه عن حماد بن سلمة به وقوله يا زكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا وهذا مفسر بقوله فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين فلما بشر بالولد وتحقق البشارة شرع يستعلم على وجه التعجب وجود الولد والحالة هذه له قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير قيل كان عمره إذ ذاك سبعا وسبعين سنة والأشبه والله أعلم أنه كان أسن من ذلك وكانت امرأتي عاقرا يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرا لا تلد والله أعلم كما قال الخليل أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون وقالت سارة يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ان هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميد مجيد وهكذا أجيب زكريا عليه السلام قال له الملك الذي يوحي اليه بأمر ربه كذلك قال ربك هو على هين أي هذا سهل يسير عليه وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا أي قدرته أوجدتك بعد ان لم تكن شيئا مذكورا أفلا يوجد منك ولدا وان كنت شيخا وقال تعالى فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين ومعنى اصلاح زوجته انها كانت لا تحيض فحاضت وقيل كان في لسانها شئ أي بذاءة قال رب اجعل لي آية أي علامة على وقت تعلق مني المرأة بهذا الولد المبشر به قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سويا يقول علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام الا رمزا وانت في ذلك سوي الخلق صحيح المزاج معتدل البنية وأمر
بكثرة الذكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والابكار فلما بشر بهذه البشارة خرج مسرورا بها على قومه من محرابه فأوحى اليهم أن سبحوه بكرة وعشيا والوحي ههنا هو الأمر الخفي اما بكتابه كما قاله مجاهد والسدي أو اشارة كما قاله مجاهد أيضا ووهب وقتادة قال مجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة اعتقل لسانه من غير مرض وقال ابن زيد كان يقرأ ويسبح ولكن لا يستطيع كلام أحد وقوله يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الالهية لأبيه زكريا عليه السلام وأن الله علمه الكتاب والحكمة وهو صغير في حال صباه قال عبدالله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال وذلك قوله وآتيناه الحكم صبيا وأما قوله وحنانا من لدنا فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا أدري ما الحنان وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك وحنانا من لدنا أي رحمة من عندنا رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد وعن عكرمة وحنانا أي محبة عليه ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه وهو محبتهما والشفقة عليهما وبره بهما وأما الزكاة فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائض والرذائل والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره وترك زواجره ثم ذكر بره بوالديه وطاعته لهما أمرا ونهيا وترك عقوقهما قولا وفعلا فقال وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا ثم قال وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان فإنه ينتقل في كل منها من عالم إلى عالم آخر فيفقد الأول بعد ما كان الفه وعرفه ويصير إلى الآخر ولا يدري ما بين يديه ولهذا يستهل صارخا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمها وينتقل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمها وكذلك إذا فارق هذه الدار وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عرصة الأموات سكان القبور وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور فمن مسرور ومحبور ومن محزون ومثبور وما بين جبير وكسير وفريق في الجنة وفريق في السعير ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول
ولدتك أمك باكيا مستصرخا * والناس حولك يضحكون سرور
فاحرص لنفسك أن تكون إذا بكوا * في يوم موتك ضاحكا مسرورا
ولما كانت هذه المواطن الثلاثة اشق ما تكون على ابن آدم سلم الله على يحيى في كل موطن منها فقال وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال إن يحيى وعيسى التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني فقال له الآخر استغفر لي أنت خير مني فقال له عيسى أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما وأما قوله في الآية الأخرى وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين فقيل المراد بالحصور الذي لا يأتي النساء
يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:07 AM
وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله هب لي من لدنك ذرية طيبة وقد قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد يقول أنا خير من يونس بن متي علي بن زيد بن جدعان تكلم فيه غير واحد من الأئمة وهو منكر الحديث وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العباداني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولا ثم قال ابن خزيمة وليس على شرطنا وقال ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه يوما وهم يتذاكرون فضل الأنبياء فقال قائل موسى كليم الله وقال قائل عيسى روح الله وكلمته وقال قائل ابراهيم خليل الله فقال ابن الشهيد اين الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب قال ابن وهب يريد يحيى بن زكريا وقد رواه محمد بن اسحاق وهو مدلس عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب الا ما كان من يحيى بن زكريا فهذا من رواية ابن اسحاق وهو من المدلسين وقد عنعن ههنا ثم قال عبدالرزاق عن معمر عن قتادة عن سعيد بن المسيب مرسلا ثم رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ثم قد رواه ابن عساكر من طريق ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق حدثنا محمد بن الأصبهاني حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عبدالله بن عمرو قال ما أحد لا يلقى الله بذنب الا يحيى بن زكريا ثم تلا وسيدا وحصورا ثم رفع شيئا من الأرض فقال ما كان معه الا مثل هذا ثم ذبح ذبحا وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفا أصح من رفعه والله أعلم وأورده ابن عساكر من طرق عن معمر عن ذلك ما أورده من حديث اسحاق بن بشر وهو ضعيف عن عثمان بن سباح عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وروى من طريق أبي داود الطيالسي وغيره عن الحكم بن عبدالرحمن بن أبي نعيم عن أبيه عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة الا ابني الخالة يحيى وعيسى عليها السلام وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني حدثنا اسحاق بن أحمد حدثنا ابراهيم بن يوسف حدثنا أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان يقول خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى يا ابن خالة لقد أصبت اليوم خطيئة ما اظن أنه يغفر لك أبدا قال وما هي يا ابن خالة قال امرأة صدمتها قال والله ما شعرت بها قال سبحان الله بدنك معي فأين روحك قال معلق بالعرش ولو أن قلبي اطمئن إلى جبريل لظننت أني ما عرفت الله طرفة عين فيه غرابة وهو من الإسرائيليات وقال اسرائيل عن أبي حصين عن خيثمة قال كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة وكان عيسى يلبس الصوف وكان يحيى يلبس الوبر ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا
عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان اليه اين ماجنهما الليل أويا فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى أوصني قال لا تغضب قال لا أستطيع الا أن أغضب قال لا تقتن مالا قال أما هذه فعسى
وقد اختلفت الرواية عن وهب بن منبه هل مات زكريا عليه السلام موتا أو قتل قتلا على روايتين فروى عبدالمنعم بن ادريس بن سنان عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال هرب من قومه فدخل شجرة فجاؤا فوضعوا المنشار عليهما فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله اليه لئن لم يسكن أنينك لأقلبن الأرض ومن عليها فسكن أنينه حتى قطع باثنتين وقد روى هذا في حديث مرفوع سنورده بعد أن شاء الله وروى اسحق بن بشر عن ادريس بن سنان عن وهب أنه قال الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا فأما زكريا فمات موتا فالله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا عفان أنبأنا أبو خلف موسى بن خلف وكان يعد من البدلاء حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن وكاد أن يبطىء فقال له عيسى عليه السلام إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن فأما أن تبلغهن وإما أن أبلغهن فقال يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد فقعد على الشرف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله عز وجل أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن وأولهن أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا فان مثل ذلك مثل من اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك وأن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمرك بالصلاة فإن الله ينصب وجهه قبل عبده ما لم يلتفت فإذا صليتم فلا تلتفتوا وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك وان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يده إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه فقال هل لكم أن أفتدي نفسي منكم فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه وآمركم بذكر الله عز وجل كثيرا فإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في اثره فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه وأن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله عز وجل
قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن بالجماعة والسمع والطاعة والهجرة والجهاد في سبيل الله فان من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربق الاسلام من عنقه الا أن يرجع ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من حثا جهنم قال يا رسول الله وان صام وصلى قال وان صام وصلى وزعم أنه مسلم ادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد عن ابان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير وكذلك رواه
الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن اسماعيل كلاهما عن أبان بن يزيد العطار به ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن محمد بن شعيب بن سابور عن معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري به ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطاطري عن معاوية بن سلام عن أخيه به ثم قال تفرد به مروان الطاطري عن معاوية بن سلام قلت وليس كما قال ورواه الطبراني عن محمد بن عبدة عن أبي نوبة الربيع بن يافع عن معاوية بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية ثم روى الحافظ بن عساكر من طريق عبدالله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس قال ذكر لنا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلمات وذكر نحو ما تقدم وقد ذكروا أن يحيى عليه السلام كان كثير الانفراد من الناس انما كان يأنس إلى البراري ويأكل من ورق الأشجار ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان ويقول من انعم منك يا يحيى وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلبه فوجداه عند بحيرة الأردن فلما اجتمعا به أبكاهما بكاء شديدا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله عز وجل وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال كان طعام يحيى بن زكريا العشب وانه كان ليبكي من خشية الله حتى لو كان القار على عينيه لخرقه
وقال محمد بن يحيى الذهلي حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال جلست يوما إلى أبي ادريس الخولاني وهو يقص فقال الا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعاما فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعاما انما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس في معايشهم وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال فقد زكريا ابنه يحيى ثلاثة أيام فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرا وأقام فيه يبكي عل نفسه فقال يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبر قد احتفرته قائم تبكي فيه فقال يا أبت الست أنت أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة لا يقطع الا بدموع البكائين فقال له ابك يا بني فبكيا جميعا وهكذا حكاه وهب بن منبه ومجاهد بنحوه وروى ابن عساكر عنه أنه قال إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم فكذا ينبغي للصديقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبة لله عز وجل ثم قال كم بين النعيمين وكم بينهما وذكروا أنه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خديه من كثرة دموعه
*2* بيان سبب قتل يحيى عليه السلام
@ وذكروا في قتله أسبابا من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوج ببعض محارمه أو من لا يحل له تزويجها فنهاه يحيى عليه السلام عن ذلك فبقي في نفسها منه فلما كان بينها وبين الملك
ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى فوهبه لها فبعثت اليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طشت إلى عندها فيقال أنها هلكت من فورها وساعتها وقيل بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك فتمنع عليها الملك ثم أجابها إلى ذلك فبعث من قتله وأحضر اليها رأسه ودمه في طشت وقد ورد معناه في حديث رواه اسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ حيث قال أنبأنا يعقوب الكوفي عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه وقال له يا أبا يحيى خبرني عن قتلك كيف كان ولم قتلك بنو اسرائيل قال يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه وكان أجملهم وأصبحهم وجها وكان كما قال الله تعالى سيدا وحصورا وكان لا يحتاج إلى النساء فهوته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها فأجمعت على قتل يحيى ولهم عيد يجتمعون في كل عام وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب قال فخرج الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته وكان بها معجبا ولم تكن تفعله فيما مضى فلما أن شيعته قال الملك سليني فما سألتني شيئا الا أعطيتك قالت أريد دم يحيى بن زكريا قال لها سليني غيره قالت هو ذاك قال هو لك قال فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي وأنا الى جانبه أصلي قال فذبح في طشت وحمل رأسه ودمه إليها قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بلغ من صبرك قال ما انفتلت من صلاتي قال فلما حمل رأسه اليها فوضع بين يديها فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه فلما أصبحوا قالت بنو اسرائيل قد غضب إله زكريا لزكريا فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا قال فخرجوا في طلبي ليقتلوني وجاءني النذير فهربت منهم وابليس أمامهم يدلهم علي فلما تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني وقالت إلي إلي وانصدعت لي ودخلت فيها قال وجاء ابليس حتى أخذ بطرف ردائي والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجا من الشجرة وجاءت بنو اسرائيل فقال ابليس أما رأيتموه دخل هذه الشجرة هذا طرف ردائه دخلها بسحره فقالوا نحرق هذه الشجرة فقال ابليس شقوه بالمنشار شقا قال فشققت مع الشجرة بالمنشار قال له النبي صلى الله عليه وسلم هل وجدت له مسا أو وجعا قال لا انما وجدت ذلك الشجرة التي جعل الله روحي فيها هذا سياق غريب جدا وحديث عجيب ورفعه منكر وفيه ما ينكر على كل حال ولم ير في شيء من أحاديث الإسراء ذكر زكريا عليه السلام الا في هذا الحديث وانما المحفوظ في بعض الفاظ الصحيح في حديث الاسراء فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث فان أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران وقيل بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حنة امرأة عمران أم مريم فيكون يحيى ابن خالة مريم فالله أعلم
ثم اختلف في مقتل يحيى بن زكريا هل كان في المسجد الأقصى أم بغيره على قولين فقال الثوري
عن الأعمش عن شمر بن عطية قال قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعون نبيا منهم يحيى بن زكريا عليه السلام وقال أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عبدالله بن صالح عن الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال قدم بخت نصر دمشق فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي فسأل عنه فأخبروه فقتل على دمه سبعين ألفا فسكن وهذا اسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب وهو يقتضي أنه قتل بدمشق وان قصة بخت نصر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري فالله أعلم
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم عن زيد بن واقد قال رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناء مسجد دمشق أخرج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق فكانت البشرة والشعر على حاله لم يتغير وفي رواية كأنما قتل الساعة وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة فالله أعلم وقد روى الحافظ ابن عساكر في المستقصي في فضائل الأقصى من طريق العباس بن صبح عن مروان عن سعيد بن عبدالعزيز عن قاسم مولى معاوية قال كان ملك هذه المدينة يعني دمشق هداد بن هداد وكان قد زوجه ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق وهو الصاغة العتيقة قال وكان قد حلف بطلاقها ثلاثا ثم أنه أراد مراجعتها فاستفتى يحيى بن زكريا فقال لا تحل لك حتى تنكح زوجا غيرك فحقدت عليه وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا وذلك بإشارة أمها فأبى عليها ثم أجابها إلى ذلك وبعث إليه وهو قائم يصلي بمسجد جيرون من أتاه برأسه في صينية فجعل الرأس يقول له لا تحل له لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فأخذت المرأةالطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك فلما تمثلت بين يدي أمها خسف بها إلى قدميها ثم الى حقويها وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن ثم خسف بها إلى منكبيها فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها ففعل فلفظت الأرض جثتها عند ذلك ووقعوا في الذل والفناء ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصر فقتل عليه خمسة وسبعين ألفا قال سعيد بن عبدالعزيز وهي دم كل نبي ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا عليه السلام فقال أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن الله فسكن فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس فتبعهم اليها فقتل خلقا كثيرا لا يحصون كثرة وسبا منهم ثم رجع عنهم
*2* قصة عيسى بن مريم عليه من الله أفضل الصلاة والسلام
@ قال الله تعالى في سورة آل عمران التي أنزل صدرها وهو ثلاث وثمانون آية منها في الرد على النصارى عليهم لعائن الله الذين زعموا أن لله ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وكان قد قدم وفد نجران منهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا يذكرون ما هم عليه من الباطل من التثليث في الأقانيم ويدعون بزعمهم ان الله ثالث ثلاثة وهم الذات المقدسة وعيسى ومريم على اختلاف فرقهم فأنزل الله عز وجل صدر هذه السورة بين فيها أن عيسى عبد من عباد الله خلقه وصوره في الرحم كما صور غيره من المخلوقات وانه خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم وقال له كن فكان سبحانه وتعالى وبين أصل ميلاد أمه مريم وكيف كان من أمرها وكيف حملت بولدها عيسى وكذلك بسط ذلك في سورة مريم كما سنتكلم على ذلك كله بعون الله وحسن توفيقه وهدايته فقال تعالى وهو أصدق القائلين ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم إذ قالت امرأة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى واني سميتها مريم واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم انى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يزرق من يشاء بغير حساب
يذكر تعالى أنه اصطفى آدم عليه السلام والخلص من ذريته المتبعين شرعه الملازمين طاعته ثم خصص فقال وآل ابراهيم فدخل فيهم بنو اسماعيل وبنو اسحاق ثم ذكر فضل هذا البيت الطاهر الطيب وهم آل عمران والمراد بعمران هذا والد مريم عليها السلام وقال محمد بن اسحاق وهو عمران بن باشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن احريق بن موثم بن عزازيا بن امصيا بن ياوش بن احريهو بن يازم بن يهفاشاط بن ايشا بن ايان بن رحبعام بن سليمان بن داود وقال أبو القاسم بن عساكر مريم بنت عمران بن ماثان بن العازر بن اليود بن اخنر بن صادوق بن عيازوز بن الياقيم بن ايبود بن زريابيل بن شالتال بن يوحينا بن برشا بن امون بن ميشا بن حزقا بن احاز بن موثام بن عزريا بن يورام بن يوشافاط بن ايشا بن ايبا بن رحبعام بن سليمان بن داود عليه السلام وفيه مخالفة كما ذكره محمد بن اسحاق ولا خلاف انها من سلالة داود عليه السلام وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه وكانت أمها وهي حنة بنت فاقود بن قبيل من العابدات وكان زكريا نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم اشياع في قول الجمهور وقيل زوج خالتها اشياع فالله أعلم
وقد ذكر محمد بن اسحاق وغيره أن أم مريم كانت لا تحبل فرأت يوما طائرا يزق فرخا له فاشتهت
الولد فنذرت لله ان حملت لتجعلن ولدها محررا أي حبيسا في خدمة بيت المقدس قالوا فحاضت من فورها فلما طهرت واقعها بعلها فحملت بمريم عليها السلام فلما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله أعلم بما وضعت وقرئ بضم التاء وليس الذكر كالأنثى أي في خدمة بيت المقدس وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم وقولها واني سميتها مريم استدل به على تسمية المولود يوم يولد وكما ثبت في الصحيحين عن أنس في ذهابه بأخيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحنك أخاه وسماه عبدالله وجاء في حديث الحسن عن سمرة مرفوعا كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى ويحلق رأسه رواه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وجاء في بعض ألفاظه ويدمى بدل ويسمى وصححه بعضهم والله أعلم وقولها وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم قد استجيب لها في هذا كما تقبل منها نذرها فقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان اياه إلا مريم وابنها ثم يقول أبو هريرة واقرؤا ان شئتم واني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم أخرجاه من حديث عبدالرزاق ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج عن بقية عن عبدالله بن الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال أحمد أيضا حدثنا اسماعيل بن عمر حدثنا ابن أبي ذؤيب عن عجلان مولى المشمعل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل مولود من بني آدم يمسه الشيطان باصبعه الا مريم بنت عمران وابنها عيسى تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب عن عمر بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا حفص بن ميسرة عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل انسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضينه إلا ما كان من مريم وابنها ألم تر إلى الصبي حين يسقط كيف يصرخ قالوا بلى يا رسول الله قال ذلك حين يلكزه الشيطان بحضينه وهذا على شرط مسلم ولم يخرجه من هذا الوجه ورواه قيس عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم وكذا رواه محمد بن اسحق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأصل الحديث وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالملك حدثنا المغيرة هو ابن عبدالله الحزامي عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد إلا عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه وقوله فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ذكر كثير من المفسرين أن أمها حين وضعتها لفتها في خروقها ثم خرجت بها
إلى المسجد فسلمتها إلى العباد الذين هم مقيمون به وكانت ابنة امامهم وصاحب صلاتهم فتنازعوا فيها والظاهر أنها انما سلمتها اليهم بعد رضاعها وكفالة مثلها في صغرها ثم لما دفعتها اليهم تنازعوا في أيهم يكفلها وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان وقد أراد أن يستبد بها دونهم من أجل أن زوجته اختها أو خالتها على القولين فشاحوه في ذلك وطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم وذلك أن الخالة بمنزلة الأم قال الله تعالى وكفلها زكريا أي بسبب غلبه لهم في القرعة كما قال تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون قالوا وذلك أن كلا منهم ألقى قلمه معروفا به ثم حملوها ووضعوها في موضع وأمروا غلاما لم يبلغ الحنث فأخرج واحدا منها وظهر قلم زكريا عليه السلام فطلبوا أن يقترعوا مرة ثانية وأن يكون ذلك بأن يلقوا أقلامهم في النهر فأيهم جرى قلمه على خلاف جريه في الماء فهو الغالب ففعلوا فكان قلم زكريا هو الذي جرى على خلاف جرية الماء وسارت أقلامهم مع الماء ثم طلبوا منه أن يقترعوا ثالثة فأيهم جرى قلمه مع الماء ويكون بقية الأقلام قد انعكس سيرها صعدا فهو الغالب ففعلوا فكان زكريا هو الغالب لهم فكفلها اذ كان أحق بها شرعا وقدرا لوجوه عديدة قال الله تعالى كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب قال المفسرون اتخذ لها زكريا مكانا شريفا من المسجد لا يدخله سواه فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما يجب عليها من سدانة البيت إذا جاءت نوبتها وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى أنه كان نبي الله زكريا كلما دخل عليها موضع عبادتها يجد عندها رزقا غريبا في غير أوانه فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف فيسألها أنى لك هذا فتقول هو من عند الله أي رزق رزقنيه الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فعند ذلك وهنالك طمع زكريا في وجود ولد من صلبه وان كان قد أسن وكبر قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة انك سميع الدعاء قال بعضهم قال يا من يرزق مريم الثمر في غير أوانه هب لي ولدا وان كان في غير أوانه فكان من خبره وقضيته ما قدمنا ذكره في قصته اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ذلك من أنباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم إذ يلقون اقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون إذ قالت الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل ورسولا إلى بني اسرائيل أنى قد
جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ان في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
يذكر تعالى أن الملائكة بشرت مريم باصطفاء الله لها من بين سائر نساء عالمي زمانها بأن اختارها لايجاد ولد منها من غير أب وبشرت بأن يكون نبيا شريفا يكلم الناس في المهد أي في صغره يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وكذلك في حال كهولته فدل على أنه يبلغ الكهولة ويدعو إلى الله فيها وأمرت بكثرة العبادة والقنوت والسجود والركوع لتكون أهلا لهذه الكرامة ولتقوم بشكر هذه النعمة فيقال إنها كانت تقوم في الصلاة حتى تفطرت قدماها رضي الله عنها ورحمها ورحم أمها وأباها فقول الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك أي اختارك واجتباك وطهرك أي من الأخلاق الرذيلة وأعطاك الصفات الجميلة واصطفاك على نساء العالمين يحتمل أن يكون المراد عالمي زمانها كقوله لموسى اني اصطفيتك على الناس وكقوله عن بني إسرائيل ولقد اخترناهم على علم على العالمين ومعلوم أن ابراهيم عليه السلام أفضل من موسى وأن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل منهما وكذلك هذه الأمة أفضل من سائر الأمم قبلها وأكثر عددا وأفضل علما وأزكى عملا من بني اسرائيل وغيرهم ويحتمل أن يكون قوله واصطفاك على نساء العالمين محفوظ العموم فتكون أفضل نساء الدنيا ممن كان قبلها ووجد بعدها لأنها إن كانت نبية على قول من يقول بنبوتها ونبوة سارة أم اسحاق ونبوة ام موسى محتجا بكلام الملائكة والوحي إلى أم موسى كما يزعم ذلك ابن حزم وغيره فلا يمتنع على هذا أن يكون مريم أفضل من سارة وأم موسى لعموم قوله واصطفاك على نساء العالمين إذ لم يعارضه غيره والله أعلم وأما قول الجمهور كما قد حكاه أبو الحسن الأشعري وغيره عن أهل السنة والجماعة من أن النبوة مختصة بالرجال وليس في النساء نبية فيكون أعلى مقامات مريم كما قال الله تعالى ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة فعلى هذا لا يمتنع أن تكون أفضل الصديقات المشهورات ممن كان قبلها وممن يكون بعدها والله أعلم وقد جاء ذكرها مقرونا مع آسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رضي الله عنهن وأرضاهن

وقد روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عديدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبدالله بن جعفر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك من نساء العالمين باربع مريم بنت عمران وآسية
امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ورواه الترمذي عن أبي بكر بن زانجويه عن عبدالرزاق به وصححه ورواه ابن مردويه من طريق عبدالله بن أبي جعفر الرازي وابن عساكر من طريق تميم بن زياد كلاهما عن أبي جعفر الرازي عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد رسول الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال كان أبو هريرة يحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش احناه على ولد في صغره وارعاه لزوج في ذات يده قال أبو هريرة ولم تركب مريم بعيرا قط وقد رواه مسلم في صحيحه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبدالرزاق به وقال أحمد حدثنا زيد بن الجباب حدثني موسى بن علي سمعت أبي يقول سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساء ركبن الابل نساء قريش احناه على ولد في صغره وأرأفه بزوج على قلة ذات يده قال أبو هريرة وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابنة عمران لم تركب الابل تفرد به وهو على شرط الصحيح ولهذا الحديث طرق أخر عن أبي هريرة وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا زهير حدثنا يونس بن محمد حدثنا داود بن أبي الفرات عن علباء بن أحمر عن عكرمة عن ابن عباس قال خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربع خطوط فقال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ورواه النسائي من طرق عن داود أبي هند وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي بكر عبدالله بن أبي داود سليمان بن الأشعث حدثنا يحيى بن حاتم العسكري نبأنا بشر بن مهران بن حمدان حدثنا محمد بن دينار عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبك منهن أربع سيدات نساء العالمين فاطمة بنت محمد وخديجة بنت خويلد وآسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وقال أبو القاسم البغوي حدثنا وهب بن منبه حدثنا خالد بن عبدالله الواسطي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة أنها قالت لفاطمة أرأيت حين اكببت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت ثم ضحكت قالت اخبرني أنه ميت من وجعه هذا فبكيت ثم اكببت عليه فأخبرني أني أسرع أهله لحوقا به وأني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت وأصل هذا الحديث في الصحيح وهذا اسناد على شرط مسلم وفيه أنهما أفضل الأربع المذكورات وهكذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن يزيد هو ابن أبي زياد عن عبدالرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة سيدة نساء أهل الجنة الا ما كان من مريم بنت عمران اسناد حسن وصححه الترمذي ولم يخرجوه وقد روى نحوه من حديث علي بن أبي طالب ولكن في اسناده ضعف والمقصود أن هذا يدل على أن مريم وفاطمة أفضل هذه الأربع ثم يحتمل الاستثناء أن تكون مريم أفضل من فاطمة ويحتمل أن يكونا على السواء
في الفضيلة لكن ورد حديث ان صح عين الاحتمال الأول فقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر أنبأنا أبو الحسن بن الفرا وأبو غالب وأبو عبدالله ابنا البنا قالوا أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة أنبأنا أبو طاهر المخلص حدثنا أحمد بن سليمان حدثنا الزبير هو ابن بكار حدثنا محمد بن الحسن عن عبدالعزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن كريم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة فرعون فإن كان هذا اللفظ محفوظا بثم التي للترتيب فهو مبين لأحد الاحتمالين اللذين دل عليهما الاستثناء وتقدم على ما تقدم من الألفاظ التي وردت بواو العطف التي لا تقتضي الترتيب ولا تنفيه والله أعلم
وقد روى هذا الحديث أبو حاتم الرازي عن داود الجعفري عن عبدالعزيز بن محمد وهو الدراوردي عن ابراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عباس مرفوعا فذكره بواو العطف لا بثم الترتيبية فخالفه اسنادا ومتنا فالله أعلم فأما الحديث الذي رواه ابن مردويه من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وهكذا الحديث الذي رواه الجماعة الا أبا داود من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة الهمداني عن أبي موسىالأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام فإنه حديث صحيح كما ترى اتفق الشيخان على اخراجه ولفظه يقتضي حصر الكمال في النساء في مريم وآسية ولعل المراد بذلك في زمانهما فإن كلا منهما كفلت نبيا في حال صغره فآسية كفلت موسى الكليم ومريم كفلت ولدها عبدالله ورسوله فلا ينفي كمال غيرهما في هذه الأمة كخديجة وفاطمة فخديجة خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة خمسة عشر سنة وبعدها ازيد من عشر سنين وكانت له وزير صدق بنفسها ومالها رضي الله عنها وأرضاها وأما فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها خصت بمزيد فضيلة على اخواتها لأنها أصيبت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية أخواتها متن في حيات النبي صلى الله عليه وسلم وأما عائشة فإنها كانت أحب أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ولم يتزوج بكرا غيرها ولا يعرف في سائر النساء في هذه الأمة بل ولا في غيرها أعلم منها ولا أفهم وقد غار الله لها حين قال لها أهل الافك ما قالوا فأنزل برائتها من فوق سبع سموات وقد عمرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من خمسين سنة تبلغ عنه القرآن والسنة وتفتي المسلمين وتصلح بين المختلفين وهي أشرف أمهات المؤمنين حتى خديجة بنت خويلد أم البنات والبنين في قول طائفة من العلماء السابقين واللاحقين والأحسن الوقف فيهما رضي الله عنهما وما ذاك الا لأن قوله صلى الله عليه وسلم وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام يحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاما بالنسبة إلى ما عدى المذكورات والله أعلم
والمقصود ههنا ذكر ما يتعلق بمريم بنت عمران عليها السلام فإن الله طهرها واصطفاها على نساء عالمي زمانها ويجوز أن يكون تفضيلها على النساء مطلقا كما قدمنا وقد ورد في حديث انها تكون من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة هي وآسية بنت مزاحم وقد ذكرنا في التفسير عن بعض السلف أنه قال ذلك واستأنس بقوله ثيبات وابكارا قال فالثيب آسية ومن الأبكار مريم بنت عمران وقد ذكرناه في آخر سورة التحريم فالله أعلم
قال الطبراني حدثنا عبدالله بن ناجية حدثنا محمد بن سعد العوفي حدثنا أبي أنبأنا عمي الحسين حدثنا يونس بن نفيع عن سعد بن جنادة هو العوفي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران وامرأة فرعون وأخت موسى وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا ابراهيم بن عرعرة حدثنا عبدالنور بن عبدالله حدثنا يونس بن شعيب عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشعرت أن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى رواه ابن جعفر العقيلي من حديث عبدالنور به وزاد فقلت هنيأ لك يا رسول الله ثم قال العقيلي وليس بمحفوظ وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن عن يعلى بن المغيرة عن ابن أبي داود قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي في مرضها الذي توفيت فيه فقال لها بالكره مني ما أرى منك يا خديجة وقد يجعل الله في الكره خيرا كثيرا أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم بنت عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون قالت وقد فعل الله بك ذلك يا رسول الله قال نعم قالت بالرفاء والبنين وروى ابن عساكر من حديث محمد بن زكريا الغلابي حدثنا العباس بن بكار حدثنا أبو بكر الهزلي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة وهي في مرض الموت فقال يا خديجة اذا لقيت ضرائرك فاقرئهن مني السلام قالت يا رسول الله وهل تزوجت قبلي قال لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى وروى ابن عساكر من طريق سويد بن سعيد حدثنا محمد بن صالح بن عمر عن الضحاك ومجاهد عن ابن عمر قال نزل جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أرسل به وجلس يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ مرت خديجة فقال جبريل من هذه يا محمد قال هذه صديقة أمتي قال جبريل معي اليها رسالة من الرب عز وجل يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب قالت الله السلام ومنه السلام والسلام عليكما ورحمة الله وبركاته على رسول الله ما ذلك البيت الذي من قصب قال لؤلؤة جوفاء بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم وهما من أزواجي يوم القيامة وأصل السلام على خديجة من الله وبشارتها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا وصب في الصحيح ولكن هذا السياق بهذه الزيادات غريب جدا وكل من هذه الأحاديث في أسانيدها نظر وروى ابن عساكر من حديث أبي زرعة الدمشقي حدثنا عبدالله بن صالح
حدثني معاوية عن صفوان بن عمرو عن خالد بن معدان عن كعب الأحبار أن معاوية سأله عن الصخرة يعني صخرة بيت المقدس فقال الصخرة على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ينظمان سموط أهل الجنة حتى تقوم الساعة ثم رواه من طريق اسماعيل عن عياش عن ثعلبة بن مسلم عن مسعود عن عبدالرحمن عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وهذا منكر من هذا الوجه بل هو موضوع قد رواه أبو زرعة عن عبدالله بن صالح عن معاوية عن مسعود بن عبدالرحمن عن ابن عابد أن معاوية سأل كعبا عن صخرة بيت المقدس فذكره قال الحافظ بن عساكر وكونه من كلام كعب الأحبار أشبه قلت وكلام كعب الأحبار هذا إنما تلقاه من الاسرائيليات التي منها ما هو مكذوب مفتعل وضعه بعض زنادقتهم أو جهالهم وهذا منه والله أعلم
*2* ميلاد العبد الرسول عيسى بن مريم البتول
@ قال الله تعالى واذكر في الكتاب مريم اذا انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فاجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناداها من تحتها أن لا تحزني قد جعل ربك تحت سريا وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم انسيا فاتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك أمرء سوء وما كانت أمك بغيا فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه اذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم
ذكر تعالى هذه القصة بعد قصة زكريا التي هي كالمقدمة لها والتوطئة قبلها كما ذكر في سورة آل عمران قرن بينهما في سياق واحد وكما قال في سورة الأنبياء وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين
وقد تقدم أن مريم لما جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس وأنه كفلها زوج أختها أو خالتها نبي ذلك الزمان زكريا عليه السلام وأنه اتخذ لها محرابا وهو المكان الشريف من المسجد لا يدخله أحد عليها سواه وانها لما بلغت اجتهدت في العبادة فلم يكن في ذلك الزمان نظيرها في فنون العبادات وظهر عليها من الأحوال ما غبطها به زكريا عليه السلام وأنها خاطبتها الملائكة بالبشارة لها باصطفاء الله لها وبأنه سيهب لها ولدا زكيا يكون نبيا كريما طاهرا مكرما مؤيدا بالمعجزات فتعجبت من وجود ولد من غير والد لأنها لا زوج لها ولا هي ممن تتزوج فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت لأمر الله وعلمت أن هذا فيه محنة عظيمة لها فإن الناس يتكلمون فيها بسببه لأنهم لا يعلمون حقيقة الأمر وانما ينظرون إلى ظاهر الحال من غير تدبر ولا تعقل وكانت انما تخرج من المسجد في زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لا بد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شؤونها وانتبذت أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى اذ بعث الله اليها الروح الأمين جبريل عليه السلام فتمثل لها بشرا سويا فلما رأته قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال أبو العالية علمت أن التقي ذو نهية وهذا يرد قول من زعم أنه كان في بني إسرائيل رجل فاسق مشهور بالفسق اسمه تقي فإن هذا قول باطل بلا دليل وهو من أسخف الأقوال قال انما أنا رسول ربك أي خاطبها الملك قائلا انما أنا رسول ربك لست ببشر ولكني ملك بعثني الله اليك ليهب لك غلاما زكيا أي ولدا زكيا قالت أنى يكون لي غلام أي كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا أي ولست ذات زوج وما أنا ممن يفعل الفاحشة قال كذلك قال ربك هو على هين أي فأجابها الملك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه قائلا كذلك قال ربك أي وعد أنه سيخلق منك غلاما ولست بذات بعل ولا تكونين ممن تبغين هو علي هين أي وهذا سهل عليه ويسير لديه فإنه على ما يشاء قدير وقوله ولنجعله آية للناس أي ولنجعل خلقه والحالة هذه دليلا على كمال قدرتنا على أنواع الخلق فإنه تعالى خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى وقوله ورحمةمنا أي نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله في صغره وكبره في طفوليته وكهوليته بأن يفردوا الله بالعبادة وحده لا شريك له وينزهوه عن اتخاذ الصاحبة والأولاد والشركاء والنظراء والأضداد والأنداد وقوله وكان أمرا مقضيا يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها يعني ان هذا أمر قد قضاه الله وحتمه وقدره وقرره وهذا معنى قول محمد بن اسحاق واختاره ابن جرير ولم يحك سواه والله أعلم ويحتمل أن يكون قوله وكان أمرا مقضيا كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا فذكر غير واحد من السلف ان جبريل نفخ في جيب درعها فنزلت
النفخة إلى فرجها فحملت من فورها كما تحمل المرأة عند جماع بعلها ومن قال انه نفخ في فمها أو أن الذي كان يخاطبها هو الروح الذي ولج فيها من فمها فقوله خلاف ما يفهم من سياقات هذه القصة في محالها من القرآن فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل اليها ملك من الملائكة وهو جبريل عليه السلام وأنه إنما نفخ فيها ولم يواجه الملك الفرج بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها فانسلكت فيه كما قال تعالى فنفخنا فيه من روحنا يدل على أن النفخة ولجت فيه لا في فمها كما روى عن أبي بن كعب ولا في صدرها كما رواه السدي بإسناده عن بعض الصحابة ولهذا قال تعال فحملته أي حملت ولدها فانتبذت به مكانا قصيا وذلك لأن مريم عليها السلام لما حملت ضاقت به ذرعا وعلمت أن كثيرا من الناس سيكون منهم كلام في حقها فذكر غير واحد من السلف منهم وهب بن منبه انها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا وذلك لما يعلم من ديانتها ونزاهتها وعبادتها وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام فقال يا مريم هل يكون زرع من غير بذر قالت نعم فمن خلق الزرع الأول ثم قال فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر قالت نعم فمن خلق الشجر الأول ثم قال فهل يكون ولد من غير ذكر قالت نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى قال لها فأخبريني خبرك فقالت إن الله بشرني بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ويروي مثل هذا عن زكريا عليه السلام أنه سألها فأجابته بمثل هذا والله أعلم
وذكر السدي بإسناده عن الصحابة أن مريم دخلت يوما على أختها فقالت لها أختها أشعرت أني حبلى فقالت مريم وشعرت أيضا أني حبلى فاعتنقتها وقالت لها أم يحيى إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله مصدقا بكلمة من الله ومعنى السجود ههنا الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم وقال أبو القاسم قال مالك بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم اني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لأن الله تعالى جعله يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص رواه ابن أبي حاتم وروى عن مجاهد قال قالت مريم كنت إذا خلوت حدثني وكلمني وإذا كنت بين الناس سبح في بطني
ثم الظاهر أنها حملت به تسعة أشهر كما تحمل النساء ويضعن لميقات حملهن ووضعهن إذ لو كان خلاف ذلك لذكر وعن ابن عباس وعكرمة أنها حملت به ثمانية أشهر وعن ابن عباس ما هو إلا أن حملت به فوضعته قال بعضهم حملت به تسع ساعات واستأنسوا لذلك بقوله فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها
المخاض إلى جذع النخلة والصحيح أن تعقيب كل شيء بحسبه لقوله فتصبح الأرض مخضرة وكقوله فخلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ومعلوم أن بين كل حالين أربعين يوما كما ثبت في الحديث المتفق عليه
قال محمد بن اسحاق شاع واشتهر في بني اسرائيل أنها حامل فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل بيت زكريا قال واتهمها بعض الزنادقة بيوسف الذي كان يتعبد معها في المسجد وتوارت عنهم مريم واعتزلتهم وانتبذت مكانا قصيا وقوله فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة أي فالجأها واضطرها الطلق إلى جذع النخلة وهو بنص الحديث الذي رواه النسائي بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا والبيهقي بإسناد وصححه عن شداد بن أوس مرفوعا أيضا ببيت لحم الذي بنى عليه بعض ملوك الروم فيما بعد على ما سنذكره هذا البناء المشاهد الهائل قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتن وذلك أنها علمت أن الناس يتهمونها ولا يصدقونها بل يكذبونها حين تأتيهم بغلام على يدها مع أنها قد كانت عندهم من العابدات الناسكات المجاورات في المسجد المنقطعات اليه المعتكفات فيه ومن بيت النبوة والديانة فحملت بسبب ذلك من الهم ما تمنت ان لو كانت ماتت قبل هذا الحال أو كانت نسيا منسيا أي لم تخلق بالكلية وقوله فناداها من تحتها وقرىء من تحتها على الخفض وفي المضمر قولان أحدهما أنه جبريل قاله العوفي عن ابن عباس قال ولم يتكلم عيسى إلا بحضرة القوم وهكذا قال سعيد بن جبير وعمرو بن ميمون والضحاك والسدي وقتادة وقال مجاهد والحسن وابن زيد وسعيد بن جبير في رواية هو ابنها عيسى واختاره ابن جرير وقوله أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا قيل النهر واليه ذهب الجمهور وجاء فيه حديث رواه الطبراني لكنه ضعيف واختاره ابن جرير وهو الصحيح وعن الحسن والربيع بن أنس وابن أسلم وغيرهم أنه ابنها والصحيح الأول لقوله وهزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فذكر الطعام والشراب ولهذا قال فكلي واشربي وقري عينا ثم قيل كان جذع النخلة يابسا وقيل كانت نخلة مثمرة فالله أعلم ويحتمل أنها كانت نخلة لكنها لم تكن مثمرة إذ ذاك لأن ميلاده كان في زمن الشتاء وليس ذاك وقت ثمر وقد يفهم ذلك من قوله تعالى على سبيل الامتنان تساقط عليك رطبا جنيا قال عمرو بن ميمون ليس شيء أجود للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبدالرحمن بن عمرو الأنصاري عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرموا عمتكم النخلة فانها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم وليس من الشجر شيء يلقح غيرها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها
مريم بنت عمران وكذا رواه أبو يعلى في مسنده عن شيبان بن فروخ عن مسروق بن سعيد وفي رواية مسرور بن سعد والصحيح مسرور بن سعيد التميمي أورد له ابن عدي هذا الحديث عن الأوزاعي به ثم قال وهو منكر الحديث ولم أسمع بذكره إلا في هذاالحديث وقال ابن حبان يروي عن الأوزاعي المناكير الكثيرة التي لا يجوز الاحتجاج بمن يرويها وقوله فأما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا وهذا من تمام كلام الذي ناداها من تحتها قال كلي واشربي وقري عينا فأما ترين من البشر أحدا أي فإن رأيت أحدا من الناس فقولي له أي بلسان الحال والإشارة إني نذرت للرحمن صوما أي صمتا وكان من صومهم في شريعتهم ترك الكلام والطعام قاله قتادة والسدي وابن أسلم ويدل على ذلك قوله فلن أكلم اليوم إنسيا فأما في شريعتنا فيكره للصائم صمت يوم إلى الليل وقوله تعالى فاتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ذكر كثير من السلف ممن ينقل عن أهل الكتاب أنهم لما افتقدوها من بين أظهرهم ذهبوا في طلبها فمروا على محلتها والأنوار حولها فلما واجهوها وجدوا معها ولدها فقالوا لها يا مريم لقد جئت شيئا فريا أي أمرا عظيما منكرا وفي هذا الذي قالوه نظر مع أنه كلام ينقض أوله آخره وذلك لأن ظاهر سياق القرآن العظيم يدل على أنها حملت بنفسها وأتت به قومها وهي تحمله قال ابن عباس وذلك بعد ما تعلت من نفاسها بعد أربعين يوما
والمقصود أنهم لما رأوها تحمل معها ولدها قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا والفرية هي الفعلة المنكرة العظيمة من الفعال والمقال ثم قالوا لها يا أخت هرون قيل شبهوها بعابد من عباد زمانهم كانت تساميه في العبادة وكان اسمه هرون وقيل شبهوها برجل فاجر في زمانهم اسمه هرون قاله سعيد بن جبير وقيل أرادوا بهرون أخا موسى شبهوها به في العبادة وأخطأ محمد بن كعب القرظي في زعمه أنها أخت موسى وهرون نسبا فإن بينهما من الدهور الطويلة ما لا يخفى على أدنى من عنده من العلم ما يرده عن هذا القول الفظيع وكأنه غره أن في التوراة أن مريم أخت موسى وهرون ضربت بالدف يوم نجا الله موسى وقومه وأغرق فرعون وملأه فاعتقد أن هذه هي هذه وهذا في غاية البطلان والمخالفة للحديث الصحيح مع نص القرآن كما قررناه في التفسير مطولا ولله الحمد والمنه وقد ورد الحديث الصحيح الدال على أنه قد كان لها أخ اسمه هرون وليس في ذكر قصة ولادتها وتحرير أمها لها ما يدل على أنها ليس لها أخ سواها والله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن ادريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرؤن يا أخت هرون وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم وكذا رواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث
عبدالله بن إدريس وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي رواية ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بأسماء صالحيهم وأنبيائهم وذكر قتادة وغيره أنهم كانوا يكثرون من التسمية بهرون حتى قيل إنه حضر بعض جنائزهم بشر كثير منهم ممن يسمى بهرون أربعون ألفا فالله أعلم
والمقصود أنهم قالوا يا أخت هرون ودل الحديث على أنها قد كان لها أخ نسبي اسمه هرون وكان مشهورا بالدين والصلاح والخير ولهذا قالوا ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا أي لست من بيت هذا شيمتهم ولا سجيتهم لا أخوك ولا أمك ولا أبوك فاتهموها بالفاحشة العظمى ورموها بالداهية الدهياء فذكر ابن جرير في تاريخه أنهم اتهموا بها زكريا وأرادوا قتله ففر منهم فلحقوه وقد انشقت له الشجرة فدخلها وأمسك ابليس بطرف ردائه فنشروه فيها كما قدمنا ومن المنافقين من اتهمها بابن خالها يوسف بن يعقوب النجار فلما ضاق الحال وانحصر المجال وامتنع المقال عظم التوكل على ذي الجلال ولم يبق إلا الاخلاص والاتكال فأشارت إليه أي خاطبوه وكلموه فإن جوابكم عليه وما تبغون من الكلام لديه فعندها قالوا من كان منهم جبارا شقيا كيف نكلم من كان في المهد صبيا أي كيف تحيلينا في الجواب على صبي صغير لا يعقل الخطاب وهو مع ذلك رضيع في مهده ولا يميز بين محض وزبده وما هذا منك إلا على سبيل التهكم بنا والاستهزاء والتنقص لنا والازدراء إذ لا تردين علينا قولا نطقيا بل تحيلين في الجواب على من كان في المهد صبيا فعندها قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا هذا أول كلام تفوه به عيسى بن مريم فكان أول ما تكلم به أن قال إني عبدالله اعترف لربه تعالى بالعبودية وأن الله ربه فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله بل هو عبده ورسوله وابن أمته ثم برأ أمه مما نسبها اليه الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه بقوله آتاني الكتاب وجعلني نبيا فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم كما قال تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا إنها حملت به من زنا في زمن الحيض لعنهم الله فبرأها الله من ذلك وأخبر عنها أنها صديقة واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولي العزم الخمسة الكبار ولهذا قال وجعلني مباركا أينما كنت وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة تعالى وتقدس وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وهذه وظيفة العبيد في القيام بحق العزيز الحميد بالصلاة والإحسان إلى الخليقة بالزكاة وهي تشتمل على طهارة النفوس من الأخلاق الرذيلة وتطهير الأموال الجزيلة بالعطية للمحاويج على اختلاف الأصناف وقرى الأضياف النفقات على الزوجات والأرقاء والقرابات وسائر وجوه الطاعات وأنواع القربات ثم قال وبرا بوالدتي
ولم يجعلني جبارا شقيا أي وجعلني برا بوالدتي وذلك أنه تأكد حقها عليه لتمحض جهتها إذ لا والد له سواها فسبحان من خلق الخليقة وبرأها وأعطى كل نفس هداها ولم يجعلني جبارا شقيا أي لست بفظ ولا غليظ ولا يصدر مني قول ولا فعل ينافي أمر الله وطاعته والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا وهذه الأماكن الثلاثة التي تقدم الكلام عليها في قصة يحيى بن زكريا عليهما السلام ثم لما ذكر تعالى قصته على الجلية وبين أمره ووضحه وشرحه قال ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون كما قال تعالى بعد ذكر قصته وما كان من أمره في آل عمران ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ولهذا لما قدم وفد نجران وكانوا ستين راكبا يرجع أمرهم إلى أربعة عشر منهم ويؤول أمر الجميع إلى ثلاثة هم أشرافهم وساداتهم وهم العاقب والسيد وأبو حارثة بن علقمة فجعلوا يناظرون في أمر المسيح فأنزل الله صدر سورة آل عمران في ذلك وبين أمر المسيح وابتداء خلقه وخلق أمه من قبله وأمر رسوله بأن يباهلهم ان لم يستجيبوا له ويتبعوه فلما رأوا عينيها واذنيها نكصوا وامتنعوا عن المباهلة وعدلوا إلى المسألة والموادعة وقال قائلهم وهو العاقب عبد المسيح يا معشر النصارى لقد علمتم أن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وانها للاستئصال منكم ان فعلتم فإن كنتم قد أبيتم الا الف بينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم فطلبوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يضرب عليهم جزية وأن يبعث معهم رجلا أمينا فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقد بينا ذلك في تفسير آل عمران وسيأتي بسط هذه القضية في السيرة النبوية إن شاء الله تعالى وبه الثقة
والمقصود أن الله تعالى بين أمر المسيح قال لرسوله ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون يعني من أنه عبد مخلوق من امرأة من عباد الله ولهذا قال ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون أي لا يعجزه شيء ولا يكترثه ولا يؤوده بل هو القدير الفعال لما يشاء إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وقوله إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم هو من تمام كلام عيسى لهم في المهد أخبرهم أن الله ربه وربهم وإلهه وإلههم وأن هذا هو الصراط المستقيم قال الله تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم
أي فاختلف أهل الزمان ومن بعدهم فيه فمن قائل من اليهود إنه ولد زنية واستمروا على كفرهم وعنادهم وقابلهم آخرون في الكفر فقالوا هو الله وقال آخرون هو ابن الله وقال المؤمنون هو عبدالله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهؤلاء هم الناجون المثابون المؤيدون المنصورون ومن خالفهم في شيء من هذه القيود فهم الكافرون الضالون الجاهلون وقد توعدهم العلي العظيم الحكيم العليم بقوله فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم
قال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل أنبأنا الوليد حدثنا الأوزاعي حدثني عمير بن هانىء حدثني جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل قال الوليد فحدثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابر عن عمير عن جنادة وزاد من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء وقد رواه مسلم عن داود بن رشيد عن الوليد عن جابر به ومن طريق أخرى عن الأوزاعي به
*2* باب بيان أن الله تعالى منزه عن الولد
@ قال تعالى في آخر هذه السورة وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا ادا أي شيئا عظيما ومنكرا من القول وزورا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا فبين أنه تعالى لا ينبغي له الولد لأنه خالق كل شيء ومالكه وكل شيء فقير إليه خاضع ذليل لديه وجميع سكان السموات والأرض عبيده وهو ربهم لا إله إلا هو ولا رب سواه كما قال تعالى وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهواللطيف الخبير فبين أنه خالق كل شيء فكيف يكون له ولد والولد لا يكون إلا بين شيئين متناسبين والله تعالى لا نظير له ولا شبيه له ولا عديل له فلا صاحبة له فلا يكون له ولد كما قال تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد تقرر أنه الأحد الذي لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله الصمد وهو السيد الذي كمل في علمه وحكمته ورحمته وجميع صفاته لم يلد أي لم يوجد منه ولد
ولم يولد أي ولم يتولد عن شيء قبله ولم يكن له كفوا أحدا أي وليس له عدل ولا مكافىء ولا مساو فقطع النظير المداني الأعلى والمساوي فانتفى أن يكون له ولد إذ لا يكون الولد إلا متولدا بين شيئين متعادلين أو متقاربين تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقال تبارك وتعالى وتقدس يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا
ينهى تعالى أهل الكتاب ومن شابههم عن الغلو والاطراء في الدين وهو مجاوزة الحد فالنصارى لعنهم الله غلوا وأطروا المسيح حتى جاوزوا الحد فكان الواجب عليهم أن يعتقدوا أنه عبدالله ورسوله وابن أمته العذراء البتول التي أحصنت فرجها فبعث الله الملك جبريل اليها فنفخ فيها عن أمر الله نفخة حملت منها بولدها عيسى عليه السلام والذي اتصل بها من الملك هي الروح المضافة إلى الله اضافة تشريف وتكريم وهي مخلوقة من مخلوقات الله تعالى كما يقال بيت الله وناقة الله وعبدالله وكذا روح الله أضيفت اليه تشريفا لها وتكريما وسمي عيسى بها لأنه كان بها من غير اب وهي الكلمة أيضا التي عنها خلق وبسببها وجد كما قال تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقال تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤن قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى عليهم لعائن الله كل من الفريقين ادعوا على الله شططا وزعموا أن له ولدا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وأخبر أنهم ليس لهم مستند فيما زعموه ولا فيما ائتفكوه الا مجرد القول ومشابهة من سبقهم إلى هذه المقالة الضالة تشابهت قلوبهم وذلك أن الفلاسفة عليهم لعنة الله زعموا أن العقل الأول صدر عن واجب الوجود الذي يعبرون عنه بعلة العلل والمبدأ الأول وأنه صدر عن العقل الأول عقل ثان ونفس وفلك ثم صدر عن الثاني كذلك حتى تناهت العقول إلى عشرة والنفوس إلى تسعة والأفلاك إلى تسعة باعتبارات فاسدة ذكروها واختيارات باردة أوردوها ولبسط الكلام معهم وبيان جهلهم وقلة عقلهم موضع آخر وهكذا طوائف من مشركي العرب زعموا لجهلهم أن الملائكة بنات الله وانه صاهر سروات الجن فتولد منهما الملائكة تعالى الله عما
يقولون وتنزه عما يشركون كما قال تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن اناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون وقال تعالى فاستفتهم الربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون الا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وانهم لكاذبون اصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون سبحان الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين وقال تعالى وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين وقال تعالى في أول سورة الكهف وهي مكية الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين قالوا يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون الا كذبا وقال تعالى قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم الينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون فهذه الآيات المكيات الكريمات تشمل الرد على سائر فرق الكفرة من الفلاسفة ومشركي العرب واليهود والنصارى الذين ادعوا وزعموا بلا علم أن لله ولدا سبحانه وتعالى عما يقولون الظالمون المعتدون علوا كبيرا
ولما كانت النصارى عليهم لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة من أشهر من قال بهذه المقالة ذكروا في القرآن كثيرا للرد عليهم وبيان تناقضهم وقلة علمهم وكثرة جهلهم وقد تنوعت أقوالهم في كفرهم وذلك أن الباطل كثير التشعب والاختلاف والتناقض وأما الحق فلا يختلف ولا يضطرب قال الله تعالى ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا فدل على أن الحق يتحد ويتفق والباطل يختلف ويضطرب فطائفة من ضلالهم وجهالهم زعموا أن المسيح هو الله تعالى وطائفة قالوا هو ابن الله عز الله وطائفة قالوا هو ثالث ثلاثة جل الله قال الله تعالى في سورة المائدة لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير فأخبر تعالى عن كفرهم وجهلهم وبين أنه الخالق القادر على كل شيء المتصرف في كل شيء وأنه رب كل شيء ومليكه والهه وقال في أواخرها لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين
من أنصار لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا الله واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح بن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون حكم تعالى بكفرهم شرعا وقدرا فأخبر أن هذا صدر منهم مع أن الرسول اليهم هو عيسى بن مريم قد بين لهم أنه عبد مربوب مخلوق مصور في الرحم داع إلى عبادة الله وحده لا شريك له وتوعدهم على خلاف ذلك بالنار وعدم الفوز بدار القرار والخزي في الدار الآخرة والهوان والعار ولهذا قال إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار ثم قال لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد قال ابن جرير وغيره المراد بذلك قولهم بالأقانيم الثلاثة أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن على اختلافهم في ذلك ما بين الملكية واليعقوبية والنسطورية عليهم لعائن الله كما سنبين كيفية اختلافهم في ذلك ومجامعهم الثلاثة في زمن قسطنطين بن قسطس وذلك بعد المسيح بثلاثمائة سنة وقبل البعثة المحمدية بثلاثمائة سنة ولهذا قال تعالى وما من إله إلا إله واحد أي وما من إله إلا الله وحده لا شريك له ولا نظير له ولا كفوء له ولا صاحبة له ولا ولد ثم توعدهم وتهددهم فقال وان لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ثم دعاهم برحمته ولطفه إلى التوبة والاستغفار من هذه الأمور الكبار والعظائم التي توجب النار فقال أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ثم بين حال المسيح وامه وانه عبد رسول وأمه صديقة أي ليست بفاجرة كما يقوله اليهود لعنهم الله وفيه دليل على أنها ليست بنبية كما زعمه طائفة من علمائنا وقوله كانا يأكلان الطعام كناية عن خروجه منهما كما يخرج من غيرهما أي ومن كان بهذه المثابة كيف يكون الها تعالى الله عن قولهم وجهلهم علوا كبيرا وقال السدي وغيره المراد بقوله لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة زعمهم في عيسى وأمه أنهما الالهان مع الله يعني كما بين تعالى كفرهم في ذلك بقوله في آخر هذه السورة الكريمة وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك انك أنت علام الغيوب ما قلت لهم الا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وانت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم يخبر تعالى أنه يسأل عيسى بن مريم يوم القيامة على سبيل الاكرام له والتقريع والتوبيخ لعابديه عمن كذب عليه وافترى وزعم أنه ابن الله أو أنه الله أو أنه شريكه تعالى الله عما يقولون فيسأله وهو يعلم أنه لم يقع منه ما يسأله عنه ولكن لتوبيخ من كذب عليه فيقول له أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله قال سبحانك أي تعاليت أن يكون معك شريك
ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق أي ليس هذا يستحقه أحد سواك وان كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك انك أنت علام الغيوب وهذا تأدب عظيم في الخطاب والجواب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به حين أرسلتني اليهم وأنزلت على الكتاب الذي كان يتلى عليهم ثم فسر ما قال لهم بقوله أن اعبدوا الله ربي وربكم أي خالقي وخالقكم ورازقي ورازقكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني أي رفعتني اليك حين أرادوا قتلي وصلبي فرحمتني وخلصتني منهم والقيت شبهي على أحدهم حتى انتقموا منه فلما كان ذلك كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ثم قال على وجه التفويض إلى الرب عز وجل والتبري من أهل النصرانية إن تعذبهم فإنهم عبادك أي وهم يستحقون ذلك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وهذا التفويض والاسناد إلى المشيئة بالشرط لا يقتضي وقوع ذلك ولهذا قال فإنك أنت العزيز الحكيم ولم يقل الغفور الرحيم
وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الإمام أحمد عن أبي ذران رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بهذه الآية الكريمة ليلة حتى أصبح إن تعذبهم فإنهم عبادك وان تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم وقال إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فاعطانيها وهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئا وقال وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وقال تعالى لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار وقال تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون وقال تعالى وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا وقال تعالى قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله تعالى شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك يزعم أن لي ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وفي الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم ولكن ثبت في الصحيح أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ان أخذه اليم شديد وهكذا قوله تعالى وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها والي المصير وقال تعالى نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ وقال تعالى قل ان الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون
متاع في الدنيا ثم الينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون وقال تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا
منشأ عيسى بن مريم عليهما السلام وبيان بدء الوحي اليه من الله تعالى
قد تقدم أنه ولد ببيت لحم قريبا من بيت المقدس وزعم وهب بن منبه أنه ولد بمصر وان مريم سافرت هي ويوسف بن يعقوب النجار وهي راكبة على حمار ليس بينهما وبين الاكاف شيء وهذا لا يصح والحديث الذي تقدم ذكره دليل على أن مولده كان ببيت لحم كما ذكرنا ومهما عارضه فباطل


وذكر وهب بن منبه أنه لما ولد خرت الأصنام يومئذ في مشارق الأرض ومغاربها وأن الشياطين حارت في سبب ذلك حتى كشف لهم ابليس الكبير أمر عيسى فوجدوه في حجر أمه والملائكة محدقة به وأنه ظهر نجم عظيم في السماء وأن ملك الفرس اشفق من ظهوره فسأل الكهنة عن ذلك فقالوا هذا لمولد عظيم في الأرض فبعث رسله ومعهم ذهب ومرو لبان هدية إلى عيسى فلما قدموا الشام سألهم ملكها عما أقدمهم فذكروا له ذلك فسأل عن ذلك الوقت فإذا قد ولد فيه عيسى بن مريم ببيت المقدس واشتهر أمره بسبب كلامه في المهد فأرسلهم إليه بما معهم وأرسل معهم من يعرفه له ليتوصل إلى قتله إذا انصرفوا عنه فلما وصلوا إلى مريم بالهدايا ورجعوا قيل لها ان رسل ملك الشام انما جاؤا ليقتلوا ولدك فاحتملته فذهبت به إلى مصر فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عشرة سنة وظهرت عليه كرامات ومعجزات في حال صغره فذكر منها أن الدهقان الذي نزلوا عنده افتقد مالا من داره وكانت داره لا يسكنها الا الفقراء والضعفاء والمحاويج فلم يدر من أخذه وعز ذلك على مريم عليها السلام وشق على الناس وعلى رب المنزل وأعياهم أمرها فلما رأى عيسى عليه السلام ذلك عمد إلى رجل أعمى وآخر مقعد من جملة من هو منقطع اليه فقال للأعمى احمل هذا المقعد وانهض به فقال إني لا أستطيع ذلك فقال بلى كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكوة من الدار فلما قال ذلك صدقاه فيما قال وأتيا بالمال فعظم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدا
ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافة للناس بسبب طهور أولاده فلما اجتمع الناس وأطعمهم ثم أراد أن يسقيهم شرابا يعني خمرا كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان لم يجد في جراره شيئا فشق ذلك عليه فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمر على تلك الجرار ويمر يده على أفواهها فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابا من خيار الشراب فتعجب الناس من ذلك جدا وعظموه وعرضوا عليه
وعلى أمه مالا جزيلا فلم يقبلاه وارتحلا قاصدين بيت المقدس والله أعلم
وقال إسحاق بن بشر أنبأنا عثمان بن ساج وغيره عن موسى بن وردان عن أبي نضرة عن أبي سعيد وعن مكحول عن أبي هريرة قال إن عيسى بن مريم أول ما أطلق الله لسانه بد الكلام الذي تكلم به وهو طفل فمجد الله تمجيدا لم تسمع الآذان بمثله لم يدع شمسا ولا قمرا ولا جبلا ولا نهرا ولا عينا إلا ذكره في تمجيده فقال اللهم أنت القريب في علوك المتعال في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك أنت الذي خلقت سبعا في الهواء بكلماتك مستويات طباقا أجبن وهن دخان من فرقك فاتين طائعات لامرك فيهن ملائكتك يسبحون قدسك لتقديسك وجعلت فيهن نورا على سواد الظلام وضياء من ضوء الشمس بالنهار وجعلت فيهن الرعد المسبح بالحمد فبعزتك يجلو ضوء ظلمتك وجعلت فيهن مصابيح يهتدي بهن في الظلمات الحيران فتباركت اللهم في مفطور سمواتك وفيما دحوت من أرضك دحوتها على الماء فسمكتها على تيار الموج الغامر فأذللتها إذلال التظاهر فذل لطاعتك صعبها واستحيى لأمرك أمرها وخضعت لعزتك أمواجها ففجرت فيها بعد البحور الأنهار ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار ثم أخرجت منها والأنهار الأشجار والثمار ثم جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادا على ظهر الماء فأطاعت أطوادها وجلمودها فتباركت اللهم فمن يبلغ بنعته نعتك أمن يبلغ بصفته صفتك تنشر السحاب وتفك الرقاب وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين لا إله إلا أنت سبحانك أمرت أن نستغفرك من كل ذنب لا إله إلا أنت سبحانك سترت السموات عن الناس لا إله إلا أنت سبحانك إنما يغشاك من عبادك الأكياس نشهد أنك لست باله استحدثناك ولا رب يبيد ذكره ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذكرك ولا أعانك على خلقنا أحد فنشك فيك نشهد أنك أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لك كفوا أحد
وقال إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس إن عيسى بن مريم أمسك عن الكلام بعد أن كلمهم طفلا حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة والبيان فأكثر اليهود فيه وفي أمه من القول وكانوا يسمونه ابن البغية وذلك قوله تعالى وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما قال فلما بلغ سبع سنين أسلمته أمه في الكتاب فجعل لا يعلمه المعلم شيئا إلا بدره إليه فعلمه أبا جاد فقال عيسى ما أبو جاد فقال المعلم لا أدري فقال عيسى كيف تعلمني مالا تدري فقال المعلم إذا فعلمني فقال له عيسى فقم من مجلسك فقام فجلس عيسى محلسه فقال سلني فقال المعلم ما أبو جاد فقال عيسى الألف آلاء الله والباء بهاء الله والجيم بهجة الله وجماله فعجب المعلم من ذلك فكان أول من فسر أبا جاد ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه على كل كلمة بحديث طويل موضوع
لا يسأل ولا يتمادى وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسمعيل بن يحيى عن ابن مليكة عمن حدثه عن ابن مسعود وعن مسعر بن كدام عن عطية عن أبي سعيد رفع الحديث في دخول عيسى إلى الكتاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد وهو مطول لا يفرح به ثم قال ابن عدي وهذا الحديث باطل بهذا الإسناد لا يرويه غير إسمعيل وروى ابن لهيعة عن عبدالله بن هبيرة قال كان عبدالله بن عمر يقول كان عيسى بن مريم وهو غلام يلعب مع الصبيان فكان يقول لأحدهم تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك فيقول نعم فيقول خبأت لك كذا وكذا فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها أطعميني ما خبأت لي فتقول وأي شيء خبأت لك فيقول كذا وكذا فتقول له من أخبرك فيقول عيسى بن مريم فقالوا والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليفسدنهم فجمعوهم في بيت وأغلقوا عليهم فخرج عيسى يلتمسهم فلم يجدهم فسمع ضوضاءهم في بيت فسأل عنهم فقالوا إنما هؤلاء قردة وخنازير فقال اللهم كذلك فكانوا كذلك رواه ابن عساكر
وقال إسحق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال وكان عيسى يرى العجائب في صباه الهاما من الله ففشا ذلك في اليهود وترعرع عيسى فهمت به بنو إسرائيل فخافت أمه عليه فأوحى الله إلى أمه أن تنطلق به إلى أرض مصر فذلك قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين
وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه الربوة التي ذكر الله من صفتها أنها ذات قرار ومعين وهذه صفة غريبة الشكل وهي أنها ربوة وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستو يقر عليه وارتفاعه متسع ومع علوه فيه عيون الماء معين وهو الجاري السارح على وجه الارض فقيل المراد المكان الذي ولدت فيه المسيح وهو نخلة بيت المقدس ولهذا ناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا وهو النهر الصغير في قول جمهور السلف وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق فلعله أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقاه عنهم والله أعلم وقيل هي الرملة وقال إسحق بن بشر قال لنا إدريس عن جده وهب بن منبه قال إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمر الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت ايليا قال فقدم عليه يوسف بن خال أمه فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى ايليا وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل وعلمه التوراة وأعطاء إحياء الموتى وإبراء الأسقام والعلم بالغيوب مما يدخرون في بيوتهم وتحدث الناس بقدومه وفزعوا لما كان يأتي من العجائب فجعلوا يعجبون منه فدعاهم إلى الله ففشا فيهم أمره
بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها
قال أبو زرعة الدمشقي حدثنا عبدالله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عمن حدثه قال أنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان ونزل الزبور على داود في اثنتي عشر ليلة خلت من شهر رمضان وذلك بعد التوراة بأربعمائة سنة واثنتين وثمانين سنة وأنزل الإنجيل على عيسى بن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان بعد الزبور بألف عام وخمسين عاما وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في أربع وعشرين من شهر رمضان وقد ذكرنا في التفسير عند قوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن الأحاديث الواردة في ذلك وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى بن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان
وذكر ابن جرير في تأريخه أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنة ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وقال إسحاق بن بشر وأنبأنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ومقاتل عن قتادة عن عبدالرحمن بن آدم عن أبي هريرة قال أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم يا عيسى جد في أمري ولا تهن واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول إنك من غير فحل وأنا خلقتك آية للعالمين إياي فاعبد وعلي فتوكل خذ الكتاب بقوة فسر لأهل السريانية بلغ من بين يديك إني أنا الحق الحي القائم الذي لا أزول صدقوا النبي الامي العربي صاحب الجمل والتاج وهي العمامة والمدرعة والنعلين والهراوة وهي القضيب الأنجل العينين الصلت الجبين الواضح الخدين الجعد الرأس الكث اللحية المقرون الحاجبين الاقنى الأنف المفلج الثنايا البادي العنفقة الذي كان عنقه ابريق فضة وكأن الذهب يجري في تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره شثن الكف والقدم إذا التفت التفت جميعا وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر وينحدر من صبب عرقه في وجهه كاللؤلؤ وريح المسك تنفح منه ولم ير قبله ولا بعده مثله الحس القامة الطيب الريح نكاح النساء ذا النسل القليل إنما نسله من مباركة لها بيت يعني في الجنة من قصب لا نصب فيه ولا صخب تكفله يا عيسى في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك له منها فرخان مستشهدان وله عندي منزلة ليست لاحد من البشر كلامه القرآن ودينه الإسلام وأنا السلام طوبى لمن ادرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه
*2* بيان شجرة طوبى ما هي
@ قال عيسى يا رب وما طوبى قال غرس شجرة أنا غرستها بيدي فهي للجنان كلها أصلها من رضوان وماؤها من تسنيم وبردها برد الكافور وطعمها طعم الزنجبيل وريحها ريح المسك من شرب منه شربة لم
يظمأ بعدها أبدا قال عيسى يا رب اسقني منها قال حرام على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى يشرب منها أمة ذلك النبي قال يا عيسى ارفعك إلي قال رب ولم ترفعني قال أرفعك ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من امة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على قتال اللعين الدجال أهبطك في وقت صلاة ثم لا تصلي بهم لأنها مرحومة ولا نبي بعد نبيهم وقال هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن عبدالرحمن بن زيد عن أبيه أن عيسى قال يا رب انبئني عن هذه الأمة المرحومة قال أمة أحمد هم علماء حكماء كأنهم أنبياء يرضون مني بالقليل من العطاء وأرضي منهم باليسير من العمل وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله يا عيسى هم أكثر سكان الجنة لأنه لم تذل السن قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلت ألسنتهم ولم تذل رقاب قوم قط بالسجود كما ذلت به رقابهم رواه ابن عساكر وروى بن عساكر من طريق عبدالله بن بديل العقيلي عن عبدالله بن عوسجة قال أوحى الله إلى عيسى بن مريم أنزلني من نفسك كهمك واجعلني ذخرا لك في معادك وتقرب إلي بالنوافل أحبك ولا تول غيري فأخذلك اصبر على البلاء وارض بالقضاء وكن لمسرتي فيك فإن مسرتي أن اطاع فلا أعصى وكن مني قريبا وأحي ذكري بلسانك ولتكن مودتي في صدرك تيقظ من ساعات الغفلة واحكم في لطيف الفطنة وكن لي راغبا راهبا وأمت قلبك في الخشية لي وراع الليل لحق مسرتي واظم نهارك ليوم الري عندي نافس في الخيرات جهدك واعترف بالخير حيث توجهت وقم في الخلائق بنصيحتي واحكم في عبادي بعدلي فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان وجلاء الأبصار من غشاء الكلال ولا تكن حلسا كأنك مقبوض وأنت حي تنفس يا عيسى بن مريم ما آمنت بي خليقة إلا خشعت ولا خشعت لي إلا رجت ثوابي فاشهدك أنها أمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي يا عيسى ابن مريم البكر البتول ابك على نفسك أيام الحياة بكاء من ودع الأهل وقلا الدنيا وترك اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلهه وكن في ذلك تلين الكلام وتفشي السلام وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار حذار ما هو آت من امر المعاد وزلازل شدايد الأهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال وأكحل عينك بملول الحزن إذا ضحك البطالون وكن في ذلك صابرا محتسبا وطوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين رج من الدنيا بالله يوم بيوم وذق مذاقه ما قد حرب منك أين طعمه وما لم يأتك كيف لذته فرح من الدنيا بالبلغة وليكفك منها الخشن الحثيث قد رأيت إلى ما يصير اعمل على حساب فإنك مسؤل لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهقت نفسك
وقال أبو داود في كتاب القدر حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن طاووس عن أبيه قال لقي عيسى بن مريم إبليس فقال أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك قال إبليس فارق بذروة هذا الجبل فتردى منه فانظر هل تعيش ام لا فقال ابن طاووس
عن أبيه فقال عيسى أما علمت أن الله قال لا يجربني عبدي فإني أفعل ما شئت وقال الزهري إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده قال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة أنبأنا سفيان عن عمرو عن طاووس قال أتى الشيطان عيسى بن مريم فقال أليس تزعم أنك صادق فأت هوة فألق نفسك قال ويلك أليس قال يا ابن آدم لا تسألني هلاك نفسك فإني أفعل ما أشاء وحدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا حسين بن طلحة سمعت خالد بن يزيد قال تعبد الشيطان مع عيسى عشر سنين أو سنتين أقام يوما على شفير جبل فقال الشيطان أرأيت أن القيت نفسي هل يصيبني إلا ما كتب لي قال إني لست بالذي ابتلي ربي ولكن ربي إذا شاء ابتلاني وعرفه انه الشيطان ففارقه وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا شريح بن يونس حدثنا علي بن ثابت عن الخطاب بن القاسم عن أبي عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل فأتاه إبليس فقال أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدر قال نعم قال ألق نفسك من هذا الجبل وقل قدر علي فقال يا لعين الله يختبر العباد وليس العباد يختبرون الله عز وجل وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا الفضل بن موسى البصري حدثنا إبراهيم بن بشار سمعت سفيان بن عيينة يقول لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال له إبليس يا عيسى بن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلمت في المهد صبيا ولم يتكلم فيه أحد قبلك قال بل الربوبية للإله الذي أنطقني ثم يميتني ثم يحيني قال فأنت الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تحي الموتى قال بل الربوبية لله الذي يحي ويميت من أحييت ثم يحييه قال والله إنك لاله في السماء واله في الأرض قال فصكه جبريل صكة بجناحيه فما نباها دون قرون الشمس ثم صكه أخرى بجناحيه فما نباها دون العين الحامية ثم صكه أخرى فأدخله بحار السابعة فاساخه وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة فخرج منها وهو يقول ما لقي أحد من أحد ما لقيت منك يا ابن مريم وقد روى نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر فقال الحافظ أبو بكر الخطيب أخبرني أبو الحسن بن رزقويه أنبأنا أبو بكر أحمد بن سبدى حدثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار أنبأنا علي بن عاصم حدثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال صلى عيسى ببيت المقدس فانصرف فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس فاحتبسه فجعل يعرض عليه ويكلمه ويقول له أنه لا ينبغي لك أن تكون عبدا فأكثر عليه وجعل عيسى يحرص على أن يتخلص منه فجعل لا يتخلص منه فقال له فيما يقول لا ينبغي لك يا عيسى ان تكون عبدا قال فاستغاث عيسى بربه فأقبل جبريل وميكائيل فلما رآهما إبليس كف فلما استقر معه على العقبة اكتنفا عيسى وضرب جبريل إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي قال فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك فقال لعيسى قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبدا إن غضبك ليس بغضب عبد وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ولكن أدعوك لأمر هو لك آمر الشياطين فليطيعوك فإذا رأى البشر أن الشياطين أطاعوك عبدوك أما إني لا أقول أن تكون
إلها ليس معه إله ولكن الله يكون إلها في السماء وتكون أنت إلها في الأرض فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربه وصرخ صرخة شديدة فإذا إسرافيل قد هبط فنظر إليه جبريل وميكائيل فكف إبليس فلما استقر معهم ضرب إسرافيل إبليس بجناحه فصك به عين الشمس ثم ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي ومر عيسى وهو بمكانه فقال يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعبا شديدا فرمى به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية قال فغطوه فجعل كلما صرخ غطوه في تلك الحمأة قال والله ما عاد إليه بعد قال وحدثنا إسماعيل العطار حدثنا أبو حذيفة قال واجتمع إليه شياطينه فقالوا سيدنا قد لقيت تعبا قال إن هذا عبد معصوم ليس لي عليه من سبيل وسأضل به بشرا كثيرا وابث فيهم أهواء مختلفة وأجعلهم شيعا ويجعلونه وأمه الهين من دون الله قال وأنزل الله فيما أيد به عيسى وعصمه من إبليس قرآنا ناطقا بذكر نعمته على عيسى فقال يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس يعني إذ قويتك بروح القدس يعني جبريل تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير الآية كلها وإذ جعلت المساكين لك بطانة وصحابة وأعوانا ترضى بهم وصحابة وأعوانا يرضون بك هاديا وقائدا إلى الجنة فذلك فاعلم خلقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي وسيقول لك بنو إسرائيل صمنا فلم يتقبل صيامنا وصلينا فلم يقبل صلاتنا وتصدقنا فلم يقبل صدقاتنا وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يرحم بكاؤنا فقل لهم ولم ذلك وما الذي يمنعني إن ذات يدي قلت أوليس خزائن السموات والأرض بيدي أنفق منها كيف أشاء وإن البخل لا يعتريني أولست أجود من سأل وأوسع من أعطى أو إن رحمتي ضاقت وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى بن مريم عدوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أوتوا وإذا لايقنوا إن أنفسهم هي أعدى الاعداء لهم وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوون عليه بالاطعمة الحرام وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربوني ويستحلون محارمي وكيف اقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلها يا عيسى إنما أحزى عليها اهلها وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطر من دماء الأنبياء ازددت عليهم غضبا يا عيسى وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقائك في المنازل وشركاءك في الكرامة وقضيت يوم خلقت السموات والأرض انه من اتخذك وأمك الهين من دون الله ان أجعلهم في الدرك الأسفل من النار وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد وأختم به الأنبياء والرسل ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يزر بالفحش ولا قوال بالخنا أسدده لكل أمر جميل واهب له كل خلق كريم واجعل التقوى ضميره والحكم معقوله والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والإسلام ملته اسمه أحمد أهدي به بعد

الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأغني به بعد العائلة وأرفع به بعد الضيعة أهدي به وأفتح به بين آذان صم وقلوب غلف وأهواء مختلفة متفرقة أجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إخلاصا لاسمي وتصديقا لما جاءت به الرسل الهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومنقلبهم ومثواهم يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا قرباتهم دماؤهم وأنا جيلهم في صدورهم وقربانهم في بطونهم رهبان بالليل ليوث في النهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم
وسنذكر ما يصدق كثيرا من هذا السياق مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله وبه الثقة وقد روى أبو حذيفة اسحق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي دخل حديث بعضهم في بعض قالوا لما بعث عيسى بن مريم وجاءهم بالبينات جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزؤن به فيقولون ما أكل فلان البارحة وما ادخر في منزله فيخبرهم فيزداد المؤمنون إيمانا والكافرون والمنافقون شكا وكفرانا وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه إنما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يعرف به فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مر ذات يوم على امرأة قاعدة عند قبر وهي تبكي فقال لها مالك أيتها المرأة فقالت ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي فأنظر إليها فقال لها عيسى أرأيت إن نظرت إليها أراجعة أنت قالت نعم قالوا فصلى ركعتين ثم جاء فجلس عند القبر فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي قال فتحرك القبر ثم نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله ثم نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب فقال لها عيسى ما أبطأ بك عني فقالت لما جاءتني الصيحة الأولى بعث الله لي ملكا فركب خلقي ثم جاءتني الصيحة الثانية فرجع إلي روحي ثم جاءتني الصيحة الثالثة فخفت أنها صيحة القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عيني من مخافة القيمة ثم أقبلت على أمها فقالت يا أماه ما حملك على أن أذوق كرب الموت مرتين يا أماه أصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا يا روح الله وكلمته سل ربي ان يردني إلى الآخرة وأن يهون علي كرب الموت فدعا ربه فقبضها إليه واستوت عليها الأرض فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه غضبا
وقدمنا في عقيب قصة نوح أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح فدعا الله عز وجل وصلى لله فأحياه الله لهم فحدثهم عن السفينة وأمرها ثم دعا فعاد ترابا وقد روى السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس في خبر ذكره وفيه أن ملكا من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره فجاء عيسى عليه السلام فدعا الله عز وجل فأحياه الله عز وجل فرأى الناس أمرا هائلا ومنظرا عجيبا قال الله تعالى وهو أصدق القائلين إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك
بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوارة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم ان هذا الا سحر مبين وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون يذكره تعالى بنعمته عليه واحسانه إليه في خلقه اياه من غير أب بل من أم بلا ذكر وجعله له آية للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى ثم ارساله بعد هذا كله وعلى والدتك في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة واقامة البرهان على براءتها مما نسبها اليه الجاهلون ولهذا قال إذ أيدتك بروح القدس وهو جبريل بالقاء روحه إلى أمه وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به تكلم الناس في المهد وكهلا أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك وإذ علمتك الكتاب والحكمة أي الخط والفهم نص عليه بعض السلف والتوراة والإنجيل وقوله وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني أي تصوره وتشكله من الطين على هيئته عن أمر الله له بذلك فتنفخ فيه فتكون طيرا بإذني أي بأمري يؤكد تعالى بذكر الإذن له في ذلك لرفع التوهم وقوله وتبرىء الأكمه قال بعض السلف وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء إلى مداواته والأبرص هو الذي لا طب فيه بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عضالا واذ تخرج الموتى أي من قبورهم أحياء بإذني وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مرارا متعددة مما فيه كفاية وقوله وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا الا سحر مبين وذلك حين أرادوا صلبه فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى وسلامة له من الردى وقوله وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون قيل المراد بهذا الوحي وحي الهام أي أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال وأوحى ربك إلى النحل وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم وقيل المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق ولهذا استجابوا قائلين آمنا واشهد بأننا مسلمون
وهذا من جملة نعم الله على عبده ورسوله عيسى بن مريم أن جعل له أنصارا وأعوانا ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له كما قال تعالى لعبده محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم وقال تعالى ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ان في
ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين
كانت معجزة كل نبي في زمانه بما يناسب أهل ذلك الزمان فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه وكانوا سحرة أذكياء فبعث بآيات بهرت الأبصار وخضعت لها الرقاب ولما كان السحرة خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل الذي لا يمكن صدوره الا عمن أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقا له أسلموا سراعا ولم يتلعثموا وهكذا عيسى ابن مريم بعث في زمن الطبائعية الحكماء فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون اليها وانى لحكيم إبراء الأكمه الذي هو أسوأ حالا من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرض مزمن وكيف يتوصل أحد من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره هذا مما يعلم كل أحد معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين بعث في زمن الفصحاء البلغاء فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فلفظه معجز تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال فإن لم يفعلوا ولن يفلعوا وما ذاك الا لأنه كلام الخالق عز وجل والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله
والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو اسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه اليه من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين وقال تعالى وإذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعي للإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون إلى أن قال بعد ذلك يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم
فأصبحوا ظاهرين فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل وقد قام فيهم خطيبا فبشرهم بخاتم الأنبياء الآتي بعده ونوه باسمه وذكر لهم صفته ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه إقامة للحجة عليهم واحسانا من الله إليهم كما قال تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون
قال محمد بن اسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبي ابراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام وقد روى عن العرباض بن سارية وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وفيه دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم الآية ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيبا فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم وانها بعده في النبي العربي الأمي خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد وهو محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم الذي هو من سلالة اسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام قال الله تعالى فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين يحتمل عود الضمير إلى عيسى عليه السلام ويحتمل عوده إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم حرض تعالى عباده المؤمنين على نصرة الإسلام وأهله ونصرة نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحوارين من أنصاري إلى الله أي من يساعدني في الدعوة إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله وكان ذلك في قرية يقال لها الناصرة فسموا بذلك النصارى قال الله تعالى فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة يعني لما دعا عيسى بني اسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى منهم من آمن ومنهم من كفر وكان ممن آمن به أهل انطاكية بكمالهم فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير بعث اليهم رسلا ثلاثة أحدهم شمعون الصفا فآمنوا واستجابوا وليس هؤلاء هم المذكورون في سورة يس لما تقدم تقريره في قصة أصحاب القرية وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود فأيد الله من آمن به على من كفر فيما بعد وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى إذ قال الله يا عيسى اني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة الآية فكل من كان إليه أقرب كان عاليا فمن دونه ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه من أنه عبدالله ورسوله كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه واطروه وأنزلوه فوق ما أنزل الله به ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود عليهم لعائن الله كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله
*2* ذكر خبر المائدة
@ قال الله تعالى إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها واطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله اني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين قد ذكرنا في التفسير الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر وغيرهم من السلف ومضمون ذلك أن عيسى عليه السلام أمر الحواريين بصيام ثلاثين يوما فلما أتموها سألوا من عيسى انزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها وتطمئن بذلك قلوبهم ان الله قد تقبل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم وتكون لهم عيدا يفطرون عليها يوم فطرهم وتكون كافية لأولهم وآخرهم لغنيهم وفقيرهم فوعظهم عيسى في ذلك وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حق شروطها فأبوا عليه الا أن يسأل لهم ذلك من ربه عز وجل فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مصلاه ولبس مسحا من شعر وصف بين قدميه وأطرق رأسه وأسبل عينيه بالبكاء وتضرع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تنحدر بين غمامتين وجعلت تدنوا قليلا قليلا وكلما دنت سأل عيسى ربه عز وجل أن يجعلها رحمة لا نقمة وأن يجعلها بركة وسلامة فلم تزل تدنوا حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مغطاة بمنديل فقام عيسى يكشف عنها وهو يقول بسم الله خير الرازقين فإذا عليها سبعة من الحيتان وسبعة أرغفة ويقال وخل ويقال ورمان وثمار ولها رائحة عظيمة جدا قال الله لها كوني فكانت ثم أمرهم بالأكل منها فقالوا لا نأكل حتى تأكل فقال إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها فأبوا أن يأكلوا منها ابتداء فأمر الفقراء والمحاويج والمرضى والزمنى وكانوا قربيا من ألف وثلثمائة فأكلوا منها فبرأ كل من به عاهة أو آفة أو مرض مزمن فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من اصلاح حال أولئك ثم قيل إنها كانت تنزل كل يوم مرة فيأكل الناس منها يأكل آخرهم كما يأكل أولهم حتى قيل إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف ثم كانت تنزل يوما بعد يوم كما كانت ناقة صالح يشربون لبنها يوما بعد يوم ثم أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء فشق ذلك على كثير من الناس وتكلم منافقوهم في ذلك فرفعت بالكلية ومسخ الذين تكلموا في ذلك خنازير
وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي حدثنا سفيان بن حبيب حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت المائدة من السماء خبر ولحم وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا فمسخوا قردة
وخنازير ثم رواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا وهذا أصح وكذا رواه من طريق سماك عن رجل من بني عجل عن عمار موقوفا وهو الصواب والله أعلم وخلاس عن عمار منقطع فلو صح هذا الحديث مرفوعا لكان فيصلا في هذه القصة فإن العلماء اختلفوا في المائدة هل نزلت أم لا فالجمهور أنها نزلت كما دلت عليه هذه الآثار كما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ولا سيما قوله اني منزلها عليكم كما قرره ابن جرير والله أعلم وقد روى ابن جرير بإسناد صحيح إلى مجاهد وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري أنهما قالا لم تنزل وانهم أبوا نزولها حين قال فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ولهذا قيل أن النصارى لا يعرفون خبر المائدة وليس مذكورا في كتابهم مع أن خبرها مما يتوفر الدواعي على نقله والله أعلم وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير فليكتب من هناك ومن أراد مراجعته فلينظره من ثم ولله الحمد والمنة
*2* فصل ( توجه عيسى عليه السلام نحو البحر ) .
@ قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا رجل سقط اسمه حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو هلال محمد بن سليمان عن بكر بن عبدالله المزني قال فقد الحواريون نبيهم عيسى فقيل لهم توجه نحو البحر فانطلقوا يطلبونه فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى وعليه كساء مرتد بنصفه ومؤتزر بنصفه حتى انتهى اليهم فقال له بعضهم قال أبو هلال ظنت أنه من أفاضلهم ألا أجيء اليك يا نبي الله قال بلى قال فوضع إحدى رجليه على الماء ثم ذهب ليضع الأخرى فقال أوه غرقت يا نبي الله فقال أرني يدك يا قصير الإيمان لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء ورواه أبو سعيد بن الأعرابي عن ابراهيم بن أبي الجحيم عن سليمان بن حرب عن أبي هلال عن بكر بنحوه ثم قال ابن أبي الدنيا حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان حدثنا ابراهيم بن الأشعث عن الفضيل بن عياض قال قيل لعيسى بن مريم يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء قال بالإيمان واليقين قالوا فانا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت قال فامشوا إذا قال فمشوا معه في الموج فغرقوا فقال لهم عيسى ما لكم فقالوا خفنا الموج قال ألا خفتم رب الموج قال فأخرجهم ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثم بسطها فإذا في احدى يديه ذهب وفي الأخرى مدر أو حصى فقال أيهما أحلى في قلوبكم قالوا هذا الذهب قال فإنهما عندي سواء وقدمنا في قصة يحيى بن زكريا عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان يلبس الشعر ويأكل من ورق الشجر ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدخر شيئا لغد قال بعضهم كان يأكل من غزل أمه صلوات الله وسلامه عليه
وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ويسكت وعن عبدالملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان
إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلي وقال عبدالرزاق أنبأنا معمر حدثنا جعفر بن بلقان أن عيسى كان يقول اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيد غيري وأصبحت مرتهنا بعملي فلا فقير أفقر مني اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تسؤ بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تسلط على من لا يرحمني وقال الفضيل بن عياض عن يونس بن عبيد كان عيسى يقول لا نصيب حقيقة الإيمان حتى لا نبالي من أكل الدنيا قال الفضيل وكان عيسى يقول فكرت في الخلق فوجدت من لم يخلق اغبط عندي ممن خلق وقال اسحاق بن بشر عن هشام بن حسان عن الحسن قال إن عيسى رأس الزاهدين يوم القيامة قال وان الفرارين بذنوبهم يحشرون يوم القيامة مع عيسى قال وبينما عيسى يوما نائم على حجر قد توسده وقد وجد لذة النوم إذ مر به ابليس فقال يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا من عرض الدنيا فهذا الحجر من عرض الدنيا فقال فأخذ الحجر ورمى به إليه وقال هذا لك مع الدنيا وقال معتمر بن سليمان خرج عيسى على أصحابه وعليه جبة صوف وكساء وتبان حافيا باكيا شعثا مصفر اللون من الجوع يابس الشفتين من العطش فقال السلام عليكم يا بني اسرائيل أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله ولا عجب ولا فخر أتدرون أين بيتي قالوا أين بيتك يا روح الله قال بيتي المساجد وطبي الماء وإدامي الجوع وسراجي القمر بالليل وصلاتي في الشتاء مشارق الشمس وريحاني بقول الأرض ولباسي الصون وشعاري خوف رب العزة وجلسائي الزمني والمساكين أصبح وليس لي شيء وأمسي وليس لي شيء وأنا طيب النفس غير مكترث فمن أغنى مني وأربح رواه ابن عساكر وروى في ترجمة محمد بن الوليد بن أبان بن حبان أبي الحسن العقيلي المصري حدثنا هانىء بن المتوكل الاسكندراني عن حيوة بن شريح حدثني الوليد ابن أبي الوليد عن سفي بن نافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أوحى الله تعالى إلى عيسى أن يا عيسى انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى فوعزتي وجلالي لأزوجنك ألف حوراء ولأولمن عليك أربعمائة عام وهذا حديث غريب رفعه وقد يكون موقوفا من رواية سفي بن نافع عن كعب الأحبار أو غيره من الإسرائيلين والله أعلم وقال عبدالله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن خلف بن حوشب قال قال عيسى للحواريين كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك فاتركوا لهم الدنيا وقال قتادة قال عيسى عليه السلام سلوني فإني لين القلب واني صغير عند نفسي وقال اسماعيل بن عياش عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال قال عيسى للحواريين كلوا خبز الشعير واشربوا الماء القراح واخرجوا من الدنيا سالمين آمنين بحق ما أقول لكم أن حلاوة الدنيا مرارة الآخرة وأن مرارة الدنيا حلاوة الآخرة وأن عباد الله ليسوا بالمتنعمين بحق ما أقول لكم ان شركم عالم يؤثر هواه على علمه يود أن الناس كلهم مثله
وروى نحوه عن أبي هريرة وقال أبو مصعب عن مالك أنه بلغه أن عيسى كان يقول يا بني اسرائيل عليكم بالماء القراح والبقل البري وخبز الشعير واياكم وخبز البر فإنكم لن تقوموا بشكره وقال ابن وهب عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال كان عيسى يقول اعبروا الدنيا ولا تعمروها وكان يقول حب الدنيا رأس كل خطيئة والنظر يزرع في القلب الشهوة وحكى وهيب بن الورد مثله وزاد ورب شهوة أورثت أهلها حزنا طويلا وعن عيسى عليه السلام يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت وكن في الدنيا ضيفا واتخذ المساجد بيتا وعلم عينك البكاء وجسدك الصبر وقلبك التفكر ولا تهتم برزق غد فإنها خطيئة وعنه عليه السلام أنه قال كما أنه لا يستطيع أحدكم أن يتخذ على موج البحر دارا فلا يتخذ الدنيا قرار وفي هذا يقول سابق البربري
لكم بيوت بمستن السيوف وهل * يبنى على الماء بيت أسه مدر
وقال سفيان الثوري قال عيسى بن مريم لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن كما لا يستقيم الماء والنار في إناء وقال ابراهيم الحربي عن داود بن رشيد عن أبي عبدالله الصوفي قال قال عيسى طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله وعن عيسى عليه السلام ان الشيطان مع الدنيا وفكره من المال وتزينه مع الهوى واستمكانه عند الشهوات وقال الأعمش عن خيثمة كان عيسى يضع الطعام لأصحابه ويقوم عليهم ويقول هكذا فاصنعوا بالقرى وبه قالت امرأة لعيسى عليه السلام طوبى لحجر حملك ولثدي أرضعك فقال طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه وعنه طوبى لمن بكى من ذكر خطيئته وحفظ لسانه ووسعه بيته وعنه طوبى لعين نامت ولم تحدث نفسها بالمعصية وانتبهت إلى غير اثم وعن مالك بن دينار قال مر عيسى وأصحابه بجيفة فقالوا ما أنتن ريحها فقال ما أبيض أسنانها لينهاهم عن الغيبة وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثنا الحسين بن عبدالرحمن عن زكريا بن عدي قال قال عيسى بن مريم يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا قال زكريا وفي ذلك يقول الشاعر
أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وقال أبو مصعب عن مالك قال عيسى بن مريم عليه السلام لا تكثروا الحديث بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب وانظروا فيها كأنكم عبيد فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية وقال الثوري سمعت أبي يقول عن ابراهيم التيمي قال قال عيسى لأصحابه بحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير وقال
مالك بن دينار قال عيسى إن أكل الشعير مع الرماد والنوم على المزابل مع الكلاب لقليل في طلب الفردوس وقال عبدالله بن المبارك أنبأنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد قال قال عيسى اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم انظروا إلى هذه الطير تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها فإن قلتم نحن أعظم بطونا من الطير فانظروا إلى هذه الأباقير من الوحوش والحمر فانها تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد والله يرزقها وقال صفوان بن عمرو عن شريح بن عبدالله عن يزيد بن ميسرة قال قال الحواريون للمسيح يا مسيح الله انظر إلى مسجد الله ما أحسنه قال آمين آمين بحق ما أقول لكم لا يترك الله من هذا المسجد حجرا قائما إلا أهلكه بذنوب أهله ان الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الأحجار التي تعجبكم شيئا إن أحب إلى الله منها القلوب الصالحة وبها يعمر الله الأرض وبها يخرب الله الأرض إذا كانت على غير ذلك وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه أخبرنا أبو منصور أحمد بن محمد الصوفي أخبرتنا عائشة بنت الحسن بن إبراهيم الوركانية قالت حدثنا أبو محمد عبدالله بن عمر بن عبدالله بن الهشيم املاء حدثنا الوليد بن أبان املاء حدثنا أحمد بن جعفر الرازي حدثنا سهيل بن ابراهيم الحنظلي حدثنا عبدالوهاب بن عبدالعزيز عن المعتمر عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مر عيسى عليه السلام على مدينة خربة فأعجبه البنيان فقال أي رب مر هذه المدينة أن تجيبني فأوحى الله إلى المدينة أيتها المدينة الخربة جاوبي عيسى قال فنادت المدينة عيسى حبيبي وما تريد مني قال ما فعل أشجارك وما فعل أنهارك وما فعل قصورك وأين سكانك قالت حبيبي جاء وعد ربك الحق فيبست أشجاري ونشفت أنهاري وخربت قصوري ومات سكاني قال فأين أموالهم فقالت جمعوها من الحلال والحرام موضوعة في بطني لله ميراث السموات والأرض قال فنادى عيسى عليه السلام فعجبت من ثلاث أناس طالب الدنيا والموت يطلبه وباني القصور والقبر منزله ومن يضحك ملء فيه والنار أمامه ابن آدم لا بالكثير تشبع ولا بالقليل تقنع تجمع مالك لمن لا يحمدك وتقدم على رب لا يعذرك إنما أنت عبد بطنك وشهوتك وانما تملأ بطنك إذا دخلت قبرك وانت يا ابن آدم ترى حشد مالك في ميزان غيرك هذا حديث غريب جدا وفيه موعظة حسنة فكتبناه لذلك
وقال سفيان الثوري عن أبيه عن ابراهيم التيمي قال قال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء فإن قلب الرجل حيث كنزه وقال ثور بن يزيد عن عبدالعزيز بن ظبيان قال قال عيسى بن مريم من تعلم وعلم وعمل دعى عظيما في ملكوت السماء وقال أبو كريب روى أن عيسى عليه السلام قال لا خير في علم لا يعبر معك الوادي ويعبر بك النادي وروى ابن عساكر بإسناد غريب عن ابن عباس مرفوعا أن عيسى قام في بني اسرائيل فقال يا معشر الحواريين لا تحدثوا بالحكم غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم والأمور ثلاثة أمر تبين رشده فاتبعوه وأمر تبين غيه
فاجتنبوه وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله عز وجل وقال عبدالرزاق أنبأنا معمر عن رجل عن عكرمة قال قال عيسى لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئا ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها فإن الحكمة خير من اللؤلؤ ومن لا يريدها شر من الخنزير وكذا حكى وهب وغيره عنه وعنه أنه قال لأصحابه أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم وإن فيكم خصلتين من الجهل الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر وعنه أنه قيل له من أشد الناس فتنة قال زلة العالم فإن العالم إذا زل يزل بزلته عالم كثير وعنه أنه قال يا علماء السوء جعلتم الدنيا على رؤسكم والآخرة تحت أقدامكم قولكم شفاء وعملكم داء مثلكم مثل شجرة الدفلى تعجب من رآها وتقتل من أكلها وقال وهب قال عيسى يا علماء السوء جلستم على أبواب الجنة فلا تدخلوها ولا تدعون المساكين يدخلونها إن شر الناس عند الله عالم يطلب الدنيا بعلمه وقال مكحول التقي يحيى وعيسى فصافحه عيسى وهو يضحك فقال له يحيى يا ابن خالة مالي أراك ضاحكا كأنك قد أمنت فقال له عيسى ما لي أراك عابسا كأنك قد يئست فأوحى الله إليهما ان أحبكما إلي أبشكما بصاحبه وقال وهب بن منبه وقف عيسى هو وأصحابه على قبر وصاحبه يدلي فيه فجعلوا يذكرون القبر وضيقه فقال قد كنتم فيما هو أضيق منه من أرحام امهاتكم فإذا أحب الله أن يوسع وسع وقال أبو عمر الضرير بلغني أن عيسى كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما والآثار في مثل هذا كثيرة جدا وقد أورد الحافظ بن عساكر منها طرفا صالحا اقتصرنا منها على هذا القدر والله الموفق للصواب

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:10 AM
*2* رفع عيسى عليه السلام إلى السماء
@ في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب
قال الله تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون وقال تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا فأخبر تعالى أنه رفعه إلى السماء بعد ما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة في ذلك الزمان
قال الحسن البصري ومحمد بن اسحاق كان اسمه داود بن نورا فأمر بقتله وصلبه فحصروه في دار ببيت المقدس وذلك عشية الجمعة ليلة السبت فلما حان وقت دخولهم ألقى شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة ذلك البيت إلى السماء وأهل البيت ينظرون ودخل الشرط فوجدوا ذلك الشاب الذي ألقى عليه شبهه فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه اهانة له وسلم لليهود عامة الناصرى الذين لم يشاهدوا ما كان من أمر عيسى أنه صلب وضلوا بسبب ذلك ضلالا مبينا كثيرا فاحشا بعيدا وأخبر تعالى بقوله وإن من أهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته أي بعد نزوله إلى الأرض في آخر الزمان قبل قيام الساعة فإنه ينزل ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام كما بينا ذلك بما ورد فيه من الأحاديث عند تفسير هذه الآية الكريمة من سورة النساء وكما سنورد ذلك مستقصى في كتاب الفتن والملاحم عند أخبار المسيح الدجال فنذكر ما ورد في نزول المسيح المهدي عليه السلام من ذي الجلال لقتل المسيح الدجال الكذاب الداعي إلى الضلال وهذا ذكر ما ورد في الآثار في صفة رفعه إلى السماء قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلا منهم من الحواريين يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء فقال ان منك من يكفر بي اثنى عشرة مرة بعد أن آمن بي ثم قال أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني فيكون معي في درجتي فقام شاب من أحدثهم سنا فقال له اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال أنا فقال أنت هو ذاك فألقى عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء قال وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثني عشرة مرة بعد أن آمن به وافترقوا ثلاث فرق فقالت طائفة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية وقالت فرقة كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية وقالت فرقة كان فينا عبدالله ورسوله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الاسلام طامسا حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس وذلك قوله تعالى فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين وهذا اسناد صحيح الى ابن عباس على شرط مسلم ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية به نحوه ورواه ابن جرير عن مسلم بن جنادة عن أبي معاوية وهكذا ذكر غير واحد من السلف وممن ذكر ذلك مطولا محمد بن اسحق بن يسار قال وجعل عيسى عليه السلام يدعو الله عز وجل أن يؤخر أجله يعني ليبلغ الرسالة ويكمل الدعوة ويكثر الناس الدخول في دين الله قيل وكان عنده من الحواريين اثنى عشر رجلا بطرس ويعقوب بن زبدا ويحنس أخو يعقوب واندراوس وفليبس وابرثلما ومتى وتوماس ويعقوب بن
حلقيا وتداوس وفتاتبا ويودس كريا يوطا وهذا هو الذي دل اليهود على عيسى قال ابن اسحق وكان فيهم رجل آخر اسمه سرجس كتمته النصارى وهو الذي القى شبه المسيح عليه فصلب عنه قال وبعض النصارى يزعم أن الذي صلب عن المسيح والقى عليه شبهه هو يودس بن كريا يوطا والله أعلم


وقال الضحاك عن ابن عباس استخلف عيسى شمعون وقتلت اليهود يودس الذي القى عليه الشبه وقال أحمد بن مروان حدثنا محمد بن الجهم قال سمعت الفراء يقول في قوله ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين قال ان عيسى غاب عن خالته زمانا فأتاها فقام رأس الجالوت اليهودي فضرب على عيسى حتى اجتمعوا على باب داره فكسروا الباب ودخل رأس جالوت ليأخذ عيسى فطمس الله عينيه عن عيسى ثم خرج إلى أصحابه فقال لم أره ومعه سيف مسلول فقالوا أنت عيسى وألقى الله شبه عيسى عليه فأخذوه فقتلوه وصلبوه فقال جل ذكره وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وقال ابن جرير حدثنا بن حميد حدثنا يعقوب القمي عن هرون بن عنترة عن وهب بن منبه قال أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحوارين في بيت فأحاطوا بهم فلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى فقالوا لهم سحرتمونا لتبرزن الينا عيسى أو لنقتلنكم جميعا فقال عيسى لأصحابه من يشتري منكم نفسه اليوم بالجنة فقال رجل أنا فخرج اليهم فقال أنا عيسى وقد صوره الله على صورة عيسى فأخذوه فقتلوه وصلبوه فمن ثم شبه لهم وظنوا أنهم قد قتلوا عيسى فظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى ورفع الله عيسى من يومه ذلك
قال ابن جرير وحدثنا المثنى حدثنا اسحاق حدثنا اسماعيل بن عبدالكريم حدثني عبدالصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول أن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه فدعا الحواريين وصنع لهم طعاما فقال أحضروني الليلة فإن لي اليكم حاجة فلما اجتمعوا اليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه فتعاظموا ذلك وتكارهوه فقال ألا من رد علي شيئا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه حتى إذا فرغ من ذلك قال أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة فإنكم ترون أني خيركم فلا يتعظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم لبعض نفسه كما بذلت نفسي لكم وأما حاجتي التي استعنتكم عليها فتدعون الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلى فلما نصبوا أنفسهم للدعاء وأرادوا أن يجتهدوا أخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء فجعل يوقظهم ويقول سبحان الله أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها فقالوا والله ما ندري ما لنا والله لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرا وما نريد دعاء الا حيل بيننا وبينه فقال يذهب بالراعي وتتفرق الغنم وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه ثم قال الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني فخرجوا وتفرقوا وكانت اليهود تطلبه فأخذوا شمعون أحد الحواريين فقالوا هذا من
صحابه فجحد وقال ما أنا بصاحبه فتركوه ثم أخذه آخرون فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال ما تجعلون لي إن دللتكم علىالمسيح فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه وكان شبه عليهم قبل ذلك فأخذوه واستوثقوا منه وربطوه بالحبل وجعلوا يقودونه ويقولون أنت كنت تحي الموتى وتنتهر الشيطان وتبرىء المجنون أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل ويبصقون عليه ويلقون عليه الشوك حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها فرفعه الله اليه وصلبوا ما شبه لهم فمكث سبعا ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون جاءتا تبكيان حيث كان المصلوب فجاءهما عيسى فقال على من تبكيان قالتا عليك فقال إني قد رفعني الله اليه ولم يصبني إلا خير وان هذا شيء شبه لهم فأمرا الحواريين أن يلقوني إلى مكان كذا وكذا فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر وفقد الذي كان باعه ودل عليه اليهود فسأل عنه أصحابه فقالوا إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه فقال لو تاب لتاب الله عليه ثم سألهم عن غلام يتبعهم يقال له يحيى فقال هو معكم فانطلقوا فإنه سيصبح كل انسان منكم يحدث بلغة قوم فلينذرهم وليدعهم وهذا اسناد غريب عجيب وهو أصح مما ذكره النصارى من أن المسيح جاء إلى مريم وهي جالسة تبكي عند جذعه فأراها مكان المسامير من جسده وأخبرها أن روحه رفعت وأن جسده صلب وهذا بهت وكذب واختلاق وتحريف وتبديل وزيادة باطلة في الإنجيل على خلاف الحق ومقتضى النقل
وحكى الحافظ بن عساكر من طريق يحيى بن حبيب فيما بلغه أن مريم سألت من بيت الملك بعد ما صلب المصلوب بسبعة أيام وهي تحسب أنه ابنها أن ينزل جسده فأجابهم إلى ذلك ودفن هنالك فقالت مريم لأم يحيى ألا تذهبين بنا نزور قبر المسيح فذهبتا فلما دنتا من القبر قالت مريم لأم يحيى ألا تسترين فقالت وممن استتر فقالت من هذا الرجل الذي هو عند القبر فقالت أم يحيى إني لا أرى أحدا فرجت مريم أن يكون جبريل وكانت قد بعد عهدها به فاستوقفت أم يحيى وذهبت نحو القبر فلما دنت من القبر قال لها جبريل وعرفته يا مريم أين تريدين فقالت أزور قبر المسيح فأسلم عليه وأحدث عهدا به فقال يا مريم ان هذا ليس المسيح إن الله قد رفع المسيح وطهره من الذين كفروا ولكن هذا الفتى الذي القى شبهه عليه وصلب وقتل مكانه وعلامة ذلك أن أهله قد فقدوه فلا يدرون ما فعل به فهم يبكون عليه فإذا كان يوم كذا وكذا فأت غيضة كذا وكذا فإنك تلقين المسيح قال فرجعت إلى أختها وصعد جبريل فأخبرتها عن جبريل وما قال لها من أمر الغيضة فلما كان ذلك اليوم ذهبت فوجدت عيسى في الغيضة فلما رآها أسرع اليها وأكب عليها فقبل رأسها وجعل يدعو لها كما كان يفعل وقال يا امه إن القوم لم يقتلوني ولكن الله رفعني اليه وأذن لي في لقائك والموت يأتيك قريبا فاصبري واذكري الله كثيرا ثم صعد عيسى فلم تلقه إلا تلك المرة حتى ماتت قال وبلغني أن مريم بقيت بعد
عيسى خمس سنين وماتت ولها ثلاث وخمسون سنة رضي الله عنها وأرضاها
وقال الحسن البصري كان عمر عيسى عليه السلام يوم رفع أربعا وثلاثين سنة وفي الحديث إن أهل الجنة يدخلونها جردا مردا مكحلين ابناء ثلاث وثلاثين وفي الحديث الآخر على ميلاد عيسى وحسن يوسف وكذا قال حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أنه قال رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة
فأما الحديث الذي رواه الحاكم في مستدركه ويعقوب بن سفيان الفسوي في تاريخه عن سعيد بن أبي مريم عن نافع بن يزيد عن عمارة بن غزية عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان أن أمه فاطمة بنت الحسين حدثته أن عائشة كانت تقول أخبرتني فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرها أنه لم يكن نبي كان بعده نبي إلا عاش الذي بعده نصف عمر الذي كان قبله وأنه أخبرني أن عيسى بن مريم عاش عشرين ومائة سنة فلا أراني إلا ذاهب على رأس ستين هذا لفظ الفسوي فهو حديث غريب
قال الحافظ بن عساكر والصحيح أن عيسى لم يبلغ هذا العمر وإنما أراد به مدة مقامه في أمته كما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة قال قالت فاطمة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيسى بن مريم مكث في بني إسرائيل أربعين سنة وهذا منقطع وقال جرير والثوري عن الأعمش أن ابراهيم مكث عيسى في قومه أربعين عاما ويروى عن أمير المؤمنين على أن عيسى عليه السلام رفع ليلة الثاني والعشرين من رمضان وتلك الليلة في مثلها توفي على بعد طعنة بخمسة أيام وقد روى الضحاك عن ابن عباس أن عيسى لما رفع إلى السماء جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها وجاءته مريم فودعته وبكت ثم رفع وهي تنظر والقى اليها عيسى بردا له وقال هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة والقى عمامته على شمعون وجعلت أمه تودعه باصبعها تشير بها اليه حتى غاب عنها وكانت تحبه حبا شديدا لأنه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين اذ لا أب له وكانت لا تفارقه سفرا ولا حضرا قال بعض الشعراء
وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر
وذكر اسحاق بن بشر عن مجاهد بن جبير أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم وهم يحسبونه المسيح وسلم لهم أكثر النصارى بجهلهم ذلك تسلطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان فقيل له إن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم أنه رسول الله وكان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه وأهانوا أصحابه وحبسوهم فبعث فجيء بهم وفيهم يحيى بن زكريا وشمعون وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فأخبروه عنه فبايعهم في دينهم وأعلى كلمتهم وظهر الحق على اليهود وعلت كلمة النصارى عليهم وبعث إلىالمصلوب فوضع عن جذعه وجيء بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه
فمن ثم عظمت النصارى الصليب ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم وفي هذا نظر من وجوه أحدها أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فانه معصوم يعلم ما وقع على جهة الحق الثاني أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلثمائة سنة وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة اليه على ما سنذكره الثالث أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم القوه بخشبته جعلوا مكانه مطرحا للقمامة والنجاسة وجيف الميتات والقاذورات فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة أنه المسيح ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة الا عوفي فالله أعلم أكان هذا أم لا وهل كان هذا لأن ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلا صالحا أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم حتى عظموا تلك الخشبة وغشوها بالذهب واللالىء ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم يزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو الأقصى
*2* صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
@ قال الله تعالى ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة قيل سمى المسيح لمسحه الأرض وهو سياحته فيها وفراره بدينه من الفتن في ذلك الزمان لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه عليهما السلام وقيل لأنه كان ممسوح القدمين وقال تعالى وقفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور وقال تعالى وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس والآيات في ذلك كثيرة جدا وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين ما من مولود إلا والشيطان يطعن في خاصرته حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وابنها ذهب يطعن فطعن في الحجاب وتقدم حديث عمير بن هانىء عن جنادة عن عبادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله ورسوله وكلمته التي القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل رواه البخاري وهذا لفظه ومسلم
وروى البخاري ومسلم من حديث الشعبي عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران وإذا آمن بعيسى بن مريم ثم آمن بي فله أجران والعبد إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران هذا لفظ البخاري وقال البخاري حدثنا ابراهيم بن موسى أنبأنا هشام عن معمر ح وحدثني محمود حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري بي لقيت موسى قال فنعته فإذا رجل حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنؤة قال ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني الحمام ورأيت ابراهيم وأنا أشبه ولده به الحديث وقد تقدم في قصتي ابراهيم وموسى ثم قال حدثنا محمد بن كثير أنبأنا اسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم رأيت عيسى وموسى وإبراهيم فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط تفرد به البخاري وحدثنا ابراهيم بن المنذر حدثنا أبو ضمرة حدثنا موسى بن عقبة عن نافع قال قال عبدالله بن عمر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يوما بين ظهراني الناس المسيح الدجال فقال ان الله ليس بأعور إلا أن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية وأراني الليلة عند الكعبة في المنام فإذا رجل آدم كأحسن ما يرى من آدم الرجال تضرب لمته بين منكبيه رجل الشعر يقطر رأسه ماء واضعا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا المسيح بن مريم ثم رأيت رجلا وراءه جعد قطط أعور عين اليمنى كاشبه من رأيت بابن قطن واضعا يده على منكبي رجل يطوف بالبيت فقلت من هذا فقالوا المسيح الدجال ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة ثم قال البخاري تابعه عبدالله بن نافع ثم ساقه من طريق الزهري عن سالم بن عمر قال الزهري وابن قطن رجل من خزاعة هلك في الجاهلية فبين صلوات الله وسلامه عليه صفة المسيحين مسيح المهدي ومسيح الضلالة ليعرف هذا إذا نزل فيؤمن به المؤمنون ويعرف الآخر فيحذره الموحدون وقال البخاري حدثنا عبدالله بن محمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأى عيسى بن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني وكذا رواه محمد بن رافع عن عبدالرزاق وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن الحسن وغيره عن أبي هريرة قال ولا أعلمه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأى عيسى رجلا يسرق فقال يا فلان أسرقت فقال لا والله ما سرقت فقال آمنت بالله وكذبت بصرى وهذا يدل على سجية طاهرة حيث قدم حلف ذلك الرجل فظن أن أحدا لا يحلف بعظمة الله كاذبا على ما شاهده منه عيانا فقبل عذره ورجع على نفسه فقال آمنت بالله أي صدقتك وكذبت بصرى لأجل حلفك وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن
المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين فأول الخلق يكسى إبراهيم ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال فأقول أصحابي فيقال إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم تفرد به دون مسلم من هذا الوجه وقال أيضا حدثنا عبدالله بن الزبير الحميدي حدثنا سفيان سمعت الزهري يقول أخبرني عبدالله بن عبدالله عن ابن عباس سمع عمر يقول على المنبر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله
وقال البخاري حدثنا إبراهيم حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلي إذ جاءته أمه فدعته فقال أجيبها أو أصلي فقالت اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات وكان جريج في صومعة فعرضت له امرأة وكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقيل لها ممن قالت من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال من أبوك يا غلام قال فلان الراعي قالوا أنبني صومعتك من ذهب قال لا إلا من طين وكانت امرأة ترضع ابنا لها في بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت اللهم اجعل ابني مثله فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهم لا تجعلني مثله ثم أقبل على ثديها يمصه قال أبو هريرة كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمص أصبعه ثم مر بأمه فقالت اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فترك ثديها فقال اللهم اجعلني مثلها فقالت لم ذلك فقال الراكب جبار من الجبابرة وهذه الأمة يقولون سرقت وزنت ولم تفعل وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني أبو سلمة أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أنا أولى الناس بابن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي تفرد به البخاري من هذا الوجه ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي داود الحفري عن الثوري عن أبي الزناد عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان هو الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أولى الناس بعيسى عليه السلام والأنبياء اخوة أولاد علات وليس بيني وبين عيسى نبي وهذا إسناد صحيح على شرطهما ولم يخرجوه من هذا الوجه واخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وأخرجه ابن حبان من حديث عبد الرزاق نحوه وقال أحمد
حدثنا يحيى عن ابن أبي عروبة حدثنا قتادة عن عبدالرحمن بن آدم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء أخوة لعلات ودينهم واحد وأمهاتهم شتى وأنا أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل بين مخصرتين فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويعطل الملل حتى يهلك في زمانه كلها غير الإسلام ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الإبل مع الأسد جميعا والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضا فيمكث ما شاء الله ان يمكث ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون ويدفنونه ثم رواه أحمد عن عفان عن همام عن قتادة عن عبدالرحمن عن أبي هريرة فذكر نحوه وقال فيمكث أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ورواه أبو داود عن هدبة بن خالد عن همام بن يحيى به نحوه وروى هشام بن عروة عن صالح مولى أبي هريرة عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيمكث في الأرض اربعين سنة وسيأتي بيان نزوله عليه السلام في آخر الزمان في كتاب الملاحم كما بسطنا ذلك أيضا في التفسير عند قوله تعالى في سورة النساء وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته يوم القيامة يكون عليهم شهيدا وقوله وإنه لعلم للساعة الآية وإنه ينزل على المنارة البيضاء بدمشق وقد أقيمت صلاة الصبح فيقول له إمام المسلمين تقدم يا روح الله فصل فيقول لا بعضكم على بعض أمراء مكرمة الله هذه الأمة وفي رواية فيقول له عيسى إنما أقيمت الصلاة لك فيصلي خلفه ثم يركب ومعه المسلمون في طلب المسيح الدجال فيلحقه عند باب لد فيقتله بيده الكريمة وذكرنا انه قوي الرجاء حين بنيت هذه المنارة الشرقية بدمشق التي هي من حجارة بيض وقد بنيت أيضا من أموال النصارى حين حرقوا التي هدمت وما حولها فينزل عليها عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ولا يقبل من أحد إلا الإسلام وأنه يحج من فج الروحاء حاجا أو معتمرا أو لثنتيهما ويقيم اربعين سنة ثم يموت فيدفن فيما قيل في الحجرة النبوية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه وقد ورد في ذلك حديث ذكره ابن عساكر في آخر ترجمة المسيح عليه السلام في كتابه عن عائشة مرفوعا أنه يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الحجرة النبوية ولكن لا يصح إسناده وقال أبو عيسى الترمذي حدثنا زيد بن أخزم الطائي حدثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة حدثني أبو مودود المدني حدثنا عثمان بن الضحاك عن محمد بن يوسف بن عبدالله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى بن مريم عليهم السلام يدفن معه قال أبو مودود وقد بقي من البيت موضع قبر ثم قال الترمذي هذا حديث حسن كذا قال والصواب الضحاك بن عثمان المدني وقال البخاري هذا الحديث لا يصح عندي ولا يتابع عليه وروى البخاري عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال الفترة ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وعن قتادة خمسمائة
وستون سنة وقيل خمسمائة وأربعون سنة وعن الضحاك أربعمائة وبضع وثلاثون سنة والمشهور ستمائة سنة ومنهم من يقول ستمائة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمائة بالشمسية والله أعلم
وقال ابن حبان في صحيحه ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه حدثنا أبو يعلى حدثنا أبو همام حدثنا الوليد بن مسلم عن الهيثم بن حميد عن الوضين بن عطاء عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة وهذا حديث غريب جدا وإن صححه ابن حبان وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق ان عيسى عليه السلام قبل ان يرفع وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة لوقا ومتى ومرقس ويوحنا وبين هذه الاناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الاخرى وهؤلاء الاربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من اهل دمشق رجل يقال له ضينا وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة خوفا من بولس اليهودي وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح ولما جاء به وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثم رجمه حتى مات رحمه الله ولما سمع بولص أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا فلما واجه اصحاب المسيح جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه فلما رأى ذلك وقع
في نفسه تصديق المسيح فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به فقبل منه وسأله أن يمسح عينيه ليرد الله عليه بصره فقال اذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو لك فجاء إليه فدعا فرد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيح عليه السلام أنه عبد الله ورسوله وبنيت له كنيسة باسمه فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فتحها الصحابة رضي الله عنهم حتى خربت في الزمان الذي سنورده إن شاء الله تعالى
*2* فصل ( اختلاف أصحاب المسيح في رفع عيسى إلى السماء ) .
@ اختلف أصحاب المسيح عليه السلام بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال كما قاله ابن عباس وغيره من أئمة السلف كما أوردناه عند قوله فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين قال ابن عباس وغيره قال قائلون منهم كان فينا عبدالله ورسوله فرفع إلى السماء وقال آخرون هو الله وقال آخرون هو ابن الله فالاول هو الحق والقولان الآخران كفر عظيم كما قال فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم وقد اختلفوا في نقل الاناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ثم بعد المسيح بثلثمائة سنة حدثت فيه الطامة العظمى والبلية الكبرى اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعددة لا تنحصر ولا تنضبط واجتمعوا وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينية وهم المجمع الأول فصار الملك إلى قول أكثر فرقة اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملائكة ودحض من عداهم وأبعدهم وتفردت الفرقة التابعة لعبدالله بن اديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله فسكنوا البراري والبوادي وبنوا الصوامع والديارات والقلايات وقنعوا بالعيش الزهيد ولم يخالطوا أولئك الملل والنحل وبنت الملائكة الكنائس الهائلة عمدوا إلى ما كان من بناء اليونان فحولوا محاريبها إلى الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجدى
*2* بيان بناء بيت لحم والقمامة
@ وبنى الملك قسطنطين بيت لحم على محل مولد المسيح وبنت أمه هيلانة القمامة يعني على قبر المصلوب وهم يسلمون لليهود أنه المسيح وقد كفرت هؤلاء وهؤلاء ووضعوا القوانين والاحكام ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة وأحلوا أشياء هي حرام بنص التوراة ومن ذلك الخنزير وصلوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلى إلا إلى صخرة بيت المقدس وكذلك جميع الأنبياء بعد موسى ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ثم حول إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل وصوروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل ذلك ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم
ورجالهم التي يسمونها بالأمانة وهي في الحقيقة أكبر الكفر والخيانة وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في تفسيرها وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لابث على ما فيها ركة الألفاظ وكثرة الكفر والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ فيقولون نؤمن باله واحد ضابط الكل خالق السموات والأرض كل ما يرى وكل ما لا يرى وبرب واحد يسوع المسيح بن الله الوحيد المولود من الأب قبل الدهور نور من نور إله حق من إله حق مولود غير مخلوق مساو للأب في الجوهر الذي كان به كل شيء من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس ومن مريم العذراء وتانس وصلب على عهد ملاطس النبطي وتالم وقبر وقام في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الأب وأيضا فسيأتي بجسده ليدبر الأحياء والأموات الذي لا فناء لملكه وروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب مع الأب والابن مسجود له وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة واحدة جامعة مقدسة يهولية واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة الدهر العتيد كونه آمين

والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم فانتدب له من بينهم طائفة صالحة فكانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته وذلك حين هم به بنو اسرائيل ووشوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان فعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله منهم ورفعه اليه من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون وسلم لهم كثير من النصارى ما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون قال تعالى ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين وقال تعالى وإذ قال عيسى بن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعي للإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون إلى أن قال بعد ذلك يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم
*2* كتاب أخبار الماضين
@ من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة سوى أيام العرب وجاهليتهم فإنا سنورد ذلك بعد فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى قال الله تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا وقال نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين
*2* خبر ذي القرنين
@ قال تعالى ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى
بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني افرغ عليه قطرا فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا وأثنى عليه بالعدل وانه بلغ المشارق والمغارب وملك الأقاليم وقهر اهلها وسار فيهم بالمعدلة التامة والسلطان المؤيد المظفر المنصور القاهر المقسط والصحيح أنه كان ملكا من الملوك العادلين وقيل كان نبيا وقيل رسولا وأغرب من قال ملكا من الملائكة وقد حكى هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فإنه سمع رجلا يقول لآخر يا ذا القرنين فقال مه ما كفاكم أن تتسموا بأسماء الانبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ذكره السهيلي وقد روى وكيع عن إسرائيل عن جابر عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو قال كان ذو القرنين نبيا وروى الحافظ بن عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن أبي ذؤيب حدثنا محمد بن حماد أنبأنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذؤيب عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدري أتبع كان لعينا أم لا ولا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا ولا أدري ذو القرنين كان نبيا أم لا وهذا غريب من هذا الوجه وقال إسحاق بن بشر عن عثمان بن الساج عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس قال كان ذو القرنين ملكا صالحا رضي الله عمله وأثنى عليه في كتابه وكان منصورا وكان الخضر وزيره وذكر أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه وكان عنده بمنزلة المشاور الذي هو من الملك بمنزلة الوزير في إصلاح الناس اليوم وقد ذكر الأزرقي وغيره ان ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل وطاف معه بالكعبة المكرمة هو وإسماعيل عليه السلام وروى عن عبيد بن عمير وابنه عبدالله وغيرهما أن ذا القرنين حج ماشيا وأن إبراهيم لما سمع بقدومه تلقاه ودعا له ورضاه وأن الله سخر لذي القرنين السحاب يحمله حيث أراد والله اعلم
واختلفوا في السبب الذي سمى به ذا القرنين فقيل لانه كان له في رأسه شبه القرنين قال وهب بن منبه كان له قرنان من نحاس في رأسه وهذا ضعيف وقال بعض اهل الكتاب لانه ملك فارس والروم وقيل لانه بلغ قرني الشمس غربا وشرقا وملك ما بينهما من الأرض وهذا أشبه من غيه وهو قول الزهري وقال الحسن البصري كانت له غديرتان من شعر يطافهما فسمي ذي القرنين وقال إسحاق ابن بشر عن عبدالله بن زياد بن سمعان عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال دعا ملكا جبارا إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضه ثم دعاه فدق قرنه الثاني فكسره فسمي ذي القرنين وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل عن علي بن ابي طالب أنه سئل عن ذي القرنين فقال
كان عبدا ناصح الله فناصحه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه الآخر فمات فسمي ذا القرنين وهكذا رواه شعبة القاسم بن أبي بزة عن ابي الطفيل عن علي به وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل عن علي قال لم يكن نبيا ولا رسولا ولا ملكا ولكن كان عبدا صالحا
وقد اختلف في اسمه فروى الزبير بن بكار عن ابن عباس كان اسمه عبدالله بن الضحاك بن معد وقيل مصعب بن عبدالله بن قنان بن منصور بن عبدالله بن الأزد بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبا بن قحطان
وقد جاء في حديث أنه كان من حمير وأمه رومية وأنه كان يقال له ابن الفيلسوف لعقله وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعرا يفتخر بكونه أحد أجداده فقال قد كان ذو القرنين جدي
مسلما * ملكا تدين له الملوك وتحشد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي * أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها * في عين ذي خلب وثأط حرمد
من بعده بلقيس كانت عمتي * ملكتهم حتى أتاها الهدهد
قال السهيلي وقيل كان اسمه مرزبان بن مرزبة ذكره ابن هشام وذكر في موضع آخر أن اسمه الصعب بن ذي مرائد وهو أول التبابعة وهو الذي حكم لإبراهيم في بئرالسبع وقيل إنه أفريدون بن أسفيان الذي قتل الضحاك وفي خطبة قس يا معشر إياد بن الصعب ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين وعمر الفين ثم كان كلحظة عين ثم أنشد ابن هشام للأعشى
والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا * بالجنو في جدث أشم مقيما
وذكر الدارقطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس ويقال هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطى بن كشلوخين بن يونان بن يافث بن نوح فالله اعلم وقال إسحق بن بشر عن سعيد بن بشير عن قتادة قال اسكندر هو ذو القرنين وأبوه أول القياصرة وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام فأما ذو القرنين الثاني فهو اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن ميطون بن رومي بن لنطي بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن يقز بن العيص بن إسحق بن إبراهيم الخليل كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في تاريخه المقدوني اليوناني المصري باني اسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم وكان متأخرا عن الاول بدهر طويل كان هذا قبل المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة وكان ارطاطاليس الفيلسوف وزيره وهو الذي قتل دارا بن دارا وأذل ملوك الفرس وأوطأ أرضهم
وإنما نبهنا عليه لأن كثيرا من الناس يعتقد أنهما واحد وأن المذكور في القرآن هو الذي كان أرطاطاليس وزيره فبقع بسبب ذلك خطأ كبير وفساد عريض طويل كثير فإن الأول كان عبدا مؤمنا صالحا وملكا عادلا وكان وزيره الخضر وقد كان نبيا على ما قررناه قبل هذا وأما الثاني فكان مشركا وكان وزيره فيلسوفا وقد كان بين زمانهما أزيد من الفي سنة فأين هذا من هذا لا يستويان ولا يشتهان إلا على غبى لا يعرف حقائق الأمور فقوله تعالى ويسألونك عن ذي القرنين كان سببه أن قريشا سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم سول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لهم سلوه عن رجل طواف في الأرض وعن فتية خرجوا لا يدري ما فعلوا فأنزل الله تعالى قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين ولهذا قال قل سأتلوا عليكم منه ذكرا أي من خبره وشأنه ذكرا أي خبرا نافعا كافيا في تعريف أمره وشرح حاله فقال إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا أي وسعنا مملكته في البلاد وأعطيناه من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيمة والمقاصد الجسيمة قال قتيبة عن أبي عوانة عن سماك عن حبيب بن حماد قال كنت عند علي بن أبي طالب وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب فقال له سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور وقال أزيدك فسكت الرجل وسكت علي رضي الله عنه وعن أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن عبدالله الوادعي سمعت معاوية يقول ملك الأرض أربعة سليمان بن داود النبي عليهما السلام وذو القرنين ورجل من أهل حلوان ورجل آخر فقيل له الخضر قال لا وقال الزبير بن بكار حدثني ابراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك عن أبيه عن سفيان الثوري قال بلغني أنه ملك الأرض كلها أربعة مؤمنان وكافران سليمان النبي وذو القرنين نمرود وبخت نصر وهكذا قال سعيد بن بشير سواء وقال اسحاق بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال كان ذو القرنين ملك بعد النمرود وكان من قصته أنه كان رجلا مسلما صالحا أتى المشرق والمغرب مد الله له في الأجل ونصره حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال وفتح المدائن وقتل الرجال وجال في البلاد والقلاع فسار حتى أتى المشرق والمغرب فذلك قول الله ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا أي خبرا إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا أي علما بطلب أسباب المنازل قال اسحاق وزعم مقاتل أنه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز فمن اتبعه على دينه وتابعه عليه وإلا قتله وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقتادة والضحاك وآتيناه من كل شيء سببا يعني علما وقال قتادة ومطر الوراق معالم الأرض ومنازلها وأعلامها وآثارها وقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم يعني تعليم الألسنة كان لا يغزو قوما إلا حدثهم بلغتهم والصحيح أنه يعم كل سبب يتوصل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها فإنه كان يأخذ من كل اقليم من الأمتعة
والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الاقليم الآخر
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث الفا وستمائة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده لا شريك له وفي كل هذه المدة نظر والله أعلم وقد روى البيهقي وابن عساكر حديثا متعلقا بقوله وآتيناه من كل شيء سببا مطولا جدا وهو منكر جدا وفي اسناده محمد بن يونس الكديمي وهو متهم فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا والله أعلم وقوله فأتبع سببا أي طريقا حتى إذا بلغ مغرب الشمس يعني من الأرض انتهى إلى حيث لا يمكن أحدا أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة والثاني من ساحل هذا البحر كما قدمنا وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته تغرب في عين حمئة والمراد بها البحر في نظره فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمس كأنها تطلع من البحر وتغرب فيه ولهذا قال وجدها أي في نظره ولم يقل فإذا هي تغرب في عين حمئة أي ذات حمأة قال كعب الأحبار وهو الطين الأسود وقرأه بعضهم حامية فقيل يرجع إلى الأول وقيل من الحرارة وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها وقد روى الإمام أحمد عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني مولى لعبدالله بن عمرو عن عبدالله قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض فيه غرابة وفيه رجل مبهم لم يسم ورفعه فيه نظر وقد يكون موقوفا من كلام عبدالله بن عمرو فإنه أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب المتقدمين فكان يحدث منها والله أعلم
ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مددا طويلة فقد أخطأوا بعد النجعة وقال ما يخالف العقل والنقل
*2* بيان طلب ذي القرنين عين الحياة
@ وقد ذكر ابن عساكر من طريق وكيع عن أبيه عن معتمر بن سليمان عن أبي جعفر الباقر عن أبيه زين العابدين خبرا مطولا جدا فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له رناقيل فسأله ذو القرنين هل تعلم في الأرض عينا يقال لها عين الحياة فذكر له صفة مكانها فذهب ذو القرنين في طلبها وجعل الخضر على مقدمته فانتهى الخضر اليها في واد في أرض الظلمات فشرب منها ولم يهتد ذو القرنين اليها وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصر هناك وأنه أعطاه حجرا فلما رجع إلى جيشه سأل العلماء عنه فوضعوه في كفة ميزان وجعلوا في مقابلته ألف حجر مثله فوزنها حتى سأل الخضر فوضع قباله حجرا وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به وقال هذا مثل ابن آدم لا يشبع حتى يوارى
بالتراب فسجد له العلماء تكريما له وإعظاما والله أعلم ثم ذكر تعالى أنه حكم في أهل تلك الناحية قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة وبدأ بعذاب الدنيا لأنه أزجر عند الكافر وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا فبدأ بالأهم وهو ثواب الآخرة وعطف عليه الإحسان منه إليه وهذا هو العدل والعلم والإيمان قال الله تعالى ثم أتبع سببا أي سلك طريقا راجعا من المغرب إلى المشرق فيقال إنه رجع في ثنتي عشر سنة حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا أي ليس لهم بيوت ولا اكنان يستترون بها من حر الشمس قال كثير من العلماء ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم الحر إلى اسراب قد اتخذوها في الأرض شبه القبور قال الله تعالى كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا أي ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكاؤه بحراستنا في مسيره ذلك كله من مغارب الأرض إلى مشارقها
وقد روى عن عبيد بن عمير وابنه عبدالله وغيرهما من السلف أن ذوا القرنين حج ماشيا فلما سمع ابراهيم الخليل بقدومه تلقاه فلما اجتمعا دعا له الخليل ووصاه بوصايا ويقال انه جيء بفرس ليركبها فقال لا أركب في بلد فيه الخليل فسخر الله له السحاب وبشره ابراهيم بذلك فكانت تحمله إذا أراد وقوله تعالى ثم اتبع سببا حتى اذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا يعني عشما يقال انهم هم الترك ابناء عم يأجوج ومأجوج فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السبل عليهم وبذلوا له حملا وهو الخراج على أن يقيم بينهم وبينهم حاجزا يمنعهم من الوصول إليهم فامتنع من أخذ الخراج اكتفاء بما أعطاه الله من الأموال الجزيلة قال ما مكني فيه ربي خير ثم طلب منهم أن يجمعوا له رجالا وآلات ليبني بينهم وبينهم سدا وهو الردم بين الجبلين وكانوا لا يستطيعون الخروج اليهم إلا من بينهما وبقية ذلك بحار مغرقة وجبال شاهقة فبناه كما قال تعالى من الحديد والقطر وهو النحاس المذاب وقيل الرصاص والصحيح الأول فجعل بدل اللبن حديدا وبدل الطين نحاسا ولهذا قال تعالى فما اسطاعوا أن يظهروه أي يعلوا عليه بسلالم ولا غيرها وما استطاعوا له نقبا أي بمعاول ولا فؤس ولا غيرها فقابل الأسهل بالأسهل والأشد بالأشد قال هذا رحمة من ربي أي قدر الله وجوده ليكون رحمة منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم على من جاورهم في تلك المحلة فإذا جاء وعد ربي أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان جعله دكاء أي مساويا للأرض ولا بد من كون هذا ولهذا قال وكان وعد ربي حقا كما قال تعالى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق الآية ولذا قال ههنا وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض يعني يوم فتح السد على الصحيح ونفخ في
الصور فجمعناهم جمعا وقد أوردنا الأحاديث المروية في خروج يأجوج ومأجوج في التفسير وسنوردها ان شاء الله في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته
قال أبو داود الطيالسي عن الثوري بلغنا أن أول من صافح ذو القرنين وروى عن كعب الأحبار انه قال لمعاوية إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعاما وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئا فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى فقلن أي والله ما منا إلا من اثكلت فكان ذلك تسلية لأمه وذكر اسحاق بن بشر عن عبدالله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة بليغة طويلة فيها حكم وأمور نافعة وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة وهذا غريب
قال ابن عساكر وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستا وثلاثين سنة وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين سنة وكان بعد داود بسبعمائة سنة وأربعين سنة وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومائة واحدى وثمانين سنة وكان ملكه ست عشرة سنة وهذا الذي ذكره انما ينطبق على اسكندر الثاني لا الأول وقد خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداء بجماعة من الحفاظ والله أعلم وممن جعلهما واحدا الامام عبدالملك بن هشام راوي السيرة وقد أنكر ذلك عليه الحافظ أبو القاسم السهيلي رحمه الله انكارا بليغا ورد قوله ردا شنيعا وفرق بينهما تفريقا جيدا كما قدمنا قال ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسموا بذي القرنين تشبها بالأول والله أعلم
*2* ذكر أمتي يأجوج ومأجوج
@ وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد
هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه ثم الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يوم القيامة يا آدم قم فابعث بعث النار من ذريتك فيقول يا رب وما بعث النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا رسول الله أينا ذلك الواحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابشروا فإن منكم واحدا ومن يأجوج ومأجوج ألفا وفي رواية فقال ابشروا فإن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه أي غلبتاه كثرة وهذا يدل على كثرتهم وانهم أضعاف الناس مرارا عديدة ثم هم من ذرية نوح لأن
الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وقال تعالى فأنجيناه وأصحاب السفينة وقال جعلنا ذريته هم الباقين وتقدم في الحديث المروي في المسند والسنن أن نوحا ولد له ثلاثة وهم سام وحام ويافث فسام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك فيأجوج ومأجوج طائفة من الترك وهم مغل المغول وهم أشد بأسا وأكثر فسادا من هؤلاء ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم وقد قيل إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السد والجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركوا من ورائه فلهذا قيل لهم الترك
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بتراب فخلقوا من ذلك وانهم ليسوا من حواء فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدا فمنهم من هو كالنخلة السحوق ومنهم من هو غاية في القصر ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهذا فيصل في هذا الباب وغيره وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفا فإن صح في خبر قلنا به والا فلا نرده إذ يحتمله العقل والنقل أيضا قد يرشد اليه والله أعلم بل قد ورد حديث مصرح بذلك ان صح قال الطبراني حدثنا عبدالله بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة عن مسلم عن أبي اسحاق عن وهب بن جابر عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان يأجوج ومأجوج من ولد آدم ولو أرسلوا لأفسدوا على الناس معائشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته الفا فصاعدا وان من وارئهم ثلاث أمم تاويل وتاريس ومنسك وهو حديث غريب جدا وإسناده ضعيف وفيه نكارة شديدة وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في تاريخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب اليهم ليلة الإسراء فدعاهم إلى الله فامتنعوا من اجابته ومتابعته وأنه دعا تلك الأمم التي هناك تاريس وتاويل ومنسك فأجابوه فهو حديث موضوع اختلقه أبو نعيم عمرو بن الصبح أحد الكذابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث والله أعلم
فإن قيل فكيف دل الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة وأنهم في النار ولم يبعث اليهم رسل وقد قال الله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فالجواب أنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة عليهم والأعذار اليهم كما قال تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فإن كانوا في زمن
الذي قبل بعث محمد صلى الله عليه وسلم قد أتتهم رسل منهم فقد قامت على أولئك الحجة وان لم يكن قد بعث الله اليهم رسلا فهم في حكم أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة وقد دل الحديث المروي من طرق عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من كان كذلك يمتحن في عرصات القيامة فمن أجاب الداعي دخل الجنة ومن أبى دخل النار وقد أوردنا الحديث بطرق وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري اجماعا عن أهل السنة والجماعة وامتحانهم لا يقتضي نجاتهم ولا ينافي الأخبار عنهم بأنهم من أهل النار لأن الله يطلع رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يشاء من أمر الغيب وقد اطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء وأن سجاياهم تأبى قبول الحق والانقياد له فهم لا يجيبون الداعي إلى يوم القيامة فيعلم من هذا أنهم كانوا أشد تكذيبا للحق في الدنيا لو بلغهم فيها لأن في عرصات القيامة ينقاد خلق ممن كان مكذبا في الدنيا فايقاع الإيمان هناك لما يشاهد من الأهوال أولى وأحرى منه في الدنيا والله أعلم كما قال تعالى ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون وقال تعالى أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا وأما الحديث الذي فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم ليلة الإسراء فلم يجيبوا فإنه حديث منكر بل موضوع وضعه عمرو بن الصبح
وأما السد فقد تقدم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم قال البخاري وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد قال وكيف رأيته قال مثل البرد المحبر فقال رأيته هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم وأره مسندا من وجه متصل أرتضيه غير أن ابن جرير رواه في تفسيره مرسلا فقال حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن رجلا قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال انعته لي قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال قد رأيته
وقد ذكر أن الخليفة الواثق بعث رسلا من جهته وكتب لهم كتبا إلى الملوك يوصلونهم من بلاد الى بلاد حتى ينهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة فلما رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه بابا عظيما وعليه أقفال وأنه بناء محكم شاهق منيف جدا وأن بقية اللبن الحديد والآلات في برج هناك وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ومحلته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية ويقال أن بلادهم متسعة جدا وانهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر وهم أمم وخلق لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم فإن قيل فما الجمع بين قوله تعالى فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا وبين الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم
من نوم محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق تسعين قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث وأخرجاه في الصحيحين من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا وعقد تسعين فالجواب أما على قول من ذهب إلى أن هذا اشارة إلى فتح أبواب الشر والفتن وان هذا استعارة محضة وضرب مثل فلا اشكال واما على قول من جعل ذلك اخبارا عن أمر محسوس كما هو الظاهر المتبادر فلا اشكال أيضا لأن قوله فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا أي في ذلك الزمان لأن هذه صيغة خبر ماض فلا ينفي وقوعه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدرا وتسليطهم عليه بالتدريج قليلا قليلا حتى يتم الأجل وينقضي الأمر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى وهم من كل حدب ينسلون ولكن الحديث الآخر اشكل من هذا وهو ما رواه الإمام أحمد في مسنده قائلا حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون اليه كاشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرون غدا إن شاء الله ويستثني فيعودون اليه وهو كهيئة يوم تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فيستقون المياه وتتحصن الناس في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في اقفائهم فيقتلهم بها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم ورواه أحمد أيضا عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة به وهكذا رواه ابن ماجه من حديث سعيد عن قتادة الا أنه قال حديث أبو رافع ورواه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة به ثم قال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينذرون شعاع الشمس من ورائه لرقته فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظا وانما هو مأخوذ عن كعب الأحبار كما قاله بعضهم فقد استرحنا من المؤنة وان كان محفوظا فيكون محمولا على أن ضيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم كما هو المروي عن كعب الأحبار أو يكون المراد بقوله وما استطاعوا له نقبا أي نافذا منه فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم وعلى هذا فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد تسعين أي فتح فتحا نافذا فيه والله أعلم

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:14 AM
قصة أصحاب الكهف
@ قال الله تعالى أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ورطبنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا واذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وان الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا بنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم الا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا الا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لاقرب من هذا رشدا ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا
كان سبب نزول قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين ما ذكره محمد بن اسحاق في السيرة وغيره ان قريشا بعثوا إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عنها ليختبروا ما يجيب به فيها فقالوا سلوه عن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدري ما صنعوا وعن رجل طواف في الأرض وعن الروح فأنزل الله تعالى ويسألونك عن الروح ويسألونك عن ذي القرنين وقال ههنا أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي ليسوا بعجب عظيم بالنسبة الى ما اطلعناك عليه من الأخبار العظيمة والآيات الباهرة والعجائب الغريبة والكهف هو الغار في الجبل قال شعيب الجبائي
واسم كهفهم حيزم وأما الرقيم فعن ابن عباس أنه قال لا أدري ما المراد به وقيل هو الكتاب المرقوم فيه اسماؤهم وما جرى لهم كتب من بعدهم اختاره ابن جرير وغيره وقيل هو اسم الجبل الذي فيه كهفهم قال ابن عباس وشعيب الجبائي واسمه بناجلوس وقيل هو اسم واد عند كهفهم وقيل اسم قرية هنالك والله أعلم
قال شعيب الجبائي واسم كلبهم حمران واعتناء اليهود بأمرهم ومعرفة خبرهم يدل على أن زمانهم متقدم على ما ذكره بعض المفسرين انهم كانوا بعد المسيح وانهم كانوا نصارى والظاهر من السياق أن قومهم كانوا مشركين يعبدون الأصنام قال كثير من المفسرين والمؤرخين وغيرهم كانوا في زمن ملك يقال له دقيانوس وكانوا من أبناء الأكابر وقيل من أبناء الملوك واتفق اجتماعهم في يوم عيد لقومهم فرأوا ما يتعاطاه قومهم من السجود للأصنام والتعظيم للأوثان فنظروا بعين البصيرة وكشف الله عن قلوبهم حجاب الغفلة والهمهم رشدهم فعلموا أن قومهم ليسوا على شيء فخرجوا عن دينهم وانتموا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويقال إن كل واحد منهم لما أوقع الله في نفسه ما هداه اليه من التوحيد انحاز عن الناس واتفق اجتماع هؤلاء الفتية في مكان واحد كما صح في البخاري الأرواح جنودة مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف فكل منهم سأل الآخر عن أمره وعن شأنه فأخبره ما هو عليه واتفقوا على الانحياز عن قومهم والتبري منهم والخروج من بين أظهرهم والفرار بدينهم منهم وهو المشروع حال الفتن وظهور الشرور قال الله تعالى نحن نقص عليك نبأهم بالحق انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه الها لقد قلنا اذا شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين أي بدليل ظاهر على ما ذهبوا اليه وصاروا من الأمر عليه فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا واذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله أي وإذ فارقتموهم في دينهم وتبرأتم مما يعبدون من دون الله وذلك لأنهم كانوا يشركون مع الله كما قال الخليل انني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وهكذا هؤلاء الفتيبة قال بعضهم اذ قد فارقتم قومكم في دينهم فاعتزلوهم بابدانكم لتسلموا منهم أن يوصلوا اليكم شرا فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيء لكم من أمركم مرفقا أي يسبل عليكم ستره وتكونوا تحت حفظه وكنفه ويجعل عاقبة أمركم إلى خير كما جاء في الحديث اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ثم ذكر تعالى صفة الغار الذي آووا اليه وان بابه موجه الى نحو الشمال واعماقه إلى جهة القبلة وذلك انفع الأماكن أن يكون المكان قبليا وبابه نحو الشمال فقال وترى الشمس اذا طلعت تزاور وقرىء تزور عن كهفهم ذات اليمين واذا غربت تقرضهم ذات الشمال فاخبر أن الشمس يعني في زمن الصيف وأشباهه تشرق أول طلوعها في الغار في جانبه الغربي ثم تشرع في
الخروج منه قليلا قليلا وهو ازورارها ذات اليمين فترتفع في جو السماء وتتقلص عن باب الغار ثم إذا تضيفت للغروب تشرع في الدخول فيه من جهته الشرقية قليلا قليلا إلى حين الغروب كما هو المشاهد بمثل هذا المكان والحكمة في دخول الشمس إليه في بعض الاحيان أن لا يفسد هواؤه وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله أي بقاؤهم على هذه الصفة دهرا طويلا من السنين لا يأكلون ولا يشربون ولا تتغذى أجسادهم في هذه المدة الطويلة من آيات الله وبرهان قدرته العظيمة من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا وتحسبهم أيقاظا وهم رقود قال بعضهم لان أعينهم مفتوحة لئلا تفسد بطول الغمض ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال قيل في كل عام يتحولون مرة من جنب إلى جنب ويحتمل أكثر من ذلك فالله أعلم وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد قال شعيب الجبائي اسم كلبهم حمران وقال غيره الوصيد اسكفة الباب والمراد أن كلبهم الذي كان معهم وصحبهم حال انفرادهم من قومهم لزمهم ولم يدخل معهم في الكهف بل ربض على بابه ووضع يديه على الوصيد وهذا من جملة أدبه ومن جملة ما أكرموا به فإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولما كانت التبعية مؤثرة حتى كان في كلب هؤلاء صار باقيا معهم ببقائهم لان من أحب قوما سعد بهم فإذا كان هذا في حق كلب فما ظنك بمن تبع أهل الخير وهو أهل للإكرام وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه
وقال ابن حبان في صحيحه ذكر المدة التي بقيت فيها أمة عيسى على هديه حدثنا أبو يعلى حدثنا أبو همام حدثنا الوليد بن مسلم عن الهيثم بن حميد عن الوضين بن عطاء عن نصر بن علقمة عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قبض الله داود من بين أصحابه فما فتنوا ولا بدلوا ولقد مكث أصحاب المسيح على سنته وهديه مائتي سنة وهذا حديث غريب جدا وإن صححه ابن حبان وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق ان عيسى عليه السلام قبل ان يرفع وصى الحواريين بأن يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له وعين كل واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم من الشام والمشرق وبلاد المغرب فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح إليهم وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة لوقا ومتى ومرقس ويوحنا وبين هذه الاناجيل الأربعة تفاوت كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة وزيادات كثيرة ونقص بالنسبة إلى الاخرى وهؤلاء الاربعة منهم اثنان ممن أدرك المسيح ورآه وهما متى ويوحنا ومنهم اثنين من أصحاب أصحابه وهما مرقس ولوقا وكان ممن آمن بالمسيح وصدقه من اهل دمشق رجل يقال له ضينا وكان مختفيا في مغارة داخل الباب الشرقي قريبا من الكنيسة المصلبة خوفا من بولس اليهودي وكان ظالما غاشما مبغضا للمسيح ولما جاء به وكان قد حلق رأس ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثم رجمه حتى مات رحمه الله ولما سمع بولص أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق جهز بغاله وخرج ليقتله فتلقاه عند كوكبا فلما واجه اصحاب المسيح جاء إليه ملك فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه فلما رأى ذلك وقع
وأما اختلاف العلماء في محلة هذا الكهف فقال كثيرون هو بأرض ايلة وقيل بأرض نينوى وقيل بالبلقاء وقيل ببلاد الروم وهو أشبه والله أعلم ولما ذكر الله تعالى ما هو الانفع من خبرهم والاهم من أمرهم ووصف حالهم حتى كأن السامع راء والمخبر مشاهد لصفة كهفهم وكيفيتهم في ذلك الكهف وتقلبهم من جنب إلى جنب وإن كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد قال لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه ولعل الخطاب ههنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول صلى الله عليه وسلم كقوله فما يكذبك بعد بالدين أي أيها الإنسان وذلك لأن طبيعة البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبا ولهذا قال لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب ثم ذكر تعالى أنه بعثهم من رقدتهم بعد نومهم بثلاثمائة سنة وتسع سنين فلما استيقظوا قال بعضهم لبعض كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة أي بدراهمكم هذه يعني التي معهم إلى المدينة ويقال كان اسمها دفسوس فلينظر أيها أزكى طعاما أي أطيب مالا فليأتكم برزق منه أي بطعام تأكلونه وهذا من زهدهم
وورعهم وليتلطف أي في دخوله إليها ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا أي إن عدتم في ملتهم بعد إذ أنقذكم الله منها وهذا كله لظنهم أنهم رقدوا يوما أو بعض يوم او أكثر من ذلك ولم يحسبوا أنهم قد رقدوا أزيد من ثلثمائة سنة وقد تبدلت الدول اطوارا عديدة وتغيرت البلاد ومن عليها وذهب أولئك القرن الذين كانوا فيهم وجاء غيرهم وذهبوا وجاء غيرهم ولهذا لما خرج أحدهم وهو تيذوسيس فيما قيل وجاء إلى المدينة متنكرا لئلا يعرفه أحد من قومه فيما يحسبه تنكرت له البلاد واستنكره من يراه من اهلها واستغربوا شكله وصفته ودراهمه فيقال إنهم حملوه إلى متوليهم وخافوا من أمره أن يكون جاسوسا أو تكون له صولة يخشون من مضرتها فيقال إنه هرب منهم ويقال بل أخبرهم خبره ومن معه وما كان من أمرهم فانطلقوا معه ليريهم مكانهم فلما قربوا من الكهف دخل إلى أخوانه فأخبرهم حقيقة أمرهم ومقدار ما رقدوا فعلموا أن هذا أمر قدره الله فيقال إنهم استمروا راقدين ويقال بل ماتوا بعد ذلك
وأما اهل البلدة فيقال إنهم لم يهتدوا إلى موضعهم من الغار وعمي الله عليهم أمرهم ويقال لم يستطيعوا دخوله حسا ويقال مهابة لهم
واختلفوا في أمرهم فقائلون يقولون ابنوا عليهم بنيانا أي سدوا عليهم باب الكهف لئلا يخرجوا أو لئلا يصل إليهم ما يؤذيهم وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا لنتخذن عليهم مسجدا أي معبدا يكون مباركا لمجاورته هؤلاء الصالحين وهذا كان شائعا فيمن كان قبلنا فأما في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا وأما قوله وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها فمعنى أعثرنا أطلعنا على أمرهم الناس قال كثير من المفسرين ليعلم الناس ان المعاد حق وأن الساعة لا ريب فيها إذا علموا أن هؤلاء القوم رقدوا أزيد من ثلثمائة سنة ثم قاموا كما كانوا من غير تغير منهم فإن من أبقاهم كما هم قادر على إعادة الابدان وإن أكلتها الديدان وعلى إحياء الأموات وإن صارت أجسامهم وعظامهم رفاتا وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون هذا ويحتمل عود الضمير في قوله ليعلموا إلى أصحاب الكهف إذ علمهم بذلك من انفسهم أبلغ من علم غيرهم بهم ويحتمل أن يعود على الجميع والله أعلم ثم قال تعالى سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم فذكر اختلاف الناس في كميتهم فحكى ثلاثة أقوال وضعف الأولين وقرر الثالث فدل على أنه الحق إذ لو قيل غير ذلك لحكاه ولو لم يكن هذا الثالث هو الصحيح
لوهاه فدل على ما قلناه ولما كان النزاع في مثل هذا لا طائل تحته ولا جدوى عنده أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في مثل هذا الحال اذا اختلف الناس فيه أن يقول الله أعلم ولهذا قال قل ربي أعلم بعدتهم وقوله ما يعلمهم إلا قليل أي من الناس فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا أي سهلا ولا تتكلف أعمال الجدال في مثل هذا الحال ولا تستفت في أمرهم أحدا من الرجال ولهذا أبهم تعالى عدتهم في أول القصة فقال إنهم فتية آمنوا بربهم ولو كان في تعين عدتهم كبير فائدة لذكرها عالم الغيب والشهادة وقوله تعالى ولا تقولن لشيء اني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا أدب عظيم أرشده الله تعالى اليه وحث خلقه عليه وهو ما اذا قال احدهم إني سأفعل في المستقبل كذا فيشرع له أن يقول ان شاء الله ليكون ذلك تحقيقا لعزمه لأن العبد لا يعلم ما في غد ولا يدري أهذا الذي عزم عليه مقدر أم لا وليس هذا الاستثناء تعليقا وانما هو الحقيقي ولهذا قال ابن عباس يصح إلى سنة ولكن قد يكون في بعض المحال لهذا ولهذا كما تقدم في قصة سليمان عليه السلام حين قال لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقيل له قل إن شاء الله فلم يقل فطاف فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف انسان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركا لحاجته وقوله واذكر ربك اذا نسيت وذلك لأن النسيان قد يكون من الشيطان فذكر الله يطرده عن القلب فيذكر ما كان قد نسيه وقوله وقل عيسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا أي إذا اشتبه آمر وأشكل حال والتبس أقوال الناس في شيء فارغب إلى الله ييسره لك ويسهله عليك ثم قال ولبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا لما كان في الأخبار بطول مدة لبثهم فائدة عظيمة ذكرها تعالى وهذه التسع المزيدة بالقمرية وهي لتكميل ثلثمائة شمسية فإن كل مائة قمرية تنقص عن الشمسية ثلاث سنين قال الله أعلم بما لبثوا أي إذا سئلت عن مثل هذا وليس عندك في ذلك نقل فرد الأمر في ذلك إلى الله عز وجل له غيب السموات والأرض أي هو العالم بالغيب فلا يطلع عليه إلا من شاء من خلقه أبصر به واسمع يعني أنه يضع الأشياء في محالها لعلمه التام بخلقه وبما يستحقونه ثم قال ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا أي ربك المنفرد بالملك والمنصرف وحده لا شريك له
*2* قصة الرجلين المؤمن والكافر
@ قال الله تعالى في سورة الكهف بعد قصة أهل الكهف واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته
وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا إلى قوله هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا قال بعض الناس هذا مثل مضروب ولا يلزم أن يكون واقعا والجمهور أنه أمر قد وقع وقوله واضرب لهم مثلا يعني لكفار قريش في عدم اجتماعهم بالضعفاء والفقراء وازدرائهم بهم وافتخارهم عليهم كما قال تعالى واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون كما قدمنا الكلام على قصتهم قبل قصة موسى عليه السلام والمشهور أن هذين كانا رجلين مصطحبين وكان أحدهما مؤمنا والآخر كافرا ويقال إنه كان لكل منهما مال فانفق المؤمن ماله في طاعة الله ومرضاته ابتغاء وجهه وأما الكافر فإنه اتخذ له بساتين وهما الجنتان المذكورتان في الآية على الصفة والنعت المذكور فيهما أعناب ونخيل تحف تلك الأعناب والزروع في ذلك والأنهار سارحة ههنا وههنا للسقي والتنزه وقد استوثقت فيهما الثمار واضطربت فيهما الأنهار وابتهجت الزروع والثمار وافتخر مالكهما على صاحبه المؤمن الفقير قائلا له أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا أي أوسع جنانا ومراده أنه خير منه ومعناه ماذا أغنى عنك انفاقك ما كنت تملكه في الوجه الذي صرفته فيه كان الأولى بك أن تفعل كما فعلت لتكون مثلي فافتخر على صاحبه ودخل جنته وهو ظالم لنفسه أي وهو على غير طريقة مرضية قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وذلك لما رأى من اتساع أرضها وكثرة مائها وحسن نبات أشجارها ولو قد بادت كل واحدة من هذه الأشجار لاستخلف مكانها أحسن منها وزروعها دارة لكثرة مياهها ثم قال وما أظن الساعة قائمة فوثق بزهرة الحياة الدنيا الفانية وكذب بوجود الآخرة الباقية الدائمة ثم قال ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا أي ولئن كان ثم آخرة ومعاد فلأجدن هناك خيرا من هذا وذلك لأنه اغتر بدنياه واعتقد أن الله لم يعطه ذلك فيها إلا لحبه له وحظوته عنده كما قال العاص بن وائل فيما قص الله من خبره وخبر خباب بن الأرت في قوله أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا وقال تعالى اخبارا عن الإنسان إذا أنعم الله عليه ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى قال الله تعالى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ وقال قارون إنما أوتيته على علم عندي أي لعلم الله بي أني أستحقه قال الله تعالى أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون وقد قدمنا الكلام على قصته في أثناء قصة موسى وقال تعالى وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون وقال تعالى أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ولما اغتر هذا الجاهل بما خول به في الدنيا فجحد الآخرة وادعى أنها ان وجدت ليجدن عند ربه خيرا مما هو فيه وسمعه صاحبه يقول ذلك قال له
وهو يحاوره أي يجادله أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا أي أجحدت المعاد وأنت تعلم أن الله خلقك من تراب ثم من نطفة ثم صورك أطوارا حتى صرت رجلا سويا سميعا بصيرا تعلم وتبطش وتفهم فكيف أنكرت المعاد والله قادر على البداءة لكنا هو الله ربي أي لكن أنا أقول بخلاف ما قلت وأعتقد خلاف معتقدك هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا أي لا أعبد سواه واعتقد أنه يبعث الأجساد بعد فنائها ويعيد الأموات ويجمع العظام الرفات وأعلم أن الله لا شريك له في خلقه ولا في ملكه ولا إله غيره ثم أرشده إلى ما كان الأولى به أن يسلكه عند دخول جنته فقال ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ولهذا يستحب لكل من أعجبه شيء من ماله أو أهله أو حاله أن يقول كذلك وقد ورد فيه حديث مرفوع في صحته نظر قال أبو يعلى الموصلي حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمرو بن يوسف حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبدالملك بن زرارة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه أنه دون الموت وكان يتأول هذه الآية ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبدالملك بن زرارة عن أنس لا يصح ثم قال المؤمن للكافر فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك أي في الدار الآخرة ويرسل عليها حسبانا من السماء قال ابن عباس والضحاك وقتادة أي عذابا من السماء والظاهر أنه المطر المزعج الباهر الذي يقتلع زروعها وأشجارها فتصبح صعيدا زلقا وهو التراب الأملس الذي لا نبات فيه أو يصبح ماؤها غورا وهو ضد المعين السارح فلن تستطيع له طلبا يعني فلا تقدر على استرجاعه قال الله تعالى وأحيط بثمره أي جاءه أمر أحاط بجميع حواصله وخرب جنته ودمرها فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها أي خربت بالكلية فلا عودة لها وذلك ضد ما كان عليه أمل حيث قال وما أظن أن تبيد هذه أبدا وندم على ما كان سلف منه من القول الذي كفر بسببه بالله العظيم فهو يقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا قال الله تعالى ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك أي لم يكن أحد يتدارك ما فرط من أمره وما كان له قدرة في نفسه على شيء من ذلك كما قال تعالى فما له من قوة ولا ناصر وقوله الولاية لله الحق ومنهم من يبتدىء بقوله هنالك الولاية لله الحق وهو حسن أيضا لقوله الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا فالحكم الذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب في تلك الحال وفي كل حال لله الحق ومنهم من رفع الحق جعله صفة للولاية وهما متلازمتان وقوله هو خير ثوابا وخير عقبا أي معاملته خير لصاحبها ثوابا وهو الجزاء وخير عقبا وهو العاقبة في الدنيا والآخرة وهذه القصة تضمنت أنه لا ينبغي لأحد أن يركن إلى الحياة الدنيا ولا يغتر
بها ولا يثق بها بل يجعل طاعة الله والتوكل عليه في كل حال نصب عينيه وليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه وفيها أن من قدم شيئا على طاعة الله والانفاق في سبيله عذب به وربما سلب منه معاملة له بنقيض قصده وفيها أن الواجب قبول نصيحة الأخ المشفق وأن مخالفته وبال ودمار على من رد النصيحة الصحيحة وفيها أن الندامه لا تنفع إذا حان القدر ونفذ الأمر الحتم بالله المستعان وعليه التكلان
*2* قصة أصحاب الجنة
@ قال الله تعالى إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم فتنادوا مصبحين أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين وغدوا على حرد قادرين فلما رأوها قالوا إنا لضالون بل نحن محرومون قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها انا إلى ربنا راغبون كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش فيما أنعم به عليهم من ارسال الرسول العظيم الكريم اليهم فقابلوه بالتكذيب والمخالفة كما قال تعالى ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار قال ابن عباس هم كفار قريش فضرب تعالى لهم مثلا بأصحاب الجنة المشتملة على أنواع الزروع والثمار التي قد انتهت واستحقت أن تجد وهو الصرام ولهذا قال اذ أقسموا فيما بينهم ليصرمنها أي ليجدنها وهو الاستغلال مصبحين أي وقت الصبح حيث لا يراهم فقير ولا محتاج فيعطوه شيئا فحلفوا على ذلك ولم يستثنوا في يمينهم فعجزهم الله وسلط عليها الآفة التي احرقتها وهي السفعة التي اجتاحتها ولم تبق بها شيئا ينتفع به ولهذا قال فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم أي كالليل الأسود المنصرم من الضياء وهذه معاملة بنقيض المقصود فتنادوا مصبحين أي فاستيقظوا من نومهم فنادى بعضهم بعضا قائلين أغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين أي باكروا إلى بستانكم فاصرموه قبل أن يرتفع النهار ويكثر السؤال فانطلقوا وهم يتخافتون أي يتحدثون فيما بينهم خفية قائلين لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين أي اتفقوا على هذا واشتوروا عليه وغدوا على حرد قادرين أي انطلقوا مجدين في ذلك قادرين عليه مضمرين على هذه النية الفاسدة وقال عكرمة والشعبي وغدوا على حرد أي غضب على المساكين وأبعد السدي في قوله أن اسم حرثهم حرد فلما رأوها أي وصلوا اليها ونظروا ما حل بها وما قد صارت إليه من الصفة المنكرة بعد تلك النضرة والحسن والبهجة فانقلبت بسبب النية الفاسدة فعند ذلك قالوا انا لضالون أي قد نهينا عنها وسلكنا غير طريقها ثم قالوا بل نحن محرومون أي بل عوقبنا بسبب سوء قصدنا وحرمنا بركة حرثنا قال أوسطهم قال ابن عباس
ومجاهد وغير واحد هو أعدلهم وخيرهم ألم أقل لكم لولا تسبحون قيل تستثنون قاله مجاهد والسدي وابن جرير وقيل تقولون خيرا بدل ما قلتم من الشر قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين فندموا حيث لا ينفع الندم واعترفوا بالذنب بعد العقوبة وذلك حيث لا ينجع وقد قيل ان هؤلاء كانوا اخوة وقد ورثوا هذه الجنة من أبيهم وكان يتصدق منها كثيرا فلما صار أمرها اليهم استهجنوا أمر أبيهم وأرادوا استغلالها من غير أن يعطوا الفقراء شيئا فعاقبهم الله أشد العقوبة ولهذا أمر الله تعالى بالصدقة من الثمار وحث على ذلك يوم الجداد كما قال تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ثم قيل كانوا من أهل اليمن من قرية يقال لها ضروان وقيل من أهل الحبشة والله أعلم قال الله تعالى كذلك العذاب أي هكذا نعذب من خالف أمرنا ولم يعطف على المحاويج من خلقنا ولعذاب الآخرة أكبر أي أعظم وأحكم من عذاب الدنيا لو كانوا يعلمون وقصة هؤلاء شبيه بقوله تعالى ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون قيل هذا مثل مضروب لأهل مكة وقيل هم أهل مكة أنفسهم ضربهم مثلا لأنفسهم ولا ينافي ذلك والله أعلم اه
*2* قصة أصحاب أيلة الذين اعتدوا في سبتهم
@ قال الله تعالى في سورة الأعراف واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وقال تعالى في سورة البقرة ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين وقال تعالى في سورة النساء أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وغيرهم هم أهل ايلة زاد ابن عباس بين مدين والطور قالوا وكانوا متمسكين بدين التوراة في تحريم السبت في ذلك الزمان فكانت الحيتان قد ألفت منهم السكينة في مثل هذا اليوم وذلك أنه كان يحرم عليهم الاصطياد فيه وكذلك جميع الصنائع والتجارات والمكاسب فكانت الحيتان في مثل يوم السبت يكثر غشيانها لمحلتهم من البحر فتأتي من ههنا وههنا ظاهرة آمنة مسترسلة فلا يهيجونها ولا يذعرونها ويوم لا يسبتون لا تاتيهم وذلك لأنهم كانوا يصطادونها فيما عدا السبت
قال الله تعالى كذلك نبلوهم أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت بما كانوا يفسقون أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا معذرة إلى ربكم أي فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه ولعلهم يتقون أي ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا قال الله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أي لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع انجينا الذين ينهون عن السوء وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر وأخذنا الذين ظلموا وهم المرتكبون الفاحشة بعذاب بئيس وهو الشديد المؤلم الموجع بما كانوا يفسقون ثم فسر العذاب الذي أصابهم بقوله فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك



والمقصود هنا أن الله أخبر أنه أهلك الظالمين ونجى المؤمنين المنكرين وسكت عن الساكتين وقد اختلف فيهم العلماء على قولين فقيل إنهم من الناجين وقيل إنهم من الهالكين والصحيح الأول عند المحققين وهو الذي رجع إليه ابن عباس إمام المفسرين وذلك عن مناظرة مولاه عكرمة فكساه من أجل ذلك حلة سنية تكرمة قلت وانما لم يذكروا مع الناجين لأنهم وان كرهوا ببواطنهم تلك الفاحشة إلا أنهم كان ينبغي لهم أن يحملوا ظواهرهم بالعمل المأمور به من الإنكار القولي الذي هو أوسط المراتب الثلاث التي أعلاها الانكار باليد ذات البنان وبعدها الانكار القولي باللسان وثالثها الانكار بالجنان فلما لم يذكروا نجوا مع الناجين إذ لم يفعلوا الفاحشة بل أنكروها وقد روى عبدالرزاق عن ابن جريج عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس وحكى مالك عن ابن رومان وشيبان عن قتادة وعطاء الخراساني ما مضمونه أن الذين ارتكبوا هذا الصنع اعتزلهم بقية أهل البلد ونهاهم من نهاهم منهم فلم يقبلوا فكانوا يبيتون وحدهم ويغلقون بينهم وبينهم أبوابا حاجزا لما كانوا يترقبون من هلاكهم فأصبحوا ذات يوم وأبواب ناحيتهم مغلقة لم يفتحوها وارتفع النهار واشتد الضحاء فأمر بقية أهل البلد رجلا أن يصعد على سلالم ويشرف عليهم من فوقهم فلما أشرف عليهم إذا هم قردة لها أذناب يتعاوون ويتعادون ففتحوا عليهم الأبواب
فجعلت القردة تعرف قراباتهم ولا يعرفهم قراباتهم فجعلوا يلوذون بهم ويقول لهم الناهون ألم ننهكم عن صنيعكم فتشير القردة برؤسها أن نعم ثم بكى عبدالله بن عباس وقال إنا لنرى منكرات كثيرة ولا ننكرها ولا نقول فيها شيئا وقال العوفي عن ابن عباس صار شباب القرية قردة وشيوخها خنازير وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس أنهم لم يعيشوا إلا فواقا ثم هلكوا ما كان لهم نسل وقال الضحاك عن ابن عباس أنه لم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل هؤلاء ولم يشربوا ولم ينسلوا وقد استقصينا الآثار في ذلك في تفسير سورة البقرة والأعراف ولله الحمد والمنة وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير وإنما هو مثل ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفارا وهذا صحيح إليه وغريب منه جدا ومخالف لظاهر القرآن ولما نص عليه غير واحد من السلف والخلف والله أعلم قصة أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون تقدم ذكرها قبل قصة موسى عليه السلام قصة سبأ سيأتي ذكرها في أيام العرب إن شاء الله تعالى وبه الثقة قصة قارون وقصة بلعام تقدمتا في قصة موسى وهكذا قصة الخضر وقصة فرعون والسحرة كلها في ضمن قصة موسى وقصة البقرة تقدمت في قصة موسى وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت في قصة حزقيل وقصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى في قصة شمويل وقصة الذي مر على قرية في قصة عزير
*2* قصة لقمان
@ قال تعالى: ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك بي مال ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتي بها الله إن الله لطيف خبير يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير هو لقمان بن عنقاء بن سدون ويقال لقمان بن ثاران حكاه السهيلي عن ابن جرير والقتيبي قال السهيلي وكان نوبيا من أهل أيلة قلت وكان رجلا صالحا ذا عبادة وعبارة وحكمة عظيمة ويقال كان قاضيا في زمن داود عليه السلام فالله أعلم وقال سفيان الثوري عن الأشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال كان
عبدا حبشيا نجارا وقال قتادة عن عبدالله بن الزبير قلت لجابر بن عبدالله ما انتهى إليكم في شأن لقمان قال كان قصيرا أفطس من النوبة وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قال كان لقمان من سودان مصر ذو مشافر أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة وقال الأوزاعي حدثني عبدالرحمن بن حرملة قال جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد لا تحزن من اجل أنك أسود فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان بلال ومهجع مولى عمر ولقمان الحكيم كان أسود نوبيا ذا مشافر وقال الأعمش عن مجاهد كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين وفي رواية مصفح القدمين وقال عمر بن قيس كان عبدا أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال له ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا قال نعم قال فما بلغ بك ما أرى قال صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني رواه ابن جرير عن ابن حميد عن الحكم عنه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبدالرحمن بن أبي يزيد بن جابر قال إن الله رفع لقمان الحكيم لحكمته فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال ألست عبد بن فلان الذي كنت ترعى غنمي بالأمس قال بلى قال فما بلغ بك ما أرى قال قدر الله وأداء الأمانة وصدق الحديث وترك ما لا يعنيني وقال ابن وهب أخبرني عبدالله بن عياش الفتياني عن عمر مولى عفرة قال وقف رجل على لقمان الحكيم فقال أنت لقمان أنت عبد بني النحاس قال نعم قال فأنت راعي الغنم الأسود قال أما سوادي فظاهر فما الذي يعجبك من امري قال وطء الناس بساطك وغشيهم بابك ورضاهم بقولك قال يا ابن أخي إن صنعت ما أقول لك كنت كذلك قال ما هو قال لقمان غضي بصري وكفي لساني وعفة مطمعي وحفظي فرجي وقيامي بعدتي ووفائي بعهدي وتكرمتي ضيفي وحفظي جاري وتركي ما لا يعنيني فذاك الذي صيرني كما ترى وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن فضيل حدثنا عمرو بن واقد عن عبدة ابن رباح عن ربيعة عن أبي الدرداء انه قال يوما وذكر لقمان الحكيم فقال ما أوتي عن أهل ولا مال ولا حسب ولا خصال ولكنه كان رجلا ضمضامة سكيتا طويل التفكر عميق النظر لم ينم نهارا قط ولم يره احد يبزق ولا يتنحنح ولا يبول ولا يتغوط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك وكان لا يعيد منطقا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد وكان قد تزوج وولد له اولاد فماتوا فلم يبك عليهم وكان يغشى السلطان ويأتي الحكام لينظر ويتفكر ويعتبر فبذلك أوتي ما أوتي ومنهم من زعم أنه عرضت عليه النبوة فخاف أن لا يقوم بأعبائها فاختار الحكمة لانها أسهل عليه وفي هذا نظر والله أعلم وهذا مروي عن قتادة كما سنذكره وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق وكيع عن إسرائيل عن جابر الجعفي عن عكرمة أنه قال كان لقمان نبيا وهذا ضعيف الحال الجعفي
والمشهور عن الجمهور أنه كان حكيما وليا ولم يكن نبيا وقد ذكره الله تعالى في القرآن فأثنى عليه وحكى من كلامه فيما وعظ به ولده الذي هو أحب الخلق إليه وهو أشفق الناس عليه فكان من أول ما وعظ به أن قال يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم فنهاه عنه وحذره منه وقد قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله قال لما نزلت الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليس بذاك ألم تسمع إلى قول لقمان يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم رواه مسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به ثم اعترض تعالى بالوصية بالوالدين وبيان حقهما على الولد وتأكده وأمر بالإحسان إليهما حتى ولو كانا مشركين ولكن لا يطاعان على الدخول في دينهما إلى أن قال مخبرا عن لقمان فيما وعظ به ولده يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ينهاه عن ظلم الناس ولو بحبة خردل فإن الله يسأل عنها ويحضرها حوزة الحساب ويضعها في الميزان كما قال تعالى إن الله لا يظلم مثقال ذرة وقال تعالى ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين وأخبره أن هذا الظلم لو كان في الحقارة كالخردلة ولو كان في جوف صخرة صماء لا باب لها ولا كوة أو لو كانت ساقطة في شيء من ظلمات الارض أو السموات في اتساعهما وامتداد أرجائهما لعلم الله مكانها إن الله لطيف خبير أي علمه دقيق فلا يخفى عليه الذر مما تراآى للنواظر أو توارى كما قال تعالى وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وقال وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين وقال عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين وقد زعم السدي في خبره عن الصحابة أن المراد بهذه الصخرة الصخرة التي تحت الأرضين السبع وهكذا حكى عن عطية العوفي وأبي مالك والثوري والمنهال بن عمر وغيرهم وفي صحة هذا القول من أصله نظر ثم إن في هذا هو المراد نظر آخر فإن هذه الآية نكرة غير معرفة فلو كان المراد بها ما قالوه لقال فتكن في الصخرة وإنما المراد فتكن في صخرة أي صخرة كانت كما قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان ثم قال يا بني أقم الصلاة أي أدها بجميع واجباتها من حدودها وأوقاتها وركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها وما شرع فيها واجتنب ما ينهي عنه فيها ثم قال وامر بالمعروف وانه عن المنكر أي بجهدك وطاقتك أي إن استطعت باليد فباليد وإلا فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك ثم أمره بالصبر فقال واصبر على ما أصابك وذلك أن
الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر في مظنة أن يعادي وينال منه ولكن له العاقبة ولهذا أمره بالصبر على ذلك ومعلوم أن عاقبة الصبر الفرج وقوله إن ذلك من عزم الأمور التي لا بد منها ولا محيد عنها وقوله ولا تصعر خدك للناس قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك ويزيد بن الأصم وأبو الجوزاء وغير واحد معناه لا تتكبر على الناس وتميل خدك حال كلامك لهم وكلامهم لك على وجه التكبر عليهم والإزدراء لهم قال أهل اللغة وأصل الصعر داء يأخذه الإبل في اعناقها فتلتوي رؤسها فشبه به الرجل المتكبر الذي يميل وجهه إذا كلم الناس أو كلموه على وجه التعظم عليهم
قال أبو طالب في شعره
وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
وقال عمرو بن حيي التغلبي * وكنا إذا الجبار صعر خده
أقمنا له من ميله فتقوما
وقوله ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ينهاه عن التبختر في المشية على وجه العظمة والفخر على الناس كما قال تعالى ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا يعني لست بسرعة مشيك تقطع البلاد في مشيتك هذه ولست بدقك الأرض برجلك تخرق الأرض بوطئك عليها ولست بتشامخك وتعاظمك وترفعك تبلغ الجبال طولا فاتئد على نفسك فلست تعدو قدرك وقد ثبت في الحديث بينما رجل يمشي في برديه يتبختر فيهما إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلل فيها إلى يوم القيامة وفي الحديث الآخر إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة لا يحبها الله كما قال في هذه الآية إن الله لا يحب كل مختال فخور ولما نهاه عن الاختيال في المشي أمره بالقصد فيه فإنه لا بد له أن يمشي فنهاه عن الشر وأمره بالخير فقال واقصد في مشيك أي لا تبتاطأ مفرطا ولا تسرع اسراعا مفرطا ولكن بين ذلك قواما كما قال تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ثم قال واغضض من صوتك يعني إذا تكلمت لا تتكلف رفع صوتك فإن أرفع الأصوات وأنكرها صوت الحمير وقد ثبت في الصحيحين الأمر بالإستعاذة عند سماع صوت الحمير بالليل فإنها رأت شيطانا ولهذا نهى عن رفع الصوت حيث لا حاجة إليه ولا سيما عند العطاس فيستحب خفض الصوت وتخمير الوجه كما ثبت به الحديث من صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما رفع الصوت بالأذان وعند الدعاء إلى الفئة للقتال وعند الإهلاك ونحو ذلك فذلك مشروع فهذا مما قصه الله تعالى عن لقمان عليه السلام في القرآن من الحكم والوصايا النافعة الجامعة للخهر المانعة من الشر وقد وردت آثار كثيرة في أخباره ومواعظه وقد كان له كتاب يؤثر عنه يسمى بحكمة لقمان ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله تعالى
قال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق انبأنا ابن المبارك أنبأنا سفيان أخبرني نهيك بن يجمع الضبي
عن قزعة عن ابن عمر قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لقمان الحكيم كان يقول إن الله إذا استودع شيئا حفظه وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن موسى ابن سليمان عن القاسم بن مخيمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني إياك والتقنع فإنه مخونة بالليل مذمة بالنهار وقال ايضا حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عمارة حدثنا ضمرة حدثنا السري بن يحيى قال لقمان لابنه يا بني إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك وحدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبدالرحمن المسعودي عن عون بن عبدالله قال قال لقمان لابنه يا بني إذا أتيت نادي قوم فادمهم بسهم الإسلام يعني السلام ثم اجلس بناحيتهم فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم وإن أفاضوا في غير ذلك فحول عنهم إلى غيرهم وحدثنا أبي حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا ضمرة عن حفص بن عمر قال وضع لقمان جرابا من خردل إلى جانبه وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة حتى نفد الخردل فقال يا بني لقد وعظتك موعظة لو وعظها جبل تفطر قال فتفطر ابنه وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي حدثنا أحمد بن عبدالرحمن الحراني حدثنا عثمان بن عبدالرحمن الطرائفي عن ابن سفيان المقدسي عن خليفة بن سلام عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذوا السودان فإن ثلاثة منهم من أهل الجنة لقمان الحكيم والنجاشي وبلال المؤذن قال الطبراني يعني الحبشي وهذا حديث غريب منكر وقد ذكر له الإمام أحمد في كتاب الزاهد ترجمة ذكر فيها فوائد مهمة جمة فقال حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن رجل عن مجاهد ولقد آتينا لقمان الحكمة قال الفقه والإصابة في غير نبوة وكذا روى عن وهب بن منبه وحدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أشعث عن عكرمة عن ابن عباس قال كان لقمان عبدا حبشيا وحدثنا أسود حدثنا حماد عن علي بن يزيد عن سعيد بن المسيب أن لقمان كان خياطا وحدثنا سياد حدثنا جعفر حدثنا مالك يعني بن دينار قال قال لقمان لابنه يا بني انخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة وحدثنا يزيد حدثنا أبو الأشهب عن محمد بن واسع قال كان لقمان يقول لابنه يا بني اتق الله ولا ترى الناس أنك تخشى الله ليكرموك بذلك وقلبك فاجر وحدثنا يزيد بن هرون ووكيع قالا حدثنا أبو الأشهب عن خالد الربعي قال كان لقمان عبدا حبشيا نجارا فقال له سيده اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال ائتني بأطيب مضغتين فيها فأتاه باللسان والقلب فقال أما كان فيها شيء أطيب من هذين قال لا قال فسكت عنه ما سكت ثم قال له اذبح لي شاة فذبح له شاة فقال له وألق أخبثها مضغتين فرمى باللسان والقلب فقال أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب فقال له إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا وحدثنا داود بن رشيد حدثنا ابن المبارك حدثنا معمر عن ابي عثمان رجل من أهل البصرة يقال له الجعد أبو عثمان قال قال لقمان لابنه لا ترغب في ود الجاهل
فيرى أنك ترضى عمله ولا تهاون بمقت الحكيم فيزهده فيك وحدثنا داود بن أسيد حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم ابن زرعة عن شريح بن عبيد الحضرمي عن عبدالله بن زيد قال قال لقمان ألا أن يد الله على أفواه الحكماء لا يتكلم أحدهم إلا ما هيأ الله له وحدثنا عبد الرزاق سمعت بن جريج قال كنت أقنع رأسي بالليل فقال لي عمر اما علمت أن لقمان قال القناع بالنهار مذلة معذرة أو قال معجزة بالليل فلم تقنع رأسك بالليل قال قلت له إن لقمان لم يكن عليه دين وحدثني حسن بن الجنيد حدثنا سفيان قال لقمان لابنه يا بني ما ندمت على السكوت قط وإن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب وحدثنا عبد الصمد ووكيع قالا حدثنا حدثنا أبو الأشهب عن قتادة أن لقمان قال لابنه يا بني اعتزل الشر يعتزلك فإن الشر للشر خلق وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال مكتوب في الحكمة يا بني إياك والرغب فإن الرغب كل الرغب يبعد القريب من القريب ويزيل الحكم كما يزيل الطرب يا بني إياك وشدة الغضب فإن شدة الغضب ممحقة لفؤاد الحكيم قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة عن عبيد بن عمير قال قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني اختر المجالس على عينك فإذا رأيت المجلس يذكر فيه الله عز وجل فاجلس معهم فإنك إن تك عالما ينفعك علمك وإن تك غبيا يعلموك وإن يطلع الله عليهم برحمة تصيبك معهم يا بني لا تجلس في المجلس الذي لا يذكر الله فيه فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك وإن تك غبيا يزيدوك غبيا وإن يطلع الله إليهم بعد ذلك بسخط يصيبك معهم يا بني لا تغبطوا أمراء رحب الذراعين يسفك دماء المؤمنين فإن له عند الله قاتلا لا يموت
وحدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال مكتوب في الحكمة بني لتكن كلمتك طيبة وليكن وجهك بسطا تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء وقال مكتوب في الحكمة أو في التوراة الرفق رأس الحكمة وقال مكتوب في التوراة كما ترحمون ترحمون وقال مكتوب في الحكمة كما تزرعون تحصدون وقال مكتوب في الحكمة أحب خليلك وخليل أبيك وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال قيل للقمان أي الناس أصبر قال صبر لا يتبعه أذى قيل فأي الناس أعلم قال من ازداد من علم الناس إلى علمه قيل فأي الناس خير قال الغنى قيل الغنى من المال قال لا ولكن الغني الذي إذا التمس عنده خير وجد وإلا أغنى نفسه عن الناس
وحدثنا سفيان هو ابن عيينة قال قيل للقمان أي الناس شر قال الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا وحدثنا أبو الصمد عن مالك بن دينار قال وجدت في بعض الحكمة يبدد الله عظام الذين يتكلمون بأهواء الناس ووجدت فيها لا خير لك في أن تعلم ما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت فإن مثل ذلك مثل رجل احتطب حطبا فحزم حزمة ثم ذهب يحملها فعجز عنها فضم إليه أخرى وقال عبدالله بن أحمد حدثنا الحكم بن أبي زهير وهو الحكم بن موسى حدثنا الفرج بن فضالة عن أبي سعيد قال قال لقمان لابنه
يا بني لا يأكل طعامك إلا الأتقياء وشاور في أمرك العلماء وهذا مجموع ما ذكره الإمام أحمد في هذه المواضع وقد قدمنا من الآثار كثيرا لم يروها كما أنه ذكر أشياء ليست عندنا والله أعلم
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا العباس بن الوليد حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة قال خير الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة على النبوة قال فأتاه جبريل وهو نائم فدر عليه الحكمة قال فأصبح ينطق بها قال سعد سمعت قتادة يقول قيل للقمان كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك فقال إنه لو أرسل إلى بالنبوة عزمة لرجوت فيه الفوز منه ولكنت أرجو أن أقوم بها ولكن خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة فكانت الحكمة أحب إلي وهذا فيه نظر لأن سعيد بن بشير عن قتادة قد تكلموا فيه والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله ولقد آتينا لقمان الحكمة قال يعني الفقه والإسلام ولم يكن نبيا ولم يوح إليه وهكذا نص على هذا غير واحد من السلف منهم مجاهد وسعيد بن المسيب وابن عباس والله أعلم
*2* قصة أصحاب الأخدود
@ قال الله تعالى والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق قد تكلمنا على ذلك مستقصى في تفسير هذه السورة ولله الحمد وقد زعم محمد بن إسحاق أنهم كانوا بعد مبعث المسيح وخالفه غيره فزعموا أنهم كانوا قبله وقد ذكر غير واحد أن هذا الصنيع مكرر في العالم مرارا في حق المؤمنين من الجبارين الكافرين ولكن هؤلاء المذكورون في القرآن قد ورد فيهم حديث مرفوع وأثر أورده ابن اسحاق وهما متعارضان وها نحن نوردهما لتقف عليهما قال الإمام أحمد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت سني وحضر اجلي فادفع إلي غلاما فلأعلمه السحر فدفع إليه غلاما فكان يعلمه السحر وكان بين الملك وبين الساحر راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حبسك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر قال فبينا هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الساحر أحب إلى الله أم أمر الراهب قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب
أحب إليك وأرضي من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ورماها فقتلها ومضى فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرىء الاكمه والابرص وسائر الأدواء ويشفيهم الله على يديه وكان جليس للملك فعمى فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما ههنا اجمع فقال ما أنا اشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت به ودعوت الله شفاك فآمن فدعا الله فشفاه ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك فقال ربي قال أنا قال لا ربي وربك الله قال ولك رب غيري قال نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فأتى به فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرىء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء قال ما أشفي أنا أحدا إنما يشفي الله عز وجل قال أنا قال لا قال أولك رب غيري قال ربي وربك الله قال فأخذه أيضا بالعذاب ولم يزل به حتى دل على الراهب فأتى الراهب فقال ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به فلما علوا الجبل قال اللهم أكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله فبعث به مع نفر في قرقة فقال إذا لججتم البحر فإن رجع عن دينه وإلا فاغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك فقال كفانيهم الله ثم قال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال وما هو قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبن على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني ففعل ووضع السهم في كبد القوس ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يد ه على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام آمنا برب الغلام فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها وقال فكانوا يتعادون فيها ويتواقعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي اصبري يا أماه فإنك على الحق كذا رواه الإمام أحمد ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن سلمة زاد النسائي وحماد بن زيد كلاهما عن ثابت به ورواه الترمذي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ثابت بإسناده نحوه وجرد إيراده كما بسطنا ذلك في التفسير
وقد أورد محمد بن اسحاق هذه القصة على وجه آخر فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن اهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في
قرية من قراها قريبا من نجران ونجران هي القرية العظمى التي اليها جماع أهل تلك البلاد ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها قيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه قالوا رجل نزلها فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث التامر ابنه عبدالله بن التامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس اليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتمه إياه وقال له يا ابن أخي انك لن تحمله أخشى ضعفك عنه والتامر لا يظن الا أن ابنه عبدالله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى قداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه الا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد نارا ثم جعل يقذفها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم تضره شيئا فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتمه فقال وما هو قال كذا وكذا قال وكيف علمته فأخبره بما صنع قال أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبدالله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر الا قال يا عبدالله أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك عما أنت فيه من البلاء ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يلقى فيها شيء الا هلك فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبدالله بن التامر والله لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به فإنك ان فعلت سلطت علي فقتلتني قال فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبدالله بن التامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى بن مريم من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحزاب فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران قال ابن اسحاق فهذا حديث محمد بن كعب وبعض أهل نجران عن عبدالله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان قال فسار اليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخدوا الأخدود وحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم فقتل منهم قريبا من عشرين ألفا ففي ذي نواس وجنده أنزل الله على رسوله قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود الآيات وهذا يقتضي أن هذه القصة غير ما وقع في سياق مسلم وقد زعم بعضهم أن الأخدود وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أنبأنا صفوان عن عبدالرحمن بن جبير قال كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينة زمان قسطنطين حين صرف النصارى
قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد واتخذ أتونا وألقى فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق في أرض بابل في زمان بخت نصر حين صنع الصنم وأمر الناس فسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا ومشايل فأوقد لهم أتونا وألقى فيها الحطب والنار ثم القاهما فيه فجعلها الله عليهم بردا وسلاما وأنقذهم منها وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار وقال أسباط عن السدي في قوله قتل أصحاب الأخدود قال كان الأخدود ثلاثة خد بالشام وخد بالعراق وخد باليمن رواه ابن أبي حاتم وقد استقصيت ذكر أصحاب الأخدود والكلام على تفسيرها في سورة البروج ولله الحمد والمنة
*2* بيان الاذن في الرواية عن اخبار بني إسرائيل
@ قال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا همام حدثنا زيد عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال حدثوا عني ولا تكذبوا علي ومن كذب علي متعمدا فليتبؤ مقعده من النار وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج وقال أيضا حدثنا عفان حدثنا همام أنبأنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه وقال حدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج حدثوا عني ولا تكذبوا علي قال ومن كذب علي قال همام احسبه قال متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وهكذا رواه مسلم والنسائي من حديث همام ورواه أبو عوانة الاسفراييني عن أبي داود السجستاني عن هدبة عن همام عن زيد بن أسلم به ثم قال قال أبو داود أخطأ فيه همام وهو من قول أبي سعيد كذا قال وقد رواه الترمذي عن سفيان عن وكيع عن سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم ببعضه مرفوعا فالله أعلم قال الإمام أحمد حدثنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية حدثني أبو كبشة السلولي أن عبدالله بن عمرو بن العاص حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني يقول بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ورواه أحمد أيضا عن عبدالله بن نمير وعبدالرزاق كلاهما عن الأوزاعي به وهكذا رواه البخاري عن أبي عاصم النبيل عن الأوزاعي به وكذا رواه الترمذي عن بندار عن أبي عاصم ثم رواه عن محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن يوسف العرياني عن عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حسان بن عطية وقال حسن صحيح وقال أبو بكر البزار حدثنا محمد بن المثنى أبو موسى حدثنا هشام بن معاوية حدثنا أبي عن قتادة عن أبي حسان عن عبدالله بن عمرو قال كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا عامة ليلة عن بني اسرائيل حتى نصبح ما نقوم فيها إلا لمعظم صلاة ورواه أبو داود عن محمد بن مثنى ثم قال البزار حدثنا محمد بن مثنى حدثنا عفان حدثنا أبو هلال عن قتادة عن أبي حسان عن عمران بن حسين قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا
عامة ليلة عن بني اسرائيل لا يقوم الا لمعظم صلات قال البزار وهشام احفظ من أبي هلال يعني أن الصواب عن عبدالله بن عمرو لا عن عمران بن حصين والله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى هو القطان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج اسناد صحيح ولم يخرجوه وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا وكيع حدثنا ربيع بن سعد الجعفي عن عبدالرحمن بن سابط عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوا عن بني اسرائيل فإنه قد كان فيهم الأعاجيب ثم أنشأ يحدث صلى الله عليه وسلم قال خرجت طائفة من بني إسرائيل حتى أتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله عز وجل فيخرج لنا رجلا قد مات نسائله يحدثنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر من تلك القبور بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلي فقد مت منذ مائة عام فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت وهذا حديث غريب اذا تقرر جواز الرواية عنهم فهو محمول على ما يمكن أن يكون صحيحا فاما ما يعلم أو يظن بطلانه لمخالفته الحق الذي بأيدينا عن المعصوم فذاك متروك مردود لا يعرج عليه ثم مع هذا كله لا يلزم من جواز روايته أن تعتقد صحته لما رواه البخاري قائلا حدثنا محمد بن يسار حدثنا عثمان بن عمر حدثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل اليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون تفرد به البخاري من هذا الوجه
وروى الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي نملة الأنصاري عن أبيه أنه كان جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إذا جاء رجل من اليهود فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أعلم فقال اليهودي أنا أشهد أنها تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقا لم تكذبوهم وإن كان باطلا لم تصدقوهم تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبدالله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم قال فغضب وقال امتهوكون فيها يا ابن الخطاب والذي نفسي به لقد جئتكم به بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به والذي نفسي به لو أن موسى كان حيا ما وسعه الا أن يتبعني تفرد به أحمد واسناده على شرط مسلم فهذه الأحاديث دليل على أنهم قد بدلوا ما بأيديهم من الكتب السماوية وحرفوها واولوها ووضعوها على غير مواضعها ولا سيما ما يبدونه من المعربات التي لم يحيطوا بها علما وهي بلغتهم فكيف يعبرون عنها بغيرها ولأجل هذا وقع في تعريبهم خطأ كبير ووهم كثير مع ما لهم من المقاصد الفاسدة والآراء الباردة وهذا يتحققه من نظر في
كتبهم التي بأيديهم وتأمل ما فيها من سوء التعبير وقبيح التبديل والتغيير وبالله المستعان وهو نعم المولى ونعم النصير وهذه التوراة التي يبدونها ويخفون منها كثيرا فيما ذكروه فيها تحريف وتبديل وتغيير وسوء تعبير يعلم من نظر فيها وتأمل ما قالوه وما أبدوه وما أخفوه وكيف يسوغون عبارة فاسدة البناء والتركيب باطلة من حيث معناها وألفاظها وهذا كعب الأحبار من أجود من ينقل عنهم وقد أسلم في زمن عمر وكان ينقل شيئا عن أهل الكتاب فكان عمر رضي الله عنه يستحسن بعض ما ينقله لما يصدقه من الحق وتأليفا لقلبه فتوسع كثير من الناس في أخذ ما عنده وبالغ أيضا هو في نقل تلك الأشياء التي كثير منها ما يساوي مداده ومنها ما هو باطل لا محالة ومنها ما هو صحيح لما يشهد له الحق الذي بأيدينا وقد قال البخاري وقال أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة وذكر كعب الأحبار فقال ان كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وان كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب يعني من غير قصد منه وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس أنه قال كيف يسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسوله أحدث الكتب بالله تقرأونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا الا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألته لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم وروى ابن جرير عن عبدالله بن مسعود أنه قال لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل والله أعلم
*2* قصة جريج أحد عباد بني اسرائيل
@ قال الإمام أحمد حدثنا وهب بن جرير حدثني أبي سمعت محمد بن سيرين يحدث عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتكلم في المهد الا ثلاثة عيسى بن مريم قال وكان في بني اسرائيل رجل عابد يقال له جريج فابتنى صومعة وتعبد فيها قال فذكر بنو اسرائيل عبادة جريج فقالت بغى منهم لئن شئتم لافتننه فقالوا قد شئنا ذاك قال فاتته فتعرضت له فلم يلتفت إليها فأمكنت نفسها من راع كان يؤوى غنمه إلى أصل صومعة جريج فحملت فولدت غلاما فقالوا ممن قالت من جريج فأتوه فاستنزلوه فشتموه وضربوه وهدموا صومعته فقال ما شأنكم قالوا انك زنيت بهذه البغي فولدت غلاما فقال وأين هو قالوا هو هذا قال فقام فصلى ودعا ثم انصرف إلى الغلام فطعنه باصبعه فقال بالله يا غلام من أبوك فقال أنا ابن الراعي فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه وقالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا حاجة لي في ذلك ابنوها من طين كما كانت قال وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه اذ مر بها راكب ذو شارة فقالت
اللهم اجعل ابني مثل هذا قال فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال اللهم لا تجعلني مثله قال ثم عاد إلى ثديها فمصه قال أبو هريرة فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي صنيع الصبي ووضع اصبعه في فيه يمصها ثم مرت بأمة تضرب فقالت اللهم لا تجعل ابني مثلها قال فترك ثديها وأقبل على الأمة فقال اللهم اجعلني مثلها قال فذاك حين تراجعا الحديث فقالت خلفي مر الراكب ذو الشارة فقلت اللهم اجعل ابني مثله فقلت اللهم لا تجعلني مثله ومررت بهذه الأمة فقلت اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلت اللهم اجعلني مثلها فقال يا أمتاه ان الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة وان هذه الأمة يقولون زنت ولم تزن وسرقت ولم تسرق وهي تقول حسبي الله وهكذا رواه البخاري في أحاديث الأنبياء وفي المظالم عن مسلم بن ابراهيم ومسلم في كتاب الأدب عن زهير بن حرب عن يزيد بن هرون كلاهما عن جرير بن حازم به طريق أخرى وسياق آخر

يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:16 AM
قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان جريج يتعبد في صومعته قال فأتته أمه فقالت يا جريج أنا أمك وكلمني قال وكان أبو هريرة يصف كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على حاجبه الأيمن قال وصادفته يصلي قال يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فرجعت ثم أتته فصادفته يصلي فقالت يا جريج أنا أمك فكلمني فقال يا رب أمي وصلاتي فاختار صلاته فقالت اللهم هذا جريج وانه ابني واني كلمته فأبى أن يكلمني اللهم فلا تمته حتى تريه المومسات ولو دعت عليه أن يفتتن لافتتن قال وكان راع يأوي إلى ديره فخرجت امرأة فوقع عليها الراعي فولدت غلاما فقيل ممن هذا فقالت هو من صاحب الدير فأقبلوا بفؤسهم ومساحيهم وأقبلوا إلى الدير فنادوه فلم يكلمهم فأقبلوا يهدمون ديره فنزل اليهم فقالوا سل هذه المرأة قال أراه تبسم قال ثم مسح رأس الصبي فقال من أبوك قال راعي الضأن قالوا يا جريج نبني ما هدمنا من ديرك بالذهب والفضة قال لا ولكن أعيدوه كما كان ففعلوا ورواه مسلم في الاستيذان عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة به
سياق آخر قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أنبأنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان في بني اسرائيل رجل يقال له جريج كان يتعبد في صومعته فأتته أمه ذات يوم فنادته فقالت أي جريج أي بني أشرف على أكلمك أنا أمك اشرف علي فقال أي ربي صلاتي وأمي فأقبل على صلاته ثم عادت فنادته مرارا فقالت أي جريج أي بني أشرف علي فقال أي رب صلاتي وأمي فأقبل على صلاته فقالت اللهم لا تمته حتى تريه المومسة وكانت راعية ترعى غنما لأهلها ثم تأوي إلى ظل صومعته فأصابت فاشحة فحملت فأخذت وكان من زنى منهم قتل فقالوا ممن قالت من جريج صاحب الصومعة فجاؤوا بالفؤس والمرور فقالوا أي جريج أي مرائي أنزل فأبى وأقبل على صلاته يصلي فأخذوا في هدم صومعته
فلما رأى ذلك نزل فجعلوا في عنقه وعنقها حبلا فجعلوا يطوفون بهما في الناس فوضع أصبعه على بطنها فقال أي غلام من أبوك فقال أبي فلان راعي الضأن فقبلوه وقالوا إن شئت بنينا لك صومعتك من ذهب وفضة قال أعيدوها كما كانت وهذا سياق غريب واسناده على شرط مسلم ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه
فهؤلاء ثلاثة تكلموا في المهد عيسى بن مريم عليه السلام وقد تقدم الكلام على قصته وصاحب جريج بن البغي من الراعي كما سمعت واسمه يابوس كما ورد مصرحا به في صحيح البخاري والثالث ابن المرأة التي كانت ترضعه فتمنت له أن يكون كصاحب الشارة الحسنة فتمنى أن يكون كتلك الأمة المتهومة بما هي بريئة منه وهي تقول حسبي الله ونعم الوكيل كما تقدم في رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا وقد رواه الإمام أحمد عن هوذة عن عوف الأعرابي عن خلاس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بقصة هذا الغلام الرضيع وهو اسناد حسن
وقال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن عبدالرحمن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب وهي ترضعه فقالت اللهم لا تمت ابني حتى يكون مثل هذا فقال اللهم لا تجعلني مثله ثم رجع في الثدي ومر بامرأة تجر ويلعب بها فقالت اللهم لا تجعل ابني مثل هذه فقال اللهم اجعلني مثلها فقال أما الراكب فإنه كافر وأما المرأة فإنهم يقولون إنها تزني وتقول حسبي الله ويقولون تسرق وتقول حسبي الله وقد رود في من تكلم في المهد أيضا شاهد يوسف كما تقدم وابن ماشطة آل فرعون والله أعلم
*2* قصة برصيصا
@ وهي عكس قضية جريج فإن جريجا عصم وذلك فتن قال ابن جرير حدثني يحيى بن ابراهيم المسعودي أنبأنا أبي عن أبيه عن جده عن الأعمش عن عمارة عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبدالله بن مسعود في هذه الآية كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريىء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين قال ابن مسعود وكانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أخوة أربعة وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال فنزل الراهب ففجر بها فحملت فأتاه الشيطان فقال له اقتلها ثم ادفنها فإنك رجل تصدق ويسمع قولك فقتلها ثم دفنها قال فأتى الشيطان اخوتها في المنام فقال لهم ان الراهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكذا فلما أصبحوا قال رجل منهم والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك قالوا لا بل قصها علينا قال فقصها فقال الآخر وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر وأنا والله لقد رأيت
ذلك قالوا فوالله ما هذا إلا لشي فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب فأتوه فأنزلوه ثم انطلقوا به فأتاه الشيطان فقال إني أنا أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وانجيك مما أوقعتك فيه قال فسجد له فلما أتوا به ملكهم تبرأ منه وأخذ فقتل وهكذا روى عن ابن عباس وطاوس ومقاتل بن حيان نحو ذلك
وقد روى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسياق آخر فقال ابن جرير حدثنا خلاد بن أسلم حدثنا النضر بن شميل أنبأنا شعبة عن أبي اسحاق سمعت عبدالله بن نهيك سمعت عليا يقول ان راهبا تعبد ستين سنة وان الشيطان أراده فأعياه فعمد الى امرأة فأجنها ولها اخوة فقال لإخوتها عليكم بهذا القس فيداويها قال فجاؤوا بها إليه فداواها وكانت عنده فبينما هو يوما عندها إذ اعجبته فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها فقال الشيطان للراهب انا صاحبك انك أعييتني أنا صنعت هذا بك فاطعني أنجك مما صنعت بك اسجد لي سجدة فسجد له قال اني برىء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني برىء منك اني أخاف الله رب العالمين
*2* قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبق عليهم
@ فتوسلوا إلى الله تعالى بصالح أعمالهم ففرج عنهم قال الإمام البخاري حدثنا اسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذا أصابهم مطر فآووا إلى غار فانطبق عليهم فقال بعضهم لبعض انه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق فليدع كل رجل منكم بما يعلم انه قد صدق فيه فقال واحدا منهم اللهم ان كنت تعلم أنه كان لي أجير عمل لي على فرق من أزر فذهب وتركه واني عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره اني اشتريت منه بقرا وانه أتاني يطلب أجره فقلت اعمد إلى تلك البقر فسقها فقال لي إنما لي عندك فرق من أرز فقلت له اعمد إلى تلك البقر فإنها من ذلك الفرق فساقها فإن كنت تعلم اني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت آتيهما كل ليلة بلبن غنم لي فأبطأت عنهما ليلة فجئت وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنا لشربتهما فلم أزل أنتظر حتى طلع الفجر فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا فانساخت عنهم الصخرة حتى نظروا إلى السماء فقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي وإني راودتها عن نفسها فأبت الا أن آتيها بمائة دينار فطلبتها حتى قدرت فاتيتها بها فدفعتها اليها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت اتق الله ولا تفض الخاتم الا بحقه فقمت وتركت المائة دينار فإن كنت
تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا ففرج الله عنهم فخرجوا رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وقد رواه الإمام أحمد منفردا به عن مروان بن معاوية عن عمرو بن حمزة بن عبدالله بن عمر عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ورواه الإمام أحمد من حديث وهب بن منبه عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا السياق وفيه زيادات ورواه البزار من طريق أبي اسحاق عن رجل من بجيلة عن النعمان بن بشير مرفوعا مثله ورواه البزار في مسنده من حديث أبي حنش عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
*2* خبر الثلاثة الأعمى والأبرص والأقرع
@ روى البخاري ومسلم من غير وجه عن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة حدثني عبدالرحمن بن أبي عمرة أن أبا هريرة حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان ثلاثة في بني اسرائيل أبرص وأعمى وأقرع بدا لله أن يبتليهم فبعث الله اليهم ملكا فأتى الأبرص فقال له أي شيء أحب إليك فقال لون حسن وجلد حسن قد قذرني الناس قال فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا فقال أي المال أحب إليك قال الإبل أو قال البقر هو شك في ذلك أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل وقال الآخر البقر فأعطي ناقة عشراء فقال يبارك لك فيها قال وأتى الأقرع فقال له أي المال أحب إليك قال شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس فمسحه فذهب وأعطي شعرا حسنا قال فأي المال أحب إليك قال قال البقر فأعطاه بقرة حاملا وقال يبارك لك فيها قال وأتي الأعمى فقال أي شيء أحب إليك قال يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطاه شاة والدا فأنتج هذان وولد هذا فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال رجل مسكين تقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا اتبلغ عليه في سفري فقال له أن الحقوق كثيرة فقال له كأني أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله عز وجل فقال لقد ورثت لكابر عن كابر فقال إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال ان كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت وأتى الأعمى في صورته فقال رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم الا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري فقال قد كنت أعمى فرد الله إلى بصري وفقيرا فقد أغناني فخذ ما شئت فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله عز وجل فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك هذا لفظ البخاري في أحاديث بني إسرائيل
*2* حديث الذي استلف من صاحبه ألف دينار فأداها
@ قال الإمام أحمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا ليث عن جعفر بن ربيعة عن عبدالرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال ائتني بشهداء أشهدهم قال كفى بالله شهيدا قال ائتني بكفيل قال كفى بالله كفيلا قال صدقت فدفعها إليه إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها وأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج موضعها ثم أتى بها البحر ثم قال اللهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت كفى بالله كفيلا فرضي بذلك وسألني شهيدا فقلت كفى بالله شهيدا فرضي بذلك وإني قد جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبا وإني أستودعتكها فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبا إلى بلده فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا يجيئه بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبا فلما كسرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار وقال والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه قال هل كنت بعثت إلي بشيء قال ألم أخبرك أني لم أجد مركبا قبل هذا الذي جئت فيه قال فإن الله أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة فانصرف بالفك راشدا هكذا رواه الإمام أحمد مسندا وقد علقه البخاري في غير موضع من صحيحه بصيغة الجزم عن الليث بن سعد وأسنده في بعضها عن عبدالله بن صالح كاتب الليث عنه والعجب من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده عن الحسن بن مدرك عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن عمر بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ثم قال لا يروى الا من هذا الوجه بهذا الإسناد
قال الله تعالى كذلك نبلوهم أي نختبرهم بكثرة الحيتان في يوم السبت بما كانوا يفسقون أي بسبب فسقهم المتقدم فلما رأوا ذلك احتالوا على اصطيادها في يوم السبت بأن نصبوا الحبال والشباك والشصوص وحفروا الحفر التي يجري معها الماء إلى مصانع قد أعدوها إذا دخلها السمك لا يستطيع أن يخرج منها ففعلوا ذلك في يوم الجمعة فإذا جاءت الحيتان مسترسلة يوم السبت علقت بهذه المصايد فإذا خرج سبتهم أخذوها فغضب الله عليهم ولعنهم لما احتالوا على خلاف أمره وانتهكوا محارمه بالحيل التي هي ظاهرة للناظر وهي في الباطن مخالفة محضة فلما فعل ذلك طائفة منهم افترق الذين لم يفعلوا فرقتين فرقة أنكروا عليهم صنيعهم هذا واحتيالهم على مخالفة الله وشرعه في ذلك الزمان وفرقة أخرى لم يفعلوا ولم ينهوا بل أنكروا على الذين نهوا وقالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا يقولون ما الفائدة في نهيكم هؤلاء وقد استحقوا العقوبة لا محالة فأجابتهم الطائفة المنكرة بأن قالوا معذرة إلى ربكم أي فيما أمرنا به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنقوم به خوفا من عذابه ولعلهم يتقون أي ولعل هؤلاء يتركون ما هم عليه من هذا الصنيع فيقيهم الله عذابه ويعفو عنهم إذا هم رجعوا واستمعوا قال الله تعالى فلما نسوا ما ذكروا به أي لم يلتفتوا إلى من نهاهم عن هذا الصنيع الشنيع الفظيع انجينا الذين ينهون عن السوء وهم الفرقة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر وأخذنا الذين ظلموا وهم المرتكبون الفاحشة بعذاب بئيس وهو الشديد المؤلم الموجع بما كانوا يفسقون ثم فسر العذاب الذي أصابهم بقوله فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وسنذكر ما ورد من الآيات في ذلك
*2* قصة أخرى شبيهة بهذه القصة في الصدق والأمانة
@ قال البخاري حدثنا اسحاق بن نصر أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى رجل من رجل عقارا له فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب فقال له الذي اشترى العقار خذ ذهبك مني انما اشتريت منك الأرض ولم أبتع منك الذهب وقال الذي له الأرض إنما بعتك الأرض وما فيها فتحاكما إلى رجل فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد قال أحدهما لي غلام وقال الآخر لي جارية قال انكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا هكذا روى البخاري هذا الحديث في إخبار بني إسرائيل وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبدالرزاق به وقد
روى أن هذه القصة وقعت في زمن ذي القرنين وقد كان قبل بني إسرائيل بدهور متطاولة والله أعلم
قال اسحاق بن بشر في كتابه المبتدأ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن أن ذا القرنين كان يتفقد أمور ملوكه وعماله بنفسه وكان لا يطلع على أحد منهم خيانة الا أنكر ذلك عليه وكان لا يقبل ذلك حتى يطلع هو بنفسه قال فبينما هو يسير متنكرا في بعض المدائن فجلس إلى قاض من قضاتهم اياما لا يختلف اليه أحد في خصومة فلما أن طال ذلك بذي القرنين ولم يطلع على شيء من أمر ذلك القاضي وهم بالانصراف إذا هو برجلين قد اختصما إليه فادعى أحدهما فقال أيها القاضي إني اشتريت من هذا دارا عمرتها ووجدت فيها كنزا وإني دعوته إلى أخذه فأبى علي فقال له القاضي ما تقول قال ما دفنت وما علمت به فليس هو لي ولا أقبضه منه قال المدعى أيها القاضي مر من يقبضه فتضعه حيث أحببت فقال القاضي تفر من الشر وتدخلني فيه ما أنصفتني وما أظن هذا في قضاء الملك فقال القاضي هل لكما أمرا نصف مما دعوتماني إليه قالا نعم قال للمدعي ألك ابن قال نعم وقال للآخر ألك ابنة قال نعم قال اذهبا فزوج ابنتك من ابن هذا وجهزهما من هذا المال وادفعا فضل ما بقي اليهما يعيشان به فتكونا مليا بخيره وشره فعجب ذو القرنين حين سمع ذلك ثم قال للقاضي ما ظننت أن في الأرض أحدا يفعل مثل هذا أو قاض يقضي بمثل هذا فقال القاضي وهو لا يعرفه وهل أحد يفعل غير هذا قال ذو القرنين نعم قال القاضي فهل يمطرون في بلادهم فعجب ذو القرنين من ذلك وقال بمثل هذا قامت السموات والأرض
*2* قصة أخرى
@ قال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين انسانا ثم خرج يسأل فأتى راهبا فسأله فقال هل من توبة قال لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء يصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه ان تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي وقال قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له هكذا رواه ههنا مختصرا وقد رواه مسلم عن بندار به ومن حديث شعبة ومن وجه آخر عن قتادة به مطولا
*2* حديث آخر
@ قال البخاري حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم ثلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث فقال الناس سبحان الله بقرة تكلم فقال فانى أو من بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة فطلب
حتى كأنه استنقذها منه فقال له الذئب هذا استنقذتها مني فمن لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري فقال الناس سبحان الله ذئب يتكلم قال فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم قال وحدثنا علي قال حدثنا سفيان عن مسعر عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وقد أسنده البخاري في المزارعة عن علي بن المديني ومسلم عن محمد بن عباد كلاهما عن سفيان بن عيينة وأخرجاه من طريق شعبة كلاهما عن مسعر به وقال الترمذي حسن صحيح وأخرج مسلم الطريق الأول من حديث سفيان بن عيينة وسفيان الثوري كلاهما عن ابي الزناد
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم عن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه كان فيما مضى قبلكم من الامم محدثون وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب لم يخرجه مسلم من هذا الوجه وقد روى عن إبراهيم بن سعد عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبدالله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبدالرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عام حج على المنبر فتناول قصة من شعر كانت في يدي حرسي فقال يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم وهكذا رواه مسلم وأبو داود من حديث مالك وكذا رواه معمر ويونس وسفيان بن عيينة عن الزهري بنحوه وقال الترمذي حديث صحيح وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عمرو بن مرة قال سمعت سعيد بن المسيب قال قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة آخر قدمة قدمها فخطبنا فأخرج من كمه كبة شعر وقال ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور يعني الوصال في الشعر تابعه غندر عن شعبة والعجب أن مسلما رواه من غير وجه عن غندر عن شعبة ومن حديث قتادة عن سعيد بن المسيب به
حديث آخر قال البخاري حدثنا سعيد بن تليد حدثنا ابن وهب قال أخبرني جرير بن حازم عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كلب يطيف بركيه كاد يقتله العطش إذ رأته بغى من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغفر لها به ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب به
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبدالله بن أسماء حدثنا جويرية عن نافع عن عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار فلا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض وكذا رواه مسلم عن عبدالله بن محمد بن أسماء به
حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا المستمر بن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة فصنعت رجلين من خشب فكانت تمشي بين امرأتين قصيرتين واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب والمسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفح ريحه رواه مسلم من حديث المستمر وخليد بن جعفر كلاهما عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا قريبا منه وقال الترمذي حديث صحيح
حديث آخر قال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة عن منصور سمعت ربعي بن حراش يحدث عن ابن مسعود قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت تفرد به البخاري دون مسلم وقد رواه بعضهم عن ربعي بن حراش عن حذيفة مرفوعا وموقوفا أيضا والله أعلم
حديث آخر قال الإمام أحمد حدثنا هاشم بن القسم حدثنا عبد الحميد يعني بن بهرام حدثنا شهر بن حوشب قال قال أبو هريرة قال قال رسول الله بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء فجاء الرجل من سفره فدخل على امرأته جائعا قد أصابته سغبة شديدة فقال لامرأته عندك شيء قالت نعم أبشر أتاك رزق الله فاستحثها فقال ويحك ابتغي إن كان عندك شيء قالت نعم هنيئة نرجو رحمة الله حتى إذا طال عليه المطال قال ويحك قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به فإني قد بلغت الجهد وجهدت فقالت نعم الآن ينضج التنور فلا تعجل فلما أن سكت عنها ساعة وتحينت أيضا أن يقول لها قالت من عند نفسها لو قمت فنظرت إلى تنوري فقامت فوجدت تنورها ملآن من جنوب الغنم ورحاها تطحن فقامت إلى الرحى فنفضتها واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم قال أبو هريرة فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد صلى الله عليه وسلم لو أخذت ما في رحيبها ولم تنفضها لطحنت إلى يوم القيامة وقال أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن محمد عن أبي هريرة قال دخل رجل على اهله فلما رأى ملبهم من الحاجة خرج إلى البرية فلما رأت امرأته ما لقي قامت إلى الرحى فوضعتها وإلى التنور فسجرته ثم قالت اللهم ارزقنا فنظرت فإذا الجفنة قد امتلأت قال وذهبت إلى التنور فوجدته ممتلئا قال فرجع الزوج قال أصبتم بعد شيئا قالت امرأته نعم من ربنا فرفعتها إلى الرحى ثم قامت فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال أما إنه لو لم ترفعها لم تزل تدور إلى يوم القيامة قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول والله لان يأتي أحدكم بحزمة حطب ثم يحمله فيبيعه فيستعفف منه خير له من أن يأتي رجلا فيسأله
*2* قصة الملكين التائبين
@ قال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن سماك بن حرب عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود عن أبيه قال بينما رجل فيمن كان قبلكم كان في مملكته ففكر فعلم أن ذلك منقطع عنه
وأن ما هو فيه قد شغله عن عبادة ربه فانساب ذات ليلة من قصره وأصبح في مملكة غيره وأتى ساحل البحر فكان به يضرب اللبن بالآجر فيأكل ويتصدق بالفضل ولم يزل كذلك حتى رقى أمره إلى ملكهم فأرسل إليه فأبى أن يأتيه فركب إليه الملك فلما رآه ولى هاربا فركض في أثره فلم يدركه فناداه يا عبدالله إنه ليس عليك مني بأس فقام حتى أدركه فقال له من أنت رحمك الله فقال أنا فلان بن فلان صاحب مملكة كذا وكذا ففكرت في أمري فعلمت أنما أنا فيه منقطع وأنه قد شغلني عن عبادة ربي عز وجل فتركته وجئت ههنا أعبد ربي فقال له ما أنت بأحوج لما صنعت مني قال فنزل عن دابته فسيبها وتبعه فكانا جميعا يعبدان الله عز وجل فدعوا الله أن يميتهما جميعا فماتا قال عبدالله فلو كنت برملية مصر لأريتكم قبورهما بالنعت الذي نعت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
حديث آخر قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم إن رجلا كان قبلكم رغسه الله مالا فقال لبنيه لما حضر أي أب كنت لكم قالوا خير أب قال فإني لم أعمل خيرا قط فإذا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في يوم عاصف ففعلوا فجمعه الله عز وجل فقال ما حملك فقال مخافتك فتلقاه برحمته ورواه في مواضع أخر ومسلم من طرق عن قتادة به ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ومن حديث الزهري عن حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنا قال فلقي الله فتجاوز عنه وقد رواه في مواضع أخر ومسلم من طريق الزهري به
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثني مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه سمعه يسأل أسامة بن زيد ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون قال أسامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعون رجل أرسل على طائفة من بني إسرائيل وعلى من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه قال أبو النضر لا يخرجكم إلا فرارا منه ورواه مسلم من حديث مالك ومن طرق أخر عن عامر بن سعد به حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا داود بن أبي الفرات حدثنا عبدالله بن بريدة عن يحيى بن يعمر عن عائشة قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون أخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء من عباده وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد تفرد به البخاري عن مسلم من هذا الوجه
حديث آخر قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ومن يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال أتشفع في حد من حدود الله ثم قام فخطب ثم قال إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وأخرجه بقية الجماعة من طرق عن الليث بن سعد به
حديث آخر وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة سمعت النزال بن سبرة الهلالي عن ابن مسعود قال سمعت رجلا قرأ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فعرفت في وجهه الكراهية وقال كلاكما محسن ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا تفرد به البخاري دون مسلم
حديث آخر قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبدالله حدثنا إبراهيم عن صالح عن ابن شهاب قال قال أبو سلمة بن عبدالرحمن إن أبا هريرة قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم تفرد به دون مسلم وفي سنن أبي داود صلوا في نعالكم خالفوا اليهود
حديث آخر قال البخاري حدثنا علي بن عبدالله حدثنا سفيان عن عمرو عن طاووس عن ابن عباس سمعت عمر يقول قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها رواه مسلم من حديث ابن عيينة ومن حديث عمرو بن دينار به ثم قال البخاري تابعه جابر وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا الحديث طرق كثيرة وسيأتي في باب الحيل من كتاب الأحكام إن شاء الله وبه الثقة
حديث آخر قال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة حدثنا عبد الوارث حدثنا خالد عن أبي قلابة عن أنس بن مالك قال ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى فأمر بلال ان يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة وأخرجه بقية الجماعة من حديث أبي قلابة عبدالله بن زيد الجرمي به والمقصود من هذا مخالفة أهل الكتاب في جميع شعارهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كان المسلمون يتحينون وقت الصلواة بغير دعوة إليها ثم أمر من ينادي فيهم وقت الصلاة الصلاة جامعة ثم أرادوا أن يدعوا إليها بشيء يعرفه الناس فقال قائلون نضرب بالناقوس وقال آخر نوري نارا فكرهوا ذلك لمشابهة أهل الكتاب فأرى عبدالله بن زيد بن عبد ربه الانصاري في منامه الأذان فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بلالا فنادى كما هو مبسوط في موضعه من باب الأذان في كتاب الأحكام
حديث آخر قال البخاري حدثنا بشر بن محمد أنبأنا عبدالله أنبأنا معمر ويونس عن
الزهري أخبرني عبيدالله بن عبدالله أن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا أغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وهكذا رواه في غير موضع ومسلم من طرق عن الزهري به
حديث آخر قال البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا أبو غسان قال حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه فقلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال النبي صلى الله عليه وسلم فمن وهكذا رواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به



والمقصود من هذه الأخبار عما يقع من الأقوال والأفعال المنهي عنها شرعا مما يشابه أهل الكتاب قبلنا أن الله ورسوله ينهيان عن مشابهتهم في أقوالهم وأفعالهم حتى لو كان قصد المؤمن خيرا لكنه تشبه ففعله في الظاهر فعلهم وكما نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا تشابه المشركين الذين يسجدون للشمس حينئذ وإن كان المؤمن لا يخطر بباله شيء من ذلك بالكلية وهكذا قوله تعالى يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم فكان الكفار يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كلامهم معه راعنا أي انظر إلينا ببصرك واسمع كلامنا ويقصدون بقولهم راعنا من الرعونة فنهى المؤمنين أن يقولوا ذلك وإن كان لا يخطر ببال أحد منهم هذا أبدا فقد روى الإمام أحمد والترمذي من حديث عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم فليس للمسلم ان يتشبه بهم لا في أعيادهم ولا مواسمهم ولا في عباداتهم لأن الله تعالى شرف هذه الأمة بخاتم الأنبياء الذي شرع له الدين العظيم القويم الشامل الكامل الذي لو كان موسى بن عمران الذي أنزلت عليه التوراة وعيسى بن مريم الذي أنزل عليه الإنجيل حيين لم يكن لهما شرع متبع بل لو كانا موجودين بل وكل الأنبياء لما ساغ لواحد منهم ان يكون على غير هذه الشريعة المطهرة المشرفة المكرمة المعظمة فإذا كان الله تعالى قد من علينا بأن جعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم فيكف يليق بنا أن نتشبه بقوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل قد بدلوا دينهم وحرفوه وأولوه حتى صار كأنه غير ما شرع لهم أولا ثم هو بعد ذلك كله منسوخ والتمسك بالمنسوخ حرام لا يقبل الله منه قليلا ولا كثيرا ولا فرق بينه وبين الذي لم يشرع بالكلية والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم
حديث آخر قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما أجلكم في أجل من خلا من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس
وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين إلا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى المغرب على قيراطين قيراطين إلا لكم الأجر مرتين فغضب اليهود والنصارى فقالوا نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال الله تعالى هل ظلمتكم من حقكم شيئا فقالوا لا قال فإنه فضلي أوتيه من أشاء وهذا الحديث فيه دليل على أن مدة هذه الامة قصيرة بالنسبة إلى ما مضى من مدد الأمم قبلها لقوله إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم قبلكم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس فالماضي لا يعلمه إلا الله كما أن الآتي لا يعلمه إلا هو ولكنه قصير بالنسبة إلى ما سبق ولا اطلاع لاحد على تحديد ما بقي إلا الله عز وجل كما قال الله تعالى لا يجليها لوقتها إلا هو وقال يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها وما تذكره بعض الناس من الحديث المشهور عند العامة من أنه عليه السلام لا يؤلف تحت الأرض فليس له أصل في كتب الحديث وورد فيه حديث أن الدنيا جمعة من جمع الآخرة وفي صحته نظر والمراد من هذا التشبيه بالعمال تفاوت أجورهم وأن ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذهب مثل أحد ما بلغ من أحدهم ولا نصيفه من تمر وهدا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستين على المشهور وقد برز في هذه المدة التي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النافعة والأعمال الصالحة على سائر الانبياء قبله حتى على نوح الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين فهذه الأمة إنما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . فصل : وأخبار بني إسرائيل كثيرة جدا في الكتاب والسنة النبوية ولو ذهبنا نتقصى ذلك لطال الكتاب ولكن ذكرنا ما ذكره الإمام أبو عبدالله البخاري في هذا الكتاب ففيه مقنع وكفاية وهو تذكرة وأنموذج
لهذا الباب والله أعلم وأما الأخبار الإسرائيلية فيما يذكره كثير من المفسرين والمؤرخين فكثيرة جدا ومنها ما هو صحيح موافق لما وقع وكثير منها بل أكثرها مما يذكره القصاص مكذوب مفترى وضعه زنادقتهم وضلالهم وهي ثلاثة أقسام منها ما هو صحيح لموافقته ما قصه الله في كتابه أو أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها ما هو معلوم البطلان لمخالفته كتاب الله وسنة رسوله ومنها ما يحتمل الصدق والكذب فهذا الذي أمرنا بالتوقف فيه فلا نصدقه ولا نكذبه كما ثبت في الصحيح إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وتجوز روايته مع هذا الحديث المتقدم وحدثوا عن بني اسرائيل ولا حرج
*2* تحريف أهل الكتاب وتبديلهم أديانهم
@ أما اليهود فقد أنزل الله عليهم التوراة على يدي موسى بن عمران عليه السلام وكانت كما قال الله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وقال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وقال تعالى ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرى للمتقين وقال تعالى وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم وقال تعالى انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشوني ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فكانوا يحكمون بها وهم متمسكون بها برهة من الزمان ثم شرعوا في تحريفها وتبديلها وتغييرها وتأويلها وابداء ما ليس منها كما قال الله تعالى وان منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون فأخبر تعالى أنهم يفسرونها ويتأولونها ويضعونها على غير مواضعها وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء وهو أنهم يتصرفون في معانيها ويحملونها على غير المراد كما بدلوا حكم الرجم بالجلد والتحميم مع بقاء لفظ الرجم فيها وكما أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد مع أنهم مأمورون بإقامة الحد والقطع على الشريف والوضيع فأما تبديل ألفاظها فقال قائلون بأنها جميعها بدلت وقال آخرون لم تبدل واحتجوا بقوله تعالى وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله وقوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات الآية وبقوله قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين وبقصة الرجم فإنهم كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وفي صحيح مسلم عن البراء بن عازب وجابر بن عبدالله وفي السنن عن أبي هريرة
وغيره لما تحاكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة اليهودي واليهودية الذين زنيا فقال لهم ما تجدون في التوراة في شأن الرجم فقالوا نفضحهم ويجلدون فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحضار التوراة فلما جاؤوا بها وجعلوا يقرؤنها ويكتمون آية الرجم التي فيها ووضع عبدالله بن صور يأيده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفع يدك يا أعور فرفع يده فإذا فيها آية الرجم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما وقال اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وعند أبي داود أنهم لما جاؤا بها نزع الوسادة من تحته فوضعها تحتها وقال آمنت بك وبمن أنزلك وذكر بعضهم أنه قام لها ولم أقف على إسناده والله أعلم وهذا كله يشكل على ما يقوله كثير من المتكلمين وغيرهم أن التوراة انقطع تواترها في زمن بخت نصر ولم يبق من يحفظها إلا العزيز ثم العزيز إن كان نبيا فهو معصوم والتواتر إلى المعصوم يكفي اللهم إلا أن يقال إنها لم تتواتر إليه لكن بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلهم كانوا متمسكين بالتوراة فلو لم تكن صحيحة معمولا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصومون ثم قد قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء منكرا على اليهود في قصدهم الفاسد إذ عدلوا عما يعتقدون صحته عندهم وأنهم مأمورون به حتما إلى التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يعاندون ما جاء به لكن لما كان في زعمهم ما قد يوافقهم على ما ابتدعوه من الجلد والتحميم المصادم لما أمر الله به حتما وقالوا إن حكم لكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وتكونون قد اعتذرتم بحكم نبي لكم عند الله يوم القيامة وإن لم يحكم لكم بهذا بل بالرجم فاحذروا إن تقبلوا منه فأنكر الله تعالى عليهم في هذا القصد الفاسد الذي إنما حملهم عليه الغرض الفاسد وموافقة الهوى لا الدين الحق فقال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين إنا أنزلنا التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله الآية ولهذا حكم بالرجم قال اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه وسألهم ما حملهم على هذا ولم تركوا أمر الله الذي بأيديهم فقالوا إن الزنا قد كثر في أشرافنا ولم يمكنا أن نقيمه عليهم وكنا نرجم من زنى من ضعفائنا فقلنا تعالوا إلى أمر نصف نفعله مع الشريف والوضيع فاصطلحنا على الجلد والتحميم فهذا من جملة تحريفهم وتبديلهم وتغييرهم وتأويلهم الباطل وهذا انما فعلوه في المعاني مع بقاء لفظ الرجم في كتابهم كما دل عليه الحديث المتفق عليه فلهذا قال من قال هذا من الناس إنه لم يقع تبديلهم إلا في المعاني وإن الألفاظ باقية وهي حجة عليهم إذ لو أقاموا ما في كتابهم جميعه لقادهم ذلك إلى اتباع الحق ومتابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الآية وقال تعالى ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن
تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة الآية وقال تعالى قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم الآية وهذا المذهب وهو القول بأن التبديل إنما وقع في معانيها لا في ألفاظها حكاه البخاري عن ابن عباس في آخر كتابه الصحيح وقرر عليه ولم يرده وحكاه العلامة فخر الدين الرازي في تفسيره عن أكثر المتكلمين
*2* ليس للجنب لمس التوراة
@ وذهب فقهاء الحنفية إلى أنه لا يجوز للجنب مس التوراة وهو محدث وحكاه الحناطي في فتاويه عن بعض أصحاب الشافعي وهو غريب جدا وذهب آخرون من العلماء إلى التوسط في هذين القولين منهم شيخنا الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فقال أما من ذهب إلى أنها كلها مبدلة من أولها إلى آخرها ولم يبق منها حرف إلا بدلوه فهذا بعيد وكذا من قال لم يبدل شيء منها بالكلية بعيد أيضا والحق أنه دخلها تبديل وتغيير وتصرفوا في بعض ألفاظها بالزيادة والنقص كما تصرفوا في معانيها وهذا معلوم عند التأمل ولبسطه موضع آخر والله أعلم كما في قوله في قصة الذبيح اذبح ابنك وحيدك وفي نسخة بكرك اسحاق فلفظة اسحاق مقحمة مزيدة بلا مرية لأن الوحيد وهو البكر اسماعيل لأنه ولد قبل اسحاق بأربع عشر سنة فكيف يكون الوحيد البكر اسحاق وانما حملهم على ذلك حسد العرب أن يكون اسماعيل غير الذبيح فأرادوا أن يذهبوا بهذه الفضيلة لهم فزادوا ذلك في كتاب الله افتراء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وقد اغتر بهذه الزيادة خلق كثير من السلف والخلف ووافقوهم على أن الذبيح اسحاق والصحيح الذبيح اسماعيل كما قدمنا والله أعلم وهكذا في توراة السامرة في العشر الكلمات زيادة الأمر بالتوجه إلى الطور في الصلاة وليس ذلك في سائر نسخ اليهود والنصارى
وهكذا يوجد في الزبور المأثور عن داود عليه السلام مختلفا كثيرا وفيه أشياء مزيدة ملحقة فيه وليست منه والله أعلم قلت وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جدا فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم فلا اطلاع لنا عليه والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه
وأما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس ولوقا ومتى ويحنا أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة وهكذا تصويرهم كنائسهم وتركهم الختان ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع وزيادته إلى خمسين يوما وأكلهم
الخنزير ووضعهم الأمانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة والرهبانية وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة وبهر فيها وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء وهو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس وساد فيهم وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة وعظم شأنه وكان أول القياصرة ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ومنازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له عبدالله بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى بن الله تعالى الله عن قوله وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبدالله ورسوله واتبعه على هذا طائفة من النصارى واتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة وهو أصحابه فذهب يستعدي على اكصندروس وأصحابه إلى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبدالله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبدالله ورسوله واحتج على ذلك فحال إليه وجنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره وطلب من سائر الأقاليم كل أسقف وكل من عنده في دين النصرانية وجمع البتاركة الأربعة من القدس وانطاكية ورومية والأسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهولاء خمسون على مقالة وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة وطائفة على مقالة ابن أريوس وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سيء الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ووضع سيفه وخاتمه إليهم وقال إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فأنا أنصرها وأذهب إليها فسجدوا له وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام وأن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم وإظهار كلمتهم وإقامة مقالتهم وإبعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله فظهر أصحابه
بجاهه على مخالفيهم وانتصروا عليهم وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم الملكية نسبة إلى دين الملك فبنى في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من اثنتيي عشر ألف كنيسة واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعني على مكان مولد المسيح وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح عليه الصلاة والسلام ويقال إنه قتل من أعداء أولئك وخد لهم الأخاديد في الأرض وأجج فيها النار وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة البروج وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا اصلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم وكثرت كنائسهم على أسماء عبادهم وتفاقم كفرهم وغلظت مصيبتهم وتخلد ضلالهم وعظم وبالهم ولم يهد الله قلوبهم ولا أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق وأمال عن الاستقامة ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضية النسطورية واليعقوبية وكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه أو حل فيه أو اتحد به واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ وكلهم على الباطل إلا من قال من الأريوسية أصحاب عبدالله بن أريوس إن المسيح عبدالله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه كما يقول المسلمون فيه سواء ولكن لما استقر أمر الأريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالأبعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما يعلم والله أعلم
*2* كتاب الجامع الأخبار الأنبياء المتقدمين
@ قال الله تعالى تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس الآية وقال تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبرهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما وقد روى ابن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره وغيرهما من طريق ابراهيم بن هشام عن يحيى بن محمد الغساني الشامس وقد تكلموا فيه حدثني أبي عن جدي عن أبي إدريس عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير قلت يا رسول الله من كان أولهم قال آدم قلت يا رسول الله
نبي مرسل قال نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا ثم قال يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو ادريس وهو أول من خط بالقلم وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك وقد أورد هذا الحديث أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال حدثنا محمد بن عوف حدثنا أبو المغيرة حدثنا معان بن رفاعة عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جما غفيرا وهذا أيضا من هذا الوجه ضعيف فيه ثلاثة من الضعفاء معان وشيخه وشيخ شيخه وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا أحمد بن اسحاق أبو عبدالله الجوهري البصري حدثنا مكي بن ابراهيم حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف إلى بني إسرائيل وأربعة آلاف إلى سائر الناس موسى وشيخه ضعيفان أيضا وقال أبو يعلى أيضا حدثنا أبو الربيع حدثنا محمد بن ثابت العبدي حدثنا معبد بن خالد الأنصاري عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا يزيد الرقاشي ضعيف وقد رواه الحافظ أبو بكر الاسماعيلي عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن طارق حدثنا مسلم بن خالد حدثنا زياد بن سعد عن محمد بن المنكدر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي منهم أربعة آلاف من بني اسرائيل وهذا اسناد لا بأس به لكني لا أعرف حال أحمد بن طارق هذا والله أعلم
حديث آخر قال عبدالله بن الإمام أحمد وجدت في كتاب أبي بخطه حدثني عبدالمتعالي ابن عبدالوهاب حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا مجالد عن أبي الوداك قال قال أبو سعيد هل تقر الخوارج بالدجال قال قلت لا فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني خاتم ألف نبي أو أكثر وما بعث الله نبيا يتبع إلا وحذر أمته منه وانى قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد منهم وأنه أعور وأن ربكم ليس بأعور وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص وعينه اليسرى كأنها كوكب دري معه من كل لسان ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن وهذا حديث غريب وقد روى عن جابر بن عبدالله فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا مجالد عن الشعبي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لخاتم ألف نبي أو أكثر وإنه ليس منهم بني إلا وقد أنذر قومه الدجال وأنه قد تبين لي فيه ما لم يتبين لأحد منهم وانه أعور وإن ربكم ليس بأعور وهذا اسناد حسن وهو محمول على ذكر عدد من أنذر قومه الدحال من الأنبياء لكن في الحديث
الآخر ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الدجال فالله أعلم
وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن فرات قال سمعت أبا حازم قال قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وانه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وكذا رواه مسلم عن بندار ومن وجه آخر عن فرات به نحوه
وقال البخاري حدثنا عمرو بن حفص حدثنا أبي حدثني الأعمش حدثني شقيق قال قال عبدالله هو ابن مسعود كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون رواه مسلم من حديث الأعمش به نحوه وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد الخدري قال وضع رجل يده اليمنى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر ان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالقمل حتى يقتله وان كان النبي من الأنبياء ليبتلى بالفقر حتى يأخذ العباء فيجوبها وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء هكذا رواه الإمام أحمد من طريق زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد وقد رواه ابن ماجه عن دحيم عن ابن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فذكره وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان بن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل من الناس يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه وإن كان في دينه رقة خفف عليه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود وقال الترمذي حسن صحيح وتقدم في الحديث نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد وأمهاتنا شتى والمعنى أن شرائعهم وان اختلفت في الفروع ونسخ بعضها بعضا حتى انتهى الجميع إلى ما شرع الله لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين إلا أن كل نبي بعثه الله فإنما دينه الإسلام وهو التوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له كما قال الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا يوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون وقال تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة الآية فأولاد العلات أن يكون الأب واحدا والأمهات متفرقات فالأب بمنزلة الدين وهو التوحيد والأمهات بمنزلة الشرائع في اختلاف أحكامها كما قال تعالى لكل
جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وقال لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه وقال ولكل وجهة هو موليها على أحد القولين في تفسيرها
والمقصود أن الشرائع وان تنوعت في أوقاتها إلا أن الجميع آمرة بعبادة الله وحده لا شريك له وهو دين الإسلام الذي شرعه الله لجميع الأنبياء وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره يوم القيامة كما قال تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين وقال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون وقال تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا الآية فدين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وهو الاخلاص له وحده دون ما سواه والاحسان أن يكون على الوجه المشروع في ذلك الوقت المأمور به ولهذا لا يقبل الله من أحد عملا بعد أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على ما شرعه له كما قال تعالى قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وقال تعالى وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ وقال تعالى ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت إلى الأحمر والأسود قيل أراد العرب والعجم وقيل الإنس والجن وقال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم والأحاديث في هذا كثيرة جدا والمقصود أن اخوة العلات أن يكونوا من أب واحد وأمهاتهم شتى مأخوذ من شرب العلل بعد النهل وأما اخوة الأخياف فعكس هذا أن تكون أمهم واحدة من آباء شتى وأخوة الأعيان فهم الأشقاء من أب واحد وأم واحدة والله سبحانه وتعالى أعلم وفي الحديث الآخر نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة وهذا من خصائص الأنبياء أنهم لا يورثون وما ذاك إلا لأن الدنيا أحقر عندهم من أن تكون مخلفة عنهم ولأن توكلهم على الله عز وجل في ذراريهم أعظم وأشد وآكد من أن يحتاجوا معه إلى أن يتركوا لورثتهم من بعدهم مالا يستأثرون به عن الناس بل يكون جميع ما تركوه صدقة لفقراء الناس ومحاويجهم وذو خلتهم وسنذكر جميع ما يختص بالأنبياء عليهم السلام مع خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين في أول كتاب النكاح من كتاب الأحكام الكبير حيث ذكره الأئمة من المصنفين اقتداء بالإمام أبي عبدالله الشافعي رحمة الله عليه وعليهم أجمعين وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبدالرحمن أن عبد رب الكعبة قال انتهيت إلى عبدالله بن عمرو وهو جالس في ظل الكعبة فسمعته يقول بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ نزل منزلا فمنا من يضرب خباءه ومنا من هو في جشره ومنا من ينتضل إذ نادى مناديه الصلاة جامعة قال فاجتمعنا قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبنا فقال إنه لم يكن نبي قبلي إلا دل
أمته على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ما يعلمه شرا لهم وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها وان آخرها سيصيبها بلاء شديد وأمور ينكرونها تجيء فتن يريق بعضها بعضا تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف ثم تجيء الفتنة فيقول المؤمن هذه ثم تنكشف فمن سره منكم أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه موتته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر قال فأدخلت رأسي من بين الناس فقلت أنشدك بالله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأشار بيده إلى أذنيه وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي قال فقلت هذا ابن عمك يعني معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل وأن نقتل أنفسنا وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال فجمع يديه فوضعهما على جبهته ثم نكس هنيهة ثم رفع رأسه فقال أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن الأعمش به وقال فيه أيها الناس إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على ما يعلمه خيرا لهم وينذره ما يعلمه شرا لهم وذكر تمامه بنحوه وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش به ورواه مسلم أيضا من حديث الشعبي عن عبدالرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
آخر الجزء الثامن من خط المصنف رحمه الله تعالى يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب أخبار العرب وكان الفراغ من تتمة هذا المجلد في سابع عشر شوال سنة سهر ربعره من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بدمشق المحروسة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى رحمته وعفوه وغفرانه ولطفه وكرمه اسماعيل الدرعي الشافعي الأنصاري غفر الله تعالى له وختم له بخير ولأحبابه ولاخوانه ولمشايخه ولجميع المسلمين والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:20 AM
*2* ذكر أخبار العرب
@ قيل إن جميع العرب ينتسبون إلى اسماعيل بن ابراهيم عليهما لسلام والتحية والاكرام والصحيح المشهور أن العرب العاربة قبل اسماعيل وقد قدمنا أن العرب العاربة منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وجرهم والعماليق وأمم آخرون لا يعلمهم إلا الله كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام وفي زمانه أيضا فأما العرب المستعربة وهم عرب الحجاز فمن ذرية اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام وأما عرب اليمن وهم حمير فالمشهور أنهم من قحطان واسمه مهزم قاله ابن ماكولا وذكروا أنهم كانوا أربعة اخوة قحطان وقاحط ومقحط وفالغ وقحطان بن هود وقيل هو هود وقيل هود أخوه وقيل من ذريته وقيل أن قحطان من سلالة اسماعيل حكاه ابن اسحاق وغيره فقال بعضهم هو قحطان بن تيمن بن قيذر بن اسماعيل وقيل غير ذلك في نسبه إلى اسماعيل والله أعلم
وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال باب نسبة اليمن الى اسماعيل عليه السلام حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيدهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم انفرد به البخاري وفي بعض الفاظه ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قال البخاري وأسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام ارموا بني اسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبدالبر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قاله ابن عبدالبر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدلة له
أبلغ قضاعة في القرطاس إنهم * لولا خلائف آل الله ما عتقوا
قالت قضاعة إنا من ذوي يمن * والله يعلم ما بروا وما صدقوا
قد ادعوا والدا ما نال أمهم * قد يعلمون ولكن ذلك الفرق
وقد ذكر أبو عمرو السهيلي أيضا من شعر العرب ما فيه إبداع في تفسير قضاعة في انتسابهم إلى اليمن والله أعلم والقول الثاني أنهم من قحطان وهو قول ابن اسحاق والكلبي وطائفة من أهل النسب قال ابن اسحاق وهو قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وقد قال بعض شعرائهم وهو عمرو بن مرة صحابي له حديثان
يا أيها الداعي ادعنا وأبشر * وكن قضاعيا ولا تنزر
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر * قضاعة بن مالك بن حمير
النسب المعروف غير المنكر * في الحجر المنقوش تحت المنبر
قال بعض أهل النسب هو قضاعة بن مالك بن عمر بن مرة بن زيد بن حمير وقال ابن لهيعة عن معروف بن سويد عن أبي عشابة محمد بن موسى عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله أما نحن من معد قال لا قلت فممن نحن قال أنتم قضاعة بن مالك بن حمير قال أبو عمر بن عبدالبر ولا يختلفون أن جهينة بن زيد بن أسود بن أسلم بن عمران بن إلحاف بن قضاعة قبيلة عقبة بن عامر الجهني فعلى هذا قضاعة في اليمن في حمير بن سبأ وقد جمع بعضهم بين هذين القولين بما ذكره الزبير بن بكار وغيره من أن قضاعة امرأة من جرهم تزوجها مالك بن حمير فولدت له قضاعة ثم خلف عليها معد بن عدنان وابنها صغير وزعم بعضهم أنه كان حملا فنسب إلى زوج أمه كما كانت عادة كثير منهم ينسبون الرجل إلى زوج أمه والله أعلم
وقال محمد بن سلام البصري النسابة العرب ثلاثة جراثم العدنانية والقحطانية وقضاعة قيل له فأيهما أكثر العدنانية أو القحطانية فقال ما شائت قضاعة أن تيامنت فالقحطانية أكثر وان تعددت فالعدنانية أكثر وهذا يدل على أنهم يتلومون في نسبهم فإن صح حديث ابن لهيعة المقدم فهو دليل على أنهم من القحطانية والله أعلم وقد قال الله تعالى يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم قال علماء النسب يقال شعوب ثم قبائل ثم عمائر ثم بطون ثم أفخاذ ثم فصائل ثم عشائر والعشيرة أقرب الناس إلى الرجل وليس بعدها شيء ولنبدأ أولا بذكر
القحطانية ثم نذكر بعدهم عرب الحجاز وهم العدنانية وما كان من أمر الجاهلية ليكون ذلك متصلا بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى وبه الثقة
وقد قال البخاري باب ذكر قحطان حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي المغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه وكذا رواه مسلم عن قتيبة عن الدراوردي عن ثور بن زيد به قال السهيلي وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له أنعم صباحا وقال الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة عن جرير حدثني راشد بن سعد المقراي عن أبي حي عن ذي فجر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم فجعله في قريش قال قال عبدالملك كان هذا في كتاب أبي وحيث حدثنا به تكلم به على الاستواء يعني وسيعود اليهم
*2* قصة سبأ
@ قال الله تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور
قال علماء النسب منهم محمد بن اسحاق اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا وكان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك وكان يقال له الرائش لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه قال السهيلي ويقال إنه أول من تتوج وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله
سيملك بعدنا ملكا عظيما * نبي لا يرخص في الحرام
ويملك بعده منهم ملوك * يدينون العباد بغير ذام
ويملك بعدهم منا ما ملوك * يصير الملك فينا باقتسام
ويملك بعد قحطان نبي * تقي جبينه خير الأنام
يسمى أحمدا يا ليت أني * أعمر بعد مبعثه بعام
فأعضده وأحبوه بنصري * بكل مدجج وبكل رام
متى يظهر فكونوا ناصريه * ومن يلقاه يبلغه سلامي
حكاه ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عبدالرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبدالله بن دعلة سمعت عبدالله بن العباس يقول إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض قال بل هو رجل ولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير وأما الشامية فلخم وجذا وعاملة وغسان وقد ذكرنا في التفسير أن فروة بن مسيك الغطيفي هو السائل عن ذلك كما استقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه هناك ولله الحمد
والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر ومن ملك الفرس كسرى ومن ملك مصر فرعون ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الهند بطليموس وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا أحلوا قومهم دار البوار
قال محمد بن اسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي فالله أعلم والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور
ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة وزرعوا الزروع الكثيرة ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ وكانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلي من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب الموذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور وكما قال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد
فلما عبدوا غير الله وبطروا نعمته وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم وطيب ما بينها من البساتين وامن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا كما سأل بنو اسرائيل بدل المن والسلوى البقول والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم قال غير واحد أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ويقال الخلد فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والأنهار وانقطعت تلك الثمار ومادت تلك الزروع والأشجار وتبدلوا بعدها بردىء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبار وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد هو الأراك وثمره البرير وأثل وهو الطرفاء وقيل يشبهه وهو حطب لأثمر له وشيء من سدر قليل وذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى ولهذا قال تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا وخالف أمرنا وانتهك محارمنا وقال تعالى فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق وذلك أنهم لما هلكت أموالهم وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتجلوا منها وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبأ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز ومنهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ومنهم المدينة المنورة اليوم فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قينقاع وبنو قريظة وبنو النضير فخالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ونزلت طائفة أخرى منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما
قال محمد بن اسحاق حدثني أبو عبيدة قال قال الأعشى بن قيس بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس
وفي ذاك للمؤتسى أسوة * ومأرم عفي عليها العرم
رخام بنته لهم حمير * إذا جاء مواره لم يرم
فأروى الزرع وأعنانها * على سعة ماءهم إذ قسم
فصاروا أيادي لا يقدرون * على شرب طفل إذا ما فطم
وقد ذكر محمد بن اسحاق في كتاب السيرة أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن ازد بن زيد بن مهع بن عمرو بن عريب بن يشجب
ابن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ قاله ابن هشام قال ابن اسحاق وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر اصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس
وعك بن عدنان الذين تلعبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد
قال فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ونزل الأوس والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا ونزلت أزد السراة السراة ونزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات وقد روى عن السدي قريب من هذا وعن محمد بن اسحاق في روايته أن عمرو بن عامر كان كاهنا وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا والله أعلم وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في التفسير
*2* فصل ( إقامة ست قبائل من سبأ في اليمن ) .
@ وليس جميع سبأ خرجوا من اليمن لما أصيبوا بسيل العرم بل أقام أكثرهم بها وذهب أهل مأرب الذين كان لهم السد فتفرقوا في البلاد وهو مقتضى الحديث المتقدم عن ابن عباس أن جميع قبائل سبأ لم يخرجوا من اليمن بل انما تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة وهم مذحج وكندة وأنمار والأشعريون وأنمار هو أبو خثعم وبجيلة وحمير فهؤلاء ست قبائل من سبأ أقاموا باليمن واستمر فيهم الملك والتبايعة حتى سلبهم ذلك ملك الحبشة بالجيش الذي بعثه صحبه أميريه أبرهة وارياط نحوا من سبعين سنة ثم استرجعه سيف ابن ذي يزن الحميري وكان ذلك قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقليل كما سنذكره مفصلا قريبا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ثم أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن عليا وخالد بن الوليد ثم أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وكانوا يدعون إلى الله تعالى ويبينون لهم الحجج ثم تغلب على اليمن الأسود العنسي واخرج نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها فلما قتل الأسود استقرت اليد الإسلامية عليها في أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه كما سنبين ذلك بعد البعثة إن شاء الله تعالى
*2* قصة ربيعة بن نصر بن أبي حارثة بن عمرو بن عامر
@ المتقدم ذكره اللخمي كذا ذكره ابن إسحاق وقال السهيلي ونساب اليمن تقول نصر بن ربيعة ابن نصر بن الحارث بن نمارة بن لخم وقال الزبير بن بكار ربيعة بن نصر بن مالك بن شعوذ بن مالك بن عجم بن عمرو بن نمارة بن لخم ولخم أخو جذام وسمي لخما لأنه لخم أخاه أي لطمه أي لطمه فعضه الآخر في يده فجذمها فسمي جذاما وكان ربيعة أحد ملوك حمير التبابعة وخبره مع شق وسطيح الكاهنين وإنذارهما بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم أما سطيح فاسمه ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن غسان وأما شق فهو ابن صعب بن يشكر بن رهم بن أفرك بن قيس بن عبقر بن أنمار بن نزار ومنهم من يقول أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نابت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ ويقال إن سطيحا كان لا أعضاء له وإنما كان مثل السطيحة ووجهه في صدره وكان إذا غضب انتفخ وجلس وكان شق نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبدالله بن القسري كان سلالته وذكر السهيلي أنهما ولدا في يوم واحد وكان ذلك يوم ماتت طريفة بنت الخير الحميرية ويقال إنها تفلت في فم كل منهما فورث الكهانة عنها وهي امرأة عمرو بن عامر المتقدم ذكره والله أعلم قال محمد بن إسحاق وكان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هائلة هالته وفظع بها فلم يدع كاهنا ولا ساحرا ولا عائفا ولا منجما من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها فقالوا اقصصها علينا نخبرك بتأويلها فقال إني أن اخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم بتأويلها لأنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها فقال له رجل منهم فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى شق وسطيح فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه فبعث إليهما فقدم إليه سطيح قبل شق فقال له إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فاخبرني بها فإنك إن أحبتها أصبت تأويلها فقال أفعل رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة فقال له الملك ما أخطأت منها شيئا يا سطيح فما عندك في تأويلها قال أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش فليملكن ما بين أبين إلى جرش فقال له الملك يا سطيح إن هذا لنا لغائط موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده فقال لا وأبيك بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين يمضين من السنين قال أفيدوم ذلك من سلطانهم أم ينقطع قال بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين قال ومن بلى ذلك من قتلهم وإخراجهم قال يليهم أرم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن قال أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي قال رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل
للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرني قال نعم والشفق والغسق والفلق إذا اتسق إن ما أنبأتك به لحق قال ثم قدم عليه شق فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان قال نعم رأيت حممة خرجت من ظلمة فوقعت بين روضة وأكمة فأكلت منها كل ذات نسمة فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا وأن قولهما واحد إلا أن سطيحا قال وقعت بأرض تهمة فأكلت منها كل ذات جمجمة وقال شق وقعت بين روضة وأكمة فاكلت منها كل ذات نسمة فقال له الملك ما أخطأت يا شق منها شيئا فما عندك في تأويلها فقال أحلف بما بين الحرتين من إنسان لينزلن أرضكم السودان فليغلبن على كل طفلة البنان وليملكن ما بين أبين إلى نجران فقال له الملك وأبيك يا شق إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن أفي زماني أم بعده قال لا بل بعده بزمان ثم يستنقذكم منهم عظيم ذو شان ويذيقهم أشد الهوان قال ومن هذا العظيم الشان قال غلام ليس بدني ولا مدن يخرج عليهم من بيت ذي يزن قال أفيدوم سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل قال وما يوم الفصل قال يوم يجزى فيه الولات يدعى فيه من السماء بدعوات تسمع منها الاحياء والأموات ويجمع الناس فيه للميقات يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات قال أحق ما تقول قال أي ورب السماء والأرض وما بينهما من رفع وخفض إن ما أنبأتك به لحق ما فيه أمض قال ابن اسحق فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهز بنيه وأهل بيته إلى العراق وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خرزاذ فأسكنهم الحيرة قال ابن اسحق فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر يعني الذي كان نائبا على الحيرة لملوك الاكاسرة وكانت العرب تفد إليه وتمتدحه وهذا الذي قاله محمد بن إسحاق من أن النعمان بن المنذر من سلالة ربيعة بن نصر قاله أكثر الناس وقد روى ابن إسحاق أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جيء بسيف النعمان بن المنذر سأل جبير بن مطعم عنه ممن كان فقال من أشلاء قنص بن معد بن عدنان قال ابن اسحق فالله أعلم أي ذلك كان
*2* قصة تبع أبي كرب مع اهل المدينة
@ (وكيف أراد غزو البيت الحرام ثم شرفه وعظمه وكساه الحلل فكان أول من كساه ) .
قال ابن إسحاق فلما هلك ربيعة بن نصر رجع ملك اليمن كله إلى حسان بن تبان أسعد أبي كرب وتبان أسعد تبع الآخر ابن علكيركب بن زيد وزيد بن تبع الاول بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن عدي بن صيفي بن سبأ الأصغر بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن عمرو بن قس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير
ابن أنس بن الهميسع بن العربحج والعربحج هو حميبر بن سبأ الاكبر بن يعرب بن يشجب بن قحطان قال عبد الملك بن هشام سبأ بن يشجب بن بعرب بن قحطان قال ابن إسحاق وتبان أسعد أبو كرب هو الذي قدم المدينة وساق الحبرين من اليهود إلى اليمن وعمر البيت الحرام وكساه وكان ملكه قبل ملك ربيعة بن نصر وكان قد جعل طريقه حين رجع من غزوة بلاد المشرق على المدينة وكان قد مر بها في بدأته فلم يهج أهلها وخلف بين أظهرهم ابنا له فقتل غيلة فقدمها وهو مجمع لاخرابها واستئصال أهلها وقطع نخلها فجمع له هذا الحي من الأنصار ورئيسهم عمرو بن طلحة أخو بني النجار ثم أحد بني عمرو بن مبذول واسم مبذول عامر بن مالك بن النجار واسم النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة عمرو بن عامر
وقال ابن هشام عمرو بن طلحة هو عمرو بن معاوية بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار وطلة أمه وهي بنت عامر بن زريق الخزرجية
قال ابن إسحاق وقد كان رجل من بني عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع وجده يجد عذقا له فضربه بمنجلة فقتله وقال إنما التمر لمن أبره فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم فاقتتلوا فتزعم الانصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل فيعجبه ذلك منهم ويقول والله إن قومنا لكهام وحكى ابن إسحاق عن الأنصار ان تبعا إنما كان حنقه على اليهود أنهم منعوهم منه
قال السهيلي ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم والله أعلم
قال بن إسحاق فبينا تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة عالمان راسخان حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها فقالوا له أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك جل العقوبة فقال لهما ولم ذلك قالا هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره فتناهى ورأى أن لهما علما وأعجبه ما سمع منهما فانصرف عن المدينة وأتبعهما على دينهما قال ابن إسحاق وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها فتوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن حتى إذا كان بين عسفان وامج أتاه نفر من هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر بن بزار بن معد بن عدنان فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب والفضة قال بلى قالوا بيت بمكة يعبده أهله ويصلون عنده وإنما أراد الهذليون هلاكه بذلك لما عرفوا من هلاك من أراده من الملوك وبغى عنده فلما أجمع لما قالوا أرسل إلى الحبرين فسألهما عن ذلك فقالا له ما أراد القوم إلا هلاكك وهلاك جندك ما نعلم بيتا لله عز وجل اتخذه في الأرض لنفسه غيره ولئن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن وليهلكن من معك جميعا قال

وقد ترجم البخاري في صحيحه على ذلك فقال باب نسبة اليمن الى اسماعيل عليه السلام حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن يزيد بن أبي عبيد حدثنا سلمة رضي الله عنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسيوف فقال ارموا بني اسماعيل وأنا مع بني فلان لأحد الفريقين فأمسكوا بأيدهم فقال ما لكم قالوا وكيف نرمي وأنت مع بني فلان فقال ارموا وأنا معكم كلكم انفرد به البخاري وفي بعض الفاظه ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا ارموا وأنا مع ابن الأدرع فأمسك القوم فقال ارموا وأنا معكم كلكم قال البخاري وأسلم بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة يعني وخزاعة فرقة ممن كان تمزق من قبائل سبأ حين أرسل الله عليهم سيل العرم كما سيأتي بيانه وكانت الأوس والخزرج منهم وقد قال لهم عليه الصلاة والسلام ارموا بني اسماعيل فدل على أنهم من سلالته وتأوله آخرون على أن المراد بذلك جنس العرب لكنه تأويل بعيد إذ هو خلاف الظاهر بلا دليل لكن الجمهور على أن العرب القحطانية من عرب اليمن وغيرهم ليسوا من سلالة إسماعيل وعندهم أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين قحطانية وعدنانية فالقحطانية شعبان سبأ وحضرموت والعدنانية شعبان أيضا ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان والشعب الخامس وهم قضاعة مختلف فيهم فقيل إنهم عدنانيون قال ابن عبدالبر وعليه الأكثرون ويروى هذا عن ابن عباس وابن عمر وجبير بن مطعم وهو اختيار الزبير بن بكار وعمه مصعب الزبيري وابن هشام وقد ورد في حديث قضاعة بن معدر ولكنه لا يصح قاله ابن عبدالبر وغيره ويقال إنهم لن يزالوا في جاهليتهم وصدر من الإسلام ينتسبون إلى عدنان فلما كان في زمن خالد بن يزيد بن معاوية وكانوا أخواله انتسبوا إلى قحطان فقال في ذلك أعشى بن ثعلبة في قصيدلة له
فماذا تأمرانني أن أصنع إذا أنا قدمت عليه قالا تصنع عنده ما يصنع أهله تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده وتذلل له حتى تخرج من عنده قال فما يمنعكما أنتما من ذلك قالا أما والله إنه لبيت أبينا إبراهيم عليه السلام وإنه لكما أخبرناك ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصبوها حوله وبالدماء التي يهريقون عنده وهم نجس أهل شرك أو كما قالا له فعرف نصحهما وصدق حديثهما وقرب النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجهلم ثم مضى حتى قدم مكة فطاف بالبيت ونحر عنده وحلق رأسه وأقام بمكة ستة أيام فيما يذكرون ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم العسل وأرى في المنام أن يكسوا البيت فكساء الخصف ثم أرى في المنام أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء المعافر ثم أرى أن يكسوه أحسن من ذلك فكساء الملاء والوصائل وكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من جرهم وأمرهم بتطهيره وأن لا يقربوه دما ولا ميتة ولا مئلاتا وهي المحايض وجعل له بابا ومفتاحا ففي ذلك قالت سبيعة بنت الأحب تذكر ابنها خالد بن عبد مناف بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب وتنهاه عن البغي بمكة وتذكر له ما كان من أمر تبع فيها
أبني لا تظلم بمكة * لا الصغير ولا الكبير
واحفظ محارمها بني * ولا يغرنك الغرور
أبني من يظلم بمكة * يلق أطراف الشرور
أبني يضرب وجهه * ويلج بخديه السعير
أبني قد جربتها * فوجدت ظالمها يبور
الله آمنها وما * بنيت بعرصتها قصور
والله آمن طيرها * والعصم تامن في ثبير
ولقد غزاها تبع * فكسا بنيتها الحبير
وأذل ربي ملكه * فيها فأوفى بالنذور
يمشي إليها حافيا * بفنائها ألفا بعير
ويظل يطعم أهلها * لحم المهارى والجزور
يسقيهم العسل المصفى * والرحيض من الشعير
والفيل أهلك جيشه * يرمون فيها بالصخور
والملك في أقصى البلاد * وفي الأعاجم والخزور
فاسمع إذا حدثت وأفهم * كيف عاقبة الأمور
قال ابن اسحاق ثم خرج تبع متوجها إلى اليمن بمن معه من الجنود وبالحبرين حتى إذا دخل اليمن
دعا قومه إلى الدخول فيما دخلوا فيه فأبواعليه حتى يحاكموه إلى النار التي كانت باليمن قال ابن اسحاق حدثني أبو مالك بن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال سمعت إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيدالله يحدث أن تبعا لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك وقالوا لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا فدعاهم إلى دينه وقال إنه خير من دينكم قالوا تحاكمنا إلى النار قال نعم قال وكانت باليمن فيما يزعم أهل اليمن نار تحكم بينهم فيما يختلفون فيه تأخذ الظالم ولا تضر المظلوم فخرج قومه بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما متقلديها حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه فخرجت النار إليهم فلما أقلبت نحوهم حادوا عنها وهابوها فزجرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتى غشيتهم فأكلت الأوثان وما قربوا معها ومن حمل ذلك من رجال حمير وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرهما فاصفقت عند ذلك حمير على دينهما فمن هنالك كان أصل اليهودية باليمن
قال ابن اسحاق وقد حدثني محدث أن الحبرين ومن خرج من حمير إنما اتبعوا النار ليردوها وقالوا من ردها فهو أولى بالحق فدنا منها رجال حمير بأوثانهم ليردوها فدنت منهم لتأكلهم فحادوا عنها ولم يستطيعوا ردها فدنا منها الحبران بعد ذلك وجعلا يتلوان التوراه وهي تنقص عنهما حتى رداها لي مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما والله أعلم أي ذلك كان قال ابن اسحاق وكان رئام بيتا لهم يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون فيه إذ كانوا على شركهم فقال الحبران لتبع إنما هو شيطان يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه قال فشأنكما به فاستخرجا منه فيما يزعم أهل اليمن كلبا أسود فذبحاه ثم هدما ذلك البيت فبقاياه اليوم كما ذكر لي بها آثار الدماء التي كانت تهراق عليه وقد ذكرنا في التفسير الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا تبعا فإنه قد كان أسلم قال السهيلي وروى معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا أسعد الحميري فإنه أول من كسى الكعبة




قال السهيلي وقد قال تبع حين أخبره الحبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرا
شهدت على أحمد أنه * رسول من الله باري النسم
فلو مد عمري إلى عمره * لكنت وزيرا له وابن عم
وجاهدت بالسيف أعداءه * وفرجت عن صدره كل هم
قال ولم يزل هذا الشعر تتوارثه الأنصار ويحفظونه بينهم وكان عند أبي أيوب الأنصاري رصي الله عنه وأرضاه قال السهبلي وذكر ابن أبي الدنيا في كتب القبور أن قبرا حفر بصنعاء فوجد فيه امرأتان معهما لوح من فضة مكتوب بالذهب وفيه هذا قبر ليس وجنى ابنتي تبع ماتا وهما تشهد أن
ألا آله إلا الله وحده لا شريك له وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما ثم صار الملك فيما بعد إلى حسان بن تبان أسعد وهو أخو اليمامة الزرقاء التي صلبت على باب مدينة جو فسميت من يومئذ اليمامة قال ابن اسحاق فلما ملك ابنه حسان بن أبي كرب تبان أسعد سار بأهل اليمن يريد أن يطاء بهم أرض العرب وأرض الأعاجم حتى إذا كانوا ببعض أرض العراق كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخا له يقال له عمرو وكان معه في جيشه فقالوا له أقتل أخاك حسان ونملك علينا وترجع بنا إلى بلادنا فأجابهم فاجتمعوا على ذلك إلا ذارعين الحميري فإنه نهى عمرا عن ذلك فلم يقبل منه فكتب ذو رعين رقعة فيها هذان البيتان
ألا من يشتري سهرا بنوم * سعيد من يبيت قرير عين
فأما حمير غدرت وخانت * فمعذرة الا له لذي رعين
ثم استودعهما عمرا فلما قتل عمرو أخاه حسان ورجع إلى اليمن منع منه النوم وسلط عليه السهر فسأل الأطباء والحذاق من الكهان والعرافين عما به فقيل له إنه والله ما قتل رجل أخاه قط أو ذا رحم بغيا إلا ذهب نومه وسلط عليه السهر فعند ذلك جعل يقتل كل من أمره بقتل أخيه فلما خلص إلى ذي رعين قال له إن لي عندك براءة قال وما هي قال الكتاب الذي دفعته إليك فأخرجه فإذا فيه البيتان فتركه ورأى أنه قد نصحه وهلك عمرو فمرج أمر حمير عند ذلك وتفرقوا
*2* وثوب لخنيعة ذي شناتر على ملك اليمن
@ وقد ملكها سبعا وعشرين سنة قال ابن اسحاق فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت الملك يقال له لخنيعة ينوف ذو شناتر فقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة منهم وكان مع ذلك أمرءا فاسقا يعمل عمل قوم لوط فكان يرسل إلى الغلام من أبناء الملوك فيقع عليه في مشربة له قد صنعها لذلك لئلا يملك بعد ذلك ثم يطلع من شربته تلك الى حرسه ومن حضر من جنده قد أخذ مسواكا فجعله في فيه ليعلمهم أنه قد فرغ منه حتى بعث إلى زرعة ذي نواس بن تبان أسعد أخي حسان وكان صبيا صغيرا حين قتل أخوه حسان ثم شب غلاما جميلا وسيما ذا هيئة وعقل فلما أتاه رسوله عرف ما يريد منه فأخذ سكينا جديدا لطيفا فخبأه بين قدميه ونعله ثم أتاه فلما خلا معه وثب إليه فواثبه ذو نواس فوجأه حتى قتله ثم حز رأسه فوضعه في الكوة التي كان يشرف منها ووضع مسواكه في فيه ثم خرج على الناس فقالوا له ذا نواس أرطب أم يباس فقال سل نحماس استرطبان ذو نواس استرطبان لا بأس فنظروا إلى الكوة
فإذا رأس لخنيعة مقطوع فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه فقالوا ما ينبغي أن يملكنا غيرك إذ أرحتنا من هذا الخبيث فملكوه عليهم واجتمعت عليه حمير وقبائل اليمن فكان آخر ملوك حمير وتسمى يوسف فأقام في ملكه زمانا وبنجران بقايا من أهل دين عيسى بن مريم عليه السلام على الإنجيل أهل فضل واستقامة من أهل دينهم لهم رأس يقال له عبدالله بن الثامر ثم ذكر ابن اسحاق سبب دخول أهل نجران في دين النصارى وان ذلك كان على يدي رجل يقال له فيميون كان من عباد النصارى بأطراف الشام وكان مجاب الدعوة وصحبه رجل يقال له صالح فكان يتعبدان يوم الأحد ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء وكان يدعو للمرضى والزمنى وأهل العاهات فيشفون ثم استأسره وصاحبه بعض الأعراب فباعوهما بنجران فكان الذي اشترى فيميون يراه إذا قام في مصلاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلي عليه البيت نورا فأعجبه ذلك من أمره وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلقون عليها حلى نسائهم ويعكفون عندها فقال فيميون لسيده أرأيت إن دعوت الله على هذه الشجرة فهلكت أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل قال نعم فجمع له أهل نجران وقام فيميون إلى مصلاه فدعا الله عليها فأرسل الله عليها قاصفا فجعفها من أصلها ورماها إلى الأرض فاتبعه أهل نجران على دين النصرانية وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكل أرض فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب ثم ذكر ابن اسحاق قصة عبدالله بن الثامر حين تنصر على يدي فيميون وكيف قتله وأصحابه ذو نواس وخد لهم الاخدود وقال ابن هشام وهو الحفر المستطيل في الأرض مثل الخندق وأجج فيه النار وحرقهم بها وقتل آخرين حتى قتل قريبا من عشرين ألفا كما قدمنا ذلك مبسوطا في أخبار بني إسرائيل وكما هو مستقصى في تفسير سورة والسماء ذات البروج من كتابنا التفسير ولله الحمد
*2* خروج الملك باليمن من حمير إلى الحبشة السودان
@ كما أخبر بذلك شق وسطيح الكاهنان وذلك أنه لم ينج من أهل نجران إلا رجل واحد يقال
له دوس ذو ثعلبان على فرس له فسلك الرمل فأعجزهم فمضى على وجهه ذلك حتى أتى قيصر ملك الروم فاستنصره على ذي نواس وجنوده وأخبره بما بلغ منهم وذلك لأنه نصراني على دينهم فقال له بعدت بلادك منا ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على هذا الدين وهو أقرب إلى بلادك فكتب إليه يأمره بنصره والطلب بثأره فقدم دوس على النجاشي بكتاب قيصر فبعث معه سبعين ألفا من الحبشة وأمر عليهم رجلا منهم يقال له أرياط ومعه في جنده أبرهة الأشرم فركب أرياط البحر حتى نزل بساحل اليمن ومعه دوس وسار إليه ذو نواس في حمير ومن أطاعه من قبائل اليمن فلما التقوا انهزم ذو نواس وأصحابه فلما رأى ذو نواس ما نزل به وبقومه وجه فرسه في البحر ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضحضاح البحر حتى أفضى به إلى غمره فأدخله فيها فكان آخر العهد به ودخل أرياط اليمن وملكها
وقد ذكر ابن اسحاق هاهنا أشعارا للعرب فيما وقع من هذه الكائنة الغريبة وفيها فصاحة وحلاوة وبلاغة وطلاوة ولكن تركنا إيرادها خشية الإطالة وخوف الملالة وبالله المستعان
*2* خروج أبرهة الأشرم على أرياط واختلافهما
@ قال ابن اسحاق فأقام ارياط بأرض اليمن سنين في سلطانه ذلك ثم نازعة أبرهة حتى تفرقت الحبشة عليهما فانحاز إلى كل منهما طائفة ثم سار أحدهما إلى الآخر فلما تقارب الناس أرسل أبرهة إلى أرياط إنك لن تضيع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تفنيها شيئا شيئا فأبرز لي وأبرز لك فأينا أصاب صاحبه انصرف إليه جنده فأرسل إليه أرياط انصفت فخرج إليه أبرهة وكان رجلا قصيرا لحيما وكان ذا دين في النصرانية وخرج إليه أرياط وكان رجلا جميلا عظيما طويلا وفي يده حربة له وخلف أبرهة غلام يقال له عتودة يمنع ظهره فرفع أرياط الحربة فضرب أبرهة يريد يافوخه فوقعت الحربة على جبهة أبرهة فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفته فبذلك سمى أبرهة الأشرم وحمل عتودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله وانصرف جند أرياط إلى أبرهة فاجتمعت عليه الحبشة باليمن وودى أبرهة أرياط فلما بلغ ذلك النجاشي ملك الحبشة الذي بعثهم إلى اليمن غضب غضبا شديدا على أبرهة وقال عدا على أميري فقتله بغير أمري ثم حلف لا يدع أبرهة حتى يطأ بلاده ويجز ناصيته فحلق أبرهة رأسه وملأ جرابا من تراب اليمن ثم بعث به إلى النجاشي ثم كتب إليه أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك فاختلفنا في أمرك وكل طاعته لك إلا أني كنت أقوى على أمر الحبشة واضبط لها وأسوس منه وقد حلقت رأسي كله حين بلغني قسم الملك وبعثت إليه بجراب تراب من أرضي ليضعه تحت قدمه فيبر قسمه في فلما انتهى ذلك إلى النجاشي رضي عنه وكتب إليه أن أثبت بأرض اليمن حتى يأتيك أمري فأقام أبرهة باليمن
*2* سبب قصر أبرهة بالفيل مكة ليخرب الكعبة
@ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
قيل أول من ذلل الفيلة إفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك قاله الطبري وهو أول من اتخذ للخيل السرج وأما أول من سخر الخيل وركبها فطهمورث وهو الملك الثالث من ملوك الدنيا ويقال إن أول من ركبها اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ويحتمل أنه أول من ركبها من العرب والله تعالى أعلم ويقال إن الفيل مع عظمة خلقه يفرق من الهر وقد احتال بعض أمراء الحروب في قتال الهنود بإحضار سنانير إلى حومة الوغى فنفرت الفيلة
قال ابن اسحاق ثم إن أبرهة بني القليس بصنعاء كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض وكتب إلى النجاشي إني قد بنيت لك كنيسة لم يبن مثلها لملك كان قبلك ولست بمنته حتى أصرف إليها حج العرب
فذكر السهيلي أن أبرهة استذل أهل اليمن في بناء هذه الكنيسة الخسيسة وسخرهم فيها أنواعا من السخر وكان من تأخر عن العمل حتى تطلع الشمس يقطع يده لا محالة وجعل ينقل إليها من قصر بلقيس رخاما وأحجارا وأمتعة عظيمة وركب فيها صلبانا من ذهب وفضة وجعل فيها منابر من عاج وابنوس وجعل ارتفاعها عظيما جدا واتساعها باهرا فلما هلك بعد ذلك أبرهة وتفرقت الحبشة كان من يتعرض لأخذ شيء من بنائها وأمتعتها أصابته الجن بسوء وذلك لأنها كانت مبنية على اسم صنمين كعيب وامرأته وكان طول كل منهما ستون ذراعا فتركها أهل اليمن على حالها فلم تزل كذلك إلى زمن السفاح أول خلفاء بني العباس فبعث إليها جماعة من أهل العزم والحزم والعلم فنقضوها حجرا حجرا ودرست آثارها إلى يومنا هذا
قال ابن اسحاق فلما تحدثت العرب بكتاب أبرهة إلى النجاشي غضب رجل من النسأة من كنانة الذين ينسئون شهر الحرام إلى الحل بمكة أيام الموسم كما قررنا ذلك عند قوله إنما النسيء زيادة في الكفر الآية قال ابن اسحاق فخرج الكناني حتى أتى القليس فقعد فيه أي أحدث حيث لا يراه أحد ثم خرج فلحق بأرضه فأخبر أبرهة بذلك فقال من صنع هذا فقيل له صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجه العرب بمكة لما سمع بقولك أنك تريد أن تصرف حج العرب إلى بيتك هذا فغضب فجاء فقعد فيها أي أنه ليس لذلك باهل فغضب أبرهة عند ذلك وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه ثم أمر الحبشة
فتهيأت وتجهزت ثم سار وخرج معه بالفيل وسمعت بذلك العرب فأعظموه وفظعوا به ورأوا جهاده حقا عليهم حين سمعوا بأنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله الحرام وما يريده من هدمه واخرابه فأجابه من أجابه إلى ذلك ثم عرض له فقاتله فهزم ذو نقر وأصحابه وأخذ له ذو نفر فأتى به أسيرا فلما أراد قتله قال له ذو نفر يا أيها الملك لا تقتلني فإنه عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من القتل فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق وكان أبرهة رجلا حليما ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك يريد ما خرج له حتى إذا كان بأرض خثعم عرض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم وهما شهران وناهس ومن تبعه من قبائل العرب فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ له نفيل أسيرا فأتى به فلما هم بقتله قال له نفيل أيها الملك لا تقتلني فأني دليلك بأرض العرب وهاتان يداي لك على قبيلتي خثعم شهران وناهس بالسمع والطاعة فخلى سبيله وخرج به معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف في رجال ثقيف فقالوا له أيها الملك إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون ليس عندنا لك خلاف وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد يعنون اللآت إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه فتجاوز
عنهم قال ابن اسحاق واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة قال فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى مكة فخرج أبرهة ومعه أبو رغال حتى أنزله بالمغمس فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك فرجمت قبره العرب فهو القبر الذي يرجم الناس بالمغمس وقد تقدم في قصة ثمود أن أبا رغال كان رجلا منهم وكان يمتنع بالحرم فلما خرج منه أصابه حجر فقتله وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وآية ذلك أنه دفن معه غصنان من ذهب فحفروا فوجدوهما قال وهو أبو ثقيف
قلت والجمع بين هذا وبين ما ذكر ابن اسحاق أن أبا رغال هذا المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول وأيضا والله أعلم وقد قال جرير
إذا مات الفرزدق فارجموه * كرجمكم لقبر أبي رغال
الظاهر أنه
الثاني قال ابن اسحاق فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث رجلا من الحبشة يقال له الأسود بن مفصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة فساق إليه أموال تهامة من قريش وغيرهم وأصاب فيها مائتي بعير لعبدالمطلب بن هاشم وهو يومئذ كبير قريش وسيدها فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم بقتاله ثم عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له سل عن سيد أهل هذا البلد وشريفهم ثم قل له ان الملك يقول إني لم آت لحربكم إنما جئت لهدم هذا البيت فإن لم تعرضوا
لنا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم فإن هو لم يرد حربي فائتني به فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها فقيل له عبدالمطلب بن هاشم فجاءه فقال له ما أمره به أبرهة فقال له عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا بذلك من طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام أو كما قال فإن يمنعه منه فهو حرمه وبيته وان يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه فقال له حناطة فانطلق معي إليه فإنه قد أمرني أن آتيه بك فانطلق معه عبدالمطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى العسكر فسأل عن ذي نفر وكان له صديقا حتى دخل عليه وهو في محبسه فقال له يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا فقال له ذو نفر وما غناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوا أو عشيا ما عندي غناء في شيء مما نزل بك إلا أن أنيسا سائس الفيل صديق لي فسأرسل إليه وأوصيه بك وأعظم عليه حقك وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلمه بما بدا لك ويشفع لك عنده بخير ان قدر على ذلك فقال حسبي فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له ان عبدالمطلب سيد قريش وصاحب عين مكة يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال وقد أصاب له الملك مائتي بعير فاستأذن له عليه وأنفعه عنده بما استطعت قال افعل فكلم أنيس أبرهة فقال له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة وهو الذي يطعم الناس بالسهل والوحوش في رؤوس الجبال فائذن له عليك فليكلمك في حاجته فأذن له أبرهة قال وكان عبدالمطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم فلما رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه معه على سرير ملكه فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جانبه ثم قال لترجمانه قل له حاجتك فقال له ذلك الترجمان فقال حاجتي أن يرد على الملك مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك قال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم قد زهدت فيك حين كلمتني أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لأهدمه لا تكلمني فيه فقال له عبدالمطلب إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه فقال ما كان ليمتنع مني قال أنت وذاك فرد على عبدالمطلب إبله
قال ابن اسحاق ويقال إنه كان قد دخل مع عبدالمطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة سيد بني بكر وخويلد بن وائلة سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا
فلما انصرفوا عنه انصرف عبدالمطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر وأمرهم بالخروج من مكة والتحرز في رؤس الجبال ثم قام عبدالمطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده وقال عبدالمطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة
لا هم إن العبد يمنع * رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم * ومحالهم غدوا محالك
إن كنت تاركهم * وقبلتنا فأمر ما بدا لك
قال ابن هشام هذا ما صح له منها وقال ابن اسحاق ثم أرسل عبدالمطلب حلقة باب الكعبة وانطلق هو ومن معه من قريش إلى شعف الجبال يتحرزون فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه وكان اسم الفيل محمودا فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال أبرك محمود وارجع راشدا من حيث أتيت فإنك في بلد الله الحرام وأرسل اذنه فبرك الفيل قال السهيلي أي سقط إلى الأرض وليس من شأن الفيلة أن تبرك وقد قيل إن منها ما يبرك كالبعير فالله أعلم
وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك
ألا حييت عنا يا ردينا * نعمناكم مع الإصباح عينا
ردينة لو رأيت فلا تريه * لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري * ولم تاسي على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا * وخفت حجارة تلقى علينا
وكل القوم يسأل عن نفيل * كأن علي للحبشان دينا
قال ابن اسحاق فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون بكل مهلك على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة كلما سقطت أنملة اتبعتها منه مدة تمت قيحا ودما حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون
قال ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام وأنه أول ما رؤى بها مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعشر ذلك العام
قال ابن إسحاق فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعدد الله على قريش من نعمته عليهم وفضله
ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول
ثم شرع ابن إسحاق وابن هشام يتكلمان على تفسير هذه السورة والتي بعدها وقد بسطنا القول في ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى وله الحمد والمنة
قال ابن هشام الأبابيل الجماعات ولم تتكلم لها العرب بواحد علمناه قال وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب قال وزعم بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة وانها سنج وجل فالسنج الحجر والجل الطين يقول الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين قال والعصف ورق الزرع الذي لم يقصب وقال الكسائي سمعت بعض النحويين يقول واحد الأبابيل ابيل وقال كثيرون من السلف الأبابيل الفرق من الطير التي يتبع بعضها بعضا من ههنا وههنا وعن ابن عباس كان لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكف الكلاب وعن عكرمة كانت رؤوسها كرؤوس السباع خرجت عليهم من البحر وكانت خضرا وقال عبيد بن عمير كانت سودا بحرية في مناقيرها وأكفها الحجارة وعن ابن عباس كانت أشكالها كعنقاء مغرب وعن ابن عباس كان أصغر حجر منها كرأس الإنسان ومنها ما هو كالإبل وهكذا ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق وقيل كانت صغارا والله أعلم
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا محمد بن عبدالله بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن عبيد بن عمير قال لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجرا في منقاره قال فجاءت حتى صفت على رؤوسهم ثم صاحت وألقت ما في رجليها ومناقيرها فما يقع حجر على رأس رجل الا خرج من دبره ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا
وقد تقدم أن ابن اسحاق قال وليس كلهم اصابته الحجارة يعني بل رجع منهم راجعون إلى اليمن حتى أخبروا أهلهم بما حل بقومهم من النكال وذكروا أن أبرهة رجع وهو يتساقط أنملة أنملة فلما وصل إلى اليمن انصدع صدره فمات لعنه الله وروى ابن اسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي بكر عن سمرة عن عائشة قالت لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان وتقدم أن سائس الفيل كان اسمه أنيسا فأما قائده فلم يسم والله أعلم
وذكر النقاش في تفسيره أن السيل احتمل جثثهم فألقاها في البحر قال السهيلي وكانت قصة الفيل
أول المحرم من سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين
قلت وفي عامها ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشهور وقيل كان قبل مولده بسنين كما سنذكر إن شاء الله تعالى وبه الثقة
ثم ذكر ابن اسحاق ما قالته العرب من الأشعار في هذه الكائنة العظيمة التي نصر الله فيها بيته الحرام الذي يريد أن يشرفه ويعظمه ويطهره ويوقره ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وما يشرع له من الدين القويم الذي أحد أركانه الصلاة بل عماد دينه وسيجعل قبلته إلى هذه الكعبة المطهرة ولم يكن ما فعله بأصحاب الفيل نصرة لقريش إذ ذاك على النصارى الذين هم الحبشة فإن الحبشة إذ ذاك كانوا أقرب لها من مشركي قريش وإنما كان النصر للبيت الحرام وارهاصا وتوطئه لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما قاله عبدالله بن الزبعري السهمي تنكلوا
عن بطن مكة إنها * كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت * إذ لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الحبش عنها ما رأى * فلسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم * بل لم يعش بعد الأياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم * والله من فوق العباد يقيمها
ومن ذلك قول أبي قيس بن الأسلت الأنصاري المدني
ومن صنعه يوم فيل الحبوش * إذ كلما بعثوه رزم
محاجنهم تحت أقرابه * وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطه مغولا * إذا يمموه قفاه كلم
فولى وأدبر أدراجه وقد باء بالظلم من كان ثم
فأرسل من فوقهم حاصبا * فلفهم مثل لف القزم
تحض على الصبر أحبارهم * وقد ثأجوا كثؤاج الغنم
ومن ذلك قول أبي الصلت ربيعة بن أبي ربيعة وهب بن علاج الثقفي قال ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت
إن آيات ربنا ثاقبات * ما يمارى فيهن إلا الكفور
خلق الليل والنهار فكل * مستبين حسابه مقدور
ثم يجلو النهار رب رحيم * بمهاة شعاعها منشور
حبس الفيل بالمغمس حتى * صار يحبو كأنه معقور
لازما حلقة الجران كما قد * من صخر كبكب محدور
حوله من ملوك كندة أبطال * ملاويث في الحروب صقور
خلفوه ثم ابذعروا جميعا * كلهم عظم ساقه مكسور
كل دين يوم القيامة عند الله * إلا دين الحنيفة بور
ومن ذلك قول أبي قيس بن الاسلت أيضا * فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا
بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء مصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رؤس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب
ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات في عظمة البيت وحمايته بهلاك من أراده بسوء
كاده الأشرم الذي جاء بالفيل * فولى وجيشه مهزوم
واستهلت عليهم الطير بالجندل * حتى كأنه مرجوم
ذاك من يغزه من الناس يرجع * وهو فل من الجيوش ذميم
وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى فضربوا رأسه بالطبرزين ليقوم فأبى فادخلوا محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك ووجوه إلى مكة فبرك وأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها حجر في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدا إلا هلك وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي منها جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن فقال نفيل في ذلك
قال ابن إسحاق وغيره فلما هلك ابرهة ملك الحبشة بعده ابنه يكسوم ثم من بعده أخوه مسروق ابن ابرهة وهو آخر ملوكهم وهو الذي انتزع سيف بن ذي يزن الحميري الملك من يده بالجيش الذين قدم بهم من عند كسرى أنوشروان كما سيأتي بيانه
وكانت قصة الفيل في المحرم سنة ست وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين وهو الثاني اسكندر ابن فلبس المقدوني الذي يؤرخ له الروم ولما هلك ابرهة وابناه وزال ملك الحبشة عن اليمن هجر القليس الذي كان بناه ابرهة وأراد صرف حج العرب إليه لجهله وقلة عقله وأصبح يبابا لا أنيس له وكان قد بناه على صنمين وهما كعيب وامرأته وكانا من خشب طول كل منهما ستون ذراعا في السماء وكانا مصحوبين من الجان ولهذا كان لا يتعرض أحد إلى أخذ شيء من بناء القليس وأمتعته إلا أصابوه بسوء فلم يزل كذلك إلى أيام السفاح أول خلفاء بني العباس فذكر له أمره وما فيه من الأمتعة والرخام الذي كان ابرهة نقله إليه من صرح بلقيس الذي كان باليمن فبعث إليه من خربه حجرا حجرا وأخذ جميع ما فيه من الأمتعة والحواصل هكذا ذكره السهيلي والله أعلم
*2* خروج الملك عن الحبشة ورجوعه إلى سيف بن ذي يزن
@ قال محمد بن اسحاق رحمه الله فلما هلك أبرهة ملك الحبشة يكسوم بن أبرهة وبه كان يكنى فلما هلك يكسوم ملك اليمن من الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة قال فلما طال البلاء على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري وهو سيف بن ذي يزن بن ذي أصبح بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ وكان سيف يكنى أبا مرة حتى قدم على قيصر ملك الروم فشكى إليه ما هو فيه وسأله أن يخرجهم عنه ويليهم هو ويخرج إليهم من شاء من الروم فيكون له ملك اليمن فلم يشكه فخرج حتى أتى النعمان بن المنذر وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العراق فشكا إليه أمر الحبشة فقال له النعمان إن لي على كسرى وفادة في كل عام فأقم عندي حتى يكون ذلك ففعل ثم خرج معه فأدخله على كسرى وكان كسرى يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه وكان تاجه مثل القنقل العظيم فيما يزعمون يضرب فيه الياقوت والزبرجد واللؤلؤ بالذهب والفضة معلقا بسلسلة من ذهب في رأس طاقة في مجلسه ذلك وكانت عنقه لا تحمل تاجه إنما يستر عليه بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك ثم يدخل رأسه في تاجه فإذا استوى في مجلسه كشف عنه الثياب فلا يراه أحد لم يره قبل ذلك إلا برك هيبة له فلما دخل عليه طأطأ رأسه فقال الملك إن هذا الأحمق يدخل علي من هذا الباب الطويل ثم يطأطىء رأسه فقيل ذلك لسيف فقال إنما فعلت هذا لهمي لأنه يضيق عنه كل شيء ثم قال أيها الملك غلبتنا على بلادنا إلا غربة قال كسرى أي إلا غربة الحبشة أم السند قال بل الحبشة فجئتك لتنصرني ويكون ملك بلادي لك فقال له كسرى بعدت بلادك مع قلة خيرها فلم أكن لأورط جيشا من فارس بأرض العرب لا حاجة لي بذلك ثم أجازه بعشرة آلاف درهم واف وكساه كسوة حسنة فلما قبض ذلك منه سيف خرج فجعل ينثر تلك الورق للناس فبلغ ذلك الملك فقال إن لهذا لشأنا ثم بعث إليه فقال عمدت إلى حباء الملك تنثره للناس قال وما أصنع بحباك ما جبال أرضى التي جئت منها إلا ذهب وفضة يرغبه فيها فجمع كسرى مرازبته فقال لهم ما ترون في أمر هذا الرجل وما جاء له فقال قائل أيها الملك إن في سجونك رجالا قد حبستهم للقتل فلو أنك بعثتهم معه فإن يهلكوا كان ذلك الذي أردت بهم وإن ظفروا كان ملكا أزددته فبعث معه كسرى من كان في
سجونه وكانوا ثمانمائة رجل واستعمل عليهم وهرز كان ذا سن فيهم وأفضلهم حسبا وبيتا فخرجوا في ثمان سفائن فغرقت سفينتان ووصل إلى ساحل عدن ست سفائن فجمع سيف إلى وهرز من استطاع من قومه وقال له رجلي ورجلك حتى نموت جميعا أو نظفر جميعا فقال له وهرز أنصفت وخرج إليه مسروق بن أبرهة ملك اليمن وجمع إليه جنده فأرسل إليهم وهرز ابنا له ليقاتلهم فيختبر قتالهم فقتل ابن وهرز فزاده ذلك حنقا عليهم فلما تواقف الناس على مصافهم قال وهرز أروني ملكهم فقالوا له أترى رجلا على الفيل عاقدا تاجه على رأسه بين عينيه ياقوتة حمراء قال نعم قالوا ذلك ملكهم فقال اتركوه قال فوقفوا طويلا ثم قال علام هو قالوا قد تحول على الفرس قال اتركوه فتركوه طويلا ثم قال علام هو قالوا على البغلة قال وهرز بنت الحمار ذل وذل ملكه إني سأرميه فإن رأيتم أصحابه لم يتحركوا فأثبتوا حتى أوذنكم فإني قد أخطأت الرجل وإن رأيتم القوم قد استداروا به ولاهوا فقد أصبت الرجل فاحملوا عليهم ثم وتر قوسه وكانت فيما يزعمون لا يوترها غيره من شدتها وأمر بحاجبيه فعصبا له ثم رماه فصك الياقوتة التي بين عينيه وتغلغلت النشابة في رأسه حتى خرجت من قفاه ونكس عن دابته واستدارت الحبشة ولاثت به وحملت عليهم الفرس فانهزموا فقتلوا وهربوا في كل وجه وأقبل وهرز ليدخل صنعاء حتى إذا أتى بابها قال لا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا هذا الباب فهدم ثم دخلها ناصبا رايته فقال سيف بن ذي يزن الحميري
يظن الناس بالملكين * أنهما قد التأما
ومن يسمع بلأ مهما * فإن الخطب قد فقما
قتلنا القيل مسروقا * وروينا الكثيب دما
وإن القيل قيل الناس * وهرز مقسم قسما
يذوق مشعشعا حتى * نفيء السبي والنعما
ووفدت العرب من الحجاز وغيرها على سيف يهنئونه بعود الملك إليه وامتدحوه فكان من جملة من وفد قريش وفيهم عبدالمطلب بن هاشم فبشره سيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما يعلم من أمره وسيأتي ذلك مفصلا في باب البشارات به عليه الصلاة والسلام
قال ابن اسحاق وقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي قال ابن هشام ويروى لأمية بن أبي الصلت
ليطلب الوتر أمثال ابن ذي يزن * ريم في البحر للأعداء أحوالا
يمم قيصرا لما حان رحلته * فلم يجد عنده بعض الذي سالا
ثم انثنى نحو كسرى بعد عاشرة * من السنين يهين النفس والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم * إنك عمري لقد أسرعت قلقالا
لله درهم من عصبة خرجوا * ما إن أرى لهم في الناس أمثالا
غلبا مرازبة بيضا أساورة * أسدا تربب في الغيضات أشبالا
يرمون عن سدف كأنها غبط * بزمخر يعجل المرمي إعجالا
أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد * أضحى شريدهم في الأرض فلالا
فاشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا * في رأس غمدان دارا منك محلالا
واشرب هنيئا فقد شالت نعامتهم * وأسبل اليوم في برديك إسبالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
يقال إن غمدان قصر باليمن بناه يعرب بن قحطان وملكه بعده واحتله وائلة بن حمير بن سبأ ويقال كان ارتفاعه عشرين طبقة فالله أعلم
قال ابن اسحاق وقال عدي بن زيد الحميري وكان أحد بني تميم
ما بعد صنعاء كان يعمرها * ولاة ملك جزل مواهبها
رفعها من بني لذي قزع المزن * وتندى مسكا محاربها
محفوقة بالجبال دون عرى الكائد * ما يرتقى غواربها
يأنس فيها صوت النهام إذا * جاوبها بالعشى قاصبها
ساقت إليها الأسباب جند بني * الأحرار فرسانها مواكبها
وفوزت بالبغال توسق بالحتف * وتسعى بها توالبها
حتى يراها الأقوال من طرف المنقل * مخضرة كتائبها
يوم ينادون آل بربر واليكسوم * لا يفلحن هاربها
فكان يوما باقي الحديث وزالت * أمه ثابت مراتبها
وبدل الهيج بالزرافة والأيام * خون جم عجائبها
بعد بني تبع نخاورة * قد اطمأنت بها مرازبها
قال ابن هشام وهذا الذي عنى سطيح بقوله يليه ارم ذي يزن يخرج عليهم من عدن فلا يترك منهم أحدا باليمن والذي عنى شق بقوله غلام ليس بدني ولا مدن يخرج من بيت ذي يزن
قال ابن اسحاق وأقام وهرز والفرس باليمن فمن بقية ذلك الجيش من الفرس الأبناء الذين باليمن اليوم وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها ارياط إلى أن قتلت الفرس مسروق بن أبرهة وأخرجت الحبشة اثنتين وسبعين سنة توارث ذلك منهم أربعة إرياط ثم أبرهة ثم يكسوم بن أبرهة ثم مسروق بن أبرهة
*2* ما آل إليه أمر الفرس باليمن
@ قال ابن هشام ثم مات وهرز فأمر كسرى ابنه المرزبان بن وهرز على اليمن ثم مات المرزبان فأمر كسرى ابنه التينجان ثم مات فأمر ابن التينجان ثم عزله عن اليمن وأمر عليها باذان وفي زمنه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام فبلغني عن الزهري انه قال كتب كسرى إلى باذان إنه بلغني أن رجلا من قريش خرج بمكة يزعم أنه نبي فسر إليه فاستتبه فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه فبعث باذان بكتاب كسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد وعدني أن يقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا فلما أتى باذان الكتاب وقف لينتظر وقال ان كان نبيا فسيكون ما قال فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام على يدي ابنه شيرويه قلت وقال بغضهم بنوه تمالئوا على قتله وكسرى هذا هو أبرويز بن هرمز بن أنو شروان بن قباز وهو الذي غلبت الروم في قوله تعالى الم غلبت الروم في أدنى الأرض كما سيأتي بيانه قال السهيلي وكان قتله ليلة الثلاثاء لعشر خلون من جمادى الأولى سنة تسع من الهجرة وكان والله أعلم لما كتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام فغضب ومزق كتابه كتب إلى نائبه باليمن يقول له ما قال وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرسول باذان إن ربي قد قتل الليلة ربك فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل تلك الليلة بعينها قتله بنوه لظلمه بعد عدله بعد ما خلعوه وولوا ابنه شيرويه فلم يعش بعد قتله أباه الا ستة أشهر أو دونها وفي هذا يقول خالد بن حق الشيباني
وكسرى إذ تقسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم * ألا ولكل حاملة تمام
قال الزهري فلما بلغ ذلك باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الرسل إلى من نحن يا رسول الله قال أنتم منا وإلينا أهل البيت قال الزهري ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قلت والظاهر أن هذا كان بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولهذا بعث الأمراء إلى اليمن لتعليم الناس الخير ودعوتهم إلى الله عز وجل فبعث أولا خالد بن الوليد وعلي بن أبي طالب ثم أتبعهما أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل ودانت اليمن وأهلها للإسلام ومات باذان فقام بعده ولده شهر بن باذان وهو الذي قتله الأسود العنسي حين تنبأ وأخذ زوجته كما سيأتي بيانه وأجلى عن اليمن نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قتل الأسود عادت اليد الإسلامية عليها وقال ابن هشام وهذا هو الذي عنى به سطيح بقوله نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي والذي عنى شق بقوله بل ينقطع برسول مرسل يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل يكون الملك في قومه
إلى يوم ال
قال ابن إسحاق وكان في حجر باليمن فيما يزعمون كتاب بالزبور كتب بالزمان الأول لمن ملك ذمار الحمير الاخيار لمن ملك ذمار للحبشة الاشرار لمن ملك ذمار لفارس الاحرار لمن ملك ذمار لقريش التجار وقد نظم بعض الشعراء هذا المعنى فيما ذكره المسعودي
حين شدت ذمار قيل لمن أنت * فقالت لحمير الأخبار
ثم سينت من بعد ذاك فقالت * أنا للحبش أخبث الأشرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت * فقالت لفارس الأحرار
ثم قالوا من بعد ذاك لمن أنت * فقالت إلى قريش التجار
ويقال إن هذا الكلام الذي ذكره محمد بن إسحاق وجد مكتوبا عند قبر هود عليه السلام حين كشفت الريح عن قبره بأرض اليمن وذلك قبل زمن بلقيس بيسير في أيام مالك بن ذي المنار أخي عمرو ذي الاذعار بن ذي المنار ويقال كان مكتوبا على قبر هود أيضا وهو من كلامه عليه السلام حكاه السهيلي والله أعلم
*2* قصة الساطرون صاحب الحضر
يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:25 AM
وقد ذكر قصته ها هنا عبد الملك بن هشام لاجل ما قاله بعض علماء النسب إن النعمان بن المنذر الذي تقدم ذكره في ورود سيف بن ذي يزن عليه وسؤاله في مساعدته في رد ملك اليمن إليه إنه من سلالة الساطرون صاحب الحضر وقد قدمنا عن ابن إسحاق إن النعمان بن المنذر من ذرية ربيعة بن نصر وأنه روى عن جبير بن مطعم أنه من أشلاء قيصر بن معد بن عدنان فهذه ثلاثة أقوال في نسبه فاستطرد ابن هشام في ذكر صاحب الحضر والحضر حصن عظيم بناه هذا الملك وهو الساطرون على حافة الفرات وهو منيف مرتفع البناء واسع الرحبة والفناء دوره بقدر مدينة عظيمة وهو في غاية الأحكام والبهاء والحسن والسناء وإليه يجبي ما حوله من الأقطار والأرجاء واسم الساطرون الضيزن ابن معاوية بن عبيد بن أجرم من بني سليح بن حلوان بن الحاف بن قضاعة كذا نسبه ابن الكلبي وقال غيره كان من الجرامقة وكان احد ملوك الطوائف وكان يقدمهم إذا اجتمعوا لحرب عدو من غيرهم وكان حصنه بين دجلة والفرات
قال ابن هشام وكان كسرى سابور ذو الأكتاف غزا الساطرون ملك الحضر وقال غير ابن هشام إنما الذي غزا صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان اذل ملوك الطوائف ورد الملك إلى الأكاسرة وأما سابور ذو الاكتاف بن هرمز فبعد ذلك بدهر طويل والله
أعلم ذكره السهيلي
قال ابن هشام فحصره سنتين وقال غيره أربع سنين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته بأرض العراق فأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج وعلى رأسه تاج من ذهب مكال بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ وكان جميلا فدست إليه أتتزوجني أن فتحت لك باب الحضر فقال نعم فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران فأخذت مفاتيح باب الحضر من تحت رأسه وبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب ويقال بل دلتهم على نهر يدخل منه الماء متسع فولجوا منه إلى الحضر ويقال بل دلتهم على طلسم كان في الحضر وكان في علمهم أنه لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء وتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحضر سقط ذلك الطلسم فيفتح الباب ففعل ذلك فانفتح الباب فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحضر وخربه وسار بها معه فتزوجها فبينا هي نائمة على فراشها ليلا إذ جعلت تململ لا تنام فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد عليه ورقة آس فقال لها سابور أهذا الذي أسهرك قالت نعم قال فما كان أبوك يصنع بك قالت كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير ويطعمني المخ ويسقيني الخمر قال أفكان جزاء أبيك ما صنعت به أنت إلى بذلك أسرع فربطت قرون رأسها بذنب فرس ثم ركض الفرس حتى قتلها ففيه يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة
ألم تر للحضر إذ أهله * بنعمى وهل خالد من نعم
أقام به شاهبور الجنود * حولين تضرب فيه القدم
فلما دعا ربه دعوة * أناب إليه فلم ينتقم
فهل زاده ربه قوة * ومثل مجاوره لم يقم
وكان دعا قومه دعوة * هلموا إلى أمركم قد صرم
فموتوا كراما بأسيافكم * أرى الموت يجشمه من جشم
وقال عدي بن زيد في ذلك * والحضر صابت عليه داهية
من فوقه أيد مناكبها
ربية لم توق والدها * لحينها إذا أضاع راقبها
إذ غبقته صهباء صافية * والخمر وهل يهيم شاربها
فأسلمت أهلها بليلتها * تظن أن الرئيس خاطبها
فكان حظ العروس إذ جشر * الصبح دماء تجري سبائبها
وخرب الحضر واستبيح وقد * أحرق في خدرها مشاجبها
وقال عدي بن زيد أيضا * أيها الشامت المعير بالدهر
أأنت المبرا الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيام * بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم * من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أتو * شروان أم أين قبله سابور
وبنو الاصفر الكرام ملوك * الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة * تجبي إليه والحلبور
شاده مرمرا وجلله كاسا * فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فبان * الملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ * أشرف يوما وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما * يملك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غبطة * حي إلى الممات يصير
ثم اضحوا كأنهم ورق جف * فألوت به الصبا والدبور
قلت ورب الخورنق الذي ذكره في شعره رجل من الملوك المتقدمين وعظه بعض علماء زمانه في أمره الذي كان قد أسرف فيه وعتا وتمرد فيه واتبع نفسه هواها ولم يراقب فيها مولاها فوعظه بمن سلف قبله من الملوك والدول وكيف بادوا ولم يبق منهم أحد وأنه ما صار إليه عن غيره إلا وهو منتقل عنه إلى من بعده فأخذته موعظته وبلغت منه كل مبلغ فارعوى لنفسه وفكر في يومه وأمسه وخاف من ضيق رمسه فتاب وأناب ونزع عما كان فيه وترك الملك ولبس ذي الفقراء وساح في الفلوات وحظى بالخلوات وخرج عما كان الناس فيه من اتباع الشهوات وعصيان رب السموات وقد ذكر قصته مبسوطة الشيخ الإمام موفق بن قدامة المقدسي رحمه الله في كتاب التوابين وكذلك أوردها بإسناد متين الحافظ أبو القاسم السهيلي في كتاب الروض الأنف المرتب أحسن ترتيب وأوضح تبيين
*2* خبر ملوك الطوائف
@ وأما صاحب الحضر وهو ساطرون فقد تقدم أنه كان مقدما على سائر ملوك الطوائف وكان من زمن اسكندر بن فلبيس المقدوني اليوناني وذلك لأنه لما غلب على ملك الفرس دارا بن دارا وأذل
مملكته وخرب بلاده واستباح بيضة قومه ونهب حواصله ومزق شمل الفرس شذر مذر عزم أن لا يجتمع لهم بعد ذلك شمل ولا يلتئم لهم أمر فجعل يقر كل ملك على طائفة من الناس في أقليم من أقاليم الأرض ما بين عربها وأعاجمها فاستمر كل ملك منهم يحمي حوزته ويحفظ حصته ويستغل محلته فإذا هلك قام ولده من بعده أو أحد قومه فاستمر الأمر كذلك قريبا من خمسمائة سنة حتى كان ازدشير بن بابك من بني ساسان بن بهمن بن أسفنديار بن يشتاسب بن لهراسب فأعاد ملكهم إلى ما كان عليه ورجعت الممالك برمتها إليه وأزال ممالك مملوك الطوائف ولم يبق منهم تالد ولا طارف وكان تأخر عليه حصار صاحب الحضر الذي كان أكبرهم وأشدهم وأعظمهم إذ كان رئيسهم ومقدمهم فلما مات أزدشير تصدى له ولده سابور فحاصره حتى أخذه كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم
*2* ذكر بني إسماعيل وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة
@ تقدم ذكر إسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الأنبياء وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه براهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لاأنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله ثم نزلت جرهم وهي طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ثم لما ترعرع الغلام وشب وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو إسماعيل على الصحيح ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي وجاءته بالبنين الاثنى عشر كما تقدم ذكرهم وهم نابت وقيذر ومنشا ومسمع وماشي ودما وأذر ويطور ونيشى وطيما وقيذما هكذا ذكره محمد
ابن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب وله ابنة واحدة اسمها نسمة وهي التي زوجها من ابن اخيه العيصو بن إسحاق بن إبراهيم فولد منها الروم وفارس والاشبان أيضا في احد القولين
ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بني أختهم فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بني إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن عيبر بن نبت بن جرهم وجرهم بن قحطان ويقال جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن ارفخشذ ابن سام بن نوح الجرهمي وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل مكة وكل منهما يعشر من مر به مجتازا إلى مكة ثم وقع بين جرهم وقطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع واستوثق الأمر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم وانتثارهم بمكة وبغيرها وذلك لخؤلتهم له ولعظمة البيت الحرام ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث ثم إلى عمرو بن الحارث ثم بغت جرهم بمكة وأكثرت فيها الفساد وألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال له اساف بن بغى وامرأة يقال لها نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه فكانا صنمين منصوبين يقال لهما إساف ونائلة فلما أكثرت جرهم بالبغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم وكانوا من ذرية عمرو بن عامر الذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم وقيل إن خزاعة من بني إسماعيل فالله أعلم
والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان وأجلوهم عن البيت فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي وهو سيدهم إلى غزالي الكعبة وهما من ذهب وحجر الركن وهو الحجر الأسود وإلى سيوف محلاة وأشياء أخر فدفنها في زمزم وعلم زمزم وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث ابن مضاض
وفائلة والدمع سكب مبادر * وقد شرقت بالدمع منها المحاجر
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فقلت لها والقلب مني كأنما * يلجلجه بين الجناحين طائر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا * صروف الليالي والجدود العواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابت * نطوف بذاك البيت والخير ظاهر
ونحن ولينا البيت من بعد نابت * بعز فما يحظى لدينا المكاثر
ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا * فليس لحي غيرنا ثم فاخر
ألم تنكحوا من خير شخص علمته * فأبناؤه منا ونحن الأصاهر
فإن تنثني الدنيا علينا بحالها * فإن لها حالا وفيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرة * كذلك يا للناس تجري المقادر
أقول إذا نام الخلي ولم أنم * أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منها أو جهالا أحبها * قبائل منها حمير ويحابر
وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة * بذلك عفتنا السنون الغوابر
فسحت دموع العين تبكي لبلدة * بها حرم أمن وفيها المشاعر
وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه * يظل به أمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا ترام أنيسة * إذا خرجت منه فليس تغادر
قال ابن إسحاق وقال عمرو بن الحارث بن مضاض أيضا يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة
يا أيها الناس سيروا إن قصاركم * أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها * قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا * دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا
قال ابن هشام هذا ماصح له منها وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ولم يسم قائلها وذكر السهيلي لهذه الأبيات أخوة وحكى عندها حكاية معجبة وانشادات معربة قال وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه فضائل مكة على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض
قد مال دهر علينا ثم أهلكنا * بالبغي فينا وبز الناس ناسونا
واستخبروا في صنيع الناس قبلكم * كما استبان طريق عنده الهونا
كنا زمانا ملوك الناس قبلكم * بمسكن في حرام الله مسكونا
*2* قصة خزاعة وعمرو بن لحي وعبادة العرب للأصنام
@
قال ابن إسحاق ثم أن غبشان من خزاعة وليت البيت دون بني بكر بن عبد مناة وكان الذي يليه منهم عمرو بن الحارث الغبشاني وقريش إذ ذاك حلول وصرم وبيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة قالوا وإنما سميت خزاعة خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا به قال عون بن أيوب الأنصاري ثم الخزرجي في ذلك
فلما هبطنا بطن مر تخزعت * خزاعة منا في حلول كراكر
حمت كل واد من تهامة واحتمت * بصم القنا والمرهفات البواتر
وقال أبو المطهر إسماعيل بن رافع الأنصاري الأوسي
فلما هبطنا بطن مكة أحمدت * خزاعة دار الآكل المتحامل
فحلت أكاريسا وشتت قنابلا * على كل حي بين نجد وساحل
نفوا جرهما عن بطن مكة واحتبوا * بعز خزاعي شديد الكواهل
فوليت خزاعة البيت يتوارثون ذلك كابرا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي الذي تزوج قصي بن كلاب ابنته حبى فولدت له بنيه الأربعة عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا ثم صار امر البيت إليه كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة واستمرت خزاعة على ولاية البيت نحوا من ثلاثمائة سنة وقيل خمسمائة سنة والله أعلم وكانوا سوس في ولايتهم وذلك لان في زمانهم كان أول عبادة الأوثان بالحجاز وذلك بسبب رئيسهم عمرو بن لحي لعنه الله فإنه أول من دعاهم إلى ذلك وكان ذا مال جزيل جدا يقال أنه فقأ أعين عشرين بعيرا وذلك عبارة عن أنه ملك عشرين ألف بعير وكان من عادة العرب أن من ملك ألف بعير فقأ عين واحد منها لأنه يدفع بذلك العين عنها وممن ذكر ذلك الأزرقي وذكر السهيلي أنه ربما ذبح أيام الحجيج عشرة آلاف بدنة وكسى عشرة آلاف حلة في كل سنة يطعم العرب ويحيس لهم الحيس بالسمن والعسل ويلت لهم السويق قالوا وكان قوله وفعله فيهم كالشرع المتبع لشرفه فيهم ومحلته عندهم وكرمه عليهم
قال ابن هشام حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره
فلما قدم آب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون قالوا له هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم ألا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه
قال ابن إسحاق ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل عليه السلام أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيث ما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه
وفي الصحيح عن أبي رجاء العطاردي قال كنا في الجاهلية إذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من التراب وجئنا بالشاة فحلبناها عليه ثم طفنا بها
قال ابن اسحاق واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم عليه السلام يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفات والمزدلفة وهدي البدن والاهلال بالحج والعمرة مع ادخالهم فيه ما ليس منه فكانت كنانة وقريش إذا هلوا قالوا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي
وقد ذكر السهيلي وغيره أن أول من لبى هذه التلبية عمرو بن لحي وأن إبليس تبدى له في صورة شيخ فجعل يلقنه ذلك فيسمع منه ويقول كما يقول واتبعه العرب في ذلك
وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمعهم يقولون لبيك لا شريك لك يقول قد قد أي حسب حسب وقد قال البخاري ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم نا إسرائيل عن أبي حفص عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر وإني رأيته يجر أمعاءه في النار تفرد به أحمد من هذا الوجه وهذا يقتضي أن عمرو بن لحي هو أبو خزاعة الذي تنسب إليه القبيلة بكمالها كما زعمه بعضهم من أهل النسب فيما حكاه ابن إسحاق وغيره ولو تركنا مجرد هذا لكان ظاهرا في ذلك بل كالنص ولكن قد جاء ما يخالفه من بعض الوجوه فقال البخاري وقال أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال سمعت سعيد بن المسيب قال البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها
شيء قال وقال أبو هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار كان أول من سيب السوائب وهكذا رواه البخاري ايضا ومسلم من حديث صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة به ثم قال البخاري ورواه ابن الهاد عن الزهري قال الحاكم أراد البخاري رواه ابن الهاد عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري كذا قال
وقد رواه أحمد عن عمرو بن سلمة الخزاعي عن الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة ولم يذكر بينهما عبد الوهاب بن بخت كما قال الحاكم فالله أعلم
وقال أحمد أيضا حدثنا عبد الرازق حدثنا معمر عن الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب وهذا منقطع من هذا الوجه والصحيح الزهري عن سعيد عنه كما تقدم وقوله في هذا الحديث والذي قبله الخزاعي يدل على أنه ليس والد القبيلة بل منتسب إليها مع ما وقع في الرواية من قوله أبو خزاعة تصحيف من الراوي من أخو خزاعة أو أنه كان يكنى بأبي خزاعة ولا يكون ذلك من باب الأخبار بأنه أبو خزاعة كلهم والله أعلم
وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن أبا صالح السمان حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم بن الجون الخزاعي يا أكثم رأيت عمرو بن لحي ابن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه فقال أكثم عسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال لا إنك مؤمن وهو كافر إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السائبة ووصل الوصيلة وحمى الحامي ليس في الكتب من هذا الوجه وقد رواه ابن جرير عن هناد بن عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه أو مثله وليس في الكتب أيضا وقال البخاري حدثني محمد بن أبي يعقوب ابو عبدالله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبة وهو أول من سيب السوائب تفرد به البخاري وروى الطبراني من طريق صالح عن ابن عباس مرفوعا في ذلك والمقصود أن عمرو بن لحي لعنه الله كان قد ابتدع لهم أشياء في الدين غير بها دين الخليل فاتبعه العرب في ذلك فضلوا بذلك ضلالا بعيدا بينا فظيعا شنيعا وقد أنكر الله تعالى عليهم في كتابه العزيز في غير ما آية منه فقال تعالى ولا تقولوا لم تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب الآية وقال تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وقد تكلمنا على هذا كله مبسوطا وبينا اختلاف السلف في تفسير ذلك فمن أراد فليأخذه
من ثم ولله الحمد والمنة وقال تعالى ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون وقال تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين
وقال البخاري في صحيحه
*2* باب جهل العرب
@ حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين وقد ذكرنا تفسير هذه الآية وما كانوا ابتدعوه من الشرائع الباطلة الفاسدة التي ظنها كبيرهم عمرو بن لحي قبحه الله مصلحة ورحمة بالدواب والبهائم وهو كاذب مفتر في ذلك ومع هذا الجهل والضلال اتبعه هؤلاء الجهلة الطغام فيه بل قد تابعوه فيما هو أطم من ذلك وأعظم بكثير وهو عبادة الأوثان مع الله عز وجل وبدلوا ما كان الله بعث به إبراهيم خليله من الدين القويم والصراط المستقيم من توحيد عبادة الله وحده لا شريك له وتحريم الشرك وغيروا شعائر الحج ومعالم الدين بغير علم ولا برهان ولا دليل صحيح ولا ضعيف واتبعوا في ذلك من كان قبلهم من الأمم المشركين وشابهوا قوم نوح وكانوا أول من أشرك بالله وعبد الأصنام ولهذا بعث الله إليهم نوحا وكان أول رسول بعث ينهى عن عبادة الأصنام كما تقدم بيانه في قصة نوح وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا الآية قال ابن عباس كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم فلما طال عليهم الأمد عبدوهم وقد بينا كيفية ما كان من أمرهم في عبادتهم بما أغنى عن إعادته ههنا
قال ابن إسحاق وغيره ثم صارت هذه الأصنام في العرب بعد تبديلهم دين إسماعيل فكان ود لبني كلب بن مرة بن غتلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكان منصوبا بدومة الجندل
وكان سواع لبني هذيل بن الياس بن مدركة بن مضر وكان منصوبا بمكان يقال له رهاط وكان يغوث لبني أنعم من طيء ولأهل جرش من مذحج وكان منصوبا بجرش وكان يعوق منصوبا بأرض همدان من اليمن لبني خيوان بطن من همدان وكان نسر منصوبا بأرض حمير لقبيلة يقال لهم ذو الكلاع
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
قال ابن إسحاق وكان لخولان بأرضهم صنم يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين الله فيما يزعمون فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي قسموه له تركوه له وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه وفيهم أنزل الله وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا قال وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد صخرة بفلاة من أرضهم طويلة فأقبل رجل منهم بابل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم فلما رأته الابل وكانت مرعية لا تركب وكان الصنم يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه وغضب ربها وأخذ حجرا فرماه به ثم قال لا بارك الله فيك نفرت على ابلي ثم خرج في طلبها فلما اجتمعت له قال
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا * فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة * من الأرض لا يدعو لغي ولا رشد
قال ابن إسحاق وكان في دوس صنم لعمرو بن حممة الدوسي قال وكانت قريش قد اتخذت صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل وقد تقدم فيما ذكره ابن هشام أنه أول صنم نصبه عمرو بن لحي لعنه الله
قال ابن إسحاق واتخذوا إسافا ونائلة على موضع زمزم ينحرون عندهما ثم ذكر أنهما كانا رجلا وامرأة فوقع عليها في الكعبة فمسخهما الله حجرين ثم قال حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت سمعت عائشة تقول ما زلنا نسمع أن اسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في الكعبة فمسخهما الله عز وجل حجرين والله أعلم وقد قيل إن الله لم يمهلهما حتى فجرا فيها بل مسخهما قبل ذلك فعند ذلك نصبا عند الصفا والمروة فلما كان عمرو بن لحي نقلهما فوضعهما على زمزم وطاف الناس بهما وفي ذلك يقول أبو طالب وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضي السيول من أساف ونائل
وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بكسر نائلة يوم الفتح خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتدعو بالويل والثبور وقد ذكر السهيلي أن أجا وسلمى وهما جبلان بأرض الحجاز إنما سميا باسم رجل اسمه أجا بن عبد الحي فجر بسلمى بنت حام فصلبا في هذين الجبلين فعرفا بهما قال وكان بين أجا وسلمى صنم لطي يقال له قلس
قال ابن إسحاق واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به
حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره وإذا قدم من سفره تمسح به فكان ذلك أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله قال فلما بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم بالتوحيد قالت قريش أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب قال ابن إسحاق وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما تهدي للكعبة وتطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها وهي مع ذلك تعرف فضل الكعبة عليها لانها بناء إبراهيم الخليل عليه السلام ومسجده وكانت لقريش وبني كنانة العزى بنخلة وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم وقد خربها خالد بن الوليد زمن الفتح كما سيأتي قال وكانت اللات لثقيف بالطائف وكانت سدنتها وحجابها بني معتب من ثقيف وخربها أبو سفيان والمغيرة بن شعبة بعد مجيء أهل الطائف كما سيأتي قال وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من اهل المدينة على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد وقد خربها أبو سفيان أيضا وقيل علي بن أبي طالب كما سيأتي قال وكان ذو الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة وكان يقال له الكعبة اليمانية ولبيت مكة الكعبة الشامية وقد خربه جرير بن عبدالله البجلي كما سيأتي قال وكان قلس لطي ومن يليها بجبلي طي بين أجا وسلمى وهما جبلان مشهوران كما تقدم قال وكان رآم بيتا لحمير وأهل اليمن كما تقدم ذكره في قصة تبع أحد ملوك حمير وقصة الحبرين حين خرباه وقتلا منه كلبا أسود قال وكانت رضاء بيتا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ولها يقول المستوغر واسمه كعب بن ربيعة بن كعب
ولقد شددت على رضاء شدة * فتركتها قفرا بقاع اسحما
وأعان عبدالله في مكروهها * وبمثل عبدالله أغشى المحرما
ويقال إن المستوغر هذا عاش ثلاثمائة سنة وثلاثين سنة وكان أطول مضر كلها عمرا وهو الذي يقول
ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من عدد السنين مئينا
مائة حدتها بعدها مائتان لي * وازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنا * يوم يمر وليلة تحدونا
قال ابن هشام ويروي هذه الأبيات لزهير بن جناب بن هبل قال السهيلي ومن المعمرين الذين جازوا المائتين والثلاثمائة زهير هذا وعبيد بن شربة ودغفل بن حنظلة النسابة والربيع بن ضبع الفزاري وذو الأصبع العدواني ونصر بن دهمان بن أشجع بن ريث بن غطفان وكان قد اسود شعره بعد ابيضاضه وتقوم ظهره بعد اعوجاجه قال وكان ذ الكعبات لبكر وتغلب بن وائل وأياد بسنداد وله يقول أعشى بن قيس بن ثعلبة
بين الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الشرفات من سنداد
وأول هذه القصيدة * ولقد علمت وأن تطاول بي المدى
أن السبيل سبيل ذي الأعواد
ماذا أؤمل بعد آل محرق * تركوا منازلهم وبعد إياد
نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يجيء من أطواد
أرض الخورنق والسدير وبارق * والبيت ذي الكعبات من سنداد
جرت الرياح على محل ديارهم * فكأنما كانوا على ميعاد
وأرى النعيم وكلما يلهى به * يوما يصير إلى بلى ونفاد
قال السهيل الخورنق قصر بناه النعمان الأكبر لسابور ليكون ولده فيه عنده وبناه رجل يقال له سنمار في عشرين ولم ير بناء أعجب منه فخشي النعمان أن يبنى لغيره مثله فألقاه من أعلاه فقتله ففي ذلك يقول الشاعر
جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء سنمار وما كان ذا ذنب
سوى رضفه البنيان عشرين حجة * يعد عليه بالقرامد والسكب
فلما انتهى البنيان يوما تمامه * وآض كمثل الطود والباذخ الصعب
رمى بسنمار على حق رأسه * وذاك لعمر الله من أقبح الخطب
قال السهيلي أنشده الجاحظ في كتاب الحيوان والسنمار من أسماء القمر والمقصود أن هذه البيوت كلها هدمت لما جاء الإسلام جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل بيت من هذه سرايا تخربه وإلى تلك الأصنام من كسرها حتى لم يبق للكعبة ما يضاهيها وعبدالله وحده لا شريك له كما سيأتي بيانه وتفصيله في مواضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة
*2* خبر عدنان جد عرب الحجاز
@ لا خلاف أن عدنان من سلالة اسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام واختلفوا في عدة الآباء بينه وبين اسماعيل على أقوال كثيرة فأكثر ما قيل أربعون أبا وهو الموجود عند أهل الكتاب أخذوه من كتاب رخيا كاتب أرميا بن حلقيا على ما سنذكره وقيل بينهما ثلاثون وقيل عشرون وقيل خمسة عشر وقيل عشرة وقيل تسعة وقيل سبعة وقيل إن أقل ما قيل في ذلك أربعة لما رواه موسى بن يعقوب عن عبدالله بن وهب بن زمعة الزمعي عن عمته عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال معد بن عدنان
ابن أدد بن زند بن اليرى بن اعراق الثرى قالت أم سلمة فزند هو الهميسع واليرى هو نابت وأعراق الثرى هو اسماعيل لأنه ابن ابراهيم وابراهيم لم تأكله النار كما أن النار لا تأكل الثرى قال الدارقطني لا نعرف زندا إلا في هذا الحديث وزند بن الجون وهو أبو دلامة الشاعر
قال الحافظ أبو القاسم السهيلي وغيره من الأئمة مدة ما بين عدنان إلى زمن اسماعيل أكثر من أن يكون بينهما أربعة أباء أو عشرة أو عشرون وذلك أن معد بن عدنان كان عمره زمن بخت نصر ثنتي عشرة سنة وقد ذكر أبو جعفر الطبري وغيره أن الله تعالى أوحى في ذلك الزمان إلى أرمياء بن حلقيا أن اذهب إلى بخت نصر فأعلمه أني قد سلطته على العرب وأمر الله أرميا أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كي لا تصيبه النقمة فيهم فإني مستخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرميا ذلك واحتمل معدا على البراق إلى أرض الشام فنشأ مع بني اسرائيل ممن بقي منهم بعد خراب بيت المقدس وتزوج هناك امرأة اسمها معانة بنت جوشن من بني دب بن جرهم قبل أن يرجع إلى بلاده ثم عاد بعد أن هدأت الفتن وتمحضت جزيرة العرب وكان رخيا كاتب أرمياء قد كتب نسبه في كتاب عنده ليكون في خزانة أرمياء فيحفظ نسب معد كذلك والله أعلم ولهذا كره مالك رحمه الله رفع النسب إلى ما بعد عدنان
قال السهيلي وإنما تكلمنا في رفع هذه الأنساب على مذهب من يرى ذلك ولم يكرهه كابن اسحاق والبخاري والزبير بن بكار والطبري وغيرهم من العلماء وأما مالك رحمه الله فقد سئل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم فكره ذلك وقال له من اين له علم ذلك فقيل له فإلى اسماعيل فأنكر ذلك أيضا وقال ومن يخبره به وكره أيضا أن يرفع في نسب الأنبياء مثل أن يقال ابراهيم بن فلان بن فلان هكذا ذكره المعيطي في كتابه
قال وقول مالك هذا نحو مما روى عن عروة بن الزبير أنه قال ما وجدنا أحدا يعرف ما بين عدنان واسماعيل وعن ابن عباس أنه قال بين عدنان واسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون وروى عن ابن عباس أيضا أنه كان إذا بلغ عدنان يقول كذب النسابون مرتين أو ثلاثا والأصح عن ابن مسعود مثله وقال عمر بن الخطاب إنما تنسب إلى عدنان وقال أبو عمر بن عبدالبر في كتابه الانباه في معرفة قبائل الرواه روى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا ما وراء قحطان الا تخرصا وقال أبو الأسود سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم يقول ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ولا علم عالم
قال أبو عمر وكان قوم من السلف منهم عبدالله بن مسعود وعمرو بن ميمون الأزدي ومحمد بن كعب القرظي إذا تلوا والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله قالوا كذب النسابون
قال أبو عمر رحمه الله والمعنى عندنا في هذا غير ما ذهبوا والمراد أن من ادعى احصاء بني آدم فإنهم لا يعلمهم إلا الله الذي خلقهم وأما أنساب العرب فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا وحفظوا جماهيرها وأمهات قبائلها واختلفوا في بعض فروع ذلك


قال أبو عمر والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان قالوا عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن اسماعيل بن ابراهيم الخليل عليهما السلام وهكذا ذكره محمد بن اسحاق بن يسار في السيرة
قال ابن هشام ويقال عدنان بن أد يعني عدنان بن أد بن أدد ثم ساق أبو عمر بقية النسب إلى آدم كما قدمناه في قصة الخليل عليه السلام وأما الأنساب إلى عدنان من سائر قبائل العرب فمحفوظة شهيرة جدا لا يتمارى فيها اثنان والنسب النبوي إليه أظهر وأوضح من فلق الصبح وقد ورد حديث مرفوع بالنص عليه كما سنورده في موضعه بعد الكلام على قبائل العرب وذكر أنسابها وانتظامها في سلك النسب الشريف والأصل المنيف إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم وما أحسن ما نظم النسب النبوي الإمام أبو العباس عبدالله بن محمد الناشىء في قصيدته المشهورة المنسوبة إليه وهي قوله
مدحت رسول الله أبغي بمدحه * وفور حظوظي من كريم المآرب
مدحت امرءا فاق
المديح موحدا * بأوصافه عن مبعد ومقارب
نبيا تسامى في المشارق نوره * فلاحت هواديه لأهل المغارب
أتتنا به الأنباء قبل مجيئه * وشاعت به الأخبار في كل جانب
وأصبحت الكهان تهتف باسمه * وتنفي به رجم الظنون الكواذب
وأنطقت الأصنام نطقا تبرأت * إلى الله فيه من مقال الأكاذب
وقالت لأهل الكفر قولا مبينا * أتاكم نبي من لؤي بن غالب
ورام استراق السمع جن فزيلت * مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له * لطول العمى من واضحات المذاهب
وجاء بآيات تبين أنها * دلائل جبار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حين تعممت * شعوب الضيا منه رؤس الأخاشب
ومنها نبوع الماء بين بنانه * وقد عدم الوراد قرب المشارب
فروى به جما غفيرا وأسهلت * بأعناقه طوعا اكف المذانب
وبئر طغت بالماء من مس سهمه * ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب
وضرع مراه فاستدر ولم يكن * به درة تصغي إلى كف حالب
ونطق فصيح من ذراع مبينة * لكيد عدو للعداوة ناصب
وإخباره بالأمر من قبل كونه * وعند بواديه بما في العواقب
ومن تلكم الآيات وحي أتي به * قريب المآني مستجم العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع * بليغا ولم يخطر على قلب خاطب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة * وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن رؤية مرتيء * ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل * وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
واتيان برهان وفرض شرائع * وقص احاديث ونص مآرب
وتصريف أمثال وتثبيت حجة * وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى * وعند حدوث المعضلات الغرائب
فيأتي على ما شئت من طرقاته * قويم المعاني مستدر الضرائب
يصدق منه البعض بعضا كأنما * يلاحظ معناه بعين المراقب
وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما * وصفناه معلوم بطول التجارب
تأتى بعبد الله أكرم والد * تبلج منه عن كريم المناسب
وشيبة ذي الحمد الذي فخرت به * قريش على أهل العلى والمناصب
ومن كان يستسقي الغمام بوجهه * ويصدر عن آرائه في النوائب
وهاشم الباني مشيد افتخاره * بغر المساعي وامتنان المواهب
وعبد مناف وهو علم قومه اشتطاط * الأماني واحتكام الرغائب
وإن قصيا من كريم غراسه * لفي منهل لم يدن من كف قاضب
به جمع الله القبائل بعد ما * تقسمها نهب الاكف السوالب
وحل كلاب من ذرى المجد معقلا * تقاصر عنه كل دان وغائب
ومرة لم يحلل مريرة عزمه * سفاه سفيه أو محوبة حائب
وكعب علا عن طالب المجد كعبه * فنال بأدنى السعي أعلا المراتب
وألوى لؤي بالعداة فطوعت * له همم الشم الانوف الأغالب
وفي غالب بأس أبي البأس دونهم * يدافع عنهم كل قرن مغالب
وكانت لفهر في قريش خطابه * بعوذ بها عند اشتجار المخاطب
وما زال منهم مالك خير مالك * وأكرم مصحوب وأكرم صاحب
وللنضر طول يقصر الطرف دونه * بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب
لعمري لقد أبدى كنانه قبله * محاسن تأبى إن تطوع لغالب
ومن قبله أبقى خزيمة حمده * تليد تراث عن حميد الأقارب
ومدركة لم يدرك الناس مثله * أعف وأعلى عن دني المكاسب
وإلياس كان اليأس منه مقارنا * لأعدائه قبل اعتداد الكتائب
وفي مضر يستجمع الفخر كله * إذا اعتركت يوما زحوف المقانب
وحل نزار من رياسة أهله * محلا تسامى عن عيون الرواقب
وكان معد عدة لولية * إذا خاف من كيد العدو المحارب
ومازال عدنان إذا عد فضله * توحد فيه عن قرين وصاحب
وأد تأدي الفضل منه بغاية * وأرث حواه عن قروم اشايب
وفي أدد حلم تزين بالحجا * إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب
ومازال يستعلي هميسع بالعلى * ويتبع آمال البعيد المراغب
ونبت بنته دوحة العز وابتنى * معاقله في مشمخر الأهاضب
وحيزت لقيذار سماحة حاتم * وحكمة لقمان وهمه حاجب
هموا نسل إسماعيل صادق وعده * فما بعده في الفخر مسعى لذاهب
وكان خليل الله أكرم من عنت * له الأرض من ماش عليها وراكب
وتارح مازالت له أريجة * تبين منه عن حميد المضارب
وناحور نحار العدى حفظت له * مآثر لما يحصها عد حاسب
وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة * يقد الطلى بالمرهفات القواضب
وأرغو ناب في الحروب محكم * ضنين على نفس المشح المغالب
وما فالغ في فضله تلو قومه * ولا عابر من دونهم في المراتب
وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم * سجايا في المصطفين الأطايب
ولملك أبوه كان في الروع رائعا * جريئا على نفس الكمي المضارب
ومن قبل لملك لم يزل متوشلخ * يذود العدى بالذائدات الشوازب
وكانت لإدريس النبي منازل * من الله لم تقرن بهمة راغب
ويارد بحر عند آل سراته * أبى الخزايا مستدق المآرب
وكانت لمهلاييل فهم فضائل * مهذبة من فاحشات المثالب
وقينان من قبل اقتنى مجد قومه * وفاد بشأو الفضل وخد الركائب
وكان أنوش ناش للمجد نفسه * ونزهها عن مرديات المطالب
ومازال شيث بالفضائل فاضلا * شريفا بريئا من ذميم المعائب
وكلهم من نور آدم أقبسوا * وعن عوده أجنوا ثمار المناقب
وكان رسول الله أكرم منجب * جرى في ظهور الطيبين المناجب
مقابلة آباؤه أمهاته * مبرأة من فاضحات المثالب
عليه سلام الله في كل شارق * ألاح لنا ضوءا وفي كل غارب
هكذا أورد القصيدة الشيخ أبو عمر بن عبدالبر وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه من شعر الأستاذ أبي العباس عبدالله بن محمد الناشي المعروف بابن شرشير أصله من الأنبار ورد بغداد ثم ارتحل إلى مصر فأقام بها حتى مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين وكان متكلما معتزليا يحكي عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات فيما يحكي عن المعتزلة وكان شاعرا مطبقا حتى أن من جملة اقتداره على الشعر كان يعاكس الشعراء في المعاني فينظم في مخالفتهم ويبتكر ما لا يطيقونه من المعاني البديعة والألفاظ البليغة حتى نسبه بعضهم إلى التهوس والاختلاط وذكر الخطيب البغدادي أن له قصيدة على قافية واحدة قريبا من أربعة آلاف بيت ذكرها الناجم وأرخ وفاته كما ذكرنا
قلت وهذه القصيدة تدل على فضيلته وبراعته وفصاحته وبلاغته وعلمه وفهمه وحفظه وحسن لفظه واطلاعه واضطلاعه واقتداره على نظم هذا النسب الشريف في سلك شعره وغوصه على هذه المعاني التي هي جواهر نفيسة من قاموس بحره فرحمه الله وأثابه وأحسن مصيره وإيابه
*2* أصول أنساب عرب الحجاز إلى عدنان
@ وذلك لأن عدنان ولد له ولدان معد وعك قال السهيلي ولعدنان أيضا ابن اسمه الحارث وآخر يقال له المذهب قال وقد ذكر أيضا في بنيه الضحاك وقيل إن الضحاك ابن لمعد لا ابن عدنان قال وقيل إن عدن الذي تعرف به مدينة عدن وكذلك أبين كانا ابنين لعدنان حكاه الطبري فتزوج عك في الأشعريين وسكن في بلادهم من اليمن فصارت لغتهم واحدة فزعم بعض أهل اليمن أنهم منهم فيقولون عك بن عدنان بن عبدالله بن الأزد بن يغوث ويقال عك بن عدنان بن الذيب بن عبدالله
ابن الأسد ويقال الريث بدل الذيب والصحيح ما ذكرنا من أنهم من عدنان قال عباس بن مرداس
وعك بن عدنان الذين تلعبوا * بغسان حتى طردوا كل مطرد
وأما معد فولد له أربعة نزار وقضاعة وقنص وإياد وكان قضاعة بكره وبه كان يكنى وقد قدمنا الخلاف في قضاعة ولكن هذا هو الصحيح عند ابن اسحاق وغيره والله أعلم
وأما قنص فيقال إنهم هلكوا ولم يبق لهم بقية إلا أن النعمان بن المنذر الذي كان نائبا لكسرى على الحيرة كان من سلالته على قول طائفة من السلف وقيل بل كان من حمير كما تقدم والله أعلم
وأما نزار فولد له ربيعة ومضر وأنمار قال ابن هشام وإياد بن نزار كما قال الشاعر
وفتو حسن أوجههم * من إياد بن نزار بن معد
قال وإياد ومضر شقيقان أمهما سودة بنت عك بن عدنان وأم ربيعة وأنمار شقيقة بنت عك بن عدنان ويقال جمعة بنت عك بن عدنان قال ابن اسحاق فأما أنمار فهو والد خثعم وبجيلة قبيلة جرير بن عبدالله البجلي قال وقد تيامنت فلحقت باليمن قال ابن هشام وأهل اليمن يقولون أنمار بن أراش بن لحيان بن عمرو بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ قلت والحديث المتقدم في ذكر سبأ يدل على هذا والله أعلم
قالوا وكان مضر أول من حدا وذلك لأنه كان حسن الصوت فسقط يوما عن بعيره فوثبت يده فجعل يقول وايدياه وايدياه فأعنقت الإبل لذلك قال ابن اسحاق فولد مضر بن نزار رجلين الياس وعيلان وولد لالياس مدركة وطابخة وقمعة وأمهم خندف بنت عمران بن الحاف بن قضاعة قال ابن اسحاق وكان اسم مدركة عامرا واسم طابخة عمرا ولكن اصطاد صيدا فبيناهما يطبخانه إذ نفرت الإبل فذهب عامر في طلبها حتى أدركها وجلس الآخر يطبخ فلما راحا على أبيهما ذكرا له ذلك فقال لعامر أنت مدركة وقال لعمرو أنت طابخة قال وأما قمعة فيزعم نساب مضران خزاعة من ولد عمرو ابن لحي بن قمعة بن الياس قلت والأظهر أنه منهم لا والدهم وأنهم من حمير كما تقدم والله أعلم
قال ابن اسحاق فولد مدركة خزيمة وهذيل وأمهما امرأة من قضاعة وولد خزيمة كنانة وأسدا وأسدة والهون وزاد أبو جعفر الطبري في أبناء كنانة على هؤلاء الأربعة عامرا والحارث والنضير
وغنما وسعدا وعوفا وجرولا والحدال وغزوان قال وولد كنانة النضر ومالكا وعبد مناة وملكان
*2* قريش نسبا واشتقاقا وفضلا وهم بنو النضر بن كنانة
@ قال ابن اسحاق وأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة وسائر بنيه لامرأة أخرى وخالفه ابن هشام فجعل برة بنت مرام النضر ومالك وملكان وأم عبد مناة هالة بنت سويد بن الغطريف من أزد شنوءة قال ابن هشام النضر هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي وقال ويقال فهر بن مالك هو قريش فمن كان من ولده فهو قرشي ومن لم يكن من ولده فليس بقرشي وهذان القولان قد حكاهما غير واحد من أئمة النسب كالشيخ أبي عمر بن عبدالبر والزبير بن بكار ومصعب وغير واحد قال أبو عبيد وابن عبدالبر والذي عليه الأكثرون أنه النضر بن كنانة لحديث الأسعد بن قيس قلت وهو الذي نص عليه هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأبو عبيدة معمر بن المثنى وهو جادة مذهب الشافعي رضي الله عنه ثم اختار أبو عمر أنه فهر بن مالك واحتج بأنه ليس أحد اليوم ممن ينتسب إلى قريش إلا وهو يرجع في نسبه إلى فهر بن مالك ثم حكى اختيار هذا القول عن الزبير بن بكار ومصعب الزبيري وعلي بن كيسان قال وإليهم المرجع في هذا الشأن وقد قال الزبير بن بكار وقد أجمع نساب قريش وغيرهم أن قريشا إنما تفرقت من فهر بن مالك والذي عليه من أدركت من نساب قريش أن ولد فهر بن مالك قرشي وأن من جاوز فهر بن مالك بنسبه فليس من قريش ثم نصر هذا القول نصرا عزيزا وتحامى له بأنه ونحوه أعلم بأنساب قومهم وأحفظ لما آثرهم وقد روى البخاري من حديث كليب بن وائل قال قلت لربيبة النبي صلى الله عليه وسلم يعني زينب في حديث ذكره أخبريني عن النبي صلى الله عليه وسلم أكان من مضر قالت فممن كان إلا من مضر من بني النضر بن كنانة وقال الطبراني ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا اسماعيل بن عمرو البجلي ثنا الحسن بن صالح عن أبيه عن الجشيش الكندي قال جاء قوم من كندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أنت منا وادعوه فقال لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا
وقال الإمام أبو عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد ثنا أبي ثنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس
قال جاء رجل من كندة يقال له الجشيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نزعم أن عبد مناف منا فاعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك ثم أعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا فقال الأشعث ألا كنت سكت من المرة الأولى فأبطل ذلك قولهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا غريب أيضا من هذا الوجه والكلبي ضعيف والله أعلم
وقد قال الإمام أحمد حدثنا بهز وعفان قالا ثنا حماد بن سلمة قال ثنى عقيل بن أبي طلحة وقال عفان عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن الهيصم عن الأشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة قال عفان لا يروني أفضلهم قال فقلت يا رسول الله إنا نزعم أنكم منا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن بنو النضر بن كنانة لا نقف أمنا ولا ننتفي من أبينا قال فقال الأشعث بن قيس فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد وهكذا رواه ابن ماجه من طرق عن حماد بن سلمة به وهذا إسناد جيد قوي وهو فيصل في هذه المسألة فلا التفات إلى قول من خالفه والله أعلم ولله الحمد والمنة وقد قال جرير بن عطية التميمي يمدح هشام بن عبدالملك بن مروان
فما الأم التي ولدت قريشا * بمقرفة النجار ولا عقيم
وما قرم بأنجب من أبيكم * ولا خال بأكرم من تميم
قال ابن هشام يعني أم النضر بن كنانة وهي برة بنت مر أخت تميم بن مر
وأما اشتقاق قريش فقيل من التقرش وهو التجمع بعد التفرق وذلك في زمن قصي بن كلاب فإنهم كانوا متفرقين فجمعهم بالحرم كما سيأتي بيانه وقد قال حذافة بن غانم العدوي
أبوكم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
وقال بعضهم كان قصي يقال له قريش قيل من التجمع والتقرش التجمع كما قال أبو خلدة اليشكري
إخوة قرشوا الذنوب علينا * في حديث من دهرنا وقديم
وقيل سميت قريش من التقرشي وهو التكسب والتجارة حكاه ابن هشام رحمه الله وقال الجوهري القرش الكسب والجمع وقد قرش يقرش قال الفراء وبه سميت قريش وهي قبيلة وأبوهم النضر بن كنانة فكل من كان من ولده فهو قرشي دون ولد كنانة فما فوقه وقيل من التفتيش قال هشام بن الكلبي كان النضر بن كنانة تسمى قريشا لأنه كان يقرش عن خلة الناس وحاجتهم فيسدها بماله والتقريش هو التفتيش وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن الحاجة فيرفدونهم بما يبلغهم بلادهم فسموا بذلك من فعلهم وقرشهم قريشا وقد قال الحارث بن حلزة في بيان أن التقرش التفتيش
أيها الناطق المقرش عما * عند عمرو فهل له إبقاء
حكى ذلك الزبير بن بكار وقيل قريش تصغير قرش وهو دابة في البحر قال بعض الشعراء
وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا
قال البيهقي أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني حدثنا محمد بن الحسن بن الخليل النسوي أن أبا كريب حدثهم حدثنا وكيع بن الجراح عن هشام بن عروة عن أبيه عن أبي ركانة العامري أن معاوية قال لابن عباس فلم سميت قريش قريشا فقال لدابة تكون في البحر تكون أعظم دوابه فيقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته قال فأنشدني في ذلك شيئا فأنشده شعر الجمحي إذ يقول
وقريش هي التي تسكن البحر * بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا * تتركن لذي الجناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش * يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي * يكثر القتل فيهم والخموشا
وقيل سموا بقريش بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة وكان دليل بني النضر وصاحب ميرتهم فكانت العرب تقول قد جاءت عير قريش قالوا وابن بدر بن قريش هو الذي حفر البئر المنسوبة إليه التي كانت عندها الوقعة العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله أعلم
ويقال في النسبة إلى قريش قرشي وقريشي قال الجوهري وهو القياس قال الشاعر
لكل قريشي عليه مهابة * سريع إلى داعي الندا والتكرم
قال فإذا أردت بقريش الحي صرفته وإن أردت القبيلة منعته قال الشاعر في ترك الصرف وكفى قريش المعضلات وسادها
وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي عمر والأوزاعي قال حدثني شداد أبو عمار حدثني واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بني هاشم قال أبو عمر بن عبدالبر يقال بنو عبدالمطلب فصيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنو هاشم فخذه وبنو عبد مناف بطنه وقريش عمارته وبنو كنانة قبيلته ومضر شعبه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين
ثم قال ابن اسحاق فولد النضر بن كنانة مالكا ومخلدا قال ابن هشام والصلت وأمهم جميعا بنت سعد بن الظرب العدواني قال كثير بن عبدالرحمن وهو كثير عزة أحد بني مليح بن عمرو من خزاعة
أليس أبي بالصلت أم ليس إخوتي * لكل هجان من بني النضر أزهرا
رأيت ثياب العصب مختلط السدي * بنا وبهم والحضرمي المخصرا
فإن لم تكونوا من بني النضر فاتركوا * أراكا بأذناب الفواتج أخضرا
قال ابن هشام وبنو مليح بن عمرو يعزون إلى صلت بن النضر
قال ابن اسحاق فولد مالك بن النضر فهر بن مالك وأمه جندلة بنت الحارث بن مضاض الأصغر وولد فهر غالبا ومحاربا والحارث وأسدا وأمهم ليلى بنت سعد بن هذيل بن مدركة
قال ابن هشام وأختهم لأبيهم جندلة بنت فهر قال ابن اسحاق فولد غالب بن فهر لؤي بن غالب وتيم بن غالب وهم الذين يقال لهم بنو الأدرم وأمهما سلمى بنت عمرو الخزاعي قال ابن هشام وقيس بن غالب وأمه سلمى بنت كعب بن عمرو الخزاعي وهي أم لؤي قال ابن اسحاق فولد لؤي بن غالب أربعة نفر كعبا وعامرا وسامة وعوفا قال ابن هشام ويقال والحارث وهم جشم بن الحارث في هزان من ربيعة وسعد بن لؤي وهما بنانة في شيبان بن ثعلبة وبنانة حاضنة لهم وخزيمة بن لؤي وهم عايذة في شيبان بن ثعلبة
ثم ذكر ابن اسحاق خبر سامة بن لؤي وأنه خرج إلى عمان فكان بها وذلك لشنآن كان بينه وبين أخيه عامر فأخافه عامر فخرج عنه هاربا إلى عمان وأنه مات بها غريبا وذلك أنه كان يرعى ناقته فعلقت حية بمشفرها فوقعت لشقها ثم نهشت الحية سامة حتى قتلته فيقال إنه كتب بأصبعه على الأرض
عين فأبكي لسامة بن لؤي * علقت ما بسامة العلاقه
لا أرى مثل سامة بن لؤي * يوم حلوا به قتيلا لناقه
بلغا عامرا وكعبا رسولا * أن نفسي إليهما مشتاقه
إن تكن في عمان داري فإني * غالبي خرجت من غير فاقه
رب كأس هرقت يا ابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه
رمت دفع الحتوف يابن لؤي * ما لمن رام ذاك بالحتف طاقة
وخروس السرى تركت رزيا * بعد جد وحدة ورشاقه
قال ابن هشام وبلغني ان بعض ولده أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتسب إلى سامة بن لؤي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم آلشاعر فقال له بعض أصحابه كأنك يا رسول الله أردت قوله
رب كأس هرقت يابن لؤي * حذر الموت لم تكن مهراقه
فقال أجل وذكر السهيلي عن بعضهم أنه لم يعقب وقال الزبير ولد أسامة بن لؤي غالبا والنبيت والحارث قالوا وكانت له ذرية بالعراق يبغضون عليا ومنهم علي بن الجعد كان يشتم أباه لكونه سماه عليا ومن بني سامة بن لؤي محمد بن عرعرة بن اليزيد شيخ البخاري
وقال ابن اسحاق وأما عوف بن لؤي فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان أبطىء به فانطلق من كان معه من قومه فأتاه ثعلبة بن سعد وهو أخوه في نسب بني ذبيان فحبسه وزوجه والتاطه وآخاه فشاع نسبه في ذبيان وثعلبة فيما يزعمون
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير أو محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن الحصين أن عمر بن الخطاب قال لو كنت مدعيا حيا من العرب أو ملحقهم بنا لادعيت بني مرة بن عوف إنا لنعرف منهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع يعني عوف بن لؤي
قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم أن عمر بن الخطاب قال لرجال منهم من بني مرة إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه قال ابن اسحاق وكان القوم أشرافا في غطفان هم سادتهم وقادتهم قوم لهم صيت في غطفان وقيس كلها فأقاموا على نسبهم قالوا وكانوا يقولون إذا ذكر لهم نسبهم ما ننكره وما نجحده وإنه لأحب النسب إلينا ثم ذكر أشعارهم في انتمائهم إلى لؤي قال ابن اسحاق وفيهم كان البسل وهو تحريم ثمانية أشهر لهم من كل سنة من بين العرب وكانت العرب تعرف لهم ذلك ويأمنونهم فيها ويؤمنونهم أيضا قلت وكانت ربيعة ومضر إنما يحرمون أربعة أشهر من السنة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم واختلفت ربيعة ومضر في الرابع وهو رجب فقالت مضر هو الذي بين جمادى وشعبان وقالت ربيعة هو الذي بين شعبان وشوال وقد ثبت في الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة حجة الوداع إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان فنص على ترجيح قول مضر لا ربيعة وقد قال الله عز وجل إن عدة الشهور عند الله اثنى عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فهذا رد على بني عوف بن لؤي في جعلهم الأشهر الحرم ثمانية فزادوا على حكم الله وأدخلوا فيه ما ليس منه وقوله في الحديث ثلاث متواليات رد على أهل النسيء الذين كانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر وقوله فيه ورجب مضر رد على ربيعة قال ابن اسحاق فولد كعب بن لؤي ثلاثة مرة وعديا وهصيصا وولد مرة ثلاثة أيضا كلاب بن مرة وتيم بن مرة ويقظة بن مرة من أمهات ثلاث قال وولد كلاب رجلين قصي بن كلاب وزهرة بن كلاب وأمهما فاطمة بنت سعد بن سيل أحد الجدرة من جعثمة الأسد من اليمن حلفاء بني الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وفي أبيها يقول الشاعر
ما نرى في الناس شخصا واحدا * من علمناه كسعد بن سيل
فارسأ أضبط فيه عسرة * وإذا ما واقف القرن نزل
فأرسأ يستدرج الخيل كما استدرج * الحر القطامي الحجل
قال السهيلي سيل اسمه خير بن جمالة وهو أول من طليت له السيوف بالذهب والفضة
قال ابن اسحاق وانما سمو الجدرة لأن عامر بن عمرو بن خزيمة بن جعثمة تزوج بنت الحارث بن مضاض الجرهمي وكانت جرهم إذ ذاك ولاة البيت فبنى للكعبة جدارا فسمى عامر بذلك الجادر فقيل لولده الجدرة لذلك
*2* خبر قصي بن كلاب وارتجاعه ولاية البيت إلى قريش وانتزاعه ذلك من خزاعة
@ وذلك أنه لما مات أبوه كلاب تزوج أمه ربيعة بن حرام من عذرة وخرج بها وبه إلى بلاده ثم قدم قصي مكة وهو شاب فتزوج حبى ابنة رئيس خزاعة خليل بن حبشية فأما خزاعة فزعم أن حليلا أوصى إلى قصي بولاية البيت لما رأى من كثرة نسله من ابنته وقال أنت أحق بذلك مني قال
ابن اسحاق ولم نسمع ذلك إلا منهم وأما غيرهم فإنهم يزعمون أنه استغاث بإخوته من أمه وكان رئيسهم رزاح بن ربيعة وأخوته وبني كنانة وقضاعة ومن حول مكة من قريش وغيرهم فأجلاهم عن البيت واستقل هو بولاية البيت لأن إجازة الحجيج كانت إلى صوفة وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر فكان الناس لا يرمون الجمار حتى يرموا ولا ينفرون من منى حتى ينفروا فلم يزل كذلك فيهم حتى انقرضوا فورثهم ذلك بالقعدد بنو سعد بن زيد مناة بن تميم فكان أولهم صفوان بن الحارث بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم وكان ذلك في بيته حتى قام على آخرهم الإسلام وهو كرب بن صفوان وكانت الإجازة من المزدلفة في عدوان حتى قام الإسلام على آخرهم وهو أبو سيارة عميلة بن الأعزل وقيل اسمه العاص واسم الأعزل خالد وكان يجيز بالناس على أتان له عوراء مكث يدفع عليها في الموقف أربعين سنة وهو أول من جعل الدية مائة وأول من كان يقول أشرق ثبير كيما نغير حكاه السهيلي
وكان عامر بن الظرب العدواني لا يكون بين العرب نائرة إلا تحاكموا إليه فيرضون بما يقضي به فتحاكموا إليه مرة في ميراث خنثى فبات ليلته ساهرا يتروى ماذا يحكم به فرأته جارية له كانت ترعى عليه غنمه اسمها سخيلة فقالت له ما لك لا أبالك الليلة ساهرا فذكر لها ما هو مفكر فيه وقال لعلها يكون عندها في ذلك شيء فقالت ابتع القضاء المبال فقال فرجتها والله يا سخيلة وحكم بذلك
قال السهيلي وهذا الحكم من باب الاستدلال بالإمارات والعلامات وله أصل في الشرع قال الله تعالى وجاءوا على قميصه بدم كذب حيث لا أثر لأنياب الذئب فيه وقال تعالى إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين وفي الحديث أنظروها فإن جاءت به أورق جعدا جماليا فهو الذي رميت به قال ابن اسحاق وكان النسيء في بني فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر قال ابن اسحاق وكان أول من نسأ الشهور على العرب القلمس وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي ثم قام بعده ابنه عباد ثم قلع بن عباد ثم أمية بن قلع ثم عوف بن أمية ثم كان آخرهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن قلع بن عباد بن حذيفة وهو القلمس فعلى أبي ثمامة قام الإسلام وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فخطبهم فحرم الأشهر الحرم فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم وجعل مكانه صفرا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيقول اللهم إني أحللت أحد الصفرين الصفر الأول وانسأت الآخر للعام المقبل فتتبعه العرب في ذلك ففي ذلك يقول عمير بن قيس أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ويعرف عمير بن قيس هذا بجدل الطعان
لقد علمت معد أن قومي * كرام الناس أن لهم كراما
فأي الناس فاتوا بوتر * وأي الناس لم نعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معد * شهور الحل نجعلها حراما
وكان قصي في قومه سيدا رئيسا مطاعا معظما والمقصود أنه جمع قريشا من متفرقات مواضعهم من جزيرة العرب واستعان بمن أطاعه من أحياء العرب على حرب خزاعة واجلائهم عن البيت وتسليمه إلى قصي فكان بينهم قتال كثيرة ودماء غزيرة ثم تداعوا إلى التحكيم فتحاكموا إلى يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فحكم بأن قصيا أولى بالبيت من خزاعة وإن كل دم أصابه قصي من خزاعة وبني بكر موضوع بشدخه تحت قدميه وأن ما أصابته خزاعة وبنو بكر من قريش وكنانة وقضاعة ففيه الدية مؤداة وأن يخلى بين قصي وبين مكة والكعبة فسمي يعمر يومئذ الشداخ
قال ابن اسحاق فولي قصي البيت وأمر مكة وجمع قومه من منازلهم إلى مكة وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه إلا أنه أقر العرب على ما كانوا عليه لأنه يرى ذلك دينا في نفسه لا ينبغي تغييره فأقر آل صفوان وعدوان والنسأة ومرة بن عوف على ما كانوا عليه حتى جاء الإسلام فهدم الله به ذلك كله قال فكان قصي أول بني كعب أصاب ملكا أطاع له به قومه وكانت إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف مكة كله وقطع مكة رباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش منازلهم من مكة
قلت فرجع الحق إلى نصابه ورد شارد العدل بعد إيابه واستقرت بقريش الدار وقضت من خزاعة المراد والأوطار وتسلمت بيتهم العتيق القديم لكن بما أحدثت خزاعة من عبادة الأوثان ونصبها إياها حول الكعبة ونحرهم لها وتضرعهم عندها واستنصارهم بها وطلبهم الرزق منها وأنزل قصي قبائل قريش أباطح مكة وأنزل طائفة منهم ظواهرها فكان يقال قريش البطاح وقريش الظواهر فكانت لقصي بن كلاب جميع الرئاسة من حجابة البيت وسدانته واللواء وبنى دارا لإزاحة الظلمات وفصل الخصومات سماها دار الندوة إذا أعضلت قضية اجتمع الرؤساء من كل قبيلة فاشتوروا فيها وفصلوها ولا يعقد عقد لواء ولا عقد نكاح إلا بها ولا تبلغ جارية أن تدرع فتدرع إلا بها وكان باب هذه الدار إلى المسجد الحرام ثم صارت هذه الدار فيما بعد إلى حكيم بن حزام بعد بني عبد الدار فباعها في زمن معاوية بمائة ألف درهم فلامه على بيعها معاوية وقال بعت شرف قومك بمائة ألف فقال إنما الشرف اليوم بالتقوى والله لقد ابتعتها في الجاهلية بزق خمر وها أنا قد بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها صدقة في سبيل الله فأينا المغبون ذكره الدارقطني في أسماء رجال الموطأ وكانت إليه سقاية الحجيج فلا يشربون إلا من ماء حياضه وكانت زمزم إذ ذاك مطموسة من زمن جرهم قد تناسوا أمرها من تقادم عهدها ولا يهتدون إلى موضعها قال الواقدي وكان قصي أول من أحدث وقيد النار بالمزدلفة ليهتدي إليها من يأتي من عرفات والرفادة وهي إطعام الحجيج أيام الموسم الى أن يخرجوا راجعين إلى بلادهم
قال ابن اسحاق وذلك أن قصيا فرضه عليهم فقال لهم يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل مكة وأهل الحرم وأن الحجاج ضيف الله وزوار بيته وهم أحق بالضيافة فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك في كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى فجرى ذلك من أمره في الجاهلية حتى قام الإسلام ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج
قلت ثم انقطع هذا بعد ابن اسحاق ثم أمر بإخراج طائفة من بيت المال فيصرف في حمل زاد وماء لأبناء السبيل القاصدين إلى الحج وهذا صنيع حسن من وجوه يطول ذكرها ولكن الواجب أن يكون ذلك من خالص بيت المال من أحل ما فيه والأولى أن يكون من جوالي الذمة لأنهم لا يحجون البيت العتيق وقد جاء في الحديث من استطاع الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا
وقال قائلهم في مدح قصي وشرفه في قومه
قصي لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
همو املؤا البطحاء مجدا وسؤددا * وهم طردوا عنا غواة بني بكر
قال ابن اسحاق ولما فرغ قصي من حربه انصرف أخوه رزاح بن ربيعة إلى بلاده بمن معه وإخوته من أبيه الثلاثة وهم حن ومحمود وجلهمة قال رزاح في إجابته قصيا
ولما أتى من قصي رسول * فقال الرسول أجيبوا الخليلا
نهضنا إليه نقود الجياد * ونطرح عنا الملول الثقيلا
نسير بها الليل حتى الصباح * ونكمي النهار لئلا نزولا
فهن سراع كورد القطا * يجبن بنا من قصي رسولا
جمعنا من السرمن اشمذين
ومن كل حي جمعنا قبيلا
فيالك حلبة ما ليلة * تزيد على الألف سيبا رسيلا
فلما مررن على عسجر * وأسهلن من مستناخ سبيلا
وجاوزن بالركن من ورقان * وجاوزن بالعرج حيا حلولا
مررن على الحلي ما ذقنه * وعالجن من مر ليلا طويلا
ندني من العوذ أفلاءها * ارادة أن يسترقن الصهيلا
فلما انتهينا إلى مكة * أبحنا الرجال قبيلا قبيلا
نعاورهم ثم حد السيوف * وفي كل أوب خلسنا العقولا
نخبزهم
بصلاب النسور * خبز القوي العزيز الذليلا
قتلنا خزاعة في دارها * وبكرا قتلنا وجيلا فجيلا
نفيناهم من بلاد المليك * كما لا يحلون أرضا سهولا
فأصبح سيبهم في الحديد * ومن كل حي شفينا الغليلا
قال ابن اسحاق فلما رجع رزاح إلى بلاده نشره الله ونشر حنا فهما قبيلا عذرة إلى اليوم
قال ابن اسحاق وقال قصي بن كلاب في ذلك
أنا ابن العاصمين بني لؤي * بمكة منزلي وبها ربيت
إلى البطحاء قد علمت معد * ومروتها رضيت بها رضيت
فلست لغالب أن لم تأثل * بها أولاد قيذر والنبيت
رزاح ناصري وبه أسامي * فلست أخاف ضيما ما حييت
وقد ذكر الأموي عن الأشرم عن أبي عبيدة عن محمد بن حفص أن رزاحا إنما قدم بعدما نفى قصي خزاعة والله أعلم
*2* فصل : ( تفويض قصي أمر الوظائف لابنه عبد الدار ) .
@ ثم لما كبر قصي فوض أمر هذه الوظائف التي كانت إليه من رئاسات قريش وشرفها من الرفادة والسقاية والحجابة واللواء والندوة إلى ابنه عبد الدار وكان أكبر ولده وإنما خصصه بها كلها لأن بقية أخوته عبد مناف وعبد الشمس وعبدا كانوا قد شرفوا في زمن أبيهم وبلغوا في قوتهم شرفا كبيرا فأحب قصي أن يلحق بهم عبد الدار في السؤدد فخصصه بذلك فكان أخوته لا ينازعونه في ذلك فلما انقرضوا تشاجر أبناؤهم في ذلك وقالوا إنما خصص قصي عبد الدار بذلك ليلحقه بإخوته فنحن نستحق ما كان آباؤنا يستحقونه وقال بنو عبد الدار هذا أمر جعله لنا قصي فنحن أحق به واختلفوا اختلافا كثيرا وانقسمت بطون قريش فرقتين ففرقة بايعت عبد الدار وحالفتهم وفرقة بايعت بني عبد مناف وحالفوهم على ذلك ووضعوا أيديهم عند الحلف في جفنة فيها طيب ثم لما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة فسموا حلف المطيبين وكان منهم من قبائل قريش بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو زهرة وبنو تيم وبنو الحارث بن فهر وكان مع بني عبد الدار بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي واعتزلت بنو عامر بن لؤي ومحارب بن فهر الجميع فلم يكونوا مع واحد منهما ثم اصطلحوا واتفقوا على أن تكون الرفادة والسقاية لبني عبد مناف وأن تستقر الحجابة واللواء والندوة في بني عبد الدار فانبرم الأمر على ذلك واستمر
وحكى الأموي عن الأشرم عن أبي عبيدة قال وزعم قوم من خزاعة أن قصيا لما تزوج حبى بنت حليل ونقل حليل عن ولاية البيت جعلها إلى ابنته حبى واستناب عنها أبا غبشان سليم بن عمرو بن لؤي بن ملكان بن قصي بن حارثة بن عمرو بن عامر فاشترى قصي ولاية البيت منه بزق خمر وقعود فكان يقال أخسر من صفقة أبي غبشان ولما رأت خزاعة ذلك اشتدوا على قصي فاستنصر أخاه فقدم بمن معه وكان ما كان ثم فوض قصي هذه الجهات التي كانت إليه من السدانة والحجابة واللواء والندوة والرفادة والسقاية إلى ابنه عبد الدار كما سيأتي تفصيله وإيضاحه وأقر الإجازة من مزدلفة في بني عدوان وأقر النسيء في فقيم وأقر الإجازة وهو النفر في صوفة كما تقدم بيان ذلك كله مما كان بأيديهم قبل ذلك



يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 04:33 AM
قال ابن اسحاق فولد قصي أربعة نفر وامرأتين عبد مناف وعبد الدار وعبد العزى وعبدا وتخمر وبرة وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي وهو آخر من ولى البيت من خزاعة ومن يده أخذ البيت قصي بن كلاب قال ابن هشام فولد عبد مناف بن قصي أربعة نفر هاشما وعبد شمس والمطلب وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال ونوفل بن عبد مناف وأمه واقدة بنت عمرو المازنية قال ابن هشام وولد لعبد مناف أيضا أبو عمرو وتماضر وقلابة وحية وريطة وأم الأخثم وأم سفيان قال ابن هشام وولد هاشم بن عبد مناف أربعة نفر وخمس نسوة عبدالمطلب واسدا وأبا صيفي ونضلة والشفا وخالدة وضعيفة ورقية وحية فأم عبدالمطلب ورقية سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار من المدينة وذكر أمهات الباقين قال وولد عبدالمطلب عشرة نفر وست نسوة وهم العباس وحمزة وعبدالله وأبو طالب واسمه عبد مناف لا عمران والزبير والحارث وكان بكر أبيه وبه كان يكنى وجحل ومنهم من يقول حجل وكان يلقب بالغيداق لكثرة خيره والمقوم وضرار وأبو لهب واسمه عبد العزى وصفية وأم حكيم البيضاء وعاتكة وأميمة وأروى وبرة وذكر أمهاتهم إلى أن قال وأم عبدالله وأبي طالب والزبير وجميع النساء إلا صفية فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان قال فولد عبدالله محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وأمه آمنة بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ثم ذكر أمهاتها فأغرق إلى أن قال فهو أشرف ولد آدم حسبا وأفضلهم نسبا من قبل أبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وقد تقدم حديث الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى هاشما من قريش واصطفاني من بني هاشم رواه مسلم وسيأتي بيان مولده الكريم وما ورد فيه من الأخبار والآثار وسنورد عند
سرد النسب الشريف فوائد أخر ليست هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان
*2* ذكر جمل من الأحداث في الجاهلية
@ قد تقدم ما كان من أخذ جرهم ولاية البيت من بني اسماعيل طمعوا فيهم لأنهم أبناء بناتهم وما كان من توثب خزاعة على جرهم وانتزاعهم ولاية البيت منهم ثم ما كان من رجوع ذلك إلى قصي وبنيه واستمرار ذلك في أيديهم إلى أن بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فأقر تلك الوظائف على ما كانت عليه
*2* ذكر جماعة مشهورين في الجاهلية
@ خبر خالد بن سنان العبسي الذي كان في زمن الفترة وقد زعم بعضهم أنه كان نبيا والله أعلم
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن زهير التستري حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور الرازي حدثنا محمد بن الصلت حدثنا قيس بن الربيع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال جاءت بنت خالد بن سنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبسط لها ثوبه وقال بنت نبي ضيعه قومه وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يحيى بن المعلى بن منصور عن محمد بن الصلت عن قيس عن سالم عن سعيد عن ابن عباس قال ذكر خالد بن سنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذاك نبي ضيعه قومه ثم قال ولا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وكان قيس بن الربيع ثقة في نفسه إلا أنه كان رديء الحفظ وكان له ابن يدخل في أحاديثه ما ليس منها والله أعلم
قال البزار وقد رواه الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير مرسلا وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا المعلى بن مهدي الموصلي قال حدثنا أبو عوانة عن أبي يونس عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من عبس يقال له خالد بن سنان قال لقومه إني أطفىء عنكم نار الحرتين فقال له رجل من قومه والله يا خالد ما قلت لنا قط إلا حقا فما شأنك وشأن نار الحرتين تزعم أنك تطفئها فخرج خالد ومعه أناس من قومه فيهم عمارة بن زياد فأتوها فإذا هي تخرج من شق جبل فخط لهم خالد خطة فأجلسهم فيها فقال إن أبطأت عليكم فلا تدعوني باسمي فخرجت كأنها خيل شقر يتبع بعضها بعضا فاستقبلها خالد فجعل يضربها بعصاه وهو يقول بدا بدا بدا كل هدى زعم ابن راعية المعزى أني لا أخرج منها وثيابي بيدي حتى دخل معها الشق فأبطأ عليهم فقال لهم عمارة بن زياد والله إن صاحبكم لو كان حيا لقد خرج إليكم بعد قالوا فادعوه باسمه قال فقالوا إنه قد نهانا أن ندعوه باسمه فدعوه باسمه فخرج وهو آخذ برأسه فقال ألم أنهكم أن تدعوني باسمي فقد والله قتلتموني فادفنوني فإذا مرت بكم الحمر فيها حمار أبتر فأنبشوني فإنكم تجدوني حيا فدفنوه فمرت بهم الحمر فيها حمار أبتر فقلنا أنبشوه فإنه أمرنا
أن ننبشه فقال لهم عمارة لا تنبشوه لا والله لا تحدث مضر أنا ننبش موتانا وقد كان قال لهم خالد إن في عكن امرأته لوحين فإن أشكل عليكم أمر فانظروا فيهما فإنكم ستجدون ما تسألون عنه قال ولا يمسهما حائض فلما رجعوا إلى امرأته سألوها عنهما فأخرجتهما إليهم وهي حائض فذهب ما كان فيهما من علم
قال أبو يونس قال سماك بن حرب سئل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ذاك نبي أضاعه قومه قال أبو يونس قال سماك بن حرب إن ابن خالد بن سنان أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بابن أخي فهذا السياق موقوف على ابن عباس وليس فيه أنه كان نبيا والمرسلات التي فيها أنه نبي لا يحتج بها هاهنا والأشبه أنه كان رجلا صالحا له أحوال وكرامات فإنه إن كان في زمن الفترة فقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن أولى الناس بعيسى بن مريم أنا لأنه ليس بيني وبينه نبي وإن كان قبلها فلا يمكن أن يكون نبيا لأن الله تعالى قال لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك وقد قال غير واحد من العلماء إن الله تعالى لم يبعث بعد اسماعيل نبيا في العرب إلا محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء الذي دعا به إبراهيم الخليل باني الكعبة المكرمة التي جعلها الله قبلة لأهل الأرض شرعا وبشرت به الأنبياء لقومهم حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم عليه السلام وبهذا المسلك بعينه يرد ما ذكره السهيلي وغيره من إرسال نبي من العرب يقال له شعيب بن ذي مهذم بن شعيب بن صفوان صاحب مدين وبعث إلى العرب أيضا حنظلة بن صفوان فكذبوهما فسلط الله على العرب بخت نصر فنال منهم من القتل والسبي نحو ما نال من بني إسرائيل وذلك في زمن معد بن عدنان والظاهر أن هؤلاء كانوا قوما صالحين يدعون إلى الخير والله أعلم وقد تقدم ذكر عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف في أخبار خزاعة بعد جرهم
*2* حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
@ وهو حاتم بن عبدالله بن سعد بن الحشرج بن امرىء القيس بن عدي بن أحزم بن أبي أحزم واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيء أبو سفانة الطائي والد عدي بن حاتم الصحابي كان جوادا ممدحا في الجاهلية وكذلك كان ابنه في الإسلام وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة وإنما كان قصده السمعة والذكر قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبيد بن واقد القيسي حدثنا أبو نصر هو الناجي عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر قال ذكر حاتم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال ذاك أراد أمرا فأدركه حديث غريب قال الدارقطني تفرد به عبيد بن واقد عن أبي نصر الناجي ويقال إن اسمه حماد
قال ابن عساكر وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبي نصر الناجي وبين أبي نصر حماد ولم يسم الناجي
ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر عن أبي نصر شيبة الناجي والله أعلم
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن اسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك يعني من أجر قال إن أباك طلب شيئا فأصابه وهكذا رواه أبو يعلى عن القواريري عن غندر عن شعبة عن سماك به وقال إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر وهكذا رواه أبو القاسم البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة به سواء وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم منهم الرجل الذي ينفق ليقال إنه كريم فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا وكذا في العالم والمجاهد وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقالوا له كان يقري الضيف ويعتق ويتصدق فهل ينفعه ذلك فقال إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين هذا وقد كان من الأجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والأوقات المرملة وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن عبدالله بن يوسف العماني حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبدالواحد الكوفي حدثنا ضرار بن صرد حدثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبدالرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال قال علي بن أبي طالب يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح فقام إليه رجل وقال فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم وما هو خير منه لما أتى بسبايا طيء وقعت جارية حمراء لعساء زلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين قال فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم طيىء فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق فقام أبو بردة بن ينار فقال يا رسول الله والله يحب مكارم الأخلاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني عمر بن بكر عن أبي عبدالرحمن الطائي هو القاسم بن عدي عن عثمان عن عركي بن حليس الطائي عن أبيه عن جده وكان أخا عدي بن حاتم لأمه قال قيل لنوار امرأة
حاتم حدثينا عن حاتم قالت كل أمره كان عجبا أصابتنا سنة حصت كل شيء فاقشعرت لها الأرض واغبرت لها السماء وضنت المراضع على أولادها وراحت الإبل حدبا حدابير ما تبض بقطرة وحلقت المال وأنا لفي ليلة صنبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبدالله وعدي وسفانة فوالله إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام إلى أحد الصبيان فحمله وقمت إلى الصبية فعللتها فوالله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل ثم عدنا إلى الصبي الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فاضجعنا الصبيان عليها ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا ثم أقبل علي يعللني لأنام وعرفت ما يريد فتناومت فقال مالك أنمت فسكت فقال ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم فلما أدلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الأصوات وسكنت الرجل إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا فولى حتى قلت إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا قالت جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند أصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال أعجليهم علي قالت النوار فوثبت فقلت ماذا صنعت أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم فكيف بهذه وبولدها فقال اسكتي فوالله لأشبعنك إن شاء الله قالت فأقبلت تحمل اثنين وتمشي جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته ثم قدح زنده وأورى ناره ثم جاء بمدية فكشط عن جلده ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال دونك ثم قال ابعثي صبيانك فبعثتهم ثم قال سوءة أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة وإنه لأحوجهم إليه فأصبحنا وما على الأرض منه إلا عظم وحافر
وقال الدارقطني حدثني القاضي أبو عبدالله المحاملي حدثنا عبدالله بن أبي سعد وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائي عن أبيه عن جده قال قالت امرأة حاتم لحاتم يا أبا سفانة اشتهي أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ وأمر بالطعام فهيء وهي مرخاة ستورها عليه وعليها فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال
فلا تطبخي قدري وسترك دونها * علي اذن ما تطبخين حرام
ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي * بجزل إذا أوقدت لا بضرام
قال ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعى الناس فأكل وأكلوا فقالت ما أتممت لي ما قلت فأجابها فاتى لا تطاوعني نفسي ونفسي أكرم علي من أن يثنى علي هذا وقد سبق لي السخاء ثم أنشأ يقول
أمارس نفسي البخل حتى أعزها * وأترك نفس الجود ما أستثيرها
ولا تشتكيني جارتي غير أنها * إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع بعلها * إليها ولم تقصر عليها ستورها
ومن شعر حاتم
إذا ما بت أشرب فوق ري * لسكر في الشراب فلا رويت
إذا ما بت أختل عرس جاري * ليخفيني الظلام فلا خفيت
أأفضح جارتي وأخون جاري * فلا والله أفعل ما حييت
ومن شعره أيضا * ما ضر جارا لي أجاوره
أن لا يكون لبابه ستر
أغضي إذا ما جارتي برزت * حتى يواري جارتي الخدر
ومن شعر حاتم أيضا * وما من شيمتي شتم ابن عمي
وما أنا مخلف من يرتجيني
وكلمة حاسد من غير جرم * سمعت وقلت مري فأنقذيني
وعابوها علي فلم تعبني * ولم يعرق لها يوما جبيني
وذي وجهين يلقاني طليقا * وليس إذا تغيب يأتسيني
ظفرت بعيبه فكففت عنه * محافظة على حسبي وديني
ومن شعره * سلي البائس المقرور يا أم مالك
إذا ما أتاني بين ناري ومجزري
أأبسط وجهي إنه أول القرى * وأبذل معروفي له دون منكري
وقال أيضا * وإنك إن أعطيت بطنك سؤله
وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكرياء الجريري حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي حدثنا أبو العباس المبرد أخبرني الثوري عن أبي عبيدة قال لما بلغ حاتم طيء قول المتلمس
قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من فناه * وعسف في البلاد بغير زاد
قال ماله قطع الله لسانه حمل الناس على البخل فهلا قال
فلا الجود يفني المال قبل فنائه * ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتر * لكل غد رزق يعود جديد
ألم تر أن المال غاد ورائح * وأن الذي يعطيك غير بعيد
قال القاضي أبو الفرج ولقد أحسن في قوله وأن الذي يعطيك غير بعيد ولو كان مسلما لرجى
له الخير في معاده وقد قال الله في كتابه واسألوا الله من فضله وقال تعالى وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعانى وعن الوضاح بن معبد الطائي قال وفد حاتم الطائي على النعمان بن المنذر فأكرمه وأدناه ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده فرحل فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيء فقالت يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر فقال حاتم هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه فوثبواإلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه فخرجت إلى حاتم طريفة جاريته فقالت له اتق الله وأبق على نفسك فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا فأنشأ يقول
قالت طريفة ما تبقي دراهمنا * وما بنا سرف فيها ولا خرق
إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا * ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق
ما يألف الدرهم الكاري خرقتنا * إلا يمر عليها ثم ينطلق
إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا * ظلت إلى سبل المعروف تستبق
وقال أبو بكر بن عياش قيل لحاتم هل في العرب أجود منك فقال كل العرب أجود مني ثم أنشأ يحدث قال نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة وكانت له مائة من الغنم فذبح لي شاة منها وأتاني بها فلما قرب إلى دماغها قلت ما أطيب هذا الدماغ قال فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت قد اكتفيت فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقي لا شيء له فقيل فما صنعت به فقال ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شيء قال على كل حال فقال أعطيته مائة ناقة من خيار إبلي وقال محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق حدثنا العباس بن الفضل الربعي حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيء قالوا كانت عنترة
بنت عفيف بن عمرو بن امرىء القيس أم حاتم طيء لا تمسك شيئا سخاء وجودا وكان اخوتها يمنعونها فتأبى وكانت امرأة موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع ثم أخرجوها بعد سنة وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا استمتعي بها فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها فقالت دونك هذه الصرمة فقد والله مسني من الجوع ما آليت ان لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول
لعمري لقدما عضني الجوع عضة * فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني * وان أنت لم تفعل فعض الأصابعا
فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم * سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا
وماذا ترون اليوم إلا طبيعة * فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا
وقال الهيثم بن عدي عن ملحان بن عركي بن عدي بن حاتم عن أبيه عن جده قال شهدت حاتما يكيد بنفسه فقال لي أي بني إني أعهد من نفسي ثلاث خصال والله ما خاتلت جارة لريبة قط ولا أو تمنت علي أمانة إلا أديتها ولا أوتي أحد من قبلي بسوء وقال أبو بكر الخرائطي حدثنا علي بن حرب حدثنا عبدالرحمن بن يحيى العدوي حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين يعني جعفر بن المحرر بن الوليد عن المحرر مولى أبي هريرة قال مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيىء فنزلوا قريبا منه فقام إليه بعضهم يقال له أبو الخيبري فجعل يركض قبره برجله ويقول يا أبا جعد أقرنا فقال له بعض أصحابه ما تخاطب من رمة وقد بليت واجنهم الليل فناموا فقام صاحب القول فزعا يقول يا قوم عليكم بمطيكم فإن حاتما أتاني في النوم وأنشدني شعرا وقد حفظته يقول
أبا الخيبري وأنت امرؤ * ظلوم العشيرة شتامها
أتيت بصحبك تبغي القرى * لدي حفرة قد صدت هامها
أتبغي لي الذنب عند المبيت * وحولك طيء وأنعامها
وإنا لنشبع أضيافنا * وتأتي المطي فنعتامها
قال وإذا ناقة صاحب القول تكوس عقيرا فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون وقالوا والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا قال وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم وساروا فإذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر فقال أيكم أبو الخيبري قال أنا قال إن حاتما أتاني في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أحملك وهذا بعير فخذه ودفعه إليه
*2* شيء من أخبار عبدالله بن جدعان
@ هو عبدالله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة سيد بني تيم وهو ابن عم والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكان من الكرماء الأجواد في الجاهلية المطعمين للمسنتين وكان في بدء أمره فقيرا مملقا وكان شريرا يكتر من الجنايات حتى أبغضه قومه وعشيرته وأهله وقبيلته وأبغضوه حتى أبوه فخرج ذات يوم في شعاب مكة حائرا بائرا فرأى شقا في جبل فظن أن يكون به شيئا يؤذي فقصده لعله يموت فيستريح مما هو فيه فلما اقترب منه إذا ثعبان يخرج إليه ويثب عليه فجعل يحيد عنه ويثب فلا يغني شيئا فلما دنا منه إذا هو من ذهب وله عينان هما ياقوتتان فكسره وأخذه ودخل الغار فإذا فيه قبور لرجال من ملوك جرهم ومنهم الحارث بن مضاض الذي طالت غيبته فلا يدرى أين ذهب ووجد عند رؤسهم لوحا من ذهب فيه تاريخ وفاتهم ومدد ولايتهم وإذا عندهم من الجواهر واللآلىء والذهب والفضة شيء كثير فأخذ منه حاجته ثم خرج وعلم باب الغار ثم انصرف إلى قومه فأعطاهم حتى أحبوه وسادهم وجعل يطعم الناس وكلما قل ما في يده ذهب إلى ذلك الغار فأخذ حاجته ثم رجع فممن ذكر هذا
عبدالملك بن هشام في كتاب التيجان وذكره أحمد بن عمار في كتاب ري العاطش وأنس الواحش وكانت له جفنة يأكل منها الراكب على بعيره ووقع فيها صغير فغرق وذكر ابن قتيبة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد كنت أستظل بظل جفنة عبدالله بن جدعان صكة عمي أي وقت الظهيرة وفي حديث مقتل أبي جهل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه تطلبوه بين القتلي وتعرفوه بشجة في ركبته فإني تزاحمت أنا وهو على مأدبة لابن جدعان فدفعته فسقط على ركبته فانهشمت فأثرها باق في ركبته فوجدوه كذلك وذكروا أنه كان يطعم التمر والسويق ويسقي اللبن حتى سمع قول أمية بن أبي الصلت
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم * فرأيت أكرمهم بني الديان
البر يلبك بالشهاد طعامهم * لا ما يعللنا بنو جدعان
فأرسل ابن جدعان إلى الشام ألفي بعير تحمل البر والشهد والسمن وجعل مناديا ينادي كل ليلة على ظهر الكعبة أن هلموا إلى جفنة ابن جدعان فقال أمية في ذلك
له داع بمكة مشمعل * وآخر فوق كعبتها ينادي
إلى ردح من الشيزي ملاء * لباب البر يلبك بالشهاد
ومع هذا كله فقد ثبت في الصحيح لمسلم أن عائشة قالت يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقري الضيف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة فقال لا إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين
*2* امرؤء القيس بن حجر الكندي صاحب إحدى المعلقات
@ وهي أفخرهن وأشهرهن التي أولها قفانبك من ذكري حبيب ومنزل
قال الإمام أحمد حدثنا هشام حدثنا أبو الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار وقد روى هذاالحديث عن هشام جماعة كثيرون منهم بشر بن الحكم والحسن بن عرفة وعبدالله بن هارون أمير المؤمنين المأمون أخو الأمين ويحيى بن معين وأخرجه ابن عدي من طريق عبدالرزاق عن الزهري به وهذا منقطع ورديء من وجه آخر عن أبي هريرة ولا يصح من غير هذا الوجه
وقال الحافظ ابن عساكر هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن يعرب بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة أبو يزيد ويقال أبو وهب
ويقال أبو الحارث الكندي كان بأعمال دمشق وقد ذكر مواضع منها في شعره فمن ذلك قوله
قفانبك من ذكري حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها * لما نسجتها من جنوب وشمأل
قال وهذه مواضع معروفة بحوران ثم روى من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني فروة بن سعيد بن عفيف بن معدي كرب عن أبيه عن جده قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل وفد من اليمن فقالوا يا رسول الله لقد أحيانا الله ببيتين من شعر امرىء القيس قال وكيف ذاك قالوا أقبلنا نريدك حتى إذا كنا ببعض الطريق أخطأنا الطريق فمكثنا ثلاثا لا نقدر على الماء فتفرقنا إلى أصول طلح وسمر ليموت كل رجل منا في ظل شجرة فبينا نحن بآخر رمق إذا راكب يوضع على بعير فلما رآه بعضنا قال والراكب يسمع
ولما رأت أن الشريعة همها * وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج * يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال الراكب ومن يقول هذا الشعر وقد رأى ما بنا من الجهد قال قلنا امرؤ القيس بن حجر قال والله ما كذب هذا ضارج عندكم فنظرنا فإذا بيننا وبين الماء نحو من خمسين ذراعا فحبونا إليه على الركب فإذا هو كما قال امرؤ القيس عليه العرمض يفيء عليه الظل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك رجل مذكور في الدنيا منسي في الآخرة شريف في الدنيا خامل في الآخرة بيده لواء الشعراء يقودهم إلى النار
وذكر الكلبي أن امرأ القيس أقبل براياته يريد قتال بني أسد حين قتلوا أباه فمر بتبالة وبها ذو الخلصة وهو صنم وكانت العرب تستقسم عنده فاستقسم فخرج القدح الناهي ثم الثانية ثم الثالثة كذلك فكسر القداح وضرب بها وجه ذي الخلصة وقال عضضت بايرابيك لو كان أبوك المقتول لما عوقتني ثم أغار على بني أسد فقتلهم قتلا ذريعا قال ابن الكلبي فلم يستقسم عند ذي الخلصة حتى جاء الإسلام وذكر بعضهم أنه امتدح قيصر ملك الروم يستنجد في بعض الحروب ويسترفده فلم يجد ما يؤمله عنده فهجاه بعد ذلك فيقال إنه سقاه سما فقتله فالجأه الموت إلى جنب قبر امرأه عند جبل يقال له عسيب فكتب هنالك
أجارتنا إن المزار قريب * وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا * وكل غريب للغريب نسيب
وذكروا أن المعلقات السبع كانت معلقة بالكعبة وذلك أن العرب كانوا إذا عمل أحدهم قصيدة عرضها على قريش فإن أجازوها علقوها على الكعبة تعظيما لشأنها فاجتمع من ذلك هذه المعلقات السبع فالأولى لامرىء القيس بن حجر الكندي كما تقدم وأولها
قفانبك من ذكري حبيب ومنزل * بسقط اللوى بين الدخول فحومل
والثانية للنابغة الذبياني واسمه زياد بن معاوية ويقال زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وأولها
يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأبد
والثالثة لزهير بن أبي سلمى ربيعة بن رياح المزني وأولها
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم * بحومانة الدراج فالمتثلم
والرابعة لطرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل وأولها
لخولة أطلال ببرقة ثهمد * تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
والخامسة لعنترة بن شداد بن معاوية بن قراد بن مخزوم بن ربيعة بن مالك بن غالب بن قطيعة بن عبس العبسي وأولها
هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم
والسادسة لعلقمة بن عبدة بن النعمان بن قيس أحد بني تميم وأولها
طحا بك قلب في الحسان طروب * بعيد الشباب عصر حان مشيب
والسابعة ومنهم من لا يثبتها في المعلقات وهو قول الأصمعي وغيره وهي للبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر وأولها
عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها
فأما القصيدة التي لا يعرف قائلها فيما ذكره أبو عبيدة والأصمعي والمبرد وغيرهم فهي قوله
هل بالطلول لسائل رد * أم هل لها بتكلم عهد
وهي مطولة وفيها معاني حسنة كثيرة
*2* أخبار أمية بن أبي الصلت الثقفي
@ قال الحافظ ابن عساكر هو أمية بن أبي الصلت عبدالله بن أبي ربيعة بن عوف بن عقدة بن عزة بن عوف بن ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن أبو عثمان ويقال أبو الحكم الثقفي شاعر جاهلي قدم
دمشق قبل الإسلام وقيل إنه كان مستقيما وأنه كان في أول أمره على الإيمان ثم زاغ عنه وأنه هو الذي أراده الله تعالى بقوله واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين
قال الزبير بن بكار فولدت رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف أمية الشاعر ابن أبي الصلت واسم أبي الصلت ربيعة بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن ثقيف وقال غيره كان أبوه من الشعراء المشهورين بالطائف وكان أمية أشعرهم
وقال عبد الرزاق قال الثوري أخبرني حبيب بن أبي ثابت أن عبدالله بن عمرو قال في قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين هو أمية بن أبي الصلت وكذا رواه أبو بكر بن مردويه عن أبي بكر الشافعي عن معاذ بن المثنى عن مسدد عن أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن نافع بن عاصم بن مسعود قال إني لفي حلقة فيها عبدالله بن عمرو فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فقال هل تدرون من هو فقال بعضهم هو صيفي بن الراهب وقال آخر بل هو بلعم رجل من بني إسرائيل فقال لا قال فمن قال هو أمية بن أبي الصلت وهكذا قال أبو صالح والكلبي وحكاه قتادة عن بعضهم وقال الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عبدالله بن شبيب الربعي حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي حدثنا إسماعيل ابن الطريح بن إسماعيل الثقفي حدثني أبي عن أبيه عن مروان بن الحكم عن معاوية بن أبي سفيان عن أبيه قال خرجت أنا وأمية بن أبي الصلت الثقفي تجارا إلى الشام فكلما نزلنا منزلا اخذ أمية سفرا له يقرؤه علينا فكنا كذلك حتى نزلنا قرية من قرى النصارى فجاؤه وأكرموه وأهدوا له وذهب معهم إلى بيوتهم ثم رجع في وسط النهار فطرح ثوبيه وأخذ ثوبين له أسودين فلبسهما وقال لي هل لك يا أبا سفيان في عالم من علماء النصارى إليه يتناهي علم الكتاب تسأله قلت لا إرب لي فيه والله لئن حدثني بما أحب لا أثق به ولئن حدثني بما أكره لأجدن منه قال فذهب وخالفه شيخ من النصارى فدخل علي فقال ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ قلت لست على دينه قال وإن فإنك تسمع منه عجبا وتراه ثم قال لي أثقفي أنت قلت لا ولكن قرشي قال فما يمنعك من الشيخ فوالله إنه ليحبكم ويوصي بكم قال فخرج من عندنا ومكث أمية عندهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل فطرح ثوبيه ثم انجدل على فراشه فوالله ما نام ولا قام حتى أصبح كئيبا حزينا ساقطا غبوقة على صبوحه ما يكلمنا ولا نكلمه ثم قال ألا ترحل قلت وهل بك من رحيل قال نعم فرحلنا فسرنا بذلك ليلتين ثم قال في الليلة الثالثة إلا تحدث يا أبا سفيان قلت وهل بك من حديث والله ما رأيت مثل الذي رجعت به من عند صاحبك قال أما إن ذلك لشيء لست فيه إنما ذلك لشيء


ويأنس بالهوام ويستمتع بالظلام يبصر فيعتبر ويفكر فيختبر فصار لذلك واحدا تضرب بحكمته الأمثال وتكشف به الأهوال أدرك رأس الحواريين سمعان وهو أول رجل تأله من العرب ووحد وأقر وتعبد وأيقن بالبعث والحساب وحذر سوء المآب وأمر بالعمل قبل الفوت ووعظ بالموت وسلم بالقضا على السخط والرضا وزار القبور وذكر النشور وندب بالأشعار وفكر في الأقدار وأنبأ عن السماء والنماء وذكر النجوم وكشف الماء ووصف البحار وعرف الآثار وخطب راكبا ووعظ دائبا وحذر من الكرب ومن شدة الغضب ورسل الرسائل وذكر كل هائل وأرغم في خطبه وبين في كتبه وخوف الدهر وحذر الأزر وعظم الأمر وجنب الكفر وشوق إلى الحنيفية ودعا إلى اللاهوتية وهو القائل في يوم عكاظ شرق وغرب ويتم وحزب وسلم وحرب ويابس ورطب وأجاج وعذب وشموس وأقمار ورياح وأمطار وليل ونهار وأناث وذكور وبرار وبحور وحب ونبات وآباء وأمهات وجمع وأشتات وآيات في إثرها آيات ونور وظلام ويسر واعدام ورب وأصنام لقد ضل الأنام نشو مولود ووأد مفقود وتربية محصود وفقير وغني ومحسن ومسيء تبا لأرباب الغفلة ليصلحن العامل عمله وليفقدن الآمل أمله كلا بل هو إله واحد ليس بمولود ولا والد أعاد وأبدى وأمات وأحيا وخلق الذكر والأنثى رب الآخرة والأولى أما بعد فيا معشر إياد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد وأين العليل والعواد كل له معاد يقسم قس برب العباد وساطح المهاد لتحشرن على الانفراد في يوم التناد إذا نفخ في الصور ونقر في الناقور وأشرقت الأرض ووعظ الواعظ فانتبذ القانط وأبصر اللاحظ فويل لمن صدف عن الحق الأشهر والنور الأزهر والعرض الأكبر في يوم الفصل وميزان العدل إذا حكم القدير وشهد النذير وبعد النصير وظهر التقصير ففريق في الجنة وفريق في السعير وهو القائل
ذكر القلب من جواه ادكار * وليال خلالهن نهار
وسجال هواطل من غمام * ثرن ماء وفي جواهن نار
ضوءها يطمس العيون وأرعاد * شداد في الخافقين تطار
وقصور مشيدة حوت الخير * وأخرى خلت بهن قفار
وجبال شوامح راسيات * وبحار ميهاههن غزار
ونجوم تلوح في ظلم الليل * نراها في كل يوم تدار
ثم شمس يحثها قمر الليل * وكل متابع موار
وصغير وأشمط وكبير * كلهم في الصعيد يوما مزار
وكبير مما يقصر عنه * حدسه الخاطر الذي لا يحار
فالذي قد ذكرت دل على الله * نفوسا لها هدى واعتبار
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما نسيت فلست أنساه بسوق عكاظ واقفا على جمل أحمر يخطب الناس اجتمعوا فأسمعوا وإذا سمعتم فعوا وإذا وعيتم فانتفعوا وقولوا وإذا قلتم فاصدقوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت مطر ونبات وأحياء وأموات ليل داج وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر وبحار تزخر وضوء وظلام وليل وأيام وبر وآثام إن في السماء خبرا وإن في الأرض عبرا يحار فيهن البصرا مهاد موضوع وسقف مرفوع ونجوم تغور وبحار لا تفور ومنايا دوان ودهر خوان كحد النسطاس ووزن القسطاس أقسم قس قسما لا كاذبا فيه ولا آثما لئن كان في هذا الأمر رضي ليكونن سخط ثم قال أيها الناس إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانه وأوانه ثم قال ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون ارضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا فناموا والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض أصحابه فقال أيكم يروي شعره لنا فقال أبو بكر الصديق فداك أبي وأمي أنا شاهد له في ذلك اليوم حيث يقول
في الذاهبين الأولين * من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها * يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إلي * ولا من الباقين غابر
أيقنت أني لا محالة * حيث صار القوم صائر
قال فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخ من عبد القيس عظيم الهامة طويل القامة بعيد ما بين المنكبين فقال فداك أبي وأمي وأنا رأيت من قس عجبا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي رأيت يا أخا بني عبد القيس فقال خرجت في شبيبتي أربع بعيرا لي لدعني أقفو أثره في تنائف قفاف ذات ضغابيس وعرصات جثجاث بين صدور جذعان وغمير حوذان ومهمه ظلمان ورصيع ليهقان فبينا أنا في تلك الفلوات أجول بسبسبها وارنق فدفدها إذا أنا بهضبة في نشزاتها أراك كباث مخضوضلة وأغصانها متهدلة كأن بريرها حب الفلفل وبواسق اقحوان وإذا بعين خرارة وروضة مدهامة وشجرة عارمة وإذا أنا بقس بن ساعدة في أصل تلك الشجرة وبيده قضيب فدنوت منه وقلت له أنعم صباحا فقال وأنت فنعم صباحك وقد وردت العين سباع كثيرة فكان كلما ذهب سبع منها يشرب من العين قبل صاحبه ضربه قس بالفضيب الذي بيده وقال اصبر حتى يشرب الذي قبلك فذعرت من ذلك ذعرا شديدا ونظر إلي فقال لا تخف وإذا بقبرين بينهما مسجد فقلت ما هذا القبران قال قبرا أخوين كانا يعبدان الله عز وجل بهذا الموضع فأنا مقيم بين قبريهما عبدالله حتى الحق بهما فقلت له أفلا تلحق بقومك فتكون معهم في خيرهم وتباينهم على
شرهم فقال لي ثكلتك أمك أو ما علمت أن ولد اسماعيل تركوا دين أبيهم واتبعوا الأضداد وعظموا الأنداد ثم أقبل على القبرين وأنشأ يقول
خليلي هبا طالما قد رقدتما * أجدكما لا تقضيان كراكما
أرى النوم بين الجلد والعظم منكما * كأن الذي يسقي العقار سقاكما
أمن طول نوم لا تجيبان داعيا * كأن الذي يسقي العقار سقاكما
ألم تعلما أني بنجران مفردا * وما لي فيه من حبيب سواكما
مقيم على قبريكما لست بارحا * إياب الليالي أو يجيب صداكما
أأبكيكما طول الحياة وما الذي * يرد على ذي لوعة أن بكاكما
فلو جعلت نفس لنفس أمرىء فدى * لجدت بنفسي أن تكون فداكما
كأنكما والموت أقرب غاية * بروحي في قبريكما قد أتاكما
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله قسا أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة واحدة وهذا الحديث غريب جدا من هذا الوجه وهو مرسل إلا أن يكون الحسن سمعه من الجارود والله أعلم
وقد رواه البيهقي والحافظ أبو القاسم ابن عساكر من وجه آخر من حديث محمد بن عيسى بن محمد بن سعيد القرشي الأخباري ثنا أبي ثنا علي بن سليمان بن علي عن علي بن عبدالله عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال قدم الجارود بن عبدالله فذكر مثله أو نحوه مطولا بزيادات كثيرة في نظمه ونثره وفيه ما ذكره عن الذي ضل بعيره فذهب في طلبه قال فبت في واد لا آمن فيه جتفي ولا أركن إلى غير سبفي أرقب الكوكب وأرمق الغيهب حتى إذا الليل عسعس وكاد الصبح أن يتنفس هتف بي هاتف يقول
يا أيها الراقد في الليل الأجم * قد بعث الله نبيا في الحرم
من هاشم أهل الوفاء والكرم * يجلو دجيات الدياجي والبهم
قال فأدرت طرفي فما رأيت له شخصا ولا سمعت له فحصا قال فأنشأت أقول
يا أيها الهاتف في داجي الظلم * أهلا وسهلا بك من طيف ألم
بين هداك الله في لحن الكلم * ماذا الذي تدعو إليه يغتنم
قال فإذا أنا بنحنحة وقائلا يقول ظهر النور وبطل الزور وبعث الله محمدا بالحبور صاحب النجيب الأحمر والتاج والمغفر والوجه الأزهر والحاجب الأقمر والطرف الأحور صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله وذلك محمد المبعوث إلى الأسود والأبيض أهل المدر والوبر ثم أنشأ يقول
الحمد لله الذي * لم يخلق الخلق عبث
لم يخلنا يوما سدى * من بعد عيسى واكترث
أرسل فينا أحمدا * خير نبي قد بعث
صلى عليه الله ما * حج له ركب وحث
وفيه من إنشاء قس بن ساعدة * يا ناعي الموت والملحود في جدث
عليهم من بقايا قولهم خرق
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * فهم إذا انتبهوا من نومهم أرقوا
حتى يعودوا بحال غير حالهم * خلقا جديدا كما من قبله خلقوا
منهم عراة ومنهم في ثيابهم * منها الجديد ومنها المنهج الخلق
ثم رواه البيهقي عن محمد بن عبدالله بن يوسف بن أحمد الأصبهاني حدثنا أبو بكر أحمد بن سعيد ابن فرضخ الاخميمي بمكة ثنا القاسم بن عبدالله بن مهدي ثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبدالرحمن المخزومي ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكر القصة وذكر الانشاد قال فوجدوا عند رأسه صحيفة فيها
يا ناعي الموت والأموات في جدث * عليهم من بقايا نومهم خرق
دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم * كما تنبه من نوماته الصعق
منهم عراة وموتى في ثيابهم * منها الجديد ومنها الازرق الخلق
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي بعثني بالحق لقد آمن قس بالبعث وأصله مشهور وهذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على اثبات أصل القصة وقد تكلم أبو محمد بن درستويه على غريب ما وقع في هذا الحديث وأكثره ظاهر إن شاء الله تعالى وما كان فيه غرابة شديدة نبهنا عليه في الحواشي
وقال البيهقي أنا أبو سعيد بن محمد بن أحمد الشعيثي ثنا أبو عمرو بن أبي طاهر المحمد آباذي لفظا ثنا أبو لبابة محمد بن المهدي الأموردي ثنا أبي ثنا سعيد بن هبيرة ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس بن مالك قال قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعل قس بن ساعدة قالوا هلك قال أما إني سمعت منه كلاما أرى أني أحفظه فقال بعض القوم نحن نحفظه يا رسول الله قال هاتوا فقال قائلهم إني واقف بسوق عكاظ فقال يا أيها الناس استمعوا واسمعوا وعوا كل من عاش مات وكل من مات فات وكل ما هو آت آت ليل داج وسماء ذات أبراج ونجوم تزهر وبحار تزخر وجبال مرسية وأنهار مجرية إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا أرى الناس يموتون ولا يرجعون ارضوا بالإقامة فأقاموا أم تركوا فناموا أقسم
قس قسما بالله لا آثم فيه إن لله دينا هو أرضى مما أنتم عليه ثم أنشأ يقول
في الذاهبين الأولين * من القرون لنا بصائر
لما رأيت مصارعا * للقوم ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها * يمضي الأكابر والأصاغر
أيقنت إني لا محالة * حيث صار القوم صائر
ثم ساقه البيهقي من طرق أخر قد نبهنا عليها فيما تقدم ثم قال بعد ذلك كله وقد روى هذا الحديث عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بزيادة ونقصان وروى من وجه آخر عن الحسن البصري منقطعا وروى مختصرا من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة قلت وعبادة بن الصامت كما تقدم وعبدالله بن مسعود كما رواه أبو نعيم في كتاب الدلائل عن عبدالله بن محمد بن عثمان الواسطي عن أبي الوليد طريف بن عبيدالله مولى علي بن أبي طالب بالموصل عن يحيى بن عبدالحميد الحماني عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود فذكره وروى أبو نعيم أيضا حديث عبادة المتقدم وسعد بن أبي وقاص ثم قال البيهقي وإذا روى الحديث من أوجه أخر وان كان بعضها ضعيفا دل على أن للحديث أصلا والله أعلم
*2* زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه
@ هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن عبدالله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي وكان الخطاب والد عمر بن الخطاب عمه وأخاه لأمه وذلك لأن عمرو بن نفيل كان قد خلف على امرأة أبيه بعد أبيه وكان لها من نفيل أخوه الخطاب قاله الزبير بن بكار ومحمد بن اسحاق وكان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان وفارق دينهم وكان لا يأكل إلا ما ذبح على اسم الله وحده قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مسندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والذي نفس زيد بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري ثم يقول اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم ثم يسجد على راحلته وكذا رواه أبو أسامة عن هشام به وزاد وكان يصلي إلى الكعبة ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم وكان يحيى الموؤدة ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها ادفعها إلي اكفلها فإذا ترعرعت فإن شئت فخذها وإن شئت فادفعها أخرجه النسائي من طريق أبي أسامة وعلقه البخاري فقال وقال الليث كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه به وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق وقد كان نفر من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل بن أسد بن
عبد العزى وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى وعبدالله بن جحش بن رياب بن يعمر بن صبرة بن برة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسعد بن أسد بن خزيمة وأمه أميمة بنت عبدالمطلب وأخته زينب بنت جحش التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد مولاه زيد بن حارثة كما سيأتي بيانه حضروا قريشا عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض وقالوا تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض فقال قائلهم تعلمن والله ما قومكم على شيء لقد أخطؤا دين إبراهيم وخالفوه ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع فابتغوا لأنفسكم فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلها الحنيفية دين إبراهيم فأما ورقة بن نوفل فتنصر واستحكم في النصرانية وابتغى الكتب من أهلها حتى علم علما كثيرا من أهل الكتاب ولم يكن فيهم أعدل أمرا وأعدل ثباتا من زيد بن عمرو بن نفيل اعتزل الأوثان وفارق الأديان من اليهود والنصارى والملل كلها إلا دين الحنيفية دين إبراهيم يوحد الله ويخلع من دونه ولا يأكل ذبائح قومه فإذا هم بالفراق لما هم فيه قال وكان الخطاب قد آذاه أذى كثيرا حتى خرج منه إلى أعلى مكة ووكل به الخطاب شبابا من قريش وسفهاء من سفهائهم فقال لا تتركوه يدخل فكان لا يدخلها إلا سرا منهم فإذا علموا به أخرجوه وآذوه كراهية أن يفسد عليهم دينهم أو يتابعه أحد إلى ما هو عليه وقال موسى بن عقبة سمعت من أرضى يحدث عن زيد بن عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض لم تذبحوها على غير اسم الله انكارا لذلك وإعظاما له وقال يونس عن ابن اسحاق وقد كان زيد بن عمرو بن نفيل قد عزم على الخروج من مكة فضرب في الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم وكانت امرأته صفية بنت الحضرمي كلما أبصرته قد نهض للخروج وأراده آدنت الخطاب بن نفيل فخرج زيد إلى الشام يلتمس ويطلب في أهل الكتاب الأول دين إبراهيم ويسأل عنه ولم يزل في ذلك فيما يزعمون حتى أتى الموصل والجزيرة كلها ثم أقبل حتى أتى الشام فجال فيها حتى أتى راهبا ببيعة من أرض البلقاء كان ينتهي إليه علم النصرانية فيما يزعمون فسأله عن الحنيفية دين إبراهيم فقال له الراهب إنك لتسأل عن دين ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم لقد درس من علمه وذهب من كان يعرفه ولكنه قد أظل خروج نبي وهذا زمانه وقد كان شام اليهودية والنصرانية فلم يرض شيئا منها فخرج سريعا حين قال له الراهب ما قال يريد مكة حتى إذا كان بأرض لخم عدوا عليه فقتلوه فقال ورقة يرثيه
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما * تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا
وقد تدرك الإنسان رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض ستينا واديا
وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أحمد بن طارق الوابشي ثنا عمرو بن عطية عن أبيه عن ابن عمر عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يتأله في الجاهلية فانطلق حتى أتى رجلا من اليهود فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك فقال له اليهودي لا أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من غضب الله فقال من غضب الله أفر فانطلق حتى أتى نصرانيا فقال له أحب أن تدخلني معك في دينك فقال لست أدخلك في ديني حتى تبوء بنصيبك من الضلالة فقال من الضلالة أفر قال له النصراني فإني أدلك على دين إن تبعته اهتديت قال أي دين قال دين إبراهيم قال فقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم عليه أحيى وعليه أموت قال فذكر شأنه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال هو أمة وحده يوم القيامة وقد روى موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر نحو هذا وقال محمد بن سعد حدثنا علي بن محمد بن عبدالله بن سيف القرشي عن اسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب قال قال زيد بن عمرو بن نفيل شاممت اليهودية والنصرانية فكرهتهما فكنت بالشام وما والاها حتى أتيت راهبا في صومعة فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية فقال له أراك تريد دين إبراهيم يا أخا أهل مكة انك لتطلب دينا ما يوجد اليوم أحد يدين به وهو دين أبيك إبراهيم كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك فالحق ببلدك فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية وهو أكرم الخلق على الله وقال يونس عن ابن اسحاق حدثني بعض آل زيد بن عمرو بن نفيل إن زيدا كان إذا دخل الكعبة قال لبيك حقا حقا تعبدا ورقا عذت بما عاذ به إبراهيم وهو قائم إذ قال الهي انفي لك عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم البر أبغي لا انحال ليس مهجر كمن قال وقال أبو داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن نفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي عن أبيه عن جده أن زيد بن عمرو وورقة بن نوفل خرجا يلتمسان الدين حتى انتهيا إلى راهب بالموصل فقال لزيد بن عمرو من أين أقبلت يا صاحب البعير فقال من بنية إبراهيم فقال وما تلتمس قال ألتمس الدين قال ارجع فإنه يوشك أن يظهر في أرضك قال
فأما ورقة فتنصر وأما أنا فعزمت على النصرانية فلم يوافقني فرجع وهو يقول
لبيك حقا حقا تعبدا ورقا * البر أبغي لا أنحال فهل مهجر كمن قال
آمنت بما آمن به إبراهيم وهو يقول انفي لك عان راغم مهما تجشمني فإني جاشم ثم يخر فيسجد قال وجاء ابنه يعني سعيد بن زيد أحد العشرة رضي الله عنه فقال يا رسول الله إن أبي كما رأيت وكما بلغك فاستغفر له قال نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة قال وأتى زيد بن عمرو بن زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه زيد بن حارثة وهما يأكلان من سفرة لهما فدعواه لطعامهما فقال زيد بن عمرو يا ابن
أخي أنا لا آكل مما ذبح على النصب وقال محمد بن سعد حدثنا محمد بن عمرو حدثني أبو بكر بن أبي سبرة عن موسى بن ميسرة عن ابن أبي مليكة عن حجر بن أبي أهاب قال رأيت زيد بن عمرو وأنا عند صنم بوانة بعد ما رجع من الشام وهو يراقب الشمس فإذا زالت استقبل الكعبة فصلى ركعة سجدتين ثم يقول هذه قبلة إبراهيم واسماعيل لا أعبد حجرا ولا أصلي له ولا آكل ما ذبح له ولا استقسم الأزلام وإنما أصلي لهذا البيت حتى أموت وكان يحج فيقف بعرفة وكان يلبي فيقول لبيك لا شريك لك ولا ند لك ثم يدفع من عرفة ماشيا وهو يقول لبيك متعبدا مرقوقا
وقال الواقدي حدثني علي بن عيسى الحكمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول أنا انتظر نبيا من ولد اسماعيل ثم من بني عبدالمطلب ولا أراني أدركه وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قومه منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكان من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وراءك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره قال عامر بن ربيعة فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو وأقرائه منه السلام فرد عليه السلام وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا
وقال البخاري في صحيحه ذكر زيد بن عمرو بن نفيل حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا فضيل بن سليمان حدثنا موسى بن عقبة حدثني سالم عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي فقدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها ثم قال زيد إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل الا ما ذكر اسم الله عليه وإن زيد بن عمرو يعيب على قريش ذبائحهم ويقول الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء ماء وأنبت لها من الأرض ثم يذبحونها على غير اسم الله انكارا لذلك وإعظاما له
قال موسى بن عقبة وحدثني سالم بن عبدالله ولا أعلمه إلا يحدث به عن ابن عمر أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني فقال إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد وما أفر إلا من غضب الله تعالى ولا أحمل من غضب الله شيئا ولا أستطيعه فهل تدلني على غيره قال ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا قال زيد وما الحنيف قال دين إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فخرج زيد فلقي عالما من النصارى فذكر مثله فقال لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من
على غيره قال ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا قال وما الحنيف قال دين إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا يعبد إلا الله فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج فلما برز رفع يديه فقال اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم قال وقال الليث كتب إلى هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش والله ما منكم على دين إبراهيم غيري وكان يحيي الموؤدة يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبها إن شئت دفعها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها انتهى ما ذكره البخاري
وهذا الحديث الأخير قد أسنده الحافظ ابن عساكر من طريق أبي بكر بن أبي داود عن عيسى بن حماد عن الليث عن هشام عن أبيه عن أسماء فذكر نحوه وقال عبدالرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء قالت سمعت زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره إلى الكعبة يقول يا معشر قريش إياكم والزنا فإنه يورث الفقر وقد ساق ابن عساكر هاهنا أحاديث غريبة جدا وفي بعضها نكارة شديدة ثم أورد من طرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يبعث يوم القيامة أمة واحدة فمن ذلك ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا يوسف بن يعقوب الصفار حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية ويقول إلهي إله إبراهيم وديني دين إبراهيم ويسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر ذاك أمة وحده بيني وبين عيسى بن مريم إسناده جيد حسن وقال الواقدي حدثني موسى بن شيبة عن خارجة بن عبدالله بن كعب بن مالك قال سمعت سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل فقال توفي وقريش تبني الكعبة قبل أن ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس سنين ولقد نزل به وأنه ليقول أنا على دين إبراهيم فأسلم ابنه سعيد بن زيد واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم قال فكان المسلمون بعد ذلك اليوم لا يذكره ذاكر منهم إلا ترحم عليه واستغفر له ثم يقول سعيد بن المسيب رحمه الله وغفر له وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني زكريا بن يحيى السعدي عن أبيه قال مات زيد بن عمرو بن نفيل بمكة ودفن بأصل حراء وقد تقدم أنه مات بأرض البلقاء من الشام لما عدا عليه قوم من بني لخم فقتلوه بمكان يقال له ميفعة والله أعلم
وقال الباغندي عن أبي سعيد الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل دوحتين وهذا إسناد جيد وليس هو في شيء من الكتب ومن شعر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله ما قدمناه في بدء الخلق من تلك القصيدة
إلى الله أهدي مدحتي وثنائيا * وقولا رضيا لايني الدهر باقيا
إلى الملك الأعلى الذي ليس فوقه * إله ولا رب يكون مدانيا
وقد قيل إنها لأمية بن أبي الصلت والله أعلم ومن شعره في التوحيد ما حكاه محمد بن اسحاق والزبير بن بكار وغيرهما
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الأرض تحمل صخرا ثقالا
دحاها فلما استوت شدها * سواء وأرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له المزن تحمل عذبا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة * أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت * له الريح تصرف حالا فحالا
وقال محمد بن اسحاق حدثني هشام بن عروة قال روى أبي أن زيد بن عمرو قال
أرب واحد أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الأمور
عزلت اللات والعزى جميعا * كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بني عمرو أزور
ولا غنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي يسير
عجبت وفي الليالي معجبات * وفي الأيام يعرفها البصير
بأن الله قد أفنى رجالا * كثيرا كان شأنهم الفجور
وأبقى آخرين ببر قوم * فيربل
منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير
ولكن أعبد الرحمن ربي * ليغفر ذنبي الرب الغفور
فتقوى الله ربكم احفظوها * متى ما تحفظوها لا تبوروا
ترى الأبرار دارهم جنان * وللكفار حامية سعير
وخزي في الحياة وإن يموتوا * يلاقوا ما تضيق به الصدور
هذا تمام ما ذكره محمد بن اسحاق من هذه القصيدة وقد رواه أبو القاسم البغوي عن مصعب بن عبدالله عن الضحاك بن عثمان عن عبدالرحمن بن أبي الزناد قال قال هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال زيد بن عمرو بن نفيل
عزلت الجن والجنان عني * كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمي بني طسم أدير
ولاغنما أدين وكان ربا * لنا في الدهر إذ حلمي صغير
أربا واحدا أم ألف رب * أدين إذا تقسمت الأمور
ألم تعلم بأن الله أفنى * رجالا كان شأنهم الفجور
وابقى آخرين ببر قوم * فيربو منهم الطفل الصغير
وبينا المرء يعثر ثاب يوما * كما يتروح الغصن النضير
قالت فقال ورقة بن نوفل * رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما
تجنبت تنورا من النار حاميا
لدينك ربا ليس ربا كمثله * وتركك جنان الجبال كما هيا
أقول إذا أهبطت أرضا مخوفة * حنانيك لا تظهر علي الأعاديا
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم * وأنت إلهي ربنا ورجائيا
لتدركن المرء رحمة ربه * وإن كان تحت الأرض سبعين واديا
أدين لرب يستجيب ولا أرى * أدين لمن لا يسمع الدهر واعيا
أقول إذا صليت في كل بيعة * تباركت قد أكثرت باسمك داعيا
تقدم أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام هو وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبيدالله بن جحش فتنصروا إلا زيدا فإنه لم يدخل في شيء من الأديان بل بقي على فطرته من عبادة الله وحده لا شريك له متبعا ما أمكنه من دين إبراهيم على ما ذكرناه وأما ورقة بن نوفل فسيأتي خبره في أول المبعث وأما عثمان بن الحويرث فأقام بالشام حتى مات فيها عند قيصر وله خبر عجيب ذكره الأموي ومختصره أنه لما قدم على قيصر فشكى إليه ما لقي من قومه كتب له إلى ابن جفنة ملك عرب الشام ليجهز معه جيشا لحرب قريش فعزم على ذلك فكبت إليه الأعراب تنهاه عن ذلك لما رأوا من عظمة مكة وكيف فعل الله بأصحاب الفيل فكساه ابن جفنة قميصا مصبوغا مسموما فمات من سمه فرثاه زيد بن عمرو بن نفيل بشعر ذكره الأموي تركناه اختصارا وكانت وفاته قبل المبعث بثلاث سنين أو نحوها والله سبحانه وتعالى أعلم



يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:37 PM
شيء من الحوادث في زمن الفترة
@ فمن ذلك بنيان الكعبة
وقد قيل إن أول من بناه آدم وجاء في ذلك حديث مرفوع عن عبدالله بن عمرو وفي سنده ابن لهيعة وهو ضعيف وأقوى الأقوال أن أول من بناه الخليل عليه السلام كما تقدم وكذلك رواه
سماك بن حزب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب قال ثم تهدم فبنته العمالقة ثم تهدم فبنته جرهم ثم تهدم فبنته قريش قلت سيأتي بناء قريش له وذلك قبل المبعث بخمس سنين وقبل بخمس عشرة سنة وقال الزهري كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الحلم وسيأتي ذلك كله في موضعه إن شاء الله وبه الثقة
*2* كعب بن لؤي
@ روى أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن محمد بن طلحة التيمي عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبي سلمة قال كان كعب بن لؤي يجمع قومه يوم الجمعة وكانت قريش تسميه العروبة فيخطبهم فيقول أما بعد فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا ليل ساج ونهار ضاح والأرض مهاد والسماء بناء والجبال أوتاد والنجوم أعلام والأولون كالآخرين والأنثى والذكر والروح وما يهيج إلى بلى فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم وثمروا أموالكم فهل رأيتم من هالك رجع أو ميت نشر الدار أمامكم والظن غير ما تقولون حرمكم زينوه وعظموه وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم ثم يقول
نهار وليل كل يوم بحادث * سواء علينا ليلها ونهارها
يؤوبان بالأحداث حتى تأوبا * وبالنعم الضافي علينا ستورها
على غفلة يأتي النبي محمد * فيخبر أخبارا صدوق خبيرها
ثم يقول والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل ولأرقلت بها إرقال العجل ثم يقول
يا ليتني شاهدا نجواء دعوته * حين العشيرة تبغي الحق خذلانا
قال وكان بين موت كعب بن لؤي ومبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة عام وستون سنة
*2* تجديد حفر زمزم
@ على يدي عبدالمطلب بن هاشم التي كان قد درس رسمها بعد طم جرهم لها إلى زمانه
قال محمد بن اسحاق ثم إن عبدالمطلب بينما هو نائم في الحجر وكان أول ما ابتدى به عبدالمطلب من حفرها كما حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري عن مرثد بن عبدالله المزني عن عبدالله بن رزين الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب يحدث حديث زمزم حين أمر عبدالمطلب بحفرها قال قال عبدالمطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال لي احفر طيبة قال قلت وما طيبة قال ثم ذهب عني قال فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال احفر برة قال قلت وما برة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد
رجعت إلى مضجعي فنمت فجاءني فقال احفر المضنونة قال قلت وما المضنونة قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني قال احفر زمزم قال قلت وما زمزم قال لا تنزف أبدا ولا تزم تسقي الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل قال فلما بين لي شأنها ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق غدا بمعوله ومعه ابنه الحارث بن عبدالمطلب وليس له يومئذ ولد غيره فحفز فلما بدا لعبدالمطلب الطمي كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه فقالوا يا عبدالمطلب إنها بئر أبينا اسماعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها قال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم قالوا له فأنصفنا فانا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها قال فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم قال نعم وكانت بإشراف الشام فركب عبدالمطلب ومعه نفر من بني أمية وركب من كل قبيلة من قريش نفر فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز حتى إذا كانوا ببعضها نفد ماء عبدالمطلب وأصحابه فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم فأبوا عليهم وقالوا إنا بمفازة وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم فقال عبدالمطلب إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه فقالوا نعما أمرت به فحفر كل رجل لنفسه حفرة ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشى ثم إن عبدالمطلب قال لأصحابه ألقينا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض لا نبتغي لأنفسنا لعجز فعسى أن يرزقنا ماء ببعض البلاد فارتحلوا حتى إذا بعث عبدالمطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبدالمطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستسقوا حتى ملئوا أسقيتهم ثم دعا قبائل قريش وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فجاؤوا فشربوا واستقوا كلهم ثم قالوا قد والله قضى لك علينا والله مانخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة هو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبين زمزم
به قال ابن اسحاق فهذا ما بلغني عن علي بن أبي طالب في زمزم قال ابن اسحاق وقد سمعت من يحدث عن عبدالمطلب أنه قيل له حين أمر بحفر زمزم
ثم ادع بالماء الروى غير الكدر * يسقي حجيج الله في كل مبر
ليس يخاف منه شيء ما عمر
قال فخرج عبدالمطلب حين قيل له ذلك إلى قريش فقال تعلموا أني قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بين لك أين هي قال لا قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله
يبين لك وإن يك من الشيطان فلن يعود إليك فرجع ونام فأتى فقيل له احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم وهي تراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تزم تسقي الحجيج الأعظم مثل نعام جافل لم يقسم وينذر فيها نادر بمنعم تكون ميراثا وعقدا محكم ليست لبعض ما قد تعلم وهي بين الفرث والدم
قال ابن اسحاق فزعموا أن عبدالمطلب حين قيل له ذلك قال وأين هي قيل له عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا فالله أعلم أي ذلك كان قال فغدا عبدالمطلب ومعه ابنه الحارث وليس له يومئذ ولد غيره زاد الأموي ومولاه أصرم فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الوثنين أساف ونائلة اللذين كانت قريش تنحر عندهما فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر فقامت إليه قريش وقالت والله لا نتركنك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبدالمطلب لابنه الحارث زد عنى حتى احفر فوالله لأمضين لما أمرت به فلما عرفوا أنه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحر إلا يسيرا حتى بدا له الطمي فكبر وعرف أنه قد صدق فلما تمادى به الحفر وجد فيها غزالتين من ذهب اللتين كانت جرهم قد دفنتهم ووجد فيها أسيافا قلعية وأدرعا فقالت له قريش يا عبدالمطلب لنا معك في هذا شرك وحق قال لا ولكن هلم إلى أمر نصف بيني وبينكم نضرب عليها بالقداح قالوا وكيف نصنع قال اجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فمن خرج قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له قالوا أنصفت فجعل للكعبة قدحين أصفرين وله أسودين ولهم أبيضين ثم أعطوا القداح للذي يضرب عند هبل وهبل أكبر أصنامهم ولهذا قال أبو سفيان يوم أحد أعل هبل يعني هذا الصنم وقام عبدالمطلب يدعو الله وذكر يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق أن عبدالمطلب جعل يقول
اللهم أنت الملك المحمود * ربي أنت المبدىء المعيد
وممسك الراسية الجلمود * من عندك الطارف والتليد
إن شئت ألهمت كما تريد * لموضع الحلية والحديد
فبين اليوم لما تريد * إني نذرت العاهد المعهودا
أجعله رب لي فلا أعود
قال وضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع لعبدالمطلب وتخلف قدحا قريش فضرب عبدالمطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالين من ذهب فكان أول ذهب حلية للكعبة فيما يزعون ثم إن عبدالمطلب أقام سقاية زمزم للحاج وذكر ابن اسحاق وغيره أن مكة كان فيها أبيار كثيرة قبل ظهور زمزم في زمن عبدالمطلب ثم عددها ابن اسحاق وسماها وذكر أماكنها من مكة وحافريها إلى أن قال فعفت زمزم على البئار كلها
وانصرف الناس كلهم إليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه ولأنها بئر اسماعيل بن إبراهيم وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها وعلى سائر العرب وقد ثبت في صحيح مسلم في حديث إسلام أبي ذران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زمزم إنها لطعام طعم وشفاء سقم وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالله بن الوليد عن عبدالله بن المؤمل عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء زمزم لما شرب منه وقد رواه ابن ماجة من حديث عبدالله بن المؤمل وقد تكلموا فيه ولفظه ماء زمزم لما شرب له ورواه سويد بن سعيد عن عبدالله بن المبارك عن عبدالرحمن بن أبي الموالي عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ماء زمزم لما شرب له ولكن سويد بن سعيد ضعيف والمحفوظ عن ابن المبارك عن عبدالله بن المؤمل كما تقدم وقد رواه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا ماء زمزم لما شرب له وفيه نظر والله أعلم وهكذا روى ابن ماجه أيضا والحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل إذا شربت من زمزم فاستقبل الكعبة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثا وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن آية ما بيننا وبين المنافقين لا يتضلعون من ماء زمزم وقد ذكر عن عبدالمطلب أنه قال اللهم إني لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل وقد ذكره بعض الفقهاء عن العباس بن عبدالمطلب والصحيح أنه عن عبدالمطلب نفسه فإنه هو الذي جدد حفر زمزم كما قدمنا والله أعلم وقد قال الأموي في مغازيه حدثنا أبو عبيد أخبرني يحيى بن سعيد عن عبدالرحمن بن حرملة سمعت سعيد بن المسيب يحدث أن عبدالمطلب بن هاشم حين احتفر زمزم قال لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل وذلك أنه جعل لها حوضين حوضا للشرب وحوضا للوضوء فعند ذلك قال لا أحلها لمغتسل لينزه المسجد عن أن يغتسل فيه قال أبو عبيد قال الأصمعي قوله وبل اتباع قال أبو عبيد والاتباع لا يكون بواو العطف وإنما هو كما قال معتمر بن سليمان أن بل بلغة حمير مباح ثم قال أبو عبيد حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود أنه سمع ردا أنه سمع العباس يقول لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل وحدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن عبدالرحمن بن علقمة أنه سمع ابن عباس يقول ذلك وهذا صحيح اليهما وكأنهما يقولان ذلك في أيامهما على سبيل التبليغ والإعلام بما اشترطه عبدالمطلب عند حفره لها فلا ينافي ما تقدم والله أعلم وقد كانت السقاية إلى عبدالمطلب أيام حياته ثم صارت إلى ابنه أبي طالب مدة ثم اتفق أنه املق في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف إلى الموسم الآخر وصرفها أبو طالب في الحجيج في عامه فيما يتعلق بالسقاية فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء فقال لأخيه العباس اسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل أعطيك جميع مالك فقال له العباس بشرط ان لم تعطني تترك السقاية لي أكفكها فقال نعم فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطي العباس فترك له السقاية فصارت إليه ثم من بعده صارت إلى عبدالله ولده
ثم إلى علي بن عبدالله بن عباس ثم إلى داود بن علي ثم إلى سليمان بن علي ثم إلى عيسى بن علي ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين ذكره الأموي
*2* نذر عبدالمطلب ذبح ولده
@ قال ابن اسحاق وكان عبدالمطلب فيما يزعمون نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم لله عند الكعبة فلما تكامل بنوه عشرة وعرف أنهم سيمنعونه وهم الحارث والزبير وحجل وضرار والمقوم وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبدالله جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله عز وجل بذلك فأطاعوه وقالوا كيف نصنع قال ليأخذ كل رجل منكم قدحا ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني ففعلوا ثم أتوه فدخل بهم على هبل في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكان عند هبل قداح سبعة وهي الأزلام التي يتحاكمون إليها إذا أعضل عليهم أمر من عقل أو نسب أوامر من الأمور جاؤه فاستقسموا بها فما أمرتهم به أو نهتهم عنه امتثلوه والمقصود أن عبدالمطلب لما جاء يستقسم بالقداح عند هبل خرج القدح على ابنه عبدالله وكان أصغر ولده وأحبهم إليه فأخذ عبدالمطلب بيد ابنه عبدالله وأخذ الشفرة ثم أقبل به إلى أساف ونائلة ليذبحه فقامت إليه قريش من أنديتها فقالوا ما تريد يا عبدالمطلب قال اذبحه فقالت له قريش وبنوه أخوة عبدالله والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يجيء بابنه حتى يذبحه فما بقاء الناس على هذا وذكر يونس بن بكير عن ابن اسحاق أن العباس هو الذي اجتذب عبدالله من تحت رجل أبيه حين وضعها عليه ليذبحه فيقال إنه شج وجهه شجا لم يزل في وجهه إلى أن مات ثم أشارت قريش على عبدالمطلب أن يذهب إلى الحجاز فإن بها عرافة لها تابع فيسألها عن ذلك ثم أنت على رأس أمرك إن أمرتك بذبحه فاذبحه وإن أمرتك بأمر لك وله فيه مخرج قبلته فانطلقوا حتى أتوا المدينة فوجدوا العرافة وهي سجاح فيما ذكره يونس بن بكير عن ابن اسحاق بخيبر فركبوا حتى جاؤها فسألوها وقص عليها عبدالمطلب خبره وخبر ابنه فقالت لهم ارجعوا عني اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله فرجعوا من عندها فلما خرجوا قام عبدالمطلب يدعو الله ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم قالوا عشر من الإبل وكانت كذلك قالت فارجعوا إلى بلادكم ثم قربوا صاحبكم وقربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم فخرجوا حتى قدموا مكة فلما أجمعوا على ذلك الأمر قام عبدالمطلب يدعو الله ثم قربوا عبدالله وعشرا من الإبل ثم ضربوا فخرج القدح على عبدالله فزادوا عشرا ثم ضربوا فخرج القدح على عبدالله فزادوا عشرا فلم
يزالوا يزيدون عشرا عشرا ويخرج القدح على عبدالله حتى بلغت الإبل مائة ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فقالت عند ذلك قريش لعبدالمطلب وهو قائم عند هبل يدعو الله قد انتهى رضى ربك يا عبدالمطلب فعندها زعموا أنه قال لا حتى اضرب عليها بالقداح ثلاث مرات فضربوا ثلاثا ويقع القدح فيها على الإبل فنحرت ثم تركت لا يصد عنها انسان ولا يمنع قال ابن هشام ويقال ولا سبع وقد روى أنه لما بلغت الإبل مائة خرج على عبدالله أيضا فزادوا مائة أخرى حتى بلغت مائتين فخرج القدح على عبدالله فزادوا مائة أخرى فصارت الإبل ثلاثمائة ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل فنحرها عند ذلك عبدالمطلب والصحيح الأول والله أعلم وقد روى ابن جرير عن يونس بن عبدالأعلى عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب أن ابن عباس سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة فأمرها بذبح مائة من الإبل وذكر لها هذه القصة عن عبدالمطلب وسألت عبدالله بن عمر فلم يفتها بشيء بل توقف فبلغ ذلك مروان بن الحكم وهو أمير على المدينة فقال إنهما لم يصيبا الفتيا ثم أمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير ونهاها عن ذبح ولدها ولم يأمرها بذبح الإبل وأخذ الناس بقول مروان بذلك والله أعلم
*2* تزويج عبدالمطلب ابنه عبدالله من آمنة بنت وهب الزهرية
@ قال ابن اسحاق ثم انصرف عبدالمطلب آخذا بيد ابنه عبدالله فمر به فيما يزعمون على امرأة من بني أسد بن عبد العزى بن قصي وهي أم قنال أخت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهي عند الكعبة فنظرت إلى وجهه فقالت أين تذهب يا عبدالله قال مع أبي قالت لك مثل الأبل التي نحرت عنك وقع على الآن قال أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه فخرج به عبدالمطلب حتى أتى وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر وهو يومئذ سيد بني زهرة سنا وشرفا فزوجه ابنته آمنة بنت وهب وهي يومئذ سيدة نساء قومها فزعموا أنه دخل عليها حين أملكها مكانه فوقع عليها فحملت منه برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها ما لك لا تعرضين علي اليوم ما كنت عرضت بالأمس قالت له فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي بك حاجة وكانت تسمع من أخيها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر واتبع الكتب أنه كائن في هذه الأمة نبي فطمعت أن يكون منها فجعله الله تعالى في أشرف عنصر وأكرم محتد وأطيب أصل كما قال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالاته وسنذكر المولد مفصلا ومما قالت أم قتال بنت نوفل من الشعر تتأسف على ما فاتها من الأمر الذي رامته وذلك فيما رواه
البيهقي من طريق يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق رحمه الله
عليك بآل زهرة حيث كانوا * وآمنة التي حملت غلاما
ترى المهدي حين نزا عليها * ونورا قد تقدمه أماما
إلى أن قالت * فكل الخلق يرجوه جميعا
يسود الناس مهتديا إماما
يراه الله من نور صفاه * فأذهب نوره عنا الظلاما
وذلك صنع ربك إذ حباه * إذا ما سار يوما أو أقاما
فيهدي أهل مكة بعد كفر * ويفرض بعد ذلكم الصياما
وقال أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي حدثنا علي بن حرب حدثنا محمد بن عمارة القرشي حدثنا مسلم بن خالد الزنجي حدثنا ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال لما انطلق عبدالمطلب بابنه عبدالله ليزوجه مر به على كاهنة من أهل تبالة متهودة قد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بنت مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبدالله فقالت يا فتى هل لك أن تقع علي الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال عبدالله
أما الحرام فالممات دونه * والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه * يحمي الكريم عرضه ودينه
ثم مضى مع أبيه فزوجه آمنة نبت وهب بن عبد مناف بن زهرة فأقام عندها ثلاثا ثم إن نفسه دعته إلى ما دعته إليه الكاهنة فأتاها فقالت ما صنعت بعدي فأخبرها فقالت والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكني رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد ثم أنشأت فاطمة تقول
إني رأيت مخيلة لمعت * فتلألأت بحناتم
القطر
فلمأتها نورا يضيء له * ما حوله كإضاءة البدر
ورجوتها فخرا أبوء به * ما كل قادح زنده يوري
لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما استلبت وما تدري
وقالت فاطمة أيضا * بني هاشم قد غادرت من أخيكم
أمينة إذ للباه يعتركان *
كما غادر المصباح عند خموده * فتائل قد ميثت له بدهان
وما كل ما يحوي الفتى من تلاده * بحزم ولا ما فاته لتواني
فأجمل إذا طالبت أمرا فإنه * سيكفيكه جدان يعتلجان
سيكفيكه إما يد مقفللة * وإما يد مبسوطة ببنان
ولما حوت منه أمينة ما حوت * حوت منه فخرا ما لذلك ثان
وروى الإمام أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبدالعزيز بن عمران عن عبدالله بن جعفر عن ابن عون عن المسور بن مخرمة عن ابن عباس قال إن عبدالمطلب قدم اليمن في رحلة الشتاء فنزل على حبر من اليهود قال فقال لي رجل من أهل الديور يعني أهل الكتاب يا عبدالمطلب أتأذن لي أن أنظر إلى بعضك قال نعم إذا لم يكن عورة قال ففتح إحدى منخري فنظر فيه ثم نظر في الآخر فقال أشهد ان في إحدى يديك ملكا وفي الأخرى نبوة وإنا نجد ذلك في بني زهرة فكيف ذلك قلت لا أدري قال هل لك من شاغة قلت وما الشاغة قال زوجة قلت أما اليوم فلا قال فإذا رجعت فتزوج فيهم فرجع عبدالمطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فولدت حمزة وصفية ثم تزوج عبدالله بن عبدالمطلب آمنة بنت وهب فولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش حين تزوج عبدالله بآمنة فلج أي فاز وغلب عبدالله على أبيه عبدالمطلب
بسم الله الرحمن الرحيم
*2* كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ قال الله تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالاته ولما سأل هرقل ملك الروم لأبي سفيان تلك الأسئلة عن صفاته عليه الصلاة والسلام قال كيف نسبه فيكم قال هو فينا ذو نسب قال كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها يعني في أكرمها أحسابا وأكثرها قبيلة صلوات الله عليهم أجمعين
فهو سيد ولد آدم وفخرهم في الدنيا والآخرة أبو القاسم وأبو إبراهيم محمد وأحمد والماحي الذي يمحى به الكفر والعاقب الذي ما بعده نبي والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه والمقفى ونبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة وخاتم النبيين والفاتح وطه ويس وعبدالله
قال البيهقي وزاد بعض العلماء فقال سماه الله في القرآن رسولا نبيا أمينا شاهدا مبشرا نذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ورؤفا رحيما ومذكرا وجعله رحمة ونعمة وهاديا
وسنورد الأحاديث المروية في أسمائه عليه الصلاة والسلام في باب نعقده بعد فراغ السيرة فإنه قد وردت أحاديث كثيرة في ذلك اعتنى بجمعها الحافظان الكبيران أبو بكر البيهقي وأبو القاسم بن عساكر وأفرد الناس في ذلك مؤلفات حتى رام بعضهم أن يجمع له عليه الصلاة والسلام ألف اسم وأما الفقيه الكبير أبو بكر بن العربي المالكي شارح الترمذي بكتابه الذي سماه الأحوذي فإنه ذكر من ذلك أربعة وستين اسما والله أعلم
وهو ابن عبدالله وكان أصغر ولد أبيه عبدالمطلب وهو الذبيح الثاني المفدى بمائة من الإبل كما تقدم
قال الزهري وكان أجمل رجال قريش وهو أخو الحارث والزبير وحمزة وضرار وأبي طالب واسمه عبد مناف وأبي لهب واسمه عبد العزى والمقوم واسمه عبد الكعبة وقيل هما إثنان وحجل واسمه المغيرة والغيداق وهو كبير الجود واسمه نوفل ويقال إنه حجل فهؤلاء أعمامه عليه الصلاة
والسلام وعماته ست وهن أروى وبرة وأميمة وصفية وعاتكة وأم حكيم وهي البيضاء وسنتكلم على كل منهم فيما بعد إن شاء الله تعالى كلهم أولاد عبدالمطلب واسمه شيبة يقال لشيبة كانت في رأسه ويقال له شيبة الحمد لجوده وإنما قيل له عبدالمطلب لأن أباه هاشما لما مر بالمدينة في تجارته إلى الشام نزل على عمرو بن زيد بن لبيد بن حرام بن خداش بن خندف بن عدي بن النجار الخزرجي النجاري وكان سيد قومه فأعجبته ابنته سلمى فخطبها إلى أبيها فزوجها منه واشترط عليه مقامها عنده وقيل بل اشترط عليه أن لا تلد إلا عنده بالمدينة فلما رجع من الشام بنى بها وأخذها معه إلى مكة فلما خرج في تجارة أخذها معه وهي حبلى فتركها بالمدينة ودخل الشام فمات بغزة ووضعت سلمى ولدها فسمته شيبة فأقام عند أخواله بني عدي بن النجار سبع سنين ثم جاء عمه المطلب بن عبد مناف فأخذه خفية من أمه فذهب به إلى مكة فلما رآه الناس ورأوه على الراحلة قالوا من هذا معك فقال عبدي ثم جاؤا فهنؤه به وجعلوا يقولون له عبدالمطلب لذلك فغلب عليه وساد في قريش سيادة عظيمة وذهب بشرفهم ورآستهم فكان جماع أمرهم عليه وكانت إليه السقاية والرفادة بعد المطلب وهو الذي جدد حفر زمزم بعد ما كانت مطمومة من عهد جرهم وهو أول من طلى الكعبة بذهب في أبوابها من تينك الغزالتين اللتين من ذهب وجدهما في زمزم مع تلك الأسياف القلعية قال ابن هشام وعبدالمطلب أخو أسد وفضلة وأبي صيفي وحية وخالدة ورقية والشفاء وضعيفة كلهم أولاد هاشم واسمه عمرو وانما سمي هاشما لهشمه الثريد مع اللحم لقومه في سني المحل كما قال مطرود بن كعب الخزاعي في قصيدته وقيل للزبعري والد عبدالله



عمرو الذي هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف
سنت إليه الرحلتان كلاهما * سفر الشتاء ورحلة الأصياف
وذلك لأنه أول من سن رحلتي الشتاء والصيف وكان أكبر ولد أبيه وحكى ابن جرير أنه كان تؤام أخيه عبد شمس وأن هاشما خرج ورجله ملتصقة برأس عبد شمس فما تخلصت حتى سال بينهما دم فقال الناس بذلك يكون بين أولادهما حروب فكانت وقعة بني العباس مع بني أمية بن عبد شمس سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة وشقيقهم الثالث المطلب وكان المطلب أصغر ولد أبيه وأمهم عاتكة بنت مرة بن هلال ورابعهم نوفل من أم أخرى وهي واقدة بنت عمرو المازنية وكانوا قد سادوا قومهم بعد أبيهم وصارت إليهم الرياسة وكان يقال لهم المجيرون وذلك لأنهم أخذوا لقومهم قريش الأمان من ملوك الأقاليم ليدخلوا في التجارات إلى بلادهم فكان هاشم قد أخذ أمانا من ملوك الشام والروم وغسان وأخذ لهم عبد شمس من النجاشي الأكبر ملك الحبشة وأخذ لهم نوفل من الأكاسرة وأخذ لهم المطلب أمانا من ملوك حمير ولهم يقول الشاعر
يا أيها الرجل المحول رحله * إلا نزلت بآل عبد مناف
وكان إلى هاشم السقاية والرفادة بعد أبيه وإليه وإلى أخيه المطلب نسب ذوي القربى وقد كانوا شيئا واحدا في حالتي الجاهلية والإسلام لم يفترقوا ودخلوا معهم في الشعب وانخذل عنهم بنو عبد شمس ونوفل ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل
ولا يعرف بنو أب تباينوا في الوفاة مثلهم فإن هاشما مات بغزة من أرض الشام وعبد شمس مات بمكة ونوفل مات بسلامان من أرض العراق ومات المطلب وكان يقال له القمر لحسنه بريمان من طريق اليمن فهؤلاء الأخوة الأربعة المشاهير وهم هاشم وعبد شمس ونوفل والمطلب ولهم أخ خامس ليس بمشهور وهو أبو عمرو واسمه عبد وأصل اسمه عبد قصي فقال الناس عبد بن قصي درج ولا عقب له قاله الزبير بن بكار وغيره وأخوات ست وهن تماضر وحية وريطة وقلابة وأم الأخثم وأم سفيان كل هؤلاء أولاد عبد مناف ومناف اسم صنم وأصل اسم عبد مناف المغيرة وكان قد رأس في زمن والده وذهب به الشرف كل مذهب وهو أخو عبد الدار الذي كان أكبر ولد أبيه وإليه أوصى بالمناصب كما تقدم وعبدالعزى وعبد وبرة وتخمر وأمهم كلهم حبى بنت حليل بن حبشي بن سلول بن كعب بن عمرو الخزاعي وأبوها آخر ملوك خزاعة وولاة البيت منهم وكلهم أولاد قصي واسمه زيد وإنما سمي بذلك لأن أمه تزوجت بعد أبيه بربيعة بن حزام بن عذرة فسافر بها إلى بلاده وابنها صغير فسمى قصيا لذلك ثم عاد إلى مكة وهو كبير ولم شعث قريش وجمعها من متفرقات البلاد وأزاح يد خزاعة عن البيت وأجلاهم عن مكة ورجع الحق إلى نصابه وصار رئيس قريش على الإطلاق وكانت إليه الوفادة والسقاية وهو سنها والسدانة والحجابة واللواء وداره دار الندوة كما تقدم بسط ذلك كله ولهذا قال الشاعر
قصي لعمري كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
وهو أخو زهرة كلاهما ابنا كلاب أخي تيم ويقظة أبي مخزوم ثلاثتهم أبناء مرة أخي عدي وهصيص وهم أبناء كعب وهو الذي كان يخطب قومه كل جمعة ويبشرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد في ذلك أشعارا كما قدمنا وهو أخو عامر وسامة وخزيمة وسعد والحارث وعوف سبعتهم أبناء لؤي أخي تيم الأدرم وهما ابنا غالب أخي الحارث ومحارب ثلاثتهم أبناء فهر وهو أخو الحارث وكلاهما ابن مالك وهو أخو الصلت ويخلد وهم بنو النضر الذي إليه جماع قريش على الصحيح كما قدمنا الدليل عليه وهو أخو مالك وملكان وعبد مناة وغيرهم كلهم أولاد كنانة أخي أسد وأسدة والهون أولاد خزيمة وهو أخو هذيل وهما ابنا مدركة واسمه عمرو أخو طابخة واسمه عامر وقمعة ثلاثتهم أبناء الياس
وأخي الياس هو غيلان والد قيس كلها وهما ولدا مضر أخي ربيعة ويقال لهما الصريحان من ولد اسماعيل وأخواهما أنمار واياد تيامنا أربعتهم أبناء نزار أخي قضاعة في قول طائفة ممن ذهب إلى أن قضاعة حجازية عدنانية وقد تقدم بيانه كلاهما أبناء معد بن عدنان
وهذا النسب بهذه الصفة لا خلاف فيه بين العلماء فجميع قبائل عرب الحجاز ينتهون إلى هذا النسب ولهذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى لم يكن بطن من بطون قريش الا ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب يتصل بهم وصدق ابن عباس رضي الله عنه فيما قال وأزيد مما قال وذلك أن جميع قبائل العرب العدنانية تنتهي إليه بالآباء وكثير منهم بالأمهات أيضا كما ذكره محمد بن اسحاق وغيره في أمهاته وأمهات آبائه وأمهاتهم ما يطول ذكره وقد حرره ابن اسحاق رحمه الله والحافظ ابن عساكر وقد ذكرنا في ترجمة عدنان نسبه وما قيل فيه وأنه من ولد اسماعيل لا محالة وإن اختلف في كم بينهما أبا على أقوال قد بسطناها فيما تقدم والله أعلم
وقد ذكرنا بقية النسب من عدنان إلى آدم وأوردناه قصيدة أبي العباس الناشيء المتضمنة ذلك كل ذلك في أخبار عرب الحجاز ولله الحمد
وقد تلكم الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله في أول تاريخه على ذلك كلاما مبسوطا جيدا محررا نافعا وقد ورد حديث في انتسابه عليه السلام إلى عدنان وهو على المنبر ولكن الله أعلم بصحته كما قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرىء ببغداد حدثنا أبو عيسى بكار بن أحمد بن بكار حدثنا أبو جعفر أحمد بن موسى بن سعد املاء سنة ست وتسعين ومائتين حدثنا أبو جعفر محمد بن أبان القلانسي حدثنا أبو محمد عبدالله بن محمد بن ربيعة القدامي حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن أنس وعن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه وأنه منهم فقال إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب فيأمنا بذلك وإنا لن ننتفي من آبائنا نحن بنو النضر بن كنانة قال وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نذار وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرها فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا وهذا حديث غريب جدا من حديث مالك تفرد به القدامى وهو ضعيف ولكن سنذكر له شواهد من وجوه أخر فمن ذلك قوله خرجت من نكاح لا من سفاح قال عبدالرزاق أخبرنا ابن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه أبي جعفر الباقر في قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم قال لم يصبه شيء
من ولادة الجاهلية قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح وهذا مرسل جيد وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن يحيى بن أبي بكير عن عبد الغفار بن القاسم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أخرجني من النكاح ولم يخرجني من السفاح وقد رواه ابن عدي موصولا فقال حدثنا أحمد بن حفص حدثنا محمد بن أبي عمرو العدني المكي حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال أشهد على أبي حدثني عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى ان ولدني ابي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء هذا غريب من هذا الوجه ولا يكاد يصح وقال هشيم حدثنا المديني عن أبي الحويرث عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ولدني من نكاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح الإسلام وهذا أيضا غريب أورده الحافظ ابن عساكر ثم أسنده من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف والله أعلم وقال محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عمر حدثني محمد بن عبدالله بن مسلم عن عمه الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت من نكاح غير سفاح ثم أورد ابن عساكر من حديث أبي عاصم عن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وتقلبك في الساجدين قال من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا ورواه عن عطاء وقال محمد بن سعد أخبرنا هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم فما وجدت فيهن سفاحا ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية وثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه وفي صحيح مسلم من حديث الأوزاعي عن شداد أبي عمار عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله اصطفى من ولد إبراهيم اسماعيل واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم وقال الإمام أحمد حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن المطلب بن أبي وداعة قال قال العباس بلغه صلى الله عليه وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فقال من أنا قالوا أنت رسول الله قال أنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا صلوات الله وسلامه عليه دائما أبدا إلى يوم الدين وقال يعقوب بن سفيان حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسماعيل بن أبي خالد عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث بن نوفل عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله إن قريشا إذا التقوا لقي بعضهم بعضا بالبشاشة وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها فغضب
رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك غضبا شديدا ثم قال والذي نفس محمد بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله فقلت يا رسول الله إن قريشا جلسوا فتذاكروا أحسابهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم ثم لما فرقهم قبائل جعلني في خيرهم قبيلة ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن الحارث عن ربيعة بن الحارث قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بنحو ما تقدم ولم يذكر العباس وقال يعقوب بن سفيان حدثني يحيى بن عبد الحميد حدثني قيس بن عبدالله عن الأعمش عن عليلة بن ربعي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما فذلك قوله وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله وأصحاب الميمنة والسابقون السابقون فأنا من السابقين وأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك قوله وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة وروى الحاكم والبيهقي من حديث محمد بن ذكوان خال ولد حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر قال إنا لقعود بفناء النبي صلى الله عليه وسلم إذ مرت به امرأة فقال بعض القوم هذه ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان مثل محمد في بني هاشم مثل الريحانة في وسط النتن فانطلقت المرأة فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب فقال ما بال أقوام تبلغني عن أقوام إن الله خلق السماوات سبعا فاختار العلياء منها فأسكنها من شاء من خلقه ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا خيار من خيار فمن أحب العرب فبحبي احبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم هذا أيضا حديث غريب وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وروى الحاكم والبيهقي أيضا من حديث موسى بن عبيدة حدثنا عمرو بن عبدالله بن نوفل عن الزهري عن أبي أسامة أو أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل قلبت الأرض من مشارقها ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم قال الحافظ البيهقي وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به فبعضها يؤكد بعضا ومعنى جميعها يرجع إلى حديث واثلة بن الأسقع والله أعلم
قلت وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبي صلى الله عليه وسلم
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها
فإن حصلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فإن محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة * إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أجحارها من يرومها
بنا انتعش العود الذواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
وقال أبو السكن زكريا بن يحيى الطائي في الجزء المنسوب إليه المشهور حدثني عمر بن أبي زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب قال قال جدي خريم بن أوس هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت عليه منصرف من تبوك فأسلمت فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا يفضض الله فاك فأنشأ يقول
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت * ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * الجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صلب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض * وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور * وسبل الرشاد نخترق
وقد روى هذا الشعر لحسان بن ثابت فروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر من طريق أبي الحسن ابن أبي الحديد أخبرنا محمد بن أبي نصر أنا عبد السلام بن محمد بن أحمد القرشي حدثنا أبو حصين محمد بن إسماعيل بن محمد التميمي حدثنا محمد بن عبدالله الزاهد الخراساني حدثني إسحاق بن إبراهيم بن سنان حدثنا سلام بن سليمان أبو العباس المكفوف المدائني حدثنا ورقاء بن عمر عن ابن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت فداك أبي وأمي أين كنت وآدم في الجنة قال فتبسم حتى بدت نواجذه ثم قال كنت في صلبه وركب بي السفينة في صلب أبي نوح وقذف بي في صلب أبي إبراهيم لم يلتق أبواي على سفاح قط لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة صفتي مهدي لا ينشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما وقد أخذ الله بالنبوة ميثاقي وبالإسلام عهدي
ونشر في التوراه والانجيل ذكري وبين كل نبي صفتي تشرق الأرض بنوري والغمام بوجهي وعلمني كتابه وزادني شرفا في سمائه وشق لي اسما من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد وأحمد ووعدني أن يحبوني بالحوض والكوثر وأن يجعلني أول شافع وأول مشفع ثم أخرجني من خير قرن لأمتي وهم الحمادون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر قال ابن عباس فقال حسان بن ثابت في النبي صلى الله عليه وسلم
قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع يوم يخصف الورق
ثم سكنت البلاد لا بشر أنت * ولا نطفة ولا علق
مطهر تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صلب إلى رحم * إذا مضى طبق بدا طبق
فقال النبي صلى الله عليه وسلم يرحم الله حسانا فقال علي بن أبي طالب وجبت الجنة لحسان ورب الكعبة ثم قال الحافظ ابن عساكر هذا حديث غريب جدا
قلت بل منكر جدا والمحفوظ أن هذه الأبيات للعباس رضي الله عنه ثم أوردها من حديث أبي السكن زكريا بن يحيى الطائي كما تقدم
قلت ومن الناس من يزعم أنها للعباس بن مرداس السلمي فالله أعلم
تنبيه قال القاضي عياض في كتابه الشفاء وأما احمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الانبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك وكذلك محمد لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبل وجوده وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء ان يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالاته وهم محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ومحمد بن سلمة الأنصاري ومحمد بن البراء الكندي ومحمد بن سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمران الجعفي ومحمد بن خزاعى السلمي لا سابع لهم ويقال إن اول من سمي محمدا محمد بن سفيان بن مجاشع واليمن تقول بل محمد بن ليحمد من الأزد ثم إن الله حمى كل من تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها له أحد أو يظهر عليه سبب يشكل أحدا في أمره حتى تحققت الشيمتان له صلى الله عليه وسلم لم ينازع فيهما هذا لفظه
*2* باب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ ولد صلوات الله عليه وسلامه يوم الاثنين لما رواه مسلم في صحيحه من حديث غيلان بن جرير بن عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة أن اعرابيا قال يا رسول الله ما تقول في صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه وقال الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن
خالد بن أبي عمران عن حنش الصنعاني عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين واستنبىء يوم الاثنين وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين وقدم المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين تفرد به أحمد ورواه عمرو بن بكير عن ابن لهيعة وزاد نزلت سورة المائدة يوم الاثنين اليوم أكملت لكم دينكم وهكذا رواه بعضهم عن موسى بن داود به وزاد أيضا وكانت وقعة بدر يوم الاثنين وممن قال هذا يزيد بن حبيب وهذا منكر جدا قال ابن عساكر والمحفوظ أن بدرا ونزول اليوم أكملت لكم دينكم يوم الجمعة وصدق ابن عساكر وروى عبدالله بن عمر عن كريب عن ابن عباس ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين وهكذا روى من غير هذا الوجه عن ابن عباس أنه ولد يوم الاثنين وهذا ما لا خلاف فيه أنه ولد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأبعد بل أخطأ من قال ولد يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من ربيع الأول نقله الحافظ ابن دحية فيما قرأه في كتاب أعلام الروي بأعلام الهدى لبعض الشيعة ثم شرع ابن دحية في تضعيفه وهو جدير بالتضعيف إذ هو خلاف النص ثم الجمهور على أن ذلك كان في شهر ربيع الأول فقيل لليلتين خلتا منه قاله ابن عبد البر في الاستيعاب ورواه الواقدي عن أبي معشر نجيح بن عبدالرحمن المدني وقيل لثمان خلون منه حكاه الحميدي عن ابن حزم ورواه مالك وعقيل ويونس بن يزيد وغيرهم عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ انهم صححوه وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي ورجحه الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير وقيل لعشر خلون منه نقله ابن دحية في كتابه ورواه ابن عساكر عن أبي جعفر الباقر ورواه مجالد عن الشعبي كما مر وقيل لثنتي عشرة خلت منه نص عليه ابن إسحاق ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عفان عن سعيد بن مينا عن جابر وابن عباس أنهما قالا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات وهذا هو المشهور عند الجمهور والله أعلم وقيل لسبعة عشر خلت منه كما نقله ابن دحية عن بعض الشيعة وقيل لثمان بقين منه نقله ابن دحية من خط الوزير أبي رافع بن الحافظ أبي محمد بن حزم عن أبيه والصحيح عن ابن حزم الأول أنه لثمان مضين منه كما نقله عنه الحميدي وهو أثبت والقول الثاني أنه ولد في رمضان نقله ابن عبد البر عن الزبير بن بكار وهو قول غريب جدا وكان مستنده أنه عليه الصلاة والسلام أوحى إليه في رمضان بلا خلاف وذلك على رأس أربعين سنة من عمره فيكون مولده في رمضان وهذا فيه نظر والله أعلم وقد روى خيثمة بن سليمان الحافظ عن خلف بن محمد كردوس الواسطي عن المعلى بن عبدالرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن الزهري عن عبيد الله بن عبدالله عن
ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في ربيع الأول وأنزلت عليه النبوة يوم الاثنين في أول شهر ربيع الأول وأنزلت عليه البقرة يوم الاثنين في ربيع الأول وهذا غريب جدا رواه ابن عساكر قال الزبير بن بكار حملت به أمه في أيام التشريق في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى وولد بمكة بالدار المعروفة بمحمد بن يوسف أخي الحجاج بن يوسف لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عثمان بن عقبة بن مكرم عن المسيب بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء في المحرم وولد يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل وذكر غيره أن الخيزران وهي أم هارون الرشيد لما حجت أمرت ببناء هذه الدار مسجدا فهو يعرف بها اليوم وذكر السهيلي ان مولده عليه الصلاة والسلام كان في العشرين من نيسان وهذا أعدل الزمان والفصول وذلك لسنة اثنتين وثمانين وثمانمائة لذي القرنين فيما ذكر أصحاب الزيج وزعموا أن الطالع كان لعشرين درجة من الجدي وكان المشتري وزحل مقترنين في ثلاث درج من العقرب وهي درجة وسط السماء وكان موافقا من البروج الحمل وكان ذلك عند طلوع القمر أول الليل نقله كله ابن دحية والله
أعلم قال ابن إسحاق وكان مولده عليه الصلاة والسلام عام الفيل وهذا هو المشهور عن الجمهور قال إبراهيم بن المنذر الحزامي وهو الذي لا يشك فيه أحد من علمائنا أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل وبعث على رأس اربعين سنة من الفيل وقد رواه البيهقي من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وقال محمد بن إسحاق حدثني المطلب بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن أبيه عن جده قيس بن مخرمة قال ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل كنا لدين قال وسأل عثمان رضي الله عنه قباث بن أشيم أخا بني يعمر بن ليث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد ورأيت خزق الفيل أخضر محيلا ورواه الترمذي والحاكم من حديث محمد بن إسحاق به



قال ابن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عام عكاظ ابن عشرين سنة
وقال ابن إسحاق كان الفجار بعد الفيل بعشرين سنة وكان بناء الكعبة بعد الفجار بخمسة عشر سنة والمبعث بعد بنائها بخمس سنين وقال محمد بن جبير بن مطعم كانت عكاظ بعد الفيل بخمس عشرة سنة وبناء الكعبة بعد عكاظ بعشر سنين والمبعث بعد بنائها بخمس عشرة سنة وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد العزيز بن أبي ثابت المديني حدثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي يا قباث أنت أكبر أم رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر مني وأنا أسن ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ووقفت بي أمي على روث الفيل محيلا أعقله وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة وقال يعقوب بن سفيان حدثنا يحيى بن عبدالله بن بكير حدثنا نعيم يعني ابن ميسرة عن بعضهم عن سويد بن غفلة أنه قال أنا لدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت عام الفيل قال البيهقي وقد روى عن سويد بن غفلة أنه قال أنا أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين قال يعقوب وحدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا عبد العزيز بن أبي ثابت حدثني عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان النوفلي عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل وكانت بعده عكاظ بخمس عشرة سنة وبنى البيت على رأس خمس وعشرين سنة من الفيل وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس أربعين سنة من الفيل
والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل على قول الجمهور فقيل بعده بشهر وقيل بأربعين يوما وقيل بخمسين يوما وهو أشهر وعن أبي جعفر الباقر كان قدوم الفيل للنصف من المحرم ومولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده بخمس وخمسين ليلة وقال آخرون بل كان عام الفيل قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين قاله ابن أبزى وقيل بثلاث وعشرين سنة رواه شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده كما تقدم وقيل بعد الفيل بثلاثين سنة قاله موسى بن عقبة عن الزهري رحمه الله واختاره موسى بن عقبة ايضا رحمه الله وقال أبو زكريا العجلاني بعد الفيل بأربعين عاما رواه ابن عساكر وهذا غريب جدا وأغرب منه ما قال خليفة بن خياط حدثني شعيب بن حبان عن عبد الواحد بن أبي عمرو عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفيل بخمس عشرة سنة وهذا حديث غريب ومنكر وضعيف أيضا قال خليفة بن خياط والمجتمع عليه أنه عليه السلام ولد عام الفيل
*2* صفة مولده الشريف عليه الصلاة والسلام
@ قد تقدم أن عبد المطلب لما ذبح تلك الابل المائة عن ولده عبدالله حين كان نذر ذبحه فسلمه الله تعالى لما كان قدر في الازل من ظهور النبي الأمي صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل وسيد ولد آدم من صلبه فذهب كما تقدم فزوجه أشرف عقيلة في قريش آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهرية فحين دخل بها وأفضى إليها حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كانت أم قتال رقيقة بنت نوفل أخت ورقة بن نوفل توسمت ما كان بين عيني عبدالله قبل ان يجامع آمنة من النور فودت أن يكون ذلك متصلا بها لما كانت تسمع من اخيها من البشارات بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وأنه قد أزف زمانه فعرضت نفسها عليه قال بعضهم ليتزوجها وهو أظهر والله أعلم فامتنع عليها فلما انتقل ذلك النور الباهر إلى آمنة بمواقعته
أياها كأنه تندم على ما كانت عرضت عليه فتعرض لها لتعاوده فقالت لا حاجة لي فيك وتأسفت على ما فاتها من ذلك وأنشدت في ذلك ما قدمناه من الشعر الفصيح البليغ وهذه الصيانة لعبدالله ليست له وإنما هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كما قال تعالى الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقد تقدم الحديث المروي من طريق جيد أنه قال عليه الصلاة والسلام ولدت من نكاح لا من سفاح
والمقصود أن أمه حين حملت به توفي أبوه عبدالله وهو حمل في بطن أمه على المشهور قال محمد بن سعد حدثنا محمد بن عمر هو الواقدي حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي وحدثنا سعيد بن أبي زيد عن أيوب بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة قال خرج عبدالله بن عبد المطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيران قريش يحملونه تجارات ففرغوا من تجارتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبدالله بن عبد المطلب يومئذ مريض فقال أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار فأقام عندهم مريضا شهرا ومضى اصحابه فقدموا مكة فسألهم عبد المطلب عن ابنه عبدالله فقالوا خلفناه عند اخواله بني عدي بن النجار وهو مريض فبعث إليه عبد المطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره فوجد عليه عبد المطلب وإخوته وأخواته وجدا شديدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حمل ولعبدالله بن عبد المطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة
قال الواقدي هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبدالله وسنه عندنا قال الواقدي وحدثني معمر عن الزهري أن عبد المطلب بعث عبدالله إلى المدينة يمتار لهم تمرا فمات قال محمد بن سعد وقد أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن عوانة بن الحكم قالا توفي عبدالله بن عبد المطلب بعد ما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرين شهرا وقيل سبعة أشهر وقال محمد بن سعد والأول أثبت أنه توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن حسن عن عبد السلام عن ابن خربوذ قال توفي عبدالله بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن شهرين وماتت أمه وهو ابن أربع سنين ومات جده وهو ابن ثمان سنين فأوصى به إلى عمه أبي طالب والذي رجحه الواقدي وكاتبه الحافظ محمد بن سعد انه عليه الصلاة والسلام توفي أبوه وهو جنين في بطن أمه وهذا أبلغ اليتم وأعلى مراتبه وقد تقدم في الحديث ورؤيا أمي الذي رأت حين حمل بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وقال محمد بن إسحاق فكانت آمنة بنت وهب ام رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدث أنها أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع إلى الأرض فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد من كل بر عاهد وكل عبد رائد يذود عني ذائد فإنه عند الحميد الماجد حتى أراه قد أتى المشاهد وآية ذلك أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من ارض الشام فإذا وقع فسميه محمدا فإن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء وأهل
الأرض واسمه في الإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض واسمه في القرآن محمد وهذا وذاك يقتضي أنها رأت حين حملت به عليه السلام كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ثم لما وضعته رأت عيانا تأويل ذلك كما رأته قبل ذلك هاهنا والله أعلم
وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر هو الواقدي حدثنا محمد بن عبدالله بن مسلم عن الزهري وقال الواقدي حدثنا موسى بن عبدة عن أخيه ومحمد بن كعب القرظي وحدثني عبدالله بن جعفر الزهري عن عمته أم بكر بنت المسود عن أبيها وحدثنا عبدالرحمن بن إبراهيم المزني وزياد بن حشرج عن أبي وجزة وحدثنا معمر عن أبي نجيح عن مجاهد وحدثنا طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس دخل حديث بعضهم في حديث بعض أن آمنة بنت وهب قالت لقد علقت به تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فما وجدت له مشقة حتى وضعته فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء وقال بعضهم وقع جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رؤيت أعناق الإبل ببصرى رافعا رأسه إلى السماء وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا محمد بن عبدالله الحافظ أنبأنا محمد بن اسماعيل أنبأنا محمد بن اسحاق حدثنا يونس بن مبشر بن الحسن حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا عبدالعزيز بن عمران حدثنا عبدالله بن عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن أبي سويد الثقفي عن عثمان بن أبي العاص حدثتني أمي أنها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة ولدته قالت فما شيء أنظره في البيت إلا نور وإني أنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول ليقعن علي
وذكر القاضي عياض عن الشفاء أم عبدالرحمن بن عوف أنها كانت قابلته وأنها أخبرت به حين سقط على يديها واستهل سمعت قائلا يقول يرحمك الله وإنه سطع منه نور رؤيت منه قصور الروم
قال محمد بن اسحاق فلما وضعته بعثت إلى عبدالمطلب جاريتها وقد هلك أبوه وهي حبلى ويقال إن عبدالله هلك والنبي صلى الله عليه وسلم ابن ثمانية وعشرين شهرا فالله أعلم أي ذلك كان فقالت قد ولد لك غلام فانظر إليه فلما جاءها أخبرته وحدثته بما كانت رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه فأخذه عبدالمطلب فأدخله على هبل في جوف الكعبة فقام عبدالمطلب يدعو ويشكر الله عز وجل ويقول
الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الأردان
قد ساد في المهد على الغلمان * أعيذه بالبيت ذي الأركان
حتى يكون بلغة الفتيان * حتى أراه بالغ البنيان
أعيذه من كل ذي شنآن * من حاسد مضطرب العنان
ذي همة ليس له عينان * حتى أراه رافع اللسان
أنت الذي سميت في القرآن * في كتب ثابتة المثاني
أحمد مكتوب على اللسان
وقال البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم الدرابودي بمرو حدثنا أبو عبدالله البوشنجي حدثنا أبو أيوب سليمان بن سلمة الخبائري حدثنا يونس بن عطاء بن عثمان بن ربيعة بن زياد بن الحارث الصدائي بمصر حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا قال فأعجب جده عبدالمطلب وحظى عنده وقال ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن وهذا الحديث في صحته نظر وقد رواه الحافظ ابن عساكر من حديث سفيان بن محمد المصيصي عن هشيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على الله أني ولدت مختونا ولم ير سوأتي أحد ثم أورده من طريق الحسن بن عرفة عن هشيم به ثم أورده من طريق محمد بن محمد بن سليمان هو الباغندي حدثنا عبدالرحمن بن أيوب الحمصي حدثنا موسى بن أبي موسى المقدسي حدثني خالد بن سلمة عن نافع عن ابن عمر قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا مختونا وقال أبو نعيم حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي حدثنا الحسين بن أحمد بن عبدالله المالكي حدثنا سليمان بن سلمة الخبائري حدثنا يونس بن عطاء حدثنا الحكم بن أبان حدثنا عكرمة عن ابن عباس عن أبيه العباس قال ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مختونا مسرورا فأعجب ذلك جده عبدالمطلب وحظى عنده وقال ليكونن لابني هذا شأن فكان له شأن وقد ادعى بعضهم صحته لما ورد له من الطرق حتى زعم بعضهم أنه متواتر وفي هذا كله نظر ومعنى مختونا أي مقطوع الختان ومسرورا أي مقطوع السرة من بطن أمه وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبدالرحمن بن عيينة البصري حدثنا علي بن محمد المدائني السلمي حدثنا سلمة بن محارب بن مسلم بن زياد عن أبيه عن أبي بكرة أن جبريل ختن النبي صلى الله عليه وسلم حين طهر قلبه وهذا غريب جدا وقد روى أن جده عبدالمطلب ختنه وعمل له دعوة جمع قريشا عليها والله أعلم
وقال البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ أنبأني محمد بن كامل القاضي شفاها أن محمد بن اسماعيل حدثه يعني السلمي حدثنا أبو صالح عبدالله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن أبي الحكم التنوخي قال كان المولود إذا ولد في قريش دفعوه إلى نسوة من قريش إلى الصبح يكفأن عليه برمة فلما ولد
رسول الله صلى الله عليه وسلم دفعه عبدالمطلب إلى نسوة فكفأن عليه برمة فلما أصبحن أتين فوجدن البرمة قد انفلقت عنه باثنتين ووجدنه مفتوح العينين شاخصا ببصره إلى السماء فأتاهن عبدالمطلب فقلن له ما رأينا مولودا مثله وجدناه قد انفلقت عنه البرمة ووجدناه مفتوحا عينيه شاخصا ببصره إلى السماء فقال احفظنه فإني أرجو أن يكون له شأن أو أن يصيب خيرا فلما كان اليوم السابع ذبح عنه ودعا له قريشا فلما أكلوا قالوا يا عبدالمطلب أرأيت ابنك هذا الذي أكرمتنا على وجهه ما سميته قال سميته محمدا قالوا فما رغبت به عن أسماء أهل بيته قال أردت أن يحمده الله في السماء وخلقه في الأرض قال أهل اللغة كل جامع لصفات الخير يسمى محمدا كما قال بعضهم
إليك أبيت اللعن أعملت نافتي * إلى الماجد القرم الكريم المحمد
وقال بعض العلماء ألهمهم الله عز وجل أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة ليلتقي الاسم والفعل ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى كما قال عمه أبو طالب ويروى لحسان
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
وسنذكر أسماءه عليه الصلاة والسلام وشمائله وهي صفاته الظاهرة وأخلاقه الطاهرة ودلائل نبوته وفضائل منزلته في آخر السيرة إن شاء الله
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبدالله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن شيبان الرملي حدثنا أحمد بن إبراهيم الحبلى حدثنا الهيثم بن جميل حدثنا زهير عن محارب بن دثار عن عمرو بن يثربي عن العباس بن عبدالمطلب قال قلت يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك أمارة لنبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر وتشير إليه باصبعك فحيث أشرت إليه مال قال إني كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء واسمع وجبته حين يسجد تحت العرش ثم قال تفرد به الليثي وهو مجهول
*2* فصل ( فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه السلام ) .
@ فيما وقع من الآيات ليلة مولده عليه الصلاة والسلام
قد ذكرنا في باب هواتف الجان ما تقدم من خرور كثير من الأصنام ليلتئذ لوجوهها وسقوطها عن أماكنها وما رآه النجاشي ملك الحبشة وظهور النور معه حتى أضاءت له قصور الشام حين ولد وما كان من سقوطه جاثيا رافعا رأسه إلى السماء وانفلاق تلك البرمة عن وجهه الكريم وما شوهد من النور في المنزل الذي ولد فيه ودنو النجوم منهم وغير ذلك
حكى السهيلي عن تفسير بقي بن مخلد الحافظ أن إبليس رن أربع رنات حين لعن وحين أهبط
وحين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحين أنزلت الفاتحة قال محمد بن اسحاق وكان هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة قالت كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود فقال القوم والله ما نعلمه فقال الله أكبر أما إذا أخطأكم فلا بأس انظروا واحفظوا ما أقول لكم ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس لا يرضع ليلتين وذلك أن عفريتا من الجن أدخل أصبعه في فمه فمنعه الرضاع فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله وحديثه فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا قد والله ولد لعبدالله بن عبدالمطلب غلام سموه محمدا فالتقى القوم فقالوا هل سمعتم حديث اليهودي وهل بلغكم مولد هذا الغلام فانطلقوا حتى جاءوا اليهودي فأخبروه الخبر قال فاذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا به حتى أدخلوه على آمنة فقالوا أخرجي إلينا ابنك فأخرجته وكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودي مغشيا عليه فلما أفاق قالوا له مالك ويلك قال قد ذهبت والله النبوة من بني إسرائيل فرحتم بها يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب
وقال محمد بن اسحاق حدثني صالح بن إبراهيم عن يحيى بن عبدالرحمن بن أسعد بن زرارة قال حدثني من شئت من رجال قومي ممن لا أتهم عن حسان بن ثابت قال إني لغلام يفعة ابن سبع سنين أو ثمان سنين أعقل ما رأيت وسمعت إذا بيهودي في يثرب يصرخ ذات غداة يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع فقالوا ويلك ما لك قال قد طلع نجم أحمد الذي يولد به في هذه الليلة وروى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من حديث أبي بكر بن عبدالله العامري عن سليمان بن سحيم وذريح بن عبدالرحمن كلاهما عن عبدالرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال سمعت أبي مالك بن سنان يقول جئت بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم ونحن يومئذ في هدنة من الحرب فسمعت يوشع اليهودي يقول أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلي كالمستهزىء به ما صفته فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل في عينيه حمرة يلبس الشملة ويركب الحمار سيفه على عاتقه وهذا البلد مهاجره قال فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع فاسمع رجلا منا يقول ويوشع يقول هذا وحده كل يهود يثرب يقولون هذا قال أبي مالك بن سنان فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الزبير بن باطا قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلى لخروج نبي أو ظهوره ولم يبق أحد إلا أحمد وهذا مهاجره قال أبو سعيد فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبي هذا الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أسلم الزبير لأسلم ذووه من رؤساء اليهود إنما هم له تبع وقال أبو نعيم حدثنا عمر بن محمد حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا
اسماعيل بن قيس بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أم سعد بنت سعد بن الربيع سمعت زيد بن ثابت يقول كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي وأنه لا نبي بعده واسمه أحمد ومهاجره إلى يثرب فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا وقد أورد هذه القصة الحافظ أبو نعيم في كتابه من طرق أخرى ولله الحمد
وقال أبو نعيم ومحمد بن حبان حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد قال قال زيد بن عمرو بن نفيل قال لي حبر من أحبار الشام قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج قد خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه
*2* ذكر ارتحاس إيوان كسرى
@ وسقوط الشرفات وخمود النيران ورؤيا الموبذان وغير ذلك من الدلالات
قال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتاب هواتف الجان حدثنا علي بن حرب حدثنا أبو أيوب يعلى بن عمران من آل جرير بن عبدالله البجلي حدثني مخزوم بن هاني المخزومي عن أبيه وأتت عليه خمسون ومائة سنة قال لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت بحيرة ساوة ورأى الموبذان إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم فلما أصبح كسرى أفزعه ذلك فتصبر عليه تشجعا ثم رأى أنه لا يدخر ذلك عن مرازبته فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال أتدرون فيم بعثت إليكم قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب خمود النيران فازداد غما إلى غمه ثم أخبرهم بما رأى وما هاله فقال الموبذان وأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان قال حدث يكون في ناحية العرب وكان أعلمهم من أنفسهم فكتب عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني فلما ورد عليه قال له ألك علم بما أريد أن أسألك عنه فقال لتخبرني أو ليسألني الملك عما أحب فإن كان عندي منه علم وإلا أخبرته بمن يعلم فأخبره بالذي وجه به إليه فيه قال علم ذلك عند خال لي يسكن مشارف الشام يقال له سطيح قال فاسأله فاسأه عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره فخرج عبدالمسيح
حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى علي الضريح فسلم عليه وكلمه فلم يرد إليه سطيح جوابا فأنشأ يقول
أصم أم يسمع غطريف اليمن * أم فاد فاز لم به شأو العنن
يا فاصل الخطة أعيت من ومن * أتاك شيخ الحي من آل سنن
وأمه من آل ذئب بن حجن * أزرق نهم الناب صرار الأذن
أبيض فضفاض الرداء والبدن * رسول قيل العجم يسري للوسن
يجوب بي الأرض علنداة شزن * لا يرهب الرعد ولا ريب الزمن
ترفعني وجنا وتهوي بي وجن * حتى أتى عاري الجآجي والقطن
تلفه في الريح بوغاء الدمن * كأنما حثحث من حضني ثكن
قال فلما سمع سطيح شعره رفع رأسه يقول عبد المسيح على جمل مشيح أتى سطيح وفد أوفى على الضريح بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكلما هو آت آت ثم قصى سطيح مكانه فنهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول
شمر فإنك ماضي العزم شمير * لا يفزعنك تفريق وتغيير
إن يمس ملك بني ساسان أفرطهم * فإن ذا الدهر أطوار دهارير
فربما ربما أضحوا بمنزلة * يخاف صولهم الأسد المهاصير
منهم أخو الصرح بهرام وإخوته * والهرمزان وشابور وسابور
والناس أولاد علات فمن علموا * أن قد أقل فمحقور ومهجور
ورب قوم لهم صحبان ذي أذن * بدت تلهيهم فيه المزامير
وهم بنو الام إما إن رأوا نشبا * فذاك بالغيب محفوظ ومنصور
والخير والشر مقرونان في قرن * فالخير متبع والشر محذور
قال فلما قدم عبد المسيح على كسرى أخبره ما قال له سطيح فقال كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور وأمور فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه ورواه البيهقي من حديث عبدالرحمن بن محمد بن إدريس عن علي بن حرب الموصلي بنحوه
قلت كان آخر ملوكهم الذي سلب منه الملك يزدجرد بن شهريار بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان وهو الذي انشق الإيوان في زمانه وكان لأسلافه في الملك ثلاثة آلاف سنة ومائة وأربعة وستون سنة وكان أول ملوكهم خيومرت بن أميم بن لاوذ بن سام بن نوح
أما سطيح هذا فقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه هو الربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب ابن عدي بن مازن بن الأزد ويقال الربيع بن مسعود وأمه ردعا بنت سعد بن الحارث الحجوري وذكر غير ذلك في نسبه قال وكان يسكن الجابية ثم روى عن أبي حاتم السجستاني قال سمعت المشيخة منهم أبو عبيدة وغيره قالوا وكان من بعد لقمان بن عاد ولد في زمن سيل العرم وعاش إلى ملك ذي نواس وذلك نحو من ثلاثين قرنا وكان مسكنه البحرين وزعمت عبد القيس أنه منهم وتزعم الأزد أنه منهم وأكثر المحدثين يقولون هو من الأزد ولا ندري ممن هو غير أن ولده يقولون إنه من الأزد وروى عن ابن عباس أنه قال لم يكن شيء من بني آدم يشبه سطيحا إنما كان لحما على وضم ليس فيه عظم ولا عصب إلا في رأسه وعينيه وكفيه وكان يطوى كما يطوى الثوب من رجليه إلى عنقه ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه وقال غيره إنه كان إذا غضب انتفخ وجلس ثم ذكر ابن عباس أنه قدم مكة فتلقاه جماعة من رؤسائهم منهم عبد شمس وعبد مناف أبناء قصي فامتحنوه في أشياء فأجابهم فيها بالصدق فسألوه عما يكون في آخر الزمان فقال خذوا مني ومن الهام الله إياي أنتم الآن يا معشر العرب في زمان الهرم سواء بصائركم وبصائر العجم لا علم عندكم ولا فهم وينشو من عقبكم ذوو فهم يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم ويتبعون الردم ويقتلون العجم يطلبون الغنم ثم قال والباقي الأبد والبالغ الأمد ليخرجن من ذا البلد نبي مهتد يهدي إلى الرشد يرفض يغوث والفند يبرأ عن عبادة الضدد يعبد ربا انفرد ثم يتوفاه الله بخير دار محمودا من الأرض مفقودا وفي السماء مشهودا ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق وفي رد الحقوق لا خرق ولا نزق ثم يلي أمره الحنيف مجرب غطريف قد أضاف المضيف وأحكم التحنيف ثم ذكر عثمان ومقتله وما يكون بعد ذلك من أيام بني أمية ثم بني العباس وما بعد ذلك من الفتن والملاحم ساقه ابن عساكر بسنده عن ابن عباس بطوله وقد قدمنا قوله لربيعة بن نصر ملك اليمن حين أخبره برؤياه قبل أن يخبره بها ثم ما يكون في بلاد اليمن من الفتن وتغيير الدول حتى يعود إلى سيف بن ذي يزن فقال له أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع قال بل ينقطع قال ومن يقطعه قال نبي زكي يأتيه الوحي من قبل العلي قال وممن هذا النبي قال من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر قال وهل للدهر من آخر قال نعم يوم يجمع فيه الأولون والآخرون يسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون قال أحق ما تخبرني
قال نعم والشفق والغسق والقمر إذا اتسق إن ما أنبأتك عليه لحق ووافقه على ذلك شق سوآ بسواء بعبارة أخرى كما تقدم ومن شعر سطيح قوله
عليكم بتقوى الله في السر والجهر * ولا تلبسوا صدق الأمانة بالغدر
وكونوا لجار الجنب حصنا وجنة * إذا ما عرته النائبات من الدهر
وروى ذلك الحافظ ابن عساكر ثم أورد ذلك المعافي بن زكريا الجريري فقال وأخبار سطيح كثيرة وقد جمعها غير واحد من أهل العلم والمشهور أنه كان كاهنا وقد أخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن نعته ومبعثه وروى لنا بإسناد الله به أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سطيح فقال نبي ضيعه قومه
قلت أما هذاالحديث فلا أصل له في شيء من كتب الإسلام المعهودة ولم أره بإسناد أصلا ويروي مثله في خبر خالد بن سنان العبسي ولا يصح أيضا وظاهر هذه العبارات تدل على علم جيد لسطيح وفيها روائح التصديق لكنه لم يدرك الإسلام كما قال الجريري فإنه قد ذكرنا في هذا الأثر أنه قال لابن أخته يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه وكان ذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر أو شية أي أقل منه وكانت وفاته بأطراف الشام مما يلي أرض العراق فالله أعلم بأمره وما صار إليه وذكر ابن طرار الحريري أنه عاش سبعمائة سنة وقال غيره خمسمائة سنة وقيل ثلاثمائة سنة فالله أعلم وقد روى ابن عساكر أن ملكا سأل سطيحا عن نسب غلام اختلف فيه فأخبره على الجلية في كلام طويل مليح فصيح فقال له الملك يا سطيح ألا تخبرني عن علمك هذا فقال إن علمي هذا ليس مني ولا بجزم ولا بظن ولكن أخذته عن أخ لي قد سمع الوحي بطور سيناء فقال له أرأيت أخاك هذا الجني أهو معك لا يفارقك فقال إنه ليزول حيث أزول ولا انطق إلا بما يقول وتقدم أنه ولد هو وشق بن مصعب بن يشكر بن رهم بن بسر بن عقبة الكاهن الآخر ولدا في يوم واحد فحملا إلى الكاهنة طريفة بنت الحسين الحميدية فتفلت في أفواههما فورثا منها الكهانة وماتت من يومها وكان نصف إنسان ويقال إن خالد بن عبدالله القسري من سلالته وقد مات شق قبل سطيح بدهر
وأما عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيان بن نفيلة الغساني النصراني فكان من المعمرين وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه وقال هو الذي صالح خالد بن الوليد على وذكر له معه قصة طويلة وأنه أكل من يده سم ساعة فلم يصبه سوء لأنه لما أخذه قال بسم الله وبالله رب الأرض والسماء الذي لا يضر مع اسمه أذى ثم أكله فعلته غشية فضرب بيديه على صدره ثم عرق وأفاق رضي الله عنه
وذكر لعبد المسيح أشعارا غير ما تقدم
وقال أبو نعيم حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا المسيب بن شريك حدثنا محمد بن شريك عن شعيب بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان بمر الظهران راهب من الرهبان يدعى عيصا من أهل الشام وكان متخفرا بالعاص بن وائل وكان الله قد آتاه علما كثيرا وجعل فيه منافع كثيرة لأهل مكة من طيب ورفق وعلم وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة في كل سنة فيلقى الناس ويقول إنه يوشك أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة يدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه ومن أدركه واتبعه أصاب حاجته ومن أدركه فخالفه أخطأ حاجته وبالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت بأرض الجوع والبؤس والخوف إلا في طلبه وكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه فيقول ما جاء بعد فيقال له فصفه فيقول لا ويكتم ذلك للذي قد علم أنه لاق من قومه مخافة على نفسه أن يكون ذلك داعية إلى أدنى ما يكون إليه من الأذى يوما ولما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبدالله بن عبدالمطلب حتى أتي عيصا فوقف في أصل صومعته ثم نادى يا عيصاه فناداه من هذا فقال أنا عبدالله فأشرف عليه فقال كن أباه فقد ولد المولود الذي كنت أحدثكم عنه يوم الإثنين ويبعث يوم الإثنين ويموت يوم الإثنين قال فإنه قد ولد لي مع الصبح مولود قال فما سميته قال محمدا قال والله لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت لثلاث خصال نعرفه بها منها أن نجمة طلع البارحة وأنه ولد اليوم وأن اسمه محمد انطلق إليه فإن الذي كنت أخبركم عنه ابنك قال فما يدريك أنه ابني ولعله أن يولد في هذا اليوم مولود غيره قال قد وافق ابنك الإسم ولم يكن الله ليشبه علمه على العلماء فإنه حجة وآية ذلك أنه الآن وجع فيشتكي أياما ثلاثة فيظهر به الجوع ثلاثا ثم يعافى فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد أحد حسده قط ولم يبغ على أحد كما يبغي عليه أن تعش حتى يبدو مقاله ثم يدعو لظهر لك من قومك ما لا تحتمله إلا على صبر وعلى ذل فاحفظ لسانك ودار عنه قال فما عمره قال إن طال عمره وإن قصر لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها من الستين في إحدى وستين أو ثلاث وستين في أعمار جل أمته قال وحمل برسول الله صلى الله عليه وسلم في عاشر المحرم وولد يوم الإثنين لثنتي عشرة خلت من رمضان سنة ثلاث وعشرين من غزوة أصحاب الفيل هكذا رواه أبو نعيم وفيه غرابة

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:44 PM
حواضنه ومراضعه عليه الصلاة والسلام
@ كانت أم أيمن واسمها بركة تحضنه وكان قد ورثها عليه الصلاة والسلام من أبيه فلما كبر أعتقها وزوجها مولاه زيد بن حارثة فولدت له أسامة بن زيد رضي الله عنهم وأرضعته مع أمه عليه الصلاة والسلام مولاة عمه أبي لهب ثويبة قبل حليمة السعدية أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث
الزهري عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت يا رسول الله انكح اختي بنت أبي سفيان ولمسلم عزة بنت أبي سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تحبين ذلك قلت نعم لست لك بمخلية وأحب من شاركني في خير اختي فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يحل لي قالت فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة وفي رواية درة بنت أبي سلمة قال بنت أم سلمة قلت نعم قال إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة ارضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن على بناتكن ولا اخواتكن زاد البخاري قال عروة وثويبة مولاة لأبي لهب أعتقها فأرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر خيبة فقال له ماذا لقيت فقال أبو لهب لم ألق بعدكم خيرا غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع
وذكر السهيلي وغيره إن الرائي له هو أخوه العباس وكان ذلك بعد سنة من وفاة أبي لهب بعد وقعة بدر وفيه أن أبا لهب قال للعباس انه ليخفف علي في مثل يوم الاثنين قالوا لانه لما بشرته ثويبة بميلاد ابن أخيه محمد بن عبدالله أعتقها من ساعته فجوزي بذلك لذلك
*2* رضاعه عليه الصلاة والسلام
@ من حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة
قال محمد بن إسحاق فاسترضع له عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبي ذؤيب واسمه عبدالله بن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر قال واسم أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرضعه يعني زوج حليمة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن وأخوته عليه الصلاة والسلام يعني من الرضاعة عبدالله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث وحذافة بنت الحارث وهي الشيماء وذكروا أنها كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه إذ كان عندهم
قال ابن إسحاق حدثني جهم بن أبي جهم مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب ويقال له مولى الحارث بن حاطب قال حدثني من سمع عبدالله بن جعفر بن أبي طالب قال حدثت عن حليمة بنت الحارث أنها قالت قدمت مكة في نسوة وذكر الواقدي بإسناده أنهن كن عشرة نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن بها الرضعاء من بني سعد نلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء فقدمت
على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب ومعي صبي لنا وشارف لنا والله ما تبض بقطرة وما ننام ليلتنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك ما نجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا فقدمنا مكة فوالله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل إنه يتيم تركناه قلنا ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه إنما نرجو المعروف من أبي الولد فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا فوالله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى والله وإني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فآخذنه فقال لا عليك أن تفعلي فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة فذهبت فأخذته فوالله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب حتى روى وشرب أخوه حتى روى وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل فحلب ما شرب وشربت حتى روينا فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي حين أصبحنا يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه فلم يزل الله عز وجل يزيدنا خيرا ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فوالله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار حتى أن صواحبي ليقلن ويلك يا بنت أبي ذؤيب هذه أتانك التي خرجت عليها معنا فأقول نعم والله إنها لهي فقلن والله إن لها لشأنا حتى قدمنا أرض بني سعد وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فتحلب ما شئنا وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن وإن أغنامهم لتروح جياعا حتى إنهم ليقولون لرعاتهم أو لرعيانهم ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب فاسرحوا معهم فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن وتروح أغنامي شباعا لبنا نحلب ما شئنا فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان فوالله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة فوالله ما زلنا بها حتى قالت نعم فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد فقال ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فاضجعاه فشقا بطنه فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه فاعتنقه أبوه وقال يا بني
ما شأنك قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض أضجعاني وشقا بطني ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا فقال أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف قالت حليمة فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به فقدمنا به عليها فقالت ما ردكما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين فقالا لا والله إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا نحشى الإتلاف والإحداث نرده إلى أهله فقالت ما ذاك بكما فأصدقاني شأنكما فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره فقالت أخشيتما عليه الشيطان كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل والله إنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما خبره قلنا بلى قالت حملت به فما حملت حملا قط أخف منه فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء فدعاه عنكما وهذا الحديث قد روي من طرق أخر وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي
وقال الواقدي حدثني معاذ بن محمد بن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال خرجت حليمة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجدت البهم تقيل فوجدته مع أخته فقالت في هذا الحر فقالت أخته يا أمه ما وجد أخي حرا رأيت غمامة تظلل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع
وقال ابن اسحاق حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له أخبرنا عن نفسك قال نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى عليهما السلام ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينما أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى إذا ألقياه رداه كما كان ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم فقال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم وهذا إسناد جيد قوي
وقد روى أبو نعيم الحافظ في الدلائل من طريق عمر بن الصبح وهو أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن مكحول عن شداد بن أوس هذه القصة مطولة جدا ولكن عمر بن صبح هذا متروك كذاب متهم بالوضع فلهذا لم نذكر لفظ الحديث إذ لا يفرح به ثم قال وحدثنا أبو عمر بن حمدان حدثنا الحسن بن نفير حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عبدالرحمن بن عمرو السلمي عن عتبة بن عبدالله أنه حدثه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف كان أول شأنك يا رسول الله قال كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ
معنا زادا فقلت يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو فقال نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي ثم قال ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال ائتني بالسكينة فذرها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خطه فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة فقال أحدهما لصاحبه اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر على بعضهم فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقا شديدا ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت أن يكون قد لبس بي فقالت أعيذك بالله فرحلت بعيرا لها وحملتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت أديت أمانتي وذمتي وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها وقالت إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام ورواه أحمد من حديث بقية بن الوليد به وهكذا رواه عبدالله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي داود الطيالسي حدثنا جعفر بن عبدالله بن عثمان القرشي أخبرني عمير بن عمر بن عروة بن الزبير قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حين علمت ذلك واستيقنت أنك نبي قال يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما على الأرض وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال هو هو قال زنه برجل فوزنني برجل فرجحته وذكر تمامه وذكر شق صدره وخياطته وجعل الخاتم بين كتفيه قال فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة ثم أورد ابن عساكر عن أبي بن كعب بنحو ذلك ومن حديث شداد بن أوس بابسط من ذلك وثبت في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء فقال هذا حظ الشيطان ثم غسله في طشت من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره وقد رواه ابن عساكر من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن ثابت البناني عن أنس أن الصلاة فرضت بالمدينة وأن ملكين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه فأخرجا حشوته في طشت من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم لبسا جوفه حكمة وعلما ومن طريق ابن وهب أيضا عن يعقوب بن عبدالرحمن الزهري عن أبيه عن عبدالرحمن بن عامر بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال قال خذوا خيرهم وسيدهم فأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعمد به إلى زمزم فشق جوفه ثم أتى بتور من ذهب فغسل
جوفه ثم ملىء حكمة وإيمانا وثبت من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس وفي الصحيحين من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس وعن الزهري عن أنس عن أبي ذر وقتادة عن أنس وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء كما سيأتي قصة شرح الصدر ليلتئذ وإنه غسل بماء زمزم ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين مرة وهو صغير ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى ولمناجاة الرب عز وجل والمثول بين يديه تبارك وتعالى
وقال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه أنا أعربكم أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر وذكر ابن اسحاق أن حليمة لما أرجعته إلى أمه بعد فطامه مرت به على ركب من النصارى فقاموا إليه عليه الصلاة والسلام فقلبوه وقالوا إنا سنذهب بهذا الغلاء إلى ملكنا فإنه كائن له شأن فلم تكد تنفلت منهم إلا بعد جهد وذكر أنها لما ردته حين تخوفت عليه أن يكون أصابه عارض فلما قربت من مكة افتقدته فلم تجده فجاءت جده عبدالمطلب فخرج هو وجماعة في طلبه فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فاتيا به جده فأخذه على عاتقه وذهب فطاف به يعوذه ويدعو له ثم روه إلى أمه آمنة
وذكر الأموي من طريق عثمان بن عبدالرحمن الوقاصي وهو ضعيف عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة مولده عليه الصلاة والسلام ورضاعه من حليمة على غير سياق محمد بن اسحاق وذكر أن عبدالمطلب أمر ابنه عبدالله أن يأخذه فيطوف به في أحياء العرب ليتخذ له مرضعة فطاف حتى استأجر حليمة على رضاعه وذكر أنه أقام عندها ست سنين تزيره جده في كل عام فلما كان من شق صدره عندهم ما كان ردته إليهم فأقام عند أمه حتى كان عمره ثماني سنين ماتت فكفله جده عبدالمطلب فمات وله عليه الصلاة والسلام عشر سنين فكفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب فلما كان له بضع عشرة سنة خرج مع عمه الزبير إلى اليمن فذكر أنهم رأوا منه آيات في تلك السفرة منها أن فحلا من الإبل كان قد قطع بعض الطريق في واد ممرهم عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم برك حتى حك بكلكله الأرض فركبه عليه الصلاة والسلام ومنها أنه خاض بهم سيلا عرما فأيبسه الله تعالى حتى جاوزوه ثم مات عمه الزبير وله أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب
والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير ثم عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم وذلك بعد فتح مكة بشهر فمتوا إليه برضاعه فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن إليهم كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى
قال محمد بن اسحاق في وقعة هوازن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام
خطيبهم زهير بن صرد فقال يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك فلو أنا ملحنا ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت خير المكفولين ثم أنشد
أمنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فانا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
وقد رويت هذه القصة من طريق عبيدالله بن رماحس الكلبي الرملي عن زياد بن طارق الجشمي عن أبي صرد زهير بن جرول وكان رئيس قومه قال لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبينا هو يميز بين الرجال والنساء وثبت حتى قعدت بين يديه وأسمعته شعرا أذكره حين شب ونشأ في هوازن حيث أرضعوه
امنن علينا رسول الله في دعة * فإنك المرء نرجوه وننتظر
امنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير
أبقت لنا الحرب هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فانا معشر زهر
إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه * من أمهاتك إن العفو مشتهر
إنا نؤمل عفوا منك تلبسه * هذي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاغفر عفا الله عما أنت راهبه * يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لله ولكم فقالت الأنصار وما كان لنا من الله ولرسوله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة وأعطاهم أنعاما وأناسي كثيرا حتى قال أبو الحسين بن فارس فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة
*2* فصل ( ذكر رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى أمه آمنة بعد رضاعة حليمة ) .
@ عن ابن اسحاق بعد ذكر رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى أمه آمنة بعد رضاعة حليمة له فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبدالمطلب في كلاءة الله وحفظه ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب
قال ابن اسحاق حدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة وذكر الواقدي بأسانيده أن النبي صلى الله عليه وسلم خرجت به أمه إلى المدينة ومعها أم أيمن وله ست سنين فزارت أخواله قالت أم أيمن فجاءني ذات يوم رجلان من يهود المدينة فقالا لي أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه فنظرا إليه وقلباه فقال أحدهما لصاحبه هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته وسيكون بها من القتل والسبي أمر عظيم فلما سمعت أمه خافت وانصرفت به فماتت بالأبواء وهي راجعة وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا أيوب بن جابر عن سماك عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابن بريدة عن أبيه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بودان قال مكانكم حتى آتيكم فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل فقال إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة يعني لها فمنعنيها وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام فكلوا وامسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا ما بدا لكم وقد رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى فاستقبله عمر فقال ما يبكيك يا رسول الله قال هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي وأدركتني رقتها فبكيت قال فما رؤيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة تابعه محارب بن دثار عن بريدة عن أبيه ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن بحر بن نصر عن عبدالله بن وهب حدثنا ابن جريج عن أيوب بن هاني عن
مسروق بن الأجدع عن عبدالله بن مسعود قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر وخرجنا معه فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما الذي أبكاك لقد أبكانا وأفزعنا فجاء فجلس إلينا فقال أفزعكم بكائي قلنا نعم قال إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه ونزل علي ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه أن إبراهيم لأواه حليم فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني غريب ولم يخرجوه وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي فزوروا القبور تذكركم الموت وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي قال في النار فلما قفا دعاه فقال إن أبي وأباك في النار وقد روى البيهقي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو قال في النار قال فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال يا رسول الله أين أبوك قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار قال فأسلم الأعرابي بعد ذلك فقال لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عبدالرحمن حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب حدثنا ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبدالرحمن الحبلي عن عبدالله بن عمرو قال بينما نحن نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا يظن أنه عرفها فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أخرجك من بيتك يا فاطمة فقالت أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم ميتهم وعزيتهم قال لعلك بلغت معهم الكدي قالت معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر قال لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ربيعة بن سيف بن مانع المعافري الصنمي
الأسكندري وقد قال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس به بأس وقال مرة صدوق وفي نسخة ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطىء كثيرا وقال الدارقطني صالح وقال ابن يونس في تاريخ مصر في حديثه مناكير توفي قريبا من سنة عشرين ومائة والمراد بالكدي القبور وقيل النوح
والمقصود أن عبدالمطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافا لفرقة الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب على ما سيأتي في وفاة أبي طالب وقد قال البيهقي بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه دلائل النبوة وكيف لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا ولم يدينوا دين عيسى بن مريم عليه السلام وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام لأن انكحة الكفار صحيحة الا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن إذا كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق انتهى كلامه
قلت وأخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبدالمطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة كما بسطناه سندا ومتنا في تفسيرنا عند قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة ولله الحمد والمنة
وأما الحديث الذي ذكره السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى ابن أبي الزناد عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه فأحياهما وآمنا به فإنه حديث منكر جدا وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه والله أعلم
*2* فصل ( كفالة عبد المطلب للنبي عليه الصلاة والسلام ) .
@ قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبدالمطلب بن هاشم يعني بعد موت أمه آمنة بنت وهب فكان يوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم دعوا إبني فوالله إن له لشأنا ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع وقال الواقدي حدثني محمد بن عبدالله عن الزهري وحدثنا عبدالله بن جعفر عن عبدالواحد بن حمزة بن عبدالله وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جهم وحدثنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وحدثنا عبدالرحمن بن عبدالعزيز عن أبي الحويرث وحدثنا ابن أبي سبرة عن سليمان بن
سحيم عن نافع عن ابن جبير دخل حديث بعضهم في بعض قالوا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مع أمه آمنة بنت وهب فلما توفيت قبضه إليه جده عبدالمطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده وكان يقربه منه ويدنيه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام وكان يجلس على فراشه فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤسس ملكا
وقال قوم من بني مدلج لعبدالمطلب احتفظ به فأنا لم نر قدما أشبه بالقدم الذي في المقام منه فقال عبدالمطلب لأبي طالب اسمع ما يقول هؤلاء فكان أبو طالب يحتفظ به وقال عبدالمطلب لأم أيمن وكانت تحضنه يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريب من السدرة وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة وكان عبدالمطلب لا يأكل طعاما إلا يقول علي بابني فيؤتى به إليه
فلما حضرت عبدالمطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته ثم مات عبدالمطلب ودفن بالحجون
وقال ابن اسحاق فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين هلك جده عبدالمطلب بن هاشم ثم ذكر جمعه بناته وأمره إياهن أن يرثينه وهن أروى وأميمة وبرة وصفية وعاتكة وأم حكيم البيضاء وذكر أشعارهن وما قلن في رثاء أبيهن وهو يسمع قبل موته وهذا أبلغ النوح وبسط القول في ذلك وقد قال ابن هشام ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر
قال ابن اسحاق فلما هلك عبدالمطلب بن هاشم ولي السقاية وزمزم بعده ابنه العباس وهو من أحدث إخوته سنا فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وأقرها في يده رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده عبدالمطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبدالمطلب له به ولأنه كان شقيق أبيه عبدالله أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم قال فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إليه ومعه وقال الواقدي أخبرنا معمر عن ابن نجيح عن مجاهد وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عطاء عن ابن عباس وحدثنا محمد بن صالح وعبدالله بن جعفر وإبراهيم بن اسماعيل بن أبي حبيبة دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا لما توفي عبدالمطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكون معه وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج فيخرج معه وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط وكان يخصه بالطعام وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يأتي ولدي فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم وإن لم يكن منهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب إنك
لمبارك وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا
وقال الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت عن طلحة بن عمرو سمعت عطاء بن أبي رباح سمعت ابن عباس يقول كان بنو أبي طالب يصبحون رمصا عمصا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينا وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة فيجلسون وينتهبون ويكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فلا ينتهب معهم فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة
وقال ابن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب كان عائفا فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم قال فأتي أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام مع من يأتيه قال فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شيء فلما فرغ قال الغلام علي به فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه فجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الذي رأيته آنفا فوالله ليكونن له شأن قال وانطلق به أبو طالب
*2* فصل ( في خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه ابي طالب إلى الشام ) .
@ في خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب
قال ابن اسحاق ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقني أبدا أو كما قال فخرج به فلما نزل الركب بصري من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب فيها إليه يصير علمهم عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام فلما نزلوا قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته يزعمون أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حتى أقبل وغمامة تظلله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش فأنا أحب أن تحضروا كلكم كبيركم وصغيركم وعبدكم وحركم فقال له رجل منهم والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم قال له بحيرى صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة
فلما رآهم بحيرى لم ير الصفة التي يعرف ويجده عنده فقال يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي قالوا يا بحيرى ما تخلف أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدثنا سنا فتخلف في رحالنا قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم قال فقال رجل من قريش مع القوم واللات والعزى إن كان للؤم بنا أن يتخلف محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم فلما رأى بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا غلام أسألك بحق اللات والعزى الا أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرى فبالله ألا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذاالغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فاسرع به إلا بلاده فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام
قال ابن اسحاق فزعموا فيما روى الناس أن زريرا وثماما ودريسما وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما رأى بحيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب فأرادوه فردهم عنه بحيرى فذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا عنه وقد ذكر يونس بن بكير عن ابن اسحاق أن أبا طالب قال في ذلك ثلاث قصائد هكذا ذكر ابن إسحاق هذا السياق من غير إسناد منه وقد ورد نحوه من طريق مسند مرفوع
فقال الحافظ أبو بكر الخرائطي حدثنا عباس بن محمد الدوري حدثنا قراد أبو نوح حدثنا يونس عن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب يعني بحيرى هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم قال فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين وفي رواية البيهقي زيادة هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش وما علمك فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق
شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدون إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه ثم رجع فصنع لهم طعاما فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل فقال أرسلوا إليه فأقبل وغمامة تظله فلما دنا من القوم قال انظروا إليه عليه غمامة فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه قال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه قال فينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه فالتفت فإذا هو بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا قال فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه قال فهل خلفكم أحد هو خير منكم قالوا لا إنما أخبرناه خبره إلى طريقك هذه قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده فقالوا لا قال فبايعوه وأقاموا معه عنده قال فقال الراهب أنشدكم الله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا وزوده الراهب من الكعك والزيت هكذا رواه الترمذي عن أبي العباس الفضل بن سهل الأعرج عن قراد أبي نوح به والحاكم والبيهقي وابن عساكر من طريق أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم عن عباس بن محمد الدوري به وهكذا رواه غير واحد من الحفاظ من حديث أبي نوح عبدالرحمن بن غزوان الخزاعي مولاهم ويقال له الضبي ويعرف بقراد سكن بغداد وهو من الثقات الذين أخرج لهم البخاري ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ ولم أر أحدا جرحه ومع هذا في حديثه هذا غرابة قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال عباس الدوري ليس في الدنيا أحد يحدث به غير فراد أبي نوح وقد سمعه منه أحمد بن حنبل رحمه الله ويحيى بن معين لغرابته وانفراده حكاه البيهقي وابن عساكر
قلت فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة ولا يلتفت إلى قول ابن اسحاق في جعله له من المهاجرة إلى أرض الحبشة من مكة وعلى كل تقدير فهل مرسل فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره بعضهم ثنتا عشرة سنة ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم أو كان هذا مشهورا مذكورا أخذه من طريق الاستفاضة
الثاني أن الغمامة لم تذكر في حديث أصح من هذا
الثالث أن قوله وبعث معه أبو بكر بلالا إن كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك ثنتي عشرة سنة فقد كان عمر أبي بكر إذ ذاك تسع سنين أو عشرة وعمر بلال أقل من ذلك فأين كان أبو بكر إذ ذاك ثم أين كان بلال كلاهما غريب اللهم إلا أن يقال إن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم كبيرا إما بأن يكون سفره بعد هذا أو إن كان القول بأن عمره كان إذ ذاك ثنتي عشرة سنة غير محفوظ فإنه إنما
ذكره مقيدا بهذا الواقدي وحكى السهيلي عن بعضهم أنه كان عمره عليه الصلاة والسلام إذ ذاك تسع سنين والله أعلم قال الواقدي حدثني محمد بن صالح وعبدالله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين قالوا لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة خرج به عمه أبو طالب إلى الشام في العير التي خرج فيها للتجارة ونزلوا بالراهب بحيرى فقال لأبي طالب بالسر ما قال وأمره أن يحتفظ به فرده معه أبو طالب إلى مكة
وشب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أمور الجاهلية ومعائبها لما يريد من كرامته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم مخالطة وأحسنهم حوارا وأعظمهم حلما وأمانة وأصدقهم حديثا وأبعدهم من الفحش والأذى ما رؤى ملاحيا ولا مماريا أحدا حتى سماه قومه الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة فكان أبو طالب يحفظه ويحوطه وينصره ويعضده حتى مات
وقال محمد بن سعد أخبرنا خالد بن معدان حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز أن عبدالمطلب أو أبا طالب شك خالد قال لما مات عبدالله عطف على محمد فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه وإنه توجه نحو الشام فنزل منزلا فأتاه فيه راهب فقال إن فيكم رجلا صالحا ثم قال أين أبو هذا الغلام قال فقال ها أنا ذا وليه أو قيل هذا وليه قال احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام إن اليهود حسد وإني أخشاهم عليه قال ما أنت تقول ذلك ولكن الله يقوله فرده وقال اللهم إني أستودعك محمدا ثم إنه مات
*2* قصة بحيرا
@ حكى السهيلي عن سير الزهري أن بحيرى كان حبرا من أحبار اليهود
قلت والذي يظهر من سياق القصة أنه كان راهبا نصرانيا والله أعلم وعن المسعودي أنه كان من عبد القيس وكان اسمه جرجيس وفي كتاب المعارف لابن قتيبة سمع هاتف في الجاهلية قبل الإسلام بقليل يهتف ويقول ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة بحيرى ورئاب بن البراء الشني والثالث المنتظر وكان الثالث المنتظر هو الرسول صلى الله عليه وسلم قال ابن قتيبة وكان قبر رئاب الشني وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش وهو المطر الخفيف
*2* فصل ( في منشئه ومرباه عليه الصلاة والسلام ) .
@ في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له وحياطته وكيف كان يتيما فآواه وعائلا فأغناه
قال محمد بن اسحاق فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية لما
يريد من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا وأعظمهم حلما وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي يحدث عما كان الله يحفظه به في صغره وأمر جاهليته أنه قال لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة ثم قال شد عليه إزارك قال فأخذته فشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي وهذه القصة شبيهة بما في الصحيح عند بناء الكعبة حين كان ينقل هو وعمه العباس فإن لم تكنها فهي متقدمة عليها كالتوطئة لها والله أعلم
قال عبدالرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبدالله يقول لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم إجعل إزارك على عاتقك من الحجارة ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال إزاري فشد عليه إزاره أخرجاه في الصحيحين من حديث عبدالرزاق وأخرجاه أيضا من حديث روح بن عبادة عن زكرياء بن أبي إسحاق عن عمرو بن دينار عن جابر بنحوه
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبدالله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن اسحاق الصاغاني حدثنا محمد بن بكير الحضرمي حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله الدشتكي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سماك عن عكرمة حدثني ابن عباس عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت قال وأفردت قريش رجلين رجلين الرجال ينقلون الحجارة وكانت النساء تنقل الشيد قال فكنت أنا وابن أخي وكنا نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة فإذا غشينا الناس أئتزرنا فبينما أنا أمشي ومحمد أمامي قال فخر وانبطح على وجهه فجئت أسعى وألقيت حجري وهو ينظر إلى السماء فقلت ما شأنك فقام وأخذ إزاره قال إني نهيت أن أمشي عريانا قال وكنت أكتمها من الناس مخافة أن يقولوا مجنون وروى البيهقي من حديث يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن عبدالله بن قيس بن مخرمة عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء الا ليلتين كلتاهما عصمني الله عز وجل فيهما قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاء غنم أهلها فقلت لصاحبي أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة أسمر فيها كما يسمر الفتيان فقال بلى قال فدخلت حتى جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا بالغرابيل والمزامير فقلت ما هذا
قالوا تزوج فلان فلانة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني الا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فقلت ما فعلت شيئا ثم أخبرته بالذي رأيت ثم قلت له ليلة أخرى أبصر لي غنمي حتى اسمر ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فسألت فقيل نكح فلان فلانة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني الا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فقلت لا شيء ثم أخبرته الخبر فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته وهذا حديث غريب جدا وقد يكون عن علي نفسه ويكون قوله في آخره حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته مقحما والله أعلم
وشيخ ابن اسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح قال شيخنا في تهذيبه ولم أقف على ذلك والله أعلم
وقال الحافظ البيهقي حدثني أبو عبدالله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن علي بن عفان العامري حدثنا أبو أسامة حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن أسامة بن زيد عن زيد بن حارثة قال كان صنم من نحاس يقال له أساف ونائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تمسه قال زيد فطفنا فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تنه قال البيهقي زاد غيره عن محمد بن عمرو بإسناده قال زيد فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنما قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه
وتقدم قوله عليه الصلاة والسلام لبحيرى حين سأله باللات والعزى لا تسألني بهما فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما فأما الحديث الذي قاله الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ حدثنا إبراهيم بن أسباط حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن سفيان الثوري عن محمد بن عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم قال فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قال فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم فهو حديث أنكره غير واحد من الأئمة على عثمان بن أبي شيبة حتى قال الإمام أحمد فيه لم يكن أخوه يتلفظ بشيء من هذا وقد حكى البيهقي عن بعضهم أن معناه أنه شهد مع من يستلم الأصنام وذلك قبل أن يوحى إليه والله أعلم وقد تقدم في حديث زيد بن حارثة أنه اعتزل شهود مشاهد المشركين حتى أكرمه الله برسالته وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس بعرفات كما قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني عبدالله بن أبي بكر
عن عثمان بن أبي سليمان عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من الله عز وجل له
قال البيهقي معنى قوله على دين قومه ما كان بقي من ارث ابراهيم واسماعيل عليهما السلام ولم يشرك بالله قط صلوات الله وسلامه عليه دائما
قلت ويفهم من قوله هذا أيضا أنه كان يقف بعرفات قبل أن يوحى إليه وهذا توفيق من الله له ورواه الإمام أحمد عن يعقوب عن محمد بن اسحاق به ولفظه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينزل عليه وإنه لواقف على بعير له مع الناس بعرفات حتى يدفع معهم توفيقا من الله وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال أضللت بعيرا لي بعرفة فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف فقلت إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا وأخرجاه من حديث سفيان بن عيينة به
*2* شهوده عليه الصلاة والسلام حرب الفجار
@ قال ابن اسحاق هاجت حرب الفجار ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة وإنما سمي يوم الفجار بما استحل فيه هذان الحيان كنانة وقيس عيلان من المحارم بينهم وكان قائد قريش وكنانة حرب بن أمية بن عبد شمس وكان الظفر في أول النهار لقيس على كنانة حتى إذا كان وسط النهار كان الظفر لكنانة على قيس
وقال ابن هشام فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة فيما حدثني به أبو عبيدة النحوي عن أبي عمرو بن العلاء هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان وكان الذي هاجها أن عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن أجاز لطيمة أي تجارة للنعمان بن المنذر فقال البراض بن قيس أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة أتجيزها على كنانة قال نعم وعلى الخلق فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام فلذلك سمي الفجار وقال البراض في ذلك
وداهية تهم الناس قبلي * شددت لها بني بكر ضلوعي
هدمت بها بيوت بني كلاب * وأرضعت الموالي بالضروع
رفعت له بذي طلال كفي * فخر يميد كالجذع الصريع
وقال لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب * وأبلغ إن عرضت بني كلاب
وعامر والخطوب لها موالي
وأبلغ إن عرضت بني نمير * وأخوال القتيل بني هلال
بأن الوافد الرحال أمسى * مقيما عند تيمن ذي طلال
قال ابن هشام فأتى آت قريشا فقال إن البراض قد قتل عروة وهو في الشهر الحرام بعكاظ فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل فدخلوا الحرم فأمسكت هوازن عنهم ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما والقوم متساندون على كل قبيل من قريش وكنانة رئيس منهم وعلى كل قبيل من قيس رئيس منهم قال وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أنبل على أعمامي أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها
قال ابن هشام وحديث الفجار طويل هو أطول مما ذكرت وإنما منعني من استقصائه قطعه حديث سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال السهيلي والفجار بكسر الفاء على وزن قتال وكانت الفجارات في العرب أربعة ذكرهن المسعودي وآخرهن فجار البرض هذا وكان القتال فيه في أربعة أيام يوم شمطة ويوم العبلاء وهما عند عكاظ ويوم الشرب وهو أعظمها يوما وهو الذي حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قيدا رئيس قريش وبني كنانة وهما حرب بن أمية وأخوه سفيان أنفسهما لئلا يفروا وانهزمت يومئذ قيس إلا بني نضر فإنهم ثبتوا ويوم الحريرة عند نخلة ثم تواعدوا من العام المقبل إلى عكاظ فلما توافوا الموعد ركب عتبة بن ربيعة جمله ونادى يا معشر مضر علام تقاتلون فقالت له هوازن ما تدعو إليه قال الصلح قالوا وكيف قال ندى قتلاكم ونرهنكم رهائن عليها ونعفو عن دياتنا قالوا ومن لنا بذلك قال أنا قالوا ومن أنت قال عتبة بن ربيعة فوقع الصلح على ذلك وبعثوا إليهم أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن دياتهم وانقضت حرب الفجار وقد ذكر الأموي حروب الفجار وأيامها واستقصاها مطولا فيما رواه عن الأثرم وهو المغيرة بن علي عن أبي عبيدة معمر بن المثنى فذكر ذلك
*2* فصل ( شهود رسول الله عليه الصلاة والسلام حلف المطيبين مع عمومته ) .
@ قال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ حدثنا يحيى بن علي
ابن هاشم الخفاف حدثنا أبو عبدالرحمن الأزدي حدثنا اسماعيل بن علية عن عبدالرحمن بن اسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه أو كلمة نحوها وإن لي حمر النعم قال وكذلك رواه بشر بن المفضل عن عبدالرحمن قال وأخبرنا أبو نصر بن قتادة حدثنا أبو عمرو بن مطر حدثنا أبو بكر بن أحمد بن داود السمناني حدثنا معلى بن مهدي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته قال والمطيبون هاشم وأمية وزهرة ومخزوم قال البيهقي كذا روى هذا التفسير مدرجا في الحديث ولا أدري قائله وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين
قلت هذا لا شك فيه وذلك أن قريشا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية والرفادة واللواء والندوة والحجابة ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديما ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبدالله بن جدعان كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبدالله عن محمد وعبدالرحمن ابني أبي بكر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد
ظالم مظلوما قالوا وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبدالمطلب وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعدي بن كعب فأتوا أن يعينوا على العاص بن وائل وزبروه أي انتهروه فلما رأى الزبيدي الشر أوفى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فنادى بأعلى صوته
يا آل فهر لمظلوم بضاعته * ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته * يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن أثت كرامته * ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقام في ذلك الزبير بن عبدالمطلب وقال ما لهذا متروك فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبدالله بن جدعان فصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسى ثبير وحراء مكنهما وعلى التأسي في المعاش فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه وقال الزبير بن عبدالمطلب في ذلك
حلفت لنعقدن حلفا عليهم * وإن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا * يعزبه الغريب لذي الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا * أباة الضيم نمنع كل عار
وقال الزبير أيضا إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا * ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا * فالجار والمعتر فيهم سالم
وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث أن رجلا من خثعم قدم مكة حاجا أو معتمرا ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه فقال الخثعمي من يعديني على هذا الرجل فقيل له عليك بحلف الفضول فوقف عند الكعبة ونادى يال حلف الفضول فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انتضوا أسيافهم يقولون جاءك الغوث فما لك فقال إن نبيها ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسرا فساروا معه حتى وقفوا على باب داره فخرج إليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك فقد علمت من نحن وما تعاقدنا عليه فقال افعل ولكن متعوني بها الليلة فقالوا لا والله ولا سخب لقحة فأخرجها إليهم وهو يقول
راح صحبي ولم أحيي القتولا * لم أودعهم وداعا جميلا
إذ أجد الفضول أن يمنعوها * قد أراني ولا أخاف الفضولا
لا تخالي أني عشية راح الركب * هنتم علي أن لا يزولا
وذكر أبياتا أخر غير هذه وقد قيل إنما سمي هذا حلف الفضول لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه وكان الداعي إليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل وهم الفضل بن فضالة والفضل بن وداعة والفضل بن الحارث هذا قول ابن قتيبة وقال غيره


الفضل بن شراعة والفضل بن بضاعة والفضل بن قضاعة وقد أورد السهيلي هذا رحمه الله
وقال محمد بن اسحاق بن يسار وتداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبدالله بن جدعان لشرفه وسنه وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبدالمطلب وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول
قال محمد بن اسحاق فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعى به في الإسلام لأجبت
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد الليثي أن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والوليد يومئذ أمير المدنية أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه فقال له الحسين أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول قال فقال عبدالله بن الزبير وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا قال وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك وبلغت عبدالرحمن بن عثمان بن عبيدالله التيمي فقال مثل ذلك فلما بلغ ذلك الوليد ابن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي
*2* تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد
@ قال ابن اسحاق وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها مضاربة فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطى غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذاك وخرج معه غلامها ميسرة حتى
نزل الشام فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال من هذا الرجل الذي نزل تحت الشجرة فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته يعني تجارته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة فكان ميسرة فيما يزعمون إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من اظلال الملائكة إياه وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له فيما يزعمون يا ابن عم أني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت نفسها عليه وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها عليه الصلاة والسلام
قال ابن هشام فأصدقها عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت
قال ابن اسحاق فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم القاسم وكان به يكنى والطيب والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة قال ابن هشام أكبرهم القاسم ثم الطيب ثم الطاهر وأكبر بناته رقية ثم زينب ثم أم كلثوم ثم فاطمة
قال البيهقي عن الحاكم قرأت بخط أبي بكر بن أبي خيثمة حدثنا مصعب بن عبدالله الزبيري قال أكبر ولده عليه الصلاة والسلام القاسم ثم زينب ثم عبدالله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية وكان أول من مات من ولده القاسم ثم عبدالله وبلغت خديجة خمسا وستين سنة ويقال خمسين وهو أصح وقال غيره بلغ القاسم أن يركب الدابة والنجيبة ثم مات بعد النبوة وقيل مات وهو رضيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه والمعروف أن هذا في حق إبراهيم
وقال يونس بن بكير حدثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال ولدت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين وأربع نسوة القاسم وعبدالله وفاطمة وأم كلثوم وزينب ورقية وقال الزبير بن بكار عبدالله هو الطيب وهو الطاهر سمي بذلك لأنه ولد بعد النبوة فماتوا قبل البعثة
وأما بناته فأدركن البعثة ودخلن في الإسلام وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام وأما إبراهيم فمن مارية القبطية التي أهداها له المقوقي صاحب اسكندرية من كورة انصنا وسنتكلم على أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام في باب مفرد لذلك في آخر السيرة إن شاء الله تعالى وبه الثفة
قال ابن هشام وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة فيما حدثني غير واحد من اهل العلم منهم أبو عمرو المدني وقال يعقوب بن سفيان كتبت عن إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوج خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمسا وعشرين سنة وقريش تبني الكعبة وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين وقيل خمسا وعشرين سنة
وقال البيهقي باب ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن عبدالله اخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عمرو بن أبي يحيى بن سعيد القرشي عن جده سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم فقال له أصحابه وأنت يا رسول الله قال وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط رواه البخاري عن احمد بن محمد المكي عن عمرو بن يحيى به ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر وهو ضعيف عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس أن أبا خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أظنه قال سكران ثم قال البيهقي اخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبدالله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني عبدالله بن أبي عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن ابيه عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل ان عبدالله بن الحارث حدثه أن عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول أنا أعلم الناس بتزويجه إياها إني كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة قال عمار فرجعت إليه فأخبرته فقال بل لعمرى فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة والبسوا أبا خديجة حلة وصفرت لحيته وكلمت اخاها فكلم أباه وقد
سقى خمرا فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا فقال ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقلت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة كساكها محمد بن عبدالله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة فأنكر ان يكون زوجه وخرج يصيح حتى جاء الحجر وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاؤه فكلموه فقال أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته
وقد ذكر الزهري في سيره أن أباها زوجها منه وهو سكران وذكر نحو ما تقدم حكاه السهيلي قال المؤملي المجتمع عليه ان عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه وهذا هو الذي رجحه السهيلي وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار وهو الذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه
وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله
أعلم
*2* فصل( ذكر خديجة لورقة بن نوفل عن النبي عليه الصلاة والسلام ) .
@ قال ابن إسحاق :وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه فقال ورقة لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة قد عرفت انه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه أو كما قال فجعل ورقة يستبطىء الأمر ويقول حتى متى وقال في ذلك
لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لهم طالما ما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس * من الرهبان أكر أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور * يقوم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتني إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا
وهل امر السفالة غير كفر * بمن يختار من سمك البروجا
فان يبقوا وأبق يكن أمور * يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن اهلك فكل فتى سيلقى * من الأقدار متلفة خروجا
وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عنه
أتبكر أم أنت العشية رائح * وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم * كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد * يخبرها عنه إذا غاب ناصح
أتاك الذي وجهت يا خير حرة * بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت * وهن من الأحمال تعص دوالح
فيخبرنا عن كل خير بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبدالله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الذكر واصح
ويتبعه حيا لؤي وغالب * شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره * فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي * عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وزاد الأموي * فمتبع دين الذي أسس البنا
وكان له فضل على الناس راجح
وأسس بنيانا بمكة ثابتا * تلألأ فيه بالظلام المصابح
مثابا لأفناء القبائل كلها * تخب إليه اليعملات الطلائح
حراجيج
أمثال القداح من السرى * يعلق في أرساغهن السرايح
ومن شعره فيما أورده أبو القاسم السهيلي في روضه
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم * أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلها غير خالقكم * فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له * وقبلنا سبح الجودي والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له * لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما نرى تبقى بشاشته * يبقى الاله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه * والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به * والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها * من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب * لا بد من ورده يوما كما وردوا
ثم قال هكذا نسبه أبو الفرج إلى ورقة قال وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت
قلت وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستشهد في بعض الأحيان بشيء من هذه الابيات والله
أعلم
*2* فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين .
@ ذكر البيهقي في بناء الكعبة قبل تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة والمشهور أن بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين ثم شرع البيهقي في ذكر بناء الكعبة في زمن إبراهيم كما قدمناه في قصته وأورد حديث ابن عباس المتقدم في صحيح البخاري وذكر ما ورد من الاسرائيليات في بنائه في زمن آدم ولا يصح ذلك فإن ظاهر القرآن يقتضي ان إبراهيم أول من بناه مبتدئا وأول من أسسه وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها مشرقة في سائر الأعصار والاوقات قال الله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وثبت في الصحيحين عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعون سنة وقد تكلمنا على هذا فيما تقدم وإن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام وفي الصحيحين أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وقال البيهقي أخبرنا أبو عبدالله الحافظ حدثنا أبو عبدالله الصفار حدثنا أحمد بن مهران حدثنا عبيدالله حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن عبدالله بن عمرو قال كان البيت قبل الأرض بألفي سنة وإذا الأرض مدت قال من تحته مدت قال وقد تابعه منصور عن مجاهد
قلت وهذا غريب جدا وكأنه من الزاملتين اللتين أصابهما عبدالله بن عمرو يوم اليرموك وكان فيهما إسرائيليات يحدث منها وفيهما منكرات وغرائب
ثم قال البيهقي اخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن محمد بن عبدالله البغدادي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا أبو صالح الجهني حدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي الخير عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا لي بيتا فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء نودي من تحته حسبك يا آدم فلما بنيا أوحى الله تعالى إليه ان يطوف به وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه
قال البيهقي تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا
قلت وهو ضعيف ووقفه على عبدالله بن عمرو أقوى وأثبت والله أعلم
وقال الربيع أنبأنا الشافعي أنبأنا سفيان عن ابن أبي لبيد عن محمد بن كعب القرظي أو غيره قال حج آدم فلقيته الملائكة فقالوا بر نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بقية أو قال ثقة من أهل المدينة عن عروة بن الزبير أنه قال ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح
قلت وقد قدمنا حجهما إليه والمقصود الحج إلى محله وبقعته وإن لم يكن ثم بناء والله اعلم ثم أورد البيهقي حديث ابن عباس المتقدم في قصة إبراهيم عليه السلام بطوله وتمامه وهو في صحيح البخاري ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال سأل رجل عليا عن قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين أهو أول بيت بني في الأرض قال لا ولكنه أول بيت وضع فيه البركة للناس والهدى ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا وإن شئت نبأتك كيف بناؤه إن الله تعال أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج لها رأس فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت في موضع البيت تطوق الحية فبنى إبراهيم حتى بلغ مكان الحجر قال لابنه أبغني حجرا فالتمس حجرا حتى أتاه به فوجد الحجر الأسود قد ركب فقال لأبيه من أين لك هذا قال جاء به من لا يتكل على بنائك جاء به جبريل من السماء فأتمه قال فمر عليه الدهر فانهدم فبنته العمالقة ثم انهدم فبنته جرهم ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رجل شاب فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم ان يجعلوه في مرط ثم ترفعه جميع القبائل كلهم وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك
ابن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب قال لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه قال يعقوب بن سفيان أخبرني أصبغ بن فرج أخبرني ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم جمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعه فقالوا تعالوا نحكم أول من يطلع علينا فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه فكان لا يزداد على السن الأرضي حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها وهذا سياق حسن وهو من سير الزهري وفيه من الغرابة قوله فلما بلغ الحلم والمشهور أن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم عمره خمس وثلاثون سنة وهو الذي نص عليه محمد بن اسحاق بن يسار رحمه الله
وقال موسى بن عقبة كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة وهكذا قال مجاهد وعروة ومحمد بن جبير بن مطعم وغيرهم فالله أعلم
وقال موسى بن عقبة كان بين الفجار وبين بناء الكعبة خمس عشرة سنة
قلت وكان الفجار وحلف الفضول في سنة واحدة إذ كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون سنة وهذا يؤيد ما قال محمد بن اسحاق والله أعلم
قال موسى بن عقبة وإنما حمل قريشا على بنائها أن السيول كانت تأتي من فوقها من فوق الردم الذي صفوه فخر به فخافوا أن يدخلها الماء وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة فأرادوا أن يشيدوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا فأعدوا لذلك نفقة وعمالا ثم غدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر أن يمنعهم الذي أرادوا فكان أول رجل طلعها وهدم منها شيئا الوليد بن المغيرة فلما رأوا الذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها فأعجبهم ذلك فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها احضروا عمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضي أمامه موضع قدم فزعموا أنهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها فأشفقوا منها شفقة شديدة وخشوا أن يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس وشرفا لهم فلما سقط في أيديهم والتبس عليهم أمرهم قام فيهم المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم فذكر ما كان من نصحه لهم وأمره إياهم أن لا يتشاجروا ولا يتحاسدوا في بنائها وأن يقتسموها أرباعا وأن لا يدخلوا في بنائها مالا حراما وذكر أنهم لما عزموا على ذلك
ذهبت الحية في السماء وتغيبت عنهم ورأوا أن ذلك من الله عز وجل قال ويقول بعض الناس إنه اختطفها طائر وألقاها نحو أجياد
وقال محمد بن اسحاق بن يسار فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة وإنما كان في بئر في جوف الكعبة وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة فقطعت قريش يده وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها قال الأموي كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة فلما بلغت مرساها من جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها
قال ابن اسحاق وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى إليها كل يوم فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية
وحكى السهيلي عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا منه ما كان أخذه ثم سكنت هذا البئر حية رأسها كرأس الجدي وبطنها أبيض وظهرها أسود فأقامت فيها خمسمائة عام وهي التي ذكرها محمد بن اسحاق
قال محمد بن اسحاق فلما أجمعوا أمرهم لهدمها وبنيانها قام أبو وهب عمرو بن عايد بن عبد بن عمران بن مخزوم وقال ابن هشام عايد بن عمران بن مخزوم فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن مرو بن مخزوم ثم رجح ابن اسحاق أن قائل ذلك أبو وهب بن عمرو قال وكان خال أبي النبي صلى الله عليه وسلم وكان شريفا ممدحا
وقال ابن اسحاق ثم أن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة وما
بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى ولبني عدي بن كعب وهو الحطيم ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول أللهم لم ترع أللهم إنا لا نريد إلا الخير ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيب لم تهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا من هدمها فأصبح الوليد غديا على عمله فهدم وهدم الناس معه حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم عليه السلام أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة أخذ بعضها بعضا ووقع في صحيح البخاري عن يزيد بن رومان كأسنمة الإبل قال السهيلي وأرى رواية السيرة كالألسنة وهما والله أعلم
قال ابن اسحاق فحدثني بعض من يروي الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها ادخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها فانتهوا عن ذلك الأساس
وقال موسى بن عقبة وزعم عبدالله بن عباس أن أولية قريش كانوا يحدثون أن رجلا من قريش لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة إلى تأسيس إبراهيم واسماعيل عليهما السلام عمد رجل منهم إلى حجر من الأساس الأول فرفعه وهو لا يدري أنه من الأساس الأول فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل ونزا الحجر من يده فوقع في موضعه وفزع الرجل والبناة فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم وقالوا لا تحركوا هذا الحجر ولا شيئا بحذائه
قال ابن اسحاق وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هوا أنا الله ذوبكة خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها قال ابن هشام يعني جبلاها مبارك لأهلها في الماء واللبن
قال ابن اسحاق وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه مكة الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاثة سبل لا يحلها أول من أهلها قال وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة إن كان ما ذكر حقا مكتوبا فيه من يزرع خيرا يحصد غبطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة يعملون السيئات ويجزون الحسنات أجل كما يجتني من الشوك العنب
وقال سعيد بن يحيى الأموي حدثنا المعتمر بن سليمان الرقي عن عبدالله بن بشر الزهري يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال وجد في المقام ثلاثة أصفح في الصفح الأول إني أنا الله
ذوبكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن وفي الصفح الثاني إني أنا الله ذوبكة خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وفي الصفح الثالث إني أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر وقدرته فطوبى لمن أجريت الخير على يديه وويل لمن أجريت الشر على يديه
قال ابن اسحاق ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها كل قبيلة تجمع على حدة ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى تحارروا أو تحالفوا وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم أنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلها قال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا فكان أول داخل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هلموا إلي ثوبا فأتى به وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمين
وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالصمد حدثنا ثابت يعني أبا يزيد حدثنا هلال يعني ابن حبان عن مجاهد عن مولاه وهو السائب بن عبدالله انه حدثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال وكان لي حجر أنا نحته أعبده من دون الله قال وكنت أجيء باللبن الخاثر الذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال فبنينا حتى بلغا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يترايا منه وجه الرجل فقال بطن من قريش نحن نضعه وقال آخرون نحن نضعه فقالوا اجعلوا بينكم حكما فقالوا أول رجل يطلع من الفج فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أتاكم الأمين فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو صلى الله عليه وسلم
قال ابن اسحاق وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطي ثم كسيت بعد البرور وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف
قلت وقد كانوا أخرجوا منها الحجر وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام قصرت بهم النفقة أي لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم وجعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق وجعلوه
مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد فيدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ألم ترى أن قومك قصرت بهم النفقة ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا وأدخلت فيها الحجر ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل لها بابان ملتصقان بالأرض شرقيا وغربيا يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر فلما قتل الحجاج بن الزبير كتب إلى عبدالملك بن مروان وهو الخليفة يومئذ فيما صنعه ابن الزبير واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه فعمدوا إلى الحائط الشامي فحصوه وأخرجوا منه الحجر ورصوا حجارته في أرض الكعبة فارتفع باباها وسدوا الغربي واستمر الشرقي على ما كان عليه فلما كان في زمن المهدي أو ابنه المنصور استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير فقال مالك رحمه الله إني أكره أن يتخذها الملوك ملعبة فتركها على ما هي عليه فهي إلى الآن كذلك
وأما المسجد الحرام فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشتراها من أهلها وهدمها فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه فلما ولي ابن الزبير أحكم بنيانه وحسن جدرانه وأكثر أبوابه ولم يوسعه شيئا آخر فلما استبد بالأمر عبدالملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج وكان الذي تولى ذلك بأمره الحجاج بن يوسف وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند قوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت واسماعيل وذكرنا ذلك مطولا مستقصى فمن شاء كتبه هاهنا ولله الحمد والمنة
قال ابن اسحاق فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبدالمطلب فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها
عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت تكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد نهاب
فلما أن خشينا الزجر جاءت * عقاب تتلئب لها انصباب
فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنيان ليس لها حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء * لنا منه القواعد والتراب
غداة يرفع التأسيس منه * وليس على مساوينا ثياب
أعز به المليك بني لؤي * فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي * ومرة قد تقدمها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا * وعند الله يلتمس الثواب
وقد قدمنا في فصل ما كان الله يحوط به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقذار الجاهلية أنه كان هو والعباس عمه ينقلان الحجارة وأنه عليه الصلاة والسلام لما وضع إزاره تحت الحجارة على كتفه نهى عن خلع إزاره فأعاده إلى سيرته الأولى
*2* فصل ( تعظيم قريش للحرم تعظيما زائدا أدى إلى الإبتداع )
@ وذكر ابن اسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس وهو الشدة في الدين والصلابة وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة وكانوا يقولون نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا ولا يسلون شحما وهم حرم ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون ان استظلوا إلا ببيت من أدم وكانوا يمنعون الحجيج والعمار ما داموا محرمين أن يأكلوا إلا من طعام قريش ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة طاف عريانا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول
اليوم يبدو بعضه أو كله * وبعد هذا اليوم لا أحله
فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسي فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك وليس له ولا لغيره أن يمسها وكانت العرب تسمى تلك الثياب اللقي قال بعض الشعراء
كفى حزنا كرى عليه كأنه * لقي بين أيدي الطائفين حريم
قال ابن اسحاق فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أي جمهور العرب من عرفات واستغفروا الله إن الله غفور رحيم وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الآية وقال زياد البكائي عن ابن اسحاق ولا أدري أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده
*2* مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ تسليما كثيرا وذكر شيء من البشارات بذلك
قال محمد بن اسحاق رحمه الله وكانت الأحبار من اليهود والكهان من النصارى ومن العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب زمانه أما الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان من عهد أنبيائهم إليهم فيه قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل الآية وقال الله تعالى وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وقال الله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل الآية وقال الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على امته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وليتبعنه يعلم من هذا أن جميع الأنبياء بشروا وأمروا باتباعه
وقد قال إبراهيم عليه السلام فيما دعا به لأهل مكة ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا آياتك الآية وقال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج بن فضالة حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا رسول الله ما كان بدء أمرك قال دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام وقد روى محمد بن اسحاق عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه مثله ومعنى هذا أنه أراد بدء أمره بين الناس واشتهار ذكره وانتشاره فذكر دعوة إبراهيم الذي تنسب إليه العرب ثم بشرى عيسى الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل كما تقدم يدل هذا على أن من بينهما من الأنبياء بشروا به أيضا
أما في الملأ الأعلى فقد كان أمره مشهورا مذكورا معلوما من قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام كما قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي
عن عبدالأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني عبدالله خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات المؤمنين وقد رواه الليث عن معاوية بن صالح وقال إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا عبدالرحمن حدثنا منصور بن سعد عن بديل بن ميسرة عن عبدالله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد تفرد بهن أحمد
وقد رواه عمر بن أحمد بن شاهين في كتاب دلائل النبوة من حديث أبي هريرة فقال حدثنا عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز يعني أبا القاسم البغوي حدثنا أبو همام الوليد بن مسلم عن الأوزاعي حدثني يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة قال بين خلق آدم ونفخ الروح فيه ورواه من وجه آخر عن الأوزاعي به وقال وآدم منجدل في طينته وروى عن البغوي أيضا عن أحمد بن المقدام عن بقية بن سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي هريرة مرفوعا في قول الله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ومن حديث أبي مزاحم عن قيس بن الربيع عن جابر عن الشعبي عن ابن عباس قيل يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد
وأما الكهان من العرب فأتتهم به الشياطين من الجن مما تسترق من السمع إذ كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما بعض ذكر أموره ولا يلقي العرب لذلك فيه بالا حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر زمان مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تعقد لاستراق السمع فيها فرموا بالنجوم فعرفت الشياطين أن ذلك لأمر حدث من أمر الله عز وجل قال وفي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا إلى آخر السورة وقد ذكرنا تفسير ذلك كله في كتابنا التفسير وكذا قوله تعالى وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم الآيات ذكرنا تفسير ذلك كله هناك
قال محمد بن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن أول العرب فزع للرمي بالنجوم حين رمى بها هذا الحي من ثقيف وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية
أحد بني علاج وكان أدهى العرب وأمكرها فقالوا له يا عمرو ألم تر ما حدث في السماء من القذف بهذه النجوم قال بلى فانظروا فأن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يرمي بها فهو والله طي الدنيا وهلاك هذا الخلق وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا لأمر أراد الله به هذا الخلق فما هو
قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بني سهم يقال لها الغيطلة كانت كاهنة في الجاهلية جاءها صاحبها ليلة من الليالي فانقض تحتها ثم قال أدر ما أدر يوم عقر ونحر قالت قريش حين بلغها ذلك ما يريد ثم جاءها ليلة أخرى فانقض تحتها ثم قال شعوب ما شعوب تصرع فيه كعب الجنوب فلما بلغ ذلك قريشا قالوا ماذا يريد إن هذا لأمر هو كائن فانظروا ما هو فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب فعرفوا أنه كان الذي جاء به إلى صاحبته
قال ابن اسحاق وحدثني علي بن نافع الجرشي أن جنبا بطنا من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب قالت له جنب انظر لنا في أمر هذا الرجل واجتمعوا له في أسفل جبله فنزل إليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس له فرفع رأسه إلى السماء طويلا ثم جعل ينزو ثم قال أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل ثم اشتد في جبله راجعا من حيث جاء ثم ذكر ابن اسحاق قصة سواد بن قارب وقد أخرناها إلى هواتف الجان
*2* فصل ( طلب اليهود من الله تعالى أن يبعث لهم نبيا يحكم بينهم وبين الناس )
@ قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا أن كنا نسمع من رجل من يهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا يزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسول الله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به ففينا وفيهم نزلت هذه الآية ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين
وقال ورقاء عن ابن أبي نجيح عن علي الأزدي كانت اليهود تقول اللهم ابعث لنا هذا النبي يحكم بيننا وبين الناس يستفتحون به أي يستنصرون به رواه البيهقي ثم روى من طريق عبدالملك بن هارون بن عنبرة عن أبيه عن جده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كانت اليهود بخيبر
تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود خيبر فعاذت اليهود بهذا الدعاء فقالوا اللهم نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم قال فكانوا إذا التقوا دعو بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا به فأنزل الله عز وجل وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا الآية وروى عطية عن ابن عباس نحوه وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضا
وقال ابن اسحاق وحدثني صالح بن ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد عن سلمة بن سلام بن وقش وكان من أهل بدر قال كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار قال فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به ويود أن له تحطة من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه وأن ينجون من تلك النار غدا قالوا له ويحك يا فلان فما آية ذلك قال نبي مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى نحو مكة واليمن قالوا ومتى نراه قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال أن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا قال فقلنا له ويحك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به رواه أحمد عن يعقوب عن أبيه عن ابن عباس ورواه البيهقي عن الحاكم بإسناده من طريق يونس بن بكير
وروى أبو نعيم في الدلائل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن محمد بن سلمة قال لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهودي واحد يقال له يوشع فسمعته يقول وإني لغلام في إزار قد أظلكم خروج نبي يبعث من نحو هذا البيت ثم أشار بيده إلى بيت الله فمن أدركه فليصدقه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا وهو بين أظهرنا لم يسلم حسدا وبغيا وقد قدمنا حديث أبي سعيد عن أبيه في أخبار يوشع هذا عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته وإخبار الزبير بن باطا عن ظهور كوكب مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الحاكم عن البيهقي بإسناده من طريق يونس بن بكير عنه
قال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال قال لي هل تدري عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد نفر من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام قال قلت لا قال فإن رجلا من اليهود من أرض
الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له كم فيقول صاعا من تمر أو مدين من شعير قال فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرثنا فيستسقي لنا فوالله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقي قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثا قال ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع قال قلنا أنت أعلم قال فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه هذه البلدة مهاجرة فكنت أرجو أن يبعث فاتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري فيمن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية وكانوا شبابا أحداثا يا بني قريظة والله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان قالوا ليس به قالوا بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم


قال ابن اسحاق فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود
قلت وقد قدمنا في قدوم بيع اليماني وهو أبو كرب تبان أسعد إلى المدينة ومحاصرته إياها وإنه خرج إليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له إنه لا سبيل لك عليها أنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فثناه ذلك عنها وقد روى أبو نعيم في الدلائل من طريق الوليد بن مسلم حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبدالله بن سلام عن أبيه عن جده قال قال عبدالله بن سلام أن الله لما أراد هدي زيد بن سعية قال زيد لم يبق شيء من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما قال فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله فذكر قصة إسلافه للنبي صلى الله عليه وسلم مالا في ثمرة قال فلما حل الأجل أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه وهو في جنازة مع أصحابه ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت يا محمد ألا تقضيني حقي فوالله ما علمتكم بني عبدالمطلب لمطل قال فنظر إلى عمر وعيناه يدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم قال يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل ما أرى فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر لومه لصربت بسيفي رأسك ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة وتبسم ثم قال أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزد عشرين صاعا من تمر فأسلم زيد بن سعية رضي الله عنه وشهد بقية المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي عام تبوك رحمه الله
ثم ذكر ابن اسحاق رحمه الله إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه فقال حدثني عاصم بن
عمر بن قتادة الأنصاري عن محمود بن لبيد عن عبدالله بن عباس قال حدثني سلمان الفارسي من فيه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من أهل قرية يقال لها جي وكان أبي دهقان قرينه وكنت أحب خلق الله إليه فلم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار التي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي ولا تحتبس عني فإنك إن احتبست عني كنت أهم إلى من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري قال فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم أين أصل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن أمره كله فلما جئت قال أي بني أين كنت ألم أكن أعهد إليك ما عهدته قال قلت يا أبة مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه قال قلت كلا والله إنه لخير من ديننا قال فخافني فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيتي قال وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم قال فقدم عليهم ركب من الشام فجاؤني النصارى فأخبروني بهم فقلت إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة إلى بلادهم فآذنوني قال فلما أرادوا الرجعة إلا بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام فلما قدمتها قلت من أفضل أهل هذا الدين علما قالوا الأسقف في الكنيسة قال فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك وأخدمك في كنيستك وأتعلم منك فأصلي معك قال ادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا له شيئا كنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق قال وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات واجتمعت له النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا قال فقالوا لي وما علمك بذلك قال فقلت لهم أنا أدلكم على كنزه قالوا فدلنا قال فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلما رأوها قالوا لا ندفنه أبدا قال فصلبوه ورجموه بالحجارة وجاؤا برجل آخر فوضعوه مكانه قال سلمان فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا قال فأحببته حبا
لم أحب شيئا قبله مثله قال فأقمت معه زمانا ثم حضرته الوفاة فقلت له إني قد كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله تعالى فإلى من توصى بي وبم تأمرني به قال أي بني والله ما أعلم اليوم أحدا على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فالحق به قال فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل فقلت يا فلان إن فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنك على أمره فقال لي أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات فلما حضرته الوفاة قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصى بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرني به صاحباي فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما حضر قلت له يا فلان إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصى بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلمه بقي أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجل بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فائته فانه على أمرنا فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري فقال أقم عندي فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم قال واكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة قال ثم نزل به أمر الله فلما حضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصي بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصى بي وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلم أصبح أحد على مثل ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى الأرض بين حرتين بينهما نخل به علامات لا تخفى يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل قال ثم مات وغيب ومكثت بعمورية ما شاء الله أن أمكث ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه قالوا نعم فأعطيتهموها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل يهودي عبدا فكنت عنده ورأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي لها فأقمت بها وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام ولا أسمع له بذكر مما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيد جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة والله إنهم لمجتمعون الآن بقباء على
رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي قال سلمان فلما سمعتها أخذتني الرعده حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن النخلة فجعلت أقول لابن عمه ماذا تقول ماذا تقول قال فغضب سيدي فلكمني لكمة شديدة ثم قال ما لك ولهذا أقبل على عملك قال فقلت لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال قال وقد كان عندي شيء قد جمعته فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم قال فقربته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت له إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها قال فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأمر أصحابه فأكلوا معه قال فقلت في نفسي هاتان ثنتان قال ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه وعليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدبرته أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم استدبرته عرف أني أستثبت في شيء وصف لي فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي كما حدثتك يا ابن عباس فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذاك أصحابه ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أحييها له بالفقير وأربعين أوقية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعينوا أخاكم فأعانوني في النخل الرجل بثلاثين ودية والرجل بعشرين ودية والرجل بخمس عشرة ودية والرجل بعشرة يعين الرجل بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلاثمائة ودية فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا سلمان ففقر لها فإذا فرغت فائتني أكن أنا أضعها بيدي قال ففقرت وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته فأخبرته فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودي ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده حتى إذا فرغنا فوالذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها ودية واحدة فأديت النخل وبقي على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المعادن فقال ما فعل الفارسي المكاتب قال فدعيت له قال خذ هذه فادها مما عليك يا سلمان قال قلت وأين تقع هذه مما علي يا رسول الله قال خذها فإن الله سيؤدي بها عنك قال فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم وعتق سلمان فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق حرا ثم لم يفتني معه مشهد
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن رجل من عبد القيس عن سلمان أنه قال لما قلت وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم كله أربعين أوقية
وقال محمد بن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حدثني من لا أتهم عن عمر بن عبدالعزيز بن مروان قال حدثت عن سلمان أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره أن صاحب عمورية قال له إيت كذا وكذا من أرض الشام فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الاسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفي فاسأله عن هذا الدين الذي تبتغي فهو يخبرك عنه قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصف لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى يخرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفي وغلبوني عليه فلم أخلص إليه حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخل إلا منكبه قال فتناولته فقال من هذا والتفت إلي قال قلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم قال إنك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك زمان نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم فأته فهو يحملك عليه ثم دخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمان لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم هكذا وقع في هذه الرواية وفيها رجل مبهم وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة وقد قيل إنه الحسن بن عمارة ثم هو منقطع بل معضل بين عمر بن عبدالعزيز وسلمان رضي الله عنه قوله لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى بن مريم غريب جدا بل منكر فإن الفترة أقل ما قيل فيها أنها أربعمائة سنة وقيل ستمائة سنة بالشمسية وسلمان أكثر ما قيل انه عاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة وحكى العباس بن يزيد البحراني اجماع مشايخه على أنه عاش مائتين وخمسين سنة واختلفوا فيما زاد إلى ثلاثمائة وخمسين سنة والله اعلم والظاهر أنه قال لقد لقيت وصي عيسى بن مريم فهذا ممكن بالصواب
وقال السهيلي الرجل المبهم هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف وإن صح لم يكن فيه نكارة لأن ابن جرير ذكر أن المسيح نزل من السماء بعد ما رفع فوجد أمه وامرأة أخرى يبكيان عند جذع المصلوب فأخبرهما أنه لم يقتل وبعث الحواريين بعد ذلك قال وإذا جاز نزوله مرة جاز نزوله مرارا ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويتزوج حينئذ امرأة من بني جذام وإذا مات دفن في حجرة روضة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى البيهقي في كتاب دلائل النبوة قصة سلمان هذه من طريق يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق كما تقدم ورواها أيضا عن الحاكم عن الأصم عن يحيى بن أبي طالب حدثنا علي بن عاصم حدثنا حاتم بن أبي صفرة عن سماك بن حرب عن يزيد بن صوحان أنه سمع سلمان يحدث كيف كان أول
إسلامه فذكر قصة طويلة وذكر أنه كان من رامهرمز وكان له أخ أكبر منه غني وكان سلمان فقيرا في كنف أخيه وأن ابن دهقانها كان صاحبا له وكان يختلف معه إلى معلم لهم وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عباد من النصارى في كهف لهم فسأله سلمان أن يذهب به معه إليهم فقال له إنك غلام وأخشى أن تنم عليهم فيقتلهم أبي فالتزم له أن لا يكون منه شيء يكرهه فذهب به معه فإذا هم ستة أو سبعة كأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا فذكر عنهم أنهم يؤمنون بالرسل المتقدمين وأن عيسى عبدالله ورسوله وابن أمته أيده بالمعجزات وقالوا له يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين يديك جنة ونارا وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دينه ثم جعل يتردد مع ذلك الغلام إليهم ثم لزمهم سلمان بالكلية ثم أجلاهم ملك تلك البلاد وهو أبو ذلك الغلام الذي صحبه سلمان إليهم عن أرضه واحتبس الملك ابنه عنده وعرض سلمان دينهم على أخيه الذي هو أكبر منه فقال إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسة الموصل فسلم عليهم أهلها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم فأبيت إلا صحبتهم فخرجوا حتى أتوا واديا بين جبال فتحدر إليهم رهبان تلك الناحية يسلمون عليهم واجتمعوا إليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ويسألونهم عني فيثنون علي خيرا وجاء رجل معظم فيهم فخطبهم فأثنى على الله بما هو اهله وذكر الرسل وما أيدوا به وذكر عيسى بن مريم وأنه كان عبدالله ورسوله وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه قال فكان يصوم النهار ويقوم الليل من الأحد إلى الأحد فيخرج إليهم ويعظهم ويأمرهم وينهاهم فمكث على ذلك مدة طويلة ثم أراد أن يزور بيت المقدس فصحبه سلمان إليه قال فكان فيما يمشي يلتفت إلي ويقبل علي فيعظني ويخبرني أن لي ربا وأن بين يدي جنة ونارا وحسابا ويعلمني ويذكرني نحو ما كان يذكر القوم يوم الأحد قال فيما يقول لي يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج من تهامة يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فإني شيخ كبير ولا أحسبني ادركه فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه قلت له وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه قال وإن أمرك فإن الحق فيما يجيء به ورضى الرحمن فيما قال ثم ذكر قدومهما إلى بيت المقدس وأن صاحبه صلى فيه هاهنا وهاهنا ثم نام وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظل مكان كذا ان يوقظه فتركه سلمان حينا آخر أزيد مما قال ليستريح فلما استيقظ ذكر الله ولام سلمان على ترك ما أمره من ذلك ثم خرجا من بيت المقدس فسأله مقعد فقال يا عبدالله سألتك حين وصلت فلم تعطني شيئا وها أنا أسألك فنظر فلم يجد أحدا فأخذ بيده وقال قم بسم الله فقام وليس به بأس ولا قلبة كأنما نشط من عقال فقال لي يا عبدالله
احمل علي متاعي حتى أذهب إلى أهلي فأبشرهم فاشتغلت به ثم أدركت الرجل فلم ألحقه ولم أدر أين ذهب وكلما سألت عنه قوما قالوا أمامك حتى لقيني ركب من العرب من بني كلب فسألتهم فلما سمعوا لغتي أناخ رجل منهم بعيره فحملني خلفه حتى أتوا بي بلادهم فباعوني فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر ذهابه إليه بالصدقة والهدية ليستعلم ما قال صاحبه ثم تطلب النظر إلى خاتم النبوة فلما رآه آمن من ساعته وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره الذي جرى له قال فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق فاشتراه من سيده فأعتقه ثم قال سألته يوما عن دين النصارى فقال لا خير فيهم قال فوقع في نفسي من أولئك الذين صحبتهم ومن ذلك الرجل الصالح الذي كان معي ببيت المقدس فدخلني من ذلك أمر عظيم حتى أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت وأنا خائف فجلست بين يديه فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون الآيات ثم قال يا سلمان أولئك الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى كانوا مسلمين فقلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق لهو أمرني باتباعك فقلت له فإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه قال نعم فاتركه فإن الحق وما يرضي الله فيما يأمرك وفي هذا السياق غرابة كثيرة وفيه بعض المخالفة لسياق محمد بن إسحاق وطريق محمد بن إسحاق اقوى إسنادا وأحسن اقتصاصا وأقرب إلى ما رواه البخاري في صحيحه من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي انه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب أي من معلم إلى معلم ومرب إلى مثله والله أعلم
قال السهيلي تداوله ثلاثون سيدا من سيد إلى سيد فالله أعلم وكألك استقصى قصة إسلامه الحافظ أبو نعيم في الدلائل وأورد لها أسانيد وألفاظا كثيرة وفي بعضها أن اسم سيدته التي كاتبته حلبسة فالله أعلم
*2* ذكر أخبار غريبة في ذلك
@ قال أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السوية المنقري حدثنا عباد بن كسيب عن أبيه عن أبي عتوارة الخزاعي عن سعير بن سوادة العامري قال كنت عشيقا لعقيلة من عقائل الحي أركب لها الصعب والذلول لا أبقي من البلاد مسرحا أرجو ربحا في متجر إلا أتيته فانصرفت من الشام بحرث وأثاث أريد به كبة الموسم
ودهماء العرب فدخلت مكة بليل مسدف فأقمت حتى تعرى عني قميص الليل فرفعت رأسي فإذا قباب مسامته شعف الجبال مضروبة بأنطاع الطائف وإذا جزر تنحر وأخرى تساق وإذا أكلة وحثثة على الطهاة يقولون إلا عجلوا إلا عجلوا وإذا رجل يجهر على نشز من الأرض ينادي يا وفد الله ميلوا إلى الغداء وأنيسان على مدرجة يقول يا وفد الله من طعم فليرح إلى العشاء فجهرني ما رأيت فأقبلت أريد عميد القوم فعرف رجل الذي بي فقال أمامك وإذا شيخ كأن في خديه الأساريع وكأن الشعرى توقد من جبينه قد لاث على رأسه عمامة سوداء قد أبرز من ملائها جمة فينانة كأنها سماسم قال في بعض الروايات تحته كرسي سماسم ومن دونها نمرقة بيده قضيب متخصر به حوله مشايخ جلس نواكس الأذقان ما منهم أحد يفيض بكلمة وقد كان نمى إلى خبر من أخبار الشام أن النبي الأمي هذا أوان نجومه فلما رأيته ظننته ذلك فقلت السلام عليك يا رسول الله فقال مه مه كلا وكأن قد وليتني إياه فقلت من هذا الشيخ فقالوا هذا أبو نضلة هذا هاشم بن عبد مناف فوليت وأنا أقول هذا والله المجد لا مجد آل جفنة يعني ملوك عرب الشام من غسان كان يقال لهم آل جفنة وهذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرفادة يعني إطعام الحجيج زمن الموسم
وقال أبو نعيم حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر حدثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى حدثنا سعيد بن عثمان حدثنا علي بن قتيبة الخراساني حدثنا خالد بن الياس عن أبي بكر بن عبدالله بن أبي الجهم عن أبيه عن جده قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز وجمتي تضرب منكبي فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغيير وأنا يومئذ سيد قومي فقالت ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون هل رابه من حدثان الدهر شيء فقلت لها بلى وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبل يدها اليمنى ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته ولم أفعل لأني كبير قومي فجلست فقلت إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة تنبت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا ساعة تخفى وساعة تزهر ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخرهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فمنعني الشاب فقلت لمن النصيب فقال النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها فانتبهت مذعورا فزعا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس
ثم قال يعني عبد المطلب لأبي طالب لعلك تكون هذا المولود قال فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ما بعث ثم قال كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الأمين فيقال لأبي طالب ألا تؤمن فيقول السبة والعار

يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:46 PM
وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي حدثنا العباس بن بكار الضبي حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال العباس خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب منهم أبو سفيان بن حرب فقدمت اليمن فكنت أصنع يوما طعاما وأنصرف بأبي سفيان وبالنفر ويصنع أبو سفيان يوما ويفعل مثلى ذلك فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه هل لك يا أبا الفضل أن تنصرف إلى بيتي وترسل إلي غداءك فقلت نعم فانصرفت أنا والنفر إلى بيته وأرسلت إلى الغداء فلما تغدى القوم قاموا واحتبسني فقال هل علمت يا أبا الفضل إن ابن اخيك يزعم أنه رسول الله فقلت أي بني أخي فقال أبو سفيان إياي تكتم وأي بني اخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد قلت وأيهم على ذلك قال هو محمد بن عبدالله فقلت قد فعل قال بلى قد فعل وأخرج كتابا باسمه من ابنه حنظلة بن أبي سفيان فيه أخبرك أن محمدا قام بالأبطح فقال أنا رسول أدعوكم إلى الله عز وجل فقال العباس قلت أجده يا أبا حنظلة صادق فقال مهلا يا أبا الفضل فوالله ما أحب أن يقول مثل هذا إني لا أخشى أن يكون على ضير من هذا الحديث يا بني عبد المطلب إنه والله ما برحت قريش تزعم أن لكم هنة وهنة كل واحدة منهما غاية لنشدتك يا أبا الفضل هل سمعت ذلك قلت نعم قد سمعت قال فهذه والله شؤمتكم قلت فلعلها يمنتنا قال فما كان بعد ذلك الاليال حتى قدم عبدالله بن حذافة بالخبر وهو مؤمن ففشا ذلك في مجالس اليمن وكان أبو سفيان يجلس مجلسا باليمن يتحدث فيه حبر من أحبار اليهود فقال له اليهودي ما هذا الخبر بلغني ان فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال قال أبو سفيان صدقوا وأنا عمه فقال اليهودي أخو أبيه قال نعم قال فحدثني عنه قال لا تسألني ما أحب أن يدعي هذا الأمر أبدا وما أحب أن أعيبه وغيره خير منه فرأى اليهودي أنه لا يغمس عليه ولا يحب أن يعيبه فقال اليهودي ليس به بأس على اليهود وتوراة موسى قال العباس فناداني الحبر فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر فقلت للحبر بلغني أنك سألت ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرك أنه عمه وليس بعمه ولكن ابن عمه وأنا عمه وأخو أبيه قال أخو أبيه قلت أخو أبيه فأقبل على أبي سفيان فقال صدق قال نعم صدق فقلت سلني فإن كذبت فليرد علي فأقبل علي فقال نشدتك هل كان لابن أخيك صبوة أو سفهة قلت لا وإله عبد المطلب ولا كذب ولا خان وإنه كان اسمه عند قريش الأمين قال فهل كتب بيده قال العباس فظننت أنه خير له أن يكتب بيده فأردت ان أقولها ثم ذكرت مكان ابي سفيان يكذبني ويرد علي
فقلت لا يكتب فوثب الحبر ونزل رداؤه وقال ذبحت يهود وقتلت يهود قال العباس فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن اليهود تفزع من ابن أخيك قلت قد رأيت ما رأيت فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به فإن كان حقا كنت قد سبقت وإن كان باطلا فمعك غيرك من أكفائك قال لا أؤمن به حتى أرى الخيل في كداء قلت ما تقول قال كلمة جاءت على فمي إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع من كداء قال العباس فلما استفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظرنا إلى الخيل وقد طلعت من كداء قلت يا أبا سفيان تذكر الكلمة قال أي والله إني لذاكرها فالحمد لله الذي هداني للإسلام وهذا سياق حسن عليه البهاء والنور وضياء الصدق وإن كان في رجاله من هو متكلم فيه والله أعلم
وقد تقدم ما ذكرناه في قصة أبي سفيان مع أمية بن أبي الصلت وهو شبيه بهذا الباب وهو من أغرب الأخبار وأحسن السياقات وعليه النور وسيأتي أيضا قصة أبي سفيان مع هرقل ملك الروم حين سأله عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحواله واستدلاله بذلك على صدقه ونبوته ورسالته وقال له كنت أعلم أنه خارج ولكن لم أكن أظن أنه فيكم ولو أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقيه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ولئن كن ماتقول حقا ليملكن موضع قدمي هاتين وكذلك وقع ولله الحمد والمنة
وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والأخبار عن الرهبان والأحبار والعرب فأكثر وأطنب وأحسن وأطيب رحمه الله ورضي عنه


قصة عمرو بن مرة الجهني
@ قال الطبراني حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا عبدالله بن داود بن دلهاث بن اسماعيل بن عبدالله بن شريح بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أبي عن أبيه دلهاث عن أبيه اسماعيل أن أباه عبدالله حدثه عن أبيه أن أباه ياسر بن سويد حدثه عن عمرو بن مرة الجهني قال خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في نومي وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى وصل إلى جبل يثرب وأشعر جهينة فسمعت صوتا بين النور وهو يقول انقشعت الظلماء وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن وسمعت صوتا من النور وهو يقول ظهر الإسلام وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام فانتبهت فزعا فقلت لقومي والله ليحدثن لهذا الحي من قريش حدث وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاءني رجل يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال يا عمرو بن مرة أنا النبي المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله
ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان من اثنى عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار فآمن يا عمرو يؤمنك الله من هول جهنم فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله آمنت بما جئت من حلال وحرام وأن رغم ذلك كثيرا من الأقوام ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول
شهدت بأن الله حق وإنني * لآلهة الأحجار أول تارك
وشمرت عن ساق الإزار مهاجرا * إليك أجوب القفر بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا بك يا عمرو بن مرة فقلت يا رسول الله ابعثني إلى قومي لعل الله يمن عليهم بي كما من علي بك فبعثني إليهم وقال عليك بالرفق والقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا فذكر أنه أتى قومه فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا كلهم إلا رجلا واحدا منهم وأنه وفد بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحب بهم وحياهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب صادق وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيد أن لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الأودية وظهورها تزرعون نباته وتشربون صافيه على أن تقروا بالخمس وتصلوا صلاة الخمس وفي التبيعة والصريمة أن اجتمعتا وان تفرقتا شاة شاة ليس على أهل الميرة صدقة ليس الوردة اللبقة وشهد على نبينا صلى الله عليه وسلم من حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شماس وذكر شعرا قاله عمرو بن مرة في ذلك كما هو مبسوط في المسند الكبير وبالله الثقة وعليه التكلان
وقال الله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا قال كثيرون من السلف لما أخذ الله ميثاق بني آدم يوم ألست بربكم أخذ من النبيين ميثاقا خاصا وأكد مع هؤلاء الخمسة أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أولهم نوح وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة من طرق عن الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة سئل النبي صلى الله عليه وسلم متى وجبت لك النبوة قال بين خلق آدم ونفخ الروح فيه وهكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم وقال حسن غريب من حديث أبي هريرة لا نعرفه إلا من هذا الوجه
وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا يعقوب بن اسحاق بن الزبير الحلبي حدثنا أبو جعفر
النفيلي حدثنا عمرو بن واقد عن عروة بن رويم عن الصنابحي قال قال عمر يا رسول الله متى جعلت نبيا قال وآدم منجدل في الطين ثم رواه من حديث نصر بن مزاحم عن قيس بن الربيع عن جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن عباس قال قيل يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد وفي الحديث الذي أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صلبه ذريته خص الأنبياء بنور بين أعينهم والظاهر والله أعلم أنه كان على قدر منازلهم ورتبهم عند الله وإذا كان الأمر كذلك فنور محمد صلى الله عليه وسلم كان أظهر وأكبر وأعظم منهم كلهم وهذا تنويه عظيم وتنبيه ظاهر على شرفه وعلو قدره وفي هذا المعنى الحديث الذي قال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن سعيد بن سويد الكلبي عن عبدالأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت وكذلك أمهات المؤمنين يرين ورواه الليث وابن وهب عن عبدالرحمن بن مهدي وعبدالله بن صالح عن معاوية بن صالح وزاد إن أمه رأت حين وضعته نورا أضاءت منه قصور الشام وقال الإمام أحمد حدثنا عبدالرحمن حدثما منصور بن سعيد عن بديل عن عبدالله بن شقيق عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد وإسناده جيد أيضا وهكذا رواه إبراهيم بن طهمان وحماد بن زيد وخالد الحذاء عن بديل بن ميسرة به ورواه أبو نعيم عن محمد بن عمر بن أسلم عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلي عن شيبان عن الحسن بن دينار عن عبدالله بن سفيان عن ميسرة الفجر قال قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال وآدم بين الروح والجسد
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة حدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج وسعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم قال كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث ثم رواه من طريق هشام بن عمار عن بقية عن سعيد بن نسير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا مثله وقد رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثله وهذا أثبت وأصح والله أعلم
وهذا إخبار عن التنويه بذكره في الملأ الأعلى وأنه معروف بذلك بينهم بأنه خاتم النبيين وآدم لم ينفخ فيه الروح لأن علم الله تعالى بذلك سابق قبل خلق السموات والأرض لا محالة فلم يبق إلا هذا الذي ذكرناه من الأعلام به في الملأ الأعلى والله أعلم
وقد أورد أبو نعيم من حديث عبدالرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة الحديث المتفق عليه
نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم وزاد أبو نعيم في آخره فكان صلى الله عليه وسلم آخرهم في البعث وبه ختمت النبوة وهو السابق يوم القيامة لأنه أول مكتوب في النبوة والعهد ثم قال ففي هذا الحديث الفضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم ويحتمل أن يكون هذا الإيجاب هو ما أعلم الله ملائكته ما سبق في علمه وقضاءه من بعثته له في آخر الزمان وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد
وروى الحاكم في مستدركه من حديث عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وفيه كلام عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي فقال الله يا آدم كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد فقال يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت علي قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلي اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك قال البيهقي تفرد به عبدالرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف والله أعلم
وقد قال الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولي بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون قال علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه وهذا تنويه وتنبيه على شرفه وعظمته في سائر الملل وعلى ألسنة الأنبياء وإعلام لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان وإنه أكرم المرسلين وخاتم النبيين وقد أوضح أمره وكشف خبره وبين سره وجلى مجده ومولده وبلده إبراهيم الخليل في قوله عليه السلام حين فرغ من بناء البيت ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم فكان أول بيان أمره على الجلية والوضوح بين أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل أكرم الأنبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء ولهذا قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا الفرج يعني ابن فضالة حدثنا لقمان بن عامر سمعت أبا أمامة قال قلت يا نبي الله ما كان بدء أمرك قال دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام تفرد به الإمام أحمد ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وروى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب
المولد من طريق بقية عن صفوان بن عمرو بن حجر عن حجر عن أبي مريق أن أعرابيا قال يا رسول الله أي شيء كان أول أمر نبوتك فقال أخذ الله مني الميثاق كما أخذ من النبيين ميثاقهم ورأت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامها أنه خرج من بين رجليها سراج أضاءت له قصور الشام وقال الإمام محمد بن اسحاق بن يسار حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورأت أمي حين حبلت كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام إسناده جيد أيضا وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى وإنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة ولله الحمد والمنة ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام وكان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر رضي الله عنه كما سيأتي بيانه وقد قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين في صحبة عمه أبي طالب وهو ابن اثنتي عشرة سنة وكانت عندها قصة بحيرى الراهب كما بيناه والثانية ومعه ميسرة مولى خديجة في تجارة لها وبها مبرك الناقة التي يقال لها ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بركت عليه فأثر ذلك فيها فيما يذكر ثم نقل وبنى عليه مسجد مشهور اليوم وهي المدينة التي أضاءت أعناق الإبل عندها من نور النار التي خرجت من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة وفق ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الآية قال الإمام أحمد حدثنا اسماعيل عن الجريري عن أبي صخر العقيلي حدثني رجل من الأعراب قال جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغت من بيعي قلت لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه قال فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجملهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجدني في كتابك ذا صفتي ومخرجي فقال برأسه هكذا أي لا فقال ابنه إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال أقيموا اليهودي عن أخيكم ثم ولى كفنه والصلاة عليه هذا إسناد جيد وله شواهد في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقال أبو القاسم البغوي حدثنا عبدالواحد بن غياث أبو بحر حدثنا عبدالعزيز بن مسلم حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الصلتان بن عاصم
وذكر أن خاله قال كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص بصره إلى رجل فإذا يهودي عليه قميص وسراويل ونعلان قال فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه وهو يقول يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهد أني رسول الله قال لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرأ التوراة قال نعم قال أتقرأ الإنجيل قال نعم قال والقرآن قال لا ولو تشاء قرأته فقال النبي صلى الله عليه وسلم فبم تقرأ التوراة والإنجيل أتجدني نبيا قال إنا نجد نعتك ومخرجك فلما خرجت رجونا أن تكون فينا فلما رأيناك عرفناك أنك لست به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يا يهودي قال إنا نجده مكتوبا يدخل من أمته الجنة سبعون ألفا بغير حساب ولا نرى معك إلا نفرا يسيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا هذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه وقال محمد بن اسحاق عن سالم مولى عبدالله بن مطيع عن أبي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقال أخرجوا أعلمكم فقالوا عبدالله بن صوريا فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فناشده بدينه وما أنعم الله به عليهم وأطعمهم من المن والسلوى وظللهم به من الغمام أتعلمني رسول الله قال اللهم نعم وإن القوم ليعرفون ما أعرف وأن صفتك ونعتك لمبين في التوراة ولكنهم حسدوك قال فما يمنعك أنت قال أكره خلاف قومي وعسى أن يتبعوك ويسلموا فأسلم وقال سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقول كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه والمصدق بما جاء به موسى ألا إن الله قال لكم يا معشر يهود وأهل التوراة إنكم تجدون ذلك في كتابكم إن محمدا رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهك ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما وإني أنشدكم بالله وبالذي أنزل عليكم وأنشدكم بالذي أطعم من كان قبلكم من أسلافكم وأسباطكم المن والسلوى وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاكم من فرعون وعمله إلا أخبرتمونا هل تجدون فيما أنزل الله عليكم أن تؤمنوا بمحمد فإن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كره عليكم قد تبين الرشد من الغي وأدعوكم إلى الله وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم وقد ذكر محمد بن اسحاق بن يسار في كتاب المبتدأ عن سعيد بن بشير عن قتادة عن كعب الأحبار وروى غيره عن وهب بن منبه أن بختنصر بعد أن خرب بيت المقدس واستذل بني إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمة هالته فجمع الكهنة والحزار وسألهم عن رؤياه تلك فقالوا ليقصها الملك حتى نخبره بتأويلها فقال إني نسيتها وإن لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتكم عن آخركم فذهبوا
خائفين وجلين من وعيده فسمع بذلك دانيال عليه السلام وهو في سجنه فقال للسجان اذهب اليه فقل له إن هاهنا رجلاعنده علم رؤياك وتأويلها فذهب إليه فأعلمه فطلبه فلما دخل عليه لم يسجد له فقال له ما منعك من السجود لي فقال إن الله آتاني علما وعلمني وأمرني أن لا أسجد لغيره فقال له بختنصر إني أحب الذين يوفون لأربابهم بالعهود فأخبرني عن رؤياي قال له دانيال رأيت صنما عظيما رجلاه في الأرض ورأسه في السماء أعلاه من ذهب ووسطه من فضة وأسفله من نحاس وساقاه من حديد ورجلاه من فخار فبينا أنت تنظر إليه قد أعجبك حسنه وإحكان صنعته قذفه الله بحجر من السماء فوقع على قمة رأسه حتى طحنه واختلط ذهبه وفضته ونحاسه وحديده وفخاره حتى تخيل لك أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يميزوا بعضه من بعض لم يقدروا على ذلك ونظرت إلى الحجر الذي قذف به يربو ويعظم وينتشر حتى ملأ الأرض كلها فصرت لا ترى إلا الحجر والسماء فقال له بختنصر صدقت هذه الرؤيا التي رأيتها فما تأويلها فقال دانيال أما الصنم فأمم مختلفة في أول الزمان وفي وسطه وفي آخره وأما الحجر الذي قذف به الصنم فدين يقذف الله به هذه الأمم في آخر الزمان فيظهره عليها فيبعث الله نبيا أميا من العرب فيدوخ به الأمم والأديان كما رأيت الحجر دوخ أصناف الصنم ويظهر على الأديان والأمم كما رأيت الحجر ظهر على الأرض كلها فيمحص الله به الحق ويزهق به الباطل ويهدي به أهل الضلالة ويعلم به الأميين ويقوي به الضعفة ويعزبه الأذلة وينصر به المستضعفين وذكر تمام القصة في اطلاق بختنصر بني إسرائيل على يدي دانيال عليه السلام وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب وذكر أنه سأل اساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه عن ذلك وهي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في الدلائل وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمدارس اليهود فقال لهم يا معشر اليهود أسلموا فوالذي نفسي بيده إنكم لتجدون صفتي في كتبكم الحديث وقال الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيموا الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا ورواه البخاري عن محمد بن سنان العوفي عن فليح به ورواه أيضا عن عبدالله قيل ابن رجاء وقيل ابن صالح عن عبدالعزيز بن أبي سلمة عن هلال بن علوية ولفظه قريب
من هذا وفيه زيادة ورواه ابن جرير من حديث فليح عن هلال عن عطاء وزاد قال عطاء فلقيت كعبا فسألته عن ذلك فما اختلف حرفا وقال في البيوع وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبدالله بن سلام قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرناه أبو الحسين بن المفضل القطان حدثنا عبدالله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن ابن سلام أنه كان يقول إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزىء السيئة بمثلها ولكن يعفو ويتجاوز ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وأذانا صما وقلوبا غلفا وقال عطاء بن يسار وأخبرني الليثي أنه سمع كعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام
قلت وهذا عن عبدالله بن سلام أشبه ولكن الرواية عن عبدالله بن عمرو أكثر مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يحدث عنهما كثيرا وليعلم أن كثيرا من السلف كانوا يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب فهي عندهم أعم من التي أنزلها الله على موسى وقد ثبت شاهد ذلك من الحديث وقال يونس عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن ابن أبي أوفى عن أم الدرداء قالت قلت لكعب الأحبار كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال نجده محمد رسول الله اسمه المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق وأعطى المفاتيح فيبصر الله به أعينا عورا ويسمع آذانا وقرا ويقيم به ألسنا معوجة حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله واحد لا شريك له يعين به المظلوم ويمنعه وقد روى عن كعب من غير هذا الوجه وروى البيهقي عن الحاكم عن أبي الوليد الفقيه عن الحسن بن سفيان حدثنا عتبة بن مكرم حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم حدثنا حمزة بن الزيات عن سليمان الأعمش عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة وما كنت بجانب الطور إذ نادينا قال نودوا يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني وذكر وهب بن منبه أن الله تعالى أوحى إلى داود في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا ولا يغضبني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وفرضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء إلى أن قال يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها والعلم بأنه موجود في كتب أهل الكتاب معلوم من الدين ضرورة وقد دل على ذلك آيات كثيرة في الكتاب العزيز تكلمنا عليها في مواضعها ولله الحمد فمن ذلك قوله الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من
ربنا إنا كنا من قبله مسلمين وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال تعالى إن الذين أتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا أي إن كان وعدنا ربنا بوجود محمد وإرساله لكائن لا محالة فسبحان القدير على ما يشاء لا يعجزه شيء وقال تعالى اخبارا عن القسيسين والرهبان وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين وفي قصة النجاشي وسلمان وعبدالله بن سلام وغيرهم كما سيأتي شواهد كثيرة لهذا المعنى ولله الحمد والمنة
وذكرنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدم الإشارة إليه من وصفهم لبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونعته وبلد مولده ودار مهاجره ونعت أمته في قصة موسى وشعيا وأرمياء ودانيال وغيرهم وقد أخبر الله تعالى عن آخر أنبياء بني إسرائيل وخاتمهم عيسى بن مريم أنه قام في بني إسرائيل خطيبا قائلا لهم إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وفي الإنجيل البشارة بالفار قليط والمراد محمد صلى الله عليه وسلم وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبدالجبار عن يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن العيزار بن حرب عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مكتوب في الإنجيل لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح وقال يعقوب بن سفيان حدثنا فيض البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم جد في أمري واسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين فإياي فاعبد فبين لأهل سوران بالسريانية بلغ من بين يديك أني أنا الحق القائم الذي لا أزول صدقوا بالنبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة وهي التاج والنعلين والهراوة وهي القضيب الجعد الرأس الصلت الجبين المقرون الحاجبين الأنجل العينين الأهدب الأشفار الأدعج العينين الأقنى الأنف الواضح الخدين الكث اللحية عرقه في وجهه كاللؤلؤ ريح المسك ينضح منه كأن عنقه ابريق فضة وكان الذهب يجري في تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس في بطنه شعر غير شثن الكف والقدم إذا جاء مع الناس غمرهم وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر ويتحدر من صبب ذو النسل القليل وكأنه أراد الذكور من صلبه هكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان وروى البيهقي عن عثمان بن الحكم بن رافع بن سنان حدثني بعض عمومتي وآبائي أنهم كانت عندهم ورقة يتوارثونها في الجاهلية حتى جاء الله بالإسلام وبقيت عندهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذكر وهاله وأتوه بها مكتوب فيها بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان ليبلون أطرافهم ويوترون على
أوساطهم ويخوضون البحور إلى أعدائهم فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان وفي عاد ما أهلكوا بالريح وفي ثمود ما أهلكوا بالصيحة بسم الله وقوله الحق وقول الظالمين في تباب ثم ذكر قصة أخرى قال فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قرأت عليه فيها
وذكرنا عند قوله تعالى في سورة الأعراف الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل قصة هشام بن العاص الأموي حين بعثه الصديق في سرية إلى هرقل يدعوه إلى الله عز وجل فذكر أنه أخرج لهم صور الأنبياء في رقعة من آدم إلى محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهم أجمعين على النعت والشكل الذي كانوا عليه ثم ذكر أنه لما أخرج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائما إكراما له ثم جلس وجعل ينظر إليها ويتأملها قال فقلنا له من أين لك هذه الصورة فقال إن آدم سأل ربه أن يريه جميع الأنبياء من ذلك فأنزل عليه صورهم فكان في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين فدفعها إلى دانيال ثم قال أما والله إن نفسي قد طابت بالخروج من ملكي وأني كنت عبدا لاشركم ملكة حتى أموت ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثناه بما رأينا وما أجازنا وما قال لنا قال فبكى وقال مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد عندهم رواه الحاكم بطوله فليكتب هاهنا من التفسير ورواه البيهقي في دلائل النبوة
وقال الأموي حدثنا عبدالله بن زياد عن ابن اسحاق قال وحدثني يعقوب بن عبدالله بن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده عمرو بن أمية قال قدمت برقيق من عند النجاشي أعطانيهم فقالوا لي ياعمرو لو رأينا رسول الله لعرفناه من غير أن تخبرنا فمر أبو بكر فقلت أهو هذا قالوا لا فمر عمر فقلت أهو هذا قالوا لا فدخلنا الدار فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادوني يا عمرو هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت فإذا هو هو من غير أن يخبرهم به أحد عرفوه بما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم وقد تقدم انذار سبأ لقومه وبشارته لهم بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعر أسلفناه في ترجمته فأغنى عن إعادته وتقدم قول الحبرين من اليهود لتبع اليماني حين حاصر أهل المدينة إنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فرجع عنها ونظم شعرا يتضمن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم

2* قصة سيف بن ذي يزن وبشارته بالنبي
@ وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه هواتف الجان حدثنا علي بن حرب حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم حدثنا عمرو بن بكر هو ابن بكار القعنبي عن أحمد بن القاسم عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن عبدالله بن عباس قال لما ظهر سيف بن ذي يزن قال ابن المنذر واسمه النعمان بن قيس على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أتته وفود
العرب وشعراؤها تهنئه وتمدحه وتذكر ما كان من حسن بلائه وأتاه فيمن أتاه وفود قريش فيهم عبدالمطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس أبي عبدالله وعبدالله بن جدعان وخويلد بن أسد في أناس من وجوه قريش فقدموا عليه صنعاء فإذا هو في رأس غمدان الذي ذكره أمية أبي الصلت
واشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دارا منك محلالا
فدخل عليه الآذن فأخبره بمكانهم فأذن لهم فدنا عبدالمطلب فاستأذنه في الكلام فقال له إن كنت ممن يتكلم بين يدي فقد أذنا لك فقال له عبدالمطلب إن الله قد أحلك أيها الملك محلا رفيعا صعبا منيعا شامخا باذخا وأنبتك منبتا طابت أرومته وعذيت جرثومته وثبت أصله وبسق فرعه في أكرم موطن وأطيب معدن فأنت أبيت اللعن ملك العرب وربيعها الذي تخصب به البلاد ورأس العرب الذي له تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد وسلفك خير سلف وأنت لنا منهم خير خلف فلن يخمد من هم سلفه ولن يهلك من أنت خلفه ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته اشخصنا إليك الذي أبهجك من كشف الكرب الذي قد فدحنا وفد التهنئة لا وفد المرزئة قال وايهم أنت أيها المتكلم قال أنا عبدالمطلب بن هاشم قال ابن أختنا قال نعم قال ادن فأدناه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا ربحلا يعطي عطاء جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأنتم أهل الليل والنهار ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء إذا ظعنتم ثم نهضوا إلى دار الكرامة والوفود فأقاموا شهرا لا يصلون إليه ولا يأذن لهم بالانصراف ثم انتبه لهم انتباهة فأرسل إلى عبدالمطلب فأدنى مجلسه وأخلاه ثم قال يا عبدالمطلب إني مفض إليك من سر علمي ما لو يكون غيرك لم أبح به ولكني رأيتك معدنه فاطلعتك طليعه فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ أمره إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا واجتجناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة فقال عبدالمطلب أيها الملك مثلك سر وبر فما هو فداؤك أهل الوبر زمرا بعد زمر قال إذا ولد بتهامة غلام به علامة بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة قال عبدالمطلب أبيت اللعن لقد أبت بخير ما آب به وافد ولولا هيبة الملك وإجلاله واعظامه لسألته من بشارته إياي ما ازداد به سرورا قال ابن ذي يزن هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد واسمه محمد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا يعزبهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب بهم الناس عن عرض ويستبيح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان ويخمد النيران يعبد الرحمن ويدحر
الشيطان قوله فصل وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله فقال عبدالمطلب أيها الملك عز جدك وعلا كعبك ودام ملكك وطال عمرك فهذا نجاري فهل الملك سار لي بافصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح فقال ابن ذي يزن والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب انك يا عبدالمطلب لجده غير كذب فخر عبدالمطلب ساجدا فقال ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا أمرك فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك فقال أيها الملك كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا فزوجته كريمة من كرائم قومه آمنة بنت وهب فجاءت بغلام سميته محمدا فمات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه قال ابن ذي يزن إن الذي قلت لك كما قلت فاحتفظ بابنك واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تدخل لهم النفاسة من أن تكون لكم الرياسة فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل فهم فاعلون أو أبناؤهم ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار مملكته فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيه الآفات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على جداثة سنه أمره ولأوطأت أسنان العرب عقبه ولكني صارف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك قال ثم أمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد وعشرة إماء وبمائة من الإبل وحلتين من البرود وبخمسة أرطال من الذهب وعشرة أرطال فضة وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال له إذا حال الحول فأتني فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول فكان عبدالمطلب كثيرا ما يقول لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك فإنه إلى نفاد ولكن ليبغبطني بما يبقى لي ولعقبي ومن بعدي ذكره وفخره وشرفه فإذا قيل له متى ذلك قال سيعلم ولو بعد حين قال وفي ذلك يقول أمية بن عبد شمس
جلبنا النصح تحقبه المطايا * على أكوار أجمال ونوق
مقلفة مراتعها تعالى * إلى صنعاء من فج عميق
تؤم بنا ابن ذي يزن وتغري * بذات بطونها ذم الطريق
وترعى من مخائله بروقا * مواصلة الوميض إلى بروق
فلما واصلت صنعاء حلت * بدار الملك والحسب العريق
وهكذا رواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من طريق عمرو بن بكير بن بكار القعنبي ثم قال أبو نعيم أخبرت عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن عبد ربه بن محمد بن عبدالعزيز بن عفير بن عبدالعزيز بن السفر بن عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن حدثني أبي أبو يزن إبراهيم حدثنا عمي أحمد بن محمد أبو
رجاء به حدثنا عمي محمد بن عبدالعزيز حدثني عبدالعزيز بن عفير عن أبيه عن زرعة بن سيف بن ذي يزن الحميري قال لما ظهر جدي سيف بن ذي يزن على الحبشة وذكره بطوله وقال أبو بكر الخرائطي حدثنا أبو يوسف يعقوب بن اسحاق القلوسي حدثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية أخبرني أبي عن أبيه عبدالملك بن أبي سوية عن جده أبي سوية عن أبيه خليفة قال سألت محمد بن عثمان بن ربيعة بن سواة ابن خثعم بن سعد فقلت كيف سماك أبوك محمدا فقال سألت أبي عما سألتني عنه فقال خرجت رابع أربعة من بني تميم أنا منهم وسفيان بن مجاشع بن دارم وأسامة بن مالك بن جندب بن العقيد ويزيد بن ربيعة بن كنانة بن حربوص بن مازن ونحن نريد ابن جفنة ملك غسان فلما شارفنا الشام نزلنا على غدير عليه شجرات فتحدثنا فسمع كلامنا راهب فأشرف علينا فقال إن هذه لغة ما هي بلغة هذه البلاد فقلنا نعم نحن قوم من مضر قال من أي المضرين قلنا من خندف قال أما إنه سيبعث وشيكا نبي خاتم النبيين فسارعوا إليه وخذوا بحظكم منه ترشدوا فقلنا له ما اسمه قال اسمه محمد قال فرجعنا من عند ابن جفنة فولد لكل واحد منا ابن فسماه محمدا يعني أن كل واحد منهم طمع في أن يكون هذا النبي المبشر به ولده
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي حدثنا عبدالله بن أبي سعد حدثنا حازم بن عقال بن الزهر بن حبيب بن المنذر بن أبي الحصين بن السموأل بن عاديا حدثني جابر بن جدان بن جميع بن عثمان بن سماك بن الحصين بن السموأل بن عاديا قال لما حضرت الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة اجتمع إليه قومه من غسان فقالوا إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى وكنا نأمرك بالتزوج في شبابك فتأبى وهذا أخوك الخزرج له خمسة بنين وليس لك ولد غير مالك فقال لن يهلك هالك ترك مثل مالك إن الذي يخرج النار من الوثيمة قادر أن يجعل لمالك نسلا ورجالا بسلا وكل إلى الموت ثم أقبل على مالك وقال أي بني المنية ولا الدنيةالعقاب ولا العتاب التجلد ولا التلدد القبر خير من الفقر إنه من قل ذل ومن كر فر من كرم الكريم الدفع عن الحريم ولدهر يومان فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصطبر وكلاهما سينحسر ليس يثبت منهما الملك المتوج ولا اللئيم المعلهج سلم ليومك حياك ربك ثم أنشأ يقول
شهدت السبايا يوم آل محرق * وأدرك أمري صيحة الله في الحجر
فلم أر ذا ملك من الناس واحدا * ولا سواقة إلا إلى الموت والقبر
فعل الذي أردى ثمودا وجرهما * سيعقب لي نسلا على آخر الدهر
تقربهم من آل عمرو بن عامر * عيون لدى الداعي إلى طلب الوتر
فإن لم تك الأيام أبلين جدتي * وشيبن رأسي والمشيب مع العمر
فإن لنا ربا علا فوق عرشه * عليما بما يأتي من الخير والشر
ألم يأت قومي أن لله دعوة * يفوز بها أهل السعادة والبر
إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين مكة والحجر
هنالك فابغوا نصره ببلادكم * بني عامر إن السعادة في النصر
قال ثم قضى من ساعته
*2* باب في هواتف الجان
@ وقد تقدم كلام شق وسطيح لربيعة بن نصر ملك اليمن في البشارة بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول ذكي يأتي إليه الوحي من قبل العلي وسيأتي في المولد قول سطيح لعبد المسيح إذا كثرت التلاوة وغاضت بحيرة ساوة وجاء صاحب الهراوة يعني بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي بيانه مفصلا
وقال البخاري حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي حدثني ابن وهب حدثني عمرو هو محمد بن زيد أن سالما حدثه عن عبدالله بن عمر قال ما سمعت عمر يقول لشيء قط إني لأظنه إلا كان كما يظن بينما عمر بن الخطاب جالس إذ مر به رجل جميل فقال لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية أو لقد كان كاهنهم علي الرجل فدعى به فقال له ذلك فنال ما رأيت كاليوم استقبل به رجلا مسلما قال فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني قال كنت كاهنهم في الجاهلية قال فما أعجب ما جاءتك به جنيتك قال بينما أنا في السوق يوما جاءتني أعرف فيها الفزع فقالت
ألم تر الجن وإبلاسها * ويلسها من بعد أنكاسها
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها
قال عمر صدق بينا أنا نائم عند آلهتهم جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ به صارخ لم أسمع صارخا قط أشد صوتا منه يقول يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فوثب القوم فقلت لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا ثم نادى يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله فقمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي تفرد به البخاري
وهذا الرجل هو سواد بن قارب الأردي ويقال السدوسي من أهل السراة من جبال البلقاء
له صحبة ووفادة قال أبو حاتم وابن منده روى عنه سعيد بن جبير وأبو جعفر محمد بن علي وقال البخاري له صحبة وهكذا ذكره في أسماء الصحابة أحمد بن روح البرذعي الحافظ والدارقطني وغيرهما وقال الحافظ عبدالغني بن سعيد المصري سواد بن قارب بالتخفيف وقال عثمان الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي كان من أشراف أهل اليمن ذكره أبو نعيم في الدلائل وقد روى حديثه من وجوه أخر مطولة بالبسط من رواية البخاري
وقال محمد بن اسحاق حدثني من لا اتهم عن عبدالله بن كعب مولى عثمان بن عفان أنه حدث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من العرب داخل المسجد يريد عمر بن الخطاب فلما نظر إليه عمر قال إن الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد أو لقد كان كاهنا في الجاهلية فسلم عليه الرجل ثم جلس فقال له عمر هل أسلمت قال نعم يا أمير المؤمنين قال فهل كنت كاهنا في الجاهلية فقال الرجل سبحان الله يا أمير المؤمنين لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت فقال عمر اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام قال نعم والله يا أمير المؤمنين لقد كنت كاهنا في الجاهلية قال فأخبرني ما جاء به صاحبك قال جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه فقال ألم تر إلى الجن وابلاسها واياسها من دينها ولحوقها بالقلاص واحلاسها
قال ابن اسحاق هذا الكلام سجع ليس بشعر قال عبدالله بن كعب
فقال عمر عند ذلك يحدث الناس والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية في نفر من قريش قد ذبح له رجل من العرب عجلا فنحن ننتظر قسمه أن يقسم لنا منه إذ سمعت من جوف العجل صوتا ما سمعت صوتا قط أشد منه وذلك قبل الإسلام بشهر أو شيعه يقول يا ذريح أمر نجيح رجل يصيح يقول لا إله إلا الله قال ابن هشام ويقال رجل يصيح بلسان فصيح يقول لا إله إلا الله قال وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر
عجبت للجن وابلاسها * وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن كأنجاسها
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا يحيى بن حجر بن النعمان الشامي حدثنا علي بن منصور الأنباري عن محمد بن عبدالرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرظي قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذات يوم جالس إذ مر به رجل فقيل يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار قال ومن هذا قالوا هذا سواد بن قارب الذي أتاه رئيه بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأرسل إليه عمر فقال له أنت سواد بن قارب قال نعم قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك قال فغضب وقال ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين فقال عمر يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك فأخبرني ما أنبأك رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم يا أمير المؤمنين بينما أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئي فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس قداماها كأذنابها
قال قلت دعني أنام فأني أمسيت ناعسا قال فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب واسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وتحيارها * وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها
قال قل دعني أنام فإني أمسيت ناعسا فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ يقول
عجبت للجن وتحساسها * وشدها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما خير الجن كأنجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * وآسم بعينيك إلى راسها
قال فقمت وقلت قد امتحن الله قلبي فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة يعني مكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فدنوت فقلت اسمع مقالتي يا رسول الله قال هات فأنشأت
أتاني نجيي بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد تلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الأزار ووسطت * بي الدعلب الوجناء غبر السباسب
فأشهد أن الله لا شيء غيره * وأنك مأمون على كل غالب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة * سواك بمغن عن سواد بن قارب
قال ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤى الفرح في وجوههم قال فوثب إليه عمر بن الخطاب فالتزمه وقال قد كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم قال أما منذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله من الجن ثم قال عمر كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا قال يا آل ذريح أمر نجيح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لاإله إلا الله وهذا منقطع من هذا الوجه ويشهد له رواية البخاري وقد تساعدوا على أن السامع الصوت من العجل هو عمر بن الخطاب والله أعلم
وقال الحافظ أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطي في كتابه الذي جمعه في هواتف الجان حدثنا أبو موسى عمران بن موسى المؤدب حدثنا محمد بن عمران بن محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى حدثنا سعيد بن عبيدالله الوصابي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي قال دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال نشدتك بالله يا سواد بن قارب هل تحسن اليوم من كهانتك شيئا فقال سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به قال سبحان الله يا سواد ما كنا عليه من شركنا أعظم مما كنت عليه من كهانتك والله يا سواد لقد بلغني عنك حديث إنه لعجيب من العجب قال إي والله يا أمير المؤمنين إنه لعجب من العجب قال فحدثنيه قال كنت كاهنا في الجاهلية فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني نجي فضربني برجله ثم قال يا سواد اسمع أقل لك قلت هات قال
عجبت للجن وأنجاسها
فلما واصلت صنعاء حلت * بدار الملك والحسب العريق
ورحلها العيس بأحلاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنوها مثل أرجاسها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى رأسها
قال فنمت ولم أحفل بقوله شيئا فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله ثم قال لي قم يا سواد بن قارب اسمع أقل لك قلت هات قال
عجبت للجن وتطلابها * وشدها العيس بأقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما صادق الجن ككذابها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * ليس المقاديم كأذنابها
قال فحرك قوله مني شيئا ونمت فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله ثم قال يا سواد بن قارب أتعقل أم لا تعقل قلت وما ذاك قال ظهر بمكة نبي يدعو إلى عبادة ربه فالحق به اسمع أقل لك قلت هات قال
عجبت للجن وتنفارها * ورحلها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمنو الجن ككفارها
فارحل إلى الصفوة من هاشم * بين روابيها وأحجارها
قال فعلمت أن الله قد أراد بي خيرا فقمت إلى بردة لي ففتقتها ولبستها ووضعت رجلي في غرز ركاب الناقة وأقبلت حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض علي الإسلام فأسلمت وأخبرته الخبر فقال إذا اجتمع المسلمون فأخبرهم فلما اجتمع المسلمو قمت فقلت
أتاني نجي بعد هدء ورقدة * ولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كل ليلة * أتاك رسول من لؤي بن غالب
فشمرت عن ذيلي الأزار ووسطت * بي الدعلب الوجناء غبر السباسب
وأعلم أن الله لا رب غيره * وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة * إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل * وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
قال فسر المسلمون بذلك فقال عمر هل تحس اليوم منها بشيء قال أما إذ علمني الله القرآن فلا وقد رواه محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن عمر بن حفص قال لما ورد سواد بن قارب على عمر قال يا سواد بن قارب ما بقي من كهانتك فغضب وقال ما أظنك يا أمير المؤمنين استقبلت أحدا من العرب بمثل هذا فلما رأى ما في وجهه من الغضب قال أنظر سواد للذي كنا عليه قبل اليوم من الشرك أعظم ثم قال يا سواد حدثني حديثا كنت أشتهي أسمعه منك قال نعم بين أنا في ابل لي بالسراة ليلا وأنا نائم وكان لي نجي من الجن أتاني فضربني برجله فقال لي قم يا سواد بن قارب فقد ظهر بتهامة نبي يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم فذكر القصة كما تقدم وزاد في آخر الشعر
وكن لي شفيعا يوم لا ذو قرابة * سواك بمغن عن سواد بن قارب
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سر في قومك وقل هذا الشعر فيهم
ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق سليمان بن عبدالرحمن عن الحكم بن يعلى بن عطاء المحاربي عن عباد بن عبدالصمد عن سعيد بن جبير قال أخبرني سواد بن قارب الأزدي قال كنت نائما على جبل من جبال السراة فأتاني آت فضربني برجله وذكر القصة أيضا
ورواه أيضا من طريق محمد بن البراء عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن البراء قال قال سواد بن قارب كنت نازلا بالهند فجاءني رئي ذات ليلة فذكر القصة وقال بعد انشاد الشعر الأخير فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال أفلحت يا سواد
وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة حدثنا عبدالله بن محمد بن جعفر حدثنا عبدالرحمن بن الحسن علي بن حرب حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن عبدالله العماني قال كان منا رجل يقال له مازن بن العضوب يسدن صنما بقرية يقال لها سمايا من عمان وكانت تعظمه بنو الصامت وبنو حطامة ومهرة وهم أخوال مازن أمه زينب بنت عبدالله بن ربيعة بن خويص أحد بني نمران قال مازن فعترنا يوما عند الصنم عتيرة وهي الذبيحة فسمعت صوتا من الصنم يقول يا مازن اسمع تسر ظهر خير وبطن شر بعث نبي من مضر بدين الله الأكبر فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر قال ففزعت لذلك فزعا شديدا ثم عترنا بعد أيام عتيرة أخرى فسمعت صوتا من الصنم يقول أقبل إلي أقبل تسمع ما لا تجهل هذا نبي مرسل جاء بحق منزل فآمن به كي تعدل عن حر نار تشعل وقودها الجندل قال مازن فقلت إن هذا لعجب وإن هذا لخير يراد بي وقدم علينا رجل من الحجاز فقلت ما الخبر وراءك فقال ظهر رجل يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله فقلت هذا نبأ ما سمعت فثرت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح الله صدري للإسلام فأسلمت وقلت كسرت باجرا
أجذاذا وكان لنا * ربا نطيف به ضلا بتضلال
فالهاشمي هدانا من ضلالتنا * ولم يكن دينه مني على بال
يا راكبا بلغن عمرا وإخوتها * إني لمن قال ربي باجر قالي
يعني يعمرو الصامت واخوتها حطامة فقلت يا رسول الله إني امرؤ مولع بالطرب وبالهلوك من النساء وشرب الخمر وألحت علينا السنون فاذهبن الأموال واهزلن السراري وليس لي ولد فادعو
الله أن يذهب عني ما أجد ويأتينا بالحيا ويهب لي ولدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وبالاثم وبالعهر عفة وآته بالحيا وهب له ولدا قال فاذهب الله عني ما أجد واخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر وحفظت شطر القرآن ووهب لي حيان بن مازن وأنشأ يقول
إليك رسول الله خبت مطيتي * تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطىء الحصى * فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
إلى معشر خالفت في الله دينهم * فلا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي
وكنت امرءا بالخمر والعهر مولعا * شبابي حتى آذن الجسم بالنهج
فبدلني بالخمر خوفا وخشية * وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي
فأصبحت همي في الجهاد ونيتي * فلله ما صومي ولله ما حجي
قال فلما أتيت قومي أنبوني وشتموني وأمروا شاعرا لهم فهجاني فقلت إن رددت عليه فإنما أهجو نفسي فرحلت عنهم فأتتني منهم زلفة عظيمة وكنت القيم بأمورهم فقالوا يا ابن عم عبنا عليك أمرا وكرهنا ذلك فإن أبيت ذلك فارجع وقم بأمورنا وشأنك وما تدين فرجعت معهم وقلت
لبغضكم عندنا مر مذاقته * وبغضنا عندكم يا قومنا لبن
لا يفطن الدهر إن بثت معائبكم * وكلكم حين يثني عيبنا فطن
شاعرنا مفحم عنكم وشاعركم * في حدبنا مبلغ في شتمنا لسن
ما في القلوب عليكم فاعلموا وغر * وفي قلوبكم البغضاء والإحن
قال مازن فهداهم الله بعد إلى الاسلام جميعا
وروى الحافظ أبو نعيم من حديث عبدالله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبدالله قال إن أول خبر كان بالمدينة بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة بالمدينة كان لها تابع من الجن فجاء في صورة طائر أبيض فوقع على حائط لهم فقالت له لم لا تنزل إلينا فتحدثنا ونحدثك وتخبرنا ونخبرك فقال لها إنه قد بعث نبي بمكة حرم الزنا ومنع منا القرار
وقال الواقدي حدثني عبدالرحمن بن عبدالعزيز عن الزهري عن علي بن الحسين قال إن أول خبر قدم المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان امرأة تدعى فاطمة كان لها تابع فجاءها ذات يوم فقام على الجدار فقالت ألا تنزل فقال لا إنه قد بعث الرسول الذي حرم الزنا
وأرسله بعض التابعين أيضا وسماه بابن لوذان وذكر أنه كان قد غاب عنها مدة ثم لما قدم عاتبته فقال إني جئت الرسول فسمعته يحرم الزنا فعليك السلام
وقال الواقدي حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال قال عثمان بن عفان
خرجنا في عسير إلى الشام قبل أن يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كنا بأفواه الشام وبها كاهنة فتعرضتنا فقالت أتاني صاحبي فوقف على بابي فقلت ألا تدخل فقال لا سبيل إلى ذلك خرج أحمد وجاء أمر لا يطاق ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج بمكة يدعو إلى الله عز وجل و
قال الواقدي حدثني محمد بن عبدالله الزهري قال كان الوحي يسمع فلما كان الإسلام منعوا وكانت امرأة من بني أسد يقال لها سعيرة لها تابع من الجن فلما رأى الوحي لا يستطاع أتاها فدخل في صدرها فضج في صدرها فذهب عقلها فجعل يقول من صدرها وضع العناق ومنع الرفاق وجاء أمر لا يطاق وأحمد حرم الزنا
وقال الحافظ أبو بكر الخرائطي حدثنا عبدالله بن محمد البلوي بمصر حدثنا عمارة بن زيد حدثنا عيسى بن يزيد عن صالح بن كيسان عمن حدثه عن مرداس بن قيس السدوسي قال حضرت النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكرت عنده الكهانة وما كان من تغييرها عند مخرجه فقلت يا رسول الله قد كان عندنا في ذلك شيء أخبرك أن جارية منا يقال لها الخلصة لم يعلم عليها إلا خيرا إذا جاءتنا فقالت يا معشر دوس العجب العجب لما أصابني هل علمتم إلا خيرا قلنا وما ذاك قالت إني لفي غنمي إذ غشيتني ظلمة ووجدت كحس الرجل مع المرأة فقد خشيت أن أكون قد حبلت حتى إذا دنت ولادتها وضعت غلاما أغضف له أذنان كأذني الكلب فمكث فينا حتى أنه ليلعب مع الغلمان إذ وثب وثبة وألقى إزاره وصاح بأعلى صوته وجعل يقول يا ويلة يا ويلة يا عولة يا عولة يا ويل غنم يا ويل فهم من قابس النار الخيل والله وراء العقبة فيهن فتيان حسان نجبة قال فركبنا وأخذنا للأداة وقلنا يا ويلك ما ترى فقال هل من جارية طامث فقلنا ومن لنا بها فقال شيخ منا هي والله عندي عفيفة الأم فقلنا فعجلها فأتى بالجارية وطلع الجبل وقال للجارية اطرحي ثوبك واخرجي في وجوههم وقال للقوم اتبعوا أثرها وقال لرجل منا يقال له أحمد بن حابس يا أحمد بن حابس عليك أول فارس فحمل أحمد فطعن أول فارس فصرعه وانهزموا فغنمناهم قال فابتنينا عليهم بيتا وسميناه ذا الخلصة وكان لا يقول لنا شيئا إلا كان كما يقول حتى إذا كان مبعثك يا رسول الله قال لنا يوما يا معشر دوس نزلت بنوا الحارث بن كعب فركبنا فقال لنا أكدسوا الخيل كدسا أحشوا القوم رمسا أنفوهم غدية واشربوا الخمر عشية قال فلقيناهم فهزمونا وغلبونا فرجعنا إليه فقلنا ما حالك وما الذي صنعت بنا فنظرنا إليه وقد احمرت عيناه وانتصبت أذناه وانبرم غضبانا حتى كاد أن ينفطر وقام فركبنا واغتفرنا هذه له ومكثنا بعد ذلك حينا ثم دعانا فقال هل لكم في غزوة تهب لكم عزا وتجعل لكم حرزا ويكون في أيديكم كنزا فقلنا ما أحوجنا إلى ذلك فقال اركبوا فركبنا فقلنا ما تقول فقال بنو الحارث بن مسلمة ثم قال قفوا فوقفنا
ثم قال عليكم بفهم ثم قال ليس لكم فيهم دم عليكم بمضرهم أرباب خيل ونعم ثم قال لا رهط دريد بن الصمة قليل العدد وفي الذمة ثم قال لا ولكن عليكم بكعب بن ربيعة وأسكنوها ضيعة عامر بن صعصعة فليكن بهم الوقيعة قال فلقيناهم فهزمونا وفضحونا فرجعنا وقلنا ويلك ماذا تصنع بنا قال ما أدري كذبني الذي كان يصدقني أسجنوني في بيتي ثلاثا ثم ائتوني ففعلنا به ذلك ثم أتيناه بعد ثالثة ففتحنا عنه فإذا هو كأنه حجرة نار فقال يا معشر دوس حرست السماء وخرج خير الأنبياء قلنا أين قال بمكة وأنا ميت فادفنوني في رأس جبل فإني سوف أضطرم نارا وإن تركتموني كنت عليكم عارا فإذا رأيتم اضطرامي وتلهبي فاقذفوني بثلاثة أحجار ثم قولوا مع كل حجر بسمك اللهم فإني أهدى وأطفى قال وإنه مات فاشتعل نار ففعلنا به ما أمر وقد قذفناه بثلاثة أحجار نقول مع كل حجر بسمك اللهم فخمد وطفى وأقمنا حتى قدم علينا الحاج فأخبرونا بمبعثك يا رسول الله غريب جدا وروى الواقدي عن أبيه عن ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب عن النضر بن سفيان الهذلي عن أبيه قال خرجنا في عير لنا إلى الشام فلما كنا بين الزرقا ومعان قد عرسنا من الليل فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض أيها النيام هبوا فليس هذا بحين رقاد قد خرج أحمد فطردت الجن كل مطرد ففزعنا ونحن رفقة حزورة كلهم قد سمع بهذا فرجعنا إلى أهلنا فإذا هم يذكرون اختلافا بمكة بين قريش في نبي قد خرج فيهم من بني عبدالمطلب اسمه أحمد ذكره أبو نعيم وقال الخرائطي حدثنا عبدالله بن محمد البلوي بمصر حدثنا عمارة بن زيد حدثني عبدالله بن العلاء حدثني يحيى بن عروة عن أبيه أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وزيد بن عمرو بن نفيل وعبدالله بن جحش بن رئاب وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنم لهم يجتمعون إليه قد اتخذوا ذلك اليوم من كل سنة عيدا كانوا يعظمونه وينحرون له الجزور ثم يأكلون ويشربون الخمر ويعكفون عليه فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوبا على وجهه فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله فلم يلبث أن انقلب انقلابا عنيفا فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب الثالثة فلما رأوا ذلك اغتموا له وأعظموا ذلك فقال عثمان بن الحويرث ماله قد أكثر التنكس إن هذا لأمر قد حدث وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل عثمان يقول
أيا صنم العيد الذي صف حوله * صناديد وفد من بعيد ومن قرب
تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا * أذاك سفيه أم تنكست للعتب
فإن كان من ذنب أتينا فإننا * نبوء بأقرار ونلوي عن الذنب
وإن كنت مغلوبا ونكست صاغرا * فما أنت في الأوثان بالسيد الرب
قال فأخذوا الصنم فردوه إلى حاله فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم بصوت جهير وهو يقول
تردى لمولود أنارت بنوره * جميع فجاج الأرض في الشرق والغرب
وخرت له الأوثان طرا وأرعدت * قلوب ملوك الأرض طرا من الرعب
ونار جميع الفرس باخت وأظلمت * وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب
وصدت عن الكهان بالغيب جنها * فلا مخبر عنهم بحق ولا كذب
فيا لقصي ارجعوا عن ضلالكم * وهبوا إلى الإسلام والمنزل الرحب
قال فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض فقالوا أجل فقال لهم ورقة بن نوفل تعلمون والله ما قومكم على دين ولقد اخطئوا الحجة وتركوا دين ابراهيم ما حجر تطيفون به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين قال فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام فأما ورقة بن نوفل فتنصر وقرأ الكتب حتى علم علما وأما عثمان بن الحويرث فسار إلى قيصر فتنصر وحسنت منزلته عنده وأما زيد بن عمرو بن نفيل فأراد الخروج فحبس ثم إنه خرج بعد ذلك فضرب في الأرض حتى بلغ الرقة من أرض الجزيرة فلقي بها راهبا عالما فأخبره بالذي يطلب فقال له الراهب إنك لتطلب دينا ما تجد من يحملك عليه ولكن قد أظلك زمان نبي يخرج من بلدك يبعث بدين الحنيفية فلما قال له ذلك رجع يريد مكة فغارت عليه لخم فقتلوه وأما عبدالله بن جحش فأقام بمكة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم خرج مع من خرج إلى أرض الحبشة فلما صار بها تنصر وفارق الإسلام فكان بها حتى هلك هنالك نصرانيا تقدم في ترجمة زيد بن عمر بن نفيل له شاهد
وقد قال الخرائطي حدثنا أحمد بن اسحاق بن صالح أبو بكر الوراق حدثنا عمرو بن عثمان حدثني أبي حدثنا عبدالله بن عبدالعزيز حدثني محمد بن عبد العزيز عن الزهري عن عبدالرحمن بن أنس السلمي عن العباس بن مرداس أنه كان يعر في لقاح له نصف النهار إذ طلعت عليه نعامة بيضاء عليها راكب عليه ثياب بياض مثل اللبن فقال يا عباس بن مرداس ألم تر أن السماء قد كفت أحراسها وأن الحرب تجرعت أنفاسها وأن الخيل وضعت أحلاسها وأن الذي نزل بالبر والتقوى يوم الإثنين ليلة الثلاثاء صاحب الناقة القصوى قال فرجعت مرعوبا قد راعني ما رأيت وسمعت حتى جئت وثنا لنا يدعى الضماد وكنا نعبده ونكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به وقبلته فإذا صائح من جوفه يقول
قل للقبائل من سليم كلها * هلك الضماد وفاز أهل المسجد
هلك الضماد وكان يعبد مرة * قبل الصلاة مع النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال فخرجت مرعوبا حتى أتيت قومي فقصصت عليهم القصة وأخبرتهم الخبر وخرجت في ثلاثمائة من قومي بني حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة فدخلنا المسجد فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي يا عباس كيف كان اسلامك فقصصت عليه القصة قال فسر بذلك وأسلمت أنا وقومي ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل من حديث أبي بكر بن أبي عاصم عن عمرو بن عثمان به ثم رواه أيضا من طريق الأصمعي حدثني الوصافي عن منصور بن المعتمر عن قبيصة بن عمرو بن اسحاق الخزاعي عن العباس بن مرداس السلمي قال أول اسلامي أن مرداسا أبى لما حضرته الوفاة أوصاني بصنم له يقال ضماذ فجعلته في بيت وجعلت آتيه كل يوم مرة فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعت صوتا مرسلا في جوف الليل راعني فوثبت إلى ضماد مستغيثا وإذا بالصوت من جوفه وهو يقول
قل للقبيلة من سليم كلها * هلك الأنيس وعاش أهل المسجد
أودى ضماد وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:50 PM
قال فكتمته الناس فلما رجع الناس من الأحزاب بينا أنا في ابلي بطرف العقيق من ذات عرق راقدا سمعت صوتا وإذا برجل على جناح نعامة وهو يقول النور الذي وقع ليلة الثلاثاء مع صاحب الناقة العضباء في ديار اخوان بني العنقاء فأجابه هاتف من شماله وهو يقول
بشر الجن وابلاسها * إن وضعت المطي أحلاسها
وكلأت السماء أحراسها
قال فوثبت مذعورا وعلمت أن محمدا مرسل فركبت فرسي واحتثثت السير حتى انتهيت إليه فبايعته ثم انصرفت إلى ضماد فأحرقته بالنار ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته شعرا أقول فيه
لعمرك أني يوم أجعل جاهلا * ضمادا لرب العالمين مشاركا
وتركي رسول الله والأوس حوله * أولئك أنصار له ما أولئكا
كتارك سهل الأرض والحزن يبتغي * ليسلك في وعث الأمور المسالكا
فآمنت بالله الذي أنا عبده * وخالفت من أمسى يريد المهالكا
ووجهت وجهي نحو مكة قاصدا * أبايع نبي الأكرمين المباركا
نبي أتانا بعد عيسى بناطق * من الحق فيه الفصل فيه كذلكا
أمين على القرآن أول شافع * وأول مبعوث يجيب الملائكا
تلافى عرى الإسلام بعد انتقاضها * فأحكمها حتى أقام المناسكا
عنيتك يا خير البرية كلها * توسطت في الفرعين والمجد مالكا
وأنت المصفى من قريش إذا سمت * على ضمرها تبقى القرون المباركا
إذا انتسب الحيان كعب ومالك * وجدناك محضا والنساء العواركا
قال الخرائطي وحدثنا عبدالله بن محمد البلوي بمصر حدثنا عمارة بن زيد حدثنا اسحاق بن بشر وسلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق حدثني شيخ من الأنصار يقال له عبدالله بن محمود من آل محمد بن مسلمة قال بلغني أن رجالا من خثعم كانوا يقولون ان مما دعانا إلى الإسلام انا كنا قوما نعبد الأوثان فبينا نحن ذات يوم عند وثن لنا إذ أقبل نفر يتقاضون إليه يرجون الفرج من عنده لشيء شجر بينهم إذ هتف بهم هاتف يقول
يا أيها الناس ذوو الأجسام * من بين أشياخ إلى غلام
ما أنتم وطائش الأحلام * ومسند الحكم إلى الأصنام
أكلكم في حيرة نيام * أم لا ترون ما الذي أمامي
من ساطع يجلو دجى الظلام * قد لاح للناظر من تهام
ذاك نبي سيد الأنام * قد جاء بعد الكفر بالإسلام
أكرمه الرحمن من إمام * ومن رسول صادق الكلام
أعدل ذي حكم من الأحكام * يأمر بالصلاة والصيام
والبر والصلات للأرحام * ويزجر الناس عن الآثام
والرجس والأوثان والحرام * من هاشم في ذروة السنام
مستعلنا في البلد الحرام
قال فلما سمعنا ذلك تفرقنا عنه وآتينا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمنا
وقال الخرائطي حدثنا عبدالله البلوي حدثنا عمارة حدثني عبيدالله بن العلاء حدثنا محمد بن عكبر عن سعيد بن جبير أن رجلا من بني تميم يقال له رافع بن عمير وكان أهدى الناس للطريق وأسراهم بليل وأهجمهم على هول وكانت العرب تسميه لذلك دعموص العرب لهدايته وجراوته على السير فذكر عن بدء إسلامه قال إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبني النوم فنزلت عن راحلتي ونختها وتوسدت ذراعها ونمت وقد تعوذت قبل نومي فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن من أن أوذى أو أهاج فرأيت في منامي رجلا شابا يرصد ناقتي وبيده حربة يريد أن يضعها في نحرها فانتبهت لذلك فزعا فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا فقلت هذا حلم ثم عدت فغفوت فرأيت في منامي مثل رؤياي الأولى فانتبهت فدرت حول ناقتي فلم أر شيئا وإذا ناقتي ترعد ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب والتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيت في المنام بيده حربة ورجل شيخ ممسك بيده يرده عنها وهو يقول
يا مالك بن مهلهل بن دثار * مهلا فدى لك مئزري وإزاري
عن ناقة الأنسي لا تعرض لها * واختر بها ما شئت من أثواري
ولقد بدا لي منك ما لم أحتسب * ألا رعيت قرابتي وذماري
تسمو إليه بحربة مسمومة * تبا لفعلك يا أبا الغفار
لولا الحياء وأن أهلك جيرة * لعلمت ما كشفت من أخباري
قال فأجابه الشاب وهو يقول * أأردت أن تعلو وتخفض ذكرنا
في غير مزرية أبا العيزار
ما كان فيهم سيد فيما مضى * إن الخيار همو بنو الأخيار
فاقصد لقصدك يا معكبر إنما * كان المجير مهلهل بن دثار
قال فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم يا ابن أخت فخذ أيها شئت فداء لناقة جاري الأنسي فقام الفتى فأخذ منها ثورا وانصرف ثم التفت إلى الشيخ فقال يا هذا إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي ولا تعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها قال فقلت له ومن محمد هذا قال نبي عرب لا شرقي ولا غربي بعث يوم الإثنين قلت وأين مسكنه قال يثرب ذات النخل قال فركبت راحلتي حين برق لي الصبح وجددت السير حتى تقحمت المدينة فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني بحديث قبل أن أذكر له منه شيئا ودعاني إلى الاسلام فأسلمت قال سعيد بن جبير وكنا نرى أنه هو الذي أنزل الله فيه وإنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا وروى الخرائطي من طريق ابراهيم بن اسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة عن داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس عن علي قال إذا كنت بواد تخاف السبع فقل أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد وروى البلوى عن عمارة بن زيد عن ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عبدالله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس قصة قتال علي الجن بالبئر ذات العلم التي بالجحفة حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقي لهم الماء فأرادوا منعه وقطعوا الدلو فنزل إليهم وهي قصة مطولة منكرة جدا والله أعلم
وقال الخرائطي حدثني أبو الحارث محمد بن مصعب الدمشقي وغيره حدثنا سليمان بن بنت شرحبيل الدمشقي حدثنا عبدالقدوس بن الحجاج حدثنا خالد بن سعيد عن الشعبي عن رجل قال كنت في مجلس عمر بن الخطاب وعنده جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم خواتيم سورة النحل وقال بعضهم سورة يس وقال علي فأين أنتم عن فضيلة آية الكرسي أما إنها سبعون كلمة في كل كلمة بركة قال وفي القوم عمرو بن معدي كرب لا يحير جوابا فقال أين أنتم عن بسم الله الرحمن الرحيم فقال عمر حدثنا يا أبا ثور قال بينا أنا في الجاهلية إذ جهدني الجوع فأقحمت فرسي في البرية فما أصبت الا بيض النعام فبينا أنا أسير إذا أنا بشيخ عربي في خيمة وإلى جانبه جارية كأنها شمس طالعة ومعه غنيمات له فقلت له استأسر ثكلتك أمك فرفع رأسه إلي وقال يا فتى إن أردت قرى فانزل وإن أردت معونة اعناك فقلت له أستأسر فقال
عرضنا عليك النزل منا تكرما * فلم ترعوي جهلا كفعل الأشائم
وجئت ببهتان وزور ودون ما * تمنيته بالبيض حز الغلاصم
قال ووثب إلي وثبة وهو يقول بسم الرحمن الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته ثم قال اقتلك أم أخلي عنك قلت بل خل عني قال فخلى عني ثم إن نفسي جاذبتني بالمعاودة فقلت استأسر ثكلتك أمك فقال
ببسم الله والرحمن فزنا * هنالك والرحيم به قهرنا
وما تغني جلادة ذي حفاظ * إذا يوما لمعركة برزنا
ثم وثب لي وثبة كأني مثلت تحته فقال أقتلك أم أخلي عنك قال قلت بل خل عني فخلى عني فانطلقت غير بعيد ثم قلت في نفسي يا عمرو أيقهرك هذا الشيخ والله للموت خير لك من الحياة فرجعت إليه فقلت له استأسر ثكلتك أمك فوثب إلي وثبة وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم فكأني مثلت تحته فقال أقتلك أم أخلي عنك قلت بل خل عني فقال هيهات يا جارية إئتني بالمدية فأتته بالمدية فجز ناصيتي وكانت العرب إذا ظفرت برجل فجزت ناصيته استعبدته فكنت معه أخدمه مدة ثم إنه قال يا عمرو أريد أن تركب معي البرية وليس بي منك وجل فإني ببسم الله الرحمن الرحيم لواثق قال فسرنا حتى أتينا واديا أشبا مهولا مغولا فنادى بأعلى صوته بسم الله الرحمن الرحيم فلم يبق طير في وكره إلا طار ثم أعاد القول فلم يبق سبع في مربضه إلا هرب ثم أعاد الصوت فإذا نحن بحبشي قد خرج علينا من الوادي كالنخلة السحوق فقال لي ياعمرو إذ رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي بسم الله الرحمن الرحيم قال فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي باللات والعزى فلم يصنع الشيخ شيئا فرجع إلي وقال قد علمت أنك قد خالفت قولي قلت أجل ولست بعائد فقال إذا رأيتنا قد اتحدنا فقل غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم فقلت أجل فلما رأيتهما قد اتحدا قلت غلبه صاحبي ببسم الله الرحمن الرحيم فاتكأ عليه الشيخ فبعجه بسيفه فاشتق بطنه فاستخرج منه شيئا كهيئة القنديل الأسود ثم قال يا عمرو هذا غشه وغله ثم قال أتدري من تلك الجارية قلت لا قال تلك الفارعة بنت السليل الجرهمي من خيار الجن وهؤلاء أهلها بنو عمها يغزونني منهم كل عام رجل ينصرني الله عليه ببسم الله الرحمن الرحيم ثم قال قد رأيت ما كان مني إلى الحبشي وقد غلب علي الجوع فائتني بشيء آكله
فأقحمت بفرسي البرية فما أصبت الا بيض النعام فأتيته به فوجدته نائما وإذا تحت رأسه شيء كهيئة الحشبة فاستللته فإذا هو سيف عرضه شبر في سبعةأشبار فضربت ساقيه ضربة أبنت الساقين مع القدمين فاستوى على قفا ظهره وهو يقول قاتلك الله ما أغدرك يا غدار قال عمر ثم ماذا صنعت قلت فلم أزل أضربه بسيفي حتى قطعته إربا إربا قال فوجم لذلك ثم أنشأ يقول
بالغدر نلت أخا الإسلام عن كثب * ما إن سمعت كذا في سالف العرب
والعجم تأنف مما جئته كرما * تبا لما جئته في السيد الأرب
إني لأعجب أني نلت قتلته * أم كيف جازاك عند الذنب لم تنب
قرم عفا عنك مرات وقد علقت * بالجسم منك يداه موضع العطب
لو كنت آخذ في الإسلام ما فعلوا * في الجاهلية أهل الشرك والصلب
إذا لنالتك من عدلي مشطبة * تدعو لذائقها بالويل والحرب
قال ثم ما كان من حال الجارية قلت ثم إني أتيت الجارية فلما رأتني قالت ما فعل الشيخ قلت قتله الحبشي فقالت كذبت بل قتلته أنت بغدرك ثم أنشأت تقول
يا عين جودي للفارس المغوار * ثم جودي بواكفات غزار
لا تملي البكاء إذ خانك الدهر * بواف حقيقة صبار
وتقي وذي وقار وحلم * وعديل الفخار يوم الفخار
لهف نفسي على بقائك عمرو * أسلمتك الأعمار للأقدار
ولعمري لو لم ترمه بغدر * رمت ليثا كصارم بتار
قال فأحفظني قولها فاستللت سيفي ودخلت الخيمة لأقتلها فلم أر في الخيمة أحدا فاستقت الماشية وجئت إلى أهلي وهذا أثر عجيب والظاهر أن الشيخ كان من الجان وكان ممن أسلم وتعلم القرآن وفيما تعلمه بسم الله الرحمن الرحيم وكان يتعوذ بها
وقال الخرائطي حدثنا عبدالله بن محمد البلوى حدثنا عمارة بن زيد قال حدثني عبدالله بن العلاء عن هشام بن عروة عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت كان زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل يذكران أنهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة قالا فلما دخلنا عليه قال لنا أصدقاني أيها القرشيان هل ولد فيكم مولود أراد أبوه ذبحه فضرب عليه بالقداح فسلم ونحرت عنه ابل كثيرة قلنا نعم قال فهل لكما علم به ما فعل قلنا تزوج امرأة يقال لها آمنة بنت وهب تركها حاملا وخرج قال فهل تعلمان ولد أم لا قال ورقة بن نوفل أخبرك أيها الملك أني ليلة قد بت عند وثن لنا كنا نطيف به ونعبده إذ سمعت من جوفه هاتفا يقول
ولد النبي فذلت الأملاك * ونأى الضلال وأدبر الإشراك
ثم انتكس الصنم على وجهه فقال زيد بن عمرو بن نفيل عندي كخبره أيها الملك قال هات قال أنا في مثل هذه الليلة التي ذكر فيها حديثه خرجت من عند أهلي وهم يذكرون حمل آمنة حتى أتيت جبل أبي قبيس أريد الخلو فيه لأمر رابني إذ رأيت رجلا نزل من السماء له جناحان أخضران فوقف على أبي قبيس ثم أشرف على مكة فقال ذل الشيطان وبطلت الأوثان ولد الأمين ثم نشر ثوبا معه وأهوى به نحو المشرق والمغرب فرأيته قد جلل ما تحت السماء وسطع نور كاد أن يختطف بصري وهالني ما رأيت وخفق الهاتف بجناحيه حتى سقط على الكعبة فسطع له نور أشرقت له تهامة وقال ذكت الأرض وأدت ربيعها وأومأ إلى الأصنام التي كانت على الكعبة فسقطت كلها قال النجاشي ويحكما أخبركما عما أصابني إني لنائم في الليلة التي ذكرتما في قبة وقت خلوتي إذ خرج علي من الأرض عنق ورأس وهو يقول حل الويل بأصحاب الفيل رمتهم طير أبابيل بحجارة من سجيل هلك الأشرم المعتدي المجرم وولد النبي الأمي المكي الحرمي من أجابه سعد ومن أباه عتد ثم دخل الأرض فغاب فذهبت أصيح فلم أطق الكلام ورمت القيام فلم أطق القيام فصرعت القبة بيدي فسمع بذلك أهلي فجاؤني فقلت أحجبوا عني الحبشة فحجبوهم عني ثم أطلق عن لساني ورجلي
وسيأتي إن شاء الله تعالى في قصة المولد رؤيا كسرى في سقوط أربع عشرة شرافة من إيوانه وخمود نيرانه ورؤيا موئذانه وتفسير سطيح لذلك على يدي عبد المسيح وروى الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في ترجمة الحارث بن هانىء بن المدلج بن المقداد بن زمل بن عمرو العذري عن أبيه عن جده عن أبيه عن زمل بن عمرو العذري قال كان لبني عذرة صنم يقال له حمام وكانوا يعظمونه وكان في بني هند بن حرام بن ضبة بن عبد بن كثير بن عذرة وكان سادنه رجلا يقال له طارق وكانوا يعترون عنده فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول يا بني هند بن حرام ظهر الحق وأودى صمام ودفع الشرك الإسلام قال ففزعنا لذلك وهالنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا وهو يقول يا طارق يا طارق بعث النبي الصادق بوحي ناطق صدع صادع بأرض تهامة لناصريه السلامة ولخاذليه الندامة هذا الوداع مني إلى يوم القيامة قال زمل فوقع الصنم لوجهه قال فابتعت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته شعرا قلته
إليك رسول الله أعملت نصها * وكلفتها حزنا وغورا من الرمل
لأنصر خير الناس نصرا مؤزرا * وأعقد حبلا من حبالك في حبلي
وأشهد أن الله لا شيء غيره * أدين به ما أثقلت قدمي نعلي
قال فأسلمت وبايعته وأخبرناه بما سمعنا فقال ذاك من كلام الجن ثم قال يا معشر العرب إني رسول الله إليكم وإلى الأنام كافة أدعوهم إلى عبادة الله وحده وإني رسوله وعبده وأن تحجوا البيت وتصوموا شهرا من إثني عشر شهرا وهو شهر رمضان فمن أجابني فله الجنة نزلا ومن عصاني كانت النار له منقلبا قال فأسلمنا وعقد لنا لواء وكتب لنا كتابا نسخته بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله لزمل بن عمرو ومن أسلم معه خاصة إني بعثته إلى قومه عامدا فمن أسلم ففي حزب الله ورسوله ومن أبى فله أمان شهرين شهد علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة الأنصاري ثم قال ابن عساكر غريب جدا وقال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه حدثني محمد بن سعيد يعني عمه قال قال محمد بن المنكدر إنه ذكر لي عن ابن عباس قال هتف هاتف من الجن على أبي قبيس فقال
قبح الله رأيكم آل فهر * ما أدق العقول والأفهام
حين تعصى لمن يعيب عليها * دين آبائها الحماة الكرام
حالف الجن جن بصرى عليكم * ورجال النخيل والآطام
توشك الخيل أن تردها تهادى * تقتل القوم في حرام بهام
هل كريم منكم له نفس حر * ماجذ الوالدين والأعمام
ضارب ضربة تكون نكالا * ورواحا من كربة واغتمام
قال ابن عباس فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا شيطان يكلم الناس في الأوثان يقال له مسعر والله مخزيه فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول
نحن قتلنا في ثلاث مسعرا * إذ سفه الجن وسن المنكرا
قنعته سيفا حساما مشهرا * بشتمه نبينا المطهرا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عفريت من الجن اسمه سمج آمن بي سميته عبدالله أخبرني أنه في طلبه ثلاثة أيام فقال علي جزاه الله خيرا يا رسول الله
وقد روى الحافظ أبو نعيم في الدلائل قال حدثنا عبدالله بن محمد بن بن جعفر حدثنا أبو الفضل محمد بن عبدالرحمن بن موسى بن أبي حرب الصفار حدثنا عباس بن الفرج الرياشي حدثنا سليمان بن عبدالعزيز بن أبي ثابت عن أبيه عن عبدالحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حضرموت في حاجة قبل الهجرة حتى إذا كنت في بعض الطريق ساعة من الليل فسمعت هاتفا يقول
أبا عمرو ناوبني السهود * وراح النوم وامتنع الهجود
لذكر عصابة سلفوا وبادوا * وكل الخلق قصرهم يبيد
تولوا واردين إلى المنايا * حياضا ليس منهلها الورود
مضوا لسبيلهم وبقيت خلفا * وحيدا ليس يسعفني وحيد
سدى لا أستطيع علاج أمر * إذا ما عالج الطفل الوليد
فلأيا ما بقيت إلى أناس * وقد باتت بمهلكها ثمود
وعاد والقرون بذي شعوب * سواء كلهم إرم حصيد
قال ثم صاح به آخر يا خرعب ذهب بك العجب إن العجب كل العجب بين زهرة ويثرب قال وما ذاك يا شاحب قال نبي السلام بعث بخير الكلام إلى جميع الأنام فاخرج من البلد الحرام إلى نخيل وآطام قال ما هذا النبي المرسل والكتاب المنزل والأمي المفضل قال رجل من ولد لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة قال هيهات فات عن هذا سني وذهب عنه زمني لقد رأيتني والنضر بن كنانة نرمي غرضا واحدا ونشرب حلبا باردا ولقد خرجت به من دوحة في غداة شبمة وطلع مع الشمس وغرب معها يروي ما يسمع ويثبت ما يبصر ولئن كان هذا من ولده لقد سل السيف وذهب الخوف ودحض الزنا وهلك الربا قال فأخبرني ما يكون قال ذهبت الضراء والبؤس والمجاعة والشدة والشجاعة الا بقية في خزاعة وذهبت الضراء والبؤس والخلق المنفوس إلا بقية من الخزرج والأوس وذهبت الخيلاء والفخر والنميمة والغدر إلا بقية في بني بكر يعني ابن هوازن وذهب الفعل المندم والعمل المؤتم إلا بقية في خثعم قال أخبرني ما يكون قال إذا غلبت البرة وكظمت الحرة فاخرج من بلاد الهجرة وإذا كف السلام وقطعت الأرحام فاخرج من البلد الحرام قال أخبرني ما يكون قال لولا أذن تسمع وعين تلمع لأخبرتك بما تفزع ثم قال
لا منام هدأته بنعيم * يا ابن غوط ولا صباح أتانا
قال ثم صرصر صرصرة كأنها صرصرة حبلى فذهب الفجر فذهبت لأنظر فإذا عظاية وثعبان ميتان قال فما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر إلى المدينة إلا بهذا الحديث ثم رواه عن محمد بن جعفر عن إبراهيم بن علي عن النضر بن سلمة عن حسان بن عبادة بن موسى عن عبدالحميد بن بهرام عن شهر عن ابن عباس عن سعد بن عبادة قال لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة خرجت إلى حضر موت لبعض الحاج قال فقضيت حاجتي ثم أقبلت حتى إذا كنت ببعض الطريق نمت ففزعت من الليل بصائح يقول
أبا عمرو ناوبني السهود * وراح النوم وانقطع الهجود
وذكر مثله بطوله
وقال أبو نعيم حدثنا محمد بن جعفر حدثنا ابراهيم بن علي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا أبو غزية محمد بن موسى عن العطاف بن خالد الوصابي عن خالد بن سعيد عن أبيه قال سمعت تميما الداري يقول كنت بالشام حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت لبعض حاجتي فأدركني الليل فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة قال فلما أخذت مضجعي إذا أنا بمناد ينادي لا أراه عذبا لله فإن الجن لا تجير أحدا على الله فقلت أيم الله تقول فقال قد خرج رسول الأميين رسول الله وصلينا خلفه بالحجون فأسلمنا واتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب فانطلق إلى محمد رسول رب العالمين فأسلم قال تميم فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبا وأخبرته الخبر فقال الراهب قد صدقوك يخرج من الحرم ومهاجره الحرم وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه قال تميم فتكلفت الشخوص حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت
وقال حاتم بن اسماعيل عن عبدالله بن يزيد الهذلي عن عبدالله بن ساعدة الهذلي عن أبيه قال كنا عند صنمنا سواع وقد جلبنا إليه غنما لنا مائتي شاة قد أصابها جرب فأدنيناها منه لنطلب بركته فسمعت مناديا من جوف الصنم ينادي قد ذهب كيد الجن ورمينا بالشهب لنبي اسمه أحمد قال فقلت غويت والله فصدقت وجه غنمي منجدا إلى أهلي فرأيت رجلا فخبرني بظهور النبي صلى الله عليه وسلم ذكره أبو نعيم هكذا معلقا ثم قال حدثنا عمر بن محمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن السندي حدثنا النضر بن سلمة حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي حدثنا يحيى بن سليمان عن حكيم بن عطاء الظفري من بني سليم من ولد راشد بن عبد ربه عن أبيه عن جده عن راشد بن عبد ربه قال كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة من رهط تدين له هذيل وبنو ظفر بن سليم فأرسلت بنو ظفر راشد بن عبد ربه بهدية من سليم إلى سواع قال راشد فألقيت مع الفجر إلى صنم قبل صنم سواع فإذا صارخ يصرخ من جوفه العجب كل العجب من خروج نبي من بني عبدالمطلب يحرم الزنا والربا والذبح للأصنام وحرست السماء ورمينا بالشهب العجب كل العجب ثم هتف صنم آخر من جوفه ترك الضمار وكان يعبد خرج النبي أحمد يصلي الصلاة ويأمر بالزكاة والصيام والبر والصلاة للأرحام ثم هتف من جوف صنم آخر هاتف يقول
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد
نبي أتى يخبر بما سبق * وبما يكون اليوم حقا أو غد
قال راشد فألفيت سواعا مع الفجر وثعلبان يلحسان ما حوله ويأكلان ما يهدى له ثم يعوجان عليه ببولهما فعند ذلك يقول راشد بن عبد ربه
أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب
وذلك عند مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومهاجره إلى المدينة وتسامع الناس به فخرج راشد حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ومعه كلب له واسم راشد يومئذ ظالم واسم كلبه راشد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما اسمك قال ظالم قال فما اسم كلبك قال راشد قال اسمك راشد واسم كلبك ظالم وضحك النبي صلى الله عليه وسلم وبايع النبي صلى الله عليه وسلم وأقام بمكة معه ثم طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعة بوهاط ووصفها له فاقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعلاة من وهاط شأو الفرس ورميته ثلاث مرات بحجر وأعطاه إداوة مملوءة من ماء وتفل فيها وقال له فرغها في أعلى القطيعة ولا تمنع الناس فضلها ففعل فجعل الماء معينا يجري إلى اليوم فغرس عليها النخل ويقال أن وهاط كلها تشرب منه فسماها الناس ماء الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل وهاط يغتسلون بها وبلغت رمية راشد الركب الذي يقال له ركب الحجر وغدا راشد على سواع فكسره
وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبدالله بن داود بن دلهاث بن اسماعيل بن مسرع بن ياسر بن سويد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أبي عن أبيه دلهاث عن أبيه اسماعيل أن أباه عبدالله حدثه عن أبيه مسرع بن ياسر أن أباه ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهني أنه كان يحدث قال خرجت حاجا في جماعة من قومي في الجاهلية فرأيت في المنام وأنا بمكة نورا ساطعا من الكعبة حتى أضاء في جبل يثرب وأشعر جهينة فسمعت صوتا في النور وهو يقول انقشعت الظلماء وسطع الضياء وبعث خاتم الأنبياء ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وابيض المدائن فسمعت صوتا في النور وهو يقول ظهر الإسلام وكسرت الأصنام ووصلت الأرحام فانتبهت فزعا فقلت لقومي والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا رجل فأخبرنا أن رجلا يقال له أحمد قد بعث فأتيته فأخبرته بما رأيت فقال يا عمرو بن مرة إني المرسل إلى العباد كافة أدعوهم إلى الإسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر من اثنى عشر شهرا وهو شهر رمضان فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار فآمن يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من نار جهنم فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام وإن أرغم ذلك كثيرا من الأقوام ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أقول
شهدت بأن الله حق وأنني * لآلهة الأحجار أول تارك
فشمرت عن ساقي إزار مهاجر * إليك أدب الغور بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا ووالدا * رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي صلى الله عليه وسلم مرحبا بك يا عمرو بن مرة فقلت يا رسول الله بأبي وأنت وأمي ابعث بي إلى قومي لعل الله أن يمن بي عليهم كما من بك علي فبعثني إليه وقال عليك بالقول السديد ولا تكن فظا ولا متكبرا ولا حسودا فأتيت قومي فقلت لهم يا بني رفاعة ثم يا بني جهينة إني رسول من رسول الله إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام وحج البيت وصيام شهر رمضان شهر من إثني عشر شهرا فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار يا معشر جهينة إن الله وله الحمد جعلكم خيار من أنتم منه وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم من الرفث لأنهم كانوا يجمعون بين الأختين ويخلف الرجل على امرأة أبيه والتراث في الشهر الحرام فأجيبوا هذا النبي المرسل صلى الله عليه وسلم من بني لؤي بن غالب تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة سارعوا سارعوا في ذلك يكون لكم فضيلة عند الله فأجابوا إلا رجلا منهم قام فقال يا عمرو بن مرة أمر الله عليك عيشك أتأمرنا أن نرفض آلهتنا ونفرق جماعتنا بمخالفة دين آبائنا إلى ما يدعو هذا القرشي من أهل تهامة لا ولا مرحبا ولا كرامة ثم أنشأ يقول
إن ابن مرة قد أتى بمقالة * ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله وفعاله * يوما وإن طال الزمان رياحا
أتسفه الأشياخ ممن قد مضى * من رام ذلك لا أصاب فلاحا
فقال عمرو بن مرة الكاذب مني ومنك أمر الله عيشه وأبكم لسانه وأكمه بصره قال عمرو بن مرة والله ما مات حتى سقط فوه وكان لا يجد طعام الطعام وعمى وخرس وخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فرحب بهم وحباهم وكتب لهم كتابا هذه نسخته بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله على لسان رسول الله بكتاب صادق وحق ناطق مع عمرو بن مرة الجهني لجهينة بن زيد إن لكم بطون الأرض وسهولها وتلاع الاودية وظهورها ترعون نباته وتشربون صافيه على أن تقروا بالخمس وتصلوا الصلوات الخمس وفي التبعة والصريمة شاتان ان اجتمعتا وان تفرقتا فشاة شاة ليس على أهل الميرة صدقة ليس الوردة اللبقة وشهد من حضرنا من المسلمين بكتاب قيس بن شماس رضي الله عنهم وذلك حين يقول عمرو بن مرة
ألم تر أن الله أظهر دينه * وبين برهان القران لعامر
كتاب من الرحمن نور لجمعنا * وأحلافنا في كل باد وحاضر
إلى خير من يمشي على الأرض كلها * وأفضلها عند اعتكار الصرائر
أطعنا رسول الله لما تقطعت * بطون الأعادي بالظبي والخواطر
فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا * إذا اجتلبت في الحرب هام الأكابر
بنو الحرب نفريها بأيد طويلة * وبيض تلالا في أكف المغاور
ترى حوله الأنصار تحمي أميرهم * بسمر العوالي والصفاح البواتر
إذا الحرب دارت عند كل عظيمة * ودارت رحاها بالليوث الهواصر
تبلج منه اللون وازداد وجهه * كمثل ضياء البدر بين الزواهر
وقال أبو عثمان سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه حدثنا عبدالله حدثنا أبو عبدالله حدثنا المجالد بن سعيد والأجلح عن الشعبي حدثني شيخ من جهينة قال مرض منا رجل مرضا شديدا فنقل حتى حفرنا له قبره وهيأنا أمره فأغمي عليه ثم فتح عينيه وأفاق فقال أحفرتم لي قالوا نعم قال فما فعل الفصل وهو ابن عم له قلنا صالح مر آنفا يسأل عنك قال أما إنه يوشك أن يجعل في حفرتي إنه أتاني آت حين أغمى علي فقال ابك هبل أما ترى حفرتك تنتثل وأمك قد كادت تثكل أرأيتك أن حولناها عنك بالمحول ثم ملأناها بالجندل وقدفنا فيها الفصل الذي مضى فأجزأك وظن أن لن يفعل أتشكر لربك وتصل وتدع دين من أشرك وضل قال قلت نعم قال قم قد برئت قال فبرىء الرجل ومات الفصل فجعل في حقرته قال الجهيني فرأيت الجهيني بعد ذلك يصلي ويسب الأوثان ويقع فيها
وقال الأموي حدثنا عبدالله قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مجلس يتحدثون عن الجن فقال خريم بن فاتك الأسدي ألا أحدثك كيف كان إسلامي قال بلى قال إني يوما في طلب ذود لي أنا منها على أثر تنصب وتصعد حتى إذا كنت بابرق العراق انخت راحلتي وقلت أعوذ بعظيم هذه البلدة أعوذ برئيس هذا الوادي فإذا بهاتف يهتف بي
ويحك عذ بالله ذي الجلال * والمجد والعلياء والإفضال
ثم اتل آيات من الأنفال * ووحد الله ولا تبالي
قال فذعرت ذعرا شديدا ثم رجعت إلى نفسي فقلت * يا أيها الهاتف ما تقول
أرشد عندك أم تضليل
بين هداك الله ما الحويل
قال فقال
هذا رسول الله ذو الخيرات * بيثرب يدعو إلى النجاة
يأمر بالبر وبالصلاة * وبزغ الناس عن الهنات
قال قلت له والله لا أبرح حتى أتيه وأومن به فنصبت رجلي في غرز راحلتي وقلت
أرشدني أرشدني هديتا * لا جعت ما عشت ولا عريتا
ولا برحت سيدا مقيتا * لا تؤثر الخير الذي أتيتا
على جميع الجن ما بقيتا
فقال
صاحبك الله وأدى رحلكا * وعظم الأجر وعافا نفسكا
آمن به أفلج ربي حقكا * وانصره نصرا عزيزا نصركا
قال قلت من أنت عافاك الله حتى أخبره إذا قدمت عليه فقال أنا ملك بن ملك وأنا نقيبه على جن نصيبين وكفيت ابلك حتى أضمها إلى أهلك إن شاء الله قال فخرجت حتى أتيت المدينة يوم الجمعة والناس ارسال إلى المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم على المنبر كأنه البدر يخطب الناس فقلت انيخ على باب المسجد حتى يصلي وادخل عليه فاسلم واخبره عن إسلامي فلما انخت خرج إلى أبو ذر فقال مرحبا وأهلا وسهلا قد بلغنا إسلامك فادخل فصل ففعلت ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني بإسلامي فقلت الحمد لله قال أما إن صاحبك قد وفى لك وهو أهل ذلك وادي ابلك إلى أهلك
وقد رواه الطبراني في ترجمة خريم بن فاتك من معجمه الكبير قائلا حدثنا الحسين بن اسحاق اليسيري حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي حدثنا عبدالله بن موسى الاسكندري حدثنا محمد بن اسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامي قال بلى فذكره غير أنه قال فخرج إلى أبو بكر الصديق فقال أدخل فقد بلغنا اسلامك فقلت لا أحسن الطهور فعلمني فدخلت المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه البدر وهو يقول ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يحفظها ويعقلها إلا دخل الجنة فقال لي عمر لتأتيني على هذا ببينة أو لأنكلن بك فشهد لي شيخ قريش عثمان بن عفان فأجاز شهادته ثم رواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن تيم عن محمد بن خليفة عن محمد بن الحسن عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب لخريم بن فاتك حدثني بحديث يعجبني فذكر مثل السياق الأول سواء
وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا أبو عبدالملك أحمد بن إبراهيم بالقرشي الدمشقي حدثنا سليمان بن عبدالرحمن ابن بنت شرحبيل حدثنا اسماعيل بن عياش عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عبدالله بن الديلمي قال أتى رجل ابن عباس فقال بلغنا أنك تذكر سطيحا تزعم أن الله خلقه لم يخلق من بني آدم شيئا يشبهه قال قال نعم إن الله خلق سطيحا الغساني لحما على وضم ولم يكن فيه عظم ولاعصب إلى الجمجمة والكفان وكان يطوي من رجليه إلى ترقوته كما يطوى الثوب ولم يكن فيه شيء يتحرك إلا لسانه فلما أراد الخروج إلى مكة حمل على وضمة فأتى به مكة فخرج إليه أربعة من قريش عبد شمس وهاشم ابنا عبد مناف بن قصي والأحوص بن فهر وعقيل بن أبي وقاص فانتموا إلى غير نسبهم وقالوا نحن أناس من جمح أتيناك بلغنا قدومك فرأينا أن إتياننا إياك حق لك واجب علينا وأهدى إليه عقيل صفيحة هندية وصعدة ردينية فوضعت على باب البيت الحرام لينظروا أهل يراها سطيح أم لا فقال يا عقيل ناولني يدك فناوله يده فقال يا عقيل والعالم الخفية والغافر الخطية والذمة الوفية والكعبة المبنية إنك للجائي بالهدية الصفيحة الهندية والصعدة الردينية قالوا صدقت يا سطيح فقال والآتي بالفرح وقوس قزح وسائر الفرح واللطيم المنبطح والنخل والرطب والبلح إن الغراب حيث مر سنح فأخبر أن القوم ليسوا من جمح وإن نسبهم من قريش ذي البطح قالوا صدقت يا سطيح نحن أهل البيت الحرام أتيناك لنزورك لما بلغنا من علمك فأخبرنا عما يكون في زماننا هذا وما يكون بعده فلعل أن يكون عندك في ذلك علم قال الآن صدقتم خذوا مني ومن إلهام الله إياي أنتم يا معشر العرب في زمان الهرم سواء بصائركم وبصائر العجم لا علم عندكم ولا فهم وينشو من عقبكم ذوو فهم يطلبون أنواع العلم فيكسرون الصنم ويبلغون الردم ويقتلون العجم يطلبون الغنم قالوا يا سطيح فمن يكون أولئك فقال لهم والبيت ذي الأركان والأمن والسكان لينشؤن من عقبكم ولدان يكسرون الأوثان وينكرون عبادة الشيطان ويوحدون الرحمن وينشرون دين الديان يشرفون البنيان ويستفتون الفتيان قالوا يا سطيح من نسل من يكون أولئك قال وأشرف الأشراف والمفضي للأشراف والمزعزع الأحقاف والمضعف لاضعاف لينشؤن الألاف من عبد شمس وعبد مناف نشوءا يكون فيه اختلاف قالوا يا سوءتاه يا سطيح مما تخبرنا من العلم بأمرهم ومن أي بلد يخرج أولئك فقال والباقي الأبد والبالغ الأمد ليخرجن من ذا البلد فتى يهدي إلى الرشد يرفض يغوث والفند يبرأ من عبادة الضدد يعبد ربا انفرد ثم يتوفاه الله محمودا من الأرض مفقودا وفي السماء مشهودا ثم يلي أمره الصديق إذا قضى صدق في رد الحقوق لا خرق ولا نزق ثم يلي أمره الحنيف مجرب غطريف ويترك قول العنيف قد ضاف المضيف وأحكم التحنيف ثم يلي أمره داعيا لأمره مجربا فتجتمع له جموعا وعصبا فيقتلونه نقمة عليه وغضبا فيؤخذ الشيخ فيذبح أربا فيقوم به رجال خطباء ثم يلي أمره الناصر يخلط الرأي برأي المناكر يظهر في الأرض العساكر ثم يلي بعده ابنه يأخذ جمعه ويقل حمده ويأخذ المال ويأكل وحده ويكثر المال بعقبه من بعده ثم يلي من بعده عدة ملوك لا شك الدم فيهم مسفوك ثم بعدهم الصعلوك يطويهم كطي الدرنوك ثم يلي من بعده عظهور يقصي الحق ويدني مصر يفتتح الأرض افتتاحا منكرا ثم يلي قصير القامة بظهره علامة
يموت موتا وسلامة ثم يلي قليلا باكر يترك الملك بائر يلي أخوه بسنته سابر يختص بالأموال والمنابر ثم يلي من بعده أهوج صاحب دنيا ونعيم مخلج يتشاوره معاشر وذووه ينهوضون إليه يخلعونه بأخذ الملك ويقتلونه ثم يلي أمره من بعده السابع يترك الملك محلا ضائع بنوه في ملكه كالمشوه جامع عند ذلك يطمع في الملك كل عريان ويلي أمره اللهفان يرضي نزارا جمع قحطان إذا التقيا بدمشق جمعان بين بنيان ولبنان يصنف اليمن يومئذ صنفان صنف المشورة وصنف المخذول لا ترى الأحباء محلول وأسيرا مغلول بين القراب والخيول عند ذلك تخرب المنازل وتسلب الأرامل وتسقط الحوامل وتظهر الزلازل وتطلب الخلافة وائل فتغضب نزار فتدنى العبيد والأشرار وتقصي الأمثال والأخيار وتغلو الأسعار في صفر الأصفار يقتل كل حيا منه ثم يسيرون إلى خنادق وإنها ذات أشعار وأشجار تصد له الأنهار وبهزمهم أول النهار تظهر الأخيار فلا ينفعهم نوم ولا قرار حتى يدخل مصرا من الأمصار فيدركه القضاء والأقدار ثم يجيء الرماة تلف مشاة لقتل الكماة وأسر الحماة وتهلك الغواة هنالك يدرك في أعلى المياه ثم يبور الدين وتقلب الأمور وتكفر الزبور وتقطع الجسور فلا يفلت إلا من كان في جزائر البحور ثم تبور الحبوب وتظهر الأعاريب ليس فيهم معيب على أهل الفسوق والريب في زمان عصيب لو كان للقوم حيا وما تغني المنى قالوا ثم ماذا يا سطيح قال ثم يظهر رجل من أهل اليمن كالشطن يذهب الله على رأسه الفتن وهذا أثر غريب كتباه لغرابته وما تضمن من الفتن والملاحم وقد تقدم قصة شق وسطيح مع ربيعة بن نصر ملك اليمن وكيف بشر بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك تقدم قصة سطيح مع ابن أخته عبد المسيح حين أرسله ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان وذلك ليلة مولد الذي نسخ بشريعته سائر الأديان
ثم الجزء الثاني من البداية والنهاية ويليه الجزء الثالث



* الجزء الثالث
*2* باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ بسم الله الرحمن الرحيم
باب كيف بدأ الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر أول شيء أنزل عليه من القرآن العظيم كان ذلك وله صلى الله عليه وسلم من العمر أربعون سنة وحكى ابن جرير عن ابن عباس وسعيد بن المسيب أنه كان عمره إذ ذاك ثلاثا وأربعين سنة
قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرأ فقال ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم فرجعبها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف
فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة وأخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان أمرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى يا ليتني فيها جذعا ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم فقال نعم لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك قال فاذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت فقلت زملوني زملوني فأنزل الله يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر فحمى الوحي وتتابع ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف وأبو صالح يعني عن الليث وتابعه هلال بن داود عن الزهري وقال يونس ومعمر بوادره وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه وتكلمنا عليه مطولا في أول شرح البخاري في كتاب بدء الوحي اسنادا ومتنا ولله الحمد والمنة
وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الليث به ومن طريق يونس ومعمر عن الزهري كما علقه البخاري عنهما وقد رمزنا في الحواشي على زيادات مسلم ورواياته ولله الحمد وانتهى سياقه الى قول ورقة أنصرك نصرا مؤزرا
فقول أم المؤمنين عائشة أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يقوى ما ذكره محمد بن اسحاق بن يسار عن عبيد بن عمر الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فجاءني جبريل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ما أقرأ فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني وذكر نحو حديث عائشة سواء فكان هذا كالتوطئة لما يأتي بعده من اليقظة وقد جاء مصرحا بهذا في مغازي موسى بن عقبة عن الزهري أنه رأى ذلك في المنام ثم جاءه الملك في اليقظة
وقد قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا جناب بن الحارث حدثنا عبد الله بن الأجلح عن إبراهيم عن علقمة بن قيس قال إن أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي بعد وهذا من قبل علقمة بن قيس نفسه وهو كلام حسن يؤيده ما قبله ويؤيده ما بعده
*2* عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها
@
قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته اسرافيل ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة عشرا بمكة وعشرا بالمدينة فمات وهو ابن ثلاث وستين سنة فهذا اسناد صحيح إلى الشعبي وهو يقتضي أن إسرافيل قرن معه بعد الأربعين ثلاث سنين ثم جاءه جبريل
وأما الشيخ شهاب الدين أبو شامة فانه قد قال وحديث عائشة لا ينافي هذا فإنه يجوز أن يكون أول أمره الرؤيا ثم وكل به اسرافيل في تلك المدة التي كان يخلو فيها بحراء فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة ولا يقيم معه تدريجا له وتمرينا إلى أن جاءه جبريل فعلمه بعدما غطه ثلاث مرات فحكت عائشة ما جرى له مع جبريل ولم تحك ما جرى له مع اسرافيل اختصارا للحديث أو لم تكن وقفت على قصة اسرافيل
وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وبالمدينة عشرا ومات وهو ابن ثلاث وستين وهكذا روى يحيى بن سعيد وسعيد بن المسيب ثم روى أحمد عن غندر ويزيد بن هارون كلاهما عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وهو ابن أربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة وقال الإمام
أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا عمار بن أبي عمار عن ابن عباس قال أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت وثماني سنين يوحى إليه وأقام بالمدينة عشر سنين
قال أبو شامة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى عجائب قبل بعثته فمن ذلك ما في صحيح مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن انتهى كلامه
وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الخلاء والانفراد عن قومه لما يراهم عليه من الضلال المبين من عبادة الأوثان والسجود للأصنام وقويت محبته للخلوة عند مقاربة إيحاء الله إليه صلوات الله وسلامه عليه وقد ذكر محمد بن اسحاق عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن حارثة قال وكان واعية عن بعض أهل العلم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه وكان من نسك قريش في الجاهلية يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا انصرف من ممجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير مثل ذلك وهذا يدل على أن هذا كان من عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمهم الله وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه وراق ليرقى في حر ونازل وهذا ركيك ومخالف للصواب والله أعلم
وحراء يقصر ويمد ويصرف ويمنع وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها عن يسار المار إلى منى له قلة مشرفة على الكعبة منحنية والغار في تلك الحنية وما أحسن ما قال رؤية بن العجاج
فلا ورب الآمنات القطن * ورب ركن من حراء منحني
وقوله في الحديث والتحنث التعبد تفسير بالمعنى وإلا فحقيقة التحنث من حنث البنية فيما قاله السهيلي الدخول في الحنث ولكن سمعت ألفاظ قليلة في اللغة معناها الخروج من ذلك الشيء كحنث أي خرج من الحنث وتحوب وتحرج وتأثم وتهجد هو ترك الهجود وهو النوم للصلاة وتنجس وتقذر أوردها أبو شامة وقد سئل ابن الاعرابي عن قوله يتحنث أي يتعبد فقال لا أعرف هذا إنما هو يتحنف من الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام قال ابن هشام والعرب تقول التحنث
والتحنف يبدلون الفاء من الثاء كما قالوا جدف وجذف كما قال رؤبة لو كان أحجاري مع الأحذاف يريد الأجداث قال وحدثني ابو عبيدة أن العرب تقول فم في موضع ثم قلت ومن ذلك قول بعض المفسرين وفومها أن المراد ثومها
وقد اختلف العلماء في تعبده عليه السلام قبل البعثة هل كان على شرع أم لا وما ذلك الشرع فقيل شرع نوح وقيل شرع إبراهيم وهو الأشبه الأقوى وقيل موسى وقيل عيسى وقيل كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به ولبسط هذه الأقوال ومناسباتها مواضع أخر في أصول الفقه والله أعلم
وقوله حتى فجئه الحق وهو بغار حراء أي جاء بغتة على غير موعد كما قال تعالى وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك الآية وقد كان نزول صدر هذه السورة الكريمة وهي اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم وهي أول ما نزل من القرآن كما قررنا ذلك في التفسير وكما سيأتي أيضا في يوم الاثنين كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين فقال ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزل علي فيه وقال ابن عباس ولد نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ونبئ يوم الاثنين وهكذا قال عبيد بن عمير وأبو جعفر الباقر وغير واحد من العلماء أنه عليه الصلاة والسلام أوحي إليه يوم الاثنين وهذا ما لا خلاف فيه بينهم
ثم قيل كان ذلك في شهر ربيع الأول كما تقدم عن ابن عباس وجابر أنه ولد عليه السلام في الثاني عشرمن ربيع الأول يوم الاثنين وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن اسحاق وغيرهما
قال ابن اسحاق مستدلا على ذلك بما قال الله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس فقيل في عشره وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال كان ابتداء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان وقيل في الرابع والعشرين منه
قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان وروى ابن مردويه في تفسيره عن جابر بن عبد الله مرفوعا نحوه ولهذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن ليلة القدر ليلة أربع وعشرين
وأما قول جبريل اقرأ فقال ما أنا بقارئ فالصحيح أن قوله ما أنا بقارئ نفي أي لست ممن يحسن القراءة وممن رجحه النووي وقبله الشيخ أبو شامة ومن قال إنها استفهامية فقوله بعيد لأن الباء لا تزاد في الاثبات ويؤيد الأول رواية أبي نعيم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف يرعد ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه فقال له اقرأ فقال محمد صلى الله عليه وسلم ما أرى شيئا أقرأه وما أكتب يروى فغطني كما في الصحيحين وغتني ويروى قد غتني أي خنقني حتى بلغ مني الجهد يروى بضم الجيم وفتحها وبالنصب وبالرفع وفعل به ذلك ثلاثا
قال أبو سليمان الخطابي وإنما فعل ذلك به ليبلو صبره ويحسن تأديبه فيرتاض لاحتمال ما كلفه به من أعباء النبوة ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم وتأخذه الرخصاء أي البهر والعرق وقال غيره إنما فعل ذلك لأمور منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى اليه بعد هذا الصنيع المشق على النفوس كما قال تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه ويغط كما يغط البكر من الإبل ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد
وقوله فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خديجة يرجف فؤاده وفي رواية بوادره جمع بادرة قال أبو عبيدة وهي لحمة بين المنكب والعنق وقال غيره هو عروق تضطرب عند الفزع وفي بعض الروايات ترجف بآدله واحدتها بادلة وقيل بادل وهو ما بين العنق والترقوة وقيل أصل الثدي وقيل لحم الثديين وقيل غير ذلك
فقال زملوني زملوني فلما ذهب عنه الروع قال لخديجة مالي أي شيء عرض لي وأخبرها ما كان من الأمر ثم قال لقد خشيت على نفسي وذلك لأنه شاهد أمرا لم يعهده قبل ذلك ولا كان في خلده ولهذا قالت خديجة أبشر كلا والله لا يخزيك الله أبدا قيل من الخزي وقيل من الحزن وهذا لعلمها بما أجرى الله به جميل العوائد في خلقه أن من كان متصفا بصفات الخير لا يخزى في الدنيا ولا في الآخرة ثم ذكرت له من صفاته الجليلة ما كان من سجاياه الحسنة فقالت إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وقد كان مشهورا بذلك صلوات الله وسلامه عليه عند الموافق والمفارق وتحمل الكل أي عن غيرك تعطي صاحب العيلة ما يريحه من ثقل مؤنة عياله وتكسب المعدوم أي تسبق إلى فعل الخير فتبادر إلى إعطاء الفقير فتكسب حسنته قبل غيرك ويسمى الفقير معدوما لأن حياته ناقصة فوجوده وعدمه سواء كما قال بعضهم
ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء
وقال أبو الحسن التهامي فيما نقله عنه القاضي عياض في شرح مسلم
عد ذا الفقر ميتا وكساه * كفنا باليا ومأواه قبرا
وقال الخطابي الصواب وتكسب المعدم أي تبذل إليه أو يكون تلبس العدم بعطية مالا يعيش به واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي أن المراد بالمعدوم ههنا المال المعطى أي يعطى المال لمن هو عادمه ومن قال ان المراد أنك تكسب باتجارك المال المعدوم أو النفيس القليل النظير فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما ليس له به علم فان مثل هذا لا يمدح به غالبا وقد ضعف هذا القول عياض والنووي وغيرهما والله أعلم
وتقري الضيف أي تكرمه في تقديم قراه واحسان مأواه وتعين على نوائب الحق ويروى الخير أي إذا وقعت نائبة لأحد في خير أعنت فيها وقمت مع صاحبها حتى يجد سدادا من عيش أو قواما من عيش وقوله ثم أخذته فانطلقت به الى ابن عمها ورقة ابن نوفل وكان شيخا كبيرا قد عمي وقد قدمنا طرفا من خبره مع ذكر زيد بن عمرو بن نفيل رحمه الله وانه كان ممن تنصر في الجاهلية ففارقهم وارتحل إلى الشام هو وزيد بن عمرو وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش فتنصروا كلهم لأنهم وجدوه أقرب الأديان إذ ذاك إلى الحق إلا زيد بن عمرو بن نفيل فانه رأى فيه دخلا وتخبيطا وتبديلا وتحريفا وتأويلا فأبت فطرته الدخول فيه أيضا وبشروه الأحبار والرهبان بوجود نبي قد أزف زمانه واقترب أوانه فرجع يتطلب ذلك واستمر على فطرته وتوحيده لكن اخترمته المنية قبل البعثة المحمدية وأدركها ورقة بن نوفل وكان يتوسمها في رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بما كانت خديجة تنعته له وتصفه له وما هو منطو عليه من الصفات الطاهرة الجميلة وما ظهر عليه من الدلائل والآيات ولهذا لما وقع ما وقع أخذت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت به إليه فوقفت به عليه وقالت ابن عم اسمع من ابن أخيك فلما قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى قال ورقة سبوح سبوح هذا الناموس الذي أنزل على موسى ولم يذكر عيسى وإن كان متأخرا بعد موسى لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسى عليهما السلام ونسخت بعضها في الصحيح من قول العلماء كما قال ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وقول ورقة هذا كما قالت الجن يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق إلى طريق مستقيم ثم قال ورقة يا ليتني فيها جذعا أي يا ليتني أكون اليوم شابا متمكنا من الايمان والعلم النافع والعمل الصالح يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك يعني حتى أخرج معك وأنصرك فعندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم قال السهيلي وإنما قال ذلك لأن فراق الوطن شديد على النفوس فقال نعم إنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن
يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي أنصرك نصرا عزيزا أبدا وقوله ثم لم ينشب ورقة أن توفي أي توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه فان مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل



وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسن عن ابن لهيعة حدثني أبو الأسود عن عروة عن عائشة أن خديجة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ورقة بن نوفل فقال قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض وهذا إسناد حسن لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلا فالله أعلم وروى الحافظ أبو يعلى عن شريح بن يونس عن إسماعيل عن مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ورقة بن نوفل فقال قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس وسئل عن زيد بن عمرو بن نفيل فقال يبعث يوم القيامة أمة وحده وسئل عن أبي طالب فقال أخرجته من غمرة من جهنم إلى ضحضاح منها وسئل عن خديجة لأنها ماتت قبل الفرائض وأحكام القرآن فقال أبصرتها على نهر في الجنة في بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب اسناد حسن ولبعضه شواهد في الصحيح والله أعلم
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين وكذا رواه ابن عساكر من حديث أبي سعيد الأشج عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة وهذا اسناد جيد وروى مرسلا وهو أشبه
وروى الحافظان البيهقي وأبو نعيم في كتابيهما دلائل النبوة من حديث يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر قالت معاذ الله ما كان ليفعل ذلك بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت له خديجة فقالت يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده أبو بكر فقال انطلق بنا إلى ورقة قال ومن اخبرك قال خديجة فانطلقا إليه فقصا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا في الأرض فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول لك ثم ائتني فأخبرني فلما خلا ناداه يا محمد قل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حتى بلغ ولا الضالين قل لا إله إلا الله فأتى ورقة فذكر له ذلك فقال له ورقة ابشر ثم ابشر فأنا أشهد
أنك الذي بشر بك ابن مريم وإنك على مثل ناموس موسى وانك نبي مرسل وانك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن ادركني ذلك لأجاهدن معك فلما توفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني يعني ورقة هذا لفظ البيهقي وهو مرسل وفيه غرابة وهو كون الفاتحة أول ما نزل وقد قدمنا من شعره ما يدل على اضماره الايمان وعقده عليه وتأكده عنده وذلك حين أخبرته خديجة ما كان من أمره مع غلامها ميسرة وكيف كانت الغمامة تظلله في هجير القيظ فقال ورقة في ذلك أشعارا قدمناها قبل هذا منها قوله
لججت وكنت في الذكرى لجوجا * لأمر طالما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف * فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي * حديثك أن أرى منه خروجا
بما أخبرتنا من قول قس * من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما * ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور * يقيم به البرية أن تعوجا
فيلقي من يحاربه خسارا * ويلقى من يسالمه فلوجا
فياليتني إذا ما كان ذاكم * شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولو كان الذي كرهت قريش * ولو عجت بمكتها عجيجا
أرتجي بالذي كرهوا جميعا * إلى ذي العرش إذ سلفوا عروجا
فإن يبقوا وأبق يكن أمورا * يضج الكافرون لها ضجيجا
وقال أيضا في قصيدته الأخرى * وأخبار صدق خبرت عن محمد
يخبرها عنه إذا غاب ناصح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل * إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الحق واضح
ويتبعه حيا لؤي بن غالب * شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن ابق حتى يدرك الناس دهره * فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي * عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وقال يونس عن بكير عن ابن اسحاق قال ورقة
فان يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل
وجبريل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل
يفوز به من فاز فيها بتوبة * ويشقى به العاني الغرير المضلل
فريقان منهم فرقة في جنانه * وأخرى بأحواز الجحيم تعلل
اذا ما دعوا بالويل فيها تتابعت * مقامع في هاماتهم ثم تشعل
فسبحان من يهوي الرياح بأمره * ومن هو في الأيام ما شاء يفعل
ومن عرشه فوق السموات كلها * واقضاؤه في خلقه لا تبدل
وقال ورقة أيضا * يا للرجال وصرف الدهر والقدر
وما لشيء قضاه الله من غير
حتى خديجة تدعوني لأخبرها * أمرا أراه سيأتي الناس من أخر
وخبرتني بأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الدهر والعصر
بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل أنك مبعوث إلى البشر
فقلت عل الذي ترجين ينجزه * لك الإله فرجي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله * عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقا عجبا * يقف منه اعالي الجلد والشعر
إني رأيت امين الله واجهني * في صورة أكملت من أعظم الصور
ثم استمر فكاد الخوف يذعرني * مما يسلم من حولي من الشجر
فقلت ظني وما أدري أيصدقني * ان سوف يبعث يتلو منزل السور
وسوف يبليك ان اعلنت دعوتهم * من الجهاد بلا من ولا كدر
هكذا أورد ذلك الحافظ البيهقي من الدلائل وعندي في صحتها عن ورقة نظر والله أعلم
وقال ابن اسحاق حدثني عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي وكان داعية عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة كان اذا خرج لحاجة أبعد حتى يحسر الثوب عنه ويفضي الى شعاب مكة وبطون أوديتها فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال فيلتفت حوله عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاء من كرامة الله وهو بحراء في رمضان قال ابن اسحاق وحدثني وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال
سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي حدثنا يا عبيد كيف كان بدو ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين جاءه جبريل قال فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله ابن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا يتحنث قال وكان ذلك مما يحبب به قريش في الجاهلية والتحنث التبرر فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر من كل سنة يطعم من جاءه من المساكين فاذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر رمضان خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أقرأ قال فغتني حتى ظننت به الموت ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ماذا أقرأ ما أقول ذلك إلا اقتدا منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم قال فقرأتها ثم انتهى وانصرف عني وهببت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا قال فخرجت حتى اذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل قال فرفعت رأسي إلى السماء فأنظر فاذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا اليها فقالت يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت أبشر يا ابن العم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فاخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ورقة قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة وقولي له فليثبت فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف
بالكعبة فقال يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فاخبره فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى رأسه منه فقبل يافوخه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وهذا الذي ذكره عبيد بن عمير كما ذكرناه كالتوطئة لما جاء بعده من اليقظة كما تقدم من قول عائشة رضي الله عنها فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ويحتمل أن هذا المنام كان بعد ما رآه في اليقظة صبيحة ليلتئذ ويحتمل أنه كان بعده بمدة والله أعلم
وقال موسى بن عقبة عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال وكان فيما بلغنا أول ما رأى يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام فشق ذلك عليه فذكرها لامرأته خديجة فعصمها الله عن التكذيب وشرح صدرها للتصديق فقالت أبشر فإن الله لم يصنع بك إلا خيرا ثم إنه خرج من عندها ثم رجع إليها فأخبرها أنه رأى بطنه شق ثم غسل وطهر ثم أعيد كما كان قالت هذا والله خير فأبشر ثم استعلن له جبريل وهو بأعلى مكة فاجلسه على مجلس كريم معجب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك فيه الياقوت واللؤلؤ فبشره برسالة الله عز وجل حتى اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل اقرأ فقال كيف اقرأ فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق اقرأ وربك الاكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم قال ويزعم ناس أن يا أيها المدثر أول سورة نزلت عليه والله أعلم قال فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة ربه واتبع ما جاءه به جبريل من عند الله فلما انصرف منقلبا إلى بيته جعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه فرجع إلى أهله مسرورا موقنا أنه قد رأى أمرا عظيما فلما دخل على خديجة قال أرأيتك التي كنت حدثتك أني رأيته في المنام فانه جبريل استعلن إلي أرسله إلي ربي عز وجل وأخبرها بالذي جاءه من الله وما سمع منه فقالت أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا واقبل الذي جاءك من أمر الله فانه حق وأبشر فانك رسول الله حقا ثم انطلقت من مكانها فأتت غلاما لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس نصرانيا من أهل نينوى يقال له عداس فقالت له يا عداس أذكرك بالله إلا ما أخبرتني هل عندك علم من جبريل فقال قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل الأوثان فقالت أخبرني بعلمك فيه قال فانه أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام فرجعت خديجة من عنده فجاءت ورقة بن نوفل فذكرت له ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما ألقاه إليه جبريل فقال لها ورقة يا بنية أخي ما أدري لعل صاحبك النبي الذي ينتظر أهل الكتاب الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وأقسم بالله لإن كان إياه ثم
أظهر دعواه وأنا حي لأبلين الله في طاعة رسوله وحسن مؤازرته للصبر والنصر فمات ورقة رحمه الله قال الزهري فكانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ البيهقي بعد إيراده ما ذكرناه والذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه يعني شق بطنه عند حليمة ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى ثم ثالثة حين عرج به إلى السماء والله أعلم
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ورقة باسناده إلى سليمان بن طرخان التيمي قال بلغنا أن الله تعالى بعث محمدا رسولا على رأس خمسين سنة من بناء الكعبة وكان أول شيء اختصه به من النبوة والكرامة رؤيا كان يراها فقص ذلك على زوجته خديجة بنت خويلد فقالت له ابشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرا فبينما هو ذات يوم في حراء وكان يفر إليه من قومه إذ نزل عليه جبريل فدنا منه فخافه رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة شديدة فوضع جبريل يده على صدره ومن خلفه بين كتفيه فقال اللهم احطط وزره واشرح صدره وطهر قلبه يا محمد ابشر فانك نبي هذه الأمة اقرأ فقال له نبي الله وهو خائف يرعد ما قرأت كتابا قط ولا أحسنه وما أكتب وما أقرأ فأخذه جبريل فغته غتا شديدا ثم تركه ثم قال له اقرأ فأعاد عليه مثله فأجلسه على بساط كهيئة الدرنوك فرأى فيه من صفاته وحسنه كهيئة اللؤلؤ والياقوت وقال له اقرأ باسم ربك الذي خلق الآيات ثم قال له لا تخف يا محمد إنك رسول الله ثم انصرف وأقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم همه فقال كيف أصنع وكيف أقول لقومي ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خائف فأتاه جبريل من أمامه وهو في صعرته فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا عظيما ملأ صدره فقال له جبريل لا تخف يا محمد جبريل رسول الله جبريل رسول الله إلى أنبيائه ورسله فأيقن بكرامة الله فانك رسول الله فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمر على شجر ولا حجر الا هو ساجد يقول السلام عليك يا رسول الله فاطمأنت نفسه وعرف كرامة الله إياه فلما انتهى إلى زوجته خديجة ابصرت ما بوجهه من تغير لونه فأفزعها ذلك فقامت اليه فلما دنت منه جعلت تمسح عن وجهه وتقول لعلك لبعض ما كنت ترى وتسمع قبل اليوم فقال يا خديجة أرأيت الذي كنت أرى في المنام والصوت الذي كنت اسمع في اليقظة واهال منه فانه جبريل قد استعلن لي وكلمني واقرأني كلاما فزعت منه ثم عاد إلى فأخبرني اني نبي هذه الأمة فأقبلت راجعا فأقبلت على شجر وحجارة فقلن السلام عليك يا رسول الله فقالت خديجة ابشر فوالله لقد كنت اعلم ان الله لن يفعل بك إلا خيرا واشهد أنك نبي هذه الأمة الذي تنظره اليهود قد اخبرني به ناصح غلامي وبحيري الراهب وامرني ان أتزوجك منذ أكثر من عشرين سنة فلم تزل برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طعم وشرب وضحك ثم خرجت إلى الراهب وكان قريبا من مكة فلما دنت منه وعرفها
قال مالك يا سيدة نساء قريش فقالت أقبلت اليك لتخبرني عن جبريل فقال سبحان الله ربنا القدوس ما بال جبريل يذكر في هذه البلاد التي يعبد أهلها الأوثان جبريل أمين الله ورسوله إلى أنبيائه ورسله وهو صاحب موسى وعيسى فعرفت كرامة الله لمحمد ثم أتت عبدا لعتبة بن ربيعة يقال له عداس فسألته فاخبرها بمثل ما أخبرها الراهب وأزيد قال جبريل كان مع موسى حين أغرق الله فرعون وقومه وكان معه حين كلمه الله على الطور وهو صاحب عيسى بن مريم الذي أيده الله به ثم قامت من عنده فاتت ورقة بن نوفل فسألته عن جبريل فقال لها مثل ذلك ثم سألها ما الخبر فاحلفته أن يكتم ما تقول له فحلف لها فقالت له إن ابن عبد الله ذكر لي وهو صادق أحلف بالله ما كذب ولا كذب أنه نزل عليه جبريل بحراء وأنه أخبره أنه نبي هذه الأمة وأقرأه آيات أرسل بها قال فذعر ورقة لذلك وقال لئن كان جبريل قد استقرت قدماه على الأرض لقد نزل على خير أهل الأرض وما نزل إلا على نبي وهو صاحب الأنبياء والرسل يرسله الله إليهم وقد صدقتك عنه فارسلي إلي ابن عبد الله أسأله وأسمع من قوله وأحدثه فاني أخاف أن يكون غير جبريل فان بعض الشياطين يتشبه به ليضل به بعض بني آدم ويفسدهم حتى يصير الرجل بعد العقل الرضي مدلها مجنونا فقامت من عنده وهي واثقة بالله أن لا يفعل بصاحبها إلا خيرا فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قال ورقة فأنزل الله تعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون الآيات فقال لها كلا والله إنه لجبريل فقالت له أحب أن تأتيه فتخبره لعل الله أن يهديه فجاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة هذا الذي جاءك جاءك في نور أو ظلمة فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة جبريل وما رآه من عظمته وما أوحاه إليه فقال ورقة أشهد أن هذا جبريل وأن هذا كلام الله فقد أمرك بشيء تبلغه قومك وانه لأمر نبوة فان أدرك زمانك أتبعك ثم قال أبشر ابن عبد المطلب بما بشرك الله به قال وذاع قول ورقة وتصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فشق ذلك على الملأ من قومه قال وفتر الوحي فقالوا لو كان من عند الله لتتابع ولكن الله قلاه فانزل الله والضحى وألم نشرح بكمالهما
وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن اسحاق حدثني اسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير أنه حدثه عن خديجة بنت خويلد أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينه مما أكرمه الله به من نبوته يا ابن عم تستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك فقال نعم فقالت إذا جاءك فاخبرني فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها إذ جاء جبريل فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا خديجة هذا جبريل فقالت أتراه الآن قال نعم قالت فاجلس إلى شقي الايمن فتحول فجلس فقالت أتراه الآن قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول فجلس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال نعم فتحسرت رأسها فشالت
خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها فقالت هل تراه الآن قال لا قالت ما هذا بشيطان ان هذا لملك يا ابن عم فاثبت وأبشر ثم آمنت به وشهدت أن ما جاء به هو الحق
قال ابن اسحاق فحدثت عبد الله بن حسن هذا الحديث فقال قد سمعت أمي فاطمة بنت الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة إلا أني سمعتها تقول أدخلت رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وبين درعها فذهب عندك ذلك جبريل عليه السلام قال البيهقي وهذا شيء كان من خديجة تصنعه تستثبت به الأمر احتياطا لدينها وتصديقا فاما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان واثق بما قال له جبريل وأراه من الآيات التي ذكرناها مرة بعد أخرى وما كان من تسليم الشجر والحجر عليه صلى الله عليه وسلم تسليما
وقد قال مسلم في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن بكير حدثنا ابراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن بعث إني لأعرفه الآن وقال أبو داود الطيالسي حدثنا سليمان بن معاذ عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن بمكة لحجرا كان يسلم على ليالي بعثت إني لأعرفه إذا مررت عليه وروى البيهقي من حديث اسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبيرعن عباد بن عبد الله عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله وفي رواية لقد رأيتني أدخل معه الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليكم يا رسول الله وأنا أسمعه
*2* فصل ( حزن النبي (ص) عندما فترعنه الوحي )
@
قال البخاري في روايته المتقدمة ثم فتر الوحي حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد انك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فاذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فاذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك وفي الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال سمعت أبا سلمة عبد الرحمن يحدث عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي قال فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فاذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي فقلت زملوني زملوني فانزل الله يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر قال ثم حمى الوحي وتتابع فهذا كان أول ما نزل من القرآن
بعد فترة الوحي لا مطلقا ذاك قوله اقرأ باسم ربك الذي خلق وقد ثبت عن جابر أن أول ما نزل يا أيها المدثر واللائق حمل كلامه ما أمكن على ما قلناه فان في سياق كلامه ما يدل على تقدم مجيء الملك الذي عرفه ثانيا بما عرفه به أولا اليه ثم قوله يحدث عن فترة الوحي دليل على تقدم الوحي على هذا الايحاء والله أعلم وقد ثبت في الصحيحين من حديث علي بن المبارك وعند مسلم والأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن أي القرآن أنزل قبل فقال يا أيها المدثر فقلت واقرأ باسم ربك فقال سألت جابر بن عبد الله أي القرآن نزل قبل فقال يا أيها المدثر فقلت واقرأ باسم ربك فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني جاورت بحراء شهرا فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فلم أر شيئا ثم نظرت إلى السماء فاذا هو على العرش في الهواء فاخذتني رعدة أو قال وحشة فاتيت خديجة فامرتهم فدثروني فانزل الله يا أيها المدثر حتى بلغ وثيابك فطهر وقال في رواية فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثيت نه وهذا صريح في تقدم اتيانه اليه وانزاله الوحي من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم ومنهم زعم أن أول ما نزل بعد فترة الوحي سورة والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى إلى آخرها قاله محمد بن اسحاق وقال بعض القراء ولهذا كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أولها فرحا وهو قول بعيد يرده ما تقدم من رواية صاحبي الصحيح من أول القرآن نزولا بعد فترة الوحي يا أيها المدثر قم فانذر ولكن نزلت سورة والضحى بعد فترة أخرى كانت ليالي يسيرة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث الاسود بن قيس عن جندب بن عبد الله البجلي قال اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثا فقالت امرأة ما أرى شيطانك الا تركك فانزل الله والضحى والليل اذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وبهذا الأمر حصل الارسال إلى الناس وبالأول حصلت النبوة وقد قال بعضهم كانت مدة الفترة قريبا من سنتين أو سنتين ونصفا والظاهر والله أعلم أنها المدة التي اقترن معه ميكائيل كما قال الشعبي وغيره ولا ينفي هذا تقدم ايحاء جبريل اليه أولا اقرأ باسم ربك الذي خلق ثم اقترن به جبريل بعد نزول يا أيها المدثر قم فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر وثم حمى الوحي بعد هذا وتتابع أي تدارك شيئا بعد شيء وقام حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرسالة أتم القيام وشمر عن ساق العزم ودعا إلى الله القريب والبعيد والأحرار والعبيد فآمن به حينئذ كل لبيب نجيب سعيد واستمر على مخالفته وعصيانه كل جبار عنيد فكان أول من بادر إلى التصديق من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق ومن الغلمان علي بن أبي طالب ومن النساء خديجة بنت خويلد زوجته عليه السلام ومن الموالي مولاه زيد بن حارثة الكلبي رضيم
الله عنهم وأرضاهم وتقدم الكلام على ايمان ورقة بن نوفل بما وجد من الوحي ومات في الفترة رضي الله عنه
*2* فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع
@ حين أنزل القرآن لئلا يختطف أحدهم منه ولو حرفا واحدا فيلقيه على لسان وليه فيلتبس الأمر ويختلط الحق
فكان من رحمةالله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء كما قال الله تعالى إخبارا عنهم في قوله وإنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وانا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا وقال تعالى وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون قال الحافظ أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد وهو الطبراني حدثنا عبد الله بن محمد ابن سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن يوسف الفريابي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فاذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا فاما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم إبليس هذا لأمر قد حدث في الأرض فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بين جبلين فاتوه فاخبروه فقال هذا الأمر الذي قد حدث في الأرض وقال أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامدين الى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب فقالوا ما ذاك إلا من شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة وهو بنخل عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن الآية أخرجاه في الصحيحين وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال إنه لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع فاذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت الحديدة القيتها على الصفا قال فاذا سمعت الملائكة خروا سجدا فلم يرفعوا رؤسهم
حتى ينزل فاذا نزل قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فان كان مما يكون في السماء قالوا الحق وهو العلي الكبير وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا يكون كذا وكذا فتسمعه الشياطين فينزلونه على أوليائهم فلما بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فكان أول من علم بها ثقيف فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه فيذبح كل يوم شاة وذا الإبل فينحر كل يوم بعيرا فاسرع الناس في أموالهم فقال بعضهم لبعض لا تفعلوا فان كانت النجوم التي يهتدون بها وإلا فانه لأمر حدث فنظروا فاذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شيء فكفوا وصرف الله الجن فسمعوا القرآن فلما حضروه قالوا انصتوا وانطلقت الشياطين إلى إبليس فاخبروه فقال هذا حدث حدث في الأرض فأتوني من كل أرض بتربة فأتوه بتربة تهامة فقال ههنا الحدث ورواه البيهقي والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب وقال الواقدي حدثني أسامة بن زيد بن أسلم عن عمر بن عبدان العبسي عن كعب قال لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بها فرأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون أرقاءهم يظنون أنه الفناء فبلغ ذلك من فعلهم أهل الطائف ففعلت ثقيف مثل ذلك فبلغ عبد ياليل بن عمرو ما صنعت ثقيف قال ما فعلتم ما أرى قالوا رمى بالنجوم فرأيناها تهافت من السماء فقال إن افادة المال بعد ذهابه شديد فلا تعجلوا وانظروا فان تكن نجوما تعرف فهو عندنا من فناء الناس وإن كانت نجوما لا تعرف فهو لأمر قد حدث فانظروا فاذا هي لا تعرف فاخبروه فقال الأمر فيه مهلة بعد هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم عليهم أبو سفيان بن حرب إلى أمواله فجاء عبد ياليل فذاكره أمر النجوم فقال أبو سفيان ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل فقال عبد ياليل فعند ذلك رمى بها وقال سعيد بن منصور عن خالد بن حصين عن عامر الشعبي قال كانت النجوم لا يرمى بها حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيبوا أنعامهم وأعتقوا رقيقهم فقال عبد ياليل أنظروا فان كانت النجوم التي تعرف فهو عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهو لأمر قد حدث فنظروا فاذا هي لا تعرف قال فامسكوا فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاءهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم وروى البيهقي والحاكم من طريق العوفي عن ابن عباس قال لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما وسلامه فلعل مراد من نفى ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة ويجب حمل ذلك على هذا لما ثبت في الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رمى بنجم فاستدار فقال ما كنتم تقولون إذا رمي بهذا قال كنا نقول مات عظيم وولد عظيم فقال لا ولكن فذكر الحديث كما تقدم عند خلق
السماء وما فيها من الكواكب في أول بدء الخلق ولله الحمد
وقد ذكر ابن اسحاق في السيرة قصة رمي النجوم وذكر عن كبير ثقيف أنه قال لهم في النظر في النجوم إن كانت أعلام السماء أو غيرها ولكن سماه عمرو بن أمية فالله أعلم وقال السدي لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر وكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في سماء الدنيا يستمعون ما يحدث في السماء من أمر فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا رجموا ليلة من الليالي ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا هلك أهل السماء لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم فقال لهم عبد ياليل بن عمرو ابن عمير ويحكم يا معشر أهل الطائف امسكوا عن أموالكم وانظروا الى معالم النجوم فان رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك اهل السماء وإنما هو من ابن أبي كبشة وإن أنتم لم تروها فقد أهلك أهل السماء فنظروا فرأوها فكفوا عن أموالهم وفزعت الشياطين في تلك الليلة فاتوا ابليس فقال ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب فاتوه فشم فقال صاحبكم بمكة فبعث سبعة نفر من جن نصيبين فقدموا مكة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام يقرأ القرآن فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ثم أسلموا فانزل الله أمرهم على نبيه صلى الله عليه وسلم وقال الواقدي حدثني محمد بن صالح عن ابن أبي حكيم يعني اسحاق عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كل صنم منكسا فاتت الشياطين فقالوا له ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسا قال هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف فالتمسوه فقالوا لم نجده فقال أنا صاحبه فخرج يلتمسه فنودي عليك بجنبة الباب يعني مكة فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب فخرج إلى الشياطين فقال إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم قالوا نزين الشهوات في عين أصحابه ونحببها إليهم قال فلا آسى اذا وقال الواقدي حدثني طلحة بن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو قال لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من السماء ورموا بالشهب فجاؤا إلى ابليس فذكروا ذلك له فقال أمر قد حدث هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج نبي اسرائيل قال فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا اليه فقالوا ليس بها أحد فقال ابليس أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال قد بعث احمد ومعه جبريل فما عندكم قالوا الدنيا نحببها الى الناس قال فذاك اذا قال الواقدي وحدثني طلحة ابن عمرو عن عطاء عن ابن عباس قال كانت الشياطين يستمعون الوحي فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم منعوا فشكوا ذلك إلى إبليس فقال لقد حدث أمر فرقي فوق أبي قبيس وهو أول جبل وضع على وجه الأرض فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي خلف المقام فقال اذهب فاكسر عنقه فجاء يخطر
وجبريل عنده فركضه جبريل ركضة طرحه في كذا وكذا فولى الشيطان هاربا ثم رواه الواقدي وأبو أحمد الزبيري كلاهما عن رباح بن أبي معروف عن قيس بن سعد عن مجاهد فذكر مثل هذا وقال فركضه برجله فرماه بعدن
*2* فصل في كيفية اتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قد تقدم كيفية ما جاءه جبريل في أول مرة وثاني مرة أيضا وقال مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها إن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا يكلمني فاعي ما يقول قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وأن جبينه ليتفصد عرقا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به ورواه الامام أحمد عن عامر بن صالح عن هشام بن عروة به نحوه وكذا رواه عبدة بن سليمان وأنس بن عياض عن هشام بن عروة وقد رواه أيوب السختياني عن هشام عن أبيه عن الحارث بن هشام أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت كيف يأتيك الوحي فذكره ولم يذكر عائشة وفي حديث الافك قالت عائشة فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فاخذه ما كان يأخذه من البرجاء حتى أنه كان يتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل الوحي الذي نزل عليه
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرني يونس بن سليم قال املى علي يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة بن عبد الرحمن بن عبد القاري سمعت عمر بن الخطاب يقول كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل وذكر تمام الحديث في نزول قد افلح المؤمنون وكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق ثم قال النسائي منكر لا نعرف أحدا رواه غير يونس بن سليم ولا نعرفه وفي صحيح مسلم وغيره من حديث الحسن عن حطان ابن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي كربه ذلك وتربد وجهه وفي رواية وغمض عينيه وكنا نعرف ذلك منه وفي الصحيحين حديث زيد ابن ثابت حين نزلت لا يستوي القاعدون من المؤمنين فلما شكى ابن أم مكتوم ضرارته نزلت غير أولى الضرر قال وكانت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي وأنا أكتب فلما نزل الوحي كادت فخذه ترض فخذي وفي صحيح مسلم من حديث همام بن يحيى عن عطاء عن يعلى بن أمية قال قال
لي عمر أيسرك أن تنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى إليه فرفع طرف الثوب عن وجهه وهو يوحى إليه بالجعرانة فإذا هو محمر الوجه وهو يغط كما يغط البكر وثبت في الصحيحين من حديث عائشة لما نزل الحجاب وأن سودة خرجت بعد ذلك إلى المناصع ليلا فقال عمر قد عرفناك يا سودة فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته وهو جالس يتعشى والعرق في يده فاوحى الله اليه والعرق في يده ثم رفع رأسه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن فدل هذا على أنه لم يكن الوحي يغيب عنه احساسه بالكلية بدليل أنه جالس ولم يسقط العرق أيضا من يده صلوات الله وسلامه دائما عليه وقال أبو داود الطيالسي حدثنا عباد بن منصور حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك جسده ووجهه وأمسك عن أصحابه ولم يكلمه أحد منهم وفي مسند أحمد وغيره من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد ابن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد عن ابن عبد الله بن عمرو قلت يا رسول الله هل تحس بالوحي قال نعم اسمع صلاصل ثم أثبت عند ذلك وما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيظ منه وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب حدثنا أبي عن خاله العليان بن عاصم قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه وكان إذا أنزل عليه دام بصره وعيناه مفتوحة وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل وروى أبو نعيم من حديث قتيبة حدثنا علي بن غراب عن الأحوص بن حكيم عن أبي عوانة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا نزل عليه الوحي صدع وغلف رأسه بالحناء هذا حديث غريب جدا وقال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية سنان عن ليث عن شهر بن حوشب عن اسماء بنت يزيد قالت إني لآخذه بزمام العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه المائدة كلها وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة وقد رواه أبو نعيم من حديث الثوري عن ليث بن أبي سليم به وقال الامام أحمد ايضا حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني جبر بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المائدة وهو راكب على راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها وروى ابن مردويه من حديث صباح ابن سهل عن عاصم الاحول حدثتني أم عمرو عن عمها انه كان في مسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه سورة المائدة فاندق عنق الراحلة من ثقلها وهذا غريب من هذا الوجه ثم قد ثبت في الصحيحين نزول سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية وهو على راحلته فكان يكون تارة وتارة بحسب الحال والله أعلم وقد ذكرنا انواع الوحي اليه صلى الله عليه وسلم في أول شرح البخاري وما ذكره الحليمي وغيره من الأئمة رضي الله عنهم
*2* فصل ( ولاتعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه)
@
قال الله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وقال تعالى ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي اليك وحيه وقل رب زدني علما وكان هذا في الابتداء كان عليه السلام من شدة حرصه على اخذه من الملك ما يوحى إليه عن الله عز وجل ليساوقه في التلاوة فامره الله تعالى أن ينصت لذلك حتى يفرغ من الوحي وتكفل له ان يجمعه في صدره وان ييسر عليه تلاوته وتبليغه وان يبينه له ويفسره ويوضحه ويوقفه على المراد منه ولهذا قال ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي اليك وحيه وقل رب زدني علما وقال لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه أي في صدرك وقرآنه أي وأن تقرأه فاذا قرأناه أي تلاه عليك الملك فاتبع قرآنه أي فاستمع له وتدبره ثم إن علينا بيانه وهو نظير قوله وقل رب زدني علما وفي الصحيحين من حديث موسى بن أبي عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك شفتيه فانزل الله لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه قال جمعه في صدرك ثم تقرأه فاذا قرأناه فاتبع قرآنه فاستمع له وأنصت ثم إن علينا بيانه قال فكان إذا أتاه جبريل أطرق فاذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل
*2* فصل (تتابع الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام )
@
قال ابن اسحاق ثم تتابع الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصدق بما جاءه منه قد قبله بقبوله وتحمل منه ما حمله على رضا العباد وسخطهم وللنبوة أثقال ومؤنة لا يحملها ولا يستضلع بها إلا أهل القوة والعزم من الرسل بعون الله وتوفيقه لما يلقون من الناس وما يرد عليهم مما جاؤا به عن الله عز وجل فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أمر الله على ما يلقى من قومه من الخلاف والأذى
قال ابن اسحاق وآمنت خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت بما جاء منه فخفف الله بذلك عن رسوله لا يسمع شيئا يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك إلا فرج الله عنه بها إذا رجع اليها تثبته وتخفف عنه وتصدقه وتهون عليه أمر الناس رضي الله عنها وارضاها
قال ابن اسحاق وحدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نضب وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث هشام قال ابن هشام القصب هاهنا اللؤلؤ المجوف
قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر جميع ما أنعم الله بع عليه وعلى العباد من النبوة سرا إلى من يطمئن اليه من أهله وقال موسى بن عقبة عن الزهري كانت خديجة أول من آمن بالله وصدق رسوله قبل أن تفرض الصلاة
قلت يعني الصلوات الخمس ليلة الاسراء فأما أصل الصلاة فقد وجب في حياة خديجة رضي الله عنها كما سنبينه
وقال ابن اسحاق وكانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء به ثم أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افترضت عليه الصلاة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت له عين من ماء زمزم فتوضأ جبريل ومحمد عليهما السلام ثم صلى ركعتين وسجد أربع سجدات ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقر الله عينه وطابت نفسه وجاءه ما يحب من الله فأخذ يد خديجة حتى أتى بها الى العين فتوضأ كما توضأ جبريل ثم ركع ركعتين وأربع سجدات ثم كان هو وخديجة يصليان سرا
قلت صلاة جبريل هذه غير الصلاة التي صلاها به عند البيت مرتين فبين له أوقات الصلوات الخمس أولها وآخرها فان ذلك كان بعد فرضيتها ليلة الاسراء وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان لل) .
أول من أسلم من متقدمي الاسلام والصحابة وغيرهم
قال ابن اسحاق ثم إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء بعد ذلك بيوم وهما يصليان فقال علي يا محمد ما هذا قال دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله فادعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وأن تكفر باللات والعزى فقال علي هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدث به أبا طالب فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له يا علي إذ لم تسلم فاكتم فمكث علي تلك الليلة ثم أن الله اوقع في قلب علي الاسلام فاصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فقال ماذا عرضت علي يا محمد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وتكفر باللات والعزى وتبرأ من الأنداد ففعل علي وأسلم ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب وكتم علي اسلامه ولم يظهره وأسلم ابن حارثة يعني زيدا فمكثا قريبا من شهر يختلف علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان
مما أنعم الله به على علي أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام
قال ابن اسحاق حدثني ابن أبي نجيح عن مجاهد قال وكان مما أنعم الله به على علي أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس وكان من أيسر بني هاشم يا عباس إن أخاك ابا طالب كثير العيال وقد اصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق حتى تخفف عنه من عياله فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه اليه فلم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي وآمن به وصدقه وقال يونس بن بكير عن محمد ابن اسحاق حدثني يحيى بن أبي الاشعث الكندي من أهل الكوفة حدثني اسماعيل بن أبي إياس بن عفيف عن ابيه عن جده عفيف وكان عفيف أخا الاشعث بن قيس لأمه أنه قال كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا فاتيته ابتاع منه وابيعه قال فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه فقلت يا عباس ما هذا الدين إن هذا الدين ما ندري ما هو فقال هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به قال عفيف فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون ثانيا وتابعه ابراهيم بن سعد عن ابن اسحاق وقال في الحديث إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي ثم ذكر قيام خديجة وراءه وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي حدثنا سعيد بن خثيم عن أسد ابن عبدة البجلي عن يحيى بن عفيف قال جئت زمن الجاهلية إلى مكة فنزلت على العباس بن عبد المطلب فلما طلعت الشمس وحلقت في السماء وأنا أنظر إلى الكعبة أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فقام مستقبلها فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب فركع الغلام والمرأة فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة فخر الشاب ساجدا فسجدا معه فقلت يا عباس أمر عظيم فقال أمر عظيم فقال أتدري من هذا فقلت لا فقال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي أتدري من الغلام قلت لا قال هذا علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أتدري من هذه المرأة التي خلفهما قلت لا قال هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي وهذا حدثني أن ربك رب السماء والأرض أمره بهذا الذي تراهم عليه وايم الله ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة وقال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا عيسى بن سوادة بن أبي الجعد حدثنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو حازم والكلبي قالوا علي أول من أسلم قال الكلبي اسلم وهو ابن تسع سنين وحدثنا
ابن حميد حدثنا سلمة عن ابن اسحاق قال أول ذكر آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى معه وصدقه علي بن ابي طالب وهو ابن عشر سنين وكان في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الاسلام قال الواقدي أخبرنا إبراهيم عن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال اسلم علي وهو ابن عشر سنين قال الواقدي واجمع أصحابنا على أن عليا أسلم بعد ما تنبأ رسول الله بسنة وقال محمد بن كعب أول من أسلم من هذه الأمة خديجة وأول رجلين أسلما أبو بكر وعلي وأسلم علي قبل أبي بكر وكان علي يكتم إيمانه خوفا من أبيه حتى لقيه أبوه قال أسلمت قال نعم قال وازر ابن عمك وانصره قال وكان أبو بكر الصديق أول من أظهر الاسلام وروى ابن جرير في تاريخه من حديث شعبة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون عن ابن عباس قال أول من صلى علي وحدثنا عبد الحميد بن يحيى حدثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء وروى من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة رجل من الأنصار سمعت زيد بن أرقم يقول أول من أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب قال فذكرته للنخعي فانكره وقال أبو بكر أول من أسلم ثم قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا العلاء عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله سمعت عليا يقول أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الاكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت قبل الناس بسبع سنين وهكذا رواه ابن ماجه عن محمد بن اسماعيل الرازي عن عبيد الله بن موسى الفهمي وهو شيعي من رجال الصحيح عن العلاء بن صالح الازدي الكوفي وثقوه ولكن قال أبو حاتم كان من عتق الشيعة وقال علي بن المديني روى أحاديث مناكير والمنهال بن عمرو ثقة وأما شيخه عباد بن عبد الله وهو الاسدي الكوفي فقد قال فيه علي بن المديني هو ضعيف الحديث وقال البخاري فيه نظر وذكره ابن حبان في الثقات وهذا الحديث منكر بكل حال ولا يقوله علي رضي الله عنه وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين هذا لا يتصور أصلا والله أعلم وقال آخرون أول من أسلم من هذه الأمة أبو بكر الصديق والجمع بين الاقوال كلها أن خديجة أول من أسلم من النساء وظاهر السباقات وقيل الرجال أيضا وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة وأول من أسلم من الغلمان علي بن ابي طالب فانه كان صغيرا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا إذ ذاك أهل البيت

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:52 PM
وأول من اسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق وإسلامه كان أنفع من اسلام من تقدم ذكرهم إذ كان صدرا معظما ورئيسا في قريش مكرما وصاحب مال وداعية إلى الاسلام وكان محببا متألفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله كما سيأتي تفصيله قال يونس عن ابن اسحاق ثم أن أبا بكر الصديق لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا وتسفهك
عقولنا وتكفيرك آبائنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى إني رسول الله ونبيه بعثني لابلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق فوالله إنه للحق أدعوك يا ابا بكر إلى الله وحده لا شريك له ولا تعبد غيره والموالاة على طاعته وقرأ عليه القرآن فلم يقر ولم ينكر فاسلم وكفر بالاصنام وخلع الانداد وأقر بحق الاسلام ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق
قال ابن اسحاق حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته ولا تردد فيه عكم أي تلبث وهذا الذي ذكره ابن اسحاق في قوله فلم يقر ولم ينكر منكر فان ابن اسحاق وغيره ذكروا أنه كان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الخلق فكيف يكذب على الله ولهذا بمجرد ما ذكر له إن الله أرسله بادر إلى تصديقه ولم يتلعثم ولا عكم وقد ذكرنا كيفية اسلامه في كتابنا الذي افردناه في سيرته وأوردنا فضائله وشمائله واتبعنا ذلك بسيرة الفاروق أيضا وأوردنا ما رواه كل منهما عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاحاديث وما روى عنه من الآثار والاحكام والفتاوى فبلغ ذلك ثلاث مجلدات والله الحمد والمنة وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي الدرداء في حديث ما كان بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الخصومة وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله بعثني اليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها وهذا كالنص على أنه أول من أسلم رضي الله عنه وقد روى الترمذي وابن حبان من حديث شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ألست أحق الناس بها ألست أول من اسلم الست صاحب كذا وروى ابن عساكر من طريق بهلول بن عبيد حدثنا أبو اسحاق السبيعي عن الحارث سمعت عليا يقول أول من اسلم من الرجال أبو بكر الصديق وأول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم من الرجال علي بن أبي طالب وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رواه أحمد والترمذي والنسائي من حديث شعبة وقال الترمذي حسن صحيح وقد تقدم رواية ابن جرير لهذا الحديث من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي حمزة عن زيد بن أرقم قال أول من أسلم علي بن ابي طالب قال عمرو بن مرة فذكرته لابراهيم النخعي فانكره وقال أول من اسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وروى الواقدي باسانيده عن أبي أروى الدوسي وأبي مسلم بن عبد الرحمن في جماعة من السلف أول من اسلم أبو بكر الصديق وقال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة عن مالك بن مغول
عن رجل قال سئل ابن عباس من أول من آمن فقال أبو بكر الصديق أما سمعت قول حسان
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة * فاذكر أخاك ابا بكر بما فعلا
خير البرية أوفاها وأعدلها * بعد النبي وأولاها بما حملا
والتالي الثاني المحمود مشهده * وأول الناس منهم صدق الرسلا
عاش حميدا لأمر الله متبعا * بأمر صاحبه الماضي وما انتقلا
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شيخ لنا عن مجالد عن عامر قال سألت ابن عباس او سئل ابن عباس أي الناس أول إسلاما قال أما سمعت قول حسان بن ثابت فذكره وهكذا رواه الهيثم بن عدي عن مجالد عن عامر الشعبي سألت ابن عباس فذكره وقال أبو القاسم البغوي حدثني سريج بن يونس حدثنا يوسف بن الماجشون قال أدركت مشيختنا منهم محمد بن المنكدر وربيعة بن ابي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وعثمان بن محمد لا يشكون أن أول القوم اسلاما أبو بكر الصديق رضي الله عنه
قلت وهكذا قال ابراهيم النخعي ومحمد بن كعب ومحمد بن سيرين وسعد بن ابراهيم وهو المشهور عن جمهور أهل السنة وروى ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أنهما قالا لم يكن أولهم اسلاما ولكن كان أفضلهم اسلاما قال سعد وقد آمن قبله خمسة وثبت في صحيح البخاري من حديث همام بن الحارث عن عمار بن ياسر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر وروى الامام أحمد وابن ماجه من حديث عاصم بن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود قال أول من أظهر الاسلام سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فاما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه وأما أبو بكر منعه الله بقومه وأما سائرهم فاخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فانه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فاخذوه فاعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد وهكذا رواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا فاما ما رواه ابن جرير قائلا أخبرنا ابن حميد حدثنا كنانة بن حبلة عن ابراهيم بن طهمان عن حجاج عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال قلت لأبي أكان أبو بكر أولكم اسلاما قال لا ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ولكن كان افضلنا اسلاما فانه حديث منكر اسنادا ومتنا قال ابن جرير وقال آخرون كان أول من أسلم زيد ابن حارثة ثم روى من طريق الواقدي عن ابن أبي ذئب سألت الزهري من أول من اسلم من النساء قال خديجة قلت فمن الرجال قال زيد بن حارثة وكذا قال عروة وسليمان بن يسار وغير
واحد أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة وقد أجاب أبو حنيفة رضي الله عنه بالجمع بين هذه الاقوال بان أول من أسلم من الرجال الاحرار أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الغلمان علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
قال محمد بن اسحاق فلما أسلم أبو بكر وأظهر اسلامه دعا إلى الله عز وجل وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه محبا سهلا وكان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر وكان رجلا تاجرا ذا خلق معروف وكان رجال قومه يأتونه ويالفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجارته وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس اليه فاسلم على يديه فيما بلغني الزبير بن العوام وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهم أبو بكر فعرض عليهم الاسلام وقرأ عليهم القرآن وأنبأهم بحق الاسلام فآمنوا وكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا في الاسلام صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا بما جاء من عند الله وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني الضحاك ابن عثمان عن مخرمة بن سليمان الوالبي عن ابراهيم بن محمد بن أبي طلحة قال قال طلحة بن عبيد الله حضرت سوق بصرى فاذا راهب في صومعته يقول سلوا أهل الموسم أفيهم رجل من أهل الحرم قال طلحة قلت نعم أنا فقال هل ظهر أحمد بعد قلت ومن أحمد قال ابن عبد الله بن عبد المطلب هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجرا إلى نخل وحرة وسباخ فإياك أن تسبق إليه قال طلحة فوقع في قلبي ما قال فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حديث قالوا نعم محمد بن عبد الله الأمين قد تنبأ وقد اتبعه أبو بكر بن أبي قحافة قال فخرجت حتى قدمت على أبي بكر فقلت اتبعت هذا الرجل قال نعم فانطلق اليه فادخل عليه فاتبعه فانه يدعو إلى الحق فأخبره طلحة بما قال الراهب فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم طلحة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الراهب فسر بذلك فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية وكان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم فلذلك سمي أبو بكر وطلحة القرينين وقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اكفنا شر ابن العدوية رواه البيهقي وقال الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الاطرابلسي حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن اسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله حدثني عبد الله بن محمد بن عمران ابن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها قالت خرج أبو بكر يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له صديقا في الجاهلية فلقيه فقال
يا أبا القاسم فقدت من مجالس قومك واتهموك بالعيب لآبائها وأمهاتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رسول الله أدعوك إلى الله فلما فرغ كلامه اسلم ابو بكر فانطلق عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بين الاخشبين أحد أكثر سرورا منه باسلام أبي بكر ومضى أبو بكر فراح لعثمان بن عفان وطلحة ابن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص فاسلموا ثم جاء الغد بعثمان بن مظعون وأبي عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن بن عوف وأبي سلمة بن عبد الاسد والأرقم بن ابي الأرقم فاسلموا رضي الله عنهم قال عبد الله بن محمد فحدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال يا ابا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه وجاء بنو تيم يتعادون فاجلت المشركين عن أبي بكر وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب فتكلم آخر النهار فقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسوا منه بالسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لامه أم الخير أنظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه فلما خلت به الحت عليه وجعل يقول ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت والله مالي علم بصاحبك فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله فقالت ما أعرف ابا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك قالت نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت والله إن قوما نالوا هذا منك لاهل فسق وكفر وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم قال فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت هذه أمك تسمع قال فلا شيء عليك منها قالت سالم صالح قال أين هو قالت في دار ابن الأرقم قال فان لله علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فامهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأكب عليه المسلمون ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة فقال أبو بكر بأبي وأمي يا رسول الله ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي وهذه أمي برة بوالدها وأنت مبارك
فادعها إلى الله وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار قال فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فاسلمت واقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا وقد كان حمزة بن عبد المطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب أو لأبي جهل بن هشام فاصبح عمر وكانت الدعوة يوم الاربعاء فاسلم عمر يوم الخميس فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل البيت تكبيرة سمعت بأعلا مكة وخرج أبو الأرقم وهو أعمى كافر وهو يقول اللهم اغفر لبني عبيد الارقم فانه كفر فقام عمر فقال يا رسول الله على ما نخفي ديننا ونحن على الحق ويظهر دينهم وهم على الباطل قال يا عمر إنا قليل قد رأيت ما لقينا فقال عمر فوالذي بعثك بالحق لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان ثم خرج فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره فقال أبو جهل بن هشام يزعم فلان أنك صبوت فقال عمر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فوثب المشركون إليه ووثب على عتبة فبرك عليه وجعل يضربه وأدخل اصبعه في عينيه فجعل عتبة يصيح فتنحى الناس فقام عمر فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممن دنا منه حتى أعجز الناس واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الايمان ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر عليهم قال ما عليك بابي وأمي والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الايمان غير هائب ولا خائف فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنا ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه عمر ثم انصرف عمر وحده ثم انصرف النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح أن عمر إنما أسلم بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة وذلك في السنة السادسة من البعثة كما سيأتي في موضعه إن شاء الله وقد استقصينا كيفية اسلام أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في كتاب سيرتهما على انفرادها وبسطنا القول هنالك ولله الحمد وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي أمامة عن عمرو ابن عبسة السلمي رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما بعث وهو بمكة وهو حينئذ مستخفي فقلت ما أنت قال أنا نبي فقلت وما النبي قال رسول الله قلت الله أرسلك قال نعم قلت بما أرسلك قال بأن تعبد الله وحده لا شريك له وتكسر الاصنام وتوصل الارحام قال قلت نعم ما أرسلك به فمن تبعك على هذا قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا قال فكان عمرو يقول لقد رأيتني وانا ربع الاسلام قال فاسلمت قلت فاتبعك يا رسول الله قال لا ولكن الحق بقومك فاذا أخبرت أني قد خرجت فاتبعني ويقال إن معنى قوله عليه السلام حر وعبد اسم جنس وتفسير ذلك بابي بكر وبلال فقط فيه نظر فانه قد كان جماعة قد أسلموا قبل عمرو بن عبسة وقد كان زيد بن حارثة أسلم قبل بلال أيضا فلعله أخبر أنه ربع الاسلام بحسب علمه فان
المؤمنين كانوا إذ ذاك يستسرون باسلامهم لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الاجانب دع أهل البادية من الاعراب والله أعلم وفي صحيح البخاري من طريق أبي أسامة عن هاشم بن هاشم عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن أبي وقاص يقول ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام أما قوله ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه فسهل ويروى إلا في اليوم الذي أسلمت فيه وهو مشكل إذ يقتضي أنه لم يسبقه أحد بالاسلام وقد علم أن الصديق وعليا وخديجة وزيد بن حارثة أسلموا قبله كما قد حكى الاجماع على تقدم اسلام هؤلاء غير واحد منهم ابن الاثير ونص أبو حنيفة رضي الله عنه على أن كلا من هؤلاء أسلم قبل ابناء جنسه والله أعلم وأما قوله ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الاسلام فمشكل وما أدري على ماذا يوضع عليه إلا أن يكون أخبر بحسب ما علمه والله أعلم وقال ابو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله وهو ابن مسعود قال كنت غلاما يافعا ارعى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة فاتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال أو فقالا عندك يا غلام لبن تسقينا قلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقال هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فاتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع ودعا فحفل الضرع وأتاه أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال إنك غلام معلم فاخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد وهكذا رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة به ورواه الحسن بن عرفة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن أبي النجود به وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله بن بطة الاصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثني جعفر ابن محمد بن خالد بن الزبير عن أبيه أو عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان قال كان اسلام خالد بن سعيد بن العاص قديما وكان أول اخوته اسلم وكان بدء اسلامه أنه رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم به ويرى في النوم كأن آت أتاه يدفعه فيها ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحقويه لا يقع ففزع من نومه فقال احلف بالله أن هذه لرؤيا حق فلقي ابا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له فقال أريد بك خير هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه فانك ستتبعه وتدخل معه في الاسلام والاسلام يحجزك ان تدخل فيها وابوك واقع فيها فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باجياد فقال يا رسول الله يا محمد إلى ما تدعو قال أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر ولا يبصر ولا ينفع ولا
يدري من عبده ممن لا يعبده قال خالد فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامه وتغيب خالد وعلم أبوه باسلامه فارسل في طلبه فأتي به فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه وقال والله لأمنعنك القوت فقال خالد وإن منعتني فان الله يرزقني ما أعيش به وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكرمه ويكون معه
*2* فصل أول من أسلم من متقدمي الإسلام والصحابة وغيرهم .
@
*2* اسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم
@ قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني رجل ممن اسلم وكان واعية أن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه ما يكره من العيب لدينه فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب فاقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه وقالوا ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت قال حمزة ومن منعني وقد استبان لي منه ما أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذي يقول حق فوالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين فقال أبو جهل دعوا أبا عمارة فاني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز وامتنع فكفوا عما كانوا يتناولون منه وقال حمزة في ذلك شعرا
قال ابن اسحاق ثم رجع حمزة إلى بيته فاتاه الشيطان فقال أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك للموت خير لك مما صنعت فاقبل حمزة على نفسه وقال ما صنعت اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إني قد وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه واقامة مثلي على مالا أدري ما هو أرشد أم هو غي شديد فحدثني حديثا فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره فالقى الله في قلبه الايمان بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك الصادق شهادة الصدق فاظهر يا ابن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء وأني على ديني الاول فكان حمزة ممن أعز الله به الدين وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به
*2* ذكر اسلام أبي ذر رضي الله عنه
@
قال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ حدثنا الحسين بن محمد بن زياد حدثنا عبد الله بن الرومي حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر قال كنت ربع الإسلام أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا سياق مختصر وقال البخاري اسلام أبي ذر حدثنا عمرو بن عباس حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى عن أبي حمزة عن ابن عباس قال لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأخيه اركب إلى هذا الوادي فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء فاسمع من قوله ثم ائتني فانطلق الآخر حتى قدمه وسمع من كلامه ثم رجع إلى أبي ذر فقال له رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلاما ما هو بالشعر فقال ما شفيتني مما أردت فتزود وحمل شنة فيها ماء حتى قدم مكة فاتى المسجد فالتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل اضطجع فرآه علي فعرف أنه غريب فلما رآه تبعه ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد وظل ذلك اليوم ولا يراه النبي صلى الله عليه وسلم حتى أمسى فعاد إلى مضجعه فمر به علي فقال أما آن للرجل يعلم منزله فاقامه فذهب به معه لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي مثل ذلك فاقام معه فقال ألا تحدثني بالذي أقدمك قال إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت ففعل فأخبره قال فانه حق وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا أصبحت فاتبعني فاني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء وإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي ففعل فانطلق يقفوه حتى دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه فسمع من قوله وأسلم مكانه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى قومك فاخبرهم حتى يأتيك أمري فقال والذي بعثك بالحق لاصرخن بها بين ظهرانيهم فخرج حتى أتى المسجد فنادى باعلا صوته اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم قام فضربوه حتى اضجعوه فاتى العباس فاكب عليه فقال ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام فانقذه منهم ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا اليه فاكب العباس عليه هذا لفظ البخاري وقد جاء اسلامه مبسوطا في صحيح مسلم وغيره فقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصامت قال أبو ذر خرجنا من قومنا غفار وكان يحلون الشهر الحرام أنا وأخي أنيس وأمنا
فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا ذي مال وهيئة فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا فحسدنا قومه فقالوا له إنك إذا خرجت عن أهلك خلفك اليهم أنيس فجاء خالنا فثنى ما قيل له فقلت له أما ما مضى من معروفك فقد كدرته ولا جماع لنا فيما بعد قال فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي قال فانطلقنا حتى نزلنا حضرةمكة قال فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثليها فأتيا الكاهن فخير أنيسا فاتانا بصرمتنا ومثلها وقد صليت يابن أخي قبل أن القى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين قال قلت لمن قال لله قلت فأين توجه قال حيث وجهني الله قال واصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل الفيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس قال فقال أنيس إن لي حاجة بمكة فألقني حتى آتيك قال فانطلق فراث علي ثم أتاني فقلت ما حسبك قال لقيت رجلا يزعم أن الله أرسله على دينك قال فقلت ما يقول الناس له قال يقولوا إنه شاعر وساحر وكان أنيس شاعرا قال فقال لقد سمعت الكهان فما يقول بقولهم وقد وضعت قوله على إقراء الشعر فوالله ما يلتئم لسان أحد أنه شعر ووالله إنه لصادق وإنهم لكاذبون قال فقلت له هل أنت كافي حتى انطلق قال نعم وكن من أهل مكة على حذر فانهم قد شنعوا له وتجهموا له قال فانطلقت حتى قدمت مكة فتضعفت رجلا منهم فقلت أين هذا الرجل الذي يدعونه الصابئ قال فاشار إلي فمال أهل الوادي علي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي ثم ارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر فاتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدم ودخلت بين الكعبة وأستارها فلبثت به يابن أخي ثلاثين من يوم وليلة مالي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء أضحيان وضرب الله على أشحمة أهل مكة فما يطوف بالبيت غير امرأتين فاتتا علي وهما يدعوان اساف ونائلة فقلت انكحوا أحدهما الآخر فما ثناهما ذلك فقلت وهن مثل الخشبة غير أني لم أركن قال فانطلقتا يولولان ويقولان لو كان ههنا أحد من أنفارنا قال فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال ما لكما فقالتا الصابئ بين الكعبة واستارها قالا ما قال لكما قالتا قال لنا كلمة تملأ الفم قال وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصاحبه حتى استلم الحجر وطاف بالبيت ثم صلى قال فاتيته فكنت أول من حياه بتحية أهل الاسلام فقال عليك السلام ورحمة الله من أنت قال قلت من غفار قال فاهوى بيده فوضعها على جبهته قال فقلت في نفسي كره أن انتميت إلى غفار قال فاردت أن آخذ بيده فقذفني صاحبه وكان أعلم به مني قال متى كنت ههنا قال قلت
كنت ههنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها مباركة إنها طعام طعم قال فقال أبو بكر ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة قال ففعل قال فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت معهما حتى فتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف قال فكان ذلك أول طعام أكلته بها فلبثت ما لبثت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحبسها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك لعل الله ينفعهم بك ويأجرك فيهم قال فانطلقت حتى أتيت أخي أنيسا قال فقال لي ما صنعت قال قلت صنعت إني أسلمت وصدقت قال فما بي رغبة عن دينك فاني قد اسلمت وصدقت ثم أتينا أمنا فقالت ما بي رغبة عن دينكما فاني قد اسلمت وصدقت فتحملنا حتى أتينا قومنا غفار قال فاسلم بعضهم قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان يؤمهم خفاف بن إيما بن رخصة الغفاري وكان سيدهم يومئذ وقال بقيتهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلمناقال فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم بقيتهم قال وجاءت أسلم فقالوا يا رسول الله اخواننا نسلم على الذي اسلموا عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن سليمان بن المغيرة به نحوه وقد روى قصة اسلامه على وجه آخر وفيه زيادات غريبة فالله أعلم وتقدم ذكر اسلام سلمان الفارسي في كتاب البشارات بمبعثه عليه الصلاة والسلام
*2* ذكر اسلام ضماد
@
روى مسلم والبيهقي من حديث داود بن أبي هند عن عمرو بن سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم ضماد مكة وهو رجل من أزدشنوءة وكان يرقى من هذه الرياح فسمع سفهاء من سفه مكة يقولون إن محمدا مجنون فقال أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي فلقيت محمدا فقلت إني أرقى من هذه الرياح وأن الله يشفي على يدي من شاء فهلم فقال محمد إن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ثلاث مرات فقال والله لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل هؤلاء الكلمات فهلم يدك أبايعك على الاسلام فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له وعلى قومك فقال وعلى قومي فبعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فمروا بقوم ضماد فقال صاحب الجيش للسرية هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئا فقال رجل منهم أصبت منهم مطهرة فقال ردها عليهم فانهم قوم ضماد وفي رواية فقال له ضماد أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس البحر
وقد ذكر أبو نعيم في دلائل النبوةاسلام من أسلم من الاعيان فصلا طويلا واستقصى ذلك استقصاء حسنا رحمه الله وأثابه وقد سرد ابن اسحاق أسماء من أسلم قديما من الصحابة رضي الله عنهم قال ثم أسلم أبو عبيدة وأبو سلمة والأرقم بن أبي الأرقم وعثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث وسعيد بن زيد وامرأته فاطمة بنت الخطاب وأسماء بنت أبي بكر وعائشة بنت أبي بكر وهي صغيرة وقدامة بن مظعون وعبد الله بن مظعون وخباب بن الأرت وعمير بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود ومسعود بن القاري وسليط بن عمرو وعياش بن أبي ربيعة وامرأته أسماء بنت سلمة بن مخرمة التيمي وخنيس بن حذافة وعامر بن ربيعة وعبد الله بن جحش وأبو أحمد بن جحش وجعفر بن أبي طالب وامرأته اسماء بنت عميس وحاطب بن الحارث وامرأته فكيهة ابنة يسار ومعمر بن الحارث بن معمر الجمحي والسائب بن عثمان بن مظعون والمطلب بن أزهر بن عبد مناف وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صييرة بن سعيد بن سهم والنحام واسمه نعيم بن عبد الله بن اسيد وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وخالد بن سعيد وأمينة ابنة خلف بن سعد بن عامر بن بياضة بن خزاعة وحاطب بن عمرو بن عبد شمس وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وواقد بن عبد الله بن عرين بن ثعلبة التميمي حليف بني عدي وخالد ابن البكير وعامر بن البكير وعاقل بن البكير وإياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة من بني سعد بن ليث وكان اسم عاقل غافلا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاقلا وهم حلفاء بني عدي ابن كعب وعمار بن ياسر وصهيب بن سنان ثم دخل الناس أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا أمر الاسلام بمكة وتحدث به
قال ابن اسحاق ثم امر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث سنين من البعثة بان يصدع بما أمر وأن يصبر على أذى المشركين قال وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا في الشعاب واستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر يصلون بشعاب مكة إذ ظهر عليهم بعض المشركين فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد رجلا من المشركين بلحى جمل فشجه فكان أول دم أهريق في الاسلام وروى الاموي في مغازيه من طريق الوقاصي عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه فذكر القصة بطولها وفيه أن المشجوج هو عبد الله بن خطل لعنه الله


* باب: الامر بابلاغ الرسالة
@
إلى الخاص والعام وأمره له بالصبر والاحتمال والاعراض عن الجاهلين المعاندين المكذبين بعد قيام الحجة عليهم وارسال الرسول الاعظم اليهم وذكر ما لقي من الاذية منهم هو وأصحابه رضي الله عنهم قال الله تعالى وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فان عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين إنه هو السميع العليم وقال تعالى وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون وقال تعالى إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد أي أن الذي فرض عليك وأوجب عليك بتبليغ القرآن لرادك الى دار الآخرة وهي المعاد فيسألك عن ذلك كما قال تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون والآيات والاحاديث في هذا كثيرة جدا وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير وبسطنا من القول في ذلك عند قوله تعالى في سورة الشعراء وأنذر عشيرتك الاقربين وأوردنا أحاديث جمة في ذلك فمن ذلك قال الامام احمد حدثنا عبد الله ابن نمير عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما أنزل الله وأنذر عشيرتك الأقربين أتى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه فاجتمع الناس اليه بين رجل يجيء اليه وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني كعب أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني قالوا نعم قال فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب لعنه الله تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا وأنزل الله عز وجل تبت يدا أبي لهب وتب وأخرجاه من حديث الاعمش به نحوه وقال احمد حدثنا معاوية بن عمرو وحدثنا زائدة حدثنا عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة قال لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الاقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فعم وخص فقال يا معشر قريش انقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فاني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلائها ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة له طرق أخر عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره وقال احمد ايضا حدثنا وكيع بن هشام عن أبيه عن عائشة
رضي الله عنها قالت لما نزل وانذر عشيرتك الاقربين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا فاطمة بنت محمد يا صفية بنت عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا سلوني من مالي ما شئتم ورواه مسلم ايضا وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل أخبرنا محمد بن عبد الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل واستكتمني اسمه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنذر عشيرتك الاقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت اني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره فصمت فجاءني جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار قال فدعاني فقال يا علي إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فاصنع لنا يا علي شاة على صاع من طعام وأعد لنا عسل ولبن ثم اجمع لي بني عبد المطلب ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب الكافر الخبيث فقدمت اليهم تلك الجفنة فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حذية فشقها باسنانه ثم رمى بها في نواحيها وقال كلوا بسم الله فاكل القوم حتى نهلوا عنه ما نرى إلا آثار أصابعهم والله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا منه جميعا وايم الله إن كان الرجل ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عد لنا مثل الذي كنت صنعت لنا بالامس من الطعام والشراب فان هذا الرجل قد بدر الى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ففعلت ثم جمعتهم له وصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس فاكلوا حتى نهلوا عنه وايم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقهم يا علي فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب لعنه الله الى الكلام فقال لهد ما سحركم صاحبكم فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت بالامس من الطعام والشراب فان هذا الرجل قد بدرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم ففعلت ثم جمعتهم له فصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنع بالامس فاكلوا حتى نهلوا عنه ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا وأيم الله إن كان الرجل ليأكل مثلها وليشرب مثلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بافضل من ما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة هكذا
رواه البيهقي من طريق يونس بن بكير عن ابن اسحاق عن شيخ أبهم اسمه عن عبد الله بن الحارث به وقد رواه أبو جعفر بن جرير عن محمد بن حميد الرازي عن سلمة بن الفضل الابرش عن محمد بن اسحاق عن عبد الغفار أبو مريم بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس عن علي فذكر مثله وزاد بعد قوله وإني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم اليه فايكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا قال فاحجم القوم عنها جميعا وقلت ولأني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأخمشهم ساقا أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه فاخذ برقبتي فقال إن هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا قال فقام القوم يضحكون ويقولون لابي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع تفرد به عبد الغفار ابن القاسم أبو مريم وهو كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث وضعفه الباقون ولكن روى ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي عن عبد الله ابن عبد القدوس عن الاعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث قال قال علي لما نزلت هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنا وادع لي بني هاشم فدعوتهم وإنهم يومئذ لاربعون غير رجل أو أربعون ورجل فذكر القصة نحو ما تقدم إلى أن قال وبدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام فقال أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي قال فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله قال وسكت أنا لسن العباس ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس فلما رأيت ذلك قلت أنا يا رسول الله قال أنت قال وإني يومئذ لاسوأهم هيئة وإني لاعمش العينين ضخم البطن خمش الساقين وهذه الطريق فيها شاهد لما تقدم إلا أنه لم يذكر ابن عباس فيها فالله أعلم وقد روى الامام أحمد في مسنده من حديث عباد بن عبد الله الاسدي وربيعة بن ناجذ عن علي نحو ما تقدم أو كالشاهد له والله أعلم ومعنى قوله في هذا الحديث من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي يعني إذا مت وكأنه صلى الله عليه وسلم خشي إذا قام بابلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه فاستوثق من يقوم بعده بما يصلح أهله ويقضي عنه وقد أمنه الله من ذلك في قوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس الآية والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمر يدعو الى الله تعالى ليلا ونهارا وسرا وجهارا لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك راد ولا يصده عنه ذلك صاد يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم ومواقف الحج يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير
جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء وتسلط عليه وعلى من اتبعه من آحاد الناس من ضعفائهم الأشداء الاقوياء من مشركي قريش بالأذية القولية والفعلية وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان وخالفه في ذلك عمه أبو طالب بن عبد المطلب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله اليه طبعا وكان يحنو عليه ويحسن اليه ويدافع عنه ويحامي ويخالف قومه في ذلك مع أنه على دينهم وعلى خلتهم إلا أن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبه حبا طبعيا لا شرعيا وكان استمراره على دين قومه من حكمة الله تعالى ومما صنعه لرسوله من الحماية إذ لو كان أسلم أبو طالب لما كان له عند مشركي قريش وجاهة ولا كلمة ولا كانوا يهابونه ويحترمونه ولاجترؤا عليه ولمدوا أيديهم وألسنتهم بالسوء اليه وربك يخلق ما يشاء ويختار وقد قسم خلقه أنواعا وأجناسا فهذان العمان كافران أبو طالب وأبو لهب ولكن هذا يكون في القيامة في ضحضاح من نار وذلك في الدرك الأسفل من النار وأنزل الله فيه سورة في كتابه تتلى على المنابر وتقرأ في المواعظ والخطب تتضمن أنه سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب قال الامام أحمد حدثنا ابراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال أخبر رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الديل وكان جاهليا فاسلم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ثم رواه هو والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد بنحوه وقال البيهقي أيضا حدثنا أبو طاهر الفقيه حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري حدثنا محمد بن عمر عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الديلي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم قلت من هذا قيل هذا أبو لهب ثم رواه من طريق شعبة عن الاشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا واذا رجل خلفه يسفي عليه التراب واذا هو أبو جهل واذا هو يقول يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فانما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى كذا قال أبو جهل والظاهر أنه أبو لهب وسنذكر بقية ترجمته عند ذكر وفاته وذلك بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى
وأما أبو طالب فكان في غاية الشفقة والحنو الطبيعي كما سيظهر من صنائعه وسجاياه واعتماده
فيما يحامي به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم قال يونس بن بكير عن طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بن طلحة أخبرني عقيل بن أبي طالب قال جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا فقال يا عقيل انطلق فأتني بمحمد فانطلقت اليه فاستخرجته من كنس أو قال خنس يقول بيت صغير فجاء به في الظهيرة في شدة الحر فلما أتاهم قال إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانته عن أذاهم فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره الى السماء فقال ترون هذه الشمس قالوا نعم قال فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة فقال أبو طالب والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن العلاء عن يونس بن بكير ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عنه به وهذا لفظه ثم روى البيهقي من طريق يونس عن ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني وقالوا كذا وكذا فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق أنا ولا أنت فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد بدا لعمه فيه وانه خاذله ومسلمه وضعف عن القيام معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخي فاقبل عليه فقال امض على أمرك وافعل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا قال ابن اسحاق ثم قال أبو طالب في ذلك
والله لن يصلوا اليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
فامضي لأمرك ما عليك غضاضة * أبشر وقر بذاك منك عيونا
ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قدم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحا بذاك مبينا
ثم قال البيهقي وذكر ابن اسحاق لأبي طالب في ذلك أشعارا وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه وقال يونس بن بكير حدثني محمد بن اسحاق حدثني رجل من أهل مصر قديما منذ بضعا وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل بن هشام يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا
وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وسب آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلس له غدا بحجر فاذا سجد في صلاته فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم فلما أصبح أبو جهل لعنه الله أخذ حجرا ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو وكان قبلته الشام فكان إذا صلى صلى بين الركنين الأسود واليماني وجعل الكعبة بينه وبين الشام فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى اذا دنا منه رجع منبهتا ممتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقامت اليه رجال من قريش فقالوا له ما بك يا أبا الحكم فقال قمت اليه لافعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الابل والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني قال ابن اسحاق فذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك جبريل ولو دنا منه لأخذه وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر الفقيه حدثنا عثمان الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث بن سعد عن اسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة عن أبان بن صالح عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عباس بن عبد المطلب قال كنت يوما في المسجد فاقبل أبو جهل لعنه الله فقال إن لله على إن رأيت محمدا ساجدا أن أطأ على رقبته فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت عليه فاخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبانا حتى جاء المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم الحائط فقلت هذا يوم شر فاتزرت ثم اتبعته فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق فلما بلغ شأن أبي جهل كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى فقال إنسان لابي جهل يا أبا الحكم هذا محمد فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى والله لقد سد أفق السماء علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر السورة سجد وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عبد الكريم عن عكرمة قال قال ابن عباس قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ورواه البخاري عن يحيى عن عبد الرزاق به قال داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال مر أبو جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال ألم أنهك أن تصلي يا محمد لقد علمت ما بها أحد أكثر ناديا مني فانتهره النبي صلى الله عليه وسلم فقال جبريل فليدع ناديه سندع الزبانية والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب رواه احمد والترمذي وصححه النسائي من طريق داود به وقال الامام احمد حدثنا اسماعيل بن يزيد أبو زيد حدثنا فرات عن عبد الكريم عن
عكرمة عن ابن عباس قال قال أبو جهل لئن رأيت محمدا عند الكعبة يصلي لاتيته حتى أطأ عنقه قال فقال لو فعل لاخذته الزبانية عيانا وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا يونس بن أبي اسحاق عن الوليد بن العيزار عن ابن عباس قال قال أبو جهل لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه فانزل الله تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق حتى بلغ من الآية لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه سندع الزبانية فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فقيل ما يمنعك قال قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب قال ابن عباس والله لو تحرك لاخذته الملائكة والناس ينظرون اليه وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الاعلى حدثنا المعتمر عن أبيه عن نعيم بن أبي هند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فقال واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته ولأعفرن وجهه بالتراب فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته قال فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه قال فقيل له مالك قال ان بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا قال وأنزل الله تعالى لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إلى آخر السورة وقد رواه احمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم والبيهقي من حديث معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي به وقال الامام احمد حدثنا وهب بن جرير حدثنا شعبة عن أبي اسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد فانه كان يصلي ورهط من قريش جلوس وسلا جزور قريب منه فقالوا من يأخذ هذا السلا فيلقيه على ظهره فقال عقبة ابن أبي معيط أنا فاخذه فالقاه على ظهره فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فاخذته عن ظهره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم عليك بهذا الملأ من قريش اللهم عليك بعتبة بن ربيعة اللهم عليك بشيبة بن ربيعة اللهم عليك بأبي جهل بن هشام اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط اللهم عليك بأبي بن خلف أو أمية بن خلف شعبة الشاك قال عبد الله فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ثم سحبوا إلى القليب غير أبي أو أمية بن خلف فانه كان رجلا ضخما فتقطع وقد رواه البخاري في مواضع متعددة من صحيحه ومسلم من طرق عن ابن اسحاق به والصواب أمية بن خلف فانه الذي قتل يوم بدر وأخوه أبي إنما قتل يوم أحد كما سيأتي بيانه والسلا هو الذي يخرج مع ولد الناقة كالمشيمة لولد المرأة وفي بعض الفاظ الصحيح أنهم لما فعلوا ذلك استضحكوا حتى جعل بعضهم يميل على بعض أي يميل هذا على هذا من شدة الضحك لعنهم الله وفيه أن فاطمة لما القته عنه أقبلت عليهم فسبتهم وأنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من صلاته رفع يديه يدعو عليهم فلما
رأوا ذلك سكن عنهم الضحك وخافوا دعوته وأنه صلى الله عليه وسلم دعا على الملأ منهم جملة وعين في دعائه سبعة وقع في أكثر الروايات تسمية ستة منهم وهم عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة وأبو جهل بن هشام وعقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف قال ابن اسحاق ونسيت السابع قلت هو عمارة بن الوليد وقع تسميته في صحيح البخاري
*2* قصة الأراشي
@
قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثنا عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي قال قدم رجل من إراش بإبل له الى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله باثمانها فاقبل الاراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد فقال يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام فاني غريب وابن سبيل وقد غلبني على حقي فقال أهل المجلس ترى ذلك يهزون به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة اذهب اليه فهو يعديك عليه فاقبل الاراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقام معه فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم اتبعه فانظر ما يصنع فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال من هذا قال محمد فاخرج فخرج اليه وما في وجهه قطرة دم وقد انتقع لونه فقال أعط هذا الرجل حقه قال لا تبرح حتى أعطيه الذي له قال فدخل فخرج اليه بحقه فدفعه اليه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للاراشي الحق لشأنك فاقبل الاراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا فقد اخذت الذي لي وجاء الرجل الذي بعثوا معه فقالوا ويحك ماذا رأيت قال عجبا من العجب والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه فقال اعط هذا الرجل حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج اليه حقه فدخل فاخرج اليه حقه فاعطاه ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت فقال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت اليه وإن فوق رأسه لفحلا من الابل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فوالله لو أبيت لاكلني
*2* فصل ( أشد ما صنعه المشركون برسول الله (ص)
@ وقال البخاري حدثنا عياش بن الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني الاوزاعي عن يحيى بن أبي
كثير عن محمد بن ابراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير سألت ابن العاص فقلت أخبرني باشد شيء صنعه المشركون برسول الله قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عليه عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقا شديدا فاقبل أبو بكر رضي الله عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم الآية تابعه ابن اسحاق قال أخبرني يحيى بن عروة عن أبيه قال قلت لعبد الله بن عمرو وقال عبدة عن هشام عن أبيه قال قيل لعمرو بن لعاص وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو ابن العاص قال البيهقي وكذلك رواه سليمان بن بلال عن هشام بن عروة كما رواه عبدة انفرد به البخاري وقد رواه في أماكن من صحيحه وصرح في بعضها بعبد الله بن عمرو بن العاص وهو أشبه لرواية عروة عنه وكونه عن عمرو أشبه لتقدم هذه القصة وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عروة عن أبيه عروة قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته فقال لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا وصرنا منه على أمر عظيم أو كما قال قال فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفتها في وجهه فمضى فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح فاخذت القوم كلمته حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه حتى إنه ليقول انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فاحاطوا به يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا الذي أقول ذلك ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه وقام أبو بكر ينكى دونه ويقول ويلكم أتقتلون رجلا يقول ربي الله ثم انصرفوا عنه فان ذلك لأكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قطا
*2* فصل ( تأليب الملأ من قريش على رسول الله وأصحابه )
@
في تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه واجتماعهم بعمه أبي طالب القائم في منعه ونصرته وحرصهم عليه ان يسلمه اليهم فأبى عليهم ذلك بحول الله وقوته
قال الامام احمد حدثنا وكيع عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد وأخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمة به وقال الترمذي حسن صحيح وقال محمد بن اسحاق وحدب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبو طالب قد حدب عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس شمس بن عبد مناف بن قصي وأبو سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس وأبو البختري واسمه العاص بن هشام بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي والاسود بن المطب بن أسد بن عبد العزى وأبو جهل واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم والوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي ونبيه ومنبه ابنا الحجاج بن عامر بن حذيفة ابن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي والعاص بن وائل بن سعيد بن سهم قال ابن اسحاق أو من مشى منهم فقالوا يا ابا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو اليه ثم سرى الامر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه ثم أنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب ان لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا وانا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله واياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا باسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه
قال ابن اسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث أن قريشا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا الذي قالوا له فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق قال فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بدو وانه خاذله ومسلمه وانه قد ضعف عن نصرته والقيام معه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمرحتى يظهره الله او أهلك فيه ما تركته قال ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يابن أخي فاقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمتك لشيء أبدا قال ابن اسحاق ثم أن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم واسلامه واجماعه لفراقهم في ذلك وعداوته مشوا اليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له فيما بلغني يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره واتخذه ولدا فهو لك وأسلم الينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامنا فنقتله فإنما هو رجل برجل قال والله لبئس ما تسومونني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني فتقتلونه هذا والله مالا يكون أبدا قال فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مما تكره فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال أبو طالب للمطعم والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك أو كما قال فحقب الأمر وحميت الحرب وتنابذ القوم ونادى بعضهم بعضا فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من بني عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم
ألا قل لعمرو والوليد ومطعم * ألا ليت حظي من حياطتكم بكر
من الخور حبحاب كثير رغاؤه * يرش على الساقين من بوله قطر
تخلف خلف الورد ليس بلاحق * إذ ما علا الفيفاء قيل له وبر
أرى أخوينا من أبينا وأمنا * إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
بلى لهما أمر ولكن تحرجما * كما حرجمت من رأس ذي علق الصخر
أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا * هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر
هما أغمزا للقوم في أخويهما * فقد أصبحا منهم أكفهما صفر
هما أشركا في المجد من لا أباله * من الناس إلا أن يرس له ذكر
وتيم ومخزوم وزهرة منهم * وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر
فوالله لا تنفك منا عداوة * ولا منكم ما دام من نسلنا شفر
قال ابن هشام وتركنا منها بيتين أقذع فيهما
*2* فصل : في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين
@
قال ابن اسحاق ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أسلموا معه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ومنع الله منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فاجتمعوا اليه وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم اليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله فقال في ذلك يمدحهم ويحرضهم على ما وافقوه عليه من الحدب والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر * فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت اشراف عبد منافها * ففي هاشم اشرافها وقديمها
وإن فخرت يوما فان محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وسمينها * علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة * اذ ما ثنوا صغر الرقاب نقيمها
ونحمي حماها كل يوم كريهة * ونضرب عن أحجارها من يرومها
بنا انتعش العود الزواء وإنما * بأكنافنا تندى وتنمى أرومها
*2* فصل (إعتراض المشركين على رسول الله وتعنتهم له في الأسئلة )
@ فيما اعترض به المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات وخرق العادات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى والرشاد فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما اليه رغبوا لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم
يعمهون ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون قال الله تعالى واقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون وقال تعالى إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم وقال تعالى وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا وقال تعالى وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الانهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وقد تكلمنا على هذه الآيات وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد وقد روى يونس وزياد عن ابن اسحاق عن بعض أهل العلم وهو شيخ من أهل مصر يقال له محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال اجتمع عليه من أشراف قريش وعدد أسماءهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالوا يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الاحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك فان كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك وكان يسمون التابع من الجن الرئي فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني اليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا نذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فان تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة وإن تردوه على أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد فان كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك
فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيما يبعث لنا منهم قصي بن كلاب فانه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فان فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا كما تقول فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به اليكم فان تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوا علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا فان لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك عما نراك تبتغي فانك تقوم في الاسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم فقال لهم ما أنا بفاعل ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت اليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا فان تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لامر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم قالوا فاسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل فانا لن نؤمن لك إلاان تفعل فقال ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك فقالوا يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه ونطلب منك ما نطلب فيتقدم اليك ويعلمك ما تراجعنا به ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا اليك يا محمد أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا وقال قائلهم نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله وقال قائلهم لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ثم سألوك لانفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا أسفا لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد ولهذا اقتضت الحكمة الالهية والرحمة الربانية الا يجابوا لي ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون
بذلك فيعاجلهم بالعذاب كما قال الامام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن الاعمش عن جعفر بن إياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال سأل أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا فقيل له إن شئت أن تستأتي بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فان كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الامم قال لا بل أستأتي بهم فانزل الله تعالى وما منعنا أن نرسل الآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها الآية وهكذا رواه النسائي من حديث جرير وقال أحمد حدثنا عبد الرحن حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن عمران بن حكيم عن ابن عباس قال قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك قال وتفعلوا قالوا نعم قال فدعا فاتاه جبريل فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة قال بل التوبة والرحمة وهذان اسنادان جيدان وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جريج وغير واحد وروى الامام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عرض على ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما أو نحو ذلك فاذا جعت تضرعت اليك وذكرتك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك لفظ أحمد وقال الترمذي هذا حديث حسن وعلي بن يزيد يضعف في الحديث وقال محمد بن اسحاق حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس قال بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة فقالوا لهما سلوهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فانهم أهل الكتاب الاول وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الانبياء فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره وبعض قوله وقالا إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا قال فقالت لهم أحبار يهود سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فان أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فهو رجل متقول فروا فيه رأيكم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فانه قد كان لهم حديث عجيب وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هي فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه وإن لم يخبركم فانه رجل متقول فاصنعوا في
أمره ما بدا لكم فاقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فاخبراهم بها فجاؤا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبركم غدا بما سألتم عنه ولم يستثن فانصرفوا عنه ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيا ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه وحتى أحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف وقال الله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك ونزل قوله أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ثم شرع في تفصيل أمرهم واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر ثم ذي القرنين ثم قال ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ثم شرح أمره وحكى خبره وقال في سورة سبحان ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي أي خلق عجيب من خلقه وأمر من أمره قال لها كوني فكانت وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه وتصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته ولهذا قال وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وقد ثبت في الصحيحين أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فتلا عليهم هذه الآية فاما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا وإن كان نزولها متقدما ومن قال إنها إنما نزلت بالمدينة واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر والله أعلم
قال ابن اسحاق ولما خشي أبو طالب دهم العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانها منها وتودد فيها اشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه فقال
ولما رأيت القوم لاود فيهم * وقد قطعوا كل العري والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى * وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأبيض غضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطي وأخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائل
قياما معا مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضي حلفه كل ناقل
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إساف ونائل
موسمة الاعضاد أو بأعناقها قصراتها * مخيمة بين السديس وبازل
ترى الودع فيها والرخام وزينة * بأعناقها معقودة كالعثاكل
أعوذ برب الناس من كل طاعن * علينا بسوء أو ملح بباطل
ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة * ومن ملحق في الدين مالم نحاول
وثور ومن أرسي ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
وبالبيت حق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ ابراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل
وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورة وتماثل
ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي نذر ومن كل راجل
وبالمشعر الاقصى إذا عمدوا له * إلال إلى مفضي الشراج القوابل
وتوقافهم فوق الجبال عشية * يقيمون بالايدي صدور الرواحل
وليلة جمع والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمة ومنازل
وجمع إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل
وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل
وكندة إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجاج بكر بن وائل
حليفان شدا عقد ما احتلفا له * وردا عليه عاطفات الوسائل
وحطمهم سمر الرماح وسرحه * وشبرقه وخد النعام الجوافل
فهل بعد هذا من معاذ لعائذ * وهل من معيذ يتقي الله عادل
يطاع بنا أمر العدا ود أننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل
كذبتم وبيت الله نترك مكة * ونظعن الا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبذي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم بالحديد اليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل
وحتى نرى ذا الظعن يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل
وإنا لعمر الله إن جد ما أرى * لتلتبسا أسيافنا بالاماثل
بكفي فتى مثل الشهاب سميدع * أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
شهورا وأياما وحولا محرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل
وما ترك قوم لا أبالك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في رحمة وفواضل
لعمري لقد أجرى أسيد وبكره * إلى بغضنا وجزآنا لآكل
وعثمان لم يربع علينا وقنفذ * ولكن أطاعا أمر تلك القبائل
أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم * ولم يرقبا فينا مقالة قائل
كما قد لقينا من سبيع ونوفل * وكل تولى معرضا لم يجامل
فان يلفيا أو يمكن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل
وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاء وجامل
يناجي بنا في كل ممسى ومصبح * فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل
ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا * بلى قد تراه جهرة غير خائل
أضاق عليه بغضنا كل تلعة * من الأرض بين أخشب فمجادل
وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل
وكنت امرءا ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح * حسود كذوب مبغض ذي دغاول
ومر أبو سفيان عني معرضا * كما مر قيل من عظام المقاول
يفر إلى نجد وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل
ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيق ويخفي عارمات الدواخل
أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة * ولا معظم عند الأمور الجلائل
ولا يوم خصم إذ أتوك ألدة * أولى جدل من الخصوم المساجل
أمطعم إن القوم ساموك خطة * وإني متى أوكل فلست بوائل
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل
لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلف قيضا بنا والغياطل
ونحن الصميم من ذؤابة هاشم * وآل قصي في الخطوب الاوائل
وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا * علينا العدى من كل طمل وخامل
فعبد مناف أنتم خير قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل
لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل
وكنتم حديثا حطب قدر وأنتم * الآن أحطاب أقدر ومراجل
ليهن بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل
فان نك قوما نتئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل
وسائط كانت في لؤي بن غالب * نفاهم إلينا كل صقر حلاحل
ورهط نفيل شر من وطئ الحصى * والأم حاف من معد وناعل
فأبلغ قصيا أن سينشر أمرنا * وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل
ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل
ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنا أسى عند النساء المطافل
فكل صديق وابن أخت نعده * لعمري وجدنا غبه غير طائل
سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء الينا من معقة خاذل
وهنالهم حتى تبدد جمعهم * ويحسر عنا كل باغ وجاهل
وكان لنا حوض السقاية فيهم * ونحن الكدى من غالب والكواهل
شباب من المطيبين وهاشم * كبيض السيوف بين أيدي الصياقل
فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما * ولا حالفوا إلا شرار القبائل
بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم * ضواري أسود فوق لحم خرادل
بني أمة محبوبة هند كية * بني جمح عبيد قيس بن عاقل
ولكننا نسل كرام لسادة * بهم نعي الاقوام عند البواطل
ونعم ابن أخت القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل
اشم من الشم البهاليل ينتمي * إلى حسب في حومة المجد فاضل
لعمري لقد كلفت وجدا باحمد * وإخوته دأب المحب المواصل
فمن مثله في الناس أي مؤمل * إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عادل غير طائش * يوالي إلها ليس عنه بغافل
كريم المساعي ماجد وابن ماجد * له إرث مجد ثابت غير ناصل
وأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل
فوالله لولا أن أجيء بسبة * تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا تبعناه على كل حالة * من الدهر جدا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعني بقول الأباطل
فاصبح فينا أحمد في أرومة * يقصر عنها سورة المتطاول
حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
قال ابن هشام هذا ما صح لي من هذه القصيدة وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها
قلت هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه وهي أفحل من المعلقات السبع وابلغ في تأدية المعنى فيها جميعها وقد أوردها الاموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 07:54 PM
فصل (تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام ) .
@
*2* باب مجادلة المشركين رسول الله (ص)
@ وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا
قال ابن اسحاق ثم إنهم عدوا على من اسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من اصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة اذا اشتد الحر من استضعفوه منهم يفتنونهم عن دينهم فمنهم من يفتن من شدة البلاء الذي يصيبهم ومنهم من يصلب لهم ويعصمه الله منهم فكان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح مولدا من مولديهم وهو بلال بن رباح واسم امه حمامة وكان صادق الاسلام طاهر القلب وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له لا والله لا
تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك أحد احد قال ابن اسحاق فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك وهو يقول أحد أحد فيقول احد أحد والله يا بلال ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا
قلت قد استشكل بعضهم هذا من جهة أن ورقة توفي بعد البعثة في فترة الوحي واسلام من أسلم إنما كان بعد نزول يا أيها المدثر فكيف يمر ورقة ببلال وهو يعذب وفيه نظر ثم ذكر ابن اسحاق مرور أبي بكر ببلال وهو يعذب فاشتراه من أمية بعبد له أسود فاعتقه وأراحه من العذاب وذكر مشتراه لجماعة ممن أسلم من العبيد والاماء منهم بلال وعامر بن فهيرة وأم عميس التي أصيب بصرها ثم رده الله تعالى لها والنهدية وابنتها اشتراها من بني عبد الدار بعثتهما سيدتهما تطحنان لها فسمعها وهي تقول لهما والله لا أعتقكما أبدا فقال أبو بكر حل يا أم فلان فقالت حل أنت أفسدتهما فاعتقهما قال فبكم هما قالت بكذا وكذا قال قد أخذتهما وهما حرتان أرجعا إليها طحينها قالتا أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده اليها قال ذلك إن شئتما واشترى جارية بني مؤمل حي من بني عدي كان عمر يضربها علىالاسلام قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن عبد الله بن أبي عتيق عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن بعض أهله قال قال أبو قحافة لابنه أبي بكر يا بني إني أراك تعتق ضعافا فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلداء يمنعونك ويقومون دونك قال فقال أبو بكر يا أبة إني إنما أريد ما أريد قال فتحدث أنه ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قال أبوه فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى إلى آخر السورة وقد تقدم ما رواه الامام احمد وابن ماجه من حديث عاصم بن بهدلة عن زر عن ابن مسعود قال أول من أظهر الاسلام سبعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد فاما رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه وأبو بكر منعه الله بقومه وأما سائرهم فاخذهم المشركون فالبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا فانه هانت عليه نفسه في الله تعالى وهان على قومه فاخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد ورواه الثوري عن منصور عن مجاهد مرسلا
قال ابن اسحاق وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت اسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة فيمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول فيما بلغني
صبرا آل ياسر موعدكم الجنة وقد روى البيهقي عن الحاكم عن ابراهيم بن عصمة العدل حدثنا السري بن خزيمة حدثنا مسلم بن ابراهيم حدثنا هشام بن أبي عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأهله وهم يعذبون فقال ابشروا آل عمار وآل ياسر فان موعدكم الجنة فاما أمه فقتلوها فتأبى إلا الاسلام وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال أول شهيد كان في الإسلام استشهد أم عمار طعنها أبو جهل بحربة في قلبها وهذا مرسل
قال محمد بن اسحاق وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش إن سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وخزاه وقال تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك ولنفلين رأيك ولنضعن شرفك وإن كان تاجرا قال والله لنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك وإن كان ضعيفا ضر به وأغرى به لعنه الله وقبحه قال ابن اسحاق وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد الله بن عباس أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم قال نعم والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة حتى يقولوا له اللات والعزى إلهآن من دون الله فيقول نعم افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم
قلت وفي مثل هذا أنزل الله تعالى من كفر بالله من بعد ايمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدره فعليهم غضب من الله ولهم عذاب اليم الآية فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الاهانة والعذاب البليغ أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال كنت رجلا قينا وكان لي على العاص بن وائل دين فاتيته اتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال فاني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد فاعطيك فانزل الله تعالى أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا إلى قوله ويأتينا فردا أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الاعمش به وفي لفظ البخاري كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فذكر الحديث وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا بنان واسماعيل قالا سمعنا قيسا يقول سمعت خبابا يقول أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت ألا تدعو الله فقعد وهو محمر الوجه فقال قد كان من كان قبلكم ليمشط بامشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما
يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله عز وجل زاد بنان والذئب على غنمه وفي رواية ولكنكم تستعجلون انفرد به البخاري دون مسلم وقد روى من وجه آخر عن خباب وهو مختصر من هذا والله أعلم
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان وابن جعفر حدثنا شعبة عن أبي اسحاق عن سعيد ابن وهب عن خباب قال شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا يعني في الصلاة وقال ابن جعفر فلم يشكنا وقال أيضا حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي اسحاق عن سعيد ابن وهب عن خباب قال شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شدة الرمضاء فما أشكانا يعني في الصلاة وقال ابن جعفر فلم يشكنا وقال أيضا حدثنا سليمان بن داود حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت سعيد بن وهب يقول سمعت خبابا يقول شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا قال شعبة يعني في الظهيرة ورواه مسلم والنسائي والبيهقي من حديث أبي اسحاق السبيعي عن سعيد بن وهب عن خباب قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء زاد البيهقي في وجوهنا واكفنا فلم يشكنا وفي رواية شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء فلم يشكنا وروا ابن ماجه عن علي بن محمد الطنافسي عن وكيع عن الاعمش عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب العبدي عن خباب قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا والذي يقع لي والله أعلم أن هذا الحديث مختصر من الأول وهو أنهم شكوا اليه صلى الله عليه وسلم ما يلقون من المشركين من التعذيب بحر الرمضاء وأنهم يسحبونهم على وجوههم فيتقون بأكفهم وغير ذلك من أنواع العذاب كما تقدم عن ابن اسحاق وغيره وسألوا منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم على المشركين أو يستنصر عليهم فوعدهم ذلك ولم ينجزه لهم في الحالة الراهنة وأخبرهم عمن كان قبلهم أنهم كانوا يلقون من العذاب ما هو أشد مما أصابهم ولا يصرفهم ذلك عن دينهم ويبشرهم أن الله سيتم هذا الأمر ويظهره ويعلنه وينشره وينصره في الاقاليم والآفاق حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ولهذا قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشكنا أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة فمن استدل بهذا الحديث على عدم الابراد أو على وجوب مباشرة المصلى بالكف كما هو أحد قولي الشافعي ففيه نظر والله أعلم
باب :
وإقامة الحجة الدامغة عليهم واعترافهم في أنفسهم بالحق وإن أظهروا المخالفة عنادا وحسدا وبغيا وجحودا
قال اسحاق بن راهوايه حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له فبلغ
ذلك أبا جهل فاتاه فقال يا عم ان قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا قال لم قال ليعطوكه فانك أتيت محمدا لتعرض ما قبله قال قد علمت قريش أني أكثرها مالا قال فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له قال وماذا أقول فوالله ما منكم رجل أعرف بالاشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني ولا باشعار الجن والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ووالله أن لقوله الذي يقوله حلاوة وإن عليه لطلاوة وانه لمثمر اعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى وإنه ليحطم ما تحته قال لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه قال قف عني حتى أفكر فيه فلما فكر قال إن هذا الا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن محمد الصنعاني بمكة عن اسحاق به وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا فيه أنه قرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون وقال البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر المواسم فقال ان وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قول بعضكم بعضا فقيل يا أبا عبد شمس فقل واقم لنا رأيا نقوم به فقال بل أنتم فقولوا وأنا أسمع فقالوا نقول كاهن فقال ما هو بكاهن رأيت الكهان فما هو بزمزمة الكهان فقالوا نقول مجنون فقال ما هو بمجنون ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحنقه ولا تخالجه ولا وسوسته فقال نقول شاعر فقال ما هو بشاعر قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر قالوا فنقول هو ساحر قال ما هو بساحر قد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثه ولا بعقده قالوا فما نقول يا أبا عبد شمس قال والله ان لقوله لحلاوة وان أصله لمغدق وان فرعه لجني فما أنتم بقائلين من هذا شيئا الا عرف أنه باطل وان اقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر فتقولوا هو ساحر يفرق بين المرء ودينه وبين المرء وأبيه وبين المرء وزوجته وبين المرء واخيه وبين المرء وعشيرته فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم لا يمر بهم أحد لا حذروه اياه وذكروا لهم أمره وأنزل الله في الوليد ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات وفي أولئك النفر الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم اجمعين عما كانوا يعملون
قلت وفي ذلك قال الله تعالى اخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليئتنا بآية كما أرسل الاولون فحاروا ماذا يقولون فيه فكل شيء يقولونه باطل لأن
من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ قال الله تعالى انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا وقال الامام عبد بن حميد في مسنده حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي ابن مسهر عن الاجلح هو ابن عبد الله الكندي عن الذيال بن حرملة الاسدي عن جابر بن عبد الله قال اجتمع قريش يوما فقالوا أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا أنت يا أباالوليد فاتاه عتبة فقال يا محمد أنت خير أم عبد الله فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت خير أم عبد المطلب فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فان كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وان في قريش كاهنا والله ما ننتظر الا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا وإن كان إنما بك الباه فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغت قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون إلى أن بلغ فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فقال عتبة حسبك ما عندك غير هذا قال لا فرجع الى قريش فقالوا ما وراءك قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه الا كلمته قالوا فهل أجابك فقال نعم ثم قال لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قالوا ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال قال لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الاصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الاجلح به وفيه كلام وزاد وان كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت وعنده أنه لما قال فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسك عقبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه ولم يخرج الى أهله واحتبس عنهم فقال أبو جهل والله يا معشر قريش ما نرى عتبة الا صبأ الى محمد واعجبه طعامه وما ذاك الا من حاجة اصابته انطلقوا بنا اليه فاتوه فقال أبو جهل والله يا عتبة ما جئنا الا أنك صبوت الى محمد وأعجبك أمره فان كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب واقسم بالله لا يكلم محمدا ابدا وقال لقد علمتم أني
من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقص عليهم القصة فاجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ فان اعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فامسكت بفيه وناشدته الرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا اذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن اسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد يا معشر قريش الا أقوم الى هذا فاعرض عليه امورا لعله يقبل بعضها ويكف عنا قالوا بلى يا أبا الوليد فقام عتبة حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث فيما له عتبة وفيما عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال والملك وغير ذلك وقال زياد بن إسحاق فقال عتبة يا معشر قريش ألا أقوم الى محمد فاكمله واعرض عليه أمور لعله يقبل بعضها فنعطيه اياها ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يزيدون ويكثرون فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم اليه وكلمه فقام عتبة حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشطر في العشيرة والمكان في النسب وأنك قد أتيت قومك بامر عظيم فرقت جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا الوليد اسمع قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وان كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وان كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فانه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه أو كما قال له حتى اذا فرغ عتبة قال له النبي صلى الله عليه وسلم افرغت يا أبا الوليد قال نعم قال اسمع مني قال افعل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها فلما سمع بها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليها ليسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى السجدة فسجدها ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال سمعت قال فانت وذاك ثم قام عتبة الى أصحابه فقال بعضهم لبعض تحلف بالله لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلسوا اليه قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا الكهانة يا معشر قريش
أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم ثم ذكر يونس عن ابن اسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة
وقال البيهقي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الادمي بمكة حدثنا أبو أيوب احمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عتبة بن ربيعة حم تنزيل من الرحمن الرحيم أتى اصحابه فقال لهم يا قوم أطيعوني في هذا الأمر اليوم واعصوني فيما بعده فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله وما دريت ما أرد عليه وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن اسحاق حدثني الزهري قال حدثت أن أبا جهل وابا سفيان والاخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته فاخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه وكل لا يعلم بمكان صاحبه فباتوا يستمعون له حتى اذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا ثم انصرفوا حتى اذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم الى مجلسه فباتوا يستمعون له حتى طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق قال بعضهم لبعض مثل ما قالوا اول مرة ثم انصرفوا فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه فباتوا يستمعون له حتى اذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فقالوا لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا فلما أصبح الاخنس بن شريق اخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد فقال يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء اعرفها واعرف ما يراد بها فقال الاخنس وأنا والذي حلفت به ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد فقال ماذا سمعت تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا واعطوا فاعطينا حتى اذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه والله لا نسمع به أبدا ولا نصدقه فقام عنه الاخنس بن شريق ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا احمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن المغيرة بن شعبة قال إن أول يوم عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة إذ لقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جهل يا أبا الحكم هلم إلى الله والى رسوله أدعوك إلى الله فقال أبو جهل يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت فنحن نشهد أن قد بلغت فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل علي فقال والله اني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شيء إن بني قصي قالوا فينا الحجابة فقلنا نعم ثم قالوا فينا السقاية فقلنا نعم ثم قالوا فينا الندوة فقلنا نعم ثم قالوا فينا اللواء فقلنا نعم ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا منا نبي والله لا أفعل
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال اخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم حدثنا محمد ابن خالد حدثنا احمد بن خلف حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق قال مر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل وأبي سفيان وهما جالسان فقال أبو جهل هذا نبيكم يا بني عبد شمس قال أبو سفيان وتعجب أن يكون منا نبي فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل فقال أبو جهل أعجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع فأتاهما فقال أما أنت يا أبا سفيان فما لله ورسوله غضبت ولكنك حميت للاصل وأما أنت يا أبا الحكم فوالله لتضحكن قليلا ولتبكين كثيرا فقال بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة
وقول أبي جهل لعنه الله كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا
وقال الامام أحمد حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم متوار بمكة ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال كان اذا صلى باصحابه رفع صوته بالقرآن فلما سمع المشركون سبوا القرآن وسبوا من أنزله ومن جاء به قال فقال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك وابتغ بين ذلك سبيلا وهكذا رواه صاحبا الصحيح من حديث أبي بشر جعفر بن أبي حية به
وقال محمد بن اسحاق حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فرقا منهم فان رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية اذاهم فلم يستمع فان خفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا فانزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ولا تخافت بها فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك لعله يرعوى إلى بعض ما يسمع فينتفع به وابتغ بين ذلك سبيلا
*2* باب - هجرة أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة
@
قد تقدم ذكر أذية المشركين للمستضعفين من المؤمنين وما كانوا يعاملونهم به من الضرب الشديد والاهانة البالغة وكان الله عز وجل قد حجرهم عن رسوله صلى الله عليه وسلم ومنعه بعمه أبي طالب كما تقدم تفصيله ولله الحمد والمنة وروى الواقدي أن خروجهم اليها في رجب سنة خمس من البعثة وأن أول من هاجر منهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة وأنهم انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار الى الحبشة وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة العنزي وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم و يقال بل أبو حاطب بن عمرو وسهيل بن بيضاء وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين قال ابن جرير وقال آخرون بل كانوا اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم وابنائهم وعمار بن ياسر نشك فان كان فيهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلا
وقال محمد بن اسحاق فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز وجل ومن عمه أبي طالب وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا الى الله بدينهم فكانت أول هجرة كانت في الاسلام فكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا روى البيهقي من حديث يعقوب بن سفيان عن عباس العنبري عن بشر بن موسى عن الحسن ابن زياد البرجمي حدثنا قتادة قال أول من هاجر الى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي الله عنه سمعت النضر بن أنس يقول سمعت أبا حمزة يعني أنس بن مالك يقول خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أرض الحبشة فابطأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهما فقدمت امرأة من قريش فقالت يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته قال على أي حال رأيتهما
قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذا الدبابة وهو يسوقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبهما الله ان عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام
قال ابن اسحاق وأبو حذيفة بن عتبة وزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو وولدت له بالحبشة محمد بن أبي حذيفة والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة وولدت له بها زينب وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب وهو من بني عنز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وأبو سبرة بن أبي رهم العامري وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو ويقال أبو حاطب ابن عمرو بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر وهو أول من قدمها فيما قيل وسهيل بن بيضاء فهؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين الى أرض الحبشة فيما بلغني قال ابن هشام وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر بعض أهل العلم
قال ابن اسحاق ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس وولدت له بها عبد الله بن جعفر وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة
وقد زعم موسى بن عقبة أن الهجرة الاولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشعب وفي هذا نظر والله أعلم وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في الهجرة الثانية اليها وذلك بعد عود بعض من كان خرج أولا حين بلغهم أن المشركين أسلموا وصلوا فلما قدموا مكة وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين صحيحا فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة وهي الهجرة الثانية كما سيأتي بيانه قال موسى بن عقبة وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانيا وما ذكره ابن اسحاق من خروجه في الرعيل الاول أظهر كما سيأتي بيانه والله أعلم لكنه كان في زمرة ثانية من المهاجرين أولا وهو المقدم عليهم والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره كما سنورده مبسوطا ثم إن ابن اسحاق سرد الخارجين صحبة جعفر رضي الله عنهم وهم عمرو بن سعيد بن العاص وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق الكناني وأخوه خالد وامرأته أمينة بنت خلف بن أسعد الخزاعي وولدت له بها سعيدا وأمه التي تزوجها بعد ذلك الزبير فولدت له عمرا وخالدا قال وعبد الله بن جحش بن رئاب وأخوه عبيد الله ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خزيمة وامرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان ومعيقيب بن أبي فاطمة وهو من موالي سعيد بن العاص قال ابن هشام وهو من دوس قال وأبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس حليف آل عتبة بن
ربيعة وسنتكلم معه في هذا وعتبة بن غزوان ويزيد بن زمعة بن الاسود وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد وطليب بن عمير بن وهب بن أبي كثير بن عبد وسويبط بن سعد بن حريملة وجهم بن قيس العبدوي ومعه امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بن خزيمة وولداه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وفراس بن النضر ابن الحارث بن كلدة وعامر بن أبي وقاص أخو سعد والمطلب بن أزهر بن عبد عوف الزهري وامرأته رملة بنت أبي عوف بن ضبيرة وولدت بها عبد الله وعبد الله بن مسعود وأخوه عتبة والمقداد بن الاسود والحارث بن خالد بن صخر التيمي وامرأته ريطة بنت الحارث بن جبيلة وولدت له بها موسى وعائشة وزينب وفاطمة وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرة وشماس بن عثمان بن الشريد المخزومي قال وإنما سمي شماسا لحسنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان وهبار بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي وأخوه عبد الله وهشام بن أبي حذيفة ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وسلمة بن هشام بن المغيرة وعياش بن أبي ربيعة ابن المغيرة ومعتب بن عوف بن عامر ويقال له عيهامة وهو من حلفاء بني مخزوم قال وقدامة وعبد الله أخوا عثمان بن مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون وحاطب بن الحارث بن معمر ومعه امرأته فاطمة بنت المجلل وابناه منها محمد والحارث وأخوه خطاب وامرأته فكيهه بنت يسار وسفيان بن معمر بن حبيب وامرأته حسنة وابناه منها جابر وجنادة وابنها من غيره وهو شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مزاحم بن تميم وهو الذي يقال له شرحبيل ابن حسنة وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح وخنيس بن حذافة بن قيس ابن عدي وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم وهشام بن العاص بن وائل ابن سعيد وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي واخوه عبد الله وأبو قيس بن الحارث بن قيس ابن عدي وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسيد ابناء الحارث وسعيد بن قيس ابن عدي لامه وهو سعيد بن عمرو التميمي وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم سعيد بن سهم وحليف لبني سهم وهو محمية بن جزء الزبيدي ومعمر بن عبد الله العدوي وعروة بن عبد العزى وعدي بن نضلة بن عبد العزى وابنه النعمان وعبد الله بن مخرمة العامري وعبد الله ابن سهيل بن عمرو وسليط بن عمرو وأخوه السكران ومعه زوجته سؤدة بنت زمعة ومالك بن ربيعة وامرأته عمرة بنت السعدي وأبو حاطب بن عمرو العامري وحليفهم سعد بن خولة وهو من اليمن وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري وسهيل بن بيضاء وهي أمه واسمها دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال
ابن ضبة بن الحارث وعمرو بن أبي سرح بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة وعمرو بن الحارث بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة وعثمان بن عبد غنم بن زهير اخوات وسعيد بن عبد قيس بن لقيط وأخوه الحارث الفهريون
قال ابن اسحاق فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم وهو يشك فيه
قلت وذكر ابن اسحاق أبا موسى الأشعري فيمن هاجر من مكة الى أرض الحبشة غريب جدا وقد قال الامام أحمد حدثنا حسن بن موسى سمعت خديجا أخا زهير بن معاوية عن أبي اسحاق عن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى النجاشي ونحن نحوا من ثمانين رجلا فيهم عبد الله بن مسعود وجعفر وعبد الله بن عرفطة وعثمان بن مظعون وأبو موسى فاتوا النجاشي وبعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فلما دخلا على النجاشي سجدا له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ثم قالا له إن نفرا من بني عمنا نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتنا قال فأين هم قالا في أرضك فابعث اليهم فبعث اليهم فقال جعفر أنا خطيبكم اليوم فاتبعوه فسلم ولم يسجد فقالوا له مالك لا تسجد للملك قال إنا لا نسجد إلا لله عز وجل قال وما ذاك قال إن الله بعث الينا رسولا ثم أمرنا أن لا نسجد لاحد إلا لله عز وجل وأمرنا بالصلاة والزكاة قال عمرو فانهم يخالفونك في عيسى بن مريم قال فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه قال نقول كما قال الله هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر ولم يفرضها ولد قال فرفع عودا من الأرض ثم قال يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه الذي نجد في الانجيل وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم انزلوا حيث شئتم والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه وأمر بهدية الآخرين فردت اليهما ثم تعجل عبد الله ابن مسعود حتى أدرك بدرا وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر له حين بلغه موته وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة إن لم يكن ذكره مدرجا من بعض الرواة والله أعلم وقد روى عن أبي اسحاق السبيعي من وجه آخر
فقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا الغلابي حدثنا عبد الله بن رجاء حدثنا إسرائيل وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا محمد بن زكريا حدثنا الحسن بن علوية القطان حدثنا عباد بن موسى الختلي حدثنا اسماعيل بن جعفر حدثنا اسرائيل وحدثنا أبو احمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد وجمعوا للنجاشي هدية وقدما علىالنجاشي فاتياه بالهدية فقبلها وسجدا له ثم قال عمرو بن العاص إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك قال لهم النجاشي في أرضي قالا نعم فبعث الينا فقال لنا جعفر لا يتكلم منكم أحد أنا خطيبكم اليوم فانتهينا الى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين وقد قال له عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان اسجدوا للملك فقال جعفر لا نسجد إلا لله عز وجل فلما انتهينا الى النجاشي قال ما منعك أن تسجد قال لا نسجد إلا لله فقال له النجاشي وما ذاك قال إن الله بعث فينا رسولا وهو الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من بعده اسمه احمد فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر فاعجب النجاشي قوله فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى بن مريم فقال النجاشي لجعفر ما يقول صاحبكم في ابن مريم قال يقول فيه قول الله هو روح الله وكلمته أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر ولم يفرضها ولد فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيدون هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزن هذه مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده فانا أشهد أنه رسول الله وأنه الذي بشر به عيسى ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه امكثوا في أرضي ما شئتم وأمر لنا بطعام وكسوة وقال ردوا على هذين هديتهما وكان عمرو بن العاص رجلا قصيرا وكان عمارة رجلا جميلا وكانا أقبلا في البحر فشربا ومع عمرو امرأته فلما شربا قال عمارة لعمرو مر امرأتك فلتقبلني فقال له عمرو ألا تستحي فاخذ عمارة عمرا فرمى به في البحر فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة فحقد عليه عمرو في ذلك فقال عمرو للنجاشي إنك إذا خرجت خلفك عمارة في أهلك فدعا النجاشي بعمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل من طريق أبي علي الحسن بن سلام السواق عن عبيد الله بن موسى فذكر باسناده مثله إلى



قوله فامر لنا بطعام وكسوة قال وهذا اسناد صحيح وظاهره يدل على أن أبا موسى كان بمكة وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض الحبشة والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى أنهم بلغهم مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلا في سفينة فالقتهم سفينتهم إلى النجاشي بارض الحبشة فوافقوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عندهم فامره جعفر بالاقامة فاقاموا عنده حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن خيبر قال وأبو موسى شهد ما جرى بين جعفر وبين النجاشي فاخبر عنه قال ولعل الراوي وهم في قوله أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننطلق والله أعلم
وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو اسامة حدثنا يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فركبنا سفينة فالقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فاقمنا معه حتى قدمنا فوافينا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكم أنتم أهل السفينة هجرتان وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وأبي عامر عبد الله بن براد بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى كلاهما عن أبي أسامة به وروياه في مواضع أخر مطولا والله أعلم
وأما قصة جعفر مع النجاشي فان الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن ابي طالب من تاريخه من رواية نفسه ومن رواية عمرو بن العاص وعلى يديهما جرى الحديث ومن رواية ابن مسعود كما تقدم وأم سلمة كما سيأتي فاما رواية جعفر فانها عزيزة جدا رواها ابن عساكر عن أبي القاسم السمرقندي عن أبي الحسين بن النقور عن أبي طاهر المخلص عن أبي القاسم البغوي قال حدثنا أبو عبد الرحمن الجعفي عن عبد الله بن عمر بن أبان حدثنا أسد بن عمرو البجلي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه قال بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبي سفيان إلى النجاشي فقالوا له ونحن عنده قد صار اليك ناس من سفلتنا وسفهائنا فادفعهم الينا قال لا حتى اسمع كلامهم قال فبعث الينا فقال ما يقول هؤلاء قال قلنا هؤلاء قوم يعبدون الاوثان وإن الله بعث الينا رسولا فآمنا به وصدقناه فقال لهم النجاشي أعبيد هم لكم قالوا لا فقال فلكم عليهم دين قالوا لا قال فخلوا سبيلهم قال فخرجنا من عنده فقال عمرو بن العاص إن هؤلاء يقولون في عيسى غير ما تقول قال إن لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدعهم في أرضي ساعة من نهار فارسل الينا فكانت الدعوة الثانية أشد علينا من الأولى قال ما يقول صاحبكم في عيسى بن مريم قلنا يقول هو روح الله وكلمته القاها إلى عذراء بتول قال فارسل فقال ادعوا لي فلان القس وفلان الراهب فاتاه ناس منهم فقال ما تقولون في عيسى بن مريم
فقالوا أنت أعلمنا فما تقول قال النجاشي وأخذ شيئا من الأرض قال ما عدا عيسى ما قال هؤلاءمثل هذا ثم قال أيؤذيكم احدا قالوا نعم فنادى مناد من آذى أحدا منهم فاغرموه أربعة دراهم ثم قال أيكفيكم قلنا لا فأضعفها قال فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وظهر بها قلنا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدينة وقتل الذين كنا حدثناك عنهم وقد أردنا الرحيل إليه فردنا قال نعم فحملنا وزودنا ثم قال أخبر صاحبك بما صنعت اليكم وهذا صاحبي معكم أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وقل له يستغفر لي قال جعفر فخرجنا حتى أتينا المدينة فتلقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنقني ثم قال ما أدري أنا بفتح خيبر أفرح أم بقدوم جعفر ووافق ذلك فتح خيبر ثم جلس فقال رسول النجاشي هذا جعفر فسله ما صنع به صاحبنا فقال نعم فعل بنا كذا وكذا وحملنا وزودنا وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وقال لي قل له يستغفر لي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ثم دعا ثلاث مرات اللهم اغفر للنجاشي فقال المسلمون آمين ثم قال جعفر للرسول انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ابن عساكر حسن غريب
وأما رواية أم سلمة فقد قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه ومن عمه لا يصل اليه شيء مما يكره ومما ينال أصحابه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه فخرجنا اليها ارسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنين على ديننا ولم نخش فيها ظلما فلما رأت قريش أنا قد أصبنا دارا وأمنا غاروا منا فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجونا من بلاده وليردنا عليهم فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فجمعوا له هدايا ولبطارقته فلم يدعوا منهم رجلا إلا هيئوا له هدية على حدة وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم ثم ادفعوا اليه هداياه فان استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا اليه هديته فكلموه فقالوا له إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا فارقوا أقوامهم في دينهم ولم يدخلوا في دينكم فبعثنا قومهم ليردهم الملك عليهم فاذا نحن كلمناه فاشيروا عليه بأن يفعل فقالوا نفعل ثم قدموا إلى النجاشي هداياه وكان من أحب ما يهدون اليه من مكة الأدم وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا اليه فرسا وجبة ديباج فلما أدخلوا عليه هداياه قالوا له إيها
الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاؤا بدين مبتدع لا نعرفه وقد لجئوا إلى بلادك وقد بعثنا اليك فيهم عشائرهم آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم فانهم أعلا بهم عينا فانهم لن يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك فغضب ثم قال لا لعمر الله لا أردهم عليهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم قوم لجئوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري فان كانوا كما يقولون رددتهم عليهم وان كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل بينهم وبينهم ولم انعم عينا وذكر موسى بن عقبة أن أمراءه أشاروا عليه بان يردهم اليهم فقال لا والله حتى اسمع كلامهم واعلم على أي شيء هم عليه فلما دخلوا عليه سلموا ولم يسجدوا له فقال أيها الرهط ألا تحدثوني ما لكم لا تحيوني كما يحييني من أتانا من قومكم فاخبروني ماذا تقولون في عيسى وما دينكم أنصارى أنتم قالوا لا قال افيهود أنتم قالوا لا قال فعلى دين قومكم قالوا لا قال فما دينكم قالوا الاسلام قال وما الاسلام قالوا نعبد الله لا نشرك به شيئا قال من جاءكم بهذا قالوا جاءنا به رجل من أنفسنا قد عرفنا وجهه ونسبه بعثه الله الينا كما بعث الرسل الى من قبلنا فأمرنا بالبر والصدقة والوفاء وأداء الأمانة ونهانا أن نعبد الأوثان وأمرنا بعبادة الله وحده لا شريك له فصدقناه وعرفنا كلام الله وعلمنا أن الذي جاء به من عند الله فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا وعادوا النبي الصادق وكذبوه وأرادوا قتله وأرادونا على عبادة الأوثان ففررنا اليك بديننا ودمائنا من قومنا قال والله إن هذا لمن المشكاة التي خرج منها أمر موسى قال جعفر وأما التحية فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام وأمرنا بذلك فحييناك بالذي يحيي بعضنا بعضا وأما عيسى بن مريم فعبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه وابن العذراء البتول فاخذ عودا وقال والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود فقال عظماء الحبشة والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك فقال والله لا أقول في عيسى غير هذا أبدا وما أطاع الله الناس في حين رد علي ملكي فاطع الناس في دين الله معاذ الله من ذلك وقال يونس عن ابن اسحاق فارسل اليهم النجاشي فجمعهم ولم يكن شيء أبغض لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من أن يسمع كلامهم فلما جاءهم رسول النجاشي اجتمع القوم فقالوا ماذا تقولون فقالوا وماذا نقول نقول والله ما نعرف وما نحن عليه من أمر ديننا وما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم كائن من ذلك ما كان فلما دخلوا عليه كان الذي يكلمه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له النجاشي ما هذا الدين الذي أنتم عليه فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية فقال له جعفر أيها الملك كنا قوما على الشرك ونعبد الأوثان ونأكل الميتة ونسيء الجوار يستحل المحارم بعضنا من
بعض في سفك الدماء وغيرها لا نحل شيئا ولا نحرمه فبعث الله الينا نبيا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته فدعانا الى أن نعبد الله وحده لا شريك له ونصل الارحام ونحمى الجوار ونصلي لله عز وجل ونصوم له ولا نعبد غيره
وقال زياد عن ابن اسحاق فدعانا الى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة وأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال فعدوا عليه أمور الاسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من عند الله فعبدنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئا وحرمنا ما حرم علينا واحللنا ما أحل لنا فعدا علينا قومنا فعذبونا ليفتنونا عن ديننا ويردونا الى عبادة الاوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا الى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك قالت فقال النجاشي هل معك شي مما جاء به وقد دعا اساقفته فأمرهم فنشروا المصاحف حوله فقال له جعفر نعم قال هلم فاتل على مما جاء به فقرأ عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشي حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم ثم قال إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى انطلقوا راشدين لا والله لا أردهم عليكم ولا أنعمكم عينا فخرجنا من عنده وكان أبقى الرجلين فينا عبد الله بن ربيعة فقال عمرو بن العاص والله لآتينه غدا بما استأصل به خضراءهم ولأخبرنه أنهم يزعمون أن ألهه الذي يعبد عيسى بن مريم عبد فقال له عبد الله بن أبي ربيعة لا تفعل فانهم وان كانوا خالفونا فان له رحما ولهم حقا فقال والله لافعلن فلما كان الغد دخل عليه فقال أيها الملك إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما فارسل اليهم فسلهم عنه فبعث والله اليهم ولم ينزل بنا مثلها فقال بعضنا لبعض ماذا تقولون له في عيسى ان هو يسألكم عنه فقالوا نقول والله الذي قاله الله فيه والذي أمرنا نبينا أن نقوله فيه فدخلوا عليه وعنده بطارقته فقال ما تقولون في عيسى بن مريم فقال له جعفر نقول هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته القاها الى مريم العذراء البتول فدلى النجاشي يده الى الأرض فأخذ عودا بين أصبعيه فقال ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العويد فتناخرت بطراقته فقال وان تناخرتم والله اذهبوا فانتم سيوم في الأرض السيوم الآمنون في الأرض من سبكم غرم من سبكم غرم من سبكم غرم ثلاثا ما أحب أن لي دبرا وإني آذيت رجلا منكم والدبر بلسانهم الذهب وقال زياد عن ابن اسحاق ما أحب أن لي دبرا من ذهب قال
ابن هشام ويقال زبرا وهو الجبل بلغتهم ثم قال النجاشي فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي ولا أطاع الناس في فاطيع الناس فيه ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها واخرجا من بلادي فخرجا مقبوحين مردودا عليهما ماجآ به قالت فاقمنا مع خير جار في خير دار فلم نشب أن خرج عليه رجل من الحبشة ينازعه في ملكه فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط هو أشد منه فرقا من أن يظهر ذلك الملك عليه فيأتي ملك لا يعرف من حقنا ما كان يعرفه فجعلنا ندعوا الله ونستنصره للنجاشي فخرج اليه سائرا فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم لبعض من يخرج فيحضر الوقعة حتى ينظر على من تكون وقال الزبير وكان من أحدثهم سنا أنا فنفخوا له قربة فجعلها في صدره فجعل يسبح عليها في النيل حتى خرج من شقه الآخر الى حيث التقى الناس فحضر الوقعة فهزم الله ذلك الملك وقتله وظهر النجاشي عليه فجائا الزبير فجعل يليح لنا بردائه ويقول ألا فابشروا فقد اظهر الله النجاشي قلت فوالله ما علمنا أننا فرحنا بشيء قط فرحنا بظهور النجاشي ثم أقمنا عنده حتى خرج من خرج منا إلى مكة وأقام من أقام
قال الزهري فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير عن أم سلمة فقال عروة أتدري ما قوله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه ولا أطاع الناس في فاطيع الناس فيه فقلت لا ما حدثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أم سلمة فقال عروة فان عائشة حدثتني أن أباه كان ملك قومه وكان له أخ له من صلبه اثنا عشر رجلا ولم يكن لاب النجاشي ولد غير النجاشي فادارت الحبشة رأيها بينها فقالوا لو انا قتلنا ابا النجاشي وملكنا أخاه فان له اثنا عشر رجلا من صلبه فتوارثوا الملك لبقيت الحبشة عليهم دهرا طويلا لا يكون بينهم اختلاف فعدوا عليه فقتلوه وملكوا أخاه فدخل النجاشي بعمه حتى غلب عليه فلا يدبر أمره غيره وكان لبيبا حازما من الرجال فلما رأت الحبشة مكانه من عمه قالوا قد غلب هذا الغلام على أمر عمه فما نأمن أن يملكه علينا وقد عرف أنا قتلنا أباه فلئن فعل لم يدع منا شريفا الا قتله فكلموه فيه فليقتله أو ليخرجنه من بلادنا فمشوا الى عمه فقالوا قد رأينا مكان هذا الفتى منك وقد عرفت أنا قتلنا أباه وجعلناك مكانه وانا لا نأمن أن يملك علينا فيقتلنا فأما أن تقتله واما أن تخرجه من بلادنا قال ويحكم قتلتم أباه بالأمس واقتله اليوم بل أخرجه من بلادكم فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من التجار قذفه في سفينة بستمائة درهم أو بسبعمائة فانطلق به فلما كان العشي هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطر تحتها فاصابته صاعقة فقتلته ففزعوا الى ولده فاذا هم محمقون ليس في أحد منهم خير فمرج على الحبشة أمرهم فقال بعضهم لبعض تعلمون والله أن ملككم الذي لا يصلح أمركم غيره للذي بعتم الغداة فان كان لكم بأمر الحبشة
حاجة فادركوه قبل أن يذهب فخرجوا في طلبه فادركوه فردوه فعقدوا عليه تاجه وأجلسوه على سريره وملكوه فقال التاجر ردوا علي مالي كما أخذتم مني غلامي فقالوا لا نعطيك فقال اذا والله لاكلمنه فمشى اليه فكلمه فقال أيها الملك اني ابتعت غلاما فقبض مني الذي باعوه ثمنه ثم عدوا على غلامي فنزعوه من يدي ولم يردوا علي مالي فكان أول ما خبر به من صلابة حكمه وعدله أن قال لتردن عليه ماله أو لتجعلن يد غلامه في يده فليذهبن به حيث شاء فقالوا بل نعطيه ماله فاعطوه إياه فلذلك يقول ما أخذ الله مني الرشوة فآخذ الرشوة حين رد علي ملكي وما أطاع الناس في فاطيع الناس فيه
وقال موسى بن عقبة كان أبو النجاشي ملك الحبشة فمات والنجاشي غلام صغير فاوصى الى أخيه أن اليك ملك قومك حتى يبلغ ابني فاذا بلغ فله الملك فرغب أخوه في الملك فباع النجاشي من بعض التجار فمات عمه من ليلته وقضى فردت الحبشة النجاشي حتى وضعوا التاج على رأسه هكذا ذكره مختصرا وسياق ابن اسحاق أحسن وأبسط فالله أعلم والذي وقع في سياق ابن اسحاق انما هو ذكر عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة والذي ذكره موسى بن عقبة والاموي وغير واحد أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة وهو أحد السبعة الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تضاحكوا يوم وضع سلا الجزور على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري والمقصود انهما حين خرجا من مكة كانت زوجة عمرو معه وعمارة كان شابا حسنا فاصطحبا في السفينة وكان عمارة طمع في امرأة عمرو ابن العاص فألقى عمرا في البحر ليهلكه فسبح حتى رجع اليها فقال له عمارة لو أعلم أنك تحسن السباحة لما ألقيتك فحقد عمرو عليه فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي وكان عمارة قد توصل إلى بعض أهل النجاشي فوشى به عمرو فأمر به النجاشي فسحر حتى ذهب عقله وساح في البرية مع الوحوش وقد ذكر الاموي قصة مطولة جدا وأنه عاش إلى زمن أمارة عمر بن الخطاب وأنه تقصده بعض الصحابة ومسكه فجعل يقول أرسلني أرسلني والامت فلما لم يرسله مات من ساعته فالله أعلم وقد قيل أن قريشا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين الاول مع عمرو بن العاص وعمارة والثانية مع عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة نص عليه أبو نعيم في الدلائل والله أعلم وقد قيل إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر قاله الزهري لينالوا ممن هناك ثأرا فلم يجبهم النجاشي رضي الله عنه وأرضاه إلى شيء مما سألوا فالله أعلم
وقد ذكر زياد عن ابن اسحاق أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشي أبياتا يحضه فيها على العدل وعلى الاحسان إلى من نزل عنده من قومه
ألا ليت شعري كيف في النأي جعفر * وعمرو وأعداء العدو الاقارب
وما نالت افعال النجاشي جعفرا * وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
ونعلم ابيت اللعن أنك ماجد * كريم فلا يشقى اليك المجانب
ونعلم بأن الله زادك بسطة * وأسباب خير كلها بك لازب
وقال يونس عن ابن اسحاق حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال إنما كان يكلم النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه والمشهور أن جعفرا هو المترجم رضي الله عنهم وقال زياد البكائي عن ابن اسحاق حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور ورواه أبو داود عن محمد بن عمرو الرازي عن سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق به لما مات النجاشي رضي الله عنه كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نوروقال زياد عن محمد بن اسحاق حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه فارسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فان هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم وان ظفرت فاثبتوا ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم ثم جعله في قبائه عند المنكب الايمن وخرج إلى الحبشة وصفوا له فقال يا معشر الحبشة الست أحق الناس بكم قالوا بلى قال فكيف أنتم بسيرتي فيكم قالوا خير سيرة قال فما بكم قالوا فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبده ورسوله قال فما تقولون أنتم في عيسى قالوا نقول هو ابن الله فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه وهو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا وإنما يعني على ما كتب فرضوا وأنصرفوا فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات وقال البخاري موت النجاشي حدثنا أبو الربيع حدثنا ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة وروى ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد وفي بعض الروايات تسميته أصحمة وفي رواية مصحمة وهو أصحمة بن بحر وكان عبدا صالحا لبيبا زكيا وكان عادلا عالما رضي الله عنه وأرضاه وقال يونس عن ابن اسحاق اسم النجاشي مصحمة وفي نسخة صححها البيهقي اصحم وهو بالعربية عطية
قال وإنما النجاشي اسم الملك كقولك كسرى هرقل
قلت كذا ولعله يريد به قيصر فانه علم لكل من ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الروم وكسرى علم على من ملك الفرس وفرعون علم لمن ملك مصر كافة والمقوقس لمن ملك الاسكندرية وتبع لمن ملك اليمن والشحر والنجاشي لمن ملك الحبشة وبطليموس لمن ملك اليونان وقيل الهند وخاقان لمن ملك الترك وقال بعض العلماء إنما صلى عليه لانه كان يكتم إيمانه من قومه فلم يكن عنده يوم مات من يصلي عليه فلهذا صلى عليه صلى الله عليه وسلم قالوا فالغايب ان كان قد صلى عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلد أخرى ولهذا لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم في غير المدينة لا أهل مكة ولا غيرهم وهكذا أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة لم ينقل أنه صلى على أحد منهم في غير البلدة التي صلى عليه فيها فالله أعلم
قلت وشهود أبي هريرة رضي الله عنه الصلاة على النجاشي دليل على أنه إنما مات بعد فتح خيبر التي قدم بقية المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم فتح خيبر ولهذا روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال والله ما أدري بايهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر بن أبي طالب وقدموا معهم بهدايا وتحف من عند النجاشي رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبتهم أهل السفينة اليمنية أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الاشعريين رضي الله عنهم ومع جعفر وهدايا النجاشي ابن أخي النجاشي ذونخترا أو ذومخمرا أرسله ليخدم النبي صلى الله عليه وسلم عوضا عن عمه رضي الله عنهما وأرضاهما وقال السهيلي توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة وفي هذا نظر والله أعلم وقال البيهقي أنبأنا الفقيه أبو اسحاق ابراهيم بن محمد بن ابراهيم الطوسي حدثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي العلاء بن مدرك حدثنا أبو هلال بن العلاء عن أبيه عن أبي غالب عن أبي أمامة قال قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام يخدمهم فقال أصحابه نحن نكفيك يا رسول الله فقال إنهم كانوا لأصحابي مكرمين وإني أحب أن أكافيهم ثم قال وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني أنبأنا أبو سعيد بن الاعرابي حدثنا هلال بن العلاء حدثنا أبي حدثنا طلحة بن زيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة قال قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال أصحابه نحن نكفيك يا رسول الله فقال انهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإني أحب أن أكافيهم تفرد به طلحة بن زيد عن الأوزاعي وقال البيهقي حدثنا أبو الحسين بن بشران حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو
قال لما قدم عمرو بن العاص من أرض الحبشة جلس في بيته فلم يخرج اليهم فقالوا ما شأنه ماله لا يخرج فقال عمرو ان اصحمة يزعم أن صاحبكم نبي
قال ابن اسحاق ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش ولم يدركوا ما طلبوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهم النجاشي بما يكرهون وأسلم عمر بن الخطاب وكان رجلا ذا شكيمة لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحمزة حتى غاظوا قريشا فكان عبد الله بن مسعود يقول ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما اسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه قلت وثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال ما زلنا أعزة منذ اسلم عمر بن الخطاب وقال زياد البكائي حدثني مسعر بن كدام عن سعد بن ابراهيم قال قال ابن مسعود إن اسلام عمر كان فتحا وإن هجرته كانت نصرا وإن إمارته كانت رحمة ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه
قال ابن اسحاق وكان اسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة حدثني عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه أم عبد الله بنت أبي حثمة قالت والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب عامر في بعض حاجتنا إذ أقبل عمر فوقف على وهو على شركه فقالت وكنا نلقى منه أذى لنا وشدة علينا قالت فقال إنه الانطلاق يا أم عبد الله قلت نعم والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا قالت فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وقد أحزنه فيما ارى خروجنا قالت فجاء عامر بحاجتنا تلك فقلت له يا أبا عبد الله لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا قال أطمعت في اسلامه قالت قلت نعم قال لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب قالت يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الاسلام
قلت هذا يرد قول من زعم أنه كان تمام الاربعين من المسلمين فان المهاجرين إلى الحبشة كانوا فوق الثمانين اللهم إلا أن يقال إنه كان تمام الاربعين بعد خروج المهاجرين ويؤيد هذا ما ذكره ابن اسحاق ههنا في قصة اسلام عمر وحده رضي الله عنه وسياقها فانه قال وكان اسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كانت قد اسلمت واسلم زوجها سعيد بن زيد وهم مستخفون باسلامهم من عمر وكان نعيم بن عبد الله النحام رجل من بني عدي قد أسلم أيضا مستخفيا باسلامه من قومه وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه
فذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم في رجال من المسلمين ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر قال أريد محمدا هذا الصابي الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها وسب آلهتها فاقتله فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك يا عمر أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال وأي أهل بيتي قال ختنك وابن عمك سعيد بن زيد وأختك فاطمة فقد والله أسلما وتابعا محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه فعليك بهما فرجع عمر عائدا إلى أخته فاطمة وعندها خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقريها إياها فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم أو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين دنا إلى الباب قراءة خباب عليها فلما دخل قال ما هذه الهينمة التي سمعت قالا له ما سمعت شيئا قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك فلما رأى عمر ما باخته من الدم ندم على ما صنع وأرعوى وقال لاخته أعطيني هذه الصحيفة التي كنتم تقرؤن آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمدا وكان عمر كاتبا فلما قال ذلك قالت له اخته إنا نخشاك عليها قال لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها اليها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت يا أخي إنك نجس على شركك وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب بن الأرت خرج إليه فقال له والله يا عمر إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الاسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال عند ذلك فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فاسلم فقال له خباب هو في بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه فاخذ عمر سيفه فتوشحه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلل الباب فاذا هو بعمر متوشح بالسيف فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا بالسيف فقال حمزة فاذن له فان كان جاء يريد خيرا بذلناه وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ايذن له فاذن له الرجل ونهض اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فاخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبه جذبة شديدة
فقال ما جاء بك يا ابن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله قال فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة فعرف أهل البيت أن عمر قد أسلم فتفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانهم وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع اسلام حمزة وعلموا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتصفون بهما من عدوهم قال ابن اسحاق فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن اسلام عمر حين أسلم رضي الله عنه
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي عن أصحابه عطاء ومجاهد وعمن روى ذلك أن اسلام عمر فيما تحدثوا به عنه أنه كان يقول كنت للاسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأشربها وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك فلم أجد فيه منهم أحدا فقلت لو أني جئت فلانا الخمار لعلي أجد عنده خمرا فاشرب منها فخرجت فجئته فلم أجده قال فقلت لو اني جئت الكعبة فطفت سبعا أو سبعين قال فجئت المسجد فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام وكان مصلاه بين الركنين الاسود واليماني قال فقلت حين رأيته والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى اسمع ما يقول فقلت لئن دنوت منه لاستمع منه لاروعنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشي رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة قال فلما سمعت القرآن رق له قلبي وبكيت ودخلني الاسلام فلم أزل في مكاني قائما حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيد معاوية قال عمر فتبعته حتى اذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته فلما سمع حسي عرفني فظن أني إنما اتبعته لاوذيه فنهمني ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة قال قلت جئت لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال قد هداك الله يا عمر ثم مسح صدري ودعا لي بالثبات ثم انصرفت ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته قال ابن اسحاق فالله أعلم أي ذلك كان
قلت وقد استقصيت كيفية اسلام عمر رضي الله عنه وما ورد في ذلك من الاحاديث والآثار مطولا في أول سيرته التي أفردتها على حدة ولله الحمد والمنة

يتبع ..

اخت مسلمة
04-11-2009, 10:39 PM
قال ابن اسحاق وحدثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر قال لما أسلم عمر قال أي قريش انقل للحديث فقيل له جميل بن معمر الجمحي فغدا عليه قال عبد الله وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كلما رأيت حتى جاءه فقال له اعلمت يا جميل اني أسلمت ودخلت في دين
محمد صلى الله عليه وسلم قال فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه واتبعه عمر واتبعته أنا حتى قام على باب المسجد صرخ باعلا صوته يا معشر قريش وهم في انديتهم حول الكعبة ألا إن ابن الخطاب قد صبا قال يقول عمر من خلفه كذب ولكني قد اسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وثاروا اليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤسهم قال وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول افعلوا ما بدا لكم فاحلف بالله ان لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا قال فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال ما شأنكم فقالوا صبأ عمر قال فمه رجل اختار لنفسه امرا فماذا تريدون أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبهم هكذا خلوا عن الرجل قال فوالله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه قال فقلت لأبي بعد أن هاجر الى المدينة يا ابة من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم اسلمت وهم يقاتلونك قال ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي وهذا اسناد جيد قوي وهو يدل على تأخر اسلام عمر لأن ابن عمر عرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وكانت احد في سنة ثلاث من الهجرة وقد كان مميزا يوم أسلم أبوه فيكون اسلامه قبل الهجرة بنحو من أربع سنين وذلك بعد البعثة بنحو تسع سنين والله أعلم
وقال البيهقي حدثنا الحاكم أخبرنا الأصم أخبرنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن اسحاق قال ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون رجلا وهو بمكة أو قريب من ذلك من النصارى حين ظهر خبره من أرض الحبشة فوجدوه في المجلس فكلموه وسألوه ورجال من قريش في انديتهم حول الكعبة فلما فرغوا من مساءلتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أرادوا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الله عز وجل وتلا عليهم القرآن فلما سمعوا فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقال خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ما نعلم ركبا أحمق منكم أو كما قال قالوا لهم لا نجاهلكم سلام عليكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا نألون أنفسنا خيرا فيقال إن النفر من نصارى نجران والله أعلم أي ذلك كان ويقال والله أعلم أن فيهم نزلت هذه الآيات الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين
*2* فصل ( كتاب النبي (ص) إلى النجاشي )
@ قال البيهقي في الدلائل باب ما جاء في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم الى النجاشي ثم روى عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن ابن اسحاق قال هذا كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي الاصحم عظيم الحبشة سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فاني أنا رسوله فاسلم تسلم يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون فان أبيت فعليك إثم النصارى من قومك
هكذا ذكره البيهقي بعد قصة هجرة الحبشة وفي ذكره ههنا نظر فان الظاهر أن هذا الكتاب انما هو إلى النجاشي الذي كان بعد المسلم صاحب جعفر وأصحابه وذلك حين كتب الى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله عز وجل قبيل الفتح كما كتب الى هرقل عظيم الروم قيصر الشام وإلى كسرى ملك الفرس والى صاحب مصر وإلى النجاشي قال الزهري كانت كتب النبي صلى الله عليه وسلم اليهم واحدة يعني نسخة واحدة وكلها فيها هذه الآية وهي من سورة آل عمران وهي مدنية بلا خلاف فانه من صدر السورة وقد نزل ثلاث وثمانون آية من أولها في وفد نجران كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة فهذا الكتاب إلى الثاني لا إلى الأول وقوله فيه الى النجاشي الأصحم لعل الأصحم مقحم من الراوي بحسب ما فهم والله أعلم
وأنسب من هذا ههنا ما ذكره البيهقي عن الحاكم عن أبي الحسن محمد بن عبد الله الفقيه بمرو حدثنا حماد بن احمد حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى النجاشي الاصحم ملك الحبشة سلام عليك فاني احمد اليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته القاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخته كما خلق آدم بيده ونفخه وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وأن تتبعني فتؤمن بي وبالذي جاءني فاني رسول الله وقد بعثت اليك ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين فاذا جاؤوك فاقرهم ودع التجبر فاني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي
والسلام على من اتبع الهدى فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي الاصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته لا إله إلا هو الذي هداني إلى الاسلام فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والارض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به الينا وقرينا ابن عمك وأصحابه فاشهد أنك رسول الله صادقا ومصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك واسلمت على يديه لله رب العالمين وقد بعثت اليك يا نبي الله باربحا بن الاصحم بن أبجر فاني لا أملك إلا نفسي وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله فاني أشهد أن ما تقول حق
*2* فصل (ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وعبد المطلب في نصر رسول الله )
@ في ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وبني عبد المطلب في نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفهم فيما بينهم عليهم على أن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصرهم إياهم في شعب أبي طالب مدة طويلة وكتابتهم بذلك صحيفة ظالمة فاجرة وما ظهر في ذلك كله من آيات النبوة ودلائل الصدق
قال موسى بن عقبة عن الزهري ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد واشتد عليهم البلاء وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم فمنهم من فعله حمية ومنهم من فعله إيمانا ويقينا فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فاجمعوا أمرهم أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل وكتبوا في مكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا يأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين واشتد عليهم البلاء والجهد وقطعوا عنهم الاسواق فلا يتركوا لهم طعاما يقدم مكة ولا بيعا إلا بادروهم اليه فاشتروه يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد به مكرا واغتيالا له فاذا نام الناس أمرا أحد بنيه أو أخوته أو بني عمه فاضطجعوا على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا
بالحق واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه وبعث الله على صحيفتهم الارضة فلحست كلما كان فيها من عهد وميثاق ويقال كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم وأطلع الله عز وجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لابي طالب فقال أبو طالب لا والثواقب ما كذبني فانطلق يمشي بعصابته من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش فلما رأوهم عامدين لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء فاتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم أبو طالب فقال قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم فاتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فعله أن يكون بيننا وبينكم صلح وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها فاتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوعا اليهم فوضعوها بينهم وقالوا قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم فانما قطع بيننا وبينكم رجل واحد جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم وفسادهم فقالوا أبو طالب إنما أتيتكم لاعطيكم أمرا لكم فيه نصف إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني إن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم هو له فيها وترك فيها غدركم وقطيعتكم إيانا وتظاهركم علينا بالظلم فان كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فافيقوا فوالله لا نسلمه أبدا حتى يموت من عندنا آخرنا وإن كان الذي قال باطلا دفعناه اليكم فقتلتموه أو استحييتم قالوا قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا والله إن كان هذا قط الا سحر من صاحبكم فارتكسوا وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب إن أولى بالكذب والسحر غيرنا فكيف ترون فانا نعلم إن الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب إلى الجبت والسحر من أمرنا ولولا إنكم اجتمعتم على السحر لم تفسد صحيفتكم وهي في أيديكم طمس ما كان فيها من اسمه وما كان فيها من بغي تركه أفنحن السحرة أم أنتم فقال عند ذلك النفر من بني عبد مناف وبني قصي ورجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم منهم أبو البختري والمطعم بن عدي وزهير بن أبي أمية بن المغيرة وزمعة بن الاسود وهشام بن عمرو وكانت الصحيفة عنده وهو من بني عامر بن لؤي في رجال من اشرافهم ووجوههم نحن برءاء مما في هذه الصحيفة فقال أبو جهل لعنه الله هذا أمر قضى بليل وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم ويمدح النفر الذين تبرؤا منها ونقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي
قالت رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذا الدبابة وهو يسوقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبهما الله ان عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام
قال البيهقي وهكذا روى شيخنا أبو عبد الله الحافظ يعني من طريق ابن لهيعة عن أبي
الاسود عن عروة بن الزبير يعني كسياق موسى بن عقبة رحمه الله وقد تقدم عن موسى بن عقبة أنه قال إنما كانت هجرة الحبشة بعد دخولهم إلى الشعب عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك فالله أعلم
قلت والأشبه أن أبا طالب إنما قال قصيدته اللامية التي قدمنا ذكرها بعد دخولهم الشعب أيضا فذكرها ههنا أنسب والله أعلم ثم روى البيهقي من طريق يونس عن محمد بن اسحاق قال لما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي بعث به وقامت بنو هاشم وبنو عبد المطلب دونه وأبو أن يسلموه وهم من خلافه على مثل ما قومهم عليه إلا أنهم اتقوا أن يستذلوا ويسلموا أخاهم لما قارفه من قومه فلما فعلت ذلك بنو هاشم وبنو المطلب وعرفت قريش أن لا سبيل إلى محمد اجتمعوا على أن يكتبوا فيما بينهم على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا ينكحوا اليهم ولا يبايعوهم ولا يبتاعوا منهم وكتبوا صحيفة في ذلك وعلقوها بالكعبة ثم عدوا على من أسلم فاوثقوهم وآذوهم واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا ثم ذكر القصة بطولها في دخولهم شعب أبي طالب وما بلغوا فيه من فتنة الجهد الشديد حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع حتى كره عامة قريش ما أصابهم وأظهروا كراهيتهم لصحيفتهم الظالمة وذكروا أن الله برحمته أرسل على صحيفة قريش الارضة فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان فاخبر الله تعالى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبر بذلك عمه أبو طالب ثم ذكر بقية القصة كرواية موسى بن عقبة وأتم
وقال ابن هشام عن زياد عن محمد بن اسحاق فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا وأن النجاشي قد منع من لجأ اليه منهم وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وجعل الاسلام يفشو في القبائل فاجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب على أن لا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم فلما اجتمعوا لذلك كتبوا في صحيفة ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم وكان كاتب الصحيفة منصور ابن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي قال ابن هاشم ويقال النضر ابن الحارث فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشل بعض أصابعه وقال الواقدي كان الذي كتب الصحيفة طلحة بن أبي طلحة العبدوي
قلت والمشهور أنه منصور بن عكرمة كما ذكره ابن اسحاق وهو الذي شلت يده فما كان ينتفع بها وكانت قريش تقول بينها أنظروا إلى منصور بن عكرمة قال الواقدي وكانت الصحيفة
معلقة في جوف الكعبة قال ابن اسحاق فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو عبد المطلب إلى أبي طالب فدخلوا معه في شعبه واجتمعوا اليه وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب إلى قريش فظاهرهم وحدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب لقي هند بنت عتبة ابن ربيعة حين فارق قومه وظاهر عليهم قريشا فقال يا ابنة عتبة نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقها وظاهر عليها قالت نعم فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة
قال ابن اسحاق وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول يعدني محمد اشياء لا أراها يزعم أنها كائنة بعد الموت فماذا وضع في يدي بعد ذلك ثم ينفخ في يديه فيقول تبا لكما لا أرى فيكما شيئا مما يقول محمد فانزل الله تعالى تبت يدا أبي لهب وتب قال ابن اسحاق فلما اجتمعت على ذلك قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا قال أبو طالب
ألا أبلغا عني على ذات بيننا * لؤيا وخصا من لؤي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في أول الكتب
وأن عليه في العباد محبة * ولا خير ممن خصه الله بالحب
وأن الذي الصقتموا من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب
أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى * ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب
ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا * أواصرنا بعد المودة والقرب
وتستجلبوا حربا عوانا وربما * أمر على من ذاقه حلب الحرب
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب
ولما تبن منا ومنكم سوالف * وأيد أترت بالقساسية الشهب
بمعترك ضيق ترى كسر القنا * به والنسور الطخم يعكفن كالشرب
كأن ضحال الخيل في حجراته * ومعمعة الابطال معركة الحرب
أليس أبونا هاشم شد أزره * وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا * ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب
ولكننا أهل الحفائظ والنهى * إذا طار أرواح الكماة من الرعب
قال ابن اسحاق فاقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا ولم يصل اليهم شيء الا سرا مستخفيا به من أراد صلتهم من قريش وقد كان أبو أجهل بن هشام فيما يذكرون لقي حكيم بن
حزام بن خويلد بن أسد معه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة بنت خويلد وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فجاءه أبو البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فقال مالك وله فقال يحمل الطعام إلى بني هاشم فقال له أبو البختري طعام كان لعمته عنده بعثت به اليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها خل سبيل الرجل قال فابى أبو جهل لعنه الله حتى نال أحدهما من صاحبه فاخذ أبو البختري لحى بعير فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيشمتون بهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك يدعو قومه ليلا ونهارا سرا وجهارا مناديا بامر الله تعالى لا يتقى فيه أحدا من الناس فجعلت قريش حين منعه الله منها وقام عمه وقومه من بني هاشم وبني عبد المطلب دونه وحالوا بينهم وبين ما أرادوا من البطش به يهمزونه ويستهزؤن به ويخاصمونه وجعل القرآن ينزل في قريش باحداثهم وفيمن نصب لعداوته منهم من سمى لنا ومنهم من نزل القرآن في عامة من ذكر الله من الكفار فذكر ابن اسحاق أبا لهب ونزول السورة فيه وأمية بن خلف ونزول قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة السورة بكاملها فيه والعاص بن وائل ونزول قوله أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا فيه وقد تقدم شيء من ذلك وأبا جهل بن هشام وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن آلهتك ونزول قول الله فيه ولا تسبوا الذن يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الآية والنضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة ومنهم من يقول علقمة بن كلدة قاله السهيلي وجلوسه بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مجالسه حيث يتلو القرآن ويدعو إلى الله فيتلو عليهم النضر شيئا من أخبار رستم واسفنديار وما جرى بينهما من الحروب في زمن الفرس ثم يقول والله ما محمد باحسن حديثا مني وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبها فانزل الله تعال وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا وقوله ويل لكل أفاك أثيم
قال ابن اسحاق وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يوما مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المجلس غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه وعليهم إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له والله ما قام والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفا وما قعد وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم فقال عبد الله بن الزبعري أما
والله لو وجدته لخصمته فسلوا محمدا أكل ما نعبد من دون الله حصب جهنم مع من عبده فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد عيسى فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده في النار انهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته فانزل الله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون أي عيسى وعزير ومن عبد من الاحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله تعالى ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها بنات الله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون والآيات بعدها ونزل في إعجاب المشركين بقول ابن الزبعري ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا آلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون وهذا الجدل الذي سلكوه باطل وهم يعلمون ذلك لأنهم قوم عرب ومن لغتهم أن ما لما لا يعقل فقوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون إنما أريد بذلك ما كانوا يعبدونه من الاحجار التي كانت صور أصنام ولا يتناول ذلك الملائكة الذين زعموا أنهم يعبدونهم في هذه الصور ولا المسيح ولا عزيرا ولا أحدا من الصالحين لأن اللفظ لا يتناولهم لا لفظا ولا معنى فهم يعلمون أن ما ضربوه بعيسى ابن مريم من المثل جدل باطل كما قال الله تعالى ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ثم قال إن هو أي عيسى إلا عبد أنعمنا عليه أي بنبوتنا وجعلناه مثلا لبني اسرائيل أي دليلا على تمام قدرتنا على ما نشاء حيث خلقناه من أنثى بلا ذكر وقد خلقنا حواء من ذكر بلا أنثى وخلقنا آدم لا من هذا ولا من هذا وخلقنا سائر بني آدم من ذكر وأنثى كما قال في الآية الأخرى ولنجعله آية للناس أي أمارة ودليلا على قدرتنا الباهرة ورحمة منا نرحم بها من نشاء
وذكر ابن اسحاق الاخنس بن شريق ونزول قوله تعالى فيه ولا تطع كل حلاف مهين الآيات وذكر الوليد بن المغيرة حيث قال أينزل على محمد وأترك وأنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمرو الثقفي سيد ثقيف فنحن عظيما القريتين ونزول قوله فيه وقال لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم والتي بعدها وذكر أبي بن خلف حين قال لعقبة بن أبي معيط ألم يبلغني أنك جالست محمدا وسمعت منه وجهي من وجهك حرام إلا أن تتفل في وجهه ففعل ذلك عدو الله عقبة لعنه الله فانزل الله ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني

قال وإنما النجاشي اسم الملك كقولك كسرى هرقل
اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا والتي بعدها قال ومشى أبي بن خلف بعظم بال قد أرم فقال يا محمد أنت تزعم أن الله يبعث هذا بعد ما أرم ثم فته بيده ثم نفخه في الريح نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم أنا أقول ذلك يبعثه الله وإياك بعد ما تكونان هكذا ثم يدخلك النار وأنزل الله تعالى وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشاها أول مرة وهو بكل خلق عليم إلى آخر السورة قال واعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني وهو يطوف عند باب الكعبة الاسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل فقالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر فانزل الله فيهم قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون إلى آخرها ولما سمع أبو جهل بشجرة الزقوم قال أتدرون ما الزقوم هو تمر يضرب بالزبد ثم قال هلموا فلنتزقم فانزل الله تعالى إن شجرة الزقوم طعام الاثيم قال ووقف الوليد بن المغيرة فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وقد طمع في اسلامه فمر به ابن أم مكتوم عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة الاعمى فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يستقريه القرآن فشق ذلك عليه حتى أضجره وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر الوليد وما طمع فيه من اسلامه فلما أكثر عليه انصرف عنه عابسا وتركه فانزل الله تعالى عبس وتولى أن جاءه الأعمى الى قوله مرفوعة مطهرة وقد قيل إن الذي كان يحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه ابن أم مكتوم أمية بن خلف فالله أعلم
ثم ذكر ابن اسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم اسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح ولكن كان له سبب وهو ما ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوما مع المشركين وأنزل الله عليه والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والانس وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنىالقنى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم وذكروا قصة الغرانيق وقد أحببنا الاضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها على مواضيعها إلا أن أصل القصة في الصحيح قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس انفرد به البخاري دون مسلم وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي اسحاق سمعت الاسود عن عبد الله قال قرأ النبي صلى الله عليه وسلم والنجم بمكة فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصا أو تراب فرفعه إلى جبهته وقال يكفيني هذا فرأيته بعد قتل كافرا
ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث شعبة وقال الامام احمد حدثنا ابراهيم حدثنا رباح عن معمر عن ابن طاووس عن عكرمة بن خالد عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب فكان بعد ذلك لا يسمع أحدا يقرأها إلا سجد معه وقد رواه النسائي عن عبد الملك بن عبد الحميد عن احمد بن حنبل به وقد يجمع بين هذا والذي قبله بأن هذا سجد ولكنه رفع رأسه استكبارا وذلك الشيخ الذي استثناه ابن مسعود لم يسجد بالكلية والله أعلم والمقصود أن الناقل لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقد أنهم قد أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع بينهم فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة بها فظنوا صحة ذلك فأقبل منهم طائفة طامعين بذلك وثبتت جماعة وكلاهما محسن مصيب فيما فعل فذكر ابن اسحاق اسماء من رجع منهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وامرأته سهلة بنت سهيل وعبد الله بن جحش بن رئاب وعتبة بن غزوان والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وسويبط بن سعد وطليب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف والمقداد بن عمرو وعبد الله بن مسعود وأبو سلمة بن عبد الاسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ابن المغيرة وشماس بن عثمان وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة وقد حبسا بمكة حتى مضت بدرا وأحدا والخندق وعمار بن ياسر وهو ممن شك فيه أخرج إلى الحبشة أم لا ومعتب ابن عوف وعثمان بن مظعون وابنه السائب وأخواه قدامة وعبد الله ابنا مظعون وخنيس بن حذافة وهشام بن العاص بن وائل وقد حبس بمكة إلى بعد الخندق وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حثمة وعبد الله بن مخرمة وعبد الله بن سهيل بن عمرو وقد حبس حتى كان يوم بدر فانحاز إلى المسلمين فشهد معهم بدرا وأبو سبرة بن أبي رهم وامرأته أم كلثوم بنت سهيل والسكران بن عمرو بن عبد شمس وامرأته سودة بنت زمعة وقد مات بمكة قبل الهجرة وخلف على امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد بن خولة وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن الحارث بن زهير وسهيل بن بيضاء وعمرو بن أبي سرح فجميعهم ثلاثة وثلاثون رجلا رضي الله عنهم وقال البخاري وقالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع عامة من كان هاجر إلى الحبشة إلى المدينة فيه عن أبي موسى واسماء رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم حديث أبي موسى وهو في الصحيحين وسيأتي حديث اسماء بنت عميس بعد فتح خيبر حين قدم من كان تأخر من مهاجرة الحبشة إن شاء الله وبه الثقة وقال البخاري حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال
كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله إنا كنا نسلم عليك فترد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي لم ترد علينا قال إن في الصلاة شغلا وقد روى البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق أخر عن سليمان بن مهران عن الاعمش به وهو يقوي تأويل من تأول حديث زيد بن أرقم الثابت في الصحيحين كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله وقوموا لله قانتين فامرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام على أن المراد جنس الصحابة فان زيدا أنصاري مدني وتحريم الكلام في الصلاة ثبت بمكة فتعين الحمل على ما تقدم وأما ذكره الآية وهي مدنية فمشكل ولعله اعتقد أنها المحرمة لذلك وانما كان المحرم له غيرها معها والله أعلم
قال ابن اسحاق وكان ممن دخل معهم بجوار عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة وأبو سلمة بن عبد الاسد في جوار خاله أبي طالب فان أمه برة بنت عبد المطلب فاما عثمان بن مظعون فان صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف حدثني عمن حدثه عن عثمان قال لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد ابن المغيرة قال والله ان غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والاذى في الله ما لا يصيبني لنقص كثير في نفسي فمشى الى الوليد بن المغيرة فقال له يا أبا عبد شمس وفت ذمتك وقد رددت اليك جوارك قال لم يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي فقال لا ولكني أرضى بجوار الله عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره قال فانطلق الى المسجد فاردد على جوازي علانية كما أجرتك علانية قال فانطلقنا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد بن المغيرة هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري قال صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله فقد رددت عليه جواره ثم انصرف عثمان رضي الله عنه ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان فقال لبيد
ألا كل شيء ما خلا الله باطل * فقال عثمان صدقت فقال لبيد
وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان كذبت نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد يا معشر قريش والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم فقال رجل من القوم إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما فقام اليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها والوليد ابن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان فقال والله يا ابن أخي ان كانت عينك عما أصابها لغنية ولقد
كنت في ذمة منيعة قال يقول عثمان بل والله ان عيني الصحيحة لفقيرة الى مثل ما أصاب اختها في الله واني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس فقال له الوليد هلم يا ابن اخي الى جوارك فعد قال لا
قال ابن اسحاق وأما أبو سلمة بن عبد الاسد فحدثني أبي اسحاق بن يسار عن سلمة بن عبد الله بن أبي سلمة أنه حدثه أن أبا سلمة لما استجار بابي طالب مشى اليه رجال من بني مخزوم فقالوا له يا أبا طالب هذا منعت منا ابن اخيك محمدا فما لك ولصاحبنا تمنعه منا قال إنه استجار بي وهو ابن اختي وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي فقام أبو لهب فقال يا معشر قريش والله لقد أكثرتم على هذا الشيخ ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه والله لتنتهن أو لنقومن معه في كل ما قام فيه حتى يبلغ ما أراد قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة وكان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فابقوا على ذلك فطمع فيه أبو طالب حين سمعه يقول ما يقول ورجا أن يقوم معه في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب يحرض أبا لهب على نصرته ونصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن امرءا ابو عتيبة عمه * لفي روضة ما أن يسام المظالما
أقول له وأين منه نصيحتي * أبا معتب ثبت سوادك قائما
ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة * تسب بها إما هبطت المواسما
وول سبيل العجز غيرك منهم * فإنك لم تخلق على العجز لازما
وحارب فان الحرب نصف ولن ترى * أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما
وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة * ولم يخذلوك غانما أو مغارما
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
بتفريقهم من بعد ود وألفة * جماعتنا كيما ينالوا المحارما
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا * ولما تروا يوما لدى الشعب قائما
قال ابن هشام وبقي منها بيت تركناه
*2* عزم الصديق على الهجرة الى الحبشة
@
قال ابن اسحاق وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه كما حدثني محمد بن مسلم الزهري عن
عروة عن عائشة حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الاذى ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فاذن له فخرج أبو بكر رضي الله عنه مهاجرا حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة أخو بني الحارث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهو يومئذ سيد الاحابيش قال الواقدي اسمه الحارث بن يزيد أحد بني بكر من عبد مناة بن كنانة وقال السهيلي اسمه مالك فقال إلى أين يا أبا بكر قال أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي قال ولم فوالله إنك لتزين العشيرة وتعين على النوائب وتفعل المعروف وتكسب المعدوم أرجع فانك في جواري فرجع معه حتى إذا دخل مكة قام معه ابن الدغنة فقال يا معشر قريش إني قد أجرت ابن أبي قحافة فلا يعرض له أحد الا بخير قال فكفوا عنه قالت وكان لابي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح فكان يصلي فيه وكان رجلا رقيقا إذا قرأ القرآن استبكى قالت فيقف عليه الصبيان والعبيد والنساء يعجبون لما يرون من هيئته قال فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة فقالوا يا ابن الدغنة إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق وكانت له هيئة ونحن نتخوف على صبياننا ونسائنا وضعفائنا أن يفتنهم فاته فمره بان يدخل بيته فليصنع فيه ما شاء قالت فمشى ابن الدغنة اليه فقال يا أبا بكر إني لم أجرك لتؤذي قومك وقد كرهوا مكانك الذي أنت به وتأذوا بذلك منك فادخل بيتك فاصنع فيه ما أحببت قال أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله قال فأردد علي جواري قال قد رددته عليك قال فقام ابن الدغنة فقال يا معشر قريش إن ابن أبي قحافة قد رد علي جواري فشأنكم بصاحبكم وقد روى الامام البخاري هذا الحديث متفردا به وفيه زيادة حسنة فقال حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل قال ابن هشام فاخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل ابواي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أبو بكر أخرجني قومي فاريد أن أسيح في الارض فاعبد ربي فقال ابن الدغنة فان مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فرجع وارتحل معه ابن الدغنة وطاف ابن الدغنة عشية في اشراف قريش فقال لهم إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل فيها ويقرأ
ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به فانا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ابن الدغنة ذلك لابي بكر فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأن القرآن فكان نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون اليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فافزع ذلك اشراف قريش من المشركين فارسلوا الى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فاعلن في الصلاة والقراءة فيه وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فانهه فان أحب على أن يقتصر ان يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك فانا قد كرهنا نخفرك ولسنا مقرين لابي بكر الاستعلان قالت عائشة فاتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال قد علمت الذي قد عاقدت عليه قريش فاما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلى ذمتي فاني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له فقال أبو بكر فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل ثم ذكر تمام الحديث في هجرة أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي مبسوطا
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال لقيه يعني أبا بكر الصديق حين خرج من جوار ابن الدغنة سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابا فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال له أبو بكر رضي الله عنه ألا ترى ما يصنع هذا السفيه فقال أنت فعلت ذلك بنفسك وهو يقول أي رب ما أحلمك أي رب ما أحلمك أي رب ما أحلمك
*2* فصل
@ كل هذه القصص ذكرها ابن اسحاق معترضا بها بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة وحصرهم إياهم في الشعب وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرها وهي أمور مناسبة لهذا الوقت ولهذا قال الشافعي رحمه الله من أراد المغازي فهو عيال على ابن اسحاق
*2* نقض الصحيفة
@ قال ابن اسحاق هذا وبنو هاشم وبنو المطلب في منزلهم الذي تعاقدت فيه قريش عليهم
في الصحيفة التي كتبوها ثم أنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش ولم يبل فيها أحدا أحسن من بلاء هشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وذلك أنه كان ابن اخي نضلة بن هشام بن عبد مناف لامه وكان هشام لبني هاشم واصلا وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما حتى إذا بلغ فم الشعب خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جبينه فدخل الشعب عليهم ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك ثم أنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو بن مخزوم وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم ولا ينكحون ولا ينكح اليهم أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك اليه منهم ما أجابك إليه أبدا قال ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها قال قد وجدت رجلا قال من هو قال أنا قال له زهير أبغنا ثالثا فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم اليها منكم سراعا قال ويحك فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد قال قد وجدت لك ثانيا قال من قال أنا قال أبغنا ثالثا قال قد فعلت قال من هو قال زهير بن أبي أمية قال أبغنا رابعا فذهب الى أبي البختري بن هشام فقال نحو ما قال للمطعم بن عدي فقال وهل تجد أحدا يعين على هذا قال نعم قال من هو قال زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم فقال له وهل على هذا الأمر الذي تدعوني اليه من أحد قال نعم ثم سمى القوم فاتعدوا حطم الحجون ليلا باعلا مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فاكون أول من يتكلم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة فطاف بالبيت سبعا ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد والله لا تشق قال زمعة بن الأسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت قال أبو البختري صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به قال المطعم بن عدي صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك قال أبو جهل هذا أمر قد قضى بليل تشور فيه بغير هذا المكان وأبو طالب جالس في ناحية المسجد
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده فيما يزعمون
قال ابن هشام وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي طالب يا عم إن الله قد سلط الأرضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما هو لله إلا أثبتته فيها ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان فقال أربك أخبرك بهذا قال نعم قال فوالله ما يدخل عليك أحد ثم خرج إلى قريش فقال يا معشر قريش إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا فهلم صحيفتكم فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها وإن كان كاذبا دفعت اليكم ابن اخي فقال القوم قد رضينا فتعاقدوا على ذلك ثم نظروا فاذا هي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادهم ذلك شرا فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا
قال ابن اسحاق فلما مزقت وبطل ما فيها قال أبو طالب فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا * على نأيهم والله بالناس أرود
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت * وأن كل ما لم يرضه الله مفسد
تراوحها إفك وسحر مجمع * ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد
تداعى لها من ليس فيها بقرقر * فطائرها في رأسها يتردد
وكانت كفاء وقعة باثيمة * ليقطع منها ساعد ومقلد
ويظعن أهل المكتين فيهربوا * فرائصهم من خشية الشر ترعد
ويترك حراث يقلب أمره * أيتهم فيها عند ذلك وينجد
وتصعد بين الأخشبين كتيبة * لها حدج سهم وقوس ومرهد
فمن ينش من ضار مكة عزة * فعزتنا في بطن مكة أتلد
نشأنا بها والناس فيها قلائل * فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد
ونطعم حتى يترك الناس فضلهم * إذا جعلت أيدي المفيضين ترعد
جزى الله رهطا بالحجون تجمعوا * على ملاء يهدي لحزم ويرشد
قعودا لذي حطم الحجون كأنهم * مقاولة بل هم أعز وأمجد
أعان عليها كل صقر كأنه * إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد
جريء على جل الخطوب كأنه * شهاب بكفي قابس يتوقد
من الأكرمين من لؤي بن غالب * اذا سيم خسفا وجهه يتربد
طويل النجاد خارج نصف ساقه * على وجهه يسقي الغمام ويسعد
عظيم الرماد سيد وابن سيد * يحض على مقري الضيوف ويحشد
ويبني لأبناء العشيرة صالحا * اذا نحن طفنا في البلاد ويمهد
ألظ بهذا الصلح كل مبرأ * عظيم اللواء أمره ثم يحمد
قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا * على مهل وسائر الناس رقد
هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا * وسر أبو بكر بها ومحمد
متى شرك الاقوام في حل أمرنا * وكنا قديما قبلها نتودد
وكنا قديما لا نقر ظلامة * وندرك ما شئنا ولا نتشدد
فيال قصي هل لكم في نفوسكم * وهل لكم فيما يجيء به غد
فإني وإياكم كما قال قائل * لديك البيان لو تكلمت أسود


قال السهيلي أسود اسم جبل قتل به قتيل ولم يعرف قاتله فقال أولياء المقتول لديك البيان لو تكلمت أسود أي يا أسود لو تكلمت لابنت لنا عمن قتله
ثم ذكر ابن اسحاق شعر حسان يمدح المطعم بن عدي وهشام بن عمرو لقيامهما في نقض الصحيفة الظالمة الفاجرة الغاشمة وقد ذكر الاموي ههنا أشعارا كثيرة اكتفينا بما أورده ابن اسحاق
وقال الواقدي سألت محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز متى خرج بنو هاشم من الشعب قالا في السنة العاشرة يعني من البعثة قبل الهجرة بثلاث سنين
قلت وفي هذه السنة بعد خروجهم توفي أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى
*2* فصل (ذكر عداوة قريش لرسول الله (ص) وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة )
@ وقد ذكر محمد بن اسحاق رحمه الله بعد إبطال الصحيفة قصصا كثيرة تتضمن نصب عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة لحج أو عمرة أو غير ذلك منه وإظهار الله المعجزات على يديه دلالة على صدقه فيما جاءهم به من البينات والهدى وتكذيبنا لهم فيما يرمونه من البغي والعدوان والمكر والخداع ويرمونه من الجنون والسحر والكهانة والتقول والله
غالب على أمره فذكر قصة الطفيل بن عمرو الدوسي مرسلة وكان سيدا مطاعا شريفا في دوس وكان قد قدم مكة فاجتمع به اشراف قريش وحذروه من رسول الله ونهوه أن يجتمع به أو يسمع كلامه قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن اسمعه قال فغدوت الى المسجد فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة قال فقمت منه قريبا فابى الله إلا أن يسمعني بعض قوله قال فسمعت كلاما حسنا قال فقلت في نفسي واتكل امي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فان كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته قال فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته دخلت عليه فقلت يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا الذي قالوا قال فوالله ما برحوا بي يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا اسمع قولك ثم ابى الله إلا أن يسمعني قولك فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك قال فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط احسن منه ولا أمرا أعدل منه قال فاسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع اليهم وداعيهم إلى الاسلام فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم اليه قال فقال اللهم اجعل له آية قال فخرجت الى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع بين عيني نور مثل المصباح قال فقلت اللهم في غير وجهي فاني اخشى أن يظنوا بها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم قال فتحول فوقع في رأس سوطي قال فجعل الحاضرون يتراؤن ذلك النور في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أتهبط عليهم من الثنية حتى جئتهم فأصبحت فيهم فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا فقلت اليك عني يا ابة فلست منك ولست مني قال ولم يا بني قال قلت أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قال أي بني فدينك ديني فقلت فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم ائتني حتى أعلمك مما علمت قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فاسلم قال ثم أتتني صاحبتي فقلت اليك عني فلست منك ولست مني قالت ولم بأبي أنت وأمي قال قلت فرق بيني وبينك الاسلام وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قالت فديني دينك قال فقلت فاذهبي إلى حمى ذي الشرى فتطهري منه وكان ذو الشرى صنما لدوس وكان الحمى حمى حموه حوله به وشل من ماء يهبط من جبل قالت بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئا قلت لا أنا ضامن لذلك قال فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فاسلمت ثم دعوت دوسا إلى الاسلام فابطؤا علي ثم جئت رسول
الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقلت يا رسول الله إنه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم قال اللهم اهد دوسا ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم قال فلم أزل بارض دوس أدعوهم إلى الاسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس فلحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فاسهم لنا مع المسلمين ثم لم أزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة فقلت يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه قال ابن اسحاق فخرج اليه فجعل الطفيل وهو يوقد عليه النار يقول
ياذا الكفين لست من عبادكا * ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
قال ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بالمدينة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أرتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لاصحابه إني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي رأيت أن رأسي حلق وأنه خرج من فمي طائر وأنه لقيتني امرأة فادخلتني في فرجها وأرى ابني يطلبني طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عني قالوا خيرا قال أما أنا والله فقد أولتها قالوا ماذا قال اما حلق رأسي فوضعه وأما الطائر الذي خرج منه فروحي واما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالارض تحفر لي فأغيب فيها وأما طلب ابني إياي ثم حبسه عني فإني أراه سيجتهد أن يصيبه ما أصابني فقتل رحمه الله تعالى شهيدا باليمامة وجرح ابنه جراحة شديدة ثم استبل منها ثم قتل عام اليرموك زمن عمر شهيدا رحمه الله هكذا ذكر محمد بن اسحاق قصة الطفيل بن عمرو مرسلة بلا اسناد ولخبره شاهد في الحديث الصحيح قال الامام احمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال لما قدم الطفيل وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن دوسا قد استعصت قال اللهم اهد دوسا وائت بهم رواه البخاري عن أبي نعيم عن سفيان الثوري وقال الامام أحمد حدثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قدم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا يا رسول الله إن دوسا قد عصمت وابت فادع الله عليها قال أبو هريرة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقلت هلكت دوس فقال اللهم اهد دوسا وائت بهم اسناد جيد ولم يخرجوه وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة قال حصن كان لدوس في الجاهلية فأبى ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر اليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها براجمه فشخبت يداه فما رقأ الدم حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع ربك بك فقال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم قال فما لي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت قال فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم وليديه فاغفر رواه مسلم عن أبي بكر بن ابي شيبة واسحاق بن ابراهيم كلاهما عن سليمان ابن حرب به فإن قيل فما الجمع بين هذا الحديث وبين ما ثبت في الصحيحين من طريق الحسن عن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله عز وجل عبدي بادرني بنفسه فحرمت عليه الجنة فالجواب من وجوه أحدها أنه قد يكون ذاك مشركا وهذا مؤمن ويكون قد جعل هذا الصنيع سببا مستقلا في دخوله النار وإن كان شركه مستقلا إلا أنه نبه على هذا لتعتبر أمته الثاني قد يكون هذاك عالما بالتحريم وهذا غير عالم لحداثة عهده بالإسلام الثالث قد يكون ذاك فعله مستحلا له وهذا لم يكن مستحلا بل مخطئا الرابع قد يكون أراد ذاك بصنيعه المذكور أن يقتل نفسه بخلاف هذا فإنه يجوز أنه لم يقصد قتل نفسه وإنما أراد غير ذلك الخامس قد يكون هذاك قليل الحسنات فلم تقاوم كبر ذنبه المذكور فدخل النار وهذا قد يكون كثير الحسنات فقاومت الذنب فلم يلج النار بل غفر له بالهجرة إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ولكن بقي الشين في يده فقط وحسنت هيئة سائره فغطى الشين منه فلما رآه الطفيل بن عمرو مغطيا يديه قال له مالك قال قيل لي لن يصلح منك ما أفسدت فلما قصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا له فقال اللهم وليديه فاغفر أي فأصلح منها ما كان فاسدا والمحقق أن الله استجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب الطفيل بن عمرو
*2* قصة أعشى بن قيس
@ قال ابن هشام حدثني خلاد بن قرة بن خالد السدوسي وغيره من مشايخ بكر بن وائل عن أهل العلم أن أعشى بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الاسلام فقال يمدح النبي صلى الله عليه وسلم
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما * تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن * اذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
كهولا وشبانا فقدت وثروة * فلله هذا الدهر كي ترددا
وما زلت أبغي المال مذأنا يافع * وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وأبتذل العيس المراقيل تعتلي * مسافة ما بين النجير فصرخدا
ألا أيهذا السائلي أين يممت * فإن لها في أهل يثرب موعدا
فإن تسألي عني فيا رب سائل * حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
أجدت برجليها النجاد وراجعت * يداها خناقا لينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجرت عجرفية * إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا
وآليت لا آوي لها من كلالة * ولا من حفي حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم * تراحي وتلقي من فواضله ندى
نبي يرى مالا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل * فليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد * نبي الآله حيث أوصى وأشهدا
اذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله * فترصد للأمر الذي كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الاوثان والله فاعبدا
ولا تقربن جارة كان سرها * عليك حراما فانكحن أو تأبدا
وذا الرحم القربى فلا تقطعنه * لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشية والضحى * ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة * ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
قال ابن هشام فلما كان بمكة أو قريب منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فاخبره أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال له يا أبا بصير إنه يحرم الزنا فقال الاعشى والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب فقال يا ابا بصير إنه يحرم الخمر فقال الاعشى أما هذه فوالله إن في نفسي منها العلالات ولكني منصرف فاتروى منها عامي هذا ثم آته فاسلم فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم هكذا أورد ابن هشام هذه القصة ههنا وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن اسحاق رحمه الله وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام رحمه الله فان الخمر
إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة بني النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الاعشى على القدوم للاسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك وهو قوله
ألا أيها ذا السائلي أين يممت * فان لها في أهل يثرب موعدا
وكان الانسب والاليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة الى ما بعد الهجرة ولا يوردها هاهنا والله أعلم قال السهيلي وهذه غفلة من ابن هشام ومن تابعه فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا في المدينة بعد أحد وقد قال وقيل إن القائل للاعشى هو أبو جهل بن هشام في دار عتبة بن ربيعة وذكر أبو عبيدة أن القائل له ذلك هو عامر بن الطفيل في بلاد قيس وهو مقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقوله ثم آته فأسلم لا يخرجه عن كفره بلا خلاف والله أعلم
ثم ذكر ابن اسحاق هاهنا قصة الاراشي وكيف استعدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي جهل في ثمن الجمل الذي ابتاعه منه وكيف أذل الله أبا جهل وأرغم أنفه حتى أعطاه ثمنه في الساعة الراهنة وقد قدمنا ذلك في ابتداء الوحي وما كان من أذية المشركين عند ذلك
*2* قصة مصارعة ركانة-
@ وكيف اراه (ص) الشجرة التي دعاها فاقبلت
قال ابن اسحاق وحدثني أبي اسحاق بن يسار قال وكان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف أشد قريشا فخلا يوما برسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك اليه قال إني لو أعلم أن الذي تقول حق لاتبعتك فقال له رسول الله أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال نعم قال فقم حتى أصارعك قال فقام ركانة اليه فصارعه فلما بطش به رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعه لا يملك من نفسه شيئا ثم قال عد يا محمد فعاد فصرعه فقال يا محمد والله إن هذا للعجب أتصرعني قال وأعجب من ذلك ان شئت أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمري قال وما هو قال أدعو لك هذه الشجرة التي ترى فتأتيني قال فادعها فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها ارجعي الى مكانك فرجعت الى مكانها قال فذهب ركانة الى قومه فقال يا بني عبد مناف ساحروا صاحبكم أهل الأرض فوالله ما رأيت أسحر منه قط ثم أخبرهم بالذي رأى والذي صنع
هكذا روى ابن اسحاق هذه القصة مرسلة بهذا البيان وقد روى أبو داود والترمذي من حديث أبي الحسن العسقلاني عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه أن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال الترمذي غريب ولا نعرف أبا الحسن ولا ابن ركانة
قلت وقد روى أبو بكر الشافعي بإسناد جيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يزيد بن ركانة صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل مرة على مائة من الغنم فلما كان في الثالثة قال يا محمد ما وضع ظهري الى الارض أحد قبلك وما كان أحد ابغض إلي منك وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقام عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد عليه غنمه
وأما قصة دعائه الشجرة فأقبلت فسيأتي في كتاب دلائل النبوة بعد السيرة من طرق جيدة صحيحة في مرات متعددة ان شاء الله وبه الثقة وقد تقدم ذلك عن أبي الاشدين أنه صارع النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر ابن اسحاق قصة قدوم النصارى من أهل الحبشة نحوا من عشرين راكبا الى مكة فأسلموا عن آخرهم وقد تقدم ذلك بعد قصة النجاشي ولله الحمد والمنة
قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جلس في المسجد يجلس اليه المستضعفون من أصحابه خباب وعمار وأبو فكيهة ويسار مولى صفوان بن أمية وصهيب وأشباههم من المسلمين هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض هؤلاء أصحابه كما ترون أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى ودين الحق لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء اليه وما خصهم الله به دوننا فأنزل الله عز وجل فيهم ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله باعلم بالشاكرين وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصراني يقال له جبر عبد لبنى الحضرمي وكانوا يقولون والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتي به الاجبر فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ثم ذكر نزول سورة الكوثر في العاص بن وائل حين قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أبتر أي لا عقب له فاذا مات انقطع ذكره فقال الله تعالى إن شانئك هو الأبتر أي المقطوع الذكر بعده ولو خلف الوفا من النسل والذرية وليس الذكر والصيت ولسان صدق بكثرة الاولاد والانسال والعقب وقد تكلمنا على هذه السورة في التفسير ولله الحمد وقد روى عن أبي جعفر الباقر أن العاص بن وائل انما قال ذلك حين مات القاسم بن النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد بلغ أن يركب الدابة ويسير على النجيبة ثم ذكر نزول قوله وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا
ملكا لقضي الأمر وذلك بسبب قول أبي بن خلف وزمعة بن الاسود والعاص بن وائل والنضر ابن الحارث لولا أنزل عليك ملك يكلم الناس عنك
قال ابن اسحاق ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل ابن هشام فهمزوه واستهزؤا به فغاظه ذلك فأنزل الله تعالى في ذلك من أمرهم ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن
قلت وقال الله تعالى ولقد استهزئ برسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين وقال تعالى إنا كفيناك المستهزئين قال سفيان عن جعفر بن اياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال المستهزؤن الوليد بن المغيرة والاسود بن عبد يغوث الزهري والاسود بن المطلب أبو زمعة والحارث بن عيطل والعاص بن وائل السهمي فأتاه جبريل فشكاهم اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراه الوليد فأشار جبريل الى انمله وقال كفيته ثم أراه الاسود بن المطلب فأومأ الىعنقه وقال كفيته ثم أراه الاسود بن عبد يغوث فأومأ الى رأسه وقال كفيته ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ الى بطنه وقال كفيته ومر به العاص بن وائل فاومأ الى اخمصه وقال كفيته فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أنمله فقطعها وأما الاسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها وأما الاسود ابن المطلب فعمى وكان سبب ذلك أنه نزل تحت سمرة فجعل يقول يا بني ألا تدفعون عني قد قتلت فجعلوا يقولون ما نرى شيئا وجعل يقول يا بني ألا تمنعون عني قد هلكت ها هو ذا الطعن بالشوك في عيني فجعلوا يقولون ما نرى شيئا فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه وأما الحارث بن عيطل فأخذه الماء الاصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما إذ دخل في رأسه شبرقة حتى امتلأت منها فمات منها وقال غيره في هذا الحديث فركب الى الطائف على حمار فربض به على شبرقة يعني شوكة فدخلت في أخمص قدمه شوكة فقتلته رواه البيهقي بنحو من هذا السياق
وقال ابن اسحاق وكان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم الاسود بن المطلب أبو زمعة دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم أعم بصره وأثكله ولده والاسود بن عبد يغوث والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والحارث بن الطلاطلة وذكر أن الله تعالى أنزل فيهم فاصدع بما تؤمر وأعرض
عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلهآ آخر فسوف يعلمون وذكر أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يطوفون بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الاسود ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي ومر به الاسود بن عبد يغوث فأشار الى بطنه فاستسقى باطنه فمات منه حبنا ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعبه كان أصابه قبل ذلك بسنين من مروره برجل يريش نبلا له من خزاعة فتعلق سهم بازاره فخدشه خدشا يسيرا فانتقض بعد ذلك فمات ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت في اخمص رجله شوكة فقتلته ومر به الحارث بن الطلاطل فاشار الى رأسه فامتحض قيحا فقتله
ثم ذكر ابن اسحاق أن الوليد بن المغيرة لما حضره الموت أوصى بنيه الثلاثة وهم خالد وهشام والوليد فقال لهم أي بني أوصيكم بثلاث دمي في خزاعة فلا تطلوه والله إني لأعلم أنهم منه براء ولكني اخشى أن تسبوا به بعد اليوم ورباي في ثقيف فلا تدعوه حتى تأخذوه وعقري عند أبي أزيهر الدوسي فلا يفوتنكم به وكان أبو أزيهر قد زوج الوليد بنتا له ثم امسكها عنه فلم يدخلها عليه حتى مات وكان قد قبض عقرها منه وهو صداقها فلما مات الوليد وثبت بنو مخزوم على خزاعة يلتمسون منهم عقل الوليد وقالوا انما قتله سهم صاحبكم فأبت عليهم خزاعة ذلك حتى تقاولوا أشعارا وغلظ بينهم الأمر ثم أعطتهم خزاعة بعض العقل واصطلحوا وتحاجزوا
قال ابن اسحاق ثم عدا هشام بن الوليد على أبي أزيهر وهو بسوق ذي المجاز فقتله وكان شريفا في قومه وكانت ابنته تحت أبي سفيان وذلك بعد بدر فعمد يزيد بن أبي سفيان فجمع الناس لبني مخزوم وكان أبوه غائبا فلما جاء أبو سفيان غاظه ما صنع ابنه يزيد فلامه على ذلك وضربه وودى أبا أزيهر وقال لابنه أعمدت إلى أن تقتل قريش بعضها بعضا في رجل من دوس وكتب حسان بن ثابت قصيدة له يحض أبا سفيان في دم أبي أزيهر فقال بئس ما ظن حسان أن يقتل بعضنا بعضا وقد ذهب أشرافنا يوم بدر ولما أسلم خالد بن الوليد وشهد الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله في ربا أبيه من أهل الطائف
قال ابن اسحاق فذكر لي بعض أهل العلم إن هؤلاء الآيات نزلن في ذلك يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين وما بعدها
قال ابن اسحاق ولم يكن في بني أزيهر ثأر نعلمه حتى حجر الاسلام بين الناس إلا أن ضرار ابن الخطاب بن مرداس الاسلمي خرج في نفر من قريش إلى أرض دوس فنزلوا على امرأة يقال لها أم غيلان مولاة لدوس وكانت تمشط النساء وتجهز العرائس فأرادت دوس قتلهم بأبي
أزيهر فقامت دونه أم غيلان ونسوة كن معها حتى منعتهم قال السهيلي يقال إنها أدخلته بين درعها وبدنها
قال ابن هشام فلما كانت أيام عمر بن الخطاب أتته أم غيلان وهي ترى أن ضرارا أخوه فقال لها عمر لست بأخيه الا في الاسلام وقد عرفت منتك عليه فاعطاها على أنها بنت سبيل
قال ابن هشام وكان ضرار بن الخطاب لحق عمر بن الخطاب يوم أحد فجعل يضربه بعرض الرمح ويقول انج يا ابن الخطاب لا أقتلك فكان عمر يعرفها له بعد الاسلام رضي الله عنهما
*2* فصل (دعاء النبي (ص)على قريش حين استعصت عليه )
@ وذكر البيهقي ها هنا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش حين استعصت عليه بسبع مثل سبع يوسف وأورد ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الاعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن ابن مسعود قال خمس مضين اللزام والروم والدخان والبطشة والقمر وفي رواية عن ابن مسعود قال إن قريشا لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطئوا عن الاسلام قال اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف قال فاصابتهم سنة حتى فحصت كل شيء حتى أكلوا الجيف والميتة وحتى أن أحدهم كان يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ثم دعا فكشف الله عنهم ثم قرأ عبد الله هذه الآية إنا كاشفوا العذاب قليلا انكم عائدون قال فعادوا فكفروا فأخروا إلى يوم القيامة أو قال فأخروا إلى يوم بدر قال عبد الله إن ذلك لو كان يوم القيامة كان لا يكشف عنهم يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون قال يوم بدر وفي رواية عنه قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس ادبارا قال اللهم سبع كسبع يوسف فاخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وأن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر فقال اللهم حوالينا ولا علينا فانجذب السحاب عن رأسه فسقى الناس حولهم قال لقد مضت آية الدخان وهو الجوع الذي أصابهم وذلك قوله إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون وآية الروم والبطشة الكبرى وانشقاق القمر وذلك كله يوم بدر قال البيهقي يريد والله أعلم البطشة الكبرى والدخان وآية اللزام كلها حصلت ببدر قال وقد اشار البخاري إلى هذه الرواية ثم أورد من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث من الجوع لأنهم لم
يجدوا شيئا حتى أكلوا العهن فأنزل الله تعالى ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فرج الله عنهم ثم قال الحافظ البيهقي وقد روى في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك بعد الهجرة ولعله كان مرتين والله أعلم
*2* فصل ( قصة فارس والروم ) .
@ ثم أورد البيهقي قصة فارس والروم ونزول قوله تعالى آلم غلبت الروم في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ثم روى من طريق سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان المسلمون يحبون ان يظهر الروم على فارس لانهم أهل كتاب وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لانهم أهل أوثان فذكر ذلك المسلمون لابي بكر فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال أما أنهم سيظهرون فذكر أبو بكر ذلك للمشركين فقالوا إجعل بيننا وبينك أجلا إن ظهروا كان لك كذا وكذا وإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ألا جعلته أداة قال دون العشر فظهرت الروم بعد ذلك
وقد أوردنا طرق هذا الحديث في التفسير وذكرنا أن المباحث أي المراهن لابي بكر أمية ابن خلف وأن الرهن كان على خمس قلايص وأنه كان إلى مدة فزاد فيها الصديق عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الرهن وأن غلبة الروم على فارس كان يوم بدر أو كان يوم الحديبية فالله أعلم
ثم روى من طريق الوليد بن مسلم حدثنا أسيد الكلابي أنه سمع العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه قال رأيت غلبة فارس الروم ثم رأيت غلبة الروم فارس ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم وظهورهم على الشام والعراق كل ذلك في خمس عشرة سنة
*2* فصل الاسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة الى بيت المقدس
@ ذكر ابن عساكر أحاديث الاسراء في أوائل البعثة وأما ابن اسحاق فذكرها في هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين وروى البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه إلى المدينة بسنة قال وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة ثم روى الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أسباط بن نصر عن اسماعيل السدي أنه قال فرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس ببيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره بستة عشر شهرا فعلى قول السدي يكون الاسراء في شهر ذي القعدة وعلى قول الزهري وعروة يكون في ربيع الاول وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عثمان عن سعيد ابن مينا عن جابر وابن عباس قالا ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الاول وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر وفيه مات فيه انقطاع وقد اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور المقدسي في سيرته وقد أورد حديثا لا يصح سنده ذكرناه في فضائل شهر رجب أن الاسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم ومن الناس من يزعم أن الاسراء كان أول ليلة جمعة من شهر رجب وهي ليلة الرغائب التي أحدثت فيها الصلاة المشهورة ولا أصل لذلك والله أعلم وينشد بعضهم في ذلك
ليلة الجمعة عرج بالنبي * ليلة الجمعة أول رجب
وهذا الشعر عليه ركاكة وانما ذكرناه استشهادا لمن يقول به وقد ذكرنا الاحاديث الواردة في ذلك مستقصاة عند قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير فلتكتب من هناك على ما هي عليه من الاسانيد والعزو والكلام عليها ومعها ففيها مقنع وكفاية ولله الحمد والمنة

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 10:42 PM
ولنذكر ملخص كلام ابن اسحاق رحمه الله فانه قال بعد ذكر ما تقدم من الفصول ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى وهو بيت المقدس من ايلياء وقد فشا الاسلام بمكة في قريش وفي القبائل كلها قال وكان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود وأبي سعيد وعائشة ومعاوية وأم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنهم والحسن بن أبي الحسن وابن شهاب الزهري وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع في هذا الحديث كل يحدث عنه بعض ما ذكر لي من أمره وكان في مسراه صلى الله عليه وسلم وما ذكر لي منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله وقدرته وسلطانه فيه عبرة لأولي الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق وكان من أمر الله على يقين فأسري به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يصنع بها ما يريد وكان عبد الله بن مسعود فيما بلغني يقول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق وهي الدابة التي كانت تحمل عليها الانبياء قبله تضع حافرها في موضع منتهي طرفها فحمل عليها ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السماء والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس فوجد فيه ابراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء قد جمعوا له فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية من لبن وخمر وماء فذكر أنه شرب اناء اللبن فقال لي جبريل هديت وهديت أمتك وذكر ابن اسحاق في سياق الحسن البصري مرسلا أن جبريل أيقظه ثم خرج به إلى باب المسجد الحرام فأركبه البراق وهو دابة أبيض بين البغل والحمار وفي فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه يضع حافره في منتهى طرفه ثم حملني عليه ثم خرج معي لا يفوتني ولا أفوته
قلت وفي الحديث وهو عن قتادة فيما ذكره ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد ركوب البراق شمس به فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال ألا تستحي يا براق مما تصنع فوالله ما ركبك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه قال فاستحى حتى أرفض عرقا ثم قرحتى ركبته قال الحسن في حديثه فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى معه جبريل حتى انتهى به الى بيت المقدس فوجد فيه ابراهيم وموسى وعيسى في نفر من الانبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم ذكر اختياره إناء اللبن على إناء الخمر وقول جبريل له هديت وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فأصبح يخبر قريشا بذلك فذكر أنه كذبه أكثر الناس وارتدت طائفة بعد اسلامها وبادر الصديق إلى التصديق وقال إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية أفلا أصدقه في بيت المقدس وذكر أن الصديق سأله عن صفة بيت المقدس فذكرها له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيومئذ سمي أبو بكر الصديق قال الحسن وأنزل الله في ذلك وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس الآية وذكر ابن اسحاق فيما بلغه عن أم هانئ أنها قالت ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من بيتي نام عندي تلك الليلة بعد ما صلى العشاء الآخرة فلما كان قبيل الفجر أهبنا فلما كان الصبح وصلينا معه قال يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة في هذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت الغداة معكم الآن كما ترين ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه فقلت يا نبي الله لا تحدث بهذا الحديث الناس فيكذبونك ويؤذونك قال والله لأحدثنهموه فأخبرهم فكذبوه فقال وآية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا فانفرهم حس الدابة فندلهم بعير فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام ثم أقبلت حتى إذا كنت بصحنان مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان وآية ذلك أن عيرهم تصوب الآن من ثنية التنعيم البيضاء يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء قال فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل الذي وصف لهم وسألوهم عن الاناء وعن البعير فأخبروهم كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه
وذكر يونس بن بكير عن اسباط عن اسماعيل السدي أن الشمس كادت أن تغرب قبل أن يقدم ذلك العير فدعا الله عز وجل فحبسها حتى قدموا كما وصف لهم قال فلم تحتبس الشمس على أحد إلا عليه ذلك اليوم وعلى يوشع بن نون رواه البيهقي
قال ابن اسحاق وأخبرني من لا أتهم عن أبي سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما فرغت مما كان في بيت المقدس أتى بالمعراج ولم أر شيئا قط أحسن منه وهو الذي يمد اليه ميتكم عينيه اذا حضر فاصعدني فيه صاحبي حتى انتهى بي الى باب من أبواب السماء يقال له باب الحفظة عليه بريد من الملائكة يقال له اسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك تحت يد كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا حدث بهذا الحديث وما يعلم جنود ربك إلا هو ثم ذكر بقية الحديث وهو مطول جدا وقد سقناه بإسناده ولفظه بكماله في التفسير وتكلمنا عليه فإنه من غرائب الاحاديث وفي اسناده ضعف وكذا في سياق حديث أم هانئ فان الثابت في الصحيحين من رواية شريك بن أبي نمر عن أنس أن الاسراء كان من المسجد من عند الحجر وفي سياقه غرابة ايضا من وجوه قد تكلمنا عليها هناك ومنها قوله وذلك قبل أن يوحى اليه والجواب أن مجيئهم أول مرة كان قبل أن يوحى اليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ثم جاءه الملائكة ليلة أخرى ولم يقل في ذلك وذلك قبل أن يوحى اليه بل جاءه بعد ما أوحي اليه فكان الاسراء قطعا بعد الايحاء إما بقليل كما زعمه طائفة أو بكثير نحو من عشر سنين كما زعمه آخرون وهو الاظهر وغسل صدره تلك الليلة قبل الاسراء غسلا ثانيا أو ثالثا على قول أنه مطلوب إلى الملأ الاعلى والحضرة الالهية ثم ركب البراق رفعة له وتعظيما وتكريما فلما جاء بيت المقدس ربطه بالحلقة التي كانت تربط بها الانبياء ثم دخل بيت المقدس فصلى في قبلته تحية المسجد وأنكر حذيفة رضي الله عنه دخوله إلى بيت المقدس وربطه الدابة وصلاته فيه وهذا غريب والنص المثبت مقدم على النافي ثم اختلفوا في اجتماعه بالانبياء وصلاته بهم أكان قبل عروجه إلى السماء كما دل عليه ما تقدم أو بعد نزوله منها كما دل عليه بعض السياقات وهو أنسب كما سنذكره على قولين فالله أعلم
وقيل أن صلاته بالانبياء كانت في السماء وهكذا تخيره من الآنية اللبن والخمر والماء هل كانت ببيت المقدس كما تقدم أو في السماء كما ثبت في الحديث الصحيح والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم لما فرغ من أمر بيت المقدس نصب له المعراج وهو السلم فصعد فيه الى السماء ولم يكن الصعود على البراق كما قد يتوهمه بعض الناس بل كان البراق مربوطا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة فصعد من سماء إلى سماء في المعراج حتى جاوز السابعة وكلما جاء سماء تلقته منها مقربوها ومن فيها من أكابر الملائكة والأنبياء وذكر أعيان من رآه من المرسلين كآدم في سماء الدنيا ويحيى وعيسى في الثانية وإدريس في الرابعة وموسى في السادسة على الصحيح وابراهيم في السابعة مسندا ظهره إلى البيت المعمور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه صلاة وطوافا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ثم جاوز مراتبهم كلهم حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الاقلام ورفعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى واذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها كقلال هجر وغشيها عند ذلك أمور عظيمة الوان متعددة باهرة وركبتها الملائكة مثل الغربان على الشجرة كثرة وفراش من ذهب وغشيها من نور الرب جل جلاله ورأى هناك جبريل عليه السلام له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين السماء والأرض وهو الذي يقول الله تعالى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى أي ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا ارتفع عن المكان الذي حد له النظر اليه وهذا هو الثبات العظيم والادب الكريم وهذه الرؤيا الثانية لجبريل عليه السلام على الصفة التي خلقه الله تعالى عليها كما نقله ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة رضي الله عنهم أجمعين والاولى هي قوله تعالى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالافق الاعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فاوحى إلى عبده ما أوحى وكان ذلك بالابطح تدلى جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض حتى كان بينه وبينه قاب قوسين أو أدنى هذا هو الصحيح في التفسير كما دل عليه كلام أكابر الصحابة المتقدم ذكرهم رضي الله عنهم فأما قول شريك عن أنس في حديث الاسراء ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فقد يكون من فهم الراوي فأقحمه في الحديث والله أعلم وإن كان محفوظا فليس بتفسير للآية الكريمة بل هو شيء آخر غير ما دلت عليه الآية الكريمة والله أعلم
وفرض الله سبحانه وتعالى على عبده محمد صلى الله عليه وسلم وعلى أمته الصلوات ليلتئذ خمسين صلاة في كل يوم وليلة ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه عز وجل حتى وضعها الرب جل جلاله وله الحمد والمنة إلى خمس وقال هي خمس وهي خمسون الحسنة بعشر أمثالها فحصل له التكليم من الرب عز وجل ليلتئذ وأئمة السنة كالمطبقين على هذا واختلفوا في الرؤية فقال بعضهم رآه بفؤاده مرتين قاله ابن عباس وطائفة وأطلق ابن عباس وغيره الرؤية وهو محمول على التقييد وممن أطلق الرؤية أبو هريرة واحمد بن حنبل رضي الله عنهما وصرح بعضهم بالرؤية بالعينين وأختاره ابن جرير وبالغ فيه وتبعه على ذلك آخرون من المتأخرين وممن نص على الرؤية بعيني رأسه الشيخ أبو الحسن الاشعري فيما نقله السهيلي عنه واختاره الشيخ أبو زكريا النووي في فتاويه وقالت طائفة لم يقع ذلك لحديث أبي ذر في صحيح مسلم قلت يا رسول الله هل رأيت ربك فقال نوراني أراه وفي رواية رأيت نورا قالوا ولم يكن رؤية الباقي بالعين الفانية ولهذا قال الله تعالى لموسى فيما روى في بعض الكتب الآلهية يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده والخلاف في هذه المسئلة مشهور بين السلف والخلف والله أعلم ثم هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس
والظاهر أن الانبياء هبطوا معه تكريما له وتعظيما عند رجوعه من الحضرة الآلهية العظيمة كما هي عادة الوافدين لا يجتمعون بأحد قبل الذي طلبوا اليه ولهذا كان كلما مر على واحد منهم يقول له جبريل عندما يتقدم ذاك للسلام عليه هذا فلان فسلم عليه فلو كان قد اجتمع بهم قبل صعوده لما احتاج إلى تعرف بهم مرة ثانية ومما يدل على ذلك أنه قال فلما حانت الصلاة أممتهم ولم يحن وقت إذ ذاك إلا صلاة الفجر فتقدمهم إماما بهم عن أمر جبريل فيما يرويه عن ربه عز وجل فاستفاد بعضهم من هذا أن الامام الاعظم يقدم في الامامة على رب المنزل حيث كان بيت المقدس محلتهم ودار اقامتهم ثم خرج منه فركب البراق وعاد إلى مكة فأصبح بها وهو في غاية الثبات والسكينة والوقار وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والامور التي لو رآها أو بعضها غيره لاصبح مندهشا أو طائش العقل ولكنه صلى الله عليه وسلم أصبح واجما أي ساكنا يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا الى تكذيبه فتلطف باخبارهم أولا بانه جاء بيت المقدس في تلك الليلة وذلك أن أبا جهل لعنه الله رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام وهو جالس واجم فقال له هل من خبر فقال نعم فقال ما هو فقال اني اسري بي الليلة الى بيت المقدس قال الى بيت المقدس قال نعم قال أرأيت إن دعوت قومك لك لتخبرهم اتخبرهم بما اخبرتني به قال نعم فاراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم ليخبرهم ذلك ويبلغهم فقال أبو جهل هيا معشر قريش وقد اجتمعوا من أنديتهم فقال أخبر قومك بما أخبرتني به فقص عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه فمن بين مصفق وبين مصفر تكذيبا له واستبعادا لخبره وطار الخبر بمكة وجاء الناس الى أبي بكر رضي الله عنه فأخبروه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا فقال انكم تكذبون عليه فقالوا والله إنه ليقوله فقال ان كان قاله فلقد صدق ثم جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله مشركي قريش فسأله عن ذلك فاخبره فاستعلمه عن صفات بيت المقدس ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به وفي الصحيح أن المشركين هم الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال فجعلت أخبرهم عن آياته فالتبس علي بعض الشيء فجلى الله لي بيت المقدس حتى جعلت أنظر اليه دون دار عقيل وأنعته لهم فقال أما الصفة فقد أصاب
وذكر ابن اسحاق ما تقدم من إخباره لهم بمروره بعيرهم وما كان من شربه مائهم فأقام الله عليهم الحجة واستنارت لهم المحجة فآمن من آمن على يقين من ربه وكفر من كفر بعد قيام الحجة عليه كما قال الله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس أي اختبارا لهم وامتحانا
قال ابن عباس هي رؤيا عين اريها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مذهب جمهور السلف والخلف من أن الاسراء كان ببدنه وروحه صلوات الله وسلامه عليه كما دل على ذلك ظاهرالسياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك ولهذا قال فقال سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد والعبد عبارة عنهما وأيضا فلو كان مناما لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به والاستبعاد له إذ ليس في ذلك كبير أمر فدل على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا مناما وقوله في حديث شريك عن أنس ثم استيقظت فاذا أنا في الحجر معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله عنها حين ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فكذبوه قال فرجعت مهموما فلم استفق إلا بقرن الثعالب وفي حديث أبي أسيد حين جاء بابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحنكه فوضعه على فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديث مع الناس فرفع أبو أسيد ابنه ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد الصبي فسأل عنه فقالوا رفع فسماه المنذر وهذا الحمل أحسن من التغليط والله أعلم وقد حكى ابن اسحاق فقال حدثني بعض آل أبي بكر عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أسرى بروحه قال وحدثني يعقوب بن عتبة أن معاوية كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت رؤيا من الله صادقة
قال ابن اسحاق فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت في ذلك وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس وكما قال ابراهيم عليه السلام يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك وفي الحديث تنام عين وقلبي يقظان
قال ابن اسحاق فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه ما عاين من أمر الله تعالى على أي حاله كان نائما أو يقظانا كل ذلك حق وصدق
قلت وقد توقف ابن اسحاق في ذلك وجوز كلا من الأمرين من حيث الجملة ولكن الذي لا يشك فيه ولا يتمارى أنه كان يقظانا لا محالة لما تقدم وليس مقتضى كلام عائشة رضي الله عنها أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فقد وإنما كان الاسراء بروحه أن يكون مناما كما فهمه ابن اسحاق بل قد يكون وقع الاسراء بروحه حقيقة وهو يقظان لا نائم وركب البراق وجاء بيت المقدس وصعد السموات وعاين ما عاين حقيقة ويقظة لا مناما لعل هذا مراد عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ومراد من تابعها على ذلك لا ما فهمه ابن اسحاق من أنهم أرادوا بذلك المنام والله أعلم
تنبيه ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الاسراء طبق ما وقع بعد ذلك فانه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء الوحي أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناما قبله ليكون ذلك من باب الارهاص والتوطئة والتثبت والايناس والله أعلم
ثم قد اختلف العلماء في أن الاسراء والمعراج هل كانا في ليلة واحدة أو كل في ليلة على حدة فمنهم من يزعم أن الاسراء في اليقظة والمعراج في المنام وقد حكى المهلب بن أبي صفرة في شرحه البخاري عن طائفة أنهم ذهبوا إلى أن الاسراء مرتين مرة بروحه مناما ومرة ببدنه وروحه يقظة وقد حكاه الحافظ أبو القاسم السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي الفقيه قال السهيلي وهذا القول يجمع الاحاديث فإن في حديث شريك عن أنس وذلك فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه وقال في آخره ثم استيقظت فاذا أنا في الحجر وهذا منام ودل غيره على اليقظة ومنهم من يدعي تعدد الاسراء في اليقظة أيضا حتى قال بعضهم إنها أربع اسراءات وزعم بعضهم أن بعضها كان بالمدينة وقد حاول الشيخ شهاب الدين أبو شامة رحمه الله أن يوفق بين اختلاف ما وقع في روايات حديث الاسراء بالجمع المتعدد فجعل ثلاث اسراءات مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط على البراق ومرة من مكة الى السماء على البراق أيضا لحديث حذيفة ومرة من مكة الى بيت المقدس ثم الى السموات
فنقول ان كان انما حمله على القول بهذه الثلاث اختلاف الروايات فقد اختلف لفظ الحديث في ذلك على أكثر من هذه الثلاث صفات ومن أراد الوقوف على ذلك فلينظر فيما جمعناه مستقصيا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى سبحان الذي اسرى بعبده ليلا وان كان انما حمله أن التقسيم انحصر في ثلاث صفات بالنسبة الى بيت المقدس والى السموات فلا يلزم من الحصر العقلي والوقوع كذلك في الخارج إلا بدليل والله أعلم والعجب أن الامام أبا عبد الله البخاري رحمه الله ذكر الاسراء بعد ذكره موت أبي طالب فوافق ابن اسحاق في ذكره المعراج في أواخر الأمر وخالفه في ذكره بعد موت أبي طالب وابن اسحاق أخر ذكر موت أبي طالب على الاسراء فالله أعلم أي ذلك كان والمقصود أن البخاري فرق بين الاسراء وبين المعراج فبوب لكل واحد منهما بابا على حدة فقال باب حديث الاسراء وقول الله سبحانه وتعالى سبحان الذي اسرى بعبده ليلا حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال سمعت جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما كذبتني قريش كنت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أحدثهم عن آياته وأنا أنظر اليه وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر به ورواه مسلم والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ثم قال البخاري باب حديث المعراج حدثنا هدبة بن خالد حدثنا همام حدثنا قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضجعا
اذ أتاني آت فقال وسمعته يقول فشق ما بين هذه الى هذه فقلت للجارود وهو الى جنبي ما يعني به قال من نقرة نحره الى شعرته وسمعته يقول من قصه الى شعرته فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة ايمانا فغسل قلبي ثم حشى ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض فقال الجارود وهو البراق يا أبا حمزة قال أنس نعم يضع حظوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بي جبرائيل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح قيل من هذا قال جبرائيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي الى السماء الثانية فاستفتح قيل من هذا قال جبرائيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت اذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما فسلمت عليهما فردا ثم قالا مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي الى السماء الثالثة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا قال جبرائيل قال ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء ففتح فلما خلصت اذا يوسف قال هذا يوسف فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبرائيل قال ومن معك قال محمد قيل وقد ارسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت اذا ادريس قال هذا ادريس فسلم عليه فسلمت فرد ثم قال مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح قيل من هذا قال جبرائيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد أرسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت اذا هارون قال هذا هارون فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبرائيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد ارسل اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت اذا موسى قال هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال مرحبا بالاخ الصالح والنبي الصالح فلما تجاوزت بكى فقيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي ثم صعد بي الى السماء السابعة فاستفتح جبرائيل قيل من هذا قال جبرائيل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث اليه قال نعم قيل مرحبا به فنعم المجيء جاء فلما خلصت اذا ابراهيم قال هذا أبوك ابراهيم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم رفعت الى سدرة المنتهى وإذا أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت ما هذا يا جبرائيل
قال اما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ثم رفع لي البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم أتيت باناء من خمؤ وإناء من لبن وإناء من عسل فأخذت اللبن قال هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك ثم فرض علي الصلوات خمسون صلاة كل يوم فرجعت فمررت على موسى فقال بما أمرت قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فوضع عني عشرا فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت الى موسى فقال بم أمرت فقلت بخمس صلوات كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني اسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك قال سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم قال فلما جاوزت ناداني مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي هكذا روى البخاري هذا الحديث ههنا وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قتادة عن أنس بن مالك بن صعصعة ورويناه من حديث أنس بن مالك عن أبي بن كعب ومن حديث أنس عن أبي ذر ومن طرق كثيرة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقد ذكرنا ذلك مستقصى بطرقه وألفاظه في التفسير ولم يقع في هذا السياق ذكر بيت المقدس وكان بعض الرواة يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه أو يذكر ما هو الأهم عنده أو يبسط تارة فيسوقه كله وتارة يحذف عن مخاطبه بما هو الانفع عنده ومن جعل كل رواية اسراد على حدة كما تقدم عن بعضهم فقد أبعد جدا وذلك أن كل السياقات فيها السلام على الأنبياء وفي كل منها يعرفه بهم وفي كلها يفرض عليه الصلوات فكيف يمكن أن يدعي تعدد ذلك هذا في غاية البعد والاستحالة والله أعلم ثم قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس قال هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به الى بيت المقدس والشجرة الملعونة في القرآن قال هي شجرة الزقوم
*2* فصل ( نزول فرضية الصلاة صبيحة الاسراء ) .
@ ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من صبيحة ليلة الاسرى جاءه جبرائيل عند الزوال فبين له كيفية الصلاة وأوقاتها وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فاجتمعوا وصلى به جبرائيل في ذلك اليوم الى الغد
والمسلمون يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقتدي بجبرائيل كما جاء في الحديث عن ابن عباس وجابر أمني جبرائيل عند البيت مرتين فبين له الوقتين الأول والآخر فهما وما بينهما الوقت الموسع ولم يذكر توسعة في وقت المغرب وقد ثبت ذلك في حديث أبي موسى وبريدة وعبد الله بن عمرو وكلها في صحيح مسلم وموضع بسط ذلك في كتابنا الاحكام ولله الحمد فأما ما ثبت في صحيح البخاري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وكذا رواه الاوزاعي عن الزهري ورواه الشعبي عن مسروق عنها وهذا مشكل من جهة أن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر وكذا عثمان بن عفان وقد تكلمنا على ذلك عند قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا قال البيهقي وقد ذهب الحسن البصري الى أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا كما ذكره مرسلا من صلاته عليه السلام صبيحة الاسراء الظهر اربعا والعصر اربعا والمغرب ثلاثا يجهر في الاوليين والعشاء أربعا يجهر في الاوليين والصبح ركعتين يجهر فيهما
قلت فلعل عائشة أرادت أن الصلاة كانت قبل الاسراء تكون ركعتين ركعتين ثم لما فرضت الخمس فرضت حضرا على ما هي عليه ورخص في السفر أن يصلى ركعتين كما كان الأمر عليه قديما وعلى هذا لا يبقى اشكال بالكلية والله أعلم
*2* فصل انشقاق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم
@
وجعل الله له آية على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الهدى ودين الحق حيث كان ذلك وقت اشارته الكريمة قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها ونحن نذكر من ذلك ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد تقصينا ذلك في كتابنا التفسير فذكرنا الطرق والألفاظ محررة ونحن نشير ههنا إلى أطراف من طرقها ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته وذلك مروي عن أنس بن مالك وجبير بن مطعم وحذيفة وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجميعن
أما أنس فقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك قال
سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة مرتين فقال اقتربت الساعة وانشق القمر ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به وهذا من مرسلات الصحابة والظاهر أنه تلقاه عن الجم الغفير من الصحابة أو عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الجميع وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شيبان زاد البخاري وسعيد بن أبي عروبة وزاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن قتادة عن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فاراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما لفظ البخاري
وأما جبير بن مطعم فقال الامام أحمد حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان بن كثير عن حصين ابن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل فقالوا سحرنا محمد فقالوا إن كان سحرنا فانه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم تفرد به احمد وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل وغيره عن حصين به وقد رواه البيهقي من طريق ابراهيم بن طهمان وهشيم كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده به فزاد رجلا في الاسناد
وأما حذيفة بن اليمان فروى أبو نعيم في الدلائل من طريق عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله واثنى عليه ثم قال اقتربت الساعة وانشق القمر ألا وإن الساعة قد اقتربت ألا وإن القمر قد انشق ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق فلما كانت الجمعة الثانية انطلقت مع أبي إلى الجمعة فحمد الله وقال مثله وزاد ألا وإن السابق من سبق إلى الجمعة فلما كنا في الطريق قلت لأبي ما يعني بقوله غدا السباق قال من سبق إلى الجنة
وأما ابن عباس فقال البخاري حدثنا يحيى بن كثير حدثنا بكر بن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال إن القمر انشق في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر وهو ابن نصر عن جعفر قوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر قال قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه وهو من مرسلاته وقال الحافظ أبو نعيم حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا بكر بن سهيل حدثنا عبد الغني بن سعيد حدثنا موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله اقتربت الساعة وانشق القمر قال ابن عباس اجتمع المشركون إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والعاص بن هشام والاسود ابن عبد يغوث والاسود بن المطلب وزمعة بن الاسود والنضر بن الحارث ونظراؤهم فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم إن فعلت تؤمنوا قالوا نعم وكانت ليلة بدر فسأل الله عز وجل أن يعطيه ما سألوا فامسى القمر وقد سلب نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي يا أبا سلمة بن عبد الاسد والارقم بن الارقم اشهدوا ثم قال أبو نعيم وحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا الحسن بن العباس الرازي عن الهيثم بن العمان حدثنا اسماعيل بن زياد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال انتهى أهل مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هل من آية نعرف بها أنك رسول الله فهبط جبرائيل فقال يا محمد قل لأهل مكة أن يحتفلوا هذه الليلة فسيروا آية إن انتفعوا بها فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالة جبرائيل فخرجوا ليلة الشق ليلة أربع عشرة فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا ونصفا على المروة فنظروا ثم قالوا بأبصارهم فمسحوها ثم اعادوا النظر فنظروا ثم مسحوا أعينهم ثم نظروا فقالوا يا محمد ما هذا إلا سحر واهب فانزل الله اقتربت الساعة وانشق القمر ثم روى الضحاك عن ابن عباس قال جاءت أحبار اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أرنا آية حتى نؤمن بها فسأل ربه فأراهم القمر قد انشق بجزئين أحدهما على الصفا والآخر على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظرون إليه ثم غاب فقالوا هذا سحر مفترى وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عمرو الرزاز حدثنا محمد بن يحيى القطعي حدثنا محمد ابن بكر حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا هذا سحر مستمر وهذا اسناد جيد وفيه أنه كسف تلك الليلة فلعله حصل له انشقاق في ليلة كسوفه ولهذا خفي أمره على كثير من أهل الأرض ومع هذا قد شوهد ذلك في كثير من بقاع الأرض ويقال إنه أرخ ذلك في بعض بلاد الهند وبنى بناء تلك الليلة وأرخ بليلة انشقاق القمر
وأما ابن عمر فقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس الاصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الاعمش عن مجاهد به قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
وأما عبد الله بن مسعود فقال الامام احمد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا اليه فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا وهكذا أخرجاه من حديث سفيان وهو بن عيينة به ومن حديث الاعمش عن ابراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن سمرة عن ابن مسعود قال انشق القمر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فقال النبي صلى الله عليه وسلم إشهدوا وذهبت فرقة نحو الجبل لفظ البخاري ثم قال البخاري وقال أبو الضحاك عن مسروق عن عبد الله بمكة وتابعه محمد بن مسلم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله رضي الله عنه وقد أسند أبو داود الطيالسي حديث أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا أنظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فقالوا ذلك وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا هشيم حدثنا مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين فقال كفار قريش لأهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة أنظروا السفارة فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به قال فسئل السفار قال وقدموا من كل وجهة فقالوا رأينا وهكذا رواه أبو نعيم من حديث جابر عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به وقال الامام احمد حدثنا مؤمل حدثنا اسرائيل عن سماك عن ابراهيم عن الاسود عن عبد الله وهو ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسباط عن سماك به وقال الحافظ أبو نعيم حدثنا أبو بكر الطلحي حدثنا أبو حصين محمد بن الحسين الوادعي حدثنا يحيىالحماني حدثنا يزيد عن عطاء عن سماك عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وانشق القمر حتى صار فرقتين فرقة خلف الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إشهدوا إشهدوا وقال أبو نعيم حدثنا سليمان بن احمد حدثنا جعفر بن محمد القلانسي حدثنا آدم بن أبي إياس ثنا الليث بن سعد حدثنا هشام بن سعد عن عتبة عن عبدالله بن عتبة عن ابن مسعود قال انشق القمر ونحن بمكة فلقد رأيت أحد شقيه على الجبل الذي بمنى ونحن بمكة وحدثنا احمد بن اسحاق حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم حدثنا محمد بن حاتم حدثنا معاوية بن عمرو عن زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين ثم روى من حديث علي بن سعيد بن مسروق حدثنا موسى بن عمير عن منصور بن المعتمر عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال رأيت القمر والله منشقا باثنتين بينهما حراء وروى أبو نعيم من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال انشق القمر فلقتين فلقة ذهبت وفلقة بقيت قال ابن مسعود لقد رأيت


جبل حراء بين فلقتي القمر فذهب فلقة فتعجب أهل مكة من ذلك وقالوا هذا سحر مصنوع سيذهب وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فاشهد يا أبا بكر وقال المشركون سحر القمر حتى انشق فهذه طرق متعددة قوية الاسانيد تفيد القطع لمن تأملها وعرف عدالة رجالها وما يذكره بعض القصاص من أن القمر سقط إلى الأرض حتى دخل في كم النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من الكم الآخر فلا أصل له وهو كذب مفترى ليس بصحيح والقمر حين انشق لم يزايل السماء غير أنه حين أشار اليه النبي صلى الله عليه وسلم انشق عن اشارته فصار فرقتين فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابن مسعود أنه شاهد ذلك وما وقع في رواية أنس في مسند احمد فانشق القمر بمكة مرتين فيه نظر والظاهر أنه أراد فرقتين والله أعلم
*2* فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها وقيل بل هي توفيت قبله والمشهور الاول وهذان المشفقان هذا في الظاهر وهذه في الباطن هذاك كافر وهذه مؤمنة صديقة رضي الله عنها وأرضاها
قال ابن اسحاق ثم أن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد فتتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب بهلك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن اليها ويهلك عمه أبي طالب وكان عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت اليه إحدى بناته تغسله وتبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تبكي يا بنية فان الله مانع أباك ويقول بين ذلك ما نالتني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب
وذكر ابن اسحاق قبل ذلك أن أحدهم ربما طرح الاذى في برمته إذا نصبت له قال فكان إذا فعلوا ذلك كما حدثني عمر بن عبد الله عن عروة يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه في الطريق
قال ابن اسحاق ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشا ثقله قالت قريش بعضها لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا الى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فانا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا قال ابن اسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس قال لما مشوا إلى أبي طالب وكلموه وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب في رجال من اشرافهم فقالوا يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه فخذ لنا منه وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه وليدعنا وديننا ولندعه ودينه فبعث اليه أبو طالب فجاءه فقال يا ابن أخي هؤلاء اشراف قومك قد اجتمعوا اليك ليعطوك وليأخذوا منك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عم كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم فقال أبو جهل نعم وأبيك وعشر كلمات قال تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب قال ثم قال بعضهم لبعض إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا قال فقال أبو طالب والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا قال فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له أي عم فانت فقلها استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا ابن أخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها لا أقولها إلا لأسرك بها قال فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس اليه يحرك شفتيه فاصغى اليه باذنه قال فقال يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم اسمع قال وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق الآيات وقد تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة
وقد استدل بعض من ذهب من الشيعة وغيرهم من الغلاة إلى أن أبا طالب مات مسلما بقول العباس هذا الحديث يا ابن أخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها يعني لا إله إلا الله والجواب عن هذا من وجوه أحدها أن في السند مبهما لا يعرف حاله وهو قوله عن بعض أهله وهذا ابهام في الاسم والحال ومثله يتوقف فيه لو انفرد وقد روى الامام احمد والنسائي وابن جرير نحوا من هذا السياق من طريق أبي أسامة عن الاعمش حدثنا عباد عن سعيد بن جبير فذكره ولم يذكر قول العباس ورواه الثوري أيضا عن الاعمش عن يحيى بن عمارة الكوفي عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس ورواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير أيضا ولفظ الحديث من سياق البيهقي فيما رواه من طريق الثوري عن الاعمش عن يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند رأس أبي طالب فجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك وشكوه إلى أبي طالب فقال يا ابن أخي ما تريد من قومك فقال يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب وتؤدي اليهم بها الجزية العجم كلمة واحدة قال ما هي قال لا إله إلا الله قال فقالوا اجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب قال ونزل فيهم ص والقرآن ذي الذكر الآيات إلى قوله إلا اختلاق ثم قد عارضه أعني سياق ابن اسحاق ما هو أصح منه وهو ما رواه البخاري قائلا حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلماه حتى قال آخر ما كلمهم به على ملة عبد المطلب فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفر لك مالم أنه عنك فنزلت ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ونزلت إنك لا تهدي من أحببت ورواه مسلم عن اسحاق بن ابراهيم وعبد الله عن عبد الرزاق وأخرجاه أيضا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه بنحوه وقال فيه فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما لاستغفرن لك مالم أنه عنك فانزل الله يعني بعد ذلك ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى ونزل في أبي طالب إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وهكذا روى الامام احمد ومسلم والترمذي والنسائي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عماه قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة فقال لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه الا فزع الموت لاقررت بها عينك ولا أقولها الا لاقر بها عينك فانزل الله عز وجل إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين وهكذا قال عبد الله بن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلا الله فأبى أن يقولها وقال هو على ملة الاشياخ وكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب ويؤكد هذا كله ما قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن
سفيان عن عبد الملك بن عمير حدثني عبد الله بن الحارث قال حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك قال هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل ورواه مسلم في صحيحه من طرق عن عبد الملك ابن عمير به أخرجاه في الصحيحين من حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه لفظ البخاري وفي رواية تغلي منه أم دماغه وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي عثمان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أهون أهل النار عذابا أبو طالب منتعل بنعلين من نار يغلي منهما دماغه وفي مغازي يونس بن بكير يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه ذكره السهيلي وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا عمرو هو ابن اسماعيل بن مجالد حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قيل له هل نفعت أبا طالب قال أخرجته من النار الى ضحضاح منها تفرد به البزار قال السهيلي وانما لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال لم اسمع لأن العباس كان اذ ذاك كافرا غير مقبول الشهادة
قلت وعندي أن الخبر بذلك ما صح لضعف سنده كما تقدم ومما يدل على ذلك أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدم وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفع إيمانها والله أعلم
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي اسحاق سمعت ناجية بن كعب يقول سمعت عليا يقول لما توفي أبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن عمك قد توفي فقال اذهب فواره فقلت إنه مات مشركا فقال اذهب فواره ولا تحدثن شيئا حتى تأتي ففعلت فأتيته فامرني أن أغتسل ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة ورواه أبو داود والنسائي من حديث سفيان عن أبي اسحاق عن ناجية عن علي لما مات أبو طالب قلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه قال اذهب فوار أباك ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني فاتيته فامرني فاغتسلت ثم دعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني حدثنا أبو أحمد بن عدي حدثنا محمد بن هارون بن حميد حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة حدثنا الفضل عن ابراهيم بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد من جنازة أبي طالب فقال وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم قال وروى عن أبي اليمان الهوزني عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وزاد ولم يقم على قبره قال وابراهيم بن
عبد الرحمن هذا هو الخوارزمي تكلموا فيه
قلت قد روى عنه غير واحد منهم الفضل بن موسى السيناني ومحمد بن سلام البيكندي ومع هذا قال ابن عدي ليس بمعروف وأحاديثه عن كل من روى عنه ليست بمستقيمة وقد قدمنا ما كان يتعاطاه أبو طالب من المحاماة والمحاجة والممانعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفع عنه وعن أصحابه وما قاله فيه من الممادح والثناء وما أظهره له ولأصحابه من المودة والمحبة والشفقة في اشعاره التي اسلفناها وما تضمنته من العيب والتنقيص لمن خالفه وكذبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية التي لا تدانى ولا تسامى ولا يمكن عربيا مقاربتها ولا معارضتها وهو في ذلك كله يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق بار راشد ولكن مع هذا لم يؤمن قلبه وفرق بين علم القلب وتصديقه كما قررنا ذلك في شرح كتاب الايمان من صحيح البخاري وشاهد ذلك قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال تعالى في قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم وقال موسى لفرعون لقد علمت ما أنزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر واني لأظنك يا فرعون مثبورا وقول بعض السلف في قوله تعالى وهم ينهون عنه وينأون عنه أنها نزلت في أبي طالب حيث كان ينهى الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وينأى هو عما جاء به الرسول من الهدى ودين الحق فقد روى عن ابن عباس والقاسم بن مخيمرة وحبيب ابن أبي ثابت وعطاء بن دينار ومحمد بن كعب وغيرهم ففيه نظر والله أعلم والأظهر والله أعلم الرواية الاخرى عن ابن عباس وهم ينهون الناس عن محمد أن يؤمنوا به وبهذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغير واحد وهو اختيار ابن جرير وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذم المشركين حيث كانوا يصدون الناس عن اتباعه ولا ينتفعون هم أيضا به ولهذا قال ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الاولين وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون وهذا اللفظ وهو قوله وهم يدل على أن المراد بهذا جماعة وهم المذكورون في سياق الكلام وقوله وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون يدل على تمام الذم وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال ولكن مع هذا لم يقدر الله له الايمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة والحجة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الايمان بها والتسليم لها ولولا ما نهانا الله عنه من الاستغفار للمشركين لاستغفرنا لابي طالب وترحمنا عليه
*2* فصل موت خديجة بنت خويلد
@ وذكر شيء من فضائلها ومناقبها رضي الله عنها وأرضاها وجعل جنات الفردوس منقلبها ومثواها وقد فعل ذلك لا محالة بخبر الصادق المصدوق حيث بشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب
قال يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح حدثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال قال عروة بن الزبير وقد كانت خديجة توفيت قبل أن تفرض الصلاة ثم روى من وجه آخر عن الزهري أنه قال توفيت خديجة بمكة قبل خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقبل أن تفرض الصلاة وقال محمد بن اسحاق ماتت خديجة وأبو طالب في عام واحد وقال البيهقي بلغني أن خديجة توفيت بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ذكره عبد الله بن منده في كتاب المعرفة وشيخنا أبو عبد الله الحافظ قال البيهقي وزعم الواقدي أن خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عام خرجوا من الشعب وأن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمس وثلاثين ليلة
قلت مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الاسراء وكان الانسب بنا أن نذكر وفاة أبي طالب وخديجة قبل الاسراء كما ذكره البيهقي وغير واحد ولكن أخرنا ذلك عن الاسراء لمقصد ستطلع عليه بعد ذلك فان الكلام به ينتظم ويتسق الباب كما تقف على ذلك إن شاء الله وقال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال أتى جبرائيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فاذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن اسماعيل قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى بشر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة قال نعم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب ورواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن اسماعيل بن أبي خالد به
قال السهيلي وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب يعني قصب اللؤلؤ لانها حازت قصب السبق الى الايمان لا صخب فيه ولا نصب لانها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم ولم تتعبه يوما من الدهر فلم تصخب عليه يوما ولا آذته أبدا وأخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وهلكت قبل أن يتزوجني لما كنت اسمعه يذكرها وأمره الله أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن لفظ البخاري وفي لفظ عن عائشة ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم اياها وتزوجني بعدها بثلاث سنين وأمره ربه أو جبرائيل أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب وفي لفظ له قالت ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة فيقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة فربما قلت كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد ثم قال البخاري حدثنا اسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع فقال اللهم هالة فغرت فقلت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر ابدلك الله خيرا منها وهكذا روا مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة إما فضلا وإما عشرة إذا لم ينكر عليها ولا يرد عليها ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله ولكن قال الامام احمد حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك هو ابن عمير عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فاطنب في الثناء عليها فادركني ما يدرك النساء من الغيرة فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغير لم أره تغير عند شيء قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم كلاهما عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير به وزاد بعد قوله حمراء الشدقين هلكت في الدهر الاول قال قال فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا تفرد به احمد وهذا اسناد جيد
وقال الامام احمد ايضا عن ابن اسحاق أخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء قالت فغرت يوما فقلت ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها قال ما أبدلني الله خيرا منها وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبنني وآستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء تفرد به احمد أيضا وإسناده لا بأس به ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم ولعل هذا أعني قوله ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء كان قبل أن يولد ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية وقبل مقدمها بالكلية وهذا معين فان جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا ابراهيم فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنها وأرضاها وتكلم آخرون في إسناده وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة وهو محتمل أو ظاهر وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها وليس مرادها بقولها قد أبدلك الله خيرا منها أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عز وجل كما قال فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى وقال تعالى ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء الآية وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين العلماء قديما وحديثا وبجانبها طرقا يقتصر عليها أهل الشيع وغيرهم ولا يعدلون بخديجة أحدا من النساء لسلام الرب عليها وكون ولد النبي صلى الله عليه وسلم جميعهم إلا ابراهيم منها وكونه لم يتزوج عليها حتى ماتت إكراما لها وتقدير إسلامها وكونها من الصديقات ولها مقام صدق في أول البعثة وبذلت نفسها ومالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أهل السنة فمنهم من يغلو أيضا ويثبت لكل واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف ولكن تحملهم قوة التسنن على تفضيل عائشة لكونها ابنة الصديق ولكونها أعلم من خديجة فانه لم يكن في الامم مثل عائشة في حفظها وعلمها وفصاحتها وعقلها ولم يكن الرسول يحب أحدا من نسائه كمحبته إياها ونزلت براءتها من فوق سبع سموات وروت بعده عنه عليه السلام علما جما كثيرا طيبا مباركا فيه حتى قد ذكر كثير من الناس الحديث المشهور خذوا شطر دينكم عن الحميراء والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيره والاحسن التوقف في ذلك إلى الله عز وجل ومن ظهر له دليل يقطع به أو يغلب على ظنه في هذه الباب فذاك الذي يجب عليه أن يقول بما عنده من العلم ومن حصل له توقف في هذه المسألة أو في غيرها فالطريق الاقوم والمسلك الاسلم أن يقول الله أعلم
وقد روى الامام احمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد أي خير زمانهما وروى شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قرة بن اياس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا ثلاث مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام رواه ابن مردويه في تفسيره وهذا اسناد صحيح إلى شعبة وبعده قالوا والقدر المشترك بين الثلاث نسوة آسية ومريم وخديجة أن كلا منهن كفلت نبيا مرسلا وأحسنت الصحبة في كفالتها وصدقته فآسية ربت موسى وأحسنت اليه وصدقته حين بعث ومريم كفلت ولدها أتم كفالة وأعظمها وصدقته حين أرسل وخديجة رغبت في تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبذلت في ذلك أموالها كما تقدم وصدقته حين نزل عليه الوحي من الله عز وجل وقوله
وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام هو ثابت في الصحيحين من طريق شعبة أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة الطيب الهمداني عن أبي موسى الاشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران وان فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام والثريد هو الخبز واللحم جميعا وهو أفخر طعام العرب كما قال بعض الشعراء
إذا ما الخبز تأدمه بلحم * فذاك أمانة الله الثريد
ويحمل قوله وفضل عائشة على النساء أن يكون محفوظا فيعم النساء المذكورات وغيرهن ويحتمل أن يكون عاما فيما عداهن ويبقى الكلام فيها وفيهن موقوف يحتمل التسوية بينهن فيحتاج من رجح واحدة منهن على غيرها إلى دليل من خارج والله أعلم



فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة
@ والصحيح أن عائشة تزوجها أولا كما سيأتي قال البخاري في باب تزويج عائشة حدثنا معلى ابن أسد حدثنا وهيب عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها أريتك في المنام مرتين أرى أنك في سرقة من حرير ويقول هذه امرأتك فاكشف عنها فإذا هي أنت فاقول إن كان هذا من عند الله يمضه قال البخاري باب نكاح الابكار وقال ابن أبي مليكة قال ابن عباس لعائشة لم ينكح النبي صلى الله عليه وسلم بكرا غيرك حدثنا اسماعيل بن عبد الله حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قلت يا رسول الله أرأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها ووجدت شجرة لم يؤكل منها في أيها كنت ترتع بعيرك قال في التي لم يرتع منها يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها انفرد به البخاري ثم قال حدثنا عبيد ابن اسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام فيجيء بك الملك في سرقة من حرير فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فاذا هي أنت فقلت إن يكن هذا من عند الله يمضه وفي رواية أريتك في المنام ثلاث ليال وعند الترمذي أن جبريل جاءه بصورتها في خرقة من حرير خضراء فقال هذه زوجتك في الدنيا والآخرة وقال البخاري تزويج الصغار من الكبار حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث
بن يزيد عن عراك عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب عائشة إلى أبي بكر فقال له أبو بكر إنما أنا أخوك فقال انت أخي في دين الله وكتابه وهي لي حلال هذا الحديث ظاهر سياقه كانه مرسل وهو عند البخاري والمحققين متصل لانه من حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها وهذا من افراد البخاري رحمه الله وقال يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بعد خديجة بثلاث سنين وعائشة يومئذ ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة وهذا غريب وقد روى البخاري عن عبيد ابن اسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال توفيت خديجة قبل مخرج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين فلبت سنتين أو قريبا من ذلك ونكح عائشة وهي بنت ست سنين ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين وهذا الذي قاله عروة مرسل في ظاهر السياق كما قدمنا ولكنه في حكم المتصل في نفس الامر وقوله تزوجها وهي ابنة ست سنين وبنى بها وهي ابنة تسع مالا خلاف فيه بين الناس وقد ثبت في الصحاح وغيرها وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحو ثلاث سنين ففيه نظر فان يعقوب بن سفيان الحافظ قال حدثنا الحجاج حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى خديجة قبل مخرجه من مكة وأنا ابنة سبع أو ست سنين فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب في ارجوحة وأنا مجممة فهيآنني وصنعنني ثم أتين بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنة تسع سنين فقوله في هذا الحديث متوفى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريبا اللهم إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفى خديجة فلا ينفي ما ذكره يونس بن بكير وأبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه والله أعلم وقال البخاري حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج فوعكت فتمزق شعري وقد وفت لي جميمة فاتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي فصرخت بي فاتيتها ما أدري ما تريد مني فاخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئا من ماء فمست به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار قال فاذا نسوة من الانصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فاسلمتني اليهن فاصلحن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فاسلمننى اليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين وقال الامام احمد في مسند عائشة أم المؤمنين حدثنا محمد بن بشر حدثنا بشر حدثنا محمد بن عمرو أبو سلمة ويحيى قالا لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت يا رسول الله ألا تزوج قال من قالت إن شئت بكرا وإن
شئت ثيبا قال فمن البكر قالت أحب خلق الله اليك عائشة ابنة أبي بكر قال ومن الثيب قالت سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك قال فاذهبي فاذكريهما علي فدخلت بيت أبي بكر فقالت يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة قالت انظري أبا بكر حتى يأتي فجاء أبو بكر فقلت يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة قال وما ذاك قالت أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة قال وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له قال ارجعي اليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الاسلام وابنتك تصلح لي فرجعت فذكرت ذلك له قال انتظري وخرج قالت أم رومان إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه ووالله ما وعد أبو بكر وعدا قط فاخلفه فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي فقالت يا ابن أبي قحافة لعلك مصبي صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه إن تزوج اليك فقال أبو بكر للمطعم ابن عدي أقول هذه يقول إنها تقول ذلك فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده فرجع فقال لخولة ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت ما أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت ارسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك اليه قالت وددت ادخلي الى أبي بكر فاذكري ذلك له وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية فقال من هذه قالت خولة بنت حكيم قال فما شأنك قالت أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة فقال كفؤ كريم ماذا تقول صاحبتك قال تحب ذلك قال ادعيها إلي فدعتها قال أي بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبتك وهو كفؤ كريم أتحبين أن أزوجك به قالت نعم قال ادعيه لي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها اياه فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج فجاء يحثى على رأسه التراب فقال بعد أن اسلم لعمرك إني لسفيه يوم أحثى في رأسي التراب أن تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة بنت زمعة قالت عائشة فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع اليه رجال من الانصار ونساء فجاءتني أمي وأنا لفي أرجوحة بين عذقين يرجح بي فانزلتني من الارجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من الماء ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب واني لانهج حتى سكن من نفسي ثم دخلت بي فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الانصار فاجلستني في حجرة ثم قالت هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا ما نحرت على جزور ولا
ذبحت على شاة حتى أرسل الينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دار الى نسائه وأنا يومئذ ابنة تسع سنين وهذا السياق كأنه مرسل وهو متصل لما رواه البيهقي من طريق احمد بن عبد الجبار حدثنا عبد الله بن ادريس الازدي عن محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال قالت عائشة لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم فقالت يا رسول الله ألا تزوج قال ومن قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا قال من البكر ومن الثيب قالت أما البكر فابنة أحب خلق الله اليك وأما الثيب فسودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك قال فاذكريهما علي وذكر تمام الحديث نحو ما تقدم وهذا يقتضي أن عقده على عائشة كان متقدما على تزويجه بسودة بنت زمعة ولكن دخوله على سودة كان بمكة وأما دخوله على عائشة فتأخر الى المدينة في السنة الثانية كما تقدم وكما سيأتي وقال الامام احمد حدثنا أسود حدثنا شريك عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت لما كبرت سودة وهبت يومها لي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لي بيومها مع نسائه قالت وكانت أول امرأة تزوجها بعدي وقال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثني شهر حدثني عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب امرأة من قومه يقال لها سودة وكانت مصبية كان لها خمس صبية أو ست من بعلها مات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعك مني قالت والله يا نبي الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية قال فهل منعك مني غير ذلك قالت لا والله قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك الله ان خير نساء ركبن اعجاز الابل صالح نساء قريش احناه على ولد في صغره وأرعاه على بعل بذات يده قلت وكان زوجها قبله عليه السلام السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدم ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه هذه السياقات كلها دالة على أن العقد على عائشة كان متقدما علىالعقد بسودة وهو قول عبد الله بن محمد بن عقيل ورواه يونس عن الزهري واختار ابن عبد البر أن العقد على سودة قبل عائشة وحكاه عن قتادة وأبي عبيد قال ورواه عقيل عن الزهري
*2* فصل ( اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب ) .
@ قد تقدم ذكر موت أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه كان ناصرا له وقائما في صفه ومدافعا عنه بكل ما يقدر عليه من نفس ومال ومقال وفعال فلما مات اجترأ سفهاء قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالوا منه ما لم يكونوا يصلون اليه ولا يقدرون عليه كما قد رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم حدثنا محمد بن اسحاق الصنعاني حدثنا يوسف بن بهلول حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا محمد بن
اسحاق عمن حدثه عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن جعفر قال لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش فالقى عليه ترابا فرجع إلى بيته فاتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي فجعل يقول أي بنية لا تبكين فان الله مانع أباك ويقول ما بين ذلك ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا قد رواه زياد البكائي عن محمد ابن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا والله أعلم وروى البيهقي أيضا عن الحاكم وغيره عن الاصم عن احمد بن عبد الجبارعن يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما زالت قريش كاعين حتى مات أبو طالب ثم رواه عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين حدثنا عقبة المجدر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما زالت قريش كاعة حتى توفي أبو طالب وقد روى الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي بسنده عن ثعلبة بن صغير وحكيم بن حزام أنهما قالا لما توفي أبو طالب وخديجة وكان بينهما خمسة ايام اجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيبتان ولزم بيته وأقل الخروج ونالت منه قريش ما لم تكن تنال ولا تطمع فيه فبلغ ذلك أبا لهب فجاءه فقال يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذ كان أبو طالب حيا فاصنعه لا واللات لا يوصل اليك حتى أموت وسب ابن الغيطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبل اليه أبو لهب فنال منه فولى يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة فاقبلت قريش حتى وقفوا على أبي لهب فقال ما فارقت دين عبد المطلب ولكني أمنع ابن أخي أن يضام حتى يمضي لما يريد فقالوا لقد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك أياما يأتي ويذهب لا يعرض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب إذ جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أبي لهب فقالا له أخبرك ابن أخيك أين مدخل أبيك فقال له أبو لهب يا محمد أين مدخل عبد المطلب قال مع قومه فخرج اليهما فقال قد سألته فقال مع قومه فقالا يزعم أنه في النار فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مات على ما مات عليه عبد المطلب دخل النار فقال أبو لهب لعنه الله والله لا برحت لك إلا عدوا أبدا وأنت تزعم أن عبد المطلب في النار واشتد عند ذلك أبو لهب وسائر قريش عليه
قال ابن اسحاق وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته أبو لهب والحكم بن أبي العاص بن أمية وعقبة بن أبي معيط وعدي بن الحمراء وابن الاصداء الهذلي وكانوا جيرانه لم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص وكان أحدهم فيما ذكر لي يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلي وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجرا يستتر
به منهم إذا صلى فكان إذا طرحوا شيئا من ذلك يحمله على عود ثم يقف به على بابه ثم يقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه في الطريق
قلت وعندي أن غالب ما روى مما تقدم من طرحهم سلا الجزور بين كتفيه وهو يصلي كما رواه ابن مسعود وفيه أن فاطمة جاءت فطرحته عنه وأقبلت عليهم فشتمتهم ثم لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على سبعة منهم كما تقدم وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقا شديدا حتى حال دونه أبو بكر الصديق قائلا أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وكذلك عزم أبي جهل لعنه الله على أن يطأ على عنقه وهو يصلي فحيل بينه وبين ذلك وما أشبه ذلك كان بعد وفاة أبي طالب والله أعلم فذكرها ههنا أنسب وأشبه
*2* فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله
@ قال ابن اسحاق فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى فخرج اليهم وحده فحدثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القرظي قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وعمد إلى نفر من ثقيف هم سادة ثقيف وأشرافهم وهم أخوة ثلاثة عبد ياليل ومسعود وحبيب بنو عمرو ابن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح فجلس اليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك وقال الآخر أما وجد الله أحدا أرسله غيرك وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لانت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف وقد قال لهم فيما ذكر لي إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجؤه إلى حائط لعتبة ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه فعمد الى ظل
حبلة من عنب فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران اليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي المرأة التي من بني جمح فقال لها ماذا لقينا من أحمائك فلما اطمأن قال فيما ذكر اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي الى من تكلني الى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة الا بك قال فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلاما نصرانيا يقال له عداس وقالا له خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به الى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ففعل عداس ثم ذهب به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه قال بسم الله ثم أكل ثم نظر عداس في وجهه ثم قال والله ان هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس وما دينك قال نصراني وأنا رجل من أهل نينوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرية الرجل الصالح يونس بن متى فقال له عداس وما يدريك ما يونس بن متى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخي كان نبيا وأنا نبي فاكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه قال يقول أبناء ربيعة احدهما لصاحبه اما غلامك فقد افسده عليك فلما جاء عداس قالا له ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدي ما في الارض شيء خير من هذا لقد اخبرني بأمر ما يعلمه الا نبي قالا له ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه
وقد ذكر موسى بن عقبة نحوا من هذا السياق الا انه لم يذكر الدعاء وزاد وقعد له أهل الطائف صفين على طريقه فلما مر جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعهما الا رضخوهما بالحجارة حتى ادموه فخلص منهم وهما يسيلان الدماء فعمد إلى ظل نخلة وهو مكروب وفي ذلك الحائط عتبة وشيبة ابنا ربيعة فكره مكانهما لعداوتهما الله ورسوله ثم ذكر قصة عداس النصراني كنحو ما تقدم وقد روى الامام احمد عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني عن أبيه أنه أبصر رس ول الله صلى الله عليه وسلم في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول والسماء والطارق حتى ختمها قال فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك ثم قرأتها في الاسلام
قال فدعتني ثقيف فقالوا ماذا سمعت من هذا الرجل فقرأتها عليهم فقال من معهم من قريش نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه وثبت في الصحيحين من طريق عبد الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير إن عائشة حدثته أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم اشد عليك من يوم أحد قال ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد قد بعثني الله إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني اليك ربك لتأمرني ما شئت إن شئت تطبق عليهم الاخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا
*2* فصل ( سماع الجن لقراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام ) .
@ وقد ذكر محمد بن اسحاق سماع الجن لقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مرجعه من الطائف حين بات بنخلة وصلى بأصحابه الصبح فاستمع الجن الذين صرفوا اليه قراءته هنالك قال ابن اسحاق وكانوا سبعة نفر وأنزل الله تعالى فيهم قوله وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن
قلت وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير وتقدم قطعة من ذلك والله أعلم ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مرجعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي وازداد قومه عليه حنقا وغيظا وجرأة وتكذيبا وعنادا والله المستعان وعليه التكلان
وقد ذكر الاموي في مغازيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أريقط إلى الاخنس بن شريق فطلب منه أن يجيره بمكة فقال إن حليف قريش لا يجير على صميمها ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو ليجيره فقال إن بني عامر بن لؤي لا تجير على بني كعب بن لؤي فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره فقال نعم قل له فليأت فذهب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة أو سبعة متقلدي السيوف جميعا فدخلوا المسجد وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف فاقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال أمجير أو تابع قال لا بل مجير قال إذا لا تخفر فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه فلما انصرف انصرفوا معه وذهب أبو
سفيان إلى مجلسه قال فمكث أياما ثم أذن له في الهجرة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة توفي مطعم بن عدي بعده بيسير فقال حسان بن ثابت والله لأرثينه فقال فيما قال
فلو كان مجد مخلد اليوم واحد * من الناس نحي مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا * عبادك ما لبى محل وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها * وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره * وذمته يوما إذا ما تجشما
وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم * على مثله فيهم أعز وأكرما
إباء إذا يأبى وألين شيمة * وأنوم عن جار اذا الليل أظلما
قلت ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أسارني بدر لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء لوهبتهم له
*2* فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على احياء العرب
@ قال ابن اسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقومه أشد ما كانوا عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلا مستضعفين ممن آمن به فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم اذا كانت على قبائل العرب يدعوهم الى الله عز وجل ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به
قال ابن اسحاق فحدثني من أصحابنا من لا أتهم عن زيد بن اسلم عن ربيعة بن عباد الدؤلي ومن حدثه أبو الزناد عنه وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال سمعت ربيعة ابن عباد يحدثه أبي قال إني لغلام شاب مع أبي بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول يا بني فلان إني رسول الله اليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به قال وخلفه رجل أحول وضيء له غديرتان عليه حلة عدنية فاذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وما دعا اليه قال ذلك الرجل يا بني فلان إن هذا أنما يدعوكم الى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش الى ما جاء به من البدعة والضلالة
فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه قال فقلت لابي يا أبت من هذا الرجل الذي يتبعه ويرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب وقد روى الامام احمد هذا الحديث عن ابراهيم بن أبي العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بني الدئل وكان جاهليا فاسلم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا والناس مجتمعون عليه ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول إنه صابئ كاذب يتبعه حيث ذهب فسألت عنه فقالوا هذا عمه أبو لهب ورواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله الانصاري عن محمد بن عمرو عن محمد بن المنكدر عن ربيعة الدئلي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم الى الله ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم قلت من هذا قالوا هذا أبو لهب وكذا رواه أبو نعيم في الدلائل من طريق ابن أبي ذئب وسعيد ابن سلمة بن أبي الحسام كلاهما عن محمد بن المنكدر به نحوه ثم رواه البيهقي من طريق شعبة عن الأشعث بن سليم عن رجل من كنانة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا واذا رجل خلفه يسفي عليه التراب فاذا هو أبو جهل وهو يقول يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى كذا قال في هذا السياق أبو جهل وقد يكون وهما ويحتمل أن يكون تارة يكون ذا وتارة يكون ذا وأنهما كانا يتناوبان على اذائه صلى الله عليه وسلم
قال ابن اسحاق وحدثني ابن شهاب الزهري أنه عليه السلام أتى كندة في منازلهم وفيهم سيد لهم يقال له مليح فدعاهم الى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه فأبوا عليه قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن عبد الرحمن بن حصين أنه أتى كلبا في منازلهم الى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه حتى إنه ليقول يا بني عبد الله إن الله قد أحسن اسم أبيكم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بني حنيفة في منازلهم فدعاهم الى الله وعرض عليهم نفسه فلم يك أحد من العرب اقبح ردا عليه منهم وحدثني الزهري أنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ثم قال له أرأيت إن نحن تابعناك في أمرك ثم أظهرك الله على من يخالفك أيكون لنا الأمر من بعدك قال الامر لله يضعه حيث يشاء قال فقال له أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك فابوا عليه فلما صدر الناس رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم كان أدركه السن حتى لا يقدر أن يوافي معهم المواسم فكانوا إذا رجعوا اليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم فقالوا جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا قال فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بني عامر هل لها من تلاف هل لذناباها من مطلب والذي نفس فلان بيده ما تقولها اسماعيلي قط وإنها لحق فأين رأيكم كان عنكم
وقال موسى بن عقبة عن الزهري فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم كل شريف قوم لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول لا أكره أحدا منكم على شيء من رضي منكم بالذي أدعوه اليه فذلك ومن كره لم أكرهه إنما أريد ان تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربي وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء فلم يقبله أحد منهم وما يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال قوم الرجل أعلم به أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه وكان ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به
وقد روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الله بن الاجلح ويحيى بن سعيد الاموي كلاهما عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن العباس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا حتى نقر في منازل قبائل الناس وكانت مجمع العرب قال فقلت هذه كندة ولفها وهي أفضل من يحج البيت من اليمن وهذه منازل بكر بن وائل وهذه منازل بني عامر بن صعصعة فاختر لنفسك قال فبدأ بكندة فأتاهم فقال ممن القوم قالوا من أهل اليمن قال من أي اليمن قالوا من كندة قال من أي كندة قالوا من بني عمرو بن معاوية قال فهل لكم إلى خير قالوا وما هو قال تشهدون أن لا إله إلا الله وتقيمون الصلاة وتؤمنون بما جاء من عند الله قال عبد الله بن الاجلح وحدثني أبي عن اشياخ قومه أن كندة قالت له إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الملك لله يجعله حيث يشاء فقالوا لا حاجة لنا فيما جئتنا به وقال الكلبي فقالوا أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا وننابذ العرب الحق بقومك فلا حاجة لنا بك فانصرف من عندهم فأتى بكر بن وائل فقال ممن القوم قالوا من بكر بن وائل فقال من أي بكر بن وائل قالوا من بني قيس بن ثعلبة قال كيف العدد قالوا كثير مثل الثرى قال فكيف المنعة قالوا لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم قال فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين وتحمدوه ثلاثا وثلاثين وتكبروه أربعا وثلاثين قالوا ومن أنت قال أنا رسول الله ثم انطلق فلما ولى عنهم قال الكلبي وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله ثم مر أبو لهب فقالوا هل تعرف هذا الرجل قال نعم هذا في الذروة منا فعن أي شأنه تسألون فأخبروه بما دعاهم اليه وقالوا زعم أنه رسول الله قال ألا لا ترفعوا برأسه قولا فانه مجنون يهذي من أم رأسه قالوا قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر
قال الكلبي فاخبرني عبد الرحمن المعايري عن اشياخ من قومه قالوا اتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بسوق عكاظ فقال ممن القوم قلنا من بني عامر بن صعصعة قال من أي بني عامر بن صعصعة قالوا بنو كعب بن ربيعة قال كيف المنعة قلنا لا يرام ما قبلنا ولايسطلى بنارنا قال فقال لهم إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولا اكره أحدا منكم على شيء قالوا ومن أي قريش أنت قال من بني عبد المطلب قالوا فأين أنت من عبد مناف قال هم أول من كذبني وطردني قالوا ولكنا لا نطردك ولا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك قال فنزل اليهم والقوم يتسوقون اذ أتاهم بحيرة بن فراس القشيري فقال من هذا الرجل أراه عندكم أنكره قالوا محمد بن عبد الله القرشي قال فما لكم وله قالوا زعم لنا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلب الينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه قال ماذا رددتم عليه قالوا بالترحيب والسعة نخرجك الى بلادنا ونمنعك ما نمنع به أنفسنا قال بحيرة ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشد من شيء ترجعون به بدءا ثم لتنابذوا الناس وترميكم العرب عن قوس واحدة قومه أعلم به لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به أتعمدون الى زهيق قد طرده قومه وكذبوه فتؤوونه وتنصرونه فبئس الرأي رأيتم ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قم فالحق بقومك فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ناقته فركبها فغمر الخبيث بحيرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وسلم فالقته وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط كانت من النسوة اللاتي أسلمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة جاءت زائرة الى بني عمها فقالت يا آل عامر ولا عامر لي أيصنع هذا برسول الله بين أظهركم لا يمنعه أحد منكم فقام ثلاثة من بني عمها الى بحيرة واثنين اعاناه فاخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الارض ثم جلس على صدره ثم علوا وجوههم لطما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم بارك على هؤلاء والعن هؤلاء قال فأسلم الثلاثة الذين نصروه وقتلوا شهداء وهم غطيف وغطفان ابنا سهل وعروة أو عذرة بن عبد الله بن سلمة رضي الله عنهم وقد روى هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي في مغازيه عن أبيه به وهلك الآخرون وهم بحيرة بن فراس وحزن بن عبد الله بن سلمة بن قشير ومعاوية بن عبادة أحد بني عقيل لعنهم الله لعنا كثيرا وهذا أثر غريب كتبناه لغرابته والله أعلم
وقد روى أبو نعيم له شاهدا من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة عامر بن صعصعة وقبيح ردهم عليه وأغرب من ذلك وأطول ما رواه ابو نعيم والحاكم والبيهقي والسياق لابي نعيم رحمهم الله من حديث ابان بن عبد الله البجلي عن ابان بن تغلب عن عكرمة عن ابن عباس حدثني علي بن أبي طالب قال لما أمر الله رسوله أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منى حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر رضي الله عنه فسلم وكان أبو بكر مقدما في كل خير وكان رجلا نسابة فقال ممن القوم قالوا من ربيعة قال وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها قالوا بل من هامها العظمى قال أبو بكر فمن أي هامتها العظمى فقال ذهل الاكبر قال لهم أبو بكر منكم عوف الذي كان يقال لاحر بوادي عوف قالوا لا قال فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى الاحياء قالوا لا قال فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها قالوا لا قال فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار قالوا لا قال فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة قالوا لا قال فانتم اخوال الملوك من كندة قالوا لا قال فأنتم اصهار الملوك من لخم قالوا لا قال لهم أبو بكر رضي الله عنه فلستم بذهل الاكبر بل أنتم ذهل الاصغر قال فوثب اليه منهم غلام يدعى دغفل بن حنظلة الذهلي حين بقل وجهه فأخذ بزمام ناقة أبي بكر وهو يقول
إن على سائلنا أن نسأله * والعبء لا نعرفه أو نحمله
يا هذا إنك سألتنا فأخبرناك ولم نكتمك شيئا ونحن نريد أن نسألك فمن أنت قال رجل من قريش فقال الغلام بخ بخ أهل السؤدد والرئاسة قادمة العرب وهاديها فمن أنت من قريش فقال له رجل من بني تيم بن مرة فقال له الغلام أمكنت والله الرامي من سواء الثغرة أفمنكم قصي بن كلاب الذي قتل بمكة المتغلبين عليها واجلى بقيتهم وجمع قومه من كل أوب حتى أوطنهم مكة ثم استولى على الدار وأنزل قريشا منازلها فسمته العرب بذلك مجمعا وفيه يقول الشاعر
أليس أبوكم كان يدعى مجمعا * به جمع الله القبائل من فهر
فقال أبو بكر لا قال فمنكم عبد مناف الذي انتهت اليه الوصايا وابو الغطاريف السادة فقال أبو بكر لا قال فمنكم عمرو بن عبد مناف هاشم الذي هشم الثريد لقومه ولأهل مكة ففيه يقول الشاعر
عمرو العلا هشم الثريد لقومه * ورجال مكة مسنتون عجاف
سنوا اليه الرحلتين كليهما * عند الشتاء ورحلة الأصياف
كانت قريش بيضة فتفلقت * فالمح خالصة لعبد مناف
الرايشين وليس يعرف رايش * والقائلين هلم للأضياف
والضاربين الكبش يبرق بيضه * والمانعين البيض بالأسياف
لله درك لو نزلت بدارهم * منعوك من أزل ومن إقراف
فقال أبو بكر لا قال فمنكم عبد المطلب شيبة الحمد وصاحب عير مكة ومطعم طير السماء والوحوش والسباع في الفلا الذي كأن وجهه قمر يتلألأ في الليلة الظلماء قال لا قال أفمن أهل الافاضة أنت قال لا قال أفمن أهل الحجابة أنت قال لا قال أفمن أهل الندوة أنت قال لا قال أفمن أهل السقاية أنت قال لا قال أفمن أهل الرفادة أنت قال لا قال فمن المفيضين أنت قال لا ثم جذب أبو بكر رضي الله عنه زمام ناقته من يده فقال له الغلام
صادف در السيل در يدفعه * يهيضه حينا وحينا يرفعه
ثم قال أما والله يا أخا قريش لو ثبت لخبرتك أنك من زمعات قريش ولست من الذوائب قال فأقبل الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم قال علي فقلت له يا أبا بكر لقد وقعت من الاعرابي على باقعة فقال أجل يا أبا الحسن إنه ليس من طامة إلا وفوقها طامة والبلاء موكل بالقول قال ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينة والوقار واذا مشايخ لهم اقدار وهيئات فتقدم أبو بكر فسلم قال علي وكان أبو بكر مقدما في كل خير فقال لهم أبو بكر ممن القوم قالوا من بني شيبان بن ثعلبة فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم وفي رواية ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم وهؤلاء غرر في قومهم وهؤلاء غرر الناس وكان في القوم مفروق ابن عمرو وهانئ بن قبيصة والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا وكانت له غديرتان تسقطان على صدره فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر فقال له أبو بكر كيف العدد فيكم فقال له إنا لنزيد على الف ولن تغلب الف من قلة فقال له فكيف المنعة فيكم فقال علينا الجهد ولكل قوم جد فقال أبو بكر فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال مفروق إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب وإنا لنؤثر الجياد على الاولاد والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا لعلك أخو قريش فقال أبو بكر إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو هذا فقال مفروق قد بلغنا أنه يذكر ذلك ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه
فقال صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني الحميد قال له وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين احسانا إلى قوله وذلك وصاكم به لعلكم تتقون فقال له مفروق وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش فوالله ما هذا من كلام أهل الارض ولو كان من كلامهم لعرفناه فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون فقال له مفروق دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الاعمال ولقد افك قوم كذبوك وظاهروا عليك وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة فقال وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال له هانئ قد سمعت مقالتك يا أخا قريش وصدقت قولك وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته الينا ليس له اول ولا آخر لم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو اليه زلة في الرأي وطيشة في العقل وقلة نظر في العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة فقال وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش وأعجبني ما تكلمت به والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة وتركنا ديننا واتباعنا إياك لمجلس جلسته الينا وإنا إنما نزلنا بين صريين أحدهما اليمامة والآخر السماوة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هذان الصريان فقال له أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب واما الآخر فارض فارس وأنهار كسرى وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا ولعل هذا الأمر الذي تدعونا اليه مما تكرهه الملوك فاما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول فان أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه لا يقوم بدين الله الا من حاطه من جميع جوانبه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيتم ان لم تلبثوا الا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ويفرشكم بناتهم أتسبحون الله وتقدسونه فقال له النعمان ابن شريك اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يدي أبي بكر قال
علي ثم التفت الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا علي أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية ما أشرفها بها يتحاجزون في الحياة الدنيا قال ثم دفعنا الى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم قال علي وكانوا صدقاء صبراء فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من معرفة أبي بكر رضي الله عنه بانسابهم قال فلم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم الا يسيرا حتى خرج الى أصحابه فقال لهم احمدوا الله كثيرا فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس قتلوا ملوكهم واستباحوا عسكرهم وبي نصروا قال وكانت الوقعة بقراقر الى جنب ذي قار وفيها يقول الاعشى
فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي * وراكبها عند اللقاء وقلت
هموا ضربوا بالحنو حنو قراقر * مقدمة الهامرز حتى تولت
فلله عينا من رأى من فوارس * كذهل بن شيبان بها حين ولت
فثاروا وثرنا والمودة بيننا * وكانت علينا غمرة فتجلت
هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة ومحاسن الاخلاق ومكارم الشيم وفصاحة العرب وقد ورد هذا من طريق أخرى وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر مكان قريب من الفرات جعلوا شعارهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم فنصروا على فارس بذلك وقد دخلوا بعد ذلك في الاسلام
وقال الواقدي أخبرنا عبد الله بن وابصة العبسي عن أبيه عن جده قال جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منازلنا بمنى ونحن نازلون بازاء الجمرة الاولى التي تلي مسجد الخيف وهو على راحلته مردفا خلفه زيد بن حارثة فدعانا فوالله ما استجبنا له ولا خير لنا قال وقد كنا سمعنا به وبدعائه في المواسم فوقف علينا يدعونا فلم نستجب له وكان معنا ميسرة بن مسروق العبسي فقال لنا أحلف بالله لو قد صدقنا هذا الرجل وحملناه حتى نحل به وسط بلادنا لكان الرأي فأحلف بالله ليظهرن أمره حتى يبلغ كل مبلغ فقال القوم دعنا منك لا تعرضنا لما لا قبل لنا به وطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ميسرة فكلمه فقال ميسرة ما أحسن كلامك وأنوره ولكن قومي يخالفونني وإنما الرجل بقومه فإذا لم يعضدوه فالعدى أبعد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج القوم صادرين الى أهليهم
فقال لهم ميسرة ميلوا نأتي فدك فان بها يهودا نسائلهم عن هذا الرجل فمالوا إلى يهود فاخرجوا سفرا لهم فوضعوه ثم درسوا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي يركب الحمار ويجتزي بالكسرة ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالجعد ولا بالسبط في عينيه حمرة مشرق اللون فان كان هو الذي دعاكم فاجيبوه وادخلوا في دينه فانا نحسده ولا نتبعه وإنا منه في مواطن بلاء عظيم ولا يبقى أحد من العرب الا اتبعه والا قاتله فكونوا ممن يتبعه فقال ميسرة يا قوم ألا إن هذا الأمر بين فقال القوم نرجع الى الموسم ونلقاه فرجعوا الى بلادهم وأبى ذلك عليهم رجالهم فلم يتبعه أحد منهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا وحج حجة الوداع لقاه ميسرة فعرفه فقال يا رسول الله والله ما زلت حريصا على اتباعك من يوم أنخت بنا حتى كان ما كان وأبىالله الا ما ترى من تأخر اسلامي وقد مات عامة النفر الذين كانوا معي فأين مدخلهم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من مات على غير دين الاسلام فهو في النار فقال الحمد لله الذي أنقذني فأسلم وحسن إسلامه وكان له عند أبي بكر مكان وقد استقصى الامام محمد بن عمر الواقدي فقص خبر القبائل واحدة واحدة فذكر عرضه عليه السلام نفسه على بني عامر وغسان وبني فزارة وبني مرة وبني حنيفة وبني سليم وبني عبس وبني نضر بن هوازن وبني ثعلبة بن عكابة وكندة وكلب وبني الحارث بن كعب وبني عذرة وقيس بن الحطيم وغيرهم وسياق أخبارها مطولة وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا ولله الحمد والمنة
وقال الامام احمد حدثنا أسود بن عامر أنا اسرائيل عن عثمان يعني ابن المغيرة عن سالم ابن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول هل من رجل يحملني الى قومه فان قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل فأتاه رجل من همدان فقال ممن أنت قال الرجل من همدان قال فهل عند قومك من منعة قال نعم ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال آتيهم فأخبرهم ثم آتيك من عام قابل قال نعم فانطلق وجاء وفد الانصار في رجب وقد رواه أهل السنن الأربعة من طرق عن اسرائيل به وقال الترمذي حسن صحيح
*2* فصل ( قدوم وفد الأنصار لمبايعة رسول الله عليه الصلاة والسلام ) .
@ قدوم وفد الانصار عاما بعد عام حتى بايعو رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة بعد بيعة ثم بعد ذلك تحول اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة
حديث سويد بن صامت الانصاري
وهو سويد بن الصامت بن عطية بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس وأمه ليلى بنت عمرو النجارية أخت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب بن هاشم فسويد هذا ابن خالة عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال محمد بن اسحاق بن يسار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك من أمره كلما اجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعو القبائل إلى الله وإلى الاسلام ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من الهدى والرحمة ولا يسمع بقادم يقدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى وعرض عليه ما عنده قال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا قدم سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا وكان سويد إنما يسميه قومه فيهم الكامل لجلده وشعره وشرفه ونسبه وهو الذي يقول
ألا رب من تدعو صديقا ولو ترى * مقالته بالغيب ساءك ما يفري
مقالته كالشهد ما كان شاهدا * وبالغيب مأثور على ثغرة النحر
يسرك باديه وتحت أديمه * تميمة غش تبتري عقب الظهر
تبين لك العينان ما هو كاتم * من الغل والبغضاء بالنظر الشزر
فرشي بخير طالما قد بريتني * وخير الموالي من يريش ولا يبري
قال فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به فدعاه إلى الله والاسلام فقال له سويد فلعل الذي معك مثل الذي معي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك قال مجلة لقمان يعني حكمة لقمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرضها علي فعرضها عليه فقال إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله علي هو هدى ونور فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الاسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا القول حسن ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج فان كان رجال من قومه ليقولون إنا لنراه قتل وهو مسلم وكان قتله قبل
بعاث وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق بأخصر من هذا
*2* اسلام إياس بن معاذ
@
قال ابن اسحاق وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ عن محمود بن لبيد قال لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس اليهم فقال هل لكم في خير مما جئتم له قال قالوا وما ذاك قال انا رسول الله الى العباد أدعوهم الى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وأنزل علي الكتاب ثم ذكر لهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال فقال اياس بن معاذ وكان غلاما حدثا يا قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء فضرب بها وجه اياس بن معاذ وقال دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا قال فصمت اياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وانصرفوا الى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج قال ثم لم يلبث اياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد فاخبرني من حضرني من قومه أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما لقد كان استشعر الاسلام في ذلك المجلس حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع
قلت كان يوم بعاث وبعاث موضع بالمدينة كانت فيه وقعة عظيمة قتل فيها خلق من أشراف الاوس والخزرج وكبرائهم ولم يبق من شيوخهم إلا القليل وقد روى البخاري في صحيحه عن عبيد بن اسماعيل عن أبي أمامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد افترق ملاؤهم وقتل سراتهم

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 10:45 PM
*2* باب بدء اسلام الانصار رضي الله عنهم
@
قال ابن اسحاق فلما أراد الله اظهار دينه واعزاز نبيه وانجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الانصار فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم فبينا هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالي يهود قالوا نعم قال افلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم
إلى الله وعرض عليهم الاسلام وتلا عليهم القرآن قال وكان مما صنع الله بهم في الاسلام أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم وكانوا هم أهل شرك اصحاب أوثان وكانوا قد غزوهم ببلادهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه نتبعه نقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنكم اليه فاجابوه فيما دعاهم اليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الاسلام وقالوا له إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا وصدقوا
قال ابن اسحاق وهم فيما ذكر لي ستة نفر كلهم من الخزرج وهم أبو امامة أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار قال أبو نعيم وقد قيل إنه أول من أسلم من الانصار من الخزرج ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان وقيل إن أول من اسلم رافع بن مالك ومعاذ بن عفراء والله أعلم وعوف بن الحارث بن رفاعة بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار وهو ابن عفراء النجاريان ورافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن زريق الزرقي وقطبة ابن عامر بن حديدة بن عمرو بن غنم بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد ابن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج السلمي ثم من بني سواد وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد ابن حرام بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني حرام وجابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان ابن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أيضا ثم من بني عبيد رضي الله عنهم وهكذا روي عن الشعبي والزهري وغيرهما أنهم كانوا ليلتئذ ستة نفر من الخزرج
وذكر موسى بن عقبة فيما رواه عن الزهري وعروة بن الزبير أن أول اجتماعه عليه السلام بهم كانوا ثمانية وهم معاذ بن عفراء وأسعد بن زرارة ورافع بن مالك وذكوان وهو ابن عبد قيس وعبادة بن الصامت وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة وأبو الهيثم بن التيهان وعويم بن ساعدة فأسلموا وواعدوه الى قابل فرجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى الاسلام وأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك أن ابعث الينا رجلا يفقهنا فبعث اليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة وذكر تمام القصة كما سيوردها ابن اسحاق أتم من سياق موسى بن عقبة والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما قدموا المدينة الى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم الى الاسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الانصار الا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان العام المقبل وافى الموسم من الانصار اثنى عشر رجلا وهم أبو امامة أسعد بن زرارة المتقدم ذكره وعوف بن الحارث المتقدم وأخوه معاذ وهما ابنا عفراء ورافع بن مالك المتقدم ايضا وذكوان ابن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الزرقي قال ابن هشام وهو انصاري مهاجري وعبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج وحليفهم أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم البلوى والعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان بن يزيد بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج العجلاني وعقبة بن عامر بن نابي المتقدم وقطبة بن عامر بن حديدة المتقدم فهؤلاء عشرة من الخزرج ومن الاوس اثنان وهما عويم بن ساعدة وأبو الهيثم مالك بن التيهان قال ابن هشام التيهان يخفف ويثقل كميت وميت
قال السهيلي أبو الهيثم بن التيهان اسمه مالك بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الاعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس قال وقيل إنه أراشي وقيل بلوي وهذا لم ينسبه ابن اسحاق ولا ابن هشام قال والهيثم فرخ العقاب وضرب من النبات والمقصود أن هؤلاء الاثني عشر رجلا شهدوا الموسم عامئذ وعزموا على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بالعقبة فبايعوه عندها بيعة النساء وهي العقبة الاولى وروى أبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم من قوله في سورة ابراهيم وإذ قال ابراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا إلى آخرها وقال ابن اسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن عبد الرحمن ابن عسيلة الصنابحي عن عبادة وهو ابن الصامت قال كنت ممن حضر العقبة الاولى وكنا اثني عشر رجلا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن يفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فان وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق الليث بن سعد عن يزيد ابن أبي حبيب به نحوه
قال ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني أن عبادة بن الصامت حدثه قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الأولى أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف فإن
وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق عن الزهري به نحوه وقوله على بيعة النساء يعني وفق على ما نزلت عليه بيعة النساء بعد ذلك عام الحديبية وكان هذا مما نزل على وفق ما بايع عليه أصحابه ليلة العقبة وليس هذا عجيب فان القرآن نزل بموافقة عمر بن الخطاب في غير ما موطن كما بيناه في سيرته وفي التفسير وإن كانت هذه البيعة وقعت عن وحي غير متلو فهو أظهر والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الاسلام ويفقههم في الدين وقد روى البيهقي عن ابن اسحاق قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعث مصعبا حين كتبوا اليه أن يبعثه اليهم وهو الذي ذكره موسى بن عقبة كما تقدم إلا أنه جعل المرة الثانية هي الاولى
قال البيهقي وسياق ابن اسحاق أتم وقال ابن اسحاق فكان عبد الله بن أبي بكر يقول لا أدري ما العقبة الاولى ثم يقول ابن اسحاق بلى لعمري قد كانت عقبة وعقبة قالوا كلهم فنزل مصعب على أسعد بن زرارة فكان يسمى بالمدينة المقرئ قال ابن اسحاق فحدثني عاصم ابن عمر بن قتادة أنه كان يصلي بهم وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض رضي الله عنهم أجمعين
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن أبي امامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت قائد أبي حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الاذان بها صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة قال فمكث حينا على ذلك لا يسمع لأذان الجمعة إلا صلى عليه واستغفر له قال فقلت في نفسي والله إن هذا بي لعجز ألا أسأله فقلت يا أبت مالك إذا سمعت الاذان للجمعة صليت على أبي أمامة فقال أي بني كان أول من جمع بنا بالمدينة في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات قال قلت وكم أنتم يومئذ قال أربعون رجلا وقد روى هذا الحديث أبو داود وابن ماجه من طريق محمد بن اسحاق رحمه الله وقد روى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير يأمره باقامة الجمعة وفي اسناده غرابة والله أعلم
قال ابن اسحاق وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الاشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ ابن خالة اسعد بن زرارة فدخل به حائطا من حوائط بني ظفر على بئر يقال له بئر مرق فجلسا في الحائط واجتمع اليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الاشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فلما سمعا به قال سعد لأسيد لا أبالك انطلق الى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا فانه لولا أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل اليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه وقد جاءك فاصدق الله فيه قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما الينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة وقال موسى بن عقبة فقال له غلام أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم اليه
قال ابن اسحاق فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت قال ثم ركز حربته وجلس اليهما فكلمه مصعب بالاسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله اليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف على النادي قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك قال فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا مخوفا للذي ذكر له من بني حارثة وأخذ الحربة في يده ثم قال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج اليهما سعد فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة والله يا ابا أمامة والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني أتغشانا في دارنا بما نكره قال وقد قال أسعد لمصعب جاءك والله سيد من ورائه قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال فقال
له مصعب أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف قال فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في اشراقه وتسهله ثم قال لهما كيف تصنعون إذا أنتم اسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فاقبل عائدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن الحضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع اليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمري فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة قال فان كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى في دار بني عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف وتلك أوس وهم من الاوس بن حارثة وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس بن الاسلت واسمه صيفي وقال الزبير بن بكار اسمه الحارث وقيل عبيد الله واسم أبيه الاسلت عامر بن جشم بن وائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الاوس وكذا نسبه الكلبي ايضا وكان شاعرا لهم قائدا يستمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الاسلام حتى كان بعد الخندق
قلت وأبو قيس بن الاسلت هذا ذكر له ابن اسحاق أشعارا بائية حسنة تقرب من أشعار أمية بن الصلت الثقفي
قال ابن اسحاق فيما تقدم ولما انتشر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرب وبلغ البلدان ذكر بالمدينة ولم يكن حي من العرب أعلم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر وقبل أن يذكر من هذا الحي من الاوس والخزرج وذلك لما كان يسمعون من أحبار يهود فلما وقع أمره بالمدينة وتحدثوا بما بين قريش فيه من الاختلاف قال أبو قيس بن الاسلت أخو بني واقف قال السهيلي هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي ابن النجار قال وهو الذي أنزل فيه وفي عمر أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية قال ابن اسحاق وكان يحب قريشا وكان لهم صهرا كانت تحته أرنب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي وكان يقيم عندهم السنين بامرأته قال قصيدة يعظم فيها الحرمة وينهى قريشا فيها عن الحرب ويذكر فضلهم وأحلامهم ويذكرهم بلاء الله عندهم ودفعه عنهم الفيل وكيده ويأمرهم بالكف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
أيا راكبا إما عرضت فبلغن * مغلغلة عني لؤي بن غالب
رسول امرئ قد راعه ذات بينكم * على النأي محزون بذلك ناصب
وقد كان عندي للهموم معرس * ولم اقض منها حاجتي ومآربي
نبيتكم شرجين كل قبيلة * لها أزمل من بين مذك وحاطب
أعيذكم بالله من شر صنعكم * وشر تباغيكم ودس العقارب
وإظهار أخلاق ونجوى سقيمة * كوخز الأشافي وقعها حق صائب
فذكرهم بالله أول وهلة * واحلال إحرام الظباء الشوازب
وقل لهم والله يحكم حكمه * ذروا الحرب تذهب عنكم في المراجب
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة * هي الغول للأقصين أو للأقارب
تقطع أرحاما وتهلك أمة * وتبري السديف من سنام وغارب
وتستبدلوا بالأتحمية بعدها * شليلا وأصداء ثياب المحارب
وبالمسك والكافور غبرا سوابغا * كأن قتيريها عيون الجنادب
فإياكم والحرب لاتعلقنكم * وحوضا وخيم الماء مر المشارب
تزين للأقوام ثم يرونها * بعاقبة إذ بيتت أم صاحب
تحرق لا تشوي ضعيفا وتنتحي * ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * فتعتبروا أو كان في حرب حاطب
وكم ذا أصابت من شريف مسود * طويل العماد ضيفه غير خائب
عظيم رماد النار يحمد أمره * وذي شيمة محض كريم المضارب
وماء هريق في الضلال كأنما * أذاعت به ريح الصبا والجنائب
يخبركم عنها امرؤ حق عالم * بأيامها والعلم علم التجارب
فبيعوا الحراب ملمحارب واذكروا * حسابكم والله خير محاسب
ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن * عليكم رقيب غير رب الثواقب
أقيموا لنادينا حنيفا فأنتموا * لنا غاية قد يهتدى بالذوائب
وأنتم لهذا الناس نور وعصمة * تؤمون والاحلام غير عوازب
وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر * لكم سرة البطحاء شم الارانب
تصونون أنسابا كراما عتيقة * مهذبة الأنساب غير أشائب
يرى طالب الحاجات نحو بيوتكم * عصائب هلكى تهتدي بعصائب
لقد علم الاقوام أن سراتكم * على كل حال خير أهل الجباجب
وأفضله رأيا وأعلاه سنة * وأقوله للحق وسط المواكب
فقوموا فضلوا ربكم وتمسحوا * بأركان هذا البيت بين الأخاشب
فعندكم منه بلاء ومصدق * غداة أبي يكسوم هادي الكتائب
كتيبته بالسهل تمشي ورجله * على القاذفات في رءوس المناقب
فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم * جنود المليك بين ساف وحاصب
فولوا سراعا هاربين ولم يؤب * إلى أهله ملحبش غير عصائب
فان تهلكوا نهلك وتهلك مواسم * يعاش بها قول امرئ غير كاذب
وحرب داحس الذي ذكرها أبو قيس في شعره كانت في زمن الجاهلية مشهورة وكان سببها فيما ذكره أبو عبيد معمر بن المثنى وغيره أن فرسا يقال لها داحس كانت لقيس بن زهير بن جذيمة ابن رواحة الغطفاني أجراه مع فرس لحذيفة بن بدر بن عمرو بن جؤبة الغطفاني أيضا يقال لها الغبراء فجاءت داحس سابقا فأمر حذيفة من ضرب وجهه فوثب مالك بن زهير فلطم وجه الغبراء فقام حمل بن بدر فلطم مالكا ثم أن أبا جنيدب العبسي لقي عوف بن حذيفة فقتله ثم لقي رجل من بني فزارة مالكا فقتله فشبت الحرب بين بني عبس وفزارة فقتل حذيفة بن بدر وأخوه حمل ابن بدر وجماعات آخرون وقالوا في ذلك أشعارا كثيرة يطول بسطها وذكرها
قال ابن هشام وأرسل قيس داحسا والغبراء وأرسل حذيفة الخطار والحنفاء والاول أصح قال وأما حرب حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس كان قتل يهوديا جارا للخزرج فخرج اليه زيد بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن مالك بن كعب بن الخزرج ابن الحارث بن الخزرج وهو الذي يقال له ابن قسحم في نفر من بني الحارث بن الخزرج فقتلوه فوقعت الحرب بين الاوس والخزرج فاقتتلوا قتالا شديدا وكان الظفر للخزرج وقتل يومئذ الأسود بن الصامت الاوسي قتله المجذر بن ذياد حليف بني عوف بن الخزرج ثم كانت بينهم حروب
يطول ذكرها أيضا والمقصود أن أبا قيس بن الاسلت مع علمه وفهمه لم ينتفع بذلك حين قدم مصعب بن عمير المدينة ودعا أهلها إلى الاسلام فاسلم من أهلها بشر كثير ولم يبق دار أي محلة من دور المدينة إلا وفيها مسلم ومسلمات غير دار بني واقف قبيلة أبي قيس ثبطهم عن الاسلام وهو القائل أيضا
ارب الناس أشياء ألمت * يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إما أن ضللنا * فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا * وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربنا كنا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا * حنيفا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدي ترسف مذعنات * مكشفة المناكب في الجلول




وحاصل ما يقول أنه حائر فيما وقع من الأمر الذي قد سمعه من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوقف الواقفي في ذلك مع علمه ومعرفته وكان الذي ثبطه عن الاسلام أولا عبد الله بن ابي بن سلول بعدما أخبره أبو قيس أنه الذي بشر يهود فمنعه عن الاسلام
قال ابن اسحاق ولم يسلم إلى يوم الفتح هو وأخوه وخرج وأنكر الزبير بن بكار أن يكون أبو قيس أسلم وكذا الواقدي قال كان عزم على الاسلام أول ما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلامه عبد الله بن ابي فحلف لا يسلم إلى حول فمات في ذي القعدة وقد ذكر غيره فيما حكاه ابن الاثير في كتابه اسد الغابة أنه لما حضره الموت دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فسمع يقول لا إله إلا الله وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد رجلا من الانصار فقال يا خال قل لا إله إلا الله فقال أخال أم عم قال بل خال قال فخير لي أن أقول لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم تفرد به احمد رحمه الله وذكر عكرمة وغيره أنه لما توفي أراد ابنه أن يتزوج امرأته كبيشة بنت معن بن عاصم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأنزل الله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء الآية
وقال ابن اسحاق وسعيد بن يحيى الاموي في مغازيه كان أبو قيس هذا قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وفارق الاوثان واغتسل من الجنابة وتطهر من الحائض من النساء وهم بالنصرانية ثم أمسك عنها ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا لا يدخل عليه فيه حائض ولا جنب وقال أعبد إله ابراهيم حين فارق الاوثان وكرهها حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم فحسن اسلامه وكان شيخا كبيرا وكان قوالا بالحق معظما لله في جاهليته يقول في ذلك أشعارا حسانا وهو الذي يقول
يقول أبو قيس وأصبح عاديا * ألا ما استطعتم من وصاتي فافعلوا
فأوصيكم بالله والبر والتقى * وأعراضكم والبر بالله أول
وإن قومكم سادوا فلا تحسدنهم * وإن كنتم أهل الرئاسة فاعدلوا
وإن نزلت إحدى الدواهي بقومكم * فأنفسكم دون العشيرة فاجعلوا
وإن ناب غرم فادح فارفقوهم * وما حملوكم في الملمات فاحملوا
وإن أنتم أمعزتم فتعففوا * وإن كان فضل الخير فيكم فأفضلوا
وقال أبو قيس أيضا * سبحوا الله شرق كل صباح
طلعت شمسه وكل هلال
عالم السر والبيان جميعا * ليس ما قال ربنا بضلال
وله الطير تستزيد وتأوي * في وكور من آمنات الجبال
وله الوحش بالفلاة تراها * في حقاف وفي ظلال الرمال
وله هودت يهود ودانت * كل دين مخافة من عضال
وله شمس النصارى وقاموا * كل عيد لربهم واحتفال
وله الراهب الحبيس تراه * رهن بؤس وكان أنعم بال
يا بني الارحام لا تقطعوها * وصلوها قصيرة من طوال
واتقوا الله في ضعاف اليتامى * وبما يستحل غير الحلال
واعلموا أن لليتيم وليا * عالما يهتدي بغير سؤال
ثم مال اليتيم لا تأكلوه * إن مال اليتيم يرعاه والي
يا بني التخوم لا تجزلوها * إن جزل التخوم ذو عقال
يا بني الأيام لا تأمنوها * واحذروا مكرها ومر الليالي
واعلموا أن أمرها لنفاد * الخلق ما كان من جديد وبالي
واجمعوا أمركم على البر والتق * وى وترك الخنا وأخذ الحلال
قال ابن اسحاق وقال أبو قيس صرمة أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وسيأتي ذكرها بتمامها فيما بعد إن شاء الله وبه الثقة
*2* قصة بيعة العقبة الثانية
@
قال ابن اسحاق ثم أن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج من خرج من الانصار من المسلمين مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أواسط أيام التشريق حين أراد الله بهم من كرامته والنصر لنبيه واعزاز الاسلام وأهله فحدثني معبد بن كعب بن مالك أن أخاه عبد الله بن كعب وكان من أعلم الأنصار حدثه أن أباه كعبا حدثه وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال خرجنا في حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا قلنا وما ذاك قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلي اليها قال فقلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه فقال إني لمصلي إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة حتى قدمنا مكة قال لي يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانه قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم اياي فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل تعرفانه فقلنا لا فقال هل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قال قلنا نعم وقد كنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فاذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد وإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس معه فسلمنا ثم جلسنا اليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا قد هداني الله تعالى للاسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت اليها وقد خالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها قال فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى معنا إلى الشام قال وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس في ذلك كما قالوا نحن أعلم به منهم
قال كعب بن مالك ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ومعنا عبد الله بن عمرو
ابن حرام أبو جابر سيد من سادتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من سادتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إيانا العقبة قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا
وقد روى البخاري حدثني ابراهيم حدثنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال عطاء قال جابر أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة قال عبد الله بن محمد قال ابن عيينة أحدهم البراء بن معرور حدثنا علي بن المديني حدثنا سفيان قال كان عمرو يقول سمعت جابر بن عبد الله يقول شهد بي خالاي العقبة
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم عكاظ ومجنة وفي المواسم يقول من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة فلا يجد أحدا يؤويه ولا ينصره حتى أن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر كذا قال فيه فيأتيه قومه وذوو رحمه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون اليه بالاصابع حتى بعثنا الله اليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون باسلامه حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الاسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف فرحل اليه منا سبعون رجلا حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا يا رسول الله علام نبايعك قال تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فقمنا اليه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم وفي رواية البيهقي وهو أصغر السبعين إلا أنا فقال رويدا يا أهل يثرب فانا لم نضرب اليه أكباد الابل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن اخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضكم السيوف فاما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله قالوا أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا قال فقمنا اليه فبايعناه وأخذ علينا وشرط ويعطينا على ذلك الجنة وقد رواه الامام احمد أيضا والبيهقي من طريق داود بن عبد الرحمن العطار زاد البيهقي عن الحاكم بسنده إلى يحيى بن سليم كلاهما
عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي ادريس به نحوه وهذا اسناد جيد على شرط مسلم ولم يخرجوه وقال البزار وروى غير واحد عن ابن خثيم ولا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه
وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن موسى بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر قال كان العباس آخذا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله يواثقنا فلما فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت وأعطيت وقال البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا قبيصة حدثنا سفيان هو الثوري عن جابر يعني الجعفي عن داود وهو ابن أبي هند عن الشعبي عن جابر يعني أبن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنقباء من الانصار تؤووني وتمنعوني قالوا نعم قالوا فما لنا قال الجنة ثم قال لا نعلمه يروي الا بهذا الاسناد عن جابر ثم قال ابن اسحاق عن معبد عن عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجار واسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع وقد صرح ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير عنه بأسمائهم وأنسابهم وما ورد في بعض الاحاديث أنهم كانوا سبعين والعرب كثيرا ما تحذف الكسر وقال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة كانوا سبعين رجلا وامرأة واحدة قال منهم أربعون من ذوي أسنانهم وثلاثون من شبابهم قال وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله قال كعب بن مالك فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج قال وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فانتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج اليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده قال فقلنا له قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام قال ابايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم قال فأخذ البراء بن معرور بيده و قال نعم فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم
أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعني اليهود فهل عسيت إن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم قال كعب وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلى منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم فاخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس
قال ابن اسحاق وهم أبو أمامة أسعد بن زرارة المتقدم وسعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج ورافع بن مالك بن العجلان المتقدم والبراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي ابن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج وعبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وعبادة بن الصامت المتقدم وسعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج والمنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب ابن الخزرج فهؤلاء تسعة من الخزرج ومن الاوس ثلاثة وهم أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الاشهل بن جشم بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الاوس وسعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الاوس ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس
قال ابن هشام وأهل العلم يعدون فيهم أبا الهيثم بن التيهان بدل رفاعة هذا وهو كذلك في رواية يونس عن ابن اسحاق واختاره السهيلي وابن الاثير في الغابة ثم استشهد ابن هشام على ذلك بما رواه عن أبي زيد الانصاري فيما ذكره من شعر كعب بن مالك في ذكر النقباء الاثني عشر هذه الليلة ليلة العقبة الثانية حين قال
أبلغ أبيا أنه قال رأيه * وحان غداة الشعب والحين واقع
أبى الله ما منتك نفسك إنه * بمرصاد أمر الناس راء وسامع
وابلغ أبا سفيان أن قد بدالنا * بأحمد نور من هدى الله ساطع
فلا ترغبن في حشد أمر تريده * وألب وجمع كل ما أنت جامع
ودونك فاعلم أن نقض عهودنا * اباه عليك الرهط حين تبايعوا
اباه البراء وابن عمرو كلاهما * وأسعد يأباه عليك ورافع
وسعد أباه الساعدي ومنذر * لأنفك إن حاولت ذلك جادع
وما ابن ربيع إن تناولت عهده * بمسلمه لا يطمعن ثم طامع
وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة * وإخفاره من دونه السم ناقع
وفاء به والقوقلي بن صامت * بمندوحة عما تحاول يافع
أبو هيثم أيضا وفي بمثلها * وفاء بما أعطى من العهد خانع
وما ابن حضير إن أردت بمطمع * فهل أنت عن أحموقة الغي نازع
وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه * ضروح لما حاولت ملأمر مانع
أولاك نجوم لا يغبك منهم * عليك بنحس في دجى الليل طالع
قال ابن هشام فذكر فيهم أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر رفاعة
قلت وذكر سعد بن معاذ وليس من النقباء بالكلية في هذه الليلة وروى يعقوب بن سفيان عن يونس بن عبد الاعلى عن ابن وهب عن مالك قال كان الانصار ليلة العقبة سبعون رجلا وكان نقباؤهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس وحدثني شيخ من الانصار أن جبرائيل كان يشير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة وكان أسيد بن حضير أحد النقباء تلك الليلة رواه البيهقي وقال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنقباء أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي قالوا نعم وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الانصاري أخو بني سالم بن عوف يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل قالوا نعم قال إنكم تبايعونه على حرب الاحمر والاسود من الناس فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهكة الاموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا فإنا نأخذه على مصيبة الاموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه قال عاصم ابن عمر بن قتادة وإنما قال العباس بن عبادة ذلك ليشد العقد في أعناقهم وزعم عبد الله بن أبي
بكر أنه إنما قال ذلك ليؤخر البيعة تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول سيد الخزرج ليكون أقوى لأمر القوم فالله أعلم أي ذلك كان
قال ابن اسحاق فبنو النجار يزعمون أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يده وبنو عبد الاشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التيهان
قال ابن اسحاق وحدثني معبد بن كعب عن أخيه عبد الله عن أبيه كعب بن مالك قال فكان أول من ضرب على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور ثم بايع القوم وقال ابن الاثير في اسد الغابة وبنو سلمة يزعمون أن أول من بايعه ليلتئذ كعب بن مالك وقد ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن كعب بن مالك في حديثه حين تخلف عن غزوة تبوك قال ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدرا كثير في الناس منها وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا بن ابي زائدة عن عامر الشعبي قال انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العباس عمه إلى السبعين من الانصار عند العقبة تحت الشجرة فقال ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فان عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم فقال قائلهم وهو أبو امامة سل يا محمد لربك ما شئت ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك قال أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم قالوا فما لنا اذا فعلنا ذلك قال لكم الجنة قالوا فلك ذلك ثم رواه حنبل عن الامام احمد عن يحيى بن زكريا عن مجالد عن الشعبي عن أبي مسعود الانصاري فذكره قال وكان أبو مسعود أصغرهم وقال احمد عن يحيى عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال فما سمع الشيب والشبان خطبة مثلها وقال البيهقي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش أخبرنا محمد بن ابراهيم بن الفضل الفحام أخبرنا محمد بن يحيى الذهلي أخبرنا عمرو بن عثمان الرقي حدثنا زهير ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن اسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة عن أبيه قال قدمت روايا خمر فاتاها عبادة بن الصامت فخرقها وقال إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب مما نمنع به أنفسنا وأرواحنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها وهذا اسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقد روى يونس عن ابن اسحاق حدثني عبادة بن
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه عن جده عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الحرب على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم
قال ابن اسحاق في حديثه عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك قال فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط يا أهل الجباجب والجباجب المنازل هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أزب العقبة هذا ابن أزبب قال ابن هشام ويقال ابن أزبب أتسمع أي عدو الله أما والله لا تفرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا الى رحالكم قال فقال العباس بن عبادة بن نضلة يا رسول الله والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم قال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش حتى جاؤنا في منازلنا فقالوا يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون ما كان من هذا شيء وما عملناه قال وصدقوا لم يعلموا قال وبعضنا ينظر الى بعض قال ثم قام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان له جديدان قال فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من سادتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما الي قال والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر مه أحفظت والله الفتى فأردد اليه نعليه قال قلت والله لا أردهما فأل والله صالح لئن صدق الفأل لاسلبنه
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتوا عبد الله بن أبي سلول فقالوا مثل ما ذكر كعب من القول فقال لهم إن هذا الامر جسيم ما كان قومي ليتفرقوا على مثل هذا وما علمته كان قال فانصرفوا عنه قال ونفر الناس من منى فتنطس القوم الخبر فوجدوه قد كان فخرجوا في طلب القوم فادركوا سعد بن عبادة باذاخر والمنذر بن عمرو أخا بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وكلاهما كان نقيبا فأما المنذر فأعجز القوم وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته وكان ذا شعر كثير قال سعد
فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع علي نفر من قريش فيهم رجل وضيء أبيض شعشاع حلو من الرجال فقلت في نفسي إن يك عند أحد من القوم خير فعند هذا فلما دنا مني رفع يده فلكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي لا والله ما عندهم بعد هذا من خير فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى لي رجل ممن معهم قال ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال قلت بلى والله لقد كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما قال ففعلت وخرج ذلك الرجل اليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما إن رجلا من الخزرج الآن ليضرب بالابطح ليهتف بكما قالا ومن هو قال سعد بن عبادة قالا صدق والله إن كان ليجير لنا تجارنا ويمنعهم أن يظلموا ببلده قال فجاء فخلصا سعدا من أيديهم فانطلق وكان الذي لكم سعدا سهيل بن عمرو قال ابن هشام وكان الذي أوى له أبو البختري بن هشام وروى البيهقي بسنده عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير قال سمعت قريش قائلا يقول في الليل على أبي قبيس
فإن يسلم السعدان يصبح محمد * بمكة لا يخشى خلاف المخالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان من السعدان أسعد بن بكر أم سعد بن هذيم فلما كانت الليلة الثانية سمعوا قائلا يقول
أيا سعد الاوس كن أنت ناصرا * ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا * على الله في الفردوس منية عارف
فإن ثواب الله للطالب الهدى * جنان من الفردوس ذات رفارف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان هو والله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة
*2* فصل ( إظهار الأنصار إسلامهم بعد بيعة العقبة الثانية ) .
@ قال ابن اسحاق فلما رجع الانصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الاسلام بها وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الاشراف يصنعون يتخذه إلهآ يعظمه ويظهره فلما اسلم فتيان بني سلمة ابنه معاذ ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه فاذا أصبح عمرو قال ويلكم من عدا على إلهنا هذه
الليلة ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه فاذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا مثل ذلك فيغدوا فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى فيغسله ويطيبه ويطهره ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك فلما أكثروا عليه استخرجه من حيث ألقوه يوما فغسله وطهره وطيبه ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ثم قال له إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى فان كان فيك خير فامتنع هذا السيف معك فلما أمسى ونام عمرو عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها عذر من عذر الناس وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكسا مقرونا بكلب ميت فلما رآه أبصر شأنه وكلمه من أسلم من قومه فأسلم برحمة الله وحسن إسلامه فقال حين اسلم وعرف من الله ما عرف وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ويشكر الله الذي أنقذه مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول
والله لو كنت إلهآ لم تكن * أنت وكلب وسط بئر في قرن
اف لملقاك إلها مستدن * الآن فتشناك عن سوء الغبن
الحمد لله العلي ذي المنن * الواهب الرزاق ديان الدين
هو الذي أنقذني من قبل أن * أكون في ظلمة قبر مرتهن
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان
فمن الاوس أحد عشر رجلا أسيد بن حضير أحد النقباء وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا وسلمة بن سلامة بن وقش بدري وظهير بن رافع وأبو بردة بن دينار بدري ونهير بن الهيثم بن نابي بن مجدعة بن حارثة وسعد بن خيثمة أحد النقباء بدري وقتل بها شهيدا ورفاعة ابن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث بن ضبيعة البلوي حليف للأوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها ومن الخزرج اثنان وستون رجلا أبو ايوب خالد بن زيد وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا ومعاذ بن الحارث وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء مات قبل بدر وسهل بن عتيك بدري وأوس بن ثابت بن المنذر بدري وأبو طلحة زيد بن سهل بدري وقيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا علىالساقة يوم بدر وعمرو بن غزية وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد وخارجة ابن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد وعبد الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدرا وأحد والخندق وقتل يوم مؤتة أميرا وبشير بن سعد بدري وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذي أرى النداء وهو بدري وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي وقتل يوم بني قريظة شهيدا طرحت عليه رحى فشدخته فيقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن له لأجر شهيدين وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري قال ابن اسحاق وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا وزياد بن لبيد بدري وفروة بن عمرو بن ودفة وخالد بن قيس بن مالك بدري ورافع بن مالك أحد النقباء وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن رزيق وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لانه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة حتى هاجر منها وهو بدري قتل يوم أحد وعباد بن قيس بن عامر بن خالد ابن عامر بن رزيق بدري وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم على ورثته وابنه بشر بن البراء وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الشاة المسمومة رضي الله عنه وسنان بن صيفي بن صخر بدري والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري قتل يوم الخندق ومعقل بن المنذر بن سرح بدري وأخوه يزيد بن المنذر بدري ومسعود بن زيد بن سبيع والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري ويزيد بن خذام بن سبيع وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري والطفيل بن مالك بن خنساء بدري وكعب بن مالك وسليم بن عامر بن حديدة بذري وقطبة بن عامر بن حديدة بدري وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري وصيفي بن سواد بن عباد وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي وعبس بن عامر بن عدي بدري وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء بدري واستشهد يوم أحد وابنه جابر بن عبد الله ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري وثابت بن الجذع بدري وقتل شهيدا بالطائف وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري وخديج بن سلامة حليف لهم من بلي ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس في خلافة عمر بن الخطاب وعبادة ابن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها والعباس بن عبادة بن نضلة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها فكان يقال له مهاجري أنصاري أيضا وقتل يوم أحد شهيدا وأبو عبد الرحمن يزيد ابن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم من بلي وعمرو بن الحارث بن كندة ورفاعة بن عمرو بن
زيد بدري وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري وكان ممن خرج إلى مكة فاقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجري أنصاري أيضا وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء والمنذر بن عمرو نقيب بدري احدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذي يقال له أعتق ليموت وأما المرأتان فام عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار المازنية النجارية قال ابن اسحاق وقد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معها أختها وزوجها زيد بن عاصم بن كعب وابناها خبيب وعبد الله وابنها خبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له أتشهد ان محمدا رسول الله فيقول نعم فيقول أتشهد أني رسول الله فيقول لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسملين حين قتل مسيلمة ورجعت وبها اثني عشر جرحا من بين طعنة وضربة رضي الله عنها والاخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد ابن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها
*2* باب الهجرة من مكة الى المدينة
@ قال الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بمكة للمسلمين قد اريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينة حين ذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى المدينة من كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين رواه البخاري وقال أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب وهذا الحديث قد أسنده البخاري في مواضع أخر بطوله ورواه مسلم كلاهما عن أبي كريب زاد مسلم وعبد الله بن مراد كلاهما عن أبي أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده أبي بردة عن أبي موسى عبد الله بن قيس الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بطوله
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو حدثنا ابراهيم بن هلال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا عيسى بن عبيد الكندي عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله أوحى إلي أي هؤلاء البلاد الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين قال أهل العلم ثم عزم له على المدينة فأمر أصحابه بالهجرة اليها
هذا حديث غريب جدا وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه منفردا به عن أبي عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عيسى بن عبيد عن غيلان بن عبد الله العامري عن أبي زرعة بن عمر بن جرير عن جرير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلى أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين ثم قال غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل تفرد به أبو عمار
قلت وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال روى عن أبي زرعة حديثا منكرا في الهجرة والله أعلم
قال ابن اسحاق لما أذن الله تعالى في الحرب بقوله أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله الآية فلما أذن الله في الحرب وتابعه هذا الحي من الانصار على الاسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى اليهم من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة اليها واللحوق باخوانهم من الانصار وقال إن الله قد جعل لكم اخوانا ودارا تأمنون بها فخرجوا اليها أرسالا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة فكان أول من هاجر الى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين من قريش من بني مخزوم أبو سلمة عبدالله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت هجرته اليها قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش مرجعه من الحبشة فعزم على الرجوع اليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم اخوانا فعزم اليها
قال ابن اسحاق فحدثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن ابي سلمة عن جدته أم سلمة قالت لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ثم حرج يقود بي بعيره فلما رأته رجال بني المغيرة قاموا اليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد قالت فنزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الاسد رهط أبي سلمة وقالوا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا قالت فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الاسد وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة قالت ففرق بيني وبين ابني وبين زوجي قالت فكنت أخرج كل غداة فاجلس في الابطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون من هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت فقالوا لي الحقي
بزوجك إن شئت قالت فرد بنو عبد الاسد الي عند ذلك ابني قالت فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال الى أين يا ابنة أبي أمية قلت أريد زوجي بالمدينة قال أوما معك أحد قلت ما معي أحد إلا الله بني هذا فقال والله مالك من مترك فاخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في الشجر ثم تنحى الى الشجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني وقال اركبي فاذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فاخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو ابن عوف بقباء قال زوجك في هذه القرية وكان أبو سلمة بها نازلا فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة فكانت تقول ما أعلم أهل بيت في الاسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة أسلم عثمان بن طلحة بن ابي طلحة العبدري هذا بعد الحديبية وهاجر هو وخالد بن الوليد معا وقتل يوم أحد أبوه وأخوته الحارث وكلاب ومسافع وعمه عثمان بن ابي طلحة ودفع اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيح الكعبة أقرها عليهم في الاسلام كما كانت في الجاهلية ونزل في ذلك قوله تعالى إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها الآية
قال ابن اسحاق ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليف بني عدي معه امرأته ليلى بنت أبي حسنة العدوية ثم عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ابن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف بني أمية بن عبد شمس احتمل بأهله وبأخيه عبد أبي احمد اسمه عبد كما ذكره ابن اسحاق وقيل ثمامة قال السهيلي والاول أصح وكان أبو احمد رجلا ضرير البصر وكان يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد وكان شاعرا وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فغلقت دار بني جحش هجرة فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم مصعدون إلى أعلى مكة فنظر اليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس بها ساكن فلما رآها كذلك تنفس الصعداء وقال
وكل دار وإن طالت سلامتها * يوما ستدركها النكباء والحوب
قال ابن هشام وهذا البيت لابي داود الايادي في قصيدة له قال السهيلي واسم أبي داود
حنظلة بن شرقي وقيل حارثة ثم قال عتبة أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها فقال أبو جهل وما تبكي عليه من فل بن فل ثم قال يعني للعباس هذا من عمل ابن أخيك هذا فرق جماعتنا وشتت أمرنا وقطع بيننا
قال ابن اسحاق فنزل ابو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقباء على مبشر بن عبد المنذر ثم قدم المهاجرون ارسالا قال وكان بنو غنم بن دودان أهل اسلام قد أوعبوا إلى المدينة هجرة رجالهم ونساؤهم وهم عبد الله بن جحش وأخوه أبو أحمد وعكاشة بن محصن وشجاع وعقبة ابنا وهب وأربد بن جميرة ومنقذ بن نباتة وسعيد بن رقيش ومحرز بن نضلة وزيد بن رقيش وقيس بن جابر وعمرو بن محصن ومالك بن عمرو وصفوان بن عمرو وثقف بن عمرو وربيعة بن أكثم والزبير بن عبيدة وتمام بن عبيدة وسخبرة بن عبيدة ومحمد بن عبد الله بن جحش ومن نسائهم زينب بنت جحش وحمنة بنت جحش وأم حبيب بنت جحش وجدامة بنت جندل وأم قيس بنت محصن وأم حبيب بنت ثمامة وآمنة بنت رقيش وسخبرة بنت تميم قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة
ولما رأتني أم أحمد غاديا * بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا * فيمم بنا البلدان ولننأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة * وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم * إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح * وناصحة تبكي بدمع وتندب
ترى أن وترا نائيا عن بلادنا * ونحن نرى أن الرغائب نطلب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم * وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم * إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى * أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
كفوجين إما منهما فموفق * على الحق مهدي وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم * عن الحق ابليس فخابوا وخيبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد * فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بارحام اليهم قريبة * ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأي ابن أخت بعدنا يأمننكم * وأية صهر بعد صهري يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا * وزيل أمر الناس للحق اصوب
قال ابن اسحاق ثم خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال اتعدنا لما أردت الهجرة الى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص التناضب من إضاة بني غفار فوق سرف وقلنا أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه قال فأصبحت أنا وعياش عند التناضب وحبس هشام وفتن فافتتن فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام الى عياش وكان ابن عمهما وأخاهما لامهما حتى قدما المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فكلماه وقالا له إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك فرق لها فقلت له إنه والله إن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت قال فقال أبر قسم أمي ولي هنالك مال فآخذه قال قلت والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالا فلك نصف مالي ولا تذهب معهما قال فأبى علي إلا أن يخرج معهما فلما أبى إلا ذلك قلت أما إذ فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها فان رابك من أمر القوم ريب فانج عليها فخرج عليها معهما حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه قال بلى فأناخ وأناخا ليتحول عليها فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن قال عمر فكنا نقول لا يقبل الله ممن افتتن توبة وكانوا يقولون ذلك لانفسهم حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأنزل الله قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل اليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون



وقال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن الحسن بن أبي الحسن البصري قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلا فدخل أبو بكر قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمس الغار لينظر افيه سبع أو حية يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وهذا فيه انقطاع من طرفيه وقد قال أبو القاسم البغوي حدثنا داود بن عمرو الضبي ثنا نافع بن عمر الجمحي عن ابن أبي مليكة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي صلى الله عليه وسلم مرة وخلفه مرة فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن
ذلك فقال إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من امامك وإذا كنت امامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى إذا انتهى إلى الغار من ثور قال أبو بكر كما أنت حتى أدخل يدي فاحسه وأقصه فان كانت فيه دابة اصابتني قبلك قال نافع فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفا أن يخرج منه دابة أو شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل وقد ذكرنا له شواهد أخر في سيرة الصديق رضي الله عنه
وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر احمد بن اسحاق أنا موسى بن الحسن ثنا عباد ثنا عفان بن مسلم ثنا السري بن يحيى ثنا محمد بن سيرين قال ذكر رجال على عهد عمر فكأنهم فضلوا عمر على أبي بكر فبلغ ذلك عمر فقال والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر وليوم من أبي بكر خير من آل عمر لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا بكر مالك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي فقال يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم اذكر الرصد فأمشي بين يديك فقال يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني قال نعم والذي بعثك بالحق فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار فدخل فاستبرأه حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجحرة فقال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ فدخل فاستبرأ ثم قال انزل يا رسول الله فنزل ثم قال عمر والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن عمر وفيه أن أبا بكر جعل يمشي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة وخلفه أخرى وعن يمينه وعن شماله وفيه أنه لما حفيت رجلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمله الصديق على كاهله وأنه لما دخل الغار سدد تلك الأجحرة كلها وبقي منها جحر واحد فألقمه كعبه فجعلت الافاعي تنهشه ودموعه تسيل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا وفي هذا السياق غرابة ونكارة وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وابو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا عباس الدوري ثنا اسود بن عامر شاذان ثنا اسرائيل عن الاسود عن جندب بن عبد الله قال كان أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار فأصاب يده حجر فقال
إن أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني عثمان الجزري أن مقسما مولى ابن عباس أخبره عن ابن عباس في قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم بل اقتلوه وقال بعضهم بل أخرجوه فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات علي على فراش
النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وخرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا عليه فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا فقال لاأدري فاقتفوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث فيه ثلاث ليال وهذا اسناد حسن وهو من أجود ما وري في قصة نسج العنكبوت على فم الغار وذلك من حماية الله رسوله صلى الله عليه وسلم
وقال الحافظ أبو بكر احمد بن علي بن سعيد القاضي في مسند أبي بكر حدثنا بشار الخفاف ثنا جعفر وسليمان ثنا ابو عمران الجوني حدثنا المعلى بن زياد عن الحسن البصري قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر الى الغار وجاءت قريش يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا اذا رأوا على باب الغار نسج العنكبوت قالوا لم يدخل احد وكان النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي وأبو بكر يرتقب فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء قومك يطلبونك أما الله ما على نفسي أثل ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا ابا بكر لا تخف إن الله معنا وهذا مرسل عن الحسن وهو حسن بحاله من الشاهد وفيه زيادة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الغار وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر صلى وروى هذا الرجل اعني أبو بكر احمد بن علي القاضي عن عمرو الناقد عن خلف بن تميم عن موسى بن مطر عن أبيه عن ابي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني اذا حدث في الناس حدث فأت الغار الذي اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك رزقك فيه بكرة وعشيا وقد نظم بعضهم هذا في شعره حيث يقول
نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت
وقد ورد أن حمامتين عششتا على بابه أيضا وقد نظم ذلك الصرصري في شعره حيث يقول
فغمى عليه العنكبوت بنسجه * وظل على الباب الحمام يبيض
والحديث بذلك رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا عمرو بن علي ثنا عون بن عمرو ابو عمرو القيسي ويلقب عوين حدثني أبو مصعب المكي قال أدركت زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة وأنس بن مالك يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة
فخرجت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم تستره وأن الله بعث العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا يدفان حتى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة وأقبلت فتيان قريش من كل بطن منهم رجل معهم عصيهم وقسيهم وهراواتهم حتى اذا كانوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر مائتي ذراع قال الدليل وهو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي هذا الحجر ثم لا أدري أين وضع رجله فقال الفتيان أنت لم تخطئ منذ الليلة حتى اذا أصبحن قال انظروا في الغار فاستبقه القوم حتى اذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم قدر خمسين ذراعا فاذا الحمامتان ترجع فقالوا ما ردك أن تنظر في الغار قال رأيت حمامتين وحشيتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فعرف ان الله قد درأ عنهما بهما فسمت عليهما أي برك عليهما وأحدرهما الله إلى الحرم فأفرخا كما ترى وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه قد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث مسلم بن ابراهيم وغيره عن عون بن عمرو وهو الملقب بعوين باسناده مثله وفيه أن جميع حمام مكة من نسل تيك الحمامتين وفي هذا الحديث أن القائف الذي اقتفى لهم الاثر سراقة بن مالك المدلجي وقد روى الواقدي عن موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه أن الذي اقتفى لهم الاثر كرز بن علقمة
قلت ويحتمل أن يكونا جميعا اقتفيا الاثر والله أعلم وقد قال الله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم يقول تعالى مؤنبا لمن تخلف عن الجهاد مع الرسول إلا تنصروه أنتم فان الله ناصره ومؤيده ومظفره كما نصره إذ أخرجه الذين كفروا من أهل مكة هاربا ليس معه غير صاحبه وصديقه أبي بكر ليس غيره ولهذا قال ثاني اثنين اذ هما في الغار أي وقد لجآ إلى الغار فأقاما فيه ثلاثة أيام ليسكن الطلب عنهما وذلك لأن المشركين حين فقدوهما كما تقدم ذهبوا في طلبهما كل مذهب من سائر الجهات وجعلوا لمن ردهما أو أحدهما مائة من الابل واقتصوا آثارهما حتى اختلط عليهم وكان الذي يقتص الاثر لقريش سراقة بن مالك بن جعشم كما تقدم فصعدوا الجبل الذي هما فيه وجعلوا يمرون على باب الغار فتحاذى أرجلهم لباب الغار ولا يرونهما حفظا من الله لهما كما قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا همام أنا ثابت عن أنس بن مالك أن أبا بكر حدثه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لابصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام به وقد ذكر
بعض أهل السير أن أبا بكر لما قال ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لو جاؤنا من ههنا لذهبنا من هنا فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك باسناد قوي ولا ضعيف ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ولكن ما صح أو حسن سنده قلنا به والله أعلم
وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا خلف بن تميم ثنا موسى بن مطير القرشي عن أبيه عن أبي هريرة أن أبا بكر قال لابنه يا بني إن حدث في الناس حدث فأت الغار الذي رأيتني اختبأت فيه أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فكن فيه فانه سيأتيك فيه رزقك غدوة وعشية ثم قال البزار لا نعلم يرويه غير خلف بن تميم
قلت وموسى بن مطير هذا ضعيف متروك وكذبه يحيى بن معين فلا يقبل حديثه وقد ذكر يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق أن الصديق قال في دخولهما الغار وسيرهما بعد ذلك وما كان من قصة سراقة كما سيأتي شعرا فمنه قوله
قال النبي ولم أجزع يوقرني * ونحن في سدف من ظلمة الغار
لا تخش شيئا فإن الله ثالثنا * وقد توكل لي منه بإظهار
وقد روى أبو نعيم هذه القصيدة من طريق زياد عن محمد بن اسحاق فذكرها مطولة جدا وذكر معها قصيدة أخرى والله أعلم وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج يعني الذي بايع فيه الانصار بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يحبسوه أو يخرجوه فأطلعه الله على ذلك فأنزل عليه وإذ يمكر بك الذين كفروا الآية فأمر عليا فنام على فراشه وذهب هو وأبو بكر فلما أصبحوا ذهبوا في طلبهما في كل وجه يطلبونهما وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وان خروجه هو وابو بكر الى الغار كان ليلا وقد تقدم عن الحسن البصري فيما ذكره ابن هشام التصريح بذلك ايضا وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل قال ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لم أعقل أبوى قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فذكرت ما كان من رده لأبي بكر إلى مكة وجواره له كما قدمناه عند هجرة الحبشة إلى قوله فقال أبو بكر فاني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله قالت والنبي صلى الله عليه وسلم
يومئذ بمكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة ورجع بعض من كان هاجر قبل الحبشة الى المدينة وتجهز أبو بكر مهاجرا قبل المدينة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فاني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وهل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر وهو الخبط أربعة أشهر وذكر بعضهم أنه علفهما ستة أشهر قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في حر الظهيرة فقال قائل لابي بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر قالت فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله قال فانه قد أذن لي في الخروج فقال ابو بكر الصحبة بأبي أنت وأمي قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ انت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين قالت ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت لا يسمع أمرا يكاد ان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيعهما حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدئل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خريتا والخريت الماهر بالهداية قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه فدفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ليال وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل قال ابن شهاب فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك
ابن جعشم يقول جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إني رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت له إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت من ظهر البيت فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها ففرت بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت يدي الى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذي أكره فركبت فرسي وعصبت الازلام فجعل فرسي يقرب بي حتى اذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها فأهويت ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت الازلام فخرج الذي اكره فناديتهم بالأمان فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرداني ولم يسألاني إلا أن قالا اخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه عن عمه سراقة فذكر هذه القصة إلا أنه ذكر أنه استقسم بالازلام أول ما خرج من منزله فخرج السهم الذي يكره لا يضره وذكر أنه عثر به فرسه أربع مرات وكل ذلك يستقسم بالازلام ويخرج الذي يكره لا يضره حتى ناداهم بالامان وسأل أن يكتب له كتابا يكون أمارة ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكتب لي كتابا في عظم أو رقعة أو خرقة وذكر أنه جاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة مرجعه من الطائف فقال له يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه وأسلمت قال ابن هشام هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم وهذا الذي قاله جيد
ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده وقال كفيتم هذا الوجه فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصل الى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وما شاهد من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما كان من قضية جواده واشتهر هذا عنه فخاف رؤساء قريش معرته وخشوا أن يكون ذلك سببا
لاسلام كثير منهم وكان سراقة أمير بني مدلج ورئيسهم فكتب أبو جهل لعنه الله إليهم
بني مدلج إني أخاف سفيهكم * سراقة مستغو لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم * فيصبح شتى بعد عز وسؤدد
قال فقال سراقة بن مالك يجيب أبا جهل في قوله هذا
ابا حكم والله لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
عجيب ولم تشكك بأن محمدا * رسول وبرهان فمن ذا يقاومه
عليك فكف القوم عنه فإنني * أخال لنا يوما ستبدو معالمه
بأمر تود النصر فيه فإنهم * وإن جميع الناس طرا مسالمه
وذكر هذا الشعر الاموي في مغازيه بسنده عن أبي اسحاق وقد رواه أبو نعيم بسنده من طريق زياد عن ابن اسحاق وزاد في شعر أبي جهل أبياتا تتضمن كفرا بليغا
وقال البخاري بسنده إلى ابن شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسى الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم اوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر اليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه مبيضين يزول بهم السراب فلم يملك اليهودي أن قال بأعلا صوته يا معشرالعرب هذا جدكم الذي تنتظرون فثار المسلمون الى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الاول فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا فطفق من جاء من الانصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل ابو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته وسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر اسعد بن زرارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك
يا رسول الله فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم اللبن في بنيانه وهو يقول حين ينقل اللبن
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول * لاهم إن الأجر أجر الآخرة
فارحم الأنصار والمهاجره
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب ولم يبلغنا في الاحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الابيات هذا لفظ البخري وقد تفرد بروايته دون مسلم وله شواهد من وجوه أخر وليس فيه قصة أم معبد الخزاعية ولنذكر هنا ما يناسب ذلك مرتبا أولا فأولا
قال الامام احمد حدثنا عمرو بن محمد ابو سعيد العنقزي ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر لعازب مر البراء فيلحمله إلى منزلي فقال لا حتى تحدثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت معه فقال أبو بكر خرجنا فأدلجنا فأحثثنا يومنا وليلتنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فضربت بصري هل أرى ظلا نأوي اليه فاذا أنا بصخرة فأهويت اليها فإذا هي بقية ظلها فسويته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفرشت له فروة وقلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم خرجت أنظر هل أرى أحدا من الطلب فاذا أنا براعي غنم فقلت لمن أنت يا غلام فقال لرجل من قريش فسماه فعرفته فقلت هل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأمرته فاعتقل شاة منها ثم أمرته فنفض ضرعها من الغبار ثم أمرته فنفض كفيه من الغبار ومعي أداوة على فمها خرقة فحلب لي كثبة من اللبن فصببت على القدح حتى برد أسفله ثم اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيته وقد استيقظ فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم قلت هل آن الرحيل فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم إلا سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا قال لا تحزن إن الله معنا حتى إذا دنا منا فكان بيننا وبينه قدر رمح أو
رمحين أو قال رمحين أو ثلاثة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال لم تبكي قلت اما والله ما على نفسي أبكي ولكن ابكي عليك فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت قوائم فرسه إلى بطنها في أرض صلد ووثب عنها وقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله ان ينجيني مما أنا فيه فوالله لاعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فانك ستمر بابلي وغنمي بموضع كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حاجة لي فيها ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق ورجع إلى اصحابه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى قدمنا المدينة وتلقاه الناس فخرجوا في الطرق على الاناجير واشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد قال وتنازع القوم أيهم ينزل عليه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الليلة على بني النجار أخوال عبد المطلب لاكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر قال البراء أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أحد بني فهر ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا فقلنا ما فعل رسول الله قال هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر معه قال البراء ولم يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قرأت سورا من المفصل أخرجاه في الصحيحين من حديث اسرائيل بدون قول البراء أول من قدم علينا الخ فقد انفرد به مسلم فرواه من طريق اسرائيل به
وقال ابن اسحاق فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم فلما مضت الثلاث وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيريهما وبعير له وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فاذا ليس فيها عصام فتحل نطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به فكان يقال لها ذات النطاقين لذلك
قال ابن اسحاق فلما قرب أبو بكر الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم له افضلهما ثم قال اركب فداك أبي وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لا أركب بعيرا ليس لي قال فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي قال لا ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به قال كذا وكذا قال أخذتها بذلك قال هي لك يا رسول الله
وروى الواقدي بأسانيده أنه عليه السلام أخذ القصواء قال وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت وهي الجدعاء
وهكذا حكى السهيلي عن ابن اسحاق أنها الجدعاء والله أعلم
قال ابن اسحاق فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه ليخدمهما في الطريق فحدثت عن اسماء أنها قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل فذكر ضربه لها على خدها لطمة طرح منها قرطها من اذنها كما تقدم قالت فمكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل رجل من الجن من اسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم تروحا * فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء فلما سمعنا قوله عرفنا حيث وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن وجهه إلى المدينة
قال ابن اسحاق وكانوا أربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وعبد الله بن أرقد كذا يقول ابن اسحاق والمشهور عبد الله بن أريقط الدئلي وكان إذ ذاك مشركا
قال ابن اسحاق ولما خرج بهما دليلهما عبد الله بن ارقد سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان ثم سلك بهما على اسفل أمج ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار ثم أجاز بهما ثنية المرة ثم سلك بهما لقفا ثم اجاز بهما مدلجة لقف ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج ثم تبطن بهما مرجح من ذي العضوين ثم بطن ذي كشد ثم أخذ بهما على الجداجد ثم على الاجرد ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجة تعهن ثم على العبابيد ثم أجاز بهما القاحة ثم هبط بهما العرج وقد ابطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة خرج بهما دليلهما من العرج فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة


ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام حتى هبط بهما بطن ريم ثم قدم بهما قباء على بني عمرو بن عوف لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل
وقد روى أبو نعيم من طريق الواقدي نحوا من ذكر هذه المنازل وخالفه في بعضها والله أعلم قال أبو نعيم حدثنا أبو حامد بن جبلة حدثنا محمد بن اسحاق عن السراج حدثنا محمد بن عبادة ابن موسى العجلي حدثني أخي موسى بن عبادة حدثني عبد الله بن سيار حدثني إياس بن مالك بن الاوس الاسلمي عن أبيه قال لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بابل لنا بالجحفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذه الابل فقال لرجل من أسلم فالتفت إلى ابي بكر فقال سلمت إن شاء الله فقال ما اسمك قال مسعود فالتفت إلى ابي بكر فقال سعدت إن شاء الله قال فاتاه أبي فحمله على جمل يقال له ابن الرداء
قلت وقد تقدم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين والظاهر أن بين خروجه عليه السلام من مكة ودخوله المدينة خمسة عشر يوما لانه أقام بغار ثور ثلاثة أيام ثم سلك طريق الساحل وهي أبعد من الطريق الجادة واجتاز في مروره على أم معبد بنت كعب من بني كعب بن خزاعة قال ابن هشام وقال يونس عن ابن اسحاق اسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم وقال الاموي هي عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ بن ربيعة بن اصرم بن صنبيس بن حرام بن خيسة بن كعب بن عمرو ولهذه المرأة من الولد معبد ونضرة وحنيدة بنو أبي معبد واسمه أكتم بن عبد العزى بن معبد بن ربيعة بن اصرم ابن صنبيس وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضا
وهذه قصة أم معبد الخزاعية قال يونس عن ابن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد واسمها عاتكة بنت خلف بن معبد بن ربيعة بن أصرم فأرادوا القرى فقالت والله ما عندنا طعام ولا لنا منحة ولا لنا شاة إلا حائل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب في العس حتى أرغى وقال اشربي يا أم معبد فقالت اشرب فانت أحق به فرده
عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى ففعل مثل ذلك بها فشربه ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامرا ثم تروح وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه فقالوا أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا فوصفوه لها فقالت ما أدري ما تقولون قدمنا فتى حالب الحائل قالت قريش فذاك الذي نريد
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا عبد الرحمن بن عقبة ابن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله ثنا أبي عن أبيه عن جابر قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مهاجرين فدخلا الغار إذا في الغار جحر فالقمه أبو بكر عقبه حتى أصبح مخافة أن يخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فأقاما في الغار ثلاث ليال ثم خرجا حتى نزلا بخيمات أم معبد فارسلت اليه أم معبد أني أرى وجوها حسانا وإن الحي أقوى على كرامتكم مني فلما أمسوا عندها بعثت مع ابن لها صغير بشفرة وشاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أردد الشفرة وهات لنا فرقا يعنى القدح فارسلت إليه أن لا لبن فيها ولا ولد قال هات لنا فرقا فجاءت بفرق فضرب ظهرها فاجترت ودرت فحلب فملأ القدح فشرب وسقى أبا بكر ثم حلب فبعث فيه الى أم معبد ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الاسناد وعبد الرحمن بن عقبة لا نعلم أحدا حدث عنه إلا يعقوب بن محمد وان كان معروفا في النسب
وروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن زكريا بن ابي زائدة حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ثنا عبد الرحمن بن الاصبهاني سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بكر الصديق قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فانتهينا إلى حي من أحياء العرب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت منتحيا فقصد اليه فلما نزلنا لم يكن فيه إلا امرأة فقالت يا عبد الله إنما أنا امرأة وليس معي أحد فعليكما بعظيم الحي إن أردتم القرى قال فلم يجبها وذلك عند المساء فجاء ابن لها باعنز يسوقها فقالت يا بني انطلق بهذه العنز والشفرة إلى هذين الرجلين فقل لهما تقول لكما أمي اذبحا هذه وكلا وأطعمانا فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم انطلق بالشفرة وجئني بالقدح قال إنها قد عزبت وليس بها لبن قال انطلق فجاء بقدح فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضرعها ثم حلب حتى ملأ القدح ثم قال انطلق به إلى أمك فشربت حتى رويت ثم جاء به فقال انطلق بهذه وجئني بأخرى ففعل بها كذلك ثم سقى أبا بكر ثم جاء باخرى ففعل بها كذلك ثم شرب النبي صلى الله عليه وسلم فبتنا ليلتنا ثم انطلقنا فكانت تسميه المبارك وكثرت غنمها حتى جلبت جلبا إلى المدينة فمر أبو بكر فرأى ابنها فعرفه فقال يا أمه هذا الرجل الذي كان مع المبارك فقامت اليه فقالت يا عبد الله من الرجل الذي كان معك قال أو ما تدرين من هو قالت لا قال هو نبي الله قالت فأدخلني عليه قال فأدخلها
فأطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاها زاد ابن عبدان في روايته قالت فدلني عليه فانطلقت معي وأهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من أقط ومتاع الاعراب قال فكساها وأعطاها قال ولا أعلمه إلا قال وأسلمت اسناد حسن
وقال البيهقي هذه القصة شبيهة بقصة أم معبد والظاهر أنها هي والله أعلم وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس الاصم ثنا الحسن بن مكرم حدثني أبو احمد بشر بن محمد السكري ثنا عبد الملك بن وهب المذحجي ثنا أبجر بن الصباح عن أبي معبد الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة هاجر من مكة الى المدينة هو وأبو بكر وعامر ابن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمتي أم معبد الخزاعية وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة فتطعم وتسقي فسألوها هل عندها لحم أو لبن يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيء من ذلك وقالت لو كان عندنا شيء ما أعوذكم القرى وإذا القوم مرملون مسنتون فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد فقالت شاة خلفها الجهد عن الغنم قال فهل بها من لبن قالت هي أجهد من ذلك قال تأذنين لي أن أحلبها قالت إن كان بها حلب فاحلبها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله ومسح ضرعها وذكر اسم الله ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيها تجا حتى ملأه وأرسله اليها فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال ساقي القوم آخرهم ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء فغادره عندها ثم ارتحلوا قال فقلما لبث أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزلى لا نقي بهن مخهن قليل فلما رأى اللبن عجب وقال من اين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاة عازب فقالت لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت فقال صفيه لي فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج وفي اشفاره وطف وفي صوته صحل أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة اذا صمت فعليه الوقار واذا تكلم سما وعلاه البهاء حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحسنه من قريب ربعة لا تنساه عين من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا
لأمره محفود محشود لا عابس ولا معتد فقال يعني بعلها هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والارض يسمعونه ولا يرون من يقول وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به * فافلح من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما روى الله عنكم * به من فعال لا تجارى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فانكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد
قال وأصبح الناس يعني بمكة وقد فقدوا نبيهم فاخذوا على خيمتي أم معبد حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأجابه حسان بن ثابت
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم * وقد سر من يسري اليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم * وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم * وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا * عمي وهداة يهتدون بمهتد
نبي يرى مالا يرى الناس حوله * ويتلو كتاب الله في كل مشهد
وإن قال في يوم مقالة غائب * فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده * بصحبته من يسعد الله يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمسلمين بمرصد
قال يعني عبد الملك بن وهب فبلغني أن أبا معبد أسلم وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا
روى الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي فذكر مثله سواء وزاد في آخره قال عبد الملك بلغني أن أم معبد هاجرت وأسلمت ولحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه أبو نعيم من طرق عن بكر بن محرز الكلبي الخزاعي عن أبيه محرز بن مهدي عن حرام بن هشام بن حبيش بن خالد عن أبيه عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخرج من مكة منها مهاجرا هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهما عبد الله بن أريقط الليثي فمروا بخيمة أم معبد وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء القبة وذكر مثل ما تقدم سواء قال وحدثناه فيما أظن محمد بن أحمد بن علي بن مخلد ثنا محمد بن يونس بن موسى يعني الكديمي ثنا عبد العزيز ابن يحيى بن عبد العزيز مولى العباس بن عبد المطلب ثنا محمد بن سليمان بن سليط الانصاري حدثني أبي عن أبيه سليط البدري قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة وابن أريقط يدلهم على الطريق مر بأم معبد الخزاعية وهي لا تعرفه فقال لها يا أم معبد هل عندك من لبن قالت لا والله إن الغنم لعازبة قال فما هذه الشاة قالت خلفها الجهد عن الغنم ثم ذكر تمام الحديث كنحو ما تقدم
ثم قال البيهقي يحتمل أن هذه القصص كلها واحدة ثم ذكر قصة شبيهة بقصة شاة أم معبد الخزاعية فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء حدثنا أبو بكر احمد بن اسحاق بن أيوب أخبرنا محمد بن غالب ثنا أبو الوليد ثنا عبد الله بن إياد بن لقيط ثنا إياد بن لقيط عن قيس بن النعمان قال لما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال ما عندي شاة تحلب غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال ادع بها فدعا بها فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها ودعا حتى أنزلت وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر ثم حلب فسقى الراعي ثم حلب فشرب فقال الراعي بالله من أنت فوالله ما رأيت مثلك قط قال أوتراك تكتم علي حتى أخبرك قال نعم قال فإني محمد رسول الله فقال أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ قال إنهم ليقولون ذلك قال فإني أشهد أنك نبي واشهد أن ما جئت به حق وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي وأنا متبعك قال إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا ورواه أبو يعلى الموصلي عن جعفر بن حميد الكوفي عن عبد الله بن إياد بن لقيط به وقد ذكر أبو نعيم ههنا قصة عبد الله بن مسعود فقال حدثنا عبد الله بن جعفر ثنا يونس بن حبيب ثنا أبو داود ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال
كنت غلاما يافعا أرعى غنما لعتبة بن أبي معيط بمكة فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وقد فرا من المشركين فقال يا غلام عندك لبن تسقينا فقلت إني مؤتمن ولست بساقيكما فقالا هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد قلت نعم فأتيتهما بها فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الضرع فدعا فحفل الضرع وجاء أبو بكر بصخرة متقعرة فحلب فيها ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني ثم قال للضرع اقلص فقلص فلما كان بعد أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت علمني من هذا القول الطيب يعني القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك غلام معلم فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد فقوله في هذا السياق وقد فرا من المشركين ليس المراد منه وقت الهجرة إنما ذلك في بعض الاحوال قبل الهجرة فإن ابن مسعود ممن أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدم وقصته هذه صحيحة ثابتة في الصحاح وغيرها والله أعلم
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله بن مصعب بن عبد الله هو الزبيري حدثني أبي عن فائد مولى عبادل قال خرجت مع ابراهيم بن عبد الرحمن بن سعد حتى إذا كنا بالعرج أتى ابن سعد وسعد هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريق ركوبة فقال ابراهيم أخبرني ما حدثك أبوك قال ابن سعد حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم ومعه أبو بكر وكانت لابي بكر عندنا بنت مسترضعة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الاختصار في الطريق إلى المدينة فقال له سعد هذا الغامر من ركوبة وبه لصان من اسلم يقال لهما المهانان فان شئت أخذنا عليهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذ بنا عليهما قال سعد فخرجنا حتى إذا أشرفنا إذا أحدهما يقول لصاحبه هذا اليماني فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلما ثم سألهما عن أسمائهما فقالا نحن المهانان فقال بل أنتما المكرمان وأمرهما أن يقدما عليه المدينة فخرجنا حتى إذا أتينا ظاهر قباء فتلقاه بنو عمرو بن عوف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اين أبو امامة أسعد بن زرارة فقال سعد ابن خيثمة إنه أصاب قبلي يا رسول الله أفلا أخبره ذلك ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا طلع على النخل فاذا الشرب مملوء فالتفت رسول الله إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر هذا المنزل رأيتني أنزل إلى حياض كحياض بني مدلج انفرد به احمد
*2* فصل في دخوله عليه السلام المدينة واين استقر منزله
@ قد تقدم فيما رواه البخاري عن الزهري عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة عند الظهيرة قلت ولعل ذلك كان بعد الزوال لما ثبت في الصحيحين من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق البراء بن عازب عن أبي بكر في حديث الهجرة قال فقدمنا ليلا فتنازعه القوم أيهم ينزل عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل على بني النجار أخوال عبد المطلب أكرمهم بذلك وهذا والله أعلم إما أن يكون يوم قدومه إلى قباء فيكون حال وصوله إلى قرب المدينة كان في حر الظهيرة وأقام تحت تلك النخلة ثم سار بالمسلمين فنزل قباء وذلك ليلا وأنه أطلق على ما بعد الزوال ليلا فان العشى من الزوال وإما أن يكون المراد بذلك لما رحل من قباء كما سيأتي فسار فما انتهى إلى بني النجار الاعشاء كما سيأتي بيانه والله أعلم
وذكر البخاري عن الزهري عن عروة أنه نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وأقام فيهم بضع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء في تلك الايام ثم ركب ومعه الناس حتى بركت به راحلته في مكان مسجده وكان مربدا لغلامين يتيمين وهما سهل وسهيل فابتاعه منهما واتخذه مسجدا وذلك في دار بني النجار رضي الله عنهم
وقال محمد بن اسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن ابن عويم بن ساعدة قال حدثني رجال من قومي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لما بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وتوكفنا قدومه كنا نخرج إذا صلينا الصبح إلى ظاهر حرتنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فوالله ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال فإذا لم نجد ظلا دخلنا وذلك في أيام حارة حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله جلسنا كما كنا نجلس حتى إذ لم يبق ظل دخلنا بيوتنا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا البيوت فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلا صوته يا بني قيلة هذا جدكم قد جاء فخرجنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل نخلة ومعه أبو بكر في مثل سنه وأكثرنا لم يكن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه فعرفناه عند ذلك وقد تقدم مثل ذلك في سياق البخاري وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه وقال الامام احمد حدثنا هاشم ثنا سليمان عن
ثابت عن أنس بن مالك قال إني لاسعى في الغلمان يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا ثم يقولون جاء محمد فاسعى ولا أرى شيئا قال حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر فكمنا في بعض خراب المدينة ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الانصار فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الانصار حتى انتهوا اليهما فقالت الانصار انطلقنا آمنين مطاعين فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم فخرج اهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه يقلن أيهم هو أيهم هو فما رأينا منظرا شبيها به قال أنس فلقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض فلم أر يومين شبيها بهما ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن اسحاق الصنعاني عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بنحوه أو مثله وفي الصحيحين من طريق اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن أبي بكر في حديث الهجرة قال وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق وعلى البيوت والغلمان والخدم يقولون الله أكبر جاء رسول الله الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء محمد الله أكبر جاء رسول الله فلما أصبح انطلق وذهب حيث أمر وقال البيهقي أخبرنا أبو عمرو والاديب أخبرنا الاسماعيلي سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع
قال محمد بن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكرون يعني حين نزل بقباء على كلثوم ابن الهدم أخي بني عمرو بن عوف ثم أحد بني عبيد ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة ويقول من يذكر أنه نزل على كلثوم بن الهدم إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن الهدم جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة وذلك أنه كان عزبا لا أهل له وكان يقال لبيته بيت العزاب والله أعلم ونزل أبو بكر رضي الله عنه على خبيب بن إساف أحد بني الحارث بن الخزرج بالسنح وقيل على خارجة بن زيد بن ابي زهير أخي بني الحارث بن الخزرج
قال ابن اسحاق وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاث ليال وأيامها حتى أدى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل معه على كلثوم بن الهدم فكان علي بن ابي طالب إنما كانت اقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول كانت بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة فرأيت انسانا يأتيها من جوف الليل فيضرب عليها بابها فتخرج اليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه فاستربت بشأنه فقلت لها يا أمة الله من هذا الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين اليه فيعطيك شيئا لا أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك قالت هذا سهل بن حنيف
وقد عرف أني امرأة لا أحد لي فاذا امسى عدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءني بها فقال احتطبي بهذا فكان علي رضي الله عنه يأثر ذلك من شأن سهل بن حنيف حين هلك عنده بالعراق
قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الاربعاء ويوم الخميس وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو ابن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك وقال عبد الله بن إدريس عن محمد بن اسحاق قال وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه عليه السلام أقام فيهم ثماني عشر ليلة
قلت وقد تقدم فيما رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة أنه عليه السلام أقام فيهم بضع عشرة ليلة وحكى موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا يعني في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة وقال الواقدي ويقال اقام فيهم أربع عشرة ليلة
قال ابن اسحاق فادركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي وادي رانوناء فكان أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة لناقته فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم الينا في العدد والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بني الحارث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد وعبد الله بن رواحة في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى اذا مرت بدار عدي بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبد المطلب سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط اسيرة بن خارجة في رجال من بني عدي بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فإنها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بني مالك بن
النجار بركت على باب مسجده عليه السلام اليوم وكان يومئذ مربدا لغلامين يتيمين من بني مالك ابن النجار وهما سهل وسهيل ابنا عمرو وكانا في حجر معاذ بن عفراء
قلت وقد تقدم في رواية البخاري من طريق الزهري عن عروة أنهما كانا في حجر أسعد بن زرارة والله أعلم
وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في طريقه بعبد الله بن ابي سلول وهو في بيت فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يدعوه إلى المنزل وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسهم فقال عبد الله أنظرالذين دعوك فانزل عليهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من الانصار فقال سعد بن عبادة يعتذر عنه لقد من الله علينا بك يا رسول الله وإنا نريد أن نعقد على رأسه التاج ونملكه علينا
قال موسى بن عقبة وكانت الانصار قد اجتمعوا قبل أن يركب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عمرو بن عوف فمشوا حول ناقته لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له وكلما مر بدار من دور الانصار دعوه إلى المنزل فيقول صلى الله عليه وسلم دعوها فانها مأمورة فإنما أنزل حيث أنزلني الله فلما انتهت إلى دار أبي أيوب بركت به على الباب فنزل فدخل بيت أبي أيوب حتى ابتنى مسجده ومساكنه
قال ابن اسحاق لما بركت الناقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل عنها حتى وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تحلحلت ورزمت ووضعت جرانها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحتمل أبو ايوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأل عن المربد لمن هو فقال له معاذ بن عفراء هو يا رسول الله لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجدا فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المهاجرين والانصار
وستأتي قصة بناء المسجد قريبا إن شاء الله وقال البيهقي في الدلائل وقال أبو عبد الله أخبرنا أبو الحسن علي بن عمرو الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد الدوري ثنا محمد بن سليمان بن اسماعيل ابن أبي الورد ثنا ابراهيم بن صرمة ثنا يحيى بن سعيد عن اسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة عن أنس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما دخلنا جاء الانصار برجالها ونسائها فقالوا الينا يا رسول الله فقال دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فخرج اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتحبونني فقالوا أي والله يا رسول الله فقال وإنا والله أحبكم وانا والله أحبكم وأنا والله أحبكم هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن وقد خرجه الحاكم في مستدركه كما يروى ثم قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن سليمان النحاس المقرئ ببغداد ثنا عمر بن الحسن الحلبي حدثنا أبو خيثمة المصيصي ثنا عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن ثمامة عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بحي من بني النجار وإذا جوار يضربن بالدفوف يقلن
نحن جوار من بني النجار * يا حبذا محمد من جار
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الله أن قلبي يحبكم ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به وفي صحيح البخاري عن معمر عن عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم النساء والصبيان مقبلين حسبت أنه قال من عرس فقام النبي صلى الله عليه وسلم ممثلا فقال اللهم أنتم من أحب الناس إلي قالها ثلاث مرات وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي حدثني عبد العزيز بن صهيب ثنا أنس بن مالك قال اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وهو مردف ابا بكر وأبو بكر شيخ يعرف ورسول الله صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف قال فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك فيقول هذا الرجل يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يهديه الطريق وإنما يعني سبيل الخير فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال يا نبي الله هذا فارس قد لحق بنا فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اصرعه فصرعته فرسه ثم قامت تحمحم ثم قال مرني يا نبي الله بما شئت فقال قف مكانك ولا تتركن أحدا يلحق بنا قال فكان أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر النهار مسلحة له قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم جانب الحرة ثم بعث الى الانصار فجاؤا فسلموا عليهما وقالوا اركبا آمنين مطاعين فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وحفوا حولهما بالسلاح وقيل في المدينة جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فاستشرفوا نبي الله ينظرون اليه ويقولون جاء نبي الله قال فاقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب قال فانه ليحدث أهله اذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لاهله يحترف لهم فعجل أن يضع الذي يحترف فيها فجاء وهي معه وسمع من نبي الله صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله وقال نبي الله أي بيوت أهلنا أقرب فقال أبو ايوب أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي قال فانطلق فهيء لنا مقيلا فذهب فهيأ ثم جاء فقال يا رسول الله قد هيأت مقيلا قوما على بركة الله فقيلا فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال اشهد انك نبي الله حقا وإنك جئت
بحق ولقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئت بحق أسلموا فقالوا ما نعلمه ثلاثا وكذا رواه البخاري منفردا به عن محمد غير منسوب عن عبد الصمد به
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن ابي حبيب عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم السماعي حدثني أبو أيوب قال لما نزل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السفل وأنا وأم أيوب في العلو فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي فاظهر انت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل فقال يا ابا أيوب أن ارفق بنا وبمن يغشانا أن أكون في سفل البيت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفله وكنا فوقه في المسكن فلقد انكسر حب لنا فيه ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء فيؤذيه قال وكنا نصنع له العشاء ثم نبعث اليه فإذا رد علينا فضلة تيممت أنا وأم أيوب موضع يده فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة حتى بعثنا اليه ليلة بعشائه وقد جعلنا له فيه بصلا أو ثوما فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أر ليده فيه أثرا قال فجئته فزعا فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي رددت عشاءك ولم أر فيه موضع يدك فقال إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجي فاما أنتم فكلوه قال فأكلناه ولم نصنع له تلك الشجرة بعد وكذلك رواه البيهقي من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسن أو أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي رهم عن أبي أيوب فذكره ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو عمرو الحيري ثنا عبد الله بن محمد ثنا احمد بن سعيد الدارمي ثنا أبو النعمان ثنا ثابت بن يزيد ثنا عاصم الاحول عن عبد الله بن الحارث عن افلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه فنزل في السفل وأبو أيوب في العلو فانتبه أبو أيوب فقال نمشي فوق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنحوا فباتوا في جانب ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم يعني في ذلك فقال السفل أرفق بنا فقال لا أعلو سقيفة أنت تحتها فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم في العلو وأبو أيوب في السفل فكان يصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما فإذا جيء به سأل عن موضع أصابعه فيتتبع موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنع له طعاما فيه ثوم فلما رد اليه سأل عن موضع اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له لم يأكل ففزع وصعد اليه فقال أحرام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا ولكني أكرهه قال فاني اكره ما تكره أو ما كرهت قال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الملك رواه مسلم عن احمد بن سعيد به وثبت في
الصحيحين عن أنس بن مالك قال جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر وفي رواية بقدر فيه خضروات من بقول قال فسأل فأخبر بما فيها فلما رآها كره أكلها قال كل فإني أناجي من لا تناجي وقد روى الواقدي أن أسعد بن زرارة لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب اخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت عنده وروى عن زيد بن ثابت أنه قال أول هدية أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل دار أبي أيوب أنا جئت بها قصعة فيها خبز مثرود بلبن وسمن فقلت ارسلت بهذه القصعة أمي فقال بارك الله فيك ودعا أصحابه فأكلوا ثم جاءت قصعة سعد بن عبادة ثريد وعراق لحم وما كانت من ليلة إلا وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاث والاربعة يحملون الطعام يتناوبون وكان مقامه في دار أبي أيوب سبعة أشهر قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل في دار أبي أيوب مولاه زيد بن حارثة وأبا رافع ومعهما بعيران وخمسمائة درهم ليجئا بفاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسودة بنت زمعة زوجته وأسامة بن زيد وكانت رقية قد هاجرت مع زوجها عثمان وزينب عند زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع وجاءت معهم أم أيمن امرأة زيد بن حارثة وخرج معهم عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر وفيهم عائشة أم المؤمنين ولم يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا خلف بن عمرو العكبري ثنا سعيد بن منصور ثنا عطاف بن خالد ثنا صديق بن موسى عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فاستناخت به راحلته بين دار جعفر بن محمد بن علي وبين دار الحسن بن زيد فأتاه الناس فقالوا يا رسول الله المنزل فانبعثت به راحلته فقال دعوها فانها مأمورة ثم خرجت به حتى جاءت موضع المنبر فاستناخت ثم تحللت وثم عريش كانوا يعرشونه ويعمرونه ويتبردون فيه فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن راحلته فيه فآوى إلى الظل فأتاه أبو أيوب فقال يا رسول الله إن منزلي أقرب المنازل اليك فأنقل رحلك إلي قال نعم فذهب برحله إلى المنزل ثم أتاه رجل فقال يا رسول الله أين تحل قال إن الرجل مع رحله حيث كان وثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش اثنتي عشرة ليلة حتى بنى المسجد وهذه منقبة عظيمة لابي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه حيث نزل في داره رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روينا من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه لما قدم أبو أيوب البصرة وكان ابن عباس نائبا عليها من جهة علي بن أبي طالب رضي الله عنه فخرج له ابن عباس عن داره حتى أنزله فيها كما أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره وملكه كل ما أغلق عليها بابها ولما أراد الإنصراف أعطاه ابن

يتبع ...

اخت مسلمة
04-11-2009, 10:48 PM
عباس عشرين ألفا وأربعين عبدا وقد صارت دار أبي أيوب بعده إلى مولاه أفلح فاشتراها منه المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار وصلح ما وهى من بنيانها ووهبها لاهل بيت فقراء من أهل المدينة وكذلك نزوله عليه السلام في دار بني النجار واختيار الله له ذلك منقبة عظيمة وقد كان في المدينة دور كثيرة تبلغ تسعا كل دار محلة مستقلة بمساكنها ونخيلها وزروعها وأهلها كل قبيلة من قبائلهم قد اجتمعوا في محلتهم وهي كالقرى المتلاصقة فاختار الله لرسول الله دار بني مالك بن النجار
وقد ثبت في الصحيحين من حديث شعبة سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير دور الانصار بنو النجار ثم بنو عبد الاشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج ثم بنو ساعدة وفي كل دور الأنصار خير فقال سعد بن عبادة ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا فقيل قد فضلكم على كثير هذا لفظ البخاري وكذلك رواه البخاري ومسلم من حديث أنس وأبي سلمة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة ومن حديث عبادة بن سهل عن أبي حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله سواء زاد في حديث أبي حميد فقال أبو اسيد لسعد بن عبادة ألم تر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير الأنصار فجعلنا آخرا فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرا قال أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الأخيار قد ثبت لجميع من أسلم من أهل المدينة وهم الانصار الشرف والرفعة في الدنيا والآخرة قال الله تعالى والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم وقال تعالى والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الانصار وشعبهم والانصار شعار والناس دثار وقال الانصار كرشي وعيبتي وقال أنا سلم لمن سالمهم وحرب لمن حاربهم وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة حدثني عدي بن ثابت قال سمعت البراء بن عازب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله وقد أخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث شعبة به وقال البخاري أيضا حدثنا مسلم بن ابراهيم ثنا شعبة عن عبد الرحمن بن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال آية الايمان حب الانصار وآية النفاق بغض الانصار ورواه البخاري أيضا عن أبي الوليد والطيالسي ومسلم من حديث خالد بن الحارث وعبد الرحمن بن مهدي أربعتهم
عن شعبة به والآيات والاحاديث في فضائل الانصار كثيرة جدا وما أحسن ما قال أبو قيس صرمة بن أبي أنس المتقدم ذكره أحد شعراء الانصار في قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم ونصرهم إياه ومواساتهم له ولاصحابه رضي الله عنهم أجمعين
قال ابن اسحاق وقال أبو قيس صرمة بن ابي أنس أيضا يذكر ما أكرمهم الله به من الاسلام وما خصهم به من رسوله عليه السلام
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه * فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واطمأنت به النوى * وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
والفى صديقا واطمأنت به النوى * وكان له عونا من الله باديا
يقص لنا ما قال نوح لقومه * وما قال موسى إذ أجاب المناديا
فأصبح لا يخشى من الناس واحدا * قريبا ولا يخشى من الناس نائيا
بذلنا له الاموال من جل مالنا * وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم * جميعا ولو كان الحبيب المواسيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره * وان كتاب الله أصبح هاديا
اقول اذا صليت في كل بيعة * حنانيك لا تظهر علينا الأعاديا
أقول اذا جاوزت أرضا مخيفة * تباركت اسم الله أنت المواليا
فطأ معرضا ان الحتوف كثيرة * وانك لا تبقي لنفسك باقيا
فوالله ما يدري الفتى كيف سعيه * اذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولا تحفل النخل المعيمة ربها * اذا أصبحت ريا وأصبح ثاويا
ذكرها ابن اسحاق وغيره ورواها عبد الله بن الزبير الحميدي وغيره عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عجوز من الانصار قالت رأيت عبد الله بن عباس يختلف الى صرمة بن قيس يروي هذه الابيات رواه البيهقي
*2* فصل ( تشريف المدينة بهجرته عليه السلام ) .
@ وقد شرفت المدينة أيضا بهجرته عليه السلام اليها وصارت كهفا لاولياء الله وعباده الصالحين ومعقلا وحصنا منيعا للمسلمين ودار هدى للعالمين والاحاديث في فضلها كثيرة جدا لها موضع آخر نوردها فيه إن شاء الله وقد ثبت في الصحيحين من طريق حبيب بن يساف عن جعفر بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الايمان ليأرز الى المدينة كما تأرز الحية الى جحرها ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن شبابة عن عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وفي الصحيحين أيضا من حديث مالك عن يحيى ابن سعيد أنه سمع أبا الحباب سعيد بن يسار سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنقى الناس كما ينقى الكير خبث الحديد وقد انفرد الامام مالك عن بقية الائمة الاربعة بتفضيلها على مكة وقد قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الوليد وأبو بكر بن عبد الله قالا ثنا الحسن بن سفيان ثنا أبو موسى الانصاري ثنا سعيد بن سعيد حدثني أخي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم انك أخرجتني من أحب البلاد إلي فاسكني أحب البلاد اليك فأسكنه الله المدينة وهذا حديث غريب جدا والمشهور عن الجمهور أن مكة أفضل من المدينة إلا المكان الذى ضم جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استدل الجمهور على ذلك بأدلة يطول ذكرها ههنا ومحلها ذكرناها في كتاب المناسك من الاحكام إن شاء الله تعالى وأشهر دليل لهم في ذلك ما قال الامام احمد حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن الحمراء أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي ولولا أني أخرجت منك ما خرجت وكذا رواه احمد عن يعقوب بن ابراهيم عن أبيه عن صالح بن كيسان عن الزهري به وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الليث عن عقيل عن الزهري به وقال الترمذي حسن صحيح وقد رواه يونس عن الزهري به ورواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وحديث الزهري عندي أصح قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحزورة فقال علمت أنك خير أرض أرض الله وأحب الارض الى الله ولولا
أن أهلك اخرجوني منك ما خرجت وكذا رواه النسائي من حديث معمر به قال الحافظ البيهقي وهذا وهم من معمر وقد رواه بعضهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهو أيضا وهم والصحيح رواية الجماعة وقال احمد أيضا حدثنا ابراهيم بن خالد ثنا رباح عن معمر عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن أبي سلمة عن بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في سوق الحزورة والله إنك لخير ارض الله وأحب الارض الى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ورواه الطبراني عن احمد بن خليد الحلبي عن الحميدي عن الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن محمد ابن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عدي بن الحمراء به فهذه طرق هذا الحديث وأصحها ما تقدم والله أعلم
*2* وقائع السنة الأولى من الهجرة
@
اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة وقيل سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رفع اليه صك أي حجة لرجل على آخر وفيه إنه يحل عليه في شعبان فقال عمر أي شعبان أشعبان هذه السنة التي نحن فيها أو السنة الماضية أو الآتية ثم جمع الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك فقال قائل أرخوا كتاريخ الفرس فكره ذلك وكانت الفرس يؤرخون بملكوهم واحدا بعد واحد وقال قائل أرخوا بتاريخ الروم وكانوا يؤرخون بملك اسكندر بن فلبس المقدوني فكره ذلك وقال آخرون أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال آخرون بل بمبعثه وقال آخرون بل بهجرته وقال آخرون بل بوفاته عليه السلام فمال عمر رضي الله عنه إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك
وقال البخاري في صحيحه التاريخ ومتى أرخوا التاريخ حدثنا عبد الله بن مسلم ثنا عبد العزيز عن أبيه عن سهل بن سعد قال ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته ما عدوا إلا من مقدمه المدينة
وقال الواقدي حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال استشار عمر في التاريخ فاجمعوا على الهجرة وقال أبو داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال قام رجل إلى عمر فقال أرخوا فقال ما أرخوا فقال شيء تفعله الاعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا فقال
عمر حسن فأرخوا فقالوا من أي السنين نبدأ فقالوا من مبعثه وقالوا من وفاته ثم أجمعوا على الهجرة ثم قالوا وأي الشهور نبدأ قالوا رمضان ثم قالوا المحرم فهو مصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم
وقال ابن جرير حدثنا قتيبة ثنا نوح بن قيس الطائي عن عثمان بن محصن أن ابن عباس كان يقول في قوله تعالى والفجر وليال عشر هو المحرم فجر السنة وروى عن عبيد بن عمير قال إن المحرم شهر الله وهو رأس السنة يكسى البيت ويؤرخ به الناس ويضرب فيه الورق
وقال احمد حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن اسحاق عن عمرو بن دينار قال إن أول من ورخ الكتب يعلى بن أمية باليمن وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة في ربيع لاول وأن الناس أرخوا الاول السنة
وروى محمد بن اسحاق عن الزهري وعن محمد بن صالح عن الشعبي أنهما قالا ارخ بنو اسماعيل من نار ابراهيم ثم أرخوا من بنيان ابراهيم واسماعيل البيت ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي ثم أرخوا من الفيل ثم أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة وقد ذكرنا هذا الفصل محررا باسانيده وطرقه في السيرة العمرية ولله الحمد والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الاسلامي من سنة الهجرة وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور الأئمة
وحكى السهيلي وغيره عن الامام مالك أنه قال اول السنة الاسلامية ربيع الاول لأنه الشهر الذي هاجر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد استدل السهيلي على ذلك في موضع آخر بقوله تعالى لمسجد اسس على التقوى من أول يوم أي من أول يوم حلول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو أول يوم من التاريخ كما اتفق الصحابة على أول سني التاريخ عام الهجرة ولا شك أن هذا الذي قاله الامام مالك رحمه الله مناسب ولكن العمل على خلافه وذلك لأن أول شهور العرب المحرم فجعلوا السنة الاولى سنة الهجرة وجعلوا أولها المحرم كما هو المعروف لئلا يختلط النظام والله أعلم
فنقول وبالله المستعان استهلت سنة الهجرة المباركة ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بمكة وقد بايع الانصار بيعة العقبة الثانية كما قدمنا في أوسط أيام التشريق وهي ليلة الثاني عشر من ذي الحجة قبل سنة الهجرة ثم رجع الانصار وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين في الهجرة إلى المدينة فهاجر من هاجر من أصحابه الى المدينة حتى لم يبق بمكة من يمكنه الخروج إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبس أبو بكر
نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه في الطريق كما قدمنا ثم خرجا على الوجه الذي تقدم بسطه وتأخر علي بن أبي طالب بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأمره ليؤدي ما كان عنده عليه السلام من الودائع ثم لحقهم بقباء فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قريبا من الزوال وقد اشتد الضحاء
قال الواقدي وغيره وذلك لليلتين خلتا من شهر ربيع الاول وحكاه ابن اسحاق إلا أنه لم يعرج عليه ورجح أنه لثنتي عشرة ليلة خلت منه وهذا هو المشهور الذي عليه الجمهور وقد كانت مدة اقامته عليه السلام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة في أصح الاقوال وهو رواية حماد بن سلمة عن أبي حمزة الضبي عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاربعين سنة وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن معمر عن روح بن عبادة عن زكريا بن اسحاق عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاث عشرة وتقدم أن ابن عباس كتب ابيات صرمة بن أبي أنس بن قيس
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وقال الواقدي عن ابراهيم بن اسماعيل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنه استشهد بقول صرمة
ثوى في قريش بضع عشرة حجة * يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
وهكذا رواه ابن جرير عن الحارث عن محمد بن سعد عن الواقدي خمس عشرة حجة وهو قول غريب جدا وأغرب منه ما قال ابن جرير حدثت عن روح بن عبادة ثنا سعيد عن قتادة قال نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين بمكة وعشرا بالمدينة وكان الحسن يقول عشرا بمكة وعشرا بالمدينة وهذا القول الآخر الذي ذهب اليه الحسن البصري من أنه أقام بمكة عشر سنين ذهب اليه أنس بن مالك وعائشة وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم وهو رواية عن ابن عباس رواها احمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس قال أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرا وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال قرن اسرافيل برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين يلقي اليه الكلمة والشيء وفي رواية يسمع حسسه ولا يرى شخصه ثم كان بعد ذلك جبريل وقد حكى الواقدي عن بعض مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال إنه عليه السلام أقام بمكة عشرا وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الذي ذكره الشعبي والله أعلم
*2* فصل (تأسيس مسجد قباء)
@
ولما حل الركاب النبوي بالمدينة وكان أول نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف وهي قباء كما تقدم فاقام بها أكثر ما قيل ثنتين وعشرين ليلة وقيل ثماني عشرة ليلة وقيل بضع عشرة ليلة وقال موسى بن عقبة ثلاث ليال والاشهر ما ذكره ابن اسحاق وغيره أنه عليه السلام أقام فيهم بقباء من يوم الاثنين إلى يوم الجمعة وقد أسس في هذه المدة المختلف على مقدارها على ما ذكرناه مسجد قباء وقد ادعى السهيلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسسه في أول يوم قدم الى قباء وحمل على ذلك قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ورد قول من أعربها من تأسيس أول يوم وهو مسجد شريف فاضل نزل فيه قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث الذي في صحيح مسلم أنه مسجد المدينة والجواب عنه وذكرنا الحديث الذي رواه الامام احمد حدثنا حسن بن محمد ثنا أبو إدريس ثنا شرحبيل عن عويم بن ساعدة أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به قالوا والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وله شواهد أخر وروى عن خزيمة بن ثابت ومحمد بن عبد الله بن سلام وابن عباس وقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث يونس بن الحارث عن ابراهيم بن ابي ميمونة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية ثم قال الترمذي غريب من هذا الوجه
قلت ويونس بن الحارث هذا ضعيف والله أعلم وممن قال بانه المسجد الذي أسس على التقوى ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير ورواه علي بن ابي طلحة عن ابن عباس وحكى عن الشعبي والحسن البصري وقتادة وسعيد بن جبير وعطية العوفي وعبد الرحمن بن زيد بن اسلم وغيرهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يزوره فيما بعد ويصلي فيه وكان يأتي قباء كل سبت تارة راكبا وتارة ماشيا وفي الحديث صلاة في مسجد قباء كعمرة وقد ورد في حديث أن جبرائيل عليه السلام هو الذي أشار للنبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع قبلة مسجد قباء فكان هذا المسجد أول مسجد بني في الاسلام بالمدينة بل أول مسجد جعل لعموم الناس في هذه الملة واحترزنا بهذا
عن المسجد الذي بناه الصديق بمكة عند باب داره يتعبد فيه ويصلي لأن ذاك كان لخاصة نفسه لم يكن للناس عامة والله أعلم وقد تقدم اسلام سلمان في البشارات أن سلمان الفارسي لما سمع بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ذهب اليه وأخذ معه شيئا فوضعه بين يديه وهو بقباء قال هذا صدقة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكله وأمر أصحابه فأكلوا منه ثم جاء مرة أخرى ومعه شيء فوضعه وقال هذه هدية فأكل منه وأمر أصحابه فاكلوا تقدم الحديث بطوله
*2* فصل في اسلام عبد الله بن سلام
@
قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن زرارة عن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس فكنت فيمن انجفل فلما تبينت وجهه عرفت أنه ليس بوجه كذاب فكان أول شيء سمعته يقول افشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ورواه الترمذي وابن ماجه من طرق عن عوف الاعرابي عن زرارة ابن أبي أوفى به عنه وقال الترمذي صحيح ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم ورآه أول قدومه حين اناخ بقباء في بني عمرو بن عوف وتقدم في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب عند ارتحاله من قباء إلى دار بني النجار كما تقدم فلعله رآه أول ما رآه بقباء واجتمع به بعد ما صار إلى دار بني النجار والله أعلم وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس قال فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام فقال أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق وقد علمت يهود اني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن اعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد اسلمت فانهم إن يعلموا أني قد اسلمت قالوا في ما ليس في فارسل نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فدخلوا عليه فقال لهم يا معشر اليهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق فاسلموا قالوا ما نعلمه قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قالها ثلاث مرات قال فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام قالو ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال أفرأيتم إن أسلم قالوا حاش لله ما كان ليسلم قال يا ابن سلام اخرج عليهم فخرج فقال يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق فقالوا كذبت فاخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لفظه وفي رواية فلما خرج عليهم شهد شهادة
الحق قالوا شرنا وابن شرنا وتنقصوه فقال يا رسول الله هذا الذي كنت أخاف وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الاصم حدثنا محمد بن اسحاق الصنعاني ثنا عبد الله بن ابي بكر ثنا حميد عن أنس قال سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض له فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أسائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد إلى أبيه أو إلى أمه قال أخبرني بهن جبريل آنفا قال جبريل قال نعم قال عدو اليهود من الملائكة ثم قرأ من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله قال أما أول أشراط الساعة فنار تخرج على الناس من المشرق تسوقهم إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت وأما الولد فاذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت الولد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وأنهم إن يعلموا باسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني فجاءت اليهود فقال أي رجل عبد الله فيكم قالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا قال ارأيتم إن أسلم قالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله قالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه قال هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله ورواه البخاري عن عبد بن منير عن عبد الله بن ابي بكر به ورواه عن حامد بن عمر عن بشر بن المفضل عن حميد به
قال محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله عن رجل من آل عبد الله بن اسلام قال كان من حديث عبد الله بن سلام حين أسلم وكان حبرا عالما قال لما سمعت برسول الله وعرفت صفته واسمه وهيئته و زمانه الذي كنا نتوكف له فكنت بقباء مسرا بذلك صامتا عليه حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلما قدم نزل بقباء في بني عمرو بن عوف فاقبل رجل حتى أخبر بقدومه وأنا في رأس نخلة لي أعمل فيها وعمتي خالدة بنت الحارث تحتي جالسة فلما سمعت الخبر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت فقالت عمتى حين سمعت تكبيرى و كنت سمعت بموسى بن عمران مازدت قال قلت لها أي عمه والله هو أخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به قال فقالت له يا ابن أخي أهو الذي كنا نخبر أنه يبعث مع نفس الساعة قال قلت لها نعم قالت فذاك إذا قال فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ثم رجعت إلى أهل
وأصحابه بمكة من الاجتماع حتى يقيموا بها جمعة ذات خطبة واعلان بموعظة وما ذاك إلا لشدة مخالفة المشركين له وأذيتهم إياه
*2* ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ
@
قال ابن جرير حدثني يونس بن عبد الاعلى أخبرنا ابن وهب عن سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنه بلغه عن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة في بني سالم بن عمرو بن عوف رضي الله عنهم الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأومن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل وقلة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة وقرب من الاجل من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا وأوصيكم بتقوى الله فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه ولا أفضل من ذلك نصيحة ولا أفضل من ذلك ذكرى وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة وعون صدق ما تتبغون من أمر الآخرة ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم وما كان من سوى ذلك يود لو ان بينه وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد والذي صدق قوله وأنجز وعده لا خلف لذلك فانه يقول تعالى ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السر والعلانية فانه من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ومن يتق الله فق فاز فوزا عظيما وإن تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه وإن تقوى الله تبيض الوجه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظكم ولا تفرطوا في جنب الله قد علمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فاحسنوا كما أحسن الله اليكم وعادوا أعداءه وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة ولا قوة إلا بالله فاكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت فانه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه ويملك من الناس ولا يملكون منه الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم هكذا أوردها ابن جرير وفي السند ارسال
وقال البيهقي باب أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن
بكير عن ابن اسحاق حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان والاخنس بن شريق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال كانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أن قام فيها فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فقدموا لانفسكم تعلمن والله ليصعقن احدكم ثم ليدعن غنمه ليس لها راع ثم ليقولن له ربه ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه ألم يأتك رسولي فبلغك وآتيتك مالا وأفضلت عليك فما قدمت لنفسك فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا ثم ينظر قدامه فلا يرى غير جهنم فمن استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فان بها تجزي الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته ثم خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة أخرى فقال إن الحمد لله أحمده واستعينه نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إن أحسن الحديث كتاب الله قد أفلح من زينه الله في قلبه وأدخله في الاسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس إنه أحسن الحديث وأبلغه أحبوا من أحب الله أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم فإنه من يختار الله ويصطفي فقد سماه خيرته من الاعمال وخيرته من العباد والصالح من الحديث ومن كل ما أوتي الناس من الحلال والحرام فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وهذه الطريق أيضا مرسلة إلا أنها مقوية لما قبلها وإن اختلفت الالفاظ
*2* فصل في بناء مسجده الشريف ومقامه بدار أبي أيوب
@
وقد اختلف في مدة مقامه بهاف قال الواقدي سبعة اشهر وقال غيره أقل من شهر والله أعلم قال البخاري حدثنا اسحاق بن منصور أخبرنا عبد الصمد قال سمعت أبي يحدث فقال حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبي حدثنا أنس بن مالك قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فاقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤا
متقلدي سيوفهم قال وكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجارى حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب قال فكان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم قال ثم أمر ببناء المسجد فارسل إلى ملأ بني النجار فجاؤا فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله عز وجل قال فكان فيه ما أقول لكم كانت فيه قبور المشركين وكانت فيه خرب وكان فيه نخل فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع قال فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه حجارة قال فجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم يقول اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الانصار والمهاجرة وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم من حديث أبي عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد وقد تقدم في صحيح البخاري عن الزهري عن عروة أن المسجد الذي كان مربدا وهو بيدر التمر ليتيمين كانا في حجر أسعد بن زرارة وهما سهل وسهيل فساومهما فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجدا قال وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو ينقل معهم التراب
هذا الحمال لا حمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول * لا هم إن الاجر أجر الآخره
فارحم الانصار والمهاجرة
وذكر موسى بن عقبة أن أسعد بن زرارة عوضهما منه نخلا له في بياضة قال وقيل ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت وذكر محمد ابن اسحاق أن المربد كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عفراء وهما سهل وسهيل ابنا عمرو فالله أعلم
وروى البيهقي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا حدثنا الحسن بن حماد الضبي ثنا عبد الرحيم ابن سليمان عن اسماعيل بن مسلم عن الحسن قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى أغبر صدره فقال ابنوه عريشا كعريش موسى فقلت للحسن ما عريش موسى قال إذا رفع يديه بلغ العريش يعني السقف وهذا مرسل وروى من حديث حماد بن سلمة عن أبي سنان عن يعلى بن شداد بن أوس عن عبادة أن الانصار جمعوا مالا فأتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه إلى متى نصلي تحت هذا الجريد فقال ما بي رغبة عن أخي موسى عريش كعريش موسى وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقال
أبو داود حدثنا محمد بن حاتم حدثنا عبد الله بن موسى عن سنان عن فراس عن عطية العوفي عن ابن عمر أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كانت سواريه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من جذوع النخل أعلاه مظلل بجريد النخل ثم إنها تخربت في خلافة أبي بكر فبناها بجذوع جريد النخل ثم انها تخربت في خلافة عثمان فبناها بالآجر فما زالت ثابتة حتى الآن وهذا غريب وقد قال أبو داود أيضا حدثنا مجاهد بن موسى حدثني يعقوب بن ابراهيم حدثني أبي عن أبي صالح ثنا نافع عن ابن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه ابو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا وغيره عثمان رضي الله عنه وزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج وهكذا رواه البخاري عن علي بن المديني عن يعقوب بن ابراهيم به
قلت زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأولا قوله صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ووافقه الصحابة الموجودون على ذلك ولم يغيروه بعده فيستدل بذلك على الراجح من قول العلماء أن حكم الزيادة حكم المزيد فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف الصلاة فيه وشد الرحال اليه وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق زاده له بأمره عمر بن عبد العزيز حين كان نائبه على المدينة وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في وقته ثم زيد زيادة كثيرة فيما بعد وزيد من جهة القبلة حتى صارت الروضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو المشاهد اليوم
قال ابن اسحاق ونزل رسول الله على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه فعمل فيه المهاجرون والانصار ودأبوا فيه فقال قائل من المسلمين
لئن قعدنا والنبي يعمل * لذاك منا العمل المضلل
وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون * لا عيش إلا عيش الآخره
اللهم ارحم الانصار والمهاجرة
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عيش إلا عيش الآخرة اللهم ارحم المهاجرين والانصار قال فيدخل
عمار بن ياسر وقد اثقلوه باللبن فقال يا رسول الله قتلوني يحملون علي ما لا يحملون قالت أم سلمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض وفرته بيده وكان رجلا جعدا وهو يقول ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك إنما يقتلك الفئة الباغية وهذا منقطع من هذا الوجه بل هو معضل بين محمد بن اسحاق وبين أم سلمة وقد وصله مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن سعيد والحسن يعني ابني أبي الحسن البصري عن أمهما خيرة مولاة أم سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتل عمار الفئة الباغية ورواه من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار وهو ينقل الحجارة ويح لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الحسن يحدث عن أمه عن أم سلمة قالت لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يبنون المسجد جعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحمل كل واحد لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنة عنه ولبنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمسح ظهره وقال ابن سمية للناس أجر ولك أجران وآخر زادك شربة من لبن وتقتلك الفئة الباغية وهذا اسناد على شرط الصحيحين وقد أورد البيهقي وغيره من طريق جماعة عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي سعيد الخدري قال كنا نحمل في بناء المسجد لبنة لبنة وعمار يحمل لبنتين لبنتين فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فجعل ينفض التراب عنه ويقول ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار قال يقول عمار أعوذ بالله من الفتن لكن روى هذا الحديث الامام البخاري عن مسدد عن عبد العزيز بن المختار عن خالد الحذاء وعن ابراهيم بن موسى عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به إلا أنه لم يذكر قوله تقتلك الفئة الباغية
قال البيهقي وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم من طريق عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال أخبرني من هو خير مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار حين جعل يحفر الخندق جعل يمسح رأسه ويقول بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية وقد رواه مسلم أيضا من حديث شعبة عن أبي مسلم عن ابي نضرة عن أبي سعيد قال حدثني من هو خير مني أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار بن ياسر بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية وقال أبو داود الطيالسي حدثنا وهيب عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق كان الناس يحملون لبنة لبنة وعمار ناقه من وجع كان به فجعل يحمل لبنتين لبنتين قال أبو سعيد فحدثني بعض أصحابي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفض التراب عن رأسه ويقول ويحك ابن سمية تقتلك الفئة الباغية قال البيهقي فقد فرق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه قال ويشبه أن
يكون قوله الخندق وهما أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق والله أعلم
قلت حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه عن عمار أنه تقتله الفئة الباغية وقد قتله أهل الشام في وقعة صفين وعمار مع علي وأهل العراق كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه وقد كان علي أحق بالأمر من معاوية ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بغاة تكفيرهم كما يحاوله جهلة الفرقة الضالة من الشعية وغيرهم لانهم وإن كانوا بغاة في نفس الامر الامر فانهم كانوا مجتهدين فيما تعاطوه من القتال وليس كل مجتهد مصيبا بل المصيب له أجران والمخطئ له أجر ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة الباغية لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة فقد افترى في هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقلها إذ لم تنقل من طريق تقبل والله أعلم وأما قوله يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار فإن عمارا وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الالفة واجتماع الكلمة وأهل الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون من هو أحق به وأن يكون الناس أوزاعا على كل قطر امام برأسه وهذا يؤدي الى افتراق الكلمة واختلاف الامة فهو لازم مذهبهم وناشئ عن مسلكهم وإن كانوا لا يقصدونه والله أعلم وسيأتي تقرير هذه المباحث إذا انتهينا الى وقعة صفين من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن تأييده وتوفيقه والمقصود ههنا إنما هو قصة بناء المسجد النبوي على بانيه أفضل الصلاة والتسليم
وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل حدثنا أبو عبد الله الحافظ املاء ثنا أبو بكر بن اسحاق أخبرنا عبيد بن شريك ثنا نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حشرج بن نباتة عن سعيد ابن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاء أبو بكر بحجر فوضعه ثم جاء عمر بحجر فوضعه ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء ولاة الامر بعدي ثم رواه من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حشرج عن سعيد عن سفينة قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع حجرا ثم قال ليضع أبو بكر حجرا إلى جنب حجري ثم ليضع عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر ثم ليضع عثمان حجره إلى جنب حجر عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء من بعدي وهذا الحديث بهذا السياق غريب جدا والمعروف ما رواه الامام احمد عن أبي النضر عن حشرج بن نباتة العبسي وعن بهز وزيد بن الحباب وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون من بعد ذلك الملك ثم قال سفينة أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين وخلافة
عثمان اثنتا عشرة سنة وخلافة علي ست سنين هذا لفظ احمد ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن سعيد بن جمهان وقال الترمذي حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا وذكر بقيته
قلت ولم يكن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بني منبر يخطب الناس عليه بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو مستندا إلى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما اتخذ له عليه السلام المنبر كما سيأتي بيانه في موضعه وعدل اليه ليخطب عليه فلما جاوز ذلك الجذع خار ذلك الجذع وحن حنين النوق العشار لما كان يسمع من خطب الرسول عليه السلام عنده فرجع اليه النبي صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن كما يسكن المولود الذي يسكت كما سيتأتي تفصيل ذلك من طرق عن سهل بن سعد الساعدي وجابر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وأم سلمة رضي الله عنهم وما أحسن ما قال الحسن البصري بعد ما روى هذا الحديث عن أنس بن مالك يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا اليه أو ليس الرجال الذين يرجون لقاءه أحق أن يشتاقوا اليه
*2* تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف
@
قال الامام احمد حدثنا يحيى بن أنيس بن أبي يحيى حدثني أبي قال سمعت ابا سعيد الخدري قال اختلف رجلان رجل من بني خدرة ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى فقال الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العمري هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال هو هذا المسجد لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك خير كثير يعني مسجد قباء ورواه الترمذي عن قتيبة عن حاتم بن اسماعيل عن أنيس بن أبي يحيى الاسلمي به وقال حسن صحيح وروى الامام احمد عن اسحاق بن عيسى عن الليث بن سعد والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى وذكر نحو ما تقدم وفي صحيح مسلم من حديث حميد الخراط عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عبد الرحمن بن أبي سعيد كيف سمعت أباك في المسجد الذي أسس على التقوى قال أبى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن المسجد الذي أسس على التقوى فاخذ كفا من حصباء فضرب به الارض ثم قال هو مسجدكم هذا وقال الامام احمد حدثنا وكيع حدثنا ربيعة بن عثمان التميمي عن عمران بن أبي أنس عن سهيل بن سعد قال اختلف رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد في الذي أسس على التقوى فقال أحدهما هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الآخر هو مسجد قباء فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه فقال
هو مسجدي هذا وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الله بن عامر الاسلمي عن عمران بن أبي أنس عن سهل بن سعد عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا فهذه طرق متعددة لعلها تقرب من إفادة القطع بانه مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب واختاره ابن جرير وقال آخرون لا منافاة بين نزول الآية في مسجد قباء كما تقدم بيانه وبين هذه الاحاديث لان هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك لان هذا أحد المساجد الثلاثة التي تشد الرحال اليها كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد بيت المقدس وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تشد الرحال الا إلى ثلاثة مساجد وذكرها وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وفي مسند احمد بأسناد حسن زيادة حسنة وهي قوله فان ذلك أفضل وفي الصحيحين من حديث يحيى القطان عن حبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي والاحاديث في فضائل هذا المسجد الشريف كثيرة جدا وسنوردها في كتاب المناسك من كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم
وقد ذهب الامام مالك وأصحابه إلى أن مسجد المدينة أفضل من المسجد الحرام لأن ذاك بناه ابراهيم وهذا بناه محمد صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل من ابراهيم عليه السلام وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ذلك وقرروا أن المسجد الحرام أفضل لانه في بلد حرمه الله يوم خلق السموات والارض وحرمه ابراهيم الخليل عليه السلام ومحمد خاتم المرسلين فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره وبسط هذه المسألة موضع آخر وبالله المستعان
*2* فصل ( بناء الحجرات لرسول الله حول مسجده الشريف ) .
@ وبني لرسول الله صلى الله عليه وسلم حول مسجده الشريف حجر لتكون مساكن له ولاهله وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري وكان غلاما مع أمه خيرة مولاة أم سلمة لقد كنت انال أطول سقف في حجر النبي صلى الله عليه وسلم بيدي قلت الا أنه قد كان الحسن البصري شكلا ضخما طوالا رحمه الله
وقال السهيلي في الروض كانت مساكنه عليه السلام مبنية من جريد عليه طين بعضها من حجارة مرضومة وسقوفها كلها من جريد وقد حكى عن الحسن البصري ما تقدم قال وكانت حجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر قال وفي تاريخ البخاري أن بابه عليه السلام كان يقرع بالاظافير فدل على أنه لم يكن لابوابه حلق قال وقد أضيفت الحجر كلها بعد موت أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد قال الواقدي وابن جرير وغيرهما ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوا بأهاليهم من مكة وبعثا معهم بحملين وخمسمائة درهم ليشتروا بها إبلا من قديد فذهبوا فجاؤا ببنتي النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة وأمها أم رومان وأهل النبي صلى الله عليه وسلم وآل أبي بكر صحبة عبد الله بن أبي بكر وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول واعروساه وابنتاه قالت عائشة فسمعت قائلا يقول أرسلي خطامه فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله عز وجل فتقدموا فنزلوا بالسنح ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال بعد ثمانية أشهر كما سيأتي وقدمت معهم أسماء بنت أبي بكر امرأة الزبير بن العوام وهي حامل متم بعبد الله بن الزبير كما سيأتي بيانه في موضعه من آخر هذه السنة
*2* فصل فيما أصاب الهاجرين من حمى المدينة
@ قال البخاري حدثنا عبد الله بن وهب بن يوسف ثنا مالك بن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال قالت فدخلت عليهما فقلت يا ابه كيف تجدك ويا بلال كيف تجدك قالت وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول
كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بواد وحولي اذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فقال اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ورواه مسلم عن أبي بكر
ابن أبي شيبة عن هشام مختصرا وفي رواية البخاري له عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وزاد بعد شعر بلال ثم يقول اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا إلى أرض الوباء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حبب الينا المدينة كحبنا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعها وفي مدها وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة قالت وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله وكان بطحان يجري نجلا يعني ماء آجنا وقال زياد عن محمد بن اسحاق حدثني هشام بن عروة وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير عن عائشة قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى فاصاب أصحابه منها بلاء وسقم وصرف الله ذلك عن نبيه قالت فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبى بكر في بيت واحد فاصابتهم الحمى فدخلت عليهم ادعوهم وذلك قبل أن يضرب عليهم الحجاب وبهم مالا يعلمه إلا الله من شدة الوعك فدنوت من أبي بكر فقلت له كيف تجدك يا أبه فقال كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله قالت والله ما يدرى أبى ما يقول قالت ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت كيف تجدك يا عامر قال
كل امرئ مصبح قبل ذوقه إن الجبان حتفه من فوقه
كل امرئ مجاهد بطوقه * كالثور يحمي جلده بروقه
قال فقلت والله ما يدري ما يقول قالت وكان بلال إذا أدركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة * بفخ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يوما مياه مجنة * وهل يبدون لي شامة وطفيل
قالت عائشة فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم وقلت إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى فقال اللهم حبب الينا المدينة كما حببت الينا مكة أو أشد وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة ومهيعة هي الجحفة وقال الامام احمد حدثنا يونس ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي بكر بن اسحاق بن يسار عن عبد الله بن عروةعن عروة عن عائشة قالت لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وبلال فاستأذنت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادتهم فاذن لها فقالت لابي بكر كيف تجدك فقال
كل امرئ مصبح في أهله * والموت أدنى من شراك نعله
وسألت عامرا فقال
إني وجدت الموت قبل ذوقه * إن الجبان حتفه من فوقه
وسألت بلالا فقال * يا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بفخ وحولي إذخر وجليل
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فنظر إلى السماء وقال اللهم حبب الينا المدينة كما حببت الينا مكة أو أشد اللهم بارك لنا في صاعها وفي مدها وانقل وباءها إلى مهيعة وهي الجحفة فيما زعموا وكذا رواه النسائي عن قتيبة عن الليث به ورواه الامام احمد من طريق عبد الرحمن بن الحارث عنها مثله وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي أوبأ أرض الله وواديها بطحان نجل قال هشام وكان وباؤها معروفا في الجاهلية وكان إذا كان الوادي وبيئا فاشرف عليها الانسان قيل له أن ينهق نهيق الحمار فاذا فعل ذلك لم يضره وباء ذلك الوادي وقد قال الشاعر حين أشرف على المدينة
لعمري لئن عبرت من خيفة الردى * نهيق الحمار انني لجزوع
وروى البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت كأن امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى قامت بمهيعة وهي الجحفة فأولتها أن وباء المدينة نقل الى مهيعة وهي الجحفة هذا لفظ البخاري ولم يخرجه مسلم ورواه الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن عقبة وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن عائشة قالت قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة فذكر الحديث بطوله الى قوله وانقل حماها الى الجحفة قال هشام فكان المولود يولد بالجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى ورواه البيهقي في دلائل النبوة وقال يونس عن ابن اسحاق قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهي وبيئة فأصاب أصحابه بها بلاء وسقم حتى أجهدهم ذلك وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة يعني مكة عام سر فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنهم حمى يثرب فامرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم
قلت وعمرة القضاء كانت في سنة سبع في ذي القعدة فاما أن يكون تأخر دعاؤه عليه السلام بنقل الوباء إلى قريب من ذلك أو أنه رفع وبقي آثار منه قليل أو أنهم بقوا في خمار وما كان أصابهم من ذلك الى تلك المدة والله أعلم وقال زياد عن ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمى المدينة حتى جهدوا مرضا وصرف الله ذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم حتى كانوا وما يصلون إلا وهم قعود قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون كذلك فقال لهم اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فتجشم المسلمون القيام على ما بهم من الضعف والسقم التماس الفضل
*2* فصل في عقده عليه السلام الألفة بين المهاجرين والانصار
@ بالكتاب الذي أمر به فكتب بينهم والمؤاخاة التي أمرهم بها وقوحدهم عليها وموادعته اليهود الذين كانوا بالمدينة
وكان بها من أحياء اليهود بنو قينقاع وبنوالنضير وبنو قريظة وكان نزولهم بالحجاز قبل الانصار أيام بخت نصر حين دوخ بلاد المقدس فيما ذكره الطبري ثم لما كان سيل العرم وتفرقت شذر مذر نزل الاوس والخزرج المدينة عند اليهود فحالفوهم وصاروا يتشبهون بهم لما يرون لهم عليهم من الفضل في العلم المأثور عن الانبياء لكن من الله على هؤلاء الذين كانوا مشركين بالهدى والاسلام وخذل أولئك لحسدهم وبغيهم واستكبارهم عن اتباع الحق
وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة ثنا عاصم الاحول عن أنس بن مالك قال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار في دار أنس بن مالك وقد رواه الامام احمد أيضا والبخاري ومسلم وأبو داود من طرق متعددة عن عاصم بن سليمان الاحول عن أنس بن مالك قال حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والانصار في داري وقال الامام احمد حدثنا نصر بن باب عن حجاج هو ابن أرطاة قال وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابا بين المهاجرين والانصار أن يعقلوا معاقلهم وأن يفدوا عانيهم بالمعروف والاصلاح بين المسلمين قال احمد وحدثنا سريج ثنا عباد عن حجاج عن الحكم عن قاسم عن ابن عباس مثله تفرد به الامام احمد وفي صحيح مسلم عن جابر كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقولة وقال محمد ابن اسحاق كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والانصار وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم واشترط عليهم وشرط لهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي الامي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أنهم أمة واحدة من دون الناس المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ثم ذكر كل بطن من بطون الانصار وأهل
كل دار بني ساعدة وبني جشم وبني النجار وبني عمرو بن عوف وبني النبيت إلى أن قال وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء وعقل ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه وان المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيسة ظلم أو اثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين وان أيديهم عليه جميعهم ولو كان ولد احدهم ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ولا ينصر كافر على مؤمن وان ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس وانه من تبعنا من يهود فإن له النصر والاسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم وان كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا وإن المؤمنين يبىء بعضهم بعضا بما نال دماءهم في سبيل الله وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه وانه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن وانه من اغتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلى أن يرضى ولي المقتول وان المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم الا قيام عليه وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثنا ولا يؤويه وانه من نصره أو آواه فان عليه لعنة الله وغضبة يوم القيامة ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل وانكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده الى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم وان اليهود يتفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وان يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فانه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته وان ليهود بني النجار وبني الحارث وبني ساعدة وبني جشم وبني الاوس وبني ثعلبة وجفنة وبني الشطنة مثل ما ليهود بني عوف وان بطانة يهود كأنفسهم وانه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ولا ينحجر على ثار جرح وانه من فتك فبنفسه إلا من ظلم وان الله على أثر هذا وان على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وان بينهم النصح والنصيحة والبر دون الاثم وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه وإن النصر للمظلوم وإن يثرب حرام حرفها لاهل هذه الصحيفة وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم وانه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها وانه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله وان الله على من اتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وانه لا تجار قريش ولا من
نصرها وان بينهم النصر على من دهم يثرب وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فانهم يصالحونه وانهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فانه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم وانه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم وان الله جار لمن بر واتقى كذا أورده ابن اسحاق بنحوه وقد تكلم عليه أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتاب الغريب وغيره بما يطول



فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار
@ كما قال تعالى والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر اليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وقال تعالى والذين عاقدت ايمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا
قال البخاري حدثنا الصلت بن محمد ثنا أبو أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ولكل جعلنا موالي قال ورثة والذين عاقدت ايمانكم كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الانصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جلنا موالي نسخت ثم قال والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له وقال الامام احمد قرئ على سفيان سمعت عاصما عن أنس قال حالف النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار في دارنا قال سفيان كانه يقول آخر
وقال محمد بن اسحاق وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والانصار فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل تآخوا في الله أخوين أخوين ثم اخذ بيد علي بن ابي طالب فقال هذا أخي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب أخوين وكان حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخوين وإليه أوصى حمزة يوم أحد وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين ومعاذ بن جبل أخوين قال ابن هشام كان جعفر يومئذ غائبا بأرض الحبشة قال ابن اسحاق وكان أبو بكر وخارجة بن زيد الخزرجي أخوين وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين وأبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين والزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش
أخوين ويقال بل كان الزبير وعبد الله بن مسعود أخوين وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت بن المنذر النجاري أخوين وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين وسعيد بن زيد وأبي بن كعب أخوين ومصعب بن عمير وأبو ايوب أخوين وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين وعمار وحذيفة بن اليمان العبسي حليف عبد الاشهل أخوين ويقال بل كان عمار وثابت بن قيس بن شماس أخوين
قلت وهذا السند من وجهين قال وأبو ذر بربر بن جنادة والمنذر بن عمرو المعتق ليموت أخوين وحاطب بن ابي بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين وسلمان وأبو الدرداء أخوين وبلال وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفزع أخوين قال فهؤلاء ممن سمي لنا ممن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم من أصحابه رضي الله عنهم
قلت وفي بعض ما ذكره نظر أما مؤاخآة النبي صلى الله عليه وسلم وعلي فإن من العلماء من ينكر ذلك ويمنع صحته ومستنده في ذلك أن هذه المؤاخاة إنما شرعت لأجل ارتفاق بعضهم من بعض وليتألف قلوب بعضهم على بعض فلا معنى لمؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لأحد منهم ولا مهاجري لمهاجري آخر كما ذكره من مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة اللهم إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من صغره في حياة أبيه أبي طالب كما تقدم عن مجاهد وغيره وكذلك يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار والله أعلم
وهكذا ذكره لمؤاخاة جعفر ومعاذ بن جبل فيه نظر كما أشار إليه عبد الملك بن هشام فإن جعفر بن أبي طالب إنما قدم في فتح خيبر في أول سنة سبع كما سيأتي بيانه فكيف ويؤاخي بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه عليه السلام الى المدينة اللهم إلا أن يقال أنه أرصد لأخوته إذا قدم حين يقدم وقوله وكان أبو عبيدة وسعد بن معاذ أخوين يخالف لما رواه الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا حماد ثنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة وكذا رواه مسلم منفردا به عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد بن عبد الوارث به وهذا أصح مما ذكره ابن اسحاق من مؤاخاة أبي عبيدة وسعد بن معاذ والله أعلم
وقال البخاري باب كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وقال عبد الرحمن بن عوف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة وقال أبو جحيفة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين
سلمان الفارسي وأبي الدرداء رضي الله عنهما حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن حميد عن أنس قال قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الانصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق فربح شيئا من أقط وسمن فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم مهيم يا عبد الرحمن قال يا رسول الله تزوجت امرأة من الانصار قال فما سقت فيها قال وزن نواة من ذهب قال النبي صلى الله عليه وسلم اولم ولو بشاة تفرد به من هذا الوجه وقد رواه أيضا في مواضع أخر ومسلم من طرق عن حميد به وقال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت وحميد عن أنس أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الانصاري فقال له سعد أي أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه وتحتي امرأتان فانظر أيهما أعجب اليك حتى أطلقها فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق فدلوه فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ودع زعفران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيم فقال يا رسول الله تزوجت امرأة قال ما أصدقتها قال وزن نواة من ذهب قال أولم ولو بشاة قال عبد الرحمن فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة وتعليق البخاري هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف غريب فإنه لا يعرف مسندا إلا عن أنس اللهم إلا أن يكون أنس تلقاه عنه فالله أعلم وقال الامام احمد حدثنا يزيد أخبرنا حميد عن أنس قال قال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلا من كثير لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالاجر كله قال لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم هذا حديث ثلاثي الاسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه وهو ثابت في الصحيح من وقال البخاري أخبرنا الحكم بن نافع أخبرنا شعيب ثنا أبو الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة قال قالت الانصار اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال لا قالوا أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا سمعنا وأطعنا تفرد به وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للانصار إن إخوانكم قد تركوا الاموال والاولاد وخرجوا اليكم فقالوا أموالنا بيننا قطائع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك
قالوا وما ذاك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر قالوا نعم وقد ذكرنا ما ورد من الاحاديث والآثار في فضائل الانصار وحسن سجاياهم عند قوله تعالى والذين تبوؤا الدار والايمان من قبلهم الآية
*2* فصل في موت أبي أمامة أسعد بن زرارة
@ بن عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار أحد النقباء الاثني عشر ليلة العقبة على قومه بني النجار وقد شهد العقبات الثلاث وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية في قول وكان شابا وهو أول من جمع بالمدينة في نقيع الخضمات في هزم النبيت كما تقدم
قال محمد بن اسحاق وهلك في تلك الاشهر أبو أمامة أسعد بن زرارة والمسجد يبنى أخذته الذبحة أو الشهقة وقال ابن جرير في التاريخ أخبرنا محمد بن عبد الاعلى ثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة في الشوكة رجاله ثقات
قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن اسعد بن زرارة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس الميت أبو أمامة ليهود ومنافقي العرب يقولون لو كان نبيا لم يمت صاحبه ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئا وهذا يقتضي أنه أول من مات بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقد زعم أبو الحسن بن الاثير في الغابة أنه مات في شوال بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم بسبعة أشهر فالله أعلم وذكر محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن بني النجار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم لهم نقيبا بعد أبي أمامة أسعد بن زرارة فقال أنتم اخوالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم وكره أن يخص بها بعضهم دون بعض فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبهم قال ابن الاثير وهذا يرد قول أبي نعيم وابن منده في قولهما أن أسعد بن زرارة كان نقيبا على بني ساعدة إنما كان على بني النجار وصدق ابن الاثير فيما قال وقد قال أبو جعفر بن جرير في التاريخ كان أول من توفي بعد مقدمه عليه السلام المدينة من المسلمين فيما ذكر صاحب منزله كلثوم بن الهدم لم يلبث بعد مقدمه إلا يسيرا حتى مات ثم توفي بعده أسعد بن زرارة وكانت وفاته في سنة مقدمه قبل أن يفرغ بناء المسجد بالذبحة أو الشهقة
قلت وكلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي وهو من بني عمرو بن عوف وكان
شيخا كبيرا أسلم قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل بقباء نزل في منزل هذا في الليل وكان يتحدث بالنهار مع أصحابه في منزل سعد بن الربيع رضي الله عنهما إلى أن ارتحل إلى دار بني النجار كما تقدم قال ابن الاثير وقد قيل إنه أول من مات من المسلمين بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعده أسعد بن زرارة ذكره الطبري
*2* فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة
@ فكان أول مولود ولد في الاسلام من المهاجرين كما أن النعمان بن بشير أول مولود ولد للانصار بعد الهجرة رضي الله عنهما وقد زعم بعضهم أن ابن الزبير ولد بعد الهجرة بعشرين شهرا قاله أبو الاسود ورواه الواقدي عن محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جده وزعموا أن النعمان ولد قبل الزبير بستة أشهر على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة والصحيح ما قدمنا فقال البخاري حدثنا زكريا بن يحيى ثنا أبو اسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن اسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير قالت فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه فكان أول مولود ولد في الاسلام تابعه خالد بن مخلد عن علي بن مسهر عن هشام عن أبيه عن اسماء أنها هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى حدثنا قتيبة عن أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت أول مولود ولد في الاسلام عبد الله بن الزبير أتوا به النبي صلى الله عليه وسلم فاخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثمرة فلاكها ثم أدخلها في فيه فأول ما دخل بطنه ريق النبي صلى الله عليه وسلم فهذا حجة على الواقدي وغيره لانه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مع عبد الله بن أريقط لما رجع إلى مكة زيد بن حارثة وأبا رافع ليأتوا بعياله وعيال أبي بكر فقدموا بهم أثر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم واسماء حامل متم أي مقرب قد دنا وضعها لولدها فلما ولدته كبر المسلمون تكبيرة عظيمة فرحا بمولده لأنه كان قد بلغهم عن اليهود أنهم سحروهم حتى لا يولد لهم بعد هجرتهم ولد فأكذب الله اليهود فيما زعموا
*2* فصل (بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة ) .
@ وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة في شوال من هذه السنة
قال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا سفيان عن اسماعيل بن أمية عن عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبنى بي في شوال فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أخطى عنده مني وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن سفيان الثوري به وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سفيان الثوري فعلى هذا يكون دخوله بها عليه السلام بعد الهجرة بسبعة اشهر أو ثمانية أشهر وقد حكى القولين ابن جرير وقد تقدم في تزويجه عليه السلام بسودة كيفية تزويجه ودخوله بعائشة بعد ما قدموا المدينة وان دخوله بها كان بالسنح نهارا وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم وفي دخوله عليه السلام بها في شوال ردا لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين خشية المفارقة بين الزوجين وهذا ليس بشيء لما قالته عائشة رادة على من توهمه من الناس في ذلك الوقت تزوجني في شوال وبنى بي في شوال أي دخل بي في شوال فاي نسائه كان أحظى عنده مني فدل هذا على أنها فهمت منه عليه السلام أنها أحب نسائه اليه وهذا الفهم منها صحيح لما دل على ذلك من الدلائل الواضحة ولو لم يكن إلا الحديث الثابت في صحيح البخاري عن عمرو ابن العاص قلت يا رسول الله أي الناس أحب اليك قال عائشة قلت من الرجال قال أبوها
*2* فصل ( الزيادة في صلاة الحضر في السنة الأولى من الهجرة ) .
@ قال ابن جرير وفي هذه السنة يعني السنة الاولى من الهجرة زيد في صلاة الحضر فيما قيل ركعتان وكانت صلاة الحضر والسفر ركعتين وذلك بعد مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر في ربيع الآخر لمضي ثنتي عشرة ليلة مضت وقال وزعم الواقدي انه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه
قلت قد تقدم الحديث الذي رواه البخاري من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت فرضت الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر وروى من طريق الشعبي عن مسروق عنها وقد حكى البيهقي عن الحسن البصري أن صلاة الحضر أول ما فرضت أربعا والله أعلم وقد تكلمنا على ذلك في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية
*2* فصل في الأذان ومشروعيته
@ قال ابن اسحاق فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة واجتمع اليه اخوانه من المهاجرين واجتمع كبائر الانصار استحكم أمر الاسلام فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام وتبوأ الاسلام بين أظهرهم وكان هذا الحي من الانصار هم الذين تبوؤا الدار والايمان
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها إنما يجتمع الناس اليه للصلاة لحين مواقيتها بغير دعوة فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل بوقا كبوق يهود الذي يدعون به لصلاتهم ثم كرهه ثم أمر بالناقوس فنحت ليضرب به المسلمين للصلاة فبينا هم على ذلك رأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه أخو بلحارث بن الخزرج النداء فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنه طاف بي هذه الليلة طائف مر بي رجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس فقال وما تصنع به قال قلت ندعو به إلى الصلاة قال ألا أدلك على خير من ذلك قلت وما هو قال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فلما أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فالقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك فلما أذن بها بلال سمعه عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلله الحمد قال ابن اسحاق فحدثني بهذا الحديث محمد بن ابراهيم بن الحارث عن محمد بن عبد الله بن زيد بن ثعلبة ابن عبد ربه عن أبيه وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق عن محمد بن اسحاق به وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما وعند أبي داود أنه علمه الاقامة قال ثم تقول إذا اقمت الصلاة الله أكبر الله أكبر اشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله وقد روى ابن ماجه هذا الحديث عن أبي عبيد محمد بن عبيد بن ميمون عن محمد بن سلمة الحراني عن ابن اسحاق كما تقدم ثم قال قال أبو عبيد وأخبرني أبو بكر الحكمي أن عبد الله بن زيد الانصاري قال في ذلك
الحمد لله ذي الجلال وذي الإ * كرام حمدا على الأذان كبيرا
إذ أتاني به البشير من الله * فأكرم به لدي بشيرا
في ليال والى بهن ثلاث * كلما جاء زادني توقيرا
قلت ك وهذا الشعر غريب وهو يقتضي أنه رأى ذلك ثلاث ليال حتى أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم ورواه الامام احمد من حديث محمد بن اسحاق قال وذكر الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن زيد به نحو رواية ابن اسحاق عن محمد بن ابراهيم التيمي ولم يذكر الشعر وقال ابن ماجه حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي ثنا أبي عن عبد الرحمن بن اسحاق عن الزهري عن
سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يهمهم من الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى فأرى النداء تلك الليل رجل من الانصار يقال له عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب فطرق الانصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن به قال الزهري وزاد بلال في نداء صلاة الغداة الصلاة خير من النوم مرتين فاقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر يا رسول الله رأيت مثل الذي رأى ولكنه سبقني وسيأتي تحرير هذا الفصل في باب الأذان من كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى وبه الثقة فاما الحديث الذي أورده السهيلي بسنده من طريق البزار حدثنا محمد بن عثمان بن مخلد ثنا أبي عن زياد بن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب فذكر حديث الاسراء وفيه فخرج ملك من وراء الحجاب فاذن بهذا الاذان وكلما قال كلمة صدقه الله تعالى ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم بأهل السماء وفيهم آدم ونوح ثم قال السهيلي واخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحا لما يعضده ويشاكله من حديث الاسراء فهذا الحديث ليس كما زعم السهيلي أنه صحيح بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب اليه الفرقة الجارودية وهو من المتهمين ثم لو كان هذا قد سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة والله أعلم
قال ابن هشام وذكر ابن جريج قال قال لي عطاء سمعت عبيد بن عمير يقول ائتمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة فبينا عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس إذ رأى عمر في المنام لا تجعلوا الناقوس بل أذنوا للصلاة فذهب عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بما رأى وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك فما راع عمر إلا بلال يؤذن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بذلك قد سبقك بذلك الوحي وهذا يدل على أنه قد جاء الوحي بتقرير ما رآه عبد الله بن زيد بن عبد ربه كما صرح به بعضهم والله تعالى أعلم
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن امرأة من بني النجار قالت كان بيتي من أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذن عليه للفجر كل غداة فيأتي بسحر فيجلس على البيت ينتظر الفجر فإذا رآه تمطى ثم قال اللهم احمدك واستعينك على قريش أن يقيموا دينك قالت ثم يؤذن قالت والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة يعنينى هذه الكلمات ورواه أبو داود من حديثه منفردا به
*2* فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه
@ قال ابن جرير وزعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره لحمزة بن عبد المطلب لواء أبيض في ثلاثين رجلا من المهاجرين ليعترض لعيرات قريش وأن حمزة لقي أبا جهل في ثلاثمائة رجل من قريش فحجز بينهم مجدي بن عمرو ولم يكن بينهم قتال قال وكان الذي يحمل لواء حمزة أبو مرثد الغنوي
*2* فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب
@ قال ابن جرير وزعم الواقدي أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد في هذه السنة على رأس ثمانية اشهر في شوال لعبيدة بن الحارث لواء أبيض وأمره بالمسير إلى بطن رابغ وكان لواؤه مع مسطح بن أثاثة فبلغ ثنية المرة وهي بناحية الجحفة في ستين من المهاجرين ليس فيهم أنصاري وأنهم التقوا هم والمشركون على ماء يقال له أحياء وكان بينهم الرمي دون المسابقة فقال الواقدي وكان المشركون مائتين عليهم أبو سفيان صخر بن حرب وهو المثبت عندنا وقيل كان عليهم مكرز بن حفص
*2* فصل (عقده عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار لواء أبيض ) .
@ قال الواقدي وفيها يعني في السنة الاولى في ذي القعدة عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص إلى الخرار لواء أبيض يحمله المقداد بن الاسود فحدثني أبو بكر بن اسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه قال خرجت في عشرين رجلا على اقدامنا أو قال أحد وعشرين رجلا فكنا نكمن النهار ونسير الليل حتى صحبنا الخرار صبح خامسة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلي أن لا أجاوز الخرار وكانت العير قد سبقتني قبل ذلك بيوم قال الواقدي كانت العير ستين وكان من مع سعد كلهم من المهاجرين قال أبو جعفر بن جرير رح وعند ابن اسحاق رح أن هذه السرايا الثلاث التي ذكرها الواقدي كلها في السنة الثانية من الهجرة من وقت التاريخ
قلت كلام ابن اسحاق ليس بصريح فيما قاله أبو جعفر رح لمن تأمله كما سنورده في أول كتاب المغازي في أول السنة الثانية من الهجرة وذلك تلوما نحن فيه إن شاء الله ويحتمل أن يكون مراده أنها وقعت هذه السرايا في السنة الاولى وسنزيدها بسطا وشرحا إذا انتهينا اليها إن شاء الله تعالى والواقدي رح عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالبا فانه من أئمة هذا الشأن الكبار
وهو صدوق في نفسه مكثار كما بسطنا القول في عدالته وجرحه في كتابنا الموسوم بالتكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل ولله الحمد والمنة
*2* فصل (ميلا د عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الاسلام ) .
@ وممن ولد في هذه السنة المباركة وهي الاولى من الهجرة عبد الله بن الزبير فكان أول مولود ولد في الاسلام بعد الهجرة كما رواه البخاري عن أمه أسماء وخالته عائشة أم المؤمنين ابنتي الصديق رضي الله عنهما ومن الناس من يقول ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر فعلى هذا يكون ابن الزبير أول مولود ولد بعد الهجرة من المهاجرين ومن الناس من يقول إنهما ولدا في السنة الثانية من الهجرة والظاهر الاول كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة وسنشير في آخر السنة الثانية إلى القول الثاني إن شاء الله تعالى
قال ابن جرير وقد قيل إن المختار بن أبي عبيد وزياد بن سمية ولدا في هذه السنة الاولى فالله أعلم وممن توفي في هذه السنة الاولى من الصحابة كلثوم بن الهدم الاوسي الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسكنه بقباء إلى حين ارتحل منها إلى دار بني النجار كما تقدم وبعده فيها أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبني المسجد كما تقدم رضي الله عنهما وأرضاهما
قال ابن جرير وفي هذه السنة يعني الاولى من الهجرة مات أبو أحيحة بماله بالطائف ومات الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل السهمي فيها بمكة
قلت وهؤلاء ماتوا على شركهم لم يسلموا لله عز وجل
بسم الله الرحمن الرحيم
*2* ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة
@
وقع فيها كثير من المغازي والسرايا ومن أعظمها وأجلها بدر الكبرى التي كانت في رمضان منها وقد فرق الله بها بين الحق والباطل والهدى والغي وهذا أوان ذكر المغازي والبعوث فنقول وبالله المستعان
*2* كتاب المغازي
@
قال الامام محمد بن اسحاق بن يسار في كتاب السيرة بعد ذكر أحبار اليهود ونصبهم العداوة للاسلام وأهله وما نزل فيهم من الآيات فمنهم حيي بن اخطب وأخواه أبو ياسر وجدي وسلام بن مشكم وكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق وسلام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع الاعور تاجر أهل الحجاز وهو الذي قتله الصحابة بارض خيبر كما سيأتي والربيع بن الربيع بن ابي الحقيق وعمرو ابن جحاش وكعب بن الاشرف وهو من طيء ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير وقد قتله الصحابة قبل أبى رافع كما سياتى وحليفاه الحجاج بن عمرو وكردم بن قيس لعنهم الله فهؤلاء من بنى النضير ومن بني ثعلبة بن الفطيون عبد الله بن صوريا ولم يكن بالحجاز بعد أعلم بالتوراة منه
قلت وقد قيل أنه أسلم وابن صلوبا ومخيريق وقد اسلما يوم احد كما سيأتي وكان حبر قومه ومن بني قينقاع زيد بن اللصيت وسعد بن حنيف ومحمود بن شيخان وعزيز بن أبي عزيز وعبد الله بن ضيف وسويد بن الحارث ورفاعة بن قيس وفنحاص وأشيع ونعمان بن أضا وبحرى بن عمرو وشاش بن عدي وشاش بن قيس وزيد بن الحارث ونعمان بن عمير وسكين بن أبي سكين وعدي بن زيد ونعمان بن أبي أوفى أبو انس ومحمود بن دحية ومالك ابن صيف وكعب بن راشد وعازر ورافع بن ابي رافع وخالد وازار بن أبي ازار قال ابن هشام ويقال آزر بن أبي آزر ورافع بن حارثة ورافع بن حريملة ورافع بن خارجة ومالك بن عوف ورفاعة بن زيد بن التابوت وعبد الله بن سلام
قلت وقد تقدم اسلامه رضي الله عنه قال ابن اسحاق وكان حبرهم وأعلمهم وكان اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله قال ابن اسحاق ومن بني قريظة الزبير بن باطا ابن وهب وعزال بن شموال وكعب بن أسد وهو صاحب عقدهم الذي نقضوه عام الأحزاب وشمويل بن زيد وجبل بن عمرو بن سكينة والنحام بن زيد وكردم بن كعب ووهب بن زيد ونافع بن ابي نافع وعدي بن زيد والحارث بن عوف وكردم بن زيد وأسامة بن حبيب ورافع بن زميلة وجبل بن أبي قشير ووهب بن يهوذا قال ومن بني زريق لبيد بن اعصم وهو الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يهود بني حارثة كنانة بن صوريا ومن يهود بني عمرو بن عوف قردم بن عمرو ومن يهود بني النجار سلسلة بن برهام
قال ابن اسحاق فهؤلاء أحبار اليهود وأهل الشرور والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأصحاب المسألة الذين يكثرون الاسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التعنت والعناد والكفر قال وأصحاب النصب لأمر الاسلام ليطفئوه إلا ما كان من عبد الله بن سلام ومخيريق ثم ذكر اسلام عبد الله بن سلام واسلام عمته خالدة كما قدمناه وذكر اسلام مخيريق يوم أحد كما سيأتي وأنه قال لقومه وكان يوم السبت يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق قالوا إن اليوم يوم السبت قال لا سبت لكم ثم أخذ سلاحه وخرج إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد يرى فيها ما أراه الله وكان كثير الاموال ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما بلغني مخيريق خير يهود
*2* فصل ( كفر بعض المنافقين من الأوس والخزرج بعد إسلامهم ) .
@ ثم ذكر ابن اسحاق من مال إلى هؤلاء الاضداد من اليهود من المنافقين من الأوس والخزرج فمن الاوس زوي بن الحارث وجلاس بن سويد بن الصامت الانصاري وفيه نزل يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم وذلك أنه قال حين تخلف عن غزوة تبوك لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمر فنماها ابن امرأته عمير بن سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكر الجلاس ذلك وحلف ما قال فنزل فيه ذلك قال وقد زعموا أنه تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الاسلام والخير قال وأخوه الحارث بن سويد وهو الذي قتل المجذر بن ذياد البلوي وقيس ابن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد خرج مع المسلمين وكان منافقا فلما التقى الناس عدا عليهما فقتلهما ثم لحق بقريش
قال ابن هشام وكان المجذر قد قتل اباه سويد بن الصامت في بعض حروب الجاهلية فاخذ بثأر أبيه منه يوم أحد كذا قال ابن هشام وقد ذكر ابن اسحاق أن الذي قتل سويد بن الصامت إنما هو معاذ بن عفراء قتله في غير حرب قل يوم بعاث رماه بسهم فقتله وأنكر ابن هشام أن يكون الحارث قتل قيس بن زيد قال لأن ابن اسحاق لم يذكره في قتلى أحد
قال ابن اسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عمر بن الخطاب بقتله ان هو ظفر به فبعث الحارث إلى أخيه الجلاس يطلب له التوبة ليرجع إلى قومه فانزل الله فيما بلغني عن ابن عباس كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ايمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين إلى آخر القصة قال وبجاد بن عثمان بن عامر ونبتل بن الحارث وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أن ينظر إلى شيطان فلينظر إلى هذا وكان جسيما أدلم ثائر شعر الرأس أحمر العينين أسفع الخدين وكان يسمع الكلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينقله إلى المنافقين وهو الذي قال إنما محمد أذن من حدثه بشيء صدقه فانزل الله فيه ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن الآية قال وأبو حبيبة بن الازعر وكان ممن بنى مسجد الضرار وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما اللذان عاهدا الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ثم نكثا فنزل فيهما ذلك ومعتب هو الذي قال يوم أحد لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فنزل وفيه الآية وهو الذي قال يوم الاحزاب كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر واحدنا لا يؤمن أن يذهب إلى الغائط فنزل فيه واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا
قال ابن اسحاق والحارث بن حاطب قال ابن هشام ومعتب بن قشير وثعلبة والحارث ابنا حاطب وهما من بني أمية بن زيد من أهل بدر وليسوا من المنافقين فيما ذكر لي من اثق به من أهل العلم قال وقد ذكر ابن اسحاق ثعلبة والحارث في بني أمية بن زيد في اسماء أهل بدر
قال ابن اسحاق وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وبخرج وكان ممن بني مسجد الضرار وعمرو بن حرام وعبد الله بن نبتل وجارية بن عامر بن العطاف وابناه يزيد ومجمع ابنا جارية وهم ممن اتخذ مسجد الضرار وكان مجمع غلاما حدثا قد جمع أكثر القرآن و كان يصلي بهم فيه فلما خرب مسجد الضرار كما سيأتي بيانه بعد غزوة تبوك وكان في أيام عمر سأل أهل قباء
عمر أن يصلي بهم مجمع فقال لا والله أو ليس أمام المنافقين في مسجد الضرار فحلف بالله ما علمت بشيء من أمرهم فزعموا أن عمر تركه فصلى بهم قال ووديعة بن ثابت وكان ممن بنى مسجد الضرار وهو الذي قال إنما كنا نخوض ونلعب فنزل فيه ذلك قال وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره قال ابن هشام مستدركا على ابن اسحاق في منافقي بني النبيت من الاوس وبشر ورافع ابنا زيد قال ابن اسحاق ومربع بن قيظي وكان أعمى وهو الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أجاز في حائطه وهو ذاهب إلى أحد لا أحل لك إن كنت نبيا أن تمر في حائطي وأخذ في يده حفنة من تراب ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك لرميتك بها فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر وقد ضربه سعد ابن زيد الاشهلي بالقوس فشجه قال وأخوه أوس ين قيظي وهو الذي قال إن بيوتنا عورة قال الله وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا قال وحاطب بن أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسا في جاهليته وكان له ابن من خيار المسلمين يقال له يزيد بن حاطب أصيب يوم أحد حتى أثبتته الجراحات فحمل إلى دار بنى ظفر فحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة أنه اجمع اليه من بها من رجال المسلمين ونسائهم وهو يموت فجعلوا يقولون ابشر بالجنة يا ابن حاطب قال فنجم نفاق أبيه فجعل يقول أجل جنة من حرمل غررتم والله هذا المسكين من نفسه قال وبشير بن أبيرق أبو طعمة سارق الدرعين الذي أنزل الله فيه ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم الآيات قال وقزمان حليف لبني ظفر الذي قتل يوم أحد سبعة أنفر ثم لما آلمته جراحه قتل نفسه وقال والله ما قاتلت إلا حمية على قومي ثم مات لعنه الله قال ابن اسحاق لم يكن في بني عبد الاشهل منافق ولا منافقة يعلم إلا أن الضحاك بن ثابت كان يتهم بالنفاق وحب يهود فهؤلاء كلهم من الاوس قال ابن اسحاق ومن الخزرج رافع بن وديعة وزيد بن عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو ابن سهل والجد بن قيس وهو الذي قال ائذن لي ولا تفتني وعبد الله بن ابي بن سلول وكان رأس المنافقين ورئيس الخزرج والاوس أيضا كانوا قد أجمعوا على أن يملكوه عليهم في الجاهلية فلما هداهم الله للاسلام قبل ذلك شرق اللعين بريقه وغاظه ذلك جدا وهو الذى قال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل وقد نزلت فيه آيات كثيرة جدا وفيه وفي وديعة رجل من بني عوف ومالك بن ابي قوقل وسويد وداعس وهم من رهطه نزل قوله تعالى لئن أخرجوا لا يخرجون معهم الآيات حين مالوا في الباطن إلى بني النضير
*2* فصل (إسلام بعض أحبار اليهود على سبيل التقية ) .
@ ثم ذكر ابن اسحاق من أسلم من أحبار اليهود على سبيل التقية فكانوا كفارا في الباطن فاتبعهم بصنف المنافقين وهم من شرهم سعد بن حنيف وزيد بن اللصيت وهو الذي قال حين ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها فهي في هذا الشعب قد حبستها شجرة بزمامها فذهب رجال من المسلمين فوجدوها كذلك قال ونعمان بن أوفى وعثمان بن أوفى ورافع بن حريملة وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مات فيما بلغنا قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ورفاعة بن زيد بن التابوت وهو الذي هبت الريح الشديدة يوم موته عند مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك فقال إنها هبت لموت عظيم من عظماء الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة قد مات في ذلك اليوم وسلسلة بن برهام وكنانة بن صوريا فهؤلاء ممن أسلم من منافقي اليهود قال فكان هؤلاء المنافقون يحضرون المسجد ويسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون ويستهزئون بدينهم فاجتمع في المسجد يوما منهم أناس فرآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون بينهم خافضي أصواتهم قد لصق بعضهم إلى بعض فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجوا من المسجد اخراجا عنيفا فقام أبو أيوب إلى عمرو بن قيس أحد بني النجار وكان صاحب آلهتهم في الجاهلية فاخذ برجله فسحبه حتى أخرجه وهو يقول لعنه الله أتخرجني يا أبا أيوب من مربد بني ثعلبة ثم أقبل أبو أيوب إلى رافع بن وديعة النجاري فلببه بردائه ثم نتره نترا شديدا ولطم وجهه فاخرجه من المسجد وهو يقول أف لك منافقا خبيثا وقام عمارة بن حزم إلى زيد بن عمرو وكان طويل اللحية فاخذ بلحيته وقاده بها قودا عنيفا حتى أخرجه من المسجد ثم جمع عمارة يديه جميعا فلدمه بهما لدمة في صدره خر منها قال يقول خدشتني يا عمارة فقال عمارة ابعدك الله يا منافق فما أعد الله لك من العذاب أشد من ذلك فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أبو محمد مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم بن زيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار وكان بدريا إلى قيس بن عمرو بن سهل وكان شابا وليس في المنافقين شاب سواه فجعل يدفع قفاه حتى أخرجه وقام رجل من بني خدرة إلى رجل يقال له الحارث بن عمرو وكان ذا جمة فاخذ بجمته فسحبه بها سحبا عنيفا على ما مر به من الارض حتى أخرجه فجعل يقول المنافق قد أغلظت يا أبا الحارث فقال إنك اهل لذلك أي عدو الله
لما أنزل فيك فلا تقربن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانك نجس وقام رجل من بني عمرو بن عوف إلى أخيه زوي بن الحارث فاخرجه اخراجا عنيفا وأفف منه وقال غلب عليك الشيطان وأمره ثم ذكر ابن اسحاق ما نزل فيهم من الآيات من سورة البقرة ومن سورة التوبة وتكلم على تفسير ذلك فأجاد وأفاد رحمه الله
*2* أول المغازي وهي غزوة الابواء أو غزوة ودان
@
وهو بعث حمزة بن عبد المطلب أبو عبيدة بن الحارث كما سيأتي في المغازي قال البخاري كتاب المغازي قال ابن اسحاق أول ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الابواء ثم بواط ثم العشيرة ثم روى عن زيد بن أرقم أنه سئل كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تسع عشرة شهد منها سبع عشرة أولهن العسيرة أو العشيرة وسيأتي الحديث باسناده ولفظه والكلام عليه عند غزوة العشيرة إن شاء الله وبه الثقة وفي صحيح البخاري عن بريدة قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة ولمسلم عنه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة وفي رواية له عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وقاتل في ثماني منهن وقال الحسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا سبع عشرة غزوة وقاتل في ثمان يوم بدر وأحد والاحزاب والمريسيع وقديد وخيبر ومكة وحنين وبعث أربعا وعشرين سرية وقال يعقوب بن سفيان حدثنا محمد بن عثمان الدمشقي التنوخي ثنا الهيثم بن حميد أخبرني النعمان عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثمانية عشر غزوة قاتل في ثمان غزوات أولهن بدر ثم أحد ثم الاحزاب ثم قريظة ثم بئر معونة ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ثم غزوة خيبر ثم غزوة مكة ثم حنين والطائف قوله بئر معونة بعد قريظة فيه نظر والصحيح أنها بعد أحد كما سيأتي قال يعقوب حدثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري سمعت سعيد بن المسيب يقول غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة وسمعته مرة أخرى يقول أربعا وعشرين فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك وقد روى الطبراني عن الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين غزوة وقال عبد الرحمن بن حميد في مسنده حدثنا سعيد بن سلام ثنا زكريا ابن اسحاق حدثنا أبو الزبير عن جابر قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين غزوة وقد روى الحاكم من طريق هشام عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين
ثم قال الحاكم لعله أراد السرايا دون الغزوات فقد ذكرت في الاكليل على الترتيب بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة قال وأخبرني الثقة من أصحابنا ببخارى أنه قرأ في كتاب أبي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب نيفا وسبعين وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا وحمله كلام قتادة على ما قال فيه نظر وقد روى الامام احمد عن أزهر بن القاسم الراسبى عن هشام الدستوائى عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث واربعون أربع وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة خرج في ثمان منها بنفسه بدر وأحد والاحزاب والمريسيع وخيبر وفتح مكة وحنين وقال موسى بن عقبة عن الزهري هذه مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قاتل فيها يوم بدر في رمضان سنة ثنتين ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث ثم قاتل يوم الخندق وهو يوم الاحزاب وبني قريظة في شوال من سنة أربع ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس ثم قاتل يوم خيبر سنة ست ثم قاتل يوم الفتح في رمضان سنة ثمان ثم قاتل يوم حنين وحاصر أهل الطائف في شوال سنة ثمان ثم حج أبو بكر سنة تسع ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع سنة عشر وغزا اثنتي عشرة غزوة ولم يكن فيها قتال وكانت أول غزاة غزاها الابواء وقال حنبل بن هلال عن اسحاق بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقي عن مطرف بن مازن اليماني عن معمر عن الزهري قال أول آية نزلت في القتال أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا الآية بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فكان أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر يوم الجمعة لسبع عشرة من رمضان إلى أن قال ثم غزا بني النضير ثم غزا أحدا في شوال يعني من سنة ثلاث ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع ثم قاتل بني لحيان في شعبان سنة خمس ثم قاتل يوم خيبر سنة ست ثم قاتل يوم الفتح في شعبان سنة ثمان وكانت حنين في رمضان سنة ثمان وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة غزوة لم يقاتل فيها فكانت أول غزوة غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الابواء ثم العشيرة ثم غزوة غطفان ثم غزوة بني سليم ثم غزوة الابواء ثم غزوة بدر الاولى ثم غزوة الطائف ثم غزوة الحديبية ثم غزوة الصفراء ثم غزوة تبوك آخر غزوة ثم ذكر البعوث هكذا كتبته من تاريخ الحافظ ابن عساكر وهو غريب جدا والصواب ما سنذكره فيما بعد إن شاء الله مرتبا وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له كما رواه محمد بن عمر الواقدي عن عبد الله بن عمر بن علي عن أبيه سمعت علي بن الحسين يقول كنا نعلم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن قال الواقدي وسمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت عمي الزهري يقول في علم المغازي علم الآخرة والدنيا وقال محمد بن اسحاق رح في
المغازي بعد ذكره ما تقدم مما سقناه عنه من تعيين رؤس الكفر من اليهود والمنافقين لعنهم الله أجمعين وجمعهم في أسفل سافلين ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهيأ لحربه وقام فيما أمره الله به من جهاد عدوه وقتال من أمره به ممن يليه من المشركين قال وقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل لثنتي عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ابن ثلاث وخمسين سنة وذلك بعد أن بعثه الله بثلاث عشرة سنة فاقام بقية شهر ربيع الاول وشهر ربيع الآخر وجمادين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا وذا القعدة وذا الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة قال ابن هشام واستعمل على المدينة سعد بن عبادة قال ابن اسحاق حتى بلغ ودان وهي غزوة الابواء قال ابن جرير ويقال لها غزوة ودان أيضا يريد قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري وكان سيدهم في زمانه ذلك ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا فاقام بها بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الاول قال ابن هشام وهي أول غزوة غزاها عليه السلام قال الواقدي وكان لواؤه مع عمه حمزة وكان أبيض قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك بالمدينة عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد فسار حتى بلغ ماء بالحجاز باسفل ثنية المرة فلقي بها جمعا عظيما من قريش فلم يكن بينهم قتال إلا أن سعد بن ابي وقاص قد رمى يومئذ بسهم فكان أول سهم رمي به في سبيل الله في الاسلام ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل بن عبد مناف وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار قال ابن اسحاق وكان على المشركين يومئذ عكرمة بن أبي جهل وروى ابن هشام عن أبي عمرو بن العلاء عن أبي عمرو المدني أنه قال كان عليهم مكرز بن حفص


يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 12:05 AM
قلت وقد تقدم عن حكاية الواقدي قولان أحدهما أنه مكرز والثاني أنه أبو سفيان صخر بن حرب وأنه رجح أنه أبو سفيان فالله أعلم ثم ذكر ابن اسحاق القصيدة المنسوبة إلى أبي بكر الصديق في هذه السرية التي أولها
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث * أرقت وأمر في العشيرة حادث
ترى من لؤي فرقة لا يصدها * عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا * عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا * وهروا هرير المحجرات اللواهث
القصيدة إلى آخرها وذكر جواب عبد الله بن الزبعري في مناقضتها التي أولها
أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث * بكيت بعين دمعها غير لابث
ومن عجب الأيام والدهر كله * له عجب من سابقات وحادث
لجيش أتانا ذي عرام يقوده * عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث
لنترك اصناما بمكة عكفا * مواريث موروث كريم لوارث
وذكر تمام القصيدة وما منعنا من ايرادها بتمامها إلا أن الامام عبد الملك بن هشام رح وكان إماما في اللغة ذكر أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين قال ابن اسحاق وقال سعد بن ابي وقاص في رميته تلك فيما يذكرون
ألا هل أتى رسول الله أني * حميت صحابتي بصدور نبلي
أذود بها أوائلهم ذيادا * بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام في عدو * بسهم يا رسول الله قبلي
وذلك أن دينك دين صدق * وذو حق أتيت به وفضل
ينجى المؤمنون به ويخزى * به الكفار عند مقام مهل
فمهلا قد غويت فلا تعبني * غوي الحي ويحك يا ابن جهل
قال ابن هشام وأكثر اهل العلم بالشعر ينكرها لسعد قال ابن اسحاق فكانت راية عبيدة فيما بلغنا أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام لاحد من المسلمين وقد خالفه الزهري وموسى عقبة والواقدي فذهبوا إلى أن بعث حمزة قبل بعث عبيدة بن الحارث والله أعلم وسيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص أن أول امراء السرايا عبد الله بن جحش الاسدي
قال ابن اسحاق وبعض العلماء يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه حين أقبل من غزوة الابواء قبل أن يصل إلى المدينة وهكذا حكى موسى بن عقبة عن الزهري
*2* فصل (بعث رسول الله حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر ) .
@ قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد فلقي أبا جهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاثمائة راكب من أهل مكة فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان موادعا للفريقين جميعا فانصرف بعض القوم عن بعض ولم يكن بينهم قتال
قال ابن اسحاق وبعض الناس يقول كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحد من المسلمين وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس
قلت وقد حكى موسى بن عقبة عن الزهري أن بعث حمزة قبل عبيدة بن الحارث ونص على أن بعث حمزة كان قبل غزوة الابواء فلما قفل عليه السلام من الابواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين وذكر نحو ما تقدم وقد تقدم عن الواقدي أنه قال كانت سرية حمزة في رمضان من السنة الاولى وبعدها سرية عبيدة في شوال منها والله أعلم وقد أورد ابن اسحاق عن حمزة رضي الله عنه شعرا يدل على أن رايته أول راية عقدت في الاسلام لكن قال ابن اسحاق فان كان حمزة قال ذلك فهو كما قال لم يكن يقول إلا حقا والله أعلم أي ذلك كان فاما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول والقصيدة هي قوله
ألا يالقومي للتحلم والجهل * وللنقض وللنقض من رأي الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ * لهم حرمات من سوام ولا أهل
كأنا بتلناهم ولا بتل عندنا * لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل
وأمر باسلام فلا يقبلونه * وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت لغارة * لهم حيث حلوا أبتغي راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق * عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذي كرامة * إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا * مراجله من غيظ أصحابه تغلي
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا * مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الآله نصيرنا * وما لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا * فخاب ورد الله كيد أبي جهل
وما نحن إلا في ثلاثين راكبا * وهم مائتان بعد واحدة فضل
فيال لؤي لا تطيعوا غواتكم * وفبؤا إلى الاسلام والمنهج السهل
فاني أخاف أن يصب عليكم * عذاب فتدعوا بالندامة والثكل
قال فأجابه أبو جهل بن هشام لعنه الله فقال
عجبت لاسباب الحنيظة والجهل * وللشاغبين بالخلاف وبالبطل
وللتاركين ما وجدنا جدودنا * عليه ذوي الاحساب والسؤدد الجرل
ثم ذكر تمامها قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة رضي الله عنه ولابي جهل لعنه الله
*2* غزوة بواط من ناحية رضوى
@
قال ابن اسحاق ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول يعني من السنة الثانية يريد قريشا قال ابن هشام واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون وقال الواقدي استخلف عليها سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائتي راكب وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص وكان مقصده أن يعترض لعير قريش وكان فيه أمية بن خلف ومائة رجل والفان وخمسمائة بعير
قال ابن اسحاق حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فلبث بها بقية شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الاولى
*2* غزوة العشيرة
@
قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الاسد قال الواقدي وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب قال وخرج عليه السلام يتعرض لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام
قال ابن اسحاق فسلك على نقب بني دينار ثم على فيناء الخيار فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر يقال لها ذات الساق فصلى عندها فثم مسجده فصنع له عندها طعام فاكل منه وأكل الناس معه فرسوم أثافي البرمة معلوم هناك واستسقى له من ماء يقال له المشيرب ثم ارتحل فنزك الخلائق بيسار وسلك شعبة عبد الله ثم صب للشاد حتى هبط ملل فنزل بمجتمعه ومجتمع الضبوعة ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بصخيرات اليمام ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع فاقام بها جمادى الاولى وليال من جمادى الآخرة ووادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من
بني ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا وقد قال البخاري حدثنا عبد الله ثنا وهب ثنا شعبة عن أبي اسحاق قال كنت إلى جنب زيد بن ارقم فقيل له كم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة قال تسع عشرة قلت كم غزوة أنت معه قال سبع عشرة غزوة قلت فايهن كان أول قال العشير أو العسير فذكرت لقتادة فقال العشير وهذا الحديث ظاهر في أن أول الغزوات العشيرة ويقال بالسين وبهما مع حذف التاء وبهما مع المد اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن أرقم العشيرة وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن اسحاق وبين هذا الحديث والله أعلم
قال محمد بن اسحاق ويومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ما قال فحدثني يزيد بن محمد بن خيثم عن محمد بن كعب القرظي حدثني أبو يزيد محمد بن خيثم عن عمار بن ياسر قال كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة من بطن ينبع فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بها شهرا فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة فوادعهم فقال لي علي بن أبي طالب هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون فاتيناهم فنظرنا اليهم ساعة فغشينا النوم فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الارض فنمنا فيه فوالله ما أهبنا إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يحركنا بقدمه فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يا أبا تراب لما عليه من التراب فاخبرناه بما كان من أمرنا فقال ألا أخبركم باشقى الناس رجلين قلنا بلى يا رسول الله فقال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضر بك يا علي على هذه ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسه حتى تبل منها هذه ووضع يده على لحيته وهذا حديث غريب من هذا الوجه له شاهد من وجه آخر في تسمية علي أبا تراب كما في صحيح البخاري أن عليا خرج مغاضبا فاطمة فجاء المسجد فنام فيه فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه فقالت خرج مغاضبا فجاء إلى المسجد فايقظه وجعل يمسح التراب عنه ويقول قم أبا تراب قم أبا تراب
*2* غزوة بدر الاولى
@
قال ابن اسحاق ثم لم يقم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليال قلائل لا تبلغ العشرة حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان من ناحية بدر وهي غزوة بدر الاولى وفاته كرز فلم يدركه وقال الواقدي وكان لواؤه مع علي بن أبي طالب قال ابن هشام والواقدي وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة
قال ابن اسحاق فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقام جمادى ورجبا وشعبان وقد كان بعث بين يدي ذلك سعدا في ثمانية رهط من المهاجرين فخرج حتى بلغ الخرار من أرض الحجاز قال ابن هشام ذكر بعض أهل العلم أن بعث سعد هذا كان بعد حمزة ثم رجع ولم يلق كيدا هكذا ذكره ابن اسحاق مختصرا وقد تقدم ذكر الواقدي لهذه البعوث الثلاثة أعني بعث حمزة في رمضان وبعث عبيدة في شوال وبعث سعد في ذي القعدة كلها في السنة الاولى
وقد قال الامام احمد حدثني عبد المتعال بن عبد الوهاب حدثني يحيى بن سعيد وقال عبد الله بن الامام احمد وحدثني سعيد بن يحيى بن سعيد الاموي حدثنا أبي ثنا المجالد عن زياد ابن علاقة عن سعد بن أي وقاص قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا إنك قد نزلت بين أظهرنا فاوثق حتى نأتيك وقومنا فاوثق لهم فاسلموا قال فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ولا نكون مائة وأمرنا أن نغير على حي من بني كنانة إلى جنب جهينة فاغرنا عليهم وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا لم تقاتلون في الشهر الحرام فقال بعضنا لبعض ما ترون فقال بعضنا نأتي نبي الله فنخبره وقال قوم لا بل نقيم ههنا وقلت أنا في أناس معي لا بل نأتي عير قريش فنقتطعها وكان الفيء إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبروه الخبر فقام غضبان محمر الوجه فقال أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله بن جحش الاسدي فكان أول أمير في الاسلام وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث يحيى بن ابي زائدة عن مجالد به نجوه وزاد بعد قولهم لاصحابه ملمتقاتلون في الشهر الحرام فقالوا نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام ثم رواه من حديث أبي أسامة عن مجالد عن زياد بن علاقة عن قطبة بن مالك عن سعد بن ابي وقاص فذكر نحوه فادخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك وهذا أنسب والله أعلم وهذا الحديث يقتضي أن أول السرايا عبد الله بن جحش الاسدي وهو خلاف ما ذكره ابن اسحاق أن أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب وللواقدي حديث زعم أن أول الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب والله أعلم
*2* باب سرية عبد الله بن جحش
@
التي كان سببها لغزوة بدر العظمى وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير
قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش بن رئاب الاسدي في رجب
مقفله من بدر الاولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الانصار أحد وهم أبو حذيفة بن عتبة وعكاشة بن محصن بن حرثان حليف بني أسد بن خزيمة وعتبة بن غزوان حليف بني نوفل وسعد بن أبي وقاص الزهري وعامر بن ربيعة الوائلي حليف بني عدي وواقد بن عبد الله ابن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التميمي حليف بني عدي أيضا وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف بني عدي أيضا وسهل بن بيضاء الفهري فهؤلاء سبعة ثامنهم أميرهم عبد الله بن جحش رضي الله عنه وقال يونس عن ابن اسحاق كانوا ثمانية وأميرهم التاسع فالله أعلم

ألا هل أتى رسول الله أني * حميت صحابتي بصدور نبلي
قال ابن اسحاق وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا فلما سار بهم يومين فتح الكتاب فاذا فيه إذا نظرت في كتابي فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة وأخبر أصحابه بما في الكتاب وقال قد نهاني أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فاما أنا فماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن ابي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل نخلة فمرت عير قريش فيها عمرو بن الحضرمي قال ابن هشام واسم الحضرمي عبد الله بن عباد الصدف وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وأخوه نوفل والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فاشرف لهم عكاشة بن محصن وكان قد حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقال عمار لا بأس عليكم منهم وتشاور الصحابة فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد ابن عبد الله التميمي عمر بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فاعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لاصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما غنمتا الخمس فعزله وقسم الباقي بين أصحابه وذلك قبل أن ينزل الخمس قال لما نزلنا الخمس نزل كما قسمه عبد الله بن جحش كما قاله ابن اسحاق فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والاسيرين وأني أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم أخوانهم من
المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تفائل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد بن عبد الله وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام واخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم والفتنة أكبر من القتل أي قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين ولهذا قال الله تعالى ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا الآية
قال ابن اسحاق فلما نزل القرآن بهذا الأمر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والاسيرين وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعني سعد بن ابي وقاص وعتبة بن غزوان فانا نخشاكم عليهما فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ان فافداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاما الحكم بن كيسان فاسلم وفحسن اسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا قال ابن اسحاق فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين فانزل الله فيهم إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم فوصفهم الله من ذلك على أعظم الرجاء
قال ابن اسحاق والحديث في ذلك عن الزهري ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وهكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وكذا روى شعيب عن الزهري عن عروة نحوا من هذا وفيه وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين وقال عبد الملك بن هشام هو أول قتيل قتله المسلمون وهذه أول غنيمة غنمها المسلمون وعثمان والحكم بن كيسان أول من اسره المسلمون
قلت وقد تقدم فيما رواه الامام احمد عن سعد بن أبي وقاص أنه قال فكان عبد الله بن جحش أول أمير في الاسلام وقد ذكرنا في التفسير لما أورده ابن اسحاق شواهد مسندة فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن ابي بكر المقدمي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدثني الحضرمي عن أبي السوار عن جندب بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رهطا وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة بن الحارث فلما ذهب بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش وكتب له كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا وقال لا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك فلما قرأ الكتاب استرجع وقال سمعا وطاعة لله ولرسوله فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب فرجع منهم رجلان وبقي بقيتهم فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو جمادى فقال المشركون للمسلمين قتلتم في الشهر الحرام فانزل الله يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير الآية وقال اسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وسهل بن بيضاء وعامر بن فهيرة وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب وكتب لابن جحش كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فاذا فيه أن سر حتى تنزل بطم نخلة فقال لأصحابه من كان يريد الموت فليمض وليوص فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وتخلف عنه سعد وعتبة أضلا راحلة لهما فاقاما يطلبانها وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة فذكر قتل واقد لعمرو بن الحضرمي ورجعوا بالغنيمة والاسيرين فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون وقال المشركون إن محمدا يزعم أنه يتبع طاعة الله وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب وقال المسلمون إنما قتلناه في جمادى قال السدي وكان قتلهم له أول ليلة من رجب وآخر ليلة من جمادى الآخرة
قلت لعل جمادى كان ناقصا فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين وقد كان الهلال رؤى تلك الليلة فالله أعلم وهكذا روى تلك الليلة فالله أعلم وهكذا روى العوفي عن ابن عباس أن ذلك كان في آخر ليلة من جمادى وكانت أول ليلة من رجب ولم يشعروا وكذا تقدم في حديث جندب الذى رواه ابن أبى حاتم وقد تقدم في سياق ابن اسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب وخافوا إن لم يتداركوا هذه الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة دخل أولئك في الحرم فيتعذر عليهم ذلك فاقدموا عليهم عالمين بذلك وكذا قال الزهري
عن عروة رواه البيهقي فالله أعلم أي ذلك كان قال الزهري عن عروة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمي وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه حتى أنزل الله براءة رواه البيهقي
قال ابن اسحاق فقال أبو بكر الصديق في غزوة عبد الله بن جحش جوابا للمشركين فيما قالوا من احلال الشهر الحرام قال ابن هشام هي لعبد الله بن جحش
تعدون قتلا في الحرام عظيمة * وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد * وكفر به والله راء وشاهد
واخراجكم من مسجد الله أهله * لئلا يرى لله في البيت ساجد
فانا وإن عيرتمونا بقتله * وأرجف بالاسلام باغ وحاسد
سقينا من ابن الحضرمي رماحنا * بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دما وابن عبد الله عثمان بيننا * ينازعه غل من القيد عاند
*2* فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر
@ وقال بعضهم كان ذلك في رجب من سنة ثنتين وبه قال قتادة وزيد بن اسلم وهو رواية عن محمد بن اسحاق وقد روى احمد عن ابن عباس ما يدل على ذلك وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي والله أعلم وقيل في شعبان منها قال ابن اسحاق بعد غزوة عبد الله بن جحش ويقال صرفت القبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وحكى هذا القول ابن جرير من طريق السدي فسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال الجمهور الاعظم إنما صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة ثم حكى عن محمد بن سعد عن الواقدي أنها حولت يوم الثلاثاء النصف من شعبان وفي هذا التحديد نظر والله أعلم وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في التفسير عند قوله تعالى قد ترى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وأن الذين أورثوا الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما تعملون وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء اليهود والمنافقين والجهلة الطغام على ذلك لانه أول نسخ وقع في الاسلام هذا وقد أحال الله قبل ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النسخ عند قوله ما ننسخ من آية أو ننسأها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير وقد قال البخاري حدثنا أبو نعيم
سمع زهيرا عن أبي اسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت وأنه صلى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم فانزل الله وما كان الله ليضيع ايمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم رواه مسلم من وجه آخر وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا الحسن بن عطية حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة فانزل الله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام قال فوجه نحو الكعبة وقال السفهاء من الناس وهم اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فانزل الله قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وحاصل الامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه كما رواه الامام احمد عن ابن عباس رضي الله عنه فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما فصلى إلى بيت المقدس أول مقدمه المدينة واستدبر الكعبة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا وهذا يقتضي أن يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية والله أعلم وكان عليه السلام يحب أن يصرف قبلته نحو الكعبة قبلة ابراهيم وكان يكثر الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله عز وجل فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلا ذلك فانزل الله عز وجل قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية فلما نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين وأعلمهم بذلك كما رواه النسائي عن أبي سعيد بن المعلى وأن ذلك كان وقت الظهر وقال بعض الناس نزل تحويلها بين الصلاتين قاله مجاهد وغيره ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين عن البراء أن أول صلاة صلاها عليه السلام إلى الكعبة بالمدينة العصر والعجب أن أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصبح من اليوم الثاني كما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك نحو ذلك والمقصود أنه لما نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس طعن طاعنون من السفهاء والجهلة والاغبياء قالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها هذا والكفرة من أهل الكتاب يعلمون أن ذلك من الله لما يجدونه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم من أن المدينة مهاجره وأنه سيؤمر
بالاستقبال إلى الكعبة كما قال وإن الذين أورثوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم الآية وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كله عن سؤالهم ونعتهم فقال سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أي هو المالك المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه الذي يعفل ما يشاء في خلقه ويحكم ما يريد في شرعه وهو الذي يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ويضل من يشاء عن الطريق القويم وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرضا والتسليم ثم قال تعالى وكذلك جعلناكم أمو وسطا أي خيارا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا أي وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم وهديناكم إلى قبلة أبيكم ابراهيم والد الانبياء بعد التي كان يصلي بها موسى فمن قبله من المرسلين كذلك جعلناكم خيار الامم وخلاصة العالم وأشرف الطوائف وأكرم التالد والطارف لتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس لاجماعهم عليكم واشارتهم يومئذ بالفضيلة اليكم كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعا من استشهاد نوح بهذه الامة يوم القيامة وإذا استشهد بهم نوح مع تقدم زمانه فمن بعده بطريق الاولى والاخرى ثم قال تعالى مبينا حكمته في حلول نقمته بمن شك وارتاب بهذه الواقعة وحلول نعمته على من صدق وتابع هذه الكائنة فقال وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول قال ابن عباس إلا لنرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة أي وان كانت هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحل شديدة الأمر إلا على الذي هدى الله أي فهم مؤمنون بها مصدقون لها لا يشكون ولا يرتابون بل يرضون ويؤمنون ويعملون لانهم عبيد للحاكم العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم وقوله وما كان الله ليضيع إيمانكم أي بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة فيه إن الله بالناس لرؤف رحيم والاحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وذلك مبسوط في التفسير وسنزيد ذلك بيانا في كتابنا الاحكام الكبير وقد روى الامام احمد حدثنا علي بن عاصم حدثنا حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن قيس عن محمد بن الاشعث عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب إنهم لم يحسدونا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله اليها وضلوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا وعلى قولنا خلف الامام آمين
فصل
*2* في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر
@
قال ابن جرير وفي هذه السنة فرض صيام شهر رمضان وقد قيل إنه فرض في شعبان منها ثم
حكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عنه فقالوا هذا يوم نجى الله فيه موسى فقال نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر الناس بصيامه وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن ابن عباس وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من ايام أخر الآية وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية من ايراد الاحاديث المتعلقة بذلك والآثار المروية في ذلك والاحكام المستفادة منه ولله الحمد
وقد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي حدثنا عمرو بن مرة عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال احيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال فذكر أحوال الصلاة قال وأما أحوال الصيام فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء ثم أن الله فرض عليه الصيام وأنزل يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى قوله وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فاجزأ ذلك عنه ثم إن الله أنزل الآية الاخرى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه فاثبت صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر وأثبت الا طعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام فهذان حولان قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فاذا ناموا امتنعوا ثم أن رجلا من الانصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى أمسى فجاء أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فاصبح صائما فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهد جهدا شديدا فقال مالي أراك قد جهدت جهدا شديدا فاخبره قال وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فانزل الله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم إلى قوله ثم أتموا الصيام إلى الليل ورواه أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي نحوه وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان عاشوراء يصام فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر وللبخاري عن ابن عمر وابن مسعود مثله ولتحرير هذا موضع آخر من التفسير ومن الاحكام الكبير وبالله المستعان
قال ابن جرير وفي السنة أمر الناس بزكاة الفطر وقد قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب
الناس قبل الفطر بيوم أو يومين وأمرهم بذلك قال وفيها صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وخرج بالناس إلى المصلى فكان أول صلاة عيد صلاها وخرجوا بين يديه بالحربة وكانت للزبير وهبها له النجاشي فكانت تحمل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأعياد
قلت وفي هذه السنة فيما ذكره غير واحد من المتأخرين فرضت الزكاة ذات النصب كما سيأتي تفصيل ذلك كله بعد وقعة بدر إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم بسم الله الرحمن الرحيم
*2* غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان
@
قال الله تعالى ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون وقال الله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم يريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون وما بعدها إلى تمام القصة من سورة الانفال وقد تكلمنا عليها هنالك وسنورد هاهنا في كل موضع ما يناسبه
قال ابن اسحاق رحمه الله بعد ذكره سرية عبد الله بن جحش ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع بابي سفيان صخر بن حرب مقبلا من الشام في عير لقريش عظيمة فيها أموال وتجارة وفيها ثلاثون رجلا أو أربعون منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص قال موسى بن عقبة عن الزهري كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرمي بشهرين قال وكان في العير الف بعير تحمل أموال قريش باسرها إلا حويطب بن عبد العزى فلهذا تخلف عن بدر
قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس كل قد حدثني بعض الحديث فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر قالوا لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بابي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين اليهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا اليها لعل الله ينفلكموها فانتدب الناس فخفف بعضهم وثقل بعض وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا وكان أبو
سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس حين لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك فحذر عند ذلك فاستأجر ضمضم عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة قال ابن اسحاق فحدثني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قالا وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم إلى مكة بثلاث ليال رؤيا افزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم علي ما أحدثك قال لها وما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ باعلا صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس اجتمعوا اليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها إلا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخره فارسلها فاقبلت تهوي حتى اذا كانت باسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة قال العباس والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها لا تذكريها لاحد ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لابنه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل ابن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فاقبل الينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه البينة قال قلت وما ذاك قال تلك الرؤيا التي رأت عاتكة قال قلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فان يك حقا ما تقول فسيكون وإن تمصضالثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني اليه كبير شيء إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا قال ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت قال قلت قد والله فعلت ما كان مني اليه من كبير وايم الله لأتعرضن له فاذا عاد
لاكفيكنه قال فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فاقع به وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر قال إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال قلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرق مني أن اشاتمه وإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الامر فتجهز الناس سراعا وقالوا أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي والله ليعلمن غير ذلك وذكر موسى بن عقبة رؤيا عاتكة كنحو من سياق ابن اسحاق قال فلما جاء ضمضم بن عمرو على تلك الصفة خافوا من رؤيا عاتكة فخرجوا على الصعب والذلول
قال ابن اسحاق فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها أحد إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة استأجره باربعة آلاف درهم كانت له عليه قد أفلس بها قال ابن اسحاق وحدثني ابن أبي نجيح أن أمية بن خلف كان قد أجمع القعود وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا فأتاه عقبة بن أبي معيط وهو جالس بين ظهراني قومه بمجمرة يحملها فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا علي استجمر فانما أنت من النساء قال قبحك الله وقبح ما جئت به قال ثم تجهز وخرج مع الناس هكذا قال ابن اسحاق في هذه القصة وقد رواها البخاري على نحو آخر فقال حدثني احمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة ثنا ابراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي اسحاق حدثني عمرو بن ميمون أنه سمع عبد الله بن مسعود حدث عن سعد بن معاذ أنه كان صديقا لامية بن خلف وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد بن معاذ وكان سعد إذا مر بمكة نزل على أمية فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بمكة قال سعد لامية أنظر لي ساعة خلوه لعلي أطوف بالبيت فخرج به قريبا من نصف النهار فلقيهما أبو جهل فقال يا صفوان من هذا معك قال هذا سعد قال له أبو جهل ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد أويتم الصباه وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فقال له سعد ورفع صوته عليه أما والله لئن منعتني هذا لامنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة فقال له أمية لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم فانه سيد أهل الوادي قال سعد دعنا عنك يا أمية فوالله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنهم قاتلوك قال بمكة قال لا أدري ففزع لذلك أمية فزعا شديدا
فلما رجع إلى أهله قال يا أم صفوان ألم تري ما قال لي سعد قالت وما قال لك قال زعم أن محمدا أخبرهم أنهم قاتلي فقلت له بمكة قال لا أدري فقال أمية والله لا أخرج من مكة فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس فقال أدركوا عيركم فكره أمية أن يخرج فأتاه أبو جهل فقال يا أبا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك فلم يزل به ابو جهل حتى قال إذ عبتني فوالله لاشترين أجود بعير بمكة ثم قال أمية يا أم صفوان جهزيني فقالت له يا أبا صفوان وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربي قال لا وما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلا الا عقل بعيره فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدر وقد رواه البخاري في موضع آخر عن محمد بن اسحاق عن عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق به نحوه تفرد به البخاري وقد رواه الامام احمد عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيد كلاهما عن اسرائيل وفي رواية اسرائيل قالت له امرأته والله إن محمدا لا يكذب
قال ابن اسحاق ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير ذكروا ما كانوا بينهم وبين بني بكر ابن عبد مناة من الحرب فقالوا إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا وكانت الحرب التي كانت بين قريش وبين بني بكر في ابن لحفص بن الاخيف من بني عامر بن لؤي قتله رجل من بني بكر باشارة عامر بن يزيد بن عامر بن الملوح ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفص فقتل عامرا وخاض بسيفه في بطنه ثم جاء الليل فعلقه باستار الكعبة فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم
قال ابن اسحاق فحدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال لما اجمعت قريش المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي وكان من اشراف بني كنانة فقال أنا لكم جارمن أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا قلت وهذا معنى قوله تعالى ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب غرهم لعنه الله حتى ساروا وسار معهم منزلة فنزلة ومعه جنوده وراياته كما قاله غير واحد منهم فأسلمهم لمصارعهم فلما رأى الجد والملائكة تنزل للنصر وعاين جبريل نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله وهذا كقوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين وقد قال الله تعالى وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فابليس لعنه الله لما عاين الملائكة يومئذ تنزل للنصر فر ذاهبا فكان أول من
هرب يومئذ بعد أن كان هو المشجع لهم المجير لهم كما غرهم ووعدهم ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وقال يونس عن ابن اسحاق خرجت قريش على الصعب والذلول في تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين وذكر المطعمين لقريش يوما يوما وذكر الاموي أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل نحر لهم عشرا ثم نحر لهم أمية بن خلف بعسفان تسعا ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشرا ومالوا من قديد إلى مياه نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يوما فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعا ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرا ثم أصبحوا بالابواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشرا ونحر لهم على ماء بدر أبو البختري عشرا ثم أكلوا من ازوادهم قال الاموي حدثنا أبي حدثنا أبو بكر الهذلي قال كان مع المشركين ستون فرسا وستمائة درع وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسان وستون درعا
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكة ومسيرهم إلى بدر وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن اسحاق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس ورد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير وكان أبيض وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما مع علي بن أبي طالب يقال لها العقاب والاخرى مع بعض الانصار قال ابن هشام كانت راية الانصار مع سعد بن معاذ وقال الاموي كانت مع الحباب بن المنذر قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الساقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النجار وقال الاموي وكان معهم فرسان على إحداهما مصعب بن عمير وعلى الاخرى الزبير بن العوام ومن سعد بن خيثمة ومن المقداد بن الاسود وقد روى الامام احمد من حديث ابي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد
وروى البيهقي من طريق ابن وهب عن أبي صخر عن أبي معاوية البلخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عليا قال له ما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود يعني يوم بدر وقال الاموي حدثنا أبي حدثنا اسماعيل بن أبي خالد عن التيمي قال كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فارسان الزبير بن العوام على الميمنة والمقداد بن الاسود على الميسرة
قال ابن اسحاق وكان معهم سبعون بعيرا يعتقبونها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ومرثد بن
أبي مرثد يعتقبون بعيرا وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة يعتقبون بعيرا كذا قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى وقد قال الامام احمد حدثنا عفان عن حماد بن سلمة حدثنا عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا نحن نمشي عنك فقال ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الاجر منكما وقد رواه النسائي عن الفلاس عن ابن مهدي عن حماد بن سلمة به قلت ولعل هذا كان قبل أن يرد أبا لبابة من الروحاء ثم كان زميلاه على مرثد بدل أبي لبابة والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاجراس أن تقطع من أعناق الابل يوم بدر وهذا على شرط الصحيحين وإنما رواه النسائي عن أبي الاشعث عن خالد ابن الحارث عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به قال شيخنا الحافظ المزي في الاطراف وتابعه سعيد بن بشر عن قتادة وقد رواه هشام عن زرارة عن أبي هريرة فالله أعلم وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال سمعت كعب بن مالك يقول لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني تخلفت عن غزوة بدر ولم يعاتب الله أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد تفرد به
قال ابن اسحاق فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة على نقب المدينة ثم على العقيق ثم على ذي الحليفة ثم على أولات الجيش ثم مر على تربان ثم على ملل ثم على غميس الحمام ثم على صخيرات اليمامة ثم على السيالة ثم على فج الروحاء ثم على شنوكة وهي الطريق المعتدلة حتى إذا كان بعرق الظبية لقي رجلا من الاعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا فقال له الناس سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا نعم فسلم عليه ثم قال لئن كنت رسول الله فاخبرني عما في بطن ناقي هذه قال له سلمة بن سلامة بن وقش لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه أفخشت على الرجل ثم اعرض عن سلمة ونزل رسول الله سجسج وهي بئر الروحاء ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف ترك طريق مكة بيسار وسلك ذات اليمين على النازية يريد بدرا فسلك في ناحية منها حتى إذا جزع واديا يقال له وحقان بين النازية وبين مضيق الصفراء ثم على المضيق ثم
انصب منه حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني حليف بني ساعدة وعدي ابن أبي الزغباء حليف بني النجار إلى بدر يتجسسان الاخبار عن أبي سفيان صخر بن حرب وعيره وقال موسى بن عقبة بعثهما قبل أن يخرج من المدينة فلما رجعا فأخبراه بخبر العير استنفر الناس اليها فان كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن اسحاق محفوظا فقد بعثهما مرتين والله أعلم
قال ابن اسحاق رحمه الله ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمهما فلما استقبل الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما اسماؤهما فقالوا يقال لاحدهما مسلح وللآخر مخرئ وسأل عن أهلهما فقيل بنو النار وبنو حراق بطنان من غفار فكرههما رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرور بينهما وتفاءل باسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما والصفراء بيسار وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران فجزع فيه ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش ومسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خير ودعا له ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشيروا علي أيها الناس وإنما يريد الانصار وذلك أنهم كانوا عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فاذا وصلت الينا فانت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الانصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وإن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ والله لكأنك تريدنا يا رسول الله قال أجل قال فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله قال فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ثم قال سيروا وابشروا فان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم هكذا رواه ابن اسحاق رحمه الله وله شواهد من وجوه كثيرة فمن ذلك ما رواه البخاري في صحيحه حدثنا أبو نعيم حدثنا اسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول شهدت من المقداد بن الاسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو
على المشركين فقال لا نقول كما قال قوم موسى لموسى إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في مواضع من صحيحه من حديث مخارق به ورواه النسائى من حديثه وعنده وجاء المقداد بن الاسود يوم بدر على فرس فذكره وقال الامام احمد حدثنا عبيدة هو ابن حميد عن حميد الطويل عن أنس قال استشار النبي صلى الله عليه وسلم مخرجه إلى بدر فأشار عليه أبو بكر ثم استشارهم فأشار عليه عمر ثم استشارهم فقال بعض الانصار إياكم يريد رسول الله يا معشر الانصار فقال بعض الانصار يا رسول الله إذا لا نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد لاتبعناك وهذا اسناد ثلاثي صحيح على شرط الصحيح وقال احمد أيضا حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فاعرض عنه ثم تكلم عمر فاعرض عنه فقال سعد بن عبادة إيانا يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لاخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فاذا قال ذلك ضربوه فاذا ضربوه قال نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان فاذا تركوه فسألوه قال مالي بابي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية فاذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف فقال والذي نفسي بيده انكم لتضربونه إذا صدق وتتركونه إذا كذبكم قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مصرع فلان يضع يده على الارض ههنا وههنا فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به نحوه وقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه واللفظ له من طريق عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران أنه سمع أبا أيوب الانصاري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن تخرج قبل هذه العير لعل الله يغنمناها فقلنا نعم فخرج وخرجنا فلما سرنا يوما أو يومين قال لنا ما ترون في القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم فقلنا لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم ولكنا أردنا العير ثم قال ما ترون في قتال القوم فقلنا مثل ذلك فقام المقداد بن عمرو فقال إذا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون قال فتمنينا معشر الانصار لو أنا
قلنا مثل ما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله عز وجل على رسوله كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون وذكر تمام الحديث وروى ابن مردويه أيضا من طريق محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال كيف ترون فقال أبو بكر يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا قال ثم خطب الناس فقال كيف ترون فقال عمر مثل قول أبي بكر ثم خطب الناس فقال كيف ترون فقال سعد بن معاذ يا رسول الله ايانا تريد فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون ولعل أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله اليك غيره فانظر الذي أحدث الله اليك فامض فصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وعاد من شئت وسالم من شئت وخذ من أموالنا ما شئت فنزل القرآن على قول سعد كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الآيات وذكره الاموي في مغازيه وزاد بعد قوله وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت وما أخذت منا كان أحب الينا مما تركت وما أمرت به من أمر فامرنا تبع لأمرك فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك


قال ابن اسحاق ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران فسلك على ثنايا يقال لها الاصافر ثم انحط منها إلى بلد يقال له الدية وترك الحنان بيمين وهو كثيب عظيم كالجبل العظيم ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من اصحابه قال ابن هشام هو أبو بكر قال ابن اسحاق كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك فقال أو ذاك بذاك قال نعم قال الشيخ فانه بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش فلما فرغ من خبره قال ممن أنتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء ثم انصرف عنه قال يقول الشيخ ما من ماء أمن ماء العراق قال ابن هشام يقال لهذا الشيخ سفيان الضمري
قال ابن اسحاق ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اصحابه فلما أمسى بعث علي بن ابي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير فاصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلامي بني الحجاج وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد فاتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالوا نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لابي سفيان فضربوهما فلما أذلقوهما قالا نحن لابي سفيان فتركوهما وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتيه وسلم وقال إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبراني عن قريش قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم قالا كثير قال ما عدتهم قالا لا ندري قال كم ينحرون كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة إلى الالف ثم قال لهما فمن فيهم من أشراف قريش قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الاسود وأبو جهل وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبدود قال فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة قد القت اليكم أفلاذ كبدها
قال ابن اسحاق وكان بسبس بن عمرو وعدي بن ابي الزغباء قد مضيا حتى نزلا بدرا فأناخا إلى تل قريب من الماء ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه ومجدي بن عمرو الجهني على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر وهما يتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها إنما تأتي العير غدا أو بعد غد فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك قال مجدي صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك عدي وبسبس فجلسا على بعيريهما ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه بما سمعا وأقبل أبو سفيان حتى تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فقال لمجدي بن عمرو هل أحسست أحدا قال ما رأيت أحدا أنكره إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فاذا فيه النوى فقال هذه والله علائف يثرب فرجع إلى أصحابه سريعا فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها وترك بدرا بيسار وانطلق حتى أسرع وأقبلت قريش فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب ابن عبد مناف رؤيا فقال إني رأيت فيما يرى النائم واني لبين النائم واليقظان إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له ثم قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم ابن هشام وأمية بن خلف وفلان وفلان فعد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش ثم رأيته
ضرب في لبة بعيره ثم أرسله في العسكر فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه فبلغت أبا جهل لعنه الله فقال هذا أيضا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا
قال ابن اسحاق ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش انكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا فامضوا وقال الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكان حليفا لبني زهرة وهم بالجحفة يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بها جبنها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا قال فرجعوا فلم يشهدها زهري واحد أطاعوه وكان فيهم مطاعا ولم يكن بقي بطن من قريش إلا وقد نفر منهم ناس إلا بني عدي لم يخرج منهم رجل واحد فرجعت بنو زهرة مع الاخنس فلم يشهد بدرا من هاتين القبيلتين أحد قال ومضى القوم وكان بين طالب بن أبي طالب وكان في القوم وبين بعض قريش محاورة فقالوا والله قد عرفنا يا بني هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم مع محمد فرجع طالب إلى مكة مع من رجع وقال في ذلك
لا هم إما يغزون طالب * في عصبة محالف محارب
في مقنب من هذا المقانب * فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن اسحاق ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي خلف العقنقل وبطن الوادي وهو يليل بين بدر وبين العقنقل الكثيب الذي خلفه قريش والقليب ببدر في العدوة الدنيا من بطن يليل إلى المدينة
قلت وفي هذا قال تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والراكب أسفل منكم أي من ناحية الساحل ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا الآيات وبعث الله السماء وكان الوادي دهسا فاصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ماء لبد لهم الارض ولم يمنعهم من السير وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه
قلت وفي هذا قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا وأنه ثبت اقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر وهذا تثبيت الباطن
والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق أي على الرؤوس واضربوا منهم كل بنان أي لئلا يستمسك منهم السلاح ذلك بانهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فان الله شديد العقاب ذلكم فذقوه وأن للكافرين عذاب النار
قال ابن جرير حدثني هارون بن اسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا اسرائيل ثنا اسحاق عن حارثة عن علي بن أبي طالب قال اصابنا من الليل طش من المطر يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قائما يصلي وحرض على القتال وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وسيأتي هذا الحديث مطولا ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به وقال مجاهد أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الارض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم
قلت وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة وقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك ويكثر في سجوده أن يقول يا حي يا قيوم يكرر ذلك ويلظ به عليه السلام
قال ابن اسحاق فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به قال ابن اسحاق فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله فان هذا ليس بمنزل فأمض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اشرت بالرأي قال الاموي حدثنا أبي قال وزعم الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الاقماص وجبريل عن يمينه إذ أتاه ملك من الملائكة فقال يا محمد إن الله يقرأ عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو السلام ومنه السلام واليه السلام فقال الملك إن الله يقول لك ان الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل هل تعرف هذا فقال ما كل أهل السماء أعرف وانه لصادق وما هو بشيطان فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس
فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فعورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية وذكر بعضهم أن الحباب بن المنذر لما اشار بما أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل ملك من السماء وجبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال الملك يا محمد ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك ان الرأى ما أشار به الحباب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل فقال ليس كل الملائكة أعرفهم وأنه ملك وليس بشيطان وذكر الاموي أنهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل وأنهم نزلوا فيه واستقوا منه وملؤا الحياض حتى أصبحت ملاء وليس للمشركين ماء
قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر انه حدث ان سعد بن معاذ قال يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان اعزنا الله واظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا فقد تخلف عنك أقوام ما نحن باشد حبا لك منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم ويناصحونك ويجاهدون معك فاثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش كان فيه
قال ابن اسحاق وقد ارتحلت قريش حين أصبحت فاقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذي جاؤا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني اللهم أحنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم وهو على جمل له احمر إن يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر إن يطيعوه يرشدوا قال وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو أبوه ايماء بن رحضة الغفاري بعث إلى قريش ابنا له بجزائر أهداها لهم وقال إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فارسلوا اليه مع ابنه أن وصلتك رحم وقد قضيت الذي عليك فلعمري إن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم وإن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد فما لاحد بالله من طاقة قال فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ إلا قتل إلا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم أسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر
قلت وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كما سيأتي بيان ذلك
في فصل نعقده بعد الوقعة ونذكر أسماءهم على حروف المعجم إن شاء الله
ففي صحيح البخاري عن البراء قال كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلثمائة وبضع عشرة على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر وما جاوزه معه إلا مؤمن وللبخاري أيضا عنه قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والانصار نيفا وأربعون ومائتان وروى الامام احمد عن نصر بن رئاب عن حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال كان أهل بدر ثلثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون ستة وسبعين وكان هزيمة أهل بدر لسبع عشرة مضين من شهر رمضان يوم الجمعة وقال الله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم الآية وكان ذلك في منامه تلك الليلة وقيل إنه نام في العريش وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم فدنا القوم منهم فجعل الصديق يوقظه ويقول يا رسول الله دنوا منا فاستيقظ وقد اراه الله إياهم في منامه قليلا ذكره الاموي وهو غريب جدا وقال تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا فعند ما تقابل الفريقان قلل الله كلا منهما في أعين الآخرين ليجترئ هؤلاء على هؤلاء وهؤلاء على هؤلاء لما له في ذلك من الحكمة البالغة وليس هذا معارض لقوله تعالى في سورة آل عمران قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء فان المعنى في ذلك على اصح القولين أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة على الصحيح أيضا وذلك عند التحام الحرب والمسابقة أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا فاستدرجهم أولا بأن أراهم إياهم عند المواجهة قليلا ثم أيد المؤمنين بنصره فجعلهم في أعين الكافرين على الضعف منهم حتى وهنوا وضعفوا وغلبوا ولهذا قال والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار قال اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي عبيد وعبد الله لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتى أني لأقول لرجل الى جنبي أتراهم سبعين فقال اراهم مائة
قال ابن اسحاق وحدثني أبي اسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم عن أشياخ من الانصار قالوا لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحي فقالوا أحزر لنا القوم أصحاب محمد قال فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع اليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقون كمين أو مدد قال فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع اليهم فقال ما رأيت شيئا ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل
رجلا منكم فاذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فاتى عتبة بن ربيعة فقال يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك إاى أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلت أنت على ذلك إنما هو حليفي فعلى عقله وما أصيب من ماله فأت ابن الحنطلية يعني أبا جهل فاني لا أخشى أن يسجر أمر الناس غيره ثم قام عتبة خطيبا فقال يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن اصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فان أصابوه فذلك الذي أردتم وإن كان غير ذلك الفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون قال حكيم فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا فهو يهنئها فقلت له يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني اليك بكذا وكذا فقال انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه فلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ولكنه رأى محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه فقد تخوفكم عليه ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال هذا حليفك يريد أن يرجع الناس وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فانشد خفرتك ومقتل أخيك فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ واعمراه واعمراه قال فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوثقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم اليه عتبة فلما بلغ عتبة قول أبي جهل انتفخ والله سحره قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسعه من عظم رأسه فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه ببرد له
وقد روى ابن جرير من طريق مسور بن عبد الملك اليربوعي عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال بينا نحن عند مروان بن الحكم إذ دخل حاجبه فقال حكيم بن حزام يستأذن قال ائذن له فلما دخل قال مرحبا يا أبا خالد أدن فحال عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ثم استقبله فقال حدثنا حديث بدر فقال خرجنا حتى إذا كنا بالجحفة رجعت قبيلة من قبائل قريش باسرها فلم يشهد أحد من مشركيهم بدرا ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى فجئت عتبة بن ربيعة فقلت يا أبا الوليد هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت قال أفعل ماذا قلت إنكم لا تطلبون من محمد إلا دم ابن الحضرمي وهو حليفك فتحمل بديته ويرجع
الناس فقال أنت علي بذلك وأذهب الى ابن الحطنلية يعني ابا جهل فقل له هل لك أن ترجع اليوم بمن معك عن ابن عمك فجئته فاذا هو في جماعة من بين يديه ومن خلفه وإذا ابن الحضرمي واقف على رأسه وهو يقول فسخت عقدي من عبد شمس وعقدي اليوم إلى بني مخزوم فقلت له يقول لك عتبة بن ربيعة هل لك أن ترجع اليوم بمن معك قال أما وجد رسولا غيرك قلت لا ولم أكن لأكون رسولا لغيره قال حكيم فخرجت مبادرا إلى عتبة لئلا يفوتني من الخبر شيء وعتبة متكئ على ايماء بن رحضة الغفاري وقد أهدى إلى المشركين عشرة جزائر فطلع أبو جهل الشر في وجهه فقال لعتبة انتفخ سحرك فقال له عتبة ستعلم فسل أبو جهل سيفه فضرب به متن فرسه فقال ايماء بن رحضة بئس الفأل هذا فعند ذلك قامت الحرب وقد صف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وعباهم أحسن تعبية فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف قال صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ليلا وروى الامام احمد من حديث ابن لهيعة حدثني يزيد بن أبي حبيب أن اسلم أبا عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب يقول صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فبدرت منا بادرة أمام الصف فنظر اليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال معي معي تفرد به احمد وهذا اسناد حسن
وقال ابن اسحاق وحدثني حبان بن واسع بن حبان عن أشياخ من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدر وفي يده قدح يعدل به القوم فمر بسواد بن غزية حليف بني علي ابن النجار وهو مستنتل من الصف فطعن في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فاقدني فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال استقد قال فاعتنقه فقبل بطنه فقال ما حملك على هذا يا سواد قال يا رسول الله حضر ما ترى فاردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عوف بن الحارث وهو ابن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده قال غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال ابن اسحاق ثم عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره وقال ابن اسحاق وغيره وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه واقفا على باب العريش متقلدا بالسيف ومعه رجال من الانصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من أن يدهمه العدو من المشركين والجنائب النجائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان احتاج اليها ركبها ورجع الى المدينة كما أشار به سعد بن معاذ وقد روى البزار في مسنده من حديث محمد بن عقيل عن علي أنه خطبهم فقال يا أيها الناس من أشجع الناس فقالوا أنت يا أمير المؤمنين فقال أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه ولكن هو أبو بكر إنا جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا
من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي اليه أحد من المشركين فوالله ما دنا أحد إلا أبو بكر شاهرا بالسيف على راس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي اليه أحد إلا أهوى اليه فهذا أشجع الناس قال ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يحاده وهذا يتلتله ويقولون أنت جعلت الآلهة إلها واحدا فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع علي بردة كانت عليه فبكى حتى أخضلت لحيته ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو فسكت القوم فقال علي فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الارض من مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه فهذه خصوصية للصديق حيث هو مع الرسول في العريش كما كان معه في الغار رضي الله عنه وأرضاه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الابتهال والتضرع والدعاء ويقول فيما يدعو به اللهم إنك ان تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم نصرك ويرفع يديه الى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه وجعل أبو بكر رضي الله عنه يلتزمه من ورائه ويسوي عليه رداءه ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فانه سينجز له ما وعدك
هكذا حكى السهيلي عن قاسم بن ثابت أن الصديق إنما قال بعض مناشدتك ربك من باب الاشفاق لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال بعض هذا يا رسول الله أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر وكان رضي الله عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكى السهيلي عن شيخه أبي بكر بن العربي بانه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف والصديق في مقام الرجاء وكان مقام الخوف في هذا الوقت يعني أكمل قال لأن لله أن يفعل ما يشاء فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها فخوفه ذلك عبادة قلت وأما قول بعض الصوفية إن هذا المقام في مقابلة ما كان يوم الغار فهو قول مردود على قائله إذ لم يتذكر هذا القائل عور ما قال ولا لازمه ولا ما يترتب عليه والله أعلم
هذا وقد تواجه الفئتان وتقابل الفريقان وحضر الخصمان بين يدي الرحمن واستغاث بربه سيد الانبياء وضج الصحابة بصنوف الدعاء إلى رب الارض والسماء سامع الدعاء وكاشف البلاء فكان أول من قتل من المشركين الاسود بن عبد الاسد المخزومي قال ابن اسحاق وكان رجلا شرسا سيء الخلق فقال أعاهد الله لاشربن من حوضهم أو لأهدمنه او لأموتن دونه فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فاطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض فوقع
على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد زعم أن تبر يمينه واتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض قال الاموي فحمى عند ذلك عتبة بن ربيعة وأراد أن يظهر شجاعته فبرز بين أخيه شيبة وابنه الوليد فلما توسطوا بين الصفين دعوا إلى البراز فخرج اليهم فتية من الانصار ثلاثة هم عوف ومعاذ ابنا الحارث وأمهما عفراء والثالث عبد الله بن رواحة فيما قيل فقالوا من أنتم قالوا رهط من الانصار فقالوا ما لنا بكم من حاجة وفي رواية فقالوا أكفاء كرام ولكن اخرجوا الينا من بني عمنا ونادى مناديهم يا محمد اخرج الينا أكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي وعند الاموي أن النفر من الانصار لما خرجوا كره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه أول موقف واجه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه فاحب أن يكون أولئك من عشيرته فامرهم بالرجوع وأمر أولئك الثلاثة بالخروج
قال ابن اسحاق فلما دنوا منهم قالوا من أنتم وفي هذا دليل أنهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح فقال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة وبارز حمزة شيبة وبارز علي الوليد بن عتبة فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله وأما علي فلم يمهل الوليد ان قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه وكر حمزة وعلي باسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابهما رضي الله عنه
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية هذان خصمان اختصموا في ربهم نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبه يوم برزوا في بدر هذا لفظ البخاري في تفسيرها وقال البخاري حدثنا حجاج بن منهال حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي ثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز وجل في الخصومة يوم القيامة قال قيس وفيهم نزلت هذان خصمان اختصموا في ربهم قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة ابن ربيعة والوليد بن عتبة تفرد به البخاري وقد أوسعنا الكلام عليها في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة
وقال الاموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق عن ابن المبارك عن اسماعيل بن ابي خالد عن عبد الله البهي قال برز عتبة وشيبة والوليد وبرز اليهم حمزة وعبيدة وعلي فقالوا تكلموا نعرفكم فقال حمزة أنا أسد الله وأسد رسول الله أنا حمزة بن عبد المطلب فقال كفؤ كريم وقال علي أنا ع عبد الله وأخو رسول الله وقال عبيدة أنا الذي في الحلفاء فقام كل رجل إلى رجل فقاتلوهم
فقتلهم الله فقالت هند في ذلك
أعيني جودي بدمع سرب * على خير خندف لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة * بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم * يعلونه بعد ما قد عطب
ولهذا نذرت هند أن تأكل من كبد حمزة
قلت وعبيدة هذا هو ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف ولما جاؤا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه فوضع خده على قدمه الشريفة وقال يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله
ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ثم مات رضي الله عنه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أنك شهيد رواه الشافعي رحمه الله وكان أول قتيل من المسلمين في المعركة مهجع مولى عمر بن الخطاب رمن بسهم فقتله قال ابن اسحاق فكان أول من قتل ثم رمن بعده حارثة بن سراقة أحد بني عدي بن النجار وهو يشرب من الحوض بسهم فاصاب نحره فمات وثبت في الصحيحين عن أنس أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر وكان في النظارة أصابه سهم غرب فقتله فجاءت أمه فقالت يا رسول الله أخبرني عن حارثة فان كان في الجنة صبرت وإلا فليرين الله ما أصنع يعني من النياح وكانت لم تحرم بعد فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك أهبلت إنها جنان ثمان وان ابنك أصاب الفردوس الاعلى
قال ابن اسحاق ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض وقال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم وقال إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل وفي صحيح البخاري عن أبي أسيد قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر إذا أكثبوكم يعني المشركين فارموهم واستبقوا نبلكم وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار عن يونس ابن بكير عن أبي اسحاق حدثني عبد الله بن الزبير قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شعار المهاجرين يوم بدر يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الاوس يا بني عبيد الله وسمى خيله خيل الله وقال ابن هشام وكان شعار الصحابة يوم بدر أحد أحد
قال ابن اسحاق ورسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش معه أبو بكر رضي الله عنه يعني وهو يستغيث الله عز وجل كما قال تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم
قال الامام احمد حدثنا أبو نوح قراد ثنا عكرمة بن عمار ثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين فاذا هم ألف وزيادة فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة وعليه رداؤه وازاره ثم قال اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام فلا تعبد بعد في الأرض أبدا فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر فاخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه ثم قال يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك فانزل الله إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بالف من الملائكة مردفين وذكر تمام الحديث كما سيأتي وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وغيرهم من حديث عكرمة بن عمار اليماني وصححه علي ابن المديني والترمذي وهكذا قال غير واحد عن ابن عباس والسدي وابن جرير وغيرهم أن هذه الآية نزلت في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وقد ذكر الاموي وغيره أن المسلمين عجوا الى الله عز وجل في الاستغاثة بجنابة والاتعانة به وقوله تعالى بالف من الملائكة مردفين أي ردفا لكم ومددا لفئتكم رواه العوفي عن ابن عباس وقاله مجاهد وابن كثير وعبد الرحمن بن زيد وغيرهم وقال أبو كدينة عن قابوس عن ابن عباس مردفين وراء كل ملك ملك وفي رواية عنه بهذا الاسناد مردفين بعضهم على اثر بعض وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة وقد روى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال وأمد الله نبيه والمؤمنين بالف من الملائكة وكان جبريل في خمسمائة مجنبة وميكائيل في خمسمائة مجنبة وهذا هو المشهور ولكن قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا اسحاق ثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي عن أبي الحويرث عن محمد بن جبير عن علي قال نزل جبريل في الف من الملائكة على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة على ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة ورواه البيهقي في الدلائل من حديث محمد بن جبير عن علي فزاد ونزل اسرافيل في ألف من الملائكة وذكر أنه طعن يومئذ بالحربة حتى أختضبت إبطه من الدماء فذكر أنه نزلت ثلاثة آلاف من الملائكة وهذا غريب وفي اسناده ضعف ولو صح لكان فيه تقوية لما تقدم من الاقوال ويؤيدها قراءة من قرأ بألف من الملائكة مردفين بفتح الدال والله أعلم وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم ثنا محمد بن سنان القزاز ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب أخبرني اسماعيل بن عوف بن عبد الله بن أبي رافع عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال لما كان يوم بدر قاتلت شيئا من قتال ثم جئت
مسرعا لانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل قال فجئت فاذا هو ساجد يقول يا حي يا قيوم يا حي يا قيوم لا يزيد عليها فرجعت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا فذهبت إلى القتال ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك أيضا حتى فتح الله على يده وقد رواه النسائي في اليوم والليلة عن بندار عن عبيد الله بن عبد المجيد أبي علي الحنفي وقال الاعمش عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال ما سمعت مناشدا ينشد أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر جعل يقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ثم التفت وكأن شق وجهه القمر وقال كأني أنظر إلى مصارع القوم عشية رواه النسائي من حديث الاعمش به وقال لما التقينا يوم بدر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيت مناشدا ينشد حقا له أشد مناشدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكره وقد ثبت إخباره عليه السلام بمواضع مصارع رؤس المشركين يوم بدر في صحيح مسلم عن أنس بن مالك كما تقدم وسيأتي في صحيح مسلم أيضا عن عمر بن الخطاب ومقتضى حديث ابن مسعود أنه أخبر بذلك يوم الوقعة وهو مناسب وفي الحديثين الآخرين عن أنس وعمر ما يدل على أنه أخبر بذلك قبل ذلك بيوم ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم وأكثر وان يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة والله أعلم وقد روى البخاري من طرق عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر اللهم أنشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا فاخذ أبو بكر بيده وقال حسبك يا رسول الله الححت على ربك فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وهذه الآية مكية وقد جاء تصديقها يوم بدر كما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد عن أيوب عن عكرمة قال لما نزلت سيهزم الجمع ويولون الدب ر قال عمر أي جمع يهزم وأي جمع يغلب قال عمر فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر فعرفت تأويلها يومئذ وروى البخاري من طريق ابن جريج عن يوسف بن ماهان سمع عائشة تقول نزل على محمد بمكة وإني لجارية العب بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر
قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد وأبو بكر يقول يا نبي الله بعض مناشدتك ربك فان الله منجز لك ما وعدك وقد خفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقه وهو في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع يعني الغبار قال ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس فحرضهم وقال والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل
صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة قال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء قال ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رحمه الله
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن سليمان عن ثابت عن أنس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبسا عينا ينظر ما صنعت عير أبي سفيان فجاء وما في البيت أحد غيري وغير النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أدري ما استثنى من بعض نسائه قال فحدثه الحديث قال فخرج رسول الله فتكلم فقال إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضر فليركب معنا فجعل رجال يستأذنونه في ظهورهم في علو المدينة قال لا إلا من كان ظهره حاضرا وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقدم ن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه فدنا المشركون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا إلى جنة عرضها السموات والارض قال يقول عمير بن الحمام الانصاري يا رسول الله جنة عرضها السموات والارض قال نعم قال بخ بخ فقال رسول الله ما يحملك على قول بخ بخ قال لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها قال فانك من أهلها قال فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة قال فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وجماعة عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به وقد ذكر ابن جرير أن عميرا قاتل وهو يقول رضي الله عنه
ركضا إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد
وقال الامام احمد حدثنا حجاج حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي قال لما قدمنا المدينة اصبنا من ثمارها فاجتويناها وأصابنا بها وعك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحيز عن بدر فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وبدر بئر فسبقنا المشركين اليها فوجدنا فيها رجلين رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له كم القوم قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فابى ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم القوم الف كل جزور لمائة وتبعها ثم إنه أصابنا من
الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا علي ناد حمزة وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الاحمر فجاء حمزة فقال هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة وقد علمتم أني لست بأجبنكم فسمع بذلك أبو جهل فقال أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لاعضضته قد ملأت رئتك جوفك رعبا فقال إياي تعير يا مصفر استه سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا من يبارز فخرج فتية من الانصار مشببة فقال عتبة لا نريد هؤلاء ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا حمزة وقم يا علي وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين وجاء رجل من الانصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال العباس يا رسول الله والله إن هذا ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم فقال الانصاري أنا أسرته يا رسول الله فقال اسكت فقد أيدك الله بملك كريم قال فاسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي وقد تفرد بطوله الامام احمد وروى أبو داود بعضه من حديث اسرائيل به ولما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش وحرض الناس على القتال والناس على مصافهم صابرين ذاكرين الله كثيرا كما قال الله تعالى آمرا لهم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا الآية
وقال الاموي حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي اسحاق قال قال الاوزاعي كان يقال قلما ثبت قوم قياما فمن استطاع عند ذلك أن يجلس أو يغض طرفه ويذكر الله رجوت أن يسلم من الرياء وقال عتبة بن ربيعة يوم بدر لاصحابه ألا ترونهم يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جثيا على الركب كأنهم حرس يتلمظون كما ثثلمظ الحيات أو قال الافاعي قال الاموي في مغازيه وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين حرض المسلمين على القتال قد نفل كل امرئ ما أصاب وقال والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة وذكر قصة عمير بن الحمام كما تقدم وقد قاتل بنفسه الكريمة قتالا شديدا ببدنه وكذلك أبو بكر الصديق كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء والتضرع ثم نزلا فحرضا وحثا على القتال وقاتلا بالابدان جمعا
بين المقامين الشريفين قال الامام احمد حدثنا وكيع حدثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن حارثة ابن مضرب عن علي قال لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا من العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا ورواه النسائي من حديث أبي اسحاق عن حارثة عن علي قال كنا إذا حمي البأس ولقي القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الامام احمد حدثنا أبو نعيم حدثنا مسعر عن أبي عون عن أبي صالح الحنفي عن علي قال قيل لعلي ولابي بكر رضي الله عنهما يوم بدر مع أحدكما جبريل ومع الآخر ميكائيل واسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل أو يشهد الصف وهذا يشبه ما تقدم من الحديث أن أبا بكر كان في الميمنة ولما تنزل الملائكة يوم بدر تنزيلا كان جبريل على أحد المجنبتين في خمسمائة من الملائكة فكان في الميمنة من ناحية أبي بكر الصديق وكان ميكائيل على المجنبة الاخرى في خمسمائة من الملائكة فوقفوا في الميسرة وكان علي بن أبي طالب فيها وفي حديث رواه أبو بعلى من طريق محمد بن جبير بن مطعم عن علي قال كنت أسبح على القليب يوم بدر فجاءت ريح شديدة ثم أخرى ثم أخرى فنزل ميكائيل في الف من الملائكة فوقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهناك أبو بكر واسرافيل في الف في الميسرة وأنا فيها وجبريل في الف قال ولقد طفت يومئذ حتى بلغ إبطي وقد ذكر صاحب العقد وغيره أن أفخر بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت
وببئر بدر إذ يكف مطيهم * جبريل تحت لوائنا ومحمد
وقد قال البخاري حدثنا اسحاق بن ابراهيم حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة ابن رافع الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري وقد قال الله تعالى إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق يعني الرؤس واضربوا منهم كل بنان وفي صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل حدثني ابن عباس قال بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه قد خر مستلقيا فنظر اليه فاذا هو خطم وشق وجهه بضربة السوط وحضر ذلك أجمع فجاء الانصاري فحدث ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين
قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن ابي بكر بن حزم عمن حدثه عن ابن عباس عن رجل من
بني غفار قال حضرت أنا وابن عم لي بدرا ونحن على شركنا وإنا لفي جبل ننتظر الوقعة على من تكون الدائرة فأقبلت سحابة فلما دنت من الجبل سمعنا منها حمحمة الخيل وسمعنا قائلا يقول أقدم حيزوم فأما صاحبي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه وأما أنا لكدت أن أهلك ثم انتعشت بعد ذلك وقال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن ابي بكر عن بعض بني ساعدة عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره لو كنت اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى فلما نزلت الملائكة ورآها ابليس وأوحى الله اليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا وتثبتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول له أبشروا فانهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم
وقال الواقدي حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الملك يتصور في صورة من يعرفون فيقول إني قد دنوت منهم وسمعتهم يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء إلى غير ذلك من القول فذلك قوله إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا الآية ولما رأى ابليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحرض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فانه كان على موعد من محمد وأصحابه ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نفرق محمدا وأصحابه في الجبال فلا تقتلوهم وخذوهم أخذا وروى البيهقي من طريق سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال قال أبو أسيد بعد ما ذهب بصره يا ابن أخي والله لو كنت أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة من غير شك ولا تمار وروى البخاري عن ابراهيم بن موسى عن عبد الوهاب عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه اداة الحرب


وقال الواقدي حدثنا ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس وأخبرني موسى بن محمد بن ابراهيم التيمي عن أبيه وحدثني عابد بن يحيى عن أبي الحويرث عن عمارة بن أكيمة الليثي عن عكرمة عن حكيم بن حزام قالوا لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر وما وعده يقول اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين وأبو بكر يقول والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك فانزل الله الفا من الملائكة مردفين عند اكتناف العدو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والارض فلما نزل الى الارض تغيب ساعة ثم طلع وعلى ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته وروى البيهقي عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال يا بني لقد رأيتنا يوم
بدر وأن أحدنا ليشير إلى رأس مشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل اليه السيف
وقال ابن اسحاق حدثني والدي حدثني رجال من بني مازن عن أبي واقد الليثي قال إني لأتبع رجلا من المشركين لاضربه فوقع رأسه قبل أن يصل اليه سيفي فعرفت أن غيري قد قتله وقال يونس بن بكير عن عيسى بن عبد الله التيمي عن الربيع بن أنس قال كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوتة الاعناق وعلى البنان مثل سمة النار وقد احرق به
وقال ابن اسحاق حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد ارخوها على ظهورهم الا جبريل فانه كانت عليه عمامة صفراء وقد قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الايام وكانوا يكونون فيما سواه من الايام عددا ومددا لا يضربون وقال الواقدي حدثني عبد الله بن موسى بن ابي أمية عن مصعب بن عبد الله عن مولى لسهيل بن عمرو سمعت سهيل بن عمرو يقول لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين يقتلون وياسرون وكان أبو اسيد يحدث بعد أن ذهب بصره قال لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري قال وحدثني خارجة بن ابراهيم عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل من القائل يوم بدر من الملائكة أقدم حيزوم فقال جبريل يا محمد ما كل أهل السماء أعرف
قلت وهذا الاثر مرسل وهو يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل كما قاله السهيلي وغيره والله أعلم وقال الواقدي حدثني اسحاق بن يحيى عن حمزة بن صهيب عن أبيه قال فما أدري كم يد مقطوعة وضربة جائفة لم يدم كلمها قد رأيتها يوم بدر وحدثني محمد بن يحيى عن أبي عقيل عن أبي بردة بن نيار قال جئت يوم بدر بثلاثة ارؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت أما رأسان فقتلتهما وأما الثالث فاني رأيت رجلا طويلا قتله فاخذت رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك فلان من الملائكة وحدثني موسى بن محمد بن ابراهيم عن أبيه قال كان السائب بن ابي حبيش يحدث في زمن عمر يقول والله ما أسرني أحد من الناس فيقال فمن يقول لما انهزمت قريش انهزمت معها فادركني رجل اشعر طويل على فرس أبيض فاوثقني رباطا وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطا فنادى في العسكر من أسر هذا حتى انتهى بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أسرك قلت لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذي رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرك ملك من الملائكة اذهب ياابن عوف باسيرك وقال الواقدي حدثني عابد بن يحيى حدثنا أبو الحويرث عن عمارة بن اكيمة عن حكيم بن حزام قال لقد رأيتنا يوم بدر وقد وقع بجاد من السماء قد سد الافق فاذا الوادي يسيل نهلا فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد به محمد فما كانت إلا الهزيمة ولقي الملائكة
وقال اسحاق بن راهويه حدثنا وهب بن جرير بن حازم حدثني أبي عن محمد بن اسحاق حدثني أبي عن جبير بن مطعم قال رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الاسود قد نزل من السماء مثل النمل الاسود فلم اشك أنها الملائكة فلم يكن إلا هزيمة القوم ولما تنزلت الملائكة للنصر ورآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أغفى إغفاءة ثم استيقظ وبشر بذلك أبا بكر وقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل يقود فرسه على ثناياه النقع يعني من المعركة ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش في الدرع فجعل يحرض على القتال ويبشر الناس بالجنة ويشجعهم بنزول الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم حصل لهم السكينة والطمأنينة وقد حصل النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة والثبات والايمان كما قال إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وهذا كما حصل لهم بعد ذلك يوم أحد بنص القرآن ولهذا قال ابن مسعود النعاس في المصاف من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق وقال الله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وإن الله مع المؤمنين قال الامام احمد حدثنا يزيد ابن هارون ثنا محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة أن أبا جهل قال حين التقى القوم اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح وكذا ذكره ابن اسحاق في السيرة ورواه النسائي من طريق صالح بن كيسان عن الزهري ورواه الحاكم من حديث الزهري أيضا ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه
وقال الاموي حدثنا أسباط بن محمد القرشي عن عطية عن مطرف في قوله إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح قال قال أبو جهل اللهم أعن أعز الفئتين وأكرم القبيلتين وأكثر الفريقين فنزلت إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وقال علي بن ابي طلحة عن ابن عباس في قوله وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم قال أقبلت عير أهل مكة تريد الشام فبلغ ذلك اهل المدينة فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير فبلغ ذلك أهل مكة فاسرعوا اليها لكيلا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الله قد وعدهم احدى الطائفتين وكانوا يحبون أن يلقوا العير وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم وكره القوم مسيرهم لشوكة القوم فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون وبينهم وبين الماء رملة دعصة فاصاب المسلمون ضعف شديد وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم كذا فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا فاذهب الله عنهم رجز الشيطان فصار الرمل لبدا ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم وأيد الله نبيه والمؤمنين بالف من
الملائكة فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة وجاء ابليس في جند الشياطين ومعه ذريته وهم في صورة رجال من بني مدلج والشيطان في صورة سراقة بن جعشم وقال الشيطان للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما اصطف الناس قال أبو جهل اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا فقال له جبريل خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم فما المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين وأقبل جبريل إلى إبليس فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين يده ثم ولى مدبرا وشيعته فقال الرجل يا سراقة أما زعمت أنك لنا جار قال إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب وذلك حين رأى الملائكة رواه البيهقي في الدلائل
@ وقال الطبراني حدثنا مسعدة بن سعد العطار ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا عبد العزيز بن عمران ثنا هشام بن سعد عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الانصاري عن رفاعة بن رافع قال لما رأى أبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص اليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال اللهم إني أسألك نظرتك إياي وخاف أن يخلص القتل اليه وأقبل أبو جهل فقال يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك فإنه كان على ميعاد من محمد ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا فواللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال فلا الفين رجلا منكم قتل رجل ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم اياكم ورغبتهم عن اللات والعزى ثم قال أبو جهل متمثلا
ما تنقم الحرب الشموس مني
بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
وروى الواقدي عن موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي بكر بن أبي سليمان عن أبي حتمة سمعت مروان بن الحكم يسأل حكيم بن حزام عن يوم بدر فجعل الشيخ يكره ذلك فالح عليه فقال حكيم التقينا فاقتتلنا فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل وقعة الحصاة في الطست وقبض النبي صلى الله عليه وسلم القبضة التراب فرمى بها فانهزمنا قال الواقدي وحدثنا اسحاق بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد ابن عبد الله عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير سمعت نوفل بن معاوية الديلي يقول انهزمنا يوم بدر
ونحن نسمع صوتا كوقع الحصى في الطاس في أفئدتنا ومن خلفنا وكان ذلك من أشد الرعب علينا
وقال الاموي حدثنا أبي ثنا ابن أبي اسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن أبا جهل حين التقى القوم قال اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بمالا نعرف فأحنه الغداة فكان هو المستفتح فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ كفا من الحصى بيده ثم خرج فاستقبل القوم فقال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها ثم قال لاصحابه احملوا فلم تكن إلا الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديدهم وأسر من أسر منهم وقال زياد عن ابن اسحاق ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه ثم نفحهم بها وأمر أصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش واسر من أسر من أشرافهم وقال السدي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي يوم بدر أعطني حصباء من الارض فناوله حصباء عليها تراب فرمى به وجوه القوم فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شيء ثم ردفهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وأنزل الله في ذلك فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وهكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد ومحمد بن كعب ومحمد بن قيس وقتادة وابن زيد وغيرهم ان هذه الآية نزلت في ذلك يوم بدر وقد فعل عليه السلام مثل ذلك في غزوة حنين كما سيأتي في موضعه إذا انتهينا اليه إن شاء الله وبه الثقة وذكر ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرض أصحابه على القتال ورمى المشركين بما رماهم به من التراب وهزمهم الله تعالى صعد الى العريش أيضا ومعه أبو بكر ووقف سعد بن معاذ ومن معه من الانصار على باب العريش ومعهم السيوف خيفة أن تكر راجعة من المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق ولما وضع القوم أيديهم يأسرون رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لي في وجه سعد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس فقال له كأني بك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله باهل الشرك فكان الاثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال قال ابن اسحاق وحدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يومئذ إني قد عرفت رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن اسد فلا يقتله ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله فانه إنما خرج مستكرها فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة أنقتل
آباءنا وابناءنا واخواننا ونترك العباس والله لئن لقيته لالحمنه بالسيف فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر يا أبا حفص قال عمر والله إنه لاول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بابي حفص ايضرب وجه عم رسول الله بالسيف فقال عمر يا رسول الله دعني فلاضرب عنقه بالسيف فوالله لقد نافق فقال أبو حذيفة ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا رضي الله عنه
*2* مقتل ابي البختري بن هشام
@
قال ابن اسحاق وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أبي البختري لانه كان أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه وكان ممن قام في نقض الصحيفة فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الانصار فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك ومع أبي البختري زميل له خرج معه من مكة وهو جنادة بن مليحة وهو من بني ليث قال وزميلي فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما أمرنا رسول الله إلا بك وحدك قال لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعا لا يتحدث عني نساء قريش بمكة أني تركت زميلي حرصا على الحياة وقال أبو البختري وهو ينازل المجذر
لن يترك ابن حرة زميله * حتى يموت أو يرى سبيله
قال فاقتتلا فقتله المجذر بن ذياد وقال في ذلك * إما جهلت أو نسيت نسبي
فأثبت النسبة إني من بلي
الطاعنين برماح البزني * والطاعنين الكبش حتى ينحني
بشر بيتم من أبوه البختري * أو بشرن بمثلها مني بني
أنا الذي يقال أصلي من بلي * أطعن بالصعدة حتى تنثني
وأعبط القرن بعصب مشرفي * أرزم للموت كإرزام المري
يذيقونه حد أسيافهم * يعلونه بعد ما قد عطب
فلا يرى مجذرا يفري فري
ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستائر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلني فقاتلته فقتلته
*2* فصل في مقتل أمية بن خلف
@
قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه وحدثنيه أيضا عبد الله
ابن أبي بكر وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف قال كان أمية بن خلف لي صديقا بمكة وكان اسمي عبد عمرو فتسميت حين اسلمت عبد الرحمن فكان يلقاني ونحن بمكة فيقول يا عبد عمرو ارغبت عن اسم سماكه أبوك قال فأقول نعم قال فاني لا اعرف الرحمن فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به أما أنت فلا تجيبني باسمك الاول وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف قال وكان إذا دعاني يا عبد عمرو لم أجبه قال فقلت له يا أبا علي اجعل ما شئت قال فانت عبد الاله قال قلت نعم قال فكنت اذا مررت به قال يا عبد الاله فأجيبه فاتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه علي وهو آخذ بيده قال ومعي أدراع لي قد استلبتها فأنا أحملها فلما رآني قال يا عبد عمرو فلم أجبه فقال يا عبد الاله فقلت نعم قال هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التي معك قال قلت نعم ها الله قال فطرحت الادراع من يدي وأخذت وبيد وبيد ابنه وهو يقول ما رأيت كاليوم قط أما لكم حاجة في اللبن ثم خرجت أمشي بهما قال ابن اسحاق حدثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن ابراهيم عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال قال لي أمية ابن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما يا عبد الاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت حمزة قال ذاك الذي فعل بنا الافاعيل قال عبد الرحمن فوالله إني لاقودهما إذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة علا الاسلام فلما رآه قال رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا قال قلت أي بلال أسيري قال لا نجوت إن نجا قال ثم صرخ باعلا صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المسكة فأنا أذب عنه قال فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت بمثلها قط قال قلت أنج بنفسك ولا نجاء فوالله ما أغنى عنك شيئا قال فهبروهما باسيافهم حتى فرغوا منهما قال فكان عبد الرحمن يقول يرحم الله بلالا فجعني بادراعي وباسيري وهكذا رواه البخاري في صحيحه قريبا من هذا السياق فقال في الوكالة حدثنا عبد العزيز هو ابن عبد الله حدثنا يوسف هو ابن الماجشون عن صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده عبد الرحمن بن عوف قال كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة فلما ذكرت الرحمن قال لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية فكاتبته عبد عمرو فلما كان يوم بدر خرجت إلى جبل لاحرزه حين نام الناس فابصره بلال فخرج حتى وقف على مجلس من الانصار فقال امية بن خلف لا نجوت إن نجا أمية بن خلف فخرج
معه فريق من الانصار في آثارنا فلما خشيت أن يلحقونا خلفت لهم ابنه لاشغلهم فقتلوه ثم أتوا حتى تبعونا وكان رجلا ثقيلا فلما أدركونا قلت له أبرك فبرك فالقيت عليه نفسي لامنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه وأصاب أحدهم رجلي بسيفه فكان عبد الرحمن بن عوف يرينا ذلك في ظهر قدمه سمع يوسف صالحا وابراهيم أباه تفرد به البخاري من بينهم كلهم وفي مسند رفاعة بن رافع أنه هو الذي قتل أمية بن خلف

يتبع ..

اخت مسلمة
04-12-2009, 12:20 AM
خلف
*2* مقتل أبي جهل لعنه الله
@
قال ابن هشام واقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول
ما تنقم الحرب العوان مني * بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
قال ابن اسحاق ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بابي جهل أن يلتمس في القتلى وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص اليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي واجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لاسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها قال ابن اسحاق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بابي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بابي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أنظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فاني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت اشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبته فحجش في أحدهما جحشا لم يزل أثره به قال ابن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني
ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني قال اعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم قال قلت لله ولرسوله
قال ابن اسحاق وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي لقد ارتقيت مرتقى صعبا يارويعي الغنم قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله فقال لله الذي لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نعم والله الذي لا إله غيره ثم القيت رأسه بين يدي رسول الله فحمد الله هكذا ذكر ابن اسحاق رحمه الله وقد ثبت في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون عن صالح بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فاذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة اسنانهما فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم أتعرف أبا جهل فقلت نعم وما حاجتك اليه قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الا عجل منا فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها فلم انشب أن نظرت إلى ابي جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبراه فقال أيكما قتله قال كل منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قالا لا قال فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال كلاهما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء وقال البخاري حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا ابراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال قال عبد الرحمن إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فاذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه يا عم أرني أبا جهل فقلت يا ابن أخي ما تصنع به قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله قال فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما اليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينظر ماذا صنع أبو جهل قال ابن مسعود أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته قال فقلت أنت ابو جهل فقال وهو فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه وعند البخاري عن أبي سلمة عن اسماعيل ابن قيس عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال هل أخزاك الله فقال هل أعمد من رجل قتلتموه وقال الاعمش عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ومعي سيف رديء فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف
رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة قال فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت قتلت ابا جهل فقال الله الذي لا إله إلا هو فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي اليهم فدعا عليهم
وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة قال قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له فقلت الحمد الله الذي أخزاك الله يا عدو الله قال هل هو إلا رجل قتله قومه فجعلت أتناوله بالسيف لي غير طائل فاصبت يده فندر سيفه فاخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الأرض فأخبرته فقال لله الذي لا إله إلا هو فرددها ثلاثا قال قلت الله الذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا فرعون هذه الأمة وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلني سيفه وقال أبو اسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقلت قد قتلت أبا جهل فقال آلله الذي لا إله إلا هو فقال الله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال انطلق فأرنيه فانطلقت فأريته فقال هذا فرعون هذه الأمة ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي اسحاق السبيعي به وقال الواقدي وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس ائمة الكفر فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما قال الملائكة وابن مسعود قد شرك في قتله رواه البيهقي
وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الازهر عن أبي اسحاق قال لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رايته قتيلا فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم عن سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بني أسد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبي جهل وقال ابن ماجه حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبي حدثنا هشام أخبرنا خالد عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في
الارض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أبو جهل بن هشام يعذب الى يوم القيامة وقال الاموي في مغازيه سمعت أبي ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الارض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وقال البخاري حدثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال قال الزبير لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه الا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها قال عروة فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فاعطاه إياها فلما قبض أبو بكر سأله إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه اياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ومر به إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت اباك إني لو قتلته لم أعتذر اليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فاما أبوك فاني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدث عند وقصد له ابن عمه علي فقتله
قال ابن اسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعطاه جذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به الشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الاسدي أيام الردة وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمي عند مجال
وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه قال ابن اسحاق وعكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال اللهم اجعله منهم وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما قال ابن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني منا خير فارس في العرب قالوا ومن هو يا رسول الله قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الازور ذاك رجل منا يا رسول الله قال ليس منكم ولكنه
منا للحلف وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني عمر بن عثمان الخشني عن أبيه عن عمته قالت قال عكاشة بن محصن انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا فاذا هو سيف أبيض طويل فقاتلت به حتى هزم الله المشركين ولم يزل عنده حتى هلك وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الاشهل عدة قالوا انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة
*2* رده عليه السلام عين قتادة
@
قال البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو سعد الماليني أخبرنا أبو أحمد بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا فدعاه فغمز حدقته براحته فكان لا يدري أي عين أصيب وفي رواية فكانت أحسن عينيه وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أيما رد
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند ذلك منشدا قول أمية بن ابي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا
تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
*2* فصل قصة اخرى شبيهة بها
@
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا محمد بن صالح أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا ابراهيم بن المنذر أخبرنا عبد العزيز بن عمران حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه بن مالك قال لما كان يوم بدر تجمع الناس على أبي بن خلف فأقبلت اليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت ابطه قال فطعنته بالسيف فيها طعنة ورميت بسهم يوم بدر ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي فما أذاني منها شيء وهذا غريب من هذا الوجه واسناده جيد ولم يخرجوه ورواه الطبراني من حديث ابراهيم بن المنذر قال ابن
هشام ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال اين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن
لم يبق إلا شكة ويعبوب * صارم يقتل ضلال الشيب
يعني لم يبق إلا عدة الحرب وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة هذا يقوله في حال كفره وقد روينا في مغازي الاموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي هو وأبو بكر الصديق بين القتلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نفلق هاما فيقول الصديق
من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما
*2* طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر
@
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه فاقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا قال ابن اسحاق وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا فقال المسلمون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتنادي قوما قد جيفوا فقال ما أنتم باسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني وقد رواه الامام احمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه وهذا على شرط الشيخين قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا
قلت وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الاحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الاحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله وما أنت بمسمع من في القبور وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم
للاحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت اليه رضي الله عنها وأرضاها وقال البخاري حدثنا عبيد ابن اسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت رحمه الله إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت وذاك مثل قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال قال انهم ليسمعون ما أقول وإنما قال إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور تقول حين تبوؤا مقاعدهم في النار وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله ثم قال البخاري حدثني عثمان ثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم الآن يسمعون ما أقول لهم وذكر لعائشة فقالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة وعن أبي بكر بن ابي شيبة عن وكيع كلاهما عن هشام بن عروة وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر باربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث وكان اذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على شفى الركى فجعل يناديهم بأسمائهم واسماء آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم باسمع لما أقول منهم قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن سعيد بن أبي عروبة ورواه الامام احمد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث أنس بن مالك فذكر مثله فلم يذكر أبا طلحة وهذا اسناد صحيح ولكن الأول أصح وأظهر والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا ثم أتاهم فقام عليهم فقال يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت
ما وعدني ربي حقا قال فسمع عمر صوته فقال يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون يقول الله تعالى إنك لا تسمع الموتى فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به وقال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت
عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون * من الوسمي منهمر سكوب
فامسى رسمها خلقا وأمست * يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة القلب الكئيب
وخبر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير اخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه * على الاعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاطي الكعوب
بنو الأوس الغطارف وآزرتها * بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال * ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا * صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن اسحاق ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغير لونه فقال يا حذيفة لعلك قد دخلت من شأن أبيك شيء أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا وقال البخاري حدثنا
الحميدي حدثنا سفيان ثنا عمرو عن عطاء عن ابن عباس الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال هم والله كفار قريش قال عمرو هم قريش ومحمد نعمة الل ه وأحلوا قومهم دار البوار قال النار يوم بدر قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت
قومي الذين هم آووا نبيهم * وصدقوه وأهل الارض كفار
إلا خصائص اقوام هم سلف * للصالحين من الانصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم * لما أتاهم كريم الأصل مختار
اهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة * نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم دارا هي الدار
وقاسموهم بها الاموال إذ قدموا * مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إني لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزي والعار
ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا
وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن ابي بكر وعبد الرزاق قالا حدثنا اسرائيل عن عكرمة عن ابن عباس قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى قيل له عليك العير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو في الوثاق إنه لا يصلح لك قال لم قال لان الله وعدك احدى الطائفتين وقد أنجز لك ما وعدك وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين هذا مع حضور الف من الملائكة وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فاهلكهم عن آخرهم ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا فيهن من الامم والدواب والاراضي والمزروعات ما لا يعلمه إلا الله فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط كما تقدم
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين وبين تعالى حكمه في ذلك فقال فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض الآية وقال تعالى قاتلوهم
يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الآية فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الانصار ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله فشفى الله به قلوب المؤمنين كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه والله أعلم
وقد ذكر ابن اسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم لانه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه جماعة منهم الحارث بن زمعة بن الاسود وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وعلي بن امية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج قال وفيهم نزل قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا وكان جملة الاسارى يومئذ سبعين أسيرا كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك فالله أعلم وكان فيهم أبو العاص ابن الربيع بن عبد شمس بن امية زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم
*2* فصل (اختلاف الصحابة في الأسارى على قولين ) .
@ وقد اختلف الصحابة في الاسارى أيقتلون أو يفادون على قولين كما قال الامام احمد حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس وذكر رجل عن الحسن قال استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الاسارى يوم بدر فقال إن الله قد أمكنكم منهم قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فاعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء قال وأنزل الله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم الآية انفرد به احمد وقد روى الامام احمد واللفظ له ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا علي بن المديني وصححه من حديث عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني
ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمائة ونيف ونظر الى المشركين فاذا هم ألف وزيادة فذكر الحديث كما تقدم الى قوله فقتل منهم سبعون رجلا وأسرمنهم سبعون رجلا واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان اخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر فغدوت الى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وان لم اجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم من الفداء ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث
وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء الاسرى قال فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم قال وقال عمر يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم قال وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج عليهم فقال إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللين وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل ابراهيم قال فمن تبعنى فانه ومن عصانى فانك غفور رحيم مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق
قال عبد الله فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فاني قد سمعته يذكر الاسلام قال فسكت قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال إلا سهيل بن بيضاء قال فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم إلى آخر الآيتين وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي معاوية وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك وقد روى عن أبي أيوب الانصاري بنحوه وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال لما أسر الاسارى يوم بدر اسر العباس فيمن اسر أسره رجل من الانصار قال وقد أوعدته الانصار أن يقتلوه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس وقد زعمت الانصار أنهم قاتلوه قال عمر أفآتيهم قال نعم فأتى عمر الانصار فقال لهم ارسلوا العباس فقالوا لا والله لا نرسله فقال لهم عمر فان كان لرسول الله رضي قالوا فان كان له رضى فخذه فاخذه عمر فلما صار في يده قال له عمر يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه اسلامك قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر عشيرتك فارسلهم واستشار عمر فقال اقتلهم ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض الآية ثم قال الحاكم في صحيحه هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال خير أصحابك في الاسارى إن شاؤا الفداء وإن شاؤا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم قالوا الفداء أو يقتل منا وهذا حديث غريب جدا ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم وقد قال ابن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى اتقدم اليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن اسحاق وغيره وقال الاعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا وهكذا روي عن سعد ابن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقال مجاهد والثوري لولا كتاب من الله سبق أي لهم بالمغفرة وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الاول أن المغانم وفداء الاسارى حلال لكم ولهذا قال بعده فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وهكذا روى عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والاعمش واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا





خلف
*2* مقتل أبي جهل لعنه الله
@
قال ابن هشام واقبل أبو جهل يومئذ يرتجز ويقول
ما تنقم الحرب العوان مني * بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
قال ابن اسحاق ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عدوه أمر بابي جهل أن يلتمس في القتلى وكان أول من لقي أبا جهل كما حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر أيضا قد حدثني ذلك قالا قال معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بني سلمة سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص اليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها قال وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي واجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لاسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها قال ابن اسحاق ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمن عثمان ثم مر بابي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق وقاتل معوذ حتى قتل فمر عبد الله بن مسعود بابي جهل حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس في القتلى وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أنظروا إن خفي عليكم في القتلى إلى أثر جرح في ركبته فاني ازدحمت أنا وهو يوما على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت اشف منه بيسير فدفعته فوقع على ركبته فحجش في أحدهما جحشا لم يزل أثره به قال ابن مسعود فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه قال وقد كان ضبث بي مرة بمكة فآذاني ولكزني
ثم قلت له هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني قال اعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدائرة اليوم قال قلت لله ولرسوله
قال ابن اسحاق وزعم رجال من بني مخزوم أن ابن مسعود كان يقول قال لي لقد ارتقيت مرتقى صعبا يارويعي الغنم قال ثم احتززت رأسه ثم جئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله فقال لله الذي لا إله غيره وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نعم والله الذي لا إله غيره ثم القيت رأسه بين يدي رسول الله فحمد الله هكذا ذكر ابن اسحاق رحمه الله وقد ثبت في الصحيحين من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشون عن صالح بن ابراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف قال إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي فاذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة اسنانهما فتمنيت أن أكون بين أظلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم أتعرف أبا جهل فقلت نعم وما حاجتك اليه قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الا عجل منا فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها فلم انشب أن نظرت إلى ابي جهل وهو يجول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبراه فقال أيكما قتله قال كل منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قالا لا قال فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال كلاهما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء وقال البخاري حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا ابراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال قال عبد الرحمن إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فاذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه يا عم أرني أبا جهل فقلت يا ابن أخي ما تصنع به قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه وقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله قال فما سرني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما اليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء وفي الصحيحين أيضا من حديث أبي سليمان التيمي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينظر ماذا صنع أبو جهل قال ابن مسعود أنا يا رسول الله فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته قال فقلت أنت ابو جهل فقال وهو فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه وعند البخاري عن أبي سلمة عن اسماعيل ابن قيس عن ابن مسعود أنه أتى أبا جهل فقال هل أخزاك الله فقال هل أعمد من رجل قتلتموه وقال الاعمش عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ومعي سيف رديء فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف
رأسي بمكة حتى ضعفت يده فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال على من كانت الدائرة لنا أو علينا ألست رويعينا بمكة قال فقتلته ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت قتلت ابا جهل فقال الله الذي لا إله إلا هو فاستحلفني ثلاث مرات ثم قام معي اليهم فدعا عليهم
وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة قال قال عبد الله انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له فقلت الحمد الله الذي أخزاك الله يا عدو الله قال هل هو إلا رجل قتله قومه فجعلت أتناوله بالسيف لي غير طائل فاصبت يده فندر سيفه فاخذته فضربته حتى قتلته قال ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الأرض فأخبرته فقال لله الذي لا إله إلا هو فرددها ثلاثا قال قلت الله الذي لا إله إلا هو قال فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا فرعون هذه الأمة وفي رواية أخرى قال ابن مسعود فنفلني سيفه وقال أبو اسحاق الفزاري عن الثوري عن أبي اسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقلت قد قتلت أبا جهل فقال آلله الذي لا إله إلا هو فقال الله الذي لا إله إلا هو مرتين أو ثلاثا قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال انطلق فأرنيه فانطلقت فأريته فقال هذا فرعون هذه الأمة ورواه أبو داود والنسائي من حديث أبي اسحاق السبيعي به وقال الواقدي وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على مصرع ابني عفراء فقال رحم الله ابني عفراء فهما شركاء في قتل فرعون هذه الأمة ورأس ائمة الكفر فقيل يا رسول الله ومن قتله معهما قال الملائكة وابن مسعود قد شرك في قتله رواه البيهقي
وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم حدثنا احمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن عنبسة بن الازهر عن أبي اسحاق قال لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبي جهل استحلفه ثلاثة أيمان بالله الذي لا إله إلا هو لقد رايته قتيلا فحلف له فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم روى البيهقي من طريق أبي نعيم عن سلمة بن رجاء عن الشعثاء امرأة من بني أسد عن عبد الله ابن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين حين بشر بالفتح وحين جيء برأس أبي جهل وقال ابن ماجه حدثنا أبو بشر بكر بن خلف حدثنا سلمة بن رجاء قال حدثتني شعثاء عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يوم بشر برأس أبي جهل ركعتين
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبي حدثنا هشام أخبرنا خالد عن الشعبي أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الارض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في
الارض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أبو جهل بن هشام يعذب الى يوم القيامة وقال الاموي في مغازيه سمعت أبي ثنا المجالد بن سعيد عن عامر قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت رجلا جالسا في بدر ورجل يضرب رأسه بعمود من حديد حتى يغيب في الارض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أبو جهل وكل به ملك يفعل به كلما خرج فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وقال البخاري حدثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه قال قال الزبير لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى منه الا عيناه وهو يكنى أبا ذات الكرش فقال أنا أبو ذات الكرش فحملت عليه بعنزة فطعنته في عينه فمات قال هشام فأخبرت أن الزبير قال لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها وقد انثنى طرفاها قال عروة فسأله إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها ثم طلبها أبو بكر فاعطاه إياها فلما قبض أبو بكر سأله إياه عمر بن الخطاب فأعطاه إياها فلما قبض عمر أخذها ثم طلبها عثمان منه فأعطاه اياها فلما قتل عثمان وقعت عند آل علي فطلبها عبد الله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل وقال ابن هشام حدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ومر به إني أراك كأن في نفسك شيئا أراك تظن أني قتلت اباك إني لو قتلته لم أعتذر اليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة فاما أبوك فاني مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدث عند وقصد له ابن عمه علي فقتله
قال ابن اسحاق وقاتل عكاشة بن محصن بن حرثان الاسدي حليف بني عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعطاه جذلا من حطب فقال قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد سيفا في يده طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون ثم لم يزل عنده يشهد به الشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتله طليحة الاسدي أيام الردة وأنشد طليحة في ذلك قصيدة منها قوله
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمي عند مجال
وقد أسلم بعد ذلك طليحة كما سيأتي بيانه قال ابن اسحاق وعكاشة هو الذي قال حين بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بسبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب أدع الله أن يجعلني منهم قال اللهم اجعله منهم وهذا الحديث مخرج في الصحاح والحسان وغيرهما قال ابن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني منا خير فارس في العرب قالوا ومن هو يا رسول الله قال عكاشة بن محصن فقال ضرار بن الازور ذاك رجل منا يا رسول الله قال ليس منكم ولكنه
منا للحلف وقد روى البيهقي عن الحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني عمر بن عثمان الخشني عن أبيه عن عمته قالت قال عكاشة بن محصن انقطع سيفي يوم بدر فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عودا فاذا هو سيف أبيض طويل فقاتلت به حتى هزم الله المشركين ولم يزل عنده حتى هلك وقال الواقدي وحدثني أسامة بن زيد عن داود بن الحصين عن رجال من بني عبد الاشهل عدة قالوا انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر فبقي أعزل لا سلاح معه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال اضرب به فإذا سيف جيد فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيدة
*2* رده عليه السلام عين قتادة
@
قال البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو سعد الماليني أخبرنا أبو أحمد بن عدي حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الحماني ثنا عبد العزيز بن سليمان بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه يوم بدر فسالت حدقته على وجنته فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا فدعاه فغمز حدقته براحته فكان لا يدري أي عين أصيب وفي رواية فكانت أحسن عينيه وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه لما أخبره بهذا الحديث عاصم بن عمر بن قتادة وأنشد مع ذلك
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أيما رد
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله عند ذلك منشدا قول أمية بن ابي الصلت في سيف بن ذي يزن فأنشده عمر في موضعه حقا
تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
*2* فصل قصة اخرى شبيهة بها
@
قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا محمد بن صالح أخبرنا الفضل بن محمد الشعراني حدثنا ابراهيم بن المنذر أخبرنا عبد العزيز بن عمران حدثني رفاعة بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع عن أبيه بن مالك قال لما كان يوم بدر تجمع الناس على أبي بن خلف فأقبلت اليه فنظرت إلى قطعة من درعه قد انقطعت من تحت ابطه قال فطعنته بالسيف فيها طعنة ورميت بسهم يوم بدر ففقئت عيني فبصق فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي فما أذاني منها شيء وهذا غريب من هذا الوجه واسناده جيد ولم يخرجوه ورواه الطبراني من حديث ابراهيم بن المنذر قال ابن
هشام ونادى أبو بكر ابنه عبد الرحمن وهو يومئذ مع المشركين لم يسلم بعد فقال اين مالي يا خبيث فقال عبد الرحمن
لم يبق إلا شكة ويعبوب * صارم يقتل ضلال الشيب
يعني لم يبق إلا عدة الحرب وحصان وهو اليعبوب يقاتل عليه شيوخ الضلالة هذا يقوله في حال كفره وقد روينا في مغازي الاموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمشي هو وأبو بكر الصديق بين القتلى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نفلق هاما فيقول الصديق
من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما
*2* طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر
@
قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى أن يطرحوا في القليب طرحوا فيه إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليخرجوه فتزايل لحمه فاقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة فلما ألقاهم في القليب وقف عليهم فقال يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا قالت فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى فقال لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق قالت عائشة والناس يقولون لقد سمعوا ما قلت لهم وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علموا قال ابن اسحاق وحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول يا أهل القليب يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام فعدد من كان منهم في القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا فقال المسلمون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتنادي قوما قد جيفوا فقال ما أنتم باسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني وقد رواه الامام احمد عن ابن أبي عدي عن حميد عن أنس فذكر نحوه وهذا على شرط الشيخين قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فاني قد وجدت ما وعدني ربي حقا
قلت وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الاحاديث كما قد جمع ما كانت تتأوله من الاحاديث في جزء وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله وما أنت بمسمع من في القبور وليس هو بمعارض له والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم
للاحاديث الدالة نصا على خلاف ما ذهبت اليه رضي الله عنها وأرضاها وقال البخاري حدثنا عبيد ابن اسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال ذكر عند عائشة أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت رحمه الله إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت وذاك مثل قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال قال انهم ليسمعون ما أقول وإنما قال إنهم الآن ليعلمون إنما كنت أقول لهم حق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور تقول حين تبوؤا مقاعدهم في النار وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به وقد جاء التصريح بسماع الميت بعد دفنه في غير ما حديث كما سنقرر ذلك في كتاب الجنائز من الاحكام الكبير إن شاء الله ثم قال البخاري حدثني عثمان ثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن ابن عمر قال وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال انهم الآن يسمعون ما أقول لهم وذكر لعائشة فقالت إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم قرأت إنك لا تسمع الموتى حتى قرأت الآية وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة وعن أبي بكر بن ابي شيبة عن وكيع كلاهما عن هشام بن عروة وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد سمع روح بن عبادة ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر باربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث وكان اذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى وتبعه أصحابه وقالوا ما نرى ينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على شفى الركى فجعل يناديهم بأسمائهم واسماء آبائهم يا فلان ابن فلان ويا فلان بن فلان يسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فانا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقال عمر يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده ما أنتم باسمع لما أقول منهم قال قتادة أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما وقد أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن سعيد بن أبي عروبة ورواه الامام احمد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث أنس بن مالك فذكر مثله فلم يذكر أبا طلحة وهذا اسناد صحيح ولكن الأول أصح وأظهر والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا ثم أتاهم فقام عليهم فقال يا أمية بن خلف يا أبا جهل بن هشام يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فاني قد وجدت
ما وعدني ربي حقا قال فسمع عمر صوته فقال يا رسول الله أتناديهم بعد ثلاث وهل يسمعون يقول الله تعالى إنك لا تسمع الموتى فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به وقال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت
عرفت ديار زينب بالكثيب * كخط الوحي في الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون * من الوسمي منهمر سكوب
فامسى رسمها خلقا وأمست * يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم * ورد حرارة القلب الكئيب
وخبر بالذي لا عيب فيه * بصدق غير اخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر * لنا في المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء * بدت أركانه جنح الغروب
فلاقيناهم منا بجمع * كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه * على الاعداء في لفح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات * وكل مجرب خاطي الكعوب
بنو الأوس الغطارف وآزرتها * بنو النجار في الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا * وعتبة قد تركنا بالجبوب
وشيبة قد تركنا في رجال * ذوي حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما * قذفناهم كباكب في القليب
ألم تجدوا كلامي كان حقا * وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا * صدقت وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن اسحاق ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقوا في القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب في القليب فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني في وجه أبي حذيفة بن عتبة فاذا هو كئيب قد تغير لونه فقال يا حذيفة لعلك قد دخلت من شأن أبيك شيء أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا والله يا رسول الله ما شككت في أبي ولا في مصرعه ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه ذلك للاسلام فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا وقال البخاري حدثنا
الحميدي حدثنا سفيان ثنا عمرو عن عطاء عن ابن عباس الذين بدلوا نعمة الله كفرا قال هم والله كفار قريش قال عمرو هم قريش ومحمد نعمة الل ه وأحلوا قومهم دار البوار قال النار يوم بدر قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت
قومي الذين هم آووا نبيهم * وصدقوه وأهل الارض كفار
إلا خصائص اقوام هم سلف * للصالحين من الانصار أنصار
مستبشرين بقسم الله قولهم * لما أتاهم كريم الأصل مختار
اهلا وسهلا ففي أمن وفي سعة * نعم النبي ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها * من كان جارهم دارا هي الدار
وقاسموهم بها الاموال إذ قدموا * مهاجرين وقسم الجاحد النار
سرنا وساروا إلى بدر لحينهم * لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
دلاهم بغرور ثم أسلمهم * إن الخبيث لمن والاه غرار
وقال إني لكم جار فأوردهم * شر الموارد فيه الخزي والعار
ثم التقينا فولوا عن سراتهم * من منجدين ومنهم فرقة غاروا
وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن ابي بكر وعبد الرزاق قالا حدثنا اسرائيل عن عكرمة عن ابن عباس قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتلى قيل له عليك العير ليس دونها شيء فناداه العباس وهو في الوثاق إنه لا يصلح لك قال لم قال لان الله وعدك احدى الطائفتين وقد أنجز لك ما وعدك وقد كانت جملة من قتل من سراة الكفار يوم بدر سبعين هذا مع حضور الف من الملائكة وكان قدر الله السابق فيمن بقي منهم أن سيسلم منهم بشر كثير ولو شاء الله لسلط عليهم ملكا واحدا فاهلكهم عن آخرهم ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلية وقد كان في الملائكة جبريل الذي أمره الله تعالى فاقتلع مدائن قوم لوط وكن سبعا فيهن من الامم والدواب والاراضي والمزروعات ما لا يعلمه إلا الله فرفعهن حتى بلغ بهن عنان السماء على طرف جناحه ثم قلبهن منكسات واتبعهن بالحجارة التي سومت لهم كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوط كما تقدم
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين وبين تعالى حكمه في ذلك فقال فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض الآية وقال تعالى قاتلوهم
يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الآية فكان قتل أبي جهل على يدي شاب من الانصار ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعود ومسك بلحيته وصعد على صدره حتى قال له لقد رقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم ثم بعد هذا حز رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله فشفى الله به قلوب المؤمنين كان هذا أبلغ من أن تأتيه صاعقة أو أن يسقط عليه سقف منزله أو يموت حتف أنفه والله أعلم
وقد ذكر ابن اسحاق فيمن قتل يوم بدر مع المشركين فيمن قتل يوم بدر مع المشركين ممن كان مسلما ولكنه خرج معهم تقية منهم لانه كان فيهم مضطهدا قد فتنوه عن إسلامه جماعة منهم الحارث بن زمعة بن الاسود وأبو قيس بن الفاكه وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وعلي بن امية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج قال وفيهم نزل قوله تعالى الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا وكان جملة الاسارى يومئذ سبعين أسيرا كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله منهم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب وابن عمه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب وقد استدل الشافعي والبخاري وغيرهما بذلك على أنه ليس كل من ملك ذا رحم محرم يعتق عليه وعارضوا به حديث الحسن عن ابن سمرة في ذلك فالله أعلم وكان فيهم أبو العاص ابن الربيع بن عبد شمس بن امية زوج زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم
*2* فصل (اختلاف الصحابة في الأسارى على قولين ) .
@ وقد اختلف الصحابة في الاسارى أيقتلون أو يفادون على قولين كما قال الامام احمد حدثنا علي بن عاصم عن حميد عن أنس وذكر رجل عن الحسن قال استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الاسارى يوم بدر فقال إن الله قد أمكنكم منهم قال فقام عمر فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم قال فاعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد النبي فقال للناس مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل منهم الفداء قال وأنزل الله تعالى لولا كتاب من الله سبق لمسكم الآية انفرد به احمد وقد روى الامام احمد واللفظ له ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه وكذا علي بن المديني وصححه من حديث عكرمة بن عمار حدثنا سماك الحنفي أبو زميل حدثني
ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه يوم بدر وهم ثلاثمائة ونيف ونظر الى المشركين فاذا هم ألف وزيادة فذكر الحديث كما تقدم الى قوله فقتل منهم سبعون رجلا وأسرمنهم سبعون رجلا واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر فقال أبو بكر يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والاخوان وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترى يا ابن الخطاب قال قلت والله ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان اخيه فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء فلما كان من الغد قال عمر فغدوت الى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فان وجدت بكاء بكيت وان لم اجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة وأنزل الله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم من الفداء ثم أحل لهم الغنائم وذكر تمام الحديث
وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون في هؤلاء الاسرى قال فقال أبو بكر يا رسول الله قومك وأهلك استبقهم واستأن بهم لعل الله أن يتوب عليهم قال وقال عمر يا رسول الله أخرجوك وكذبوك قربهم فاضرب أعناقهم قال وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله أنظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارا قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا فقال ناس يأخذ بقول أبي بكر وقال ناس يأخذ بقول عمر وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة فخرج عليهم فقال إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون الين من اللين وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة وإن مثلك يا أبا بكر كمثل ابراهيم قال فمن تبعنى فانه ومن عصانى فانك غفور رحيم مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال فمن تبعني فانه مني ومن عصاني فانك غفور رحيم وإن مثلك يا عمر كمثل نوح قال رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم أنتم عالة فلا يبقين أحد إلا بفداء أو ضربة عنق
قال عبد الله فقلت يا رسول الله إلا سهيل بن بيضاء فاني قد سمعته يذكر الاسلام قال فسكت قال فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم حتى قال إلا سهيل بن بيضاء قال فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له اسرى حتى يثخن في الارض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم إلى آخر الآيتين وهكذا رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي معاوية وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه ورواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك وقد روى عن أبي أيوب الانصاري بنحوه وقد روى ابن مردويه والحاكم في المستدرك من حديث عبيد الله بن موسى حدثنا اسرائيل عن ابراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر قال لما أسر الاسارى يوم بدر اسر العباس فيمن اسر أسره رجل من الانصار قال وقد أوعدته الانصار أن يقتلوه فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس وقد زعمت الانصار أنهم قاتلوه قال عمر أفآتيهم قال نعم فأتى عمر الانصار فقال لهم ارسلوا العباس فقالوا لا والله لا نرسله فقال لهم عمر فان كان لرسول الله رضي قالوا فان كان له رضى فخذه فاخذه عمر فلما صار في يده قال له عمر يا عباس أسلم فوالله لئن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله يعجبه اسلامك قال واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال أبو بكر عشيرتك فارسلهم واستشار عمر فقال اقتلهم ففاداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض الآية ثم قال الحاكم في صحيحه هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال خير أصحابك في الاسارى إن شاؤا الفداء وإن شاؤا القتل على أن يقتل عاما قابلا منهم مثلهم قالوا الفداء أو يقتل منا وهذا حديث غريب جدا ومنهم من رواه مرسلا عن عبيدة والله أعلم وقد قال ابن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس في قوله لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم يقول لولا أني لا أعذب من عصاني حتى اتقدم اليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وهكذا روي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا واختاره ابن اسحاق وغيره وقال الاعمش سبق منه أن لا يعذب أحدا شهد بدرا وهكذا روي عن سعد ابن أبي وقاص وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقال مجاهد والثوري لولا كتاب من الله سبق أي لهم بالمغفرة وقال الوالبي عن ابن عباس سبق في أم الكتاب الاول أن المغانم وفداء الاسارى حلال لكم ولهذا قال بعده فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا وهكذا روى عن أبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة والاعمش واختاره ابن جرير وقد ترجح هذا



القول بما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الانبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا وحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه وبعثت الى الناس عامة وروى الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم تحل الغنائم لسود الرؤوس غيرنا ولهذا قال تعالى فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فاذن الله تعالى في أكل الغنائم وفداء الاسارى وقد قال أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي ثنا سفيان بن حبيب ثنا شعبة عن أبي العنبس عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة وهذا كان أقل ما فودي به أحد منهم من المال وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف درهم وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة فقال تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبهم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم الآية وقال الوالبي عن ابن عباس نزلت في العباس ففادى نفسه بالاربعين اوقية من ذهب قال العباس فآتاني الله أربعين عبدا يعني كلهم يتجر له قال وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله جل ثناؤه وقال ابن اسحاق حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل عن بعض أهله عن ابن عباس قال لما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر والاسارى محبوسون بالوثاق بات النبى صلى الله عليه وسلم ساهرا أول الليل فقال له أصحابه مالك لا تنام يا رسول الله فقال سمعت انين عمي العباس في وثاقه فاطلقوه فسكت فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق وكان رجلا موسرا ففادى نفسه بمائة أوقية من ذهب قلت وهذه المائة كانت عن نفسه وعن ابني أخويه عقيل ونوفل وعن حليفه عتبة بن عمرو أحد بني الحارث بن فهر كما أمره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ادعى أنه كان قد أسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ظاهرك فكان علينا والله أعلم باسلامك وسيجزيك فادعى أنه لا مال عنده قال فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل وقلت لها إن أصبت في سفري فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم فقال والله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا شيء ما علمه إلا أنا وأم الفضل رواه ابن اسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس وثبت في صحيح البخاري من طريق موسى بن عقبة قال الزهري حدثني أنس بن مالك قال إن رجالا من الانصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ايذن لنا فلنترك لابن اختنا العباس فداءه فقال لا والله لا تذرون منه درهما قال البخاري وقال ابراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمال من البحرين فقال انثروه في المسجد فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه العباس
فقال يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا فقال خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال لا قال فارفعه أنت على قال لا فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال لا قال فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس عن أسباط بن نصر عن اسماعيل بن عبد الرحمن السدي قال كان فداء العباس وابني اخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب كل رجل أربعمائة دينار ثم توعد تعالى الآخرين فقال وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فامكن منهم والله عليم حكيم
*2* فصل (عدد القتلى والأسرى من المشركين يوم بدر سبعون ) .
@ والمشهور أن الاسارى يوم بدر كانوا سبعين والقتلى من المشركين سبعين كما ورد في غير ما حديث مما تقدم وسيأتي ان شاء الله وكما في حديث البراء بن عازب في صحيح البخاري أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وقال موسى بن عقبة قتل يوم بدر من المسلمين من قريش ستة ومن الانصار ثمانية وقتل من المشركين تسعة وأربعين وأسر منهم تسعة وثلاثين هكذا رواه البيهقي عنه قال وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين ثم قال أخبرنا الحاكم أخبرنا الاصم أخبرنا احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال واستشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلا أربعة من قريش وسبعة من الانصار وقتل من المشركين بضعة وعشرون رجلا وقال في موضع آخر وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعون أسيرا وكانت القتلى مثل ذلك ثم روى البيهقي من طريق أبي صالح كاتب الليث عن الليث عن عقيل عن الزهري قال وكان أول قتيل من المسلمين مهجع مولى عمر ورجل من الانصار وقتل يومئذ من المشركين زيادة على سبعين وأسر منهم مثل ذلك قال ورواه ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري عن عروة بن الزبير قال قال البيهقي وهو الاصح فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم ثم استدل على ذلك بما ساقه هو والبخاري أيضا من طريق أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال امر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد عبد الله ابن جبير فأصابوا منا سبعين وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا قلت والصحيح أن جملة المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف وقد صرح قتادة بانهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا وكأنه اخذه من هذا الذي ذكرناه والله
أعلم وفي حديث عمر المتقدم أنهم كانوا زيادة على الالف والصحيح الاول لقوله عليه السلام القوم ما بين التسعمائة إلى الالف وأما الصحابة يومئذ فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا كما سيأتي التنصيص على ذلك وعلى أسمائهم إن شاء الله وتقدم في حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان وقاله أيضا عروة بن الزبير وقتادة واسماعيل والسدي الكبير وأبو جعفر الباقر وروى البيهقي من طريق قتيبة عن جرير عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عبد الله بن مسعود في ليلة القدر قال تحروها لاحدى عشرة بقين فإن صبيحتها يوم بدر قال البيهقي وروى عن زيد بن أرقم أنه سئل عن ليلةالقدر فقال ليلة تسع عشرة ما شك وقال يوم الفرقان يوم التقى الجمعان قال البيهقي والمشهور عن أهل المغازي أن ذلك لسبع عشرة ليلة مضت من شهر رمضان ثم قال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن بشران حدثنا أبو عمرو بن السماك حدثنا حنبل بن اسحاق ثنا أبو نعيم ثنا عمرو بن عثمان سمعت موسى بن طلحة يقول سئل أبو ايوب الانصاري عن يوم بدر فقال إما لسبع عشرة خلت أو لثلاث عشرة خلت أو لإحدى عشرة بقيت وأما لسبع عشرة بقيت وهذا غريب جدا
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة قباث بن أشيم الليثي من طريق الواقدي وغيره باسنادهم اليه أنه شهد يوم بدر مع المشركين فذكر هزيمتهم مع قلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وجعلت أقول في نفسي ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء والله لو خرجت نساء قريش بالها ردت محمدا وأصحابه فلما كان بعد الخندق قلت لو قدمت المدينة فنظرت إلى ما يقول محمد وقد وقع في نفسي الاسلام قال فقدمتها فسألت عنه فقالوا هو ذاك في ظل المسجد في ملأ من أصحابه فاتيته وأنا لا أعرفه من بين أصحابه فسلمت فقال يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء فقلت أشهد أنك رسول الله فان هذا الامر ما خرج مني إلى أحد قط ولا تزمزمت به إلا شيئا حدثت به نفسي فلولا أنك نبي ما أطلعك عليه هلم أبايعك على الاسلام فاسلمت
*2* فصل (اختلاف الصحابة يوم بدر في المغانم لمن تكون ) .
@ وقد اختلفت الصحابة رضي الله عنهم يوم بدر في المغانم من المشركين يومئذ لمن تكون منهم وكانوا ثلاثة أصناف حين ولى المشركون ففرقة أحدقت برسول الله صلى الله عليه وسلم تحرسه خوفا من أن يرجع أحد من المشركين إليه وفرقة سارقت وراء المشركين يقتلون منهم ويأسرون وفرقة جمعت المغانم
من متفرقات الاماكن فادعى كل فريق من هؤلاء أنه أحق بالمغنم من الآخرين لما صنع من الأمر المهم قال ابن اسحاق فحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال سألت عبادة بن الصامت عن الانفال فقال فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين عن بواء يقول عن سواء وهكذا رواه احمد عن محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق به ومعنى قوله على السواء أي ساوى فيها بين الذين جمعوها وبين الذين اتبعوا العدو وبين الذين ثبتوا تحت الرايات لم يخصص بها فريقا منهم ممن ادعى التخصيص بها ولا ينفي هذا تخميسها وصرف الخمس في مواضعه كما قد يتوهمه بعض العلماء منهم أبو عبيدة وغيره والله أعلم بل قد تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذو الفقار من مغانم بدر قال ابن جرير وكذا اصطفى جملا لابي جهل كان في أنفه برة من فضة وهذا قبل اخراج الخمس أيضا وقال الامام احمد حدثنا معاوية بن عمرو ثنا ابن اسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة عن سليمان بن موسى عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت قال خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم الى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وليس لأحد فيها نصيب وقال الذين خرجوا في طلب العدو لستم باحق به منا نحن نفينا منها العدو وهزمناهم وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فانزل الله يسألونك عن الانفال قل الانفال لله ولرسوله فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين فقسمها رسول الله بين المسلمين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو نفل الربع فاذا أقبل راجعا نفل الثلث وكان يكره الانفال وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث الثوري عن عبد الرحمن ابن الحارث آخره وقال الترمذي هذا حديث حسن ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه وقد روى أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا فسارع في ذلك شبان الرجال وبقي الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنائم جاؤا يطلبون الذي جعل لهم قال الشيوخ لا تستأثروا علينا فانا كنا ردءا لكم لو انكشفتم لفئتم الينا فتنازعوا فانزل الله تعالى يسألونك
عن الانفال قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين وقد ذكرنا في سبب نزول هذه الآية آثارا أخر يطول بسطها ههنا ومعنى الكلام أن الانفال مرجعها إلى حكم الله ورسوله يحكما فيها بما فيه المصلحة للعباد في المعاش والمعاد ولهذا قال تعالى قل الانفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ثم ذكر ما وقع في قصة بدر وما كان من الامر حتى انتهى إلى قوله واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الآية فالظاهر أن هذه الآية مبينة لحكم الله في الانفال الذي جعل مرده اليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فبينه تعالى وحكم فيه بما أراد تعالى وهو قول أبي زيد وقد زعم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم بدر على السواء بين الناس ولم يخمسها ثم نزل بيان الخمس بعد ذلك ناسخا لما تقدم وهكذا روى الوالبي عن ابن عباس وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي وفي هذا نظر والله أعلم فان في سياق الآيات قبل آية الخمس وبعدها كلها في غزوة بدر فيقتضي أن ذلك نزل جملة في وقت واحد غير متفاصل بتأخر يقتضي نسخ بعضه بعضا ثم في الصحيحين عن علي رضي الله عنه أنه قال في قصة شار فيه الذين اجتب أسنمتهما حمزة إن إحداهما كانت من الخمس يوم بدر ما يرد صريحا على أبي عبيد أن غنائم بدر لم تخمس والله أعلم بل خمست كما هو قول البخاري وابن جرير وغيرهما وهو الصحيح الراجح والله أعلم
*2* فصل ( رجوع النبي عليه السلام من بدر إلى المدينة ) .
@ في رجوعه عليه السلام من بدر إلى المدينة وما كان من الامور في مسيره اليها مؤيدا منصورا عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام وقد تقدم أن الوقعة كانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة وثبت في الصحيحين أنه كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاثة ايام وقد أقام عليه السلام بعرصة بدر ثلاثة ايام كما تقدم وكان رحيله منها ليلة الاثنين فركب ناقته ووقف على قليب بدر فقرع أولئك الذين سحبوا اليه كما تقدم ذكره ثم سار عليه السلام ومعه الاسارى والغنائم الكثيرة وقد بعث عليه السلام بين يديه بشيرين إلى المدينة بالفتح والنصر والظفر على من أشرك بالله وجحده وبه كفر أحدهما عبد الله بن رواحة إلى أعالي المدينة والثاني زيد بن حارثة إلى السافلة قال أسامة بن زيد فاتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه قد احتبس عندها بمرضها بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ضرب له رسول الله بسهمه وأجره في بدر قال أسامة فلما قدم أبي زيد بن حارثة جئته وهو
واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وزمعة بن الاسود وأبو البختري العاص بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج قال قلت يا أبة أحق هذا قال أي والله يا بني وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف عثمان وأسامة بن زيد على بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشارة قال أسامة فسمعت الهيعة فخرجت فاذا زيد قد جاء بالبشارة فوالله ما صدقت حتى رأينا الاسارى وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بسهمه وقال الواقدي صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من بدر العصر بالاثيل فلما صلى ركعة تبسم فسئل عن تبسمه فقال يرى ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسم إلي وقال إني كنت في طلب القوم وأتاه جبريل حين فرغ من قتال أهل بدر على فرس أنثى معقود الناصية وقد عصم ثنييه الغبار فقال يا محمد إن ربي بعثني اليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى هل رضيت قال نعم قال الواقدي قالوا وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة من الاثيل فجاءا يوم الاحد حين اشتد الضحى وفارق عبد الله بن رواحة زيد بن حارثة من العقيق فجعل عبد الله بن رواحة ينادي على راحلته يا معشر الانصار أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم قتل ابنا ربيعة وابنا الحجاج وأبو جهل وقتل زمعة بن الاسود وأمية بن خلف وأسر سهيل بن عمرو قال عاصم بن عدي فقمت اليه فنحوته فقلت أحقا يا ابن رواحة فقال أي والله وغدا يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسرى مقرنين ثم تتبع دور الانصار بالعالية يبشرهم دارا دارا والصبيان ينشدون معه يقولون قتل أبو جهل الفاسق حتى إذا انتهى إلى دار بني أمية وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة فلما جاء المصلى صاح على راحلته قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وابنا الحجاج وقتل أمية بن خلف وأبو جهل وأبو البختري وزمعة بن الاسود وأسر سهيل بن عمرو ذو الانياب في أسرى كثير فجعل بعض الناس لا يصدقون زيدا ويقولون ما جاء زيد بن حارثة إلا فلا حتى غاظ المسلمين ذلك وخافوا وقدم زيد حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبقيع وقال رجل من المنافقين لأسامة قتل صاحبكم ومن معه وقال آخر لابي لبابة قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون فيه أبدا وقد قتل عليه أصحابه قتل محمد وهذه ناقته نعرفها وهذا زيد لا يدري ماذا يقول من الرعب وجاء فلا فقال أبو لبابة يكذب الله قولك وقالت اليهود ما جاء زيد إلا فلا قال أسامة فجئت حتى خلوت بابي فقلت أحق ما تقول فقال أي والله حق ما أقول يا بني فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله وبالمسلمين لنقدمنك إلى رسول الله إذا قدم فليضربن عنقك فقال إنما هو شيء سمعته
من الناس يقولونه قال فجيء بالاسرى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد شهد معهم بدرا وهم تسع وأربعون رجلا الذين أحصوا قال الواقدي وهم سبعون في الاصل مجتمع عليه لا شك فيه قال ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الروحاء رؤوس الناس يهنئونه بما فتح الله عليه فقال له أسيد بن الحضير يا رسول الله الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى العدو ولكن ظننت أنها عير ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت فقال له رسول الله صدقت قال ابن اسحاق ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة ومعه الاسارى وفيهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وقد جعل على النفل عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار فقال راجز من المسلمين قال ابن هشام يقال إنه هو عدي بن أبي الزغباء
أقم لها صدورها يا بسبس * ليس بذي الطلح لها معرس
ولا بصحراء عمير محبس * إن مطايا القوم لا تحبس
فحملها على الطريق أكيس * قد نصر الله وفر الأخنس
قال ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبن النازية يقال له سير إلى سرجة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش كما حدثني عاصم بن عمر ويزيد بن رومان ما الذي تهنئوننا به والله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أي ابن أخي أولئك الملأ قال ابن هشام يعني الاشراف والرؤساء
*2* مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله
@
قال ابن اسحاق حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب كما أخبرني بعض أهل العلم من أهل مكة ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية قتل عقبة ابن أبي معيط قال ابن اسحاق فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله فمن للصبية يا محمد قال النار وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح أخو بني عمرو بن عوف كما حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر وكذا قال موسى بن عقبة في مغازيه وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل من الاسارى أسيرا غيره قال ولما أقبل اليه عاصم بن ثابت قال يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا قال على عداوتك الله ورسوله وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن
الشعبي قال لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة قال أتقتلني يا محمد من بين قريش قال نعم أتدرون ما صنع هذا بي جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران وجاء مرة أخرى بسلا شاة فالقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي قال ابن هشام ويقال بل قتل عقبة علي بن أبي طالب فيما ذكره الزهري وغيره من أهل العلم
قلت كان هذان الرجلان من شر عباد الله وأكثرهم كفرا وعنادا وبغيا وحسدا وهجاء للاسلام وأهله لعنهما الله وقد فعل قال ابن هشام فقالت قتيلة بنت الحارث اخت النضر بن الحارث في مقتل أخيها
يا راكبا ان الاثيل مظنة * من صبح خامسة وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية * ما إن تزال بها النجائب تخفق
مني اليك وعبرة مسفوحة * جادت بوابلها وأخرى تخنق
هل يسمعن النضر إن ناديته * أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضيء كريمة * من قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرك باعز لو مننت وربما * من الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن * با ما يغلو به ما ينفق
والنضر أقرب من أسرت قرابة * وأحقهم ان كان عتق يعتق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه * لله أرحام هنالك تشقق
صبرا يقاد الى المنية متعبا * رسف المقيد وهو عان موثق
قال ابن هشام ويقال والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه هذا الشعر قال لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه
قال ابن اسحاق وقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الموضع أبو هند مولى فروة بن عمرو البياضي حجامه عليه السلام ومعه زق خمر مملوء حيسا وهو التمر والسويق بالسمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منه ووصى به الانصار قال ابن اسحاق ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الاسارى بيوم قال ابن اسحاق وحدثني نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقبل بالاسارى فرقهم بين أصحابه وقال استوصوا بهم خيرا قال وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لابيه وأمه في الاسارى قال أبو عزيز مر بي أخي مصعب بن عمير
ورجل من الانصار يأسرني فقال شديد يك به فان أمه ذات متاع لعلها تفديه منك قال أبو عزيز فكنت في رهط من الانصار حين اقبلوا بي من بدر فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها فأستحي فاردها فيردها علي ما يمسها قال ابن هشام وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث ولما قال أخوه مصعب لابي اليسر وهو الذي أسره ما قال قال له أبو عزيز يا أخي هذه وصاتك بي فقال له مصعب إنه أخي دونك فسالت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي فقيل لها أربعة آلاف درهم فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها قلت وأبو عزيز هذا اسمه زرارة فيما قاله ابن الاثير في غابة الصحابة وعده خليفة بن خياط في أسماء الصحابة وكان أخا مصعب بن عمير لابيه وكان لهما أخ آخر لابويهما وهو أبو الروم بن عمير وقد غلط من جعله قتل يوم أحد كافرا ذاك أبو عزة كما سيأتي في موضعه والله أعلم قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال قدم الاسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ ابني عفراء قال وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب قال تقول سودة والله إني لعندهم إذ اتينا فقيل هؤلاء الاسارى قد أتى بهم قالت فرجعت إلى بيتي ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل قالت فلا والله ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت أي ابا يزيد أعطيتم بأيديكم ألا متم كراما فوالله ما أنبهني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيت يا سودة أعلى الله وعلى رسوله تحرضين قال قلت يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعة يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت ثم كان من قصة الاسارى بالمدينة ما سيأتي بيانه وتفصيله فيما بعد من كيفية فدائهم وكميته إن شاء الله
*2* ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر
@
قال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد الله الحرفي ببغداد حدثنا احمد بن سلمان النجاد حدثنا عبد الله بن ابي الدنيا حدثني حمزة بن العباس ثنا عبدان بن عثمان ثنا عبد الله ابن المبارك أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن عبد الرحمن رجل من أهل صنعاء قال أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان ثياب جالس على التراب قال جعفر فاشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال فلما أن رأى ما في وجوهنا قال إني أبشركم بما يسركم إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فاخبرني أن الله قد نصر نبيه
وأهلك عدوه واسر فلان وفلان وقتل فلان وفلان التقوا بواد يقال له بدر كثير الأراك كأني أنظر اليه كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمرة إبله فقال له جعفر ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الاخلاط قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى إن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعا عند ما يحدث لهم من نعمة فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت له هذا التواضع
*2* وصول خبر مصاب أهل بدر الى اهاليهم بمكة
@
قال ابن اسحاق وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له ما وراءك قال قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام وأمية بن خلف وزمعة بن الاسود ونبيه ومنبه وابو البختري بن هشام فلما جعل يعدد اشراف قريش قال صفوان ابن أمية والله لن يعقل هذا فسلوه عني فقالوا ما فعل صفوان بن أمية قال هو ذاك جالسا في الحجر قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا قال موسى بن عقبة ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهم وعقرت خيول كثيرة ورواحل وذكر السهيلي عن كتاب الدلائل لقاسم بن ثابت أنه قال لما كانت وقعة بدر سمعت أهل مكة هاتفا من الجن يقول
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة * سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤي وابرزت * خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد * لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
قال ابن اسحاق وحدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الاسلام قد دخلنا أهل البيت فاسلم العباس واسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم اسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا لم يتخلف منهم رجل إلا بعث مكانه رجلا فلما جاءه خبر الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا قال وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل الاقداح أنحتها في حجرة رمزم فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره الى ظهري فبينا هو جالس اذ قال الناس هذا أبو
سفيان واسمه المغيرة ابن الحارث بن عبد المطلب قد قدم قال فقال أبو لهب هلم إلى فعندك لعمري الخبر قال فجلس اليه والناس قيام عليه فقال يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس قال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم اكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ويأسروننا كيف شاؤا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا بيضا على جيل بلق بين السماء والارض والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت تلك والله الملائكة قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة قال وثاورته فاحتملني وضرب بي الارض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فاخذته فضربته به ضربه فبلغت في رأسه شجة منكرة وقالت استضعفته إن غاب عنه سيده فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته زاد يونس عن ابن اسحاق فلقد تركه ابناه بعد موته ثلاثا ما دفناه حتى أنتن وكانت قريش تتقي هذه العدسة كما تتقي الطاعون حتى قال لهم رجل من قريش ويحكما ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تدفنانه فقالا إنا نخشى عدوة هذه القرحة فقال انطلقا فانا أعينكما عليه فوالله ما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يدنون منه ثم احتملوه إلى أعلا مكة فاسندوه إلى جدار ثم رضموا عليه الحجارة قال يونس عن ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت لا تمر على مكان أبي لهب هذا إلا تسترت بثوبها حتى تجوز
قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد قال ناحت قريش على قتلاهم ثم قالوا لا تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء قلت وكان هذا من تمام ما عذب الله به أحياءهم في ذلك الوقت وهو تركهم النوح على قتلاهم فان البكاء على الميت مما يبل فؤاد الحزين قال ابن اسحاق وكان الاسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة وعقيل والحارث وكان يحب أن يبكي على بنيه قال فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وكان قد ذهب بصره أنظر هل أحل النحب هل بكت قريش على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة يعني ولده زمعة فان جوفي قد احترق قال فلما رجع اليه الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته قال فذاك حين يقول الاسود
اتبكي أن أضل لها بعير * ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكي على بكر ولكن * على بدر تقاصرت الجدود
على بدر سراة بني هصيص * ومخزوم ورهط أبي الوليد
وبكى إن بكيت أبا عقيل * وبكى حارثا أسد الاسود
وبكيهم ولا تسمي جميعا * وما لأبي حكيمة من نديد
ألا قد ساد بعدهم رجال * ولولا يوم بدر لم يسودوا

يتبع

اخت مسلمة
04-12-2009, 12:28 AM
بعث قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء اسراهم
@
قال ابن اسحاق وكان في الاسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبي وداعة وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عني صدقتم لا تعجلوا وانسل من الليل وقدم المدينة فاخذ أباه باربعة آلاف درهم فانطلق به
قلت وكان هذا أول أسير فدي ثم بعثت قريش في فداء أسراهم فقدم مكرز بن حفص بن الاخيف في فداء سهيل بن عمرو وكان الذي أسراه مالك بن الدخشم أخو بني سالم بن عوف فقال في ذلك
أسرت سهيلا فلا ابتغي * أسيرا به من جميع الأمم
وخندف تعلم أن الفتى * فتاها سهيل إذا يظلم
ضربت بذي الشفر حتى انثنى * وأكرهت نفسي على ذي العلم
قال ابن اسحاق وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعنى أنزع ثنية سهيل بن عمر ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا
قلت وهذا حديث مرسل بل معضل قال ابن اسحاق وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه قلت وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب ونجم النفاق بالمدينة وغيرها فقام بمكة فخطب الناس وثبتهم على الدين الحنيف كما سيأتي في موضعه
قال ابن اسحاق فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا هات الذي لنا قال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث اليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم وأنشد له ابن اسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام فالله أعلم قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن أبي
بكر قال وكان في الاسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب قال ابن اسحاق وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط قال ابن هشام بل كانت أمه أخت أبي معيط قال ابن هشام وكان الذي أسره علي بن أبي طالب قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن ابي بكر قال فقيل لابي سفيان أفد عمرا ابنك قال أيجتمع على دمي ومالي قتلوا حنظلة وأفدي عمرا دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم قال فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف ثم أحد بني معاوية معتمرا ومعه مرية له وكان شيخا مسلما في غنم له بالبقيع فخرج من هنالك معتمرا ولم يظن أنه يحبس بمكة إنما جاء معتمرا وقد كان عهد قريش أن قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمر وقال في ذلك
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه * تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة * لئن لم يكفوا عن أسيرهم الكبلا
قال فأجابه حسان بن ثابت يقول * لو كان سعد يوم مكة مطلقا
لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة * نحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
قال ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم فاعطاهم النبي فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد قال ابن اسحاق وقد كان في الاسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب قال ابن هشام وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام
قال ابن اسحاق وكان ابو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي وكان عليه السلام قد زوج ابنته رقية أو أم كلثوم من عتبة بن أبي لهب فلما جاء الوحي قال أبو لهب اشغلوا محمدا بنفسه وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول فتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه ومشوا إلى أبي العاص فقالوا فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت قال لا والله لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره فيما بلغني قلت الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابت في الصحيح كما سيأتي قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما قلت إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى قال ابن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بني عليها قالت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فاطلقوه وردوا عليها الذي لها قال ابن اسحاق فكان ممن سمي لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاسارى بغير فداء من بني أمية ابو العاص بن الربيع ومن بني مخزوم المطلب بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم أسره بعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله فلحق بقومه قال ابن اسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب يعني أن تهاجر الى المدينة فوفى أبو العاص بذلك كما سيأتي وقد ذكر ذلك ابن اسحاق ههنا فاخرناه لانه أنسب والله أعلم وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني اخويه بمائة أوقية من الذهب وقال ابن هشام كان الذي أسر أبي العاص أبو ايوب خالد بن زيد قال ابن اسحاق وصيفي بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ترك في أيدي أصحابه فاخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه فخلوا سبيله ولم يف لهم قال حسان بن ثابت في ذلك
ما كان صيفي ليوفي أمانة * قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد
قال ابن اسحاق وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمع كان محتاجا ذا بنات قال يا رسول الله لقد عرفت ما لي من مال وإني لذو حاجة وذو عيال فامنن علي فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك
من مبلغ عني الرسول محمدا * بأنك حق والمليك حميد
وانت امرؤ تدعو الى الحق والهدى * عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة * لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حربته لمحارب * شقي ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله * تأوب ما بي حسرة وقعود
قلت ثم أن ابا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه ولعب المشركون بعقله فرجع اليهم
فلما كان يوم أحد اسر أيضا فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أدعك تمسح عارضيك وتقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه كما سيأتي في غزوة أحد ويقال إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين وهذا من الامثال التي لم تسمع إلا منه عليه السلام
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر بعد مصاب أهل بدر بيسير وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء وهو بمكة وكان ابنه وهب بن عمير في اسارى بدر قال ابن هشام والذي أسره رفاعة بن رافع أحد بني زريق قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن جعفر عن عروة فذكر أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان والله ما أن في العيش بعدهم خير قال له عمير صدقت أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فان لي فيهم علة ابني أسير في أيديهم قال فاغتنمها صفوان بن أمية فقال علي دينك أنا أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا لا يسعني شيء ويعجز عنهم فقال له عمير فاكتم علي شأني وشأنك قال سأفعل قال ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم ثم انطلق حتى قدم المدينة فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ويذكرون ما أكرمهم الله به وما أراهم في عدوهم إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ما جاء إلا لشر وهو الذي حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال فأدخله علي قال فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال لمن كان معه من الانصار أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث فانه غير مأمون ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه قال أرسله يا عمر أدن يا عمير فدنا ثم قال أنعم صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة قال أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد قال فما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الاسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه قال فما بال السيف في عنقك قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت شيئا قال اصدقني ما الذي جئت له قال ما جئت إلا لذلك قال بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك على أن
تقتلني له والله حائل بينك وبين ذلك فقال عمير اشهد انك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للاسلام وساقني هذا المساق ثم شهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وعلموه القرآن وأطلقوا اسيره ففعلوا ثم قال يا رسول الله إني كنت جاهدا على اطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله وأنا أحب ان تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الاسلام الله يهديهم وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم فاذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول ابشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فاخبره عن اسلامه فخلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا قال ابن اسحاق فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعوا إلى الاسلام ويءذي من خالفه أذى شديدا فاسلم على يديه ناس كثير قال ابن اسحاق وعمير بن وهب أو الحارث بن هشام هو الذي رأى عدو الله إبليس حين نكص على عقبيه يوم بدر وفر هاربا وقال إني بريء منكم إني أرى مالا ترون وكان ابليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج
*2* فصل ( نزول سورة الأنفال في بدر ) .
@ ثم إن الامام محمد بن اسحاق رحمه الله تكلم على ما نزل من القرآن في قصة بدر وهو من أول سورة الانفال إلى آخرها فأجاد وأفاد وقد تقصينا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير فمن أراد الاطلاع على ذلك فلينظره ثم ولله الحمد والمنة
*2* فصل ( تسمية من شهد بدرا من المسلمين ) .
@ ثم شرع ابن اسحاق في تسمية من شهد بدرا من المسلمين فسرد أسماء من شهدها من المهاجرين أولا ثم أسماء من شهدها من الانصار أوسها وخزرجها إلى أن قال فجميع من شهد بدرا من المسلمين من المهاجرين والانصار من شهدها ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلثمائة رجل وأربعة عشر رجلا من المهاجرين ثلاثة وثمانون ومن الأوس أحد وستون رجلا ومن الخزرج مائة وسبعون رجلا وقد سردهم البخاري في صحيحه مرتبين على حروف المعجم بعد البداءة برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بأبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وهذه تسمية من شهد بدرا من المسلمين مرتبين على حروف المعجم وذلك من كتاب الاحكام الكبير للحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي وغيره بعد البداءة باسم رئيسهم وفخرهم وسيد ولد آدم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
*2* أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم
@
*3* حرف الالف
@ أبي بن كعب النجاري سيد القراء الارقم بن أبى الارقم وأبو الارقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم المخزومي أسعد بن يزيد بن الفاكه بن يزيد بن خلدة بن عامر بن العجلان أسود بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن غنم كذا قال موسى بن عقبة وقال الاموي سواد بن رزام ابن ثعلبة بن عبيد بن عدي شك فيه وقال سلمة بن الفضل عن ابن اسحاق سواد بن رزيق بن ثعلبة وقال ابن عائذ سواد بن زيد أسير بن عمرو الانصاري أبو سليط وقيل اسير بن عمرو بن أمية بن لوزان بن سالم بن ثابت الخزومي ولم يذكره موسى بن عقبة أنس بن قتادة بن ربيعة ابن خالد بن الحارث الاوسي كذا سماه موسى بن عقبة و سماه الاموي في السيرة أنيس
قلت وأنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم لما روى عمر بن شبة النميري حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري عن أبيه عن ثمامة بن أنس قال قيل لأنس بن مالك أشهدت بدرا قال وأين أغيب عن بدر لا أم لك وقال محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عبد الله الانصاري ثنا أبي عن مولى لأنس بن مالك أنه قال لأنس شهدت بدرا قال لا أم لك وأين أغيب عن بدر قال محمد بن عبد الله الانصاري خرج أنس بن مالك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهو غلام يخدمه قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيبه هكذا قال الانصاري ولم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي أنس بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار أنسة الحبشي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن ثابت بن المنذر النجاري أوس بن خولي بن عبد الله بن الحارث بن عبيد بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الخزرجي وقال موسى ابن عقبة أوس بن عبد الله بن الحارث بن خولي أوس بن الصامت الخزرجي أخو عبادة بن الصامت إياس بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث بن بكر حليف بني عدي بن كعب
*3* حرف الباء
@
بجير بن أبي بجير حليف بني النجار بحاث بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم بن عمرو بن عمارة البلوي حليف الانصار بسبس بن عمرو بن ثعلبة بن خرشة بن زيد بن عمرو بن سعيد بن ذبيان
ابن رشدان بن قيس بن جهينة الجهني حليف بني ساعدة وهو أحد العينين هو وعدي بن أبي الزغباء كما تقدم بشر بن البراء بن معرور الخزرجي الذي مات بخيبر من الشاة المسمومة بشير بن سعد ابن ثعلبة الخزرجي والد النعمان بن بشير ويقال إنه أول من بايع الصديق بشير بن عبد المنذر أبو لبابة الاوسي رده عليه السلام من الروحاء واستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره
*3* حرف التاء
@
تميم بن يعار بن قيس بن عدي بن أمية بن جدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج تميم مولى خراش بن الصمة تميم مولى بني غنم بن السلم وقال ابن هشام هو مولى سعد بن خيثمة
*3* حرف الثاء
@
ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان ثابت بن ثعلبة ويقال لثعلبة هذا الجدع بن زيد بن الحارث بن حرام بن غنم بن كعب بن سلمة ثابت بن خالد بن النعمان بن خنساء بن عسيرة ابن عبد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار النجاري ثابت بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار النجاري ثابت بن عمرو بن زيد بن عدي بن سواد بن مالك بن غنم بن عدي بن النجار النجاري ثابت بن هزال الخزرجي ثعلبة بن حاطب بن عمرو ابن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس ثعلبة بن عمرو بن عبيد بن مالك النجاري ثعلبة بن عمرو بن محصن الخزرجي ثعلبة بن عنمة بن عدي بن نابئ السلمي ثقف بن عمرو من بني حجر آل بني سليم وهو من حلفاء بني كثير بن غنم بن دودان بن أسد
*3* حرف الجيم
@
جابر بن خالد بن مسعود بن عبد الاشهل بن حارثة بن دينار بن النجار النجاري جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة السلمي أحد الذين شهدوا العقبة
قلت فأما جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي أيضا فذكره البخاري فيهم في مسند عن سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر وقال كنت أمتح لاصحابي الماء يوم بدر وهذا الاسناد على شرط مسلم لكن قال محمد بن سعد ذكرت لمحمد بن عمر يعني الواقدي هذا الحديث فقال هذا وهم من أهل العراق وأنكر أن يكون جابر شهد بدرا
وقال الامام احمد بن حنبل حدثنا روح بن عبادة ثنا زكريا بن اسحاق ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة ولم أشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غزاة ورواه مسلم عن أبي خيثمة عن روح جبار بن صخر السلمي جبر بن عتيك الانصاري جبير بن إياس الخزرجي
*3* حرف الحاء
@
الحارث بن أنس بن رافع الخزرجي الحارث بن أوس بن معاذ بن أخي سعد بن معاذ الأوسي الحارث بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد بن مالك بن الاوس رده عليه السلام من الطريق وضرب له بسهمه وأجره الحارث بن خزمة بن عدي بن أبي غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج حليف لبني زعور ابن عبد الاشهل الحارث بن الصمة الخزرجي رده عليه السلام لانه كسر من الطريق وضرب له بسهمه وأجره الحارث بن عرفجة الاوسي الحارث بن قيس بن خلدة أبو خالد الخزرجي الحارث بن النعمان بن أمية الانصاري حارثة بن سراقة النجاري أصابه سهم غرب وهو في النظارة فرفع إلى الفردوس حارثة بن النعمان بن رافع الانصاري حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليف بني أسد بن عبد العزى بن قصي حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية الاشجعي من بني دهمان هكذا ذكره ابن هشام عن غير ابن اسحاق وقال الواقدي حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبدود كذا ذكره ابن عائذ في مغازيه وقال ابن ابي حاتم حاطب بن عمرو ابن عبد شمس سمعته من أبي وقال هو رجل مجهول الحباب بن المنذر الخزرجي ويقال كان لواء الخزرج معه يومئذ حبيب بن أسود مولى بني حرام من بني سلمة وقال موسى بن عقبة حبيب بن سعد بدل أسود وقال ابن أبي حاتم حبيب بن أسلم مولى آل جشم بن الخزرج أنصاري بدري حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الانصاري أخو عبد الله بن زيد الذي أرى النداء الحصين ابن الحارث بن المطلب بن عبد مناف حمزة بن عبد المطلب بن هاشم عم رسول الله صلى الله عليه وسلم
*3* حرف الخاء
@
خالد بن البكير أخو إياس المتقدم خالد بن زيد أبو أيوب النجاري خالد بن قيس بن مالك ابن العجلان الانصاري خارجة بن الحمير حليف بني خنساء من الخزرج وقيل اسمه حارثة بن الحمير وسماه ابن عائذ خارجة فالله أعلم خارجة بن زيد الخزرجي صهر الصديق خباب بن الارت حليف بني زهرة وهو من المهاجرين الاولين وأصله من بني تميم ويقال من خزاعة خباب مولى
عتبة بن غزوان من المهاجرين الاولين خراش بن الصمة السلمي خبيب بن اساف بن عتبة الخزرجي خريم بن فاتك ذكره البخاري فيهم خليفة بن عدي الخزرجي خليد بن قيس بن النعمان بن سنان بن عبيد الانصاري السلمي خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي السهمي قتل يومئذ فتأيمت منه حفصة بنت عمر بن الخطاب خوات بن جبير الانصاري ضرب له بسهمه وأجره لم يشهدها بنفسه خولى بن أبي خولى العجلي حليف بني عدي من المهاجرين الاولين خلاد بن رافع وخلاد بن سويد وخلاد بن عمرو ابن الجموح الخزرجيون
*3* حرف الذال
@
ذكوان بن عبد قيس الخزرجي ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة من غبشان بن سليم ابن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من بني خزاعة حليف لبني زهرة قتل يومئذ شهيدا قال ابن هشام واسمه عمير وإنما قيل له ذو الشمالين لانه كان أعسرا
*3* حرف الراء
@
رافع بن الحارث الاوسي رافع بن عنجدة قال ابن هشام هي أمه رافع بن المعلى بن لوذان الخزرجي قتل يومئذ ربعي بن رافع بن الحارث بن زيد بن حارثة بن الجد بن عجلان بن ضبيعة وقال موسى بن عقبة ربعي بن ابي رافع ربيع بن إياس الخزرجي ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو بن لكيز بن عامر بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة حليف ابني عبد شمس بن عبد مناف وهو من المهاجرين الاولين رخيلة بن ثعلبة بن خالد بن ثعلبة عمير مكة فأقام بها يدعوا إلى الاسلام بن بياضة الخزرجي رفاعة ابن رافع الزرقي أخو خلاد بن رافع رفاعة بن عبد المنذر بن زنير الأوسي أخو أبي لبابة رفاعة ابن عمرو بن زيد الخزرجي
*3* حرف الزاي
@
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه زياد بن عمرو وقال موسى بن عقبة بن الاخرس بن عمرو الجهني وقال الواقدي زياد بن كعب ابن عمرو بن عدي بن رفاعة بن كليب بن برذعة بن عدي بن عمرو الزبعري بن رشدان بن قيس بن جهينة زياد بن لبيد الزرقي زياد بن المزين بن قيس الخزرجي زيد بن أسلم بن ثعلبة ابن عدي بن عجلان بن ضبيعة زيد بن حارثة بن شرحبيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه زيد بن الخطاب بن نفيل أخو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما زيد بن سهل بن الاسود بن حرام النجاري أبو طلحة رضي الله عنه
*3* حرف السين
@
سالم بن عمير الاوسي سالم بن غنم بن عوف الخزرجي سالم بن معقل مولى أبي حذيفة السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي شهد مع أبيه سبيع بن قيس بن عائذ الخزرجي سبرة ابن فاتك ذكره البخاري سراقة بن عمرو النجاري سراقة بن كعب النجاري أيضا سعد بن خولة مولى بني عامر بن لؤي من المهاجرين الاولين سعد بن خيثمة الاوسي قتل يومئذ شهيدا سعد بن الربيع الخزرجي الذي قتل يوم أحد شهيدا سعد بن زيد بن مالك الاوسي وقال الواقدي سعد بن زيد بن الفاكه الخزرجي سعد بن سهيل بن عبد الاشهل النجاري سعد بن عبيد الانصاري سعد بن عثمان بن خلدة الخزرجي أبو عبادة وقال ابن عائذ أبو عبيدة سعد بن معاذ الاوسي وكان لواء الاوس معه سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي ذكره غير واحد منهم عروة والبخاري وابن أبي حاتم والطبراني فيمن شهد بدرا ووقع في صحيح مسلم ما يشهد بذلك حين شاور النبي صلى الله عليه وسلم في ملتقى النفير من قريش فقال سعد بن عبادة كأنك تريدنا يا رسول الله الحديث والصحيح أن ذلك سعد بن معاذ والمشهور أن سعد بن عبادة رده من الطريق قيل لاستنابته على المدينة وقيل لدغته حية فلم يتمكن من الخروج إلى بدر حكاه السهيلي عن ابن قتيبة فالله أعلم سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب الزهري أحد العشرة سعد بن مالك أبو سهل قال الواقدي تجهز ليخرج فمرض فمات قبل الخروج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ابن عم عمر بن الخطاب يقال قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره سفيان ابن بشر بن عمرو الخزرجي سلمة بن أسلم بن حريش الأوسى سلمة بن ثابت بن وقش بن زغبة سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة سليم بن الحارث النجاري سليم بن عمرو السلمي سليم بن قيس بن فهد الخزرجي سليم بن ملحان أخو حرام بن ملحان النجاري سماك بن أوس ابن خرشة أبو دجانة ويقال سماك بن خرشة سماك بن سعد بن ثعلبة الخزرجي وهو أخو بشير بن سعد المتقدم سهل بن حنيف الأوسي سهل بن عتيك النجاري سهل بن قيس السلمى سهيل ابن رافع النجارى الذى كان له ولاخيه موضع المسجد النبوى كما تقدم سهيل بن وهب الفهري وهو ابن بيضاء وهي أمه سنان بن أبي سنان بن محصن ن حرثان من المهاجرين حليف بنى عبد شمس ابن عبد مناف سنان بن صيفى السلمى سواد بن زريق بن زيد الانصاري وقال الاموي سواد ابن رزام سواد بن غزية بن أهيب البلوي سويبط بن سعد بن حرملة العبدري سويد بن
مخشي أبو مخشي الطائي حليف بني عبد شمس وقيل اسمه أزيد بن حمير
*3* حرف الشين
@
شجاع بن وهب بن ربيعة الاسدي أسد بن خزيمة حليف بني عبد شمس من المهاجرين الاولين شماس بن عثمان المخزومي قال ابن هشام واسمه عثمان بن عثمان وإنما سمي شماسا لحسنه وشبهه شماسا كان في الجاهلية شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي لم يسهم له وكان على الاسرى فاعطاه كل رجل ممن له في الاسرى شيئا فحصل له أكثر من سهم
*3* حرف الصاد
@
صهيب بن سنان الرومي من المهاجرين الاولين صفوان بن وهب بن ربيعة الفهري أخو سهيل بن بيضاء قتل شهيدا يومئذ صخر بن أمية بن خنساء السلمي
*3* حرف الضاد
@
ضحاك بن حارثة بن زيد السلمي ضحاك بن عبد عمرو النجاري ضمرة بن عمرو الجهني وقال موسى بن عقبة ضمرة بن كعب بن عمرو حليف الانصار وهو أخو زياد بن عمرو
*3* حرف الطاء
@
طلحة بن عبيد الله التيمي أحد العشرة قدم من الشام بعد مرجعهم من بدر فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره طفيل بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين وهو أخو حصين وعبيدة طفيل بن مالك بن خنساء السلمي طفيل بن النعمان بن خنساء السلمي ابن عم الذي قبله طليب بن عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد بن قصي ذكره الواقدي
*3* حرف الظاء
@
ظهير بن رافع الأوسي ذكره البخاري
*3* حرف العين
@
عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح الانصاري الذي حمته الدبر حين قتل بالرجيع عاصم بن عدي ابن الجد بن عجلان رده عليه السلام من الروحاء وضرب له بسهمه وأجره عاصم بن قيس بن ثابت الخزرجي عاقل بن البكير أخو إياس وخالد وعامر عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس النجاري عامر بن الحارث الفهري كذا ذكره سلمة عن ابن اسحاق وابن عائذ وقال موسى بن عقبة وزياد
عن ابن اسحاق عمرو بن الحارث عامر بن ربيعة بن مالك العنزي حليف بني عدي من المهاجرين عامر بن سلمة بن عامر بن عبد الله البلوي القضاعي حليف بني سالم بن مالك بن سالم بن غنم قال ابن هشام ويقال عمر بن سلمة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث ابن فهر أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة من المهاجرين الاولين عامر بن فهيرة مولى أبي بكر عامر بن مخلد النجاري عائذ بن مامض بن قيس الخزرجي عباد بن بشر بن وقش الاوسي عباد بن قيس بن عامر الخزرجي عباد بن قيس بن عبشة الخزرجي أخو سبيع المتقدم عباد بن الخشخاش القضاعي عبادة بن الصامت الخزرجي عبادة بن قيس بن كعب بن قيس عبد الله بن أمية بن عرفطة عبد الله بن ثعلبة بن خزمة أخو بحاث المتقدم عبد الله بن جحش ابن رئاب الاسدي عبد الله بن جبير بن النعمان الأوسي عبد الله بن الجد بن قيس السلمي عبد الله بن حق بن أوس الساعدي وقال موسى بن عقبة والواقدي وابن عائذ عبد رب بن حق وقال ابن هشام عبد ربه بن حق عبد الله بن الحمير حليف لبني حرام وهو أخو خارجة بن الحمير من أشجع عبد الله بن الربيع بن قيس الخزرجي عبد الله بن رواحة الخزرجي عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الخزرجي الذي أرى النداء عبد الله بن سراقة العدوي لم يذكره موسى بن عقبة ولا الواقدي ولا ابن عائذ وذكره ابن اسحاق وغيره عبد الله بن سلمة بن مالك العجلان حليف الانصار عبد الله بن سهل بن رافع أخو بني زعورا عبد الله بن سهيل بن عمرو خرج مع أبيه والمشركين ثم فر من المشركين إلى المسلمين فشهدها معهم عبد الله بن طارق بن مالك القضاعي حليف الاوس عبد الله بن عامر من بلى ذكره ابن اسحاق عبد الله بن عبد الله ابن أبي بن سلول الخزرجي وكان أبوه رأس المنافقين عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم أبو سلمة زوج أم سلمة قتل يومئذ عبد الله بن عبد مناف بن النعمان السلمي عبد الله بن عبس عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة بن كعب أبو بكر الصديق رضي الله عنه عبد الله بن عرفطة بن عدي الخزرجي عبد الله بن عمر بن حرام السلمى ابو جابر عبد الله بن عمير بن عدى الخزرجى عبد الله بن قيس بن خالد النجاري عبد الله ابن قيس بن صخر بن حرام السلمي عبد الله بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار جعله النبي صلى الله عليه وسلم مع عدي بن أبي الزغباء على النفل يوم بدر عبد الله بن مخرمة بن عبد العزى من المهاجرين الاولين عبد الله بن مسعود الهذلي حليف بني زهرة من
المهاجرين الاولين عبد الله بن مظعون الجمحي من الهاجرين الأولين عبد الله بن النعمان بن بلدمة السلمي عبد الله بن أنيسة بن النعمان السلمي عبد الرحمن بن جبر بن عمرو أبو عبيس الخزرجي عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة أبو عقيل القضاعي البلوي عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري أحد العشرة رضي الله عنهم عبس بن عامر بن عدي السلمي عبيد بن التيهان أخو أبو الهيثم بن التيهان ويقال عتيك بدل عبيد عبيد بن ثعلبة من بني غنم بن مالك عبيد بن زيد بن عامر بن عمرو بن العجلان بن عامر عبيد بن أبي عبيد عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف أخو الحصين والطفيل وكان أحد الثلاثة الذين بارزوا يوم بدر فقطعت يده ثم مات بعد المعركة رضي الله عنه عتبان بن مالك بن عمرو الخزرجي عتبة ابن ربيعة بن خالد بن معاوية البهراني حليف بني أمية بن لوذان عتبة بن عبد الله بن صخر السلمي عتبة بن غزوان بن جابر من المهاجرين الاولين عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الاموي أمير المؤمنين أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة تخلف على زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره عثمان بن مظعون الجمحي أبو السائب أخو عبد الله وقدامة من المهاجرين الأولين عدي بن أبي الزغباء الجهني وهو الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسبس بن عمرو بين يديه عينا عصمة بن الحصين بن وبرة بن خالد بن العجلان عصيمة حليف لبني الحارث بن سوار من أشجع وقيل من بني أسد بن خزيمة عطية بن نويرة بن عامر بن عطية الخزرجي عقبة بن عامر بن نابي السلمي عقبة بن عثمان بن خلدة الخزرجي أخو سعد بن عثمان عقبة بن عمرو أبو مسعود البدري وقع في صحيح البخاري أنه شهد بدرا وفيه نظر عند كثير من أصحاب المغازي ولهذا لم يذكروه عقبة بن وهب بن ربيعة الأسدي أسد خزيمة حليف لبني عبد شمس وهو أخو شجاع بن وهب من المهاجرين الاولين عقبة بن وهب بن كلدة حليف بنى غطفان عكاشة بن محصن الغنمى من المهاجرين الأولين وممن لا حساب عليه علي بن أبي طالب الهاشمي أمير المؤمنين أحد الخلفاء الأربعة وأحد الثلاثة الذين بارزوا يومئذ رضي الله عنه عمار بن ياسر العنسي المذحجي من المهاجرين الأولين عمارة بن حزم بن زيد النجاري عمر ابن الخطاب أمير المؤمنين أحد الخلفاء الأربعة وأحد الشيخين المقتدى بهم رضي الله عنهما عمر ابن عمرو بن إياس من أهل اليمن حليف لبني لوذان بن عمرو بن سالم وقيل هو أخو ربيع وورقة عمرو بن ثعلبة بن وهب بن عدي بن مالك بن عدي بن عامر أبو حكيم عمرو بن الحارث بن زهير ابن أبي شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبشة بن الحارث بن فهر الفهري عمرو بن سراقة العدوي من المهاجرين عمرو بن أبي سرح الفهري من المهاجرين وقال الواقدي وابن عائذ معمر
بدل عمرو عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم وهو في بني حرام عمرو بن الجموح بن حرام الانصاري عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم ذكره الواقدي والاموي عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر أبو خارجة ولم يذكره موسى بن عقبة عمرو بن عامر بن الحارث الفهري ذكره موسى بن عقبة عمرو ابن معبد بن الازعر الأوسي عمرو بن معاذ الأوسي أخو سعد بن معاذ عمير بن الحارث بن ثعلبة ويقال عمرو بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة السلمي عمير بن حرام بن الجموح السلمي ذكره ابن عائذ والواقدي عمير بن الحمام بن الجموح بن عم الذي قبله قتل يومئذ شهيدا عمير بن عامر بن مالك ابن الخنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن أبو داود المازني عمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو وسماه الأموي وغيره عمرو بن عوف وكذا وقع في الصحيحين في حديث بعث أبي عبيدة إلى البحرين عمير بن مالك بن أهيب الزهري أخو سعد بن أبي وقاص قتل يومئذ شهيدا عنترة مولى بني سليم وقيل إنه منهم فالله أعلم عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث النجاري وهو ابن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجارية قتل يومئذ شهيدا عويم بن ساعدة الانصاري من بني أمية ابن زيد عياض بن غنم الفهري من المهاجرين الاولين رضي الله عنهم أجمعين



يتبع

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:28 PM
حرف الغين
@
غنام بن أوس الخزرجي ذكره الواقدي وليس بمجمع عليه
*3* حرف الفاء
@
الفاكه بن بشر بن الفاكه الخزرجي فروة بن عمرو بن ودفة الخزرجي
*3* حرف القاف
@
قتادة بن النعمان الأوسي قدامة بن مظعون الجمحي من المهاجرين أخو عثمان وعبد الله قطبة ابن عامر بن حديدة السلمي قيس بن السكن النجاري قيس بن أبي صعصعة عمرو بن زيد المازني كان على الساقة يوم بدر قيس بن محصن بن خالد الخزرجي قيس بن مخلد بن ثعلبة النجاري
*3* حرف الكاف
@
كعب بن حمان ويقال جمار ويقال جماز وقال ابن هشام كعب بن عبشان ويقال كعب بن مالك
ابن ثعلبة بن جماز وقال الاموي كعب بن ثعلبة بن حبالة بن غنم الغساني من حلفاء بني الخزرج بن ساعدة كعب بن زيد بن قيس النجاري كعب بن عمرو أبو اليسر السلمي كلفة بن ثعلبة أحد البكائين ذكره موسى بن عقبة كناز بن حصين بن يربوع أبو مرثد الغنوي من المهاجرين الأولين
*3* حرف الميم
@
مالك بن الدخشم ويقال ابن الدخشن الخزرجي مالك بن أبي خولى الجعفي حليف بني عدي مالك بن ربيعة أبو اسيد الساعدي مالك بن قدامة الأوسي مالك بن عمرو أخو ثقف بن عمرو وكلاهما مهاجري وهما من حلفاء بني تميم بن دودان بن أسد مالك بن قدامة الأوسي مالك بن مسعود الخزرجي مالك بن ثابت بن نميلة المزني حليف لبني عمرو بن عوف مبشر بن عبد المنذر ابن زنير الأوسي أخو أبي لبابة ورفاعة قتل يومئذ شهيدا المجذر بن زياد البلوي مهاجري محرز ابن عامر النجاري محرز بن نضلة الاسدي حليف بني عبد شمس مهاجري محمد بن مسلمة حليف بني عبد الاشهل مدلج ويقال مدلاج بن عمرو أخو ثقف بن عمرو مهاجري مرثد بن أبي مرثد الغنوي مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين الأولين وقيل اسمه عوف مسعود بن أوس الانصاري النجاري مسعود بن خلدة الخزرجي مسعود بن ربيعة القاري حليف بني زهرة مهاجري مسعود بن سعد ويقال ابن عبد سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث مسعود بن سعد بن قيس الخزرجي مصعب بن عمير العبدري مهاجري كان معه اللواء يومئذ معاذ بن جبل الخزرجي معاذ بن الحارث النجاري هذا هو ابن عفراء أخو عوف ومعوذ معاذ بن عمرو بن الجموح الخزرجي معاذ بن ماعض الخزرجي أخو عائذ معبد بن عباد بن قشير بن الفدم بن سالم بن غنم ويقال معبد بن عبادة بن قيس وقال الواقدي قشعر بدل قشير وقال ابن هشام قشعر ابو خميصة معبد بن قيس بن صخر السلمي أخو عبد الله بن قيس معتب بن عبيد بن إياس البلوي القضاعي معتب بن عوف الخزاعي حليف بني مخزوم من المهاجرين معتب بن قشير الاوسي معقل بن المنذر السلمي معمر بن الحارث الجمحي من المهاجرين معن بن عدي الاوسي معوذ بن الحارث الجمحي وهو ابن عفراء أخو معاذ بن عوف معوذ بن عمرو بن الجموح السلمي لعله أخو معاذ بن عمرو المقداد بن عمرو البهراني وهو المقداد بن الاسود من المهاجرين الاولين وهو ذو المقال المحمود ابن المتقدم ذكره وكان أحد الفرسان يومئذ مليل بن وبرة الخزرجي المنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي المنذر بن قدامة بن عرفجة الخزرجي المنذر ابن محمد بن عقبة الانصاري من بني جحجبي مهجع مولى عمر بن الخطاب أصله من اليمن وكان أول قتيل من المسلمين يومئذ
*3* حرف النون
@
نصر بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر بن كعب نعمان بن عبد عمرو النجاري وهو أخو الضحاك نعمان بن عمرو بن رفاعة النجاري نعمان بن عصر بن الحارث حليف لبني الأوس نعمان ابن مالك بن ثعلبة الخزرجي ويقال له قوقل نعمان بن يسار مولى لبني عبيد ويقال نعمان بن سنان نوفل بن عبيد الله بن نضلة الخزرجي
*3* حرف الهاء
@
هانئ بن نيار أبو بردة البلوى خال البراء بن عازب هلال بن أمية الواقفي وقع ذكره في أهل بدر في الصحيحين في قصة كعب بن مالك ولم يذكره أحد من أصحاب المغازي هلال بن المعلى الخزرجي أخو رافع بن المعلى
*3* حرف الواو
@
واقد بن عبد الله التميمي حليف بني عدي من المهاجرين وديعة بن عمرو بن جراد الجهني ذكره الواقدي وابن عائذ ورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي أخو ربيع بن إياس وهب بن سعد ابن أبي سرح ذكره موسى بن عقبة وابن عائذ والواقدي في بني عامر بن لؤي ولم يذكره ابن اسحاق
*3* حرف الياء
@
يزيد بن الاخنس بن جناب بن حبيب بن جرة السلمي قال السهيلي شهد هو وأبوه وابنه يعني بدرا ولا يعرف لهم نظير في الصحابة ولم يذكرهم ابن اسحاق والأكثرون لكن شهدوا معه بيعة الرضوان يزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي وهو الذي يقال له ابن قسحم وهي أمه قتل يومئذ شهيدا ببدر يزيد بن عامر بن حديدة أبو المنذر السلمي يزيد بن المنذر بن سرح السلمي وهو أخو معقل بن المنذر
*3* باب الكنى
@
أبو أسيد مالك بن ربيعة تقدم أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجاري وقال ابن هشام ابو الاعور الحارث بن ظالم وقال الواقدي أبو الاعور كعب بن الحارث بن جندب بن ظالم أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان تقدم أبو حبة بن عمرو بن ثابت أحد بني ثعلبة بن عمرو بن عوف الانصاري أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من المهاجرين وقيل اسمه مهشم أبو الحمراء مولى الحارث
ابن رفاعة بن عفراء أبو خزيمة بن أوس بن اصرم النجاري أبو سبرة مولى أبي رهم بن عبد العزى من المهاجرين أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين أبو الصياح ابن النعمان وقيل عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة رجع من الطريق وقتل يوم خيبر رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه أبو عرفجة من خلفاء بني جحجبي أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو لبابة بشير بن عبد المنذر تقدم أبو مرثد الغنوي كناز بن حصين تقدم أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو تقدم أبو مليل بن الأزعر بن زيد الأوسي
*2* فصل ( عدد الذين شهدوا بدرا ثلثمائة وأربعة عشر رجلا ) .
@ فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلثمائة وأربعة عشر رجلا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال البخاري حدثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو اسحاق سمعت البراء بن عازب يقول حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم ممن شهد بدرا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة قال البراء لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن ثم رواه البخاري من طريق اسرائيل وسفيان الثوري عن أبي اسحاق عن البراء نحوه قال ابن جرير وهذا قول عامة السلف إنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وقال أيضا حدثنا محمود ثنا وهب عن شعبة عن أبي اسحاق عن البراء قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والانصار نيفا وأربعين ومائتين هكذا وقع في هذه الرواية وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي ثنا أبو مالك الجنبي عن الحجاج وهو ابن أرطأة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا وكان الانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا وكان حامل راية النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وحامل راية الأنصار سعد بن عبادة وهذا يقتضي انهم كانوا ثلثمائة وستة رجال قال ابن جرير وقيل كانوا ثلثمائة وسبعة رجال
قلت وقد يكون هذا عد معهم النبي صلى الله عليه وسلم والأول عدهم بدونه فالله أعلم وقد تقدم عن ابن اسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا وأن الأوس أحد وستون رجلا والخزرج مائة وسبعون رجلا وسردهم وهذا مخالف لما ذكره البخاري ولما روي عن ابن عباس فالله أعلم وفي الصحيح عن أنس أنه قيل له شهدت بدرا فقال وأين أغيب وفي سنن أبي داود عن سعيد بن منصور عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد ا الله بن عمرو بن حرام أنه قال كنت أميح الاصحابي الماء يوم بدر وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء فالله أعلم
قلت وفي الذين عدهم ابن اسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية رده رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا من الطريق وضرب له بسهمه وأجره والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه زاد الواقدي وأجره وخوات بن جبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره وأبو الصياح بن ثابت خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصاب ساقه فصيل حجر فرجع وضرب له بسهمه وأجره قال الواقدي وسعد أبو مالك تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء فضرب له بسهمه وأجره وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين ستة وهم عبيدة بن الحارث ابن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء رحمه الله وعمير بن أبي الوقاص أخو سعد بن أبي وقاص الزهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة ويقال إنه كان قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل رضي الله عنه وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي وصفوان بن بيضاء وعاقل بن البكير الليثي حليف بني عدي ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ ومن الانصار ثمانية وهم حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فاصاب حنجرته فمات ومعوذ وعوف ابنا عفراء ويزيد بن الحارث ويقال ابن قسحم وعمير بن الحمام ورافع بن المعلى بن لوذان وسعد بن خيثمة ومبشر بن عبد المنذر رضي الله عن جميعهم وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم قال ابن اسحاق وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الاسود واسمها بغرجة ويقال ستجة وعلى الأخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير ورايتان يحمل احداهما للمهاجرين علي بن أبي طالب والتي للانصار يحملها سعد بن عبادة وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق ورأس مشورة الانصار سعد بن معاذ
وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا وقال الواقدي كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا وهذا التحديد يحتاج إلى دليل وقد تقدم في بعض الاحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف فلعله عدد أتباعهم معهم والله أعلم وقد تقدم الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنه قتل منهم سبعون وأسر
سبعون وهذا قول الجمهور ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له
فاقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والأسود
وقد حكى الواقدي الاجماع على ذلك وفيما قاله نظر فان موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك وهما من أئمة هذا الشان فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم وقد سرد أسماء القتلى والاسارى ابن اسحاق وغيره وحرر ذلك الحافظ الضياء في أحكامه جيدا وقد تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم وهو الاسود بن عبد الاسد المخزومي وأول من فر وهو خالد بن الاعلم الخزاعي أو العقيلي حليف بني مخزوم وما أفاده ذلك فانه أسر وهو القائل في شعره
ولسنا على الاعقاب تدمى كلومنا * ولكن على أقدامنا يقطر الدم
فما صدق في ذلك وأول من أسروا عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلا صبرا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين الاسارى وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين وأنه عليه السلام أطلق جماعة من الاسارى مجانا بلا فداء منهم أبو العاص بن الربيع الاموي والمطلب بن حنطب ابن الحارث المخزومي وصيفي بن أبي رفاعة كما تقدم وأبو عزة الشاعر ووهب بن عمير بن وهب الجمحي كما تقدم وفادى بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الاسرى لئلا يحابيه لكونه عمه مع أنه قد سأله الذين أسروه من الانصار أن يتركوا له فداءه فأبى عليهم ذلك وقال لا تتركوا منه درهما وقد كان فداؤهم متفاوتا فأقل ما أخذ أربعمائة ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب قال موسى بن عقبة وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه كما قال الامام احمد حدثنا علي بن عاصم قال قال داود ثنا عكرمة عن ابن عباس قال كان ناس من الاسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الانصار الكتابة قال فجاء غلام يوما يبكي إلى أمه فقالت ما شأنك فقال ضربني معلمي فقالت الخبيث يطلب بدخل بدر والله لا تأتيه أبدا انفرد به احمد وهو على شرط السنن وتقدم بسط ذلك كله ولله الحمد والمنة
*2* فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين
@
قال البخاري في هذا الباب حدثنا عبد الله بن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو اسحاق عن حميد سمعت أنسا يقول أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فان يك في الجنة أصبر وأحتسب وأن تكن الاخرى فترى ما أصنع فقال ويحك أوهبلت أو جنة واحدة هي إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس تفرد به
البخاري من هذا الوجه وقد روى من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة عن أنس وأن حارثة كان في النظارة وفيه أن ابنك أصاب الفردوس الاعلى وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فان هذا الذي لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد وانما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها فاذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا ثم روى البخاري ومسلم جميعا عن اسحاق بن راهويه عن عبد الله بن ادريس عن حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب قصة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح وأن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه فانه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ولفظ البخاري أليس من أهل بدر ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو قد غفرت لكم فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم وروى مسلم عن قتيبة عن الليث عن أبي الزبير عن جابر ان عبدا لحاطب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا قال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها إنه شهد بدرا والحديبية وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا أبو بكر بن عياش حدثني الاعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبية تفرد به احمد وهو على شرط مسلم وقال الامام احمد حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ورواه أبو داود عن احمد بن سنان وموسى بن اسماعيل كلاهما عن يزيد بن هارون به وروى البزار في مسنده ثنا محمد بن مرزوق ثنا أبو حذيفة ثنا عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله ثم قال لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه قلت وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه وهو على شرط الصحيح والله أعلم
وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدرا حدثنا اسحاق بن ابراهيم ثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه وكان أبوه من أهل بدر قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري
*2* قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة
@
قال ابن اسحاق ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلى سبيله يعني كما تقدم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الانصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصاحباها فتأتياني بها فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر أو شيعه فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بابيها فخرجت تجهز قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز لقيتني هنذ بنت عتبة فقالت يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بابيك قالت فقلت ما أردت ذلك فقالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فان عندي حاجتك فلا تضطبني مني فانه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال قالت والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل قالت ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك قال ابن اسحاق فتجهزت فلما فرغت من جهازها قدم اليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودج لها وتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق إليها هبار بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الفهري فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملا فيما يزعمون فطرحت وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال يا أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رؤس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذ خرجت بابنته اليه علانية على رؤس الناس من بين أظهرنا إن ذلك عن ذل اصابنا وإن ذلك ضعف منا ووهن ولعمري ما لنا بحبسها من أبيها من حاجة وما لنا من ثورة ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الاصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سراء والحقها بأبيها قال ففعل وقد ذكر ابن اسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك
أفي السلم أعيارا جفاء وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العوارك
وقد قيل إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر بعد ما قتل منهم الذين قتلوا قال ابن اسحاق فاقامت ليال حتى إذا هدأت الاصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها ليلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى البيهقي في الدلائل من طريق عمر بن عبد الله بن عروة
ابن الزبير عن عروة عن عائشة فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه لتجيء معه فتلطف زيد فاعطاه راعيا من مكة فاعطى الخاتم لزينب فلما رأته عرفته فقالت من دفع اليك هذا قال رجل في ظاهر مكة فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هي أفضل بناتي أصيبت في قال فبلغ ذلك علي بن الحسين بن زين العابدين فأتى عروة فقال ما حديث بلغني أنك تحدثته فقال عروة والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وأني انتقص فاطمة حقا هو لها وأما بعد ذلك أن لا أحدث به أبدا قال ابن اسحاق فقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو ابو خيثمة أخو بني سالم ابن عوف قال ابن هشام هي لابي خيثمة
أتاني الذي لا يقدر الناس قدره * لزينب فيهم من عقوق ومأثم
واخراجها لم يخز فيها محمد * على مأقط وبيننا عطر منشم
وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم * ومن حربنا في رغم أنف ومندم
قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه * بذي حلق جلد الصلاصل محكم
فاقسمت لا تنفك منا كتائب * سراة خميس من لهام مسوم
نروع قريش الكفر حتى نعلها * بخاطمة فوق الأنوف بميسم
ننزلهم أكناف نجد ونخلة * وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم
يدى الدهر حتى لا يعوج سردنا * ونلحقهم آثار عاد وجرهم
ويندم قوم لم يطيعوا محمدا * على أمرهم وأي حين تندم
فأبلغ أبا سفيان إما لقيته * لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم
فأبشر بخزي في الحياة معجل * وسر بال قار خالدا في جهنم
قال ابن اسحاق ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه هو عامر بن الحضرمي وقال ابن هشام إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرمي فاما عامر بن الحضرمي فإنه قتل يوم بدر قال ابن اسحاق وقد حدثني يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبي اسحاق الدوسي عن أبي هريرة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية أنا فيها فقال إن ظفرتم بهبار بن الاسود والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار فلما كان الغد بعث الينا فقال إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما ثم رأيت أنه لا ينبغي لاحد أن يحرق بالنار إلا الله عز وجل فان ظفرتم بهما فاقتلوهما تفرد به ابن اسحاق وهو على شرط السنن ولم يخرجوه
وقال البخاري حدثنا قتيبة ثنا الليث عن بكير عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فاحرقوهما بالنار ثم قال حين أردنا الخروج إني أمرتكم ان تحرقوا فلانا وفلانا وأن النار لا يعذب بها إلا الله فان وجدتموها فاقتلوهما وقد ذكر ابن اسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة حتى اذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش فلما قفل من الشام لقيته سرية فاخذوا ما معه وأعجزهم هربا وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فاجارته فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس فقال أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت قالوا نعم قال أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم وإنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن اليك فانك لا تحلين له قال وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا فاخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة فاعطى كل اسنان ما كان له ثم قال يا معشر قريش هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما قال فإني أشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله والله ما منعني عن الاسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل اموالكم فلما اداها الله اليكم وفرغت منها أسلمت ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الاول ولم يحدث شيئا وهذا الحديث قد رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث محمد بن اسحاق وقال الترمذي ليس باسناده بأس ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين وقال السهيلي لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت وفي لفظ ردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين وفي رواية بعد سنتين بالنكاح الاول رواه ابن جرير وفي رواية لم يحدث نكاحا وهذا الحديث قد اشكل على كثير من العلماء فان القاعدة عندهم أن المرأة إذا اسلمت وزوجها كافر فان كان قبل الدخول تعجلت الفرقة وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة فإن أسلم فيها استمر على نكاحها وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها وزينب رضي الله عنها أسلمت حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجرت بعد بدر بشهر وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان فمن قال ردها عليه بعد ست سنين أي من حين هجرتها فهو صحيح ومن قال بعد سنتين أي من حين حرمت المسلمات على المشركين فهو صحيح أيضا وعلى كل تقدير فالظاهر انقضاء عدتها في
هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها فكيف ردها عليه بالنكاح الاول فقال قائلون يحتمل أن عدتها لم تنقض وهذه قصة يمين يتطرق اليها الاحتمال وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الاول الذي رواه احمد والترمذي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد بنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد قال الامام احمد هذا حديث ضعيف رواه ولم يسمع الحجاج من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي والعرزمي لا يساوي حديثه شيئا والحديث الصحيح الذي روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرها على النكاح الاول وهكذا قال الدارقطني لا يثبت هذا الحديث والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بالنكاح الاول وقال الترمذي هذا حديث في اسناده مقال والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا اسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة وهو قول مالك والاوزاعي والشافعي واحمد واسحاق وقال آخرون بل الظاهر انقضاء عدتها ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف ففي قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر اسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره وإن شاءت تربصت وانتظرت اسلام زوجها أي وقت كان وهي امرأته ما لم تتزوج وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه والله أعلم ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن حدثنا ابراهيم بن موسى ثنا هشام عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس كان المشركون على منزلتين من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا مشركي أهل الحرب يقاتلونهم ويقاتلونه ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فاذا طهرت حل لها النكاح فان هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ثم ذكر أهل العهد مثل حديث مجاهد هذا لفظه بحروفه فقوله فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة ولا تعتد بثلاثة قروء وقد ذهب قوم إلى هذا وقوله فان هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت اليه يقتضي أنه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنها ترد إلى زوجها الاول ما لم تنكح زوجا غيره كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكما ذهب اليه من ذهب من العلماء والله أعلم
*2* ما قيل من الاشعار في بدر العظمى
@
فمن ذلك ما ذكره ابن اسحاق عن حمزة بن عبد المطلب وأنكرها ابن هشام
ألم تر أمرا كان من عجب الدهر * وللحين أسباب مبينة الأمر
وما ذاك إلا أن وقوما افادهم * فخافوا تواص بالعقوق وبالكفر
عشية راحوا نحو بدر بجمعهم * وكانوا رهونا للركية من بدر
وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها * فساروا الينا فالتقينا على قدر
فلما التقينا لم تكن مثنوية * لنا غير طعن بالمثقفة السمر
وضرب ببيض يختلي الهام حدها * مشهرة الالوان بينة الاثر
ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا * وشيبة في قتلى نجرجم في الجفر
وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم * فشقت جيوب النائحات على عمرو
جيوب نساء من لؤي بن غالب * كرام تفرعن الذوائب من فهر
أولئك قوم قتلوا في ضلالهم * وخلوا لواء غير محتضر النصر
لواء ضلال قاد ابليس أهله * فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر
وقال لهم إذ عاين الامر واضحا * برئت اليكم ما بي اليوم من صبر
فإني أرى مالا ترون وإنني * أخاف عقاب الله والله ذو قسر
فقدمهم للحين حتى تورطوا * وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر
فكانوا غداة البئر ألفا وجمعنا * ثلاث مئين كالمسدمة الزهر
وفينا جنود الله حين يمدنا * بهم في مقام ثم مستوضح الذكر
فشد بهم جبريل تحت لوائنا * لدل مأزق فيه مناياهم تجري
وقد ذكر ابن اسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمدا وقال علي بن أبي طالب وأنكرها ابن هشام
ألم تر أن الله أبلى رسوله * بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل
بما أنزل الكفار دار مذلة * فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل
فأمسى رسول الله قد عز نصره * وكان رسول الله أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من الله منزل * مبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذاك وأيقنوا * فامسوا بحمد الله مجتمعي الشمل
وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم * فزادهم ذو العرش خبلا على خبل
وامكن منهم يوم بدر رسوله * وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل
بايديهم بيض خفاف عصوا بها * وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل
فكم تركوا من ناشئ ذي حمية * صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل
تبيت عيون النائحات عليهم * تجود بأسبال الرشاش وبالوبل
نوائح تنعي عتبة الغي وابنه * وشيبة تنعاه وتنعي أبا جهل
وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم * مسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابة * ذوو نجدات في الحروب وفي المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابه * وللغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل * عن الشغب والعدوان في أسفل السفل
وقد ذكر ابن اسحاق نقيضها من الحارث أيضا تركناها قصدا وقال كعب بن مالك
عجبت لامر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر
قضى يوم بدر أن نلاقي معشرا * بغوا وسبيل البغي بالناس جائر
وقد حشدوا واستنفروا من يليهم * من الناس حتى جمعهم متكاثر
وسارت الينا لا تحاول غيرنا * بأجمعها كعب جميعا وعامر
وفينا رسول الله والاوس حوله * له معقل منهم عزيز وناصر
وجمع بني النجار تحت لوائه * يمشون في الماذي والنقع ثائر
فلما لقيناهم وكل مجاهد * لأصحابه مستبسل النفس صابر
شهدنا بأن الله لا رب غيره * وأن رسول الله بالحق ظاهر
وقد عريت بيض خفاف كأنها * مقاييس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أبدنا جمعهم فتبددوا * وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه * وعتبة قد غادرته وهو عاثر
وشيبة والتيمي غادرت في الوغى * وما منهم إلا بذي العرش كافر
فأمسوا وقود النار في مستقرها * وكل كفور في جهنم صائر
تلظى عليهم وهي قد شب حميها * بزبر الحديد والحجارة ساجر
وكان رسول الله قد قال أقبلوا * فولوا وقالوا إنما أنت ساحر
لأمر أراد الله أن يهلكوا به * وليس لأمر حمه الله زاجر
وقال كعب في يوم بدر * الا هل أتى غسان في ناي دارها
وأخبر شيء بالأمور عليمها
بأن قد رمتنا عن قسي عداوة * معد معا جهالها وحليمها
لأنا عبدنا الله لم نرجو غيره * رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها
نبي له في قومه إرث عزة * وأعراق صدق هذبتها أرومها
فساروا وسرنا فالتقينا كأننا * أسود لقاء لا يرجى كليمها
ضربناهم حتى هوى في مكرنا * لمنخر سوء من لؤي عظيمها
فولوا ودسناهم ببيض صوارم * سواء علينا حلفها وصميمها
وقال كعب أيضا * لعمر أبيكما يا ابني لؤي
على زهو لديكم وانتخاء
لما حامت فوارسكم ببدر * ولا صبروا به عند اللقاء
وردناه ونور الله يجلو * دجى الظلماء عنا والغطاء
رسول الله يقدمنا بأمر * من أمر الله احكم بالقضاء
فما ظفرت فوارسكم ببدر * وما رجعوا رجعوا اليكم بالسواء
فلا تعجل أبا سفيان وارقب * جياد الخيل تطلع من كداء
بنصر الله روح القدس فيها * وميكال فياطيب الملاء
وقال حسان بن ثابت قال ابن هشام ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي * مستشعري حلق الماذي يقدمهم
جلد النحيزة ماض غير رعديد
أعني رسول إله الخلق فضله * على البرية بالتقوى وبالجود
وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم * وماء بدر زعمتم غير مورود
مستعصمين بحبل غير منجذم * مستحكم من حبال الله ممدود
فينا الرسول وفينا الحق نتبعه * حتى الممات ونصر غير محدود
واف وماض شهاب يستضاء به * بدر انار على كل الأماجيد
وقال حسان بن ثابت أيضا * الا ليت شعري هل أتى أهل مكة
إبادتنا الكفار في ساعة العسر
قتلنا سراة القوم عند مجالنا * فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر
قتلنا أبا جهل وعتبة قبله * وشيبة يكبو لليدين وللنحر
قتلنا سويدا ثم عتبة بعده * وطعمة أيضا عند ثائرة القتر
فكم قد قتلنا من كريم مسودا * له حسب في قومه نابه الذكر
تركناهموا للعاويات يتبنهم * ويصلون نارا بعد حامية القعر
لعمرك ما حامت فوارس مالك * وأشياعهم يوم التقينا على بدر
وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في يوم بدر في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلى مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأنكرها ابن هشام
ستبلغ عنا أهل مكة وقعة * يهب لها من كان عن ذاك نائيا
بعتبة إذ ولى وشيبة بعده * وما كان فيها بكر عتبة راضيا
تقطعوا رجلي فإني مسلم * أرتجي بها عيشا من الله دانيا
أمثال التماثيل أخلصت * من الجنة العليا لمن كان عاليا
عيشا تعرفت صفوه * وعاجلته حتى فقدت الأدانيا
حمن من فضل منه * بثوب من الاسلام غطى المساويا
مكروها إلي قتالهم * غداة دعا الاكفاء من كان داعيا
بلغ إذ سألوا النبي سواءنا * ثلاثتنا حتى حصرنا المناديا
لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا * نقاتل في الرحمن من كان عاصيا
فما برحت أقدامنا من مقامنا * ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا
وقال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت أيضا يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر وتركه قومه لا يقاتل دونهم
تبلت فؤادك في المنام خريدة * تشفي الضجيع ببارد بسام
كالمسك تخلطه بماء سحابة * أو عاتق كدم الذبيح مدام
نفج الحقيبة يوصها متنضد * بلهاء غير وشيكة الاقسام
بنيت على قطن أجم كأنه * فضلا إذا قعدت مداك رخام
وتكاد تكسل أن تجيء فراشها * في جسم خرعبة وحسن قوام
أما النهار فلا أفتر أذكرها * والليل توزعني بها أحلامي
أقسمت أنساها وأترك ذكرها * حتى تغيب في الضريح عظامي
بل من لعاذلة تلوم سفاهة * ولقد عصيت على الهوى لوامي
بكرت إلي بسحرة بعد الكرى * وتقارب من حادث الايام
زعمت بأن المرء يكرب عمره * عدم لمعتكر من الإصرام
إن كنت كاذبة الذي حدثتني * فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة ان يقاتل دونهم * ونجا برأس طمرة ولجام
يذر العناجيج الجياد بقفرة * من الذمول بمحصد ورجام
ملأت به الفرجين فأرمدت به * وثوى أحبته بشر مقام
وبنو أبيه ورهطه في معرك * نصر الآله به ذوي الاسلام
طحنتهم والله ينفذ أمره * حرب يشب سعيرها بضرام
لولا الآله وجريها لتركنه * جزر السباع ودسنه بحوام
من بين مأسور يشد وثاقه * صقر إذا لاقى الاسنة حام
ومجدل لا يستجيب لدعوة * حتى تزول شوامخ الاعلام
بالعار والذل المبين إذ رأى * بيض السيوف تسوق كل همام
بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه * نسب القصار سميدع مقدام
بيض إذا لاقت حديدا صممت * كالبرق تحت ظلال كل غمام
قال ابن هشام تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها قال ابن هشام فأجابه الحارث بن هشام أخو ابي جهل عمرو بن هشام فقال
القوم أعلم ما تركت قتالهم * حتى رموا فرسي بأشقر مزبد
وعرفت أني أن أقاتل واحدا * أقتل ولا ينكى عدوي مشهدي
فصددت عنهم والأحبة فيهم * طمعا لهم بعقاب يوم مفسد
وقال حسان أيضا * يا جار عولت غير معول
عند الهياج وساعة الإحساب
إذ تمتطي سرح اليدين نجيبة * مرطى الجراء طويلة الاقراب
والقوم خلفك قد تركت قتالهم * ترجو النجاة وليس حين ذهاب
ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى * قعص الأسنة ضائع الاسلاب
عجل المليك له فأهلك جمعه * بشنار مخزية وسوء عذاب
وقال حسان أيضا
لقد علمت قريش يوم بدر * غداة الاسر والقتل الشديد
بأنا حين تشتجر العوالي * حماة الحرب يوم أبي الوليد
قتلنا ابني ربيعة يوم سارا * إلينا في مضاعفة الحديد
وفر بها حكيم يوم جالت * بنو النجار تخطر كالأسود
وولت عند ذاك جموع فهر * وأسلمها الحويرث من بعيد
لقد لاقيتموا ذلا وقتلا * جهيزا نافذا تحت الوريد
وكل القوم قد ولوا جميعا * ولم يلووا على الحسب التليد
وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثي عبيدة بن الحارث بن المطلب
لقد ضمن الصفراء مجدا وسؤددا * وحلما أصيلا وافر اللب والعقل
عبيدة فأبكيه لأضياف غربة * وأرملة تهوي لأشعث كالجذل
وبكيه للأقوام في كل شتوة * إذا احمر آفاق السماء من المحل
وبكيه للأيتام والريح زفرف * وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي
فإن تصبح النيران قد مات ضوؤها * فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل
لطارق ليل أو لملتمس القرى * ومستنبح أضحى لديه على رسل
وقال الاموي في مغازيه حدثني سعيد بن قطن قال قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا
ألما تكن رؤياي حقا ويأتكم * بتأويلها فل من القوم هارب
رأى فأتاكم باليقين الذي رأى * بعينيه ما تفري السيوف القواضب
فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما * يكذبني بالصدق من هو كاذب
وما جاء إلا رهبة الموت هاربا * حكيم وقد أعيت عليه المذاهب
أقامت سيوف الهند دون رءوسكم * وخطية فيها الشبا والتغالب
كأن حريق النار لمع ظباتها * إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب
ألا بأبي يوم اللقاء محمدا * إذا عض من عون الحروب الغوارب
مري بالسيوف المرهفات نفوسكم * كفاحا كما تمري السحاب الجنائب
فكم بردت أسيافه من مليكة * وزعزع ورد بعد ذلك صالب
فما بال قتلى في القليب ومثلهم * لدى ابن أخي أسرى له ما يضارب
فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم * من الله حين ساق والحين حالب
فكيف رأى عند اللقاء محمدا * بنو عمه والحرب فيها التجارب
الم يغشكم ضربا يحار لوقعه الجبان وتبدو بالنهار الكواكب
حلفت لئن عادوا لنصطلينهم * بحارا تردى تجربتها المقانب
كأن ضياء الشمس لمع ظباتها * لها من شعاع النور قرن وحاجب
وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الاموي * هلا صبرتم للنبي محمد
ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر
ولم ترجعوا عن المرهفات كأنها * حريق بأيدي المؤمنين بواتر
ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا * قليلا بأيدي المؤمنين المشاعر
ووليتموا نفرا وما البطل الذي * يقاتل من وقع السلاح بنافر
أتاكم بما جاء النبيون قبله * وما ابن أخي البر الصدوق بشاعر
سيكفي الذي ضيعتموا من نبيكم * وينصره الحيان عمرو وعامر
وقال طالب بن أبي طالب يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرثي أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذ من قومه وهو بعد على دين قومه إذ ذاك
ألا إن عيني أنفذت دمعها سكبا * تبكي على كعب وما إن ترى كعبا
ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا * وأرداهموا اذا الدهر واجترحوا ذنبا
وعامر تبكي للملمات غدوة * فيا ليت شعري هل أرى لهم قربا
فيا أخوينا عبد شمس ونوفل * فدا لكما لا تبعثوا بيننا حربا
ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة * أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا
ألم تعلموا ما كان في حرب داحس * وحرب أبي يكسوم إذ ملئوا الشعبا
فلولا دفاع الله لا شيء غيره * لاصبحتموا لا تمنعون لكم سربا
فما إن جنينا في قريش عظيمة * سوى أن حمينا خير من وطيء التربا
أخا ثقة في النائبات مرزءا * كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا
يطيف به العافون يغشون بابه * يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا
فوالله لا تنفك نفسي حزينة * تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا
*2* فصل ( رثاء المشركين قتلاهم يوم بدر ) .
@ وقد ذكر ابن اسحاق اشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخب بني محارب بن فهر وقد أسلم بعد ذلك والسهيلي في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك
عجبت لفخر الأوس والحين دائر * عليهم غدا والدهر فيه بصائر
وفخر بني النجار إن كان معشر * اصيبوا ببدر كلهم ثم صائر
فأن تك قتلى غودرت من رجالنا * فإنا رجالا بعدهم سنغادر
وتردى بنا الجراد العناجيج وسطكم * بني الأوس حتى يشفي النفس ثائر
ووسط بني النجار سوف نكرها * لها بالقنا والدارعين زوافر
فنترك صرعى تعصب الطير حولهم * وليس لهم إلا الاماني ناصر
وتبكيهم من أرض يثرب نسوة * لهن بها ليل عن النوم ساهر
وذلك أنا لا تزال سيوفنا * بهن دم ممن يحاربن مائر
فأن تظفروا في يوم بدر فانما * بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر
وبالنفر الأخيار هم أولياؤه * يحامون في اللأواء والموت حاضر
يعد أبو بكر وحمزة فيهم * ويدعى على وسط من أنت ذاكر
أولئك لا من نتجت من ديارها * بنو الأوس والنجار حين تفاخر
ولكن أبوهم من لؤي بن غالب * إذا عدت الانساب كعب وعامر
هم الطاعنون السيل في كل معرك * غداة الهياج الأطيبون الاكابر
فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها وهي قوله
عجبت لأمر الله والله قادر * على ما أراد ليس لله قاهر
قال ابن اسحاق وقال أبو بكر واسمه شداد بن الاسود بن شعوب
قلت وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبي بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر
تحيي بالسلامة أم بكر * وهل لي بعد قومي من سلام
فماذا بالقليب قليب بدر * من القينات والشرب الكرام
وماذا بالقليب قليب بدر * من الشيزى تكلل بالسنام
وكم لك بالطوي طوي بدر * من الحومات والنعم المسام
وكم لك بالطوى طوى بدر * من الغايات والدسع العظام
وأصحاب الكريم أبي علي * أخي الكأس الكريمة والندام
وانك لو رأيت أبا عقيل * وأصحاب الثنية من نعام
إذا لظللت من وجد عليهم * كأم السقب جائلة المرام
يخبرناالرسل لسوف نحيا * وكيف حياة أصداء وهام
قلت وقد أورد البخاري بعضها في صحيحه ليعرف به حال قائلها قال ابن اسحاق وقال أمية بن أبي الصلت يرثي من قتل من قريش يوم بدر
ألا بكيت على الكرا * م بني الكرام أولي الممادح
كبكا الحمام على فرو * ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حرا مشتكي * نات يرحن مع الروائح
امثالهن الباكيا * ت المعولات من النوائح
من يبكهم يبكي على * حزن ويصدق كل مادح
ماذا ببدر والعقد * قل من مرازبة جحاجح
فمدافع البرقين فالحنان من طرف الأواشح
شمط وشبان بها * ليل مغاوير وحاوح
ألا ترون لما أرى * ولقد أبان لكل لامح
أن قد تغير بطن مكةفهي موحشة الأباطح
من كل بطريق لبطريق نقي الود واضح
دعموص أبواب الملو * ك وجائب للخرق فاتح
ومن السراطمة الخلا * جمة الملاوثة المناجح
القائلين الفاعل * ين الآمرين بكل صالح
المطعمين الشحم فو * ق الخبز شحما كالانافح
نقل الجفان مع الجفا * ن إلى جفان كالمناضح
ليست بأصفار لمن * يعفو ولا رح رحارح
للضيف ثم الضيف بعد الضيف والبسط السلاطح *
وهب المئين من المئ * ين إلى المئين من اللواقح
سوق المؤبل صادرات عن بلادح
لكرامهم فوق الكرا * م مزية وزن الرواجح
كمثاقل الارطال بال * قسطاس بالآيدي الموائح
خذلتهموا فئة وهم * يحمون عورات الفضائح
الضاربين التقدمية بالمنهدة الصفائح
ولقد عناني صوتهم * من بين مستسق وصائح
لله در بني علي أيم منهم وناكح
إن لم يغيروا غارة * شعواء تحجر كل نابح
بالمقربات المبعدا * ت الطامحات مع الطوامح
مردا على جرد إلى * أسد مكالبة كوالح
ويلاق قرن قرنه * مشي المصافح للمصافح
بزهاء ألف ثم ألف بين ذي بدن ورامح
قال ابن هشام تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس الذي حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين وذم المؤمنين واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر ذي العلم الاكمل والعقل الاشمل ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات وبذل الالوف والمئات في طاعة رب الارض والسموات وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والاسلام رضي الله عن جميعهم ما اختلط الضياء بالظلام وما تعاقبت الليالي والايام وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن اسحاق رحمه الله خوف الاطالة وخشية الملالة وفيما أوردنا كفاية ولله الحمد والمنة وقد قال الاموي في مغازيه سمعت أبي حدثنا سليمان بن أرقم عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عفا عن شعر الجاهلية قال سليمان فذكر ذلك الزهرى فقال عفا عنه إلا قصيدتين كلمة أمية التى ذكر فيها أهل بدر وكلمة الاعشى التي يذكر فيها الاخوص وهذا حديث غريب وسليمان بن أرقم هذا متروك والله أعلم
قال ابن اسحاق وكان فراغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر في عقب شهر رمضان أو في شوال ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم قال ابن هشام واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم الاعمى قال ابن اسحاق فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فاقام بها بقية شوال وذا القعدة وأفدى في اقامته تلك جل الاسارى من قريش
*2* فصل غزوة بني سليم سنة ثنتين من الهجرة
@ قال السهيلي والقرقرة الأرض الملساء والكدر طير في ألوانها كدرة قال ابن اسحاق وكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك وكان من أعلم الانصار حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها ووجدوا رجلا من الانصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما وانصرفوا راجعين فنذر بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبهم قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن المنذر قال ابن اسحاق فبلغ قرقرة الكندر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أزوادا كثيرة قد القاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق فسميت غزوة السويق قال المسلمون يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة قال نعم قال ابن اسحاق وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ويمدح سلام بن مشكم اليهودي
وإني تخيرت المدينة واحدا * لحلف فلم أندم ولم أتلوم
سقاني فرواني كميتا مدامة * على عجل مني سلام بن مشكم
ولما تولى الجيش قلت ولم أكن * لافرجه أبشر بعز ومغنم
تأمل فإن القوم سر وإنهم * صريح لؤي لاشماطيط جرهم
وما كان إلا بعض ليلة راكب * أتى ساعيا من غير خلة معدم
*2* فصل في دخول علي بن أبي طالب على زوجته فاطمة
@ بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب قال كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا مما أفاء الله من الخمس يومئذ فلما أردت ابتنى فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فأتى باذخر فاردت أن أبيعه من الصواغين فأستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفي من الاقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الانصار حتى جمعت ما جمعت فاذا أنا بشار في قد أجبت اسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ


من أكبادهما فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت من فعل هذا قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت وهو في شرب من الانصار وعنده قينته وأصحابه فقالت في غنائها ألا يا حمز للشرف النواء
فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما قال علي فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقيت فقال مالك فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فاجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في البيت معه شرب فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتداه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة فاستأذن عليه فأذن له فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل فاذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر الى وجهه ثم قال حمزة وهل أنتم إلا عبيدا لابي فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بالفاظ كثيرة وفي هذا دليل على ما قدمنا من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الاموال من أن الخمس انما نزل بعد قسمتها وقد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري وابن جرير وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه رضي الله عنهم قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي وذلك
قبل تحريم الخمر والله أعلم وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبادة السكران مسلوبة لا تأثير لها لا في طلاق ولا اقرار ولا غير ذلك كما ذهب إليه من ذهب من العلماء كما هو مقرر في كتاب الاحكام وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجل سمع عليا يقول أردت أن أخطب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فقلت مالي من شيء ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها اليه فقال هل لك من شيء قلت لا قال فأين درعك الخطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا قال هي عندي قال فأعطنيها قال فأعطيتها اياه هكذا رواه احمد في مسنده وفيه رجل مبهم وقد قال أبو داود حدثنا اسحاق بن اسماعيل الطالقاني ثنا عبدة ثنا سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال لما تزوج علي فاطمةرضي الله عنهما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطها شيئا قال ما عندي شيء قال أين درعك الخطيمة ورواه النسائي عن هارون بن اسحاق عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عروبة عن ايوب السختياني به وقال أبو داود حدثنا كثير بن عبيد الحمصي ثنا أبو حيوة عن شهيب بن أبي حمزة حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يعطيها شيئا فقال يا رسول الله ليس لي شيء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اعطها درعك فأعطاها درعه ثم دخل بها وقال البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد عن علي قال خطبت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت مولاة لي هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لا قالت فقد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك فقلت وعندي شيء أتزوج به فقالت إنك إن جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجك قال فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء بك ألك حاجة فسكت فقال لعلك جئت تخطب فاطمة فقلت نعم فقال هل عندك من شيء تستحلها به فقلت لا والله يا رسول الله فقال ما فعلت درع سلحتكها فوالذي نفس علي بيده أنها لخطيمة ما قيمتها أربعة دراهم فقلت عندي فقال قد زوجتكها فابعث اليها بها فاستحلها بها فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا مات صغيرا وأم كلثوم وزينب ثم روى البيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن علي قال جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها اذخر ونقل البيهقي من كتاب المعرفة لابي عبد الله بن منده أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى
قلت فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية والله أعلم
*2* فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة
@ تقدم ما ذكرناه من تزويجه عليه السلام بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين فكان ممن توفي فيها من الشهداء يوم بدر ونهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصاري تقدم تسميتهم والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور وتوفي بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى ابن عبد المطلب لعنه الله كما تقدم ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين وجدوا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفيت وساووا عليها التراب وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة ثم زوجه باختها الاخرى أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين ويقال إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الأخرى غيره رضي الله عنه وأرضاه وفيها حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف وفيها فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم وفيها فرضت الزكاة ذات النصب وفرضت زكاة الفطر وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود بني حارثة وصانعوا المسلمين وأظهر الاسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه ومنهم من أنحل بالكلية فبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه
قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه قال ابن جرير وقيل أن الحسن بن علي ولد فيها قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن اسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها قال فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل تم الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة




يتبع ..

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:32 PM
* الجزء الرابع
*2* سنة ثلاث من الهجرة
@
في أولها كانت غزوة نجد ويقال لها غزوة ذي أمر قال ابن اسحاق فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها غزا نجدا يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر قال ابن هشام واستعمل على المدينة عثمان بن عفان قال ابن اسحاق فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع ولم يلق كيدا وقال الواقدي بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بني ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه فخرج اليهم من المدينة يوم الخميس لثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا وهربت منه الأعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف وذلك بمرأى من المشركين واشتغل المشركون في شئونهم فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا قد أمكنك الله من قتل محمد فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورا فقال يا محمد من يمنعك مني اليوم قال الله ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يمنعك مني قال لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله والله لا أكثر عليك جمعا أبدا فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فلما رجع الى أصحابه فقالوا ويلك مالك فقال نظرت الى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك وشهدت أن محمدا رسول الله والله لا أكثر عليه جمعا
وجعل يدعو قومه الى الاسلام قال ونزل في ذلك قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا اليكم ايديهم عنكم الآية قال البيهقي وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان قلت ان كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لأن ذلك الرجل اسم غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه ولم يكن عاهد النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقاتله والله أعلم
*2* غزوة الفرع من بحران
@
قال ابن اسحاق فأقام بالمدينة ربيعا الأول كله أو الا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن اسحاق حتى بلغ بحران وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع وقال الواقدي انما كانت غيبته عليه السلام عن المدينة عشرة أيام فالله أعلم
*2* خبر يهود بني قينقاع في المدينة
@
وقد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فالله أعلم وهم المرادون بقوله تعالى كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم قال ابن اسحاق وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بني قينقاع قال وكان من حديثهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم في سوقهم ثم قال يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فانكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله اليكم فقالوا يا محمد انك ترى انا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس قال ابن اسحاق فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعن عكرمة عن ابن عباس قال ما نزلت هؤلاء الآيات الا فيهم قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون الى جهنم وبئس المهاد قد كان لكم آية في فئتين التقتا يعني أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال كان أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست الى صائغ هناك منهم فجعلوا
يريدونها على كشف وجهها فأبت قعمد الصائغ الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا فشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه فقام اليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم فقال يا محمد أحسن في موالي وكانوا حلفاء الخزرج قال فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه قال فأدخل يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام وكان يقال لها ذات الفضول فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه طللا ثم قال ويحك أرسلني قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي أربعمائة حاسر وثلثمائة دراع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة اني والله امرؤ أخشى الدوائر قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هم لك قال ابن هشام واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في محاصرته اياهم ابا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته اياهم خمس عشرة ليلة قال ابن اسحاق وحدثني أبي عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من بني عوف له من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فخلعهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ الى الله والى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وابرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم قال وفيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات من المائدة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض الآيت حتى قوله فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة يعني عبد الله ابن أبي الى قوله ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون يعني عبادة بن الصامت وقد تكلمنا على ذلك في التفسير
*2* سرية زيد بن حارثة
@
الى عير قريش صحبة أبي سفيان أيضا وقيل صحبة صفوان قال يونس عن بكير عن ابن اسحاق وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر قال ابن اسحاق وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون الى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة وهي عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر ابن وائل يقال له فرات بن حيان يعني العجلي حليف بني سهم ليدلهم على تلك الطريق قال ابن
اسحاق فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك حسان بن ثابت
دعوا فلجات الشام قد حال دونها * جلاد كافواه المخاض الأوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وأيدي الملائك
اذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك
قال ابن هشام وهذه القصيدة في أبيات لحسان وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث وقال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الأولى علىرأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم ابن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه واجتمع بكنانة بن أبي الحقيق في بني النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الأموال وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين وقدموا بالعير فخمسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ خمسها عشرين ألفا وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم رضي الله عنه قال ابن جرير وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وادخلت عليه في جمادى الآخرة منها
*2* مقتل كعب بن الأشرف
@
وكان من بني طيء ثم أحد بني نبهان ولكن أمه من بني النضير هكذا ذكره ابن اسحاق قبل جلاء بني النضير وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بني النضير والصحيح ما ذكره ابن اسحاق كما سيأتي فأن بني النضير انما كان أمرها بعد وقعة أحد وفي محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقه ان شاء الله قال البخاري في صحيحه قتل كعب بن الأشرف حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الاشرف فأنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله قال نعم قال فأذن لي أن أقول شيئا قال قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال ان هذا الرجل قد سألنا صدقة وانه قد عنانا واني قد أتيتك أستسلفك قال وأيضا والله لتملنه قال إنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر الى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا قال نعم ارهنوني قلت أي شيء تريد قال ارهنوني
نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنوني أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأمة قال سفيان يعني السلاح فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم الى الحصن فنزل اليهم فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم قال انما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة ان الكريم لو دعى الى طعنه بليل لأجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال اذا ما جاء فإني مائل بشعره فأشمه فاذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل اليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمر وقال عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشم رأسك قال نعم فشمه ثم اشم أصحابه ثم قال أتأذن لي قال نعم فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وقال محمد ابن اسحاق كان من حديث كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيء ثم أحد بني نبهان وأمه من بني النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها فلما تيقن عدو الله الخبر خرج الى مكة فنزل على المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن اسحاق قصيدته التي أولها
طحنت رحى بدر لمهلك أهله * ولمثل بدر تستهل وتدمع
وذكر جوابها من حسان بن ثابت رضي الله عنه ومن غيره ثم عاد الى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال موسى بن عقبة وكان كعب بن الأشرف أحد بني النضير أو فيهم قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجاء وركب الى قريش فاستغواهم وقال له أبو سفيان وهو بمكة أناشدك أديننا أحب الى الله أم دين محمد وأصحابه وأينا أهدى في رأيك وأقرب الى الحق إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبت الشمال فقال له كعب بن الأشرف أنتم أهدى منهم سبيلا قال فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا وما بعدها قال موسى ومحمد بن اسحاق وقدم للمدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من
نساء المسلمين قال ابن اسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد الله بن المغيث بن ابي بردة من لابن الاشرف فقال له محمد بن مسلمة أخو بني عبد الاشهل أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله قال فافعل إن قدرت على ذلك قال فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلأا ما يعلق نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه فقال له لم تركت الطعام والشراب فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفي لك به أم لا قال إنما عليك الجهد قال يا رسول الله إنه لا بد لنا أن نقول قال فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك قال فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بني عبد الاشهل وكان أخا كعب بن الاشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الاشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الاشهل وأبو عبس بن جبر أخو بني حارثة قال فقدوموا بين أيديهم الى عدو الله كعب سلكان ابن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الاشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني قال أفعل قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا فقال كعب أنا ابن الاشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير الى ما أقول فقال له سلكان إني قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك قال ترهنونى أبناءكم قال لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها فقال ان في الحلقة لوفاء قال فرجع سلكان الى أصحابه فاخبرهم خبره وأمرهم ان يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا اليه فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيته وهو في ليلة مقمرة فانطلقوا حتى انتهوا الى حصنه فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته فأخذت امرأته بناحيتها وقالت أنت امرؤ محارب وان أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة قال انه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني فقالت والله اني لأعرف في صوته الشر قال يقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا هل لك يا ابن الاشرف أن نتماشى الى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه قال إن شئتم فخرجوا فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال اضربوا عدو الله فاختلفت
عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله وقد أصيب الحارث بن أوس يجرح في رجله أو في رأسه اصابه بعض سيوفنا قال فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد ثم على بني قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم اتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرح صاحبنا ورجعنا الى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه قال ابن جرير وزعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الاشرف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق وفي ذلك يقول كعب بن مالك
فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا * الى كعب أخا كعب يسير
فما كره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور
قال ابن هشام وهذه الأبيات في قصيدة له في يوم بني النضير ستأتي قلت كان قتل كعب ابن الاشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر ثم ان الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبي الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه ان شاء الله وبه الثقة وقد أورد ابن اسحاق شعر حسان بن ثابت
لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الاشرف
يسرون بالبيض الخفاف اليكم * مرحا كاسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا ببيض ذفف
مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف
قال محمد بن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان أخوه حويصة بن مسعود اسن منه ولم يسلم بعد فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول أي عدو الله اقتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله قال محيصة فقلت والله لقد أمرني بقتله من لو امرني بقتلك لضربت عنقك قال فوالله إن كان لأول اسلام حويصة وقال والله لو أمرك محمد بقتلي لقتتلني قال نعم والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها قال فوالله ان دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة قال ابن اسحاق حدثني بهذا الحديث مولى لبني
حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها وقال في ذلك محيصة
يلوم ابن أم لو أمرت بقتله * لطبقت ذفراه بأبيض قارب
حسام كلون الملح أخلص صقله * متى ما أصوبه فليس بكاذب
وما سرني أني قتلتك طائعا * وأن لنا ما بين بصري ومارب
وحكى ابن هشام عن أبي عبيدة عن أبي عمرو المدني أن هذه القصة كانت بعد مقتل بني قريظة فان المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بني قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما تقدم فأسلم حويصة يومئذ فالله أعلم
تنبيه ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد والصواب ايرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن اسحاق وغيره من أئمة المغازي وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر كانت اذ ذاك حلالا وانما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله أعلم
تنبيه آخر خبر يهود بني قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم وكذلك قتل كعب بن الاشرف اليهودي على يدي الاوس وخبر بني النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي وكذلك مقتل أبي رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بني قريظة بعد يوم الاحزاب وقصة الخندق كما سيأتي
*2* غزوة أحد في شوال سنة ثلاث
@
فائدة ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال سمى أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح أحد جبل يحبنا ونحبه قيل معناه أهله وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله اذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله وان منها لما يهبط من خشية الله وفي الحديث عن أبي عبس بن جبر أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار قال السهيلي مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه عليه السلام قال المرء مع من أحب وهذا من غريب صنع السهيلي فان هذا الحديث انما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرءا وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق ومالك قال ابن اسحاق للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحادي عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم اذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل
المؤمنون ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين الآيات وما بعدها الى قوله ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة ولنذكر ههنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن اسحاق وغيره من علماء هذا الشأن رح وكان من حديث أحد كما حدثني محمد بن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت قالوا أو من قال منهم لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم الى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم واخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له تلك العير من قريش تجارة فقالوا يا معشر قريش ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا ففعلوا قال ابن اسحاق ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى ان الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا الى جهنم يحشرون قالوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الاسارى فقال له صفوان بن أمية يا ابا عزة انك امرؤ شاعر فأعنا بلسانك واخرج معنا فقال ان محمدا قد من علي فلا أريد أن أظاهر عليه قال بلى فأعنا بنفسك فلك الله ان رجعت أن أغنيك وان قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر فخرج ابو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة ويقول
قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل وكانت معلقة بسيفه قال ابن جرير وقيل أن الحسن بن علي ولد فيها قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبي سبرة حدثه عن اسحاق بن عبد الله عن أبي جعفر أن علي بن أبي طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها قال فان كانت هذه الرواية صحيحة فالقول الاول باطل تم الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة
أيا بني عبد مناة الرزام * أنتم حماة وأبوكم حام
لا يعدوني نصركم بعد العام * لا تسلموني لا يحل اسلام
قال وخرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح الى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويقول
يا مال مال الحسب المقدم * أنشد ذا القربى وذا التذمم
من كان ذا رحم ومن لم يرحم * الحلف وسط البلد المحرم
عند حطيم الكعبة المعظم *
قال ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له أخرج مع الناس فان أنت قتلت حمزة عم محمد بعمي طعيمة بن عدي فانت عتيق قال فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا وخرج أبو سفيان صخر بن حرب وهو قائد الناس ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي ام ابنه عبد الله بن عمرو وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته قال وكان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها ابا دسمة اشف واشتف يعني تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب قال فاقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال لهم قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى الاشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت في المنام أني أهاجر من مكة الى أرض بها نخل فذهب وهلى الى أنها اليمامة أو هجر فاذا هي المدينة يثرب ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فاذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فاذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين ورأيت فيها أيضا بقرا والله خير فاذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد واذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الأصم أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال تعقل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر قال ابن عباس وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا نخرج يا رسول الله اليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لبس أداته ثم ندموا وقالوا يا رسول الله أقم فالرأي رأيك فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه قال وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الاداة اني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة وأني مردف كبشا
وأولته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس مرفوعا قال رأيت فيما يرى النائم كأني مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أني أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي فقتل حمزة وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة وكان صاحب اللواء وقال موسى بن عقبة رح ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر حتى نزلوا ببطن الوادي الذي قبلي أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا قد ساق الله علينا أمنيتنا ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من اصحابه فقال لهم رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ضبته أو قال به فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أني في درع حصينة وأني مردف كبشا فلما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه قالوا يا رسول الله ماذا أولت رؤياك قال أولت البقر الذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي ويقول رجال كان الذي رأى بسيفه الذي اصاب وجهه فان العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعيته وخرقوا شفته يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ وقال أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله واولت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فان دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى صارت كالحصن فقال الذين لم يشهدوا بدرا كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله الينا وقرب المسير وقال رجل من الانصار متى نقاتلهم يا رسول الله اذا لم نقاتلهم عند شعبنا وقال رجال ماذا نمنع اذا لم تمنع الحرب بروع وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم حمزة بن عبد المطلب قال والذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم يا نبي الله لا تحرمنا الجنة فوالذي نفسي بيده لأدخلنها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم قال بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت واستشهد يومئذ وأبى كثير من الناس إلا الخروج الى العدو ولم يتناهوا الى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الذي سبق
لاصحاب بدر من الفضيلة فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول الله أمكث كما أمرتنا فقال ما ينبغي لنبي اذ أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج الى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم الى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس اذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم الف رجل والمشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلثمائة فبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعمائة قال البيهقي رح هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن اصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فالله أعلم قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ان شاء الله تعالى وقال محمد ابن اسحاق لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤياه على أصحابه قال لهم ان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشر مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن لا يخرج اليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا الى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله ابن أبي يا رسول الله لا تخرج اليهم فوالله ما خرجنا منها الى عدو قط إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول الله ان شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي اذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من أصحابه قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن اسحاق حتى اذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال يا قوم اذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم
ولكنا لا نرى أن يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا الا الانصراف قال ابعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه صلى الله عليه وسلم قلت وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى ليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لونعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون يعني انهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لاخفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا الآية وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح وذكر الزهري أن الانصار استأذنوا حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بني سلمة وبني حارثة لما رجع عبد الله بن أبي وأصحابه همتا أن تفشلا فثبتهما الله تعالى ولهذا قال ا ذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال جابر بن عبد الله ما أحب أنها لم تنزل والله يقول والله وليهما كما ثبت في الصحيحين عنه قال ابن اسحاق ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحب السيف شم سيفك أي اغمده فاني أرى السيوف ستسل اليوم ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب أي من قريب من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظي وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول ان كنت رسول الله فاني لا أحل لك أن تدخل في حائطي قال ابن اسحاق وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر وقد بدر اليه سعد بن زيد أخو بني عبد الاشهل قبل نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره الى أحد وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك
لا نؤتين من قبلك وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين ان شاء الله تعالى قال ابن اسحاق وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يعني لبس درعا فوق درع ودفع اللواء الى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار قلت وقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظي ذكره ابن قتيبة وأورده السهيلي وهو الذي يقول فيه الشماخ
اذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين



ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيلي أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله ان رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فان سمرة يصرع رافعا فأجازه قال ابن اسحاق رح وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل بن هشام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ هذا السيف بحقه فقام اليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام اليه أبو دجانه سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله قال أن تضرب به في العدو حتى ينحني قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه اياه هكذا ذكره ابن اسحاق منقطعا وقد قال الامام احمد حدثنا يزيد وعفان قالا حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون اليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة أنا آخذه بحقه فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به قال ابن اسحاق وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل قال فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين قال فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الانصار من بني سلمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر انها لمشية يبغضها الله الا في مثل هذا الموطن قال ابن اسحاق وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم على القتال يا بني عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم اذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا واما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا نحن نسلم اليك لواءنا ستعلم غدا اذا التقينا كيف نصنع وذلك الذي أراد أبو سفيان قال فلما التقى الناس ودنا بعضهم من
بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضن على القتال فقالت هند فيما تقول
ويها بني عبد الدار * ويها حماة الأديار
ضربا بكل بتار
وتقول أيضا
ان تقبلوا نعانق * ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق * فراق غير وامق
قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة وكان قد خرج الى مكة مباعدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاما من الاوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يتخلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الاحابيش وعبدان أهل مكة فنادى يا معشر الاوس أنا أبو عامر قالوا فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله الفاسق فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة قال ابن اسحاق فأقبل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس قال ابن هشام وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت اليه وسألته أياه قبله فأعطاه أبا دجانه وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الانصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له اذا تعصب فخرج وهو يقول
أنا الذي عاهدني خليلي * ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول * أضرب بسيف الله والرسول
وقال الاموي حدثني أبو عبيد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال لعلك ان أعطيتك تقاتل في الكيول قال لا فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول
أنا الذي عاهدني خليلي * ان لا أقوم الدهر في الكيول
وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه اسرائيل كلاهما عن أبي اسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفعه الكيول يعني مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم اسمع هذا الخرف ألا في هذا الحديث قال ابن هشام فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين
فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضيت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقلت الله ورسوله أعلم وقد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام بذلك قال ابن اسحاق قال أبو دجانة رأيت انسانا يحمس الناس حمسا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول فاذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه اليه فأعطى السيف حقه قال فزعموا أن كعب بن مالك قال كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة يجوز المسلمين وهو يقول استوسقوا كما استوسقت جزر الغنم قال واذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري فإاذا الكافر أفضلهما عدة وهيأة قال فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربه بالسيف فبلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه وقال كيف ترى يا كعب أنا أبو دجانة
*2* مقتل حمزة رضي الله عنه
@
قال ابن اسحاق وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء وكذلك قتل عثمان بن أبي طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول
إن على أهل اللواء حقا * أن يخضبوا الصعدة أو تندقا
فحمل عليه حمزة فقتله ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار فقال حمزة هلم ألي يا ابن مقطعة البظور وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي غلام جبير بن مطعم والله اني لانظر لحمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمر به مثل الجمل الأورق إذ قد نقدمني اليه سباع فقال حمزة هلم يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع وأمهلته حتى اذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت الى العسكر ولم يكن لي بشيء حاجة غيره قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري
قال خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار أحد بني نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها فلما قدمناها قال عبيد الله بن عدي هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله قال قلت له ان شئت فخرجنا نسأل عنه بحمص فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه انكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمر فان تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه وان تجداه وبه بعض ما بع فانصرفا عنه ودعاه قال فخرجنا نمشي حتى جئناه فاذا هو بفناء داره على طنفسة له واذا شيخ كبير مثل البغاث واذا هو صاح لا بأس به فلما انتهينا اليه سلمنا عليه فرفع رأسه الى عبيد الله بن عدي فقال ابن لعدي بن الخيار أنت قال نعم قال أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإني ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك اليها فوالله ما هو إلا أن وقفت علي فعرفتهما قال فجلسنا اليه فقلنا جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته فقال أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألني عن ذلك كنت غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمه بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش الى أحد قال لي جبير إن قتلت حمزة عم محمد بعمي فأنت عتيق قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة واتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يهد الناس بسيفه هدا ما يقوم له شيء فوالله إني لاتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إلي يا ابن مقطعة البظور قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه قال وهززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت الى العسكر وقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت الى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلموا تعيت علي المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل ويحك انه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرعه إلا بي قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي أوحشي أنت قلت نعم يا رسول الله قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة قال فحدثته كما حدثتكما فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك قال فكنت
أتنكب برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله عز وجل فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة فلما التقى الناس ورأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الانصار من الناحية الاخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى اذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه وشد عليه الانصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله فإن كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلت شر الناس قلت الانصاري هو أبو دجانة سماك بن حرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة وقال الواقدي في الردة هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني وقال سيف بن عمرو هو عدي ابن سهل وهو القائل
ألم تر أني ووحشيهم * قتلت مسيلمة المغتبن
ويسألني الناس عن قتله * فقلت ضربت وهذا طعن
والمشهور أن وحشيا هو الذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة لما روىابن اسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال سمعت صارخا يوم اليمامة يقول قتله العبد الاسود وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري قال خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار فذكر القصة كما تقدم وذكر أن عبيد الله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما وقال في سباقته فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج اليه حمزة بن عبد المطلب فقال له يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحاد الله ورسوله ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذلك آخر العهد به الى أن قال فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج الى مسيلمة لعلي أقتله فأكفئ به حمزة قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فاذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس قال فرميته بحربتي فاضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه قال ووثب اليه رجل من الانصار فضربه بالسيف على هامته قال عبد الله بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول فقالت جارية على ظهر البيت وا أمير المؤمناه قتله العبد الاسود قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحد في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول قد قلت بأن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة قلت
وتوفي وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص وكان أول من لبس الثياب المدلوكة قال ابن اسحاق وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع الى قريش فقال قتلت محمدا قلت وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الذي قتل مصعبا هو أبي بن خلف فالله أعلم قال ابن اسحاق فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن أبي طالب وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق كان اللواء أولا مع علي بن أبي طالب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من علي بن أبي طالب فدفعه الى مصعب بن عمير فلما قتل مصعب أعطى اللواء علي بن أبي طالب قال ابن اسحاق وقاتل علي بن أبي طالب ورجال من المسلمين قال ابن هشام وحدثني مسلمة بن علقمة المازني قال لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الانصار وأرسل الى علي أن قدم الراية فقدم علي وهو يقول أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة قال نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه علي فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه فقال له بعض أصحابه أفلا أجهزت عليه فقال انه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر ابن أبي أرطأة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عوته فرجع عنه وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع علي أيضا ففي ذلك يقول الحارث بن النضر
أتى كل يوم فارس غير منته * وعورته وسط العجاجة باديه
يكف لها عنه علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاويه
وذكر يونس عن ابن اسحاق أن طلحة بن أبي طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا الى البراز فأحجم عنه الناس فبرز اليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله ثم اقتحم به الارض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان لكل نبي حواريا وحواري الزبير وقال لو لم يبرز اليه لبرزت أنا اليه لما رأيت من احجام الناس عنه وقال ابن اسحاق قتل أبا سعد بن أبي طلحة سعد بن أبي وقاص وقاتل عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح فقتل نافع بن أبي طلحة وأخاه الحلاس كلاهما يشعره سهما فيأتي أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بني من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبى الأقلح فنذرت أن أمكنها الله من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا
يمسه ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي قال ابن اسحاق والتقى حنظلة بن أبي عامر واسمه عمرو ويقال عبد عمرو بن صيفي وكان يقال لابي عامر في الجاهلية الراهب لكثرة عبادته فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الاسلام ومخالفة للرسول عليه السلام وحنظلة الذي يعرف بحننطلة الفسيل لانه غسلته الملائكة كما سيأتي هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الاوس وهو الذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه فسئلت صاحبته قال الواقدي هي جميلة بنت أبي ابن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك غسلته الملائكة وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا ولقد والله كنت وصولا للرحم برا بالوالد قال ابن اسحاق وقال ابن شعوب في ذلك
لأحمين صاحبي ونفسي * بطعنة مثل شعاع الشمس
وقال ابن شعوب * ولولا دفاعي يا ابن حرب ومشهدي
لألفيت يوم العنف غير مجيب
ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت * عليه ضباع أو ضراء كليب
وقال أبو سفيان * ولو شئت نجتني كميت طمرة
ولم أحمل النعماء لابن شعوب
وما زال مهري مزجر الكلب منهم * لدن غدوة حتى دنت لغروب
أقاتلهم وأدعي يالغالب * وأدفعهم عني بركن صليب
فبكي ولا ترعي مقالة عاذل * ولا تسأمي من عبرة ونحيب
أباك واخوانا له قد تتابعوا * وحقا لهم من عبرة بنصيب
وسلي الذي قد كان في النفس انني * قتلت من النجار كل نجيب
ومن هاشم قرما كريما ومصعبا * وكان لدى الهيجاء غير هيوب
فلو أنني لم أشف نفسي منهم * لكانت شجى في القلب ذات ندوب
فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم * بهم خدب من مغبط وكئيب
أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء ولا في خطة بضريب
فأجابه حسان بن ثابت * ذكرت القروم الصيد من آل هاشم
ولست لزور قلته بمصيب *
أتعجب أن أقصدت حمزة منهم * نجيبا وقد سميته بنجيب
ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه * وشيبة والحجاج وابن حبيب
غداة دعا العاصي عليا فراعه * بضربة عضب بله بخضيب
*2* فصل ( نصر الله للمسلمين يوم بدر ) .
@ قال ابن اسحاق ثم أنزل الله نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال والله لقد رأيتني أنظر الى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير اذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا ان محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم فحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فاخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول اللهم هل أعزرت يعني اللهم هل أعذرت فقال حسان بن ثابت
فخرتم باللواء وشر فخر * لواء حين رد الى صواب
جعلتم فخركم فيه لعبد * وألأم من يطا عفر التراب
ظننتم والسفيه له ظنون * وما أن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادنا يوم التقينا * بمكة بيعكم حمر العياب
أقر العين ان عصبت يداه * وما أن تعصبان على خضاب
وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم
إذا عضل سيقت إلينا كأنها * جداية شرك معلمات الحواجب
أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا * وحزناهم وحزنانهم بالضرب من كل جانب
فلولا لواء الحارثية أصبحوا * يباعون في الاسواق بيع الجلائب
قال ابن اسحاق فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذب بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص فحدثني حميد الطويل عن
أنس بن مالك قال كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه فجعل يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون قال ابن جرير في تاريخه حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أحمد ابن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق طائفة فوق الجبل الى الصخرة وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلي عباد الله إلي عباد الله فاجتمع اليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمي بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك قال أليس قال لاقتلنك لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم فلم يلبث الا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل فقال بعص أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا الى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان يا قوم ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم فقال أنس ابن النضر يا قوم ان كان محمد قد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم اللهم اني أعتذر اليك مما يقول هؤلاء وأبرأ اليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس حتى انتهى الى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فقال الله عز وجل في الذين قالوا ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا اليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يعلونا اللهم ان تقتل هذه العصابة لا تعبد في الارض ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ أعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر وذكر تمام القصة وهذا غريب جدا وفيه نكارة قال ابن هشام وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وان عبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرة
من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسسه النار قلت وذكر قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمى عليه فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى الله فأنزل الله ليس لك من الأمر شيء الآية رواه ابن جرير وهو مرسل وسيأتي بسط هذا في فصل وحده قلت كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال الله تعالى ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم بأذنه حتى اذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين اذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم الآية قال الامام احمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثني سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكرنا ذلك فقال بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ان الله يقول في يوم أحد ولقد صدقكم الله وعده اذ تحسونهم بإذنه يقول ابن عباس والحس القتل حتى اذا فشلتم الى قوله ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين وانما عني بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين اكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم هكذا وشبك بين أصابع يديه والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار انما كان تحت المهراس وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه اذا مشى قال ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال فرقي نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله ويقول مرة أخرى اللهم انه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى الينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل أعل هبل أعل هبل مرتين يعني آلهته أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب فقال عمر بن الخطاب ألا أجيبه قال بلى قال فلما قال اعل هبل قال الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت
عينها فعاد عنها أو فعال عنها فقال أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة أين ابن الخطاب فقال عمر هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وها انا ذا عمر قال فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر الأيام دول وان الحرب سجال قال فقال عمر لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال انكم لتزعمون ذلك لقد خبنا اذن وخسرنا ثم قال أبو سفيان اما انكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأى سراتنا قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال اما انه ان كان ذلك لم نكرهه وقد رواه ابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل من حديث سليمان بن داود الهاشمي به وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر ان شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وهو المستعان قال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله عهد إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا فأبوا فلما أبوا صرفت وجوههم فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال افي القوم محمد فقال لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن أبي قحافة فقال لا تجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب فقال إن هؤلاء قتلوا فلوا كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يحزنك فقال أبو سفيان أعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني وهذا من افراد البخاري دون مسلم وقال الامام احمد حدثن موسى حدثنا زهير حدثنا أبو اسحاق أن البراء بن عازب قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير قال ووضعهم موضعا وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل اليكم وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل اليكم قال فهزموهم قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنظرون قال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثنى عشر رجلا فأصابوا
منا سبعين رجلا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان أفي القوم محمد أفي القوم محمد أفي القوم محمد ثلاثا فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن أبي قحافة أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب ثم أقبل على أصحابه فقال أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم فما ملك عمر نفسه أن قال كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك فقال يوم بيوم بدر والحرب سجال انكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني ثم أخذ يرتجز أعل هبل أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه قالوا يا رسول الله وما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال إن العزى لنا ولا عزى لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبونه قالوا يا رسول الله ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ورواه البخاري من حديث زهير وهو ابن معاوية مختصرا وقد تقدم روايته له مطولة من طريق اسرائيل عن أبي اسحاق وقال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وعلي ابن زيد عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من الانصار ورجل من قريش قال من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة فجاء رجل من الانصار فقاتل حتى قتل فلما رهقوه أيضا قال من يردهم عنا وهو رفيقى في الجنة حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنصفنا اصحابنا ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به وقال البيهقي في الدلائل باسناده عن عمارة بن غزية عن أبي الزبير عن جابر قال انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الانصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال ألا أحد لهؤلاء فقال طلحة أنا يا رسول الله فقال كما أنت يا طلحة فقال رجل من الانصار فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه ثم قتل الانصاري فلحقوه فقال ألا رجل لهؤلاء فقال طلحة مثل قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله فقال رجل من الانصار فأنا يا رسول الله فقاتل وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول ويقول طلحة أنا يا رسول فيحبسه فيستأذنه رجل من الانصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهؤلاء فقال طلحة أنا فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال حس فقال لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون اليك حتى تلج بك في جو السماء ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أصحابه وهم مجتمعون وروى البخاري عن عبد الله بن أبي شيبة عن وكيع عن اسماعيل عن قيس بن أبي حازم قال رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وفي الصحيحين من حديث موسى بن اسماعيل عن
معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان النهدي قال لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما وقال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت سعد بن أبي وقاص يقول نثل لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته يوم أحد وقال ارم فداك أبي وأمي وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن مروان به وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن شداد عن علي بن أبي طالب قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك فاني سمعته يقول يوم أحد يا سعد ارم فداك أبي وأمي قال محمد بن اسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سعد فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يناولني النبل ويقول ارم فداك أبي وأمي حتى انه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به وثبت في الصحيحين من حديث ابراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبي وقاص قال رأيت يوم أحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام وقال أحمد حدثنا عفان أخبرنا ثابت بن أنس أن أبا طلحة كان يرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد والنبي صلى الله عليه وسلم خلفه يترس به وكان راميا وكان اذا رمى رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصه ينظر أين يقع سهمه ويرفع أبو طلحة صدره ويقول هكذا بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا يصيبك سهم نحري دون نحرك وكان أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول اني جلد يا رسول الله فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس قال لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مجوب عليه بجحفة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول انثرها لابي طلحة قال ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم ينظر الى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وانهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقران القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين وإما ثلاثا قال البخاري وقال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة قال كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه هكذا ذكر البخاري معلقا بصيغة الجزم ويشهد له قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشي طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم
يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شيء قل ان الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذي كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ان الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان انما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ان الله غفور حليم قال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ قالوا ابن عمر فأتاه فقال اني سائلك عن شيء أتحدثني قال أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد قال نعم قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها قال نعم قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها قال نعم قال فكبر قال ابن عمر تعال لاخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وأما تغيبه عن بدر فانه كان تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه أما تغيبه عن بيعة الرضوان فانه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان الى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان اذهب بهذا الآن معك وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر والترمذي من حديث أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب به وقال الاموي في مغازيه عن ابن اسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم الى الملقى دون الأعوص وفر عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الانصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الاعوص فاقاموا ثلاثا ثم رجعوا فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم لقد ذهبتم فيها عريضة والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر منها حصول النعاس حال التحام الحرب وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خالقها وبارئها وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر إذ يغشيكم النعاس أمنة منه الآية وقال ها هنا ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم يعني المؤمنين الكمل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف النعاس في الحرب من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق ولهذا قال بعد هذا وطائفة قد أهمتهم أنفسهم الآية ومن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله إن تشأ لا تعبد في الأرض كما قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد اللهم إنك ان تشأ لا تعبد في الارض ورواه مسلم
عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به وقال البخاري حدثنا عبد الله ابن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أرأيت إن قتلت فأين أنا قال في الجنة فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر رضي الله عنهما وأرضاهما


*2* فصل فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المشركين قبحهم الله
@ قال البخاري ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد حدثنا اسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه يشير الى رباعيته اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الاموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد وهو يسلت الدم عن وجهه وهو يقول كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعو الى الله فأنزل الله ليس لك من الامر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون ورواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به ورواه الامام احمد عن هشيم ويزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى ربهم فأنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء وقال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبي حازم انه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح النبي صلى الله عليه وسلم فقال أما والله اني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كان يسكب الماء وبما دووي قال كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه وقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا ابن المبارك عن اسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله أخبرني عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت كان أبو بكر اذا ذكر يوم أحد قال ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث قال كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه وأراه قال حمية قال فقلت كن طلحة حيث فاتني ما فاتني فقلت يكون رجلا من قومي أحب الي وبيني وبين المشركين رجل
لا أعرفه وأنا أقرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه وهو يخطف المشي خطفا فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكما صاحبكما يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت الى قوله قال وذهبت لانزع ذاك من وجهه فقال اقسم عليك بحقي لما تركتني فتركته فكره تناولها بيده فيؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم فازم عليها بفيه فاستخرج احدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة وذهبت لاصنع ما صنع فقال أقسمت عليك بحقي لما تركتني قال ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى فوقعت ثنيته الاخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة رضي الله عنه من أحسن الناس هتما فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فاذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة واذا قد قطعت اصبعه فأصلحنا من شأنه وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن اسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت الى النبل تأتي من كل ناحية ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يصرف عنه ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول دلوني على محمد لا نجوت ان نجا ورسول الله صلى الله عليه وسلم الى جنبه ما معه أحد فجاوره فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية فقال والله ما رايته أحلف بالله انه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص اليه قال الواقدي ثبت عندي أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بن قمئة والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص وقد تقدم عن ابن اسحاق نحو هذا وان الرباعية التي كسرت له عليه السلام هي اليمنى السفلى قال ابن اسحاق وحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وان كان ما علمت لسيء الخلق مبغضا في قومه ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الحرري عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا فما حال عليه الحول حتى مات كافرا الى النار وقال أبو سليمان الجوزجاني حدثنا محمد بن الحسن حدثنا ابراهيم بن محمد حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حرب عن أبيه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوى وجهه يوم أحد بعظم بال هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموي في وقعة أحد ولما نال عبد الله بن قمئة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نال رجع وهو يقول قتلت محمدا وصرخ الشيطان أزب العقبة يومئذ بأبعد صوت ألا ان محمدا قد قتل فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن جوزة الاسلام حتى يموتوا على
ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين وكأي من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم الا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد وقد خطب الصديق رضي الله عنه في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت ثم تلا هذه الآية وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية قال فكأن الناس لم يسمعوها قبل ذلك فما من الناس أحد الا يتلوها وروى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الانصار وهو يتشحط في دمه فقال له يا فلان أشعرت أن محمدا قد قتل فقال الانصاري ان كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم فنزل وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآية ولعل هذا الانصاري هو أنس بن النضر رضي الله عنه وهو عم أنس بن مالك قال الامام احمد حدثنا يزيد حدثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين لئن الله أشهدني قتالا للمشركين ليرين ما أصنع فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال اللهم انى أعتذر اليك عما صنع هؤلاء يعني أصحابه وابرأ اليك مما جاء به هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد أنا معك قال سعد فلم أستطع أصنع ما صنع فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم قال فكنا نقول فيه وفي أصحابه نزلت فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ورواه الترمذي عن عبد بن حميد والنسائي عن اسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال الترمذي حسن قلت بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا بهز وحدثنا هاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قال
أنس عمي قال هاشم أنس بن النضر سميت به ولم يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قال فشق عليه وقال أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه ولئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين الله ما أصنع قال فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو أين واها لريح الجنة أجده دون أحد قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن المبارك وزاد النسائي وأبو داود وحماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به وقال الترمذي حسن صحيح وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال كان أبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال بل أنا أقتله ان شاء الله فلما كان يوم أحد أقبل أبي في الحديد مقنعا وهو يقول لا نجوت إن نجا محمد فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع الى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له ما أجزعك إنما هو خدش فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا ثم قال والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات الى النار فسحقا لأصحاب السعير وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيب نحوه وقال ابن اسحاق لما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول لا نجوت إن نجوت فقال القوم يا رسول الله يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم كما ذكر لي فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير اذا انتفض ثم استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فطعنه في عنقه طعنه تدأدأ منها عن فرسه مرارا ذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك قال الواقدي وكان ابن عمر يقول مات أبي بن خلف ببطن رابغ فأني لاسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل اذا أنا بنار تأججت فهبتها واذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش فاذا رجل يقول لا تسقه فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أبي بن خلف وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن
أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله ورواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله وقال البخاري وقال أبوالوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال لما قتل أبي جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهونني والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينه وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تبكه أو ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع هكذا ذكر هذا الحديث ههنا معلقا وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر بن شعبة ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به وقال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن أبيه ابراهيم أن عبد الرحمن ابن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير مني كفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه وإن غطى رجلاه بدا رأسه وأراه قال وقتل حمزة هو خير مني ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا ثم جعل يبكي حتى برد الطعام انفرد به البخاري وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن شقيق عن خباب بن الأرت قال هاجرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الأذخر ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن الأعمش به وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو اسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ ابليس لعنة الله عليه أي عباد الله أخراكم فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فاذا هو بأبيه اليمان فقال أي عباد الله أبي أبي قال قالت فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه فقال حذيفة يغفر الله لكم قال عروة فوالله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله عز وجل قلت كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا انه لم يبق من آجالنا إلا ظمء حمار فنزلا ليحضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ولم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك
*2* فصل ( رد رسول الله عين قتادة بن النعمان عندما سقطت يوم أحد ) .
@ قال ابن اسحاق وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى سقطت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما وفي الحديث عن جابر بن عبد الله أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدهما وكانت لا ترمد اذا رمدت الاخرى وروى الدارقطني بإسناد غريب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد عن أخيه قتادة ابن النعمان قال أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان والمشهور الاول أنه أصيبت عينه الواحدة ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له من أنت فقال له مرتجلا
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها * فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد
فقال عمر بن عيد العزيز عند ذلك * تلك المكارم لا قعبان من لبن
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ثم وصله فأحسن جائزته رضي الله عنه
*2* فصل ( مشاركة أم عمارة في القتال يوم أحد ) .
@
قال ابن هشام وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد فذكر سعيد ابن أبي زيد الانصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت لها يا خالة أخبريني خبرك فقالت خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح الي قالت فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت لها أصابك بهذا قالت ابن قمئة أقمأه الله لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت ان نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان قال ابن اسحاق وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى انقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده قال ابن اسحاق وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي بن النجار قال انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك الى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والانصار وقد اتقوا بأيديهم فقال فما يجلسكم قالوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمي أنس بن مالك فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته عرفته ببنانه قال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم ان عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر اصابه بعضها في رجله فعرج
*2* فصل ( في أول من عرف رسول الله بعد الهزيمة : أنس بن مالك ) .
@ قال ابن اسحاق وكان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر لي الزهري كعب بن مالك قال رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنصت قال ابن اسحاق فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف فذكر قتله عليه السلام أبيا كما تقدم قال ابن اسحاق وكان أبي بن خلف كما حدثني صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول يا محمد ان عندي العود فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك ان شاء الله فلما رجع الى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال قتلني والله محمد فقالوا له ذهب والله فؤادك والله ان بك بأس قال انه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك فوالله لو بصق علي لقتلني فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به الى مكة قال ابن اسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك
لقد ورت الضلالة عن أبيه * أبي يوم بارزه الرسول
أتيت اليه تحمل رم عظم * وتوعده وانت به جهول
وقد قتلت بنو النجار منكم * أمية اذ يغوث يا عقيل
وتب ابنا ربيعة اذ أطاعا * ابا جهل لأمهما الهبول
وافلت حارث لما شغلنا * بأسر القوم أسرته قليل
وقال حسان بن ثابت أيضا * ألا من مبلغ عني أبيا
فقد ألقيت في سحق السعير
تمني بالضلالة من بعيد * وتقسم إن قدرت مع النذور
تمنيك الاماني من بعيد * وقول الكفر يرجع في غرور
فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ * كريم البيت ليس بذي فجور
له فضل على الأحياء طرا * اذا نابت ملمات الأمور
قال ابن اسحاق فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس فجاء بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل
عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول اشتد غضب الله على من دمي وجه نبيه وقد تقدم شواهد ذلك من الاحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية قال ابن اسحاق فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه اذ علت عالية من قريش الجبل قال ابن هشام فيهم خالد بن الوليد قال ابن اسحاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انه لا ينبغي لهم أن يعلونا فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ونهض النبي صلى الله عليه وسلم الى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ أوجب طلحة حين صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ما صنع قال ابن هشام وذكر عمر مولى عفرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي اصابته وصلى المسلمون خلفه قعودا قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال كان فينا رجل أتى لا يدري من هو يقال له قزمان فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اذا ذكر انه لمن أهل النار قال فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل الى دار بني ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون له والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر قال بماذا أبشر فوالله ان قاتلت الا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي ان شاء الله قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن المسيب عن أبي هريرة قال شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر فقال لرجل ممن يدعي الاسلام هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الذي قلت انه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم الى النار فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك اذ قيل فانه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالا فنادى في الناس انه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به قال ابن اسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بني ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق قالوا ان اليوم يوم السبت قال لا سبت لكم فأخذ سيفه وعدته وقال ان أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ثم غدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل معه حتى قتل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا مخيريق خير يهود قال السهيلي فجعل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال مخيريق وكانت سبع حوائط أوقافا بالمدينة لله قال محمد بن كعب القرظي وكانت أول وقف بالمدينة وقال ابن اسحاق وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عن أبي هريرة أنه كان يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول اصيرم بني عبد الاشهل عمرو بن ثابت ابن وقش قال الحصين فقلت لمحمود بن أسد كيف كان شأن الأصيرم قال كان يأبى الاسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال فبينما رجال من بني عبد الاشهل يتحسسون قتلاهم في المعركة اذا هم به فقالوا والله ان هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه وانه لمنكر لهذا الحديث فسألوه فقالوا ما جاء بك يا عمرو أحدب على قومك أم رغبة في الاسلام فقال بل رغبة في الاسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلت حتى أصابني ما أصابني فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انه من أهل الجنة قال ابن اسحاق وحدثني أبي عن أشياخ من بني سلمة قالوا كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا ان الله قد عذرك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ان بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فوالله اني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك وقال لبنيه ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة فخرج معه فقتل يوم أحد رضي الله عنه قال ابن اسحاق ووقعت هند بنت عتبة كما حدثني صالح بن كيسان والنسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والانوف حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهن خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وذكر موسى ابن عقبة ان الذي بقر كبد حمزة وحشي فحملها الى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فالله أعلم قال ابن اسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت
نحن جزيناكم بيوم بدر * والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان لي عن عتبة من صبر * ولا أخي وعمه وبكر
شفيت نفسي وقضيت نذري * شفيت وحشي غليل صدري
فشكر وحشي علي عمري * حتى ترم أعظمي في قبري
قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت
خزيت في بدر وبعد بدر * يا بنت وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر * م الهاشميين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفري * حمزة ليثي وعلي صقري
اذ رام شيب وأبوك غدري * فخضبا منه ضواحي النحر
ونذرك السوء فشر نذر
قال ابن اسحاق وكان الحليس بن زيان أخو بني الحارث بن عبد مناة وهو يومئذ سيد الاحابيش مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب يزج الرمح ويقول ذق عقق فقال الحليس يا بني كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما فقال ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة قال ابن اسحاق ثم أن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته أنعمت ان الحرب سجال يوم بيوم بدر أعل هبل أي ظهر دينك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر قم يا عمر فأجبه فقل الله أعلى وأجل لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار فقال له أبو سفيان هلم الي يا عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ائته فانظر ما شأنه فجاءه فقال له أبو سفيان أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمدا فقال عمر اللهم لا وانه ليسمع كلامك الآن قال أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر قال ابن اسحاق ثم نادى أبو سفيان انه قد كان في قتلاكم مثل والله ما رضيت وما سخطت وما نهيت ولا أمرت قال ولما انصرف أبو سفيان نادى ان موعدكم بدر العام المقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من أصحابه قل نعم هو بيننا وبينك موعد قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال أخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فانهم يريدون مكة وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن اليهم فيها ثم لاناجزنهم قال علي فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا الى مكة
*2* دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد
@
قال الامام احمد حدثنا مروان بن معاوية الفراري حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكي عن ابن رفاعة الزرقي عن أبيه قال لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استووا حتى أثني على ربي عز وجل فصاروا خلفه صفوفا فقال اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ولا معطي لما منعت
ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مبعد لما قربت اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم اني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم اني أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف اللهم اني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب الينا الايمان وزينه في قلوبنا وكره الينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به
*2* فصل ( سؤال النبي عليه السلام عن سعد بن الربيع أهو حي أم ميت ) .
@ قال ابن اسحاق وفرغ الناس لقتلاهم فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبي صعصعة المازني أخو بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رجل ينظر لي ما فعل سعد ابن الربيع أفي الاحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق قال فقال له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الاحياء أنت أم في الاموات فقال انا في الاموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلامي وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم ان سعد بن الربيع يقول لكم انه لا عذر لكم عند الله ان خلص الى نبيكم وفيكم عين تطرف قال ثم لم أبرح حتى مات وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره
قلت كان الرجل الذي التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه فلما قال ان رسول الله أمرني أن أنظر خبرك أجابه بصوت ضعيف وذكره وقال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب كان الرجل الذي التمس سعدا أبي كعب فالله أعلم وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة رضي الله عنه وهو الذي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف قال ابن اسحاق وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه فحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى ما رأى لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على
من فعل بعمه ما فعل قالوا والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب قال ابن اسحاق فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن محمد بن كعب وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن الله أنزل في ذلك وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين الآية قال فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر ونهى عن المثلة قلت هذه الآية مكية وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا فالله أعلم قال وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة قال ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقام قط ففارقه حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة وقال ابن هشام ولما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة قال لن أصاب بمثلك أبدا ما وقفت قط موقفا أغيظ إلي من هذا ثم قال جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله قال ابن هشام وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الاسد أخو رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبي لهب
*2* الصلاة على حمزة وقتلى أحد
@
وقال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون الى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة وهذا غريب وسنده ضعيف قال السهيلي ولم يقل به أحد من علماء الامصار وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أن ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم فلما خلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة سبعة من الانصار واثنين من قريش وهو عاشرهم فلما رهقوه قال رحم الله رجلا ردهم عنا فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه ما أنصفنا أصحابنا فجاء أبو سفيان فقال أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله أعلى وأجل فقالوا الله أعلى وأجل فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ثم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر يوم لنا ويوم علينا ويوم نساء ويوم نسر حنظلة بحنظلة وفلان بفلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سواء أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون قال أبو سفيان قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملأ منا ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت
ولا ساءني ولا سرني قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أاكلت شيئا قالوا لا قال ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الانصار فوضع الى جنبه فصلى عليه فرفع الانصاري وترك حمزة وجيء بآخر فوضعه الى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة تفرد به أحمد وهذا اسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب فالله أعلم والذي رواه البخاري أثبت حيث قال حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فاذا أشير الى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا تفرد به البخاري دون مسلم ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به وقال أحمد حدثنا محمد يعني ابن جعفر حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قتلى أحد فان كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم وثبت أنه صلى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير كما قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا زكريا بن عدي أخبرنا المبارك عن حيوة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للاحياء والاموات ثم طلع المنبر فقال اني بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وان موعدكم الحوض واني لأنظر اليه من مقامي هذا واني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها قال فكان آخر نظرة نظرتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري في مواضع أخر ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث يزيد بن ابي حبيب به نحوه وقال الأموي حدثني أبي حدثنا الحسن بن عمارة عن حبيب بن ابي ثابت قال قالت عائشة خرجنا من السحر مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أحد نستطلع الخبر حتى اذا طلع الفجر اذا رجل محتجر يشتد ويقول لبث قليلا يشهد الهيجا حمل

يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:36 PM
قال فنظرنا فإذا أسيد بن حضير ثم مكثنا بعد ذلك فاذا بعير قد اقبل عليه امرأة بين وسقين قالت فدنونا منها فلإذا هي امرأة عمرو بن الجموح فقلنا لها ما الخبر قالت دفع الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذ من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ثم قالت لبعيرها حل ثم نزلت فقلنا لها ما هذا قالت أخي وزوجي وقال ابن اسحاق وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر اليه وكان
أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها يا أمه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي قالت ولم وقد بلغني أنه مثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن ان شاء الله فلما جاء الزبير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك قال خل سبيلها فأتته فنظرت اليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت قال ابن اسحاق ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن ودفن معه ابن اخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به غير انه لم ينقر عن كبده رضي الله عنهما قال السهيلي وكان يقال له المجدع في الله قال وذكر سعد انه هو وعبد الله بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه فكان ذلك ودعا عبد الله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله فكان ذلك وذكر الزبير بن بكار ان سيفه يومئذ انقطع فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فصار في يد عبد الله بن حجش سيفا يقاتل به ثم بيع في تركة بعض ولده بمائتي دينار وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر وقد تقدم في صحيح البخاري أيضا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد بل في الكفن الواحد وانما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا لكل واحد واحد ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وبين عمرو بن الجموح لانهما كانا متصاحبين ولم يغسلوا بل تركهم بجراحهم ودمائهم كما روى ابن اسحاق عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال أنا شهيد على هؤلاء انه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك قال وحدثني عمي موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمي اللون لون الدم والريح ريح المسك وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه وقال الامام احمد حدثنا علي بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال امر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بالشهداء ان ينزع عنهم الحديد والجلود وقال ادفنوهم بدمائهم وثيابهم رواه أبو داود وابن ماجه من حديث علي بن عاصم به وقال الامام أبو داود في سننه حدثنا القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر أنه قال جاءت الانصار الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقالوا قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر فقال احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد قيل يا رسول الله فأيهم يقدم قال أكثرهم قرآنا ثم رواه من حديث الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر فذكره وزاد واعمقوا قال ابن اسحاق وقد
احتمل ناس من المسلمين قتلاهم الى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال ادفنوهم حيث صرعوا وقد قال الامام احمد حدثنا علي بن اسحاق حدثنا عبد الله وعتاب حدثنا عبد الله حدثنا عمر بن سلمة بن أبي يزيد المديني حدثني أبي سمعت جابر بن عبد الله يقول استشهد أبي بأحد فارسلني اخواتي اليه بناضح لهن فقلن اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بني سلمة فقال فجئته وأعوان لي فبلغ ذلك نبي الله وهو جالس بأحد فدعاني فقال والذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع اخوته فدفن مع أصحابه بأحد تفرد به احمد وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الاسود بن قيس عن نبيح عن جابر بن عبد الله أن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم أن ردوا القتلى الى مضاجعهم وقد رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري والترمذي من حديث شعبة والنسائي أيضا وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينه كلهم عن الاسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة الى المشركين يقاتلهم وقال لي أبي عبد الله يا جابر لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم الى ما مصير أمرنا فاني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لاحببت أن تقتل بين يدي قال فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بابي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادي ألا إن النبي صلى الله عليه وسلم يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعناها بهما فدفناهما حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن ابي سفيان إذ جاءني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا فخرج طائفة منه فأتيته فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه كما هو ثابت في الصحيحين وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم اليهم فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دما وفي رواية ابن اسحاق عن جابر قال فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس وذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجري العين نادى مناديه من كان له قتيل بأحد فليشهد قال جابر فحفرنا عنهم فوجدت أبي في قبره كأنما هو نائم على هيئته ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح ويده على جرحه فازيلت عنه فانبعث جرحه دما ويقال انه فاح من قبورهم مثل ريح المسك رضي الله عنهم أجمعين وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا وقد قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا حسين المعلم عن عطاء عن جابر قال لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال لي ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن علي دينا فاقض
واستوص باخواتك خيرا فأصبحنا وكان أول قتيل فدفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فاذا هو كيوم وضعته هيئته غير أذنه وثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عن الثوب ويبكي فنهاه الناس فقال رسول الله تبكيه أو لا تبكيه لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه وفي رواية أن عمته هي الباكية وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن اسحاق حدثنا فيض بن وثيق البصري حدثنا أبو عبادة الانصاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر يا جابر ألا أبشرك قال بلى بشرك الله بالخير فقال اشعرت أن الله أحيا أباك فقال تمن علي عبدي ما شئت أعطكه قال يا رب عبدتك حق عبادتك أتمنى عليك أن تردني الى الدنيا فأقتل مع نبيك واقتل فيك مرة أخرى قال إنه سلف مني أنه اليها لا يرجع وقال البيهقي حدثنا أبو الحسن محمد ابن أبي المعروف الاسفرايني حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر حدثنا علي بن المديني حدثنا موسى بن ابراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الانصاري قال سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الانصارى ثم السلمى قال سمعت جابر بن عبدالله قال نظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالي أراك مهتما قال قلت يا رسول الله قتل أبي وترك دينا وعيالا فقال الا أخبرك ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب أنه كلم اباك كفاحا وقال له يا عبدي سلني أعطك فقال اسألك أن تردني الى الدنيا فأقتل فيك ثانية فقال إنه قد سبق مني القول انهم اليها لا يرجعون قال يا رب فأبلغ من ورائي فأنزل الله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون الآية وقال ابن اسحاق وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمد بن عقيل سمعت جابرا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أبشرك يا جابر قلت بلى قال إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال له ما تحب يا عبد الله ما تحب أن افعل بك قال أي رب أحب أن تردني الى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى وقد رواه أحمد عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن ابن عقيل عن جابر وزاد فقال الله إني قضيت أنهم اليها لا يرجعون وقال أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اذا ذكر أصحاب أحد أما والله لوددت أني غودرت مع أصحابه بحضن الجبل يعني سفح الجبل تفرد به أحمد وقد روى البيهقي من حديث عبد الاعلى بن عبد الله بن أبي فروة عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير عن أبي هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد مر على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه فدعا له ثم قرأ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية قال أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد الى يوم القيامة إلا ردوا عليه وهذا حديث غريب وروى عن عبيد بن عمير مرسلا وروى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي قبور الشهداء فاذا أتى فرضة الشعب قال السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ثم كان أبو بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وكان عمر بعد ابي بكر يفعله وكان عثمان بعد عمر يفعله قال الواقدي كان النبي صلى الله عليه وسلم يزورهم كل حول فاذا بلغ نقرة الشعب يقول السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان وكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأتيهم فتبكي عندهم وتدعو لهم وكان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول ألا تسلمون على قوم يردون عليكم ثم حكى زيارتهم عن أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وأم سلمة رضي الله عنهم وقال ابن أبي الدنيا حدثني ابراهيم حدثني الحكم بن نافع حدثنا العطاف بن خالد حدثتني خالتي قالت ركبت يوما الى قبور الشهداء وكانت لا تزال تأتيهم فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله أن أصلي وما في الوادع داع ولا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي السلام عليكم قالت فسمعت رد السلام علي يخرج من تحت الارض أعرفه كما أعرف أن الله عز وجل خلقني وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرت كل شعرة مني وقال محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ اخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وروى مسلم والبيهقي من حديث أبي معاوية عن الاعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فقال اما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ارواحهم في جوف طير خضر تسرح في ايها شاءت ثم تأوي الى قناديل معلقة بالعرش قال فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم ربك اطلاعة فقال اسألوني ما شئتم فقالوا يا ربنا وما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا
ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا نسألك أن ترد أرواحنا الى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى قال فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا
*2* فصل ( عدد الذين استشهدوا يوم أحد من المسلمين تسعة وأربعون رجلا ) .
@ في عدد الشهداء قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والانصار تسعة وأربعون رجلاوقد ثبت في الحديث الصحيح عن البخارى عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم وقال قتادة عن أنس قتل من الانصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة وقال مالك عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قتل من الانصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون ويوم جسر أبي عبيد سبعون وهكذا قال عكرمة وعروة الزهري ومحمد بن اسحاق في قتلى أحد ويشهد له قوله تعالى أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا يعني أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وعن ابن اسحاق قتل من الانصار لعله من المسلمين يوم أحد خمسة وستون أربعة من المهاجرين حمزة وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الانصار وسرد أسماءهم على قبائلهم وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام وسرد ابن اسحاق اسماء الذين قتلوا من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا وعن عروة كان الشهداء يوم أحد أربعة أو قال سبعة وأربعين وقال موسى بن عقبة تسعة وأربعون وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا وقال عروة تسعة عشر وقال ابن اسحاق اثنان وعشرون وقال الربيع عن الشافعي ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي وقد كان في الاسارى يوم بدر فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله فلما أسر يوم أحد قال يا محمد امنن علي لبناتي وأعاهد أن لا اقاتلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين ثم امر به فضربت عنقه وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين
*2* فصل ( نعي رسول الله لحمنة بنت جحش أخيها وخالها وزوجها يوم أحد ) .
@ قال ابن اسحاق ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعى اليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان زوج المرأة منها لبمكان لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها وقد قال ابن ماجه حدثنا محمد بن يحيى حدثنا اسحاق بن محمد الفروي حدثنا عبد الله بن عمر عن ابراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش انه قيل لها قتل أخوك فقالت رحمه الله وانا لله وانا اليه راجعون فقالوا قتل زوجك قالت واحزناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشيء قال ابن اسحاق وحدثني عبد الواحد بن أبي عون عن اسماعيل عن محمد عن سعد بن أبي وقاص قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد فلما نعوا لها قالت ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين قالت أرونيه حتى أنظر اليه قال فأشير لها اليه حتى اذا رأته قالت كل مصيبة بعدك جلل قال ابن هشام الجلل يكون من القليل والكثير وهو ههنا القليل قال امرؤ القيس
لقتل بني أسد ربهم * ألا
كل شيء خلاه جلل
أي صغير وقليل قال ابن اسحاق فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال اغسلي عن هذا دمه يا بنيه فوالله لقد صدقني في هذا اليوم وناولها علي بن أبي طالب سيفه فقال وهذا فاغسلي عنه دمه فوالله لقد صدقني اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة وقال موسى بن عقبة في موضع آخر ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سيف علي مخضبا بالدماء قال لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وروى البيهقي عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء علي بن أبي طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة هاك السيف حميدا فانها قد شفتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث ابن الصمة قال ابن هشام وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو ذو الفقار قال وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال نادى مناد يوم أحد لا سيف الا ذو الفقار قال وحدثني بعض أهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح علينا قال ابن اسحاق ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار بني عبد الاشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لكن حمزة لا بواكي له فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير الى دار بني عبد الاشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن بعض رجال بني عبد الاشهل قال لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن في باب المسجد يبكين فقال ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام وهذا الذي ذكره منقطع ومنه مرسل وقد اسنده الامام احمد فقال حدثنا زيد بن الحباب حدثني اسامة بن
زيد حدثني نافع عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من أحد فجعل نساء الانصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن حمزة لا بواكي له قال ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال فهن اليوم اذا يبكين يندبن حمزة وهذا على شرط مسلم وقد رواه ابن ماجه عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنساء بنى عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم احد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن حمزة لا بواكي له فجاء نساء الانصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحهن ما انقلبن بعد مرورهن فلينقلبن ولا يبكين على هالك بعد اليوم وقال موسى بن عقبة ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزقة المدينة اذا النوح والبكاء في الدور قال ما هذا قالوا هذه نساء الانصار يبكين قتلاهم فقال لكن حمزة لا بواكي له واستغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة فمشوا الى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا والله لاتبكين قتلى الانصار حتى تبكين عم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة وزعموا ان الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما هذا فأخبر بما فعلت الانصار بنسائهم فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال ما هذا أردت وما أحب البكاء ونهى عنه وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير سواء قال موسى بن عقبة وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحزين المسلمين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المرجل وقالت اليهود لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه وقال المنافقون مثل قولهم وقالوا للمسلمين لو كنتم أطعتمونا ما اصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل الله القرآن في طاعة من اطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين يعني فيمن قتل منهم فقال واذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة
*2* خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه
@ على ما بهم من القرح والجراح في اثر ابي سفيان
قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد وذكره رجوعه عليه السلام الى المدينة وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض لم تصنعوا شيئا أصبتهم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم
تبتروهم فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهم أشد القرح بطلب العدو ليسمعوا بذلك وقال لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال فقال عبد الله بن أبي أنا راكب معك فقال لا فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا فقال الله في كتابه الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم قال وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على اخواته قال وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الاسد وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة ابن الزبير سواء وقال محمد بن اسحاق في مغازيه وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لستعشة ليلة مضت من شوا أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له قال ابن اسحاق وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم قال ابن اسحاق رحمه الله فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الاشهل قال شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه فكان اذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا الى ما انتهى اليه المسلمون قال ابن اسحاق فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى الى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال فاقام بها الاثنين والثلاثاء والاربعاء ثم رجع الى المدينة قال ابن هشام وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها ومعبد يومئذ مشرك مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الأسد فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في اصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الاسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم فلما رأى أبو سفيان معبدا قال ما وراءك يا معبد قال محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل قال فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم قال فاني أنهاك عن ذلك ووالله لقد
حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر قال وما قلت قال قلت
كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الارض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الارض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * اذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية * لكل ذي أربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ومر به ركب من عبد القيس فقال أين تريدون قالوا المدينة قال ولم قالوا نريد الميرة قال فهل أنتم مبلغون غني محمدا رسالة أرسلكم بها اليه واحمل لكم ابلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ اذا وافيتموها قالوا نعم قال فاذا وافيتموه فاخبروه انا قد أجمعنا السير اليه والى أصحابه لنستأصل بقيتهم فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد فاخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال حسبنا الله ونعم الوكيل وكذا قال الحسن البصري وقد قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل تفرد بروايته البخاري وقد قال البخاري حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم قالت لعروة يا ابن اختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في اثرهم فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير هكذا رواه البخاري وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة وأخرجه ابن ماجه من طريقه عن هشام بن عروة به ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبي سعيد عن هشام ابن عروة به ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام ابن عروة به ورواه من حديث السدي عن عروة وقال في كل منهما صحيح ولم يخرجاه كذا قال وهذا السياق غريب جدا فان المشهور عند أصحاب المغازي ان الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حمراء الاسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقون وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال ان الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع الى مكة وكانت وقعة أحد في شوال وكان التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وانهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين
القرح واشتكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا بهم ويتبعوا ما كانوا متبعين وقال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال ان الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال اني ذاهب وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم وهذا غريب أيضا وقال ابن هشام حدثنا أبو عبيدة أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع الى المدينة فقال لهم صفوان بن أمية لا تفعلوا فان القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا فرجعوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الاسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب قال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان لأمه لامه عائشة بنت معاوية وأبا عزة الجمحي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر ثم من عليه فقال يا رسول الله اقلني فقال لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمد مرتين اضرب عنقه يا زبير فضرب عنقه قال ابن هشام بلغني عن ابن المسيب أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت فضرب عنقه وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه ففعلا رضي الله عنهما قال ابن اسحاق ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة كان عبد الله بن أبي كما حدثني الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر له شرفا في نفسه وفي قومه وكان فيه شريفا اذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله وأعزكم به فانصروه وعززوه واسمعوا له وأطيعوا ثم يجلس حتى اذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله فأخذ المسلمون ثيابه من نواحيه وقالوا اجلس أي عدو الله والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره فلقيه رجال من الانصار بباب المسجد فقالوا ويلك مالك قال قمت أشدد أمره فوثب الي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني لكأنما قلت بجراأن قمت أشدد أمره قالوا ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والله ما أبغي
أن يستغفر لي ثم ذكر ابن اسحاق ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل عمران عند قوله واذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم قال الى تمام ستين آية وتكلم عليها وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير بما فيه الكفاية ثم شرع ابن اسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان رضي الله عنهم ومن الانصار الى تمام خمسة وستين رجلا واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن اسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا على قبائلهم أيضا قلت ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره لشافعي وغيره وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بين يديه أمر الزبير ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الافلح فضرب عنقه
*2* فصل فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الاشعار
@ وانما نورد شعر الكفار لنذكر جوابها من شعر الاسلام ليكون أبلغ في وقعها من الاسماع والافهام وأقطع لشبهة الكفرة الطغام قال الامام محمد بن اسحاق رحمه الله وكان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبي وهب المخزومي وهو على دين قومه من قريش فقال
ما بال هم عميد بات نيطرقني * بالود من هند اذ تعدو عواديها
باتت تعاتبني هند وتعذلني * والحرب قد شغلت عني مواليها
مهلا فلا تعذليني ان من خلقي * ما قد علمت وما ان لست أخفيها
مساعف لبني كعب بما كفلوا * حمال عبء وأثقال أعانيها
وقد حملت سلاحي فوق مشترف * ساط سبوح اذا يجري يباريها
كأنه اذ جرى عير بفدفدة * مكدم لاحق بالعون يحميها
من آل أعوج يرتاح الندي له * كجذع شعراء مستعل مراقيها
أعددته ورقاق الحد منتخلا * ومارنا لخطوب قد ألاقيها
هذا وبيضاء مثل النهي محكمة * لظت علي فما تبدو مساويها
سقنا كنانة من أطراف ذي يمن * عرض البلاد على ما كان يزجيها
قالت كنانة أنى تذهبون بنا * قلنا النخيل فأموها ومن فيها
نحن الفوارس يوم الجر من أحد * هابت معد فقلنا نحن نأتيها
هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما * مما يرون وقد ضمت قواصيها
ثمت رحنا كأنا عارض برد * وقام هام بني النجار يبكيها
كأن هامهم عند الوغى فلق * من فيض ربد نفته عن أداحيها
أو حنظل دعدعته الريح في غصن * بال تعاوره منها سوافيها
قد نبذل المال سحا لا حساب له * ونطعن الخيل شرزا في مآقيها
وليلة يصطلي بالفرث جازرها * يختص بالنقرى المثرين داعيها
وليلة من جمادى ذات أندية * جربا جمادية قد بت أسريها
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة * من القريس ولا تسري أفاعيها
أوقدت فيها لذي الضراء جماحمة * كالبرق ذاكية الأركان أحميها
أورثني ذلكم عمرو ووالده * من قبله كان بالمشتى يغاليها
كانوا يبارون أنواء النجوم فما * دنت عن السورة العليا مساعيها

قال ابن اسحاق فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال قال ابن هشام وتروى ابن مالك وغيره قلت وقول ابن اسحاق أشهر وأكثر والله أعلم
سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم * الى الرسول فجند الله مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحية * فالنار موعدها والقتل لاقيها
جمعتموهم أحابيشا بلا حسب * أئمة الكفر غرتكم طواغيها
ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت * أهل القليب ومن ألقيته فيها
كم من أسير فككناه بلا ثمن * وجز ناصية كنا مواليها
قال ابن اسحاق وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبي وهب المخزومي أيضا
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم * من الارض خرق سيره متنعنع
صحارى و أعلام كأن قتامها * من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس رزحا * ويحلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليبها * كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة * وبيض نعام قيضه يتفلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة * مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت في الصوان كأنها * اذا لبست نهي من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم * من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وأنا بأرض الخوف لو كان أهلها * سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
اذا جاء منا راكب كان قوله * أعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع
فمهما يهم الناس مما يكيدنا * فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعا تكيده البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا
تجالد لا تبقي علينا قبيلة * من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا * علام إذا لم نمنع العرض نزرع
وفينا رسول الله نتبع أمره * اذا قال فينا القول لا نتطلع
تدلى عليه الروح من عند ربه * ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصرنا * اذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا * ذروا عنكم هول المنيات واطعموا
وكونوا كمن يشري الحياة تقربا * الىملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا * على الله إن الأمر لله أجمع
فسرنا اليهم جهرة في رحالهم * ضحيا علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنور والقنا * اذا ضربوا أقدامها لا تورع
فجئنا الى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرنا فأربع
نغاورهم تجري المنية بيننا * نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادي قسي النبع فينا وفيهم * وما هو إلا اليثربي المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية * يذر عليها السم ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرجال وتارة * تمر بأعراض البصار تقعقع
وخيل تراها بالفضاء كأنها * جراد صبا في قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا * وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم * كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية * كأن ذكانا حر نار تلفع
وراحوا سراعا موجعين كأنهم * جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا * أسود على لحم ببيشة ضلع
فنلنا ونال القوم منا وربما * فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم * وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة * على كل من يحمي الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا نرى * على هالك عينا لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله * ولا نحن مما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش * ولا نحن من أظفارنا نتوجع
وكنا شهابا يتقي الناس حره * ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت علي ابن الزبعري وقد سرى * لكم طلب من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معد وغيرها * من الناس من أخزى مقاما وأشنع
ومن هو لم يترك له الحرب مفخرا * ومن خده يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول الله والنصر شدة * عليكم وأطراف الأسنة شرع
تكر القنا فيكم كأن فروعها * عزالى مزاد ماؤها يتهزع
عمدنا الى أهل اللواء ومن يطر * بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع
فحانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا * أبى الله إلا أمره وهو أصنع
قال ابن اسحاق وقال عبد الله بن الزبعري في يوم أحد وهو يومئذ مشرك بعد
يا غراب البين أسمعت فقل * إنما تنطق شيئا قد فعل
إن للخير وللشر مدى * وكلا ذلك وجه وقبل
والعطيات خساس بينهم * وسواء قبر مثر ومقل
كل عيش ونعيم زائل * وبنات الدهر يلعبن بكل
أبلغنا حسان عني آية * فقريض الشعر يشفي ذا الغلل
كم ترى بالجر من جمجمة * وأكف قد أترت ورجل
وسرابيل حسان سريت * عن كماة أهلكوا في المنتزل
كم قتلنا من كريم سيد * ماجد الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع * غير ملتاث لدى وقع الأسل
فسل المهراس ما ساكنه * بين أقحاف وهام كالحجل
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل
حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الاشل
ثم خفوا عن ذاكم رقصا * رقص الحفان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا * لو كررنا لفعلنا المفتعل
بسيوف الهند تعلو هامهم * عللا تعلوهم بعد نهل
قال ابن اسحاق فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه
ذهبت بابن الزبعري وقعة * كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم * وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الاسياف في أكتافكم * حيث نهوى عللا بعد نهل
نخرج الأصبح من أستاهكم * كسلاح النيب يأكلن العصل
إذ تولون على أعقابكم * هربا في الشعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدة صادقة * فأجأناكم الى سفح الجبل
بخناطيل كأشداق الملا * من يلاقوه من الناس يهل
ضاق عنا الشعب إذ نجزعه * وملأنا الفرط منه والرجل
برجال لستم أمثالهم * أيدوا جبريل نصرا فنزل
وعلونا يوم بدر بالتقى * طاعة الله وتصديق الرسل
وقتلنا كل رأس منهم * وقتلنا كل جحجاج رفل
وتركنا في قريش عورة * يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقا شاهدا * يوم بدر والتنابيل الهبل
في قريش من جموع جمعوا * مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أمثالكم ولد استها * نحضر البأس إذا البأس نزل
قال ابن اسحاق وقال كعب يبكي حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحد رضي الله عنهم
نشجت وهل لك من منشج * وكنت متى تدكر تلجج
تذكر قوم أتاني لهم * أحاديث في الزمن الأعوج
فقلبك من ذكرهم خافق * من الشوق والحزن المنضج
وقتلاهم في جنان النعيم * كرام المداخل والمخرج
بما صبروا تحت ظل اللواء * لواء الرسول بذي الأضوج
غداة أجابت بأسيافها * جميعا بنو الاوس والخزرج
وأشياع احمد إذ شايعوا * على الحق ذي النور والمنهج
فما برحوا يضربون الكماة * ويمضون في القسطل المرهج
كذلك حتى دعاهم مليك * الى جنة دوحة المولج
وكلهم مات حر البلاء * على ملة الله لم يحرج
كحمزة لما وفى صادقا * بذي هبة صارم سلجج
فلاقاه عبد بني نوفل * يبربر كالجمل الأدعج
فأوجره حربة كالشهاب * تلهب في اللهب الموهج
ونعمان أوفى بميثاقه * وحنظلة الخير لم يحنج
عن الحق حتى غدت روحه * الى منزل فاخر الزبرج
أولئك لا من ثوى منكم * من النار في الدرك المرتج
قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحد وهي على روي قصيدة أمية بن أبي الصلت في قتلى المشركين يوم بدر قال ابن هشام ومن أهل العلم بالشعر من ينكر هذه لحسان والله أعلم
يا مي قومي فاندبي بسحيرة شجو النوائح * كالحاملات الوقر بالثقل الملحات الدوالح
المعولات الخامشات وجوه حرات صحائح * وكأن سيل دموعها الانصاب تخضب بالذبائح
ينقضن أشعارا لهن هناك بادية المسائح * وكأنها أذناب خيل بالضحى شمس روامح
من بين مشرور ومجزور يذعذع بالبوارح * يبكين شجو مسلبات كدحتهن الكوادح
ولقد أصاب قلوبها مجل له جلب قوارح * إذ أقصد الحدثان من كنا نرجي إذ نشايح
أصحاب أحد غالهم دهر ألم له جوارح * من كان فارسنا وحامينا اذا بعث المسالح
يا حمز لا والله لا أنساك ما صر اللقائح * لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح
ولما ينوب الدهر في حرب لحرب وهي لافح * يا فارسا يا مدرها يا حمز قد كنت المصامح
عنا شديدات الخطوب إذا ينوب لهن فادح * ذكرتني أسد الرسول وذاك مدرهنا المنافح
عنا وكان يعد إذ عد الشريفون الجحاجح * يعلو القماقم جهرة سبط اليدين أغر واضح
لا طائش رعش ولا ذو علة بالحمل آنح * بحر فليس يغب جارا منه سيب أو منادح
أودى شباب الى الحفائظ والثقيلون المراجح * المطعمون اذا المشاتي ما يصفقهن ناضح
لحم الجلاد وفوقه من شحمه شطب شرائح * ليدافعوا عن جارهم ما رام ذو الضغن المكاشح
لهفي لشبان رزئناهم كأنهم المصابح * شم بطارقة غطارفة خضارمة مسامح
المشترون الحمد بالأموال أن الحمد رابح * والجامزون بلجمهم يوما إذا ما صاح صائح
من كان يرمي بالنواقر من زمان غير صالح * ما أن تزال ركابه يرسمن في غبر صحاصح
راحت تباري وهو في ركب صدورهم رواشح * حتى تئوب له المعالي ليس من فوز السفائح
يا حمز قد أوحدتني كالعود شذبه الكوافح * أشكو اليك وفوقك الترب المكور والصفائح
من جندل يلقيه فوقك إذ أجاد الضرح ضارح * في واسع يحشونه بالترب سوته المماسح
فعزاؤنا أنا نقول وقولنا برح بوارح * من كان أمسى وهو عما أوقع الحدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النوافح * القائلين الفاعلين ذوي السماحة والممادح
من لا يزال ندى يديه له طوال الدهر مائح
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان قال ابن اسحاق وقال كعب بن مالك يبكي حمزة وأصحابه
طرقت همومك فالرقاد مسهد * وجزعت أن سلخ الشباب الاغيد
ودعت فؤادك للهوى ضمرية * فهواك غوري وصحوك منجد
فدع التمادي في الغواية سادرا * قد كنت في طلب الغواية تفند
ولقد أتى لك أن تناهى طائعا * أو تستفيق اذا نهاك المرشد
ولقد هددت لفقد حمزة هدة * ظلت بنات الجوف منها ترعد
ولو أنه فجعت حراء بمثله * لرأيت رأسي صخرها يتبدد
قرم تمكن في ذؤابة هاشم * حيث النبوة والندى والسؤدد
والعاقر الكوم الجلاد اذا غدت * ريح يكاد الماء منها يجمد
والتارك القرن الكمي مجدلا * يوم الكريهة والقنا يتقصد
وتراه يرفل في الحديد كأنه * ذو لبدة شثن البراثن أربد
عم النبي محمد وصفيه * ورد الحمام فطاب ذاك المورد
وأئى المنية معلما في أسرة * نصروا النبي ومنهم المستشهد
ولقد إخال بذاك هندا بشرت * لتميت داخل غصة لا تبرد
مما صبحنا بالعقنقل قومها * يوما تغيب فيه عنها الأسعد
وببئر بدر إذ يرد وجوههم * جبريل تحت لوائنا ومحمد
حتى رأيت لدى النبي سراتهم * قسمين نقتل من نشاء ونطرد
فأقام بالعطن المعطن منهم * سبعون عتبة منهم والاسود
وابن المغيرة قد ضربنا ضربة * فوق الوريد لها رشاش مزبد
وأمية الجمحي قوم ميله * عضب بأيدي المؤمنين مهند
فأتاك فل المشركين كأنهم * والخيل والخليل تثفنهم نعام شرد
شتان من هو في جهنم ثاويا * أبدا ومن هو في الجنان مخلد
قال ابن اسحاق وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة وأصحابه يوم أحد قال ابن هشام وأنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك فالله أعلم
بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا * أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا * هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الاركان هدت * وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان * مخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرا * فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم * بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤيا * فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا * وقائعنا بها يشفى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر * غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا * عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرا جميعا * وشيبة عضه السيف الصقيل
ومتركنا أمية مجلعبا * وفي جزومه لدن نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها * ففي اسيافنا منها فلول
ألا يا هند فابكي لا تملي * فأنت الواله العبرى الهبول
ألا يا هند لا تبدي شماتا * بحمزة إن عزكم ذليل
قال ابن اسحاق وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب وهي أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين
اسائلة أصحاب أحد مخافة * بنات أبي من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى * وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة * الى جنة يحيا بها وسرور
فذاك ما كنا نرجي ونرتجي * لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله لاأنساك ما هبت الصبا * بكاء وحزنا محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها * يذود مدرها
يذود عن الاسلام كل كفور
فياليت شلوي عند ذاك وأعظمي * لدى أضبع تع ونسور
اقول وقد أعلى النعي عشيرتي * جزى الله خيرا من أخ ونصير
قال ابن اسحاق وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكي زوجها والله أعلم ولله الحمد والمنة
يا عين جودي بفيض غير إبساس * على كريم من الفتيان لباس
صعب البديهة ميمون نقيبته * حمال ألوية ركاب أفراس
أقول لما أتى الناعي له جزعا * أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لما خلت منه مجالسه * لا يبعد الله منا قرب شماس
قال فأجابها أخوها الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال اقنى حياءك في ستر وفي كرم
فانما كان شماس من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته
في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبرى
فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين رجعوا من أحد
رجعت وفي نفسي بلابل جمة * وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم * بني هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن * كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
وقد أورد ابن اسحاق في هذا أشعارا كثيرة تركنا كثيرا منها خشية الاطالة وخوف الملالة وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد وقد أورد الاموي في مغازيه من الاشعار أكثر مما ذكره ابن اسحاق كما جرت عادته ولا سيما ههنا فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابت أنه قال أنه قال في غزوة أحد فالله أعلم
طاوعوا الشيطان اذ اخزاهم * فاستبان الخزي فيهم والفشل
حين صاحوا صيحة واحدة * مع أبي سفيان قالوا اعل هبل
فأجبناهم جميعا كلنا * ربنا الرحمن أعلى وأجل
أثبتوا تستعملوها مرة * من حياض الموت والموت نهل
واعلموا أنا اذا ما نضحت * عن خيال الموت قدر تشتعل
وكأن هذه الابيات قطعة من جوابه لعبد الله بن الزبعري والله أعلم
*2* اخر الكلام على وقعة أحد
@
فصل
قد تقدم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسرايا ومن أشهرها وقعة أحد كانت في النصف من شوال منها وقد تقدم بسطها ولله الحمد
وفيها في أحد توفي شهيدا أبو يعلى ويقال أبو عمارة أيضا حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الملقب بأسد الله وأسد رسوله وكان رضيع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو سلمة بن عبد الاسد أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من النسين يوم قتل رضي الله عنهم فإنه كان من الشجعان الابطال ومن الصديقين الكبار وقتل معه يومئذ تمام السبعين رضي الله عنهم أجمعين
وفيها عقد عثمان بن عفان على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أختها رقية وكان عقده عليها في ربيع الاول منها وبنى بها في جمادى الآخرة منها كما تقدم فيها ذكره الواقدي وفيها قال ابن جرير ولد لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب قال وفيها علقت بالحسين رضي الله عنهم بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر
*2* سنة أربع من الهجرة النبوية
@
في المحرم منها كانت سرية أبي سلمة بن عبد الاسد أبي طليحة الاسدي فانتهى الى ما يقال له قطن قال الواقدي حدثنا عمر بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد اليربوعي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سلمة وغيره قالوا شهد أبو سلمة أحدا فجرح جرحا على عضده فأقام شهرا يداوى فلما كان المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها وعقد له لواء وقال سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم وأوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة فانتهى الى أدنى قطن وهو ماء لبني أسد وكان هناك طليحة الاسدي وأخوه سلمة ابنا خويلد وقد جمعا حلفاء من بني أسد ليقصدوا حرب النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل منهم الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما تمالأوا عليه
فبعث معه أبا سلمة في سريته هذه فلما انتهوا الى أرضهم تفرقوا وتركوا نعما كثيرا لهم من الابل والغنم فأخذ ذلك كله أبو سلمة وأسر منهم معه ثلاثة مماليك وأقبل راجعا الى المدينة فأعطى ذلك الرجل الاسدي الذي دلهم نصيبا وافرا من الغنم وأخرج صفي النبي صلى الله عليه وسلم عبدا وخمس الغنيمة وقسمها بين أصحابه ثم قدم المدينة قال عمر بن عثمان فحدثني عبد الملك بن عبيد عن عبد الرحمن ابن سعيد بن يربوع عن عمر بن أبي سلمة قال كان الذي جرح أبي أبو اسامة الجشمي فمكث شهرا يداويه فبرأ فلما برأ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم يعني من سنة أربع الى قطن فغاب بضع عشرة ليلة فلما دخل المدينة انتقض به جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى قال عمر واعتدت أمي حتى خلت أربعة أشهر وعشر ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ليال بقين من شوال فكانت أمي تقول ما بأس بالنكاح في شوال والدخول فيه قد تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال وبني فيه قال وماتت أم سلمة في ذي القعدة سنة تسع وخمسين رواه البيهقي قلت سنذكر في أواخر هذه السنة في شوالها تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة وما يتعلق بذلك من ولاية الابن أمه في النكاح ومذاهب العلماء في ذلك ان شاء الله تعالى وبه الثقة
*2* غزوة الرجيع
@
قال الواقدي وكانت في صفر يعني سنة أربع بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل مكة ليجيزوه قال والرجيع على ثمانية أميال من عسفان قال البخاري حدثني ابراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن أبي هريرة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا وامر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى اذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجأوا الى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا لكم العهد والميثاق ان نزلتم الينا ألا نقتل منكم رجلا فقال عاصم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا رسولك فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق نزلوا اليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر فمكث عندهم أسيرا حتى اذا
أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث يستحد بها فأعارته قالت فغفلت عن صبي لي فدرج اليه حتى أتاه فوضعه على فخذه فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني وفي يده الموسى فقال أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك ان شاء الله وكانت تقول ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ من ثمره وانه لموثق في الحديد وما كان إلا رزقا رزقه الله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف اليهم فقال لولا أن تروا أن مابي جزع من الموت لزدت فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو ثم قال اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ثم قال
ولست أبالي حين اقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع
قال ثم قام اليه عقبة بن الحارث فقتله وبعثت قريش الى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شيء وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله يقول الذي قتل خبيبا هو أبو سروعة قلت واسمه عقبة بن الحارث وقد أسلم بعد ذلك وله حديث في الرضاع وقد قيل ان أبا سروعة وعقبة أخوان فالله أعلم
هكذا ساق البخاري في كتاب المغازي من صحيحه قصة الرجيع ورواه أيضا في التوحيد وفي الجهاد من طرق عن الزهري عن عمرو بن أبي سفيان وأسد بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة ومنهم من يقول عمر بن أبي سفيان والمشهور عمرو وفي لفظ للبخاري بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح وساق بنحوه وقد خالفه محمد ابن اسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير في بعض ذلك ولنذكر كلام ابن اسحاق ليعرف ما بينهما من التفاوت والاختلاف على أن ابن اسحاق امام في هذا الشأن غير مدافع كما قال الشافعي رحمه الله من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن اسحاق قال محمد بن اسحاق حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله ان فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الاسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم نفرا ستة من أصحابه وهم مرثد بن ابي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب قال ابن اسحاق وهو أمير القوم وخالد بن البكير الليثي حليف بني عدي وعاصم بن ثابت بن أبي الاقلح أخو بني عمرو بن عوف وخبيب بن عدي أخو بني جحجبي ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة بن عامر وعبد الله بن طارق حليف بني
ظفر رضي الله عنهم هكذا قال ابن اسحاق أنهم كانوا ستة وكذا ذكر موسى بن عقبة وسماهم كما قال ابن اسحاق وعند البخاري أنهم كانوا عشرة وعنده ان كبيرهم عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح فالله أعلم قال ابن اسحاق فخرجوا مع القوم حتى اذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل بناحية الحجاز من صدور الهدأة غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم وهم في رحالهم الا الرجال بايديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم فأما مرثد وخالد بن البكير وعاصم بن ثابت فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا وقال عاصم بن ثابت والله أعلم ولله الحمد والمنة
ما علتي وأنا جلد نابل * والقوس فيها وتر عنابل
تزل عن صفحتها المعابل * الموت حق والحياة باطل
وكل ما حم الإله نازل * بالمرء والمرء إليه آيل
إن لم أقاتلكم فأمي هابل
وقال عاصم أيضا
أبو سليمان وريش المقعد * وضالة مثل الجحيم الموقد
اذا النواحي افترشت لم أرعد * ومجنا من جلد ثور أجرد
ومؤمن بما على محمد
وقال أيضا
أبو سليمان ومثلي راما * وكان قومي معشرا كراما
قال ثم قاتل حتى قتل وقتل صاحباه فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن سهيل وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فمنعته الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فيذهب عنه فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به وقد كان عاصم قد أعطى الله عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا تنجسا فكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أن الدبر منعته يحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته قال ابن اسحاق وأما خبيب وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم الى مكة ليبيعوهم بها حتى اذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة
حتى قتلوه فقبره بالظهران وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة قال ابن اسحاق فابتاع خبيبا حجير بن أبي اهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل وكان أبو اهاب أخا الحارث بن عامر لامه ليقتله الى التنعيم وأخرجه من الحرم ليقتله بابيه قال وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فبعثه مه مولى له يقال له نسطاس واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وانك في أهلك قال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه واني جالس في أهلي قال يقول أبو سفيان ما رأيت من الناس أحدا يحب أحد كحب أصحاب محمد محمدا قال ثم قتله نسطاس قال وأما خبيب بن عدي فحدثني عبد الله بن أبي نجيح أنه حدث عن ماوية مولاة حجير بن أبي اهاب وكانت قد أسلمت قالت كان عندي خبيب حبس في بيتي فلقد اطلعت عليه يوما وان في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه وما أعلم في أرض الله عنبا يؤكل قال ابن اسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي نجيح انهما قالا قالت قال لي حين حضره القتل ابعثي الي بحديدة أتطهر بها للقتل قالت فأعطيت غلاما من الحي الموسى فقلت له أدخل بها على هذا الرجل البيت فقالت فوالله ان هو الا أن ولى الغلام بها اليه فقلت ماذا صنعت اصاب والله الرجل ثأره يقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال لعمرك ما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة الي ثم خلى سبيله قال ابن هشام ويقال ان الغلام ابنها قال ابن اسحاق قال عاصم ثم خرجوا بخبيب حتى جاءوا به الى التنعيم ليصلبوه وقال لهم ان رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا قالوا دونك فاركع فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما ثم أقبل على القوم فقال أما والله لولا أن تظنوا أني انما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة قال فكان خبيب أول من سن هاتين الركعتين عند القتل للمسلمين
قال ثم رفعوه على خشبة فلما أوثقوه قال اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا ثم قال اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا ثم قتلوه وكان معاوية ابن أبي سفيان يقول حضرته يومئذ فيمن حضره مع أبي سفيان فلقد رأيته يلقيني الى الارض فرقا من دعوة خبيب وكانوا يقولون ان الرجل اذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زلت عنه وفي مغازي موسى بن عقبة أن خبيبا وزيد بن الدثنة قتلا في يوم واحد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع يوم قتلا وهو يقول وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش وذكر أنهم لما صلبوا زيد بن الدثنة رموه بالنبل ليفتنوه عن دينه فما زاده إلا إيمانا وتسليما وذكر عروة وموسى بن عقبة انهم لما رفعوا خبيبا على الخشبة نادوه يناشدونه أتحب أن محمدا مكانك قال لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدمه فضحكوا منه وهذا ذكره ابن اسحاق في قصة زيد بن الدثنة فالله أعلم قال موسى بن عقبة زعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبا قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عقبة بن الحارث قال سمعته يقول والله ما أنا قتلت خبيبا لأنا كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدار أخذ الحربة فجعلها في يدي ثم أخذ بيدي وبالحربة ثم طعنه بها حتى قتله قال ابن اسحاق وحدثني بعض أصحابنا قال كان عمر بن الخطاب استعمل سعيد بن عامر بن حذيم الجمحي على بعض الشام فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهري القوم فذكر ذلك لعمر وقيل إن الرجل مصاب فسأله عمر في قدمة قدمها عليه فقال يا سعيد ما هذا الذي يصيبك فقال والله يا أمير المؤمنين ما بى من بأس ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته فوالله خطرت على قلبي وأنا في مجلس قط إلا غشي علي
فزادته عند عمر خيرا وقد قال الاموي حدثني أبي قال قال ابن اسحاق وبلغنا أن عمر قال من سره أن ينظر الى رجل نسيج وحده فلينظر الى سعيد بن عامر قال ابن هشام أقام خبيب في أيديهم حتى انسلخت الاشهر الحرم ثم قتلوه وقد روى البيهقي من طريق ابراهيم بن اسماعيل حدثني جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه عن جده عمرو بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعثه عينا وحده قال جئت الى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته فوقع الى الارض ثم اقتحمت فانتبذت قليلا ثم التفت فلم أر شيئا فكأنما بلعته الارض فلم تذكر لخبيب رمة حتى الساعة ثم روى ابن اسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس قال لما قتل أصحاب الرجيع قال ناس من المنافقين يا ويح هؤلاء المفتونين الذين هلكوا هكذا لاهم أقاموا في أهلهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فأنزل الله فيهم ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وما بعدها وأنزل الله في أصحاب السرية ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد قال ابن اسحاق وكان مما قيل من الشعر في هذه الغزوة قول خبيب حين اجمعوا على قتله قال ابن هشام ومن الناس من ينكرها له
لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا * قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد * علي لأني في وثاق بمضبع
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم * وقربت من جذع طويل ممنع
الى الله أشكو غربتي ثم كربتي * وما أرصد الاعداء لي عند مصرعي
فذا العرش صبرني على ما يراد بي * فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع
وقد خيروني الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت اني لميت * ولكن حذاري جحم نار ملفع
فوالله ما أرجو اذا مت مسلما * على أي جنب كان في الله مضجعي
فلست بمبد للعدو تخشعا * ولا جزعا اني الى الله مرجعي
وقد تقدم في صحيح البخاري بيتان من هذه القصيدة وهما قوله
فلست أبالي حين أقتل مسلما * على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وان يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع
وقال حسان بن ثابت يرثي خبيبا فيما ذكره ابن اسحاق
ما بال عينك لا ترقا مدامعها * سحا على الصدر مثل اللؤلؤ الفلق
على خبيب فتى الفتيان قد علموا * لا فشل حين تلقاه ولا نزق
فاذهب خبيب جزاك الله طبية * وجنة الخلد عند الحور في الرفق
ماذا تقولون إن قال النبي لكم * حين الملائكة الابرار في الافق
فيم قتلتم شهيد الله في رجل * طاغ قد اوعث في البلدان والرفق
قال ابن هشام تركنا بعضها لانه قد أقذع فيها وقال حسان يهجو الذين غدروا بأصحاب الرجيع من بني لحيان فيما ذكره ابن اسحاق والله أعلم ولله الحمد والمنة والتوفيق والعصمة
ان سرك الغدر صرفا لا مزاج له * فأت الرجيع فسل عن دار لحيان
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم * فالكلب والقرد والانسان مثلان
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم * وكان ذا شرف فيهم وذا شان
وقال حسان بن ثابت أيضا يهجو هذيلا وبني لحيان على غدرهم بأصحاب الرجيع رضي الله عنهم أجمعين
لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك * أحاديث كانت في خبيب وعاصم
أحاديث لحيان صلوا بقبيحها * ولحيان جرامون شر الجرائم
أناس هم من قومهم في صميمهم * بمنزلة الزمعان دبر القوادم
هم غادروا يوم الرجيع وأسلمت * أمانتهم ذا عفة ومكارم
رسول رسول الله غدرا ولم تكن * هذيل توقى منكرات المحارة
فسوف يرون النصر يوما عليهم * بقتل الذي تحميه دون الحرائم
أبابيل دبر شمس دون لحمه * حمت لحم شهاد عظيم الملاحم
لعل هذيلا أن يروا بمصابه * مصارع قتلى أو مقاما لماتم
ونوقع فيها وقعة ذات صولة * يوافى بها الركبان أهل المواسم
بأمر رسول الله ان رسوله * رأى رأي ذى حزم بلحيان عالم
قبيلة ليس الوفاء يهمهم * وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم
اذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم * بمجرى مسيل الماء بين المخارم
محلهم دار البوار ورأيهم * اذا نابهم أمر كرأي البهائم
وقال حسأن رضي الله عنه أيضا يمدح أصحاب الرجيع ويسميهم بشعره كما ذكره ابن اسحاق رحمه الله تعالى
صلى الإله على الذين تتابعوا * يوم الرجيع فاكرموا واثيبوا
رأس السرية مرثد وأميرهم * وابن البكير إمامهم وخبيب
وابن لطارق وابن دثنة منهم * وافاه ثم حمامه المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم * كسب المعالي انه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره * حتى يجالد إنه لنجيب
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان
*2* سرية عمرو بن أمية الضمري
@
قال الواقدي حدثني ابراهيم بن جعفر عن أبيه وعبد الله بن أبي عبيدة عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري وعبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عوف وزاد بعضهم على بعض قالوا كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة ما أحد يغتال محمدا فانه يمشي في الاسواق فندرك ثارنا فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله وقال له إن أنت وفيتني وخرجت اليه حتى أغتاله فإني هاد بالطريق خريت معي خنجر مثل خافية النسر قال أنت صاحبنا وأعطاه بعيرا ونمقه وقال اطو أمرك فاني لا آمن أن يسمع هذا أحد فينميه الى محمد قال قال العربي لا يعلمه أحد فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا وصبح ظهر الحي يوم سادسه ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المصلى فقال له قائل قد توجه الى بني عبد الاشهل فخرج الاعرابي يقود راحلته حتى انتهى الى بني عبد الاشهل فعقل راحلته ثم أقبل يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجده فلما دخل ورآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه ان هذا الرجل يريد غدرا والله حائل بينه وبين ما يريده فوقف وقال أيكم ابن عبد المطلب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب فذهب ينحني على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يساره فجبذه أسيد بن حضير وقال تنح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجذب بداخن ازاره فإذا الخنجر فقال يا رسول الله هذا غادر فأسقط في يد الاعرابي وقال دمي دمي يا محمد وأخذه أسيد بن حضير يلببه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اصدقني ما أنت وما اقدمك فان معه نفعك الصدق وان كذبتني فقد اطلعت على ما هممت به قال العربي فأنا آمن قال وأنت آمن فأخبره بخبر أبي سفيان وما جعل له فأمر به فحبس عند أسيد بن حضير ثم صارا من الغد فقال قد أمنتك فاذهب حيث شئت أو خير لك من ذلك قال وما هو فقال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك
أنت رسول الله والله يا محمد ما كنت أفرق من الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت ثم اطلعت على ما هممت به فما سبقت به الركبان ولم يطلع عليه أحد فعرفت أنك ممنوع وأنك على حق وأن حزب أبي سفيان حزب الشيطان فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم وأقام أياما ثم استأذن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج من عنده ولم يسمع له بذكر وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن أمية الضمري ولسلمة ابن أسلم بن حريش أخرجا حتى أتأتيا أبا سفيان بن حرب فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه قال عمرو فخرجت أنا وصاحبي حتى أتينا بطن يأجج فقيدنا بعيرنا وقال لي صاحبي يا عمرو هل لك في أن نأتي مكة فنطوف بالبيت سبعا ونصلي ركعتين فقلت أنا أعلم بأهل مكة منك انهم اذا أظلموا رشوا أفنيتهم ثم جلسوا بها و اني أعرف من الفرس الابلق فأبى علي فانطلقنا فأتينا مكة فطفنا أسبوعا وصلينا ركعتين فلما خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني وقال عمرو بن أمية واحزناه فنذر بنا أهل مكة فقالوا ما جاء عمرو في خير وكان عمرو فاتكا في الجاهلية فحشد أهل مكة وتجمعوا وهرب عمرو وسلمة وخرجوا في طلبهما واشتدوا في الجبل قال عمرو فدخلت في غار فتغيبت عنهم حتى أصبحت وباتوا يطلبوننا في الجبل وعمى الله عليهم طريق المدينة أن يهتدوا له فلما كان ضحوة الغد أقبل عثمان بن مالك بن عبيد التيمي يختلي لفرسه حشيشا فقلت لسلمة بن أسلم اذا أبصرنا أشعر بنا أهل مكة وقد انفضوا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى اشرف علينا قال فخرجت اليه فطعنته طعنة تحت الثدي بخنجري فسقط وصاح فاجتمع أهل مكة فأقبلوا بعد تفرقهم ورجعت الى مكاني فدخلت فيه وقلت لصاحبي لا تتحرك فأقبلوا حتى أتوه وقالوا من قتلك قال عمرو بن أمية الضمري فقال أبو سفيان قد علمنا أنه لم يأت لخير ولم يستطع أن يخبرهم بمكاننا فانه كان بآخر رمق فمات وشغلوا عن طلبنا بصاحبهم فحملوه فمكثنا ليلتين في مكاننا حتى سكن عنا الطلب ثم خرجنا الى التنعيم فقال صاحبي يا عمرو بن أمية هل لك في خبيب بن عدي ننزله فقلت له أين هو قال هو ذاك مصلوب حوله الحرس فقلت أمهلني وتنح عني فان خشيت شيئا فانح الى بعيرك فاقعد عليه فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ودعني فاني عالم بالمدينة ثم استدرت عليه حتى وجدته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في أثري فطرحت الخشبة فما أنسى وجيبها يعني صوتها ثم أهلت عليه التراب برجلي فأخذت طريق الصفراء فأعيوا ورجعوا وكنت لا أدري مع بقاء نفسي فانطلق صاحبي الى البعير فركبه وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره وأقبلت حتى أشرفت على الغليل غليل ضنجنان فدخلت في غار معي قوسي وأسهمي وخنجري فبينما أنا فيه إذ أقبل رجل من بني الديل بن بكر أعور طويل يسوق غنما ومعزى فدخل الغار وقال من الرجل فقلت رجل من
بني بكر فقال وأنا من بني بكر ثم اتكأ ورفع عقيرته يتغنى ويقول
فلست بمسلم ما دمت حيا * ولست أدين دين المسلمينا
فقلت في نفسي والله أني لأرجو أن أقتلك فلما نام قمت اليه فقتلته شر قتلة قتلها أحد قط ثم خرجت حتى هبطت فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثهما قريش يتجسسان الاخبار فقلت استأسر فأبى أحدهما فرميته فقتلته فما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقا ثم اقبلت به الى النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدمت المدينة أتى صبيان الأنصار وهم يلعبون وسمعوا أشياخهم يقولون هذا عمرو فاشتد الصبيان الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه وأتيته بالرجل قد ربطت ابهامه بوتر قوسي فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ثم دعا لي بخير وكان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام رواه البيهقي وقد تقدم أن عمرا لما أهبط خبيبا لم ير له رمة ولا جسدا فلعله دفن مكان سقوطه والله أعلم وهذه السرية انما استدركها ابن هشام على ابن اسحاق وساقها بنحو من سياق الواقدي لها لكن عنده أن رفيق عمرو بن أمية في هذه السرية جبار بن صخر فالله أعلم ولله الحمد



يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:39 PM
*2* سرية بئر معونة
@
وقد كانت في صفر منها وأغرب مكحول رحمه الله حيث قال انها كانت بعد الخندق قال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة فقال القوم والله ما إياكم أردنا وانما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وسلم فقتلوهم فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة وذاك بدء القنوت وما كنا نقنت ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بنحوه ثم قال البخاري حدثنا عبد الاعلى بن حماد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعد عن قتادة عن أنس بن مالك ان رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الانصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى اذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على احياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان قال أنس فقرأنا فيهم قرآنا ثم ان ذلك رفع بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا ثم قال البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل حدثنا همام عن اسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثني أنس ابن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث حراما أخا لأم سليم في سبعين راكبا وكان رئيس المشركين عامر ابن الطفيل خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ثلاث خصال فقال يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر أو
أكون خليفتك أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف فطعن عامر في بيت أم فلان فقال غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج ورجل من بني فلان فقال كونا قريبا حتى آتيهم فان آمنوني كنتم قريبا وان قتلوني أتيتم أصحابكم فقال أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يحدثهم وأومأوا الى رجل فأتاه من خلفه فطعنه قال همام أحسبه حتى أنفذه بالرمح فقال الله أكبر فزت ورب الكعبة فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج وكان في رأس جبل فأنزل الله علينا ثم كان من المنسوخ إنا لقد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله وقال البخاري حدثنا حبان حدثنا عبد الله أخبرني معمر حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس انه سمع أنس بن مالك يقول لما طعن حرام بن ملحان وكان خاله يوم بئر معونة قال بالدم هكذا فنضحه على وجهه ورأسه وقال فزت ورب الكعبة وروى البخاري عن عبيد بن اسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال لما قتل الذين ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل من هذا وأشار الى قتيل فقال له عمرو بن أمية هذا عامر بن فهيرة قال لقد رأيته بعد ما قتل رفع الى السماء حتى اني لأنظر الى السماء بينه وبين الارض ثم وضع فأتي النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فنعاهم فقال ان أصحابكم قد أصيبوا وانهم قد سألوا ربهم فقالوا ربنا اخبر عنا اخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا فأخبرهم عنهم وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به ومنذر بن عمرو وسمي به منذر هكذا وقع في رواية البخاري مرسلا عن عروى وقد رواه البيهقى من حديث يحيى بن سعيد عن أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة فساق من حديث الهجرة وأدرج في آخره ما ذكره البخاري ههنا فالله أعلم وروى الواقدي عن مصعب بن ثابت عن أبي الاسود وعن عروة فذكر القصة وشأن عامر ابن فهيرة واخبار عامر بن الطفيل انه رفع الى السماء وذكر ان الذي قتله جبار بن سلمى الكلابي قال ولما طعنه بالرمح قال فزت ورب الكعبة ثم سأل جبار بعد ذلك ما معنى قوله فزت قالوا يعني بالجنة فقال صدق والله ثم اسلم جبار بعد ذلك لذلك وفي مغازي موسى بن عقبة عن عروة انه قال لم يوجد جسد عامر بن فهيرة يرون ان الملائكة وارته وقال يونس عن ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بعد أحد بقية شوال وذا القعدة وذا الحجة والمحرم ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد فحدثني أبي اسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما من أهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الاسنة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة
فعرض عليه الاسلام ودعاه اليه فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك الى أهل نجد فدعوهم الى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال صلى الله عليه وسلم إني أخشى عليهم أهل نجد فقال أبو براء أنا لهم جار فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين فيهم الحارث بن الصمة وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار وعروة بن اسماء بن الصلت السلمي ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر في رجال من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوا الى ما دعاهم وقالوا لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم عصية ورعلا وذكوان والقارة فأجابوه الى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم الا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فإنهم تركوه به رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الانصار من بني عمرو بن عوف فلما ينبئهما بمصاب القوم الا الطير تحوم حول العسكر فقالا والله ان لهذه الطير لشأنا فأقبلا لينظرا فاذا القوم في دمائهم واذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الانصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى فقال أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر فقال الانصاري لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو وما كنت لأخبر عنه الرجال فقاتل القوم حتى قتل وأخذ عمرو اسيرا فلما أخبرهم انه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم قال وخرج عمرو بن أمية حتى اذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه وكان مع العامريين عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار لم يعلمه عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما قالا من بني عامر فأمهلهما حتى اذا ناما عدا عليهما وقتلهما وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد قتلت قتيلين لأدينهما ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه اخفار عامر اياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره فقال حسان بن ثابت في اخفار عامر أبا براء ويحرض بني أبي براء على عامر
بني أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد
تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد
ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي
ابوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد
قال ابن هشام أم البنين أم أبي براء وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قال فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل فطعنه في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه وقال هذا عمل أبي براء إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به وإن أعش فسأرى رايي
وذكر موسى بن عقبة عن الزهري نحو سياق محمد بن اسحاق قال موسى وكان أمير القوم المنذر بن عمرو وقيل مرثد بن ابي مرثد
وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة فيما ذكره ابن اسحاق رحمه الله والله أعلم
على قتلى معونة فاستهلي * بدمع العين سحا غير نزر
على خيل الرسول غداة لاقوا * ولاقتهم مناياهم بقدر
أصابهم الفناء بعقد قوم * تخون عقد حبلهم بغدر
فيالهفي لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر
وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من ابيض ماجد من سر عمرو
*2* غزوة بني النضير
@
وفيها سورة الحشر
في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان يسميها سورة بني النضير وحكى البخاري عن الزهري عن عروة أنه قال كانت بنو النضير بعد بدر بستة أشهر قبل أحد وقد أسنده ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن عبد الله بن صالح عن الليث عن عقيل عن الزهري به وهكذا روى حنبل بن اسحاق عن هلال بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقي عن مطرف بن مازن اليماني عن معمر عن الزهري فذكر غزوة بدر في سابع عشر رمضان سنة ثنتين قال ثم غزا بني النضير ثم غزا أحدا في شوال سنة ثلاث ثم قاتل يوم الخندق في شوال سنة أربع وقال البيهقي وقد كان الزهري يقول هي قبل أحد قال وذهب آخرون الى أنها بعدها وبعد بئر معونة أيضا قلت هكذا ذكر ابن اسحاق كما تقدم فانه بعد ذكره بئر معونة ورجوع عمرو بن أمية وقتله ذينك الرجلين من بني عامر ولم يشعر بعهدهما الذي معهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا قال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم لقد قتلت رجلين لأدينهما قال ابن اسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية للعهد الذي كان صلى الله عليه وسلم أعطاهما وكان بين بني النضير وبين بني عامر عهد وحلف فلما أتاهم صلى الله عليه وسلم قالوا نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم الى جنب جدار من بيوتهم قاعد فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة ويريحنا منه فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال أنا لذلك فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي فأتى رسول الله الخبر من السماء بما أراد القوم فقام وخرج راجعا الى المدينة فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال رأيته داخلا المدينة فأقبل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا اليه فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به قال الواقدي فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده فبعث اليهم أهل النفاق يثبتونهم ويحرضونهم على المقام ويعدونهم النصر فقويت عند ذلك نفوسهم وحمى حيي بن أحطب وبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لا يخرجون ونابدوه بنقض العهد فعند ذلك أمر الناس بالخروج اليهم قال الواقدي فحاصروهم خمس عشرة ليلة وقال ابن اسحاق وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم والمسير اليهم قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم وذلك في شهر ربيع الاول قال ابن اسحاق فسار حتى نزل بهم فحاصرهم ست ليال ونزل تحريم الخمر حينئذ وتحصنوا في الحصون فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها فنادوه أن يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه فما بال قطع النخيل وتحريقها قال وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي ووديعة ومالك وسويد وداعس قد بعثوا الى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فانا لن نسلمكم ان قوتلتم قاتلنا معكم وان أخرجتم خرجنا معكم فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا وقذف الله في قلوبهم الرعب فسألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الابل من أموالهم الا الحلقة وقال العوفي عن ابن عباس أعطى كل ثلاثة بعيرا يتعقبونه وسقا رواه البيهقي وروى من طريق يعقوب بن محمد عن الزهري عن ابراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جده عن محمد بن مسلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الى بني النضير وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال وروى البيهقي وغيره انه كانت لهم ديون مؤجلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا وتعجلوا وفي صحته نظر والله أعلم
قال ابن اسحاق فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الابل فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا الى خيبر ومنهم من سار الى الشام فكان من أشراف
من ذهب منهم الى خيبر سلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب فلما نزلوها دان لهم أهلها فحدثني عبد الله بن أبي بكر انه حدث انهم استقبلوا بالنساء والابناء والاموال معهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم بزهاء وفخر مارؤي مثله لحي من الناس في زمانهم قال وخلوا الاموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني النخيل والمزارع فكانت له خاصة يضعها حيث شاء فقسمها على المهاجرين الاولين دون الانصار الا ان سهل بن حنيف وأبا دجانة ذكرا فقرا فأعطاهما وأضاف بعضهم اليهما الحارث بن الصمة حكاه السهيلي قال ابن اسحاق ولم يسلم من بني النضير الا رجلان وهما يامين بن عمير بن كعب ابن عم عمرو بن جحاش وأبو سعد بن وهب فأحرزا أموالهما قال ابن اسحاق وقد حدثني بعض آل يامين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليامين ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأني فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله لعنه الله قال ابن اسحاق فأنزل الله فيهم سورة الحشر بكمالها يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته وما سلط عليهم به رسوله وما عمل به فيهم ثم شرع ابن اسحاق يفسرها وقد تكلمنا عليها بطولها مبسوطة في كتابنا التفسير ولله الحمد قال الله تعالى سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار ولولا أن كتب عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فان الله شديد العقاب ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصوالها فباذن الله ولنجزي الفاسقين سبح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة وأخبر انه يسبح له جميع مخلوقاته العلوية والسفلية وأنه العزيز وهو منيع الجناب فلا ترام عظمته وكبرياؤه وانه الحكيم في جميع ما خلق وجميع ما قدر وشرع فمن ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم اليهود الذين شاقوا الله ورسوله وجانبوا رسوله وشرعه وما كان من السبب المفضي لقتالهم كما تقدم حتى حاصرهم المؤيد بالمرعب والرهب مسيرة شهر ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ست ليال فذهب بهم الرعب كل مذهب حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم وأن يأخذوا من أموالهم ما استقلت به ركابهم على انهم لا يصحبون شيئا من السلاح اهانة لهم واحتقارا فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار ثم ذكر تعالى انه لو لم يصبهم الجلاء وهو التسيير والنفي من جوار الرسول من المدينة لأصابهم ما هو أشد منه من العذاب الدنيوي وهو القتل مع ما ادخر لهم في الآخرة من العذاب الاليم المقدر لهم ثم ذكر
تعالى حكمة ما وقع من تحريق نخلهم وترك ما بقي لهم وان ذلك كله سائغ فقال ما قطعتم من لينة وهو جيد الثمر أو تركتموها قائمة على اصولها فباذن الله ان الجميع قد أذن فيه شرعا وقدرا فلا حرج عليكم فيه ولنعم ما رأيتم من ذلك وليس هو بفساد كما قاله شرار العباد انما هو اظهار للقوة واخزاء للكفرة الفجرة وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي بالبويرة فأنزل الله ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فباذن الله ولنجزي الفاسقين وعند البخاري من طريق جويرية بن اسماء عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع وهي البويرة ولها يقول حسان بن ثابت
وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول * أدام الله ذلك من صنيع
وحرق في نواحيها السعير
ستعلم أينا منها بستر * وتعلم أي أرضينا نضير
قال ابن اسحاق وقال كعب بن مالك يذكر اجلاء بني النضير وقتل كعب بن الاشرف فالله أعلم
لقد خزيت بغدرتها الحبور * كذاك الدهر ذو صرف يدور
وذلك أنهم كفروا برب * عظيم أمره أمر كبير
وقد أوتوا معا فهما وعلما * وجاءهم من الله النذير
نذير صادق أدى كتابا * وآيات مبينة تنير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق * وأنت بمنكر منا جدير
فقال بلى لقد أديت حقا * يصدقني به الفهم الخبير
فمن يتبعه يهد لكل رشد * ومن يكفر به يخز الكفور
فلما أشربوا غدرا وكفرا * وجد بهم عن الحق النفور
أرى الله النبي برأي صدق * وكان الله يحكم لا يجور
فأيده وسلطه عليهم * وكان نصيره نعم النصير
فغودر منهم كعب صريعا * فذلت بعد مصرعه النضير
على الكفين ثم وقد علته * بأيدينا مشهرة ذكور
بأمر محمد إذ دس ليلا * الى كعب أخا كعب يسير
فماكره فأنزله بمكر * ومحمود أخو ثقة جسور
فتلك بنو النضير بدار سوء * أبارهم بما اجترموا المبير
غداة أتاهم في الزحف رهوا * رسول الله وهو بهم بصير
وغسان الحماة مؤازروه * على الأعداء وهو لهم وزير
فقال السلم ويحكم فصدوا * وخالف أمرهم كذب وزور
فذاقوا غب أمرهم وبالا * لكل ثلاثة منهم بعير
وأجلوا عامدين لقينقاع * وغودر منهم نخل ودور
وقد ذكر ابن اسحاق جوابها لسمال اليهودي فتركناها قصدا قال ابن اسحاق وكان مما قيل في بني النضير قول ابن لقيم العبسي ويقال قالها قيس بن بحر بن طريف الاشجعي
أهلي فداء لأمري غير هالك * أحل اليهود بالحسي المزنم
يقيلون في خمر العضاه وبدلوا * أهيضب عودا بالودي المكمم
فإن يك ظني صادقا بمحمد * تروا خيله بين الضلا ويرمرم
يؤم بها عمرو بن بهثة إنهم * عدو وما حي صديق كمجرم
عليهن أبطال مساعير في الوغى * يهزون أطراف الوشيج المقوم
وكل رقيق الشفرتين مهند * توورثن من أزمان عاد وجرهم
فمن مبلغ عني قريشا رسالة * فهل بعدهم في المجد من متكرم
بأن أخاهم فاعلمن محمدا * تليد الندى بين الحجون وزمزم
فدينوا له بالحق تجسم أموركم * وتسمو من الدنيا الى كل معظم
نبي تلافته من الله رحمة * ولا تسألوه أمر غيب مرجم
فقد كان في بدر لعمري عبرة * لكم يا قريش والقليب الملمم
غداة أتى في الخزرجية عامدا * إليكم مطيعا للعظيم المكرم
معانا بروح القدس ينكى عدوه * رسولا من الرحمن حقا بمعلم
رسولا من الرحمن يتلو كتابه * فلما أنار الحق لم يتلعثم
أرى أمره يزداد في كل موطن * علوا لأمر جعل الله محكم
قال ابن اسحاق وقال علي بن أبي طالب وقال ابن هشام قالها رجل من المسلمين ولم أر أحدا يعرفها لعلي
عرفت ومن يعتدل يعرف * وأيقنت حقا ولم أصدف
عن الكلم المحكم اللاء من * لدى الله ذي الرأفة الأرأف
رسائل تدرس في المؤمنين * بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا * عزيز المقامة والموقف
فيا ايها الموعدوه سفاها * ولم يأت جورا ولم يعنف
ألستم تخافون أدنى العذاب * وما آمن الله كالأخوف
وان تصرعوا تحت أسيافه * كمصرع كعب أبي الاشرف
غداة رأى الله طغيانه * وأعرض كالجمل الاجنف
فأنزل جبريل في قتله * بوحي الى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له * بأبيض ذي هبة مرهف
فباتت عيون له معولات * متى ينع كعب لها تذرف
وقلن لأحمد ذرنا قليلا * فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا * دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير الى غربة * وكانوا بدار ذوي زخرف
الى أذرعات ردافا وهم * على كل ذي دبر أعجف
وتركنا جوابها أيضا من سمال اليهودي قصدا
ثم ذكر تعالى حكم النفيء وأنه حكم بأموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملكها له فوضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله تعالى كما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة فكان يعزل نفقة أهل سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل ثم بين تعالى حكم الفيء وأنه للمهاجرين والانصار والتابعين لهم باحسان على منوالهم وطريقتهم ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله ان الله شديد العقاب قال الامام احمد حدثنا عارم وعفان قالا حدثنا معتمر سمعت أبي يقول حدثنا أنس بن مالك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات أو كما شاء الله حتى فتحت عليه قريظة والنضير قال فجعل يرد بعد ذلك قال وان أهلي أمروني أن آتي نبي الله صلى الله عليه وسلم فاسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم أعطاه أم أيمن أو كما شاء الله قال فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول كلا والله الذي لا إله إلا هو لا أعطيكهن وقد أعطانيهن أو كما قالت فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك كذا وكذا وتقول كلا والله قال
ويقول لك كذا وكذا وتقول كلا والله قال ويقول لك كذا وكذا حتى أعطاها حسبت أنه قال عشرة أمثاله أو قال قريبا من عشرة أمثاله أو كما أخرجاه بنحوه من طرق عن معتمر به ثم قال تعالى ذاما للمنافقين الذين مالوا الى بني النضير في الباطن كما تقدم ووعدوهم النصر فلم يكن من ذلك شيء بل خذلوهم أحوج ما كانوا اليهم وغروهم من أنفسهم فقال ألم تر الى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وان قوتلتم لننصرنكم والله يشهد أنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ثم ذمهم تعالى على جبنهم وقلة علمهم وخفة عقلهم النافع ثم ضرب لهم مثلا قبيحا شنيعا بالشيطان حين قال للانسان اكفر فلما كفر قال أني بريء منك اني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين
*2* قصة عمرو بن سعدي القرظي
@
حين مر على ديار بني النضير وقد صارت يبابا ليس بها داع ولا مجيب وقد كانت بنو النضير أشرف من بني قريظة حتى حداه ذلك على الاسلام وأظهر صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة قال الواقدي حدثنا ابراهيم بن جعفر عن أبيه قال لما خرجت بنو النضير من المدينة أقبل عمرو ابن سعدى فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها وفكر ثم رجع الى بني قريظة فوجدهم في الكنيسة فنفخ في بوقهم فاجتمعوا فقال الزبير بن باطا يا أبا سعيد أين كنت منذ اليوم لم تزل وكان لا يفارق الكنيسة وكان يتأله في اليهودية قال رأيت اليوم عبرا قد عبرنا بها رأيت منازل اخواننا خالية بعد ذلك العز والجلد والشرف الفاضل والعقل البارع قد تركوا أموالهم وملكها غيرهم وخرجوا خروج ذل ولا والتوراة ما سلط هذا على قوم قط لله بهم حاجة وقد أوقع قبل ذلك بابن الاشرف ذي عزهم ثم بيته في بيته آمنا وأوقع بابن سنينة سيدهم وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم وهم أهل جد يهود وكانوا أهل عدة وسلاح ونجدة فحصرهم فلم يخرج انسان منهم رأسه حتى سباهم وكلم فيهم فتركهم على أن أجلاهم من يثرب يا قوم قد رأيتم ما رأيتم فأطيعوني وتعالوا نتبع محمدا والله انكم لتعلمون انه نبي قد بشرنا به وبأمره ابن الهيبان أبو عمير وابن حراش وهما أعلم يهود جاءانا يتوكفان قدومه وأمرانا باتباعه جاءانا من بيت المقدس وأمرانا أن نقرئه منهما السلام ثم ماتا على دينهما ودفناهما بحرتنا هذه فأسكت القوم فلم يتكلم منهم متكلم ثم اعاد هذا الكلام ونحوه وخوفهم بالحرب والسباء والجلاء فقال الزبير بن باطا قد والتوراة قرأت صفته في كتاب باطا التوراة التي نزلت على موسى ليس في المثاني الذي أحدثنا قال فقال له كعب بن أسد ما يمنعك
يا أبا عبد الرحمن من اتباعه قال أنت يا كعب قال كعب فلم والتوراة ما حلت بينك وبينه قط قال الزبير بل أنت صاحب عهدنا وعقدنا فان اتبعته اتبعناه وإن أبيت ابينا فأقبل عمرو بن سعدي على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك الى أن قال عمرو ما عندي في أمره إلا ما قلت ما تطيب نفسي أن أصير تابعا رواه البيهقي
*2* غزوة بني لحيان
@
ذكرها البيهقي في الدلائل وانما ذكرها ابن اسحاق فيما رأيته من طريق هشام عن زياد عنه في جمادى الاولى من سنة ثنتين من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة وهو أشبه مما ذكره البيهقي والله أعلم وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس الاصم حدثنا أحمد بن عبد الجبار وغيره قالوا لما أصيب خبيب وأصحابه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم طالبا بدمائهم ليصيب من بني لحيان غرة فسلك طريق الشام ليرى انه لا يريد بني لحيان حتى نزل بأرضهم فوجدهم قد حذروا وتمنعوا في رؤس الجبال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو انا هبطنا عسفان لرأيت قريش أنا قد جئنا مكة فخرج في مائتي راكب حتى نزل عسفان ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ثم انصرفا فذكر أبو عياش الزرقي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعسفان صلاة الخوف وقد قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن ابن عياش قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقالوا قد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم ثم قالوا تأتي الآن عليهم صلاة هي أحب اليهم من أبنائهم وأنفسهم قال فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلا ة قال فحضرت فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا السلاح فصففنا خلفه صفين ثم ركع فركعنا جميعا ثم رفع فرفعنا جميعا ثم سجد بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدم هؤلاء الى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء الى مصاف هؤلاء قال ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد الصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم ثم انصرف قال فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بأرض عسفان ومرة بأرض بني سليم ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن منصور به نحوه وقد رواه أبو داود عن سعيد بن منصور عن جرير بن عبد الحميد والنسائي عن الفلاس عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن
محمد بن المثنى وبندار عن غندر عن شعبة ثلاثتهم عن منصور به وهذا اسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه واحد منهما لكن روى مسلم من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية عن ابي الزبير عن جابر قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من جهينة فقاتلوا قتالا شديدا فلما أن صلى الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قالوا انه ستأتيهم صلاة هي أحب اليهم من الاولاد فذكر الحديث كنحو ما تقدم
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا هشام عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر بنخل فهم به المشركون ثم قالوا دعوهم فان لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب اليهم من أبنائهم قال فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فصلى بأصحابه صلاة العصر فصفهم صفين بين أيديهم رسول الله والعدو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام فلما رفعوا رؤسهم سجد الآخرون ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء فكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام فلما رفعوا رؤسهم سجد الآخرون وقد استشهد البخاري في صحيحه برواية هشام هذه عن أبي الزبير عن جابر وقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي حدثنا عبد الله بن شقيق حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين صنجنان وعسفان فقال المشركون إن لهؤلاء صلاةهي أحب اليهم من أبنائهم وأبكارهم وهي العصر فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة وإن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يقيم أصحابه شطرين فيصلي ببعضهم ويقدم الطائفة الاخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ثم تأتي الاخرى فيصلون معه ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ليكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولرسول الله ركعتان ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الصمد به وقال الترمذي حسن صحيح قلت إن كان أبو هريرة شهد هذا فهو بعد خيبر وإلا فهو من مرسلات الصحابي ولا يضر ذلك عند الجمهور والله أعلم ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبي داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد لكن الظاهر أنها واحدة بقي الشأن في أن غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها فان من العلماء منهم الشافعى من يزعم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعدن يوم الخندق فانهم أخروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال ولو كانت صلاة الخوف مشروعة إذ ذاك لفعلوها ولم يؤخروها ولهذا قال بعض أهل المغازي أن غزوة بني لحيان التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان كانت بعد بني قريظة وقد ذكر الواقدي بإسناده عن خالد بن الوليد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحديبية لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على
ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف قلت وعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ست بعد الخندق وبني قريظة كما سيأتي وفي سياق حديث أبي عياش الزرقي ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم وسنذكر إن شاء الله تعالى كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان
*2* غزوة ذات الرقاع
@
قال ابن اسحاق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى ثم غزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر قال ابن هشام ويقال عثمان بن عفان قال ابن اسحاق فسار حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع قال ابن هشام لانهم رقعوا فيها راياتهم ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع وقال الواقدي بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض وفي حديث أبي موسى انما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر قال ابن اسحاق فلقي بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف ههنا عن عبد الوارث بن سعيد التنوري عن يونس بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله وعن عبد الوارث عن أيوب عن أبي الزبير عن جابر وعن عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد ولا ذات الرقاع ولم يتعرض لزمان ولا مكان وفي كون غزوة ذات الرقاع التي كانت بنجد لقتال بني محارب وبني ثعلبة بن غطفان قبل الخندق نظر وقد ذهب البخاري الى أن ذلك كان بعد خيبر واستدل على ذلك بأن أبا موسى الاشعري شهدها كما سيأتي وقدومه انما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه وكذلك أبو هريرة وقد قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف ومما يدل على أنها بعد الخندق أن ابن عمر انما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أول ما أجازه يوم الخندق وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فذكر صلاة الخوف وقول الواقدي انه عليه السلام خرج الى ذات الرقاع في أربعمائة ويقال سبعمائة من أصحابه ليلة السبت لعشر خلون من المحرم سنة خمس فيه نظر ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف انما شرعت بعد الخندق لان الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهور وقيل في شوال سنة أربع فتحصل على هذا القول مخلص من حديث ابن عمر فأما حديث أبي موسى وأبي هريرة فلا
*2* قصة غورث بن الحارث
@
قال ابن اسحاق في هذه الغزوة حدثني عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب ألا أقتل لكم محمدا قالوا بلى وكيف تقتله قال افتك به قال فأقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال يا محمد أنظر الى سيفك هذا قال نعم فأخذه ثم جعل يهزه ويهم فكبته الله ثم قال يا محمد أما تخافني قال لا ما أخاف منك قال أما تخافني وفي يدي السيف قال لا يمنعني الله منك ثم عمد الى سيف النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه فأنزل الله عز وجل يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم اذ هم قوم أن يبسطوا اليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون قال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن رومان أنها إنما نزلت في عمرو بن جحاش أخي بني النضير وما هم به هكذا ذكر ابن اسحاق قصة غورث هذا عن عمرو بن عبيد القدري رأس الفرقة الضالة وهو وان كان لا يتهم بتعمد الكذب في الحديث إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه لبدعته ودعائه اليها وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه ولله الحمد فقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا طرقا لهذا الحديث من عدة أماكن وهي ثابتة في الصحيحين من حديث الزهري عن سنان بن أبي سنان وأبي سلمة عن جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته القائلة في واد كثير العضاه فتفرق الناس يستظلون بالشجر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة فعلق بها سيفه قال جابر فنمنا نومة فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فأجبناه واذا عنده اعرابي جالس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال من يمنعك مني قلت الله فقال من يمنعك مني قلت الله فشام السيف وجلس ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك وقد رواه مسلم أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن أبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كنا بذات الرقاع وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم تخافني قال لا قال فمن يمنعك مني قال الله يمنعني منك قال فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف وعلقه قال ونودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به قال البخاري وقال مسدد
عن أبي عوانة عن أبي بشر أن اسم الرجل غورث بن الحارث وأسند البيهقي من طريق أبي عوانة عن أبي بشر عن سليمان بن قيس عن جابر قال قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب وغطفان بنخل فرأوا من المسلمين غره فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال من يمنعك مني قال الله فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال من يمعنك مني قال كن خير آخذ قال تشهد أن لا إله إلا الله قال لا ولكن أعاهدك على أن لا اقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال جئتكم من عند خير الناس ثم ذكر صلاة الخوف وانه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين وقد أورد البيهقي هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبي حثمة وحديث الزهري عن سالم عن أبيه في صلاة الخوف بنجد وموضع ذلك كتاب الاحكام والله أعلم
*2* قصة الذي أصيبت امرأته يومذاك
@
قال محمد بن اسحاق حدثني عمي صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل فاصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا أتى زوجها وكان غائبا فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فقال من رجل يكلونا ليلتنا فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الانصار فقالا نحن يا رسول الله قال فكونا بفم الشعب من الوادي وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فلما خرجا الى فم الشعب قال الانصاري للمهاجري أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره قال بل اكفني أوله فاضطجع المهاجري فنام وقام الانصاري يصلي قال وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فانتزعه ووضعه وثبت قائما قال ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما قال ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهب صاحبه فقال اجلس فقد أثبت قال فوثب الرجل فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به فهرب قال ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتني أول ما رماك قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع علي الرمي ركعت فآذنتك وأيم الله لولاأن أضيع ثغرا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها هكذا ذكره ابن اسحاق في المغازي وقد رواه أبو داود عن أبي توبه عن عبد الله بن المبارك عن ابن اسحاق به وقد ذكر الواقدي عن عبد الله العمري عن أخيه عبيد الله عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن ابيه حديث صلاة
الخوف بطوله قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب في محالهم نسوة وكان في السبي جارية وضيئة وكان زوجها يحبها فحلف ليطلبن محمدا ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد ابن اسحاق قال الواقدي وكان جابر بن عبد الله يقول بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر اليه فأقبل اليه أبواه أو أحدهما حتى طرح نفسه في يدي الذي أخذ فرخه فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه فوالله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه
*2* قصة جمل جابر
@
قال محمد بن اسحاق حدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت الرفاق تمضي وجعلت أتخلف حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مالك يا جابر قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا قال أنخه قال فأنخته وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أعطني هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من الشجرة ففعلت فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخسه بها نخسات ثم قال اركب فركبت فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة قال وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتبيعني جملك هذا يا جابر قال قلت بل أهبه لك قال لا ولكن بعنيه قال قلت فسمنيه قال قد أخذته بدرهم قال قلت لا اذا تغبنني يا رسول الله قال فبدرهمين قال قلت لا قال فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الاوقية قال فقلت أفقد رضيت قال نعم قلت فهو لك قال قد أخذته ثم قال يا جابر هل تزوجت بعد قال قلت نعم يا رسول الله قال اثيبا أم بكرا قال قلت بل ثيبا قال أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك قال قلت يا رسول الله ان أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعه تجمع رءوسهن فتقوم عليهن قال اصبت ان شاء الله أما انا لو جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها قال فقلت والله يا رسول الله مالنا نمارق قال انها ستكون فاذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا قال فلما جئنا صرارا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور ونحرت فأقمنا عليها ذلك اليوم فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ودخلنا قال فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فدونك فسمع وطاعة فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلست في المسجد قريبا منه قال وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
فرأى الجمل فقال ما هذا قالوا يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر قال فأين جابر فدعيت له قال فقال يا ابن اخي خذ برأس جملك فهو لك قال ودعا بلالا فقال اذهب بجابر فأعطه أوقية قال فذهبت معه فأعطاني أوقية وزادني شيئا يسيرا قال فوالله ما زال ينمي عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا يعني يوم الحرة وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن وهب بن كيسان عن جابر بنحوه قال السهيلي في هذا الحديث اشارة الى ما كان أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم جابر بن عبد الله أن الله أحيا والده وكلمه فقال له تمن علي وذلك أنه شهيد وقد قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم وزادهم على ذلك في قوله للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ثم جمع لهم بين العوض والمعوض فرد عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم فقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون والروح للانسان بمنزلة المطية كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز قال فلذلك اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من جابر جمله وهو مطيته فأعطاه ثمنه ثم رده عليه وزاده مع ذلك قال ففيه تحقيق لما كان أخبره به عن أبيه وهذا الذي سلكه السهيلي ها هنا اشارة غريبة وتخيل بديع والله سبحانه وتعالى أعلم وقد ترجم الحافظ البيهقي في كتابه دلائل النبوة على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال باب ما كان ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من الاحكام والله أعلم وقد جاء تقييده بهذه الغزوة وجاء تقييده بغيرها كما سيأتي ومستبعد تعداد ذلك والله أعلم
*2* غزوة بدر الآخرة
@
وهي بدر الموعد التي توعدوا اليها من أحد كما تقدم قال ابن اسحاق ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا ثم خرج في شعبان الى بدر لميعاد أبي سفيان قال ابن هشام واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول قال ابن اسحاق فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأقام عليه ثمانية ينتظر أبا سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران وبعض الناس يقول قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال يا معشر قريش انه لا يصلحكم الا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن فان عامكم هذا عام جدب واني راجع فارجعوا فرجع الناس فسماهم أهل مكة
جيش السويق يقولون انما خرجتم تشربون السويق قال واتى مخشي بن عمرو الضمري وقد كان وادع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ودان على بني ضمرة فقال يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء قال نعم يا أخا بني ضمرة وان شئت رددنا اليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك قال لا والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ولم يلق كيدا قال ابن اسحاق وقد قال عبد الله بن رواحة يعني في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك قال ابن هشام وقد انشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد * لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا * لأبت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه * وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله اف لدينكم * وأمركم السيء الذي كان غاويا
فإني وان عنفتموني لقائل * فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره * شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت في ذلك * دعوا فلجات الشام قد حال دونها
جلاد كأفواه المخاض الأوارك
بايدي رجال هاجروا نحو ربهم * وأنصاره حقا وايدي الملائك
اذا سلكت للغور من بطن عالج * فقولا لها ليس الطريق هنالك
اقمنا على الرس النزوع ثمانيا * بأرعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه * وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامي تذري أصوله * مناسم اخفاف المطي الرواتك
فإن تلق في تطوافنا والتماسنا * فرات بن حيان يكن رهن هالك
وان تلق قيس بن امرئ القيس بعده * يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عني رسالة * فإنك من غر الرجال الصعالك
قال فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أسلم فيما بعد ذلك
أحسان إنا يا ابن آكلة الفغا * وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا * ولو وألت منا بشد مدارك
اذا ما انبعثنا من مناخ حسبته * مد من أهل الموسم المتعارك
اقمت على الرس النزوع تريدنا * وتتركنا في النخل عند المدارك
على الزرع تمشي خيلنا وركابنا * فما وطئت ألصقنه بالدكادك
اقمنا ثلاثا بين سلع وفارع * بجرد الجياد والمطي الرواتك
حسبتم جلاد القوم عند فنائكم * كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلاتبعث الخيل الجياد وقل لها * على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها * فوارس من أبناء فهر بن مالك
فانك لا في هجرة إن ذكرتها * ولا حرمات دينها أنت ناسك
قال ابن هشام تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر الناس لموعد أبي سفيان وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم فسلم الله أولياءه وخرج المسلمون صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بدر وأخذوا معهم بضائع وقالوا إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر ثم ذكر نحو سياق ابن اسحاق في خروج أبي سفيان الى مجنة ورجوعه وفي مقاولة الضمري وعرض النبي صلى الله عليه وسلم المنابذة فأبى ذلك قال الواقدي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة وكان خرجوه اليها في مستهل ذي القعدة يعني سنة أربع والصحيح قول ابن اسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان لكن قال في سنة ثلاث وهذا وهم فإن هذه تواعدوا اليها من أحد وكان أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم والله أعلم قال الواقدي فأقاموا ببدر مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين وقال غيره فانقلبوا كما قال الله عز وجل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم
*2* فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة
@ قال ابن جرير وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان رضي الله عنه يعني من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست سنين فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت وفيه توفي أبو سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي وأمه برة بنت عبد المطلب عمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وكان رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتضعا من ثويبة مولاة أبي لهب وكان اسلام أبي سلمة وأبي عبيدة وعثمان بن عفان والارقم بن أبي الارقم قديما في يوم واحد وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة الى أرض الحبشة ثم عاد الى مكة وقد ولد لهما بالحبشة أولاد ثم هاجر من مكة الى المدينة وتبعته أم سلمة الى المدينة كما تقدم وشهد بدرا وأحدا ومات من آثار جرح جرحه بأحد رضي الله عنه وأرضاه له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة سيأتي في سياق تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة قريبا قال ابن جرير وفي ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن علي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم قال وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية وقد حكى أبو عمر بن عبد البر عن علي بن عبد العزيز الجرجاني انه قال كانت أخت ميمونة بنت الحارث ثم استغربه وقال لم أره لغيره وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم واحسانها اليهم وأصدقها ثنتي عشرة أوقية ونشا ودخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها قال أبو عمر بن عبد البر عن علي بن عبد العزيز الجرجاني ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف قال ابن الاثير في الغابة وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد قال أبو عمر ولا خلاف انها ماتت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت رضي الله عنها وقال الواقدي في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة بنت أبي أمية قلت وكانت قبله عند زوجها أبي أولادها أبي سلمة بن عبد الاسد وقد كان شهد أحدا كما تقدم وجرح يوم أحد فداوى جرحه شهرا حتى برئ ثم خرج في سرية فغنم منها نعما ومغنما جيدا ثم اقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى من هذه السنة فلما حلت في شوال خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى نفسها بنفسه الكريمة وبعث اليها عمر بن الخطاب في ذلك مررا فتذكر أنها امرأة غيرى أي شديدة الغيرة وانها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون الى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم فقال اما الصبية فالى الله والى رسوله أي نفقتهم ليس اليك وأما الغيرة فادعو الله فيذهبها فاذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له قم فزوج النبي صلى الله عليه وسلم تعني قد رضيت وأذنت فتوهم بعض العلماء انها تقول لابنها عمر بن ابي سلمة وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلي مثله العقد وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنة وان الذي ولى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة وهو أكبر ولدها وساغ هذا لان أباه ابن عمها فللابن ولاية أمه اذا كان
سببا لها من غير جهة البنوة بالاجماع وكذا اذا كان معتقا أو حاكما فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعي وحده وخالفه الثلاثة أبو حنيفة ومالك واحمد رحمهم الله ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه وهو كتاب النكاح من الاحكام الكبير إن شاء الله


قال الامام احمد حدثنا يونس حدثنا ليث يعني ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن اسامة ابن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أم سلمة قالت أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به قال لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا فعل به قالت أم سلمة فحفظت ذلك منه فلما توفي أبو سلمة استرجعت وقلت اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها ثم رجعت الى نفسي فقلت من اين لي خير من أبي سلمة فلما انقضت عدتي استأذن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فخطبني الى نفسي فلما فرغ من مقالته قلت يا رسول الله ما بي أن لا تكون بك الرغبة ولكني امرأة بي غيرة شديدة فأخاف أن ترى مني شيئا يعذبني الله به وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال فقال أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي فقالت فقد سلمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أم سلمة فقد ابدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عمر بن ابي سلمة عن أمه أم سلمة عن أبي سلمة به وقال الترمذي حسن غريب وفي رواية للنسائي عن ثابت عن ابن عمر بن ابي سلمة عن أبيه ورواه ابن ماجه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون عن عبد الملك بن قدامة الجمحى عن أبيه عمر بن أبي سلمة به
وقال ابن اسحاق ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من بدر الموعد راجعا الى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع وقال الواقدي وفي هذه السنة يعني سنة أربع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود قلت فثبت عنه في الصحيح أنه قال تعلمته في خمسة عشر يوما والله أعلم
*2* سنة خمس من الهجرة النبوية
@
*2* غزوة دومة الجندل في ربيع الأول منها
@
قال ابن اسحاق ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم دومة الجندل قال ابن هشام في ربيع الاول يعني من سنة خمس واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري قال ابن اسحاق ثم رجع الى المدينة قبل أن يصل اليها ولم يلق كيدا فاقام بالمدينة بقية سنته هكذا قال ابن اسحاق وقد قال محمد بن عمر الواقدي بإسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدنو إلى اداني الشام وقيل له ان ذلك مما يفزع قيصر وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مر بهم وكان لها سوق عظيم وهم يريدون ان يدنو من المدينة فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فخرج في ألف من المسلمين فكان يسير الليل ويكمن النهار ومعه دليل له من بني عذرة يقال له مذكور هاد خريت فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بني تميم فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بساحتهم فلم يجد فيها أحد فاقام بها أياما وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلا منهم فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أصحابه فقال هربوا أمس فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فأسلم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة قال الواقدي وكان خروجه عليه السلام الى دومة الجندل في ربيع الآخر سنة خمس قال وفيه توفيت أم سعد بن عبادة وابنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن ابي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر وهذا مرسل جيد وهو يقتضي أنه عليه السلام غاب في هذه الغزوة شهرا فما فوقه على ما ذكره الواقدي رحمه الله
*2* غزوة الخندق أو الأحزاب
@
وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الاحزاب فقال تعالى يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليك مإذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ
جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة ان يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم الينا ولا يأتون البأس إلا قليلا اشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فاذا ذهب الخوف سلقوكم بالسنة حداد اشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وان يأت الاحزاب يودوا لو انهم بادون في الاعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم ان الله كان غفورا رحيما ورد الله الذي كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة ولنذكر ها هنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان
وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن اسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال ثم كانت وقعة الاحزاب في شوال سنة أربع وكذلك قال الامام مالك بن أنس فيما رواه احمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه قال البيهقي ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لان مرادهم ان ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين الى بدر العام المقابل فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع
ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا الى المدينة بعد شهرين فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم وقد صرح الزهري بان الخندق كانت بعد أحد بسنتين ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث الا على قول من ذهب الى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الاول الى آخرها كما حكاه البيهقي وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بان بدرا في الاولى وأحدا في سنة ثنتين وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث والخندق في شوال سنة أربع وهذا مخالف لقول الجمهور فان المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة وعن مالك من ربيع الاول سنة الهجرة فصارت الاقوال ثلاثة والله أعلم والصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم فاما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فاأازني فقد اجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة ويوم الاحزاب في أواخر الخامسة عشرة قلت ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه يوم الاحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان فلا يبقى على هذا زيادة عليها ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال ان هذا الفرق بين الصغير والكبير ثم كتب به الى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء والله أعلم
وهذا سياق القصة مما ذكره ابن اسحاق وغيره قال ابن اسحاق ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس فحدثني يزيد بن رومان عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن ابي بكر وغيرهم من علمائنا وبعضهم يحدث مالا يحدث بعص قالوا إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم سلام بن ابي الحقيق النضري وحيي بن اخطب النضري وكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم الى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش يا معشر يهود انكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أفديننا خير أم دينه قالوا بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله فيهم ألم تر الى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين
آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا الآيات فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم اليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا لذلك واتعدوا له ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم الى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بين فزارة والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعر بن رخيلة بن نويره ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة قال ابن هشام يقال ان الذي اشار به سلمان قال الطبري والسهيلي أول من حفر الخنادق منو شهر بن أيرج بن أفريدون وكان في زمن موسى عليه السلام قال ابن اسحاق فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الاجر وعمل معه المسلمون وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف ومنهم من ينسل خفية بغير اذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله واذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فاذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم ولا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ألا ان لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون اليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم
قال ابن اسحاق فعمل المسلمون فيه حتى احكموه وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا فقالوا فيما يقولون
سماه من بعد جعيل عمرا * وكان للبائس يوما ظهرا
وكانوا اذا قالوا عمرا قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا واذا قالوا ظهرا قال لهم ظهرا وقد قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو اسحاق عن حميد سمعت أنس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الخندق فاذا المهاجرون والانصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال اللهم ان العيش عيش الآخرة فاغفر الأنصار والمهاجره فقالوا مجيبين له
نحن الذين بايعوا محمدا * على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس نحوه وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس بنحوه وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون
نحن الذين بايعوا محمدا * على الاسلام ما بقينا أبدا
قال يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لهم اللهم انه لا خير الا خير الآخرة فبارك في الانصار والمهاجرة قال يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن وقال البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن سهل بن سعد قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم لا عيش الا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والانصار ورواه مسلم عن القعنبي عن عبد العزيز به وقال البخاري حدثنا مسلم بن ابراهيم حدثنا شعبة عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه يقول
والله لولا الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا
إن الالي قد بغوا علينا * إذا أرادوا فتنة أبينا
ورفع بها صوته أبينا أبينا ورواه مسلم من حديث شعبة به ثم قال البخاري حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثني ابراهيم بن يوسف حدثني أبي عن أبي اسحاق عن البراء يحدث قال لما كان يوم الاحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهو ينقل من التراب يقول
اللهم لولا انت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام إن لاقينا
ان الالي قد بغوا علينا * وإن أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته بآخرها وقال البيهقي في الدلائل أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد ابن عبيد الصفار حدثنا اسماعيل بن الفضل البجلي حدثنا ابراهيم بن يوسف البلخي حدثنا المسيب ابن شريك عن زياد بن أبي زياد عن أبي عثمان عن سلمان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في
الخندق وقال
بسم الله وبه هدينا * ولو عبدنا غيره شقينا
يا حبذا ربا وحب دينا
وهذا حديث غريب من هذا الوجه وقال الامام احمد حدثنا سليمان حدثنا شعبة عن معاوية ابن قرة عن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق اللهم لا خير الا خير الآخرة فأصلح الانصار والمهاجرة وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر عن شعبة
قال ابن اسحاق وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته عاين ذلك المسلمون فمن ذلك ان جابر بن عبد الله كان يحدث انه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا باناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله ان يدعو به ثم نضح الماء على تلك الكدية فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة هكذا ذكره ابن اسحاق منقطعا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقد قال البخاري رحمه الله حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد ابن أيمن عن أبيه قال أتيت جابرا فقال انا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم فقلت يا رسول الله ائذن لي الى البيت فقلت لامرأتي رأيت النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء قالت عندي شعير وعناق فذبحت العناق وطحت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الاثافي ثق كادت أن تنضج فقلت طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال كم هو فذكرت له فقال كثير طيب قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي فقال قوموا فقام المهاجرون والانصار فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والانصار ومن معهم قالت هل سألك قلت نعم فقال ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور اذا أخذ منه ويقرب الى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال كلي هذا وأهدى فان الناس أصابتهم مجاعة تفرد به البخاري وقد رواه الامام احمد عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم ورواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قصة الكدية والطعام وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا قوموا الى جابر فقاموا قال فلقيت من
الحياء مالا يعلمه إلا الله وقلت جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق ودخلت على امرأتي أقول افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين فقالت هل كان سألك كم طعامك قلت نعم فقالت الله ورسوله أعلم قال فكشفت عني غما شديدا قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خدمي ودعيني من اللحم وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا فما زال يقرب الى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلي واهدي فلم تزل تأكل وتهدي يومها وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر به وأبسط أيضا وقال في آخره أخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال ثلثمائة وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن جابر فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال وكانوا ثلثمائة ثم قال البخاري حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا حنظلة بن أبي سفيان عن أبي الزبير حدثنا ابن ميناء سمعت جابر بن عبد الله قال لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت الى امرأتي فقلت هل عندك شيء فاني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت الى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه فجئته فساررته فقلت يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أهل الخندق ان جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك فقلت قد فعلت الذي قلت فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد الى برمتنا فبسق وبارك ثم قال ادع خبازة فلتخبز معك واقدحي من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا كما هو ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبي عاصم به نحوه وقد روى محمد بن اسحاق هذا الحديث وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وكانت عندي شويهة غير جد سمينة قال فقلت والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصارف عن الخندق قال وكنا نعمل فيه نهارا فاذا أمسينا رجعنا الى أهالينا فقلت يا رسول الله اني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فانا أحب أن تنصرف معي الى منزلي قال وانما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده قال فلما أن قلت ذلك قال نعم ثم أمر صارخا فصرخ أن
انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيت جابر بن عبد الله قال قلت انا لله وانا اليه راجعون قال فاقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه فجلس وأخرجناها اليه قال فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها والعجب أن الامام احمد انما رواه من طريق سعيد بن ميناء عن يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن اسحاق عنه عن جابر مثله سواء قال محمد بن اسحاق وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد اخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ثم قالت أي بنية اذهبي الى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما قالت فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي فقال تعالى يا بنية ما هذا معك قالت قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال هاتيه قالت فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فملاتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لانسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلم الى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وانه ليسقط من أطراف الثوب هكذا رواه ابن اسحاق وفيه انقطاع وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد قال ابن اسحاق وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال ضربت في ناحية من الخندق فغلظت على صخرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى قال ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب قال أوقد رأيت ذلك يا سلمان قال قلت نعم قال أما الأولى فإن الله فتح علي باب اليمن وأما الثانية فإن الله فتح علي باب الشام والمغرب وأما الثالثة فان الله فتح علي بها المشرق قال البيهقي وهذا الذي ذكره ابن اسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه وذكره أبو الاسود عن عروة ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي وفي حديثه نظر لكن رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال واحتق المهاجرون والانصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الانصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى اذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فذهب سلمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية فأخبره عنها فجاء
فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها يعني المدينة حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فكذلك ثم الثالثة فكذلك وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور فقال لقد أضاء لي من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فاخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كانها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فابشروا واستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صادق قال ولما طلعت الاحزاب قال المؤمنون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما وقال المنافقون يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وهذا حديث غريب وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هارون بن ملول حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا يا رسول الله انا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه فلما أتاها أخذ المعول فضرب أخرى فكبر فسمعت هذة لم اسمع مثلها قط فقال فتحت فارس ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم اسمع مثلها قط فقال فتحت الروم ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا وهذا أيضا غريب من هذا الوجه وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي فيه ضعف فالله أعلم وقال الطبراني أيضا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو نميلة حدثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة قال رجل نعم قال أما لا فتقدم فدلنا عليه فانطلقوا الى بيت الرجل فاذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فارسلت امرأته أن جيء فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا فجاء الرجل يسعى وقال بأبي وأمي وله معزة ومعها جديها فوثب اليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الجدي من ورائها فذبح الجدي وعمدت المرأة الى طحينة لها فعجنتها وخبزت فادركت القدر فثردت قصعتها فقربتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبعه فيها وقال بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا فاكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا الينا بعدتكم فذهبوا
فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا الى الخندق فقال اذهبوا بنا الى سلمان واذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوني فأكون أول من ضربها فقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم ثم قال الحافظ البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا محمد بن غالب بن حرب حدثنا هوذة حدثنا عوف عن ميمون بن استاذ الزهري حدثني البراء بن عازب الانصاري قال لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وقال بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال الله اكبر أعطيت مفاتيح الشام والله اني لأبصر قصورها الحمر ان شاء الله ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله اني لابصر قصر المدائن الابيض ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله اني لابصر ابواب صنعاء من مكاني الساعة وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن استاذ هذا وهو بصري روى عن البراء وعبد الله بن عمرو وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الاعرابي قال أبو حاتم عن اسحاق بن منصور عن ابن معين كان ثقة وقال علي بن المديني كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه وقال النسائي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ضمرة عن أبي زرعة السيباني عن أبي سكينة رجل من البحرين عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ثم ضرب الثانية وقال وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمات الله وهو السميع العليم فندر الثلث الآخر وبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم فندر الثلث الباقي وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس فقال سلمان يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب إلا كانت معها برقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان رأيت ذلك قال أي والذي بعثك بالحق يا رسول الله قال فاني حين ضربت الضربة الاولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني فقال له من حضره من أصحابه يا رسول الله ادع ان يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم
ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا بذلك قال ثم ضربت الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا ثم قال ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك وما تركوكم هكذا رواه النسائي مطولا وانما روى منه أبو داود دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم عن عيسى بن محمد الرملي عن ضمرة بن ربيعة عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني به ثم قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة انه كان يقول حين فتحت هذه الامصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحمتم من مدينة ولا تفتحونها الى يوم القيامة الا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا وقد وصل من غير وجه ولله الحمد فقال الامام احمد حدثنا حجاج حدثنا ليث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدي وقد رواه البخاري منفردا به عن يحيى بن بكير وسعد بن عفير كلاهما عن الليث به وعنده قال ابو هريرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها وقال الامام احمد حدثنا يزيد حدثنا محمدابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم اتيت بمفاتيح خزائن الارض فتلت في يدي وهذا اسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه وفي الصحيحين اذا هلك قيصر فلا قيصر بعده واذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وفي الحديث الصحيح ان الله زوى لي الارض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها
*2* فصل ( نزول قريش بمجتمع الاسيال يوم الخندق ) .
@ قال ابن اسحاق ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى الى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم الى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام قال ابن
هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قلت وهذا معنى قوله تعالى إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وقد زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا قال البخاري حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة اذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم واذ زاغت الابصار قالت ذلك يوم الخندق قال موسى بن عقبة ولما نزل الاحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم قال ابن اسحاق وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه ويحك يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي انك امرؤ مشئوم واني قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا قال ويحك افتح لي أكلمك قال ما أنا بفاعل قال والله ان أغلقت دوني الا خوفا على جشيشتك ان آكل معك منها فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام قال وما ذاك قال جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى الى جانب أحد قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه فقال كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فاني لم أر من محمد إلا وفاءا وصدقا وقد تكلم عمر بن سعد القرظي فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم اياه على نصره وقال اذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه قال ابن اسحاق فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي محاربته مع الاحزاب على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد العهد وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن اسد بنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم ان هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا قالوا وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم فنازلهم حيي على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد الا بني سعنة أسد وأسيد وثعلبة فانهم خرجوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فلما انتهى الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى المسلمين بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الاوس وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير قال انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا حق ما بلغنا عنهم فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وان كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس قال فخرجوا حتى أتوهم قال موسى
ابن عقبة فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم الى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون بني النضير ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ انا والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال انكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه فقالوا اكلت أير أبيك فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن وقال ابن اسحاق نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا من رسول الله لا عهد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة ثم أقبل السعدان ومن معهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر ابشروا يا معشر المسلمين قال موسى بن عقبة ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة فاضطجع ومكث طويلا فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع وعرفوا انه لم يأته عن بني قريظة خير ثم انه رفع رأسه وقال ابشروا بفتح الله ونصره فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة قال سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك عهدك ووعدك اللهم ان تشأ لا تعبد قال ابن اسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب الى الغائط وحتى قال أوس بن قيظي يا رسول الله ان بيوتنا عورة من العدو وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا أن نرجع الى دارنا فانها خارج من المدينة قلت هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا اذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة ان يريدون الا فرارا
قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن الزهري الى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان واعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهاده ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك بعث الى السعدين فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمرا تحبه فاصنعه أم شيئا أمرك الله به ولا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا فقال بل
شيء أصنعه لكم والله ما أصنع ذلك إلا لاني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم الى أمر ما فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الاوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا أفحين أكرمنا الله بالاسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت وذاك فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا عليها قال فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهر المخزوميان وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بني محارب بن فهر تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيئوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه فلما خرج هو وخيله قال من يبارز فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له يا عمرو انك كنت هاعدت الله لا يدعوك رجل من قريش الى احدى خلتين إلا أخذتها منه قال أجل قال له علي فإني أدعوك الى الله والى رسوله والى الإسلام قال لا حاجة لي بذلك قال فإني أدعوك الى النزال قال له لم يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك قال له علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة قال ابن اسحاق وقال علي بن أبي طالب في ذلك
نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب
فصدرت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الاحزاب
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي قال ابن هشام وألقى عكرمة
رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان بن ثابت
فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل
ووليت تعدو كعدو الظلي * م ما ان يحور عن المعدل
ولم تلو ظهرك مستأنسا * كأن قفاك قفا فرعل
قال ابن هشام الفراعل صغار الصباع وذكر الحافظ البيهقي في دلائل النبوة عن ابن اسحاق في موضع آخر من السيرة قال خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى من يبارز فقام علي بن أبي طالب فقال أنا لها يا نبي الله فقال انه عمرو اجلس ثم نادى عمرو ألا رجل يبرز فجعل يؤنبهم ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إلي رجلا فقام علي فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس ثم نادى الثالثة فقال
ولقد بححت من النداء * لجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع * موقف القرن المناجز
ولذاك إني لم أزل * متسرعا قبل الهزاهز
ان الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز
قال فقام علي رضي الله عنه فقال يا رسول الله أنا فقال انه عمرو فقال وان كان عمرا فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى اليه حتى أتى وهو يقول
لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة * والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقي * م عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء * يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال له عمرو من أنت قال أنا علي قال ابن عبد مناف قال أنا علي بن أبي طالب فقال يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك فاني أكره أن أهريق دمك فقال له علي لكني والله لا أكره أن أهريق دمك فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي على حبل عاتقهمسقط وثار العجاج وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله فثم يقول علي
أعلي تقتحم الفوارس هكذاعني وعنهم أخروا أصحابي
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي
الى أن قال
عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب
الى آخرها قال ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل فقال له عمر بن الخطاب هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها فقال ضربته فاتقاني بسوءته فاستحييت ابن عمي أن أسلبه قال وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق
وذكر ابن اسحاق فيما حكاه عن البيهقي أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال هو لكم لا نأكل ثمن الموتى وقال الامام احمد حدثنا نصر بن باب حدثنا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفعوا اليهم جيفته فانه خبيث الجيفة خبيث الدية فلم يقبل منهم شيئا وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حجاج وهو ابن ارطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رجلا من المشركين قتل يوم الاحزاب فبعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث الينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا خير في جسده ولا في ثمنه وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وقال غريب وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين انما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال انه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه وذكر يونس بن بكير عن ابن اسحاق قال وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فسأل المبارزة فخرج اليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين حتى فل في سيفه فلا وانصرف وهو يقول
اني امرؤ أحمي وأحتمي * عن النبي المصطفى الأمي
وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب فنزل اليه علي فقتله وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه اليهم وهذا غريب من وجهين وقد روى البيهقي من طريق حماد بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الاطم ومعي عمر بن ابي سلمة فجعل يطأطئ لي فاصعد على ظهره فأنظر قال فنظرت الى أبي وهو يحمل مرة ها هنا ومرة ها هنا فما يرتفع له شيء إلا أتاه فلما أمسى جاءنا الى الاطم قلت يا أبة رأيتك اليوم وما تصنع قال ورأيتني يا بني قلت نعم قال فدى لك أبي
وأمي قال ابن اسحاق وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الانصاري أخو بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرفل بها ويقول
لبث قليلا يشهد الهيجا جمل * لا بأس بالموت اذا حان الأجل
فقالت له أمه الحق بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي قالت وخفت عليه حيث اصاب السهم منه فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الاكحل قال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال رماه حيان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها مني وأنا ابن العرقة فقال له سعد عرق الله وجهك في النار اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فانه لا قوم أحب ألي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه اللهم وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقد قال أبو اسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبي جهل
أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي * فداك بآطام المدينة خالد
ألست الذي ألزمت سعدا مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعا منهم اذ يكابد
على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوب عن القصد قاصد
قال ابن اسحاق والله أعلم أي ذلك كان قال ابن هشام ويقال ان الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان قلت وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي بيانه فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا
ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم الينا اذ أتانا آت فقلت يا حسان ان هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن واني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل اليه فاقتله قال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا قالت فلما قال لي ذلك ولم ار عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن اليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا انه رجل قال مالي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدري أتم أم لا قال ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما الى الليل فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم وفي رواية وقبورهم نارا فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة واني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا وأن يدفع الله الي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله
وقد قال البخاري حدثنا اسحاق حدثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن عبيدة عن علي به ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الاعرج عن عبيدة عن علي به وقال الترمذي حسن صحيح ثم قال البخاري حدثنا المكي بن ابراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن يحيى بن ابي كثير عن أبي سلمة به وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت حدثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال اللهم من حبسنا عن الصلاة
الوسطى فاملأ بيوتهم نارا واملأ قبورهم نارا ونحو ذلك تفرد به احمد وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الاحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الاحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والاوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب الى بني قريظة كما سيأتي لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدا من الفريقين واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن
وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور منهم الشافعي هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ وهو مشكل قال ابن اسحاق وجماعة ذهبوا الى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان وقد ذكرها ابن اسحاق وهو امام في المغازي قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق فالله أعلم وأما الذين قالوا ان تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء من رواية أبي هريرة وأبي سعيد قال الامام حدثنا يزيد وحجاج قالا حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوى من الليل حتى كفينا وذلك قوله وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل قال حجاج في صلاة الخوف فان خفتم فرجالا أو ركبانا وقد رواه النسائي عن الفلاس عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب به قال شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس فذكره وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا أبو الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالا فأذن ثم اقام فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر ثم اقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا مؤمل يعني ابن اسماعيل حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن عبد الكريم يعني ابن أبي المخارق
عن مجاهد عن جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم امره فأذن واقام فصلى العصر ثم أمره فأذن واقام فصلى المغرب ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء ثم قال ما على وجه الارض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم تفرد به البزار وقال لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبي عبيدة عن عبد الله



يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:43 PM
فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب
@
قال الامام احمد حدثنا أبو عامر حدثنا الزبير يعني ابن عبد الله حدثنا ربيح بن ابي سعيد الخدري عن أبيه قال قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال فضرب الله وجوه أعدائه بالريح وقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبي عامر وهو العقدي عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي سعيد فذكره وهذا هو الصواب وقال الامام احمد حدثنا حسين عن ابن أبي ذئب عن رجل من بني سلمة عن جابر ابن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الاحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدا يدعو عليهم ولم يصل قال ثم جاء ودعا عليهم وصلى وثبت في الصحيحين من حديث اسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاحزاب فقال اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الاحزاب اللهم اهزمهم وزلزلهم وفي الرواية اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم وروى البخاري عن قتيبة عن الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده وقال ابن اسحاق وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم واتيانهم اياهم من فوقهم ومن أسفل منهم قال ثم ان نعيم بن مسعود ابن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوه بن اشجع ابن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اني قد اسلمت وان قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا ان استطعت فإن الحرب خدعة فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال يا بني
قريظة قد عرفتم ودي اياكم وخاصة ما بيني وبينكم قالوا صدقت لست عندنا بمتهم فقال لهم ان قريشا وغطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه الى غيره وان قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره فليسوا كأنتم فان رأوا نهزة أصابوها وان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من اشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه قالوا لقد اشرت بالرأي ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لابي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا وانه قد بلغني أمر قد رأيت علي حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عني قالوا نفعل قال تعلموا ان معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد ارسلوا اليه انا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من اشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم فأرسل اليهم ان نعم فان بعثت اليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا اليهم منكم رجلا واحدا ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان انكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس الي ولا أراكم تتهموني قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عني قالوا نفعل ثم قال لهم ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنيع الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان الى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان فقال لهم انا لسنا بدار مقام هلك الخف والحافر فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه فأرسلوا اليهم ان اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثنا فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فإنا نخشى ان ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال ان تنشمروا الى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه فلما رجعت اليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان والله ان الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق فأرسلوا الى بني قريظة انا ولله لا ندفع اليكم رجلا من رجالنا فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت اليهم الرسل بهذا ان الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ما يريد القوم الا ان تقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وان كان غير ذلك انشمروا الى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم فأرسلوا الى قريش وغطفان انا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم
وهذا الذي ذكره ابن اسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فانه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث فاتفق أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم عشاء فأشار اليه أن تعال فجاء فقال ما وراءك فقال انه قد بعثت قريش وغطفان الى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا اليهم فيناجزوك فقالت قريظة نعم فأرسلوا الينا بالرهن وقد ذكر فيما تقدم أنهم انما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إني مسر اليك شيئا فلا تذكره قال انهم قد أرسلوا إلي يدعونني الى الصلح وأرد بني النضير الى دورهم وأموالهم فخرج نعيم بن مسعود عامدا إلى غطفان وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة وعسى أن يصنع الله لنا فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم فبادر القوم وأرسلوا الى بني قريظة عكرمة وجماعة معه واتفق ذلك ليلة السبت يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلت اليهود بالسبت ثم ايضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا قلت وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون منه الصلح على أن يرد بني النضير الى المدينة والله أعلم
قال ابن اسحاق فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جمعهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه اليهم لينظر ما فعل القوم ليلا قال ابن اسحاق فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه قال نعم يا ابن أخي قال فكيف كنتم تصنعون قال والله لقد كنا نجتهد قال والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الارض ولحملناه على أعناقنا قال فقال حذيفة يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل ثم التفت الينا فقال من رجل يقول فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجعم فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد فلما لم يقم أحد دعاني فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني فقال يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء فقام أبو سفيان فقال يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الذي كان الى جنبي فقلت من أنت قال فلان ابن فلان ثم قال يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل ثم قام الى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به
على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي لاتحدث شيئا حتى تأتيني لقتلته بسهم قال حذيفة فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط لبعض نسائه مرحل فلما رآني أدخلني الى رجليه وطرح علي طرف المرط ثم ركع وسجد واني لفيه فلما سلم أخبرته الخبر وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين الى بلادهم وهذا منقطع من هذا الوجه وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه من حديث الاعمش عن ابراهيم ابن يزيد التيمي عن أبيه قال كنا عند حذيفة فقال له رجل لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت فقال له حذيفة أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يأتيني بخبر القوم يكون معي يوم القيامة فلم يجبه منا أحد ثم الثانية ثم الثالثة مثله ثم قال يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم فقال ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي قال فمضيت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد قوسي وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تذعرهم علي ولو رميته لأصبته فرجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني برد حين رجعت وقررت فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أبرح نائما حتى الصبح فلما أن أصبحت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قم يا نومان
وقد روى الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا فقال حذيفة لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الاحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا اصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامر أتى ما يجاوز ركبتي قال فأتانى وأنا جاث على ركبتى فقال من هذا فقلت حذيفة فقال حذيفة فتقاصرت للارض فقلت بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقمت فقال انه كائن في القوم خبر فأتني بخبر القوم قال وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا قال فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته قال فوالله
ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد فيه شيئا قال فلما وليت قال يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتيني قال فخرجت حتىإذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد واذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول الرحيل الرحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتحدثن فيهم شيئا حتى تأتيني فأمسكت ورددت سهمي الى كنانتي ثم اني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فاذا أدني الناس مين بنو عامر يقولون يا آل عامر الرحيل الرحيل لا مقام لكم واذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا فوالله اني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضرب بها ثم اني خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت بي الطريق أو نحو من ذلك اذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا أخبر صاحبك أن الله قد كفاه قال فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلي فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف فأومأ الي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وهو يصلي فدنوت منه فأسبل علي شملته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا حزبه أمر صلى فأخبرته خبر القوم أخبرته أني تركتهم يرحلون قال وأنزل الله تعالى يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا يعني الآيات كلها الى قوله ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله اليهم وكفى الله المؤمنين القتال أي لم يحتاجوا الى منازلتهم ومبارزتهم بل صرف القوي العزيز بحوله وقوته لهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الاحزاب وحده فلا شيء بعده وفي قوله وكفى الله المؤمنين القتال اشارة الى وضع الحرب بينهم وبينهم وهكذا وقع ولم ترجع قريش بعدها الى حرب المسلمين كما قال محمد بن اسحاق رحمه الله فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا لن تغزوكم قريش بعد عامكم ولكنكم تغزونهم قال فلم تغز قريش بعد ذلك وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة وهذا بلاغ من ابن اسحاق وقد قال الامام احمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني أبو اسحاق سمعت سليمان بن صرد رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن نغزوهم ولا يغزوننا وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبي اسحاق السبيعي عن سليمان بن صرد به قال ابن اسحاق واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الاشهل وهم سعد بن معاذ وستأتي وفاته مبسوطة
وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو وعبد الله بن سهل والطفيل بن النعمان وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب فقتله قال وقتل من المشركين ثلاثة وهم منبه ابن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم وعمرو بن عبد ود العامري قتله علي بن أبي طالب قال ابن هشام وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال قتل علي يومئذ عمرو بن عبد ود وابنه حسل بن عمرو قال ابن هشام ويقال عمرو بن عبدود ويقال عمرو بن عبد
*2* فصل في غزوة بني قريظة
@
وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد مع ما أعد الله لهم في الآخره من العذاب الاليم وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما لأتهم الاحزاب عليه فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباؤا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وقد قال الله تعالى ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطأوها وكان الله على كل شيء قديرا قال البخاري حدثنا محمد بن مقاتل حدثنا عبد الله حدثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا قفل من الغزو والحج والعمرة يبدأ فيكبر ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده
قال محمد بن اسحاق رحمه الله ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا الى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أو قد وضعت السلاح يا رسول الله قال نعم فقال جبريل ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم ان الله يأمرك يا محمد بالمسير الى بني قريظة فإني عامد اليهم فمزلزل بهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنا فأذن في الناس من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم
وقال البخاري حدثني عبد الله بن أبي شيبة حدثنا ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فاخرج اليهم قال فإلى أين قال ها هنا وأشار الى بني قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقال أحمد وحدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من الاحزاب دخل المغتسل ليغتسل وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصب رأسه الغبار فقال يا محمد أوضعتم أسلحتكم فقال وضعنا أسلحتنا فقال انا لم نضع أسلحتنا بعد انهد الى بني قريظة ثم قال البخاري حدثنا موسى حدثنا جرير بن حازم عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك قال كأني أنظر الى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم موكب جبريل حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بني قريظة ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد بن اسماء حدثنا جويرية بن اسماء عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي العصر حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به وقال الحافظ البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن خالد بن علي حدثنا بشر بن حرب عن أبيه حدثنا الزهري أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من طلب الاحزاب وضع عنه اللأمة واغتسل واستحم فتبدى له جبريل عليه السلام فقال عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد قال فوثب النبي صلى الله عليه وسلم فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بني قريظة قال فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس فقال بعضهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة فانما نحن في عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس علينا اثم وصلى طائفة من الناس احتسابا وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بني قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين ثم روى البيهقي من طريق عبد الله العمري عن أخيه عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقمت في أثره فاذا بدحية الكلبي فقال هذا جبريل أمرني أن أذهب الى بني قريظة وقال قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الاسد وذلك حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا وقال لأصحابه عزمت عليكم أن لا تصلوا
صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة فغربت الشمس قبل أن يأتوهم فقالت طائفة من المسلمين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد ان تدعوا الصلاة فصلوا وقالت طائفة والله إنا لفي عزيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علينا من إثم فصلت طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة إيمانا واحتسابا ولم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من الفريقين وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بمجالس بينه وبين بني قريظة فقال هل مر بكم أحد فقالوا مر علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج فقال ذلك جبريل أرسل الى بني قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم فناداهم يا اخوة القردة والخنازير فقالوا يا أبا القاسم لم تكن فحاشا فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف فقالت طائفة من العلماء الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون لأن أمرهم يومئذ تأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة ولو بعد أيام وهذا القول منه ماش على قاعدته الاصلية في الاخذ بالظاهر وقالت طائفة أخرى من العلماء بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون لانهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بني قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الأدلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك وأما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه وأما على قول من يجوز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخر ولا على من قدم أيضا والله أعلم
ثم قال ابن اسحاق وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ومعه رايته وابتدرها الناس وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في مغتسله كما يزعمون قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأمته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز فخرج اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل غفر الله لك أو قد وضعت السلاح قال نعم فقال جبريل لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله ويقولون ان على وجه جبريل لأثر الغبار فقال له جبريل ان الله قد أمرك بقتال بني قريظة فأنا عامد اليهم بمن معي
من الملائكة نزلزل بهم الحصون فاخرج بالناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثر جبريل فمر على مجلس بني عنم وهم ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم فقال مر عليكم فارس آنفا قالوا مر علينا دجية الكلبي على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه اللأمة فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك جبريل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشبه دحية الكلبي بجبريل فقال الحقوني ببني قريظة فصلوا فيهم العصر فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا الى بني قريظة فحانت صلاة العصر وهم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة وقال آخرون هي الصلاة فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بني قريظة بعد أن غابت الشمس فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من عجل منهم الصلاة ومن أخرها فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف واحدا من الفريقين قال فلما رأى علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا تلقاه وقال ارجع يا رسول الله فإن الله كافيك اليهود وكان علي قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه رضي الله عنهن فكره أن يسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تأمرني بالرجوع فكتمه ما سمع منهم فقال أظنك سمعت في منهم أذى فامض فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصنهم وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفرا من اشرافهم حتى أسمعهم فقال أجيبوا يا معشر يهود يا اخوة القردة قد نزل بكم خزي الله عز وجل فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ورد الله حيي بن أخطب حتى دخل حصن بني قريظة وقذف في اللهقلوبهم الرعب واشتد عليهم الحصار فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر وكانوا حلفاء الانصار فقال أبو لبابة لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أذنت لك فأتاهم أبو لبابة فبكوا اليه وقالوا يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال فأشار أبو لبابة بيده الى حلقه وأمر عليه اصابعه يريهم انما يراد بهم القتل فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة فقال والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي فرجع الى المدينة فربط يديه الى جذع من جذوع المسجد وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غاب عليه أبو لبابة أما فرغ أبو لبابة من حلفائه فذكر له ما فعل فقال لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة وكذا ذكره محمد بن اسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبي الاسود عن عروة قال ابن اسحاق ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبار بني قريظة
من ناحية أموالهم يقال لها بئر انى فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن اسد يا معشر يهود قد نزل بكم من الامر ما ترون واني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها قالوا وما هن قال نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم قالوا لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره قال فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فإن نهلك نهلك ولم نترك نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والابناء قالوا أنقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم قال فان أبيتم علي هذه فالليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة قالوا أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فاصابه ما لم يخف عنك من المسخ فقال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما ثم انهم بعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث الينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الاوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم وقالوا يا ابا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد قال نعم وأشار بيده الى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد الى عمود من عمده وقال لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على ما صنعت وعاهد الله أن لا أطأ بني قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا قال ابن هشام وأنزل الله فيما قال سفيان بن عيينة عن اسماعيل ابن أبي خالد عن عبد الله بن أبي قتادة يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون قال ابن هشام أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلي ثم يرتبط حتى نزلت توبته في قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ان الله غفور رحيم وقول موسى بن عقبة انه مكث عشرين ليلة مرتبطا به والله أعلم وذكر ابن اسحاق أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم سلمة فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبي لبابة فاستأذنته أن تبشره فأذن لها فخرجت فبشرته فثار الناس اليه يبشرونه وأرادوا أن يحلوه من
رباطه فقال والله لا يحلني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى صلاة الفجر حله من رباطه رضي الله عنه وأرضاه قال ابن اسحاق ثم أن ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بني هدل ليسوا من بني قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا في تلك الليلة التي أنزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك عمرو بن سعدي القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا قال أنا عمرو ابن سعدي وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا اغدر بمحمد أبدا فقال محمد بن مسلمة حين عرفه اللهم لا تحرمني اقالة عثرات الكرام ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب لم يدر أين توجه من الارض الى يومه هذا فذكر شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذاك رجل نجاه الله بوفائه قال وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة فاصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة والله أعلم أي ذلك كان قال ابن اسحاق فلما أصبحوا ونزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبت الاوس فقالوا يا رسول الله انهم كانوا موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي اخواننا بالامس ما قد علمت يعنون عفوه عن بني قينقاع حين سأله فيهم عبد الله ابن ابي كما تقدم قال ابن اسحاق فلما كلمته الاوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الاوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذلك الى سعد بن معاذ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده وكانت تداوي الجرحى فلما حكمه في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما جميلا ثم اقبلوا معه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم انما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما أكثروا عليه قال قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم فرجع بعض من كان معه من قومه الى دار بني عبد الاشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل اليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا الى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون انما أراد الانصار واما الانصار فيقولون قد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فقاموا اليه فقالوا يا أبا عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيهم لما حكمت قالوا نعم قال وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلالا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال سعد فاني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الاموال وتسبى الذراري والنساء قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص
الليثي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة وقال ابن هشام حدثني من أثق به من أهل العلم ان علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة يا كتيبة الايمان وتقدم هو والزبير بن العوام وقال والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو أقتحم حصنهم فقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ وقد قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سعد بن ابراهيم سمعت أبا امامة بن سهل سمعت أبا سعيد الخدري قال نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ قال فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا لسيدكم أو خيركم ثم قال ان هؤلاء نزلوا على حكمك قال نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيت بحكم الله وربما قال قضيت بحكم الملك وفي رواية الملك أخرجاه في الصحيحين من طرق عن شعبة وقال الامام أحمد حدثنا حجين ويونس قالا حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله انه قال رمى يوم الاحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار فانتفخت يده فنزفه فحسمه أخرى فانتفخت يده فنزفه فلما رأى ذلك قال اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد فأرسل اليه فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبت حكم الله فيهم وكانوا أربعمائة فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث به وقال الترمذي حسن صحيح وقال الامام احمد حدثنا ابن نمير عن هشام أخبرني أبي عن عائشة قالت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار فقال قد وضعت السلاح فوالله ما وضعتها أخرج اليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين قال ها هنا وأشار الى بني قريظة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم قال هشام فأخبرني أبي انهم نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم فرد الحكم فيهم الى سعد قال فاني أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم قال هشام قال أبي فأخبرت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد حكمت فيهم بحكم الله وقال البخاري حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الاكحل فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج اليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فأين فأشار الى بني قريظة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه فرد الحكم الى سعد قال فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم قال هشام فأخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال اللهم انك تعلم أنه
ليس أحد أحب الي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه اللهم فاني أظن انك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فان كان بقي من حرب قريش شيء فأبقى له حتى أجاهدهم فيك وان كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها فانفجرت من لبته فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار الا الدم يسيل اليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا هو سعد يغدو جرحه دما فمات منها وهذا رواه مسلم من حديث عبد الله بن نمير به قلت كان دعا أولا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بني قريظة ولهذا قال فيه ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فاستجاب الله له فلما حكم فيهم وأقر الله عينه أي قرار دعا ثانيا بهذا الدعاء فجعلها الله له شهادة رضي الله عنه وأرضاه وسيأتي ذكر وفاته قريبا ان شاء الله وقد رواه الامام أحمد من وجه آخر عن عائشة مطولا جدا وفيه فوائد فقال حدثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال أخبرتني عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الارض ورائي فاذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنة قالت فجلست الى الارض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فانا أتخوف على أطراف سعد قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم فمر وهو يرتجز ويقول
لبث قليلا يدرك الهيجا جمل * ما أحسن الموت إذا حان الأجل
قالت فقمت فاقتحمت حديقة فإذا نفر من المسلمين فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له تعني المغفر فقال عمر ما جاء بك والله انك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز فما زال يلومني حتى تمنيت أن الارض فتحت ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل السبغة عن وجهه فاذا هو طلحة بن عبيد الله فقال يا عمر ويحك انك قد اكثرت منذ اليوم وأين التحوز أو الفرار الا الى الله عز وجل قالت ويرمي سعدا رجل من قريش يقال له ابن العرقة وقال خذها وأنا ابن العرقة فاصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة قالت وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية قالت فرقأ كلمه وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد قالت فجاء جبريل وان على ثناياه لنقع الغبار فقال أقد وضعت السلاح لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد أخرج الى بني قريظة فقاتلهم قالت فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فمر على بني غنم وهم جيران المسجد حوله فقال من مر بكم قالوا مر بنا دحية الكلبي وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه
جبريل عليه السلام فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشاروا ابا لبابة بن عبد المنذر فأشار اليهم أنه الذبح قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا على حكم سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه اكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا يا ابا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت قالت ولا يرجع اليهم شيئا ولا يلتفت اليهم حتى اذا دنا من دورهم التفت الى قومه فقال قد آن لي أن لا ابالي في الله لومة لائم قالت قال أبو سعيد فلما طلع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا الى سيدكم فانزلوه قال عمر سيدنا الله قال انزلوه فانزلوه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكم فيهم فقال سعد فاني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ثم دعا سعد فقال اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها وان كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني اليك قالت فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه الا مثل الخرص ورجع الى قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر قالت فوالذي نفس محمد بيده اني لاعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله رحماء بينهم قال علقمة فقلت يا أمة فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان اذا وجد فانما هو آخذ بلحيته وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بني قريظة ومرة بعد ذلك كما قلناه أولا ولله الحمد والمنة وسنذكر كيفية وفاته ودفنه وفضله في ذلك رضي الله عنه وأرضاه بعد فراغنا من القصة قال ابن اسحاق ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار قلت هي نسيبة ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس وكانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز ثم خرج صلى الله عليه وسلم الى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث اليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق فخرج بهم اليه ارسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة قلت وقد تقدم فيما رواه الليث عن أبى الزبير عن أنهم كانوا أربعمائة فالله أعلم قال ابن اسحاق وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارسالا يا كعب ما تراه يصنع بنا قال افي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم وأتى بحيي بن أخطب وعليه حلة له فقاحية قد شقها
عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه الى عنقه بحبل فلما نظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل ثم اقبل على الناس فقال أيها الناس انه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني اسرائيل ثم جلس فضربت عنقه فقال جبل بن جوال الثعلبي
لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه * ولكنه من يخذل الله يخذل
لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها * وقلقل يبغي العز كل مقلقل
وذكر ابن اسحاق قصة الزبير بن باطا وكان شيخا كبيرا قد عمي وكان قد من يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شماس وجز ناصيته فلما كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن قال وهل يجهل مثلي مثلك فقال له ثابت أريد أن أكافئك فقال ان الكريم يجزي الكريم فذهب ثابت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلقه فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال شيخ كبير لا أهل ولا ولد فما يصنع بالحياة فذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلق له امرأته وولده فأطلقهم له ثم جاءه فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك فأتى ثابت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستطلق مال الزبير بن باطا فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال له يا ثابت ما فعل الذي كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى حي كعب بن أسد قال قتل قال فما فعل سيد الحاضر والبادى حي بن أخطب قال قتل قال قال فما فعل مقدمتنا اذا شددنا وحاميتنا اذا فررنا عزال بن شموال قال قتل قال فما فعل المجلسان يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة قال ذهبوا قتلوا قال فاني اسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتني بالقوم فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضربت عنقه فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الاحبة قال يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا قال ابن اسحاق فيلة بالفاء والياء الثمناة من أسفل وقال ابن هشام بالقاف والباء الموحدة وقال ابن هشام الناضح البعير الذي يستقي عليه الماء لسقي النخل وقال أبو عبيدة معناه افراغة دلو
قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر كل بقتل من انبت منهم فحدثني شعبة بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أن يقتل من بني قريظة كل من انبت منهم وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي ورواه أهل السنن الاربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي نحوه وقد استدل به من ذهب من العلماء الى أن انبات الشعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ بل هو بلوغ في أصح قولي الشافعي ومن العلماء من يقرن بين ضبيان أهل اللغة يكون بلوغا في حقهم دون غيرهم لان المسلم قد يتأذى بذلك
لمقصد وقد روى اسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن أن سلمى بنت قيس أم المنذر استطلقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن شموال وكان قد بلغ فلاذ بها وكان يعرفهم قبل ذلك فأطلقه لها وكانت قالت يا رسول الله ان رفاعة يزعم أه سيصلى ويأكل لحمل الجمل فأجابها الى ذلك فأطلقه قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة قالت والله انها لعندي تحدث معي تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة قالت أنا والله قالت قلت لها ويلك مالك قالت أقتل قلت ولم قالت لحدث أحدثته قالت فانطلق بها فضربت عنقها وكانت عائشة تقول فوالله ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت انها تقتل وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن ابراهيم عن أبيه عن محمد بن اسحاق به قال ابن اسحاق هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته يعني فقتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم به قال ابن اسحاق في موضع آخر وسماها نباتة امرأة الحكم القرظي قال ابن اسحاق ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد ما أخرج الخمس وقسم للفارس ثلاثة أسهم سهمين للفرس وسهما لراكبه وسهما للراجل وكانت الخيل يومئذ ستا وثلاثين قال وكان أول فيء وقعت فيه السهمان وخمس قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن زيد بسبايا من بني قريظة الى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خناقة احدى نساء بني عمرو بن قريظة وكان عليها حتى توفي عنها وهي في ملكه وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليها الاسلام فامتنعت ثم اسلمت بعد ذلك فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامها وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها فاختارت أن تستمر على الرق ليكون أسهل عليها فلم تزل عنده حتى توفي عليه الصلاة والسلام ثم تكلم ابن اسحاق على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الاحزاب وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسيرها ولله الحمد والمنة وقد قال ابن اسحاق واستشهد من المسلمين يوم بني قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجي طرحت عليه رحا فشدخته شدخا شديدا فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن له لأجر شهيدين قلت كان الذى ألقى عليه الرحى تلك المرأة التي لم يقتل من بني قريظة امرأة غيرها كما تقدم والله أعلم قال ابن اسحاق ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان من بني أسد بن خزيمة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر بني قريظة فدفن في مقبرتهم اليوم
*2* وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه
@
قد تقدم أن حبان بن العرقة لعنه الله رماه بسهم فأصاب أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم كيا بالنار فاستمسك الجرح وكان سعد قد دعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة
وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهود والمواثيق والذمام ومالوا عليه مع الاحزاب فلما ذهب الاحزاب وانقشعوا عن المدينة وباءت بنو قريظة بسواد الوجه والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وسار اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاصرهم كما تقدم فلما ضيق عليهم وأخذهم من كل جانب أنابوا أن ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم فيهم بما أراد الله فرد الحكم فيهم الى رئيس الأوس وكانوا حلفاءهم في الجاهلية وهو سعد بن معاذ فرضوا بذلك ويقال بل نزلوا ابتداء على حكم سعد لما يرجون من حنوه عليهم واحسانه وميله اليهم ولم يعلموا بأنهم أبغض اليه من أعدادهم من القردة والخنازير لشدة ايمانه وصديقيته رضي الله عنه وأرضاه فبعث اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في خيمة في المسجد النبوي فجيء به على حمار تحته اكاف قد وطئ تحته لمرضه ولما قارب خيمة الرسول صلى الله عليه وسلم أمر عليه السلام من هناك بالقيام له قيل لينزل من شدة مرضه وقيل توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه والله أعلم فلما حكم فيهم بالقتل والسبي وأقر الله عينه وشفى صدره منهم وعاد الى خيمته من المسجد النبوي صحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله عز وجل أن تكون له شهادة واختار الله له ما عنده فانفجر جرحه من الليل فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات رضي الله عنه قال ابن اسحاق فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا حدثني معاذ بن رفاهة الزرقي قال حدثني من شئت من رجال قومي أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال يا محمد من هذا الميت الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا يجر ثوبه الى سعد فوجده قد مات رضي الله عنه هكذا ذكره ابن اسحاق رحمه الله وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي وشعيب بن الليث قالا حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد الله قال جاء جبريل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا العبد الصالح الذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش قال فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا سعد بن معاذ قال فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبره وهو يدفن فبينما هو جالس اذ قال سبحان الله مرتين فسبح القوم ثم قال الله أكبر الله أكبر فكبر القوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له
وروى الامام احمد والنسائي من طريق يزيد بن عبد الله بن اسامة بن الهاد ويحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد يوم مات وهو يدفن سبحان الله لهذا
الصالح الذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء شدد عليه ثم فرج الله عنه وقال محمد بن اسحاق حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح عن جابر بن عبد الله قال لما دفن سعد ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبح الناس معه ثم كبر فكبر الناس معه فقالوا يا رسول الله مم سبحت قال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن ابراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن اسحاق به قال ابن هشام ومجاز هذا الحديث قول عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للقبر ضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ قلت وهذا الحديث قد رواه الامام احمد حدثنا يحيى عن شعبة عن سعد ابن ابراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ وهذا الحديث سنده على شرط الصحيحين إلا أن الامام احمد رواه عن غندر عن شعبة عن سعد بن ابراهيم عن انسان عن عائشة به ورواه الحافظ البزار عن نافع عن ابن عمر قال حدثنا عبد الاعلى بن حماد حدثنا داود عن عبد الرحمن حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك الى الارض لم يهبطوا قبل ذلك ولقد ضمه القبر ضمة ثم بكى نافع وهذا اسناد جيد لكن قال البزار رواه غيره عن عبيد الله عن نافع مرسلا ثم رواه البزار عن سليمان بن سيف عن أبي عتاب عن سكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد نزل لموت سعد ابن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الارض قبلها وقال حين دفن سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد وقال البزار حدثنا اسماعيل بن حفص عن محمد بن فضيل حدثنا عطاء ابن السائب عن مجاهد عن ابن عمر قال اهتز العرش لحب لقاء الله سعد بن معاذ فقيل انما يعني السرير ورفع أبويه على العرش قال تفتحت أعواده قال ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبره فاحتبس فلما خرج قيل له يا رسول الله ما حبسك قال ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله فكشف عنه قال البزار تفرد به عطاء بن السائب قلت وهو متكلم فيه وقد ذكر البيهقي رحمه الله بعد روايته ضمة سعد رضي الله عنه في القبر أثرا غريبا فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا أحمد ابن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن اسحاق حدثني أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا فقالوا ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال كان يقصر في بعض الطهور من البول وقال البخاري حدثنا محمد بن المثنى حدثنا الفضل بن مساور حدثنا أبو معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول اهتز العرش لموت سعد بن معاذ وعن الاعمش حدثنا أبو صالح عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله فقال رجل فإن البراء بن عازب يقول اهتز السرير انه كان بين هذين الحيين ضغائن سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول
اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ورواه مسلم عن عمرو الناقد عن عبد الله بن ادريس وابن ماجه عن علي بن محمد عن أبي معاوية كلاهما عن الأعمش به وليس عندهما زيادة قول الاعمش عن أبي صالح عن جابر وقال احمد حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم عن عبد بن حميد والترمذي عن محمود بن غيلان كلاهما عن عبد الرزاق به وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عوف حدثنا أبو نضرة سمعت أبا سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم اهتز العرش لموت سعد بن معاذ ورواه النسائي عن يعقوب بن ابراهيم عن يحيى به وقال احمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد قال قتادة حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وجنازته موضوعة اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله الازدي عن عبد الوهاب به وقد روى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن البصري قال اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه وقال الحافظ البزار حدثنا زهير بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال لما حملت جنازة سعد قال المنافقون ما أخف جنازته وذلك لحكمه في بني قريظة فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا ولكن الملائكة تحملته اسناد جيد وقال البخاري حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي اسحاق سمعت البراء بن عازب يقول أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها فقال أتعجبون من لين هذه لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو الين ثم قال رواه قتادة والزهري سمعنا أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال احمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد هو ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أكيدر دومة أهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة وذلك قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فعجب الناس منها فقال والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه وهذا اسناد على شرط الشيخين ولم يخرجوه وانما ذكره البخاري تعليقا وقال احمد حدثنا يزيد حدثنا محمد بن عمرو حدثني واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال محمد وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم قال دخلت على أنس بن مالك فقال لي من أنت قلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ فقال انك بسعد لشبيه ثم بكى وأكثر البكاء وقال رحمة الله على سعد كان من أعظم الناس وأطولهم ثم قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا الى اكيدر دومة فأرسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر وجلس فلم يتكلم ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجبة وينظرون اليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعجبون منها لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عمرو به وقال الترمذي حسن صحيح قال ابن اسحاق بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد
ابن معاذ وفي ذلك يقول رجل من الانصار
وما اهتز عرش الله من موت هالك * سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
قال وقالت أمه يعني كبيشسة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدرية الخزرجية حين احتمل سعد على نعشه تندبه
ويل أم سعد سعدا * صرامة وحدا
وسؤددا ومجدا * وفارسا معدا
سد به مسدا * يقدها ما قدا
قال يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ قلت كانت وفاته بعد انصراف الاحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة اذ كان قدوم الاحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم فاقاموا قريبا من شهر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحصار بني قريظة فاقام عليهم خمسا وعشرين ليلة ثم نزلوا على حكم سعد فمات بعد حكمه عليهم بقليل فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذى الحجة من سنة الحجة من سنة خمس والله أعلم وهكذا قال محمد بن اسحاق أن فتح بنى قريظة كان في ذى القعدة وصدر ذي الحجة قال وولى تلك الحجة المشركون قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت يرثي سعد بن معاذ رضي الله عنه
لقد سجمت من دمع عيني عبرة * وحق لعيني أن تفيض على سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به * عيون ذواري الدمع دائمة الوجد
على ملة الرحمن وارث جنة * مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد وعدتنا وتركتنا * وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد
فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد * كريم وأثواب المكارم والمجد
بحكمك في حيي قريظة بالذي * قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم * ولم تعف اذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الالي * شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين اذا دعوا * الى الله يوما للوجاهة والقصد
*2* فصل الأشعار في الخندق وبني قريظة
@ قال البخاري حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة حدثنا عدي بن ثابت أنه سمع البراء ابن عازب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان اهجهم أو هاجهم وجبريل معك قال البخاري وزاد ابراهيم بن طهمان عن الشيباني عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة لحسان بن ثابت أهج المشركين فإن جبريل معك وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة بدون الزيادة التي ذكرها البخاري يوم بني قريظة قال ابن اسحاق رحمه الله وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بني محارب بن فهر في يوم الخندق قلت وذلك قبل اسلامه
ومشفقة تظن بنا الظنونا * وقد قدنا عرندسة طحونا
كأن زهاءها أحد اذا ما * بدت أركانه للناظرينا
ترى الابدان فيها مسبغات * على الابطال واليلب الحصينا
وجردا كالقداح مسومات * نؤم بها الغواة الخاطئينا
كأنهم اذا صالوا وصلنا * بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا نرى فيهم رشيدا * وقد قالوا ألسنا راشدينا
فأحجرناهم شهرا كريتا * وكنا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم * عليهم في السلاح مدججينا
بأيدينا صوارم مرهفات * نقد بها المفارق والشئونا
كأن وميضهن معريات * اذا لاحت بأيدي مصلتينا
وميض عقيقة لمعت بليل * ترى فيها العقائق مستبينا
فلولا خندق كانوا لديه * لدمرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا * به من خوفنا متعوذينا
فإن نرحل فإنا قد تركنا * لدى أبياتكم سعدا رهينا
اذا جن الظلام سمعت نوحا * على سعد يرجعن الحنينا
وسوف نزوركم عما قريب * كما زرناكم متوازرينا
بجمع من كنانة غير عزل * كأسد الغاب اذ حمت العرينا
قال فأجابه كعب بن مالك أخو بني سلمة رضي الله عنه فقال
وسائلة تسائل ما لقينا * ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نرى لله عدلا * على ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبي وزير صدق * به نعلو البرية أجمعينا
نقاتل معشرا ظلموا وعقوا * وكانوا بالعداوة مرصدينا
نعالجهم اذا نهضوا الينا * بضرب يعجل المتسرعينا
ترانا في فضافض سابغات * كغدران الملا متسربلينا
وفي أيماننا بيض خفاف * بها نشفي مراح الشاغبينا
بباب الخندقين كأن أسدا * شوابكهن يحمين العرينا
فوارسنا اذا بكروا وراحوا * على الاعداء شوسا معلمينا
لننصر أحمدا والله حتى * نكون عباد صدق مخلصينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا * وأحزاب أتوا متحزبينا
بأن الله ليس له شريك * وأن الله مولى المؤمنينا
فأما تقتلوا سعدا سفاها * فان الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيبات * تكون مقامة للصالحينا
كما قد ردكم فلا شريدا * بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثم خيرا * وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم * فكنتم تحتها متكمهينا
قال ابن اسحاق وقال عبد الله بن الزبعري السهمي في يوم الخندق قلت وذلك قبل أن يسلم
حي الديار محا معارف رسمها * طول البلى وتراوح الاحقاب
فكأنما كتب اليهود رسومها * الا الكنيف ومعقد الاطناب
قفرا كأنك لم تكن تلهو بها * في نعمة بأوانس أتراب
فاترك تذكر ما مضى من عيشة * ومحلة خلق المقام يباب
واذكر بلاء معاشر واشكرهم * ساروا بأجمعهم من الأنصاب
أنصاب مكة عامدين ليثرب * في ذي غياطل جحفل جبجاب
يدع الحزون مناهجا معلومة * في كل نشز ظاهر وشعاب
فيها الجياد شوازب مجنوبة * قب البطون لواحق الاقراب
من كل سلهبة وأجرد سلهب * كالسيد بادر غفلة الرقاب
جيش عيينة قاصد بلوائه * فيه وصخر قائد الاحزاب
قرمان كالبدرين أصبح فيهما * غيث الفقير ومعقل الهراب
حتى اذا وردوا المدينة وارتدوا * للموت كل مجرب قضاب
شهرا وعشرا قاهرين محمدا * وصحابه في الحرب خير صحاب
نادوا برحلتهم صبيحة قلتم * كدنا نكون بها مع الخياب
لولا الخنادق غادروا من جمعهم * قتلى لطير سغب وذئاب



قال فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال * هل رسم دراسة المقام يباب
متكلم لمحاور بجواب
قفر عفا رهم السحاب رسومه * وهبوب كل مطلة مرباب
ولقد رأيت بها الحلول يزينهم * بيض الوجوه ثواقب الاحساب
فدع الديار وذكر كل خريدة * بيضاء آنسة الحديث كعاب
واشك الهموم الى الإله وما ترى * من معشر ظلموا الرسول غضاب
ساروا بأجمعهم اليه وألبوا * أهل القرى وبوادي الأعراب
جيش عيينة وابن حرب فيهم * متخمطون بحلبة الاحزاب
حتى اذا وردوا المدينة وارتجوا * قتل الرسول ومغنم الاسلاب
وغدوا علينا قادرين بأيدهم * ردوا بغيظهم على الأعقاب
بهبوب معصفة تفرق جمعهم * وجنود ربك سيد الأرباب
فكفى الاله المؤمنين قتالهم * وأثابهم في الأجر خير ثواب
من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم * تنزيل نصر مليكنا الوهاب
وأقر عين محمد وصحابه * وأذل كل مكذب مرتاب
عاتي الفؤاد موقع ذي ريبة * في الكفر ليس بطاهر الاثواب
علق الشقاء بقلبه ففؤاده * في الكفر خر هذه الأحقاب
قال وأجابه كعب بن مالك رضي الله عنه أيضا فقال
أبقى لنا حدث الحروب بقية * من خير نحلة ربنا الوهاب
بيضاء مشرفة الذرى ومعاطنا * حم الجذوع غزيرة الاحلاب
كاللوب يبذل جمها وحفيلها * للجار وابن العم والمنتاب
ونزائعا مثل السراج نمى بها * علف الشعير وجزة المقضاب
عرى الشوى منها وأردف نحضها * جرد المنون وسائر الآراب
قودا تراح الى الصباح اذا غدت * فعل الضراء تراح للكلاب
وتحوط سائمة الديار وتارة * تردي العدى وتئوب بالاسلاب
حوش الوحوش مطارة عند الوغى * عبس اللقاء مبينة الانجاب
علفت على دعة فصارت بدنا * دخس البضيع خفيفة الأقصاب
يغدرون بالزغف المضاعف شكه * وبمترصات في الثقاف صياب
وصوارم نزع الصياقل علبها * وبكل أروع ماجد الانساب
يصل اليمين بمارن متقارب * وكلت وقيعته الى خباب
وأغر أزرق في القناة كأنه * في طيخة الظلماء ضوء شهاب
وكتيبة ينفي القران قتيرها * وترد حد قواحز النشاب
جأوى ململمة كأن رماحها * في كل مجمعة صريمة غاب
تأوي الى ظل اللواء كأنه * في صعدة الخطى فيء عقاب
أعيت أبا كرب وأعيت تبعا * وأبت بسالتها على الأعراب
ومواعظ من ربنا نهدي بها * بلسان أزهر طيب الاثواب
عرضت علينا فاشتهينا ذكرها * من بعد ما عرضت على الاحزاب
حكما يراها المجرمون بزعمهم * حرجا ويفهمها ذوو الألباب
جاءت سخينة كي تغالب ربها * فليغلبن مغالب الغلاب
قال ابن هشام حدثني من اثق به حدثني عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما سمع منه هذا البيت لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا قلت ومراده بسخينة قريش وانما كانت العرب تسميهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السخن الذي لا يتهيأ لغيرهم غالبا من أهل البوادي فالله أعلم قال ابن اسحاق وقال كعب بن مالك أيضا
من سره ضرب يمعمع بعضه * بعضا كمعمعة الإناء المحرق
فليأت مأسدة تسن سيوفها * بين الذاد وبين جذع الخندق
دربوا بضرب المعلمين وأسلموا * مهجات أنفسهم لرب المشرق
في عصبة نصر الإله نبيه * بهم وكان بعبده ذا مرفق
في كل سابغة تخط فضولها * كالنهي هبت ريحه المترقرق
بيضاء محكمة كأن قتيرها * حدق الجنادب ذات شك موثق
جدلاء يحفرها نجاد مهند * صافي الحديدة صارم ذي رونق
تلكم مع التقوى تكون لباسنا * يوم الهياج وكل ساعة مصدق
نصل السيوف اذا قصرن بخطونا * قدما ونلحقها اذا لم تلحق
فترى الجماجم ضاحيا هاماتها * بله الأكف كأنها لم تخلق
نلقى العدو بفخمة ملمومة * تنفي الجموع كقصد رأس المشرق
ونعد للاعداء كل مقلص * ورد ومحجول القوائم أبلق
تردى بفرسان كأن كماتهم * عند الهياج أسود طل ملتق
صدق يعاطون الكماة حتوفهم * تحت العماية بالوشيج المزهق
أمر الإله بربطها لعدوه * في الحرب ان الله خير موفق
لتكون غيظا للعدو وحيطا * للدار إن دلفت خيول النزق
ويعيننا الله العزيز بقوة * منه وصدق الصبر ساعة نلتقي
ونطيع أمر نبينا ونجيبه * واذا دعا لكريهة لم نسبق
ومتى ينادى للشدائد ناتها * ومتى نرى الحومات فيها نعتق
من يتبع قول النبي فإنه * فينا مطاع الأمر حق مصدق
فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا * ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق
إن الذين يكذبون محمدا * كفروا وضلوا عن سبيل المتقي
قال ابن اسحاق وقال كعب بن مالك أيضا * لقد علم الأحزاب حين تالبوا
علينا وراموا ديننا ما نوادع
أضاميم من قيس بن غيلان أصفقت * وخندف لم يدروا بما هو واقع
يذودوننا عن ديننا ونذودهم * عن الكفر والرحمن راء وسامع
اذا غايظونا في مقام أعاننا * على غيظهم نصر من الله واسع
وذلك حفظ الله فينا وفضله * علينا ومن لم يحفظ الله ضائع
هدانا لدين الحق واختاره لنا * ولله فوق الصانيعن صانع
قال ابن هاشم وهذه الأبيات في قصيدة له يعني طويلة قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت في مقتل بني قريظة
لقد لقيت قريظة ما ساءها * وما وجدت لذل من نصير
أصابهم بلاء كان فيه * سوى ما قد أصاب بني النضير
غداة أتاهم يهوي اليهم * رسول الله كالقمر المنير
له خيل مجنبة تغادي * بفرسان عليها كالصقور
تركناهم وما ظفروا بشيء * دماؤهم عليها كالعبير
فهم صرعى تحوم الطير فيهم * كذاك يدان ذو العند الفجور
فأنذر مثلها نصحا قريشا * من الرحمن إن قبلت نذيري
قال وقال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة * تعاقد معشر نصروا قريشا
وليس لهم ببلدتهم نصير
هم أوتوا الكتاب فضيعوه * وهم عمي من التوراة بور
كفرتم بالقرآن وقد أتيتم * بتصديق الذي قال النذير
فهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير
فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال
ادام الله ذلك من صنيع * وحرق في طائفها السعير
ستعلم اينا منها بنزه * وتعلم أي أرضينا تضير
فلو كان النخيل بها ركابا * لقالوا لا مقام لكم فسيروا
قلت وهذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم وقد تقدم في صحيح البخاري بعض هذه الابيات وذكر ابن اسحاق جواب حسان في ذلك لجبل بن جوال الثعلبي تركناه قصدا قال ابن اسحاق وقال حسان بن ثابت أيضا يبكي سعدا وجماعة ممن استشهد يوم بني قريظة
ألا يا لقومي هل لما حم دافع * وهل ما مضى من صالح العيش راجع
تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت * بنات الحشا وانهل مني المدامع
صبابة وجد ذكرتني إخوة * وقتلى مضى فيها طفيل ورافع
وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت * منازلهم فالأرض منهم بلاقع
وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم * ظلال المنايا والسيوف اللوامع
دعا فأجابوه بحق وكلهم * مطيع له في كل أمر وسامع
فما نكلوا حتى توالوا جماعة * ولا يقطع الآجال الا المصارع
لأنهم يرجون منه شفاعة * اذا لم يكن إلا النبيون شافع
فذلك يا خير العباد بلاؤنا * إجابتنا لله والموت ناقع
لنا القدم الاولى اليك وخلفنا * لأولنا في ملة الله تابع
ونعلم أن الملك لله وحده * وان قضاء الله لا بد واقع
*2* مقتل أبي رافع اليهودي
@
قال ابن اسحاق ولما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة وكان سلام بن أبي الحقيق وهو أبو رافع فيمن حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الاوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الاشرف فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال وكان مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن هذين الحيين من الانصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين لا تصنع الاوس شيئا فيه غناء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وقالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها واذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك قال ولما أصابت الاوس كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث ابن ربعي وخزاعي بن اسود حليف لهم من اسلم فخرجوا وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة فخرجوا حتى اذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار حتى أغلقوه على أهله قال وكان في علية له اليها عجلة قال فأسندوا اليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت اليهم امرأته فقالت من أنتم قالوا أناس من العرب نلتمس الميرة قالت ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه قال فصاحت امرأته فنوهت بنا فابتدرناه وهو على فراشه باسيافنا فوالله ما يدلنا عليه في سواد الله إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة قال فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني أي حسبي حسبي قال وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك سيء البصر قال فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبا شديدا وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه فاوقدوا النيران واشتدوا
في كل وجه يطلبونا حتى اذا يئسوا رجعوا اليه فاكتنفوه وهو يقضي قال فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات قال فقال رجل منا أنا أذهب فأنظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس قال فوجدتها يعني امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول

تردى بفرسان كأن كماتهم * عند الهياج أسود طل ملتق
أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد ثم اقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت فاظ واله يهود فما سمعت كلمة كانت ألذ على نفسي منها قال ثم جاءنا فأخبرنا فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده في قتله كلنا يدعيه قال فقال هاتوا أسيافكم فجئنا بها فنظر اليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس هذا قتله أرى فيه أثر الطعام قال ابن اسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك
لله در عصابة لاقيتهم * يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف اليكم * مرحا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم * فسقوكم حتفا يبيض ذفف
مستبصرين لنصر دين نبيهم * مستصغرين لكل أمر مجحف
هكذا أورد هذه القصة الامام محمد بن اسحاق رحمه الله وقد قال الامام أبو عبد الله البخاري حدثنا اسحاق بن نصر حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم رهطا الى أبي رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله قال البخاري حدثنا يوسف بن موسى حدثنا عبد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبي رافع اليهودي رجالا من الانصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله اجلسوا مكانكم فإني منطلق متلطف للبواب لعلي أن أدخل فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فاني أريد أن أغلق الباب فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على ود قال فقمت الى الاقاليد وأخذتها وفتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت اليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل فقلت ان القوم سدروا لي لم يخلصوا إلي حتى أقتله فانتهيت اليه فاذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت قلت أبا رافع قال من هذا فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت اليه فقلت ما هذا الصوت
يا أبا رافع فقال لأمك الويل ان رجلا في البيت قتل بالسيف قال فأضربه ضربة اثخنته ولم أقتله ثم وضعت صبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت اني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت الى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أني قد انتهيت فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة حتى انطلقت حتى جلست على الباب فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم اقتلته فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال أنعى أبا رافع ناصر أهل الحجاز فانطلقت الى أصحابي فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت الى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم اشتكها قط قال البخاري حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الاودي حدثنا شريح حدثنا ابراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي اسحاق سمعت البراء قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله ابن عتيك امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر قال فتلطفت حتى أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه قال فخشيت أن أعرف قال فغطيت رأسى وجلست كأنى أقضى حاجة فقال من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل ثم رجعوا الى بيوتهم فلما هدأت الاصوات ولا أسمع حركة خرجت قال ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن قال قلت ان نذر بي القوم انطلقت على مهل ثم عمدت الى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر ثم صعدت الى أبي رافع في سلم فاذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل فقلت يا أبا رافع قال من هذا فعمدت نحو الصوت فاضربه وصاح فلم تغن شيئا قال ثم جئته كانى أغيثه فقلت مال يا أبار رافع وغيرت صوتى قال لا أعجبك لأمك الويل دخل علي رجل فضربني بالسيف قال فعمدت اليه أيضا فاضربه اخرى فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فاذا هو مستلق على ظهره فاضع السيف في بطنه ثم انكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فاسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم اتيت أصحابي أحجل فقلت انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أبرح حتى اسمع الناعية فلما كان وجه الصبح صعد الناعية فقال أنعى أبا رافع قال فقمت أمشي ما بي قلبه فادركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبشرته تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة ثم قال قال الزهري قال أبي بن كعب فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر فقال أفلحت الوجوه قال أفلح وجهك يا رسول الله قال أفتكتموه قالوا نعم قال ناولني السيف فسله فقال اجل هذا طعامه في ذباب السيف قلت يحتمل أن عبد الله بن عتيك
لما سقط من تلك الدرجة انفكت قدمه وانكسرت ساقه ووثبت رجله فلما عصبها استكن ما به لما هو فيه من الامر الباهر ولما أراد المشي أعين على ذلك لما هو فيه من الجهاد النافع ثم لما وصل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقرت نفسه ثاوره الوجع في رجله فلما بسط رجله ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ما كان بها ما بأس في الماضي ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت والله أعلم هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل سياق محمد بن اسحاق وسمى الجماعة الذين ذهبوا اليه كما ذكره ابن اسحاق وابراهيم وأبو عبيد
*2* مقتل خالد بن سفيان الهذلي
@
ذكره الحافظ البيهقي في الدلائل تلو مقتل أبي رافع قال الامام احمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انه قد بلغني ان خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة فائته فاقتله قال قلت يا رسول الله انعته لي حتى اعرفه قال اذا رأيته وجدت له قشعريرة قال فخرجت متوشحا سيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع ظعن يرتاد لهن منزلا وحين كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاملة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشي نحوه أومئ برأسي للركوع والسجود فلما انتهيت اليه قال من الرجل قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك قال أجل أنا في ذلك قال فمشيت معه شيئا حتى اذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني قال أفلح الوجه قال قلت قتلته يا رسول الله قال صدقت قال ثم قام معي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل في بيته فأعطاني عصا فقال امسك هذه عندك يا عبد الله بن انيس قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا قال قلت أعطانيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرني ان أمسكها قالوا
أولا ترجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتسأله عن ذلك قال فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا قال آية بيني وبينك يوم القيامة ان أقل الناس المنحصرون يومئذ قال فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى اذا مات أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا ثم رواه الامام احمد عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن ادريس عن محمد ابن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن بعض ولد عبد الله بن انيس أو قال عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس عن عبد الله بن انيس فذكر نحوه وهكذا رواه أبو داود عن أبي معمر عن عبد الوارث عن محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن انيس عن أبيه فذكر نحوه
ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن انيس عن ابيه فذكره وقد ذكر قصة عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما مرسلة فالله أعلم قال ابن هشام وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان
تركت ابن ثور كالحوار وحوله * نوائح تفري كل جيب معدد
تناولته والظعن خلفي وخلفه * بابيض من ماء الحديد المهند
عجوم لهام الدارعين كأنه * شهاب غضي من ملهب متوقد
أقول له والسيف يعجم رأسه * أنا ابن أنيس فارس غير فعدد
أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره * رحيب فناء الدار غير مزند
وقلت له خذها بضربة ماجد * خفيف على دين النبي محمد
وكنت اذا هم النبي بكافر * سبقت اليه باللسان وباليد
قلت عبد الله بن انيس بن حرام أبو يحيى الجهني صحابي مشهور كبير القدر كان فيمن شهد العقبة وشهد أحدا والخندق وما بعد ذلك وتأخر موته بالشام الى سنة ثمانين على المشهور وقيل توفي سنة أربع وخمسين والله أعلم وقد فرق علي بن الزبير وخليفة بن خياط بينه وبين عبد الله بن انيس أبي عيسى الانصاري الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا يوم أحد باداوة منها ماء فحل فمها وشرب منها كما رواه أبو داود والترمذي من طريق عبد الله العمري عن عيسى بن عبد الله بن انيس عن أبيه ثم قال الترمذي وليس اسناده يصح وعبد الله العمري ضعيف من قبل حفظه
*2* قصة عمرو بن العاص مع النجاشي
@
قال محمد بن اسحاق بعد مقتل أبي رافع وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن اوس الثقفي عن حبيب بن اوس حدثني عمرو بن العاص من فيه قال لما انصرفنا يوم الاحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله أني ارى أمر محمد يعلو الامور علوا منكرا واني لقد رأيت أمرا فما ترون فيه قالوا وما رأيت قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فان ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فانا ان نكن تحت يديه أحب الينا من أن نكون تحت يدي محمد وان ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير قالوا ان هذا لرأي قلت فاجمعوا لنا ما نهدي له فكان أحب ما يهدى اليه من أرضنا الادم فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فوالله انا لعنده إذ جاءه عمرو بن
أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه اليه في شأن جعفر وأصحابه قال فدخل عليه ثم خرج من عنده قال فقلت لاصحابي هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فاذا فعلت رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد قال فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي هل أهديت لي من بلادك شيئا قال قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا قال ثم قربته اليه فأعجبه واشتهاه ثم قلت له أيها الملك أني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لاقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا قال فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت الارض لدخلت فيها فرقا ثم قلت أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى فتقتله قال قلت أيها الملك أكذاك هو قال ويحك يا عمرو أطعني واتبعه فانه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده قال قلت أفتبايعني له على الاسلام قال نعم فبسط يده فبايعته على الاسلام ثم خرجت الى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابي اسلامي ثم خرجت على عامدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان فقال والله لقد استقام الميسم وانا الرجل لنبي أذهب والله أسلم فحتى متى قال قلت والله ما جئت الا لاسلم قال فقدمنا المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقدم خال بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله اني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمرو بايع فان الاسلام يجب ما كان قبله وان الهجرة تجب ما كان قبلها قال فبايعته ثم انصرفت قال ابن اسحاق وقد حدثني من لا أتهم ان عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما أسلم حين أسلما فقال عبد الله بن أبي الزبعري السهمي
أنشد عثمان بن طلحة خلفنا * وملقى نعال القوم عند المقبل
وما عقد الآباء من كل حلقة * وما خالد من مثلها بمحلل
أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي * وما تبتغي من بيت مجد مؤثل
فلا تأمنن خالدا بعد هذه * وعثمان جاءا بالدهيم المعضل
قلت كان اسلامهم بعد الحديبية وذلك ان خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه فكان ذكر هذا الفصل في اسلامهم بعد ذلك أنسب ولكن ذكرنا ذلك تبعا للامام محمد بن اسحاق رحمه الله تعالى لأن أول ذهاب عمرو بن العاص الى النجاشي كان بعد وقعة الخندق الظاهر انه ذهب بقية سنة خمس والله أعلم
*2* فصل في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بام حبيبة
@
ذكر البيهقي بعد وقعة الخندق من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة قال هو تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة بنت أبي سفيان فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين ثم قال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا احمد بن نجدة حدثنا يحيى بن عبد الحميد أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة انها كانت عند عبد الله بن جحش وكان رحل الى النجاشي فمات وان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بأم حبيبة وهي بأرض الحبشة وزوجها اياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء قال وكان مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة قلت والصحيح ان مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانت ثنتى عشرة أوقية ونشا والوقية أربعون درهما والنش النصف وذلك يعدل خمسمائة درهم ثم روى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة ان عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيا فخلف على زوجته ام حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها منه عثمان بن عفان رضي الله عنه
قلت أما تنصر عبيد الله بن جحش فقد تقدم بيانه وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين الى أرض الحبشة استزله الشيطان فزين له دين النصارى فصار اليه حتى مات عليه لعنه الله وكان يعير المسلمين فيقول لهم أبصرنا وصأصأتم وقد تقدم شرح ذلك في هجرة الحبشة وأما قول عروة ان عثمان زوجها منه فغريب لأن عثمان كان قد رجع الى مكة قبل ذلك ثم هاجر الى المدينة وصحبته زوجته رقية كما تقدم والله أعلم والصحيح ما ذكره يونس عن محمد بن اسحاق قال بلغني ان الذي ولي نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص قلت وكان وكيل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة كما قال يونس عن محمد بن اسحاق حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري الى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وساق عنه أربعمائة دينار
وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن زهير عن اسماعيل بن عمرو أن أم حبيبة بنت أبي سفيان قالت ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ووهنه فاستأذنت علي فأذنت لها فقالت ان الملك يقول له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أزوجكه فقلت بشرك الله بالخير وقالت يقول لك
الملك وكلي من يزوجك قالت فأرسلت الى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطيت أبرهة سوارين من فضة وخذمتين من فضة كانتا علي وخواتيم من فضة في كل أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به فلما أن كان من العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا وخطب النجاشي وقال الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم أما بعد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب أن أزوجه ام حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت الى ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أصدقها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده واستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت الى ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع النجاشي الدنانير الى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فان من سنة الانبياء اذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا قلت فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق انما كان في قضية أم حبيبة فالله أعلم لكن قال الحافظ البيهقي ذكر أبو عبد الله ابن منده أن تزويجه عليه السلام بام حبيبة كان في سنة ست وان تزويجه بأم سلمة كان في سنة أربع قلت وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله معمر بن المثنى وابن البرقي وان تزويج أم حبيبة كان في سنة ست وقال بعض الناس سنة سبع قال البيهقي هو أشبه قلت قد تقدم تزويجه عليه السلام بام سلمة في أواخر سنة أربع وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك ويحتمل أن يكون بعده وكونه بعد الخندق أشبه لما تقدم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي فهو في قضيتها والله أعلم وقد حكى الحافظ ابن الاثير في الغابة عن قتادة أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة الى المدينة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها وحكي عن بعضهم أنه تزوجها بعد اسلام أبيها بعد الفتح واحتج هذا القائل بما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال نعم قال تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وعندي أحسن العرب واجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها الحديث بتمامه قال ابن الاثير وهذا الحديث مما أنكر على مسلم لان أبا سفيان لما جاء يجدد العقد قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أدري أرغبت بي عنه أو به عني قالت بل هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك فقال والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر
وقال ابن حزم هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار وهذا القول منه لا يتابع عليه وقال آخرون اراد أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه وقال بعضهم لانه اعتقد انفساخ نكاح ابنته باسلامه وهذه كلها ضعيفة والاحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته الاخرى مرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان باختها أم حبيبة كما في الصحيحين وانما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد اوردنا لذلك خبرا مفردا قال ابو عبيد القاسم بن سلام توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين وقال ابو بكر بن أبي خيثمة توفيت قبل معاوية لسنة وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين
*2* تزويجه بزينب بنت جحش
@
ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الاسدية أم المؤمنين وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه قال قتادة والواقدي وبعض أهل المدينة تزوجها عليه السلام سنة خمس زاد بعضهم في ذي القعدة قال الحافظ البيهقي تزوجها بعد بني قريظة وقال خليفة بن خياط وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن منده تزوجها سنة ثلاث والاول أشهر وهو الذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ وقد ذكر غير واحد من المفسرين والفقهاء وأهل التاريخ في سبب تزويجه اياها عليه السلام حديثا ذكره احمد بن حنبل في مسنده تركنا ايراده قصدا لئلا يضعه من لا يفهم على غير موضعه وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز و اذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في زواج أدعيائهم اذا قضوا منها وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا
وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية فالمراد بالذي أنعم الله عليه ها هنا زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنعم الله عليه بالاسلام وأنعم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعتق وزوجه بإبه عمه زينب بنت جحش قال مقاتل بن حبان وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدا وعشرة أمداد من تمر فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها ثم وقع بينهما فجاء زوجها يشكو الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يقول له اتق الله وامسك عليك زوجك قال الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ق ال علي بن الحسين زيد العابدين والسدي كان الله قد علم أنها ستكون من أزواجه فهو الذي كان في نفسه عليه السلام وقد تكلم كثير من السلف ها هنا بآثار
غريبة وبعضها فيه نظر تركناها قال الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ذلك أن زيدا طلقها فلما انقضت عدتها بعث اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبها الى نفسها ثم تزوجها وكان الذي زوجها منه رب العالمين تبارك وتعالى كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات وفي رواية من طريق عيسى بن طهمان عن أنس قال كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول أنكحني الله من السماء وفيها أنزلت آية الحجاب يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين إناه الآية وروى البيهقي من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال جاء زيد يشكو زينب فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتق الله وأمسك عليك زوجك قال أنس فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات ثم قال رواه البخاري عن أحمد عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن حماد بن زيد ثم روى البيهقي من طريق عفان عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال جاء زيد يشكو الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك أهلك فنزلت وتخفي في نفسك ما الله مبديه ثم قال البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن معلى بن منصور عن محمد مختصرا وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم اني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهم ان جدي وجدك واحد تعني عبد المطلب فانه أبو أبي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو أمها أميمة بنت عبد المطلب وأني انكحنيك الله عز وجل من السماء وان السفير جبريل عليه السلام وقال الامام احمد حدثنا هاشم يعني ابن القاسم حدثنا النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال لما انقضت عدة زينب قال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد اذهب فاذكرها علي فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر اليها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي عز وجل ثم قامت الى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن قال أنس ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم اطعمنا عليها الخبز واللحم فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهم ويقلن يا رسول الله كيف وجدت أهلك فما أدري أنا أخبرته والقوم قد خرجوا أو أخبر قال فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل
الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الآية وكذا رواه مسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة
*2* نزول الحجاب صبيحة عرس زينب
@
فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولأخواتها من أمهات المؤمنين وذلك وفق الرأي العمري قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الله الرقاش حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي حدثنا أبو مجلز عن أنس بن مالك قال لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا وجلسوا يتحدثون فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس ثم انهم قاموا فانطلقوا فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبي قلابة عن أنس نحوه وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال بنى على النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعيا فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه فقلت يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه قال ارفعوا طعامكم وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق الى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته قالت وعليك السلام ورحمة الله وبركاته كيف وجدت أهلك بارك الله لك فتقرى حجر نسائه كلهن ويقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فاذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدري أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا فخرج حتى اذا وضع رجله في أسكفة الباب واخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب تفرد به البخاري من هذا الوجه ثم رواه منفردا به أيضا عن اسحاق هو ابن نصر عن عبد الله بن بكير السهمي عن حميد بن أنس بنحو ذلك وقال رجلان بدل ثلاثة فالله أعلم
قال البخاري وقال ابراهيم بن طهمان عن الجعد أبي عثمان عن أنس فذكر نحوه وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو المظفر حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبي عثمان اليشكري عن أنس بن مالك قال أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيسا ثم حطته في ثور فقالت اذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره ان هذا منا له قليل قال أنس والناس يومئذ في
جهد فجئت به فقلت يا رسول الله بعثت بهذا أم سليم اليك وهي تقرئك السلام وتقول ان هذا منا له قليل فنظر اليه ثم قال ضعه في ناحية البيت ثم قال اذهب فادع لي فلانا وفلانا فسمى رجالا كثيرا قال ومن لقيت من المسلمين فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس فقلت يا أبا عثمان كم كانوا قال كانوا زهاء ثلثمائة قال أنس فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم جيء فجئت به اليه فوضع يده عليه ودعا وقال ما شاء الله ثم قال ليتلحق عشرة عشرة ويسموا وليأكل كل انسان مما يليه فجعلوا يسمون ويأكلون حتى اكلوا كلهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعه قال فجئت فأخذت الثور فنظرت فيه فلا أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته قال وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم التي دخل بها معهم مولية وجهها الى الحائط فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس حياء ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم على حجره وعلى نسائه فلما رأوه قد جاء ظنوا انهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب فخرجوا وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته يسيرا وأنزل الله القرآن فخرج وهو يقرأ هذه الآية يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا أن يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين اناه ولكن اذا دعيتم فادخلو فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعد أبدا ان ذلكم كان عند الله عظيما ان تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله بكل شيء عليما قال أنس فقرأهن علي قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهدا وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان عن الجعد أبي عثمان به وقال الترمذى حسن صحيح ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد أبى عثمان به وقد روى هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بشر الاحمسي الكوفي عن أنس بنحوه ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي نضرة العبدي عن أنس بنحوه ولم يخرجوه ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ومن حديث الزهرى عن أنس نحو ذلك قلت كانت زينب بنت جحش رضي الله عنها من المهاجرات الاول وكانت كثيرة الخير والصدقة وكان اسمها أولا بره فسماها النبي صلى الله عليه وسلم زينب وكانت تكنى بأم الحكم قالت عائشة رضي الله عنها ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة وثبت في الصحيحين كما سيأتي في حديث الإفك عن عائشة انها قالت وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عني زينب بنت جحش
وهي التي كانت تساميني من نساء النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع فقالت يا رسول الله احمي سمعي وبصري ما علمت الا خيرا وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثنا محمود بن غيلان حدثنا الفضل بن موسى الشيباني حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا قالت فكنا نتطاول أينا أطول يدا قالت فكانت زينب أطولنا يدا لانها كانت تعمل بيدها وتتصدق انفرد به مسلم قال الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي والتواريخ توفيت سنة عشرين من الهجرة وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودفنت بالبقيع وهي أول امرأة صنع لها النعش
*2* سنة ست من الهجرة
@
ص قال البيهقي كان يقال في المحرم منها سرية محمد بن مسلمة قبل نجد وأسروا فيها ثمامة بن انال اليمامي قلت لكن في سياق ابن اسحاق عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه شهد ذلك وهو انما هاجر بعد خيبر فيؤخر الى ما بعدها والله أعلم وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لحيان على الصحيح قال ابن اسحاق وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجة وولى تلك الحجة المشركون يعني في سنة خمس كما تقدم قال ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع وخرج في جمادى الاولى على رأس ستة اشهر من فتح بني قريظة الى بني لحيان يطلب بأصحاب الرجيع حبيب وأصحابه وأظهر انه يريد الشام ليصيب من القوم غرة قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم والمقصود انه عليه السلام لما انتهى الى منازلهم هربوا من بين يديه فتحصنوا في رؤوس الجبال فمال الى عسفان فلقي بها جمعا من المشركين وصلى بها صلاة الخوف وقد تقدم ذكر هذه الغزوة في سنة أربع وهنالك ذكرها البيهقي والاشبه ما ذكره ابن اسحاق انها كانت بعد الخندق وقد ثبت انه صلى بعسفان يوم بنى لحيان فلتكتب هاهنا وتحول من هناك تباعا لامام أصحاب المغازي في زمانه وبعده كما قال الشافعي رحمه الله من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن اسحاق وقد قال كعب بن مالك في غزوة بني لحيان
لو أن بني لحيان كانوا تناظروا * لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق
لقوا سرعانا يملأ السرب روعه * أمام طحون كالمجزة فيلق
ولكنهم كانوا وبارا تتبعت * شعاب حجاز غير ذي متنفق


يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:47 PM
غزوة ذي قرد
@ قال ابن اسحاق ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غطفان على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم بالغابة وفيها رجل من بني غفار ومعه امرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث أنه كان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الاكوع الاسلمي غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده حتى اذا علا ثنية الوداع نظر الى بعض خيولهم فاشرف في ناحية سلع ثم صرخ واصباحاه ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل ويقول
خذها وأنا ابن الاكوع * اليوم يوم الرضع
فاذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فاذا أمكنه الرمي رمى ثم قال
خذها وانا ابن الاكوع * اليوم يوم الرضع
قال فيقول قائلهم أويكعنا هو أول النهار قال وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم صياح ابن الاكوع فصرخ بالمدينة الفزع الفزع فترامت الخيول الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أول من انتهى اليه من الفرسان المقداد بن الاسود ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير يشك فيه وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة أخو بني أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بني سلمة وأبو عياش عبيد بن زيد بن الصامت أخو بني زريق قال فلما اجتمعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليهم سعد بن زيد ثم قال أخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لابي عياش فيما بلغني عن رجال من بني زريق يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم قال أبو عياش فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس ثم ضربت الفرس فوالله ما جرى بي خمسين ذراعا حتى طرحني فعجبت من ذلك فزعم رجال من زريق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فرس أبي عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة وكان ثامنا قال وبعض الناس يعد سلمة بن الأكوع ثامنا ويطرح أسيد بن ظهير فالله أعلم أي ذلك كان قال ولم يكن سلمة بن الاكوع يومئذ فارسا قد كان أول من لحق بالقوم على رجليه قال فخرج الفرسان حتى تلاحقوا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة وكان يقال له الاخرم ويقال له قمير وكانت الفرس التي تحته لمحمود بن مسلمة وكان يقال للفرس ذو اللمة
فلما انتهى الى العدو قال لهم قفوا معشر بني اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والانصار قال فحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية من بني عبد الاشهل أي رجع الى مربطه الذي كان فيه بالمدينة
قال ابن اسحاق ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره قال ابن هشام وقد ذكر غير واحد من أهل العلم انه قد قتل معه أيضا وقاص بن مجرز المدلجي قال ابن اسحاق وحدثني بعض من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أن محرزا كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال لها الجناح فقتل محرز واستلب جناح فالله أعلم قال ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة وغشاه برده ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فاذا حبيب مسجى ببرد أبي قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بابي قتادة ولكنه قتيل لابي قتادة ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه قال وادرك عكاشة بن محصن اوبارا وابنه عمرو بن اوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح قال وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالجبل من ذي قرد وتلاحق به الناس فاقام عليه يوما وليلة وقال له سلمة بن الاكوع يا رسول الله لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت باعناق القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني انهم الآن ليغبقون في غطفان فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه في كل مائة رجل جزورا وأقاموا عليه ثم رجع قافلا حتى قدم المدينة قال واقبلت امرأة الغفاري على ناقة من ابل النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدمت عليه المدينة فاخبرته الخبر فلما فرغت قالت يا رسول الله اني قد نذرت الله أن أنحرها ان نجاني الله عليها قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها انه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين انما هي ناقة من ابلي فارجعي الى أهلك على بركة الله قال ابن اسحاق والحديث في ذلك عن أبي الزبير المكي عن الحسن البصري هكذا أورد ابن اسحاق هذه القصة بما ذكر من الاسناد والسياق وقد قال البخاري رحمه الله بعد قصة الحديبية وقبل خيبر غزوة ذي قرد وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم قبل خيبر بثلاث حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد سمعت سلمة بن الاكوع يقول خرجت قبل أن يؤذن بالاولى وكانت لقاح النبي صلى الله عليه وسلم ترعى بذي قرد قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال أخذت لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فقلت من اخذها قال غطفان قال فصرخت ثلاث صرخات واصباحاه قال فأسمعت ما بين لابتي المدينة ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلي وكنت راميا وأقول انا ابن الاكوع اليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة قال وجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فقلت يا رسول الله قد حميت
القوم الماء وهم عطاش فابعث اليهم الساعة فقال يا ابن الاكوع ملكت فأسجح ثم رجعنا وردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقته حتى قدمنا المدينة وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به ورواه البخاري عن أبي عاصم السهلي عن يزيد بن أبي عبيدة عن مولاة سلمة بنحوه
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت أنا ورباح غلام النبي صلى الله عليه وسلم بظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه مع الابل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على ابل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل رعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فقلت يا رباح اقعد على هذا الفرس فالحقه بطلحة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أغير على سرحه قال وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات يا صباحاه قال ثم اتبعت القوم معي سيفي ونبلي فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فاذا رجع إلي فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول

أنا ابن الذي لم ينزل الدهر قدره * رحيب فناء الدار غير مزند
أنا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع
قال فالحق برجل منهم فارميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه فقلت
خذها وانا ابن الاكوع * واليوم يوم الرضع
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل فاذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة فما زال ذاك شأني وشأنهم اتبعهم وارتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنية ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم فقال عيينة ما هذا الذي أرى قالوا لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء بأيدينا وجعله وراء ظهره فقال عيينة لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم ليقم اليه نفر منكم فقام اليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت أتعرفونني قالوا ومن أنت قلت أنا ابن الاكوع والذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني فقال رجل منهم ان أظن قال فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت الى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يخللون الشجر واذا أولهم الاخرم الاسدي وعلى أثره ابو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أثره المقداد بن الاسود الكندي فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل
فأخذ عنان فرسه فقلت يا أخرم ائذن القوم يعني احذرهم فاني لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال يا سلمة ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر الاخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم ثم اني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويعرضون قبل غيبوبة الشمس الى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد فأرادوا أن يشربوامنه فأبصروني أعدو وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر وغربت الشمس وألحق رجلا فارميه فقلت خذها وأنا ابن الاكوع واليوم يوم الرضع قال فقال يا ثكل أم أكوع بكرة فقلت نعم أي عدو نفسه وكان الذي رميته بكرة وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي أجليتهم عنه ذو قرد واذا بنبي الله صلى الله عليه وسلم في خمسمائة واذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله خلني فأنتحب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته فقال أكنت فاعلا ذلك يا سلمة قال قلت نعم والذي أكرمك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال انهم يقرون الآن بأرض غطفان فجاء رجل من غطفان فقال مروا على فلان الغطفاني فنحر لهم حزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة فاعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل جميعا ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين الى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة وفي القوم رجل من الانصار كان لا يسبق جعل ينادى هل من مسابق ألا رجل يسابق الى المدينة فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم مردفي فقلت له اما تكرم كريما ولا تهاب شريفا قال لا الا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلاسابق الرجل قال ان شئت قلت أذهب اليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم اني ربطت عليه شرفا أو شرفين يعني استبقيت من نفسي ثم أني عدوت حتى ألحقه فاصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك والله أو كلمة نحوها قال فضحك وقال ان أظن حتى قدمنا المدينة وهكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه وعنده فسبقته الى المدينة فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر ولأحمد هذا السياق ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد الحديبية وقبل خيبر وهو أشبه مما ذكره ابن اسحاق والله أعلم فينبغي
تأخيرها الى أوائل سنة سبع من الهجرة فان خيبر كانت في صفر منها
وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ونذرت نحرها لنجاتها عليها فقد أوردها ابن اسحاق بروايته عن أبي الزبير عن الحسن البصري مرسلا وقد جاء متصلا من وجوه أخر
وقال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن ابي قلابة عن ابي المهلب عن عمران بن حصين قال كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج فأخذت العضباء معه قال فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في وثاق ورسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف قال وكانت ثقيف قد اسروا رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيما قال مسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قتلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد اني جائع فاطعمني واني ظمآن فاسقني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه حاجتك ثم فدى بالرجلين وحبس رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لرحله ثم قال ان المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به وكانت العضباء فيه وأسروا امرأة من المسلمين قال وكانوا اذا نزلوا أراحوا ابله بأفنيتهم قال فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما ناموا فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجرسة فركبتها ثم وجهتها قبل المدينة قال ونذرت ان الله انجاها عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فقيل ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنذرها أو أتته فأخبرته فقال بئس ما جزيتيها أو بئس ما جزتها ان أنجاها الله عليها لتنحرنها قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد
قال ابن اسحاق وكان مما قيل من الاشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت رضي الله عنه
لولا الذي لاقت ومس نسورها * بجنوب ساية أمس في التقواد
للقبنكم يحملن كل مدجج * حامي الحقيقة ماجد الاجداد
ولسر أولاد اللقيطة اننا * سلم غداة فوارس المقداد
كنا ثمانية وكانوا جحفلا * لجبا فشكوا بالرماح بداد
كنا من القوم الذين يلونهم * ويقدمون عنان كل جواد
كلا ورب الراقصات الى منى * يقطعن عرض مخارم الأطواد
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم * ونئوب بالملكات والأولاد
رهوا بكل مقلص وطمرة * في كل معترك عطفن وواد
افنى دوابرها ولاح متونها * يوم تقاد به ويوم طراد
فكذاك إن جيادنا ملبونة * والحرب مشعلة بريح غواد
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي * جنن الحديد وهامة المرتاد
أخذ الاله عليهم لحرامه * ولعزة الرحمن بالأسداد
كانوا بدار ناعمين فبدلوا * أيام ذي قرد وجوه عناد
قال ابن اسحاق فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين امام رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسان وحلف لا يكلمه أبدا وقال انطلق الى خيلي وفوارسي فجعلها للمقداد فاعتذر اليه حسان بأنه وافق الروي اسم المقداد ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد
اذا أردتم الاشد الجلدا * او ذا غناء فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهد هدا
قال فلم تقع منه بموقع وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد
أظن عيينة اذ زارها * بأن سوف يهدم فيها قصورا
فأكذبت ما كنت صدقته * وقلتم سنغنم أمرا كبيرا
فعفت المدينة اذ زرتها * وآنست للأسد فيها زئيرا
وولوا سراعا كشد النعام * ولم يكشفوا عن ملط حصيرا
أمير علينا رسول المليك * أحبب بذاك الينا أميرا
رسول يصدق ما جاءه * ويتلو كتابا مضيئا منيرا
وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين
ايحسب أولاد اللقيطة أننا * على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس
وأنا أناس لا نرى القتل سبة * ولا ننثني عند الرماح المداعس
وإنا لنقري الضيف من قمع الذرى * ونضرب رأس الأبلج المتشاوس
نرد كماة المعلمين اذا انتحوا * بضرب يسلي نخوة المتقاعس
بكل فتى حامي الحقيقة ماجد * كريم كسرحان العضاة مخالس
يذودون عن أحسابهم وبلادهم * ببيض تقد الهام تحت القوانس
فسائل بني بدر اذا ما لقيتهم * بما فعل الإخوان يوم التمارس
اذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم * ولا تكتموا أخباركم في المجالس
وقولوا زللنا عن مخالب خادر * به وحر في الصدر ما لم يمارس
*2* غزوة بني المصطلق من خزاعة
@ قال البخاري وهي غزوة المريسيع قال محمد بن اسحاق وذلك في سنة ست وقال موسى بن عقبة سنة أربع وقال النعمان بن راشد عن الزهري كان حديث الافك في غزوة المريسيع هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة انها كانت في سنة أربع والذي حكاه عنه وعن عروة انها كانت في شعبان سنة خمس وقال الواقدي كانت لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه وقال محمد بن اسحاق بن يسار بعد ما أورد قصة ذي قرد فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجب ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ويقال نميلة بن عبد الله الليثي قال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن ابي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا فلما سمع بهم خرج اليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه وقال الواقدي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لليلتين مضتا من شعبان سنة خمس من الهجرة في سبعمائة من أصحابه الى بني المصطلق وكانوا حلفاء بني مدلج فلما انتهى اليهم دفع راية المهاجرين الى أبي بكر الصديق ويقال الى عمار بن ياسر وراية الانصار الى سعد بن عبادة ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال كتبت الى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقي على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم فأصاب يومئذ أحسبه قال جويرية بنت الحارث وأخبرني عبد الله بن عمر بذلك وكان بذلك الجيش قال ابن اسحاق وقد أصيب رجل من المسلمين يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الانصار وهو يرى انه من العدو فقتله خطأ
وذكر ابن اسحاق أن أخاه مقيس بن صبابة قدم من مكة مظهرا للاسلام فطلب دية أخيه هشام من رسول الله صلى الله عليه وسلم لانه قتل خطأ فاعطاه ديته ثم مكث يسيرا ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع
رتدا الى مكة وقال في ذلك
شفى النفس ان قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم فتحميني وطاء المضاجع
حللت به وتري وأدركت ثؤرتي * وكنت الى الاوثان أول راجع
ثأرت به فهرا وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع
قلت ولهذا كان مقيس هذا من الاربعة الذين اهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دماءهم وان وجدوا معلقين باستار الكعبة قال ابن اسحاق فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الانصار وصرخ جهجاه يا معشر المهاجرين فغضب عبد الله بن أبي بن سلول وعنده رهط من قومه فيهم زيد ابن أرقم غلام حدث فقال أوقد فعلوها قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه الا كما قال الاول سمن كلبك يأكلك أما والله لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ثم أقبل على من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بانفسكم احللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم أما والله لو أمسكتم عنهم ما بايديكم لتحولوا الى غير داركم فسمع ذلك زيد ابن أرقم فمشى به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال من مر به عباد ابن بشر فليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يا عمر اذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه لا ولكن آذن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس وقد مشى عبد الله بن أبي بن سلول الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه أن زيد بن أرقم بلغه ما سمع منه فحلف بالله ما قلت ولا تكلمت به وكان في قومه شريفا عظيما فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الانصار من أصحابه يا رسول الله عسى ان يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل حدبا على ابن ابي ودفعا عنه فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه وقال يا رسول الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ما بلغك ما قال صاحبكم قال أي صاحب يا رسول الله قال عبد الله بن أبي قال وما قال قال زعم أنه ان رجع الى المدينة اخرج الاعز منها الاذل قال فانت والله يا رسول الله تخرجه ان شئت هو والله الذليل وأنت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق لقد جاءنا الله بك وان قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فانه ليرى انك قد استلبته ملكا ثم مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلم
يلبثوا ان وجدوا مس الارض فوقعوا نياما وانما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالامس من حديث عبد الله بن أبي ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع يقال له بقعاء فلما راح رسول الله صلى الله عليه وسلم هبت على الناس ريح شديدة فآذتهم وتخوفوها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تخوفوها فانما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بني قينقاع وكان عظيما من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين مات ذلك اليوم وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي وروى مسلم من طريق الاعمش عن أبي سفيان عن جابر نحو هذه القصة الا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين قال هبت ريح شديدة والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فقال هذه لموت منافق فلما قدمنا المدينة اذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين قال ابن اسحاق ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في ابن أبي ومن كان على مثل أمره فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد بن أرقم وقال هذا الذي أوفى لله باذنه قلت وقد تكلمنا على تفسيرها بتمامها في كتابنا التفسير بما فيه كفاية عن اعادته ها هنا وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم ولله الحمد والمنة فمن أراد الوقوف عليه أو أحب أن يكتبه ها هنا فليطلبه من هناك وبالله التوفيق قال ابن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه فإن كنت فاعلا فمر لي به فأنا أحمل اليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من الرجل أبر بوالده مني واني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر الى قاتل عبد الله بن ابي يمشي في الناس فأقتله فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا وجعل بعد ذلك اذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم كيف ترى يا عمر أما والله لو قتلته يوم قلت لي لارعدت له أنف لو امرتها اليوم بقتله لقتلته فقال عمر قد والله علمت لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من امري وقد ذكر عكرمة وابن زيد وغيرهما ان ابنه عبد الله رضي الله عنه وقف لابيه عبد الله بن أبي بن سلول عند مضيق المدينة فقال قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه في ذلك فأذن له فأرسله حتى دخل المدينة قال ابن اسحاق وأصيب يومئذ من بني المصطلق ناس وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكا وابنه قال ابن هشام وكان شعار المسلمين يا منصور أمت أمت
قال ابن اسحأق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب منهم سبيا كثيرا فقسمهم في المسلمين وقال
البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد أخبرني اسماعيل بن جعفر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أنه قال دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخدري فجلست اليه فسألته عن العزل فقال أبو سعيد خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب فاشتهينا النساء واشدت علينا العزوبة وأحببنا العزل وقلنا نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله فسألناه عن ذلك فقال ما عليكم أن لا تفعلوا ما من نسمة كائنة الى يوم القيامة الا كائنة وهكذا رواه قال ابن اسحاق وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس ابن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسها وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم لتستعينه في كتابتها قالت فوالله ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت فدخلت عليه فقالت يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت ابن قيس بن شماس أو لابن عم له فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي قال فهل لك في خير من ذلك قالت وما هو يا رسول الله قال أقضي عنك كتابك وأتزوجك قالت نعم يا رسول الله قد فعلت قالت وخرج الخبر الى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث فقال الناس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فارسلوا ما بأيديهم قالت فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها ثم ذكر ابن اسحاق قصة الافك بتمامها في هذه الغزوة وكذلك البخاري وغير واحد من أهل العلم وقد حررت طرق ذلك كله في تفسير سورة النور فليلحق بكماله الى ها هنا وبالله المستعان
وقال الواقدي حدثنا حرام عن هشام بن عروة عن ابيه قال قالت جويرية بنت الحارث رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سبينا رجوت الرؤيا قالت فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذي ارسلوهم وما شعرت الا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر فحمدت الله تعالى قال الواقدي ويقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق وذكر موسى بن عقبة عن بني المصطلق أن أباها طلبها وافتداها ثم خطبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه إياها
*2* قصة الأفك
@
وهذا سياق محمد بن اسحاق حديث الافك قال ابن اسحاق حدثني الزهري عن علقمة بن وقاص وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبد الله بن عبيد الله بن عتبة قال الزهري وكل قد حدثني بهذا الحديث وبعض القوم كان أوعى له من بعض وقد جمعت كل الذي حدثني القوم قال ابن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة وعبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة عن نفسها حين قال فيها أهل الافك ما قالوا فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه وكل كان عنها ثقة فكلهم حدث عنها بما سمع قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه فلما كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن فخرج بي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وكان النساء إذ ذاك يأكلن العلق لم يهجهن اللحم فيثقلن وكنت اذا رحل لي بعيري جلست في هودجي ثم يأتي القوم الذين كانوا يرحلون لي فيحملونني ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به قالت فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفره ذلك وجه قافلا حتى اذا كان قريبا من المدينة نزل منزلا فبات به بعض الليل ثم اذن مؤذن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي وفي عنقي عقد لي فيه جزع ظفار فلما فرغت انسل من عنقي ولا أدري فلما رجعت الى الرحيل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت الى مكاني الذي ذهبت اليه فألتمسته حتى وجدته وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحلون لي البعير وقد كانوا فرغوا من رحلته فأخذوا الهودج وهم يظنون أني فيه كما كنت أصنع فاحتملوه فشدوه على البعير ولم يشكوا أني فيه ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به فرجعت الى العسكر وما فيه داع ولا مجيب قد انطلق الناس قال فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس الي قالت فوالله اني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل السلمي وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته فلم يبت مع الناس فرأى سوادي فأقبل حتى وقف علي وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب فلما رآني قال إنا لله وإنا إليه راجعون ظعينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متلففة في ثيابي قال ما خلفك يرحمك الله قالت فما كلمته ثم قرب الي البعير فقال اركبي واستأخر عني قالت فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعا يطلب الناس فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي فقال أهل الافك ما قالوا وارتج العسكر والله ما أعلم بشيء من ذلك ثم قدمنا المدينة فلم ألبث أن اشتكيت شكوى
شديدة لا يبلغني من ذلك شيء وقد انتهى الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم والى أبوي لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا إلا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض لطفه بي كنت اذا اشتكيت رحمني ولطف بي فلم يفعل ذلك بي في شكواي ذلك فانكرت ذلك منه كان اذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال كيف تيكم لا يزيد على ذلك قالت حتى وجدت في نفسي فقلت يا رسول الله حين رأيت ما رأيت من جفائه لي لو أذنت لي فانتقلت الى أمي فمرضتني قال لا عليك قالت فانقلبت الى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى نقهت من وجعي بعد بضع عشرين ليلة وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الاعاجم نعافها ونكرهها انما كنا نخرج في فسح المدينة وانما كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح ابنة ابي رهم بن المطلب قالت فوالله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها فقالت تعس مسطح ومسطح لقب واسمه عوف قالت فقلت بئس لعمرو الله ما قلت لرجل من المهاجرين وقد شهد بدرا قالت أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر قالت قلت وما الخبر فاخبرتني بالذي كان من قول أهل الافك قلت أو قد كان هذا قالت نعم والله لقد كان قالت فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي قالت وقلت لامي يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا قالت أي بنية خففي عليك الشأن فوالله لقل ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها قالت وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم ولا أعلم بذلك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهم غير الحق والله ما علمت عليهم إلا خيرا ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه الا خيرا ولا يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي قالت وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني في المنزلة عنده غيرها فأما زينب فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضارني لاختها فشقيت بذلك فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المقالة قال أسيد بن حضير يا رسول الله ان يكونوا من الاوس نكفيكهم وان يكونوا من اخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فوالله انهم لأهل أن تضرب أعناقهم قالت فقام سعد بن عبادة وكان قبل ذلك يرى رجلا صالحا فقال كذبت لعمر الله ما تضرب أعناقهم أما والله ما قلت هذه المقالة الا أنك قد عرفت انهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا فقال أسيد بن حضير كذبت لعمر الله ولكنك منافق تجادل عن المنافقين قالت وتساور الناس حتى كاد
يكون بين هذين الحيين من الاوس والخزرج شر ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل علي فدعا علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فاستشارهما فأما أسامة فأثنى خيرا وقاله ثم قال يا رسول الله أهلك وما نعلم منهم إلا خيرا وهذا الكذب والباطل وأما علي فانه قال يا رسول الله ان النساء لكثير وانك لقادر على أن تستخلف وسل الجارية فانها ستصدقك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة يسألها قالت فقام اليها علي فضربها ضربا شديدا ويقول أصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فتقول والله ما أعلم إلا خيرا وما كنت أعيب على عائشة شيئا الا اني كنت أعجن عجيني فآمرها أن تحفظه فتنام عنه فتأتي الشاة فتأكله قالت ثم دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي أبواي وعندي امرأة من الانصار وأنا أبكي وهي تبكي فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا عائشة انه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله وان كنت قد فارفت سوءا مما يقول الناس فتوبي الى الله فان الله يقبل التوبة عن عباده قالت فوالله ان هو الا أن قال لي ذلك فقلص دمعي حتى ما أحس منه شيئا وانتظرت أبوي أن يجيبا عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يتكلما قالت وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل الله في قرآنا يقرأ به ويصلى به ولكني كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه شيئا يكذب الله به عني لما يعلم من براءتي ويخبر خبرا وأما قرآنا ينزل في فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك قالت فلما لم أر أبوي يتكلمان قلت لهما ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا والله ما ندري بما نجيبه قالت ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل علي آل أبي بكر في تلك الايام قالت فلما استعجما علي استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب الى الله مما ذكرت أبدا والله اني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس والله يعلم اني منه بريئة لأقولن ما لم يكن ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني قالت ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره فقلت ولكن سأقول كما قال أبو يوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون قالت فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت وما باليت قد عرفت اني بريئة وان الله غير ظالمي وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتحرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس قالت ثم سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وانه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شات فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول أبشري يا عائشة قد أنزل الله عز وجل براءتك قالت قلت الحمد لله ثم خرج الى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك ثم أمر بمسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين عن الزهري وهذا السياق فيه فوائد جمة وذكر حد القذف لحسان ومن معه رواه أبو داود في سننه قال ابن اسحاق وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه
لقد ذاق حسان الذي كان أهله * وحمنة اذ قالوا هجيرا ومسطح
تعاطوا برجم الغيب زوج نبيهم * وسخطة ذي العرش الكريم فأترحوا
وآذوا رسول الله فيها فجللوا * مخازي تبقى عمموها وفضحوا
وصبت عليهم محصدات كأنها * شآبيب قطر في ذرا المزن تسفح
وقد ذكر ابن اسحاق أن حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدم أوله هي
أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا * وابن الفريعة أمسى بيضة البلد
قد ثكلت أمه من كنت صاحبه * أو كان منتشبا في برثن الاسد
ما لقتيلي الذي أعدو فآخذه * من دية فيه يعطاها ولا قود
ما البحر حين تهب الريح سامية * فيغطئل ويرمي العبر بالزبد
يوما بأغلب مني حين تبصرني * ملغيظ أفري كفري العارض البرد
أما قريش فاني لا اسالمها * حتى ينيبوا من الغياث للرشد
ويتركوا اللات والعزى بمعزلة * ويسجدوا كلهم للواحد الصمد
ويشهدوا ان ما قال الرسول لهم * حق فيوفوا بحق الله والوكد
قال فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف وهو يقول
تلق ذباب السيف عني فانني * غلام اذا هوجيت لست بشاعر
وذكر أن ثابت بن قيس بن شماس أخذ صفوان حين ضرب حسان فشده وثاقا فلقيه عبد الله بن رواحة فقال ما هذا فقال ضرب حسان بالسيف فقال عبد الله هل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك قال لا فاطلقه ثم أتوا كلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن معطل يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حسان أتشوهت على قومي اذ هداهم الله ثم قال أحسن يا حسان فيما أصابك فقال هي لك يا رسول الله فعوضه منها بيرحاء التي تصدق بها أبو طلحة وجارية قبطية يقال لها سيرين جاءه منها ابنه عبد الرحمن قال وكانت عائشة تقول سئل عن ابن المعطل فوجد رجلا حصورا ما يأتي النساء ثم قتل بعد ذلك شهيدا رضي الله عنه قال ابن اسحاق ثم قال حسان بن ثابت يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة
حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب * كرام المساعي مجدهم غير زائل
وان الذي قد قيل ليس بلائط * بك الدهر بل قيل امرئ بي ماحل
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم * فلا رفعت سوطي الى أناملي
فكيف وودي ما حييت ونصرتي * لآل رسول الله زين المحافل
وان لهم عزا ترى الناس دونه * قصارا وطال العز كل التطاول
ولتكتب ها هنا الآيات من سورة النور وهي من قوله تعالى ان الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم الى مغفرة ورزق كريم وما أوردناه هنالك من الأحاديث والطرق والآثار عن السلف والخلف وبالله التوفيق
*2* غزوة الحديبية
@
وقد كانت في ذي القعدة سنة ست بلا خلاف وممن نص على ذلك الزهري ونافع مولى ابن عمر وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق بن يسار وغيرهم وهو الذي رواه ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة انها كانت في ذي القعدة سنة ست وقال يعقوب بن سفيان حدثنا اسماعيل ابن الخليل على علي بن مسهر أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحديبية في رمضان وكانت الحديبية في شوال وهذا غريب جدا عن عروة وقد روى البخاري ومسلم جميعا عن هدبة عن قتادة همام أن أنس بن مالك أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر في ذي القعدة الا العمرة التي مع حجته عمرة من الحديبية في ذي القعدة وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة ومن الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته وهذا لفظ البخاري وقال ابن اسحاق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة رمضان وشوال وخرج في ذي القعدة معتمرا لا يريد حربا قال ابن هشام واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي قال ابن اسحاق واستنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الاعراب ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت فأبطأ عليه كثير من الاعراب وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والانصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه وليعلم الناس أنه انها خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم انهما حدثاه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان الناس سبعمائة رجل وكانت كل بدنة عن عشرة نفر وكان جابر بن عبد الله
فيما بلغني يقول كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة قال الزهري وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي فقال يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموا الى كراع الغميم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ويح قريش قد اكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فان هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وان أظهرني الله عليهم دخلوا في الاسلام وافرين وان لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة فما تظن قريش فوالله لا أزال أجاهد على هذا الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة ثم قال من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله ابن أبي بكر ان رجلا من أسلم قال أنا يا رسول الله فسلك بهم طريقا وعرا أجرل بين شعاب فلما خرجوا منه وقد شق ذلك على المسلمين فأفضوا الى أرض سهلة عند منقطع الوادي قال رسول الله قولوا نستغفر الله ونتوب اليه فقالوا ذلك فقال والله انها للحطة التي عرضت على بني اسرائيل فلم يقولوها قال ابن شهاب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال اسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض في طريق يخرجه على ثنية المرار مهبط الحديبية من أسفل مكة قال فسلك الجيش ذلك الطريق فلما رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين الى قريش وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا سلك في ثنية المرار بركت ناقته فقال الناس خلأت فقال ما خلأت وما هو لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألوني فيها صلة الرحم الا أعطيتهم اياها ثم قال للناس انزلوا قيل له يا رسول الله ما بالوادي ماء ينزل عليه فأخرج سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل به في قليب من تلك القلب فغرزه في جوفه فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن قال ابن اسحاق فحدثني بعض أهل العلم عن رجال من أسلم ان الذي نزل في القليب بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب سائق بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق وقد زعم بعض أهل العلم أن البراء بن عازب كان يقول أنا الذي نزلت بسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم أي ذلك كان ثم استدل ابن اسحاق للاول ان جارية من الانصار جاءت البئر وناجية أسفله يميح فقالت
يا أيها المائح دلوي دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا
يثنون خيرا ويمجدونكا *
فأجابها فقال
قد علمت جارية يمانيه * اني أنا المائح واسمي ناجيه
وطعنة ذات رشاش واهيه * طعنتها عند صدور العاديه
قال الزهري في حديثه فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة فكلموه وسألوه ما الذي جاء به فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا وانما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ثم قال لهم نحو ما قال لبشر بن سفيان فرجعوا الى قريش فقالوا يا معشر قريش انكم تعجلون على محمد وان محمدا لم يأت لقتال انما جاء زائرا لهذا البيت فاتهموهم وجبهوهم وقالوا وإن جاء ولا يريد قتالا فوالله لا يدخلها علينا عنوة ولا تحدث بذلك عنا العرب قال الزهري وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة قال ثم بعثوا اليه مكرز بن حفص بن الاخيف أخا بني عامر بن لؤي فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال هذا رجل غادر فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا مما قال لبديل وأصحابه فرجع الى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعثوا بحليس بن علقمة أو ابن زبان وكان يومئذ سيد الاحابيش وهو أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس عن محله رجع الى قريش ولم يصل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعظاما لما رأى فقال لهم ذلك قال فقالوا له اجلس فانما انت اعرابي لا علم لك قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن الحليس غضب عند ذلك وقال يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاهدناكم أيصد عن بيت الله من جاءه معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لانفرن بالاحابيش نفرة رجل واحد قالوا مه كف عنا حتى نأخذ لانفسنا ما نرضى به قال الزهري في حديثه ثم بعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم عروة بن مسعود الثقفي فقال يا معشر قريش اني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه الى محمد اذ جاءكم من التعنيف وسوء اللفظ وقد عرفتم أنكم والد وابي ولد وكان عروة لسبيعة بنت عبد شمس وقد سمعت بالذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثم جئتكم حتى آسيتكم بنفسي قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم فخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ثم قال يا محمد أجمعت أوشاب الناس ثم جئت بهم الى بيضتك لتفضها بهم انها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا قال وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال امصص بظر اللات
أنحن ننكشف عنه قال من هذا يا محمد قال هذا ابن أبي قحافة قال اما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بهذه قال ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه والمغيرة ابن شعبة واقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديد قال فجعل يقرع يده اذ يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول اكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل اليك قال فيقول عروة ويحك ما أفظك وأغلظك قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة من هذا يا محمد قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال أي غدر وهل غسلت سوءتك إلا بالامس قال الزهري فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ما كلم به أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ولا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه فرجع الى قريش فقال يا معشر قريش اني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه واني والله ما رأيت ملكا في قومه قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم قال ابن اسحاق وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أمية الخزاعي فبعثه الى قريش بمكة وحمله على بعير له يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعه الاحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق وحدثني بعض من لا أتهم عن عكرمة عن ابن عباس أن قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين أمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا فأخذوا فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم وقد كانوا رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه الى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له فقال يا رسول الله اني أخاف قريشا على نفسي وليس بمكة من بني عدي أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان ابن عفان فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فبعثه الى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائرا لهذا البيت معظما لحرمته فخرج عثمان الى مكة فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يدخلها فحمله بين يديه ثم أجاره حتى بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أرسله به فقالوا لعثمان حين بلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أن تطوف بالبيت فطف قال ما كنت لافعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين بلغه أن عثمان قد قتل لا نبرح حتى نناجز القوم ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى البيعة وكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة
وكان الناس يقولون بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وكان جابر بن عبد الله يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين إلا حضرها إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة وكان جابر بن عبد الله يقول والله لكأني أنظر اليه لاصقا بأبط ناقته قد ضبأ اليها يستتر من الناس ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل قال ابن هشام وذكر وكيع عن اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان أبو سنان الاسدي قال ابن هشام وحدثني من أثق به عمن حدثه باسناد له عن ابن أبي مليكة عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان فضرب باحدى يديه على الاخرى وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الاسناد ضعيف لكنه ثابت في الصحيحين قال ابن اسحاق قال الزهري ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا آت محمدا وصالحه ولا يكن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا فوالله لا تتحدث العرب أنه دخلها عنوة أبدا فأتاه سهيل بن عمرو فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا قال قد اراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل فلما انتهى سهل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم فأطال الكلام تراجعا ثم جرى بينهما الصلح فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر فأتى ابا بكر فقال يا أبا بكر أليس برسول الله قال بلى قال اولسنا بالمسلمين قال بلى قال أوليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدينة في ديننا قال ابو بكر يا عمر الزم غرزه فاني اشهد أنه رسول الله قال عمر وانا اشهد انه رسول الله ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ألست برسول الله قال بلى قال أولسنا مسلمين قال بلى قال أوليسوا بالمشركين قال بلى قال فعلام نعطي الدنية في ديننا قال انا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني وكان عمر رضي الله عنه يقول ما زلت أصوم واتصدق واصلي واعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرا قال ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال فقال سهيل لا اعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم فكتبها ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو قال فقال سهيل لو شهدت أنك رسول الله لم اقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض على انه من أتى محمدا من قريش بغير اذن وليه رده عليهم ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه وان بيننا عيبة مكفوفة وانه ألا أسلال ولا اغلال وانه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا نحن في عقد محمد وعهده
وتواثبت بنو بكر فقالوا نحن في عقد قريش وعهدهم وانك ترجع عامك هذا فلا تدخل علينا مكة وانه اذا كان عام قابل خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك فأقمت فيها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون فلما رأى سهيل أبا جندل قام اليه فضرب وجهه وأخذ بتلبيبه وقال يا محمد قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال صدقت فجعل ينتره بتلبيبه ويجره يعني يرده الى قريش وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته يا معشر المسلمين أرد الى المشركين يفتنونني في ديني فزاد ذلك الناس الى ما بهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا جندل اصبر واحتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا انا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله وانا لا نغدر بهم قال فوثب عمر ابن الخطاب مع أبي جندل يمشي الى جنبه ويقول اصبر أبا جندل فانما هم المشركون وانما دم أحدهم دم كلب قال ويدني قائم السيف منه قال يقول عمر رجوت أن يأخذ السيف فيضرب أباه قال فضن الرجل بأبيه ونفذت القضية فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب أشهد على الصلح رجالا من المسلمين ورجالا من المشركين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن سهيل بن عمرو وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة ومكرز بن حفص وهو يومئذ مشرك وعلي بن ابي طالب وكتب وكان هو كاتب الصحيفة
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربا في الحل وكان يصلي في الحرم فلما فرغ من الصلح قام الى هديه فنحره ثم جلس فحلق رأسه وكان الذي حلقه في ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي فلما رأى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحر وحلق تواثبوا ينحرون ويحلقون قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن ابي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول الله قال والمقصرين قالوا يا رسول الله فلم ظاهرت الترحيم للمحلقين دون المقصرين قال لم يشكو وقال عبد الله بن أبي نجيح حدثني مجاهد عن ابن عباس أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أهدى عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ بذلك المشركين هذا سياق محمد بن اسحاق رحمه الله لهذه القصة وفي سياق البخاري كما سيأتي مخالفة في بعض الأماكن لهذا السياق كما ستراها ان شاء الله وبه الثقة ولنوردها بتمامها ونذكر في الاحاديث الصحاح والحسان ما فيه ان شاء الله تعالى وعليه التكلان وهو المستعان
قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال حدثنا صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله عن زيد بن خالد قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأصابنا مطر ذات ليلة فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم اقبل علينا بوجهه فقال أتدرون ماذا قال ربكم فقلنا الله ورسوله أعلم فقال قال الله تعالى أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال مطرنا برحمة الله وبرزق الله وبفضل الله فهو مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكوكب كافر بي وهكذا رواه في غير موضع من صحيحه ومسلم من طرق عن الزهري وقد روى عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة
وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال تعدون الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحا ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد ثم انها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا انفرد به البخاري
وقال ابن اسحاق في قوله تعالى فجعل من دون ذلك فتحا قريبا صلح الحديبية قال الزهري فما فتح في الاسلام فتح قبله كان أعظم منه انما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلم بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد في الاسلام يعقل شيئا الا دخل فيه ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان دخل في الاسلام قبل ذلك أو أكثر قال ابن هشام والدليل على ما قاله الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الىالحديبية في ألف وأربع مائة رجل في قول جابر ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف
وقال البخاري حدثنا يوسف بن عيسى حدثنا ابن فضيل حدثنا حصين عن سالم عن جابر قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل الناس نحوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لكم قالوا يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب الا ما في ركوتك فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون
قال فشربنا وتوضأنا فقلنا لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن حصين عن سالم بن ابي الجعد عن جابر به
وقال البخاري حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة قلت لسعيد بن المسيب بلغني أن جابر بن عبد الله كان يقول كانوا أربع عشرة مائة فقال لي سعيد حدثني جابر كانوا خمس عشرة مائة الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تابعه أبو داود حدثنا قرة عن قتادة تفرد به البخاري
ثم قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابرا قال قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية أنتم خير أهل الارض وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة وقد روى البخاري أيضا ومسلم من طرق عن سفيان بن عيينة به وهكذا رواه الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال إن عبدا لحاطب جاء يشكوه فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت لا يدخلها شهد بدرا والحديبية رواه مسلم وعند مسلم أيضا من طرق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول أخبرتني أم ميسر أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة لا يدخل أحد النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها فقالت حفصة بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة و ان منكم إلا واردها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا قال البخاري وقال عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة حدثني عبد الله ابن أبي أوفى قال كان أصحاب الشجرة ألفا وثلثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين تابعه محمد بن بشار حدثنا أبو داود حدثنا شعبة هكذا رواه البخاري معلقا عن عبد الله وقد رواه مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة به وعن محمد بن المثنى عن أبي داود عن اسحق بن ابراهيم عن النضر بن شميل كلاهما عن شعبة به
ثم قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور بن مخرمة قالا خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم منها تفرد به البخاري وسيأتي هذا السياق بتمامه
والمقصود أن هذه الروايات كلها مخالفة لما ذهب اليه ابن اسحاق من أن أصحاب الحديبية كانوا سبع مائة وهو والله أعلم انما قال ذلك تفقها من تلقاء نفسه من حيث ان البدن كن سبعين بدنة وكل منها عن عشرة على اختياره فيكون المهلون سبع مائة ولا يلزم أن يهدي كلهم ولا أن يحرم كلهم أيضا فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طائفة منهم فيهم أبو قتادة ولم يحرم أبو قتادة
حتى قتل ذلك الحمار الوحشي فأكل منه هو وأصحابه وحملوا منه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الطريق فقال هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار اليها قالوا لا قال فكلوا ما بقي من الحمار وقد قال البخاري حدثنا شعبة بن الربيع حدثنا علي بن المبارك عن يحيى عن عبد الله ابن أبي قتادة أن أباه حدثه قال انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم
وقال البخاري حدثنا محمد بن رافع حدثنا شبابة بن سوار الفزاري حدثنا شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال لقد رأيت الشجرة ثم أتيتها بعد فلم أعرفها حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا طارق عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه كان فيمن بايع تحت الشجرة فرجعنا اليها العام المقبل فعميت علينا وقال البخاري أيضا حدثنا محمود حدثنا عبيد الله عن اسرائيل عن طارق بن عبد الرحمن قال انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون فقلت ما هذا المسجد قالوا هذه الشجرة حيث بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته فقال سعيد حدثني أبي انه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة قال فلما كان من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها ثم قال سعيد إن أصحاب محمد لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم ورواه البخاري ومسلم من حديث الثوري وأبي عوانة وشبابة عن طارق وقال البخاري حدثنا سعيد حدثني أخي عن سليمان عن عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم قال لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال ابن زيد على ما يبايع ابن حنظلة الناس قيل له على الموت فقال لا أبايع على ذلك أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شهد معه الحديبية وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن عمرو بن يحيى به وقال البخاري حدثنا قتيبة ابن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن ابي عبيد قلت لسلمة بن الاكوع على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية قال على الموت ورواه مسلم من حديث يزيد بن أبي عبيد وفي صحيح مسلم عن سلمة أنه بايع ثلاث مرات في أوائل الناس ووسطهم وأواخرهم وفي الصحيح عن معقل بن يسار أنه كان آخذا بأغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس وكان أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أبو سنان وهو وهب بن محصن أخو عكاشة بن محصن وقيل سنان بن أبي سنان
وقال البخاري حدثني شجاع بن الوليد سمع النضر بن محمد حدثنا صخر بن الربيع عن نافع قال إن الناس يتحدثون أن ابن عمر أسلم قبل عمر وليس كذلك ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله الى فرس له عند رجل من الانصار أن يأتي به ليقاتل عليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع عند الشجرة وعمر لا يدري بذلك فبايعه عبد الله فانطلق فذهب معه حتى بايع رسول
الله صلى الله عليه وسلم وهي التي تحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر وقال هشام بن عمار حدثنا الوليد ابن مسلم حدثنا عمر بن محمد العمري أخبرني نافع عن ابن عمر أن الناس كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تفرقوا في ظلال الشجرة فاذا الناس محدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم يا عبد الله أنظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم يبايعون فبايع ثم رجع الى عمر فخرج فبايع تفرد به البخاري من هذين الوجهين



سياق البخاري لعمرة الحديبية
@
قال في كتاب المغازي حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان سمعت الزهري حين حدث هذا الحديث حفظت بعضه وثبتني معمر عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يزيد أحدهما على صاحبه قالا خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه فلما أتى ذا الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة وبعث عينا له من خزاعة وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان بغدير الاشطاط أتاه عينه قال إن قريشا قد جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الاحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل الى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون ان يصدونا عن البيت فان يأتونا كان الله قد قطع عينا من المشركين وإلا تركنا لهم محروبين قال أبو بكر يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه قال امضوا على اسم الله هكذا رواه ها هنا ووقف ولم يزد شيئا على هذا
وقال في كتاب الشهادات حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى اذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى اذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى اذا كان بالثنية التي هبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل فألحت فقالوا خلأت القصواء خلأت القصواء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ثم قال والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ثم زجرها فوثبت فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه تبرضا فلم يلبثه الناس
حتى نزحوه وشكى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة فقال إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا اعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم انا لم نجيء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين وان قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فان شاءوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس فان أظهر فان شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا والا فقد جموا وان هم أبوا فوالذي نفسي بيده لاقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذن أمر الله قال بديل سأبلغهم ما تقول فانطلق حتى أتى قريشا فقال انا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا فان شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا فقال سفهاؤهم لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء وقال ذوو الرأي منهم هات ما سمعته يقول قال سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال أي قوم ألست بالوالد قالوا بلى قال أولستم بالولد قالوا بلى قال فهل تتهمونى قالوا لا قال ألستم تعلمون اني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني قالوا بلى قال فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آتيه فقالوا ائته فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك أي محمد أرأيت ان استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك وان تكن الاخرى فاني والله لا أرى وجوها واني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك فقال له أبو بكر أمصص بظر اللات أنحن نفر عنه وندعه قال من ذا قالوا أبو بكر قال أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لاجبتك قال وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عروة بيده الى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال له أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع عروة رأسه فقال من هذا قالوا المغيرة بن شعبة فقال أي غدر ألست أسعى في غدرتك وكان المغيرة بن شعبة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما الأسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء ثم ان عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينيه قال فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون اليه النظر تعظيما له فرجع عروة الى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك وفدت على قيصر
وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده واذا أمرهم ابتدروا أمره واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر اليه تعظيما له وانه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها فقال رجل من بني كنانة دعوني آتيه فقالوا ائته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعثت له واستقبله الناس يلبون فلما رأى ذلك قال سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت فلما رجع الى أصحابه قال رأيت البدن قد قلدت وأشعرت فما أرى أن يصدوا عن البيت فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال دعونى آتيه قالوا أئته فلما أشرف عليهم قال بن حفص فقال دعونى آتيه قالوا ائته فلما أشرف عليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرني أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد سهل لكم من أمركم قال معمر قال الزهري في حديثه فجاء سهيل فقال هات فاكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب فقال المسلمون والله لا نكتبها الا باسم الله الرحمن الرحيم فقال النبى صلى الله عليه وسلم اكتب باسمك اللهم ثم قال هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله فقال سهيل والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والله اني لرسول الله وان كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله قال الزهري وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله الا أعطيتهم اياها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به قال سهيل والله لا تتحدث العرب انا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل فكتب فقال سهيل وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وان كان على دينك الا رددته الينا قال المسلمون سبحان الله كيف يرد الى المشركين وقد جاء مسلما فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده الي فقال النبي صلى الله عليه وسلم انا لم نقض الكتاب بعد قال فوالله إذا لم أصالحك على شيء أبدا قال النبي صلى الله عليه وسلم فأجزه لي قال ما أنا بمجيزه لك قال بلى فافعل قال ما أنا بفاعل قال مكرز بلى قد أجزناه لك قال أبو جندل أي معشر المسلمين أرد الى المشركين وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت وكان قد عذب عذابا شديدا في الله فقال عمر رضي الله عنه فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ألست نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق
وعدونا على الباطل قال بلى قلت فلم نعطى الدنية في ديننا اذن قال اني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري قلت أولست كنت تحدثنا انا سنأتي البيت فنطوف به قال بلى فأخبرتك أنا نأتيه العام قال قلت لا قال فانك آتيه ومطوف به قال فأتيت أبا بكر فقلت يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا قال بلى قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال بلى قال قلت فلم نعطىالدنية في ديننا اذن قال أيها الرجل انه لرسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره فاستمسك بغرزه فوالله انه على الحق قلت أليس كان يحدثنا انا سنأتي البيت ونطوف به قال بلى أفأخبرك أنك تأتيه العام فقلت لا قال فانك آتيه ومطوف به قال الزهري قال عمر فعملت لذلك أعمالا قال فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا قال فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت أم سلمة يا نبي الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ بعصم الكوافر فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك فتزوج احدهما معاوية بن أبي سفيان والاخرى صفوان بن أمية ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة فجاءه أو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا العهد الذي جعلت لنا فدفعه الى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين والله اني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا فاستله الآخر فقال أجل والله انه لجيد لقد جربت به ثم جربت فقال أبو بصير أرني أنظر اليه فأمكنه منه فضربه به حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه لقد رأى هذا ذعرا فلما انتهى الى النبي صلى الله عليه وسلم قال قتل والله صاحبي واني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله قد والله أوفى الله ذمتك قد رددتني اليهم ثم انجاني الله منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل امه مسعر حرب لو كان له أحد فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده اليهم فخرج حتى اتى سيف البحر قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد اسلم الا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش الى الشام الا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش الى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده بالله والرحم لما أرسل اليهم فمن أتاه فهو آمن فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم اليهم فأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم
وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ح تى بلغ الحمية حمية الجاهلية وكانت حميتهم انهم لم يقروا أنه نبي الله ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم وحالوا بينهم وبين البيت فهذا سياق فيه زيادات وفوائد حسنة ليست في رواية ابن اسحاق عن الزهري فقد رواه عن الزهري عن جماعة منهم سفيان بن عيينة ومعمر ومحمد بن اسحاق كلهم عن الزهري عن عروة عن مروان ومسور فذكر القصة
وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن يحيى بن بكير عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر القصة وهذا هو الأاشبة فان مروان ومسورا كانا صغيرين يوم الحديبية والظاهر أنهما أخذاه عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
وقال البخاري حدثنا الحسن بن اسحاق حدثنا محمد بن سابق حدثنا مالك بن مغول سمعت أبا حصين قال قال أبو وائل لما قدم سهيل بن حنيف من صفين أتيناه نستخبره فقال اتهموا الرأي فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو استطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت والله ورسوله أعلم وما وضعنا أسيافنا عن عواتقنا لامر يقطعنا الا أسهلن بنا الى أمر نعرفه قبل هذا الامر ما نسد منها خصما الا انفجر علينا خصم ما ندري كيف نأتي له
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن زيد بن اسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض اسفاره وكان عمر بن الخطاب يسير معه ليلا فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك قال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين وخشيت أن ينزل في قرأن فما نشبت أن سمعت صارخا يصرخ بي قال فقلت لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه فقال لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب الي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ ا نا فتحنا لك فتحا مبينا قلت وقد تكلمنا على سورة الفتح بكمالها في كتابنا التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة ومن أحب أن يكتب ذلك هنا فليفعل
*2* فصل في السرايا
@ التي كانت في سنة ست من الهجرة
وتلخيص ذلك ما أورده الحافظ البيهقي عن الواقدي
في ربيع الاول منها أو الآخر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا الى فهربوا منه ونزل على مياههم وبعث في آثارهم وأخذ منهم مائتي بعير فاستاقها الى المدينة
وفيها كان بعث أبي عبيدة بن الجراح الى ذي القصة بأربعين رجلا أيضا فساروا اليهم مشاة حتى أتوها في عماية الصبح فهربوا منه في رءوس الجبال فأسر منهم رجلا فقدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه محمد بن مسلمة في عشرة نفر وكمن القوم لهم حتى باتوا أصحاب محمد بن مسلمة كلهم وافلت هو جريحا
وفيها كان بعث زيد بن حارثة بالحموم فأصاب امرأة من مزينة يقال لها حليمة فدلتهم على محلة من محال بني سليم فأصابوا منها نعما وشاء وأسروا وكان فيهم زوج حليمة هذه فوهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجها وأطلقهما
وفيها كان بعث زيد بن حارثة أيضا في جمادى الاولى الى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا فهربت منه الاعراب فأصاب من نعمهم عشرين بعيرا ثم رجع بعد أربع ليال وفيها خرج زيد بن حارثة في جمادى الاولى الى العيص
قال وفيها أخذت الاموال التي كانت مع أبي العاص بن الربيع فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجارته وقد ذكر ابن اسحاق قصته حين أخذت العير التي كانت معه وقتل أصحابه وفر هو من بينهم حتى قدم المدينة وكانت امرأته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجرت بعد بدر فلما جاء المدينة استجار بها فأجارته بعد صلاة الصبح فأجاره لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس برد ما أخذوا من عيره فردوا كل شيء كانوا أخذوه منه حتى لم يفقد منه شيئا فلما رجع بها الى مكة وأدى الى اهلها ما كان لهم معه من الودائع أسلم وخرج من مكة راجعا الى المدينة فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجته بالنكاح الاول ولم يحدث نكاحا ولا عقدا كما تقدم بيان ذلك وكان بين اسلامه وهجرتها ست سنين وقد بينا أنه لا منافاة بين الروايتين وان اسلامه تأخر عن وقت تحريم المؤمنات على الكفار بسنتين وكان اسلامه في سنة ثمان في سنة الفتح لا كما تقدم في كلام الواقدي من أنه سنة ست فالله أعلم
وذكر الواقدي في هذه السنة أن دحية بن خليفة الكلبي أقبل من عند قيصر قد أجازه بأموال
وخلع فلما كان بحسمي لقيه ناس من جذام فقطعوا عليه الطريق فلم يتركوا معه شيئا فبعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أيضا رضي الله عنه
قال الواقدي حدثني عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن عتبة قال خرج علي رضي الله عنه في مائة رجل الى أن نزل الى حي من بني أسد بن بكر وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر فسار اليهم بالليل وكمن بالنهار وأصاب عينا لهم فأقر له أنه بعث الى خيبر يعرض عليهم على أن يجعلوا لهم تمر خيبر
قال الواقدي رحمه الله تعالى وفي سنة ست في شعبان كانت سرية عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هم أطاعوا فتزوج بنت ملكهم فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن بنت ملكهم تماضر بنت الاصبع الكلبية وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
قال الواقدي في شوال سنة ست كانت سرية كرز بن جابر الفهري الى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا النعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم كرز بن جابر في عشرين فارسا فردوهم وكان من أمرهم ما أخرجه البخاري ومسلم من طريق سعيد بن ابي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن رهطا من عكل وعرينة وفي رواية من عكل أو عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انا أناس أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فاستوخمنا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود وراع وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها فانطلقوا حتى اذا كانوا بناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستاقوا الذود وكفرو بعد اسلامهم فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا وهم كذلك قال قتادة فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا خطب بعد ذلك حض على الصدقة ونهى عن المثلة وهذا الحديث قد رواه جماعة عن قتادة ورواه جماعة عن أنس بن مالك وفي رواية مسلم عن معاوية بن قرة عن أنس أن نفرا من عرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وبايعوه وقد وقع في المدينة الموم وهو البرسام فقالوا هذا الموم قد وقع يا رسول الله لو أذنت لنا فرجعنا الى الابل قال نعم فاخرجوا فكونوا فيها فخرجوا فقتلوا الراعيين وذهبوا بالابل وعنده سار من الانصار قريب عشرين فأرسلهم اليهم وبعث معهم قائفا يقتص أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وفي صحيح البخاري من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس أنه قال قدم رهط من عكل فأسلموا واجتووا المدينة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال الحقوا بالابل واشربوا من أبوالها وألبانها فذهبوا وكانوا فيها ما شاء الله فقتلوا الراعي واستاقوا الابل فجاء الصريخ الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ترتفع الشمس حتى أتي بهم فأمر بمسامير فأحميت فكواهم بها وقطع
أيديهم وأرجلهم وألقاهم في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ولم يحمهم وفي رواية عن أنس قال فلقد رأيت أحدهم يكدم الارض بفيه من العطش قال أبو قلابة فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد ايمانهم وحاربوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وقد روى البيهقي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن سليمان عن محمد بن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث في آثارهم قال اللهم عم عليهم الطريق واجعلها عليهم أضيق من مسك جمل قال فعمى الله عليهم السبيل فأدركوا فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وفي صحيح مسلم انما سملهم لانهم سملوا أعين الرعاء
*2* فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة
@
أعني سنة ست من الهجرة فيها نزل فرض الحج كما قرره الشافعي رحمه الله زمن الحديبية في قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله ولهذا ذهب الى أن الحج على التراخي لا على الفور لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في سنة عشر وخالفه الثلاثة مالك وأبو حنيفة وأحمد فعندهم أن الحج يجب على كل من استطاعه على الفور ومنعوا أن يكون الوجوب مستفادا من قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وإنما في هذه الآية الأمر بالاتمام بعد الشروع فقط واستدلوا بأدلة قد اوردنا كثيرا منها عند تفسير هذه الآية من كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة بما فيه الكفاية
وفي هذه السنة حرمت المسلمات على المشركين تخصيصا لعموم ما وقع به الصلح عام الحديبية على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته علينا فنزل قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بايمانهن فان علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن الآية
وفي هذه السنة كانت غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الافك ونزول براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كما تقدم
وفيها كانت عمرة الحجيبية وما كان من صد المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف وقع الصلح بينهم على وضع الحرب بينهم عشر سنين فأمن الناس فيهن بعضهم بعضا وعل أنه لا إغلال ولا إسلال وقد تقدم كل ذلك مبسوطا في أماكنه ولله الحمد والمنة وولى الحج في هذه السنة المشركون
قال الواقدي وفيها في ذي الحجة منها بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبي بلتعة الى المقوقس صاحب الاسكندرية وشجاع بن وهب بن أسد بن جذيمة شهد بدرا الى الحارث بن أبي شمر الغساني يعني ملك عرب النصارى ورضية بن خليفة الكلبي الى قيصر وهو هرقل ملك الروم وعبد الله بن حذافة السهمي الى كسرى ملك الفرس وسليط بن عمرو العامري الى هوذة ابن علي الحنفي وعمرو بن امية الضمري الى النجاشي ملك النصارى بالحبشة وهو أصحمة ابن الحر
*2* سنة سبع من الهجرة
@ غزوة خيبر في اولها
قال شعبة عن الحاكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله وأثابهم فتحا قريبا قال خيبر وقال موسى بن عقبة لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية مكث عشرين يوما أو قريبا من ذلك ثم خرج الى خيبر وهي التي وعده الله اياها وحكى موسى عن الزهري أن افتتاح خيبر في سنة ست والصحيح ان ذلك في أول سنة سبع كما قدمنا قال ابن اسحاق ثم اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم ثم خرج في بقية المحرم الى خيبر وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن عروة عن مروان والمسور قالا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح بين مكة والمدينة فقدم المدينة في ذي الحجة فأقام بها حتى سار الى خيبر فنزل بالرجيع واد بين غطفان فتخوف أن تمدهم غطفان حتى أصبح فغدا عليهم قال البيهقي وبمعناه رواه الواقدي عن شيوخه في خروجه أول سنة سبع من الهجرة وقال عبد الله بن ادريس عن اسحق حدثني عبد الله بن أبي بكر قال لما كان افتتاح خيبر في عقيب المحرم وقدم النبي صلى الله عليه وسلم في آخر صفر قال ابن هشام واستعمل على المدينة نميلة بن عبد الله الليثى وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا حسيم يعني ابن عراك عن أبيه أن أبا هريرة قدم المدينة في رهط من قومه والنبي صلى الله عليه وسلم في خيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة يعني الغطفاني على المدينة قال فانتهيت اليه وهو يقرأ في صلاة الصبح في الركعة الاولى كهيعص وفي الثانية ويل للمطففين فقلت في نفسي ويل لفلان اذا اكتال بالوافي واذا كال كال بالناقص قال فلما صلى رددنا شيئا حتى أتينا خيبر وقد افتتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قال فكلم المسلمين فأشركونا في سهامهم وقد رواه البيهقي من حديث سليمان بن حرب عن وهيب عن خيثم بن عراك عن أبيه عن نفر من بني غفار قال ان أبا هريرة قدم المدينة فذكره قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المدينة الى خيبر سلك على مصر وبني له فيها مسجدا ثم على الصهباء ثم أقبل بجيشه حتى نزل به بواد يقال له الرجيع فنزل بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين ان يمدوا أهل خيبر كانوا لهم مظاهرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغني ان غطفان لما سمعوا بذلك جمعوا ثم خرجوا ليظاهروا اليهود عليه حتى اذا ساروا منقلة خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا ظنوا أن القوم قد خالفوا
اليهم فرجعوا على أعقابهم فأقاموا في أموالهم وأهليهم وخلوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين خيبر وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير ان سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى اذا كانوا بالصهباء وهي من أدنى خيبر صلى العصر ثم دعا بالازواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثرى فأكل وأكلنا ثم قام الى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم بن اسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الاكوع قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك وكان عامر رجلا شاعرا فنزل يحدو بالقوم يقول
لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا * وألقين سكينة علينا
وثبت الاقدام إن لاقينا * إنا اذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا السائق قالوا عامر بن الاكوع قال يرحمه الله فقال رجل من القوم وجبت يا نبي الله لولا امتعتنا به فاتينا خيبر فناصرناهم حتى اصابتنا مخمصة شديدة ثم ان الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه النيران على أي شيء توقدون قالوا على لحم قال على أي لحم قالوا لحم الحمر الانسية قال النبي صلى الله عليه وسلم اهريقوها واكسروها فقال رجل يا رسول الله أونهريقها ونغسلها فقال أو ذاك فلما تصاف الناس كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه فلما قفلوا قال سلمة رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي قال مالك قلت فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله قال النبي صلى الله عليه وسلم كذب من قاله ان له لأجرين وجمع بين اصبعيه انه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله ورواه مسلم من حديث حاتم بن اسماعيل وغيره عن يزيد بن أبي عبيد مثله ويكون منصوبا على الحالية من نكرة وهو سائغ اذا دلت على تصحيح معنى كما جاء في الحديث فصلى وراءه رجل قياما وقد روى ابن اسحاق قصة عامر بن الاكوع من وجه آخر فقال حدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي عن أبي الهيثم بن نصر بن دهر الاسلمي أن أباه حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مسيره الى خيبر لعامر بن الاكوع وهو عم سلمة بن عمرو بن الاكوع انزل يا ابن الاكوع فخذ لنا من هناتك فقال فنزل يرتجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم
والله لو الله ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
انا اذا قوم بغوا علينا * وان أرادوا فتنة أبينا
فأنزلن سكينة علينا * وثبت الاقدام ان لاقينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحمك ربك فقال عمر بن الخطاب وجبت يا رسول الله لو أمتعتنا به فقتل يوم خيبر شهيدا ثم ذكر صفة قتله كنحو ما ذكره البخاري قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن ابي مروان الاسلمي عن أبيه عن ابي معتب بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أشرف على خيبر قال لاصحابه وأنا فيهم قفوا ثم قال اللهم رب السموات وما أظللن ورب الارضين وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما أذرين فانا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وقد رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن العطاردي عن يونس بن بكير عن ابراهيم بن اسماعيل بن مجمع عن صالح بن كيسان عن أبي مروان الاسلمي عن أبيه عن جده قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر حتى اذا كنا قريبا وأشرفنا عليها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس قفوا فوقف الناس فقال اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الارضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن فانا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا غزا قوما لم يغر عليهم حتى يصبح فان سمع أذانا أمسك وان لم يسمع أذانا أغار فنزلنا خيبر ليلا فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح لم يسمع أذانا فركب وركبنا معه وركبت خلف أبي طلحة وان قدمي لتمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقبلنا عمال خيبر غادين قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش قالوا محمد والخميس معه فأدبروا هرابا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قال ابن اسحاق حدثنا هأرون عن حميد عن أنس بمثله
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله أتى خيبر ليلا وكان اذا أتى قوما بليل لم يغر بهم حتى يصبح فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به دون مسلم
وقال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا أبو عيينة حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين عن
أنس بن مالك قال صبحنا خيبر بكرة فخرج أهلها بالمساحي فلما ابصروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قالوا محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين قال فأصبنا من لحوم الحمر فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم ان الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فانها رجس تفرد به البخاري دون مسلم
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر فوجدهم حين خرجوا الى زرعهم ومساحيهم فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا فرجعوا الى حصنهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله اكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيحين
وقال البخاري حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال صلى الله عليه وسلم الصبح قريب من خيبر بغلس ثم قال الله أكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فخرجوا يسعون بالسكك فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية وكان في السبي صفية فصارت الى دحية الكلبي ثم صارت الى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عتقها صداقها قال عبد العزيز ابن صهيب لثابت يا أبا محمد أأنت قلت لأنس ما أصدقها فحرك ثابت رأسه تصديقا له تفرد به دون مسلم وقد أورد البخاري ومسلم النهي عن لحوم الحمر الاهلية من طرق تذكر في كتاب الاحكام
وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو طاهر الفقيه أنبأنا خطاب بن أحمد الطوسي حدثنا محمد بن حميد الابيوردي حدثنا محمد بن الفضل عن مسلم الاعور الملائي عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة الملوك ويركب الحمار وكان يوم بني قريظة والنضير على حمار ويوم خيبر على حمار مخطوم برسن ليف وتحته اكاف من ليف وقد روى هذا الحديث بتمامه الترمذي عن علي بن حجر عن علي بن مسهر وابن ماجه عن محمد بن الصباح عن سفيان وعن عمر بن رافع عن جرير كلهم عن مسلم وهو ابن كيسان الملائي الاعور الكوفي عن أنس به وقال الترمذي لا نعرفه الا من حديثه وهو يضعف قلت والذي ثبت في الصحيح عند البخاري عن أنس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى في رفاق خيبر حتى انحسر الازار عن فخذه فالظاهر انه كان يومئذ على فرس لا على حمار ولعل هذا الحديث ان كان صحيحا محمول على انه ركبه في بعض الايام وهو محاصرها والله أعلم
وقال البخاري حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي حدثنا زياد بن الربيع عن أبي عمران الجوني قال نظر أنس الى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال كأنهم الساعة يهود خيبر وقال البخاري حدثنا
عبد الله بن مسلمة حدثنا حاتم عن يزيد بن أبي عبيد عن مسلمة بن الاكوع قال كان علي بن ابي طالب تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر وكان رمدا فقال أنا أتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلحق به فلما بتنا الليلة التي فتحت خيبر قال لأعطين الراية غدا أو ليأخذن الراية غدا رجل يحبه الله ورسوله يفتح عليه فنحن نرجوها فقيل هذا علي فأعطاه ففتح عليه وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن حاتم به ثم قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم قال أخبرني سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي بن أبي طالب فقالوا هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسل اليه فأتى فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي يا رسول الله اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال صلى الله عليه وسلم انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم الى الاسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة به وفي الصحيح مسلم والبيهقي من حديث سهيل ابن ابي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله عليه قال عمر فما أحببت الامارة إلا يومئذ فدعا عليا فبعثه ثم قال اذهب فقاتل حتى يفتح الله عليك ولا تلتفت قال علي على ما أقاتل الناس قال قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فاذا فعلوا ذلك فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله لفظ البخاري
وقال الامام احمد حدثنا مصعب بن المقدام وجحش بن المثنى قالا حدثنا اسرائيل حدثنا عبد الله بن عصمة العجلي سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الراية فهزها ثم قال من يأخذها بحقها فجاء فلان فقال أنا قال امض ثم جاء رجل آخر فقال امض ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي كرم وجه محمد لاعطينها رجلا لا يفر فقال هاك يا علي فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر وفدك وجاء بعجوتها وقديدها تفرد به أحمد واسناده لا بأس به وفيه غرابة وعبد الله بن عصمة ويقال ابن أعصم وهكذا يكنى بأبي علوان العجلي وأصله من اليمامة سكن الكوفة وقد وثقه ابن معين وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم شيخ وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ كثيرا وذكره في الضعفاء وقال يحدث عن الاثبات مما لا يشبه حديث الثقات حتى يسبق الى القلب أنها موهومة أو موضوعة
وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الاسلمي عن أبيه عن سلمة بن عمرو بن الاكوع رضي الله عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه الى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث عمر رضي الله عنه فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه وليس بفرار قال سلمة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب رضي الله عنه وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال خذ الراية وامض بها حتى يفتح الله عليك فخرج بها والله يصول يهرول هرولة وإنا لخلفه نتبع أثره حتى ركز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن فاطلع يهودي من رأس الحصن فقال من أنت قال أنا علي بن ابي طالب فقال اليهودي غلبتم وما أنزل على موسى فما رجع حتى فتح الله على يديه
وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا العطاردي عن يونس بن بكير عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة أخبرني أبي قال لما كان يوم خيبر أخذ اللواء أبو بكر فرجع ولم يفتح له وقتل محمود بن مسلمة ورجع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لادفعن لوائي غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله لن يرجع حتى يفتح الله له فبتنا طيبة نفوسنا أن الفتح غدا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغداة ثم دعا باللواء وقام قائما فما منا من رجل له منزلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل حتى تطاولت أنا لها ورفعت رأسي لمنزلة كانت لي منه فدعا علي بن أبي طالب وهو يشتكي عينيه قال فمسحها ثم دفع اليه اللواء ففتح له فسمعت عبد الله بن بريدة يقول حدثني أبي أنه كان صاحب مرحب
قال يونس قال ابن اسحاق كان أول حصون خيبر فتحا حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته
ثم روى البيهقي عن يونس بن بكير عن المسيب بن مسلمة الازدي حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أخذته الشقيقة فلبث اليوم واليومين لا يخرج فلما نزل خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج الى الناس وان أبا بكر أخذ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض فقاتل قتالا شديدا ثم رجع فأخذها عمر فقاتل قتالا شديدا هو اشد من القتال الاول ثم رجع فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لاعطينها غدا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله
يأخذها عنوة وليس ثم علي فتطاولت لها قريش ورجا كل رجل منهم أن يكون صاحب ذلك فأصبح وجاء علي بن ابي طالب على بعير له حتى أناخ قلايبا وهو أرمد قد عصب عينه بشقة برد قطري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك قال رمدت بعدك قال ادن مني فتفل في عينه فما وجعها حتى مضى لسبيله ثم أعطاه الراية فنهض بها وعليه جبه أرجو ان حمراء قد أخرج خملها فأتى مدينة خيبر وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر يماني وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه وهو يرتجز ويقول
قد علمت خيبر أني مرحب * شاك سلاحي بطل مجرب
اذا الليوث أقبلت تلهب * وأحجمت عن صولة المغلب
فقال علي رضي الله عنه * أنا الذي سمتني أمي حيدره
كليث غابات شديد القسورة
أكيلكم بالصاع كيل السندره
قال فاختلفنا ضربتين فبدره علي بضربه فقد الحجر والمغفر ورأسه ووقع في الاضراس وأخذ المدينة
وقد روى الحافظ البزار عن عباد بن يعقوب عن عبد الله بن بكر عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قصة بعث أبي بكر ثم عمر يوم خيبر ثم بعث علي فكان الفتح على يديه وفي سياقه غرابة ونكارة وفي اسناده من هو متهم بالتشيع والله أعلم
وقد روى مسلم والبيهقي واللفظ له من طريق عكرمة بن عمار عن اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه فذكر حديثا طويلا وذكر فيه رجوعهم من غزوة بني فزارة قال فلم نمكث الا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر قال وخرج عامر فجعل يقول
والله لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
ونحن من فضلك ما استغنينا * فأنزلن سكينة علينا
وثبت الاقدام إن لاقينا
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا القائل فقالوا عامر فقال غفر لك ربك قال وما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم قط أحدا به الا استشهد فقال عمر وهو على جمل لولا متعتنا بعامر قال فقدمنا خيبر فخرج مرحب وهو يخطر بسيفه ويقول
قد علمت خيبر اني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب
اذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له عامر رضي الله عنه وهو يقول
قد علمت خيبر اني عامر * شاكي السلاح بطل مغامر
قال فاختلفنا ضربتين فوقع سيف مرحب في ترس عامر فذهب يسعل له فرجع على نفسه فقطع أكحله فكانت فيها نفسه قال سلمة فخرجت فإذا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون بطل عمل عامر قتل نفسه قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي فقال مالك فقلت قالوا ان عامرا بطل عمله فقال من قال ذلك فقلت نفر من أصحابك فقال كذب أولئك بل له الاجر مرتين قال وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى علي رضي الله عنه يدعوه وهو أرمد وقال لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله قال فجئت به أقوده قال فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينه فبرأ فأعطاه الراية فبرز مرحب وهو يقول * قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب
اذا الحروب أقبلت تلهب
قال فبرز له علي وهو يقول
أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث غابات كريه المنظره
أوفيهم بالصاع كيل السندره
قال فضرب مرحبا ففلق رأسه فقتله وكان الفتح هكذا وقع في هذا السياق ان عليا هو الذي قتل مرحبا اليهودي لعنه الله
وقال أحمد حدثنا حسين بن حسن الاشقر حدثني قابوس بن ابي ظبيان عن أبيه عن جده عن علي قال لما قتلت مرحبا جئت برأسه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد روى موسى عن عقبة عن الزهري ان الذي قتل مرحبا هو محمد بن مسلمة وكذلك قال محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن سهل أحد بني حارثة عن جابر بن عبد الله قال خرج مرحب اليهودي من حصن خيبر وهو يرتجز ويقول
قد علمت خيبر اني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب
أطعن أحيانا وحينا أضرب * اذا الليوث أقبلت تلهب
إن حماتي للحمى لا يقرب
قال فأجابه كعب بن مالك
قد علمت خيبر اني كعب * مفرج الغماء جريء صلب
اذ شبت الحرب وثار الحرب * معي حسام كالعقيق عضب
يطأكمو حتى يذل الصعب * بكف ماض ليس فيه عيب
قال وجعل مرحب يرتجز ويقول هل من مبارز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لهذا فقال محمد بن مسلمة أنا له يا رسول الله أنا والله الموتور والثائر قتلوا اخي بالامس فقال قم اليه اللهم أعنه عليه قال فلما دنا أحدهما من صاحبه دخلت بينهما شجرة عمرية من الشجر العشر المسد فجعل كل واحد منهما يلوذ من صاحبه بها كلما لاذ بها أحدهما اقتطع بسيفه ما دونه حتى برز كل واحد منهما لصاحبه وصارت بينهما كالرجل القائم ما فيها فنن ثم حمل على محمد بن مسلمة فضربه فاتقاه بالدرقة فوقع سيفه فيها فعضت فاستله وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله وقد رواه الامام احمد عن يعقوب بن ابراهيم عن أبيه عن ابن اسحاق بنحوه
قال ابن اسحاق وزعم بعض الناس ان محمدا ارتجز حين ضربه وقال
قد علمت خيبر اني ماض * حلو اذا شئت وسم قاض
وهكذا رواه الواقدي عن جابر وغيره من السلف ان محمد بن مسلمة هو الذي قتل مرحبا ثم ذكر الواقدي ان محمدا قطع رجلي مرحب فقال له أجهز علي فقال لا ذق الموت كما ذاقه محمود بن مسلمة فمر به علي وقطع رأسه فاختصما في سلبه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة سيفه ورمحه ومغفره وبيضته قال وكان مكتوبا على سيفه
هذا سيف مرحب * من يذقه يعطب
ثم ذكر ابن اسحاق ان أخا مرحب وهو ياسر خرج بعده وهو يقول هل من مبارز فزعم هشام ابن عروة ابن الزبير خرج له فقالت أم صفية بنت عبد المطلب يقتل ابني يا رسول الله فقال بل ابنك يقتله ان شاء الله فالتقيا فقتله الزبير قال فكان الزبير اذا قيل له والله ان كان سيفك يومئذ صارما يقول والله ما كان بصارم ولكني أكرهته
وقال يونس عن ابن اسحاق عن بعض أهله عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرجنا مع علي الى خيبر بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم برايته فلما دنا من الحصن خرج اليه اهله فقاتلهم فضربه رجل منهم من يهود فطرح ترسه من يده فتناول علي باب الحصن فترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه ثم ألقاه من يده فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا ان نقلبه وفي هذا الخبر جهالة وانقطاع ظاهر ولكن
روى الحافظ البيهقي والحاكم من طريق مطلب بن زياد عن ليث بن ابي سليم عن ابي جعفر الباقر عن جابر ان عليا حمل الباب يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه فافتتحوها وانه جرب بعد ذلك فلم يحمله أربعون رجلا وفيه ضعف أيضا وفي رواية ضعيفة عن جابر ثم اجتمع عليه سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب
وقال البخاري حدثنا مكي بن ابراهيم حدثنا يزيد بن ابي عبيد قال رأيت أثر ضربة في ساق سلمة فقلت يا ابا مسلم ما هذه الضربة قال هذه ضربة اصابتني يوم خيبر فقال الناس أصيب سلمة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات فما اشتكيتها حتى الساعة
ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا ابن أبي حازم عن أبيه عن سهل قال التقى النبي صلى الله عليه وسلم والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا فمال كل قوم الى عسكرهم وفي المسلمين رجل لا يدع من المشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها فضربها بسيفه فقيل يا رسول الله ما أجزأ منا أحد ما أجزأ فلان قال انه من أهل النار فقالوا أينا من أهل الجنة إن كان هذا من أهل النار فقال رجل من القوم لاتبعنه فاذا أسرع وأبطأ كنت معه حتى جرح فاستعجل الموت فوضع نصاب سيفه بالارض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه فجاء الرجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أشهد انك رسول الله قال وما ذاك فأخبره فقال ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وانه من اهل النار ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وأنه من أهل الجنة رواه أيضا عن قتيبة عن يعقوب عن ابي حازم عن سهل فذكره مثله أو نحوه
ثم قال البخاري حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال شهدنا خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدعي الاسلام هذا من اهل النار فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة حتى كاد بعض الناس يرتاب فوجد الرجل ألم جراحه فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها أسهما فنحر بها نفسه فاشتد رجال من المسلمين فقالوا يا رسول الله صدق الله حديثك انتحر فلان فقتل نفسه فقال قم يا فلان فاذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وأن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر
وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري قصة العبد الأسود الذي رزقه الله الايمان والشهادة في ساعة واحدة وكذلك رواها ابن لهيعة عن ابي الأسود عن عروة قالا وجاء عبد حبشي أسود من أهل خيبر كان في غنم لسيده فلما رأى أهل خيبر قد أخذوا السلاح سألهم قال ما تريدون قالوا نقاتل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فوقع في نفسه ذكر النبي فأقبل بغنمه حتى عمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الى ما تدعو قال أدعوك الى الاسلام الى أن تشهد أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله وأن لا تعبدوا إلا الله قال فقال العبد فماذا يكون لي ان شهدت بذلك وآمنت بالله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة إن مت على ذلك فأسلم العبد فقال يا نبي الله ان هذه الغنم عندي أمانة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجها من عسكرنا وارمها بالحصا فان الله سيؤدي عنك أمانتك ففعل فرجعت الغنم الى سيدها فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظ الناس فذكر الحديث في اعطائه الراية عليا ودنوه من حصن اليهود وقتله مرحبا وقتل مع علي ذلك العبد الأسود فاحتمله المسلمون الى عسكرهم فادخل في الفسطاط فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع في الفسطاط ثم اطلع على أصحابه فقال لقد أكرم الله هذا العبد وساقه الى خير قد كان الاسلام في قلبه حقا وقد رأيت عند رأسه اثنتين من الحور العين
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق ابن وهب عن حيوة بن شريح عن ابن الهاد عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فخرجت سرية فأخذوا إنسانا معه غنم يرعاها فذكر نحو قصة هذا العبد الأسود وقال فيه قتل شهيدا وما سجد لله سجدة
ثم قال البيهقي حدثنا محمد بن محمد بن محمد الفقيه حدثنا أبو بكر القطان حدثنا أبو الازهر حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اني رجل أسود اللون قبيح الوجه لا مال لي فان قاتلت هؤلاء حتى اقتل أدخل الجنة قال نعم فتقدم فقاتل حتى قتل فأتي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقتول فقال لقد حسن الله وجهك الطيب وكثر مالك وقال لقد رأيت زوجتيه من الحور العين يتنازعان جبته عليه يدخلان فيما بين جلده وجبته ثم روى البيهقي من طريق ابن جريج أخبرني عكرمة بن خالد عن ابن أبي عمار عن شداد ابن الهاد أن رجلا من الاعراب جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه فقال اهاجر معك فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فلما كانت غزوة خيبر غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه وقسم له فأعطى أصحابه ما قسم له وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه اليه فقال ما هذا قالوا قسم قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما على هذا اتبعتك ولكني اتبعتك على أن أرمى ها هنا وأشار الى حلقه بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال ان تصدق الله يصدقك ثم نهضوا الى قتال العدو فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل وقد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي صلى الله عليه وسلم هو هو قالوا نعم قال صدق الله فصدقه وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر في صلاته اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك قتل شهيدا وأنا عليه شهيد وقد رواه النسائي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن ابن جريج به نحوه


يتبع ...

اخت مسلمة
04-12-2009, 10:49 PM
*2* فصل ( فتح رسول الله عليه السلام للحصون ) .
@ قال ابن اسحاق وتدني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأموال يأخذها مالا مالا ويفتتحها حصنا حصنا وكان أول حصونهم فتح حصن ناعم وعنده قتل محمود بن مسلمة ألقيت عليه رحى منه فقتلته ثم القموص حصن بني أبي الحقيق وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم سبايا منهن صفية بنت حيي بن أخطب وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وبنتي عم لها فاصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه وكان دحية بن خليفة قد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنتي عمها قال وفشت السبايا من خيبر في المسلمين وأكل الناس لحوم الحمر فذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم عن أكلها وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل فأورد النهي عنها من طرق جيدة وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفا وخلفا وهو مذهب الائمة الاربعة وقد ذهب بعض السلف منهم ابن عباس الى إباحتها وتنوعت أجوبتهم عن الاحاديث الواردة في النهي عنها فقيل لأنها كانت ظهرا يستعينون بها في الحمولة وقيل لأنها لم تكن خمست بعد وقيل لأنها كانت تأكل العذرة يعني جلالة والصحيح أنه نهى عنها لذاتها فانه في الاثر الصحيح أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس فاكفئوها والقدور تفور بها وموضع تقرير ذلك في كتاب الاحكام
قال ابن اسحاق حدثني سلام بن كركرة عن عمرو بن دينارعن جابر بن عبد الله ولم يشهد جابر خيبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نهى الناس عن اكل لحوم الحمر أذن لهم في لحوم الخيل وهذا الحديث أصله ثابت في الصحيحين من حديث حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي عن جابر رضي الله عنه قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في الخيل لفظ البخاري
قال ابن اسحاق وحدثنا عبد الله بن أبي نجيح عن مكحول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم يومئذ عن أربع عن إتيان الحبالى من النساء وعن اكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع وعن بيع المغانم حتى تقسم وهذا مرسل وقال ابن اسحاق وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق مولى نجيب عن حسن الصنعاني قال غزونا مع رويفع بن ثابت الأنصاري المغرب فافتتح قرية من قرى المغرب يقال له جربة فقام فيها خطيبا فقال أيها الناس اني لا أقول فيكم الا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقى ماء زرع غيره يعني اتيان الحبالى من السبي لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم
الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها فيه ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس يوما من فيء المسلمين حتى اذا أخلقه رده فيه وهكذا روى هذا الحديث أبو داود من طريق محمد بن اسحاق ورواه الترمذي عن حفص بن عمرو الشيباني عن ابن وهب عن يحيى بن ايوب عن ربيعة بن سليم عن بشر بن عبيد الله عن رويفع بن ثابت مختصرا وقال حسن
وفي صحيح البخاري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن أكل الثوم وقد حكى ابن حزم عن علي وشريك بن حنبل أنهما ذهبا الى تحريم البصل والثوم النيء والذي نقله الترمذي عنهما الكراهة فالله أعلم وقد تكلم الناس في الحديث الوارد في الصحيحين من طريق الزهري عن عبد الله والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية هذا لفظ الصحيحين من طريق مالك وغيره عن الزهري وهو يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر وهو مشكل من وجهين أحدهما أن يوم خيبر لم يكن ثم نساء يتمتعون بهن اذ قد حصل لهم الاستغناء بالسباء عن نكاح المتعة الثاني أنه قد ثبت في صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة عن معبد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لهم في المتعة زمن الفتح ثم لم يخرج من مكة حتى نها عنها وقال ان الله قد حرمها الى يوم القيامة فعلى هذا يكون قد نهى عنها ثم أذن فيها ثم حرمت فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد ومع هذا فقد نص الشافعي على أنه لا يعلم شيئا أبيح ثم حرم ثم ابيح ثم حرم غير نكاح المتعة وما حداه على هذا رحمه الله الا اعتماده على هذين الحديثين كما قدمناه
وقد حكى السهيلي وغيره عن بعضهم أنه ادعى أنها أبيحت ثلاث مرات وحرمت ثلاث مرات وقال آخرون اربع مرات وهذا بعيد جدا والله أعلم واختلفوا أي وقت أول ما حرمت فقيل في خيبر وقيل في عمرة القضاء وقيل في عام الفتح وهذا يظهر وقيل في أوطاس وهو قريب من الذي قبله وقيل في تبوك وقيل في حجة الوداع رواه أبو داود
وقد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث علي رضي الله عنه بأنه وقع فيه تقديم وتأخير وانما المحفوظ فيه ما رواه الامام احمد حدثنا سفيان عن الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد
عن أبيهما وكان حسن أرضاهما في أنفسهما أن عليا قال لابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية زمن خيبر قالوا فاعتقدنا الراوي ان قوله خيبر ظرف للمنهي عنهما وليس كذلك انما هو ظرف للنهي عن لحوم الحمر فأما نكاح المتعة فلم يذكر له ظرفا وانما جمعه معه لأن عليا رضي الله عنه بلغه أن ابن عباس أباح نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية كما هو المشهور عنه فقال له أمير المؤمنين علي انك امرؤ تائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة ولحوم الحمر الاهلية يوم خيبر فجمع له النهي ليرجع عما كان يعتقده في ذلك من الاباحة والى هذا التقرير كان ميل شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته آمين ومع هذا ما رجع ابن عباس منا كان يذهب اليه من إباحة الحمر والمتعة أما النهي عن الحمر فتأوله بأنها كانت حمولتهم وأما المتعة فانما كان يبيحها عند الضرورة في الاسفار وحمل النهي على ذلك في حال الرفاهية والوجدان وقد تبعه على ذلك طائفة من أصحابه وأتباعهم ولم يزل ذلك مشهورا عن علماء الحجاز الى زمن ابن جريج وبعده وقد حكى عن الامام أحمد بن حنبل رواية كمذهب ابن عباس وهي ضعيفة وحاول بعض من صنف في الحلال ونقل رواية عن الامام بمثل ذلك ولا يصح أيضا والله أعلم وموضع تحرير ذلك في كتاب الاحكام وبالله المستعان
قال ابن اسحاق ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتدنى الحصون والاموال فحدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدثه بعض من أسلم أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا شيء فلم يجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يعطيهم اياه فقال اللهم إنك قد عرفت تحالهم وإن ليست لهم قوة وإن ليس بيدى شيء أعطيهم اياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم عنى وأكثرها طعاما وودكا فغدا الناس ففتح عليهم حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه
قال ابن اسحاق ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم ما افتتح وحاز من الاموال ما حاز انتهوا الى حصنهم الوطيح والسلالم وكان آخر حصون خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشر ليلة قال ابن هشام وكان شعارهم يوم خيبر يا منصور أمت أمت
قال ابن اسحاق وحدثني بريدة بن سفيان الاسدي عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليسر بن كعب بن عمرو قال اني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ذات عشية اذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنهم ونحن محاصروهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يطعمنا من هذه الغنم قال أبو اليسر
فقلت أنا يا رسول الله قال فافعل قال فخرجت أشتد مثل الظليم فلما نظر الي رسول الله صلى الله عليه وسلم موليا قال اللهم أمتعنا به قال فأدركت الغنم وقد دخلت أولها الحصن فأخذت شاتين من أخراها فاحتضنتهما تحت يدي ثم جئت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء حتى ألقيتهما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذبحوهما فأكلوهما فكان أبو اليسر من آخر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم موتا وكان اذا حدث هذا الحديث بكى ثم قال أمتعوا بي لعمري حتى كنت من آخرهم وقال الحافظ البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الاصبهاني حدثنا أبو سعيد بن الاعرابي حدثنا سعدان بن نصر حدثنا أبو معاوية عن عاصم الاحول عن أبي عثمان النهدي أو عن أبي قلابة قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قدم والثمرة خضرة قال فأسرع الناس اليها فحموا فشكوا ذلك اليه فأمرهم أن يقرسوا الماء في الشنان ثم يجرونه عليهم اذا أتى الفجر ويذكرون اسم الله عليه ففعلوا ذلك فكأنما نشطوا من عقل قال البيهقي ورويناه عن عبد الرحمن بن رافع موصولا وعنه بين صلاتي المغرب والعشاء وقال الامام أحمد حدثنا يحيى وبهز قالا حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال حدثنا عبد الله بن مغفل قال دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت لا أعطى أحدا منه شيئا قال فالتفت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا شعبةعن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل قال كنا نحاصر قصر خيبر فألقى الينا جراب في شحم فذهبت فأخذته فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيت وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة ورواه مسلم أيضا عن شيبان بن فروخ عن عثمان ابن المغيرة وقال ابن اسحاق وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مغفل المزني قال أصبت من فيء خيبر جراب شحم قال فاختملته على عنقي الى رحلي وأصحابي قال فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها فأخذ بناحيته وقال هلم حتى تقسمه بين المسلمين قال وقلت لا والله لا أعطيكه قال وجعل يجاذبني الجراب قال فرآنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا ثم قال لصاحب المغانم خل بينه وبينه قال فأرسله فانطلقت به الى رحلي وأصحابي فأكلناه وقد استدل الجمهور بهذا الحديث على الامام مالك في تحريمه شحوم ذبائح اليهود وما كان غلبهم عليه غيرهم من المسلمين لأن الله تعالى قال وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم قال وليس هذا من طعامهم فاستدلوا عليه بهذا الحديث وفيه نظر وقد يكون هذا الشحم مما كان حلالا لهم والله أعلم وقد استدلوا بهذا الحديث على أن الطعام لا يخمس ويعضد ذلك ما رواه الامام أبو داود حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو معاوية حدثنا اسحاق الشيباني عن محمد بن أبي مجالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال قلت كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصبنا طعاما يوم خيبر وكان الرجل يجيء فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف تفرد به أبو داود وهو حسن
*2* ذكر قصة صفية بنت حيي النضرية
@
كان من شأنها أنه لما أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير من المدينة كما تقدم فذهب عامتهم الى خيبر وفيهم حيي بن أخطب وبنو ابي الحقيق وكانوا ذوي أموال وشرف في قومهم وكانت صفية اذ ذاك طفلة دون البلوغ ثم لما تأهلت للتزويج تزوجها بعض بني عمها فلما زفت اليه وادخلت اليه بني بها ومضى على ذلك ليالي رأت في منامها كأن قمر السماء قد سقط في حجرها فقصت رؤياها على ابن عمها فلطم وجهها وقال أتتمنين ملك يثرب أن يصير بعلك فما كان الا مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحصاره اياهم فكانت صفية في جملة السبي وكان زوجها في جملة القتلى ولما اصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت في حوزه وملكه كما سيأتي وبنى بها بعد استبرائها وحلها وجد أثر تلك اللطمة في خدها فسالها ما شأنها فذكرت له ما كانت رأت من تلك الرؤيا الصالحة رضي الله عنها وأرضاها قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس بن مالك قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قريبا من خيبر بغلس ثم قال الله أكبر خربت خيبر انا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين فخرجوا يسعون في السكك فقتل النبي صلى الله عليه وسلم المقاتلة وسبى الذرية وكان في السبي صفية فصارت الى دحية الكلبي ثم صارت الى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل عتقها صداقها ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن زيد وله طرق عن أنس وقال البخاري حدثنا آدم عن شعبة عن عبد العزيز ابن صهيب قال سمعت أنس بن مالك يقول سبى النبي صلى الله عليه وسلم صفية فأعتقها وتزوجها قال ثابت لأنس ما أصدقها قال أصدقها نفسها فاعتقها تفرد به البخاري من هذا الوجه وقال البخاري حدثنا عبد الغفار بن داود حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن وحدثنا أحمد بن عيسى حدثنا ابن وهب أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن عمرو مولى المطلب عن أنس بن مالك قال قدمنا خيبر فلما فتح صلى الله عليه وسلم الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها وكانت عروسا فاصطفاها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه فخرج بها حتى بلغ بها سد الصهباء حلت فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صنع حيسا في نطع صغير ثم قال لي آذن من حولك فكانت تلك وليمته على صفية ثم خرجنا الى المدينة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يحوي لها وراءه بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب تفرد به دون مسلم وقال البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية فدعوت المسلمين الى وليمته وما كان فيها من خبز ولحم وما كان فيها الا أن أمر بلالا بالانطاع فبسطت فألقى عليها التمر والاقط والسمن فقال المسلمون احدى أمهات المؤمنين أو
ما ملكت يمينه فقالوا ان حجبها فهي احدى أمهات المؤمنين وان لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب انفرد به البخاري وقال أبو داود حدثنا مسدد حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال صارت صفية لدحية الكلبي ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود حدثنا يعقوب بن ابراهيم قال حدثنا ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال جمع السبي يعني بخيبر فجاء دحية فقال يا رسول الله اعطني جارية من السبي قال اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي فجاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أعطيت دحية قال يعقوب صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير ما تصلح الا لك قال ادعوا بها فلما نظر اليها النبي صلى الله عليه وسلم قال خذ جارية من السبي غيرها وان رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقها وتزوجها وأخرجاه من حديث ابن علية وقال أبو داود حدثنا محمد بن خلاد الباهلي حدثنا بهز بن اسد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس قال وقع في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبعة أرؤس ثم دفعها الى أم سلمة تصنعها وتهيئها قال حماد وأحسبه قال وتعتد في بيتها صفية بنت حيي تفرد به أبو داود
قال ابن اسحاق فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص حصن بني أبي الحقيق أتي بصفية بنت حيي ابن أخطب وأخرى معها فمر بهما بلال وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتلى يهود فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعربوا عني هذه الشيطانة وأمر بصفية فحيزت خلفه وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهما وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن ابي الحقيق أن قمرا وقع في حجرها فعرضت رؤياها على زوجها فقال ما هذا الا أنك تمنين ملك الحجاز محمدا فلطم وجهها لطمة خضر عينها منها فاتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبها أثر منه فسألها ما هذا فأخبرته الخبر قال ابن اسحاق وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه فجحد ان يكون يعلم مكانه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم اني رأيت كنانة يطيف بهذه الخربة كل غداة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة أرأيت ان وجدناه عندك أقتلك قال نعم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض كنزهم ثم سأله عما بقي فأبى أن يؤديه فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال عذبه حتى تستأصل ما عنده وكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتى أشرف على نفسه ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة
*2* فصل ( محاصرة النبي عليه السلام أهل خيبر في حُصنيهم ) .
@ قال ابن اسحاق وحاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر في حصنيهم الوطيح والسلالم حتى اذا أيقنوا بالهلكة سألوه أن يسيرهم وأن يحقن دماءهم ففعل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حاز الاموال كلها الشق والنطاة والكتيبة وجميع حصونهم الا ما كان من ذينك الحصنين فلما سمع أهل فدك قد صنعوا ما صنعوا بعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسيرهم ويحقن دماءهم ويخلوا له الاموال ففعل وكان ممن مشى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك محيصة بن مسعود أخو بني حارثة فلما نزل أهل خيبر على ذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم في الاموال على النصف وقالوا نحن أعلم بها منكم وأعمر لها فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف على أنا اذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم وعامل أهل فدك بمثل ذلك
فصل
*2* فتح حصونها وقسيمة أرضها
@
قال الواقدي لما تحولت اليهود من حصن ناعم وحصن الصعب بن معاذ الى قلعة الزبير حاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ايام فجاء رجل من اليهود يقال له عزال فقال يا ابا القاسم تؤمنني على أن أدلك على ما تستريح به من أهل النطاة وتخرج الى أهل الشق فان أهل الشق قد هلكوا رعبا منك قال فأمنه رسول الله على أهله وماله فقال له اليهودي انك لو اقمت شهرا تحاصرهم ما بالوا لك ان لهم تحت الارض دبولا يخرجون بالليل فيشربون منها ثم يرجعن الى قلعتهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع دبولهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال وقتل من المسلمين يومئذ نفر وأصيب من اليهود عشرة وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان آخر حصون النطاة وتحول الى الشق وكان به حصون ذوات عدد فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلعة يقال لها سموان فقاتل عليها أشد القتال فخرج منهم رجل يقال له عزول فدعا الى البراز فبرز اليه الحباب بن المنذر فقطع يده اليمنى من نصف ذراعه ووقع السيف من يده وفر اليهودي راجعا فاتبعه الحباب فقطع عرقوبه وبرز منهم آخر فقام اليه رجل من المسلمين فقتله اليهودي فنهض اليه أبو دجانة فقتله وأخذ سلبه وأحجموا عن البراز فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه وأمامهم أبو دجانة فوجدوا فيه اثاثا ومتاعا وغنما وطعاما وهرب من كان فيه من المقاتلة وتقحموا الجزر كأنهم الضباب حتى صاروا الى حصن البزاة بالشق وتمنعوا أشد الامتناع فزحف اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتراموا ورمى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة حتى اصاب نبلهم بنانه عليه الصلاة والسلام فأخذ عليه السلام كفا من الحصا فرمى حصنهم بها فرجف بهم حتى ساخ في الارض وأخذهم المسلمون أخذا باليد قال الواقدي
ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل الاخبية والوطيح والسلالم حصني أبي الحقيق وتحصنوا اشد التحصن وجاء اليهم كل من كان انهزم من النطاة الى الشق فتحصنوا معهم في القموص وفي الكتيبة وكان حصنا منيعا وفي الوطيح والسلالم وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما نزل اليه ابن أبي الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من الارض والاموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البر الا ما كان على ظهر انسان يعني لباسهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله ان كتمتم شيئا فصالحوه على ذلك
قلت ولهذا لما كتموا وكذبوا وأخفوا ذلك المسك الذي كان فيه أموال جزيلة تبين انه لا عهد لهم فقتل ابني أبي الحقيق وطائفة من اهله بسبب نقض العهود منهم والمواثيق
وقال الحافظ البيهقي حدثني أبو الحسن علي بن محمد المقرىالاسفرايني حدثنا الحسن بن محمد ابن اسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا عبد الواحد بن غياث حدثنا حماد بن سلمة حدثنا عبيد الله بن عمر فيما يحسب أبو سلمة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم الى قصرهم فغلب على الارض والزرع والنخل فصالحوه على أن يجلوا منها ولهم ما حملت ركابهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم الصفراء والبيضاء ويخرجون منها واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئا فان فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهد فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب وكان احتمله معه الى خيبر حين أجليت النضير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير فقال أذهبته النفقات والحروب فقال العهد قريب والمال أكثر من ذلك فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الزبير فمسه بعذاب وقد كان حيي قبل ذلك دخل خربة فقال قد رأيت حييا يطوف في خربة ها هنا فذهبوا فطافوا فوجدوا المسك في الخربة فقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ابني أبي الحقيق وأحدهما زوج صفية بنت حيي بن أخطب وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءهم وذراريهم وقسم أموالهم بالنكث الذي نكثوا وأراد اجلاءهم منهما فقالوا يا محمد دعنا نكون في هذه الارض نصلحها ونقوم عليها ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلال يقومون عليها وكانوا لا يفرغون أن يقوموا عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخيل وشيء ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كل عام فيخرجها عليهم ثم يضمنهم الشطر فشكوا الى رسول الله شدة خرصه وأرادوا أن يرشوه فقال يا أعداء الله تطعموني السحت والله لقد جئتكم من عند أحب الناس الي ولأنتم أبغض إلي من عدتكم من القردة والخنازير ولا يحملني بغضي إياكم وحبي اياه على أن لا أعدل عليكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض قال فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعين صفية خضرة فقال يا صفية ما هذه الخضرة فقالت كان رأسي في حجر ابن أبي الحقيق وأنا نائمة فرأيت كأن قمرا وقع في حجري فأخبرته بذلك فلطمني وقال تتمنين ملك يثرب قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبغض الناس الي قتل زوجي وأبي فما زال يعتذر الي ويقول ان أباك ألب علي العرب وفعل ما فعل حتى ذهب ذلك من نفسي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر كل عام وعشرين وسقا من شعير فلما كان في زمان عمر غشوا المسلمين وألقوا ابن عمر من فوق بيت ففدعوا يديه فقال عمر من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها فقسمها بينهم فقال رئيسهم لا تخرجنا دعنا نكون فيها كما أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال عمر أتراني سقط على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بك إذا وقصت بك راحلتك نحو الشام يوما ثم يوما ثم يوما وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية وقد رواه أبو داود مختصرا من حديث حماد بن سلمة قال البيهقي وعقله البخاري في كتابه فقال ورواه حماد بن سلمة قلت ولم أره في الأطراف فالله أعلم وقال أبو داود حدثني سليمان بن داود المهري حدثنا ابن وهب أخبرني أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن عبد الله بن عمر قال لما فتحت خيبر سألت يهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرهم على أن يعملوا على النصف مما خرج منها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقركم فيها على ذلك ما شئنا فكانوا على ذلك وكان التمر يقسم على السهمان من نصف خيبر ويأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس وكان أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق من تمر وعشرين وسقا من شعير فلما أراد عمر إخراج اليهود أرسل الى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن من أحب منكن أن أقسم لها مائة وسق فيكون لها أصلها وأرضها وماؤها ومن الزرع مزرعة عشرين وسقا من شعير فعلنا ومن أحب أن نعزل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا وقد روى أبو داود من حديث محمد بن اسحاق حدثني نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر قال أيها الناس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل يهود خيبر على ان يخرجهم اذا شاء فمن كان له مال فليلحق به فاني مخرج يهود فأخرجهم وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن جبير بن مطعم أخبره قال مشيت أنا بن عفان وعثمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة منك فقال انما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد قال جبير بن مطعم ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس وبني نوفل شيئا تفرد به دون مسلم وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان بني هاشم وبني عبد المطلب شيء واحد انهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام قال الشافعي دخلوا معهم في الشعب وناصروهم في إسلامهم وجاهليتهم قلت وقد ذم أبو طالب بني عبد شمس ونوفلا حيث يقول
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا * عقوبة شر عاجلا غير آجل
وقال البخاري حدثنا الحسن بن اسحاق ثنا محمد بن ثابت ثنا زائدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما قال فسره نافع فقال اذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم وإن لم يكن معه فرس فله سهم وقال البخاري حدثنا سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر أخبرني زيد عن أبيه أنه سمع عمر بن الخطاب يقول أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك آخر الناس ببانا ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها وقد رواه البخاري أيضا من حديث مالك وأبو داود عن احمد بن حنبل عن ابن مهدي عن مالك عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر به وهذا السياق يقتضي أن خيبر بكمالها قسمت بين الغانمين وقد قال أبو داود ثنا ابن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وترك من ترك من أهلها على الجلاء بعد القتال وبهذا قال الزهري خمس رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر ثم قسم سائرها على من شهدها وفيما قاله الزهري نظر فان الصحيح أن خيبر جميعها لم تقسم وإنما قسم نصفها بين الناس كما سيأتي بيانه وقد احتج بهذا مالك ومن تابعه على أن الامام مخير في الاراضي المغنومة إن شاء قسمها وإن شاء رصدها لمصالح المسلمين وإن شاء قسم بعضها وأرصد بعضها لما ينوبه في الحاجات والمصالح قال أبو داود حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكريا حدثني سفيان عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار عن سهل بن ابي حثمة قال قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر نصفين نصفا لنوائبه ونصفا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهما تفرد به أبو داود ثم رواه أبو داود من حديث بشير بن يسار مرسلا فعين نصف النوائب الوطيح والكتيبة والسلالم وما حيز معها ونصف المسلمين الشق والنطاة وما حيز معهما وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حيز معهما وقال أيضا حسين بن علي ثنا محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى الأنصار عن رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على خيبر فقسمها على ستة وثلاثين سهما جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين النصف من ذلك وعزل النصف الثاني لمن نزل به من الوفود والأمور ونوائب الناس تفرد به أبو داود قال أبو داود حدثنا محمد بن عيسى ثنا مجمع بن يعقوب بن مجمع بن يزيد الأنصاري سمعت ابي
يعقوب بن مجمع يقول عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الانصاري عن عمه مجمع بن حارثة الانصاري وكان احد القراء الذين قرءوا القرآن قال قسمت خيبر على أهل الحديبية فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثمانية عشر سهما وكان الجيش ألفا وخمسمائة فيهم ثلثمائة فارس فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهما تفرد به أبو داود وقال مالك عن الزهري أن سعيد بن المسيب أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم افتتح بعض خيبر عنوة ورواه أبو داود ثم قال أبو داود قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد أخبركم ابن وهب حدثني مالك بن انس عن ابن شهاب أن خيبر بعضها كان عنوة وبعضها صلحا والكتيبة أكثرها عنوة وفيها صلح قلت لمالك وما الكتيبة قال أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق قال أبو داود والعذق النخلة والعذق العرجون ولهذا قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ثنا حرمي ثنا شعبة ثنا عمارة عن عكرمة عن عائشة قالت لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر حدثنا الحسن ثنا قرة بن حبيب ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر قال ما شبعنا يعني من التمر حتى فتحنا خيبر وقال محمد بن اسحاق كانت الشق والنطاة في سهمان المسلمين الشق ثلاثة عشر سهما ونطاة خمسة أسهم قسم الجميع على الف وثمانمائة سهم ودفع ذلك إلى من شهد الحديبية من حضر خيبر ومن غاب عنها ولم يغب عن خيبر ممن شهد الحديبية إلا جابر بن عبد الله فضرب له بسهمه قال وكان أهل الحديبية ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس لكل فرس سهمان فصرف الى كل مائة رجل سهم من ثمانية عشر سهما وزيد المائتا فارس أربعمائة سهم لخيولهم وهكذا رواه البيهقي من طريق سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن صالح بن كيسان أنهم كانوا الفا وأربعمائة معهما مائتا فرس
قلت وضرب رسول الله معهم بسهم وكان أول سهم من سهمان الشق مع عاصم بن عدي قال ابن اسحاق وكانت الكتيبة خمسا لله تعالى وسهم للنبي صلى الله عليه وسلم وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وطعمة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وطعمة أقوام مشوا في صلح أهل فدك منهم محيصة بن مسعود أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقا من تمر وثلاثين وسقا من شعير قال وكان وادياها اللذان قسمت عليه يقال لهما وادي السرير ووادي خاص ثم ذكر ابن اسحاق تفاصيل الاقطاعات منها فأجاد وافاد رحمه الله قال وكان الذي ولي قسمتها وحسابها جبار بن صخر بن أمية ابن خنساء أخو بني سلمة وزيد بن ثابت رضي الله عنهما
قلت وكان الأمير على خرص نخيل خيبر عبد الله بن رواحة فخرصها سنتين ثم لما قتل رضي الله عنه كما سيأتي في يوم مؤتة ولى بعده جبار بن صخر رضي الله عنه وقد قال البخاري حدثنا اسماعيل حدثني مالك عن عبد المجيد بن وسهيل عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا قال البخاري وقال الدراوردي عن عبد المجيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سعيد وأبا هريرة حدثاه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أخا بني عدي من الانصار الى خيبر وأمره عليها وعن عبد المجيد عن أبي صالح السمان عن أبي سعيد وأبي هريرة مثله
قلت وكان سهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي اصاب مع المسلمين مما قسم بخيبر وفدك بكمالها وهي طائفة كبيرة من أرض خيبر نزلوا من شدة رعبهم منه صلوات الله وسلامه عليه فصالحوه وأموال بني النضير المتقدم ذكرها مما لا يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت هذه الأموال لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة وكان يعزل منها نفقة أهله لسنة ثم يجعل ما بقي مجعل مال الله يصرفه في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين فلما مات صلوات الله وسلامه عليه اعتقدت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أو أكثرهن أن هذه الأراضي تكون موروثة عنه ولم يبلغهم ما ثبت عنه من قوله صلى الله عليه وسلم نحن معشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ولما طلبت فاطمة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم والعباس نصيبهم من ذلك وسألوا الصديق أن يسلمه اليهم وذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة وقال انا أعول من كان يعول رسول الله والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الي أن أصل من قرابتي وصدق رضي الله عنه وأرضاه فانه البار الراشد في ذلك التابع للحق وطلب العباس وعلي على لسان فاطمة إذ قد فاتهم الميراث أن ينظرا في هذه الصدقة وأن يصرفا ذلك في المصارف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها فأبى عليهم الصديق ذلك ورأى أن حقا عليه أن يقوم فيما كان يقوم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا يخرج من مسلكه ولا عن سنته فتغضبت فاطمة رضي الله عنها عليه في ذلك ووجدت في نفسها بعض الموجدة ولم يكن لها ذلك والصديق من قد عرفت هي والمسلمون محله ومنزلته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته فجزاه الله عن نبيه وعن الاسلام وأهله خيرا وتوفيت فاطمة رضي الله عنها بعد ستىة أشهر ثم جدد علي البيعة بعد ذلك فلما كان أيام عمر بن الخطاب سألوه أن يفوض أمر هذه الصدقة الى علي والعباس وثقلوا عليه بجماعة من سادات الصحابة ففعل عمر رضي الله عنه ذلك وذلك لكثرة اشغاله واتساع مملكته وامتداد رعيته فتغلب علي على عمه العباس فيها ثم تساوقا يختصمان الى عمر وقدما بين أيديهما جماعة من الصحابة وسألا منه أن يقسمها بينهما فينظر كل منهما فيما لا ينظر فيه الآخر وقال انظرا فيها وأنتما جميع فان عجزتما عنها فادفعاها الي والذي فانتفع عمر من ذلك أشد الامتناع وخشى أن تكون هذه القسمة تشبه قسمة الواريث تقوم السماء والأرض بأمره لا أقضي فيها غير هذا فاستمرا فيها ومن
بعدهما الى ولدهما الى ايام بني العباس تصرف في المصارف التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرفها فيها أموال بني النضير وفدك وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر
*2* فصل ( تخصيص شيء من الغنيمة للعبيد والنساء ممن شهدوا خيبر ) .
@ واما من شهد خيبر من العبيد والنساء فرضخ لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الغنيمة ولم يسهم لهم قال أبو داود حدثنا أحمد بن حنبل ثنا بشر بن المفضل عن محمد بن زيد حدثني عمير مولى آبي اللحم قال شهدت خيبر مع سادتي فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بي فقلدت سيفا فاذا أنا أجره فأخبر أني مملوك فأمر لي بشيء من طريق المتاع ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن بشر بن المفضل به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن هشام بن سعد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن منقذ عن عمير به
وقال محمد بن اسحاق وشهد خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء فرضخ لهن من الفيء ولم يضرب لهن بسهم حدثني سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار قد سماها لي قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار فقلنا يا رسول الله قد اردنا أن نخرج معك الى وجهك هذا وهو يسير الى خيبر فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال على بركة الله قالت فخرجنا معه قالت وكنت جارية حدثة السن فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله قالت فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الصبح ونزلت عن حقيبة رحله قالت واذا بها دم مني وكانت أول حيضة حضتها قالت فتقبضت الى الناقة واستحيت فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال مالك لعلك نفست قالت قلت نعم قال فاصلحي من نفسك ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا ثم اغسلي ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي لمركبك قالت فلما فتح الله خيبر رضخ لنا من الفيء وأخذ هذه القلادة التي ترين في عنقي فأعطانيها وعلقها بيده في عنقي فوالله لا تفارقني أبدا وكانت في عنقها حتى ماتت ثم أوصت أن تدفن معها قالت وكانت لا تطهر من حيضها إلا جعلت في طهورها ملحا وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت وهكذا رواه الامام وأبو داود من حديث محمد بن اسحاق به قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه الواقدي عن أبي بكر بن ابي سبرة عن سليمان بن سحيم عن أم علي بنت أبي الحكم عن أمية بنت أبي الصلت عن النبي صلى الله عليه وسلم به وقال الامام احمد حدثنا حسن بن موسى ثنا رافع بن سلمة
الأشجعي حدثني حشرج بن زياد عن جدته أم أبيه قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة خيبر وانا سادسة ست نسوة قالت فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن معه نساء قالت فأرسل الينا فدعانا قالت فرأينا في وجهه الغضب فقال ما أخرجكن وبأمر من خرجتن قلنا خرجنا نناول السهام ونسقي السويق ومعنا دواء للجرحى ونغزل الشعر فنعين به في سبيل الله قال فمرن فانصرفن قالت فلما فتح الله عليه خيبر أخرج لنا سهاما كسهام الرجال فقلت لها يا جدة وما الذي أخرج لكن قالت تمرا قلت إنما أعطاهن من الحاصل فأما أنه أسهم لهن في الأرض كسهام الرجال فلا والله أعلم وقال الحافظ البيهقي وفي كتابي عن أبي عبد الله الحافظ أن عبد الله الأصبهاني أخبره حدثنا الحسين ابن الجهم ثنا الحسين بن الفرج ثنا الواقدي حدثني عبد السلام بن موسى بن جبير عن أبيه عن جده عن عبد الله بن أنيس قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر ومعي زوجتي وهي حبلى فنفست في الطريق فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي انقع لها تمرا فاذا انغمر فأمر به لتشربه ففعلت فما رأت شيئا تكرهه فلما فتحنا خيبر أجدى النساء ولم يسهم لهن فأجدى زوجتي وولدي الذي ولد قال عبد السلام لست ادري غلام أو جارية
*2* ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون


@
قال البخاري حدثنا محمد بن العلاء ثنا أبو اسامة ثنا يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة عن أبي موسى قال بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين اليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم أحدهم ابو بردة والآخر ابو رهم إما قال في بضع وإما قال في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا الى النجاشي بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر فكان أناس من الناس يقولون لنا يعني لأهل السفينة سبقناكم بالهجرة ودخلت أسماء بنت عميس وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة وقد كانت هاجرت الى النجاشي فيمن هاجر فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها فقال حين رأى أسماء من هذه قالت اسماء ابنة عميس قال عمر الحبشية هذه البحرية هذه قالت اسماء نعم قال سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم فغضبت وقالت كلا والله كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ويعظ جاهلكم وكنا في دار أو في أرض البعداء والبغضاء بالحبشة وذلك في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى اذكر ما قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله ووالله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا قالت قال فما قلت
له قالت قلت كذا وكذا قال ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان قالت فلقد رأيت أبا موسى وأهل السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث ما من الدنيا شيء هم به افرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو بردة قالت أسماء فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني وقال أبو بردة عن أبي موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل وإن كنت لم ار منازلهم حين نزلوا بالنهار ومنهم حكيم بن حزام اذا لقي العدو أو قال الخيل قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب وعبد الله بن براد عن أبي أسامة به ثم قال البخاري قال حدثنا اسحاق بن ابراهيم ثنا حفص بن غياث ثنا يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي موسى قال قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن افتتح خيبر فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا تفرد به البخاري دون مسلم ورواه أبو داود والترمذي وصححه من حديث يزيد به وقد ذكر محمد بن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن امية الضمري الى النجاشي يطلب منه من بقي من أصحابه بالحبشة فقدموا صحبة جعفر وقد فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر قال وقد ذكر سفيان بن عيينة عن الأجلح عن الشعبي أن جعفر بن ابي طالب قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح خيبر فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه والتزمه وقال ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر هكذا رواه سفيان الثوري عن الأجلح عن الشعبي مرسلا واسند البيهقي من طريق حسن بن حسين العرزمي عن الأجلح عن الشعبي عن جابر قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر قدم جعفر من الحبشة فتلقاه وقبل جبهته وقال والله ما أدري بأيهما افرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ثم قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا الحسين بن أبي اسماعيل العلوي ثنا احمد بن محمد البيروتي ثنا محمد بن احمد بن ابي طيبة حدثني مكي بن ابراهيم الرعيني ثنا سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر جعفر اليه حجل قال مكي يعني مشى على رجل واحدة إعظاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه ثم قال البيهقي في إسناده من لا يعرف الى الثوري
قال ابن اسحاق وكان الذين تأخروا مع جعفر من أهل مكة الى أن قدموا معه خيبر ستة عشر رجلا وسرد أسماءهم واسماء نسائهم وهم جعفر بن ابي طالب الهاشمي وامرأته اسماء بنت عميس وابنه عبد الله ولد بالحبشة وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس وامرأته أمينة
بنت خلف بن اسعد وولداه سعيد وأمه بنت خالد ولدا بأرض الحبشة وأخوه عمرو بن سعيد ابن العاص ومسعيب بن أبي فاطمة وكان الى آل سعيد بن العاص قال وأبو موسى الاشعري عبد الله ابن قيس حليف آل عتبة بن ربيعة وأسود بن نوفل بن خويلد بن اسد الأسدي وجهم بن قيس ابن عبد شرحبيل العبدري وقد ماتت امرأته أم حرملة بنت عبد الاسود بارض الحبشة وابنا عمرو وابنته خزيمة ماتا بها رحمهم الله وعامر بن أبي وقاص الزهري وعتبة بن مسعود حليف لهم من هذيل والحارث بن خالد بن صخر التيمي وقد هلكت بها امرأته ريطة بنت الحارث رحمها الله وعثمان بن ربيعة بن أهبان الجمحي ومحمية بن جزء الزبيدي حليف بني سهم ومعمر بن عبد الله بن نضلة العدوي وأبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس ومالك بن ربيعة بن قيس بن عبد شمس العامريان ومع مالك هذا امرأته عمرة بنت السعدي والحارث بن عبد شمس بن لقيط الفهري
قلت ولم يذكر ابن اسحاق أسماء الأشعريين الذين كانوا مع أبي موسى الاشعري وأخويه أبا بردة وابا رهم وعمه أبا عامر بل لم يذكر من الأشعريين غير أبي موسى ولم يتعرض لذكر أخويه وهما أسن منه كما تقدم في صحيح البخاري وكأن ابن اسحاق رحمه الله لم يطلع على حديث أبي موسى في ذلك والله أعلم قال وقد كان معهم في السفينتين نساء من نساء من هلك من المسلمين هنالك وقد حرر ها هنا شيئا كثيرا حسنا قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان سمعت الزهري وسأله اسماعيل بن أمية قال أخبرني عنبسة بن سعيد أن أبا هريرة اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله يعني أن يقسم له فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تعطه فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال واعجبا لوبر تدلى من قدوم الضأل تفرد به دون مسلم قال البخاري ويذكر عن الزبيدي عن الزهري أخبرني عنبسة بن سعيد أنه سمع أبا هريرة يخبر سعيد بن العاص قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبانا على سرية من المدينة قبل نجد قال أبو هريرة فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد ما افتتحها وأن حزم خيلهم لليف قال أبو هريرة فقلت يا رسول الله لا تقسم لهم فقال ابان وأنت بهذا يا وبر تحدر من رأس ضأل وقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبان اجلس ولم يقسم لهم وقد اسند أبو داود هذا الحديث عن سعيد بن منصور عن اسماعيل بن عياش عن محمد بن الوليد الزبيدي به نحوه ثم قال البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد أخبرني جدي وهو سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أن أبان بن سعيد أقبل الى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فقال أبو هريرة يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل فقال أبان لأبي هريرة واعجبا لك يا وبر تردى من قدوم ضأل تنعى على امرءا أكرمه الله بيدي ومنعه أن يهينني بيده هكذا رواه منفردا به ها هنا وقال في الجهاد بعد
حديث الحميدي عن سفيان عن الزهري عن عنبسة بن سعيد عن أبي هريرة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعد ما افتتحها فقلت يا رسول الله أسهم لي فقال بعض آل سعيد بن العاص لا تقسم له فقلت يا رسول الله هذا قاتل ابن قوقل الحديث قال سفيان حدثنيه السعدي يعني عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن أبي هريرة بهذا ففي هذا التصريح من أبي هريرة بأنه لم يشهد خيبر وتقدم في أول هذه الغزوة رواه الامام احمد من طريق عراك بن مالك عن أبي هريرة وأنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما افتتح خيبر فكلم المسلمين فأشركونا في اسهامهم قال الامام احمد حدثنا روح ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن ابي عمار قال ما شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مغنما قط إلا قسم لي إلا خيبر فانها كانت لأهل الحديبية خاصة
قلت وكان أبو هريرة وأبو موسى جا آبين الحديبية وخيبر وقد قال البخاري حدثنا عبد الله ابن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو اسحاق عن مالك بن انس حدثني ثور حدثني سالم مولى عبد الله بن مطيع أنه سمع أبا هريرة يقول افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا الابل والبقر والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى وادي القرى ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له بعض بني الضبيب فبينما هو يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر حتى اصاب ذلك العبد فقال الناس هنيئا له بالشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فجاء رجل حين سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال هذا شيء كنت أصبته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك أو شراكين من نار
*2* قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر
@ قال البخاري رواه عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني سعيد عن أبي هريرة قال لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم هكذا أورده ها هنا مختصرا وقد قال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث عن سعيد بن ابي سعيد عن ابي هريرة قال لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجمعوا لي من كان ها هنا من يهود فجمعوا له فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه قالوا نعم يا أبا القاسم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبوكم قالوا أبونا فلان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم بل أبوكم فلان قالوا صدقت وبررت فقال هل أنتم صادقي عن شيء اذا سألتكم عنه قالوا نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل النار فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا نخلفكم فيها
أبدا ثم قال لهم هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم فقالوا نعم يا أبا القاسم فقال هل جعلتم في هذه الشاة سما فقالوا نعم قال ما حملكم على ذلك قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك وقد رواه البخاري في الجزية عن عبد الله بن يوسف وفي المغازي أيضا عن قتيبة كلاهما عن الليث به وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن امرأة من يهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فقال لأصحابه أمسكوا فانها مسمومة وقال لها ما حملك على ما صنعت قالت أردت أن أعلم إن كنت نبيا فسيطلعك الله عليه وإن كنت كاذبا أريج الناس منك قال فما عرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن سعيد بن سليمان به ثم روى البيهقي عن طريق عبد الملك بن ابي نضرة عن أبيه عن جابر بن عبد الله نحو ذلك وقال الامام احمد حدثنا شريح ثنا عباد عن هلال هو ابن خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة من اليهود أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مسمومة فأرسل اليها فقال ما حملك على ما صنعت قالت أحببت أو أردت إن كنت نبيا فان الله سيطلعك عليه وإن لم تكن نبيا أريح الناس منك قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا وجد من ذلك شيئا احتجم قال فسافر مرة فلما أحرم وجد من ذلك شيئا فاحتجم تفرد به أحمد واسناده حسن وفي الصحيحين من حديث شعبة عن هشام ابن زيد عن أنس بن مالك أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها فجيء بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك قالت اردت لأقتلك فقال ما كان الله ليسلطك علي أو قال على ذلك قالوا ألا تقتلها قال لا قال أنس فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال كان جابر بن عبد الله يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فأكل منها وأكل رهط من أصحابه معه ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا أيديكم وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المرأة فدعاها فقال لها أسممت هذه الشاة قالت اليهودية من أخبرك قال أخبرتني هذه التي في يدي وهي الذراع قالت نعم قال فما أردت بذلك قالت قلت إن كنت نبيا فلن يضرك وإن لم تكن نبيا استرحنا منك فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم النبي صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة حجمه أبو هند بالقرن والشفرة
وهو مولى لبني بياضة من الانصار ثم قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية ثنا خالد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له يهودية بخيبر شاة مصلية نحو حديث جابر قال فمات بشر ابن البراء بن معرور فأرسل الى اليهودية فقال ما حملك على الذي صنعت فذكر نحو حديث جابر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت ولم يذكر أمر الحجامة قال البيهقي ورويناه من حديث حماد ابن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال ويحتمل أنه لم يقتلها في الابتداء ثم لما مات بشر بن البراء أمر بقتلها وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن امرأة يهودية أهدت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية بخيبر فقال ما هذه قالت هدية وحذرت أن تقول صدقة فلا يأكل قال فأكل وأصحابه ثم قال امسكوا ثم قال للمرأة هل سمعت قالت من أخبرك هذا قال هذا العظم لساقها وهو في يده قالت نعم قال لم قالت أردت إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك قال فاحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الكاهل وأمر اصحابه فاحتجموا ومات بعضهم قال الزهري فأسلمت فتركها النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي هذا مرسل ولعله قد يكون عبد الرحمن حمله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وذكر ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل منهم من قتل أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها وأكثرت في الكتف والذراع لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ومعت بشر بن البراء بن معرور وهو أحد بني سلمة فقدمت اليهم الشاة المصلية فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش منها وتناول بشر عظما فانتهش منه فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا أيديكم فان كتف هذه الشاة يخبرنى أنى نعيت فيها فقال بشر بن البراء والذى أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني إن ألفظها الا أني أعظمتك أن أبغضك طعامك فلما أسغت ما في فيك لم ارغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول قال الزهري قال جابر واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدا
وقال محمد بن اسحاق فلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام ابن مشكم شاة مصلية وقد سالت أي عضو أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها الذراع فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر الشاة ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يديه تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ومعه بشر بن البراء بن معرور قد اخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما بشر فاساغها وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها ثم قال إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ثم دعا بها فاعترفت فقال ما حملك على ذلك قالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت إن كان كذابا استرحت منه وإن كان نبيا فسيخبر قال فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات بشر من أكلته التي أكل
قال ابن اسحاق وحدثني مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أخت بشر بن البراء بن معرور يا أم بشر إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر قال ابن هشام الأبهر العرق المعلق بالقلب قال فان كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا هلال بن بشر وسليمان بن يوسف الحراني قالا ثنا أبو غياث سهل بن حماد ثنا عبد الملك بن ابي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن يهودية أهدت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة سميطا فلما بسط القوم أيديهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكوا فان عضو من أعضائها يخبرني أنها مسمومة فأرسل الى صاحبتها أسممت طعامك قالت نعم قال ما حملك على ذلك قالت إن كنت كذابا أن أريح الناس منك وإن كنت صادقا علمت أن الله سيطلعك عليه فبسط يده وقال كلوا بسم الله قال فأكلنا وذكرنا اسم الله فلم يضر أحد منا ثم قال لا يروى عن عبد الملك بن ابي نضرة إلا من هذا الوجه
قلت وفيه نكارة وغرابة شديدة والله أعلم وذكر الواقدي أن عيينة بن حصن قبل أن يسلم رأى في منامه رؤيا ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر فطمع من رؤياه أن يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظفر به فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وجده قد افتتحها فقال يا محمد اعطني ما غنمت من حلفائي يعني أهل خيبر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت رؤياك وأخبره بما رأى فرجع عيينة فلقيه الحارث بن عوف فقال ألم أقل إنك توضع في غير شيء والله ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب وإن يهود كانوا يخبروننا بهذا أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت من بني هارون إنه لمرسل ويهود لا تطاوعني على هذا ولنا
منه ذبحان واحد بيثرب وآخر بخيبر قال الحارث قلت لسلام يملك الأرض قال نعم والتوراة التي أنزلت على موسى وما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه
*2* فصل ( انصراف رسول الله إلى وادي القرى ومحاصرة أهله ) .
@ قال ابن اسحاق فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف الى وادي القرى فحاصر أهله ليال ثم انصرف راجعا الى المدينة ثم ذكر من قصة مدعم وكيف جاءه سهم غارب فقتله وقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم يصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا وقد تقدم في صحيح البخاري نحو ما ذكره ابن اسحاق والله أعلم وسيأتي ذكر قتاله عليه السلام بوادي القرى قال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني أن رجلا من أشجع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال صلوا على صاحبكم فتغير وجوه الناس من ذلك فقال إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوي درهمين وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان ورواه أبو داود وبشر بن المفضل وابن ماجه من حديث الليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به وقد ذكر البيهقي أن بني فزارة أرادوا أن يقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من خيبر وتجمعوا لذلك فبعث اليهم يواعدهم موضعا معينا فلما تحققوا ذلك هربوا كل مهرب وذهبوا من طريقه كل مذهب وتقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حلت صفية من استبرائها دخل بها بمكان يقال له سد الصهباء في أثناء طريقه الى المدينة وأولم عليها بحيس وأقام ثلاثة ايام يبني عليه بها وأسلمت فاعتقها وتزوجها وجعل عتاقها صداقها وكانت إحدى أمهات المؤمنين كما فهمه الصحابة لما مد عليها الحجاب وهو مردفها وراءه رضي الله عنها وذكر محمد بن اسحاق في السيرة قال لما أعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفية بخيبر أو ببعض الطريق وكانت التي جملتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشطتها وأصلحت من أمرها أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك وبات بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له وبات أبو أيوب متوشحا بسيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطيف بالقبة حتى أصبح فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانه قال ما لك يا أبا أيوب قال خفت عليك من هذه المرأة وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجها وقومها وكانت حديثة عهد بكفر فخفتها عليك فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظني ثم قال حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب فذكر نومهم عن صلاة الصبح مرجعهم من خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أولهم استيقاظا فقال ماذا صنعت بنا يا بلال قال
يا رسول الله أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك قال صدقت ثم اقتاد ناقته غير كثير ثم نزل فتوضأ وصلى كما كان يصليها قبل ذلك وهكذا رواه مالك عن الزهري عن سعيد مرسلا وهذا مرسل من هذا الوجه وقد قال أبو داود حدثنا احمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قفل من غزوة خيبر فسار ليلة حتى إذا أدركنا الكرى عرس وقال لبلال اكلأ لنا الليل قال فغلبت بلالا عيناه وهو مستند الى راحلته فلم يستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم استيقاظا ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا بلال قال أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك بأبي أنت وأمي يا رسول الله قال فاقتادوا رواحلهم شيئا ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فامر بلالا فأقام الصلاة وصلى لهم الصبح فلما أن قضى الصلاة قال من نسي صلاة فليصلها اذا ذكرها فان الله تعالى يقول وأقم الصلاة لذكري قال يونس وكان ابن شهاب يقرأها كذلك وهكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن عبد الله بن وهب به وفيه أن ذلك كان مرجعهم من خيبر وفي حديث شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من الحديبية ففي رواية عنه أن بلالا هو الذي كان يكلؤهم وفي رواية عنه أنه هو الذي كان يكلؤهم قال الحافظ البيهقي فيحتمل أن ذلك كان مرتين قال وفي حديث عمران بن حصين وأبي قتادة نومهم عن الصلاة وفيه حديث الميضاة فيحتمل أن ذلك إحدى هاتين المرتين أو مرة ثالثة قال وذكر الواقدي في حديث أبي قتادة أن ذلك كان مرجعهم من غزوة تبوك قال وروى زافر بن سليمان عن شعبة عن جامع بن شداد عن عبد الرحمن عن ابن مسعود أن ذلك كان مرجعهم من تبوك فالله أعلم ثم اورد البيهقي ما رواه صاحب الصحيح من قصة عوف الاعرابي عن أبي رجاء عن عمران بن حصين في قصة نومهم عن الصلاة وقصة المرأة صاحبة السطيحتين وكيف أخذوا منهما ماء روى الجيش بكماله ولم ينقص ذلك منهما شيئا ثم ذكر ما رواه مسلم من حديث ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة وهو حديث طويل وفيه نومهم عن الصلاة وتكثير الماء من تلك الميضاة وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وقال البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا عبد الواحد عن عاصم عن ابي عثمان عن أبي موسى الاشعري قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبرا وقال لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم وانا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعني وأنا اقول لا حول ولا قوة إلا بالله فقال يا عبد الله بن قيس قلت لبيك يا رسول الله قال ألا أدلك على كلمة من كنز
الجنة قلت بلى يا رسول الله فداك أبي وأمي قال لا حول ولا قوة إلا بالله وقد رواه بقية الجماعة من طرق عن عبد الرحمن بن مل أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الاشعري والصواب أنه كان مرجعهم من خيبر فان أبا موسى إنما قدم بعد فتح خيبر كما تقدم
قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد أعطى ابن لقيم العبسي حين افتتح خيبر ما بها من دجاجة أو داجن وكان فتح خيبر في صفر فقال ابن لقيم في فتح خيبر
رميت نطاة من الرسول بفيلق * شهباء ذات مناكب وفقار
واستيقنت بالذل لما شيعت * ورجال أسلم وسطها وغفار
صبحت بني عمرو بن زرعة غدوة * والشق أظلم أهله بنهار
جرت بأبطحها الذيول فلم تدع * إلا الدجاج تصيح بالأسحار
ولكل حصن شاغل من خيلهم * من عبد الاشهل أو بني النجار
ومهاجرين قد اعلموا سيماهم * فوق المغافر لم ينوا لفرار
ولقد علمت ليغلبن محمد * وليثوين بها الى أصفار
فرت يهود عند ذلك في الوغى * تحت العجاج غمائم الابصار
*2* فصل من استشهد بخيبر من الصحابة
@ على ما ذكره ابن اسحاق بن يسار رحمه الله وغيره من أصحاب المغازي
فمن خير المهاجرين ربيعة بن أكثم بن سخبرة الاسدي مولى بني أمية وثقيف بن عمرو ورفاعة بن مسروح حلفاء بني أمية وعبد الله بن الهبيب بن أهيب بن سحيم بن غيرة من بني سعد ابن ليث حليف بني اسد وابن أختهم ومن الأنصار بشر بن البراء بن معرور من أكلة الشاة المسمومة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم وفضيل بن النعمان السليميان ومسعود بن سعد بن قيس بن خالد بن عامر بن زريق الزرقي ومحمود بن مسلمة الأشهلي وأبو ضياح حارثة بن ثابت بن النعمان العمري والحارث بن حاطب وعروة بن مرة بن سراقة وأوس الفائد وأنيف بن حبيب وثابت

ثم تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل الاخبية والوطيح والسلالم حصني أبي الحقيق وتحصنوا اشد التحصن وجاء اليهم كل من كان انهزم من النطاة الى الشق فتحصنوا معهم في القموص وفي الكتيبة وكان حصنا منيعا وفي الوطيح والسلالم وجعلوا لا يطلعون من حصونهم حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب المنجنيق عليهم فلما أيقنوا بالهلكة وقد حصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة عشر يوما نزل اليه ابن أبي الحقيق فصالحه على حقن دمائهم ويسيرهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من الارض والاموال والصفراء والبيضاء والكراع والحلقة وعلى البر الا ما كان على ظهر انسان يعني لباسهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله ان كتمتم شيئا فصالحوه على ذلك
ابن أثلة وطلحة وعمارة بن عقبة رمي بسهم فقتله وعامر بن الأكوع ثم سلمة بن عمرو بن الأكوع أصابه طرف سيفه في ركبته فقتله رحمه الله كما تقدم والأسود الراعي وقد أفرد ابن اسحاق ها هنا قصته وقد اسلفناها في أوائل الغزوة ولله الحمد والمنة
قال ابن اسحاق وممن استشهد بخيبر فيما ذكره ابن شهاب من بني زهرة مسعود بن ربيعة حليف لهم من القارة ومن الانصار ثم من بني عمرو بن عوف أوس بن قتادة رضي الله عنهم أجمعين
*2* خبر الحجاج بن علاط البهزي
@
قال ابن اسحاق ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي فقال يا رسول الله إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة وكانت عنده له منها معوض بن الحجاج ومالا متفرقا في تجار أهل مكة فأذن لي يا رسول الله فأذن له فقال إنه لا بد لي يا رسول الله أن أقول قال قل قال الحجاج فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثينة البيضاء رجالا من قريش يستمعون الأخبار ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغهم أنه قد سار الى خيبر وقد عرفوا أنها قرية الحجاز ريفا ومنعة ورجالا وهم يتجسسون الأخبار من الركبان فلما رأوني قالوا الحجاج بن علاط قال ولم يكونوا علموا بإسلامي عنده والله الخبر أخبرنا يا أبا محمد فانه قد بلغنا أن القاطع قد سار الى خيبر وهي بلد يهود وريف الحجاز قال قلت قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم قال فالتبطوا يجنى ناقتى يقولون إية يا حجاج قال قلت هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط وقد قتل أصحابه قتلا لم يسمعوا بمثله قط وأسر محمد أسرا وقالوا لا نقتله حتى نبعث به الى مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم قال فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا قد جاءكم الخبر هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم قال قلت أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فاني أريد أن أقدم خيبر فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار الى ما هنالك قال فقاموا فجمعوا لي ما كان لي كأحث جمع سمعت به قال وجئت صاحبتي فقلت مالي وكان عندها مال موضوع فلعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار قال فلما سمع العباس ابن عبد المطلب الخبر وما جاءه عني اقبل حتى وقف الى جنبي وأنا في خيمة من خيم التجار فقال يا حجاج ما هذا الذي جئت به قال قلت وهل عندك حفظ لما وضعت عندك قال نعم قال قلت فاستأخر حتى ألقاك على خلاء فاني في جمع مالي كما ترى فانصرف حتى افرغ قال حتى اذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة وأجمعت الخروج لقيت العباس فقلت احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فاني أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال افعل قلت فاني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم يعني صفية بنت حيي وقد افتتح خيبر وانتثل ما فيها وصارت له ولأصحابه قال ما تقول
يا حجاج قال قلت أي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا عليه من أن أغلب عليه فاذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب قال حتى اذا كان اليوم الثالث لبس العباس حلة له وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة قال كلا والله الذي حلفتم به لقد افتتح محمد خيبر ونزل عروسا على بنت ملكهم وأحرز أموالهم وما فيها وأصبحت له ولأصحابه قالوا من جاءك بهذا الخبر قال الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد ذخل عليكم مسلما وأخذ أمواله فانطلق ليلحق بمحمد واصحابه فيكون معه فقالوا يا لعباد الله انفلت عدو الله أما والله لو عملنا لكان لنا وله شأن قال ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك هكذا ذكر ابن اسحاق هذه القصة منقطعة وقد أسند ذلك الامام احمد بن حنبل فقال حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر سمعت ثابتا يحدث عن أنس قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال الحجاج بن علاط يا رسول الله إني لي بمكة مالا وإن لي بها أهلا وإني أريد ان آتيهم أفأنا في حل إن أنا نلت منك أو قلت شيئا فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ما شاء فأتى امرأته حين قدم فقال اجمعي لي ما كان عندك فاني أريد أن أشتري من غنائم محمد وأصحابه فأنهم قد استبيحوا واصيبت أموالهم قال وفشى ذلك بمكة فانقمع المسلمون واظهر المشركون فرحا وسرورا قال وبلغ الخبر العباس فعقر وجعل لا يستطيع أن يقوم قال معمر فأخبرني عثمان الخزرجي عن مقسم قال فأخذ ابنا يقال له قثم واستلقى ووضعه على صدره وهو يقول
حبي قثم * شبه ذي الأنف الأشم
بني ذي النعم بزعم من زعم
قال ثابت عن أنس ثم أرسل غلاما له الى حجاج بن علاط فقال ويلك ما جئت به وماذا تقول فما وعد الله خير مما جئت به فقال حجاج بن علاط اقرأ على أبي الفضل السلام وقل له فليخل لي في بعض بيوته لآتيه فان الخبر على ما يسره فجاء غلامه فلما بلغ الدار قال أبشر يا أبا الفضل قال فوثب العباس فرحا حتى قبل بين عينيه فأخبره ما قال حجاج فأعتقه قال ثم جاءه الحجاج فأخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افتتح خيبر وغنم أموالهم وجرت سهام الله في أموالهم واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي واتخذها لنفسه وخيرها أن يعتقها وتكون زوجه أو تلحق بأهلها فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته قال ولكني جئت لمال كان ها هنا أردت أن أجمعه فاذهب به فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لي أن أقول ما شئت فاخف علي ثلاثا ثم اذكر ما بدا لك قال فجمعت امرأته ما كان عندها من حلي أو متاع فجمعته ودفعته اليه ثم انشمر به فلما كان بعد ثلاث أتى العباس امرأة الحجاج فقال ما فعل زوجك فأخبرته أنه ذهب يوم كذا وكذا وقالت لا يحزنك الله يا أبا الفضل لقد شق علينا الذي بلغك قال أجل لا يحزنني الله ولم
يكن بحمد الله إلا ما أحببنا فتح الله خيبر على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية لنفسه فان كانت لك حاجة في زوجك فالحقي به قالت أظنك والله صادقا قال فاني صادق والأمر على ما أخبرتك ثم ذهب حتى أتى مجالس قريش وهم يقولون إذا مر بهم لا يصيبك إلا خير يا أبا الفضل قال لم يصيبني إلا خير بحمد الله أخبرني الحجاج بن علاط أن خيبر فتحها الله على رسوله وجرت فيها سهام الله واصطفى صفية لنفسه وقد سألني أن أخفي عنه ثلاثا وإنما جاء ليأخذ ماله وما كان له من شيء ها هنا ثم يذهب قال فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين وخرج المسلمون من كان دخل بيته مكتئبا حتى أتى العباس فأخبرهم الخبر فسر المسلمون ورد ما كان من كآبة أو غيظ أو حزن على المشركين وهذا الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي عن اسحاق بن ابراهيم عن عبد الرزاق به نحوه ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمود بن غيلان عن عبد الرزاق ورواه أيضا من طريق يعقوب بن سفيان عن زيد بن المبارك عن محمد بن ثور عن معمر به نحوه وكذلك ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أن قريشا كان بينهم تراهن عظيم وتبايع منهم من يقول يظهر محمد وأصحابه ومنهم من يقول يظهر الحليفان ويهود خيبر وكان الحجاج بن علاط السلمي ثم البهزي قد أسلم وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح خيبر وكان تحته أم شيبة أخت عبد الدار بن قصي وكان الحجاج مكثرا من المال وكانت له معادن أرض بني سليم فلما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيبر استأذن الحجاج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب الى مكة يجمع أمواله فأذن له نحو ما تقدم والله أعلم
قال ابن اسحاق ومما قيل من الشعر في غزوة خيبر قول حسان
بئس ما قاتلت خيابر عما * جمعوا من مزارع ونخيل
كرهوا الموت فاستبيح حماهم * واقروا وأقروا فعل الذميم الذليل
أمن الموت يهربون فان المو * ت موت الهزال غير جميل
وقال كعب بن مالك فيما ذكره ابن هشام عن أبي زيد الأنصاري
ونحن وردنا خيبرا وفروضه * بكل فتى عاري الاشاجع مزود
جواد لدى الغايات لا واهن القوى * جريء على الأعداء في كل مشهد
عظيم رماد القدر في كل شتوة * ضروب بنصل المشرفي المهند
يرى القتل مدحا إن أصاب شهادة * من الله يرجوها وفوزا بأحمد
يذود ويحمي عن ذمار محمد * ويدفع عنه باللسان وباليد
وينصره من كل أمر يريبه * يجود بنفس دون نفس محمد
يصدق بالأنباء بالغيب مخلصا * يريد بذاك العز والفوز في غد
*2* فصل مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرة اليهود ومصالحتهم
@ قال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر الى وادي القرى وكان رفاعة بن زيد بن وهب الجذامي قد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أسود يقال له مدعم وكان يرحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نزلنا بوادي القرى انتهينا الى يهود وقدم اليها ناس من العرب فبينا مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد استقبلتنا يهود بالرمي حين نزلنا ولم نكن على تعبية وهم يصيحون في آطامهم فيقبل سهم عاثر فأصاب مدعما فقتله فقال الناس هنيئا له بالجنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فلما سمع بذلك الناس جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين فقال النبي صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكيان من نار وهذا الحديث في الصحيحين من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه
قال الواقدي فعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال وصفهم ودفع لواءه الى سعد بن عبادة وراية الى الحباب بن المنذر وراية الى سهل بن حنيف وراية الى عباد بن بشر ثم دعاهم الى الاسلام وأخبرهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم وحسابهم على الله قال فبرز رجل منهم فبرز اليه الزبير بن العوام فقتله ثم برز آخر فبرز اليه علي فقتله حتى قتل منهم أحد عشر رجلا كل ما قتل منهم رجلا دعى من بقى منهم الى الاسلام ولقد كانت الصلاة تحضر ذلك اليوم فيصلي بأصحابه ثم يعود فيدعوهم الى الاسلام والى الله عز وجل ورسوله وقاتلهم حتى أمسى وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا بأيديهم وفتحها عنوة وغنمهم الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة ايام فقسم ما اصاب على اصحابه وترك الارض والنخيل في أيدي اليهود وعاملهم عليها فلما بلغ يهود تيماء ما وطئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وفدك ووادي القرى صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجزية وأقاموا بأيديهم أموالهم فلما كان عمر أخرج يهود خيبر وفدك ولم يخرج أهل تيماء ووادي القرى لأنهما داخلتان في أرض الشام ويرى أن ما دون وادي القرى الى المدينة حجاز ومن وراء ذلك من الشام قال ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا الى
المدينة بعد أن فرغ من خيبر ووادي القرى وغنمه الله عز وجل
قال الواقدي حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث ابن عبد الله بن كعب عن أم عمارة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وهو يقول لا تطرقوا النساء بعد صلاة العشاء قالت فذهب رجل من الحي فطرق أهله فوجد ما يكره فخلى سبيلها ولم يهجر وضن بزوجته أن يفارقها وكان له منها أولاد وكان يحبها فعصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ما يكره
*2* فصل ( تقسيم الثمار و الزروع في خيبر بين المسلمين و اليهود بالعدل ) .
@ ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر عامل يهودها عليها على شطر ما يخرج منها من تمر أو زرع وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث على أن يعملوها من أموالها وفي بعضها وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم نقركم ما شئنا وفي السنن أنه كان يبعث عليهم عبد الله بن رواحة يخرصها عليهم عند استواء ثمارها ثم يضمنهم اياه فلما قتل عبد الله بن رواحة بمؤتة بعث جبار بن صخر كما تقدم وموضع تحرير ألفاظه وبيان طرقه كتاب المزارعة من كتاب الاحكام إن شاء الله وبه الثقة
وقال محمد بن اسحاق سألت ابن شهاب كيف أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم فأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله عليه خمسها وقسمها بين المسلمين ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن شئتم دفعت اليكم هذه الاموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم فأقركم ما أقركم الله فقبلوا وكانوا على ذلك يعملونها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها ويعدل عليهم في الخرص فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أقرها أبو بكر بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي ثم أقرهم عمر بن الخطاب صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت فأرسل الى يهود فقال إن الله أذن لي في إجلائكم وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يجتمعن في جزيرة العرب دينان فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فليأتني به أنفذه له ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء فاجلى عمر من لم يكن عنده عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
قلت قد ادعى يهود خيبر في أزمان متأخرة بعد الثلثمائة أن بايديهم كتابا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أنه وضع الجزية عنهم وقد اغتر بهذا الكتاب بعض العلماء حتى قال باسقاط الجزية عنهم من الشافعية الشيخ أبو علي خيرون وهو كتاب مزور مكذوب مفتعل لا اصل له وقد بينت بطلانه من وجوه عديدة في كتاب مفرد وقد تعرض لذكره وإبطاله جماعة من الأصحاب في كتبهم كابن
الصباغ في مسائله والشيخ أبي حامد في تعليقته وصنف فيه ابن المسلمة جزءا منفردا للرد عليه وقد تحركوا به بعد السبعمائة وأظهروا كتابا فيه نسخة ما ذكره الأصحاب في كتبهم وقد وقفت عليه فاذا هو مكذوب فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد كان مات قبل زمن خيبر وفيه شهادة معاوية بن ابي سفيان ولم يكن أسلم يومئذ وفي آخره وكتبه علي بن ابي طالب وهذا لحن وخطأ وفيه وضع الجزية ولم تكن شرعت بعد فانها إنما شرعت أول ما شرعت وأخذ من أهل نجران وذكروا أنهم وفدوا في حدود سنة تسع والله أعلم
ثم قال ابن اسحاق وحدثني نافع مولى عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال خرجت أنا والزبير ابن العوام والمقداد بن الاسود الى أموالنا بخيبر نتعاهدها فلما قدمنا تفرقنا في أموالنا قال فعدى علي تحت الليل وأنا نائم على فراشي ففدعت يداي من مرفقي فلما استصرخت على صاحباي فأتياني فسألاني من صنع هذا بك فقلت لا أدري فأصلحا من يدي ثم قدما بي على عمر فقال هذا عمل يهود خيبر ثم قام في الناس خطيبا فقال ايها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما بلغكم مع عدوتهم على الانصاري قبله لا نشك أنهم كانوا أصحابه ليس لنا هناك عدو غيرهم فمن كان له مال من خيبر فليلحق به فاني مخرج يهود فأخرجهم
قلت كان لعمر بن الخطاب سهمه الذي بخيبر وقد كان وقفه في سبيل الله وشرط في الوقف ما أشار به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو ثابت في الصحيحين وشرط أن يكون النظر فيه للأرشد فالأرشد من بناته وبنيه
قال الحافظ البيهقي في الدلائل جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر وقبل عمرة القضية وإن كان تاريخ بعضها ليس بالواضح عند اهل المغازي

يتبع ....

اخت مسلمة
04-13-2009, 12:53 AM
سرية أبي بكر الصديق الى بني فزارة
@
قال الامام احمد حدثنا بهز ثنا عكرمة بن عمار ثنا أياس بن سلمة حدثني أبي قال خرجنا مع أبي بكر ابن أبي قحافة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فغزونا بني فزارة فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا فلما صلينا الصبح امرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء من مر قبلنا قال سلمة ثم نظرت الى عنق من الناس فيه من الذرية والنساء نحو الجبل وأنا أعدو في آثارهم فخشيت أن يسبقوني الى الجبل فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل قال فجئت بهم أسوقهم الى ابي بكر حتى أتيته على الماء وفيهم امرأة من فزارة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب قال فنفلني أبو بكر بنتها
قال فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا قال فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال لي يا سلمة هب لي المرأة قال فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى اذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال يا سلمة هب لي المرأة قال فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى اذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك قال قلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله قال بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اهل مكة وفي ايديهم اسارى من المسلمين ففداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة وقد رواه مسلم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار به
*2* سرية عمر بن الخطاب الى تربة وراء مكة بأربعة اميال
@
ثمم أورد البيهقي من طريق الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ثلاثين راكبا ومعه دليل من بني هلال وكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار فلما انتهوا الى بلادهم هربوا منهم وكر عمر راجعا الى المدينة فقيل له هل لك في قتال خثعم فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرني إلا بقتال هوازن في أرضهم
*2* سرية عبد الله بن رواحة الى يسير بن رزام اليهودي
@
ثم اورد من طريق ابراهيم بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ومن طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن رواحة الى يسير بن رزام اليهودي حتى أتوه بخيبر وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم فأتوه فقالوا أرسلنا اليك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستعملك عل خيبر فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين فلما بلغوا قرقرة نيار وهي من خيبر على ستة اميال ندم يسير ابن رزام فأهوى بيده الى سيف عبد الله بن رواحة ففطن له عبد الله بن رواحة فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى استمكن من يسير ضرب رجله فقطعها واقتحم يسير وفي يده مخراش من شوحط فضرب به وجه عبد الله بن رواحة فشجه شجة مأمومة وانكفأ كل رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا ولم يصب من المسلمين أحد وبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شجة عبد الله بن رواحة فلم تقيح ولم تؤذه حتى مات
*2* سرية اخرى مع بشير بن سعد
@
روى من طريق الواقدي باسناده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشير بن سعد في ثلاثين راكبا
الى بني مرة من أرض فدك فاستاق نعمهم فقاتلوه وقتلوا عامة من معه وصبر هو يومئذ صبرا عظيما وقاتل قتالا شديدا ثم لجأ الى فدك فبات بها عند رجل من اليهود ثم كر راجعا الى المدينة
قال الواقدي ثم بعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله ومعه جماعة من كبار الصحابة فذكر منهم أسامة بن زيد وأبا مسعود البدري وكعب بن عجرة ثم ذكر مقتل أسامة بن زيد لمرداس بن نهيك حليف بني مرة وقوله حين علاه بالسيف لا إله إلا الله وأن الصحابة لاموه على ذلك حتى سقط في يده وندم على ما فعل وقد ذكر هذه القصة يونس بن بكير عن ابن اسحاق عن شيخ من بني سلمة عن رجال من قومه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غالب بن عبد الله الكلبي الى أرض بني مرة فأصاب مرداس بن نهيك حليفا لهم من الحرقة فقتله أسامة قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن أسامة بن محمد بن اسامة عن أبيه عن جده أسامة بن زيد قال أدركته أنا ورجل من الأنصار يعني مرداس بن نهيك فلما شهرنا عليه السيف قال أشهد أن لا إله إلا الله فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه فقال يا اسامة من لك بلا إله إلا الله فقلت يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل قال فمن لك يا اسامة بلا إله إلا الله فوالذي بعثه بالحق ما زال يرددها علي حتى تمنيت أن ما مضى من اسلامي لم يكن وأني أسلمت يومئذ ولم أقتله فقلت إني أعطي الله عهدا أن لا اقتل رجلا يقول لا إله إلا الله ابدا فقال بعدي يا اسامة فقلت بعدك قال الامام احمد حدثنا هشيم بن بشير أنبأنا حصين عن أبي ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يحدث قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحرقة من جهينة قال فصبحناهم وكان منهم رجل اذا أقبل القوم كان من أشدهم علينا واذا أدبروا كان حاميتهم قال فغشيته أنا ورجل من الانصار فلما تغشيناه قال لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وقتلته فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا اسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله قال قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا من القتل قال فكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ وأخرجه البخاري ومسلم من حديث هشيم به نحوه
وقال ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله الجهني عن جندب بن مكيث الجهني قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الى بني الملوح بالكديد وأمره أن يغير عليهم وكنت في سريته فمضينا حتى اذا كنا بالقديد لقينا الحارث بن مالك بن البرصاء الليثي فأخذناه فقال إني إنما جئت لأسلم فقال له غالب بن عبد الله إن كنت إنما جئت لتسلم فلا يضيرك رباط يوم وليلة وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك قال فأوثقه رباطا وخلف عليه رويجلا أسود كان معنا وقال أمكث معه حتى نمر عليك فان نازعك فاحتز رأسه ومضينا حتى
أتينا بطن الكديد فنزلنا عشية بعد العصر فبعثني أصحابي اليه فعمدت الى تل يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبل غروب الشمس فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحا على التل فقال لامرأته إني لأرى سوادا على هذا التل ما رأيته في أول النهار فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك فنظرت فقالت والله ما أفقد منها شيئا قال فناوليني قوسي وسهمين من نبلي فناولته فرماني بسهم في جنبي أو قال في جبيني فنزعته فوضعته ولم أتحرك ثم رماني بالآخر فوضعه في رأس منكبي فنزعته فوضعته ولم أتحرك فقال لامرأته أما والله لقد خالطه سهماي ولو كان ريبة لتحرك فاذا أصبحت فابتغي سهمي فخذيهما لا تمضغهما علي الكلاب قال فأمهلنا حتى اذا راحت روايحهم وحتى احتلبوا وعطنوا وسكنوا وذهبت عتمة من الليل شننا عليهم الغارة فقتلنا واستقنا النعم ووجهنا قافلين به وخرج صريخ القوم الى قومهم بقربنا قال وخرجنا سراعا حتى نمر بالحارث بن مالك بن البرصاء وصاحبه فانطلقنا به معنا وأتانا صريخ الناس فجاءنا مالا قبل لنا به حتى اذا لم يكن بيننا وبينهم الا بطن الوادي من قديد بعث الله من حيث شاء ماء ما رأينا قبل ذلك مطرا ولا حالا وجاء بما لا يقدر أحد أن يقدم عليه فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون الينا ما يقدر أحد منهم أن يقدم عليه ونحن نجديها أو نحدوها شك النفيلي فذهبنا سراعا حتى أسندنا بها في المسلك ثم حذرنا عنه حتى أعجزنا القوم بما في أيدينا وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن اسحاق في روايته عبد الله بن غالب والصواب غالب بن عبد الله كما تقدم وذكر الواقدي هذه القصة باسناد آخر وقال فيه وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا ثم ذكر البيهقي من طريق الواقدي سرية بشير ابن سعد أيضا الى ناحية خيبر فلقوا جمعا من العرب وغنموا نعما كثيرا وكان بعثه في هذه السرية باشارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكان معه من المسلمين ثلاثمائة رجل ودليله حسيل بن نويرة وهو الذي كان دليل النبي صلى الله عليه وسلم الى خيبر قاله الواقدي
*2* سرية بني حدرد الى الغابة
@
قال يونس عن محمد بن اسحاق كان من حديث قصة أبي حدرد وغزوته الى الغابة ما حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم عن أبي حدرد قال تزوجت امرأة من قومي فأصدقتها مائتي درهم قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعينه على نكاحي فقال كم اصدقت فقلت مائتي درهم فقال سبحان الله والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زدتم والله ما عندي ما أعينك به فلبثت أياما ثم أقبل رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة يريد أن يجمع قيسا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذا اسم وشرف في جشم قال فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال اخرجوا الى هذا الرجل
حتى تأتوا منه بخبر وعلم وقدم لنا شارفا عجفاء فحمل عليه أحدنا فوالله ما قامت به ضعفا حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت وقال تبلغوا على هذه فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى اذا جئنا قريبا من الحاضر مع غروب الشمس فكمنت في ناحية وأمرت صاحبي فمكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم وقلت لهما إذا سمعتماني قد كبرت وشددت في العسكر فكبرا وشدا معي فوالله إنا كذلك ننتظر أن نرى غرة أو نرى شيئا وقد غشينا الليل حتى ذهبت فحمة العشاء وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم وتخوفوا عليه فقام صاحبهم رفاعة بن قيس فأخذ سيفه فجعله في عنقه فقال والله لأتيقنن أمر راعينا ولقد اصابه شر فقال نفر ممن معه والله لا تذهب نحن نكفيك فقال لا إلا أنا قالوا نحن معك فقال والله لا يتبعني منكم أحد وخرج حتى مر بي فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤاده فوالله ما تكلم فوثبت اليه فاحتززت رأسه ثم شددت ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا فوالله ما كان إلا التجا ممن كان فيه عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وابنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة فجئنا بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأسه أحمله معي فاعطاني من تلك الابل ثلاثة عشر بعيرا في صداقي فجمعت إلي أهلي
*2* السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الاضبط
@
قال ابن اسحاق حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية الى أضم في نفر من المسلمين منهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم ابن جثامة بن قيس فخرجنا حتى اذا كنا ببطن أضم مر بنا عامر بن الأضبط الاشجعي على قعود له معه متيع له ووطب من لبن فسلم علينا بتحية الاسلام فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتيعه فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرناه الخبر فنزل فينا القرآن يا أيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا هكذا رواه الامام احمد عن يعقوب عن أبيه عن محمد بن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبد الله بن ابي حدرد عن أبيه فذكره
قال ابن اسحاق حدثني محمد بن جعفر سمعت زياد بن ضميرة بن سعد الضمري يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده قالا وكانا شهدا حنينا قالا فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر فقام الى ظل شجرة فقعد فيه فقام اليه عيينة بن بدر فطلب بدم عامر بن الأضبط الاشجعي وهو سيد
عامر هل لكم أن تاخذوا منا الآن خمسين بعيرا وخمسين اذا رجعنا الى المدينة فقال عيينة بن بدر والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن مثل ما أذاق نسائي فقال رجل من بني ليث يقال له ابن مكيتل وهو قصير من الرجال فقال يا رسول الله ما أجد لهذا القتيل شبها في غرة الاسلام إلا كغنم وردت فشربت اولاها فنفرت أخراها استن اليوم وغير غدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لكم ان تأخذوا خمسين بعيرا الآن وخمسين اذا رجعنا إلى المدينة فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية فقال قوم محلم بن جثامة إيتوا به حتى يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجاء رجل طوال ضرب اللحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل فقام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا تغفر لمحلم قالها ثلاثا فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه
قال محمد بن اسحاق زعم قومه أنه استغفر له بعد ذلك وهكذا رواه أبو داود من طريق حماد ابن سلمة عن ابن اسحاق ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد الاحمر عن ابن اسحاق عن محمد بن جعفر عن زيد بن ضميرة عن أبيه عن عمه فذكر بعضه والصواب كما رواه ابن اسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وعن جده وهكذا رواه أبو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن ابي الزناد وعن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه كما تقدم
وقال ابن اسحاق حدثني سالم أبو النضر أنه قال لم يقبلوا الدية حتى قام الاقرع بن حابس فخلا بهم وقال يا معشر قريش قيس سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب الله لغضبه ويلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيلعنكم الله بلعنته لكم لتسلمنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل كافر ما صلى قط فلا يطلبن دمه فلما قال ذلك لهم أخذوا الدية وهذا منقطع معضل وقد روى ابن اسحاق عمن لا يتهم عن الحسن البصري أن محلما لما جلس بين يديه عليه الصلاة والسلام قال له أمنته ثم قتلته ثم دعا عليه قال الحسن فوالله ما مكث محلم الا سبعا حتى مات فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض فرضموا عليه من الحجارة حتى واروه فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان الأرض لتطابق على من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم لما أراكم منه وقال ابن جرير ثنا وكيع ثنا جرير عن ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الاسلام وكانت بينهم هنة في الجاهلية فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم فيه عيينة والاقرع فقال الاقرع يا رسول
الله سن اليوم وغير غدا فقال عيينة لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غفر الله لك فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه فما مضت له سابعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال إن الارض لتقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم ثم طرحوه في جيل فالقوا عليه من الحجارة ونزلت يأيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية وقد ذكره موسى بن عقبة عن الزهري ورواه شعيب عن الزهري عن عبد الله ابن وهب عن قبيصة بن ذؤيب نحو هذه القصة إلا أنه لم يسم محلم بن جثامة ولا عامر بن الاضبط وكذلك رواه البيهقي عن الحسن البصري بنحو هذه القصة وقال فيه نزل قوله تعالى يأيها الذين آمنوا اذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية
قلت وقد تكلمنا في سبب نزول هذه الآية ومعناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة
*2* سرية عبد الله بن حذا فة السهمي
@
ثبت في الصحيحين من طريق الاعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن علي بن أبي طالب قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الانصار على سرية بعثهم وأمرهم ان يسمعوا له ويطيعوا قال فاغضبوه في شيء فقال اجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال أوقدوا نارا فاوقدوا ثم قال ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا قالوا بلى قال فادخلوها قال فنظر بعضهم الى بعض وقالوا إنما فررنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار قال فسكن غضبه وطفئت النار فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف وهذه القصة ثابتة أيضا في الصحيحين من طريق يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد تكلمنا على هذه بما فيه كفاية في التفسير ولله الحمد والمنة بسم الله الرحمن الرحيم
*2* عمرة القضاء
@
ويقال القصاص ورجحه السهيلي ويقال عمرة القضية فالاولى قضاء عما كان أحصر عام الحديبية والثاني من قوله تعالى والحرمات قصاص والثالث من المقاضاة التي كان قاضاهم عليها على أن يرجع عنهم عامه هذا ثم يأتي في العام القابل ولا يدخل مكة الا في جلبان السلاح وأن لا يقيم أكثر من ثلاثة أيام وهذه العمرة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة الفتح المباركة لقد صدق الله رسوله
الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون الآية وقد تكلمنا عليها مستقصى في كتابنا التفسير بما فيه كفاية وهي الموعود بها في قوله عليه الصلاة والسلام لعمر بن الخطاب حين قال له ألم تكن تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به قال بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا قال لا قال فإنك آتيه ومطوف به وهي المشار اليها في قول عبد الله بن رواحة حين دخل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة يوم عمرة القضاء وهو يقول
خلوا بني الكفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله
أي هذا تأويل الرؤيا التي كان رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت مثل فلق الصبح
قال ابن اسحاق فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر الى المدينة أقام بها شهري ربيع وجماديين ورجبا وشعبان وشهر رمضان وشوالا يبعث فيما بين ذلك سراياه ثم خرج من ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمرا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها قال ابن هشام واستعمل على المدينة عويف بن الأضبط الدئلي ويقال لها عمرة القصاص لأنهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ست فاقتص رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فدخل مكة في ذي القعدة في الشهر الحرام الذي صدوه فيهمن سنة سبع بلغنا عن ابن عباس أنه قال فأنزل الله تعالى في ذلك والحرمات قصاص وقال معتمر بن سليمان عن أبيه في مغازيه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر أقام بالمدينة وبعث سراياه حتى استهل ذي القعدة فنادى في الناس أن تجهزوا للعمرة فتجهزوا وخرجوا الى مكة
وقال ابن اسحاق وخرج معه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وهي سنة سبع فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه وتحدثت قريش بينها أن محمدا في عسرة وجهد وشدة قال ابن اسحاق فحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن عباس قال صفوا له عند دار الندوة لينظروا اليه والى أصحابه فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة ثم استلم الركن ثم خرج يهرول ويهرول أصحابه معه حتى إذا واراه البيت منهم واستلم الركن اليماني مشى حتى استلم الركن الأسود ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف ومشى سائرها فكان ابن عباس يقول كان الناس يظنون أنها ليست عليهم وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما صنعها لهذا الحي من قريش للذي بلغه عنهم حتى حج حجة الوداع فلزمها فمضت السنة بها وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد هو ابن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال المشركون إنه يقدم عليكم وقد وهنهم حمى يثرب فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم
أن يرملوا الاشواط الثلاث وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الابقاء عليهم قال أبو عبد الله ورواه أبو سلمة يعني حماد بن سلمة عن أيوب عن سعيد بن ابن عباس قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامهم الذي استأمن قال ارملوا ليرى المشركون قوتكم والمشركين من قبل قعيقعان ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد وأسند البيهقي من طريق حماد بن سلمة وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا اسماعيل بن أبي خالد سمع بن أبي أوفى يقول لما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سترناه من غلمان المشركين ومنهم أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي بقية الكلام على هذا المقام
قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن ابي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته يقول
خلوا بني الكفار عن سبيله * خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إني مؤمن بقيله * أعرف حق الله في قبوله
نحن قتلناكم على تأويله * كما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام نحن قتلناكم على تأويله الى آخر الأبيات لعمار بن ياسر في غير هذا اليوم يعني يوم صفين قاله السهيلي قال ابن هشام والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين والمشركون لم يقروا بالتنزيل وإنما يقاتل على التأويل من اقر بالتنزيل وفيما قاله ابن هشام نظر فان الحافظ البيهقي روى من غير وجه عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وفي رواية وهو آخذ بغرزه وهو يقول
خلوا بني الكفار عن سبيله * قد نزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله * نحن قتلناكم على تأويله
وفي رواية بهذا الاسناد بعينه * خلوا بني الكفار عن سبيله
اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله
وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام القضية مكة فطاف بالبيت على ناقته واستلم الركن بمحجنه قال ابن هشام من غير علة والمسلمون
يشتدون حوله وعبد الله بن رواحة يقول
بسم الذي لا دين إلا دينه * بسم الذي محمد رسوله
خلوا بني الكفار عن سبيله
قال موسى بن عقبة عن الزهري ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل من عام الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع وهو الشهر الذي صده المشركون عن المسجد الحرام حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها الحجف والمجان والرماح والنبل ودخلوا بسلاح الراكب السيوف وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه جعفر بن أبي طالب الى ميمونة بنت الحارث العامرية فخطبها عليه فجعلت أمرها الى العباس وكان تحته أختها أم الفضل بنت الحارث فزوجها العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه قال اكشفوا عن المناكب واسعوا في الطواف ليرى المشركون جلدهم وقوتهم وكان يكايدهم بكل ما استطاع فاستكف أهل مكة الرجال والنساء والصبيان ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو يطوفون بالبيت وعبد الله بن رواحة يرتجز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشحا بالسيف وهو يقول
خلوا بني الكفار عن سبيله * أنا الشهيد أنه رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله * في صحف تتلى على رسوله
فاليوم نضربكم على تأويله * كما ضربناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله
قال وتغيب رجال من اشراف المشركين أن ينظروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظا وحنقا ونفاسة وحسدا وخرجوا الى الخندمة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة واقام ثلاث ليال وكان ذلك آخر القضية يوم الحديبية فلما أتى الصبح من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس الأنصار يتحدث مع سعد بن عبادة فصاح حويطب بن عبد العزى نناشدك الله والعقد لما خرجت من أرضنا فقد مضت الثلاث فقال سعد بن عبادة كذبت لا أم لك ليس بأرضك ولا بأرض آبائك والله لا يخرج ثم نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيلا وحويطبا فقال إن قد نكصت فيكم امرأة يضركم أن أمكث حتى أدخل بها ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا فقالوا نناشدك الله والعقد إلا خرجت عنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ببطن سرف وأقام المسلمون وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع ليحمل ميمونة وأقام بسرف حتى قدمت عليه ميمونة وقد لقيت ميمونة ومن معها عناء
وأذى من سفهاء المشركين ومن صبيانهم فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف فبنى بها ثم أدلج فسار حتى أتى المدينة وقدر الله أن يكون موت ميمونة بسرف بعد ذلك بحين فماتت حيث بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر قصة ابنة حمزة إلى أن قال وأنزل الله عز وجل في تلك العمرة الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير نحوا من هذا السياق ولهذا السياق شواهد كثيرة من أحاديث متعددة ففي صحيح البخاري من طريق فليح بن سليمان عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا فحال كفار قريش بينه وبين البيت فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحا إلا سيوفا ولا يقيم بها إلا ما أحبوا فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم فلما أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج وقال الواقدي حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال لم تكن هذه عمرة قضاء وإنما كانت شرطا على المسلمين أن يعتمروا من قابل في الشهر الذي صدهم فيه المشركون وقال أبو داود ثنا النفيلي ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن عمرو بن ميمون سمعت أبا حاضر الحميري يحدث أن ميمون بن مهران قال خرجت معتمرا عام حاصر أهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معي رجال من قومي بهدي قال فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أن ندخل الحرم قال فنحرت الهدي مكاني ثم أحللت ثم رجعت فلما كان من العام المقبل خرجت لاقضى عمرتي فأتيت ابن عباس فسألته فقال أبدل الهدي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في عمرة القضاء تفرد به أبو داود من حديث أبي حاضر عثمان بن حاضر الحميري عن ابن عباس فذكره وقال الحافط البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الاصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عمرو بن ميمون قال كان أبي يسأل كثيرا أهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدل هديه الذي نحر حين صده المشركون عن البيت ولا يجد في ذلك شيئا حتى سمعته يسأل أبا حاضر الحميري عن ذلك فقال له على الخبير سقطت حججت عام ابن الزبير في الحصر الاول فاهديت هديا فحالوا بيننا وبين البيت فنحرت في الحرم ورجعت الى اليمن وقلت لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة فلما كان العام المقبل حججت فلقيت ابن عباس فسألته عما نحرت علي بدله أم لا قال نعم فابدل فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدهم المشركون فأبدلوا ذلك في عمرة القضاء فعزت الابل عليهم فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في البقر
وقال الواقدي حدثني غانم بن ابي غانم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجية بن جندب الأسلمي على هديه يسير بالهدي أمامه يطلب الرعي في الشجر معه أربعة
فتيان من أسلم وقد ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية ستين بدنة فحدثني محمد بن نعيم المجمر عن أبيه عن أبي هريرة قال كنت مع صاحب البدن أسوقها قال الواقدي وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي والمسلمون معه يلبون ومضى محمد بن مسلمة بالخيل الى مر الظهران فيجد بها نفرا من قريش فسألوا محمد بن مسلمة فقال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح هذا المنزل غدا إن شاء الله ورأوا سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد فخرجوا سراعا حتى أتوا قريشا فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل ففزعت قريش وقالوا والله ما أحدثنا حدثا وإنا على كتابنا وهدنتنا ففيم يغزونا محمد في أصحابه ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح الى بطن يأجج حيث ينظر الى أنصاب الحرم وبعثت قريش مكرز بن حفص بن الاحنف في نفر من قريش حتى لقوه ببطن يأجج ورسول الله صلى الله عليه وسلم في اصحابه والهدي والسلاح قد تلاحقوا فقالوا يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر تدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت لهم أن لا تدخل إلا بسلاح المسافر السيوف في القرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لا أدخل عليهم السلاح فقال مكرز بن حفص هذا الذي تعرف به البر والوفاء ثم رجع سريعا بأصحابه الى مكة فلما أن جاء مكرز بن حفص يخبر النبي صلى الله عليه وسلم خرجت قريش من مكة الى رؤس الجبال وخلوا مكة وقالوا لا ننظر اليه ولا إلى أصحابه فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدي أمامه حتى حبس بذى طوى وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهو على ناقته القصواء وهم محدقون به يلبون وهم متوشحون السيوف فلما انتهى إلى ذى وى وفق على ناقته القصواء وابن رواحة آخذ بزمامها وهو يرتجز بشعره ويقول
خلوا بني الكفار عن سبيله * إلى آخره
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة يعني من ذي القعدة سنة سبع فقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد قد وهنتهم حمى يثرب فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الاشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين ولم يمنعه أن يرملوا الاشواط كلها إلا الابقاء عليهم قال الامام احمد حدثنا محمد بن الصباح ثنا اسماعيل بن زكريا عن عبد الله ابن عثمان عن أبي الطفيل عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مر الظهران من عمرته بلغ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشا تقول ما يتباعثون من العجف فقال أصحابه لو انتحرنا من ظهرنا فأكلنا من لحومه وحسونا من مرقه أصبحنا غدا حين ندخل مكة على القوم وبنا جمامة فقال لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم فجمعوا له وبسطوا الانطاع فأكلوا حتى تركوا وحشى كل واحد منهم في جرابه ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر فاضطبع بردائه ثم قال لا يرى القوم فيكم غميزة فاستلم الركن ثم رمل حتى اذا تغيب بالركن اليماني مشى الى الركن
الأسود فقالت قريش ما يرضون بالمشي أما أنهم لينفرون نفر الظباء ففعل ذلك ثلاثة أطواف فكانت سنة قال أبو الطفيل وأخبرني ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في حجة الوداع تفرد به أحمد من هذا الوجه
قال أبو داود ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد يعني ابن سلمة أنبأنا أبو عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك سنة فقال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوا ليس بسنة إن قريشا زمن الحديبية قالت دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف فلما صالحوه على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة ايام فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ارملوا بالبيت ثلاثا قال وليس بسنة وقد رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين وعبد الملك بن سعيد بن أبحر ثلاثتهم عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن بن عباس به نحوه وكون الرمل في الطواف سنة مذهب الجمهور فان رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل في عمرة القضاء وفي عمرة الجعرانة أيضا كما رواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس فذكره وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه عليه السلام رمل في حجة الوداع في الطواف ولهذا قال عمر بن الخطاب فيم الرملان وقد أطال الله الأسلام ومع هذا لا نترك شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضع تقرير هذا كتاب الاحكام وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سنة كما ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس قال إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبالصفا والمروة ليرى المشركين قوته لفظ البخاري وقال الواقدي لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكه في القضاء دخل البيت فلم يزل فيه حتى أذن بلال الظهر فوق ظهر الكعبة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك فقال عكرمة بن أبي جهل لقد أكرم الله أبا الحكم حين لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول وقال صفوان بن أمية الحمد لله الذي أذهب أبي قبل أن يرى هذا وقال خالد بن أسيد الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم حتى يقوم بلال ينهق فوق البيت وأما سهيل بن عمرو ورجال معه لما سمعوا بذلك غطوا وجوههم قال الحافظ البيهقي قد اكرم الله أكثرهم بالاسلام
قلت كذا ذكره البيهقي من طريق الواقدي أن هذا كان في عمرة القضاء والمشهور أن ذلك كان في عام الفتح والله أعلم
*2* قصة تزويجه عليه السلام بميمونة
@
فقال ابن اسحاق حدثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح عن عطاء ومجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام وكان الذي زوجه إياها العباس بن عبد المطلب قال ابن هشام كانت جعلت أمرها الى أختها أم الفضل فجعلت أم الفضل أمرها الى زوجها العباس فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصدقها عنه أربعمائة درهم وذكر السهيلي أنه لما إنتهت اليها خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهي راكبة بعيرا قالت الجمل وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال وفيها نزلت الآية وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين وقد روى البخاري من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف قال البيهقي وروى الدارقطني من طريق أبي الأسود يتيم عروة ومن طريق مطر الوراق عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال قال وتأولوا رواية ابن عباس الأولى أنه كان محرما أي في شهر حرام كما قال الشاعر
قتلوا ابن عفان الخليفة محرما * فدعا فلم أر مثله مخذولا
أي في شهر حرام
قلت وفي هذا التأويل نظر لأن الرواية متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ولا سيما قوله تزوجها وهو محرم وبني بها وهو حلال وقد كان في شهر ذي القعدة أيضا وهو شهر حرام وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق قال قال لي الثوري لا يلتفت إلى قول أهل المدينة أخبرني عمرو عن أبي الشعثاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج وهو محرم قال أبو عبد الله قلت لعبد الرزاق روى سفيان الحديثين جميعا عن عمرو بن أبي الشعثاء عن ابن عباس وابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نعم أما حديث ابن خثيم فحدثنا ها هنا يعني باليمن وأما حديث عمرو فحدثنا ثم يعني بمكة وأخرجاه في الصحيحين من حديث عمرو بن دينار به وفي صحيح البخاري من طريق الاوزاعي أنبأنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم فقال سعيد بن المسيب وهم ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها إلا بعد ما أحل وقال يونس عن ابن اسحاق حدثني بقية عن سعيد بن المسيب أنه قال هذا عبد الله بن عباس يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم فذكر كلمته إنما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فكان الحل والنكاح جميعا فشبه ذلك على ابن عباس وروى مسلم وأهل السنن من طرق عن
يزيد بن الأصم العامري عن خالته ميمونة بنت الحارث قالت تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلال بسرف لكن قال الترمذي روى غير واحد هذا الحديث عن يزيد بن الأصم مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الاصفهاني الزاهد ثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ثنا مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت الرسول بينهما وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن حماد بن زيد به ثم قال الترمذي حسن ولا نعلم أحدا أسنده عن حماد عن مطر ورواه مالك عن ربيعة عن سليمان مرسلا ورواه سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلا قلت وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ويقال سنة ستين رضي الله عنها
*2* ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته
@
قد تقدم ما ذكره موسى بن عقبة أن قريشا بعثوا اليه حويطب بن عبد العزى بعد مضي أربعة ايام ليرحل عنهم كما وقع به الشرط فعرض عليهم أن يعمل وليمة عرسه بميمونة عندهم وإنما أراد تأليفهم بذلك فابوا عليه وقالوا بل اخرج عنا فخرج وكذلك ذكره ابن اسحاق وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة ايام فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله قالوا لا نقر بهذا لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئا ولكن أنت محمد بن عبد الله قال أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ثم قال لعلي بن أبي طالب أمح رسول الله قال لا والله لا أمحوك أبدا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله لا يدخل مكة إلا السيف في القراب وأن لا يخرج من أهلها بأحد اراد أن يتبعه وأن لا يمنع من اصحابه أحدا أراد ان يقيم بها فلما دخل ومضى الاجل أتوا عليا فقالوا قل لصاحبك اخرج عنا فقد مضى الاجل فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي يا عم يا عم فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة دونك ابنة عمك فحملتها فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال لي أنا أخذتها وهي ابنة عمي وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي وقال زيد ابنة اخي فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال الخالة بمنزلة الأم وقال لعلي أنت مني وأنا منك وقال لجعفر اشبهت خلقي وخلقي وقال لزيد أنت أخونا ومولانا قال على ألا تتزوج ابنة حمزة قال انها ابنة أخي من الرضاعة
تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن عمارة ابنة حمزة بن عبد المطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن ابي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين فقال أنا أحق بها ابنة أخي فلما سمع بذلك جعفر قال الخالة والدة وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس وقال علي ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين وليس لكم اليها سبب دوني وأنا أحق بها منكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا أحكم بينكم أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي وأنت يا جعفر اولى بها تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها فقضى بها لجعفر قال الواقدي فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا جعفر فقال يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله فقال للنبي صلى الله عليه وسلم تزوجها فقال ابنة أخي من الرضاعة فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن ابي سلمة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول هل جزيت أبا سلمة
قلت لانه ذكر الواقدي وغيره أنه هو الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة لانه كان أكبر من أخيه عمر بن ابي سلمة والله أعلم
قال ابن اسحاق ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة في ذي الحجة وتولى المشركون تلك الحجة قال ابن هشام وأنزل الله في هذه العمرة فيما حدثني أبو عبيدة قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا يعني خيبر


فصل ( إرسال سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم ) .
@ ذكر البيهقي ها هنا سرية ابن أبي العوجاء السلمي الى بني سليم ثم ساق بسنده عن الواقدي حدثني محمد بن عبد الله بن مسلم عن الزهري قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضية رجع في ذي الحجة من سنة سبع فبعث ابن ابي العوجاء السلمي في خمسين فارسا فخرج العين إلى قومه فحذرهم وأخبرهم فجمعوا جمعا كثيرا وجاءهم ابن ابي العوجاء والقوم معدون فلما أن رأوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأوا جمعهم إلى الاسلام فرشقوهم بالنبل ولم يسمعوا قولهم وقالوا لا حاجة لنا إلى ما دعوتم اليه فرموهم ساعة وجعلت الامداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل جانب فقاتل
القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة فتحامل حتى رجع الى المدينة بمن بقي معه من أصحابه في أول يوم من شهر صفر سنة ثمان
*2* فصل ( رد رسول الله عليه السلام ابنته زينب على زوجها أبي العاص ) .
@ قال الواقدي في الحجة من هذه السنة يعني سنة سبع رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع وقد قدمنا الكلام على ذلك وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين وقد اسلمتا في الطريق وغلام خصي قال الواقدي وفيها اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منبره درجتين ومقعده قال والثبت عندنا أنه عمل في سنة ثمان بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر وأعن بحولك وقوتك
*2* سنة ثمان من الهجرة النبوية
@
*2* اسلام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة
@
قد تقدم طرف من ذلك فيما ذكره ابن اسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهودي وذلك في سنة خمس من الهجرة وإنما ذكره الحافظ البيهقي ها هنا بعد عمرة القضاء فروى من طريق الواقدي أنبأنا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال عمرو بن العاص كنت للاسلام مجانبا معاندا حضرت بدرا مع المشركين فنجوت ثم حضرت احدا فنجوت ثم حضرت الخندق فنجوت قال فقلت في نفسي كم أوضع والله ليظهرن محمدا على قريش فلحقت بمالي بالرهط وأقللت من الناس أي من لقائهم فلما حضر الحديبية وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح ورجعت قريش إلى مكة جعلت أقول يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه ما مكة بمنزل ولا الطائف ولا شيء خير من الخروج وأنا بعد نائي عن الاسلام وأرى لو اسلمت قريش كلها لم اسلم فقدمت مكة وجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدمونني فيما نابهم فقلت لهم كيف أنا فيكم قالوا ذو رأينا ومدرهنا في يمن نفسه وبركة أمر قال قلت تعلمون أني والله لارى أمرا محمد يعلو الامور علوا منكرا وإني قد رأيت رأيا قالوا وما هو قلت نلحق بالنجاشي فنكون معه فان يظهر محمد كنا عند النجاشي
نكون تحت يد النجاشي أحب الينا من أن نكون تحت يد محمد وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا قالوا هذا الرأي قال قلت فاجمعوا ما نهديه له وكان أحب ما يهدى اليه من أرضنا الأدم فحملنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي فوالله إنا لعنده إذ جاء عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لاصحابي هذا عمرو بن أمية ولو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فاعطانيه فضربت عنقه فاذا فعلت ذلك سرت قريش وكنت قد أجزأت عنها حتى قتلت رسول محمد فدخلت على النجاشي فسجدت له كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا قال قلت نعم أيها الملك أهديت لك ادما كثيرا ثم قدمته فاعجبه وفرق منه شيئا بين بطارقته وأمر بسائره فادخل في موضع وأمر أن يكتب ويحتفظ به فلما رأيت طيب نفسه قلت أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فاعطنيه فاقتله فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي فاصابني من الذل ما لو انشقت بي الارض دخلت فيها فرقا منه ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك قال فاستحيا وقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الاكبر الذي كان يأتي موسى والذي كان يأتي عيسى لتقتله قال عمرو فغير الله قلبي عما كنت عليه وقلت في نفسي عرف هذا الحق والعرب والعجم وتخالف أنت ثم قلت أتشهد أيها الملك بهذا قال نعم أشهد به عند الله يا عمرو فأطعني واتبعه فوالله إنه لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده قلت أتبايعني له على الاسلام قال نعم فبسط يده فبايعني على الاسلام ثم دعا بطست فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فالقيتها ثم خرجت على اصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت فقلت لهم كرهت أن أكلمه في أول مرة وقلت أعود اليه فقالوا الرأي ما رأيت قال ففارقتهم وكأني أعمد الى حاجة فعمدت الى موضع السفن فاجد سفينة قد شحنت تدفع قال فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا الى الشعبة وخرجت من السفينة ومعي نفقة فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ثم مضيت حتى اذا كنت بالهدة فاذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين قال فنظرت فاذا خالد بن الوليد قال قلت أين تريد قال محمدا دخل الناس في الاسلام فلم يبق أحد به طعم والله لو اقمت
لاخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها قلت وأنا الله قد أردت محمدا وأردت الاسلام فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فما أنس قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح يا رباح يا رباح يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرنا ثم نظر الينا فأسمعه يقول قد اعطت مكة المقادة بعد هذين وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد وولى مدبرا الى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا فكان كما ظننت وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا باسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي حياء منه قال فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر فقال إن الاسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها قال فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة وكان عمر على خالد كالعاتب قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقدي فذكرت هذا الحديث ليزيد بن حبيب فقال أخبرني راشد مولى حبيب بن ابي أوس الثقفي عن مولاه حبيب عن عمرو بن العاص نحو ذلك
قلت كذلك رواه محمد بن اسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن راشد عن مولاه حبيب قال حدثني عمرو بن العاص من فيه فذكر ما تقدم في سنة خمس بعد مقتل ابي رافع وسياق الواقدي أبسط وأحسن قال الواقدي عن شيخه عبد الحميد فقلت ليزيد بن ابي حبيب وقت لك متى قدم عمرو وخالد قال لا إلا أنه قال قبل الفتح قلت فان أبي أخبرني ان عمرا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان وسيأتي عند وفاة عمرو من صحيح مسلم ما يشهد لسياق اسلامه وكيفية حسن صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته وكيف مات وهو يتاسف على ما كان منه في مدة مباشرته الامارة بعده عليه الصلاة والسلام وصفة موته رضي الله عنه
*2* طريق اسلام خالد بن الوليد
@
قال الواقدي حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال لما اراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الاسلام وحضرني رشدي فقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم فليس في موطن أشهده الا انصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء وأن محمدا سيظهر فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحديبية خرجت في خيل من المشركين فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في اصحابه بعسفان فقمت بازائه
وتعرضت له فصلى باصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا وكانت فيه خيرة فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف فوقع ذلك منا موقعا وقلت الرجل ممنوع فاعتز لنا وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح قلت في نفسي أي شيء بقي أين أذهب الى النجاشي فقد اتبع محمد وأصحابه عنده آمنون فاخرج الى هرقل فأخرج من ديني الى نصرانية أو يهودية فأقيم في عجم فاقيم في داري بمن بقي فانا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضية فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية فطلبني فلم يجدني فكتب الي كتابا فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني لم ار أعجب من ذهاب رأيك عن الاسلام وعقل : عقلك ومثل الاسلام جهله أحد وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وقال أين خالد فقلت يأتي الله به فقال مثله جهل الاسلام ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرا له ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة قال فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الاسلام وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت إن هذه لرؤيا فلما أن قدمت المدينة قلت لاذكرنا لابى بكر فقال مخرجك الذى هداك الله للاسلام والضيق الذى كنت فيه من الشرك قال فلما أجمعت الخروج الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت من أصاحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيت صفوان بن أمية فقلت يا ابا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كاضراس وقد ظهر محمد على العرب والعجم فلو قدمنا على محمد واتبعناه فإن شرف محمد لنا شرف فأبى اشد الاباء فقال لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا فافترقنا وقلت هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر فلقيت عكرمة بن ابي جهل فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية قلت فاكتم علي ما قال لا أذكره فخرجت الى منزلي فأمرت براحلتي فخرجت بها الى أن لقيت عثمان بن طلحة فقلت إن هذا لي صديق فلو ذكرت له ما أرجو ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره ثم قلت وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر اليه فقلت إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي فاسرع الاجابة وقلت له اني غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفج مناخة قال فاتعدت أنا وهو يأجج إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه قال فادلجنا سحرا فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج فغدونا حتى انتهينا الى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها قال مرحبا بالقوم فقلنا وبك فقال إلى أين مسيركم فقلنا وما أخرجك فقال وما أخرجكم قلنا الدخول في الاسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم قال وذاك الذي أقدمني فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة
ركابنا فاخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي فقال اسرع فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يتبسم الي حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة فرد علي السلام بوجه طلق فقلت إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال تعال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك الا الى خير قلت يا رسول الله اني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معاندا للحق فادعو الله أن يغفرها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام يجب ما كان قبله قلت يا رسول الله على ذلك قال اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله قال خالد وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان قدومنا في صفر سنة ثمان قال والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حز به
*2* سرية شجاع بن وهب الأسدي الى هوازن
@
قال الواقدي حدثني ابن ابي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن ابي فروة عن عمر بن الحكم قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا الى جمع من هوازن وأمره أن يغير عليهم فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار حتى جاءهم وهم غارين وقد أوعز الى أصحابه أن لا تمعنوا في الطلب فاصابوا نعما كثيرا وشاء فاستاقوا ذلك حتى اذا قدموا المدينة فكانت سهامهم خمسة عشر بعيرا كل رجل وزعم غيره أنهم أصابوا سبيا أيضا وأن الامير اصطفى عنهم جارية وضيئة ثم قدم أهلوهم مسلمين فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أميرهم في ردهن اليهم فقال نعم فردوهن وخير التي عنده الجارية فاختارت المقام عنده وقد تكون هذه السرية هي المذكورة فيما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد فكان فيهم عبد الله بن عمر قال فاصبنا إبلا كثيرا فبلغت سهامنا إثنا عشر بعيرا ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا بعيرا أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك ورواه مسلم أيضا من حديث الليث ومن حديث عبد الله كلهم عن نافع عن ابن عمر بنحوه وقال أبو داود حدثنا هناد حدثنا عبدة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية الى نجد فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان ثم قدمنا على رسول الله صد فقسم بيننا غنيمتنا فاصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع فكان لكل منا ثلاثة عشر بعيرا بنفله
*2* سرية كعب بن عمير الى بني قضاعة
@
قال الواقدي حدثنا محمد بن عبد الله الزهري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا الى ذات اطلاح من الشام فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم إلى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا فارتث منهم رجل جريح في القتلى فلما أن يرد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم بالبعثة اليهم فبلغه انهم ساروا إلى موضع آخر
*2* غزوة مؤتة
@
وهي سرية زيد بن حارثة في نحو من ثلاثة آلاف الى ارض البلقاء من أرض الشام
قال محمد بن اسحاق بعد قصة عمرة القضية فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بقية ذي الحجة وولى تلك الحجة المشركون والمحرم وصفرا وشهري ربيع وبعث في جمادى الاولى بعثه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤتة فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الى مؤتة في جمادى الاولى من سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب زيد فجعفر بن ابي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج وهم ثلاثة آلاف
وقال الواقدي حدثني ربيعة بن عثمان عن عمرو بن الحكم عن أبيه قال جاء النعمان ابن فنحص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة أمير الناس فان قتل زيد فجعفر بن أبي طالب فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة فان قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم فقال النعمان أبا القاسم إن كنت نبيا فلو سميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا أجمعيا ان الانبياء في بني اسرائيل كانوا اذا سموا الرجل على القوم فقالوا ان أصيب فلان ففلان فلو سموا مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد اعهد فانك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا فقال زيد أشهد أنه نبي صادق بار رواه البيهقي
قال ابن اسحق فلما حضر خروجهم ودع الناس امراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع بكى فقالوا ما يبكيك يا ابن رواحة فقال أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا
فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون صحبكم الله ودفع عنكم وردكم الينا صالحين فقال عبد الله بن رواحة
لكنني أسأل الرحمن مغفرة * وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة * بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال اذا مروا على جدثي * أرشده الله من غاز وقد رشدا
قال ابن اسحاق ثم أن القوم تهيئوا للخروج فاتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال
فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخير نافلة * الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله * والوجه منه فقد أزرى به القدر
قال ابن اسحاق ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم حتى اذا ودعهم وانصرف قال عبد الله بن رواحة
خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل
وقال الامام احمد حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو خالد الاحمر عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الى مؤتة فاستعمل زيدا فان قتل زيد فجعفر فأن قتل جعفر فابن رواحة فتخلف ابن رواحة فجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم فرآه فقال ما خلفك فقال اجمع معك قال لغدوة أو روحة خير من الدنيا وما فيها وقال أحمد ثنا أبو معاوية ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة قال فقدم أصحابه وقال أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم الحقهم قال فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه فقال ما منعك أن تغدو مع أصحابك فقال أردت أن أصلي معك الجمعة ثم الحقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنفقت ما في الارض جميعا ما أدركت غدوتهم وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أبي معاوية عن الحجاج وهو ابن ارطاة ثم علله الترمذي بما حكاه عن شعبة انه قال لم يسمع الحكم عن مقسم الا خمسة احاديث وليس هذا منها قلت والحجاج بن أرطاة في روايته نظر والله أعلم والمقصود من ايراد هذا الحديث انه يقتضي أن خروج الامراء الى مؤتة كان في يوم جمعة والله أعلم
قال ابن اسحاق ثم مضوا حتى نزلوا معانا من ارض الشام فبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة الف من الروم وانضم اليه من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة الف منهم عليهم رجل من بلي ثم احد اراشة يقال له مالك بن رافلة وفي رواية يونس عن ابن اسحاق فبلغهم ان هرقل نزل بمآب في مائة ألف من الروم ومائة الف من المستعربة فلما بلغ ذلك المسلمين اقاموا
على معان ليلتين ينظرون في أمرهم وقالوا نكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا فاما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له قال فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي اكرمنا الله به فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة قال فقال الناس قد والله صدق ابن رواحة فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في محبسهم ذلك
جلبنا الخيل من اجأ وفرع * تعر من الحشيش الى العكوم
حدوناها من الصوان سبتا * أزل كأن صفحته أديم
أقامت ليلتين على معان * فأعقب بعد فترتها جموم
فرحنا والحياد مسومات * تنفس في مناخرها سموم
فلا وأبي مآب لنأتينها * وإن كانت بها عرب وروم
فعبأنا أعنتها فجاءت * عوابس والغبار لها يريم
بذي لحب كأن البيض فيه * اذا برزت قوانسها النجوم
فراضية المعيشة طلقتها * اسنتنا فتنكح أو تئيم
قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن ابي بكر أنه حدث عن زيد بن ارقم قال كنت يتيما لعبد الله بن رواحة في حجره فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله فوالله انه ليسير ليلتئذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه
اذا أدنيتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك أنعم وخلاك ذم * ولا ارجع الى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني * بارض الشام مستنهى الثواء
وردك كل ذي نسب قريب * الى الرحمن منقطع الأخاء
هنالك لا ابالي طلع بعل * ولا نخل أسافلها رواء
قال فلما سمعتهن منه بكيت فخفقني بالدرة وقال ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة وترجع بين شعبتي الرحل ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز
يا زيد زيد اليعملات الذبل * تطاول الليل هديت فانزل
قال ابن اسحاق ثم مضى الناس حتى اذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة فالتقى الناس عندها فتعبى لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة وعلى ميسرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك وقال الواقدي حدثني ربيعة بن عثمانعن المقبري عن أبي هريرة قال شهدت مؤتة فلما دنا من المشركون رأينا مالا قبل لاحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فبرق بصري فقال لي ثابت بن أرقم يا ابا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة قلت نعم قال إنك لم تشهد بدرا معنا إنا لم ننصر بالكثرة رواه البيهقي قال ابن اسحاق ثم التقى الناس فاقتتلوا فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم ثم أخذها جعفر فقاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول المسلمين عقر في الاسلام وقال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة قال والله لكأني انظر الى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول
يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها
والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها
على إن لاقيتها ضرابها
وهذا الحديث قد رواه أبو داود من حديث أبي اسحاق ولم يذكر الشعر وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدو كما يقول أبو حنيفة في الاغنام اذا لم تتبع في السير ويخشى من لحوق العدو وانتفاعهم بها أنها تذبح وتحرق ليحال بينهم وبين ذلك والله أعلم قال السهيلي ولم ينكر أحد على جعفر فدل على جوازه إلا إذا أمن أخذ العدو له ولا يدخل ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثا قال ابن هشام وحدثني من أثق به من أهل العلم أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ويقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين قال ابن اسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال حدثني أبي الذي ارضعني وكان أحد بني مرة بن عوف قال فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ويقول
أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلن أو لتكرهنه
إن جلب الناس وشدوا الرنة * مالي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة * ها أنت إلا نطفة في شنة
وقال أيضا * يا نفس إن لا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا وجعفرا ثم نزل فلما نزل اتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت فأخذه من يده فانتهس منه نهسة ثم سمه الحطمة في ناحية الناس فقال وانت في الدنيا ثم القاه من يده ثم أخذ سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنه قال ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم اخو بني العجلان فقال يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم قالوا أنت قال ما أنا بفاعل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم وخاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس قال ابن اسحق ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا قال ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الانصار وظنوا أنه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا ثم قال لقد رفعوا الى الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا فقيل لي مضيا وتررد عبد الله بن رواحة بعض التردد ثم مضى هكذا ذكر ابن اسحق هذا منقطعا وقد قال البخاري ثنا أحمد بن واقد ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن انس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر فقال اخذ الراية زيد فاصيب ثم اخذها جعفر فاصيب ثم اخذها ابن رواحة فاصيب وعيناه تذرفان حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله قد فتح الله عليهم تفرد به البخاري ورواه في موضع آخر وقال فيه وهو على المنبر وما يسرهم أنهم عندنا وقال البخاري ثنا أحمد بن ابي بكير ثنا مغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وليس بالحرامي عن عبد الله بن سعيد عن نافع عن عبد الله بن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد ابن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قتل زيد فجعفر وان قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال عبد الله كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن ابي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية تفرد به البخاري أيضا وقال البخاري أيضا حدثنا احمد ثنا ابن
وهب عن ابن عمرو عن أبي هلال وهو سعيد بن ابي هلال الليثي قالا وأخبرني نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر بن ابي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره وهذا أيضا من أفراد البخاري ووجه الجميع بين هذه الرواية والتي قبلها ان ابن عمر اطلع على هذا العدد وغيره اطلع على أكثر من ذلك وان هذه في قبله أصيبها قبل أن يقتل فلما صرع الى الارض ضربوه أيضا ضربات في ظهره فعد ابن عمر ما كان في قبله وهو في وجوه الاعداء قبل أن يقتل رضي الله عنه ومما يشهد لما ذكره ابن هشام من قطع يمينه وهي ممسكة اللواء ثم شماله ما رواه البخاري ثنا محمد بن ابي بكر ثنا عمر بن علي عن اسمعيل بن ابي خلاد عن عامر قال كان ابن عمر اذا حي ابن جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين ورواه ايضا في المناقب والنسائي من حديث يزيد بن هارون عن اسماعيل بن ابي خالد وقال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا سفيان بن اسمعيل عن قيس بن ابي حازم قال سمعت خالد بن الوليد يقول لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي الا صفحة يمانية ثم رواه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن اسمعيل حدثني قيس سمعت خالد بن الوليد يقول لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية انفرد به البخاري قال الحافظ أبو بكر البيهقي ثنا أبو نصر بن قتادة ثنا أبو عمرو مطر ثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ثنا سليمان بن حرب ثنا الاسود ثنا شيبان عن خالد بن سمير قال قدم علينا عبد الله بن رباح الانصاري وكانت الانصار تفقهه فغشيه فيمن غشيه فقال ابو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء وقال عليكم زيد بن حارثة وقال ان أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة قال فوثب جعفر وقال يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي قال امض فانك لا تدري أي ذلك خير فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فامر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اخبركم عن جيشكم هذا انهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا شهد له بالشهادة واستغفر له ثم أخذ اللواء عبد الله ابن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الامراء هو أمر نفسه ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انه سيف من سيوفك أنت تنصره فمن يومئذ سمي خالد سيف الله ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك عن الاسود بن شيبان به نحوه وفيه زيادة حسنة وهو انه عليه الصلاة والسلام لما اجتمع اليه الناس قال باب خير باب خير وذكر الحديث وقال الواقد حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية عن عبد الله بن ابي بكر بن عمرو بن حزم قال لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف الله له ما بينه وبين الشام فهو ينظر
الى معتركهم فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب اليه الحياة وكره اليه الموت وحبب اليه الدنيا فقال الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين تحبب الى الدنيا فمضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما قتل زيد اخذ الراية جعفر بن ابي طالب فجاءه الشيطان فحبب اليه الحياة وكره اليه الموت ومناه الدنيا فقال الآن استحكم الايمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا ثم مضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال استغفروا لاخيكم فانه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء في الجنة قال ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الانصار فقيل يا رسول الله ما أعترضه قال لما اصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه قال الواقدي وحدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الآن حمي الوطيس قال الواقدي فحدثني العطاف بن خالد قال لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرته قال فانكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا قد جاءهم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين قال فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم وهذا يوافق ما ذكره موسى بن عقبة رحمه الله في مغازيه فانه قال بعد عمرة الحديبية ثم صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة فمكث بها ستة أشهر ثم إنه بعث جيشا الى مؤتة وأمر عليهم زيد بن حارثة وقال إن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم فانطلقوا حتى اذا لقوا ابن ابي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم بها تنوخ وبهراء فاغلق ابن ابي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام ثم التقوا على زرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا فاخذ اللواء زيد بن حارثة فقتل ثم اخذه جعفر فقتل ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ثم اصطلح المسلمون بعد امراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو واظهر المسلمين قال وبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاولى يعني سنة ثمان قال موسى بن عقبة وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مر علي جعفر في الملائكة يطير كما يطيرون وله جناحان قال وزعموا والله أعلم أن يعلى بن أمية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ان شئت فاخبرني وان شئت أخبرك قال اخبرني يا رسول الله قال فاخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصفه لهم فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره وإن أمرهم لكما ذكرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله رفع لي الارض حتى رأيت معتركهم فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن اسحاق وفيه مخالفة لما ذكره ابن اسحاق من أن خالد انما
حاش بالقوم حتى تخلصوا من الروم وعرب النصارى فقط وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بانهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعا ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه ورواه البخاري وهذا هو الذي رجحه ومال اليه الحافظ البيهقي بعد حكاية القولين لما ذكر من الحديث
قلت ويمكن الجمع بين قول ابن اسحاق وبين قول الباقين وهو ان خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء الى المسلمين فلما حمل عليهم خالد هزموهم بأذن الله والله أعلم وقد قال ابن اسحاق حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قال ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم واعطوني ابن جعفر فأني بعبد الله فأخذه فحمله بين يديه فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله عز وجل وهذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة وعندي أن ابن اسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا الجمهور الجيش وإنما كان للذين فروا حين التقى الجمعان وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين وهو على المنبر في قوله ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه فما كان المسلمون ليمسونهم فرارا بعد ذلك وإنما تلقوهم إكراما واعظاما وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هنالك وقد كان فيهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال الامام احمد حدثنا حسن ثنا زهير ثنا يزيد بن ابي زياد عن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن عبد الله بن عمر قال كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب ثم قلنا لو دخلنا المدينة قتلنا ثم قلنا لو عرضنا انفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كانت لنا توبة والا ذهبنا فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال من القوم قال قلنا نحن فرارون فقال لا بل انتم الكرارون انا فئتكم وانا فئة المسلمين قال فاتيناه حتى قبلنا يده ثم رواه غندر عن شعبة عن يزيد بن ابي زياد عن ابن أبي ليلى عن ابن عمر قال كنا في سرية ففررنا فاردنا أن نركب البحر فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون فقال لا بل انتم العكارون رواه الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن ابي زياد وقال الترمذي حسن لا نعرفه الا من حديثه وقال احمد حدثنا اسحاق بن عيسى وأسود بن عامر قالا حدثنا شريك عن يزيد بن ابي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن عمر قال بعثنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم في سرية فلما لقينا العدو انهزمنا في أول غادية فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا ثم قلنا لو خرجنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتذرنا اليه فخرجنا اليه ثم التقيناه قلنا نحن الفرارون يا رسول الله قال بل أنتم العكارون وانا فئتكم قال الاسود وانا فئة كل مسلم وقال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين قالت ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته ما يخرج وكان في غزاة مؤتة
قلت لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف ومثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي اولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الواقدي وموسى بن عقبة من قبله ويؤيد ذلك ويشاكله بالصحة ما رواه الامام احمد حدثنا الوليد بن مسلم حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الاشجعي قال خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة من المسلمين في غزوة مؤتة ومدوي من اليمن ليس معه غير سيفه فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المدوي طابقة من جلده فأعطاه اياه فاتخذه كهيئة الدرقة ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له اشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يغزي بالمسلمين وقعد له المدوي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقبه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه فلما فتح الله للمسلمين بعث اليه خالد بن الوليد يأخذ من السلب قال عوف فاتيته فقلت يا خالد اما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل قال بلى ولكني استكثر به فقلت به فقلت لتردنه اليه اولا عرفتكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فابى أن يرد عليه قال عوف فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المدوي وما فعل خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد رد عليه ما أخذت منه قال عوف فقلت دونك يا خالد ألم أف لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك فاخبرته فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره قال الوليد سألت ثورا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بنحوه ورواه مسلم وأبو داود من حديث جبير بن نفير عن عوف بن مالك به نحوه وهذا يقتضي انهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من امرائهم وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا رضي الله عنه قال اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي الا صفحة يمانية وهذا يقتضي انهم اثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قد روا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم وهذا هو اختيار موسى بن عقبة والواقدي والبيهقي وحكاه ابن هشام عن الزهري قال البيهقي رحمه الله إن اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم فمنهم من ذهب الى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وأن المشركين انهزموا قال وحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم اخذها خالد ففتح الله عليه يدل على ظهورهم عليهم والله أعلم
قلت وقد ذكر ابن اسحاق أن قطبة بن قتادة العذري وكان رأس ميمنة المسلمين حمل على مالك بن زافلة ويقال رافلة وهو أمير اعراب النصارى فقتله وقال يفتخر بذلك
طعنت ابن رافلة بن الاراش * برمح مضى فيه ثم انحطم
ضربت على جيده ضربة * فمال كما مال غصن السلم
وسقنا نساء بني عمة * غداة رقوقين سوق النعم
وهذا يؤيد ما نحن فيه لأن من عادة أمير الجيش اذا قتل أن يفر أصحابه ثم إنه صرح في شعره بانهم سبوا من نسائهم وهذا واضح فيما ذكرناه والله اعلم واما ابن اسحاق فانه ذهب الى أنه لم يكن الا المخاشاة والتخلص من أيدي الروم وسمى هذا نصرا وفتحا أي باعتبار ما كانوا فيه منإحاطة العدو بهم وتراكمهم وتكاثرهم وتكاثفهم عليهم فكان مقتضى العادات أن يصطلحوا بالكلية فلما تخلصوا منهم وانحازوا عنهم كان هذا غاية المرام في هذا المقام وهذا محتمل لكنه خلاف الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام ففتح الله عليهم والمقصود أن ابن اسحاق يستدل على ما ذهب اليه فقال وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد بن الوليد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم قيس بن المحسر اليعمري يعتذر مما صنع يومئذ وصنع الناس يقول
فوالله لا تنفك نفسي تلومني * على موقفي والخيل قابعة قبل
وقفت بها لا مستجيزا فنافذا * ولا مانعا من كل حم له القتل
على أنني آسيت نفسي بخالد * ألا خالد في القوم ليس له مثل
وجاشت الي النفس من نحو جعفر * بمؤتة إذ لا ينفع النابل النبل
وضم الينا حجزتيهم كليهما * مهاجرة لا مشركون ولا عذل

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:08 AM
قال ابن اسحاق فبين قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره أن القوم جاحزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه قال ابن هشام واما الزهري فقال فيما بلغنا عنه أمر المسلمون عليهم خالد بن الوليد ففتح الله عليهم وكان عليهم حتى رجع الى المدينة
*2* فصل ( إصابة جعفر وأصحابه ) .
@ قال ابن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن أم عيسى الخزاعية عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها اسماء بنت عميس قالت لما اصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دبغت أربعين مناء وعجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتني ببني جعفر فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك ابلغك عن جعفر وأصحابه شيء قال نعم أصيبوا هذا اليوم قالت فقمت أصيح واجتمع الي النساء وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فانهم قد شعلوا بامر صاحبهم وهكذا رواه الامام أحمد من حديث ابن اسحاق ورواه ابن اسحاق من طريق عبد الله بن ابي بكر عن أم عيسى عن أم عون بنت محمد بن جعفر عن أسماء فذكر الأمر بعمل الطعام والصواب أنها أم جعفر وأم عون وقال الامام أحمد حدثنا سفيان ثنا جعفر بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وسلم اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن جعفر بن خالد بن سارة المخزومي المكي عن أبيه عن عبد الله بن جعفر وقال الترمذي حسن ثم قال محمد بن اسحاق حدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما أتى نعي جعفر عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن قالت فدخل عليه رجل فقال يا رسول الله إن النساء عييننا وفتننا قال أرجع اليهم فأسكتهن قالت فذهب ثم رجع فقال له مثل ذلك قالت يقول وربما ضر التكلف يعني أهله قالت قال فاذهب فأسكتهن فان أبين فاحثوا في افواههن التراب قالت وقلت في نفسي أبعدك الله فوالله ما تركت نفسك وما أنت بمطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وعرفت أنه لا يقدر يحثي في افواههن التراب إنفرد به ابن اسحاق من هذا الوجه وليس في شيء من الكتب وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا عبد الوهاب سمعت يحيى بن سعيد قال أخبرتني عمرة قالت سمعت عائشة تقول لما قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الحزن قالت عائشة وأنا اطلع من صاير الباب شق فأتاه رجل فقال أي رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاءهن فامره أن ينهاهن قالت فذهب الرجل ثم أتى فقال والله لقد غلبننا فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاحث في أفواههن من التراب قالت عائشة رضي الله عنها فقلت أرغم الله أنفك فوالله ما أنت تفعل ذلك وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرةعنها وقال الامام أحمد حدثنا وهب بن جرير ثنا أبي سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعيد عن عبد الله بن جعفر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر فان قتل أو استشهد
فأميركم عبد الله بن رواحة فلقوا العدو فاخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم اخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه وأتى خبرهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج الى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال إن إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية بعده جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم اخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل أو استشهد ثم أخذ الراية سيفا من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه قال ثم أمهل آل جعفر ثلاثا ان يأتهم ثم أتاهم فقال لا تبكوا على أخي بعد اليوم أدعوا لي بني أخي قال فجيء بنا كأننا أفراخ فقال ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق فحلق رؤسنا ثم قال أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي ثم أخذ بيدي فأشالها وقال اللهم اخلف جعفرا في أهله بارك لعبد الله في صفقة يمينه قالها ثلاث مرات قال فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح له فقال العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة ورواه أبو داود ببعضه والنسائي في السير بتمامه من حديث وهب بن جرير به وهذا يقتضي أنه عليه الصلاة والسلام أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام ثم نهاهم عنه بعدها ولعله معنى الحديث الذي رواه الامام أحمد من حديث الحكم بن عبد الله بن شداد عن اسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها لما أصيب جعفر تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت تفرد به أحمد فيحتمل أنه أذن لها في التسلب وهو المبالغة في البكاء وشق الثياب ويكون هذا من باب التخصيص لها بهذا لشدة حزنها على جعفر أبي أولادها وقد يحتمل أن يكون أمرا لها بالتسلب وهو المبالغة في الاحداد ثلاثة ايام ثم تصنع ما شاءت مما يفعله المعتدات على أزواجهن من الاحداد المعتاد والله أعلم ويروى تسلى ثلاثا أي تصبري ثلاثا وهذا بخلاف الرواية الاخرى والله أعلم فأما الحديث الذي قال الامام احمد حدثنا يزيد ثنا محمد بن طلحة ثنا الحكم بن عيينة عن عبد الله بن شداد عن أسماء بنت عميس قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال لا تحدي بعد يومك هذا فانه من افراد احمد أيضا وإسناده لا بأس به ولكنه مشكل إن حمل على ظاهره لانه قد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميتها أكثر من ثلاثة أيام الا على زوج أربعة اشهر وعشرة فإن كان ما رواه الامام أحمد محفوظا فتكون مخصوصة بذلك أو هو أمر بالمبالغة في الاحداد هذه الثلاثة أيام كما تقدم والله أعلم
قلت ورثت أسماء بنت عميس زوجها بقصيدة تقول فيها
فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى * أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
ثم لم تنشب أن انقضت عدتها فخطبها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فتزوجها فأولم وجاء الناس للوليمة فكان فيهم علي بن أبي طالب فلما ذهب الناس استأذن علي ابا بكر رضي الله عنهما في أن يكلم اسماء من وراء الستر فأذن له فلما اقترب من الستر نفحه ريح طيبها فقال لها علي على وجه البسط من القائلة في شعرها
فآليت لا تنفك نفسي حزينة * عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
قالت دعنا منك يا أبا الحسن فانك امرؤ فيك دعابة فولدت للصديق محمد بن ابي بكر ولدته بالشجرة بين مكة والمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ذاهب الى حجة الوداع فأمرها أن تغتسل وتهل وسيأتي في موضعه ثم لما توفي الصديق تزوجها بعده علي بن أبي طالب وولدت له أولادا رضي الله عنه عنها وعنهم أجمعين
*2* فصل ( عطف رسول الله عليه السلام على ابن جعفر عند إصابة أبيه ) .
@ قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال فلما دنوا من المدينة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قال ولقيهم الصبيان يشتدون ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقبل مع القوم على دابة فقال خذوا الصبيان فاحملوهم واعطوني ابن جعفر فأتي بعبد الله بن جعفر فحمله بين يديه قال وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون يا فرار أفررتم في سبيل الله قال فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله وهذا مرسل وقد قال الامام احمد ثنا أبو معاوية ثنا عاصم عن مؤرق العجلي عن عبد الله بن جعفر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قدم من سفر تلقى الصبيان من أهل بيته وأنه قدم من سفر فسبق بي اليه قال فحملني بين يديه ثم قال جيء بأحد بني فاطمة إما حسن وإما حسين فاردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة وقد رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عاصم الاحول عن مؤرق به وقال الامام احمد ثنا روح حدثنا ابن جريج ثنا خالد بن سارة أن أباه أخبره أن عبد الله بن جعفر قال لو رأيتني وقثما وعبيد الله ابني العباس ونحن صبيان نلعب اذ مر النبي صلى الله عليه وسلم على دابة فقال ارفعوا هذا الي فحملني أمامه وقال لقثم ارفعوا هذا الي فجعله وراءه وكان عبيد الله أحب الى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال ثم مسح على رأسه ثلاثا وقال كلما مسح اللهم اخلف جعفرا في ولده قال
قلت لعبد الله ما فعل قثم قال استشهد قال قلت الله ورسوله أعلم بالخير قال أجل ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج به وهذا كان بعد الفتح فان العباس إنما قدم المدينة بعد الفتح فاما الحديث رواه الامام احمد ثنا اسماعيل ثنا حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن ابي مليكة قال قال عبد الله بن جعفر لابن الزبير أتذكر اذ تلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت وابن عباس قال نعم فحملنا وتركك وبهذا اللفظ اخرجه البخاري ومسلم من حديث حبيب بن الشهيد وهذا يعد من الاجوبة المسكتة ويروى أن عبد الله بن عباس أجاب به ابن الزبير أيضا وهذه القصة قصة أخرى كانت بعد الفتح كما قدمنا بيانه والله أعلم
*2* فصل في فضل هؤلاء الأمراء الثلاثة زيد وجعفر وعبد الله رضي الله عنهم
@ أما زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبدود بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الكلبي القضاعي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن أمه ذهبت تزور أهلها فاغارت عليهم خيل فأخذوه فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد وقيل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لها فوهبته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة فوجده أبوه فاختار المقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتقه وتبناه فكان يقال له زيد بن محمد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه حبا شديدا وكان أول من أسلم من الموالي ونزل فيه آيات من القرآن منها قوله تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم وقوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وقوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وقوله وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية أجمعوا أن هذه الآيات أنزلت فيه ومعنى أنعم الله عليه أي بالاسلام وأنعمت عليه أي بالعتق وقد تكلمنا عليها في التفسير والمقصود أن الله تعالى لم يسم أحدا من الصحابة في القرآن غيره وهداه الى الاسلام وأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجه مولاته أم أيمن واسمها بركة فولدت له أسامة بن زيد فكان يقال له الحب بن الحب ثم زوجه بابنة عمته زينب بنت جحش وآخى بينه وبين عمه حمزة بن عبد المطلب وقدمه في الامرة على ابن عمه جعفر بن ابي طالب يوم مؤتة كما ذكرناه وقد قال الامام احمد والامام الحافظ أبو بكر بن ابي شيبة وهذا لفظه ثنا محمد بن
عبيد عن وائل بن داود سمعت البهي يحدث أن عائشة كانت تقول ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ولو بقي بعد لاستخلفه ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن محمد بن عبيد الطنافسي به وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح وهو غريب جدا والله أعلم وقال الامام احمد ثنا سليمان ثنا اسمعيل أخبرني ابن دينار عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم اسامة بن زيد فطعن بعض الناس في أمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان تطعنوا في إمرته فقد كنتم تطعنون في إمرة ابيه من قبل وايم الله ان كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس الي وان هذا لمن أحب الناس الي بعده واخرجاه في الصحيحين عن قتيبة عن اسمعيل هو ابن جعفر بن ابي كثير المدني عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر فذكره ورواه البخاري من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه ورواه البزار من حديث عاصم بن عمر عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر ثم استغربه من هذا الوجه وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا عمر بن اسمعيل عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت لما أصيب زيد بن حارثة وجيء بأسامة بن زيد وأوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخر ثم عاد من الغد فوقف بين يديه فقال ألاقي منك اليوم ما لقيت منك أمس وهذا الحديث فيه غرابة والله أعلم وقد تقدم في الصحيحين أنه لما ذكر مصابهم وهو عليه السلام فوق المنبر جعل يقول اخذ الراية زيد فأصيب ثم اخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فاصيب ثم اخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليه قال وإن عينيه لتذرفان وقال وما يسرهم أنهم عندنا وفي الحديث الآخر أنه شهد لهم بالشهادة فهم ممن يقطع لهم بالجنة وقد قال حسان بن ثابت يرثي زيد بن حارثة وابن رواحة
عين جودي بدمعك المنزور * واذكري في الرخاء أهل القبور
واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيدا * نعم مأوى الضريك والمأسور
حب خير الانام طزا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور
ذاكم احمد الذي لا سواه * ذاك حزني له معا وسروري
إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس امر المكذب المغرور
ثم جودي للخزرجي بدمع * سيدا كان ثم غير نزور
قد اتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور
واما جعفر بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكبر
من أخيه علي بعشر سنين وكان عقيل اسن من جعفر بعشر سنين وكان طالب أسن من عقيل بعشر سنين أسلم جعفر قديما وهاجر الى الحبشة وكانت له هناك مواقف مشهورة ومقامات محمودة وأجوبة سديدة وأحوال رشيدة وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة ولله الحمد وقد قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقال عليه الصلاة والسلام ما أدري أنا بأيهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر وقام اليه واعتنقه وقبل بين عينيه وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية أشبهت خلقي وخلقي فيقال إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه ولله الحمد والمنة ولما بعثه الى مؤتة جعل في الامرة مصليا اي نائبا لزيد بن حارثة ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر وكانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى وهو ممسك للواء فلما فقدهما احتضنه حتى قتل وهو كذلك فيقال إن رجلا من الروم ضربه بسيف فقطعه باثنتين رضي الله عن جعفر ولعن قاتله وقد أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شهيد فهو ممن يقطع له بالجنة وجاء بالاحاديث تسميته بذي الجناحين وروى البخارى عن ابن عمر انه كان اذا سلم على أبنه عبد الله بن جعفر يقول السلام عليك يا ابن ذى الجناحين وبعضهم يرويه عن عمر بن الخطاب نفسه والصحيح ما في الصحيح عن ابن عمر قالوا لأن الله تعالى عوضه عن يديه بجناحين في الجنة وقد تقدم بعض ما روي في ذلك قال الحافظ أبو عيسى الترمذي حدثنا علي بن حجر ثنا عبد الله بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت جعفرا يطير في الجنة مع الملائكة وتقدم في حديث أنه رضي الله عنه قتل وعمره ثلاث وثلاثين سنة وقال ابن الاثير في الغابة كان عمره يوم قتل إحدى واربعين قال وقيل غير ذلك
قلت وعلى ما قيل إنه كان أسن من علي بعشر سنين يقتضي أن عمره يوم قتل تسع وثلاثون سنة لأن عليا أسلم وهو ابن ثمان سنين على المشهور فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة وهاجر وعمره احدى وعشرين سنة ويوم مؤتة كان في سنة ثمان من الهجرة والله أعلم وقد كان يقال لجعفر بعد قتله الطيار لما ذكرنا وكان كريما جوادا ممدحا وكان لكرمه يقال له ابا المساكين لاحسانه اليهم قال الامام احمد وحدثنا عفان بن وهيب ثنا خالد عن عكرمة عن أبي هريرة قال ما احتذى النعال ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن ابي طالب وهذا إسناد جيد الى ابي هريرة وكأنه إنما يفضله في الكرم فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه واما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان أو علي أفضل منه وانما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري ثنا
أحمد بن ابي بكر ثنا محمد بن ابراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن الناس كانوا يقولون أكثر ابو هريرة وأني كنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطني خبز لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج الينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها تفرد به البخاري وقال حسان ابن ثابت يرثي جعفرا
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي * من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها
رزءا وأكرمها جميعا محتدا * واعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل * كذبا وانداها يدا واقلها
فحشا وأكثرها اذا ما يجتدي * فضلا وأنداها يدا وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله * حي من أحياء البرية كلها
واما ابن رواحة فهو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس لاكبر بن مالك بن الاغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج أبو محمد ويقال ابو رواحة ويقال أبو عمرو الانصاري الخزرجي وهو خال النعمان بن بشير اخته عمرة بنت رواحة أسلم قديما وشهد العقبة وكان أحد النقباء ليلتئذ لبني الحارث بن الخزرج وشهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية وخيبر وكان يبعثه على خرصها كما قدمنا وشهد عمرة القضاء ودخل يومئذ وهم ممسك بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل بغرزها يعني الركاب وهو يقول خلوا بني الكفار عن سبيله الأبيات كما تقدم وكان أحد الأمراء الشهداء يوم مؤتة كما تقدم وقد شجع المسلمين للقاء الروم حين اشتوروا في ذلك وشجع نفسه أيضا حتى نزل بعد ما قتل صاحباه وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة فهو ممن يقطع له بدخول الجنة ويروى أنه لما أنشد النبي صلى الله عليه وسلم شعره حين ودعه الذي يقول فيه
فثبت الله ما آتاك من حسن * تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت فثبتك الله قال هشام بن عروة فثبته الله حتى قتل شهيدا ودخل الجنة وروى حماد بن زيد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عبد الله بن رواحة أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب فسمعه يقول اجلسوا فجلس مكانه خارجا من المسجد حتى فرغ الناس من خطبته فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال زادك الله حرصا على طواعية الله وطواعية رسوله وقال البخاري في صحيحه وقال ابن معاذ اجلس بنا نؤمن ساعة وقد ورد الحديث المرفوع في ذلك عن عبد الله بن رواحة بنحو ذلك فقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد عن عمارة عن زياد النحوي عن أنس قال كان عبد الله بن رواحة اذا لقي الرجل من اصحابه يقوال تعال نؤمن بربنا ساعة فقال ذات يوم لرجل فغضب الرجل فجاء فقال يا رسول الله الا ترى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة فقال النبي صلى الله عليه وسلم رحم الله ابن رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة وهذا حديث غريب جدا وقال البيهقي ثنا الحاكم ثنا أبو بكر ثنا محمد بن ايوب ثنا أحمد بن يونس ثنا شيخ من أهل المدينة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار أن عبد الله بن رواحة قال لصاحب له تعال نؤمن ساعة قال أولسنا مؤمنين قال بلى ولكنا نذكر الله فيزداد إيمانا وقد روى الحافظ أبو القاسم اللاكائي من حديث أبي اليمان عن صفوان بن سليم عن شريح بن عبيد أن عبد الله بن رواحة كان يأخذ بيد الرجل من أصحابه فيقول قم بنا نؤمن ساعة فنجلس في مجلس ذكر وهذا مرسل من هذين الوجهين وقد استقصينا الكلام على ذلك في أول شرح البخاري ولله الحمد والمنة وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة رضي الله عنه وقد كان من شعراء الصحابة المشهورين ومما نقله البخاري من شعره في رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفينا رسول الله نتلو كتابه * إذا انشق معروف من الفجر ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
أتى بالهدي بعد العمي فقلوبنا * به موقنات إن ما قال واقع
وقال البخاري حدثنا عمران بن ميسرة ثنا محمد بن فضيل عن حصين عن عامر عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عليه فقال حين افاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك حدثنا قتيبة ثنا خيثمة عن حصين عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة بهذا فلما مات لم تبك عليه وقد قدمنا ما رثاه به حسان بن ثابت مع غيره وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من مؤتة مع من رجع رضي الله عنهم
كفى حزنا إني رجعت وجعفر * وزيد وعبد الله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغير
وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية ما رثي به هؤلاء الامراء الثلاث من شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك رضي الله عنهما وأرضاهما
*2* فصل في من استشهد يوم مؤتة
@
فمن المهاجرين جعفر بن ابي طالب ومولاهم زيد بن حارثة الكلبي ومسعود بن الاسود بن حارثة بن نضلة العدوي ووهب بن سعد بن أبي سرح فهؤلاء أربعة نفر ومن الانصار عبد الله ابن رواحة وعباد بن قيس الخزرجيان والحارث بن النعمان بن اساف بن نضلة النجاري وسراقة ابن عمرو بن عطية بن خنساء المازني أربعة نفر فمجموع من قتل من المسلمين يومئذ هؤلاء الثمانية على ما ذكره ابن اسحاق لكن قال ابن هشام وممن استشهد يوم مؤتة فيما ذكره ابن شهاب الزهري أبو كليب وجابر ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول المازنيان وهما شقيقان لأب وأم وعمرو وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أقصى فهؤلاء أربعة من الانصار ايضا فالمجموع على القولين اثنا عشر رجلا وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل من الروم مائة ألف ومن نصارى العرب مائة ألف يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين الا اثنا عشر رجلا وقد قتل من المشركين خلق كثير هذا خالد وحده يقول لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة اسياف وما صبرت في يدي الا صفحة يمانية فماذا ترى قد قتل بهذه الاسياف كلها دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن وقد تحكموا في عبدة الصلبان عليهم لعائن الرحمن في ذلك الزمان وفي كل أوان وهذا مما يدخل في قوله تعالى وقد كان لكم في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله واخرى كافرة ترونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الابصار
*2* حديث فيه فضيلة عظيمة لامراء هذه السرية
@
وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم قال الامام العالم الحافظ أبو زرعة عبد الله بن عبد الكريم الرازي نضر الله وجهه في كتابه دلائل النبوة وهو كتاب جليل حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي ثنا الوليد ثنا ابن جابر وحدثنا عبد الرحمن بن
إبراهيم الدمشقي ثنا الوليد وعمرو يعني ابن عبد الواحد قالا ثنا ابن جابر سمعت سليم بن عامر الخبائري يقول أخبرني أبو أمامة الباهلي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم إذا أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا اصعد فقلت لا أطيقه فقالا إنا سنسهله لك قال فصعدت حتى اذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات شديدة فقلت ما هؤلاء الاصوات فقالا عواء أهل النار ثم انطلقا بي فاذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تشيل أشداقهم دما فقلت ما هؤلاء فقالا هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم فقال خابت اليهود والنصارى قال سليم سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم من رأيه ثم انطلقا بي فاذا قوم اشد شيء انتفاخا وأنتن شيء ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء قال هؤلاء قتلى الكفار ثم انطلقا بي فاذا بقوم أشد انتفاخا وأنتن شيء ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني ثم انطلقا بي فاذا بنساء ينهش ثديهن الحيات فقلت ما بال هؤلاء قالا هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن ألبانهن ثم انطلقا بي فاذا بغلمان يلعبون بين بحرين قلت من هؤلاء قالا هؤلاء ذراري المؤمنين ثم اشرفا بي شرفا فاذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم فقلت من هؤلاء قالا هذا جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله ابن رواحة ثم اشرفا بي شرفا آخر فاذا أنا بنفر ثلاثة فقلت من هؤلاء قالا هذا ابراهيم وموسى عيسى عليهم السلام وهم ينتظرونك
*2* ما قيل من الاشعار في غزوة مؤتة
@
قال ابن اسحاق وكان مما بكى به أصحاب مؤتة قول حسان
تأوبني ليل بيثرب أعسر * وهم اذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر
بلى إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المسلمين تواردوا * شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبد الله حين تتابعوا * جميعا وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * الى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبي إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير مؤسد * بمعترك فيه القنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمرا حازما حين يأمر
وما زال في الاسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر
هموا جبل الاسلام والناس حولهم * رضام الى طود يروق ويبهر
بها ليل منهم جعفر وابن أمه * علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهموا * عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللاواء في كل مأزق * عماس اذا ما ضاق بالناس مصدر
هم اولياء الله أنزل حكمه * عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهر
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه * نام العيون ودمع عينك يهمل
سحا كما وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها * طورا أخن وتارة أتمهل
واعتادني حزن فبت كأنني * ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشا * مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى الأله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل
صبروا بمؤتة للأله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم على بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤددا ما ينقل
قوم بهم عصم الاله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل
لا يطلقون الى السفاه حباهموا * وترى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى اذا اعتذر الزمان الممحل
وبهديهم رضي الاله لخلقه * وبجدهم نصر النبي المرسل
بسم الله الرحمن الرحيم
*2* كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ملوك الآفاق وكتبه اليهم
@
ذكر الواقدي أن ذلك في آخر سنة ست في ذي الحجة بعد عمرة الحديبية وذكر البيهقي هذا الفصل في هذا الموضع بعد غزوة مؤتة والله أعلم ولا خلاف بينهم أن بدء ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحديبية لقول أبي سفيان لهرقل حين سأله هل يغدر فقال لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها وفي لفظ البخاري وذلك في المدة التي ماد فيها أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن اسحاق كان ذلك ما بين الحديبية ووفاته عليه السلام ونحن نذكر ذلك ها هنا وإن كان قول الواقدي محتملا والله أعلم وقد روى مسلم عن يوسف بن حماد المعنى عن عبد الاعلى عن سعيد ابن ابي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب قبل مؤتة الى كسرى وقيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدهوهم إلى الله عز وجل وليس بالنجاشي الذي صلى عليه وقال يونس ابن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال كنا قوما تجارا وكانت الحرب قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نأمن إن وجدنا أمنا فخرجت تاجرا إلى الشام مع رهط من قريش فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلا الا وقد حملني بضاعة وكان وجه متجرنا من الشام غزة من أرض فلسطين فخرجنا حتى قدمناها وذلك حين ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس فاخرجهم منها ورد عليه صليبه الاعظم وقد كان استلبوه إياه فلما أن بلغه ذلك وقد كان منزله بحمص من الشام فخرج منها يمشي متشكرا إلى بيت المقدس ليصلي فيه تبسط له البسط ويطرح عليها الرياحين حتى انتهى الى ايلياء فصلى بها فاصبح ذات غداة وهو مهموم يقلب طرفه الى السماء فقالت له بطارقته أيها الملك لقد أصبحت مهموما فقال أجل فقالوا وما ذاك فقال أريت في هذه الليلة ان ملك الختان ظاهر فقالوا والله ما نعلم امة من الأمم تختتن الا اليهود وهم تحت يديك وفي سلطانك فإن كان قد وقع ذلك في نفسك
منهم فابعث في مملكتك كلها فلا يبقى يهودي الا ضربت عنقه فتستريح من هذا الهم فإنهم في ذلك من رأيهم يديرونه بينهم إذ أتاهم رسول صاحب بصرى برجل من العرب قد وقع اليهم فقال أيها الملك إن هذا الرجل من العرب من أهل الشاء والابل يحدثك عن حدث كان ببلاده فاسأله عنه فلما انتهى اليه قال لترجمانه سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده فسأله فقال هو رجل من العرب من قريش خرج يزعم أنه نبي وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون وقد كانت بينهم ملاحم في مواطن فخرجت من بلادي وهم على ذلك فلما أخبره الخبر قال جردوه فاذا هو مختتن فقال هذا والله الذي قد أرتي لا ما تقولون أعطه ثوبه انطلق لشأنك ثم إنه دعا صاحب شرطته فقال له قلب لي الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه قال أبو سفيان فوالله إني وأصحابي لبغزة إذ هجم علينا فسألنا ممن أنتم فأخبرناه فساقنا اليه جميعا فلما انتهينا اليه قال أبو سفيان فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك الاغلف يريد هرقل قال فلما انتهينا اليه قال أيكم امس به رحما فقلت أنا قال ادنوه مني قال فاجلسني بين يديه ثم أمر اصحابي فاجلسهم خلفي وقال إن كذب فردوا عليه قال أبو سفيان فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عني ثم يتحدثونه عني بمكة فلم اكذبه فقال أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم فزهدت له شأنه وصغرت له امره فقلت سلني عما بدا لك قال كيف نسبه فيكم فقلت محضا من أوسطنا نسبا قال فأخبرني هل كان من اهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا قال فاخبرني هل له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه فقلت لا قال فأخبرني عن اتباعه من هم فقلت الأحداث والضعفاء والمساكين فأما اشرافهم وذووا الانساب منهم فلا قال فاخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه ويقليه ويفارقه قلت ما صحبه رجل ففارقه قال فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه فقلت سجال يدال علينا وندال عليه قال فاخبرني هل يغدر فلم أجد شيا أغره به إلا هي قلت لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فينا فوالله ما التفت اليها مني قال فاعاد علي الحديث قال زعمت أنه من أمحضكم نسبا وكذلك يأخذ الله النبي لا ياخذه الا من أوسط قومه وسالتك هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به فقلت لا وسألتك هل كان له ملك فاسلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوا عليه ملكه فقلت لا وسألتك عن اتباعه فزعمت أنهم الاحداث والمساكين والضعفاء وكذلك أتباع الأنبياء في كل زمان وسالتك عمن يتبعه أيحبه ويكرمه أم يقليه ويفارقه فزعمت أنه قل من يصحبه فيفارقه وكذلك حلاوة الايمان لا تدخل قلبا فتخرج منه وسألتك كيف الحرب بينكم وبينه فزعمت أنها سجال يدال عليكم وتدالون عليه وكذلك يكون حرب الانبياء
ولهم تكون العاقبة وسالتك هل يغدر فزغمت أنه لا يغدر فلئن كنت صدقتني ليغلبن على ما تحت قدمي هاتين ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه ثم قال الحق بشأنك قال فقمت وأنا أضرب إحدى يدي على الأخرى واقول يا عباد الله لقد امر أمر ابن ابي كبشة وأصبح ملوك بني الأصفر يخافونه في سلطانهم قال ابن اسحاق وحدثني الزهري قال حدثني أسقف من النصارى قد أدرك ذلك الزمان قال قدم دحية بن خليفة على هرقل بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فاسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان أبيت فان إثم الاكاريين عليك قال فلما انتهى من كتابه وقرأه أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته ثم كتب الى رجل من أهل رومية كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ يخبره عما جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب اليه إنه النبي الذي ينتظر لا شك فيه فاتبعه فأمر بعظماء الروم فجمعوا له في دسكرة ملكه ثم امر بها فأشرحت عليهم واطلع عليهم من علية له وهو منهم خائف فقال يا معشر الروم إنه قد جاءني كتاب احمد وإنه والله النبي الذي كنا ننتظر ومجمل ذكره في كتابنا نعرفه بعلاماته وزمانه فاسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم وآخرتكم فنخروا نخرة رجل واحد وابتدروا ابواب الدسكرة فوجدوها مغلقة دونهم فخافهم وقال ردوهم علي فردوهم عليه فقال لهم يا معشر الروم إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها لأنظر كيف صلابتكم في دينكم فلقد رأيت منكم ما سرني فوقعوا له سجدا ثم فتحت لهم أبواب الدسكرة فخرجوا وقد روى البخاري قصة ابي سفيان مع هرقل بزيادات أخر أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من الصحيح ليعلم ما بين السياقين من التباين وما فيهما من الفوائد قال البخاري قبل الايمان من صحيحه حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ثنا شعيب عن الزهري اخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس اخبره أن أبا سفيان اخبره أن هرقل ارسل اليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه بايلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال ايكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا قال ادنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا أن يؤثروا عني كذبا لكذبت عنه ثم كان أول ما سالني عنه أن قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله قلت لا قال فهل كان من آبائه من ملك قلت لا قال فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم قلت بل ضعفاؤهم قال أيزيدون أم ينقصون قلت بل يزيدون قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه
بعد أن يدخل فيه قلت لا قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال قلت لا قال فهل يغدر قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال ولم يمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة قال فهل قاتلتمونه قلت نعم قال فكيف كان قتالكم إياه قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه قال ماذا يأمركم قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة فقال للترجمان قل له سألتك عن نسبه فزعمت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك ابيه وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الايمان حتى يتم وسألتك أيرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الايمان حين تخالط بشاشته القلوب وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فان كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم فلو أعلم أني اخلص اليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فاني أدعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم يؤتك الله اجرك مرتين فإن توليت فان عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد الا الله ولا تشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بانا مسلمون قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الاصوات وأخرجنا فقلت لاصحابي حين خرجنا لقد أمر أمر ابن ابي كبشة أنه يخافه ملك بني الاصفر فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الاسلام قال وكان ابن الناطور صاحب إيلياء وهرقل أسقف على نصارى الشام يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوما خبيث النفس فقال بعض بطارقته قد استنكرنا هيئتك قال ابن الناطور وكان هرقل حزاء ينظر في النجوم فقال لهم حين سألوه إني رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان
قد ظهر فمن يختتن من هذه الامم قالوا ليس يختتن الا اليهود ولا يهمنك شأنهم واكتب الى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود فبينماهم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخبره هرقل قال اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا فنظروا اليه فحدثوه أنه مختتن وسأله عن العرب فقال هم يختتنون فقال هرقل هذا ملك هذه الأمة قد ظهر ثم كتب إلى صاحب له برومية وكان نظيره في العلم وسار هرقل إلى حمص فلم يرم بحمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وهو نبي فآذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص ثم أمر بأبوابها فغلقت ثم اطلع فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم فتتابعوا لهذا النبي فحاصوا حيصة حمر الوحش الى الابواب فوجدوها قد غلقت فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال ردوهم علي وقال إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت فسجدوا له ورضوا عنه فكان ذلك آخر شأن هرقل قال البخاري ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها وأخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجه من طرق عن الزهري وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية وذكرنا فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله الحمد والمنة وقال ابن لهيعة عن الاسود عن عروة قال خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجرا في نفر من قريش وبلغ هرقل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يعلم ما يعلم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه يأمره أن يبعث اليه برجال من العرب يسألهم عنه فأرسل اليه ثلاثين رجلا منهم أبو سفيان ابن حرب فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها فقال هرقل ارسلت اليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ما أمره قالوا ساحر كذاب وليس بنبي قال فاخبروني من أعلمكم به وأقربكم منه رحما قالوا هذا أبو سفيان ابن عمه وقد قاتله فلما أخبروه ذلك أمر بهم فاخرجوا عنه ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره قال اخبرني يا أبا سفيان فقال هو ساحر كذاب فقال هرقل إني لا أريد شتمه ولكن كيف نسبه فيكم قال هو والله من بيت قريش قال كيف عقله ورأيه قال لم يغب له رأي قط قال هرقل هل كان حلافا كذابا مخادعا في أمره قال لا والله ما كان كذلك قال لعله يطلب ملكا أو شرفا كان لاحد من أهل بيته قبله قال أبو سفيان لا ثم قال من يتبعه منكم هل يرجع اليكم منهم أحد قال لا قال هرقل هل يغدر اذا عاهد قال لا إلا أن يغدر مدته هذه فقال هرقل وما تخاف من مدته هذه قال إن قومي أمدوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة قال هرقل إن كنتم أنتم بدأتم فانتم أغدر فغضب ابو سفيان وقال لم يغلبنا الا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب وهو يوم
بدر ثم غزوته مرتين في بيوتهم نبقر البطون ونجدع الآذان والفروج فقال هرقل كذابا تراه أم صادقا فقال بل هو كاذب فقال إن كان فيكم نبي فلا تقتلوه فان أفعل الناس لذلك اليهود ثم رجع أبو سفيان ففي هذا السياق غرابة وفيه فوائد ليست عند ابن اسحاق ولا البخاري وقد اورد موسى ابن عقبة في مغازيه قريبا مما ذكره عروة بن الزبير والله أعلم وقال ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن حميد ثنا سلمة ثنا محمد بن اسحاق عن بعض أهل العلم قال إن هرقل قال لدحية بن خليفة الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والله إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا ولكني أخاف الروم على نفسي ولولا ذلك لاتبعته فاذهب الى صفاطر الاسقف فاذكر له أمر صاحبكم فهو والله في الروم أعظم مني وأجود قولا عندهم مني فانظر ماذا يقول لك قال فجاء دحية فاخبره بما جاء به من رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هرقل وبما يدعو اليه فقال صفاطر والله صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه ثم دخل والقى ثيابا كانت عليه سودا ولبس ثيابا بياضا ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في الكنيسة فقال يا معشر الروم إنه قد جاءنا كتاب من احمد يدعونا فيه الى الله وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله قال فوثبوا اليه وثبة رجل واحد فضربوه حتى قتلوه قال فلما رجع دحية الى هرقل فاخبره الخبر قال قد قلت لك إنا نخافهم على أنفسنا فصفاطر والله كان أعظم عندهم واجوز قولا مني وقد روى الطبراني من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن ابيه عن عبد الله بن شداد عن دحية الكلبي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قيصر صاحب الروم بكتاب فقلت اساذنوا لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى قيصر فقيل له إن على الباب رجلا يزعم أنه رسول رسول الله ففزعوا لذلك وقال أدخله فادخلني عليه وعنده بطارقته فاعطيته الكتاب فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى قيصر صاحب الروم فنخر ابن أخ له احمر ازرق سبط فقال لا تقرأ الكتاب اليوم فانه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم قال فقرئ الكتاب حتى فرغ منه ثم أمرهم فخرجوا من عنده ثم بعث الي فدخلت عليه فسألني فأخبرته فبعث الى الاسقف فدخل عليه وكان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله فلما قرأ الكتاب قال الاسقف هو والله الذي بشرنا به موسى وعيسى الذي كنا ننتظر قال قيصر فما تأمرني قال الاسقف أما أنا فإني مصدقه ومتبعه فقال قيصر أعرف أنه كذلك ولكن لا أستطيع أن أفعل إن فعلت ذهب ملكي وقتلني الروم وبه قال محمد بن اسحاق عن خالد بن يسار عن رجل من قدماء أهل الشام قال لما اراد هرقل الخروج من أرض الشام الى القسطنطينية لما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم جمع الروم فقال يا معشر الروم إني عارض
عليكم أمورا فانظروا فيما أردت بها قالوا ما هي قال تعلمون والله أن هذا الرجل لنبي مرسل نجده نعرفه بصفته التي وصف لنا فهلم فلنتبعه فتسلم لنا دنيانا وآخرتنا فقالوا نحن نكون تحت أيدي العرب ونحن أعظم الناس ملكا وأكثر رجالا وأقصاه بلدا قال فهلم أعطيه الجزية كل سنة أكسر شوكته واستريح من حربه بما أعطيه إياه قالوا نحن نعطي العرب الذل والصغار بخراج يأخذونه منا ونحن أكثر الناس عددا وأعظمه ملكا وأمنعه بلدا لا والله لا نفعل هذا أبدا قال فهلم فلأصالحه على أن أعطيه أرض سورية ويدعني وأرض الشام قال وكانت أرض سورية فلسطين والأردن ودمشق وحمص وما دون الدرب سورية وما كان وراء الدرب عندهم فهو الشام فقالوا نحن نعطيه ارض سورية وقد عرفت أنها أرض سورية الشام لانفعل هذا أبدا فلما أبوا عليه قال أما والله لتودن أنكم قد ظفرتم اذا امتنعتم منه في مدينتكم قال ثم جلس على بغل له فانطلق حتى اذا أشرف على الدرب استقبل ارض الشام ثم قال السلام عليك يا أرض سورية تسليم الوداع ثم ركض حتى دخل قسطنطينية والله أعلم
*2* ارساله صلى الله عليه وسلم الى ملك العرب من النصارى بالشام
@
قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب أخا بني أسد بن خزيمة الى المنذر ابن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق قال الواقدي وكتب معه سلام على من اتبع الهدى وآمن به وادعوك الى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى لك ملكك فقدم شجاع بن وهب فقرأه عليه فقال ومن ينتزع ملكي إني سأسير اليه
*2* بعثه الى كسرى ملك الفرس
@
وروى البخاري من حديث الليث عن يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه مع رجل الى كسرى وأمره أن يدفعه الى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين الى كسرى فلما قرأه كسرى مزقه قال فحسبت أن ابن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق وقال عبد الله بن وهب عن يونس عن الزهري حدثني عبد الرحمن بن عبد القاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ذات يوم على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال أما بعد فاني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الاعاجم فلا تختلفوا علي كما اختلف بنو اسرائيل على عيسى بن مريم فقال المهاجرون يا رسول الله إنا لا نختلف عليك في شيء ابدا فمرنا وابعثنا فبعث شجاع بن وهب إلى كسرى فأمر كسرى بايوانه أن يزين
ثم اذن لعظماء فارس ثم اذن لشجاع بن وهب فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض منه فقال شجاع بن وهب لا حتى أدفعه أنا اليك كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كسرى ادنه فدنا فناوله الكتاب ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة فقرأه فاذا فيه من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس قال فأغضبه حين بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وصاح وغضب ومزق الكتاب قبل أن يعلم ما فيه وأمر بشجاع بن وهب فاخرج فلما رأى ذلك قعد على راحلته ثم سار ثم قال والله ما أبالي على أي الطريقين أكون إذ أديت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث الى شجاع ليدخل عليه فالتمس فلم يوجد فطلب الى الحيرة فسبق فلما قدم شجاع على النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه لكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مزق كسرى ملكه وروى محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة بكتابه الى كسرى فلما قرأه مزقه فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مزق ملكه وقال ابن جرير حدثنا أحمد بن حميد ثنا سلمة ثنا ابن اسحاق عن زيد بن أبي حبيب قال وبعث عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس وكتب معه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاء الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فإن تسلم تسلم وإن أبيت فان إثم المجوس عليك قال فلما قرأه شقه وقال يكتب إلي بهذا وهو عبدي قال ثم كتب كسرى الى باذام وهو نائبه على اليمن أن ابعث الى هذا الرجل بالحجاز رجلين من عند جلدين فليأتياني به فبعث باذام قهرمانه وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخرة وكتب معهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما الى كسرى وقال لأبا ذويه إيت بلاد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجلا من قريش في ارض الطائف فسألوه عنه فقال هو بالمدينة واستبشر أهل الطائف يعني وقريش بهما وفرحوا وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أباذويه فقال شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب الى الملك باذام يأمره أن يبعث اليك من يأتيه بك وقد بعثني اليك لتنطلق معي فن
فعلت كتب لك الى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر اليهما وقال ويلكما من أمركما بهذا قالا أمرنا ربنا يعنيان كسرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ربي أمرني باعفاء لحيتي وقص شاربي ثم قال ارجعا حتى تأتياني غدا قال وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بان الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا من ليلة كذا وكذا من الليل سلط عليه ابنه شيرويه فقتله قال فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدري ما تقول إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام قال نعم اخبراه ذاك عني وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي الى الخف والحافر وقولا له إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك وملكتك على قومك من الابناء ثم أعطى خرخرة منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فاخبراه الخبر فقال والله ما هذا بكلام ملك وإني لارى الرجل نبيا كما يقول وليكونن ما قد قال فلئن كان هذا حقا فهو نبي مرسل وإن لم يكن فسنرى فيه رأيا فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه أما بعد فاني قد قتلت كسرى وما أقتله إلا غضبا لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم ونحرهم في ثغورهم فاذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك وانطلق الى الرجل الذي كان كسرى قد كتب فيه فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه فلما انتهى كتاب شيرويه الى باذام قال إن هذا الرجل لرسول فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن قال وقد قال باذويه لباذام ما كلمت أحدا أهيب عندي منه فقال له باذام هل معه شرط قال لا قال الواقدي رحمه الله وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من سنة سبع من الهجرة لست ساعات مضت منها
قلت وفي شعر بعضهم ما يرشد أن قتله كان في شهر الحرام وهو قول بعض الشعراء
قتلوا كسرى بليل محرما * فتولى لم يمتع بكفن
وقال بعض شعراء العرب * وكسرى إذ تقاسمه بنوه
بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم * أتى ولكل حاملة تمام



وروى الحافظ البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن عن ابي بكرة أن رجلا من أهل فارس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربي قد قتل الليلة ربك قال وقيل له يعني النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد استخلف ابنته فقال لا يفلح قوم تملكهم امرأة قال
البيهقي وروى في حديث دحية بن خليفة أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل كسرى وذلك أن كسرى بعث يتوعد صاحب صنعاء ويقول له ألا تكفيني أمر رجل قد ظهر بأرضك يدعوني الى دينه لتكفينه أو لأفعلن بك فبعث اليه فقال لرسله أخبروه أن ربي قد قتل ربه الليلة فوجدوه كما قال قال وروى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي نحو هذا ثم روى البيهقي من طريق أبي بكر بن عياش عن داود بن ابي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال أقبل سعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن في وجه سعد خبرا فقال يا رسول الله هلك كسرة فقال لعن الله كسرى أول الناس هلاكا فارس ثم العرب
قلت الظاهر أنه لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاك كسرى لذينك الرجلين يعني الاميرين اللذين قدما من نائب اليمن باذام فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام وشاع في البلاد وكان سعد بن ابي وقاص أول من سمع جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره بوفق إخباره عليه السلام وهكذا بنحو هذا التقدير ذكره البيهقي رحمه الله ثم روى البيهقي من غير وجه عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه بلغه أن كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بعث له أو قيض له عارض يعرض عليه الحق فلم يفجأ كسرى الا برجل يمشي وفي يده عصا فقال يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا فقال كسرى نعم لا تكسرها فولى الرجل فلما ذهب أرسل كسرى الى حجابه فقال من اذن لهذا الرجل علي فقالوا ما دخل عليك أحد فقال كذبتم قال فغضب عليهم وتهددهم ثم تركهم قال فلما كان رأس الحول أتى ذلك الرجل ومعه العصا قال يا كسرى هل لك في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا قال نعم لا تكسرها فلما انصرف عند دعا حجابه قال لهم كالمرة الاولى فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل معه العصا فقال هل لك يا كسرى في الاسلام قبل أن أكسر هذه العصا فقال لا تكسرها لا تكسرها فكسرها فأهلك الله كسرى عند ذلك وقال الامام الشافعي انبأ ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده فوالذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة واخرجاه من حديث الزهري به قال الشافعي ولما أتى كسرى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مزقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزق ملكه وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعه في مسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبت ملكه قال الشافعي وغيره من العلماء ولما كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة فأسلم من أسلم منهم شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اذا هلك كسرى فلا كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده قال فباد ملك
الا كاسرة بالكلية وزال ملك قيصر عن الشام بالكلية وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عظموا كتابه والله أعلم
قلت وفي هذا بشارة عظيمة بان ملك الروم لا يعود أبدا الى أرض الشام وكانت العرب تسمي قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الروم وكسرى لمن ملك الفرس والنجاشي لمن ملك الحبشة والمقوقس لمن ملك الاسكندرية وفرعون لمن ملك مصر كافرا وبطليموس لمن ملك الهند ولهم أعلام أجناس غير ذلك وقد ذكرناها في غير هذا الموضع والله أعلم وروى مسلم عن قتيبة وغيره عن أبي عوانة عن سماك عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتفتحن عصابة من المسلمين كنوز كسرى في القصر الابيض وروى اسباط عن سماك عن جابر بن سمرة مثل ذلك وزاد وكنت أنا وأبي فيهم فأصبنا من ذلك ألف درهم
*2* بعثه صلى الله عليه وسلم الى المقوقس صاحب مدينة الاسكندرية
@ واسمه جريج بن مينا القبطي قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني الزهري عن عبد الله بن عبد القاري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث حاطب بن أبي بلتعه الى المقوقس صاحب الاسكندرية فمضى بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اليه فقبل الكتاب واكرم حاطبا وأحسن نزله وسرحه الى النبي صلى الله عليه وسلم وأهدى له مع حاطب كسوة وبغله بسرجها وجاريتين احدهما أم ابراهيم واما الاخرى فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمحمد بن قيس العبدي رواه البيهقي ثم روي من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابيه ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن جده حاطب بن أبي بلتعة قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المقوقس ملك الاسكندرية قال فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزله واقمت عنده ثم بعث الي وقد جمع بطارقته وقال إني سائلك عن كلام فأحب أن تفهم عني قال قلت هلم قال اخبرني عن صاحبك أليس هو نبي قلت بل هو رسول الله قال فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده الى غيرها قال فقلت عيسى ابن مريم أليس تشهد انه رسول الله قال بلى قلت فما له حيث اخذوه قومه فأرادوا أن يصلبوه ألا يكون دعا عليهم بان يهلكهم الله حيث رفعه الله الى السماء الدنيا فقال لي أنت حكيم قد جاء من عند حكيم هذه هدايا أبعث بها معك الى محمد وارسل معك ببذرقة يبذرقونك الى مامنك قال فاهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جوار منهم أم ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحدة وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت الانصاري وأرسل اليه بطرف من طرفهم وذكر ابن اسحاق أنه أهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع جوار احداهن مارية أم ابراهيم والاخرى سيرين التي وهبها لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن بن حسان
قلت وكان في جملة الهدية غلام أسود خصي اسمه مابور وخفين ساذجين أسودين وبغلة بيضاء اسمها الدلدل وكان مابور هذا خصيا ولم يعلموا بأمره بادي الأمر فصار يدخل على مارية كما كان من عاداتهم ببلاد مصر فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك ولا يعلمون بحقيقة الحال وأنه خصي حتى قال بعضهم أنه الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب بقتله فوجده خصيا فتركه والحديث في صحيح مسلم من طريق
قال ابن اسحاق وبعث سليط بن عمرو بن عبدود أخا بني عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة وبعث العلاء بن الحضرمي إلى جيفر بن الجلندي وعمار بن الجنلدي الازديين صاحبي عمان
*2* غزوة ذات السلاسل
@
ذكرها الحافظ البيهقي ها هنا قبل غزوة الفتح فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص الى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلي وعبد الله ومن يليهم من قضاعة قال عروة بن الزبير وبنو بلي أخوال العاص بن وائل فلما صار الى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الاولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين وامر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا عبيدة بن الجراح قال موسى بن عقبة فلما قدموا على عمرو قال أنا أميركم وأنا أرسلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم استمده بكم فقال المهاجرون بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين فقال عمرو إنما أنتم مدد أمددته فلما رأى ذلك أبو عبيدة وكان رجل حسن الخلق لين الشيمة قال تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا وإنك إن عصيتني لأطيعنك فسلم أبو عبيدة الامارة لعمرو بن العاص وقال محمد بن اسحاق حدثني محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص يستنفر العرب الى الاسلام وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بني بلي فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهم يتألفهم بذلك حتى إذا كان على ماء بارض جذام يقال له السلاسل وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل قال فلما كان عليه وخاف بعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فبعث اليه أبا عبيدة بن الجراح
في المهاجرين الاولين فيهم أبو بكر وعمر وقال لأبي عبيدة حين وجهه لا تختلفا فخرج أبو عبيدة حتى اذا قدم عليه قال له عمرو إنما جئت مددا لي فقال له أبو عبيدة لا ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا هينا عليه أمر الدنيا فقال له عمرو أنت مددي فقال له أبو عبيدة يا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لي لا تختلفا وإنك إن عصيتني أطعتك فقال له عمرو فاني أمير عليك وإنما أنت مدد لي قال فدونك فصلى عمرو بن العاص بالناس وقال الواقدي حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان أن أبا عبيدة لما آب الى عمرو ابن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطئ بلاد بلي ودوخها وكلما انتهى الى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى الى أقصى بلاد بلي وعذرة وبلقين ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة وتراموا بالنبل ساعة ودمي يومئذ عامر بن ربيعة وأصيب ذراعه وحمل المسلمون عليهم فهزموا وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هنالك أو قام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ولم تكن غنائم تقسم وقال أبو داود ثنا ابن المثنى ثنا وهب بن جرير ثنا أبي سمعت يحيى بن ايوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عمران بن أبي أنس عن عبد الرحمن بن جيبر عن عمرو بن العاص قال احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فاشفقت إن اغتسلت أن أهلك قال فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب قال فاخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما فضحك نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا حدثنا محمد بن سلمة ثنا ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد ابن ابي حبيب عن عمران بن ابي أنس عن عبد الرحمن بن جيبر عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص وكان على سرية فذكر الحديث بنحوه قال فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ثم صلى بهم فذكر نحوه ولم يذكر التيمم قال ابو داود وروى هذه القصة عن الأوزاعي عن حسان بن عطية وقال فيه فتيمم وقال الواقدي حدثني أفلح بن سعيد عن ابن عبد الرحمن بن رقيش عن ابي بكر بن حزم قال كان عمرو بن العاص حين قفلوا احتلم في ليلة باردة كاشد ما يكون من البرد فقال لاصحابه ما ترون والله احتلمت فان اغتسلت مت فدعا بماء فتوضأ وغسل فرجه وتيمم ثم قام فصلى بهم فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا قال عوف فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر وهو يصلي في بيته فسلمت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك فقلت عوف بن مالك يا رسول الله قال صاحب الجزور قلت نعم ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئا ثم قال أخبرني
فأخبرته بما كان من مسيرنا وما كان من أبي عبيدة وعمرو ومطاوعة أبي عبيدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح قال ثم اخبرته أن عمرا صلى بالناس وهو جنب ومعه ماء لم يزد على ان غسل فرجه وتوضأ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته فاخبره فقال والذي بعثك بالحق إني لو اغتسلت لمت ولم أجد بردا قط مثله وقد قال تعالى ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبلغنا أنه قال شيئا وقال ابن اسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب عن عوف بن مالك الاشجعي قال كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن العاص وهي غزوة ذات السلاسل فصحبت أبا بكر وعمر فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها وهم لا يقدرون على ان يبعضوها وكنت امرءا جازرا فقلت لهم تعطوني منها عشرا على ان أقسمها بينكم قالوا نعم فأخذت الشفرة فجزأتها مكاني وأخذت منها جزءا فحملته إلى أصحابي فاطبخناه وأكلناه فقال أبو بكر وعمر إنى لك هذا اللحم يا عوف فأخبرتهما فقالا لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه فلما أن قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلي في بيته فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال أعوف بن مالك فقلت نعم بأبي أنت وأمي فقال صاحب الجزور ولم يزدني على ذلك شيئا هكذا رواه محمد بن اسحاق عن يزيد بن ابي حبيب عن عوف بن مالك وهو منقطع بل معضل قال الحافظ البيهقي وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط عن مالك بن زهدم أظنه عن عوف بن مالك فذكر نحوه إلا أنه قال فعرضته على عمر فسألني عنه فأخبرته فقال قد تعجلت أجرك ولم يأكله ثم حكى عن أبي عبيدة مثله ولم يذكر فيه ابا بكر وتمامه كنحو ما تقدم وقال الحافظ البيهقي انبا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن ابي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الاصم ثنا يحيى ابن أبي طالب ثنا علي بن عاصم ثنا خالد الحذاء عن ابي عثمان النهدي سمعت عمرو بن العاص يقول بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على ابي بكر وعمر الا لمنزلة لي عنده قال فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت يا رسول الله من أحب الناس اليك قال عائشة قلت إني لست اسألك عن أهلك قال فأبوها قلت ثم من قال عمر قلت ثم من حتىعدد رهطا قال قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق خالد بن مهران الحذاء عن ابي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل حدثني عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت أي الناس أحب إليك قال عائشة قلت فمن الرجال قال ابوها قلت ثم من قال ثم عمر بن الخطاب
فعدد رجالا وهذا لفظ البخاري وفي رواية قال عمرو فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم
*2* سرية ابي عبيدة الى سيف البحر
@
قال الامام مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل وأمر عليهم ابا عبيدة بن الجراح وهم ثلثمائة قال جابر وانا فيهم فخرجنا حتى اذا كنا ببعض الطريق فنى الزاد فأتوا أبا عبيدة بازواد ذلك الجيش فجمع كله فكان مزودي تمر فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم يكن يصيبنا الا تمرة تمرة قال فقلت وما تغني تمرة فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت قال ثم انتهينا الى البحر فاذا حوت مثل الضرب قال فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشر ليلة ثم امر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ثم أمر براحلته ثم مر تحتها فلم يصبهما أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك بنحوه وهو في الصحيحين أيضا من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط فسمى ذلك الجيش جيش الخبط قال ونحر رجل ثلاث جزائر ثم ثلاثا فنهاه أبو عبيدة قال وألقى البحر دابة يقال لها العنبر فأكلنا منها نصف شهر وادهنا حتى ثابت الينا أجسامنا وصلحت ثم ذكر قصة الضلع فقوله في الحديث نرصد عيرا لقريش دليل على أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية والله أعلم والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن اسحاق ثنا اسماعيل بن قتيبة ثنا يحيى بن يحيى ثنا أبو خيثمة وهو زهير بن معاوية عن أبي الزبير عن جابر قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم نجد لنا غيره فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة قال فقلت كيف كنتم تصنعون بها قال كنا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا الى الليل وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله قال فانطلقنا الى ساحل البحر فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم فأتيناه فاذا به دابة تدعى العنبر فقال أبو عبيدة ميتة ثم قال لا بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا قال فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلثمائة حتى سمنا ولقد كنا نغرف من وقب عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فاأعدهم في عينه وأخذ ضلعا من أضلاعه فاقامها ثم رحل أعظم بعير منها فمر تحتها وتزودنا من لحمها وشايق فلما قدمنا المدينة اتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا قال فأرسلنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منه ورواه مسلم عن يحيىبن يحيى وأحمد بن يونس وابو داود عن النفيلي ثلاثتهم عن ابي
خيثمة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن ابي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر بن عبد الله الانصاري به
قلت ومقتضى أكثر هذه السياقات أن هذه السرية كانت قبل صلح الحديبية ولكن اوردناها ها هنا تبعا للحافظ البيهقي رحمه الله فانه أوردها بعد مؤتة وقبل غزوة الفتح والله أعلم وقد ذكر البخاري بعد غزوة مؤتة سرية اسامة بن زيد الى الحرقات من جهينة فقال حدثنا عمرو بن محمد ثنا هشيم انبأنا حصين بن جندب ثنا أبو ظبيان قال سمعت أسامة بن زيد يقول بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الانصار رجلا منهم فلما غشيناهم قال لا اله الا الله فكف الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا اسامة اقتلته بعد ما قال لا اله الا الله قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن اسلمت قبل ذلك اليوم وقد تقدم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف ثم روى البخاري من حديث يزيد بن ابي عبيدة عن سلمة بن الاكوع قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات علينا مرة أبو بكر ومرة اسامة بن زيد رضي الله عنهما ثم ذكر الحافظ البيهقي ها هنا موت النجاشي صاحب الحبشة على الاسلام ونعى رسول الله صلى الله عليه وسلم له الى المسلمين وصلاته عليه فروى من طريق مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى الى الناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم الى المصلى فصف بهم وكبر اربع تكبيرات أخرجاه من حديث مالك وأخرجاه أيضا من حديث ابن جريج عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مات اليوم رجل صالح فصلوا على أصخمة وقد تقدمت هذه الاحاديث أيضا والكلام عليها ولله الحمد
قلت والظاهر أن موت النجاشي كان قبل الفتح بكثير فان في صحيح مسلم أنه لما كتب إلى ملوك الآفاق كتب الى النجاشي وليس هو بالمسلم وزعم آخرون كالواقدي أنه هو والله أعلم وروى الحافظ البيهقي من طريق مسلم بن خالد الزنجي عن موسى بن عقبة عن ابيه عن أم كلثوم قالت لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة قال قد أهديت الى النجاشي أواق من مسك وحلة وإني لأراه قد مات ولا ارى الهدية الا سترد علي فان ردت علي أظنه قال قسمتها بينكن أو فهي لك قال فكان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مات النجاشي وردت الهدية فلما ردت عليه أعطى امرأة من نسائه أوقيه من ذلك المسك وأعطى سائره أم سلمة وأعطاها الحلة والله أعلم
بسم الله الحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم غزوة الفتح الاعظم وكانت في رمضان سنة ثمان وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع فقال تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية وقال تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا
وكان سبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكره محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم انهما حدثاه جميعا قالا كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فتواثبت خزاعة وقالوا نحن في عقد محمد وعهده وتواثبت بنو بكر وقالوا نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا ثم إن بنى بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء يقال له الوتير وهو قريب من مكة وقالت قريش ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد فاعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عمرو بن سالم ركب عند ما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر الخبر وقد قال أبيات شعر فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدها إياه
يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبيه وابينا الأتلدا
قد كنتموا ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ينزع يدا
فانصر رسول الله نصرا أبدا * وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا * وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا * فهم اذل واقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتى مرت بنا عنانة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم
قال ابن اسحاق وكان السبب الذي هاجهم أن رجلا من بني الحضرمي اسمه مالك بن عباد من حلفاء الاسود بن رزن خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه فعدت خزاعة قبيل الاسلام على بني الاسود بن رزن الدئلي وهم مفخر بني كنانة واشرافهم سلمى وكلثوم وذؤيب فقتلوهم بعرفة عندا نصاب الحرم قال ابن اسحاق وحدثني رجل من الدئل قال كان بنو الاسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين قال ابن اسحاق فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك إذ حجز بينهم الاسلام فلما كان يوم الحديبية ودخل بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الهدنة اغتنمها بنو الدئل من بني بكر وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأرا من أولئك النفر فخرج نوفل بن معاوية الدئلي في قومه وهو يومئذ سيدهم وقائدهم وليس كل بني بكر تابعه فبيت خزاعة وهم على الوتير ماء لهم فأصابوا رجلا منهم وتحاوزوا واقتتلوا ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى حاوزوا خزاعة الى الحرم فلما انتهوا اليه قالت بنو بكر إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك فقال كلمة عظيمة لا إله اليوم يا بني بكر أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم ولجأت خزاعة الى دار بديل بن ورقاء بمكة والى دار مولى لهم يقال له رافع وقد قال الاخزر ابن لعط الدئلي في ذلك
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا * رددنا بني كعب بأفوق ناصل
حبسناهم في دارة العبد رافع * وعند بديل محبسا غير طائل
بدار الذليل الآخذ الضيم بعد ما * شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى اذا طال يومهم * نفخنا لهم من كل شعب بوابل
نذبحهم ذبح التيوس كأننا * أسود نباري فيهم بالقواصل
هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم * وكانوا لدى الانصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * قفا ثور حفان النعام الجوافل
قال فاجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب وكان يقال له بديل بن أم أصرم فقال
تعاقد قوم يفخرون ولم ندع * لهم سيدا يندوهم غير نافل
أمن خيفة القوم الاولى تزدريهم * تجيز الوتير خائفا غير آيل
وفي كل يوم نحن نحبوا حبائنا * لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل
ونحن صبحنا بالتلاعة داركم * بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
ونحن منعنا بين بيض وعتود * الى خيف رضوى من مجر القبائل
ويوم الغميم قد تكفت ساعيا * عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أإن أجمرت في بيتها أم بعضكم * بجعموسها تنزون إن لم نقاتل
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتموا * ولكن تركنا أمركم في بلابل
قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن ابي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد في العقد ويزيد في المدة قال ابن اسحاق ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا راجعين حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشد في العقد ويزيد في المدة وقد رهبوا للذي صنعوا فلما لقي أبو سفيان بديلا قال من اين أقبلت يا بديل وظن أنه قد اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سرت الى خزاعة في هذا الساحل في بطن هذا الوادي قال فعمد أبو سفيان الى مبرك ناقته فأخذ من بعرها ففته فرأى فيه النوى فقال أحلف بالله لقد جاء بديل محما ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته فقال يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني فقالت هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس فلم أحب أن تجلس على فراشه فقال يا بنيه والله لقد أصابك بعدي شر ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما أنا بفاعل ثم اتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به ثم خرج فدخل على علي بن ابي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها حسن غلام يدب بين يديهما فقال يا علي إنك امس القوم بي رحما وأقربهم مني قرابة وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا فاشفع لي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ويحك أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت الى فاطمة فقال يا بنت محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر فقالت والله ما بلغ ببني ذلك أن يجير بين الناس وما يجير أحد على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يأبا الحسن إني ارى الامور قد اشتدت على فانصحني قال والله ما أعلم شيئا يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بارضك فقال أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا قال لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك فقام أبو سفيان في المسجد فقال أيها الناس إني قد اجرت بين الناس ثم ركب
بعيره فانطلق فلما أن قدم على قريش قالوا ما وراءك قال جئت محمدا فكلمته فوالله ما رد علي شيئا ثم جئت ابن ابي قحافة فوالله ما وجدت فيه خيرا ثم جئت عمر فوجدته أعدى عدو ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم وقد أشار علي بأمر صنعته فوالله ما أدري هل يغني عنا شيئا أم لا قالوا بماذا أمرك قال أمرني ان أجير بين الناس ففعلت قالوا هل أجاز ذلك محمد قال لا قالوا ويحك ما زادك الرجل على أن لعب بك فما يغني عنا ما قلت فقال لا والله ما وجدت غير ذلك فائدة ذكرها السهيلي فتكلم على قول فاطمة في هذا الحديث وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء في الحديث ويجير على المسلمين أدناهم قال وجه الجمع بينهما بأن المراد بالحديث من يجير واحدا ونفرا يسيرا وقول فاطمة فمن يجير عددا من غزو الامام إياهم فليس له ذلك قال كان سحنون وابن الماجشون يقولان إن أمان المرأة موقوف على إجازة الامام لقوله لام هانئ قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ قال ويروى هذا عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وقال أبو حنيفة لا يجوز امان العبد وفي قوله عليه السلام ويجير عليهم أدناهم ما يقتضي دخول العبد والمرأة والله أعلم وقد روى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قالت بنو كعب
اللهم إني ناشد محمدا * حلف أبينا وابيه الاتلدا
فانصر هداك الله نصرا عتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا
وقال موسى بن عقبة في فتح مكة ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بنو نفاثة في صلح قريش فأعانت بنو بكر بني نفاثة وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق واعتزلتهم بنو مدلج ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بني الدئل رجلان هما سيداهم سلمى ابن الاسود وكلثوم بن الاسود ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل ابن عمرو فاغارت بنو الدئل على بني عمرو وعامتهم زعموا نساء وصبيان وضعفاء الرجال فألجؤهم وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بديل بن ورقاء بمكة فخرج ركب من بني كعب حتى اتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له الذي اصابهم وما كان من أمر قريش عليهم في ذلك فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعوا فتفرقوا في البلدان وخرج أبو سفيان من مكة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخوف الذي كان فقال يا محمد اشدد العقد وجدد المدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك قدمت هل كان من حدث قبلكم فقال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم واتى ابا بكر فقال جدد العقد وزدنا في المدة فقال أبو بكر جواري في جوار رسول
الله صلى الله عليه وسلم والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال عمر بن الخطاب ما كان من حلفنا جديد فاخلقه الله وما كان منه مثبتا قطعه الله وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله فقال له أبو سفيان جزيت من ذي رحم شرا ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اتبع اشراف قريش يكلمهم فكلهم يقول عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمها فقالت إنما أنا امرأة وإنما ذلك الى رسول الله فقال لها فأمري أحد ابنيك فقالت إنها صبيان ليس مثلهما يجير قال فكلمي عليا فقالت أنت فكلمه فكلم عليا فقال له يأبا سفيان إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار وأنت سيد قريش واكبرها وأمنعها فأجر بين عشيرتك قال صدقت وأنا كذلك فخرج فصاح ألا إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إني قد اجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري فقال أنت تقول يا ابا حنظلة فخرج ابو سفيان على ذلك فزعموا والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان اللهم خذ على اسماعهم وابصارهم فلا يرونا الا بغتة ولا يسمعوا بنا الا فجأة وقدم ابو سفيان مكة فقالت له قريش ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو عهد قال لا والله لقد أبى علي وقد تتبعت اصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له غير أن علي بن ابي طالب قد قال لي التمس جوار الناس عليك ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش واكبرها وأحقها أن تخفر جواره فقمت بالجوار ثم دخلت على محمد فذكرت له أني قد اجرت بين الناس وقلت ما أظن أن تخفرني فقال أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة فقالوا مجيبين له رضيت بغير رضى وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا وإنما لعب بك علي لعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت قبحك الله من وافد قوم فمت جئت بخير قال ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سحابا فقال إن هذه السحاب لتبض بنصر بني كعب فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج أبو سفيان ثم اخذ في الجهاز وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو الى بعض حاجاته فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقي فقال لها يا بنية لم تصنعين هذا الطعام فسكتت فقال أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو فصمتت فقال يريد بني الاصفر وهم الروم فصمتت قال فلعله يريد أهل نجد فصمتت قال فلعله يريد قريشا فصمتت قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا رسول الله اتريد أن تخرج مخرجا قال نعم قال فلعلك تريد بني الاصفر قال لا قال أتريد أهل نجد قال لا قال فلعلك تريد قريشا قال نعم قال أبو
بكر يا رسول الله أليس بينك وبينهم مدة قال الم يبلغك ما صنعوا ببني كعب قال وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو وكتب حاطب بن ابي بلتعة الى قريش وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب وذكر القصة كما سيأتي وقال محمد بن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر عن عروة عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة فقال ما هذا امركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز قالت نعم فتجهر قال والى أين قالت ما سمى لنا شيئا غير أنه قد أمرنا بالجهاز قال ابن اسحاق ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر الى مكة وأمر بالجد والتهيؤ وقال اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها فتجهز الناس فقال حسان بن ثابت يحرض الناس ويذكر مصاب خزاعة
عناني ولم اشهد ببطحاء مكة * رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها
الا ليت شعري هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو حرها وعقابها
وصفوان عودا حزمن شفر استه * فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا ابن أم مجالد * اذا احتلبت صرفا وأعصل نابها
ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها
*2* قصة حاطب بن أبي بلتعة
@
قال محمد بن اسحاق حدثني محمد بن جعفر عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير الى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا الى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير اليهم ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة وزعم لي غيره أنها سارة مولاة لبعض بني عبد المطلب وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث علي بن ابي طالب والزبير بن العوام فقال أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن ابي بلتعة بكتاب الى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم فخرجا حتى أدركاها بالحليفة حليفة بني أبي احمد فاستنزلاها فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئا فقال لها علي إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك فلما رأت الجد منه قالت أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها فدفعته اليه فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال يا حاطب ما حملك على هذا فقال يا رسول الله أما والله إني لمؤمن بالله وبرسوله ما غيرت ولا بدلت ولكنني كنت امرءا ليس لي في القوم من اصل ولا عشيرة وكان لي بين اظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه
فأن الرجل قد نافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأنزل الله في حاطب يايها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة الى آخر القصة هكذا أورد ابن اسحاق هذه القصة مرسلة وقد ذكر السهيلي أنه كان في كتاب حاطب أن رسول الله قد توجه اليكم ببجيش كالليل يسير كالسيل وأقسم بالله لو سار اليكم وحده لنصره الله عليكم فانه منجز له ما وعده قال وفي تفسير ابن سلام أن حاطبا كتب إن محمدا قد نفر فأنا اليكم وإما الى غيركم فعليكم الحذر وقد قال البخاري ثنا قتيبة ثنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن ابي رافع سمعت عليا يقول بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فاذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب قال فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا فيه من حاطب بن ابي بلتعة الى ناس مكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حاطب ما هذا فقال يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرءا ملصقا في قريش يقول كنت حليفا ولم أكن من أنفسها وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت اذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم افعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الاسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنه قد صدقكم فقال عمر يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم فانزل الله سورة يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء الى قوله فقد ضل سواء السبيل واخرجه بقية الجماعة الا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة وقال الترمذي حسن صحيح وقال الامام احمد ثنا حجين ويونس قالا حدثنا ليث بن سعد عن ابي الزبير عن جابر ابن عبد الله أن حاطب بن ابي بلتعة كتب الى اهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اراد غزوهم فدل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المرأة التي معها الكتاب فأرسل اليها فأخذ كتابها من رأسها وقال يا حاطب أفعلت قال نعم قال أما إني لم افعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفاقا قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره غير أني كنت غريبا بين ظهرانيهم وكانت والدتي معهم فأردت أن أتخذ يدا عندهم فقال له عمر ألا أضرب راس هذا فقال أتقتل رجلا من أهل بدر وما يدريك
لعل الله اطلع الى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الامام احمد وإسناده على شرط مسلم ولله الحمد
'
قال ابن اسحاق فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبةبن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من شهر رمضان فصام وصام الناس معه حتى اذا كان بالكديد ببن عسفان وأمج افطر ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين وقال عروة بن الزبير كان معه اثنا عشر ألفا وكذا قال الزهري وموسى بن عقبة فسبعت سليم وبعضهم يقول ألفت سليم وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والانصار فلم يتخلف عنه منهم أحد وروى البخاري عن محمود عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه وقد روى البيهقي من حديث عاصم بن علي عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري اخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح في رمضان قال وسمعت سعيد بن المسيب يقول مثل ذلك لا أدري اخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان أو خرج في رمضان بعد ما دخل غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال صام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الكديد الماء الذي بين قديد وعسفان أفطر فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث غير أنه لم يذكر الترديد بين شعبان ورمضان وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس قال سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام حتى بلغ عسفان ثم دعا بأناء فشرب نهارا ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة قال وكان ابن عباس يقول صام رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر وافطر فمن شاء صام ومن شاء افطر وقال يونس عن ابن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره الفتح واستعمل على المدينة ابا رهم كلثوم ابن الحصين الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان فصام وصام الناس معه حتى أتى الكديد بين عسفان وأمج فأفطر ودخل مكة مفطرا فكان الناس يرون آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الفطر وأنه نسخ ما كان قبله قال البيهقي فقوله خرج لعشر من رمضان مدرج في الحديث وكذلك ذكره عبد الله بن ادريس عن ابن اسحاق ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان عن جابر عن يحيى عن صدقة عن ابن اسحاق أنه قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر مضين من رمضان سنة ثمان ثم روى
البيهقي من حديث أبي اسحاق الفزاري عن محمد بن ابي حفصة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان الفتح لثلاث عشر خلت من شهر رمضان قال البيهقي وهذا الادراج وهم إنما هو من كلام الزهري ثم روى من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري قال قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الفتح فتح مكة فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان وروى البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين فصام حتى بلغ الكديد ثم افطر فقال الزهري وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قال الزهري فصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان ثم عزاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق والله أعلم وروى البيهقي من طريق سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن عطية بن قيس عن ابي سعيد الخدري قال آذننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر فاصبح الناس مرحى منهم الصائم ومنهم المفطر حتى اذا بلغنا المنزل الذى نلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعين وقد رواه الامام احمد عن أبي المغيرة عن سعيد بن عبد العزيز حدثني عطية بن قيس عمن حدثه عن أبي سعيد الخدري قال آذننا رسول الله بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان فخرجنا صواما حتى بلغنا الكديد فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفطر فأصبح الناس منهم الصائم ومنهم المفطر حتى اذا بلغ أدنى منزل يلقى العدو أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون
قلت فعلى ما ذكره الزهري من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان وما ذكره أبو سعيد من انهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان يقتضي أن مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة ليلة ولكن روى البيهقي عن أبي الحسين بن الفضل عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب ابن سفيان عن الحسن بن الربيع عن ابن إدريس عن محمد بن اسحاق عن الزهري ومحمد بن علي ابن الحسين وعاصم بن عمر بن قتادة وعمرو بن شعيب وعبد الله بن ابي بكر وغيرهم قالوا كان فتح مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان قال أبو داود الطيالسي ثنا وهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن عبد الله قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح صائما حتى أتى كراع الغميم والناس معه مشاة وركبانا وذلك في شهر رمضان فقيل يا رسول الله إن الناس قد اشتد عليهم الصوم وإنما ينظرون كيف فعلت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فرفعه فشرب والناس ينظرون فصام بعض الناس وأفطر البعض حتى أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن بعضهم صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
أولئك العصاة وقد رواه مسلم من حديث الثقفي والدراوردي عن جعفر بن محمد وروى الامام أحمد من حديث محمد بن اسحاق حدثني بشير بن يسار عن ابن عباس قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح في رمضان فصام وصام المسلمون معه حتى اذا كان بالكديد دعا بماء في قعب وهو على راحلته فشرب والناس ينظرون يعلمهم أنه قد أفطر فأفطر المسلمون تفرد به احمد
*2* فصل في اسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان بن الحارث
@ بن عبد المطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي ام سلمة أم المؤمنين وهجرتهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدوه في اثناء الطريق وهو ذاهب الى فتح مكة
قال ابن اسحاق وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق قال ابن هشام لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض فيما ذكره ابن شهاب الزهري قال ابن اسحاق وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن ابي أمية قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة والتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت يا رسول الله إن ابن عمك وابن عمتك وصهرك قال لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال قال فلما خرج اليهما الخبر بذلك ومع أبي سفيان بنى له فقال والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد بني هذا ثم لنذهبن في الارض ثم نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما وأنشد أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذر اليه مما كان مضى منه
لعمرك أني يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدى وأهتدي
هدى بي هاد غير نفسي ونالني * مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهدا عن محمد * وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هموا ما هموا من لم يقل بهواهم * وإن كان ذا رأي يلم ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك عيري أوعدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامر * وما كان عن جري لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن اسحاق فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونالني مع الله من طردت كل مطرد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده في صدره وقال أنت طردتني كل مطرد
*2* فصل ( نزول النبي عليه السلا م إلى مر الظهران ) .
@ ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مر الظهران نزل فيه فأقام كما روى البخاري عن يحيى بن بكير عن الليث ومسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب كلاهما عن يونس عن الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران نجتني الكباث وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالاسود منه فأنه أطيب قالوا يا رسول الله أكنت ترعى الغنم قال نعم وهل من نبي الا وقد رعاها وقال البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن سنان بن اسمعيل عن ابي الوليد سعيد بن مينا قال لما فرغ أهل مكةورجعوا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير الى مكة فلما انتهى الى مر الظهران نزل بالعقبة فارسل الجناة يجتنون الكباث فقلت لسعيد وما هو قال ثمر الاراك قال فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني قال فجعل أحدهم اذا أصاب حبة طيبة قذفها في فيه وكانوا ينظرون إلى دقة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشجرة فيضحكون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبون من دقة ساقيه فوالذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيء جاء به وخياره الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في ذلك

كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * قفا ثور حفان النعام الجوافل
هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده الى فيه
وفي الصحيحين عن أنس قال أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا فادركتها فأخذتها فأتيت بها ابا طلحة فذبحها وبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذيها فقبله وقال ابن اسحاق ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران وقد عميت الاخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعل وخرج في تلك الليالي ابو سفيان بن حرب وحكيم ابن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الاخبار وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به وذكره ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بين يديه عيونا خيلا يقتصون العيون وخزاعة لا تدع أحدا يمضي وراءها فلما جاء أبو سفيان واصحابه أخذتهم خيل المسلمين وقام اليه عمر يجأ في عنقه حتى أجاره العباس بن عبد المطلب وكان صاحبا لابي سفيان قال ابن اسحاق وقال العباس حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران قلت واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم
مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش الى آخر الدهر قال فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء فخرجت عليها حتى جئت الأراك فقلت لعلي أجد بعض ألحطابه أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرجوا اليه فيستأمنوه قبل ان يدخل عليهم عنوة قال فوالله إني لاسير عليها وألتمس ما خرجت له إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان وأبو سفيان يقول ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا قال يقول بديل هذه والله خزاعة حمشتها الحرب قال يقول أبو سفيان خزاعة أذل واقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها قال فعرفت صوته فقلت يا ابا حنظلة فعرف صوتي فقال أبو الفضل قال قلت نعم قال مالك فدى لك أبي وامي قال قلت ويحك يا ابا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال واصباح قريش والله فما الحيلة فداك ابي وأمي قال قلت والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك قال فركب خلفي ورجع صاحباه وقال عروة بل ذهبا الى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلما وجعل يستخبرهما عن أهل مكة وقال الزهري وموسى بن عقبة بل دخلوا مع العباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق قال فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا من هذا فاذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال من هذا وقام الي فلما رأى ابا سفيان على عجز الدابة قال أبو سفيان عدو الله الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد وزعم عروة بن الزبير أن عمر وجأ في رقبة أبي سفيان واراد قتله فمنعه منه العباس وهكذا ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن عيون رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوهم بأزمة جمالهم فقالوا من أنتم قالوا وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيهم العباس فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحادثهم عامة الليل ثم دعاهم الى شهادة أن لا اله الا الله فشهدو وأن محمدا رسول الله فشهد حكيم وبديل وقال أبو سفيان ما أعلم ذلك ثم اسلم بعد الصبح ثم سألوه أن يؤمن قريشا فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن وكانت باعلا مكة ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن وكانت باسفل مكة ومن أغلق بابه فهو آمن قال العباس ثم خرج عمر يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء قال فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر فقال يا رسول الله هذ أبو سفيان قد امكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلاضرب عنقه قال قلت يا رسول إني قد اجرته ثم جلست الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه فقلت والله لا يناجيه الليله دوني رجل فلما أكثر عمر في شأنه قال قلت مهلا يا عمر فوالله أن لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ولكنك قد عرفت
أنه من رجال بني عبد مناف فقال مهلا يا عباس فوالله لاسلامك يوم اسلمت كان أحب الي من اسلام الخطاب لو اسلم وما بي الا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اسلام الخطاب لو اسلم فقال رسول الله اذهب به يا عباس الى رحلك فاذا أصبحت فأتني به قال فذهبت به الى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا اله الا الله فقال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فان في النفس منها حتى الآن شيئا فقال له العباس ويحك أسلم واشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك قال فشهد شهادة الحق فأسلم قال العباس فقلت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن زاد عروة ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهري ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن أبا سفيان وبديلا وحكيم بن حزام كانوا وقوفا مع العباس عند خطم الجبل وذكر أن سعدا لما قال لابي سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فشكى أبو سفيان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعزله عن راية الانصار وأعطاها الزبير بن العوام فدخل بها من أعلا مكة وغرزها بالحجون ودخل خالد من أسفل مكة فلقيه بنو بكر وهذيل فقتل من بني بكر عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد قال العباس فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه قال ومرت القبائل على راياتها كلما مرت قبيلة قال يا عباس من هؤلاء فأقول سليم فيقول لي مالي ولسليم ثم تمر به قبيلة فيقول يا عباس من هؤلاء فأقول مزينة فيقول مالي ولمزينة حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة إلا سألني عنها فاذا أخبرته قال مالي ولبني فلان حت مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والانصار لا يرى منهم الا الحدق من الحديد فقال سبحان الله يا عباس من هؤلاء قال قلت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والانصار قال ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما قال قلت يأبا سفيان إنها النبوة قال فنعم إذن قال قلت النجاء الى قومك حتى إذا جاءهم صرخ بأعلا صوته يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل
لكم به فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقامت اليه هند بنت عتبة فاخذت بشاربه فقالت اقتلوا الحميت الدسم الأحمس قبح من طليعة قوم فقال أبو سفيان ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فانه قد جاءكم ما لا قبل لكم به من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قالوا قاتلك الله وما تغني عنا دارك قال ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فتفرق الناس الى دورهم والى المسجد وذكر عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بأبي سفيان قال له إني لأرى وجوها كثيرة لا أعرفها لقد كثرت هذه الوجوه علي فقال له رسول الله أنت فعلت هذا وقومك إن هؤلاء صدقوني إذ كذبتموني ونصروني إذ أخرجتموني ثم شكى اليه قول سعد بن عبادة حين مر عليه فقال يا ابا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فقال رسول الله كذب سعد بل هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة وذكر عروة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس ورأى الناس يجنحون للصلاة وينتشرون في استعمال الطهارة خاف وقال للعباس ما بالهم قال إنهم سمعوا النداء فهم ينتشرون للصلاة فلما حضرت الصلاة ورآهم يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده قال يا عباس ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه قال نعم والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه وذكر موسى بن عقبة عن الزهري أنه لما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلوا يتكففون فقال يا عباس ما رأيت كالليلة ولا ملك كسرى وقيصر وقد روى الحافظ البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن أحمد بن الجبار عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني الحسين ابن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكائي عن ابن اسحاق منقطعة فالله أعلم على أنه قد روى البيهقي من طريق أبي بلال الاشعري عن زياد البكائي عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال جاء العباس بابي سفيان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر القصة الا أنه ذكر أنه أسلم ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن قال أبو سفيان وما تسع داري فقال ومن دخل الكعبة فهو آمن قال وما تسع الكعبة فقال ومن دخل المسجد فهو آمن قال وما تسع المسجد فقال ومن اغلق عليه بابه فهو آمن فقال أبو سفيان هذه واسعة وقال البخاري حدثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو اسامة عن هشام عن أبيه قال لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران فاذا هم بنيران كأنها نيران عرفة فقال أبو سفيان ما هذه كانها نيران عرفة فقال بديل بن ورقاء نيران بني
عمرو فقال أبو سفيان عمرو اقل من ذلك فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان فلما سار قال للعباس احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى ينظر الى المسلمين فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر كتيبة كتيبة على ابي سفيان فمرت كتيبة فقال يا عباس من هذه قال هذه غفار قال مالي ولغفار ثم مرت جهينة فقال مثل ذلك ثم مرت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ومرت سليم فقال مثل ذلك حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها فقال من هذه قال هؤلاء الانصار عليهم سعد بن عبادة معه الراية فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال أبو سفيان يا عباس حبذا يوم الذمار ثم جاءت كتيبة وهي اقل الكتائب فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وراية رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال الم تعلم ما قال سعد بن عبادة فقال ما قال قال كذا وكذا فقال كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله الكعبة ويوم تكسى فيه الكعبة وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون قال عروة اخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال سمعت العباس يقول للزبير بن العوام ها هنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية قال نعم قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد أن يدخل من أعلا مكة من كداء ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من كدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان حنيش بن الأشعر وكرز بن جابر الفهري وقال أبو داود ثنا عثمان بن ابي شيبة ثنا يحيى بن آدم ثنا ادريس عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح جاءه العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب فأسلم بمر الظهران فقال له العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فلو جعلت له شيئا قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن

يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:13 AM
صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة
@
ثبت في الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال إن ابن خطل متعلق باستار الكعبة فقال اقتلوه قال مالك ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نرى والله أعلم محرما وقال أحمد ثنا عفان ثنا حماد انبأ أبو الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء ورواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن سلمة وقال الترمذي حسن صحيح ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى عن معاوية بن عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء من غير إحرام وروى مسلم من حديث أبي أسامة عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن
حريث عن أبيه قال كأني انظر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وعليه عمامة حرقانية سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه وروى مسلم في صحيحه والترمذي والنسائي من حديث عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء وروى أهل السنن الأربعة من حديث يحيى بن آدم عن شريك القاضي عن عمار الدهني عن أبي الزبير عن جابر قال كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة ابيض وقال ابن اسحاق عن عبد الله بن ابي بكر عن عائشة كان لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أبيض ورايته سوداء تسمى العقاب وكانت قطعة من مرط مرجل وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن عبد الله بن قرة قال سمعت عبد الله بن مغفل يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة الفتح يرجع وقال لولا أن يجتمع الناس حولي لرجعت كما رجع وقال محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح حتى أن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل وقال الحافظ البيهقي أنبا أبو عبد الله الحافظ أنبا دعلج بن احمد ثنا احمد بن علي الابار ثنا عبد الله بن ابي بكر المقدسي ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعا وقال انبا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر بن بالويه ثنا أحمد بن صاعد ثنا اسماعيل بن أبي الحارث ثنا جعفر بن عون ثنا اسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن ابن مسعود أن رجلا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فأخذته الرعدة فقال هون عليك فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد قال وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس وأحمد بن يحيى ابن زهير عن اسماعيل بن ابي الحارث موصولا ثم رواه عن أبي زكريا المزكي عن أبي عبد الله محمد ابن يعقوب عن محمد بن عبد الوهاب عن جعفر بن عون عن اسماعيل بن قيس مرسلا وهو المحفوظ وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله صلى الله عليه وسلم مكة في مثل هذا الجيش الكثيف العرمرم بخلاف ما اعتمده سفهاء بني اسرائيل حين أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود أي ركع يقولون حطة فدخلوا يزحفون على استاههم وهم يقولون حنطة في شعرة وقال البخاري ثنا القاسم بن خارجة ثنا حفص بن ميسرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كداء التي باعلا مكة تابعه أبو اسامة ووهب في كداء حدثنا عبيد بن اسماعيل ثنا أبو اسامة عن هشام عن ابيه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من أعلا مكة من كداء وهو أصح إن أراد أن المرسل أصح من المسند المتقدم انتظم الكلام والا فكداء بالمد هي المذكورة في الروايتين وهي في أعلا مكة وكدى مقصور في أسفل مكة وهذا هو المشهور والأنسب وقد تقدم أنه عليه السلام
بعث خالد بن الوليد من أعلا مكة ودخل هو عليه السلام من اسفلها من كدى وهو في صحيح البخاري والله أعلم وقد قال البيهقي أنبا أبو الحسين بن عبدان أنبا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عبد الله بن ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا معن ثنا عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وأتى النساء يلطمن وجوه الخيل فتبسم إلى أبي بكر وقال يا أبا بكر كيف قال حسان فأنشده أبو بكر رضي الله عنه
عدمت بنيتي إن لم تروها * تثير النقع من كنفي كداء
ينازعن الأعنة مسرجات * يلطمهن بالخمر النساء
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخلوها من حيث قال حسان وقال محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته اسماء بنت أبي بكر قالت لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنة له من اصغر ولده أي بنية اظهري بي على أبي قبيس قالت وقد كف بصره قالت فأشرفت به عليه فقال أي بنيه ماذا ترين قالت ارى سوادا مجتمعا قال تلك الخيل قالت وأرى رجلا يسعى بين يدي ذلك السواد مقبلا ومدبرا قال أي بنية ذلك الوزاع يعني الذي يأمر الخيل ويتقدم اليها ثم قالت قد والله انتشر السواد فقال قد والله إذن دفعت الخيل فاسرعي بي الى بيتي فانحطت به وتلقاه الخيل قبل ان يصل بيته قالت وفي عنق الجارية طوق من ورق فيلقاها رجل فيقتطعه من عنقها قالت فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ودخل المسجد أتى ابو بكر بابيه يقوده فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه قال أبو بكر يا رسول الله هو أحق أن يمشي اليك من ان تمشي أنت اليه فاجلسه بين يديه ثم مسح صدره ثم قال اسلم فاسلم قالت ودخل به أبو بكر وكان رأسه كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غيروا هذا من شعره ثم قام أبو بكر فاخذ بيد اخته وقال أنشد الله والاسلام طوق أختي فلم يجبه أحد قال فقال أي أخية احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة في الناس اليوم القليل يعني به الصديق ذلك اليوم على التعيين لان الجيش فيه كثرة ولا يكاد أحد يلوى على أحد مع انتشار الناس ولعل الذي أخذه تأول أنه من حربي والله اعلم وقال الحافظ البيهقي انبا عبد الله الحافظ انبا أبو العباس الاصم انبا بحر بن نصر انبا ابن وهب اخبرني ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة فاتى به النبي صلى الله عليه وسلم فلما وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غيروه ولا تقربوه سوادا قال ابن وهب وأخبرني عمر بن محمد عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هنأ أبا بكر باسلام أبيه قالت ابن اسحاق فحدثنى عبد الله بن أبى نجيح أن رسول الله ص حين فرق جيشه من ذي طوى أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كداء وكان الزبير على المجنبة اليسرى وأمر
سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدى قال ابن اسحاق من المهاجرين فزعم بعض أهل العلم أن سعدا حين وجه داخلا قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة فسمعها رجل قال ابن هشام يقال إنه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله أتسمع ما يقول سعد بن عبادة ما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أدركه فخذ الراية منه فكن أنت تدخل بها
قلت وذكر غير محمد بن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شكى اليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مر به وقال يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة يعني الكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل هذا يوم تعظم فيه الكعبة وأمر بالراية راية الانصار أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له ويقال إنها دفعت الى ابنه قيس بن سعد وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها الى الزبير بن العوام فالله أعلم
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمه يعقوب بن اسحاق بن دينار ثنا عبد الله بن السري الانطاكي ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد وحدثني موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية يوم فتح مكة الى سعد بن عبادة فجعل يهزها ويقول اليوم يوم الملحمة يوم تستحل الحرمة قال فشق ذلك على قريش وكبر في نفوسهم قال فعارضت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسيره وأنشأت تقول
يا نبي الهدي اليك لجاحي * قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الار * ض وعاداهم آله السماء
والتقت حلقتا البطان على القو * م ونودوا بالصليم الصلعاء
إن سعدا يريد قاصمة الطهر * ر بأهل الحجون والبطحاء
خزرجي لو يستطيع من الغي * ظ رمانا بالنشر والعواء
فانهينه فإنه الاسد الاس * ود والليث والغ في الدماء
فلئن أقحم اللواء ونادى * يا حماة اللواء أهل اللواء
لنكونن بالبطاح قريش * بقعة القاع في أكف الاماء
إنه مصلت يريد لها الرأ * ي صموت كالحية الصماء
قال فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفة بهم وأمر بالراية فأخذت من سعد بن عبادة ودفعت الىابنه قيس بن سعد قال فيروى أنه عليه الصلاة والسلام أحب أن لا
يخيبها إذ رغبت اليه واستغاثت به وأحب أن لا يغضب سعد فأخذ الراية منه فدفعها الى ابنه قال ابن اسحاق وذكر ابن أبي نجيح في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر خالد بن الوليد فدخل من الليط أسفل مكة في بعض الناس وكان خالد على المجنبة اليمنى وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر حتى نزل بأعلا مكة فضربت له هنالك قبته
وروى البخاري من حديث الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن اسامة بن زيد أنه قال زمن الفتح يا رسول الله أين تنزل غدا فقال هل ترك لنا عقيل من رباع ثم قال لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر ثم قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزبير عن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال منزلنا إن شاء الله اذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا ابراهيم يعني ابن سعد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر ورواه البخاري من حديث ابراهيم بن سعد به نحوه وقال ابن اسحاق وحدثني عبد الله ابن أبي نجيح وعبد الله بن ابي بكر أن صفوان بن امية وعكرمة بن ابي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا وكان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه فقالت له امرأته لماذا تعد ما أرى قال لمحمد وأصحابه فقالت والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال
إن يقبلوا اليوم فمالي عله * هذا سلاح كامل واله
وذو غرارين سريع السله
قال ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئا من قتال فقتل كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهر وحنيش بن خالد بن ربيعة بن اصرم حليف بني منقذ وكانا في جيش خالد فشذا عنه فسلكا غير طريقه فقتلا جميعا وكان قتل كرز قبل حنيش قالا وقتل من خيل خالد أيضا سلمة بن الميلاء الجهني واصيب من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ثم قال لامرأته اغلقي علي بابي قالت فأين ما كنت تقول فقال
إنك لو شهدت يوم الخندمة * إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة * واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمه * ضربا فلا يسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
قال ابن هشام وتروى هذه الابيات للرعاش الهذلي قال وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف يا بني عبد الرحمن وشعار الخزرج يا بني عبد الله وشعار الاوس يا بني عبيد الله وقال الطبراني ثنا علي بن سعيد الرازي ثنا أبو حسان الزيادي ثنا شعيب بن صفوان عن عطاء بن السائب عن طاووس عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والارض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام وأنه لا يحل لاحد قبلي وإنما حل لي ساعة من نهار ثم عاد كما كان فقيل له هذا خالد بن الوليد يقتل فقال قم يا فلان فأت خالد بن الوليد فقل له فليرفع يديه من القتل فأتاه الرجل فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول أقتل من قدرت عليه فقتل سبعين إنسانا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأرسل الى خالد فقال ألم أنهك عن القتل فقال جاءني فلان يأمرني أن أقتل من قدرت عليه فأرسل اليه ألم آمرك قال أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلا الذي كان فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم فما رد عليه شيئا قال ابن اسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الى امرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم غير أنه أهدر دم نفر سماهم وإن وجدوا تحت استار الكعبة وهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد اسلم وكتب الوحي ثم ارتد فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد أهدر دمه فر الى عثمان وكان أخاه من الرضاعة فلما جاء به ليستأمن له صمت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال نعم فلما انصرف مع عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله أما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني قد صمت فيقتله فقالوا يا رسول الله هلا أومأت الينا فقال إن النبي لا يقتل بالاشارة وفي رواية إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين قال ابن هشام وقد حسن إسلامه بعد ذلك وولاه عمر بعض أعماله ثم ولاه عثمان
قلت ومات وهو ساجد في صلاة الصبح أو بعد انقضاء صلاتها في بيته كما سيأتي بيانه قال ابن اسحاق وعبد الله بن خطل رجل من بني تيم بن غالب
قلت ويقال إن اسمه عبد العزى بن خطل ويحتمل انه كان كذلك ثم لما اسلم سمى عبد الله ولما أسلم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقا وبعث معه رجلا من الانصار وكان معه مولى له فغضب
عليه غضبة فقتله ثم ارتد مشركا وكان له قينتان فرتني وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فلهذا أهدر دمه ودم قينتيه فقتل وهو متعلق باستار الكعبة اشترك في قتله أبو برزة الاسلمي وسعيد بن حريث المخزومي وقتلت إحدى قينتيه واستؤمن للاخرى قال الحويرث ابن نقيذ بن وهب بن عبد قصي وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولما تحمل العباس بفاطمة وأم كلثوم ليذهب بهما الى المدينة يلحقهما برسول الله صلى الله عليه وسلم أول الهجرة نخس بهما الحويرث هذا الجمل الذي هما عليه فسقطتا الى الارض فلما أهدر دمه قتله علي بن ابي طالب قال ومقيس بن صبابة لأنه قتل قاتل أخيه خطأ بعد ما أخذ الدية ثم ارتد مشركا قتله رجل من قومه يقال له نميلة بن عبد الله قال وسارة مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل لانها كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بمكة
قلت وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحملت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة وكأنها عفى عنها أو هربت ثم أهدر دمها والله أعلم فهربت حتى استؤمن لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنها فعاشت الى زمن عمر فأوطأها رجل فرسا فماتت وذكر السهيلي أن فرتني أسلمت أيضا قال ابن اسحاق وأما عكرمة بن أبي جهل فهرب الى اليمن وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام واستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه فذهبت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال البيهقي انبا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمس الفقيه انبا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنبا احمد بن يوسف السلمي ثنا احمد بن المفضل ثنا اسباط بن نصر الهمداني قال زعم السدي عن مصعب بن سعد عن ابيه قال لما كان يوم مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة وهم عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله ابن سعد بن أبى سرح فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق باستار الكعبة فاستبق اليه سعيد ابن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا وكان أشب الرجلين فقتله وأما مقيس فأدركه الناس في السوق فقتلوه وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم قاصف فقال أهل السفينة لاهل السفينة أخلصوا فان آلهتكم لا تغني عنكم شيئا ها هنا فقال عكرمة والله لئن لم ينج في البحر الا الاخلاص فانه لا ينجي في البر غيره اللهم إن لك علي عهدا إن انت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوا كريما فجاء فأسلم وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فأنه اختبأ عند عثمان بن عفان فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس الى البيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر اليه ثلاثا كل ذلك يأبى فبايعه بعد ثلاث ثم اقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم الى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت الينا بعينك فقال إنه لا ينبغي لنبي أن
تكون له خائنة الأعين ورواه أبو داود والنسائي من حديث أحمد بن المفضل به نحوه وقال البيهقي انبا أبو عبد الله الحافظ انبا أبو العباس الاصم انبا أبو زرعة الدمشقي ثنا الحسن بن بشر الكوفي ثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس بن مالك قال أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم فتح مكة إلا أربعة عبد العزى بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وأم سارة فأما عبد العزى بن خطل فانه قتل وهو متعلق باستار الكعبة قال ونذر رجل أن يقتل عبد الله بن سعد بن ابي سرح اذا رآه وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له فلما أبصر به الانصاري اشتمل على السيف ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يتردد ويكره أن يقدم عليه فبسط النبي صلى الله عليه وسلم فبايعه ثم قال للانصاري قد انتظرتك أن توفي بنذرك قال يا رسول الله هبتك أفلا أومضت إلي قال إنه ليس للنبي أن يومض
وأما مقيس بن صبابة فذكر قصته في قتله رجلا مسلما بعد إسلامه ثم ارتداده بعد ذلك قال وأما أم سارة فكانت مولاة لقريش فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فشكت اليه الحاجة فأعطاها شيئا ثم بعث معها رجل كتاب الى أهل مكة فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة وروى محمد بن اسحاق عن عبد الله ابن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن مقيس بن صبابة قتل أخوه هشام يوم بني المصطلق قتله رجل من المسلمين وهو يظنه مشركا فقدم مقيس مظهرا للاسلام ليطلب دية أخيه فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع الى مكة مشركا فلما أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قتل وهو بين الصفا والمروة وقد ذكر ابن اسحاق والبيهقي شعره حين قتل قاتل أخيه وهو قوله
شفى النفس من قد بات بالقاع مسندا * يضرج ثوبيه دماء الاخادع
وكانت هموم النفس من قبل قتله * تلم وتنسيني وطاء المضاجع
قتلت به فهرا وغرمت عقله * سراة بني النجار أرباب فارع
حللت به نذري وأدركت ثورتي * وكنت الى الأوثان أول راجع
قلت وقيل إن القينتين التين أهدر دمهما كانتا لمقيس بن صبابة هذا وأن ابن عمه قتله بين الصفا والمروة وقال بعضهم قتل ابن خطل الزبير بن العوام رضي الله عنه قال ابن اسحاق حدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن ابي طالب أن أم هانئ ابنة أبي طالب قالت لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم باعلا مكة فر إلي رجلان من أحمائي من بني مخزوم قال ابن هشام هما الحارث بن هشام وزهير بن ابي أمية بن المغيرة قال ابن اسحاق وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي قالت فدخل على أخي علي بن ابي طالب فقال والله لأقتلهما فأغلقت عليهما باب بيتي ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باعلا مكة فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين وفاطمة
ابنته تستره بثوبه فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف الي فقال مرحبا وأهلا بأم هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي فقال قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت فلا يقتلهما وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى قال ما أخبرنا أحد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى غير أم هانئ فانها ذكرت يوم فتح مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل في بيتها ثم صلى ثمان ركعات قالت ولم أره صلى صلاة أخف منها غير أنه يتم الركوع والسجود وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن أبي هند أن أبا مرة مولى عقيل حدثه أن أم هانئ بنت أبي طالب حدثته أنه لما كان عام الفتح فر اليها رجلان من بني مخزوم فأجارتهما قالت فدخل علي علي فقال اقتلهما فلما سمعته أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باعلا مكة فلما رآني رحب وقال ما جاء بك قلت يا نبي الله كنت أمنت رجلين من أحمائي فأراد علي قتلهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اجرنا من أجرت يا أم هانئ ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبا فالتحف به ثم صلى ثماني ركعات سبحة الضحى وفي رواية أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب فقال من هذه قالت أم هانئ قال مرحبا بام هانئ قالت يا رسول الله زعم ابن أم علي بن أبي طالب أنه قاتل رجلين قد أجرتهما فقال قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ قالت ثم صلى ثماني ركعات وذلك ضحى فظن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى وقال آخرون بل كانت هذه صلاة الفتح وجاء التصريح بانه كان يسلم من كل ركعتين وهو يرد على السهيلي وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانيا بتسليمة واحدة وقد صلى سعد بن ابي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ثماني ركعات يسلم من كل ركعتين ولله الحمد
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن ابي ثور عن صفية بنت شيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد وقال موسى بن عقبة ثم سجد سجدتين ثم انصرف الى زمزم فاطلع فيها ودعا بماء فشرب منها وتوضأ والناس يبتدرون وضوءه والمشركون يتعجبون من ذلك ويقولون ما رأينا ملكا قط ولا سمعنا به يعني مثل هذا وأخر المقام الى مقامه اليوم وكان ملصقا بالبيت قال محمد بن اسحاق فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قام على باب الكعبة فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو موضوع تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة مائة من الابل أربعون منها في بطونها أولادها يا معشر قريش إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية يا ايها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى الآية كلها ثم قال يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم قالوا خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام اليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اين عثمان بن طلحة فدعى له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن ابن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسوط أو العصا فيه مائةمن الابل وقال مرة أخرى مغلظة فيها أربعون خلفة في بطونها أولادها ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى وقال مرة ومال تحت قدمي هاتين إلا ما كان من سقاية الحاج وسدانة البيت فانهما أمضيتهما لأهلهما على ما كانت وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة بن جوشن الغطفاني عن ابن عمر به قال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم ورأى ابراهيم مصورا في يده الازلام يستقسم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن ابراهيم والأزلام ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ثم امر بتلك الصور كلها فطمست وقال الامام احمد حدثنا سليمان أنبا عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر قال كان في الكعبة صور فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمحوها فبل عمر ثوبا ومحاها به فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما فيها منها شيء وقال البخاري حدثنا صدقة بن الفضل ثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابي معمر عن عبد الله هو ابن مسعود قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد وقد رواه مسلم من حديث ابن عيينة وروى البيهقي عن ابن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن علي بن عبد الله ابن عباس عن أبيه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكة وعلى الكعبة ثلثمائة صنم فأخذ
قضيبه فجعل يهوي الى الصنم وهو يهوي حتى مر عليها كلها ثم يروى من طريق سويد بن عن القاسم بن عبد الله عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة وجد بها ثلثمائة وستين صنما فاشار الى كل صنم بعصا وقال جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فكان لا يشير الى صنم إلا ويسقط من غير أن يمسه بعصاه ثم قال وهذا وإن كان ضعيفا فالذي قبله يؤكده وقال حنبل بن اسحاق انبا أبو الربيع عن يعقوب القمي ثنا جعفر بن أبي المغيرة عن ابن أبزى قال لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة جاءت عجوز شمطاء حبشية تخمش وجهها وتدعو بالويل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك نائلة أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبدا وقال ابن هشام حدثني من أثق به من أهل الرواية في اسناد له عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته فطاف عليها وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرصاص فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده الى الاصنام ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فما أشار الى صنم في وجهه الا وقع لقفاه ولا اشار الى قفاه الا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم الا وقع فقال تميم بن اسد الخزاعي
وفي الأصنام معتبر وعلم * لمن يرجو الثواب أو العقابا
وفي صحيح مسلم عن سنان بن فروخ عن سليمان عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة في حديث فتح مكة قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل على الحجر فاستلمه وطاف بالبيت وأتى الى صنم الى جنب البيت كانوا يعبدونه وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بسيتها فلما أتى على الصنم فجعل يطعن في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه حتى نظر الى البيت فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعوا وقال البخاري ثنا اسحاق بن منصور ثنا عبد الصمد ثنا أبي ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرج صورة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام وفي أيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله لقد علموا ما استقسما بها قط ثم دخل البيت فكبر في نواحي البيت وخرج ولم يصل تفرد به البخاري دون مسلم وقال الامام احمد ثنا عبد الصمد ثنا همام ثنا عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وفيها ست سواري فقام الى كل سارية ودعا ولم يصل فيه ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن همام بن يحيى العوذي عن عطاء به وقال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن بكيرا حدثه عن كريب عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حين دخل البيت وجد فيه صورة ابراهيم وصورة مريم فقال اما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا ابراهيم مصورا فما باله يستقسم وقد رواه البخاري والنسائي من حديث ابن وهب به وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبا معمر أخبرني عثمان الخزرجي أنه سمع مقسما يحدث عن ابن عباس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فدعا في نواحيه ثم خرج فصلى ركعتين تفرد به احمد وقال الامام احمد ثنا اسماعيل انبا ليث عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين قال البخاري وقال الليث ثنا يونس أخبرني نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يوم الفتح من اعلا مكة على راحلته مردفا اسامة بن زيد ومعه عثمان بن طلحة من الحجبة حتى أناخ في المسجد فأمر أن يؤتى بمفتاح الكعبة فدخل ومعه اسامة بن زيد وبلال وعثمان ابن طلحة فمكث فيه نهارا طويلا ثم خرج فاستبق الناس فكان عبد الله بن عمر أول من دخل فوجد بلالا وراء الباب قائما فسأله أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار له الى المكان الذي صلى فيه قال عبد الله ونسيت أن أسأله كم صلى من سجدة ورواه الامام احمد عن هشيم ثنا غير واحد وابن عون عن نافع عن ابن عمر قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الفضل بن عباس واسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأمر بلالا فأجاف عليهم الباب فمكث فيه ما شاء الله ثم خرج قال ابن عمر فكان أول من لقيت منهم بلالا فقلت أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ها هنا بين الاسطوانتين قلت وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أنه عليه السلام صلى في الكعبة تلقاء وجهة بابها من وراء ظهره فجعل عمودين عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة اعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة وكان بينه وبين الحائط الغربي مقدار ثلاثة اذرع وقال الامام احمد حدثنا اسماعيل انبا ليث عن مجاهد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين قال ابن هشام وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة فقال عتاب لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه فقال الحارث بن هشام أما والله لو اعلم أنه محق لاتبعته فقال أبو سفيان لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم فقال الحارث وعتاب نشهد أنك رسول الله ما اطلع على هذا احد كان معنا فنقول أخبرك وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني والدي حدثني بعض آل جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة فقال بعض بني سعيد بن العاص لقد أكرم الله سعيدا إذ قبضه
قبل أن يسمع هذا الأسود على ظهر الكعبة وقال عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قال قال ابن أبي مليكة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن يوم الفتح فوق الكعبة فقال رجل من قريش للحارث بن هشام ألا ترى الى هذا العبد أين صعد فقال دعه فإن يكن الله يكرهه فسيغيره وقال يونس بن بكير وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بلالا عام الفتح فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين وقال محمد بن سعد عن الواقدي عن محمد بن حرب عن اسماعيل بن ابي خالد عن أبي اسحاق أن أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا فقال في نفسه لو جمعت لمحمد جمعا فإنه ليحدث نفسه بذلك إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين كتفيه وقال إذا يخزيك الله قال فرفع رأسه فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على رأسه فقال ما أيقنت أنك نبي حتى الساعة قال البيهقي وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة أنبأ أبو حامد احمد بن الحسن المقري أنبأ أحمد بن يوسف السلمي ثنا محمد بن يوسف الفريابي ثنا يونس بن ابي اسحاق عن أبي السفر عن ابن عباس قال رأى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي والناس يطئون عقبه فقال بينه وبين نفسه لو عاودت هذا الرجل القتال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضرب بيده في صدره فقال إذا يخزيك الله فقال أتوب الى الله وأستغفر الله مما تفوهت به ثم روى البيهقي من طريق ابن خزيمة وغيره عن أبي حامد ابن الشرقي عن محمد بن يحيى الذهلي ثنا موسى بن أعين الجزري ثنا أبي عن اسحاق بن راشد عن سعيد بن المسيب قال لما كان ليلة دخل الناس مكة ليلة الفتح لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا فقال أبو سفيان لهند أترى هذا من الله قالت نعم هذا من الله قال ثم أصبح أبو سفيان فغدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لهند أترى هذا من الله قالت نعم هذا من الله فقال أبو سفيان أشهد أنك عبد الله ورسوله والذي تحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند وقال البخاري ثنا اسحاق ثنا أبو عاصم عن ابن جريج أخبرني حسن بن مسلم عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحلل لي الا ساعة من الدهر لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها ولا يختلى خلاؤها ولا تحل لقطتها الا لمنشد فقال العباس بن عبد المطلب الا الأذخر يا رسول الله فإنه لا بد منه للدفن والبيوت فسكت ثم قال إلا الأذخر فانه حلال وعن ابن جريج أخبرني عبد الكريم هو ابن مالك الجزري عن عكرمة عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفرد به البخاري من هذا الوجه الاول وهو مرسل ومن هذا الوجه الثاني أيضا وبهذا وأمثاله استدل من ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة وللوقعة التي كانت في الخندمة كما تقدم وقد قتل فيها قريب من عشرين نفسا من المسلمين والمشركين وهي ظاهرة في
ذلك وهو مذهب جمهور العلماء والمشهور عن الشافعي أنها فتحت صلحا لانها لم تقسم ولقوله صلى الله عليه وسلم ليلة الفتح من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الحرم فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى وقال البخاري ثنا سعيد ابن شرحبيل ثنا الليث عن المقبري عن أبي شريح الخزاعي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة إئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرا فان أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب فقيل لأبي شريح ماذا قال لك عمرو قال قال أنا أعلم بذلك منك يأبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بجزية وروى البخاري أيضا ومسلم عن قتيبة عن الليث بن سعد به نحوه وذكر ابن اسحاق أن رجلا يقال له ابن الأثوغ قتل رجلا في الجاهلية من خزاعة يقال له أحمر باسا فلما كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوغ وهو بمكة قتله خراش بن أمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل إن نفع لقد قتلتم رجلا لأدينه قال ابن اسحاق وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي عن سعيد بن المسيب قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش ابن أمية قال إن خراشا لقتال وقال ابن اسحاق وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الخزاعي قال لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخبه عبد الله بن الزبير جئته فقلت له يا هذا إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فقال يأيها الناس إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والارض فهي حرام من حرام الله الى يوم القيامة فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ولا يعضد فيها شجرا لم تحل لاحد كان قبلي ولا تحل لأحد يكون بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا على أهلها إلا ثم قد رجعت كحرمتها بالامس فليبلغ الشاهد منكم الغائب فمن قال لكم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد احلها لرسوله ولم
يحلها لكم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع لقد قتلتم قتيلا لأدينه فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين إن شاؤا قدم قاتله وإن شاؤا فعقله ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الرجل الذي قتلته خزاعة فقال عمرو لابي شريح انصرف أيها الشيخ فنحن أعلم بحرمتها منك إنها لا تمنع سافك دم ولا خالع طاعة ولا مانع جزية فقال أبو شريح إني كنت شاهدا وكنت غائبا وقد امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا وقد أبلغتك فأنت وشأنك قال ابن هشام وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جنيدب بن الاكوع قتله بنو كعب فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمائة ناقة وقال الامام احمد حدثنا يحيى عن حسين عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال لما فتحت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كفوا السلاح إلا خزاعة من بني بكر فأذن لهم حتى صلى العصر ثم قال كفوا السلاح فلقي رجل من خزاعة رجلا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيبا فقال فرأيته وهو مسند ظهره الى الكعبة قال إن أعدى الناس على الله من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية وذكر تمام الحديث وهذا غريب جدا وقد روى أهل السنن بعض هذا الحديث فأما ما فيه من أنه رخص لخزاعة أن تأخذ بثأرها من بني بكر الى العصر من يوم الفتح فلم أره إلا في هذا الحديث وكأنه إن صح من باب الاختصاص لهم مما كانوا اصابوا منهم ليلة الوتير والله أعلم وروى الامام احمد عن يحيى بن سعيد وسفيان بن عيينة ويزيد بن هارون ومحمد بن عبيد كلهم عن زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي عن الحارث بن مالك بن البرصا الخزاعي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة لا تغزى هذه بعد اليوم الى يوم القيامة ورواه الترمذي عن بندار عن يحيى بن سعيد لقطان به وقال حسن صحيح
قلت فان كان نهيا فلا إشكال وإن كان نفيا فقال البيهقي معناه على كفر أهلها وفي صحيح مسلم من حديث زكريا بن أبي زائدة عن عامر الشعبي عن عبد الله بن مطيع عن أبيه مطيع بن الاسود العدوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم الى يوم القيامة والكلام عليه كالأول سواء قال ابن هشام وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو وقد أحدقت به الانصار فقالوا فيما بينهم أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها فلما فرغ من دعائه قال ماذا قلتم قالوا لا شيء يا رسول الله فلم يزل بهم حتى أخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم وهذا الذي علقه ابن هشام قد أسنده الامام احمد بن حنبل في مسنده فقال ثنا بهز وهاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت وقال هاشم حدثني ثابت البناني ثنا عبد الله بن رباح قال وفدت وفود إلى
معاوية أنا فيهم وأبو هريرة وذلك في رمضان فجعل بعضنا يصنع لبعض الطعام قال وكان أبو هريرة يكثر ما يدعونا قال هاشم يكثر أن يدعونا إلى رحله قال فقلت ألا أصنع طعاما فادعوهم الى رحلي قال فأمرت بطعام يصنع فلقيت ابا هريرة من العشاء قال قلت يأبا هريرة الدعوى عندي الليلة قال استبقني قال هاشم قلت نعم فدعوتهم فهم عندي فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الانصار قال فذكر فتح مكة قال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل مكة قال فبعث الزبير على أحد المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الجسر وأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته وقد وبشت قريش أوباشها قال قالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطيناه الذي سألنا قال ابو هريرة فنظر فرآني فقال يأبا هريرة فقلت لبيك رسول الله فقال اهتف لي بالانصار ولا يأتيني إلا أنصاري فهتفت بهم فجاءوا فأطافوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أترون إلى أوباش قريش واتباعهم ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى أحصدوهم حصدا حتى توافوني بالصفا قال فقال أبو هريرة فانطلقنا فما يشاء واحد منا أن يقتل منهم ما شاء وما أحد منهم يوجه الينا منهم شيئا قال فقال أبو سفيان يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار ابي سفيان فهو آمن قال فغلق الناس أبوابهم قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال وفي يده قوس آخذ بسية القوس قال فأتى في طوافه على صنم إلى جنب البيت يعبدونه قال فجعل يطعن بها في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا قال ثم أتى الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه قال والانصار تحت قال يقول بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان اذا جاء لم يخف علينا فليس أحد من الناس يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي قال هاشم فلما قضي الوحي رفع رأسه ثم قال يا معشر الأنصار اقلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قالوا قلنا ذلك يا رسول الله قال فما أسمى إذا كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت الى الله واليكم فالمحيا محياكم والممات مماتكم قال فأقبلوا اليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا الا الضن بالله ورسوله قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم وقد رواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة زاد النسائي وسلام بن مسكين ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة ثلاثتهم عن ثابت عن عبد الله بن رباح الانصاري نزيل البصرة عن أبي هريرة به نحوه وقال ابن هشام
وحدثني يعني بعض أهل العلم أن فضالة بن عمير بن الملوح يعني الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضالة قال نعم فضالة يا رسول الله قال ماذا كنت تحدث به نفسك قال لا شيء كنت أذكر الله قال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال استغفر الله ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه فكان فضالة يقول والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب الي منه قال فضالة فرجعت الى أهلي فمررت بامرأة كنت أتحدث اليها فقالت هلم الى الحديث فقال لا وانبعث فضالة يقول
قالت هلم الى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والاسلام
أو ما رأيت محمدا وقبيله * بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الاظلام
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت خرج صفوان ابن أمية يريد جدة ليركب منها الى اليمن فقال عمير بن وهب يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه يا رسول الله صلى الله عليك فقال هو آمن فقال يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك فأطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب في البحر فقال يا صفوان فداك أبي وأمي الله الله في نفسك أن تهلكها هذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئتك به قال ويلك أعزب عني فلا تكلمني قال أي صفوان فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس وأحلم الناس وخير الناس ابن عمك عزه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك قال إني أخافه على نفسي قال هو أحلم من ذلك وأكرم فرجع معه حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صفوان إن هذا يزعم أنك قد امنتني قال صدق قال فاجعلني بالخيار فيه شهرين قال أنت بالخيار أربعة أشهر ثم حكى ابن اسحاق عن الزهري أن فاخة بنت الوليد امرأة صفوان وأم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل وقد ذهبت وراءه الى اليمن فاسترجعته فاسلم فلما أسلما أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتهما بالنكاح الاول قال ابن اسحاق وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال رمى حسان بن الزبعري وهو بنجران ببيت واحد ما زاد عليه
لا تعد من رجلا أحلك بغضه * نجران في عيش أحد لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعري خرج الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال حين أسلم
يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور *
آمن اللحم والعظام لربي * ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك
زاجر ثم حيا * من لؤي وكلهم مغرور
قال ابن اسحاق وقال عبد الله بن الزبعري أيضا حين أسلم
منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم
مما اتاني أن احمد لامني * فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على اوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر اليك من الذي * أسديت اذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الردى ويقودني * أمر الغواة وأمرهم مشؤم
فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والدي كلاهما * زللي فإنك راحم ورحوم
وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانة * شرفا وبرهان الاله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في المعاد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرى وأروم
قال ابن هشام وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له
قلت وكان عبد الله بن الزبعري السهمي من أكبر أعداء الاسلام ومن الشعراء الذين استعملوا قواهم في هجاء المسلمين ثم من الله عليه بالتوبة والانابة والرجوع إلى الاسلام والقيام بنصره والذب عنه


* فصل ( عدد الذين شهدوا فتح مكة من المسلمين ) .
@ قال ابن اسحاق وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف من بني سليم سبعمائة ويقول بعضهم ألف ومن بني غفار أربعمائة ومن أسلم اربعمائة
ومن مزينة الف وثلاثة نفر وسائرهم من قريش والانصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد وقال عروة والزهري وموسى بن عقبة كان المسلمون يوم الفتح الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر الفا فالله أعلم قال ابن اسحاق وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت
عفت ذات الاصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء
وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء
فدع هذا ولكن من لطيف * يؤرقني اذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء
كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء
اذا ما الأشربات ذكرن يوما * فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة أن ألمنا * اذا ما كان مغت أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسدا ما ينهنها اللقاء
عدمنا خيلنا أن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات * على أكتافها الأسل الظماء
تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء
فأما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء
وقال الله قد أرسلت عبدا * يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه * فقلتم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد سيرت جندا * هم الانصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء
الا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبدا * وعبد الدار سادتها الاماء
هجوت محمدا فأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصر سواء
فان أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء
قال ابن هشام قالها حسان قبل الفتح
قلت والذي قاله متوجه لما في اثناء هذه القصيدة مما يدل على ذلك وأبو سفيان المذكور في البيت هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قال ابن هشام وبلغني عنالزهري أنه قال لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم الى أبي بكر رضي الله عنه قال ابن اسحاق وقال أنس بن زنيم الدئلي يعتذر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي يعني لما جاء يستنصر عليهم كما تقدم
أأنت الذي تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفى ذمة من محمد
أحث على الخير وأسبغ نائلا * اذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مذركي * وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد
تعلم أن الركب ركب عويمر * هموا الكاذبون المخلفوا كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته * فلا حملت سوطي الي إذن يدي
سوى أنني قد قلت ويل ام فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد
أصابهموا من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
وإنك قد أخبرت أنك ساعيا * بعبد بن عبد الله وابنة مهود
ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فان لا تدمع العين أكمد
وسلمى وسلمى ليس حي كمثله * وأخوته وهل ملوك كأعبد
فاني لا ذنبا فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد
قال ابن اسحاق وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح
نفى أهل الحبلق كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم * والف من بني عثمان واف
نطأ أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم * بارماح مقومة الثقاف
فابنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا * مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف
وقال ابن هشام وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة
منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا آياته * وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت مسابكها بنجد قبلها * حتى استقام لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم
عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم
وذكر ابن هشام في سبب اسلام عباس بن مرداس أن أباه كان يعبد صنما من حجارة يقال له ضمار فلما حضرته الوفاة أوصاه به فبينما هو يوما يخدمه إذ سمع صوتا من جوفه وهو يقول
قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدي
أودي ضمار وكان يعبد مدة * قبل الكتاب الى النبي محمد
قال فحرق عباس ضمار ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقد تقدمت هذه القصة بكمالها في باب هواتف الجان مع أمثالها وأشكالها ولله الحمد والمنة
*2* بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح الى بني جذيمة من كنانة
@
قال ابن اسحاق فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي قال
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب وسليم بن منصور ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا قال ابن اسحاق وحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة قال لما أمرنا خالد ان نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم ويلكم يا بني جذيمة إنه خالد والله ما بعد وضع السلاح الا الاسار وما بعد الأسار الا ضرب الأعناق والله لا أضع سلاحي أبدا قال فأخذه رجال من قومه فقالوا يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وآمن الناس فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم سلاحهم لقول خالد قال ابن اسحاق فقال حكيم بن حكيم عن أبي جعفر قال فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم فلما انتهى الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه الى السماء ثم قال اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد قال ابن هشام حدثني بعض أهل العلم أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنكر عليه أحد فقال نعم قد انكر عليه رجل أبيض ربعه فنهمه خالد فسكت عنه وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فاشتدت مراجعتهما فقال عمر بن الخطاب أما الأول يا رسول الله فابني عبد الله وأما الآخر فسالم مولى أبن حذيفة قال ابن اسحاق فحدثني حيكم بن حكيم عن أبي جعفر قال ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب فقال يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك فخرج علي حالا جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال حتى أنه ليدي ميلغة الكلب حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه بقيت معه بقية من المال فقال لهم علي حين فرغ منهم هل بقي لكم دم أو مال يود لكم قالوا لا قال فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ولا تعلمون ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره الخبر فقال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه يقول اللهم إني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات قال ابن اسحاق وقد قال بعض من يعذر خالدا أنه قال ما قاتلت حتى امرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الاسلام قال ابن هشام قال أبو عمرو المديني لما أتاهم خالد بن الوليد قالوا صبأنا صبأنا وهذه مرسلات ومنقطعات وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني احسبه قال جذيمة فدعاهم
إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا وخالد ياخذ بهم اسرا وقتلا قال ودفع إلى كل رجل منا أسيرا حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره قال ابن عمر فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد من اصحابي اسيره قال فقدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وسلم ورفع يديه اللهم إني ابرأ اليك مما صنع خالد مرتين ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه قال ابن اسحاق وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه قال ابن اسحاق وقد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك فقال له عبد الرحمن عملت بأمر الجاهلية في الاسلام فقال إنما ثأرت بأبيك فقال عبد الرحمن كذبت قد قتلت قاتل أبي ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة حتى كان بينهما شر فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مهلا يا خالد دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته ثم ذكر ابن اسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم عم خالد بن الوليد في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة ومعه ابنه عبد الرحمن وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان في تجارة الى اليمن ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن فحملوه الى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ولقيهم بارض بني جذيمة فطلبه منهم قبل أن يصلوا الى أهل الميت فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما وقتل عبد الرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام وفر منهم عفان ومعه ابن عثمان الى مكة فهمت قريش بغزو بني جذيمة فبعث بنو جذيمة يعتذرون اليهم بانه لم يكن عن ملأ منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم يعني فلهذا قال خالد لعبد الرحمن إنما ثأرت بأبيك يعني حين قتلته بنو جذيمة فأجابه بأنه قد اخذ ثأره وقتل قاتله ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله والمظنون بكل منهما أنه لم يقصد شيئا من ذلك وإنما يقال هذا في وقت المخاصمة فإنما أراد خالد بن الوليد نصرة الاسلام وأهله وإن كان قد أخطأ في أمر واعتقد أنهم ينتقصون الاسلام بقولهم صبأنا صبأنا ولم يفهم عنهم أنهم اسلموا فقتل طائفة كثيرة منهم وأسر بقيتهم وقتل أكثر الأسرى أيضا ومع هذا لم يعزله رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استمر به أميرا وإن كان قد تبرأ منه في صنيعه ذلك وودى ما كان جناه خطأ في دم أو مال ففيه دليل لاحد القولين بين العلماء في أن خطأ الامام يكون في بيت المال لا في ماله والله اعلم ولهذا لم يعزله الصديق حين قتل مالك بن نويرة أيام الردة وتأول عليه ما تأول حين ضرب عنقه واصطفى امرأته أم تميم فقال له عمر بن الخطاب اعزله فان في سبقه رهقا فقال الصديق لا أغمد سيفا سله الله على المشركين
وقال ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس عن الزهري عن ابن أبي حدرد الاسلمي قال كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد فقال فتى من بني جذيمة وهو في سني وقد جمعت يداه الى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه يا فتى قلت ما تشاء قال هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي الى هذه النسوة حتى أقضي اليهن حاجة ثم تردني بعد فتصنعوا ما بدا لكم قال قلت والله ليسير ما طلبت فأخذت برمته فقدته بها حتى وقفته عليهن فقال اسلمي حبيش على نفد العيش
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
الم يك أهلا أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا * اثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن يشحط النوى * وينأى الامير بالحبيب المفارق
فإني لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عيني عنك بعدك رائق
سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون النوامق
قالت وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى قال ثم انصرفت به فضربت عنقه قال ابن اسحاق فحدثني أبو فراس بن ابي سنبلة الأسلمي عن أشياخ منهم عمن كان حاضرها منهم قالوا فقامت اليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عنده وروى الحافظ البيهقي من طريق الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق أنه سمع رجلا من مزينة يقال له ابن عصام عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا بعث سرية قال إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا قال فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا بذلك فخرجنا قبل تهامة فأدركنا رجلا يسوق بظعائن فقلنا له اسلم فقال وما الاسلام فاخبرناه به فاذا هو لا يعرفه قال أفرأيتم إن لم افعل ما أنتم صانعون قال قلنا نقتلك فقال فهل أنتم منظري حتى أدرك الظعائن قال قلنا نعم ونحن مدركوك قال فأدرك الظعائن فقال اسلمي حبيش قبل نفاد العيش فقالت الاخرى اسلم عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى ثم ذكر الشعر المتقدم الى قوله وينأى الامير بالحبيب المفارق ثم رجع الينا فقال شأنكم قال فقدمناه فضربنا عنقه قال فانحدرت الاخرى من هودجها فجثت عليه حتى ماتت ثم روى البيهقي من طريق أبي عبد الرحمن النسائي ثنا محمد بن علي بن حرب المروزي ثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فغنموا وفيهم رجل فقال لهم إني لست منهم إني عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظر اليها ثم اصنعوا بي ما بدا لكم قال فاإا امرأة أدماء طويلة فقال لها اسلمي حبيش قبل نفاد العيش ثم ذكر البيتين بمعناهما قال فقالت نعم فديتك قال فقدموه فضربوا عنقه فجاءت
المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر فقال أما كان فيكم رجل رحيم
*2* بعث خالد بن الوليد لهدم العزى
@
قال ابن جرير وكان هدمها لخمس بقين من رمضان عامئذ قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد الى العزى وكانت بيتا بنخلة يعظمه قريش وكنانة ومضر وكان سدنتها وحجابها من بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم فلما سمع حاجبها السلمي بمسير خالد بن الوليد اليها علق سيفه عليها ثم اشتد في الجبل الذي هي فيه وهو يقول
ايا عز شدي شدة لاشوى لها * على خالد ألقي القناع وشمري
أيا عز إن لم تقتلي المرء خالدا * فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
قال فلما انتهى خالد اليها هدمها ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى الواقدي وغيره أنه لما قدمها خالد لخمس بقين من رمضان فهدمها ورجع فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما رأيت قال لم أر شيئا فأمره بالرجوع فلما رجع خرجت اليه من ذلك البيت امرأة سوداء ناشرة شعرها تولول فعلاها بالسيف وجعل يقول
يا عزى كفرانك لا سبحانك * إني رأيت الله قد اهانك
ثم خرب ذلك البيت الذي كانت فيه وأخذ ما كان فيه من الأموال رضي الله عنه وأرضاه ثم رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تلك العزى ولا تعبد أبدا وقال البيهقي أنبأ محمد بن ابي بكر الفقيه أنبأ محمد بن أبي جعفر أنبأ أحمد بن علي ثنا أبو كريب عن ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد الى نخلة وكانت بها العزى فأتاها وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال ارجع فانك لم تصنع شيئا فرجع خال فلما نظرت اليه السدنة وهم حجابها أمعنوا هربا في الجبل وهم يقولون يا عزى خبليه يا عزى عوريه والا فموتي برغم قال فأتاها خالد فأذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها ووجهها فعممها بالسيف حتى قتلها ثم رجع الى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال تلك العزى
*2* فصل في مدة اقامته عليه السلام بمكة
@
لا خلاف أنه عليه الصلاة والسلام أقام بقية شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر وهذا دليل من قال من العلماء أن المسافر اذا لم يجمع الاقامة فله أن يقصر ويفطر الى ثماني عشر يوما في أحد القولين وفي القول الآخر كما هو مقرر في موضعه قال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا سفيان ح وحدثنا قبيصة ثنا
سفيان عن يحيى بن أبي اسحاق عن أنس بن مالك قال أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا يقصر الصلاة وقد رواه بقية الجماعة من طرق متعددة عن يحيى بن ابي اسحاق الحضرمي البصري عن أنس به نحوه قال البخاري ثنا عبدان ثنا عبد الله انبأ عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوما يصلي ركعتين ورواه البخاري أيضا من وجه زاد البخاري وأبو حصين كلاهما وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث عاصم بن سليمان الاحول عن عكرمة عن ابن عباس به وفي لفظ لابي داود سبعة عشر يوما وحدثنا أحمد بن يونس ثنا أحمد بن شهاب عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال اقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تسع عشرة نقصر الصلاة قال ابن عباس فنحن نقصر ما بقينا بين تسع عشرة فاذا زدنا أتممنا وقال أبو داود ثنا ابراهيم بن موسى ثنا ابن علية ثنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن عمران بن حصين قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فأقام ثماني عشر ليلة لا يصلي الا ركعتين يقول يا أهل البلد صلوا اربعا فإنا سفر وهكذا رواه الترمذي من حديث علي بن زيد بن جدعان وقال هذا حديث حسن ثم رواه من حديث محمد بن اسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة ثم قال رواه غير واحد عن ابن اسحاق لم يذكروا ابن عباس وقال ابن ادريس عن محمد بن اسحاق عن الزهري ومحمد بن علي ابن الحسين وعاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر وعمرو بن شعيب وغيرهم قالوا اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة ليلة
*2* فصل فيما حكم عليه السلام بمكة من الاحكام
@
قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلم عن مالك بن شهاب عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت كان عتبة بن أبي وقاص عهد الى أخيه سعد أن يقبض ابن وليدة زمعة وقال عتبة إنه ابني فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح أخذ سعد بن ابي وقاص ابن وليدة زمعة فاقبل به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه عبد بن زمعة فقال سعد بن أبي وقاص هذا ابن اخي عهد الى أنه ابنه قال عبد بن زمعة يا رسول الله هذا أخي هذا ابن زمعة ولد على فراشه فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ابن وليدة زمعة فاذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة من أجل أنه ولد على فراشه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجبي منه يا سودة لما رأى من شبه عتبة ابن أبي وقاص قال ابن شهاب قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر قال ابن شهاب وكان أبو هريرة يصرح بذلك وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والترمذي
جميعا عن قتيبة عن الليث به وابن ماجه من حديثه وانفرد البخاري بروايته له من حديث مالك عن الزهري ثم قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل أنبأ عبد الله أنا يونس عن ابن شهاب اخبرني عروة ابن الزبير أن امرأة سرقت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ففزع قومها الى أسامة بن زيد يستشفعونه قال عروة فلما كلمه أسامة فيها تلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتكلمني في حد من حدود الله فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله فلما كان العشي قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإنما هلك الناس قبلكم أنهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد والذي نفس محمد بيده لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فقطعت يدها فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة كانت تأتي بعد ذلك فارفع حاجتها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة به وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني قال امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة عام الفتح حين دخل مكة ثم لم يخرج حتى نهى عنها وفي رواية فقال ألا إنها حرام حرام من يومكم هذا الى يوم القيامة وفي رواية في مسند احمد والسنن أن ذلك كان في حجة الوداع فالله أعلم وفي صحيح مسلم عن أبي بكر بن ابي شيبة عن يونس بن محمد عن عبد الواحد بن زياد عن أبي العميس عن اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه أنه قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس في متعة النساء ثلاثا ثم نهانا عنه قال البيهقي وعام أوطاس هو عام الفتح فهو وحديث سبرة سواء
قلت من اثبت النهي عنها في غزوة خيبر قال إنها أبيحت مرتين ومرحت مرتين وقد نص على ذلك الشافعي وغيره وقد قيل إنها أبيحت وحرمت أكثر من مرتين فالله أعلم وقيل إنها إنما حرمت مرة واحدة وهي هذه المرة في غزوة الفتح وقيل إنها إنما أبيحت للضرورة فعلى هذا اذا وجدت ضرورة أبيحت وهذا رواية عن الامام احمد وقيل بل لم تحرم مطلقا وهي على الاباحة هذا هو المشهور عن ابن عباس وأصحابه وطائفة من الصحابة وموضع تحرير ذلك في الأحكام
*2* فصل ( مبايعة رسول الله الناس يوم الفتح على الاسلام والشهادة ) .
@ قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أنبأ عبد الله بن عثمان بن خثيم أن محمد بن الاسود بن خلف أخبره أن اباه الاسود رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس يوم الفتح قال جلس عند قرن مستقبله فبايع الناس على الاسلام والشهادة قلت وما الشهادة قال أخبرني محمد بن الاسود ابن خلف أنه بايعهم على الايمان بالله وشهادة أن لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله تفرد به أحمد وعند البيهقي فجاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الاسلام والشهادة وقال ابن
جرير ثم اجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام فجلس لهم فيما بلغني على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل من مجلسه فأخذ على الناس السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا قال فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء وفيهن هند بنت عتبة متنقبة متنكرة لحدثها لما كان من صنيعها بحمزة فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك فلما دنين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعهن قال بايعنني على أن لا تشركن بالله شيئا فقالت هند والله إنك لتأخذ علينا مالا تأخذه من الرجال ولا تسرقن فقالت والله إني كنت أصبت من مال أبي سفيان الهنة بعد الهنة وما كنت أدري أكان ذلك علينا حلالا أم لا فقال أبو سفيان وكان شاهدا لما تقول أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لهند بنت عتبة قالت نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك ثم قال ولا يزنين فقالت يا رسول الله وهل تزني الحرة ثم قال ولا تقتلن أولادكن قالت قد ربيناهم صغارا حتى قتلتهم أنت وأصحابك ببدر كبارا فضحك عمر بن الخطاب حتى استغرق ثم قال ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهم وأرجلهن فقالت والله إن إتيان البهتان لقبيح ولبعض التجاوز أمثل ثم قال ولا يعصينني فقالت في معروف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم فبايعهن عمر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساءولا يمس الا امرأة أحلها الله له أو ذات محرم منه وثبت في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت لا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط وفي رواية ما كان يبايعهن إلا كلاما ويقول إنما قولى لامرأةواحدة كقولى لمائة امرأة وفي الصحيحين عن عائشة أن هندا بنت عتبة امرأة أبي سفيان أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان ابا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني فهل علي من حرج اذا أخذت من ماله بغير علمه قال خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك وروى البيهقي من طريق يحيى بن بكير عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن هند بنت عتبة قالت يا رسول الله ما كان مما على وجه الارض أخباء أو خباء الشك من أبي بكر أحب الي من أن يذلوا من أهل اخبائك أو خبائك ثم ما أصبح اليوم على ظهر الارض أهل أخباء أو خباء أحب إلى من أن يعزوا من أهل أخبائك أو خبائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا والذي نفس محمد بيده قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح فهل علي حرج أن أطعم من الذي له قال لا بالمعروف ورواه البخاري عن يحيى بن بكير بنحوه وتقدم ما يتعلق باسلام أبي سفيان
وقال أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة لا هجرة ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم الا فانفروا ورواه البخاري عن عثمان بن أبي شيبة ومسلم عن يحيى بن يحيى عن جرير وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا وهب ثنا ابن طاوس عن أبيه عن صفوان بن امية أنه قيل له إنه لا يدخل الجنة الا من هاجر فقلت له لا أدخل منزلي حتى أسأل رسول الله ما سأله فأتيته فذكرت له فقال لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية واذا استنفرتم فانفروا تفرد به احمد وقال البخاري ثنا محمد بن أبي بكر ثنا الفضيل بن سليمان ثنا عاصم عن أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود قال انطلقت بابي معبد الى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الهجرة فقال مضت الهجرة لاهلها أبايعه على الاسلام والجهاد فلقيت ابا معبد فسألته فقال صدق مجاشع وقال خالد عن أبي عثمان عن مجاشع أنه جاء بأخيه مجالد وقال البخاري ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا عاصم عن أبي عثمان قال حدثني مجاشع قال اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخي بعد يوم الفتح فقلت يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال ذهب أهل الهجرة بما فيها فقلت على أي شيء تبايعه قال أبايعه على الاسلام والايمان والجهاد فلقيت أبا معبد بعد وكان أكبرهما سنا فسألته فقال صدق مجاشع وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن أبي بشر عن مجاهد قال قلت لابن عمر أريد أن أهاجر الى الشام فقال لا هجرة ولكن انطلق فاعرض نفسك فان وجدت شيئا والا رجعت وقال أبو النضر أنا شعبة أنا أبو بشر سمعت مجاهدا قال قلت لابن عمر فقال لا هجرة اليوم أو بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله حدثنا اسحاق ابن يزيد ثنا يحيى بن حمزة حدثني أبو عمرو الاوزاعي عن عبدة بن ابي لبابة عن مجاهد بن جبير أن عبد الله بن عمر قال لا هجرة بعد الفتح وقال البخاري ثنا اسحاق بن يزيد أنا يحيى بن حمزة أنا الاوزاعي عن عطاء بن أبي رباح قال زرت عائشة مع عبيد بن عمير فسألها عن الهجرة فقالت لا هجرة اليوم وكان المؤمنون يفر أحدهم بدينه الى الله عز وجل والى رسوله مخافة أن يفتن عليه فأما اليوم فقد أظهر الله الاسلام فالمؤمن يعبد ربه حيث يشاء ولكن جهاد ونية
وهذه الاحاديث والآثار دالة على أن الهجرة إما الكاملة أو مطلقا قد انقطعت بعد فتح مكة لان الناس دخلوا في دين الله أفواجا وظهر الاسلام وثبتت أركانه ودعائمه فلم تبق هجرة اللهم الا أن يعرض حال يقتضي الهجرة بسبب مجاورة أهل الحرب وعدم القدرة على اظهار الدين عندهم فتجب الهجرة الى دار الاسلام وهذا مالا خلاف فيه بين العلماء ولكن هذه الهجرة ليست كالهجرة قبل الفتح كما أن كلا من الجهاد والانفاق في سبيل الله مشروع ورغب فيه الى يوم القيامة وليس كالانفاق ولا الجهاد قبل الفتح فتح مكة قال الله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح
وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى الآية وقد قال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال لما نزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح قرأها رسول الله حتى ختمها وقال الناس خير وأنا واصحابي خير وقال لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية فقال له مروان كذبت وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير فقال أبو سعيد لو شاء هذان لحدثاك ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فرفع مروان عليه الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك قالا صدق تفرد به احمد وقال البخاري ثنا موسى بن اسماعيل ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر إنه ممن قد علمتم فدعاهم ذات يوم فأدخله معه فما رأيت أنه أدخلني فيهم يومئذ إلا ليريهم فقال ما تقولون في قول الله عز وجل إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره اذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذاك تقول يا ابن عباس فقلت لا فقال ما تقول فقلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال إذا جاء نصر الله والفتح فذلك علام أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر بن الخطاب لا أعلم منها الا ما يقول تفرد به البخاري وهكذا روى من غير وجه عن ابن عباس أنه فسر ذلك بنعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أجله وبه قال مجاهد وأبو العالية والضحاك وغير واحد كما قال ابن عباس وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأما الحديث الذي قال الامام احمد ثنا محمد بن فضيل ثنا عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت الى نفسي بانه مقبوض في تلك السنة تفرد به الامام احمد وفي إسناده عطاء بن أبي مسلم الخراساني وفيه ضعف تكلم فيه غير واحد من الائمة وفي لفظه نكارة شديدة وهو قوله بأنه مقبوض في تلك السنة وهذا باطل فان الفتح كان في سنة ثمان في رمضان منها كما تقدم بيانه وهذا مالا خلاف فيه وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ربيع الاول من سنة إحدى عشرة بلا خلاف أيضا وهكذا الحديث الذي رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله ثنا ابراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي ثنا أبي ثنا جعفر بن عون عن أبي العميس عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال آخر سورة نزلت من القرآن جميعا اذا جاء نصر الله والفتح فيه نكارة أيضا وفي إسناده نظر أيضا ويحتمل أن يكون أنها آخر
سورة نزلت جميعها كما قال والله أعلم وقد تكلمنا على تفسير هذه السورة الكريمة بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ينا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن عمرو ابن سلمة قال لي ابو قلابة ألا تلقاه فنسأله فلقيته فسألته قال كنا بماء ممر الناس وكان يمر بنا الركبان فنسألهم ما للناس ما للناس ما هذا الرجل فيقولون يزعم أن الله أرسله وأوحى اليه كذا فكنت أحفظ ذاك الكلام فكأنما يغري في صدري وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فانه ان ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر أبي قومي باسلامهم فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا قال صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا فاذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين وكانت علي بردة اذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصا فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص تفرد به البخاري دون مسلم
*2* غزوة هوازن يوم حنين
@
قال الله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم وقد ذكر محمد بن اسحاق بن يسار في كتابه أن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هوازن بعد الفتح في خامس شوال سنة ثمان وزعم أن الفتح كان لعشر بقين من شهر رمضان قبل خروجه اليهم خمس عشرة ليلة وهكذا روي عن ابن مسعود وبه قال عروة بن الزبير واختاره احمد وابن جرير في تاريخه وقال الواقدي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هوازن لست خلون من شوال فانتهى الى حنين في عاشره وقال أبو بكر الصديق لن نغلب اليوم من قلة فانهزموا لمكان أول من انهزم بنو سليم ثم أهل مكة ثم بقية الناس
قال ابن اسحاق ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة جمعها ملكها مالك بن عوف النصري فاجتمع اليه مع هوازن ثقيف كلها واجتمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل ولم يشهدها من قيس عيلان الا هؤلاء وغاب عنها ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب ولم يشهدها منهم أحد له اسم وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء
الا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب وكان شيخا مجربا وفي ثقيف سيدان لهم وفي الاحلاف قارب بن الاسود بن مسعود بن معتب وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث واخوه احمر بن الحارث وجماع أمر الناس الى مالك بن عوف النصري فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحضر مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم فلما نزل بأوطاس اجتمع اليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به فلما نزل قال بأي واد أنتم قالوا بأوطاس قال نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قالوا ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم قال أين مالك قالوا هذا مالك ودعى له قال يا مالك إنك قد اصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الايام مالي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء قال سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم قال ولم قال أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم قال فانقض به ثم قال راعي ضأن والله هل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك ثم قال ما فعلت كعب وكلاب قال لم يشهدها منهم أحد قال غاب الحد والجد لو كان يوم علاه ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب فمن شهدها منكم قالوا عمرو بن عامر وعوف بن عامر قال ذانك الجذعان من عامر لا ينفعان ولا يضران ثم قال يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن الى نحور الخيل شيئا ثم قال دريد لمالك ابن عوف ارفعهم الى متمنع بلادهم وعليا قومهم ثم الق الصبا على متون الخيل فان كانت لك لحق بك من ورائك وإن كانت عليك الفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك قال والله لا أفعل إنك قد كبرت وكبر عقلك ثم قال مالك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي فقالوا أطعناك فقال دريد هذا يوم لم اشهده ولم يفتني
يا ليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع
اقود وطفاء الزمع * كأنها شاة صدع
ثم قال مالك للناس اذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ثم شدوا شدة رجل واحد قال ابن اسحاق وحدثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال ويلكم ما شأنكم قالوا رأينا رجالا بيضا على خيل بلق فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد قال ابن اسحاق ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث اليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل في
الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ثم اقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير الى هوازن ذكر له أن عند صفوان ابن أمية أدراعا له سلاحا فارسل اليه وهو يومئذ مشرك فقال يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا غدا فقال صفوان أغضبا يا محمد قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك قال ليس بهذا بأس فاعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل هكذا أورد هذا ابن اسحاق من غير إسناد وقد روى يونس بن بكير عن ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه وعن عمرو بن شعيب والزهري وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم وقصة الادراع كما تقدم وفيه أن ابن أبي حدرد لما رجع فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر هوازن كذبه عمر بن الخطاب فقال له ابن ابي حدرد لئن كذبتني يا عمر فربما كذبت بالحق فقال عمر ألا تسمع ما يقول يا رسول الله فقال قد كنت ضالا فهداك الله وقد قال الامام احمد ثنا يزيد بن هارون أنبأ شريك بن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن أمية عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من أمية يوم حنين أدراعا فقال أغصبا يا محمد فقال بل عارية مضمونة قال فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له فقال أنا اليوم يا رسول الله في الاسلام أرغب ورواه أبو داود والنسائي من حديث يزيد بن هرون به وأخرجه النسائي من رواية اسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عبد الرحمن بن صفوان بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان دروعا فذكره ورواه من حديث هشيم عن حجاج عن عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان أدراعا وافراسا وساق الحديث وقال أبو داود ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا جرير عن عبد العزيز ابن رفيع عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا صفوان هل عندك من سلاح قال عارية أم غصبا قال بل عارية فأعاره ما بين الثلاثين الى الاربعين درعا وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما هزم المشركون جمعت دروع صفوان ففقد منها أدراعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصفوان قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك قال لا يا رسول الله إن في قلبي اليوم ما لم يكن فيه يومئذ وهذا مرسل أيضا قال ابن اسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة فكانوا اثني عشر الفا
قلت وعلى قول عروة والزهري وموسى بن عقبة يكن مجموع الجيشين الذين سار بهما الى
هوازن أربعة عشر ألفا لأنه قدم باثني عشر ألفا إلى مكة على قولهم واضيف ألفان من الطلقاء وذكر ابن اسحاق أنه خرج من مكة في خامس شوال قال واستخلف على اهل مكة عتاب بن اسيد ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي
قلت وكان عمره إذ ذاك قريبا من عشرين سنة قال ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد لقاء هوازن وذكر قصيدة العباس بن مرداس السلمي في ذلك منها قوله
أبلغ هوازن أعلاها واسفلها * مني رسالة نصح فيه تبيان
أني أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الارض أركان
فيهم سليم أخوكم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد * والأجربان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته * وفي مقدمه أوس وعثمان
قال ابن اسحاق أوس وعثمان قبيلا مزينة قال وحدثني الزهري عن سنان بن أبي سنان الدئلي عن أبي واقد الليثي أن الحارث بن مالك قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية قال فسرنا معه إلى حنين قال وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما قال فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة قال فتنادينا من جنبات الطريق يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم وقد روى هذا الحديث الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سفيان والنسائي عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر كلاهما عن الزهري كما رواه ابن اسحاق عنه وقال الترمذي حسن صحيح ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا وقال أبو داود ثنا أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد ابن سلام أنه سمع أبا سلام عن السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان العشية فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فارس فقال يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا فإذا أنا بهوازن عن بكرة ابيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم اجتمعوا الى حنين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله ثم قال من يحرسنا الليلة قال أنس بن ابي مرثد أنا يا رسول الله قال فاركب فركب
فرسا له وجاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغرن من قبلك الليلة فلما أصبحنا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مصلاه فركع ركعتين ثم قال هل أحسستم فارسكم قالوا يا رسول الله ما أحسسنا فثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويلتفت الى الشعب حتى اذا قضى صلاته قال ابشروا فقد جاءكم فارسكم فجعل ينظر الى خلال الشجر في الشعب واذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني انطلقت حتى اذا كنت في اعلا هذا الشعب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما فنظرت فلم أر أحدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نزلت الليلة قال لا إلا مصليا أو قاضي حاجة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوجبت فلا عليك ألا تعمل بعدها وهكذا رواه النسائي عن محمد بن يحيى عن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة الربيع بن نافع به

يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:15 AM
الوقعة وما كان أول الأمر من الفرار ثم العاقبة للمتقين
@ قال يونس بن بكير وغيره عن محمد بن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن ابيه قال فخرج مالك بن عوف بمن معه الى حنين فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم اليها فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه وأقبل رسول الله وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين يقول اين أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله انا رسول الله انا محمد بن عبد الله أنا محمد بن عبد الله قال فل شيء وركبت الابل بعضها بعضا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم امر الناس ومعه رهط من أهل بيته علي بن ابي طالب وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب واخوه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب والفضل بن العباس وقيل الفضيل بن أبي سفيان وأيمن بن أم أيمن وأسامة بن زيد ومن الناس من يزيد فيهم قثم بن العباس ورهط من المهاجرين منهم أبو بكر وعمر والعباس آخذ بحكمة بغلته البيضاء وهو عليها قد شجرها قال ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمام هوازن وهوازن خلفه اذ أدرك طعن برمحه واذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه قال فبينما هو كذلك اذ هوى له علي بن ابي طالب ورجل من الانصار يريدانه قال فيأتي علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه ووثب الانصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانعجف عن رحله قال واجتلد الناس فوالله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الامام احمد عن يعقوب بن ابراهيم الزهري عن أبيه عن محمد
ابن اسحاق قال ابن اسحاق والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان ممن صبر يومئذ وكان حسن الاسلام حين اسلم وهو آخذ بثفر بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذا قال ابن أمك يا رسول الله قال ابن اسحاق ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الاعراب بما في أنفسهم من الظغن فقال ابو سفيان صخر بن حرب يعني وكان اسلامه بعد مدخولا وكانت الازلام بعد معه يومئذ قال لا تنتهي هزيمتهم دون البحر وصرخ كلدة بن الحنبل وهو مع أخيه صفوان بن أمية يعني لأمه وهو مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا بطل السحر اليوم فقال له صفوان اسكت فض الله فاك فوالله لئن يربني رجل من قريش أحب الي من أن يربني رجل من هوازن وقال الامام احمد حدثنا عفان بن مسلم ثنا حماد بن سلمة أنبا اسحاق ابن عبد الله بن ابي طلحة عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والابل والغنم فجعلوها صفوفا يكثرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ثم قال يا معشر الانصار أنا عبد الله ورسوله قال فهزم الله المشركين ولم يضرب بسيف ولم يطعن برمح قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من قتل كافرا فله سلبه قال فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وقال أبو قتادة يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبلأ العاتق وعليه درع له فاجهضت عنه فانظر من أخذها قال فقام رجل فقال أنا أخذتها فارضه منها واعطنيها قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئا ألا اعطاه أو سكت فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر والله لا يفئها الله علىاسد من اسد الله ويعطيكها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق عمر قال ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة ما هذا فقالت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج في بطنه فقال ابو طلحة اما تسمع ما تقول أم سليم فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله اقتل من بعدها من الطلقاء انهزموا بك فقال إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم وقد روى مسلم منه قصة خنجر ام سليم وأبو داود قوله من قتل قتيلا فله سلبه كلاهما من حديث حماد بن سلمة به وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا نافع أبو غالب شهد أنس بن مالك فقال العلاء بن زياد العدوي يا أبا حمزة بسن أي الرجال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بعث قال ابن اربعين سنة قال ثم كان ماذا قال ثم كان بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتمت له ستون سنة ثم قبضه الله اليه قال بسن أي الرجال هو يومئذ قال كاشب الرجال وأحسنه وأجمله والحمه قال يا ابا حمزة وهل غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا وفي
المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل فهزمهم الله فولوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى الفتح فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل فيبايعونه على الاسلام فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إن علي نذرا لئن جيء بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيء بالرجل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال يا نبي الله تبت الى الله قال وأمسك نبي الله صلى الله عليه وسلم أن يبايعه ليوفي الآخر نذره قال وجعل ينظر الى النبي صلى الله عليه وسلم ليأمره بقتله ويهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يصنع شيئا بايعه فقال يا نبي الله نذري قال لم أمسك عنه منذ اليوم الا لتوفي نذرك فقال يا رسول الله ألا أومأت الي قال إنه ليس لنبي ان يومي تفرد به احمد وقال احمد حدثنا يزيد ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين اللهم إنك إن تشاء لا تعبد في الارض بعد اليوم إسناده ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجه أحد من اصحاب الكتب من هذا الوجه وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن ابي اسحاق سمع البراء بن عازب وسأله رجل من قيس أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فقال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر كانت هوازن رماة وأنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلتنا بالسهام ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء وإن ابا سفيان آخذ بزمامها وهو يقول أنا النبي لا كذب ورواه البخاري عن ابي الوليد عن شعبة به وقال
انا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب
قال البخاري وقال اسرائيل وزهير عن أبي اسحاق عن البراء ثم نزل عن بغلته ورواه مسلم والنسائي عن بندار زاد مسلم وأبي موسى كلاهما عن غندر به وروى مسلم من حديث زكريا بن ابي زائدة عن أبي اسحاق عن البراء قال ثم نزل فاستنصر وهو يقول
أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب
اللهم نزل نصرك قال البراء ولقد كنا اذا حمى البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الشجاع الذي يحاذى به وروى البيهقي من طرق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ انا ابن العواتك وقال الطبراني ثنا عباس بن الفضل الاسقاطي ثنا عمرو بن عوف الواسطي ثنا هشيم انبا يحيى بن سعيد عن عمرو بن سعيد بن العاص عن شبابة عن ابن عاصم السلمي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين انا ابن العواتك وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنبا مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن أفلح عن ابي محمد مولى أبي قتادة عن ابي قتادة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين
فلما التقينا كانت للمسلمين جولة فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر فقلت ما بال الناس فقال أمر الله ورجعوا وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه فقمت فقلت من يشهد لي ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فقلت من يشهد لي ثم جلست فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فقلت من يشهد لي ثم جلست ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فقمت فقال مالك يأبا قتادة فأخبرته فقال رجل صدق سلبه عندي فأرضه مني فقال أبو بكر لاها الله إذا تعمد إلى أسد من اسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق فأعطه فأعطانيه فابتعت به مخرافا في بني سلمة فانه لأول مال تأثلته في الاسلام ورواه بقية الجماعة الا النسائي من حديث يحيى بن سعيد به قال البخاري وقال الليث بن سعد حدثني يحيى بن سعيد عن عمرو بن كثير بن افلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة أن أبا قتادة قال لما كان يوم حنين نظرت إلي رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني فأرضرب يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ثم ترك فتحلل فدفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون فانهزمت معهم فاذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له ما شأن الناس قال أمر الله ثم تراجع الناس إلى رسول الله فقال رسول الله من اقام بينة على قتيل فله سلبه فقمت لالتمس بينة على قتيلي فلم ار أحدا يشهد لي فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي فأرضه مني فقال أبو بكر كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من اسد الله يقاتل عن الله ورسوله قال فقام رسول الله فأداه إلي فاشتريت به مخرافا فكان أول مال تأثلته وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن قتيبة عن الليث بن سعد به وقد تقدم من رواية نافع أبي غالب عن انس أن القائل لذلك عمر بن الخطاب فلعله قاله متابعة لابي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له أو قد اشتبه على الراوي والله أعلم وقال الحافظ البيهقي أنبأ الحاكم انبأ الاصم أنبأ احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني عاصم بن عمر عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى يا عباس ناد يا معشر الأنصار يا اصحاب الشجرة فأجابوه لبيك لبيك فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت حتى اجتمع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت للأنصار ثم جعلت آخرا للخزرج وكانوا صبرا عند الحرب واشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركايبه
فنظر الى مجتلد القوم فقال الآن حمي الوطيس قال فوالله ما راجعه الناس الا والاسارى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتفون فقتل الله منهم من قتل وانهزم منهم من انهزم وافاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم اموالهم وابناءهم وقال ابن لهيعة عن ابي الأسود عن عروة وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه خرج الى هوازن وخرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا ركبانا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قالوا وكان معه ابو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما قالوا وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر ومعه النساء والذراري والنعم فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لاصحابه إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا فلما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة وصف الناس بعضهم لبعض وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة له شهباء فاستقبل الصفوف فأمرهم وحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صبروا فبينما هم كذلك إذ حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد فجال المسلمون جولة ثم ولوا مدبرين فقال حارثة بن النعمان لقد حزوت من بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ادبر الناس فقلت مائة رجل قالوا ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال ابشر بهزيمة محمد وأصحابه فوالله لا يجتبرونها أبدا فقال له صفوان تبشرني بظهور الأعراب فوالله لرب من قريش أحب الي من رب من الأعراب وغضب صفوان لذلك قال عروة وبعث صفوان غلاما له فقال اسمع لمن الشعار فجاءه فقال سمعتهم يقولون يا بني عبد الرحمن يا بني عبد الله يا بني عبيد الله فقال ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب قالوا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال قام في الركابين وهو على البغلة فرفع يديه الى الله يدعوه يقول اللهم إني أنشدك ما وعدتني اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا ونادى أصحابه وزمرهم يا أصحاب البيعة يوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم ويقال حرضهم فقال يا أنصار الله وأنصار رسوله يا بني الخزرج يا اصحاب سورة البقرة وأمر من أصحابه من ينادي بذلك قالوا وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواصيهم كلها وقال شاهت الوجوه وأقبل أصحابه اليه سراعا يبتدرون وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الآن حمي الوطيس فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم منها واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف هو وأناس من أشراف قومه وأسلم عند ذلك ناس كثير من اهل مكة حين رأوا نصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم
وإعزازه دينه رواه البيهقي وقال ابن وهب أخبرني يونس عن الزهري أخبرني كثير بن العباس ابن عبد المطلب قال قال العباس شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث لا نفارقه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي فلما التقى الناس ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار قال العباس وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أي عباس ناد أصحاب السمرة قال فوالله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا يا لبيكاه يا لبيكاه قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار وهم يقولون يا معشر الانصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا بني الحارث بن الخزرج فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها الى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ثم اخذ حصيات فرمى بهن في وجوه الكفار ثم قال انهزموا ورب محمد قال فذهبت انظر فاذا القتال على هيئته فيما أرى قال فوالله ما هو الا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا ورواه مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب به نحوه ورواه أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري نحوه وروى مسلم من حديث عكرمة ابن عمار عن اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم وتوارى عني فما رديت ما صنع ثم نظرت الى القوم فاذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا باحداهما مرتديا بالاخرى قال فاستطلق إزاري فجمعتها جمعا ومررت على النبي صلى الله عليه وسلم وأنا منهزم وهو على بغلته الشهباء فقال لقد رأى ابن الاكوع فزعا فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض واستقبل به وجوههم وقال شاهت الوجوه فما خلىالله منهم إنسانا الا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين وقال أبو داود الطيالسي في مسنده ثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن الفهري قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حنين فسرنا في يوم قايظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال السمر فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته قد حان الرواح يا رسول الله قال أجل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال أسرج لي فرسي فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال فركب فرسه فسرنا يومنا
فلقينا العدو وتسامت الخيلان فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله واقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه وحدثني من كان أقرب اليه مني أنه أخذ حفنة من التراب فحثى بها وجوه العدو وقال شاهت الوجوه قال يعلى ابن عطاء فحدثنا أبناؤهم عن آبائهم قالوا ما بقي أحد الا امتلأت عيناه وفمه من التراب وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد فهزمهم الله عز وجل ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا عبد الواحد ابن زياد ثنا الحارث بن حصين ثنا القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال عبد الله بن مسعود كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والانصار فنكصنا على اعقابنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يمضي قدما فحادت به بغلته فمال عن السرج فقلت له ارتفع رفعك الله فقال ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا قال أين المهاجرين والانصار قلت هم أولاء قال أهتف بهم فهتفت بهم فجاؤا سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب وولى المشركون أدبارهم تفرد به أحمد وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو الحسين محمد بن أحمد بن تميم القنطري ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي أخبرني عبد الله بن عياض بن الحارث الانصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى هوازن في اثني عشر ألفا فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر قال وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فرمى بها في وجوهنا فانهزمنا ورواه البخاري في تاريخه ولم ينسب عياضا وقال مسدد ثنا جعفر بن سليمان ثنا عوف بن عبد الرحمن مولى أم برثن عمن شهد حنينا كافرا قال لما التقينا نحن ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة فجئنا نهش سيوفنا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذ غشيناه فأذا بيننا وبينه رجال حسان الوجوه فقالوا شاهت الوجوه فارجعوا فهزمنا من ذلك الكلام رواه البيهقي وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو سفيان ثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن ابراهيم ثنا الوليد بن مسلم حدثني محمد بن عبد الله الشعبي عن الحارث بن بدل النصري عن رجل من قومه شهد ذلك يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفي قالا انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الا عباس وأبو سفيان بن الحارث قال فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم قال فانهزمنا فما خيل الينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا قال الثقفي فأعجرت على فرسي حتى دخلت الطائف وروى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب بن عبد الله أنه لم يبق مع رسول الله يوم حنين إلا رجل واحد اسمه
زيد وروى البيهقي من طريق الكديمي ثنا موسى بن مسعود ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي عن السائب بن يسار عن يزيد بن عامر السوائي أنه قال عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين فتبعهم الكفار وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من الارض ثم اقبل على المشركون فرمى بها وجوههم وقال ارجعوا شاهت الوجوه فما أحد يلقى أخاه الا وهو يشكو قذى في عينيه ثم روى من طريقين آخرين عن أبي حذيفة ثنا سعيد بن السائب بن يسار الطائفي حدثني أبي السائب بن يسار سمعت يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم بعد قال فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان قال فكان يأخذ لنا بحصاة فيرمي بها في الطست فيطن قال كنا نجد في اجوافنا مثل هذا وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ ومحمد ابن موسى بن الفضل قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا العباس بن محمد بن بكير الحضرمي ثنا أبو ايوب بن جابر عن صدقة بن سعيد عن مصعب بن شيبة عن ابيه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش فقلت وأنا واقف معه يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا فقال يا شيبة إنه لا يراها الا كافر فضرب يده في صدري ثم قال اللهم أهد شيبة ثم ضربها الثانية فقال اللهم أهد شيبة ثم ضربها الثالثة ثم قال اللهم أهد شيبة قال فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب الي منه ثم ذكر الحديث في التقاء الناس وانهزام المسلمين ونداء العباس واستنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى هزم الله المشركين وقال البيهقي أنبأ أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو محمد أحمد عبد الله المزني ثنا يوسف بن موسى ثنا هشام بن خالد ثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة مولى ابن عباس عن شيبة بن عثمان قال لما رأيت رسولن الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قد عرى ذكرت أبى وعمى وقتل على وحمزة اياهما فقلت اليوم ادرك ثأري من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت لأجيئه عن يمينه فاذا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج فقلت عمه ولن يخذله قال ثم جئته عن يساره فاذا أنا بابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقلت ابن عمه ولن يخذله قال ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره سورة بالسيف إذ رفع شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا شيب أدن مني اللهم اذهب عنه الشيطان قال فرفعت اليه بصري ولهو احب الي من سمعي وبصري فقال يا شيب قاتل الكفار وقال ابن اسحاق وقال شيبة بن عثمان بن ابي طلحة اخو بني عبد الدار قلت اليوم أدرك ثأري وكان أبوه قد قتل يوم أحد اليوم أقتل محمدا قال فأدرت برسول الله
صلى الله عليه وسلم لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذاك وعلمت أنه ممنوع مني وقال محمد بن اسحاق وحدثني والدي اسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم قال لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين والناس يقتتلون اذا نظرت إلى مثل البجاد الاسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم فاذا نمل منثور قد ملأ الوادي فلم يكن الا هزيمة القوم فما كنا نشك أنها الملائكة ورواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق به وزاد فقال خديج بن العوجا النصري يعني في ذلك
ولما دنونا من حنين ومائه * رأينا سوادا منكر اللون أخصفا
بملمومة شهباء لو قذفوا بها * شماريخ من عروى اذا عاد صفصفا
ولو أن قومي طاوعتني سراتهم * اذا ما لقينا العارض المتكشفا
اذا ما لقينا جند آل محمد * ثمانين ألفا واستمدوا بخندفا
وقد ذكر ابن اسحاق من شعر مالك بن عوف النصري رئيس هوازن يوم القتال وهو في حومة الوغا يرتجز ويقول
أقدم مجاج إنه يوم نكر * مثلي على مثلك يحمي ويكر
اذا أضيع الصف يوما والدبر * ثم احزألت زمر بعد زمر
كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقدي بالسبر
حين يذم المستكن المنحجر * وأطعن النجلاء تعوي وتهر
لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر
وثعلب العامل فيها منكسر * يا زين يا ابن همهم أين تفر
قد أنفذ الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر
أني في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاضن من تحت الستر
وذكر البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أبي اسحاق أنه أنشد من شعر مالك أيضا حين ولى اصحابه منهزمين وذلك قوله بعد ما أسلم وقيل هي لغيره
أذكر مسيرهم والناس كلهم * ومالك فوقه الرايات تختفق
ومالك مالك ما فوقه أحد * يوم حنين عليه التاج يأتلق
حتى لقوا الناس حين البأس يقدمهم * عليهم البيض والأبدان والدرق
فضاربوا الناس حتى لم يروا أحدا * حول النبي وحتى جنه الغسق
حتى تنزل جبريل بنصرهم * فالقوم منهزم منا ومعتلق
منا ولو غير جبريل يقاتلنا * لمنعتنا إذا أسيافنا الفلق
وقد وفى عمر الفاروق إذ هزموا * بطعنة كان منها سرجه العلق
قال ابن اسحاق ولما هزم المشركون وأمكن الله رسوله منهم قالت امرأة من المسلمين
قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات
قال ابن هشام وقد أنشدنيه بعض أهل الرواية للشعر
قد غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات
قال ابن اسحاق فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم وكانت مع ذي الخمار فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب فقاتل بها حتى قتل فأخبرني عامر بن وهب بن الاسود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه قتله قال أبعده الله فانه كان يبغض قريشا وذكر ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة أنه قتل مع عثمان هذا غلام له نصراني فجاء رجل من الانصار ليسلبه فاذا هو أغرل فصاح بأعلا صوته يا معشر العرب إن ثقيفا غرل قال المغيرة بن شعبة الثقفي فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب فقلت لا تقل كذلك فداك ابي وأمي إنما هو غلام لنا نصراني ثم جعلت أكشف له القتلى فأقول له ألا تراهم مختتنين كما ترى قال ابن اسحاق وكانت راية الاحلاف مع قارب بن الاسود فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه وقومه فلم يقتل من الاحلاف غير رجلين رجل من بني غيرة يقال له وهب ورجل من بني كبة يقال له الجلاح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح قتل اليوم سيد شباب ثقيف إلا ما كان من ابن هنيدة يعني الحارث بن أويس قال ابن اسحاق فقال العباس بن مرداس يذكر قارب بن الاسود وفراره من بني أبيه وذا الخمار وحبسه نفسه وقومه للموت
ألا من مبلغ غيلان عني * وسوف أخال يأتيه الخبير
وعروة إنما أهدي جوابا * وقولا غير قولكما يسير
بأن محمدا عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجور
وجدناه نبيا مثل موسى * فكل فتى بخايره مخير
وبئس الأمر أمر بني قسي * بوج إذا تقسمت الامور
أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور
فجئنا أسد غابات اليهم * جنود الله ضاحية تسير
نؤم الجمع جمع بني قسي * على حنق نكاد له نطير
وأقسم لو هموا مكثوا لسرنا * اليهم بالجنود ولم يغوروا
فكنا اسدلية ثم حتى * ابحناها وأسلمت النصور
ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور
من الأيام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور
قتلنا في الغبار بني حطيط * على راياتها والخيل زور
ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو نكير
اقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الأمور
فافلت من نجا منهم حريضا * وقتل منهم بشر كثير
ولا يغني الأمور أخو التواني * ولا الغلق الصريرة الحصور
أحانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور
بنو عوف يميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير
فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور
ولكن الرياسة عمموها * على يمن اشار به المشير
أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير
فان يهدوا الى الاسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير
فإن لم يسلموا فهموا أذان * بحرب الله ليس لهم نصير
كما حكمت بني سعد وجرت * برهط بني غزية عنقفير
كأن بني معاوية بن بكر * الى الاسلام ضائنة تخور
فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برأت من الإحن الصدور
كأن القوم اذ جاؤا الينا * من البغضاء بعد السلم عور
*2* فصل ( هزيمة هوازن ) .
@ ولما انهزمت هوازن وقف ملكهم مالك بن عوف النصري على ثنية مع طائفة من اصحابه فقال قفوا حتى تجوز ضعفاؤكم وتلحق أخراكم قال ابن اسحاق فبلغني أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لاصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم فقال هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادي ثم طلعت خيل أخرى تتبعها فقال لأصحابه ماذا ترون قالوا نرى قوما عارضي رماحهم اغفالا على خيلهم فقال هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم فلماانتهوا الى أصل الثنية سلكوا
طريق بني سليم ثم طلع فارس فقال لأصحابه ماذا ترون فقالوا نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء قال هذا الزبير بن العوام وأقسم باللات ليخالطنكم فأثبتوا له فلما انتهى الزبير الى اصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت من الابل والغنم والرقيق وأمر أن تساق الى الجعرانة فتحبس هناك قال ابن اسحاق وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري
قال ابن اسحاق وحدثني بعض أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر يومئذ بامرأة قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون عليها فقال لبعض أصحابه أدرك خالدا فقل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا هكذا رواه ابن اسحاق منقطعا وقد قال الامام احمد ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد حدثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن ربيع أخي بني حنظلة الكاتب أنه أخبره أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون اليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فانفرجوا عنها فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كانت هذه لتقاتل فقال لأحدهم الحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه
*2* غزوة أوطاس
@
وكان سببها أن هوازن لما انهزمت ذهبت فرقة منهم فيهم الرئيس مالك بن عوف النصري فلجؤوا الى الطائف فتحصنوا بها وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس فبعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية من اصحابه عليهم ابو عامر الاشعري فقاتلوهم فغلبوهم ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة فحاصر أهل الطائف كما سيأتي قال ابن اسحاق ولما انهزم المشركون يوم حنين أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة الا بنو غيرة من ثقيف وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك الثنايا قال فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهان السلمي ويعرف بابن الدغنة وهي أمه دريد بن الصمة فاخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة وذلك أنه في شجار لهم فاذا برجل فأناخ به فاذا شيخ كبير واذا دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام فقال له دريد ماذا تريد بي قال اقتلك قال ومن أنت قال أنا ربيعة بن رفيع السلمي ثم
ضربه بسيفه فلم يغن شيئا قال بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في الشجار ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فأنى كذلك كنت اضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلك دريد بن الصمة فرب والله يوم منعت فيه نساءك فزعم بنو سليم أن ربيعة قال لما ضربته فوقع تكشف فاذا عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل إعراء فلما رجع ربيعة إلى أمه اخبرها بقتله إياه فقالت أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا ثم ذكر ابن اسحاق ما رثت به عمرة بنت دريد إياها فمن ذلك قولها
قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا * فظل دمعي على السربال منحدر
لولا الذي قهر الاقوام كلهم * رأت سليم وكعب كيف يأتمر
إذن لصبحهم غبا وظاهرة * حيث استقرت نواهم جحفل ذفر
قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الاشعري فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه القتال فرمى أبو عامر فقتل فأخذ الراية أبو موسى الاشعري وهو ابن عمه فقاتلهم ففتح الله عليه وهزمهم الله عز وجل ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى ابا عامر الاشعري بسهم فاصاب ركبته فقتله وقال
إن تسألوا عني فاني سلمه * ابن سمادير لمن توسمه
أضرب بالسيف رؤس المسلمه
قال ابن اسحاق وحدثني من اثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الاشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر ثم حمل عليه آخر فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقتله أبو عامر ثم جعلوا يحملون عليه وهو يقول ذلك حتى قتل تسعة وبقي العاشر فحمل على أبي عامر وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقال الرجل اللهم لا تشهد علي فكف عنه أبو عامر فأفلت فأسلم بعد فحسن إسلامه فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال هذا شريد أبي عامر قال ورمى ابا عامر اخوان العلاء وأوفى أبناء الحارث من بني جشم بن معاوية فاصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته فقتلاه وولى الناس أبا موسى فحمل عليهما فقتلهما فقال رجل من بني جشم يرثيهما
إن الرزية قتل العلا * ء وأوفى جميعا ولم يسندا
هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا
هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا
فلم ير في الناس مثليهما * أقل عثارا وأرمى يدا
وقال البخاري ثنا محمد بن العلاء وحدثنا أبو اسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين بعث ابا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال أبو موسى وبعثني مع أبي عامر فرمى أبو عامر في ركبته رماه جشمي بسهم فاثبته في ركبته قال فانتهيت اليه فقلت يا عم من رماك فأشار إلى ابي موسى فقال ذاك قاتلي الذي رماني فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له ألا تستحي ألا تثبت فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته ثم قلت لابي عامر قتل الله صاحبك قال فانتزع هذا السهم فنزعته فنزا منه الماء قال يا ابن أخي اقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام وقل له استغفر لي واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرا ثم مات فرجعت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مرمل وعليه فراش قد اثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر وقوله قال له استغفر لي قل فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر ورأيت بياض إبطيه ثم قال اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس فقلت ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما قال أبو بردة إحداهما لأبي عامر والأخرى لأبي موسى رضي الله عنهما ورواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن أبي براد عن أبي أسامة به نحوه وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبا سفيان وهو الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري قال اصبنا نساء من سبي اوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن ازواج فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم قال فاستحللنا بها فروجهن وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حيث عثمان البتي به وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري وقد رواه الامام احمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن ابي عروبة زاد مسلم وشعبة والترمذي من حديث همام عن يحيى ثلاثتهم عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن فنزلت هذه الآية في ذلك والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم وهذا لفظ احمد بن حنبل فزاد في هذا الاسناد أبا علقمة الهاشمي وهو ثقة وكان هذا هو المحفوظ والله أعلم وقد استدل جماعة من السلف بهذه الآية الكريمة على أن بيع الامة طلاقها روى ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن البصري وخالفهم الجمهور مستدلين بحديث بربرة
حيث بيعت ثم خيرت في فسخ نكاحها أو إبقاءه فلو كان بيعها طلاقها لها لما خيرت وقد تقصينا الكلام على ذلك في التفسير بما فيه كفاية وسنذكره إن شاء الله في الأحكام الكبير وقد استدل جماعة من السلف على إباحة الأمة المشركة بهذا الحديث في سبايا أوطاس وخالفهم الجمهور وقالوا هذه قضية عين فلعلهن أسلمن أو كن كتابيات وموضع تقرير ذلك في الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى
*2* من استشهد يوم حنين وأوطاس
@
أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ايمن بن عبيد وزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب ابن اسد جمح به فرسه الذي يقال له الجناح فمات وسراقة بن مالك بن الحارث بن عدي الانصاري من بني العجلان وأبو عامر الاشعري أمير سرية أوطاس فهؤلاء أربعة رضي الله عنهم
*2* ما قيل من الأشعار في غزوة هوازن
@
فمن ذلك قول بجير بن زهير بن ابي سلمى
لولا الاله وعيده وليتم * حين استخف الرعب كل جبان
بالجزع يوم حيالنا أقراننا * وسوابح يكبون للأذقان
من بين ساع ثوبه في كفه * ومقطر بسنانك وثبان
والله أكرمنا وأظهر ديننا * وأعزنا بعبادة الرحمن
والله أهلكهم وفرق جمعهم * وأذلهم بعبادة الشيطان
قال ابن هشام ويروى فيها بعض الرواة * إذ قام عم نبيكم ووليه
يدعون يالكتيبة الإيمان
أين الذين هم أجابوا ربهم * يوم العريض وبيعة الرضوان
وقال عباس بن مرداس السلمي * فأني والسوابح يوم جمع
وما يتلو الرسول من الكتاب
لقد أحببت ما لقيت ثقيف * بجنب الشعب أمس من العذاب
هم رأس العدو من اهل نجد * فقتلهم ألذ من الشراب
هزمنا الجمع جمع بني قسي * وحلت بركها ببني رئاب
وصرما من هلال غادرتهم * بأوطاس تعفر بالتراب
ولو لاقين جمع بني كلاب * لقام نساؤهم والنقع كابي
ركضنا الخيل فيهم بين بس * إلى الأوراد تنحط بالتهاب
بذي لجب رسول الله فيهم * كتيبته تعرض للضراب
وقال عباس بن مرداس أيضا
يا خاتم النباء إنك مرسل * بالحق كل هدي السبيل هداكا
إن الاله بنى عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا
ثم الذين وفوا بما عاهدتهم * جند بعثت عليهم الضحاكا
رجلا به درب السلاح كأنه * لما تكنفه العدو يراكا
يغشى ذوي النسب القريب وإنما * يبغي رضا الرحمن ثم رضاكا
أنبئك أني قد رأيت مكره * تحت العجاجة يدمغ الإشراكا
طورا يعانق باليدين وتارة * يفري الجماجم صارما فتاكا
يغشى به هام الكماة ولو ترى * منه الذي عاينت كان شفاكا
وبنو سليم معنقون أمامه * ضربا وطعنا في العدو دراكا
يمشون تحت لوائه وكأنهم * أسد العرين أردن ثم عراكا
ما يرتجون من القريب قرابة * إلا لطاعة ربهم وهواكا
هذي مشاهدنا التي كانت لنا * معروفة وولينا مولاكا
وقال عباس بن مرداس أيضا * عفا مجدل من اهله فمتالع
فمطلا أريك قد خلا فالمصانع
ديار لنا يا جمل إذجل عيشنا * رخي وصرف الدهر للحي جامع
حبيبة ألوت بها غربة النوى * لبين فهل ماض من العيش راجع
فان تبتغي الكفار غير ملومة * فاني وزير للنبي وتابع
دعانا اليه خير وفد علمتهم * خزيمة والمرار منهم وواسع
فجئنا بألف من سليم عليهم * لبوس لهم من نسج داود رائع
نبايعه بالأخشبين وإنما * يد الله بين الأخشبين نبايع
فجسنا مع المهدي مكة عنوة * بأسيافنا والنقع كاب وساطع
علانية والخيل يغشى متونها * حميم وآن من دم الجوف ناقع
ويوم حنين حين سارت هوازن * الينا وضاقت بالنفوس الأضالع
صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا * قراع الأعادي منهم والوقائع
أمام رسول الله يخفق فوقنا * لواء كخذروف السحابة لامع
عشية ضحاك بن سفيان معتص * بسيف رسول الله والموت كانع
نذود اخانا عن أخينا ولو نرى * مصالا لكنا الأقربين نتابع
ولكن دين الله دين محمد * رضينا به فيه الهدى والشرائع
اقام به بعد الضلالة أمرنا * وليس لأمر حمه الله دافع
وقال عباس ايضا * تقطع باقي وصل أم مؤمل
بعاقبة واستبدلت نية خلفا
وقد حلفت بالله لا تقطع القوى * فما صدقت فيه ولا برت الحلفا
خفافية بطن العقيق مصيفها * وتحتل في البادين وجرة فالعرفا
فان تتبع الكفار أم مؤمل * فقد زودت قلبي على نأيها شغفا
وسوف ينبئها الخبير بأننا * أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا
وإنا مع الهادي النبي محمد * وفينا ولم يستوفها معشر ألفا
بفتيان صدق من سليم أعزة * أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا
خفاف وذكوان وعوف تخالهم * مصاعب زافت في طروقتها كلفا
كأن نسيج الشهب والبيض ملبس * أسودا تلاقت في مراصدها غضفا
بنا عز دين الله غير تنحل * وزدنا على الحي الذي معه ضعفا
بمكة إذ جئنا كأن لواءنا * عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا
على شخص الأبصار تحسب بينها * إذا هي جالت في مراودها عزفا
غداة وطئنا المشركين ولم نجد * لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا
بمعترك لا يسمع القوم وسطه * لنا زحمة الا التذامر والنقفا
ببيض تطير الهام عن مستقرها * وتقطف أعناق الكماة بها قطفا
فكائن تركنا من قتيل ملحب * وأرملة تدعو على بعلها لهفا
رضا الله ننوي لا رضا الناس نبتغي * ولله ما يبدو جميعا وما يخفى
وقال عباس أيضا رضي الله عنه * ما بال عينك فيها عائر سهر
مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر
عين تأوبها من شجوها أرق * فالماء يغمرها طورا وينحدر
كانه نظم در عند ناظمه * تقطع السلك منه فهو منتثر
يا بعد منزل من ترجو مودته * ومن اتى دونه الصمان فالحفر
دع ما تقدم من عهد الشباب فقد * ولى الشباب وزار الشيب والزعر
واذكر بلاء سليم في مواطنها * وفي سليم لأهل الفخر مفتخر
قوم هموا نصروا الرحمن واتبعوا * دين الرسول وأمر الناس مشتجر
لا يغرسون فسيل النخل وسطهم * ولا تخاور في مشتاهم البقر
إلا سوابح كالعقبان مغرية * في دارة حولها الأخطار والعكر
تدعى خفاف وعوف في جوانبها * وحي ذكوان لا ميل ولا ضجر
الضاربون جنود الشرك ضاحية * ببطن مكة والأرواح تبتدر
حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم * نخل بظاهرة البطحاء منقعر
ونحن يوم حنين كان مشهدنا * للدين عزا وعند الله مدخر
إذ نركب الموت مخضرا بطائنه * والخيل ينجاب عنها ساطع كدر
تحت اللواء مع الضحاك يقدمنا * كما مشى الليث في غاباته الخدر
في مأزق من مجر الحرب كلكلها * تكاد تكاد تأفل منه الشمس والقمر
وقد صبرنا بأوطاس اسنتنا * لله ننصر من شئنا وننتصر
حتى تأوب أقوام منازلهم * لولاالمليك ولولا نحن ما صدروا
فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا * إلا وقد اصبح منا فيهم أثر
وقال عباس أيضا رضي الله عنه * يا ايها الرجل الذي تهوي به
وجناء مجمرة المناسم عرمس
إما اتيت على النبي فقل له * حقا عليك اذا اطمأن المجلس
يا خير من ركب المطي ومن مشى * فوق التراب اذا تعد الأنفس
إنا وفينا بالذي عاهدتنا * والخيل تقدع بالكماة وتضرس
إذ سال من افناء بهثة كلها * جمع تظل به المخارم ترجس
حتى صبحنا أهل مكة فيلقا * شهباء يقدمها الهمام الأشوس
من كل أغلب من سليم فوقه * بيضاء محكمة الدخال وقونس
يروي القناة اذا تجاسر في الوغى * وتخاله أسدا اذا ما يعبس
يغشى الكتيبة معلما وبكفه * عضب يقد به ولدن مدعس
وعلى حنين قد وفى من جمعنا * ألف أمد به الرسول عرندس
كانوا أمام المؤمنين دريئة * والشمس والشمس يومئذ عليهم أشمس
نمضي ويحرسنا الاله بحفظه * والله ليس بضائع من يحرس
ولقد حبسنا بالمناقب محبسا * رضي الاله به فنعم المحبس
وغداة أوطاس شددنا شدة * كفت العدو وقيل منها يا احبسوا
تدعو هوازن بالأخوة بيننا * ثدي تمد به هوازن أيبس
حتى تركنا جمعهم وكأنه * عير تعاقبه السباع مفرس
وقال أيضا رضي الله عنه * من مبلغ الأقوام أن محمدا
رسول الاله راشد حيث يمما
دعا ربه واستنصر الله وحده * فأصبح قد وفى اليه وأنعما
سرينا وواعدنا قديدا محمدا * يؤم بنا أمرا من الله محكما
تماروا بنا في الفجر حتى تبينوا * مع الفجر فتيانا وغابا مقوما
على الخيل مشدودا علينا دروعنا * ورجلا كدفاع الأتي عرمرما
فان سراة الحي إن كنت سائلا * سليم وفيهم منهم من تسلما
وجند من الأنصار لا يخذلونه * أطاعوا فما يعصونه ما تكلما
فإن تك قد امرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره * تصيب به في الحق من كان أظلما
حلفت يمينا برة لمحمد * فأكملتها ألفا من الخيل ملجما
وقال نبي المؤمنين تقدموا * وحب الينا أن نكون المقدما
وبتنا بنهي المستدير ولم يكن * بنا الخوف إلا رغبة وتحزما
أطعناك حتى أسلم الناس كلهم * وحتى صبحنا الجمع أهل يلملما
يظل الحصان الأبلق الورد وسطه * ولا يطمئن الشيخ حتى يسوما
سمونا لهم ورد القطا زفه ضحى * وكلا تراه عن أخيه قد أحجما
لدن غدوة حتى تركنا عشية * حنينا وقد سالت دوامعه دما
إذا شئت من كل رأيت طمرة * وفارسها يهوي ورمحا محطما
وقد أحرزت منا هوازن سربها * وحب اليها أن تخيب وتحرما
هكذا أورد الامام أحمد بن اسحاق هذه القصائد من شعر عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه وقد تركنا بعض ما أورده من القصائد خشية الاطالة وخوف الملالة ثم أورد من شعر غيره أيضا وقد حصل فيه كفاية من ذلك والله أعلم


@ قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان وقال محمد بن اسحاق ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم ابواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور قال ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف حين فرغ من حنين فقال كعب بن مالك في ذلك
قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخبرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن دوسا أو ثقيفا
فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا
وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا
اذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا
كامثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا
تخال جدية الأبطال فيها * غداة الزحف جاديا مدوفا
أجدهم أليس لهم نصيح * من الأقوام كان بنا عريفا
يخبرهم بأنا قد جمعنا * عتاق الخيل والنجب الطروفا
وأنا قد اتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسهم النبي وكان صلبا * نقي القلب مصطبرا عزوفا
رشيد الأمر ذا حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا
نطيع نبينا ونطيع ربا * هو الرحمن كان بنا رؤفا
فإن تلقوا الينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا
وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا
نجالد ما بقينا أو تنيبوا * الى الاسلام إذعانا مضيفا
نجاهد لا نبالي ما لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا
وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والأنوفا
بكل مهند لين صقيل * نسوقهم بها سوقا عنيفا
لأمر الله والاسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنيفا
وتنسىاللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا
فأمسوا قد اقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خسوفا
وقال ابن اسحاق فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي
قلت وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في وفد ثقيف فأسلم معهم قاله موسى بن عقبة وأبو اسحاق وأبو عمر بن عبد البر وابن الاثير وغير واحد وزعم المدايني أنه لم يسلم بل صار الى بلاد الروم فتنصر ومات بها
من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لا نريمها
وجدنا بها الآباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها
وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها
وقد علمت إن قالت الحق أننا * اذا ما أتت صعر الخدود نقيمها
نقومها حتى يلين شريسها * ويعرف للحق المبين ظلومها
علينا دلاص من تراب محرق * كلون السماء زينتها نجومها
ترفعها عنا ببيض صوارم * اذا جردت في غمرة لا نشيمها
قال ابن اسحاق وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر
إن التي حرقت بالسد فاشتعلت * ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر
قال ابن اسحاق فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني من حنين الى الطائف على نخلة اليمانية ثم على قرن ثم على المليح ثم على بحرة الرغاء من لية فابتني بها مسجدا فصلى فيه قال ابن اسحاق فحدثني عمرو بن شعيب أنه عليه السلام أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم وهو أول دم أقيد به في الاسلام رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم قال ابن اسحاق ثم سلك في الطريق يقال لها الضيقة فلما توجه رسول الله ص سأل عن اسمها فقال ما اسم هذه الطريق فقيل الضيقة فقال بل هي اليسرة ثم خرج منها على نخب حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف فارسل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إما أن تخرج إلينا وإما أن نخرب عليك حائطك فأبى أن يخرج فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
باخرابه وقال ابن اسحاق عن اسماعيل بن أمية عن بجير بن أبي بجير سمعت عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين خرجنا معه الى الطائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه قال فابتدره الناس فاستخرجوا معه الغصن ورواه أبو داود عن يحيى بن معين عن وهب ابن جرير بن حازم عن ابيه عن محمد بن اسحاق به ورواه البيهقي من حديث يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن اسماعيل بن أمية به قال ابن اسحاق ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فتأخروا الى موضع مسجده عليه السلام اليوم بالطائف الذي بنته ثقيف بعد اسلامها بناه عمرو بن أمية بن وهب وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم الا سمع لها نقيض فيما يذكرون قال فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة قال ابن هشام ويقال سبع عشرة ليلة وقال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم ويقاتلونه من وراء حصنهم ولم يخرج اليه أحد منهم غير أبي بكرة بن مسروح أخي زياد لأمه فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكثرت الجراح وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها فقالت لهم ثقيف لا تفسدوا الأموال فانها لنا أو لكم وقال عروة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل من المسلمين أن يقطع خمس نخلات وخمس حبلات وبعث مناديا ينادي من خرج الينا فهو حر فاقتحم اليه نفر منهم فيهم أبو بكرة بن مسروح أخو زياد بن أبي سفيان لامه فأعتقهم ودفع كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يعوله ويحمله وقال الامام احمد ثنا يزيد ثنا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتق من جاءه من العبيد قبل مواليهم اذا أسلموا وقد أعتق يوم الطائف رجلين وقال أحمد ثنا عبد القدوس بن بكر بن خنيس ثنا الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف فخرج اليه عبدان فأعتقهما أحدهما أبو بكرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتق العبيد اذا خرجوا اليه وقال احمد أيضا ثنا نصر بن رئاب عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف من خرج الينا من العبيد فهو حر فخرج عبيد من العبيد فيهم ابو بكرة فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث تفرد به أحمد ومداره على الحجاج بن ارطأة وهو ضعيف لكن ذهب الامام أحمد الى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب الى دار الاسلام عتق حكما شرعيا مطلقا عاما وقال آخرون إنما كان
هذا شرطا لا حكما عاما ولو صح الحديث لكان التشريع العام اظهر كما في قوله عليه السلام من قتل قتيلا فله سلبه وقد قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن المكرم الثقفي قال لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف خرج اليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبدا للحارث بن كلدة والمنبعث وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبعث ويحنس ووردان في رهط من رقيقهم فأسلموا فلما قدم وفد اهل الطائف فاسلموا قالوا يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك قال لا أولئك عتقاء الله ورد على ذلك الرجل ولاء عبده فجعله له وقال البخاري ثنا محمد بن بشار ثنا غندر ثنا شعبة عن عاصم سمعت ابا عثمان قال سمعت سعدا وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله وابا بكرة وكان تسور حصن الطائف في أناس فجاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ادعي الى غير أبيه وهو يعلمه فالجنة عليه حرام ورواه مسلم من حديث عاصم به قال البخاري وقال هشام أنبا معمر عن عاصم عن أبي العالية أو أبي عثمان النهدي قال سمعت سعدا وابا بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عاصم قلت لقد شهد عندك رجلان حسبك بهما قال أجل أما أحدهما فاول من رمى بسهم في سبيل الله وأما الآخر فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف قال محمد بن اسحاق وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة فضرب لهما قبتين فكان يصلي بينهما فحاصرهم وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل قال ابن هشام ورماهم بالمنجنيق فحدثني من اثق به أن النبي صلى الله عليه وسلم اول من رمن في الاسلام بالمنجنيق رمى به أهل الطائف وذكر ابن اسحاق أن نفرا من الأصحابه دخلوا تحت دبابة ثم زحفوا ليحرقوا جدار أهل الطائف فأرسلت عليهم سكك الحديد محماة فخرجوا من تحتها فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا فحينئذ امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون قال وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فناديا ثقيفا بالامان حتى يكلموهم فأمنوهم فدعوا نساء من قريش وبني كنانة ليخرجن اليهم وهما يخافان عليهن السباء اذا فتح الحصن فأبين فقال لهما أبو الاسود بن مسعود ألا أدلكما على خير مما جئتما له إن مال أبي الاسود حيث قد علمتما وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نازلا بواد يقال له العقيق وهو بين مال بني الاسود وبين الطائف وليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا اشد مؤونة ولا أبعد عمارة منه وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تركه لهم وقد روى الواقدي عن شيوخه نحو هذا وعنده أن سلمان الفارسي هو الذي اشار بالمننجنيق وعمله بيده وقيل قدم به وبدبابتين فالله أعلم وقد اورد البيهقي من طريق ابن لهيعة عن ابي الاسود عن عروة أن عيينة بن حصن استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن ياتي أهل الطائف فيدعوهم إلى الاسلام فأذن له فجاءهم فامرهم بالثبات في حصنهم وقال
لا يهولنكم قطع ما قطع من الاشجار في كلام طويل فلما رجع قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت لهم قال دعوتهم إلى الاسلام وأنذرتهم النار وذكرتهم بالجنة فقال كذبت بل قلت لهم كذا وكذا فقال صدقت يا رسول الله أتوب الى الله واليك من ذلك وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن ابي الجعد عن معدان ابن أبي طلحة عن ابن أبي نجيح السلمي وهو عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال حاصرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الطائف فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من بلغ بسهم فله درجة في الجنة فبلغت يومئذ ستة عشر سهما وسمعته يقول من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة وأيما رجل أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل كل عظم من عظامه وقاء كل عظم بعظم وأيما امرأة مسلمة اعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل كل عظم من عظامها وقاء كل عظم من عظامها من النار ورواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث قتادة به وقال البخاري ثنا الحميدي سمع سفيان ثنا هشام عن أبيه عن زينب بنت ام سلمة عن أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن ابي امية أرايت إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فانها تقبل باربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخلن هؤلاء عليكن قال ابن عيينة وقال ابن جريج المخنث هيت وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به وفي لفظ وكانوا يرونه من غير أولي الأربة من الرجال وفي لفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكن هؤلاء يعني اذا كان ممن يفهم ذلك فهو داخل في قوله تعالى أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء والمراد بالمخنث في عرف السلف الذي لا همة له الى النساء وليس المراد به الذي يؤتى إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما كما دل عليه الحديث وكما قتله أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومعنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني بذلك عكن بطنها فانها تكون أربعا اذا أقبلت ثم تصير كل واحدة اثنتين اذا أدبرت وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان بن سلمة من سادات ثقيف وهذا المخنث قد ذكر البخاري عن ابن جريج أن اسمه هيت وهذا هو المشهور لكن قال يونس عن ابن اسحاق قال وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مولى لخالته بنت عمرو بن عايد مخنث يقال له مانع يدخل على نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ولا نرى أنه يفطن لشيء من امور النساء مما ينظر اليه رجال ولا يرى أن له في ذلك إربا فسمعه وهو يقول لخالد ابن الوليد يا خالد إن افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلا تنفلتن منكم بادية بنت غيلان فانها تقبل باربع وتدبر بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع هذا منه ألا ارى هذا يفطن لهذا الحديث ثم قال لنسائه لا يدخلن عليكم فحجب عن بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله
ثنا سفيان عن عمرو عن أبي العباس الشاعر الاعمى عن عبد الله بن عمرو قال لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف فلم ينل منهم شيئا قال إنا قافلون غدا إن شاء الله فثقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتح فقال اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح فقال إنا قافلون غدا إن شاء الله فأعجبهم فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال سفيان مرة فتبسم ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به وعنده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب واختلف في نسخ البخاري ففي نسخة كذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص والله أعلم وقال الواقدي حدثني كثير بن زيد بن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال لما مضت خمس عشرة من حصار الطائف استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الدئلي فقال يا نوفل ما ترى في المقام عليهم قال يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك قال ابن اسحاق وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابي بكر وهو محاصر ثقيفا يأبا بكر إني رأيت أني أهديت لي قبعة مملوءة زبدا فنقرها ديك فهراق ما فيها فقال أبو بكر رضي الله عنه ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا لا أرى ذلك قال ثم أن خولة بنت حكيم السلمية وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله اعطني إن فتح الله عليك حلى بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل وكانت من أحلى نساء ثقيف فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها وإن كان لم يؤذن في ثقيف يا خويلة فخرجت خولة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما حديث حدثتنيه خولة زعمت أنك قلته قال قد قلته قال أو ما أذن فيهم قال لا قال أفلا أؤذن بالرحيل قال بلى فأذن عمر بالرحيل فلما استقبل الناس نادى سعيد بن عبيد بن اسيد بن ابي عمرو بن علاج ألا إن الحي مقيم قال يقول عيينة بن حصن أجل والله مجدة كراما فقال له رجل من المسلمين قاتلك الله يا عيينة أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جئت تنصره فقال إني والله ما جئت لاقاتل ثقيفا معكم ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب من ثقيف جارية أطؤها لعلها تلد لي رجلا فان ثقيفا مناكير وقد روى ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة قصة خولة بنت حكيم وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال وتأذين عمر بالرحيل قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن لا يسرحوا ظهرهم فلما أصبحوا ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودعا حين ركب قافلا فقال اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قالوا يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا ثم قال هذا حديث حسن غريب وروى يونس عن ابن اسحاق حدثني عبد الله بن ابي بكر وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم قالوا حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل الطائف ثلاثين ليلة او قريبا من ذلك ثم انصرفوا عنهم ولم
يؤذن فيهم فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فاسلموا وسيأتي ذلك مفصلا في رمضان من سنة تسع إن شاء الله وهذه تسمية من استشهد من المسلمين بالطائف فيما قاله ابن اسحاق فمن قريش سعيد ابن سعيد بن العاص بن أمية وعرفطة بن حباب حليف لبني أمية بن الأسد بن الغوث وعبد الله ابن أبي بكر الصديق رمي بسهم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي من رمية رميها يومئذ وعبد الله بن عامر بن ربيعة حليف لبني عدي والسائب بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وأخوه عبد الله وجليحة بن عبد الله من بني سعد بن ليث ومن الانصار ثم من الخزرج ثابت بن الجذع الاسلمي والحارث بن سهل بن أبي صعصعة المازني والمنذر بن عبد الله من بني ساعدة ومن الأوس رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية فقط فجميع من استشهد يومئذ اثنا عشر رجلا سبعة من قريش وأربعة من الأنصار ورجل من بني ليث رضي الله عنهم أجمعين قال ابن اسحاق ولما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا عن الطائف قال بجير بن زهير بن ابي سلمى يذكر حنينا والطائف
كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الأبرق
جمعت باغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق
لم يمنعوا منا مقاما واحدا * إلا جدارهم وبطن الخندق
ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فاستحصنوا منا بباب مغلق
ترتد حسرانا الى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق
ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حصنا لظل كأنه لم يخلق
مشي الضراء على الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد ويلتقي
في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق
جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق
وقال أبو داود ثنا عمر بن الخطاب أبو حفص ثنا الفريابي ثنا أبان ثنا عمرو هو ابن عبد الله ابن أبي حازم ثنا عثمان بن أبي حازم عن أبيه عن جده صخر هو أبي العيلة الأحمسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا ثقيفا فلما أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمد النبي صلى الله عليه وسلم فوجده قد انصرف ولم يفتح فجعل صخر حينئذ عهد وذمة لا أفارق هذا القصر حتى ينزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب اليه صخر أما بعد فان ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله وأنا مقبل بهم وهم في خيلي فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة جامعة فدعا لأحمس عشر دعوات اللهم بارك لاحمس في خيلها ورجالها وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة فقال
يا رسول الله إن صخرا أخذ عمتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون فدعاه فقال يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع الى المغيرة عمته فدفعها اليه وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء لبني سليم قد هربوا عن الاسلام وتركوا ذلك الماء فقال يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومي قال نعم فانزله وأسلم يعني الاسلميين فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع اليهم الماء فأبى فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع الينا ماءنا فأبى علينا فقال يا صخر إن القوم اذا اسلموا أحرزوا اموالهم ودماءهم فادفع اليهم ماءهم قال نعم يا نبي الله فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء تفرد به أبو داود وفي اسناده اختلاف
قلت وكانت الحكمة الالهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا لأنه قد تقدم أنه عليه السلام لما كان خرج الى الطائف فدعاهم الى الله تعالى والى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه عز وجل وذلك بعد موت عمه أبي طالب فردوا عليه قوله وكذبوه فرجع مهموما فلم يستفق الا عند قرن الثعالب فاذا هو بغمامة واذا فيها جبريل فناداه ملك الجبال فقال يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل استأني بهم لعل الله ان يخرج من اصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا فناسب قوله بل استأنى بهم أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل كما سيأتي بيانه ان شاء الله تعالى



يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:17 AM
*2* مرجعه عليه السلام من الطائف وقسمة غنائم هوازن
@
قال ابن اسحاق ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من المسلمين ومعه من هوازن سبي كثير وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف يا رسول الله ادع عليهم فقال اللهم اهد ثقيفا وأئت بهم قال ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة وكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الابل والشاء مالا يدرى عدته قال ابن اسحاق فحدثني عمرو بن شعيب وفي رواية يونس بن بكير عنه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فلما أصاب من هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا فقالوا يا رسول الله إنا اصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا من الله عليك وقام خطيبهم زهير بن صرد أبو صرد فقال يا رسول الله إنما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ولو أنا ملحنا لابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما
وأنت رسول الله خير المكفولين ثم أنشأ يقول
امنن علينا رسول الله في كرم * فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمنن على بيضة قد عاقها قدر * ممزق شملها في دهرها غير
ابقت لنا الدهر هتافا على حزن * على قلوبهم الغماء والغمر
يا خير طفل ومولود ومنتجب * في العالمين اذا ما حصل البشر
إن لم تداركها نعماء تنشرها * يا أرجح الناس حلما حين يختبر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزنيك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته * واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر آلاء وإن كفرت * وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤكم وأبناؤكم أحب اليكم أم أموالكم فقالوا يا رسول الله خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا بل ابناؤنا ونساؤنا أحب الينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم واذا أنا صليت بالناس فقوموا فقولوا إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابنائنا ونسائنا فاني سأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس الظهر قاموا فقالوا ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فقال المهاجرون وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت الانصار وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الأقرع بن حابس أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة أما أنا وبنو فزارة فلا وقال العباس بن مرداس السلمي أما أنا وبنو سليم فلا فقالت بنو سليم بل ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقول عباس بن مرداس لبني سليم وهنتموني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ستة فرائض من أول فيء نصيبه فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتبعه الناس يقولون يا رسول الله اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى الشجرة فانتزعت رداءه فقال أيها الناس ردوا علي ردائي فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة الا الخمس والخمس مردود عليكم فادوا الخياط والمخيط فان الغلول
عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة فجاء رجل من الانصار بكمية من خيوط شعر فقال يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي دبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما حقي منها فلك فقال الرجل أما إذا بلغ الأمر فيها فلا حاجة لي بها فرمى بها من يده وهذا السياق يقتضي أنه علي السلام رد اليهم سبيهم قبل القسمة كما ذهب اليه محمد بن اسحاق بن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره وفي صحيح البخاري من طريق الليث بن عقيل عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد اليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم معي من ترون وأحب الحديث الي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال وقد كنت أستأنيب بكم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد اليهم أموالهم إلا إحدى الطائفتين قالوا إنا نختار سبينا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فان إخوانكم هؤلاء قد جاؤا تائبين وإني قد رأيت أن أرد اليهم سبيهم فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل فقال الناس قد طيبنا ذلك يا رسول الله فقال لهم إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع الينا عرفاؤكم أمركم فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا فهذا ما بلغنا عن سبي هوازن ولم يتعرض البخاري لمنع الأقرع وعيينة وقومهما بل سكت عن ذلك والمثبت مقدم على النافي فكيف الساكت وروى البخاري من حديث الزهري اخبرني عمر بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أخبره جبير بن مطعم أنه بينما هو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الناس مقفله من حنين علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه حتى اضطروه الى شجرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا تفرد به البخاري وقال ابن اسحاق وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى علي بن ابي طالب جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان وأعطى عمر جارية فوهبها من ابنه عبد الله وقال ابن اسحاق فحدثني نافع عن عبد الله بن عمر قال بعثت بها الى اخوالي من بني جمح ليصلحوا لي منها ويهيئوها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها اذا رجعت اليها قال فجئت من المسجد حين فرغت فاذا الناس يشتدون فقلت ما شأنكم قالوا رد علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءنا وابناءنا قلت تلكم صاحبتكم في بني جمح فاذهبوا فخذوها فذهبوا اليها فاخذوها قال ابن اسحاق
واما عيينة بن حصن فاخذ عجوزا من عجائز هوازن وقال حين أخذها ارى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا وعسى أن يعظم نداؤها فلما رد رسول الله صلى الله عليه وسلم السبايا بست فرائض أبى أن يردها فقال له زهير بن صرد خذها عنك فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد ولا بطنها بوالد ولا زوجها بواجد ولا درها بماكد إنك ما أخذتها والله بيضاء غريرة ولا نصفا وثيرة فردها بست فرائض قال الواقدي ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم بالجعرانة أصاب كل رجل اربع من الابل وأربعون شاة وقال سلمة عن محمد بن اسحاق عن عبد الله بن أبي بكر أن رجلا ممن شهد حنين قال والله إني لأسير الى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة اذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوجعه فقرع قدمي بالسوط وقال أوجعتني فتأخر عني فانصرفت فلما كان الغد إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسني قال قلت هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمس قال فجئته وأنا أتوقع فقال إنك اصبت قدمي بالامس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط فدعوتك لأعوضك منها فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني والمقصود من هذا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره وظاهر سياق حديث عمرو بن شبيب الذي أورده محمد بن اسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد الى هوازن سبيهم قبل القسمة ولهذا لما رد السبي وركب علقت الاعراب برسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون له اقسم علينا فيئنا حتى اضطروه الى سمرة فخطفت رداءه فقال ردوا علي ردائي أيها الناس فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه وكأنهم خشوا أن يرد الى هوازن أموالهم كما رد اليهم نساءهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها عليه الصلاة والسلام بالجعرانة كما أمره الله عز وجل وآثر أناسا في القسمة وتألف أقواما من رؤساء القبائل وأمرائهم فعتب عليه أناس من الانصار حتى خطبهم وبين لهم وجه الحكمة فيما فعله تطييبا لقلوبهم وتنقد بعض من لا يعلم من الجهلة والخوارج كذي الخويصرة واشباهه قبحه الله كما سيأتي تفصيله وبيانه في الاحاديث الواردة في ذلك وبالله المستعان قال الامام احمد حدثنا عارم ثنا معتمر بن سليمان سمعت أبي يقول ثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال فتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم النعم قال ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد قال فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا قال فلم نلبث أن انكشف خيلنا وفرت الاعراب ومن نعلم من الناس قال فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ياللمهاجرين يا للمهاجرين يا للأنصار قال أنس هذا حديث
عمته قال قلنا لبيك يا رسول الله قال وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا الى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا الى مكة قال فنزلنا فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائتين قال فتحدث الانصار بينها أما من قاتله فيعطيه وأما من لم يقاتله فلا يعطيه فرفع الحديث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر بسراة المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه ثم قال لا يدخلن علي إلا أنصاري أو الانصار قال فدخلنا القبة حتى ملأناها قال نبي الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الانصار أو كما قال ما حديث أتاني قالوا ما أتاك يا رسول الله قال ما حديث اتاني قالوا ما أتاك يا رسول الله قال الا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله حتى تدخلوه بيوتكم قالوا رضينا يا رسول الله قال فرضوا أو كما قال وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف وإنما في كانوا اثني عشر الفا وقوله إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون العشرين ليلة فالله أعلم وقال البخاري ثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام ثنا معمر عن الزهري حدثني أنس بن مالك قال قال ناس من الانصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا المائة من الابل فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس بن مالك فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل الى الانصار فجمعهم في قبة أدم ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما حديث بلغني عنكم قال فقهاء الانصار أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما ناس منا حديثة اسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون بالنبي إلى رحالكم فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا يا رسول الله قد رضينا فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم فستجدون إثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فاني على الحوض قال أنس فلم يصبروا تفرد به البخاري من هذا الوجه ثم رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عوف عن هشام بن زيد عن جده أنس بن مالك قال لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا فقال يا معشر الانصار قالوا لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا فقالوا فدعاهم فأدخلهم في قبته فقال أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو
سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار وفي رواية للبخاري من هذا الوجه قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما التفت عن يمينه فقال يا معشر الانصار قالوا لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك ثم التفت عن يساره فقال يا معشر الأنصار فقالوا لبيك يا رسول الله ابشر نحن معك وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون وأصاب يومئذ مغانم كثيرة فقسم بين المهاجرين والطلقاء ولم يعط الانصار شيئا فقالت الانصار اذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال يا معشر الانصار ما حديث بلغني فسكتوا فقال يا معشر الانصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم قالوا بلى فقال لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار قال هشام قلت يأبا حمزة وأنت شاهد ذلك قال وأين أغيب عنه ثم رواه البخاري ومسلم أيضا من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال دجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصار فقال إن قريش حديثوا عهد بجاهلية ومصيبة وأني أردت أن أجبرهم وأتألفهم اما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله الى بيوتكم قالوا بلى قال لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت وادي الانصار أو شعب الانصار وأخرجاه أيضا من حديث شعبة عن أبي التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه وفيه فقالوا والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم فخطبهم وذكر نحو ما تقدم وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى ابا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في آخرين يوم حنين فقالت الانصار يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال فيكم أحد من غيركم قالوا لا الا ابن اختنا قال ابن اخت القوم منهم ثم قال اقلتم كذا وكذا قالوا نعم قال أنتم الشعار والناس الدثار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم الى دياركم قالوا بلى قال الانصار كرشي وعيبتي لو سلك الناس واديا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعبهم ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار وقال قال حماد أعطى مائة من الابل فسمى كل واحد من هؤلاء تفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم وقال الامام احمد حدثنا ابن ابي عدي عن حميد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم الله بي ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي الم آتكم اعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بلى يا رسول الله قال افلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك وطريدا
فأويناك ومخذولا فنصرناك قالوا بل لله المن علينا ولرسوله وهذا إسناد ثلاثي على شرط الصحيحين فهذا الحديث كالمتواتر عن أنس بن مالك وقد روي عن غيره من الصحابة قال البخاري ثنا موسى ابن اسماعيل ثنا وهيب ثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال لما افاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصيبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألفكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أمن قال لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم لولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الانصار وشعبها الأنصار شعار والناس دثار إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ورواه مسلم من حديث عمرو بن يحيى المازني به وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم ولم يكن في الانصار منها شيء قليل ولا كثير وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى قال قائلهم لقي والله رسول الله قومه فمشى سعد بن عبادة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن هذا الحي من الانصار قد وجدؤا عليك في أنفسهم فقال فيم قال فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين أنت من ذلك يا سعد قال ما أنا الا امرؤ من قومي قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة فاذا اجتمعوا فاعلمني فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة فجاء رجل من المهاجرين فأذن له فدخلوا وجاء آخرون فردهم حتى إذا لم يبق من الانصار أحد إلا اجتمع له أتاه فقال يا رسول الله قد اجتمع لك هذا الحي من الانصار حيث أمرتني أن أجمعهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فيهم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال يا معشر الأنصار الم آتكم ضلالا فهداكم الله وعالة فأغناكم الله وأعداء فألف الله بين قلوبكم قالوا بلى ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تجيبون يا معشر الانصار قالوا وما نقول يا رسول الله وبماذا نجيبك المن لله ولرسوله قال والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم جئتنا طريدا فأويناك وعائلا فآسيناك وخائفا فأمناك ومخذولا فنصرناك فقالوا المن لله ولرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجدتم في نفوسكم يا معشر الانصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما أسلموا ووكلتكم الى ما قسم الله لكم من الاسلام أفلا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس الى رحالهم بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله الى رحالكم فوالذي
نفسي بيده لو ان الناس سلكوا شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار ولولا الهجرة لكنت امرءا من الانصار اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا رضينا بالله ربا ورسوله قسما ثم انصرف وتفرقوا وهكذا رواه الامام احمد من حديث ابن اسحاق ولم يروه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه وهو صحيح وقد رواه الامام احمد عن يحيى بن بكير عن الفضل بن مرزوق عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري قال رجل من الانصار لأصحابه أما والله لقد كنت أحدثكم انه لو استقامت الامور قد آثر عليكم قال فردوا عليه ردا عنيفا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها قالوا بلى يا رسول الله قال وكنتم لا تركبون الخيل وكلما قال لهم شيئا قالوا بلى يا رسول الله ثم ذكر بقية الخطبة كما تقدم تفرد به أحمد أيضا وهكذا رواه الامام احمد منفردا به من حديث الاعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد بنحوه ورواه احمد أيضا عن موسى بن عقبة عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر مختصرا وقال سفيان بن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة من الابل وأعطى أبا سفيان بن حرب مائة وأعطى صفوان ابن أمية مائة وأعطى عيينة بن حصن مائة وأعطى الأقرع بن حابس مائة وأعطى علقمة بن علاثة مائة وأعطى مالك بن عوف مائة وأعطى العباس بن مرداس دون المائة ولم يبلغ به أولئك فانشأ يقول أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع
فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع
وقد كنت في الحرب ذا تدري * فلم أعط شيئا ولم أمنع
قال فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة رواه مسلم من حديث ابن عيينة بنحوه وهذا لفظ البيهقي وفي رواية ذكرها موسى بن عقبة وعروة بن الزبير وابن اسحاق فقال
كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الأجرع
إيقاظي الحي أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبد بين عيينة والاقرع
وقد كنت في الحرب ذا تدرىء * فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلا افايل أعطيتها * عديد قوائمها الأربع
وما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع
قال عروة وموسى بن عقبة عن الزهري فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أنت القائل أصبح نهبي ونهب العبيد بين الاقرع وعيينة فقال أبو بكر ما هكذا قال يا رسول الله ولكن والله ما كنت بشاعر وما ينبغي لك فقال كيف قال فأنشده أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هما سواء ما يضرك بأيهما بدأت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقطعوا عني لسانه فخشي بعض الناس أن يكون اراد المثلة به وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم العطية قال وعبيد فرسه وقال البخاري حدثنا محمد ابن العلاء ثنا اسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة ومعه بلال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرابي فقال الا تنجز لي ما وعدتني فقال له ابشر فقال قد أكثرت على من أبشر فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال رد البشرى فاقبلا أنتما ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه وفيه ومج فيه ثم قال اشربا منه وافرغا على وجوهكما ونحوركما وابشرا فأخذا القدح ففعلا فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما فأفضلا لها منه طائفة هكذا رواه وقال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا مالك عن اسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت الى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته قال مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت اليه فضحك ثم أمر له بعطاء وقد ذكر ابن اسحاق الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مائة من الابل وهم أبو سفيان صخر بن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن كلدة أخو بني عبد الدار وعلقمة بن علاثة والعلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة والحارث بن هشام وجبير بن مطعم ومالك بن عوف النصري وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وعيينة ابن حصن وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم من اصحابه يا رسول الله أعطيت عيينة والاقرع مائة مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذي نفس محمد بيده لجعيل خير من طلاع الارض كلها مثل عيينة والأقرع ولكن تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى اسلامه ثم ذكر ابن اسحاق من أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون المائة ممن يطول أذكره وفي الحديث الصحيح عن صفوان بن أمية أنه قال ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إلي حتى ما خلق الله شيئا أحب الي منه
*2* قدوم مالك بن عوف النصري على الرسول
@
قال ابن اسحاق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل فقالوا هو بالطائف مع ثقيف فقال اخبروه إنه إن اتاني مسلما رددت اليه أهله وماله وأعطيته مائة من الابل فلما بلغ ذلك مالكا انسل من ثقيف حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة أو بمكة فأسلم وحسن إسلامه فرد عليه أهله وماله ولما أعطاه مائة فقال مالك بن عوف رضي الله عنه
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد
اوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد
وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهري وضرب كل مهند
فكأنه ليث على اشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد
قال واستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه وتلك القبائل ثمالة وسلمة وفهم فكان يقاتل بهم ثقيفا لا يخرج لهم سرج إلا أغار عليه حتى ضيق عليهم وقال البخاري ثنا موسى بن اسماعيل ثنا جرير بن حازم ثنا الحسن حدثني عمرو بن تغلب قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال إني أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب قال عمرو فما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمر النعم زاد أبو عاصم عن جرير سمعت الحسن ثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمال أو سبي فقسمه بهذا وفي رواية للبخاري قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال أو بشيء فاعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فخطبهم فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد فذكر مثله سواء تفرد به البخاري وقد ذكر ابن هشام أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال فيما كان من أمر الانصار وتأخرهم عن الغنيمة
ذر الهموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر
وجدا بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا ذنن فيها ولا خور
دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر
وائت الرسول وقل يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذ ما عدد البشر
علام تدعي سليم وهي نازحة * قدام قوم هموا آووا وهم نصروا
سماهم الله انصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر
وسارعوا في سبيل الله واعترضوا * للنائبات وما خانوا وما ضجروا
والناس إلب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف وأطراف القناوزر
بجالد الناس لا نبقي على أحد * ولا نضيع ما توحي به السور
ولا تهر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر
كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينزل الظفر
ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حزبت بطرا أحزابها مضر
فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا
*2* اعتراض بعض أهل الشقاق على الرسول
@
قال البخاري ثنا قبيصة ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال لما قسم النبي
قسمة حنين قال رجل من الأنصار ما أراد بها وجه الله قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتغير وجهه ثم قال رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ورواه مسلم من حديث الأعمش به ثم قال البخاري ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم ناسا أعطى الأقرع بن حابس مائة من الابل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى ناسا فقال رجل ما أريد بهذه القسمة وجه الله فقلت لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وهكذا رواه من حديث منصور عن المعتمر به وفي رواية للبخاري فقال رجل والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فأتيته فأخبرته فقال من يعدل اذا لم يعدل اله ورسوله رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر وقال محمد بن اسحاق وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال خرجت انا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو ابن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعلد بيده فقلنا له هل حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين قال نعم جاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة فوقف عليه وهو يعطي الناس فقال له يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل فكيف رأيت قال لم أرك عدلت قال فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ويحك اذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون فقال عمر بن الخطاب ألا نقتله فقال دعوه فانه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يوجد شيء ثم في القدح فلا يوجد شيء ثم في الفوق فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم وقال الليث بن سعد عن يحيى
ابن سعيد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال أتى رجل بالجعرانة النبي صلى الله عليه وسلم منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها ويعطي الناس فقال يا محمد اعدل قال ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أكن أعدل فقال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ورواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث وقال احمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن عمرو بن دينار عن جابر قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم مغانم حنين أذ قام اليه رجل فقال اعدل فقال لقد شقيت اذ لم أعدل ورواه البخاري عن مسلم بن ابراهيم عن قرة بن خالد السدوسي به وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلك ومن يعدل إن لم أعدل لقد خبت وخسرت إذا لم أعدل فمن يعدل فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله أيذن لي فيه فاضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الاسلام كمايمرق السهم من الرمية ينظر الى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم الى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى نصبه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر الى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى غضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم واشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه وأمر بذلك الرجل فالتمس فاتى به حين نظرت اليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت ورواه مسلم أيضا من حديث القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد به نحوه
*2* مجيء اخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة عليه بالجعرانة
@
قال ابن اسحاق وحدثني بعض بني سعد بن بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم هوازن إن قدرتم على نجاد رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتنكم وكان قد أحدث حدثا فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة قال فعنفوا عليها في السوق فقالت للمسلمين تعلمون والله إني لأخت صاحبكم من الرضاعة فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق فحدثني يزيد بن عبيد السعدي هو أبو وجزة قال فلما انتهى بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله إني أختك من الرضاعة قال وما علامة ذلك قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك قال فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها وقال إن أحببت فعندي محببة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي الى قومك فعلت قالت بل تمتعني وتردني الى قومي فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها الى قومها فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما يقال له مكحول وجارية فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية وروى البيهقي من حديث الحكم بن عبد الملك عن قتادة قال لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله أنا أختك أنا شيماء بنت الحارث فقال لها إن تكوني صادقة فان بك مني اثر لا يبلى قال فكشفت عن عضدها فقالت نعم يا رسول الله وأنت صغير وعضضتني هذه العضة قال فبسط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم رداءه ثم قال سلى تعطي واشفعي تشفعي وقال البيهقي انبأ أبو نصر بن قتادة انبأ عمرو بن اسماعيل ابن عبد السلمي ثنا مسلم ثنا أبو عاصم ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال كنت غلاما أحمل عضو البعير ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم نعما بالجعرانة قال فجاءته امرأة فبسط لها رداءه فقلت من هذه قالوا أمه التي أرضعته هذا حديث غريب ولعله يريد أخته وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا فان من وقت أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الى وقت الجعرانة أزيد من ستين سنة وأقل ما كان عمرها حين أرضعته صلى الله عليه وسلم ثلاثين سنة ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته قال أبو داود في المراسيل ثنا أحمد بن سعيد الهمداني ثنا ابن وهب ثنا عمرو بن الحارث أن عمر بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فجاءه أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ثم جاءه أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه وقد تقدم أن هوازن بكمالها متوالية برضاعته من بني سعد بن بكر وهم شرذمة من هوازن فقال خطيبهم زهير بن صرد يا رسول الله إنما في الحظائر أمهاتك وخالاتك وحواضنك فامنن علينا من الله عليك وقال فيما قال
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * إذ فوك يملؤه من محضها درر
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها * وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
فكان هذا سبب إعتاقهم عن بكرة أبيهم فعادت فواضله عليه السلام عليهم قديما وحديثا خصوصا وعموما وقد ذكر الواقدي عن ابراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال كان النضير بن الحارث ابن كلدة من أجمل الناس فكان يقول الحمد لله الذي من علينا بالاسلام ومن علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم نمت على ما مات عليه الآباء وقتل عليه الاخوة وبنو العم ثم ذكر عداوته للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه
خرج مع قومه من قريش الى حنين وهم على دينهم بعد قال ونحن نريد إن كانت دائرة على محمد أن نغير عليه فلم يمكنا ذلك فلما صار بالجعرانة فوالله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنضير قلت لبيك قال هل لك الى خير مما أردت يوم حنين مما حال الله بينك وبينه قال فأقبلت اليه سريعا فقال قد آن لك أن تبصر ما كنت فيه توضع قلت قد أدري أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى شيئا وإني اشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم زده ثباتا قال النضير فوالذي بعثه بالحق لكأن قلبي حجر ثباتا في الدين وتبصره بالحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي هداه
*2* عمرة الجعرانة في ذي القعدة
@
قال الامام احمد ثنا بهز وعبد الصمد المعنى قالا ثنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال سألت أنس بن مالك قلت كم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حجة واحدة واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته ورواه البخاري ومسلم وابو داود والترمذي من طرق عن همام بن يحيى به وقال الترمذي حسن صحيح وقال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا داود يعني العطاء عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث داود ابن عبد الرحمن العطاء المكي عن عمرو بن دينار به وحسنه والترمذي وقال الامام احمد ثنا يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة ثنا حجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستل الحجر غريب من هذا الوجه وهذه الثلاث عمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فانها وقعت في ذي الحجة مع الحجة وان أراد ابتداء الاحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية لانه صد عنها ولم يفعلها والله أعلم
قلت وقد كان نافع ومولاه ابن عمر ينكران أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية فأمره أن يفي به قال وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين فوضعهما في بعض بيوت مكة قال فمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبي حنين فجعلوا يسعون في السكك فقال عمر يا عبد الله انظر ما هذا قال من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي قال اذهب فارسل الجاريتين قال نافع ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على
عبد الله وقد رواه مسلم من حديث أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر به ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن عبدة الصبي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال لم يعتمر منها وهذا غريب جدا عن ابن عمرو عن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم وهذا أيضا كما ثبت في الصحيحين من حديث عطاء بن أبي رباح عن عروة عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وقالت يغفر الله لابي عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الا وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط وقال الامام احمد ثنا نمير ثنا الاعمش عن مجاهد قال سال عروة بن الزبير ابن عمر في أي شهر اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في رجب فسمعتنا عائشة فسألها ابن الزبير وأخبرها بقول ابن عمر فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة إلا وقد شهدها وما اعتمر قط الا في ذي القعدة واخرجه البخاري ومسلم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد به نحوه ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث زهير عن أبي اسحاق عن مجاهد سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرتين فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع قال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا مفضل عن منضور عن مجاهد قال دخلت مع عروة بن الزبير المسجد فاذا ابن عمر مستند إلى حجرة عائشة وأناس يصلون الضحى فقال عروة أبا عبد الرحمن ما هذه الصلاة قال بدعة فقال له عروة ابا عبد الرحمن كم اعتمر رسول الله فقال أربعا إحداهن في رجب قال وسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال لها عروة إن أبا عبد الرحمن يزعم أن رسول الله اعتمر أربعا إحداهن في رجب فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم الا وهو معه وما اعتمر في رجب قط وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن الحسن بن موسى عن شيبان عن منصور وقال حسن صحيح غريب وقال الامام احمد ثنا روح ثنا ابن جريج أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن مخرش الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا حين أمسى معتمرا فدخل مكة ليلا يقضي عمرته ثم خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت حتى اذا زالت الشمس خرج من الجعرانة في بطن سرف حتى جاء مع الطريق طريق المدينة بسرة قال مخرش فلذلك خفيت عمرته على كثير من الناس ورواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج كذلك وهو من افراده والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل والصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من اثبتها والله أعلم ثم هم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه
الكبير قائلا حدثنا الحسن بن اسحاق التستري ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن الحسن الاسدي ثنا ابراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن عمير مولى عبد الله بن عباس عن ابن عباس قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف نزل بالجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر والله أعلم وقال البخاري ثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا اسماعيل ثنا ابن جريج أخبرني عطاء أبن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره أن يعلى كان يقول ليتني أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به معه فيه ناس من أصحابه إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب قال فأشار عمر بن الخطاب الى يعلى بيده أن تعال فجاء يعلى فادخل رأسه فاذا النبي صلى الله عليه وسلم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال أين الذي يسألني عن العمرة آنفا فالتمس الرجل فأتى به قال أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه من وجه آخر عن عطاء كلاهما عن صفوان بن يعلى بن أمية به وقال الامام احمد ثنا أبو اسامة أنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من كداء من أعلى مكة ودخل في العمرة من كدى وقال أبو داود ثنا موسى أبو سلمة ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى تفرد به أبو داود ورواه أيضا وابن ماجه من حديث ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس مختصرا وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج حدثني الحسن بن مسلم عن طاوس أن ابن عباس أخبره أن معاوية أخبره قال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص أو قال رأيته يقصر عنه بمشقص عند المروة وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج به ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان بنيينة عن هشام ابن حجير عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية به ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه به وقال عبد الله بن الامام أحمد حدثني عمرو بن محمد الناقد ثنا ابو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن ابيه عن ابن عباس عن معاوية قال قصرت عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المروة والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل إلى مكة فيها بل صد عنها كما تقدم بيانه وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بل خرجوا منها وتغيبوا عنها مدة مقامه عليه السلام بها تلك الثلاثة الأيام وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنهما من رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم
عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا والله تعالى أعلم وقال محمد بن اسحاق رحمه الله ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة معتمرا وأمر ببقاء الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران
قلت الظاهر أنه عليه السلام انما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة قال ابن اسحاق فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا الى المدينة واستخلف عتاب بن أسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس في الدين ويعلمهم القرآن وذكر عروة وموسى بن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف معاذا مع عتاب بمكة قبل خروجه الى هوازن ثم خلفهما بها حين رجع الى المدينة وقال ابن هشام وبلغني عن زيد بن اسلم أنه قال لما استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهما فقام فخطب الناس فقال أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله صلى الله عليه وسلم درهما كل يوم فليست لي حاجة الى أحد قال ابن اسحاق وكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة وقدم المدينة في بقية ذي القعدة أو في أول ذي الحجة قال ابن هشام قدمها لست بقين من ذي القعدة فيما قال أبو عمرو المديني قال ابن اسحاق وحج الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحج عليه وحج بالمسلمين تلك السنة عتاب بن أسيد وهي سنة ثمان قال وأقام أهل الطائف على شركهم وامتناعهم في طائفهم ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسع
إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى وذكر قصيدته بانت سعاد
@
قال ابن اسحاق ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من منصرفه عن الطائف كتب بجبير بن زهير بن أبي سلمى الى أخيه لابويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعري وهبيرة بن أبي وهب هربوا في كل وجه فان كانت لك في نفسك حاجة فطر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج الى نجائك من الارض وكان كعب قد قال
ألا بلغا عني بجيرا رسالة * فويحك فيما قلت ويحك هل لكا
فبين لنا إن كنت لست بفاعل * على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم ألف يوما ابا له * عليه وما تلقى عليه أبا لكا
فان أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعالكا
سقاك بها المأمون كأسا روية * فأنهلك المأمون منها وعلكا
قال ابن هشام وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر * من مبلع عني بجيرا رسالة
فهل لك فيما قلت بالخيف هل لكا
شربت مع المأمون كأسا روية * فأنهلك فأنهلك المأمون منها وعلكا
وخالفت اسباب الهدى واتبعته * على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا أبا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بآسف * ولا قائل إما عثرت لعا لكا
قال ابن اسحاق وبعث بها الى بجير فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشده إياها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع سقاك بها المأمون صدق وإنه لكذوب أنا المأمون ولما سمع على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه قال أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه قال ثم كتب بجير إلى كعب يقول له
من مبلغ كعبا فهل لك في التي * تلوم عليها باطلا وهي أحزم
إلى الله لا العزى ولا اللات وحده * فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو وليس بمفلت * من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير وهو لا شيء دينه * ودين أبي سلمى علي محرم
قال فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوه ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اشار له الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا رسول الله فقم اليه فاستأمنه فذكر لي أنه قام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس اليه ووضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فقال إذا أنا يا رسول الله كعب بن زهير قال ابن اسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الانصار فقال يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعه عنك فانه جاء تائبا نازعا قال فغضب كعب بن زهير على هذا الحي من الانصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة * لا يشتكي قصر منها ولا طول
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت * كأنه منهل بالراح معلول
شجت بذي شيم من ماء مجنبة * صاف بأبطح اضحى وهو مشمول
تنفي الرياح الفدى عنه وأمرعه * من صوب غادية بيض يعاليل
فيالها خلة لو أنها صدقت * بوعدها أو لو آن النصح مقبول
لكنها خلة قد سيط من دمها * فجع وولع وإحلاف وتبديل
فما تدوم على حال تكون بها * كما تلون في أثوابها الغول
وما تمسك بالعهد الذي زعمت * إلا كما يمسك الماء الغرابيل
فلا يغرنك ما منت وما وعدت * إن الأماني الأحلام تضليل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا * وما مواعيدها إلا الأباطيل
أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما لهن إخان الدهر تعجيل
أمست سعاد عرضتها بارض لا تبلغها * الا العتاق النجيبات المراسيل
ولن يبلغها إلا عذافرة * فيها على الأبن إرقال وتبغيل
من كل نضاحة الذفري اذا عرقت * عرضتها طامس الاعلام مجهول
ترمي الغيوب بعيني مفرد لهق * اذا توقدت الحزان والميل
ضخم مقلدها فعم مقيدها * في خلقها عن بنات الفحل تفضيل
حرف أخوها ابوها من مهجنة * وعمها خالها قوداء شمليل
يمشى القراد عليها ثم يزلقه * منها لبان وأقراب زهاليل
عيرانة قذفت بالنحص عن عرض * مرفقها عن بنات الزور مفتول
قنواء في حربتيها للبصير بها * عتق مبين وفي الخدين تسهيل
كأنما فات عينيها ومذبحها * من خطمها ومن اللحيين برطيل
تمر مثل عسيب النخل ذا خصل * في غادر لم تخونه الأحاليل
تهوي على يسرات وهي لاهية * ذوابل وقعهن الارض تحليل
يوما تظل به الحرباء مصطخدا * كأن ضاحية بالشمس محلول
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت * ورق الجنادب يركضن الحصا قيلوا
أوب بذي فاقد سمطا معوله * قامت فجاء بها نكر مثاكيل
نواحة رخوة الضبعين ليس لها * لما نعى بكرها الناعون معقول
تفري اللبان بكفيها ومدرعها * مشقق عن ثراقيها رعابيل
تسعى الغواة جنابيها وقولهم * إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال كل صديق كنت آمله * لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت خلوا سبيلي لا أبالكم * فكل ما قدر الرحمن مفعول
كل ابن انثى وإن طالت سلامته * يوما على آلة حدباء محمول
نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني باقوال الوشاة ولم * اذنب ولو كثرت في الاقاويل
لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى واسمع ما قد يسمع الفيل
لظل يرعد من وجد موارده * من الرسول بإذن الله تنزيل
حتى وضعت يميني ما أنازعها * في كف ذي نقمات قوله القيل
فلهو أخو عندي إذ أكلمه * وقيل إنك منسوب ومسئول
من ضيغم بضراء الأرض مخدرة * في بطن عثر غيل ذرنه غيل
يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما * لحم من الناس معفور خراديل
إذا يساور قرنا لا يحل له * أن يترك القرن الا وهو مغلول
منه تظل حمير الوحش نافرة * ولا تمشي بواديه الأراجيل
ولا يزال بواديه أخو ثقة * مضرج البر والدرسان مأكول
إن الرسول لنور يشتطاء به * مهند من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم * ببطن نمكة لما اسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كشف * عند اللقاء ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم * ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين أبطال لبوسهم * من نسج داود في الهيجا سرابيل
بيض سوابغ قد شكت لها حلق * كأنها حلق القفعاء مجدول
ليسوا معاريج إن نالت رماحهم * قوما وليسوا مجازيعا اذا نيلوا
لا يقع الطعن الا في نحورهم * ولا لهم عن حياض الموت تهليل
قال ابن هشام هكذا اورد محمد بن اسحاق هذه القصيدة ولم يذكر لها إسنادا وقد رواها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة باسناد متصل فقال انا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن ابن أحمد الاسدي بهذان ثنا ابراهيم بن الحسين ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا الحجاج بن ذي الرقيبة ابن عبد الرحمن بن كعب بن زهير بن أبي سلمى عن أبيه عن جده قال خرج كعب وبجير ابنا زهير حتى أتيا أبرق العزاف فقال بجير لكعب اثبت في هذا المكان حتى آتي هذا الرجل يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسمع ما يقول فثبت كعب وخرج بجير فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليه الاسلام فاسلم فبلغ ذلك كعبا فقال
ألا أبلغا عني بجيرا رسالة * على أي شيء ويب غيرك دلكا
على خلق لم تلف أما ولا ابا * عليه ولم تدرك عليه أخا لكا
سقاك أبو بكر بكأس روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما بلغت الأبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدر دمه وقال من لقي كعبا فليقتله فكتب بذلك بجيرا الى أخيه وذكر له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهدر دمه ويقول له النجاء وما أراك تنفلت ثم كتب اليه بعد ذلك إعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد يشهد أن لا اله الا الله وان محمد رسول الله الا قبل ذلك منه وأسقط ما كان قبل ذلك فاذا جاءك كتابي هذا فاسلم وأقبل قال فاسلم كعب وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كالمائدة بين القوم متحلقون معه حلقة خلف حلقة يلتفت إلى هؤلاء مرة فيحدثهم وإلى هؤلاء مرة فيحدثهم قال كعب فأنخت راحلتي بباب المسجد فعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفة حتى جلست اليه فاسلمت وقلت اشهد ان لا اله الا الله وأنك محمد رسول الله الأمان يا رسول الله قال ومن أنت قال كعب بن زهير قال الذي يقول ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف قال يا ابا بكر فانشده أبو بكر
سقاك بها المأمون كأسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا
قال يا رسول الله ما قلت هكذا قال فكيف قلت قال قلت
سقاك بها المأمون كاسا روية * وأنهلك المأمون منها وعلكا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمون والله ثم أنشده القصيدة كلها حتى أتى على آخرها وهي هذه القصيدة
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم عندها لم يغد مكبول
وقد تقدم ما ذكرناه من الرمز لما اختلف فيه إنشاد ابن اسحاق والبيهقي رحمهما الله عز وجل
وذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن كعبا لما انتهى إلى قوله
إن الرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول
نبئت أن رسول الله أوعدني * والعفو عند رسول الله مأمول
قال فاشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من معه أن اسمعوا وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في مغازيه ولله الحمد والمنة
قلت ورد في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه بردته حين أنشده القصيدة وقد نظر ذلك الصرصري في بعض مدائحه وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة قال وهي البردة التي عند الخلفاء
قلت وهذا من الامور المشهورة جدا ولكن لم ار ذلك في شيء من هذه الكتب المشهورة باسناد أرتضيه فالله أعلم وقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له لما قال بانت سعاد ومن سعاد قال زوجتي يا رسول الله قال لم تبن ولكن لم يصح ذلك وكأنه على ذلك توهم أن بإسلامه تبين امرأته والظاهر أنه إنما أراد البينونة الحسية لا الحكمية والله تعالى أعلم قال ابن اسحاق وقال عاصم بن عمر بن قتادة فلما قال كعب يعني في قصيدته اذا عرد السود التنابيل وانما يريد معشر الانصار لما كان صاحبنا صنع به وخص المهاجرين من قريش بمدحته غضبت عليه الانصار فقال بعد أن أعلم يمدح الانصار ويذكر بلاءهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وموضعهم من اليمن
من سره كرم الحياة فلا يزل * في مقنب من صالحي الانصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر * إن الخيار هموا بنوا الاخيار
المكرهين السمهري بأذرع * كسوالف الهندي غير قصار
والناظرين بأعين محمرة * كالجمر غير كليلة الأبصار
والبائعين نفوسهم لنبيهم * للموت يوم تعانق وكرار
والقائدين الناس عن أديانهم * بالمشرفي وبالقنال الخطار
يتطهرون يرونه نسكا لهم * بدماء من علقوا من الكفار
دربوا كما دربت بطون خيفة * غلب الرقاب من الأسود ضواري
واذا حللت اينعوك اليهم * أصبحت عند معاقل الاغفار
ضربوا عليا يوم بدر ضربة * دانت لوقعتها جميع نزار
لو يعلم الاقوام علمي كله * فيهم لصدقني الذين أماري
قوم إذا خوت النجوم فإنهم * للطارقين النازلين مقاري
قال ابن هشام ويقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده بانت سعاد لولا ذكرت الانصار بخير فانهم لذلك أهل فقال كعب هذه الابيات وهي في قصيدة له قال وبلغني عن علي بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد بانت سعاد فقلبي اليوم متبول وقد رواه الحاقظ البيهقي باسناده المتقدم إلى ابراهيم بن المنذر الحزامي حدثني معن بن عيسى حدثني محمد بن عبد الرحمن الافطس عن ابن جدعان فذكره وهو مرسل وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب بعد ما أورد طرفا من ترجمة كعب بن زهير إلى أن قال وقد كان كعب بن زهير شاعرا مجودا كثير الشعر مقدما في طبقته هو وأخو بجير وكعب أشعرهما وأبوهما زهير فوقهما ومما يستجاد من شعر كعب بن زهير قوله
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني * سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها * فالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش ممدود له أمل * لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
ثم أورد له ابن عبد البر أشعارا كثيرة يطول ذكرها ولم يؤرخ وفاته وكذا لم يؤرخها أبو الحسن بن الاثير في كتاب الغابة في معرفة الصحابة ولكن حكى أن أباه توفي قبل المبعث بسنة فالله أعلم وقال السهيلي ومما أجاد فيه كعب بن زهير قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم
تجري به الناقة الأدماء معتجرا * بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم
ففي عطافيه أو أثناء بردته * ما يعلم الله من دين ومن كرم
*2* الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات
@
فكان في جمادى منها وقعة مؤتة وفي رمضان غزوة فتح مكة وبعدها في شوال غزوة هوازن بحنين وبعده كان حصار الطائف ثم كانت عمرة الجعرانة في ذي القعدة ثم عاد إلى المدينة في بقية السنة قال الواقدي رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة لليالي بقين من ذي الحجة في سفرته هذه قال الواقدي وفي هذه السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص الى جيفر وعمرو ابني الجلندي من الأزد وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب قال وفيها تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت الضحاك بن سفيان الكلابي في ذي القعدة فاستعاذت منه عليه السلام ففارقها وقيل بل خيرها فاختارت الدنيا ففارقها قال وفي ذي الحجة منها ولد ابراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية فاشتدت غيره أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولدا ذكرا وكانت قابلتها فيه سلمى
مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت الى أبي رافع فاخبرته فذهب فبشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعطاه مملوكا ودفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أم برة بنت المنذر بن اسيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وزوجها البراء بن أوس بن خالد بن الجعد بن عوف بن مبذول وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع وقد قدمنا هدم خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف وذلك لخمس بقين من رمضان منها قال الواقدي وفيها كان هدم سواع الذي كانت تعبده هذيل برهاط هدمه عمرو بن العاص رضي الله عنه ولم يجد في خزانته شيئا وفيها هدم مناة بالمشلل وكانت الانصار أوسها وخزرجها يعظمونه هدمه سعد بن زيد الاشهلي رضي الله عنه وقد ذكرنا من هذا فصلا مفيدا مبسوطا في تفسير سورة النجم عند قوله تعالى أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى
قلت وقد ذكر البخاري بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبوه ويسمونه الكعبةاليمانية مضاهية للكعبة التي بمكة ويسمون التي بمكة الكعبة الشامية ولتلك الكعبة اليمانية فقال البخاري ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو اسامة عن اسماعيل بن ابي خالد عن قيس عن جرير قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تريحني من ذي الخلصة فقلت بلى فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا اصحاب خيل وكنت لا أثبت على الخيل فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضرب يده في صدري حتى رأيت اثر يده في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا قال فما وقعت عن فرس بعد قال وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة اليمانية قال فأتاها فحرقها في النار وكسرنها قال فلما قدم جرير اليمن كان بها رجل يستقسم بالازلام فقيل له إن رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ها هنا فان قدر عليك ضرب عنقك قال فبينما هو يضرب بها اذ وقف عليه جرير فقال لتكسرنها وتشهد أن لا اله الا الله أو لأضربن عنقك فكسرها وشهد ثم بعث جرير رجلا من أحمس يكنى أرطأة الى النبي صلى الله عليه وسلم يبشره بذلك قال فلما اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب قال فبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات ورواه مسلم من طرق متعددة عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي بنحوه تم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الجزء الرابع من تاريخ البداية والنهاية لابن كثير ويتلوه الجزء الخامس وأوله ذكر غزوة تبوك في رجب منها.


يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:20 AM
* الجزء الخامس
*2* سنة تسع من الهجرةذ كر غزوة تبوك في رجب منها
@ قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره قالت قريش لينقطعن عنا المتاجر والاسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها فعوضهم الله عن ذلك الأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
قلت فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم لأنهم اقرب الناس اليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله وقد قال الله تعالى يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال جلى للناس أمرها ودعى من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه فاوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب
الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال فقال تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون ثم الآيات بعدها ثم قال تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم
قال ابن اسحاق ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب يعني من سنة تسع ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم ابن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث مالم يحدث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فانه بينها للناس لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بني الاصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا اصبر فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففي الجد أنزل الله هذه الآية ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فانزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون
قال ابن هشام حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن اسحاق بن ابراهيم بن عبد الله ابن حارثة عن أبيه عن جده قال بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي وكان بيته عند جاسوم يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك
ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك
كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلي كسيرا ومرفق
سلام عليكم لا أعود لمثلها * اخاف ومن تشمل به النار يخرق
قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وانفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها قال ابن هشام فحدثني من أثق به أن عثمان انفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أرض عثمان فاني عنه راض وقد قال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان إلى النبي الف دينار في ثوبه حين جهز النبي ص جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ورواه الترمذي عن محمد بن اسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة بع وقال حسن غريب وقاله عبد الله بن احمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان ابن عفان علي مائة بعير باحلاسها وأقتابها قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ما على عثمان ما عمل بعد هذا وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به وقال ثلاث مرات أنه التزم بثلاثمائة بعير باحلاسها وأقتابها قال عبد الرحمن فانا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر ما ضر عثمان بعدها أو قال بعد اليوم وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الاحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن ابي وقاص وعلي والزبير وطلحة أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جهز جيش العسرة غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا قالوا اللهم نعم ورواه النسائي من حديث حصين به
*2* فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم
@
قال الله تعالى وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا باموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم فيها شك اغبياء رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه قال ابن اسحاق وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله ابن المغفل المزني وبعض الناس يقولون بل هو عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري قال ابن اسحاق فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فاعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد يونس بن بكير عن ابن اسحاق وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندى ما أتقوى به ولم تجعل به ولم تجعل في يد رسولك ما ي يحملنى عليه وإنى أتصدق على كل مسلم فيه بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم أحد ثم قال أين المتصدق فليقم فقام اليه فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة وقد أورد الحافظ
البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم فقال والله لا أحملكم على شيء ووافقته وهو غضبان ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم البث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس فاجبته فقال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خذ هذين القربتين وهذين القربتين وهذين القربتين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لي في أول مرة ثم اعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب أبل فامر لنا بست ذودعر الذرى فاخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا فرجعنا له فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ثم قال وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها
قال ابن اسحاق وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف وكانوا نفر صدق لا يتهمون في اسلامهم
قلت أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى الذين أنزل الله فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه وأما أبو خيثمة فانه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي
*2* فصل ( تخلف عبد الله بن أبي وأهل الريب عام تبوك ) .
@ قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه وما كان فيما يزعمون باقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب قال ابن هشام واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال وذكر الدراوردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة قال ابن اسحاق وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم فارجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استقلالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فاخبره بما قالوا فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره ثم قال ابن اسحاق حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي واخرجاه من طرق عن شعبة نحوه وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة وقال الامام احمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن اسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن اسماعيل به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه
قال ابن اسحاق ثم إن ابا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم اياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف
والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وكان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أولى لك يا أبا خيثمة ثم اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال خيرا ودعا له بخير وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن اسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك
لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب إنما لم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال لما سار رسول الله إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك به غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وابطأ به بعيره فقال دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه فتلوم أبو ذر بعيره فلما ابطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن ابا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده قال فضرب ضربه وسير أبو ذر الى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فاول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فاذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا فقيل جنازة أبي
ذر فاستهل ابن مسعود يبكي وقال صدق رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فاصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر قال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خبرا فادع الله لنا فقال أو تحب ذلك قال نعم قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر واسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه وقد ذكر ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء فقال سحابة مارة وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري وكان عنده إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك لزيد بن اللصيت وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني فقال بعض الناس إن زيدا تاب وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك
قال الحافظ البيهقي وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الاعمش وقد رواه الامام احمد عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي
سعيد الخدري شك الاعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو اذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة فقال رسول الله نعم فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف من التمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم خذوا في أوعيتكم فاخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوها واكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها غير شاك فيحجب عن الجنة ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الاعمش به ورواه الامام أحمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان غزوة غزاها
قال ابن اسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلقوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا هكذا ذكره ابن اسحاق بغير اسناد وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم وتقنع بردائه وهو على الرحل ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر هو ابن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا فقال إني اخشى أن يصيبكم مثل ما اصابهم فلا
تدخلوا عليهم وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض عن أبي ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله ورواه مسلم من حديث شعيب بن اسحاق عن عبيد الله عن نافع به وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله قيل من هو يا رسول الله قال هو ابو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه اسناده صحيح ولم يخرجوه وقال الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن اسماعيل بن واسط عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل نعجب منهم قال أفلا أنبئكم باعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فان الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا اسناده حسن ولم يخرجوه وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عبد الله ابن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي او عن العباس بن سعد الشك مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس لا تشبوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فاما الذي ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى القته بجبل طيء فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ألم انهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ثم دعا للذي اصيب على مذهبه فشفي وأما الآخر فانه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وفي رواية زياد عن ابن اسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة
قال ابن اسحاق وقد حدثني عبد الله بن ابي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو
ابن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك حتى جئنا وادي القرى فاذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه أخرصوا فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة احصي ما يخرج منها حتى أرجع اليك إن شاء الله قال فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل فمن كان له بعير فليوثق عقاله قال أبو حميد فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام رجل فالقته في جبل طيء ثم جاء رسول الله ملك إيلة فاهدى لرسول الله بغلة بيضاء وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم ثم أقبل واقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة كم جاءت حديقتك قالت عشرة أوسق خرص رسول الله فقال رسول الله إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال هذه طابه فلما رأى أحدا قال هذا أحد يحبنا ونحبه ألا أخبركم بخير دور الأنصار قلنا بلى يا رسول الله قال خير دور النصار بنو النجار ثم دار بني عبد الاشهل ثم دار بني ساعدة ثم في كل دور الانصار خير وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه وقال الامام مالك رحمه الله عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آنى قال فجئناها وقد سبق اليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا أخرجه مسلم من حديث مالك به
ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم الى تبوك إلى نخلة هناك
روى الامام احمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد
ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا مصعب بن عبد الله عن منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي سمعت عقبة بن عامر الجهني خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك قال فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فاصبح بتبوك فحمد الله وأثنى عليه بما هو اهله ثم قال أيها الناس أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة ابراهيم وخير السنن سنة محمد واشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص هذا القرآن وخير الامور عوازمها وشر الامور محدثاتها وأحسن الهدي هدي الانبياء واشرف الموت قتل الشهداء وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى وخير الاعمال ما نفع وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل وخير ما وقر في القلوب اليقين والارتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية والغلول من حثاء جهنم والشعر من ابليس والخمر جماع الاثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل أكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة اذرع والأمر الى الآخرة وملاك العمل خواتمه وشر الروايا روايا الكذب وكل ما هو آت قريب وسباب المؤمن فسوق وقتال المؤمن كفر وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يتألى على الله يكذبه ومن يستغفره يغفر له ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يبتغي السمعة يسمع الله به
ومن يصبر يضعف الله له ومن يعص الله يعذبه الله اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي قالها ثلاثا ثم قال أستغفر الله لي ولكم وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب وقال أبو داود ثنا احمد بن سعيد الهمداني وسليمان ابن داود قالا أخبرنا ابن وهب أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن ابيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فاذا رجل مقعد فسألته عن أمره فقال سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال هذه قبلتنا ثم صلى اليها قال فاقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره قال فما قمت عليها إلى يومي هذا ثم رواه ابو داود من حديث سعيد عن عبد العزيز التنوخي عن مولى ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران قال رأيت بتبوك مقعدا فقال مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال اللهم اقطع اثره فما مشيت عليها بعد وفي رواية قطع صلاتنا قطع الله أثره

الصلاة على معاوية بن أبي معاوية
روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال سمعت أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى فأتى جبريل رسول الله فقال يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى قال ذلك أن معاوية بن ابي معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله اليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال ومم ذاك قال بكثرة قراءته قل هو الله أحد بالليل والنهار وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه قال نعم قال فصلى عليه ثم رجع وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة والناس يسندون أمرها إلى العلاء ابن زيد هذا وقد تكلموا فيه ثم قال البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا احمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن انس قال جاء جبريل فقال يا محمد مات معاوية بن أبي معاوية المزني أفتحب أن تصلي عليه قال نعم فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك قال قلت يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله قال بحبه قل هو الله أحد يقرؤها قائما وقاعدا وذاهبا وجائيا وعلى كل حال قال عثمان
فسألت أبي أين كان النبي صلى الله عليه وسلم قال بغزوة تبوك بالشام ومات معاوية بالمدينة ورفع له سريره حتى نظر اليه وصلى عليه وهذا أيضا منكر من هذا الوجه
قدوم رسول قيصر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك
قال الامام احمد حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبي راشد قال لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل قال بلى قدم رسول الله تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال يدعوني أن أتبعه على دينه أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا أو نلقي اليه الحرب والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب لتأخذن فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالنا على أرضنا فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من براسنهم وقالوا تدعونا إلى نذر أن النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقأهم ولم يكد وقال إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان ابعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه فجاء بى فدفع الى هرقل كتابا فقال غذهب بكتابى غلى هذا الرجل فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال انظر هل يذكر صحيفته الي التي كتب بشيء وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل وانظر في ظهره هل به شيء يربيك قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فاذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء فقلت أين صاحبكم قيل ها هو ذا فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال ممن أنت فقلت أنا أخو تنوخ قال هل لك الى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم ابراهيم قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى ارجع اليهم فضحك وقال انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين يا أخو تنوخ إني كتبت بكتاب الى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت الى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه
وكتبت الى صاحبك بصحيفة فامسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير قلت هذه احدى الثلاث التي اوصاني بها صاحبي فاخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم قالوا معاوية فاذا في كتاب صاحبي تدعوني الى جنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين فأين النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار قال فاخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي فلما ان فرغ من قراءة كتابي قال إن لك حقا وانك لرسول فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها إنا سفر مرملون قال فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا اجوزه ففتح رحله فاذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري قلت من صاحب الجائزة قيل لي عثمان ثم قال رسول الله أيكم ينزل هذا الرجل فقال فتى من الانصار أنا فقام الانصاري وقمت معه حتى اذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال تعال يا أخا تنوخ فاقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه فحل حبوته عن ظهره وقال ها هنا امض لما أمرت به فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحمحمه الضخمة هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الامام احمد
مصالحته عليه السلام ملك أيلة واهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك
قال ابن اسحاق ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم وكتب ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر زاد يونس بن بكير عن ابن اسحاق بعد هذا وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة باذن رسول الله
قال يونس عن ابن اسحاق وكتب لاهل جرباء وأذرح بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب
من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح أنهم آمنون بامان الله وأمان محمد وأن عليهم مائة دينار في كل رجب ومائة أوقية طيبة وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين ومن لجأ اليهم من المسلمين قال وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم قال فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار
بعثه عليه السلام خالد بن الوليد الى اكيدر ذومة
قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من بني كنانة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد إنك ستجده يصيد البقر فخرج خالد حتى اذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذا قال لا أحد فنزل فامر بفرسه فاسرج له وركب ومعه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم فاخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعجبون من هذا فوالذي نفسي بيد لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا
قال ابن اسحاق ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع الى قريته فقال رجل من بني طيء يقال له بجير بن بجرة في ذلك
تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فانا قد أمرنا بالجهاد
وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر لا يفضض اله فاك فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن وقد روى ابن لهيعة عن ابي الأسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما تقدم إلا أنه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي والف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة
ابن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحه فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فالله أعلم وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل فالله أعلم
فصل
قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا الى المدينة قال وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبقنا الى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه قال فسبقه اليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا الى هذا الماء فقيل له يا رسول الله فلان وفلان فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه ثم لعنهم ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما أن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر اليها قال فاذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه اليه وإذا هو يقول أدنيا إلى أخاكما فدلياه اليه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد امسيت راضيا عنه فارض عنه قال يقول ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة قال ابن هشام إنما سمى ذو البجادين لأنه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه الابجاد وهو الكساء الغليظ فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى الأخرى ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين
قال ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع ابا رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة يقول غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر والقى الله علي النعاس وطفقت أستيقظ وقد
دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز فطفقت أحوز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز فلم أستيقظ إلا بقوله حس فقلت يا رسول الله استغفر لي قال سر فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فاخبره به فقال وهو يسألني ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط الذين لا شعر في وجوههم فحدثته بتخلفهم قال فما فعل النفر السود الجعاد القصار قال قلت والله ما أعرف هؤلاء منا قال بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ فتذكرتهم في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا فقلت يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والانصار وغفار وأسلم
قال ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق فاخبر بخبرهم فامر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يشوقها فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع اليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فامرهما فاسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة هل عرفت هؤلاء القوم قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم ثم قال علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب قالا لا فاخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم فقال أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقد ذكر ابن اسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الاشبه والله أعلم ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود أليس فيكم يعني أهل الكوفة صاحب السواد والوساد يعني ابن مسعود أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد يعني عمارا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة أقسمت عليك بالله أنا منهم قال لا
ولا أبرئ بعدك أحدا يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم
قلت وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل كانوا اثني عشر رجلا وذكر ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث اليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه ثم سرد ابن اسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله عز وجل وهموا بما لم ينالوا
وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبي اسحاق عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان قال كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوق الناقة وعمار يقود به حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله هل عرفتم القوم قلنا لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا قلنا لا قال ارادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها قلنا يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث اليك كل قوم برأس صاحبهم قال لا أكره أن يتحدث العرب بينها أن محمدا قاتل لقومه حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ثم قال اللهم ارمهم بالدبيلة قلنا يا رسول الله وما الدبيلة قال هي شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك وفي صحيح مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأي رأيتموه أم شيء عهده اليكم رسول الله فقال ما عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده الى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وفي رواية من وجه آخر عن قتادة إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم قال الحافظ البيهقي وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر أو خمسة عشر وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد وعذر ثلاثة أنهم قالوا ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما اراد وهذا الحديث قد رواه الامام احمد في مسنده قال حدثنا يزيد هو ابن هارون أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بتوك أمر مناديا فنادى إن رسول الله آخذ بالعقبة فلا يأخذها أحد يأخذها أحد فبينما رسول الله ص يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة قد قد حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي فلما هبط ورجع عمار
قال يا عمار هل عرفت القوم قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال هل تدري ما أرادوا قال الله ورسوله أعلم قال ارادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه قال فسار عمار رجلا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة قال أربعة عشر رجلا فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر قال فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد
قصة مسجد الضرار
قال الله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه ابدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم وقد تكلمنا على تفسير ما يتعلق بهذه الآيات الكريمة في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد وذكر ابن اسحاق كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما ارادوه من الفساد والكفر والعناد فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك فلما رجع منها فنزل بذي أوان مكان بينه وبين المدينة ساعة نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفروا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل الآية أما قوله ضرارا فلأنهم ارادوا مضاهاة مسجد قباء وكفرا بالله لا للايمان به وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فابى عليه ذهب الى مكة فاستنفرهم فجاؤا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه فلما لم ينهض امره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا فكانت مكاتباته ورسله تفد اليهم كل حين فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن
يفد من عند أبي عامر الراهب ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين ولهذا قال تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ثم قال وليحلفن أي الذين بنوه إن أردنا إلا الحسنى أي غنما أردنا ببنائه الخير قال الله تعالى والله يشهد إنهم لكاذبون ثم قال الله تعالى الى رسوله لا تقم فيه أبدا فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم امره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة اليه وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى وأثبت في الفضل منه وأقوى وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي اوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي رضي الله عنهما فامرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار فذهبا فحرقاه بالنار وتفرق عنه أهله
قال ابن اسحاق وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم خذام بن خالد وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحارث وبخرج وهو الى بني ضبيعة وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ووديعة بن ثابت وهو الى بني أمية
قلت وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها وذلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فابطأ على الناس فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف فلما سلم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنتم وأصبتم وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا وقال البخاري حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر تفرد به من هذا الوجه قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد عن ابي حميد قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا اشرفنا على المدينة قال هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال اذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به وقال الترمذي حسن صحيح وقال البيهقي
أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع
قال البيهقي وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله اعلم فذكرناه ها هنا أيضا قال البخاري رحمه الله حديث كعب ابن مالك رضي الله عنه حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعل لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها الا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب احدا تخلف عنها انما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثبنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيشر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ولم يكن رسول الله يريد غزوة الا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفر بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فما رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن يستخفي له ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع ولم اقض شيئا فاقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فاصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم اقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بي حتى اسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن ارتحل فادركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت اذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أني لا ارى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال
رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه براده ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء من كذب فاجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله عز وجل فجئته فما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن د ابتعت ظهرك فقلت بلى وإني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرايت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد اعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لارجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي عذر ووالله ما كنت قط اقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر اليه المخلفون وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فوالله ما زالوا يؤنبوننى حتى ههمت أن أرجع فاكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التي اعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم اصلي قريبا منه فأسارقه النظر فاذا أقبلت على صلاتي أقبل الي واذا التفت نحوه أعرض عني حتى اذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس الي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت يا ابا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله
ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال وبينا أنا أمشي بسوق المدينة اذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى اذا جاءني دفع الي كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فاذا فيه أما بعد فانه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى اذا مضت أربعون ليلة من الخمسين اذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان الى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل قد ضاقت على نفسى وضاقت على الارض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع يقول بأعلى صوته يا كعب ابشر فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله للناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يباشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل الي فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فاذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلسنا بين
يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فاني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا واني لارجو ان يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الى قوله وكونوا مع الصادقين فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد قال الله تعالى سيحلفون بالله لكم اذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم الى قوله فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وانما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه امرنا عمن حلف له واعتذر اليه فقبل منهم وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه وهكذا رواه محمد بن اسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري وقد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة
ذكر اقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
قال علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في وقوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول الله قال من هؤلاء قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فلما أن بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فانزل الله عز وجل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية وعسى من الله واجب فلما أنزلت ارسل اليهم رسول الله فاطلقهم وعذرهم فجاؤا باموالهم وقالوا يا رسول الله هذه أموالنا
فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال ما أمرت أن آخذ أموالكم فانزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وان الله سميع عليم الى قوله وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فارجئوا حتى نزل قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين خلفوا الى آخرها وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه
وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن اسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفيك من ذلك الثلث قال مجاهد وابن اسحاق فيه نزل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية قال سعيد بن المسيب ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام الا خيرا رضي الله عنه وأرضاه
قلت ولعل هؤلاء الثلاثة لم يذكروا معه بقية اصحابه واقتصروا على أنه كان كالزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم وروى الحافظ البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض بن عياض عن ابيه عن ابن مسعود قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن منكم منافقين فمن سميت فليقم قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى عد ستة وثلاثين ثم قال إن فيكم أو إن منكم منافقين فسلوا الله العافية قال فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال ما شأنك فاخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعدا لك سائر اليوم
قلت كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام مأمورون مأجورون كعلي بن ابي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم كلثوم ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاؤن وعصاة مذنبون وهم الثلاثة أبو لبابة وأصحابه المذكورون وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون
ما كان من الحوادث بعد منصرفه من تبوك
قال الحافظ البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم ابي زخر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول هاجرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا يفضض الله فيما شك فقال
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رجم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر * ض فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد يخترق
ورواه البيهقي من طريق اخرى عن أبي السكن زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروى عنه قال البيهقي وزاد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحيرة البيضاء رفعت لي وهذه الشيماء بنت نفيلة الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود فقلت يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي قال هي لك قال ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيء وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بن خويلد وكان خالد بن الوليد يمدحنا وكان فيما قال فينا
جزى الله عنا طيئا في ديارها * بمعترك الابطال خير جزاء
هموا أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هموا ضربوا قيسا على الدين بعدما * أجابوا منادي ظلمة وعماء
قال ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكاظمة في جيش هو اكبر من جمعنا ولم يكن احد من العجم أعدى للعرب والاسلام من هرمز فخرج اليه خالد ودعاه الى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب بخبره الى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة الف درهم وكانت الفرس اذا شرف فيها الرجل جعلت قلنسوته بمائة ألف درهم قال ثم قفلنا على طريق الطف الى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري فسلمها لي فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعينها فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم فاعطاني ألف درهم وسلمتها اليه فقيل لو قلت مائة ألف لدفعها اليك فقلت ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة
قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع
تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اسلم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم الى الدخول في الاسلام وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل بهم الى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك
وقال ابن اسحاق وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع اثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع الى قومه بالاسلام فقال له رسول الله كما يتحدث قومه إنهم قاتلوك وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم فقال عروة يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبكارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه الى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما اشرف على عيلة له وقد دعاهم الى الاسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له وهب بن جابر فقيل لعروة ما ترة في دينك قال كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله الي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه وهكذا ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن اسحاق والله أعلم
قال ابن اسحاق ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو ابن أمية أخي بني علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فارسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف أخو
بني سالم ونمير بن خرشة بن ربيعة وقال موسى بن عقبة كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم وفيهم عثمان بن ابي العاص وهو أصغر الوفد قال ابن اسحاق فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة الفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق فاخبره عن ركب تقيق أن قدموا يريدون البيعة والاسلام إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظهر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خال بن سعيد قبلهم وهو الذي كتب لهم كتابهم قال وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بايديهم فقال أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه فقالوا سنؤتيكها وإن كانت دناءة وقد قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا محمد بن مسلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن ابي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا ولا يستعمل عليكم غيرهم فقال رسول الله
ص لكم أن لا تحشروا ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم غيركم ولا خير في دين لا ركوع فيه وقال عثمان بن ابي العاص يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به وقال أبو داود حدثنا الحسن بن الصباح ثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثني ابراهيم بن عقيل بن منبه عن وهب سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا
قال ابن اسحاق فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن ابي العاص وكان أحدثهم سنا لأن الصديق قال يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم
القرآن وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم فاذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه القرآن فان وجده نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا
قال ابن اسحاق حدثني سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف قال يا عثمان تجوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم فان فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة وقال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أبو داود الترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن اسماعيل بن علية عن محمد بن اسحاق كما تقدم وروى احمد عن عفان عن وهب وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن داود ابن أبي عاصم عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقت لي اقرأ باسم ربك الذي خلق وأششباهها من القرآن وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال حدث عثمان ابن أبي العاص قال آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه وقال احمد حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف فكان آخر ما عهد إلي إن قال خفف عن الناس الصلاة تفرد به من هذا الوجه وقال احمد حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى هو ابن طلحة أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال من أم قوما فليخفف بهم فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة فاذا صلى وحده فليصل كيف شاء ورواه مسلم من حديث عمرو بن عثمان به وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من تقيق قالوا حدثنا عثمان بن ابي العاص أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فانه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة وقال احمد حدثنا ابراهيم بن اسماعيل عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير أن عثمان قال يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي قال ذاك شيطان يقال له خنرب فاذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال
ففعلت ذلك فاذهبه الله عني ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به وروى مالك واحمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده فقال له ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فاذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم وقال أبو عبد الله بن ماجه حدثنا محمد بن يسار ثنا محمد ابن عبد الله الانصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن وهو ابن جوشن حدثني أبي عن عثمان بن أبي العاص قال لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن أبي العاص قلت نعم يا رسول الله قال ما جاء بك قلت يا رسول الله عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي قال ذاك الشيطان أدن فدنوت منه فجلست على صدور قومي قال فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال أخرج عدو الله فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال الحق بعملك قال فقال عثمان فلعمري ما أحسبه خالطني بعد تفرد به ابن ماجه
قال ابن اسحاق وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فانا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع فيقول قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها وروى الامام احمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده أوس بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ثم يقول لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة فقال إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجزئون القرآن فقالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشره وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود قال ابن اسحاق فلما فرغوا

يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:21 AM
من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى اذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك واقام أبو سفيان بماله بذي الهرم فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول وقام قومه بني معتب دونه خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود قال وخرج نساء تقيق حسرا يبكين عليها ويقلن
لنبكين دفاع * أسلمها الرضاع
لم يحسنوا المصاع
قال ابن اسحاق ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفاس وآها لك وآها لك فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والدقارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما
@ قلت كان الاسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضي الله عنه وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها قال اهدموها قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها فقال عمر بن الخطاب ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك إنما الربة حجر فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب ثم قالوا يا رسول الله تول أنت هدمها أما نحن فانا لن نهدمها أبدا فقال سأبعث اليكم من يكفيكم هدمها فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله اليهم فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب قد حرم الربا والزنا والخمر وأمر بهدم الربة فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا قال فأهبوا للقتال وأعدوا السلاح فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثة ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا ارجعوا اليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا فإنا قد فعلنا ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا اليه وفيما قاضيناه فافهموا القضية واقبلوا عافية الله قالوا فلم كتمتمونا هذا أولا قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فعمدوا إلى اللات وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين يعني المعول وقال لاصحابه والله لاضحكنكم من ثقيف
فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطئاف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب فقام المغيرة فقال والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم إنه ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض وجعل سادنها يقول ليغضبن الاساس فليخسفن بهم فلما سمع المغيرة قال لخالد دعني أحفر اساسها فحفروه حتى أخرجوا ترابها وجمعوا ماءها وبناءها وبهتت عند ذلك ثقيف ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم أموالها من يومه وحمدوا الله تعالى على اعتزاز دينه ونصرة رسوله
قال ابن اسحاق وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله الى المؤمنين إن عضاه وج وصيده لا يعضد من وجد يفعل شيئا من ذلك فانه يجلد وتنزع ثيابه وإن تعدى ذلك فانه يؤخذ فيبلغ به النبي محمدا وإن هذا لعلهم يحذرون فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم
قال ابن اسحاق ثك أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب يعني من سنة تسع ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم ابن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث مالم يحدث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمر فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فانه بينها للناس لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد اليه ليتأهب الناس لذلك أهبته فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة يا جد هل لك العام في جلاد بني الاصفر فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجل أشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا اصبر فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد أذنت لك ففي الجد أنزل الله هذه الآية ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكا في الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فانزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون
قال ابن هشام حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن اسحاق بن ابراهيم بن عبد الله ابن حارثة عن أبيه عن جده قال بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي وكان بيته عند جاسوم يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث اليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم ففعل طلحة فاقتحم الضحاك
ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله واقتحم أصحابه فافلتوا فقال الضحاك في ذلك
كادت وبيت الله نار محمد * يشيط بها الضحاك وابن أبيرق
وظلت وقد طبقت كبس سويلم * أنوء على رجلي كسيرا ومرفق
سلام عليكم لا أعود لمثلها * اخاف ومن تشمل به النار يخرق
قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق ثم استتب برسول الله صلى الله... ...
قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وانفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها قال ابن هشام فحدثني من أثق به أن عثمان انفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أرض عثمان فاني عنه راض وقد قال الامام احمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم ورواه الترمذي عن محمد بن اسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة بع وقال حسن غريب وقاله عبد الله بن احمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان ابن عفان علي مائة بعير باحلاسها وأقتابها قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب ما على عثمان ما عمل بعد هذا وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به وقال ثلاث مرات أنه التزم بثلاثمائة بعير باحلاسها وأقتابها قال عبد الرحمن فانا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر ما ضر عثمان بعدها أو قال بعد اليوم وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الاحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن ابي وقاص وعلي والزبير وطلحة أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من جهز جيش العسرة غفر الله ل فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا قالوا اللهم نعم ورواه النسائي من حديث حصين به
*2* فصل فيمن تخلف معذورا من البكائين وغيرهم
@ قال الله تعالى وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين رضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا باموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم اغبياء ضوا بان يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة والمقصود ذكر البكائين الذين جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه قال ابن اسحاق وكانوا سبعة نفر من الانصار وغيرهم فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير وعلبة بن زيد أخو بني حارثة وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله ابن المغفل المزني وبعض الناس يقولون بل هو عبد الله بن عمرو المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف وعرباض بن سارية الفزاري قال ابن اسحاق فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما قالا جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فاعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد يونس بن بكير عن ابن اسحاق وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين المتصدق هذه الليلة فلم يقم أحد ثم قال أين المتصدق فليقم فقام اليه فاخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشر فوالذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة وقد أورد الحافظ
البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني اليك لتحملهم فقال والله لا أحملكم على شيء ووافقته وهو غضبان ولا أشعر فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فاخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم البث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس فاجبته فقال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خذ هذين القربتين وهذين القربتين وهذين القربتين لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لي في أول مرة ثم اعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليك قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب أبل فامر لنا بست ذودعر الذرى فاخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا فرجعنا له فقال ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم ثم قال وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها
قال ابن اسحاق وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية أخو بني واقف وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف وكانوا نفر صدق لا يتهمون في اسلامهم
قلت أما الثلاثة الاول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى الذين أنزل الله فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه وأما أبو خيثمة فانه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي
فصل
قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه وما كان فيما يزعمون باقل العسكرين فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب قال ابن هشام واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الانصاري قال وذكر الداروردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة قال ابن اسحاق وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالاقامة فيهم فارجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استقلالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ على سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فاخبره بما قالوا فقال كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره ثم قال ابن اسحاق حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن ابراهيم عن ابراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي واخرجاه من طرق عن شعبة نحوه وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة وقال الامام احمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن اسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له وخلفه في بعض مغازيه فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان فقال يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة زاد مسلم ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن اسماعيل به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه
قال ابن اسحاق ثم إن ابا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم اياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العرش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف
والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى الحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيأ زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك وكان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أولى لك يا أبا خيثمة ثم اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فقال خيرا ودعا له بخير وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن اسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك
لما رأيت الناس في الدين نافقوا * أتيت التي كانت أعف وأكرما
وبايعت باليمنى يدي لمحمد * فلم أكتسب إنما لم أغش محرما
تركت خضيبا في العريش وصرمة * صفايا كراما بسرها قد تحمما
وكنت إذا شك المنافق أسمحت * إلى الدين نفسي شطره حيث يمما
قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال لما سار رسول الله إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول الله تخلف فلان فيقول دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك به غير ذلك فقد أراحكم الله منه حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وابطأ به بعيره فقال دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه فتلوم أبو ذر بعيره فلما ابطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن ابا ذر فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده قال فضرب ضربه وسير أبو ذر الى الزبدة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فاول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فاذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا فقيل جنازة أبي
ذر فاستهل ابن مسعود يبكي وقال صدق رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه إسناده حسن ولم يخرجوه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله الذين اتبعوه في ساعة العسرة قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فاصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر قال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا الى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء فادع الله لنا فقال أو تحب ذلك قال نعم قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر واسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه وقد ذكر ابن اسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء فقال سحابة مارة وذكر أن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الانصاري وكان عنده إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته وإني والله لا أعلم الا ما علمني الله وقد دلني الله عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة الى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة انما قال ذلك لزيد بن اللصيت وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري أخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني فقال بعض الناس إن زيدا تاب وقال بعضهم لم يزل متهما بشر حتى هلك
قال الحافظ البيهقي وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الاعمش وقد رواه الامام احمد عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي
سعيد الخدري شك الاعمش قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو اذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افعلوا فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل ازوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف من التمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم خذوا في أوعيتكم فاخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوها واكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عنه الجنة ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الاعمش به ورواه الامام احمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها
*2* مروره صلى الله عليه وسلم في ذهابه الى تبوك بمساكن ثمود بالحجر
@
قال ابن اسحاق وكانرسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجاز نزلها واستقى الناس من بئرها فلما راحوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا من مياهها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوع ببابل ولا تأكلوا منه شيئا هكذا ذكره ابن اسحاق بغير اسناد وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم وتقنع بردائه وهو على الرحل ورواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق كلاهما عن معمر باسناده نحوه وقال مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ورواه البخاري من حديث مالك ومن حديث سليمان بن بلال كلاهما عن عبد الله بن دينار ورواه مسلم من وجه آخر عن عبد الله بن دينار نحوه وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا صخر هو ابن جويرية عن نافع عن ابن عمر قال نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس عام تبوك الحجر عند بيوت ثمود فاستقى الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود فعجنوا ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهرقوا القدور وعلفوا العجين الابل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على لاقوم الذين عذبوا فقال إني اخشى أن يصيبكم مثل ما اصابهم فلا
تدخلوا عليهم وهذا الحديث اسناده على شرط الصحيحين من هذا الوجه ولم يخرجوه وإنما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن عياض عن أبي ضمرة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به قال البخاري وتابعه أسامة عن عبيد الله ورواه مسلم من حديث شعيب بن اسحاق عن عبيد الله عن نافع به وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر قال لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر قال لا تسألوا الآيات فقد سألها قوم صالح فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروها وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما فعقروها فاخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم إلا رجلا واحدا كان في حرم الله قيل من هو يا رسول الله قال هو ابو رغال فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه اسناده صحيح ولم يخرجوه وقال الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن اسماعيل بن واسط عن محمد بن أبي كبشة الانماري عن أبيه قال لما كان في غزوة تبوك تسارع الناس إلى أهل الحجر يدخلون عليهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي في الناس الصلاة جامعة قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بعيره وهو يقول ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم فناداه رجل نعجب منهم قال أفلا أنبئكم باعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم فاستقيموا وسددوا فان الله لا يعبأ بعذابكم شيئا وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئا اسناده حسن ولم يخرجوه وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني عبد الله ابن أبي بكر بن حزم عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي او عن العباس بن سعد الشك مني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر ونزلها استقى الناس من بئرها فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس لا تشبوا من مائها شيئا ولا تتوضئوا منه للصلاة وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الأبل ولا تأكلوا منه شيئا ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته وخرج الآخر في طلب بعير له فاما الذي ذهب لحاجته فانه خنق على مذهبه وأما الذي ذهب في طلب بعيره فاحتملته الريح حتى القته بجبل طيء فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال ألم انهكم أن يخرج رجل إلا ومعه صاحب له ثم دعا للذي اصيب على مذهبه فشفي وأما الآخر فانه وصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بتوك وفي رواية زياد عن ابن اسحاق أن طيئا أهدته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع إلى المدينة
قال ابن اسحاق وقد حدثني عبد الله بن ابي بكر أن العباس بن سهل سمى له الرجلين لكنه استكتمه إياهما فلم يحدثني بهما وقد قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا وهيب بن خالد ثنا عمرو
ابن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبي حميد الساعدي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام بتوك حتى جئنا وادي القرى فاذا امرأة في حديقة لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه أخرصوا فخرص القوم وخرص رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة أوسق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة احصي ما يخرج منها حتى أرجع اليك إن شاء الله قال فخرج حتى قدم تبوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقومن فيها رجل فمن كان له بعير فليوثق عقاله قال أبو حميد فعقلناها فلما كان من الليل هبت علينا ريح شديدة فقام رجل فالقته في جبل طيء ثم جاء رسول الله ملك إيلة فاهدى لرسول الله بغلة بيضاء وكساه رسول الله بردا وكتب له يجيرهم ثم أقبل واقبلنا معه حتى جئنا وادي القرى قال للمرأة كم جاءت حديقتك قالت عشرة أوسق خرص رسول الله فقال رسول الله إني متعجل فمن أحب منكم أن يتعجل فليفعل قال فخرج رسول الله وخرجنا معه حتى إذا أوفى على المدينة قال هذه طابه فلما رأى أحدا قال هذا أحد يحبنا ونحبه ألا أخبركم بخير دور الانصار قلنا بلى يا رسول الله قال خير دور النصار بنو النجار ثم دار بني عبد الاشهل ثم دار بني ساعدة ثم في كل دور الانصار خير وأخرجه البخاري ومسلم من غير وجه عن عمرو بن يحيى به نحوه وقال الامام مالك رحمه الله عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عامر بن واثلة أن معاذ بن جبل أخبره أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك فكان يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا ثم قال إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتونها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال فجئناها وقد سبق اليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله فيه وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا أخرجه مسلم من حديث مالك به
*2* ذكر خطبته صلى الله عليه وسلم الى نبوك إلى نخلة هناك


روى الامام احمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم ويونس بن محمد المؤدب وحجاج بن محمد
ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن ابي الخير عن أبي الخطاب عن أبي سعيد الخدري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس إن من خير الاس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئا يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه ورواه النسائي عن قتيبة عن الليث به وقال أبو الخطاب لا أعرفه وروى البيهقي من طريق يعقوب بن محمد الزهري عن عبد العزيز بن عمران حدثنا مصعب بن عبد الله عن منظور بن جميل بن سنان أخبرني أبي سمعت عقبة بن عامر الجنهي خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال ألم أقل لك يا بلال اكلأ لنا الفجر فقال يا رسول الله ذهب بي من النوم مثل الذي ذهب بك قال فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله غير بعيد ثم صلى وسار بقية يومه وليلته فاصبح بتبوك فحمد الله وأثنى عليه بما هو اهله ثم قال أيها الناس أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله وأوثق العرى كلمة التقوى وخير الملل ملة ابراهيم وخير السنن سنة محمد واشرف الحديث ذكر الله وأحسن القصص هذا القرآن وخير الامور عوازمها وشر الامور محدثاتها وأحسن الهدي هدي الانبياء واشرف الموت قتل الشهداء وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى وخير الاعمال ما نفع وخير الهدى ما اتبع وشر العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى ةما قل وكفى خير مما كثر وألهى وشر المعذرة حين يحضر الموت وشر الندامة يوم القيامة ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا دبرا ومن الناس من لا يذكر الله إلا هجرا ومن أعظم الخطايا اللسان الكذوب وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد التقوى ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل وخير ما وقر في القلوب اليقين والارتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية والغلول من حثاء جهنم والشعر من ابليس والخمر جماع الاثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون وشر المكاسب كسب الربا وشر المآكل أكل مال اليتيم والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي في بطن أمه وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة اذرع والأمر الى الآخرة وملاك العمل خواتمه وشر الروايا روايا الكذب وكل ما هو آت قريب وسباب المؤمن فسوق وقتال المؤمن كفر وأكل لحمه من معصية الله وحرمة ماله كحرمة دمه ومن يتألى على الله يكذبه ومن يستغفره يغفر له ومن يعف يعف الله عنه ومن يكظم يأجره الله ومن يصبر على الرزية يعوضه الله ومن يبتغي السمعة يسمع الله به
ومن يصبر يضعف الله له ومن يعص الله يعذبه الله اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي اللهم اغفر لي ولأمتي قالها ثلاثا ثم قال أستغفر الله لي ولكم وهذا حديث غريب وفيه نكارة وفي اسناده ضعف والله أعلم بالصواب وقال أبو داود ثنا احمد بن سعيد الهمداني وسليمان ابن داود قالا أخبرنا ابن وهب أخبرني معاوية عن سعيد بن غزوان عن ابيه أنه نزل بتبوك وهو حاج فاذا رجل مقعد فسألته عن أمره فقال سأحدثك حديثا فلا تحدث به ما سمعت أني حي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة فقال هذه قبلتنا ثم صلى اليها قال فاقبلت وأنا غلام أسعى حتى مررت بينه وبينها فقال قطع صلاتنا قطع الله أثره قال فما قمت عليها إلى يومي هذا ثم رواه ابو داود من حديث سعيد عن عبد العزيز التنوخي عن مولى ليزيد بن نمران عن يزيد بن نمران قال رأيت بتبوك مقعدا فقال مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال اللهم اقطع اثره فما مشيت عليها بعد وفي رواية قطع صلاتنا قطع الله أثره
*2* الصلاة على معاوية بن أبي معاوية
@ روى البيهقي من حديث يزيد بن هارون أخبرنا العلاء أبو محمد الثقفي قال سمعت أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فطلعت الشمس بضياء ولها شعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى فأتى جبريل رسول الله فقال يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بيضاء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى قال ذلك أن معاوية بن ابي معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله اليه سبعين ألف ملك يصلون عليه قال ومم ذاك قال بكثرة قراءته قل هو الله أحد بالليل والنهار وفي ممشاه وفي قيامه وقعوده فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه قال نعم قال فصلى عليه ثم رجع وهذا الحديث فيه غرابة شديدة ونكارة والناس يسندون أمرها إلى العلاء ابن زيد هذا وقد تكلموا فيه ثم قال البيهقي أخبرنا علي بن احمد بن عبدان أخبرنا احمد بن عبيد الصفار حدثنا هاشم بن علي أخبرنا عثمان بن الهيثم حدثنا محبوب بن هلال عن عطاء بن أبي ميمونة عن انس قال جاء جبريل فقال يا محمد مات معاوية بن أبي معاوية المزني أفتحب أن تصلي عليه قال نعم فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت له قال فصلى وخلفه صفان من الملائكة في كل صف سبعون ألف ملك قال قلت يا جبريل بما نال هذه المنزلة من الله قال بحبه قل هو الله أحد يقرؤها قائما وقاعدا وذاهبا وجائيا وعلى كل حال قال عثمان
فسألت أبي أين كان النبي صلى الله عليه وسلم قال بغزوة بتوك بالشام ومات معاوية بالمدينة ورفع له سريره حتى نظر اليه وصلى عليه وهذا أيضا منكر من هذا الوجه
*2* قدوم رسول قيصر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك
@
قال الامام احمد حدثنا اسحاق بن عيسى حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبي راشد قال لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ العقد أو قرب فقلت ألا تخبرني عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل قال بلى قدم رسول الله تبوك فبعث دحية الكلبي إلى هرقل فلما جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قسيسي الروم وبطارقتها ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم وقد أرسل إلي يدعوني إلى ثلاث خصال يدعوني أن أتبعه على دينه أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا أو نلقي اليه الحرب والله لقد عرفتم فيما تقرؤون من الكتب لتأخذن فهلم فلنتبعه على دينه أو نعطيه مالن على أرضنا فنخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من براسنهم وقالوا تدعونا إلى نذر أن النصرانية أو نكون عبيدا لأعرابي جاء من الحجاز فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم رقائهم ولم يكد وقال إنما قلت ذلك لاعلم صلابتكم على أمركم ثم دعا رجلا من عرب تجيب كان على نصارى العرب قال ادع لي رجلا حافظا للحديث عربي اللسان ابعثه إلى هذا الرجل فما سمعت من حديثه فاحفظ ليمنه ثلاث خصال انظر هل يذكر صحيفته الي التي كتب بشيء وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل وانظر في ظهره هل به شيء يربيك قال فانطلقت بكتابه حتى جئت تبوكا فاذا هو جالس بين ظهراني أصحابه محتبيا على الماء فقلت أين صاحبكم قيل ها هو ذا فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه فناولته كتابي فوضعه في حجره ثم قال ممن أنت فقلت أنا أخو تنوخ قال هل لك الى الاسلام الحنيفية ملة أبيكم ابراهيم قلت إني رسول قوم وعلى دين قوم لا أرجع عنه حتى ارجع اليهم فضحك وقال انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين يا أخو تنوخ إني كتبت بكتاب الى كسرى والله ممزقه وممزق ملكه وكتبت الى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرقه ومخرق ملكه
وكتبت الى صاحبك بصحيفة فامسكها فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير قلت هذه احدى الثلاث التي اوصاني بها صاحبي فاخذت سهما من جعبتي فكتبته في جنب سيفي ثم إنه ناول الصحيفة رجلا عن يساره قلت من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم قالوا معاوية فاذا في كتاب صاحبي تدعوني الى جنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين فأين النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار قال فاخذت سهما من جعبتي فكتبته في جلد سيفي فلما ان فرغ من قراءة كتابي قال إن لك حقا وانك لرسول فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها إنا سفر مرملون قال فناداه رجل من طائفة الناس قال أنا اجوزه ففتح رحله فاذا هو يأتي بحلة صفورية فوضعها في حجري قلت من صاحب الجائزة قيل لي عثمان ثم قال رسول الله أيكم ينزل هذا الرجل فقال فتى من الانصار أنا فقام الانصاري وقمت معه حتى اذا خرجت من طائفة المجلس ناداني رسول الله فقال تعال يا أخا تنوخ فاقبلت أهوي حتى كنت قائما في مجلسي الذي كنت بين يديه فحل حبوته عن ظهره وقال ها هنا امض لما أمرت به فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الجمجمة الضخمة هذا حديث غريب واسناده لا بأس به تفرد به الامام احمد
*2* مصالحته عليه السلام ملك أيلة واهل جرباء وأذرح قبل رجوعه من تبوك
@
قال ابن اسحاق ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى تبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب إيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية وأتاه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم وكتب ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة بسم الله الرحمن الرحيم هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل إيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر فمن أحدث منهم حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه وأنه طيب لمن أخذه من الناس وأنه لا يحل أن يمنعو ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر زاد يونس بن بكير عن ابن اسحاق بعد هذا وهذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل بن حسنة باذن رسول الله
قال يونس عن ابن اسحاق وكتب لاهل جرباء وأذرح بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لاهل جرباء وأذرح أنهم آمنون بامان الله وأمان محمد وأن عليهم مائة دينار في كل رجب ومائة أوقية طيبة وأن الله عليهم كفيل بالنصح والاحسان إلى المسلمين ومن لجأ اليهم من المسلمين قال وأعى النبي صلى الله عليه وسلم أهل أيلة برده مع كتابه أمانا لهم قال فاشتراه بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن محمد بثلثمائة دينار
*2* بعثه عليه السلام خالد بن الوليد الى اكيدر ذومة
@ قال ابن اسحاق ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدر دومة وهو أكيدر بن عبد الملك رجل من بني كنانة كان ملكا عليها وكان نصرانيا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد إنك ستجده يصيد البقر فخرج خالد حتى اذا كان من حصنه بمنظر العين وفي ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته وباتت البقر تحك بقرونها باب القصر فقالت له امرأته هل رأيت مثل هذا قط قال لا والله قالت فمن يترك هذا قال لا أحد فنزل فامر بفرسه فاسرج له وركب ومعه نفر من أهل بيته فيهم أخ له يقال له حسان فركب وخرجوا معه بمطاردهم فلما خرجوا تلقتهم خيل النبي صلى الله عليه وسلم فاخذته وقتلوا أخاه وكان عليه قباء من ديباج مخوص بالذهب فاستلبه خالد فبعث به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه قال فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس بن مالك قال رأيت قباء أكيدر حين قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعجبون من هذا فوالذي نفسي بيد لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا
قال ابن اسحاق ثم إن خالد بن الوليد لما قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقن له دمه فصالحه على الجزية ثم خلى سبيله فرجع الى قريته فقال رجل من بني طيء يقال له بجير بن بجرة في ذلك
تبارك سائق البقرات إني * رأيت الله يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك * فانا قد أمرنا بالجهاد
وقد حكى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهذا الشاعر لا يفضض اله فاك فأتت عليه سبعون سنة ما تحرك له فيها ضرس ولا سن وقد روى ابن لهيعة عن ابي الأسود عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا مرجعه من تبوك في أربعمائة وعشرين فارسا إلى أكيدر دومة فذكر نحو ما تقدم إلا أ ه ذكر أنه ما كره حتى أنزله من الحصن وذكر أنه قدم مع أكيدر إلى رسول الله ثمانمائة من السبي والف بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح وذكر أنه لما سمع عظيم أيلة يحنة
ابن رؤبة بقضية أكيدر دومة أقبل قادما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحه فاجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك فالله أعلم وروى يونس بن بكير عن سعد بن أوس عن بلال بن يحيى أن أبا بكر الصديق كان على المهاجرين في غزوة دومة الجندل وخالد بن الوليد على الاعراب في غزوة دومة الجندل فالله أعلم
*2* فصل ( رجوع رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى المدينة ) .
@ قال ابن اسحاق فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة لم يجاوزها ثم انصرف قافلا الى المدينة قال وكان في الطريق ماء يخرج من وشل يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سبقنا الى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه قال فسبقه اليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئا فقال من سبقنا الى هذا الماء فقيل له يا رسل الله فلان وفلان فقال أو لم أنههم أن يستقوا منه حتى آتيه ثم لعنهم ودعا عليهم ثم نزل فوضع يده تحت الوشل فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب ثم نضحه به ومسحه بيده ودعا بما شاء الله أن يدعو فانخرق من الماء كما يقول من سمعه ما أن له حسا كحس الصواعق فشرب الناس واستقوا حاجتهم منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيتم أو من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه
قال ابن اسحاق وحدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي أن عبد الله بن مسعود كان يحدث قال قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله في غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر فاتبعتها انظر اليها قال فاذا رسول الله وأبو بكر وعمر وإذا عبد الله ذو البجادين قد مات وإذا هم قد حفروا له ورسول الله في حفرته وأبو بكر وعمر يدليانه اليه وإذا هو يقول أدنيا إلى أخاكما فدلياه اليه فلما هيأه لشقه قال اللهم إني قد امسيت راضيا عنه فارض عنه قال يقول ابن مسعود يا ليتني كنت صاحب الحفرة قال ابن هشام إنما سمى ذو البجادين لأنه كان يريد الاسلام فمنعه قومه وضيقوا عليه حتى خرج من بينهم وليس عليه الابجاد وهو الكساء الغليظ فشقه باثنين فائتزر بواحدة وارتدى الأخرى ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمي ذو البجادين
قال ابن اسحاق وذكر ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي أبي رهم الغفاري أنه سمع ابا رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة يقول غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك فسرت ذات ليلة معه ونحن بالاخضر والقتى الله علي النعاس وطفقت أستيقظ وقد
دنت راحلتي من راحلة النبي صلى الله عليه وسلم فيفزعني دنوها منه مخافة أن أصيب رجله في الغرز فطفقت أحوز راحلتي عنه حتى غلبتني عيني في بعض الطريق فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز فلم أستيقظ إلا بقوله حس فقلت يا رسول الله استغفر لي قال سر فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فاخبره به فقال وهو يسألني ما فعل النفر الحمر الطوال النطاط الذين لا شعر في وجوههم فحدثته بتخلفهم قال فما فعل النفر السود الجعاد القصار قال قلت والله ما أعرف هؤلاء منا قال بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ فتذكرتهم في بني غفار فلم أذكرهم حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا فقلت يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرءا نشيطا في سبيل الله إن أعز أهلي علي أن يتخلف عني المهاجرون والانصار وغفار وأسلم
قال ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير قال لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق فاخبر بخبرهم فامر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يشوقها فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع اليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الأمر العظيم فأسرعوا حتى خالطوا الناس وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فامرهما فاسرعا حتى قطعوا العقبة ووقفوا ينتظرون الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة هل عرفت هؤلاء القوم قال ما عرفت إلا رواحلهم في ظلمة الليل حين غشيتهم ثم قال علمتما ما كان من شأن هؤلاء الركب قالا لا فاخبرهما بما كانوا تمالئوا عليه وسماهم لهما واستكتمهما ذلك فقالا يا رسول الله أفلا تأمر بقتلهم فقال أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقد ذكر ابن اسحاق هذه القصة إلا أنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعلم بأسمائهم حذيفة بن اليمان وحده وهذا هو الاشبه والله أعلم ويشهد له قول أبي الدرداء لعلقمة صاحب ابن مسعود أليس فيكم يعني أهل الكوفة صاحب السواد والوساد يعني ابن مسعود أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة أليس فيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان محمد يعني عمارا وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لحذيفة أقسمت عليك بالله أنا منهم قال لا
ولا أبرئ بعدك أحدا يعني حتى لا يكون مفشيا سر النبي صلى الله عليه وسلم
قلت وقد كانوا أربعة عشر رجلا وقيل كانوا اثني عشر رجلا وذكر ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث اليهم حذيفة بن اليمان فجمعهم له فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من أمرهم وبما تمالئوا عليه ثم سرد ابن اسحاق أسماءهم قال وفيهم أنزل الله عز وجل وهموا بما لم ينالوا
وروى البيهقي من طريق محمد بن مسلمة عن أبي اسحاق عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن حذيفة بن اليمان قال كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة أو أنا أسوق الناقة وعمار يقود به حتى إذا كنا بالعقبة إذا باثني عشر رجلا قد اعترضوه فيها قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله هل عرفتم القوم قلنا لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال هؤلاء المنافقون الى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا قلنا لا قال ارادوا أن يزحموا رسول الله في العقبة فيلقوه منها قلنا يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث اليك كل قوم برأس صاحبهم قال لا أكره أن يتحدث العرب بينهما أن محمدا قاتل لقومه حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم ثم قال اللهم ارمهم بالدبيلة قلنا يا رسول الله وما الدبيلة قال هي شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك وفي صحيح مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال قلت لعمار أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأي رأيتموه أم شيء عهده اليكم رسول الله فقال ما عهد الينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده الى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في أصحابي اثنا عشر منافقا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وفي رواية من وجه آخر عن قتادة إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم يكفيكهم الدبيلة سراج من النار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم قال الحافظ البيهقي وروينا عن حذيفة أنهم كانوا أربعة عشر أو خمسة عشر وأشهد بالله أن اثنى عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد وعذر ثلاثة أنهم قالوا ما سمعنا المنادي ولا علمنا بما اراد وهذا الحديث قد رواه الامام احمد في مسنده قال حدثنا يزيد هو ابن هارون أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة ويسوقه عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عمارا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحذيفة قد قد حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوادي فلما هبط ورجع عمار
قال يا عمار هل عرفت القوم قال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال هل تدري ما أرادوا قال الله ورسوله أعلم قال ارادوا أن ينفروا برسول الله فيطرحوه قال فسار عمار رجلا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة قال أربعة عشر رجلا فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر قال فعذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ثلاثة قالوا ما سمعنا منادي رسول الله وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد
*2* قصة مسجد الضرار
@
قال الله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون لا تقم فيه ابدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم وقد تكلمنا على تفسير كيفية بناء هذا المسجد الظالم أهله وكيفية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرابه مرجعه من تبوك قبل دخوله المدينة ومضمون ذلك أن طائفة من المنافقين بنوا صورة مسجد قريبا من مسجد قباء وأرادوا أن يصلي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حتى يروج لهم ما ارادوه من الفساد والكفر والعناد فعصم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من الصلاة فيه وذلك أنه كان على جناح سفر إلى تبوك فلما رجع منها فنزل بذي أوان مكان بينه وبين المدينة ساعة نزل عليه الوحي في شأن هذا المسجد وهو قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفروا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل الآية أما قوله ضرارا فلأنهم ارادوا مضاهاة مسجد قباء وكفرا بالله لا للايمان به وتفريقا للجماعة عن مسجد قباء وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وهو أبو عامر الراهب الفاسق قبحه الله وذلك أنه لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فابى عليه ذهب الى مكة فاستنفرهم فجاؤا عام أحد فكان من أمرهم ما قدمناه فلما لم ينهض امره ذهب إلى ملك الروم قيصر ليستنصره على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو عامر على دين هرقل ممن تنصر معهم من العرب وكان يكتب إلى إخوانه الذين نافقوا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا فكانت مكاتباته تفد اليهم كل حين فبنوا هذا المسجد في الصورة الظاهرة وباطنه دار حرب ومقر لمن
يفد من عند أبي عامر الراهب ومجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين ولهذا قال تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل ثم قال وليحلفن أي الذين بنوه إن أردنا إلا الحسنى أي غنما أردنا ببنائه الخير قال الله تعالى والله يشهد إنهم لكاذبون ثم قال الله تعالى الى رسوله لا تقم فيه أبدا فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم امره وحثه على القيام في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم وهو مسجد قباء لما دل عليه السياق والاحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة اليه وما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك وأحرى وأثبت في الفضل منه وأقوى وقد أشبعنا القول في ذلك في التفسير ولله الحمد والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بذي اوان دعا مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي رضي الله عنهما فامرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار فذهبا فحرقاه بالنار وتفرق عنه أهله
قال ابن اسحاق وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم خذام بن خالد وفي جنب داره كان بناء هذا المسجد وثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وأبو حبيبة بن الأزعر وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف وجارية بن عامر وابناه مجمع وزيد ونبتل بن الحارث وبخرج وهو الى بني ضبيعة وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة ووديعة بن ثابت وهو الى بني أمية
قلت وفي غزوة تبوك هذه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها وذلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب يتوضأ ومعه المغيرة بن شعبة فابطأ على الناس فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف فلما سلم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنتم وأصبتم وذلك فيما رواه البخاري رحمه الله قائلا حدثنا وقال البخاري حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم فقالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال وهم بالمدينة حبسهم العذر تفرد به من هذا الوجه قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيى عن العباس بن سهل بن سعد عن ابي حميد قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك حتى إذا اشرفنا على المدينة قال هذه طابة وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه ورواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال اذكر أني خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ثنية الوداع مقدمه من غزوة بتوك ورواه أبو داود والترمذي من حديث سفيان بن عيينة به وقال الترمذي حسن صحيح وقال البيهقي
أخبرنا أبو نصر بن قتادة أخبرنا أبو عمرو بن مطر سمعت أبا خليفة يقول سمعت ابن عائشة يقول لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن
طلع البدر علينا * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع
قال البيهقي وهذا يذكره علماؤنا عند مقدمه المدينة من مكة لا أنه لما قدم المدينة من ثنيات الوداع عند مقدمه من تبوك والله اعلم فذكرناه ها هنا أيضا قال البخاري رحمه الله حديث كعب ابن مالك رضي الله عنه حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك قال كعل لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها الا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب احدا تخلف عنها انما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حتى تواثبنا على الاسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيشر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة ولم يكن رسول الله يريد غزوة الا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة غزاها رسول الله في حر شديد واستقبل سفر بعيدا وعددا وعدادا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان قال كعب فما رجل يريد أن يتغيب الا ظن أن يستخفي له ما لم ينزل فيه وحي الله وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فارجع ولم اقض شيئا فاقول في نفسي أنا قادر عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد فاصبح رسول الله والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا فقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم اقض شيئا ثم غدوت ثم رجعت ولم أقض شيئا فلم يزل بي حتى اسرعوا وتفارط الغزو وهممت أن ارتحل فادركهم وليتني فعلت فلم يقدر لي ذلك فكنت اذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله فطفت فيهم أحزنني أني لا ارى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك ما فعل كعب فقال
رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه براده ونظره في عطفيه فقال معاذ بن جبل بئس ما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كعب بن مالك قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج غدا من سخطه واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء من كذب فاجمعت صدقه وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه ويحلفون له وكانوا بضعو وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم الى الله عز وجل فجئته فما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك ألم تكن د ابتعت ظهرك فقلت بلى وإني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرايت أن سأخرج من سخطه بعذر ولقد اعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليو حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لارجو فيه عفو الله لا والله ما كان لي عذر ووالله ما كنت قط اقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك فقمت فثار رجال من بني سلمة فاتبعونب فقالوا لي والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر اليه المخلفون وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك فوالله ما زالوا يؤنبوننب حتى ههمت أن أرجع فاكذب نفسي ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الارض فما هي التي اعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ثم اصلي قريبا منه فأسارقه النظر فاذا أقبلت على صلاتي أقبل الي واذا التفت نحوه أعرض عني حتى اذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس الي فسلمت عليه فوالله ما رد علي اللام فقلت يا ابا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله
ورسوله فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار قال وبينا أنا أمشي بسوق المدينة اذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى اذا جاءني دفع الي كتابا من ملك غسان في سرقة من حرير فاذا فيه أما بعد فانه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك فقلت لما قرأتها وهذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى اذا مضت أربعون ليلة من الخمسين اذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل الى صاحبي بمثل ذلك فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر قال كعب فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول الله فقالت يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال لا ولكن لا يقربك قالت إنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان الى يومه هذا فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه فقلت والله لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ما يقول رسول الله إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت خمسون ليلة من حين نهى رسول الله عن كلامنا فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا فبينا سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع يقول بأعلى صوته يا كعب ابشر فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله للناس بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يباشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض رجل الي فرسا وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون ليهنك توبة الله عليك قال كعب حتى دخلت المسجد فاذا برسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة قال كعب فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قال قلت أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال لا بل من عند الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر وكنا نعرف ذلك منه فلما جلسنا بين
يديه قلت يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة الى الله وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك قلت فاني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت يا رسول الله إن الله إنما نجاني بالصدق وإن من توبتي ألا أتحدث إلا صدقا ما بقيت فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين ابلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما أبلاني ما شهدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا واني لارجو ان يحفظني الله فيما بقيت وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الى قوله وكونوا مع الصادقين فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للاسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون كذبته فأهلم كما هلك الذين كذبوا فان الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لاحد قال الله تعالى سيحلفون بالله لكم اذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم الى قوله فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين قال كعب وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه فبذلك قال الله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا ليس الذي ذكر الله مما خلفنا من الغزو وانما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه امرنا عمن حلف له واعتذر اليه فقبل منهم وهذا رواه مسلم من طريق الزهري بنحوه وهكذا رواه محمد بن اسحاق عن الزهري مثل سياق البخاري وقد سقناه في التفسير من مسند الامام احمد وفيه زيادات يسيرة ولله الحمد والمنة


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:24 AM
* ذكر اقوام تخلفوا من العصاة غير هؤلاء
@
قال علي بن طلحة الوالبي عن ابن عباس في وله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله هو التواب الرحيم قال كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضروا رجوعه أوسق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد فلما مر بهم رسول الله قال من هؤلاء قالوا أبا لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك حتى تطلقهم وتعذرهم قال وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله عز وجل هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين فلما أن بلغهم ذلك قالوا ونحن لا طلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فانزل الله عز وجل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية وعسى من الله واجب فلما أنزلت ارسل اليهم رسول الله فاطلقهم وعذرهم فجاؤا باموالهم وقالوا يا رسول الله هذه أموالنا
فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال ما أمرت أن آخذ أموالكم فانزل الله خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وان الله سميع عليم الى قوله وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فارجئوا حتى نزل قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والانصار الذين حلفوا الى آخرها وكذا رواه عطية بن سعيد العوفي عن ابن عباس بنحوه
وقد ذكر سعيد بن المسيب ومجاهد ومحمد بن اسحاق قصة أبي لبابة وما كان من أمره يوم بني قريظة وربط نفسه حتى تيب عليه ثم إنه تخلف عن غزوة تبوك فربط نفسه أيضا حتى تاب الله عليه وأراد أن ينخلع من ماله كله صدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفيك من ذلك الثلث قال مجاهد وابن اسحاق فيه نزل وآخرون اعترفوا بذنوبهم الآية قال سعيد بن المسيب ثم لم ير منه بعد ذلك في الاسلام الا خيرا رضي الله عنه وأرضاه
قلت ولعل هؤلاء لم يذكروا معه بقية اصحابه واقتصروا على أنه كان الزعيم لهم كما دل عليه سياق ابن عباس والله أعلم وروى الحافظ البيهقي من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن عياض عن ابيه عن ابن مسعود قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن فيكم أو إن منكم منافقين فسلوا الله العافية قال فمر عمر برجل متقنع وقد كان بينه وبينه معرفة فقال ما شأنك فاخبره بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعدا لك سائر اليوم
قلت كان المتخلفون عن غزوة تبوك أربعة أقسام مأمورون مأجورون كعلي بن ابي طالب ومحمد بن مسلمة وابن أم كلثوم ومعذورون وهم الضعفاء والمرضى والمقلون وهم البكاؤن وعصاة مذنبون وهم الثلاثة أبو لبابة وأصحابه المذكورون وآخرون ملومون مذمومون وهم المنافقون
*2* ما كان من الحوادث بعد منصرفه من تبوك
@
قال الحافظ البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ إملاء أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو البختري عبد الله بن شاكر حدثنا زكريا بن يحيى حدثنا عم ابي زخر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة بن لام يقول هاجرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل لا يفضض الله فاك فقال
من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا نطفة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رجم * إذا مضى عالم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق
وأنت لما ولدت أشرقت الأر * ض فضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد يخترق
ورواه البيهقي من طريق اخرى عن أبي السكن زكريا بن يحيى الطائي وهو في جزء له مروى عنه قال البيهقي وزاد ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحيرة البيضاء رفعت لي وهذه الشيماء بنت نفيلة الازدية على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود فقلت يا رسول الله إن نحن دخلنا الحيرة فوجدتها كما تصف فهي لي قال هي لك قال ثم كانت الردة فما ارتد أحد من طيء وكنا نقاتل من يلينا من العرب على الاسلام فكنا نقاتل قيسا وفيها عيينة بن حصن وكنا نقاتل بني أسد وفيهم طلحة بن خويلد وكان خالد بن الوليد يمدحنا وكان فيما قال فينا
جزى الله عنا طيئا في ديارها * يمعترك الابطال خبر جزاء
هموا أهل رايات السماحة والندى * إذا ما الصبا ألوت بكل خباء
هموا ضربوا قيسا على الدين بعدما * أجابوا منادي ظلمة وعماء
قال ثم سار خالد إلى مسيلمة الكذاب فسرنا معه فلما فرغنا من مسيلمة أقبلنا إلى ناحية البصرة فلقينا هرمز بكتظمة في جيش هو اكثر من جمعنا ولم يكن احد من العجم أعدى للعرب والاسلام من هرمز فخرج اليه خالد ودعاه الى البراز فبرز له فقتله خالد وكتب بخبره الى الصديق فنفله سلبه فبلغت قلنسوة هرمز مائة الف درهم وكانت الفرس اذا شرف فيها الرجل جهعلت قلنسوته بمائة ألف درهم قال ثم قفلنا على طريق الطف الى الحيرة فأول من تلقانا حين دخلناها الشيماء بنت نفيلة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة شهباء معتجرة بخمار أسود فتعلقت بها وقلت هذه وهبها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني خالد عليها بالبينة فأتيته بها وكانت البينة محمد بن مسلمة ومحمد بن بشير الانصاري فسلمها لي فنزل إلي أخوها عبد المسيح يريد الصلح فقال بعينها فقلت لا أنقصها والله عن عشرة مائة درهم فاعطاني ألف درهم وسلمتها اليه فقيل لو قلت مائة ألف لدفعتها اليك فقلت ما كنت أحسب أن عددا أكثر من عشر مائة
*2* قدوم وفد ثقيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من سنة تسع
@
تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ارتحل عن ثقيف سئل أن يدعو عليهم فدعا لهم بالهداية وقد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اسلم مالك بن عوف النضري أنعم عليه وأعطاه وجعله أميرا على من أسلم من قومه فكان يغزو بلاد ثقيف ويضيق عليهم حتى ألجأهم الى الدخول في الاسلام وتقدم أيضا فيما رواه أبو داود عن صخر بن العيلة الاحمسي أنه لم يزل بثقيف حتى أنزلهم من حصنهم على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل بهم الى المدينة النبوية بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك
وقال ابن اسحاق وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد من ثقيف وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع اثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يصل الى المدينة فأسلم وسأله أن يرجع الى قومه بالاسلام فقال له رسول الله كما يتحدث قومه إنهم قاتلوك وعرف رسول الله أن فيهم نخوة الامتناع للذي كان منهم فقال عروة يا رسول الله أنا أحب اليهم من أبكارهم وكان فيهم كذلك محببا مطاعا فخرج يدعو قومه الى الاسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما اشرف على عيلة له وقد دعاهم الى الاسلام وأظهر لهم يدنه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله فتزعم بنو مالك أنه قتله رجل منهم يقال له أوس بن عوف أخو بني سالم بن مالك ويزعم الاحلاف أنه قتله رجل منهم من بني عتاب يقال له وبه بن جابر فقيل لعروة ما ترة في دينك قال كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله الي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم فادفنوني معهم فدفنوه معهم فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه وهكذت ذكر موسى بن عقبة قصة عروة ولكن زعم أن ذلك كان بعد حجة أبي بكر الصديق وتابعه أبو بكر البيهقي في ذلك وهذا بعيد والصحيح أن ذلك قبل حجة أبي بكر كما ذكره ابن اسحاق والله أعلم
قال ابن اسحاق ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهرا ثم إنهم ائتمروا بينهم رأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا فائتمروا فيما بينهم وذلك عن رأي عمرو ابن أمية أخي بني علاج فائتمروا بينهم ثم أجمعوا على أن يرسلوا رجلا منهم فارسلوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومعه اثنان من الأحلاف وثلاثة من بني مالك وهم الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب وعثمان بن أبي العاص وأوس بن عوف أخو
بني سالم ونمير بن خرشة بن ربيعة وقال موسى بن عقبة كانوا بضعة عشر رجلا فيهم كنانة بن عبد ياليل وهو رئيسهم وفيهم عثمان بن ابي العاص وهو أصغر الوفد قال ابن اسحاق فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة الفوا المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآهم ذهب يشتد ليبشر رسول الله بقدومهم فلقيه أبو بكر الصديق فاخبره عن ركب ثقيق أن قدموا يريدون البيعة والاسلام إن شرط لهم رسول الله شروطا ويكتبوا كتابا في قومهم فقال أبو بكر للمغيرة أقسمت عليك لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه ففعل المغيرة فدخل أبو بكر فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم ثم خرج المغيرة إلى أصحابه فروح الظخر معهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية ولما قدموا على رسول الله ضربت عليهم قبة في المسجد وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله فكان إذا جاءهم بطعام من عنده لم يأكلوا منه حتى يأكل خال بن سعيد قبلهم وهو الذي كتب لهم كتابهم قال وكان مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدع لهم الطاغية ثلاث سنين فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم حتى سألوه شهرا واحد بعد مقامهم ليتألفوا سفهاءهم فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى إلا أن يبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة ليهدماها وسألوه مع ذلك أن لا يصلوا وأن لا يكسروا أصنامهم بايديهم فقال أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه فقالوا سنؤتيكها وإن كانت دناءة وقد قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا محمد بن مسلمة عن حميد عن الحسن عن عثمان بن ابي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزلهم المسجد ليكون أق لقلوبهم فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم أن لا تحشروا ولا تجبوا ولا يستعمل عليكم غيركم ولا خير في دين لا ركوع فيه وقال عثمان بن ابي العاص يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي وقد رواه أبو داود من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن حميد به وقال أبو داود حدثنا الحسن بن الصباح ثنا اسماعيل بن عبد الكريم حدثني ابراهيم بن عقيل بن منبه سألت جابرا عن شأن ثقيف إذ بايعت قال اشترطت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا
قال ابن اسحاق فلما أسلموا وكتب لهم كتابهم أمر عليهم عثمان بن ابي العاص وكان أحدثهم سنا لأن الصديق قال يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم
القرآن وذكر موسى بن عقبة أن وفدهم كانوا إذا أتوا رسول الله خلفوا عثمان بن أبي العاص في رحالهم فاذا رجعوا وسط النهار جاء هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن العلم فاستقرأه فان وجده نائما ذهب إلى أبي بكر الصديق فلم يزل دأبه حتى فقه في الاسلام وأحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا
قال ابن اسحاق حدثني سعيد بن أبي هند عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عثمان بن أبي العاص قال كان من آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثني إلى ثقيف قال يا عثمان تجوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم فان فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة وقال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي العلاء عن مطرف عن عثمان بن أبي العاص قال قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي قال أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا رواه أبو داود الترمذي من حديث حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن اسماعيل بن علية عن محمد بن اسحاق كما تقدم وروى احمد عن عفان عن وهب وعن معاوية بن عمرو عن زائدة كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن داود ابن أبي عاصم عن عثمان بن أبي العاص أن آخر ما فارقه رسول الله حين استعمله على الطائف أن قال إذا صليت بقوم فخفف بهم حتى وقت لي اقرأ باسم ربك الذي خلق وأششباهها من القرآن وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب قال حدث عثمان ابن أبي العاص قال آخر ما عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال إذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة ورواه مسلم عن محمد بن مثنى وبندار كلاهما عن محمد بن جعفر عن عبد ربه وقال احمد حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عبد الله بن الحكم أنه سمع عثمان بن أبي العاص يقول استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف فكان آخر ما عهد إلي إن قال خفف عن الناس الصلاة تفرد به من هذا الوجه وقال احمد حدثنا يحيى بن سعيد أخبرنا عمرو بن عثمان حدثني موسى هو ابن طلحة أن عثمان بن أبي العاص حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يؤم قومه ثم قال من أم قوما فليخفف بهم فان فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة فاذا صلى وحده فليصل كيف شاء ورواه مسلم من حدييث عمرو بن عثمان به وقال احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم سمعت أشياخا من ثقيق قالوا حدثنا عثمان بن ابي العاص أنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم قومك وإذا أممت قوما فخفف بهم الصلاة فانه يقوم فيها الصغير والكبير والضعيف والمريض وذو الحاجة وقال احمد حدثنا ابراهيم بن اسمايل عن الجريري عن أبي العلاء بن الشخير قال يا رسول الله حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي قال ذاك شيطان يقال له خنري فاذا أنت حسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا قال
ففعلت ذلك فاذهبه الله عني ورواه مسلم من حديث سعيد الجريري به وروى مالك واحمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن نافع بن جبير بن مطعم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا يجده في جسده فقال له ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل بسم الله ثلاثا وقل سبع مرات أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وفي بعض الروايات ففعلت ذلك فاذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم وقال أبو عبد الله بن ماجه حدثنا محمد بن يسار ثنا محمد ابن عبد الله الانصاري حدثني عيينة بن عبد الرحمن وهو ابن جوشن حدثني أبي عن عثمان بن أبي العاص قال لما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن أبي العاص قلت نعم يا رسول الله قال ما جاء بك قلت يا رسول الله عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي قال ذاك الشيطان أدن فدنوت منه فجلست على صدور قومي قال فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال أخرج عدو الله فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال الحق بعملك قال فقال عثمان فلعمري ما أحسبه خالطني بعد تفرد به ابن ماجه
قال ابن اسحاق وحدثني عيسى بن عبد الله عن عطية بن سفيان بن ربيعة الثقفي عن بعض وفدهم قال كان بلال يأتينا حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من شهر رمضان بفطورنا وسحورنا فيأتينا بالسحور فانا لنقول إنا لنرى الفجر قد طلع فيقول قد تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسحر لتأخير السحور ويأتينا بفطرنا وإنا لنقول ما نرى الشمس ذهبت كلها بعد فيقول ما جئتكم حتى أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يضع يده في الجفنة فيلقم منها وروى الامام احمد وأبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن جده بن حذيفة قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف قال فنزلت الاحلاف على المغيرة بن شعبة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني مالك في قبة له كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ثم يقول لا آسى وكنا مستضعفين مستذلين بمكة فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم ندال عليهم ويدالون علينا فلما كانت ليلة أبطأ عنا الوقت الذي كان يأتينا فيه فقلنا لقد أبطأت علينا الليلة فقال إنه طرئ علي جزئي من القرآن فكرهت أن أجيء حتى أتمه قال أوس سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجزئون القرآن فقالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشر وثلاث عشر وحزب المفصل وحده لفظ أبو داود قال ابن اسحاق فلما فرغوا
من أمرهم وتوجهوا إلى بلادهم راجعين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة في هدم الطاغية فخرجا مع القوم حتى اذا قدموا الطائف أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى ذلك عليه أبو سفيان وقال ادخل أنت على قومك واقام أبو سفيان بماله بذي الهرم فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول وقام قومه بني معتب دونه خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود قال وخرج نساء ثقيق حسرا يبكين عليها ويقلن
لنبكين دفاع * أسلمها الرضاع
لم يحسنوا المصاع
قال ابن اسحاق ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفاس وآهل لك وآهل لك فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل إلى أبي سفيان فقال إن رسول الله قد أمرنا أن نقضي عن عروة بن مسعود وأخيه الاسود بن مسعود والدقارب بن الاسود دينهما من مال الطاغية يقضي ذلك عنهما قلت كان الاسود قد مات مشركا ولكن أمر رسول الله بذلك تأليفا وإكراما لولده قارب بن الاسود رضي الله عنه وذكر موسى بن عقبة أن وفد ثقيف كانوا بضعة عشر رجلا فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن فسألوه عن الربا والزنا والخمر فحرم عليهم ذلك كله فسألوه عن الربة ما هو صانع بها قال اهدموها قالوا هيهات لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها قتلت أهلها فقال عمر بن الخطاب ويحك يا ابن عبد ياليل ما أجهلك إنما الربة حجر فقالوا إنا لم نأتك يا ابن الخطاب ثم قالوا يا رسول الله تول أنت هدمها أما نحن فانا لن نهدمها أبدا فقال سأبعث اليكم من يكفيكم هدمها فكاتبوه على ذلك واستأذنوه أن يسبقوا رسله اليهم فلما جاءوا قومهم تلقوهم فسألوهم ما وراءكم فأظهروا الحزن وأنهم إنما جاءوا من عند رجل فظ غليظ قد ظهر بالسيف بحكم ما يريد وقد دوخ العرب قد حرم الربا والزنا والخمر وأمر بهدم الربة فنفرت ثقيف وقالوا لا نطيع لهذا أبدا قال فأهبوا للقتال وأعدوا السلاح فمكثوا على ذلك يومين أو ثلاثة ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب فرجعوا وأنابوا وقالوا ارجعوا اليه فشارطوه على ذلك وصالحوه عليه قالوا فإنا قد قاضيناه ذلك ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا اليه وفيما قاضيناه فافهموا القضية واقبلوا عافية الله قالوا فلم كتمتمونا هذا أولا قالوا أردنا أن ينزع الله من قلوبكم نخوة الشيطان فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما ثم قدم عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة فعمدوا إلى اللات وقد استكفت ثقيف رجالها ونساءها والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال ولا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون أنها ممتنعة فقام المغيرة بن شعبة فأخذ الكرزين يعني المعول وقال لاصحابه والله لاضحكنكم من ثقيف
فضرب بالكرزين ثم سقط يركض برجله فارتج أهل الطئاف بصيحة واحدة وفرحوا وقالوا أبعد الله المغيرة قتلته الربة وقالوا لأولئك من شاء منكم فليقترب فقام المغيرة فقال والله يا معشر ثقيف إنما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلوا عافية الله واعبدوه ثم إنه ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى أمر النبي محمد وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبد الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الله بن الحارث من أهل مكة مخزومي حدثني محمد ابن عبد الله بن أنسان وثنى عليه خيرا عن أبيه عن عروة بن الزبير قال اقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من لية حتى إذا كنا عند السدرة وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في طرف القرن حذوها فاستقبل محبسا ببصره يعني واديا ووقف حتى اتفق الناس كلهم ثم قال إن صيدوج وعضاهه حرم محرم لله وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفا وقد رواه أبو داود من حديث محمد بن عبد الله بن انسان الطائفي وقد ذكره ابن حبان في ثقاته وقال ابن معين ليس به بأس تكلم فيه بعضهم وقد ضعف احمد والبخاري وغيرهما هذا الحديث وصححه الشافعي وقال بمقتضاه والله أعلم
*2* موت عبد الله بن أبي قبحه الله
@
قال محمد بن اسحاق حدثني الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي يعوده في مرضه الذي مات فيه فلما عرف فيه الموت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله إن كنت لأنهاك عن حب يهود فقال قد أبغضهم أسعد بن زرارة فمه وقال الواقدي مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال ومات في ذي القعدة وكان مرضه عشرين ليلة فكان رسول الله يعوده فيها فلما كان اليوم الذي مات فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود
بنفسه فقال قد نهيتك عن حب يهود فقال قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ثم قال يا رسول الله ليس هذا الحين عتاب هو الموت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جلدك فكفني فيه وصل علي واستغفر لي ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى البيهقي من حديث سالم بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوا مما ذكره الواقدي فالله أعلم وقد قال اسحاق بن راهويه قلت لابي اسامة أحدثكم عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فاعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عليه فقام عمر بن الخطاب فاخذ بثوبه فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك الله عنه فقال رسول الله إن ربي خيرني فقال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم وسأزيد على السبعين فقال إنه منافق أتصلي عليه فانزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله فأقر به أبو أسامة وقال نعم وأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي أسامة وفي رواية للبخاري وغيره قال عمر فقلت يا رسول الله تصلي عليه وقد قال في يوم كذا كذا وقال في يوم كذا كذا وكذا فقال دعني يا عمر فاني بين خيرتين ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر له لزدت ثم صلى عليه فأنزل الله عز وجل ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره الآية قال عمر فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله أعلم وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبر عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فامر به فاخرج فوضعه على ركبتيه أو فخذيه ونفث عليه من ريقه والبسه قميصه فالله أعلم وفي صحيح البخاري بهذا الاسناد مثله وعنده إنه إنما ألبسه قميصه مكافأة لما كان كسى العباس قميصا حين قدم المدينة فلم يجدوا قميصا يصلح له إلا قميص عبد الله بن أبي وقد ذكر البيهقي ها هنا قصة ثعلبة بن حاطب وكيف افتتن بكثرة المال ومنعه الصدقة وقد حررنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله الآية
*2* فصل ( غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله عليه السلام ) .
@ قال ابن اسحاق وكانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه يعدد أيام الانصار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر مواطنهم معه في أيام غزوه قال ابن هشام وتروى لابنه عبد الرحمن بن حسان
ألست خير معد كلها نفرا * ومعشرا إن هموا عموا وإن حصلوا
قوم هموا شهدوا بدرا بأجمعهم * مع الرسول فما ألوا وما خذلوا
وبايعوه فلم ينكث به أحد * منهم ولم يك في إيمانه دخل
ويوم صبحهم في الشعب من أحد * ضرب رصين كحر النار مشتعل
ويوم ذي قرد يوم استثار بهم * على الجياد فما خانوا وما نكلوا
وذا العشيرة جاسوها بخيلهم * مع الرسول عليها البيض والأسل
ويوم ودان أجلوا أهله رقصا * بالخيل حتى نهانا الحزن والجبل
وليلة طلبوا فيها عدوهم * لله والله يخزيهم بما عملوا
وليلة بحنين جالدوا معه * فيها يعلهم في الحرب إذ نهلوا
وغزوة يوم نجد ثم كان لهم * مع الرسول بها الأسلاب والنفل
غزوة القاع فرقنا العدو به * كما يفرق دون المشرب الرسل
ويوم بويع كانوا أهل بيعته * على الجلاد فآسوا وما عدلوا
وغزوة الفتح كانوا في سريته * مرابطين فما طاشوا وما عجلوا
ويوم خيبر كانوا في كتيبته * يمشون كلهم مستبسل بطل
بالبيض ترعش في الايمان عارية * تعوج بالضرب أحيانا وتعتدل
ويوم سار رسول الله محتسبا * إلى تبوك وهم راياته الأول
وساسة الحرب إن حرب بدت لهم * حتى بدا لهم الإقبال فالقفل
أولئك القوم أنصار النبي وهم * قومي أصير إليهم حين أتصل
ماتوا كراما ولم تنكث عهودهم * وقتلهم في سبيل الله إذ قتلوا
*2* ذكر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميرا على الحج سنة تسع ونزول سورة براءة
@
قال ابن اسحاق بعد ذكره وفود أهل الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان كما تقدم بيانه مبسوطا قال أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر أميرا على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم وأهل الشرك على منازلهم من حجهم لم يصدوا بعد عن البيت ومنهم من له عهد مؤقت إلى أمد فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه بمن معه من المسلمين وفصل عن البيت أنزل الله عز وجل هذه الآيات من أول سورة التوبة براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة اشهر إلى قوله وأذان من الله ورسوله إلى
الناس يوم الحج الاكبر إن الله بريء من المشركين ورسوله إلى آخر القصة ثم شرع ابن اسحاق يتكلم على هذه الآيات وقد بسطنا الكلام عليها في التفسير ولله الحمد والمنة والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عليا رضي الله عنه بعد أبي بكر الصديق ليكون معه ويتولى علي بنفسه ابلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكونه ابن عمه من عصبته
قال ابن اسحاق حدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل له يا رسول الله لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي ثم دعا علي بن أبي طالب فقال اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى ألا إنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته فخرج علي بن أبي طالب على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر الصديق فلما رآه ابو بكر قال أمير أو مأمور فقال بل مأمور ثم مضيا فاقام أبو بكر للناس الحج والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل أربعة اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة الا أحد كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته فلم يحج بعد ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان ثم قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل من هذا الوجه وقد قال البخاري باب حج أبي بكر رضي الله عنه بالناس سنة تسع حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها النبي صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذن في الناس أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن في البيت عريان وقال البخاري في موضع آخر حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر الصديق في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان قال حميد ثم اردف النبي صلى الله عليه وسلم بعلي فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقال البخاري في كتاب الجهاد حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر الصديق فيمن يؤذن يوم النحر بمنى لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الاكبر يوم النحر وإنما قيل الاكبر من أجل قول الناس العمرة
الحج الاصغر فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مشرك ورواه مسلم من طريق الزهري به نحوه
وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن مغيرة عن الشعبي عن محرز بن ابي هريرة عن أبيه قال كنت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كنتم تنادون قالوا كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن ولا يطوف في البيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فان أجله أو أمده إلى أربعة أشهر فاذا مضت الاربعة أشهر فان الله برئ من المشركين ورسوله ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك قال فكنت أنادي حتى صحل صوتي وهذا اسناد جيد لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي إن من كان له عهد فاجله إلى أربعة أشهر وقد ذهب إلى هذا ذاهبون ولكن الصحيح أن من كان له عهد فأجله إلى أمده بالغا ما بلغ ولو زاد على أربعة أشهر ومن ليس له أمد بالكلية فله تأجيل أربعة اشهر بقي قسم ثالث وهو من له أمديتنا إلى أقل من أربعة اشهر من يوم التأجيل وهذا يحتمل أن يلتحق بالاول فيكون أجله إلى مدته وإن قل ويحتمل أن يقال إنه يؤجل إلى أربعة اشهر لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية والله تعالى أعلم وقال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد عن سماك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث براءة مع أبي بكر فلما بلغ ذا الحليفة قال لا يبلغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي فبعث بها مع علي بن أبي طالب وقد رواه الترمذي من حديث حماد بن سلمة وقال حسن غريب من حديث أنس وقد روى عبد الله بن أحمد عن لوين عن محمد بن جابر عن سماك عن حلس عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اردف أبا بكر بعلي فأخذ منه الكتاب بالجحفة رجع أبو بكر فقال يا رسول الله نزل في شيء قال لا ولكن جبريل جاءني فقال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك وهذا ضعيف الاسناد ومتنه فيه نكارة والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن أبي اسحاق عن زيد بن بثيع رجل من همدان قال سألنا عليا بأي شيء بعثت يوم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر في الحجة قال باربع لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته ولا يحج المشركون بعد عامهم هذا وهكذا رواه الترمذي من حديث سفيان هو ابن عيينة عن أبي اسحاق السبيعي عن زيد بن بثيع عن علي بن وقال حسن صحيح ثم قال وقد رواه شعبة عن أبي اسحاق فقال عن زيد ابن أثيل ورواه الثوري عن أبي اسحاق عن بعض أصحابه عن علي
قلت ورواه ابن جرير من حديث معمر عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي وقال ابن
جرير حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد أخبرنا حيوة بن شريح أخبرنا ابن صخر أنه سمع أبا معاوية البجلي من أهل الكوفة يقول سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول سألت علي بن أبي طالب عن يوم الحج الاكبر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر ابن أبي قحافة يقيم للناس الحج وبعثني معه باربعين آية من براءة حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة فلما قضى خطبته التفت إلي فقال قم يا علي فأد رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة ونحرت البدنة ثم حلقت رأسي وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضورا كلهم خطبة أبي بكر رضي الله عنه يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرؤها عليهم قال على فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر إلا وهو يوم عرفة وقد تقصينا الكلام على هذا المقام في التفسير وذكرنا اسانيد الاحاديث والآثار في ذلك مبسوطا بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة
قال الواقدي وقد كان خرج مع أبي بكر من المدينة ثلثمائة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف وخرج أبو بكر معه بخمس بدنات وبعث معه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرين بدنة ثم أردفه بعلي فلحقه بالعرج فنادى ببراءة امام الموسم
*2* فصل ( موت النجاشي سنة تسع وموت أم كلثوم بنت رسول الله ) .
@ كان في هذه السنة أعني في سنة تسع من الامور الحادثة غزوة تبوك في رجب كما تقدم بيانه قال الواقدي وفي رجب منها مات النجاشي صاحب الحبشة ونعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس وفي شعبان منها أي من هذه السنة توفيت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بن عبد المطلب وقيل غسلها نسوة من الانصار فيهم أم عطية
قلت وهذا ثابت في الصحيحين وثبت في الحديث أيضا أنه عليه السلام لما صلى عليها وأراد دفنها قال لا يدخله أحد قارف الليلة أهله فامتنع زوجها عثمان لذلك ودفنها أبو طلحة الانصاري رضي الله عنه ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابهم فقال لا يدخل قبرها إلا من لم يفارق أهله من هؤلاء إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بعيد والله أعلم وفيها صالح ملك أيلة وأهل جرباء وأذرح وصاحب دومة الجندل كما تقدم ايضاح ذلك كله في مواضعه وفيها هدم مسجد الضرار الذي بناه جماعة من المنافقين صورة مسجد وهو دار حرب فن
الباطن فأمر به عليه السلام فحرق وفي رمضان منها قدم وفد ثقيف فصالحوا عن قومهم ورجعوا اليهم بالأمان وكسرت اللات كما تقدم وفيها توفي عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله في أواخرها وقبله بأشهر توفي معاوية بن معاوية الليثي أو المزني وهو الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك إن صح الخبر في ذلك وفيها حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم له في ذلك وفيها كان قدوم عامة وفود أحياء العرب ولذلك تسمى سنة تسع سنة الوفود وها نحن نعقد لذلك كتابا برأسه اقتداء بالبخاري وغيره
*2* كتاب الوفود
@
الواردين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال محمد بن اسحاق لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت اليه وفود العرب من كل وجه قال ابن هشام حدثني أبو عبيدة أن ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمى سنة الوفود قال ابن اسحاق وإنما كانت العرب تربص بإسلامها أمر هذا الحي من قريش لأن قريشا كانوا امام الناس وهاديتهم وأهل البيت والحرم وصريح ولد اسماعيل بن ابراهيم وقادةالعرب لا ينكرون ذلك وكانت قريش هي التي نصبت الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الاسلام عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته فدخلوا في دين الله كما قال عز وجل أفواجا يضربون اليه منكل وجه يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا أي فاحمد الله على ما ظهر من دينك واستغفره غنه كان توابا وقد قدمنا حديث عمرو بن مسلمة قال كانت العرب تلوم باسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فانه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر أي قومي باسلامهم فلما قدم قال جئتكم والله من عند النبي حقا قال صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا فاذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري
قلت وقد ذكر محمد بن اسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قومهم على سنة تسع بل وعلى فتح مكة وقد قال الله تعالى لا يستوي منكم من أنفق من مقبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح لا هجرة ولكن جهاد ونية فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على
زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة وبين الملاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرا وحسنى ولكن ليس في ذلك كالسابق في الزمان والفضيلة والله أعلم على أن هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بايراد الوفود قد تركوا فيما أوردوه أشياء لم يذكروها ونحن نورد بحمد الله ومنه ما ذكروه وننبه على ما ينبغي التنبيه عليه من ذلك ونذكر ما وقع لنا مما أهملوه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد قال محمد بن عمر الواقدي حدثنا كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر اربعمائة من مزينة وذاك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا إلى أموالكم فرجعوا إلى بلادهم ثم ذكر الواقدي عن هشام بن الكلبي باسناده أن أول من قدم من مزينة خزاعي بن عبد نهم ومعه عشرة من قومه فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اسلام قومه فلما رجع اليهم لم يجدهم كما ظن فيهم فتأخروا عنه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت أن يعرض بخزاعي من غير أن يهجوه فذكر أبياتا فلما بلغت خزاعيا شكى ذلك إلى قومه فجمعوا له وأسلموا معه وقدم بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الفتح دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة وكان يومئذ الفا إلى خزاعي هذا قال وهو أخو عبد الله ذو البجادين وقال البخاري رحمه الله باب وفد بني تميم حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي صخرة عن صفوان بن محرز المازني عن عمران بن حصين قال أتى نفر من بني تميم ألى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا يا رسول الله قد بشرتنا فاعطنا فرؤى ذلك في وجهه ثم جاء نفر من اليمن فقال اقبلوا البشرى إذا لم يقبلها بنو تميم قالوا قبلنا يا رسول الله ثم قال البخاري حدثنا ابراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبره عن ابن ابي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبرهم أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر أمر القعقاع ابن معبد بن زرارة فقال عمر بل أمر الاقرع بن حابس فقال أبو بكر ما أردت إلا خلافي فقال عمر ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت يا ايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله حتى انقضت ورواه البخاري أيضا من غير وجه عن ابن أبي مليكة بألفاظ أخرى قد ذكرنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية
وقال محمد بن اسحاق ولما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفود العرب قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر التميمي أحد بني سعد وعمرو بن الاهتم والحتحات بن يزيد ونعيم بن يزيد وقيس بن
الحارث وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم قال ابن اسحاق ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وقد كان الاقرع بن حابس وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنين والطائف فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته أن أخرج الينا يا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم فخرج اليهم فقالوا يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال قد اذنت لخطيبكم فليقل فقام عطارد بن حاجب فقال الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف وجعلنا أعزة أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة فمن مثلنا في الناس ألسنا برؤس الناس وأولي فضلهم فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا وإنا لو نشاء لاكثرنا الكلام ولكن نخشى من الاكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا ثم جلس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج قم فاجب الرجل في خطبته فقام ثابت فقال الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه ولم يك شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا واصطفى من خيرته رسولا أكرمه نسبا واصدقه حديثا وأفضله حسبا فانزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله من العالمين ثم دعا الناس إلى الايمان به فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس احسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا ثم كان أول الخلق إجابة واستجاب لله حين دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن فنحن أنصار الله وزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم فقام الزبرقان


بن بدر فقال
نحن الكرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم تصطنع
فننحر الكوم غبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فما ترانا إلى حي نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد
إنا كذلك عند الفخر نرتفع
قال ابن اسحاق وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فلما انتهيت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام شاعر القوم فقال ما قال أعرضت في قوله وقلت على نحو ما قال فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت قم يا حسان فاجب الرجل فيما قال فقال حسان
إن الذوائب من فهر وأخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الاله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في اشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثه * إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم * لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع
غذا نصبنا لحي لم ندب لهم * كما يدب الى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساعها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حريتهم فاترك عداوتهم * شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مذ حتى قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم
أفضل الاحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا
وقال ابن هشام أخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قام فقال
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وإن لنا المرباع في كل غارة * تغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال فقام حسان فاجابه فقال * هل المجد إلا السؤدد العود والندى
وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
قال ابن اسحاق فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله قال الاقرع بن حابس وأبى إن هذا لمؤتي له لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره اشعر من شاعرنا ولاصواتهم أعلا من أصواتنا قال فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحسن جوائزهم وكان عمرو بن الاهتم قد خلفه القوم في رحالهم وكان أصغرهم سنا فقال قيس بن عاصم وكان يبغض عمرو بن الاهتم يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث وأزرى به فاعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم قال عمرو بن الاهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه
ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب
وقد روى الحافظ البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وعمرو بن الاهتم فقال لعمرو بن الاهتم أخبرني عن الزبرقان فاما هذا فلست
أسألك عنه وأراه كان قد عرف قيسا قال فقال مطاع في أدنيه شديد العارضة مانع لما وراء ظهره فقال الزبرقان قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال قال فقال عمرو والله ما علمتك الازبر المروءة ضيق العطن أحمق الاب لئيم الخال ثم قال يا رسول الله قد صدقت فيها جميعا أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه وأسخطني فقلت باسوء ما أعلم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من البيان سحرا وهذا مرسل من هذا الوجه قال البيهقي وقد روى من وجه آخر موصولا أنبأنا أبو جعفر كامل بن احمد المستملي ثنا محمد بن محمد بن محمد بن احمد بن عثمان البغدادي ثنا محمد بن عبد الله ابن الحسن العلاف ببغداد حدثنا علي بن حرب الطائي أنبأنا أبو سعد بن الهيثم بن محفوظ عن ابي المقوم يحيى بن يزيد الانصاري عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وعمرو بن الاهتم التميميون ففخر الزبرقان فقال يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم وهذا يعلم ذلك يعني عمرو بن الاهتم قال عمرو بن الاهتم إنه لشديد العارضة مانع لجانبه مطاع في أدنيه فقال الزبرقان والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال وما منعه أن يتكلم إلا الحسد فقال عمرو بن الاهتم أنا أحسدك فوالله إنك للئيم الخال حديث المال أحمق الوالد مضيع في العشيرة والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت آخرا ولكني رجل اذا رضيت قلت أحسن ما علمت واذا غضبت قلت أقبح ما وجدت ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من البيان لسحرا وهذا اسناد غريب جدا وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة فبعث اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم انصاري ولا مهاجري فاسر منهم أحد عشر رجلا وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا فقدم رؤساهم بسبب اسرائهم ويقال قدم منهم تسعين أو ثمانين رجلا في ذلك منهم عطارد والزبرقان وقيس بن عاصم وقيس بن الحارث ونعيم بن سعد والاقرع بن حابس ورباح بن الحارث وعمرو بن الاهتم فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج اليهم فجعل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه عليه الصلاة والسلام اجازهم على كل رجل اثنى عشر أوقية ونشا إلا عمرو بن الاهتم فانما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم
قال ابن اسحاق ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج اليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم قال ابن
جرير حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن ابي اسحاق عن البراء في قوله إن الذين ينادونك من وراء الحجرات قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن حمدي زين وذمي شين فقال ذاك الله عز وجل وهذا إسناد جيد متصل وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما وقد وقع تسمية هذا الرجل فقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن عبد الرحمن عن الاقرع بن حابس أنه نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد يا محمد وفي رواية يا رسول الله فلم يجبه فقال يا رسول الله إن حمدي لزين وأن ذمي لشين فقال ذاك الله عز وجل
*2* حديث في فضل بني تميم
@
قال البخاري حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال لا أزال أحب بني تميم بعد ثلاث سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها فيهم هم اشد أمتي على الدجال وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال أعتقيها فانها من ولد اسماعيل وجاءت صدقاتهم فقال هذه صدقات قوم أو قومي وهكذا رواه مسلم عن زهير بن حرب به وهذا الحديث يرد على قتادة ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا * ولو سلكت طرق الرشاد لضلت
ولو أن بوغوثا على ظهر قملة * رأته تميم من بعيد لولت
*2* وفد بني عبد القيس
@
ثم قال البخاري بعد وفد بني تميم باب وفد عبد القيس حدثنا أبو اسحاق حدثنا أبو عامر العقدي حدثنا قرة عن أبي حمزة قال قلت لابن عباس إن لي جرة ينتبذ لي فيها فاشربه حلوا في حي إن أكثرت منه فجالست القوم فاطلت الجلوس خشيت أن أفتضح فقال قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بالقوم غير خزايا ولا الندامي فقال يا رسول الله إن بيننا وبينك المشركين من مضر وإنا لا نصل اليك إلا في الشهر الحرام فحدثنا بجميل من الأمر أن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا به من وراءنا قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الايمان بالله هل تدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس وأنهاكم عن أربع ما ينتبذ في الدباء والنقير والحنتم والمزفت وهكذا وراه مسلم من حديث قرة بن خالد عن أبي حمزة وله طرق في الصحيحين عن أبي حمزة وقال أبو
داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن أبي حمزة سمعت ابن عباس يقول إن وفد عبد القيس لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ممن القوم قالوا من ربيعة قال مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى فقالوا يا رسول الله إنا حي من ربيعة وإنا نأتيك شقة بعيدة وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وإنا لا نصل اليك إلا في شهر الحرام فمرنا بأمر فصل ندعوا اليه من وراءنا وندخل به الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمركم باربع وأنهاكم عن أربع آمركم بالايمان بالله وحده أتدرون ما الايمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا من المغانم الخمس وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت وربما قال والمقير فاحفظوهن وادعوا اليهن من وراءكم وقد اخرجاه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه وقد رواه مسلم من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد بحديث قصتهم بمثل هذا السياق وعنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاشج عبد القيس إن فيك لخلتين يحبهما الله عز وجل الحلم والاناة وفي رواية يحبهما الله ورسوله فقال يا رسول الله نخلقتهما أم جبلني الله عليهما فقال جبلك الله عليهما فقال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله
وقال الامام احمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا مطر بن عبد الرحمن سمعت هند بنت الوزاع أنها سمعت الوزاع يقول أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والاشج المنذر بن عامر أو عامر بن المنذر ومعهم رجل مصاب فانتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبوا من رواحلهم فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلوا يده ثم نزل الاشج فعقل راحلته وأخرج عيبته ففتحها فاخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما ثم أتى رواحلهم فعقلها فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أشج إن فيك خصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله الحلم والأناة فقال يا رسول الله أنا تخلقتهما أو جبلني الله عليهما فقال بل جبلك الله عليهما قال الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله عز وجل ورسوله فقال الوازع يا رسول الله إن معي خالا لي مصابا فادع الله له فقال أين هو آتيني به قال فصنعت مثل ما صنع الاشج البسته ثوبيه وأتيته فاخذ من ورائه يرفعها حتى راينا بياض إبطه ثم ضرب بظهره فقال أخرج عدو الله فولى وجهه وهو ينظر بنظر رجل صحيح وروى الحافظ البيهقي من طريق هود بن عبد الله بن سعد أنه سمع جده مزيدة العبدي قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم سيطلع من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق فقام عمر فتوجه نحوهم فتلقى ثلاثة عشر راكبا فقال من القوم فقالوا من بني عبد القيس قال فما اقدمكم هذه البلاد التجارة قالوا
لا قال أما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر للقوم وهذا صاحبكم الذي تريدون فرمى القوم بانفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذوا بيده فقبلوها وتخلف الاشج في الركاب حتى أناخها وجمع متاع القوم ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن فيلك خلتين يحبهما الله ورسوله قال جبل جبلت أم تخلقا مني قال بل جبل فقال الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله
وقال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الجارود بن عمرو بن حنش أخو عبد القيس قال ابن هشام وهو الجارود بن بشر بن المعلى في وفد عبد القيس وكان نصرانيا قال ابن اسحاق وحدثني من لا أتهم عن الحسن قال فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه الاسلام ودعاه اليه ورغبه فيه فقال يا محمد إني كنت على دين وإني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا ضامن أن قد هداك الله الى ما هو خير منه قال فاسلم وأسلم أصحابه ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال والله ما عندي ما احملكم عليه قال يا رسول الله إن بيننا وبين بلادنا ضوالا من ضوال الناس أفنتبلغ عليها الى بلادنا قال لا إياك وإياها فانما تلك حرق النار قال فخرج الجارود راجعا الى قومه وكان حسن الاسلام صلبا على دينه حتى هلك وقد أدرك الردة فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم الى دينهم الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فتشهد شهادة الحق ودعا الى الاسلام فقال ايها الناس إني اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله واكفر من لم يشهد وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي قبل فتح مكة الى المنذر بن ساوى العبدي فاسلم فحسن اسلامه ثم هلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ردة أهل البحرين والعلاء عنده أميرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على البحرين ولهذا روى البخاري من حديث ابراهيم بن طهمان عن أبي حمزة عن ابن عباس قال أول جمعة جمعت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بحونا من البحرين وروى البخاري عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس حتى صلاهما بعد العصر في بيتها
قلت لكن في سياق ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل اليك إلا في شهر حرام والله أعلم
*2* قصة ثمامة ووفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة الكذاب
@
قال البخاري باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن انال حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث
ابن سعد حدثني سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة قال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وان تنعم تنعم على شاكر وان كنت تريد المال فسل منه ما شئت فتركه حتى كان الغد ثم قال له ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك فقال أطلقوا ثمامة فانطلق الى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يا محمد والله ما كان على وجه الارض وجه أبغض الى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه الي والله ما كان دين أبغض الي من دينك فاصبح دينك أحب الدين الي والله ما كان من بلد أبغض الي من بلدك فاصبح بلدك أحب البلاد الي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل أصبوت قال لا ولكن أسلمت مع محمد صلى الله عليه وسلم ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه البخاري في موضع آخر ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن قتيبة عن الليث به وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر وذلك أن ثمامة لم يفد بنفسه وإنما أسر وقدم به في الوثاق فربط بسارية من سواري المسجد ثم في ذكره مع الوفود سنة تسع نظر آخر وذلك أن الظاهر من سياق قصته أنها قبيل الفتح لأن أهل مكة عيروه بالاسلام وقالوا أصبوت فتوعدهم بأنه لا يفد اليهم من اليمامة حبة حنطة ميرة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل على أن مكة كانت إذ ذاك دار حرب لم يسلم أهلها بعد والله أعلم ولهذا ذكر الحافظ البيهقي قصة ثمامة بن اثال قبل فتح مكة وهو أشبه ولكن ذكرناه ها هنا إتباعا للبخاري رحمه الله وقال البخاري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن عبد الله بن أبي الحسين ثنا نافع بن جبير عن ابن عباس قال قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته وقدم في بشر كثير من قومه فاقبل اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال له لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي رأيت فيه ما أريت وهذا ثابت يجيبك عني ثم أنصرف عنه قال ابن عباس فسألت عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك الذي رأيت فيه ما أريت فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فاهمني شأنهما فاوحى الي في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا فاولتهما كذابين يخرجان بعدي أحدهما الاسود العنسي والآخر مسيلمة ثم قال
البخاري حدثنا اسحاق بن منصور ثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن هشام بن أمية أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأوحي إلي أن أنفخهما فنفختهما فذهبا فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ثم قال البخاري ثنا سعيد بن محمد الجرمي ثنا يعقوب بن ابراهيم حدثنا أبي عن صالح عن ابن عبيدة عن نشيط وكان في موضع آخر أسمه عبد الله أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال بلغنا أن مسيلمة الكذاب قدم المدينة فنزل في دار بنت الحارث وكان تحته الحارث بن كريز وهي أم عبد الله بن الحارث بن كريز فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ثابت ابن قيس بن شماس وهو الذي يقال له خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيب فوقف عليه فكلمه فقال له مسيلمة إن شئت خليت بينك وبين الأمر ثم جعلته لنا بعدك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سألتني هذا القضيب ما أعطيتكه وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر فقال ابن عباس ذكر لي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رايت أنه وضع في يدي سواران من ذهب فقطعتهما وكرهتهما فاذن لي فنفختهما فطارا فاولتهما كذابين يخرجان فقال عبيد الله أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة الكذاب وقال محمد بن اسحاق قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثمامة ابن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هماز بن ذهل بن الزول بن حنيفة ويكنى أبا ثمامة وقيل أبا هارون وكان قد تسمى بالرحمان فكان يقال له رحمان اليمامة وكان عمره يوم قتل مائة وخمسين سنة وكان يعرف أبوابا من النيرجات فكان يدخل البيضة الى القارورة وهو أول من فعل ذلك وكان يقص جناح الطير ثم يصله ويدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها
قلت وسنذكر اشياء من خبره عند ذكر مقتله لعنه الله قال ابن اسحاق وكان منزلهم في دار بنت الحارث امرأة من الانصار ثم من بني النجار فحدثني بعض علمائنا من أهل المدينة أن بني حنيفة أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم تستره بالثياب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في اصحابه معه عسيب من سعف النخل في رأسه خوصات فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه قال ابن اسحاق وحدثني شيخ من بني حنيفة من اهل اليمامة أن حديثه كان على غير هذا وزعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم فلما أسلموا ذكروا مكانه فقالوا يا رسول الله إنا قد خلفنا صاحبا
لنا في رحالنا وفي ركابنا يحفظها لنا قال فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر به للقوم وقال أما أنه ليس بشركم مكانا أي لحفظه ضيعة أصحابه ذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤا مسيلمة بما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهوا الى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم وقال إني قد أشركت في الأمر معه وقال لوفده الذين كانوا معه ألم يقل لكم حين ذكرتموني له أما إنه ليس بشركم مكانا ما ذاك إلا لما كان يعلم أني قد اشركت في الأمر معه ثم جعل يسجع لهم السجعات ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا وأحل لهم الخمر والزنا ووضع عنهم الصلاة وهو مع هذا يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه نبي فاصفقت معه بنو حنيفة على ذلك قال ابن اسحاق فالله أعلم أي ذلك كان وذكر السهيلي وغيره أن الرحال بن عنفوة وأسمه نهار بن عنفوة وكان قد أسلم وتعلم شيئا من القرآن وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة وقد مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أبي هريرة وفرات بن حيان فقال لهم أحدكم ضرسه في النار مثل أحد فلم يزالا خائفين حتى ارتد الرحال مع مسيلمة وشهد له زورا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشركه في الأمر معه وألقى اليه شيئا مما كان يحفظه يوم اليمامة من القرآن فادعاه مسيلمة لنفسه فحصل بذلك فتنة عظيمة لبني حنيفة وقد قتله زيد بن الخطاب يوم اليمامة كما سيأتي قال السهيلي وكان مؤذن مسيلمة يقال له حجير وكان مدبر الحرب بين يديه محكم بن الطفيل وأضيف اليهم سجاح وكانت تكنى أم صادر تزوجها مسيلمة وله معها أخبار فاحشة واسم مؤذنها زهير بن عمرو وقيل جنبة بن طارق ويقال إن شبث بن ربعي أذن لها ايضا ثم أسلم وقد أسلمت هي أيضا أيام عمر بن الخطاب فحسن إسلامها وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق وقد كان مسيلمة بن حبيب كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فاني قد اشركت في الأمر معك فان لنا نصف الأمر ولقريش نصف الأمر ولكن قريشا قوم لا يعتدون فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب فكتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين قال وكان ذلك في آخر سنة عشر يعني ورود هذا الكتاب قال يونس بن بكير عن ابن اسحاق فحدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما وأنتما تقولان مثل ما يقول قالا نعم فقال أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما وقال أبو داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن عاصم عن ابي وائل عن عبد الله
ابن مسعود قال جاء ابن النواحة وابن اثال رسولين لمسيلمة الكذاب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما أتشهدان أني رسول الله فقالا نشهد أن مسيلمة رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت بالله ورسله ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما قال عبد الله بن مسعود فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل قال عبد الله فاما ابن اثال فقد كفاه الله وأما ابن النواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه قال الحافظ البيهقي أما أسامة بن أثال فإنه أسلم وقد مضى الحديث في اسلامه وأما ابن النواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي اسحاق المزني انبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا جعفر بن عون أنبأنا اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن ابي حازم قال جاء رجل الى عبد الله بن مسعود فقال إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة وهم يقرؤن قراءة ما أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما قال فأرسل اليهم عبد الله فأتى بهم وهم سبعون رجلا ورأسهم عبد الله بن النواحة قال فأمر به عبد الله فقتل ثم قال ما كنا بمحرزين الشيطان من هؤلاء ولكن نحوزهم الى الشام لعل الله أن يكفيناهم وقال الواقدي كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلا عليهم سلمى بن حنظلة وفيهم الرحال ابن عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومسيلمة بن حبيب الكذاب فأنزلوا في دار مسلمة بنت الحارث وأجريت على الضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا ومرة خبزا ومرة خبزا وسمنا ومرة تمرا ينزلهم فلما قدموا المسجد أسلموا وقد خلفوا مسيلمة في رحالهم ولما أرادوا الانصارف أعطاهم جوائزهم خمس أواق من فضة وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم لما ذكروا أنه في رحالهم فقال أما إنه ليس بشركم مكانا فلما رجعوا اليه أخبروه بما قال عنه فقال إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده وبهذه الكلمة تشبث قبحه الله حتى ادعى النبوة قال الواقدي وقد كان رسول الله بعث معهم بأدواة فيها فضل طهوره وأمرهم أن يهدموا بيعتهم وينضحوا هذا الماء مكانه ويتخذوه مسجدا ففعلوا وسيأتي ذكر مقتل الاسود العنسي في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتل مسيلمة الكذاب في ايام الصديق وما كان من أمر بني حنيفة إن شاء الله تعالى

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:26 AM
* وفد أهل نجران
@
قال البخاري حدثنا عباس بن الحسين ثنا يحيى بن آدم عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة قال جاء العاقب والسيد صاحبا نجران الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه قال فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل فوالله لئن كان نبيا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من
بعدنا قالا إنا نعطيك ما سألتنا وأبعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا إلا رجلا أمينا فقال لا يبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين فاستشرف لها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قم يا أبا عبيدة ابن الجراح فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أمين هذه الأمة وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث شعبة عن ابي اسحاق به وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن سلمة بن يسوع عن أبيه عن جده قال يونس وكان نصرانيا فاسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان باسم إله ابراهيم واسحاق ويعقوب من محمد النبي رسول الله الى أسقف نجران اسلم أنتم فأني احمد اليكم إله ابراهيم واسحاق ويعقوب أما بعد فاني أدعوكم الى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم الى ولاية الله من ولاية العباد فان أبيتم فالجزية فان أبيتم آذنتكم بحرب والسلام
فلما أتى الاسقف الكتاب فقرأه قطع به وذعر به ذعرا شديدا وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة وكان من همدان ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة قبله لا الاتهم ولا السيد ولا العاقب فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى شرحبيل فقرأه فقال الاسقف يا أبا مريم ما رأيك فقال شرحبيل قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية اسماعيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هو ذاك الرجل ليس لى في النبوة رأى ولو كان أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأى وجهدت لك فقال له الاسقف تنح فاجلس فتنحى شرحبيل فجلس ناحيته فبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فقال له مثل قول شرحبيل فقال له الاسقف تنح فاجلس فتنحى فجلس ناحيته وبعث الاسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس فاقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله فأمره الاسقف فتنحى فجلس ناحيته فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الاسقف بالناقوس فضرب به ورفعت النيران المسموح في الصوامع وكذلك كانوا يفعلوا إذا فزعوا بالنهار وإذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح أهل الوادي أعلاه وأسفله وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون
قرية وعشرون ومائة الف مقاتل فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الاصبحي وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا فلم يرد عليهم السلام وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وكانوا يعرفونهما فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس فقالوا يا عثمان ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب الينا بكتاب فاقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فاعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما أترون أن نرجع فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم فقال علي لعثمان ولعبد الرحمن أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا اليه ففعلوا فسلموا فرد سلامهم ثم قال والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وأن ابليس لمعهم ثم ساءلهم وسائلوه فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا ما تقول في عيسى فانا نرجع الى قومنا ونحن نصارى ليسرنا إن كنت نبيا أن نسمع ما تقول فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندي فيه شيء يومي هذا فاقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى فاصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل هذه الآية إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين فابوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة وله يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا ولم يصدروا إلا عن رأيي وإني والله أرى أمرا ثقيلا والله لئن كان هذا الرجل ملكا متقويا فكنا أول العرب طعن في عيبته ورد عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بحائجة وإنا أدنى العرب منهم جوارا ولئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلا عناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر إلا هلك فقال له صاحباه فما الرأي يا ابا مريم فقال رأيي أن أحكمه فاني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له أنت وذاك قال فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني قد رأيت خيرا من ملاعنتك فقال وما هو فقال حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح فما حكمك فينا فهو جائز فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل وراءك أحد يثرب عليك فقال شرحبيل سل صاحبي فقالا ما يرد
الوادي ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي الأمي رسول الله لنجران أن كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء ورقيق فافضل عليهم وترك ذلك كله على الفي حلة في كل رجب ألف حلة وفي كل صفر الف حلة وذكر تمام الشروط إلى أن شهد أبو سفيان بن حرب وغيلان بن عمرو ومالك بن عوف من بني نصر والاقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة وكتب حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة فدفع الوفد كتاب رسول الله
ص إلى الاسقف فبينما هو يقرأه وأبو علقمه معه وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الاسقف عند ذلك قد والله تعست نبيا مرسلا فقال له بشر لا جرم والله لا أحل عنها عقدا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرف وجه ناقته نحو المدينة وثنى الاسقف ناقته عليه فقال له إفهم عني إنما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يروا أنا أخذنا حقه أو رضينا بصوته أو نجعنا لهذا الرجل بما لم تنجع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارا فقال له بشر لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا فضرب بشر ناقته وهو مولي الاسقف ظهره وارتجز يقول
إليك تغدو قلقا وضينها * معترضا في بطنها جنينها
مخالفا دين النصارى دينها
حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك قال ودخل الوفد نجران فاتي الراهب بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته فقال له إن نبيا بعث بتهامة فذكر ما كان من وفد نجران الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وإن بشر بن معاوية دفع اليه فاسلم فقال الراهب أنزلوني وإلا ألقيت نفسي من هذه الصومعة قال فانزلوه فأخذ معه هدية وذهب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء قعب وقعي وعصا فاقام مدة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع الوحي ثم رجع الى قومه ولم يقدر له الاسلام ووعد أنه سيعود فلم يقدر له حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه فاقاموا عنده يسمعون ما ينزل الله عليه وكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجران بعده بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي للاسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا ما كانوا عليه من ذلك جوار الله ورسوله أبدا ما اصلحوا ونصحوا عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين وكتب المغيرة بن شعبة
وذكر محمد بن اسحاق أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكبا يرجع أمرهم الى اربعة عشر منهم وهم العاقب واسمه عبد المسيح والسيد وهو الاتهم وأبو حارثة بن علقمة وأوس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء الاربعة عشر يؤل الى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان ثمالهم وصاحب رحلهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم وخيرهم وكان رجل من العرب من بكر بن وائل ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه لما يعرفون من صلابته في دينهم وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه من اتباع الحق وقال يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني بريدة بن سفيان عن ابن البيلماني عن كرز بن علقمة قال قدم وفد نصارى نجران ستون راكبا منهم أربعة وعشرون رجلا من اشرافهم والاربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر اليهم يؤول أمرهم العاقب والسيد وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل اسقفهم وصاحب مدارستهم وكانوا قد شرفوه فيهم ومولوه وأكرموه وبسطوا عليه الكرامات وبنوا له الكنائس لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم فلما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له والى جنبه أخ له يقال له كرز بن علقمة يسايره اذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال كرز تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبو حارثة بل أنت تعست فقال له كرز ولم يا أخي فقال والله انه للنبي الذي كنا ننتظره فقال له كرز وما يمنعك وأنت تعلم هذا فقال له ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا ومولونا واخدمونا وقد أبوا الا خلافه ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى قال فاضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك وذكر ابن اسحاق أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمل وثياب حسان وقد حانت صلاة العصر فقاموا يصلون الى المشرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فكان المتكلم لهم ابا حارثة بن علقمة والسيد والعاقب حتى نزل فيهم صدر من سورة آل عمران والمباهلة فابوا ذلك وسألوا أن يرسل معهم أمينا فبعث معهم ابا عبيدة بن الجراح كما تقدم في رواية البخاري وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران ولله الحمد والمنة
*2* وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل واربد بن مقيس
@ قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر بن الطفيل وأربد بن مقيس
ابن جزء بن جعفر بن خالد وجبار بن سلمى بن مالك بن جعفر وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه يا أبا عامر ان الناس قد اسلموا فاسلم قال والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش ثم قال لاربد ان قدمنا على الرجل فاني سأشغل عنك وجهه فاذا فعلت ذلك فأعله بالسيف فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل يا محمد خالني قال لا والله حتى تؤمن بالله وحده قال يا محمد خالني قال وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به فجعل أربد لا يحير شيئا فلما رأى عامر ما يصنع أربد قال يا محمد خالني قال لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله لاملأنها عليك خيلا ورجالا فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اكفني عامر بن الطفيل فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل لاربد أين ما كنت أمرتك به والله ما كان على ظهر الارض رجل أخوف على نفسي منك وأيم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا قال لا أبالك لا تعجل علي والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك أفأضربك بالسيف وخرجوا راجعين إلى بلادهم حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله عز وجل على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول فجعل يقول يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول قال ابن هشام ويقال أغدة كغدة الابل وموت في بيت سلولية وروى الحافظ البيهقي من طريق الزبير بن بكار حدثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن موءلة عن أبيها عن جدها موءلة بن جميل قال أتى عامر بن الطفيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا عامر أسلم فقال أسلم على أن لي الوبر ولك المدر قال لا ثم قال أسلم فقال أسلم على أن لي الوبر ولك المدر قال لا فولى وهو يقول والله يا محمد لأملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولاربطن بكل نخلة فرسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اكفني عامرا وأهد قومه فخرج حتى إذا كان بظهر المدينة صادف امرأة من قومه يقال لها سلولية فنزل عن فرسه ونام في بيتها فاخذته غدة في حلقه فوثب على فرسه وأخذ رمحه وأقبل يجول وهو يقول غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب في اسماء الصحابة موءلة هذا فقال هو موءلة بن كثيف الضبابي الكلابي العامري من بني عامر بن صعصعة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشرين سنة فاسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يدعى ذا اللسانين من فصاحته روى عنه ابنه عبد العزيز وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية
قال الزبير بن بكار حدثتني ظميا بنت عبد العزيز بن موءلة بن كثيف بن جميل بن خالد بن عمرو بن معاوية وهو الضباب بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قالت حدثني أبي عن أبيه عن موءلة أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم وهو ابن عشرين سنة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح يمينه وساق أبله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقها بنت لبون ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش في الاسلام مائة سنة وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته قلت والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح وإن كان ابن اسحاق والبيهقي قد ذكرها بعد الفتح وذلك لما رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن الاصم أنبأنا محمد بن اسحاق أنبأنا معاوية بن عمرو ثنا أبو اسحاق الفزاري عن الاوزاعي عن اسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة عن أنس في قصة بئر معونة وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك وغدره باصحاب بئر معونة حتى قتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية كما تقدم قال الاوزاعي قال يحيى فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه ما يقتله فبعث الله عليه الطاعون وروى عن همام عن اسحاق ابن عبد الله عن أنس في قصة ابن ملحان قال وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخيرك بين ثلاث خصال يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر وأكون خليفتك من بعدك أو أغزوك بغطفان بالف اشقر والف شقراء قال فطعن في بيت امرأة فقال غدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة من بني فلان ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه
قال ابن اسحاق ثم خرج أصحابه حين رأوه حتى قدموا أرض بني عامر شاتين فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا وما وراءك يا أربد قال لا شيء والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله الآن فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه فارسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فاحرقتهما قال ابن اسحاق وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لامه فقال لبيد يبكي أربد
ما أن تعرى المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد
اخشى على أربد الحتوف ولا * أرهب نوء السماك والأسد
فعين هلا بكيت أربد إذ * قمنا وقام النساء في كبد
إن يشغبوا لا يبال شغبهم * أو يقصدوا في الحكوم يقتصد
حلو أريب وفي حلاوته * مر لصيق الاحشاء والكبد
وعين هلا بكيت أربد إذ * ألوت رياح الشتاء بالعضد
وأصبحت لاقحا مصرمة * حتى تجلت غوابر المدد
اشجع من ليث غابة لحم * ذو نهمة في العلا ومنتقد
لا تبلغ العين كل نهمتها * ليلة تمسي الجياد كالفدد
الباعث النوح في مآتمه * مثل الظباء الأبكار بالجرد
فجعني البرق والصواعق بالفا * رس يوم الكريهة النجد
والحارب الجابر الحريب إذا * جاء نكيبا وإن يعد يعد
يعفو على الجهد والسؤال كما * ينبت غيث الربيع ذو الرصد
كل بني حرة مصيرهم * قل وإن كثروا من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن
أمروا يوما فهم للهلاك والنفد
وقد روى ابن اسحاق عن لبيد أشعارا كثيرة في رثاء أخيه لأمه أربد بن قيس تركناها إختصارا واكتفاء بما أوردناه والله الموفق للصواب قال ابن هشام وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال فانزل الله عز وجل في عامر وأربد الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الارحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات من بين يده ومن خلفه يحفظونه من أمر الله يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وقتله فقال الله تعالى وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال
قلت وقد تكلمنا على هذه الآيات الكريمات في سورة الرعد ولله الحمد والمنة وقد وقع لنا إسناد ما علقه ابن هشام رحمه الله فروينا من طريق الحافظ أبي القاسم سليمان بن احمد الطبراني في معجمه الكبير حيث قال حدثنا مسعدة بن سعد العطار حدثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا اليه وهو جالس فجلسا بين يديه فقال عامر بن الطفيل يا محمد ما تجعل لي إن اسلمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك ما للمسلمين وعليك ما عليهم قال عامر أتجعل لي الأمر إن اسلمت من بعدك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل قال أنا الآن في أعنة خيل نجد اجعل لي الوبر ولك المدر قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لا فلما قفا من عنده قال عامر أما والله لاملأنها عليك خيلا ورجالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعك الله فلما خرج أربد وعامر قال عامر يا أربد أنا اشغل محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فان الناس اذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فسنعطيهم الدية قال أربد أفعل فأقبلا راجعين اليه فقال عامر يا محمد قم معي أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فخليا الى الجدار ووقف معه رسول الله يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف فلم يستطع سل السيف فابطأ أربد على عامر بالضرب فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما ينصع فانصرف عنهما فلما خرج أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا كانا بالحرة حرة وارقم نزلا فخرج اليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا اشخصا يا عدوا الله لعنكما الله فقال عامر من هذا يا سعد قال أسيد بن حضير الكتائب فخرجا حتى اذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى اذا كان بالحرة أرسل الله قرحة فاخذته فادركه الليل في بيت امرأة من بني سلول فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب عن أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فاحضرها حتى مات عليه راجعا فانزل الله فيهما الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الارحام وما تزداد إلى قوله له معقبات من بين يديه ومن خلفه يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وما قتله به فقال ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء الآية وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم من قصة عامر وأربد وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه والله أعلم وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدوسي رضي عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة واسلامه وكيف جعل الله له نورا بين عينيه ثم سأل الله فحوله له الى طرف سوطه وبسطنا ذلك هنالك فلا حاجة الى اعادته هاهنا كما سنع البيهقي وغيره
*2* قدوم ضمام بن ثعلبة وافدا على قومه
@
قال ابن اسحاق حدثنى محمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس قال بعث بنو سعد ابن بكر ضمام بن ثعلبة وافدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم اليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم علقه ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه وكان ضمام رجلا جلدا اشعر ذا غديرتين فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال أيكم ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبد المطلب فقال يا محمد قال نعم قال يابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك فقال أنشدك إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله بعثك الينا رسولا قال اللهم نعم قال فأنشدك
الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وان نخلع هذه الانداد التي كان آباؤنا يعبدون قال اللهم نعم قال فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس قال نعم قال ثم جعل يذكر فرائض الاسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الاسلام كلها ينشده عند كل فريضة منها كما يشهده في التي قبلها حتى اذا فرغ قال فاني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف الى بعيره راجعا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة قال فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا اليه فكان أول ما تكلم أن قال بئست اللات والعزى فقالوا مه يا ضمام اتق البرص اتق الجذام اتق الجنون فقال ويلكم إنهما والله لا يضران ولا ينفعان إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه واني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه قال فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما قال يقول ابن عباس فما سمعنا بوافد كان أفضل من ضمام بن ثعلبة وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن ابراهيم الزهري عن أبيه عن ابن اسحاق فذكره وقد روى هذا الحديث أبو داود من طريق سلمة بن الفضل عن محمد بن اسحاق عن سلمة بن كهيل ومحمد بن الوليد بن نويفع عن كريب عن ابن عباس بنحوه وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع الى قومه قبل الفتح لأن العزى خربها خالد بن الوليد أيام الفتح
وقد قال الواقدي حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن كريب عن ابن عباس قال بعثت بنو سعد بن بكر في رجب سنة خمس ضمام بن ثعلبة وكان جلدا أشعر ذا عذارتين وافدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فاغلظ في المسئلة سأله عمن أرسله وبما أرسله وسأله عن شرائع الاسلام فاجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك كله فرجع الى قومه مسلما قد خلع الانداد فاخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه فما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما وبنو المساجد وأذنوا بالصلاة
وقال الامام احمد حدثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت عن أنس ابن مالك قال كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع فجاء رجل من أهل البادية فقال يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال صدق قال فمن خلق السموات قال الله قال فمن خلق الارض قال الله
قال فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال الله قال فبالذي خلق الارض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا زكاة أموالنا قال صدق قال فبالذي أرسلك الله آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا قال صدق قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا قال صدق قال ثم ولى فقال والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص عليهن شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن صدق ليدخلن الجنة وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك رضي الله عنه وقد رواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة وعلقه البخاري من طريقه وأخرجه من وجه آخر بنحوه فقال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن أبي سعيد عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر انه سمع أنس بن مالك يقول بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس في المسجد دخل رجل على جمل فاناخه في المسجد ثم عقله ثم قال أيكم محمد ورسول الله متكئ بين ظهرانيهم قال فقلنا هذا الرجل الابيض المتكئ فقال الرجل يا ابن عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجبتك فقال الرجل يا محمد اني سائلك فمشتد عليك المسألة فلا تجد علي في نفسك فقال سل ما بدا لك فقال الرجل أسألك بربك ورب من كان قبلك الله أرسلك الى الناس كلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم نعم قال فأنشدك الله آلله امرك أن تصوم هذا الشهر من السنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم نعم قال الرجل آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني يعد بن بكر وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن سعيد المقبري به وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن الليث به والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر عن الليث قال حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري عن شريك عن أنس بن مالك فذكره وقد رواه النسائي أيضا من حديث عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعا
*2* فصل ( اسلام ضماد الأزدي وقومه ) .
@ وقد قدمنا ما وراه الامام احمد عن يحيى بن آدم عن حفص بن غياث عن داود بن ابي هند عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قدوم ضماد الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة واسلامه واسلام قومه كما ذكرنا مبسوطا بما أغنى عن اعادته هاهنا ولله الحمد والمنة
*2* وفد طيء مع زيد الخيل رضي الله عنه
@ قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيء وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم فلما انتهوا اليه كلموه وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فاسلموا فحسن اسلامهم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طيء ما ذكر رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فانه لم يبلغ الذي فيه ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير وقطع له فيد وأرضين معه وكتب له بذلك فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى قومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ينج زيد من حمى المدينة فانه قال وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم غير الحمى وغير أم ملدم لم يثبته قال فلما انتهى من بلد نجد الى ماء من مياهه يقال له فردة اصابته الحمى فمات بها ولما أحس بالموت قال
أمرتحل قومي المشارق غدوة * واترك في بيت بفردة منجد
ألا رب يوم لو مرضت لعادتي * عوائد من لم يبر منهن يجهد
قال ولما مات عمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها ودينها الى ما كان معه من الكتب فحرقتها بالنار قلت وقد ثبت في الصحيح عن أبي سعيد أن علي بن أبي طالب بعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة زيد الخيل وعلقمة بن علاثة والأقرع بن حابس وعتبة بن بدر الحديث وسيأتي ذكره في بعث علي الى اليمن إن شاء الله تعالى
*2* قصة عدي بن حاتم الطائي
@
قال البخاري في الصحيح وفد طيء وحديث عدي بن حاتم حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك بن عمير عن عمرو بن حريث عن عدي بن حاتم قال أتينا عمر بن الخطاب في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا يسميهم فقلت أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال بلى أسلمت اذ كفروا واقبلت اذ أدبروا ووفيت إذ غدروا وعرفت إذ أنكروا فقال عدي لا أبالي إذا وقال ابن اسحاق وأما عدي بن حاتم فكان يقول فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا وكنت أسير في قومي بالمرباع
وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لابلي لا أبالك أعدد لي من إبلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني فاذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني ففعل ثم أنه اتاني ذات غداة فقال يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن فاني قد رأيت رايات فسألت عنها فقالوا هذه جيوش محمد قال قلت فقرب الى اجمالي فقربها فاحتملت بأهلي وولدي ثم قلت الحق بأهل ديني من النصارى بالشام فسلكت الحوشية وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيبت ابنة حاتم فيمن أصابت فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي الى الشام قال فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس بها فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت اليه وكانت امرأة جزلة فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك قال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الفار من الله ورسوله قالت ثم مضى وتركني حتى إذا كان الغد مربي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالامس قالت حتى اذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فاشار إلي رجل خلفه أن قومي فكلميه قالت فقمت اليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك فقال صلى الله عليه وسلم قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني فسألت عن الرجل الذي اشار إلي أن كلميه فقيل لي علي بن ابي طالب قالت فقمت حتى قدم من بلي أو قضاعة قالت وإنما أريد أن آتي أخي بالشام فجئت فقلت يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ قالت فكساني وحملني وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي فوالله إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا قال فقلت ابنة حاتم قال فاذا هي هي فلما وقفت علي استحلت تقول القاطع الظالم احتملت باهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك قال قلت أي أخية لا تقولي إلا خيرا فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت قال ثم نزلت فاقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل قالت أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فللسابق اليه فضله وإن يكن ملكا فلن تزل في عز اليمن وأنت أنت قال قلت والله إن هذا الرأي قال فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه فقال من الرجل فقلت عدي بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي اليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها قال قلت في نفسي والله ما هذا بملك قال ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي فقال اجلس على هذه
قال قلت بل أنت فاجلس عليها قال بل أنت فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض قال قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك ثم قال إيه يا عدي بن حاتم ألم تك ركوسيا قالت قلت بلى قال أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع قال قلت بلى قال فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك قال قلت أجل والله قال وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال لعلم يا عدي إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه إنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم وأيم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من ارض بابل قد فتحت عليهم قال فاسلمت قال فكان عدي يقول مضت اثنتان وبقيت الثالثة والله لتكونن وقد رأيت القصور البيض من ارض بابل قد فتحت ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وأيم الله لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه هكذا أورد ابن اسحاق رحمه الله هذا السياق بلا اسناد وله شواهد من وجوه أخر فقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت سماك بن حرب سمعت عباد ابن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بعقرب فاخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفوا له قالت يا رسول الله بان الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك فقال ومن وافدك قالت عدي بن حاتم قال الذي فر من الله ورسوله قالت فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي قال سليه حملانا قال فسألته فامر لها قال عدي فاتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها وقالت إيته راغبا أو راهبا فقد اتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه قال فأتيته فاذا عنده امرأة وصبيان أو صبي فذكر قربهم منه فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا قيصر فقال له يا عدي بن حاتم ما أفرك أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله ما أفرك أفرك أن يقال الله أكبر فهل شيء هو أكبر من الله عز وجل فاسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال إن المغضوب عليهم اليهود وأن الضالين النصارى قال ثم سألوه فحمد الله واثنى عليه ثم قال أما بعد فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ارتضخ امرؤ بصاع ببعض صاع بقبضة ببعض قبضة قال شعبة وأكثر علمي أنه قال بتمرة بشق تمرة وإن أحدكم لاقى الله فقاتل ما أقول ألم أجعلك سميعا بصيرا ألم أجعل لك مالا
وولدا فماذا قدمت فينظر من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يجد شيئا فما يتقي النار إلا بوجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تجدوه فبكلمة لينة إني لا أخشى عليكم الفاقة لينصرنكم الله وليعطينكم أو ليفتحن عليكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب إن أكثر ما يخاف السرق على ظعينتها وقد رواه الترمذي من حديث شعبة وعمرو بن ابي قيس كلاهما عن سماك ثم قال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك وقال الامام احمد أيضا حدثنا يزيد أنبأنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي عبيدة هو ابن حذيفة عن رجل قال قلت لعدي بن حاتم حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك قال نعم لما بلغني خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهت خروجه كراهية شديدة فخرجت حتى وقعت ناحية الروم وفي رواية حتى قدمت على قيصر قال فكرهت مكاني ذلك اشد من كراهيتي لخروجه قال قلت والله لو اتيت هذا الرجل فان كان كاذبا لم يضرني وإن كان صادقا علمت قال فقدمت فاتيته فلما قدمت قال الناس عدي بن حاتم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي يا عدي بن حاتم أسلم تسلم ثلاثا قال قلت اني علي دين قال أنا أعلم بدينك منك فقلت أنت تعلم بديني مني قال نعم الست من الركوسية وأنت تأكل مرباع قومك قلت بلى قال هذا لا يحل لك في دينك قال نعم فلم يعد أن قالها فتواضعت لها قال أما أني أعلم الذي يمنعك من الاسلام تقول إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم وقد رمتهم العرب أتعرف الحيرة قلت لم أرها وقد سمعت بها قال فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد وليفتحن كنوز كسرى بن هرمز قال قلت كنوز ابن هرمز قال نعم كسرى بن هرمز وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد قال عدي بن حاتم فهذه الظعينة تأتي من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة لأن رسول الله قد قالها ثم قال احمد حدثنا يونس بن محمد حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن ابي عبيدة بن حذيفة عن رجل وقال حماد وهشام عن محمد بن أبي عبيدة ولم يذكر عن رجل قال كنت اسأل الناس عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي ولاأسأله قال فأتيته فسالته فقال نعم فذكر الحديث وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبانا أبو عمرو الأديب أنبانا أبو بكر الاسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا اسحاق بن ابراهيم أنبأنا النضر بن شميل أنبأنا اسرائيل أنبأنا سعد الطائي أنبأنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى اليه الفاقة وأتاه آخر فشكى اليه قطع السبيل قال يا عدي بن حاتم هل رأيت الحيرة قلت لم ارها وقد انبئت عنها قال فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله عز وجل قال قلت في نفسي فان ذعار طيء الذين
سعروا البلاد ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بيه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة قال عدي فقد رأيت الظعينة ترتحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله عز وجل وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم وقد رواه البخاري عن محمد بن الحكم عن النضر بن شميل به بطوله وقد رواه من وجه آخر عن سعدان بن بشر عن سعد أبي مجاهد الطائي عن محل بن خليفة عن عدى به ورواه الامام احمد والنسائى من حديث شعبة عن سعد أبى مجاهد الطائى به وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه وقال لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة وعند مسلم من حديث زهير بن معاوية كلاهما عن أبي اسحاق عن عبد الله بن معقل بن مقرن المزني عن عدي ابن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتقوا النار ولو بشق تمرة ولفظ مسلم من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم وقد قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن يوسف ثنا أبو سعيد عبيد بن كثير ابن عبد الواحد الكوفي ثنا ضرار بن صرد ثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن ابن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال قال علي بن أبي طالب يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الاخلاق فانها تدل على سبيل النجاح فقام اليه رجل فقال فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم وما هو خير منه لما أتى بسبايا طيء وقفت جارية حمراء لعساء دلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين قال فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لاطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها من فصاحتها فقالت يا محمد إن رايت أن تخلي عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فاني ابنة سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ويفش السلام ولم يرد طالب حاجة قط أنا انا ابنة حاتم طيء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فان اباها كان يحب مكارم الاخلاق
والله يحب مكارم الاخلاق فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله تحب مكارم الاخلاق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يدخل أحد الجنة إلا بحسن الخلق هذا حديث حسن المتن غريب الاسناد جدا عزيز المخرج وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيء أيام الجاهلية عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها وما كان يسديه حاتم الى الناس من المكارم والاحسان إلا أن نفع ذلك في الآخرة معذوق بالايمان وهو ممن لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين وقد زعم الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيء فجاء معه بسبايا فيهم أخت عدي بن حاتم وجاء معه بسيفين كانا في بيت الصنم يقال لأحدهما الرسوب والآخر المخذم كان الحارث بن أبي سمر قد نذرهما لذلك الصنم
قال البخاري رحمه الله
*2* قصة دوس والطفيل بن عمرو
@
حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن ابن ذكوان هو عبد الله بن زياد عن عبد الرحمن الاعرج عن أبي هريرة قال جاء الطفيل بن عمرو الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن دوسا قد هلكت وعصت وأبت فادع الله عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أهد دوسا وأت بهم انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو اسامة حدثنا اسماعيل عن قيس عن أبي هريرة قال لما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم قلت في الطريق
يا ليلة من طولها وعنائها * على أنها من دارة الكفر نجت
وأبق لي غلام في الطريق فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته فبينا أنا عنده إذ طلع الغلام فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم يا ابا هريرة هذا غلامك فقلت هو حر لوجه الله عز وجل فاعتقته انفرد به البخاري من حديث اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم وهذا الذي ذكره البخاري من قدوم الطفيل بن عمرو فقد كان قبل الهجرة ثم إن قدر قدومه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح لأن دوسا قدموا ومعهم أبو هريرة وكان قدوم أبي هريرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر خيبر ثم ارتحل أبو هريرة حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بعد الفتح فرضخ لهم شيئا من الغنيمة وقد قدمنا ذلك كله مطولا في مواضعه
قال البخاري رحمه الله
*2* قدوم الأشعريين وأهل اليمن
@
ثم روى من حديث شعبة عن سليمان بن مهران الأعمش عن ذكوان أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا الايمان يمان والحكمة يمانية والفخر والخيلاء في أصحاب الابل والسكينة والوقار في أهل الغنم ورواه مسلم من حديث شعبة ثم رواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاكم أهل اليمن أضعف قلوبا وأرق أفئدة الفقة يمان والحكمة يمانية ثم روي عن اسماعيل عن سليمان عن ثور عن أبي المغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الايمان يمان والفتنة هاهنا ها هنا يطلع قرن الشيطان ورواه مسلم عن شعيب عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ثم روى البخاري من حديث شعبة عن اسماعيل عن قيس عن أبي مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الايمان هاهنا وأشار بيده الى اليمن والجفاء وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الابل من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعة ومضر وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث اسماعيل بن ابي خالد عن قيس بن ابي حازم عن أبي مسعود عقبة ابن عمرو ثم روى من حديث سفيان الثوري عن أبي صخرة جامع بن شداد ثنا صفوان بن محرز عن عمران بن حصين قال جاءت بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابشروا يا بني تميم فقالوا أما إذ بشرتنا فاعطنا فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم فقالوا قبلنا يا رسول الله وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث الثوري به وهذا كله مما يدل على فضل وفود أهل اليمن وليس فيه تعرض لوقت وفودهم ووفد بني تميم وإن كان متأخرا قدومهم لا يلزم من هذا أن يكون مقارنا لقدوم الأشعريين بل الاشعريين متقدم وفدهم على هذا فانهم قدموا صحبة أبي موسى الاشعري في صحبة جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة وذلك كله حين فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر كما قدمناه مبسوطا في موضعه وتقدم قوله صلى الله عليه وسلم والله ما أدري بأيهما أسر أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر والله سبحانه وتعالى أعلم
قال البخاري
*2* قصة عمان والبحرين
@
حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا سفيان سمع محمد بن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لو قد جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا ثلاثا فلم يقدم مال البحرين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدم على أبي بكر أمر مناديا فنادى من كان له عند النبي
صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتني قال جابر فجئت أبا بكر فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا كذا ثلاثا قال فأعرض عني قال جابر فلقيت أبا بكر بعد ذلك فسألته فلم يعطني ثم أتيته فلم يعطني ثم اتيته الثالثة فلم يعطني فقلت له قد أتيتك فلم تعطني ثم أتيتك فلم تعطني فاما أن تعطني وإما أن تبخل عني قال قلت تبخل عني قال وأي داء أدوأ من البخل قالها ثلاثا ما منعتك من مرة إلا وأنا أريد أن أعطيك وهكذا رواه البخاري هاهنا وقد رواه مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري بعده وعن عمرو عن محمد بن علي سمعت جابر بن عبد لله يقول جئته فقال لي أبو بكر عدها فعددتها فوجدتها خمسمائة فقال خذ مثلها مرتين وقد رواه البخاري أيضا عن علي بن المديني عن سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر عن جابر كروايته له عن قتيبة ورواه أيضا هو ومسلم من طرق أخر عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن محمد بن علي عن جابر بنحوه وفي رواية أخرى له أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدها فاذا هي خمسمائة فأضعفها له مرتين يعني فكان جملة ما أعطاه ألفا وخمسمائة درهم


*2* وفود فروة بن مسيك المرادي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال ابن اسحاق وقدم فروة بن مسيك المرادي مفارقا لملوك كندة ومباعدا لهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان بين قومه مراد وبين همدان وقعة قبيل الاسلام أصابت همدان من قومه حتى أثخنوهم وكان ذلك في يوم يقال له الردم وكان الذي قاد همدان اليهم الاجدع بن مالك قال ابن هشام ويقال مالك بن خريم الهمداني قال ابن اسحاق فقال فروة بن مسيك في ذلك اليوم
مررن على لفات وهن خوص * ينازعن الأعنة ينتحينا
فإن نغلب فغلابون قدما * وإن نغلب فغير مغلبينا
وما إن طبنا جبن ولكن * منايانا وطعمة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجال * تكز صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسر به ونرضى * ولو لبست غضارته سنينا
إذا انقلبت به كرات دهر * فألفى في الأولى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهم * يجد ريب الزمان له خؤنا
فلو خلد الملوك إذا خلدنا * ولو بقي الكرام إذا بقينا
فأفنى ذلكم سروات قومي * كما أفنى القرون الأولينا
قال ابن اسحاق ولما توجه فروة بن مسيك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا ملوك كندة قال
لما رأيت ملوك كندة أعرضت * كالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمدا * أرجو فواضلها وحسن ثرائها
قال فلما انتهى فروة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له فيما بلغني يا فروة هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم فقال يا رسول الله من ذا الذي يصيب قومه ما اصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك لم يزد قومك في الاسلام إلا خيرا واستعمله على مراد وزبيد ومذحج كلها وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم
*2* قدوم عمرو بن معد يكرب في أناس من زبيد
@
قال ابن اسحاق وقد كان عمرو بن معدي كرب قال لقيس بن مكشوح المرادي حين انتهى اليهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يا قيس انك سيد قومك وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقال انه نبي فانطلق بنا اليه حتى نعلم علمه فان كان نبيا كما تقول فانه لن يخفى علينا إذا لقيناه اتبعناه وإن كان غير ذلك علمنا علمه فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيس بن مكشوح أوعد عمرا وقال خالفني وترك امرئ ورائي فقال عمرو بن معدي كرب في ذلك
أمرتك يوم ذي صنع * اء أمرا باديا رشده
امرتك باتقاء الله وا * لمعروف تتعده
خرجت من المنى مثل ا * لحمير غره وتده
تمناني على فرس * عليه جالسا أسده
علي مفاضة كالن * هي أخلص ماءه جدده
ترد الرمح منثني ال * سنان عوائرا قصده
فلو لاقيتني للقي * ت ليثا فوقه لبده
تلاقي شنبثا شثن ال * براثن ناشرا كتده
يسامي القرن إن قرن * تيممه فيعتضده
فيأخذه فيرفعه * فيخفضه فيقتصده
فيدفعه فيحطمه * فيمخضه فيزدرده
ظلوم الشرك فيما أخ * رزت أنيابه ويده
قال ابن اسحاق فأقام عمرو بن معد يكرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو بن معدي كرب فيمن أرتد وهجا فروة بن مسيك فقال
وجدنا ملك فروة شر ملك * حمار ساف منخره بثفر
وكنت إذا رايت ابا عمير * ترى الحولاء من خبث وغدر
قلت ثم رجع إلى الاسلام وحسن اسلامه وشهد فتوحات كثيرة في ايام الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما وكان من الشجعان المذكورين والابطال المشهورين والشعراء المجيدين توفي سنة احدى وعشرين بعد ما شهد فتح نهاوند وقيل بل شهد القادسية وقتل يومئذ قال أبو عمر بن عبد البد وكان وفوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع وقيل سنة عشر فيما ذكره ابن اسحاق والواقدي قلت وفي كلام الشافعي ما يدل عليه فالله أعلم قال يونس عن ابن اسحاق وقد قيل إن عمرو بن معدي كرب لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال في ذلك
إنني بالنبي موقنة نف * سي وإن لم أر النبي عيانا
سيد العالمين طرا وأدنا * هم إلى الله حين بان مكانها
جاء بالناموس من لدن الله و * كان الأمين فيه المعانا
حكمة بعد حكمة وضياء * فاهتدينا بنورها من عمانا
وركبنا السبيل حين ركبن * اه جديدا بكرهنا ورضانا
وعبدنا الإله حقا وكنا * للجهالات نعبد الأوثانا
وائتلفنا به وكنا عدوا * فرجعنا به معا إخوانا
فعليه السلام والسلام منا * حيث كنا من البلاد وكانا
إن نكن لم نر النبي فإنا * قد تبعنا سبيله إيمانا
*2* قدوم الاشعث بن قيس في وفد كندة
@
قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس في وفد كندة فحدثني الزهري أنه قدم في ثمانين راكبا من كندة فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده قد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة قد كففوها بالحرير فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم ألم تسلموا قالوا بلى قال فما بال هذا الحرير في أعناقكم قال فشقوه منها فالقوه ثم قال له الاشعث بن قيس يا رسول الله نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وكانا تاجرين إذ شاعا في العرب فسئلا ممن أنتما قالا
نحن بنوآ كل المرار يعني ينسبان إلى كندة ليعزا في تلك البلاد لأن كندة كانوا ملوكا فاعتقدت كندة أن قريشا منهم لقول عباس وربيعة نحن بنو آكل المرار وهو الحارث بن عمرو بن معاوية ابن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندي ويقال ابن كندة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم لا نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا فقال لهم الاشعث بن قيس والله يا معشر كندة لا اسمع رجلا يقولها إلا ضربته بثمانين وقد روى هذا الحديث متصلا من وجه آخر فقال الامام احمد حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة حدثني عقيل بن طلحة وقال عفان في حديثه أنبأنا عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن هيضم عن الاشعث بن قيس أنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة قال عفان لا يروني أفضلهم قال قلت يا رسول الله أنا ابن عم إنكم منا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن بنو النضر بن كنانة لا نفقوا أمنا ولا ننتفي من أبينا قال وقال الاشعث فوالله لا أسمع أحدا نفى قريشا من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن ابي شيبة عن يزيد بن هارون وعن محمد بن يحيى عن سليمان ابن حرب وعن هارون بن حيان عن عبد العزيز بن المغيرة ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه وقال الامام احمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي حدثنا الاشعث بن قيس قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لي هل لك من ولد قلت غلام ولد لي في مخرجي اليك من ابنة جمد ولوددت أن مكانه شبع القوم قال لا تقولن ذلك فإن فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا ثم لئن قلت ذاك انهم لمجبنه محزنة انهم لمجنبة محزنة تفرد به احمد وهو حديث حسن جيد الاسناد
*2* قدوم اعشى بن مازن على النبي صلى الله عليه وسلم
@
قال عبد الله بن الامام احمد حدثني العباس بن عبد العظيم العنبري ثنا أبو سلمة عبيد بن عبد الرحمن الحنفي قال حدثني الجنيد بن امين بن ذروة بن نضلة بن طريف بن نهصل الحرمازي حدثني أبي أمين عن أبيه ذروة عن ابيه نضلة أن رجلا منهم يقال له الاعشى واسمه عبد الله الاعور
كانت عنده امرأة يقال لها معاذة خرج في رجل بمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن نهشل بن كعب بن قميثع بن ذلف بن أهضم بن عبد الله بن الحرماز فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر أنها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن نهشل فاتاه فقال يا ابن عم أعندك امرأتي معاذة فادفعها الي قال ليست عندي ولو كانت عندي لم ادفعها اليك قال وكان مطرف أعز منه قال فخرج الاعشى حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعاذ به فانشأ يقول
يا سيد الناس وديان العرب * إليك اشكو ذربة من الذرب
كالذئبة العنساء في ظل السرب * خرجت أبغيها الطعام في رجب
فخلفتني بنزاع وهرب * أخلفت الوعد ولطت بالذنب
وقد فتني بين عصر مؤتشب * وهن شر غالب لمن غلب
فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك وهن شر غالب لمن غلب فشكى اليه امرأته وما صنعت به وانها عند رجل منهم يقال له مطرف بن نهشل فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم الى مطرف انظر امرأة هذا معاذة فادفعها اليه فاتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه فقال لها يا معاذة هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك فانا دافعك اليه فقالت خذ لي عليه العهد والميثاق وذمة نبيه أن لا يعاقبني فيما صنعت فاخذ لها ذلك عليه ودفعها مطرف اليه فانشأ يقول
لعمرك ما حبي معاذة بالذي * يغيره الواشي ولا قدم العهد
ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها * غواة الرجال إذ يناجونها بعدي
قدوم صرد بن عبد الله الازدي في نفر من قومه ثم وفود أهل جرش بعدهم
قال ابن اسحاق وقدم صرد بن عبد الله الازدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من الأزد فاسلم وحسن اسلامه وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على من اسلم من قومه وأمره أن يجاهد بمن أسلم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن فذهب فحاصر جرش وبها قبائل من اليمن وقد صوت اليهم خثعم حين سمعوا بمسيره اليهم فاقام عليهم قريبا من شهر فامتنعوا فيها منه ثم رجع عنهم حتى إذا كان قريبا من جبل يقال له شكر فظنوا أنه قد ولى عنهم منهزما فخرجوا في طلبه فعطف عليهم فقتلهم قتلا شديدا وقد كان أهل جرش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فبينما هم عنده بعد العصر إذ قال بأي بلاد الله شكر فقام الجرشيان فقالا يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر وكذلك تسميه أهل جرش فقال إنه ليس بكشر ولكنه شكر قالا فما شأنه يا رسول الله فقال إن بدن الله لتنحر عنده الآن قال فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان فقال لهما ويحكما إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم الآن لينعى اليكما قومكما فقوما اليه فاسألاه أن يدعو الله فيرفع عن قومكما فقاما اليه فسألاه ذلك فقال اللهم أرفع عنهم فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلموا وحسن اسلامهم وحمى لهم حول قريتهم
*2* قدوم رسول ملوك حمير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال الواقدي وكان ذلك في رمضان سنة تسع قال ابن اسحاق وقدم على رسول الله كتاب ملوك حمير ورسلهم باسلامهم مقدمه من تبوك وهم الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان وبعث اليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي باسلامهم ومفارقتهم الشرك وأهله فكتب اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي الى الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والنعمان قيل ذي رعين ومعافر وهمدان أما بعد ذلكم فاني احمد اليكم الله الذي لا إله إلا هو فانه قد وقع نبأ رسولكم منقلبنا من أرض الروم فلقينا بالمدينة فبلغ ما أرسلتم به وخبرنا ما قبلكم وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين وأن الله قد هداكم بهداه إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأعطيتم من المغاني خمس الله وسهم النبي صلى الله عليه وسلم وصفيه وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء وعلى ما سقي الغرب نصف العشر وأن في الابل في الاربعين ابنة لبون وفي ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر وفي كل خمس من الابل شاة وفي كل عشر من الابل شاتان وفي كل أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة فمن زاد خيرا فهو خير له ومن أدى ذلك وأشهد على اسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فانه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم وله ذمة الله وذمة رسوله وإنه من أسلم من يهودي أو نصراني فانه من المؤنين له ما لهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فانه لا يرد عنها وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف من قيمة المعافري أو عرضه ثيابا فمن أدى ذلك إلى رسول الله فان له ذمة الله وذمة رسوله ومن منعه فانه عدو لله ولرسوله أما بعد فان رسول الله محمدا النبي أرسل إلى زرعة ذي يزن أن إذ أتاك رسلي فاوصيكم بهم خيرا معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة وعقبة بن نمر ومالك بن مرة وأصحابهم وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخالفيكم وأبلغوها رسلي وإن أميرهم معاذ بن جبل فلا
ينقلبن إلا راضيا أما بعد فان محمدا يشهد أن لا إله إلا الله وأنه عبده ورسوله ثم أن مالك بن مرة الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت من أول حمير وقتلت المشركين فابشر بخير وآمرك بحمير خيرا ولا تخونوا ولا تخاذلوا فان رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم وأن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لأهل بيته وإنما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل وإن مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب فآمركم به خيرا وأني قد أرسلت اليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم فآمركم بهم خيرا فانهم منظور اليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وقد قال الامام احمد حدثنا حسن حدثنا عمارة عن ثابت عن أنس بن مالك أن مالك ذي يزن أهدى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة قد أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرا وثلاثة وثلاثين ناقة ورواه أبو داود عن عمرو بن عون الواسطي عن عمارة بن زاذان الصيدلاني عن ثابت البناني عن أنس به وقد رواه الحافظ البيهقي ها هنا حديث كتاب عمرو بن حزم فقال أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الاصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن ابي بكر عن أبيه عن ابي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم قال هذا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه الى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ويأخذ صدقاتهم فكتب له كتابا وعهدا وأمره فيه أمره فكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله ورسوله رسول الله أيها الذين آمنو أوفوا بالعقود عهدا من رسول الله لعمرو بن حزم حين بعثه الى اليمن أمره بتقوى الله في أمره كله فان الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره بتقوى الله في أمره كله فان الله مع الذين اتقوه والذين هم محسنون وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به ويعلم الناس القرآن ويفقههم في الدين وأن ينهى الناس فلا يمس أحد القرآن إلا وهو طاهر وأن يخبر الناس بالذي لهم والذي عليهم ويلين لهم في الحق ويشتد عليهم في الظلم فإن الله حرم الظلم ونهى عنه فقال ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله وأن يبشر الناس بالجنة وبعملها وينذر الناس النار وعملها ويستألف الناس حتى يتفقهوا في الدين ويعلم الناس معالم الحج وسننه وفرائضه وما أمره الله به والحج الاكبر الحج والحج الاصغر العمرة وأن ينهى الناس أن يصلي الرجل في ثوب واحد ويفضي بفرجه إلى السماء ولا ينقض شعر رأسه إذا عفى في قفاه وينهى الناس إن كان بينهم هيج أن يدعو الى القبائل والعشائر وليكن دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له فمن لم يدع إلى الله ودعى الى العشائر والقبائل فليعطفوا بالسيف حتى يكون دعاؤهم إلى الله وحده لا شريك له ويأمر الناس باسباغ الوضوء وجوههم وأيديهم إلى المرافق وأرجلهم إلى الكعبين وأن يمسحوا رؤوسهم كما أمرهم الله عز وجل وأمروا بالصلاة لوقتها واتمام الركوع والسجود وأن يغلس الصبح وأن يهجر
بالهاجرة حتى تميل الشمس وصلاة العصر والشمس في الارض مبدرة والمغرب حين يقبل الليل لا تؤخر حتى تبدو النجوم في السماء والعشاء أول الليل وأمره ان يأخذ من المغانم خمس الله ما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار فيما سقى المغل وفيما سقت السماء العشر وما سقى الغرب فنصف العشر وفي كل عشر من الابل شاتان وفي عشرين أربع شياه وفي أربعين من البقر بقرة وفي كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة جذع أو جذعة وفي كل أربعين من الغنم سائمة وحدها شاة فإنها فريضة الله التي أفترض على المؤمنين فمن زاد فهو خير له ومن أسلم من يهودي أو نصراني أسلاما خالصا من نفسه فدان دين الاسلام فانه من المؤمنين له مالهم وعليه ما عليهم ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فانه لا يغير عنها وعلى كل حالم ذكر وأنثى حر أو عبد دينار واف أو عرضه من الثياب فمن أدى ذلك فان له ذمة الله ورسوله ومن منع ذلك فإنه عدو الله ورسوله والمؤمنين جميعا صلوات الله على محمد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته قال الحافظ البيهقي وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده هذا الحديث موصولا بزيادات كثيرة ونقصان عن بعض ما ذكرناه في الزكاة والديات وغير ذلك
قلت ومن هذا الوجه رواه الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي في سننه مطولا وأبو داود في كتاب المراسيل وقد ذكرت ذلك بأسانيده والفاظه في السنن ولله الحمد والمنة وسنذكر بعد الوفود بعث النبي صلى الله عليه وسلم الامراء إلى اليمن لتعليم الناس وأخذ صدقاتهم واخماسهم معاذ بن جبل وأبو موسى وخالد ابن الوليد وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين
*2* قدوم جرير بن عبد الله البجلي واسلامه
@
قال الامام احمد حدثنا أبو قطن حدثني يونس عن المغيرة بن شبل قال قال جرير لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حلتي ثم دخلت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي يا عبد الله هل ذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم ذكرك باحسن الذكر بينما هو يخطب إذ عرض له في خطبته وقال يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفج من خير ذي بمن إلا أن على وجهه مسحة ملك قال جرير فحمدت الله عز وجل على ما أبلاني قال أبو قطن فقلت له سمعته منه أو سمعته من المغيرة بن شبل قال نعم ثم رواه الامام احمد عن أبي نعيم واسحاق بن يوسف وأخرجه النسائي من حديث الفضل بن موسى ثلاثتهم عن يونس عن أبي اسحاق
السبيعي عن المغيرة بن شبل ويقال ابن شبيل عن عوف البجلي الكوفي عن جرير بن عبد الله وليس له عنه غيره وقد رواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن حازم عن جرير بقصته يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك الحديث وهذا على شرط الصحيحين وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبيد ثنا اسماعيل عن قيس عن جرير قال ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم في وجهي وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه وفي الصحيحين زيادة وشكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لا أثبت على الخيل فضرب بيده على صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا ورواه النسائي عن قتيبة عن سفيان بن عيينة عن اسماعيل عن قيس عنه وزاد فيه يدخل عليكم من هذا الباب رجل على وجهه مسحة ملك فذكر نحو ما تقدم
قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عمر وعثمان بن احمد السماك حدثنا الحسن بن سلام السواق حدثنا محمد بن مقاتل الخراساني حدثنا حصين بن عمر الاحمسي حدثنا اسماعيل بن أبي خالد أو قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا جرير لأي شيء جئت قلت أسلم على يديك يا رسول الله قال فالقى علي كساء ثم اقبل علي أصحابه فقال إذا أتاكم كريم قوم فاكرموه ثم قال يا جرير أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الآخر والقدر خيره وشره وتصلي الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة ففعلت ذلك فكان بعد ذلك لا يراني إلا تبسم في وجهي هذا حديث غريب من هذا الوجه وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم وأخرجاه في الصحيحين من حديث اسماعيل بن أبي خالد به وهو في الصحيحين من حديث زياد بن علاثة عن جرير به وقال الامام احمد حدثنا أبو سعيد حدثنا زائدة ثنا عاصم عن سفيان يعني أبا وائل عن جرير قال قلت يا رسول الله اشترط علي فأنت أعلم بالشرط قال أبايعك على أن تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتنصح المسلم وتبرأ من الشرك ورواه النسائي من حديث شعبة عن الاعمش عن أبي وائل عن جرير وفي طريق أخرى عن الأعمش عن منصور عن أبي وائل عن أبي نخيلة عن جرير به فالله أعلم ورواه أيضا عن محمد بن قدامة عن جرير عن مغيرة عن ابي وائل والشعبي عن جرير به ورواه عن جرير عبد الله بن عميرة رواه احمد منفردا به وابنه عبيد الله بن جرير احمد ايضا منفردا به وأبو جميلة وصوابه نخيلة ورواه احمد والنسائي ورواه احمد أيضا عن غندر عن شعبة عن منصور عن أبي وائل


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:27 AM
عن رجل عن جرير فذكره والظاهر أن هذا الرجل هو أبو نخيلة البجلي والله أعلم وقد ذكرنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم له حين اسلم إلى ذي الخلصة بيت كان يعبده خثعم وبجيلة وكان يقال له الكعبة اليمانية يضاهون به الكعبة التي بمكة ويقولون للتي ببكة الكعبة الشامية ولبيتهم الكعبة اليمانية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تريحني من ذي الخلصة فحينئذ شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يثبت على الخيل فضرب بيده الكريمة على صدره حتى أثرت فيه وقال اللهم ثبته وأجعله هاديا مهديا فلم يسقط بعد ذلك عن فرس ونفر الى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه من أحمس فخرب ذلك البيت وحرقه حتى تركه مثل الجمل الاجرب وبعث الى النبي صلى الله عليه وسلم بشيرا يقال له أبو أرطاة فبشره بذلك فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل احمس ورجاله ما خمس مرات والحديث مبسوط في الصحيحين وغيرهما كما قدمناه بعد الفتح استطرادا بعد ذكر تخريب بيت العزى على يدي خالد بن الوليد رضي الله عنه والظاهر أن اسلام جرير رضي الله عنه كان متأخرا عن الفتح بمقدار جيد فان الامام احمد قال حدثنا هشام بن القاسم حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة بن عبد الكريم بن مالك الجزري عن مجاهد عن جرير بن عبد الله البجلي قال إنما أسلمت بعد ما أنزلت المائدة وأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح بعد ما أسلمت تفرد به احمد وهو اسناد جيد اللهم إلا أن يكون منقطعا بين مجاهد وبينه وثبت في الصحيحين أن أصحاب عبد الله بن مسعود كان يعجبهم حديث جرير في مسح الخف لأن اسلام جرير إنما كان بعد نزول المائدة وسيأتي في حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له استنصت الناس يا جرير وإنما أمره بذلك لأنه كان صبيا وكان ذا شكل عظيم كلنت نعله طولها ذراع وكان من أحسن الناس وجها وكان مع هذا من أغض الناس طرفا ولهذا روينا في الحديث الصحيح عنه أنه قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال أطرق بصرك
*2* وفادة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل على النبي صلى الله عليه وسلم
@ بن يعمر الحضرمي ابن هنيد احد ملوك اليمن
قال أبو عمر بن عبد البركان أحد أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم ويقال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر أصحابه قبل قدومه به وقال يأتيكم بقية أبناء الملوك فلما دخل رحب به وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه وقال اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده واستعمله على الاقيال من حضرموت وكتب معه ثلاث كتب منها كتاب إلى المهاجر بن ابي أمية وكتاب إلى الاقيال والعياهلة واقطعه أرضا وأرسل معه معاوية بن أبي سفيان فخرج معه راجلا فشكى اليه
حر الرمضاء فقال انتعل ظل الناقة فقال وما يغني عني ذلك لو جعلتني ردفا فقال له وائل اسكت فلست من أرادف الملوك ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية وهو أمير المؤمنين فعرفه معاوية فرحب به وقربه وأدناه وأذكره الحديث وعرض عليه جائزة سنية فابى أن يأخذها وقال أعطها من هو أحوج اليها مني وأورد الحافظ البيهقي بعض هذا واشار إلى أن البخاري في التاريخ روى في ذلك شيئا وقد قال الامام احمد حدثنا حجاج أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه أرضا قال وأرسل معي معاوية أن أعطيها إياه أو قال أعلمها إياه قال فقال معاوية أردفني خلفك فقلت لا تكون من ارداف الملوك قال فقال أعطني نعلك فقلت انتعل ظل الناقة قال فلما استخلف معاوية أتيته فاقعدني معه على السرير فذكرني الحديث قال سماك فقال وددت أني كنت حملته بين يدي وقد رواه أبو داود والترمذي من حديث شعبة وقال الترمذي صحيح
*2* وفادة لقيط بن عامر المنتفق ابي رزين العقيلي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال عبد الله بن الامام احمد كتب إلي ابراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير الزبيري كتبت اليك بهذا الحديث وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به اليك فحدث بذلك عني قال حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الانصاري القبائي من بني عمرو بن عوف عن دلهم بن الاسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر قال دلهم وحدثنيه أبي الاسود عن عاصم بن لقيط أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انسلاخ رجب فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الناس خطيبا فقال ايها الناس ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمنكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا أعلم لنا ما يقول رسول الله ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال ألا إني مسئول هل بلغت ألا فاسمعوا تعيشوا ألا اجلسوا ألا أجلسوا قال فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت يا رسول الله ما عندك من علم الغيب فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني ابتغي لسقطه فقال ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله وأشار بيده قلت وما هي قال علم المنية قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه وعلم المني حين يكون في
الرحم قد علمه ولا تعلمون وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مسنتين فيظل يضحك قد علم أن غيركم الى قريب قال لقيط قلت لن نعدم من رب يضحك خيرا وعلم يوم الساعة قلنا يا رسول علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم فانا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربوا علينا وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها قال تلبثون ما لبثتم ثم يتوفى نبيكم ثم تلبثون ما لبثتم ثم تبعث الصائحة لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك فاصبح ربك عز وجل يطوف بالارض وقد خلت عليه البلاد فرسل ربك السماء تهضب من عند العرش فلعمر إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلقه من عند رأسه فيستوي جالسا فيقول ربك عز وجل مهيم لما كان فيه فيقول يا رب أمس اليوم فلعهده بالحياة يتحسبه حديثا باهله قلت يا رسول الله كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح والبلى والسباع فقال انبئك بمثل ذلك في آلاء الله الارض أشرفت عليها وهي مدرة بالية فقلت لا تحي أبدا ثم أرسل ربك عليها السماء فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شرية واحدة فلعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الارض فتخرجون من الاصواء ومن مصارعكم فتنظرون اليه وينظر اليكم قال قلت يا رسول الله وكيف ونحن ملء الارض وهو عز وجل شخص واحد ينظر الينا وننظر اليه فقال انبئك بمثل ذلك في آلاء الله الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة لا تضارون في رؤيتهما ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم لا تضارون في رؤيتهما قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه قال تعرضون عليه بادية له صحائفكم لا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح قلبكم بها فلعمر إلهك ما يخطئ وجه أحدكم منها قطرة فاما المسلم فتدع على وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الاسود إلا ثم ينصرف نبيكم وينصرف على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار فيطأ أحدكم الجمر ة فيقول حس فيقول ربك عز وجل او انه فتطلعون
على حوض الرسول على اطماء والله ناهلة عليها ما رأيتها قط فلعمر إلهك لا يبسط واحد منكم يده إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والاذى وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا قال قلت يا رسول الله فبم نبصر قال مثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الارض وواجهته الجبال قال قلت يا رسول الله فبم نجزى من سيآتنا وحسناتنا قال الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها إلا أن يعفو قال قلت يا رسول الله اما الجنة واما النار قال لعمر الهك إن للنار سبعة أبواب ما منهم بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وان للجنة لثمانية أبواب ما منها بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما قلت يا رسول الله فعلام نطلع من الجنة قال على أنهار من عسل مصفى وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله معه وأزواج مطهرة قلت يا رسول الله ولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات قال الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذونكم غير أن لا توالد قال لقيط قلت أقصى ما نحن بالغون ومنتهون اليه فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله علام أبايعك فبسط النبي يده وقال على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وزيال الشرك وأن لا تشرك بالله إلها غيره قال قلت وإن لنا ما بين المشرق والمغرب فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده وبسط أصابعه وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه قال قلت تحل منها حيث شئنا ولا يجني منها امرؤ إلا على نفسه فبسط يده وقال ذلك لك تحل حيث شئت ولا تجني عليك إلا نفسك قال فانصرفنا عنه ثم قال إن هذين من أتقى الناس لعمر إلهك في الأولى والآخرة فقال له كعب بن الحدارية أحد بني كلاب منهم يا رسول الله بنو المنتفق أهل ذلك منهم قال فانصرفنا وأقبلت عليه وذكر تمام الحديث إلى أن قال فقلت يا رسول الله هل لأحد ممن مضى خير في جاهليته قال فقال رجل من عرض قريش والله إن أباك المنتفق لفي النار قال فلكأنه وقع حر بين جلدتي وجهي ولحمي مما قال لأني على رؤس الناس فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله ثم اذا الاخرى أجمل فقلت يا رسول الله وأهلك لعمر الله ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل أرسلني اليك محمد فابشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار قال قلت يا رسول الله ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وقد كانوا يحسبون أنهم مصلحون قال ذلك بان الله يبعث في آخر كل سبع أمم يعني نبيا فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين هذا حديث غريب جدا والفاظه في بعضها نكارة وقد
أخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور وعبد الحق الاشبيلي في العاقبة والقرطبي في كتاب التذكرة في أحوال الآخرة وسيأتي في كتاب البعث والنشور إن شاء الله تعالى
*2* وفادة زياد بن الحارث رضي الله عنه
@
قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو أحمد الاسداباذي بها أنبأنا أبو بكر بن مالك القطيعي حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم حدثني زياد بن نعيم الحضرمي سمعت زياد بن الحارث الصدائي يحدث قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الاسلام فاخبرت أنه قد بعث جيشا إلى قومي فقلت يا رسول الله أردد الجيش وأنا لك باسلام قومي وطاعتهم فقال لي اذهب فردهم فقلت يا رسول الله إن راحلتي قد كلت فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم قال الصدائي وكتبت اليهم كتابا فقدم وفدهم باسلامهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أخا صداء إنك لمطاع في قومك فقلت بل الله هداهم للاسلام فقال أفلا اومرك عليهم قلت بلى يا رسول الله قال فكتب لي كتابا أمرني فقلت يا رسول الله مر لي بشيء من صدقاتهم قال نعم فكتب لي كتابا آخر قال الصدائي وكان ذلك في بعض أسفاره فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا فاتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية فقال رسول الله أوفعل ذلك قالوا نعم فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اصحابه وأنا فيهم فقال لا خير في الامارة لرجل مؤمن قال الصدائي فدخل قوله في نفسي ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله أعطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل الناس عن ظهر غنى فصداع في الرأس وداء في البطن فقال السائل أعطني من الصدقة فقال رسول الله إن الله لم يرض في الصدقات بحكم نبي ولا غيره حتى حكم هو فيها فجزأها ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك قال الصدائي فدخل ذلك في نفسي أني غني واني سألته من الصدقة قال ثم إن رسول الله اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قريبا فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون منه ولم يبق معه أحد غيري فلما كان أوان صلاة الصبح أمرني فاذنت فجعلت أقول أقيم يا رسول الله فجعل ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ويقول لا حتى اذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم أنصرف إلي وهو متلاحق أصحابه فقال هل من ماء يا أخا صداء قلت لا إلا شيء قليل لا يكفيك فقال اجعله في إناء ثم ائتني به ففعلت فوضع كفه في الماء قال فرأيت بين أصبعين عينا تفور فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أني استحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء فناديت فيهم فاخذ من أراد منهم شيئا ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الصلاة فاراد بلال أن يقيم فقال له رسول الله إن أخا صداء أذن ومن
أذن فهو يقيم قال الصدائي فاقمت فلما قضى رسول الله الصلاة أتيته بالكتابين فقلت يا رسول الله أعفني من هذين فقال ما بدا لك فقلت سمعتك يا رسول الله تقول لا خير في الامارة لرجل مؤمن وأنا أومن بالله وبرسوله وسمعتك تقول للسائل من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع في الرأس وداء في البطن وسألتك وأنا غني فقال هو ذاك فان شئت فاقبل وإن شئت فدع فقلت أدع فقال لي رسول الله فدلني على رجل أؤمره عليكم فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم ثم قلنا يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها واذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا فقد أسلمنا وكل من حولنا عدو فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق فدعا سبع حصيات فعركهن بيده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فاذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا الله قال الصدائي ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها يعني البئر وهذا الحديث له شواهد في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وقد ذكر الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث بعد عمرة الجعرانة قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة الى بلاد صداء فيوطئها فبعثوا رجلا منهم فقال جئتك لترد عن قومي الجيش وأنا لك بهم ثم قدم وفدهم خمسة عشر رجلا ثم رأى منهم حجة الوداع مائة رجل ثم روى الواقدي عن الثوري عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن نعيم عن زياد بن الحارث الصدائي قصته في الأذان
*2* وفادة الحارث بن حسان البكري الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال الامام احمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي حدثنا عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث البكري قال خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فاذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت يا عبد الله إن لي إلى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي اليه قال فحملتها فاتيت المدينة فاذا المسجد غاص باهله وإذا راية سوداء تخفق وبلا متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما شأن الناس قالوا يريد أن يبعث عمرو ابن العاص وجها قال فجلست فدخل منزله أو قال رحله فاستأذنت عليه فاذن لي فدخلت فسلمت فقال هل كان بينكم وبين تميم شيء قلت نعم وكانت الدائرة عليهم ومررة بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها اليك وها هي بالباب فاذن لها فدخلت فقلت يا رسول الله إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء فحميت العجوز واستوفزت وقالت يا رسول الله أين يضطر مضرك قال قلت إن مثلي ما قال الاول معزى حملت حتفها حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد قالت هي وما وافد عاد وهي أعلم بالحديث منه
ولكن تستطعمه قلت إن عاد قحطوا فبعثوا وفدا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فاقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال اللهم إنك تعلم لم أجيء الى مريض فاداويه ولا الى أسير فافاديه اللهم اسق عاداما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ الى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادا رمدا لا تبقي من عاد أحدا قال فلما بلغني أنه أرسل عليهم الريح الا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا قال أبو وائل وصدق وكانت المرأة أو الرجل اذا بعثوا وافدا لهم قالوا لا يكن كوافد عاد وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي المنذر سلام بن سليمان به ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن ابي شيبة عن أبي بكر بن عياش عن عاصم بن ابي النجود عن الحارث البكري ولم يذكر أبا وائل وهكذا رواه الامام احمد عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن الحارث والصواب عن عاصم عن أبي وائل عن الحارث كما تقدم
*2* وفادة عبد الرحمن بن أبي عقيل مع قومه
@
قال أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله اسحاق بن محمد بن يوسف السوسي أنبأنا أبو جعفر محمد ابن محمد بن عبد الله البغدادي أنبانا علي بن الجعد ثنا عبد العزيز ثنا احمد بن يونس ثنا زهير ثنا أبو خالد يزيد الاسدي ثنا عون بن ابي جحيفة عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عن عبد الرحمن ابن أبي عقيل قال انطلقت في وفد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس رجل أبغض الينا من رجل نلج عليه فلما دخلنا وخرجنا فما في الناس رجل أحب الينا من رجل دخلنا عليه قال فقال قائل منا يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال فلعل صاحبك عند الله أفضل من ملك سليمان إن الله عز وجل لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فاهلكوا وان الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لامتي يوم القيامة
*2* قدوم طارق بن عبد الله واصحابه
@
روى الحافظ البيهقي من طريق أبي خباب الكلبي عن جامع بن شداد المحاربي حدثني رجل من قومي يقال له طارق بن عبد الله قال إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة وهو يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ورجل يتبعه يرميه بالحجارة وهو يقول يا أيها الناس إنه كذاب فقلت من هذا فقالوا هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله قال قلت من هذا الذي يفعل به هذا قالوا هذا عمه عبد العزى قال فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة
نريد المدينة نمتار من تمرها فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلت لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه إذا رجل في طمرين فسلم علينا وقال من أين أقبل القوم قلنا من الربذة قال وأين تريدون قلنا نريد هذه المدينة قال ما حاجتكم منها قلنا نمتار من تمرها قال ومعنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطوم فقال اتبيعوني جملكم هذا قلنا نعم بكذا وكذا صاعا من تمر قال فما استوضعنا مما قلنا شيئا وأخذ بخطام الجمل وانطلق فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن يعرف ولا أخذنا له ثمنا قال تقول المرأة التي معنا والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر أنا ضامنة لثمن جملكم إذ أقبل الرجل فقال أنا رسول الله اليكم هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا فاكلنا وشبعنا واكتلنا واستوفينا ثم دخلنا المدينة فدخلنا المسجد فاذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فادركنا من خطبته وهو يقول تصدقوا فإن الصدقة خير لكم اليد العليا خير من اليد السفلى أمك واباك وأختك وأخاك أدناك وأدناك إذ أقبل رجل من بني يربوع أو قال رجل من الانصار فقال يا رسول الله لنا في هؤلاء دماء في الجاهلية فقال إن أبا لا يجني على ولد ثلاث مرات وقد روى النسائي فضل الصدقة منه عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن ابي الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي ببعضه ورواه الحافظ البيهقي أيضا عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن يزيد ابن زياد عن جامع بن طارق بطوله كما تقدم وقال فيه فقالت الظعينة لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر ما رأيت شيئا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه
*2* قدوم وافد فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان
@
قال ابن اسحاق وبعث فروة بن عمرو النافرة الجذامي ثم النفاثي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا باسلامه واهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام فلما بلغ الروم ذلك من اسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه عندهم فقال في محبسه ذلك
طرقت سليمى موهنا أصحابي * والروم بين الباب والقروان
صد الخيال وساءه ما قد رأى * وهممت أن أغفى وقد أبكاني
لا تكحلن العين بعدي إثمدا * سلمى ولا تدين للإتيان
ولقد علمت أبا كبيشة أنني * وسط الأعزة لا يحص لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكم * ولئن بقيت ليعرفن مكاني
ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى * من جودة وشجاعة وبيان
قال فلما اجمعت الروم على صلبه على ماء لهم يقال له عفرى بفلسطين قال
ألا هل أتى سلمى بأن حليلها * على ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها * يشد به أطرافها بالمناجل
قال وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال * بلغ سراة المسلمين بأنني
سلم لربي أعظمي ومقامي
قال ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء رحمه الله ورضي عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه
*2* قدوم تميم الداري على رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ في خروج النبي صلى الله عليه وسلم وايمان من آمن به
أخبرنا أبو عبد الله سهل بن محمد بن نصرويه المروزي بنيسابور أنبانا أبو بكر محمد بن احمد ابن الحسن القاضي أنبأنا أبو سهل احمد بن محمد بن زياد القطان حدثنا يحيى بن جعفر بن الزبير أنبأنا وهب بن جرير حدثنا أبي سمعت غيلان بن جرير يحدث عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس قالت قدم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر فتاهت به سفينته فسقطوا إلى جزيرة فخرجوا اليها يلتمسون الماء فلقي انسانا يجر شعره فقال له من أنت قال أنا الجساسة قالوا فاخبرنا قال لا أخبركم ولكن عليكم بهذه الجزيرة فدخلناها فاذا رجل مقيد فقال من أنتم قلنا ناس من العرب قال ما فعل هذا النبي الذي خرج فيكم قلنا قد آمن به الناس واتبعوه وصدقوه قال ذلك خير لهم قال أفلا تخبروني عن عين زعر ما فعلت فاخبرناه عنها فوثب وثبة كاد أن يخرج من وراء الجدار ثم قال ما فعل نخل بيسان هل اطعم بعد فأخبرناه أنه قد أطعم فوثب مثلها ثم قال أما لوقد أذن لي في الخروج لوطئت البلاد كلها غير طيبة قالت فاخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدث الناس فقال هذه طيبة وذاك الدجال وقد روى هذا الحديث الامام احمد ومسلم وأهل السنن من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن فاطمة بنت قيس وقد أورد له الامام احمد شاهدا من رواية أبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه في كتاب الفتن وذكر الواقدي وفد الدارس من لخم وكانوا عشرة
*2* وفد بني أسد
@
وهكذا ذكر الواقدي أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع وفد بني أسد وكانوا عشرة منهم ضرار بن الازور ووابصة بن معبد وطليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة بعد ذلك ثم أسلم وحسن اسلامه ونفادة بن عبد الله بن خلف فقال له رئيسهم حضرمي بن عامر يا رسول الله أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث الينا بعثا فنزل فيهم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي اسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للاسلام إن كنتم صادقين وكان فيهم قبيلة يقال لهم بنو الريتة فغير اسمهم فقال أنتم بنو الرشدة وقد استهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفادة بن عبد الله بن خلف ناقة تكون جيدة للركوب وللحلب من غير أن يكون لها ولد معها فطلبها فلم يجدها الا عند ابن عم له فجاءبها فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلبها فشرب منها وسقاه سؤره ثم قال اللهم بارك فيها وفيمن منحها فقال يا رسول الله وفيمن جاء بها فقال وفيمن جاء بها
*2* وفد بني عبس
@
ذكر الواقدي أنهم كانوا تسعة نفر وسماهم الواقدي فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم انا عاشركم وأمر طلحة بن عبيد الله فعقد لهم لواء وجعل شعارهم يا عشرة وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم عن خالد بن سنان العبسي الذي قدمنا ترجمته في أيام الجاهلية فذكروا أنه لا عقب له وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش قدمت من الشام وهذا يقتضي تقدم وفادتهم على الفتح والله أعلم
*2* وفد بني فزارة
@
قال الواقدي حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الجمحي عن أبي وجزة السعدي قال لما رجع رسول الله من تبوك وكان سنة تسعة قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن حصن والحارث بن قيس بن حصن وهو اصغرهم على ركاب عجاف فجاؤا مقرين بالاسلام وسألهم رسول الله عن بلادهم فقال أحدهم يا رسول الله أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جناتنا وغرث عيالنا فادع الله لنا فصعد رسول الله المنبر ودعا فقال اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك واحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء قال فمطرت فما رأوا السماء سبتا فصعد رسول الله المنبر فدعا فقال اللهم حوالينا
ولا علينا على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانجابت السماء عن المدينة انجياب الثوب
*2* وفد بني مرة
@
قال الواقدي إنهم قدموا سنة تسع عند مرجعه من تبوك وكانوا ثلاثة عشر رجلا منهم الحارث ابن عوف فاجازهم عليه السلام بعشر أواق من فضة وأعطى الحارث بن عوف ثنتي عشر أوقية وذكروا بأن بلادهم مجدبة فدعا لهم فقال اللهم اسقهم الغيث فلما رجعوا إلى بلادهم وجدوها قد مطرت ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
*2* وفد بني ثعلبة
@
قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن ابراهيم عن رجل من بني ثعلبة عن أبيه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نفر فقلنا نحن رسل من خلفنا من قومنا وهم يقرون بالاسلام فأمر لنا بضيافة وأقمنا اياما ثم جئناه لنودعه فقال لبلال أجزهم كما تجيز للوافد فجاء ببقر من فضة فاعطى كل رجل منا خمس اواق وقال ليس عندنا دراهم وانصرفنا إلى بلادنا
*2* وفد بني محارب
@
قال الواقدي حدثني محمد بن صالح عن أبي وجزة السعدي قال قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع وهم عشرة نفر فيهم سواء بن الحارث وابنه خزيمة بن سواء فانزلوا دار رملة بنت الحارث وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء فاسلموا وقالوا نحن على من وراءنا ولم يكن أحد في تلك المواسم أفظ ولا أغلظ على رسول الله منهم وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحمد لله الذي أبقاني حتى صدقت بك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه القلوب بيد الله عز وجل ومسح رسول الله وجه خزيمة بن سواء فصارت غرة بيضاء واجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا إلى بلادهم
*2* وفد بني كلاب
@
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا منهم لبيد بن ربيعة الشاعر وجبار بن سلمى وكان بينه وبين كعب بن مالك خلة فرحب به وأكرمه وأهدى اليه وجاؤا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه بسلام الاسلام وذكروا له أن الضحاك بن سفيان الكلابي سار فيهم بكتاب الله وسنة رسوله التي أمره الله بها ودعاهم إلى الله فاستجابوا له وأخذ صدقاتهم من أغنيائهم فصرفها على فقرائهم
*2* وفد بني رؤاس من كلاب
@
ثم ذكر الواقدي أن رجلا يقال له عمرو بن مالك بن قيس بن بجيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قدم على رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلم ثم رجع الى قومه فدعاهم إلى الله فقالوا حتى نصيب من بني عقيل مثل ما أصابوا منا فذكر مقتلة كانت بينهم وأن عمرو بن مالك هذا قتل رجلا من بني عقيل قال فشددت يدي في غل وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه ما صنعت فقال لئن أتاني لأضرب ما فوق الغل من يده فلما جئت سلمت فلم يرد علي السلام وأعرض فاتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت يا رسول الله إن الرب عز وجل ليرتضي فيرضى فأرض عني رضي الله عنك قال قد رضيت
*2* وفد بني عقيل بن كعب
@
ذكر الواقدي أنهم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقطعهم العقيق عقيق بنى عقيل وهي أرض فيها نخيل وعيون وكتب بذلك كتابا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله ربيعا ومطرفا وأنسا أعطاهم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وطاعوا ولم يعطهم حقا لمسلم فكان الكتاب في يد مطرف قال وقدم عليه أيضا لقيط بن عامر بن المنتفق بن عامر ابن عقيل وهو أبو رزين فأعطاه ماء يقال له النظيم وبايعه على قومه وقد قدمنا قدومه وقصته وحديثه بطوله ولله الحمد والمنة
*2* وفد بني قشير بن كعب
@
وذلك قبل حجة الوداع وقبل حنين فذكر فيهم قرة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير ابن قشير فأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساه بردا وأمره أن يلي صدقات قومه فقال قرة حين رجع
حباها رسول الله إذ نزلت به * وأمكنها من نائل غير منفد
فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة * وقد أنجحت حاجاتها من محمد
عليها فتى لا يردف الذم رحله * يروى لأمر العاجز المتردد
*2* وفد بني البكاء
@
ذكر أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثين رجلا فيهم معاوية بن ثور بن معاوية
ابن عبادة بن البكاء وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر فقال يا رسول الله إني أتبرك بمسك وقد كبرت وابني هذا بر بي فأمسح وجهه فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وأعطاه أعنزا عفرا وبرك عليهن فكانوا لا يصيبهم بعد ذلك قحط ولا سنة وقال محمد بن بشر بن معاوية في ذلك
وأبي الذي مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير والبركات
أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا * عفرا نواحل لسن باللحيات
يملأن وفد الحي كل عشية * ويعود ذاك الملئ بالغدوات
بوركن من منح وبورك مانحا * وعليه مني ما حييت صلاتي
قال وزعم الزهري أنهم لما قدموه ليقتلوه قال * بلغ سراة المسلمين بأنني
*2* وفد كنانة
@
روى الواقدي باسانيده أن واثلة بن الاسقع الليثي قدم على رسول الله ص
وهو يتجهز إلى تبوك فصلى معه الصبح ثم رجع إلى قومه فدعاهم وأخبرهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبوه والله لا أحملك ابدا وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته حتى سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وهو راكب على بعير لكعب بن عجرة وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد إلى اكيدر دومة فلما رجعوا عرض واثلة على كعب بن عجرة ما كان شارطه عليه من سهم الغنيمة فقال له كعب إنما حملتك لله عز وجل
*2* وفد أشجع
@
ذكر الواقدي أنهم قدموا عام الخندق وهم مائة رجل ورئيسهم مسعود بن رخيلة فنزلوا شعب سلع فخرج اليهم رسول الله وأمر لهم باحمال التمر ويقال بل قدموا بعد ما فرغ من بني قريظة وكانوا سبع مائة رجل فوادعهم ورجعوا ثم أسلموا بعد ذلك
*2* وفد باهلة
@
قدم رئيسهم مطرف بن الكاهن بعد الفتح فأسلم وأخذ لقومه امانا وكتب له كتابا فيه الفرائض وشرائع الاسلام كتبه عثمان بن عفان رضي الله عنه
*2* وفد بني سليم
@
قال وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقال له قيس بن نشبة فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام فأسلم ورجع إلى قومه بني سليم فقال سمعت ترجمة الروم وهيمنة فارس وأشعار العرب وكهانة الكهان وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم فأطيعوني وخذوا بنصيبكم منه فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقديد وهم سبع مائة ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس وجماعة من أعيانهم فأسلموا وقالوا اجعلنا في مقدمتك واجعل لواءنا احمر وشعارنا مقدما ففعل ذلك بهم فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا وقد كان راشد بن عبد ربه السلمي يعبد صنما فرآه يوما وثعلبان يبولان عليه فقال
أرب يبول الثعلبان برأسه * لقد زل من بالت عليه الثعالب
ثم شد عليه فكسره ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك قال غاوي بن عبد العزى فقال بل أنت راشد بن عبد ربه واقطعه موضعا يقال له رهاط فيه عين تجري يقال لها عين الرسول وقال هو خير بني سليم وعقد له على قومه وشهد الفتح وما بعدها
*2* وفد بني هلال بن عامر
@
وذكر في وفدهم عبد عوف بن اصرم فاسلم وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات وذكر في وفد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك بن نجير بن الهدم ابن روبية بن عبد الله بن هلال بن عامر فلما دخل المدينة يمم منزل خالته ميمونة بنت الحارث فدخل عليها فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزله رآه فغضب ورجع فقالت يا رسول الله انه ابن أختى فدخل ثم خرج إلى المسجد ومعه زياد فصلى الظهر ثم أدنا زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقول ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد وقال الشاعر لعلي بن زياد
إن الذي مسح الرسول برأسه * ودعا له بالخير عند المسجد
أعني زيادا لا اريد سواءه * من عابر أو منهم أو منجد
ما زال ذاك النور في عرنينه * حتى تبوأ بيته في ملحد
*2* وفد بني بكر بن وائل
@ ذكر الواقدي أنهم لما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قس بن ساعدة فقال ليس ذاك منكم ذاك رجل من إياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظ والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه قال وكان في الوفد بشير بن الخصاصية وعبد الله بن مرثد وحسان بن خوط فقال رجل من ولد حسان
أنا وحسان بن خوط وأبي * رسول بكر كلها إلى النبي
*2* وفد بني تغلب
@
ذكر أنهم كانوا ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن لا يضيعوا أولادهم في النصرانية وأجار المسلمين منهم
*2* وفادات أهل اليمن وفد نجيب
@
ذكر الواقدي أنهم قدموا سنة تسع وأنهم كانوا ثلاثة عشر رجلا فاجازهم أكثر ما أجاز غيرهم وأن غلاما منهم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حاجتك فقال يا رسول الله أدع الله يغفر لي ويرحمني ويجعل غنائي في قلبي فقال اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه فكان بعد ذلك من أزهد الناس
*2* وفد خولان
@
ذكر أنهم كانوا عشرة وأنهم قدموا في شعبان سنة عشر وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صنمهم الذي كان يقال له عم أنس فقالوا أبدلناه خيرا منه ولو قد رجعنا لهدمناه وتعلموا القرآن والسنن فلما رجعوا هدموا الصنم وأحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله
*2* وفد جعفي
@
ذكر أنهم كانوا يحرمون أكل القلب فلما أسلم وفدهم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكل القلب وأمر به فشوي وناوله رئيسهم وقال لا يتم إيمانكم حتى تأكلوه فاخذه ويده ترعد فأكله وقال
على أني أكلت القلب كرها * وترعد حين مسته بناني
*2* فصل في قدوم الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث احمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني قال حدثني علقمة بن مرثد بن سويد الأزدي قال حدثني أبي عن جدي عن سويد بن الحارث قال وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخلنا عليه وكلمناه فاعجبه ما رأى من سمتنا وزينا فقال ما أنتم قلنا مؤمنون فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن لكل قول حقيقة فما حقيقة قولكم وإيمانكم قلنا خمس عشرة خصلة خمس منها أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها وخمس أمرتنا أن نعمل بها وخمس تخلقنا بها في الجاهلية فنحن عليها إلا أن تكره منها شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الخمسة التي أمرتكم بها رسلي أن تؤمنوا بها قلنا أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت قال وما الخمسة التي أمرتكم أن تعملوا بها قلنا أمرتنا أن نقول لا إله إلا الله ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت من استطاع اليه سبيلا فقال وما الخمسة الذي تخلقتم بها في الجاهلية قالوا الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء والرضى بمر القضاء والصدق في مواطن اللقاء وترك الشماتة بالاعداء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ثم قال وأنا أريدكم خمسا فيتم لكم عشرون خصلة إن كنتم كما تقولون فلا تجمعوا ما لا تأكلون ولا تبنوا مالا تسكنون ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدا تزولون واتقوا الله الذي اليه ترجعون وعليه تعرضون وارغبوا فيما عليه تقدمون وفيه تخلدون فانصرف القوم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظوا وصيته وعملوا بها


* ثم ذكر وفد كندة
@
وأنهم كانوا بضعة عشر راكبا عليهم الاشعث بن قيس وأنه أجازهم بعشر أواق وأجاز الاشعث ثنتي عشرة أوقية وقد تقدم
*2* وفد الصدف
@
قدموا في بضعة عشر راكبا فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر فجلسوا ولم يسلموا فقال أمسلمون أنتم قالوا نعم قال فهلا سلمتم فقاموا قياما فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فقال وعليكم السلام أجلسوا فجلسوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلوات
*2* وفد خشين
@
قال وقدم أبو ثعلبة الخشني ورسول الله يجهز إلى خيبر فشهد معه خيبر ثم قدم بعد ذلك بضعة عشر رجلا منهم فأسلموا
*2* وفد بني سعد
@
ثم ذكر وفد بني سعد هذيم وبلى وبهراء وبني عذرة وسلامان وجهينة وبني كلب والجرميين وقد تقدم حديث عمرو بن سلمة الجرمي في صحيح البخاري
وذكر وفد الأزد وغسان والحارث بن كعب وهمدان وسعد العشيرة وقيس ووفد الداريين والزهاويين وبني عامر والمسجع وبجيلة وخثعم وحضرموت وذكر فيهم وائل بن حجر وذكر فيهم الملوك الاربعة حميدا ومخوسا ومشرجا وأبضعه وقد ورد في مسند احمد نعتهم مع أخيهم الغمر تكلم الواقدي كلاما فيه طول
وذكر وفد أزدعمان وغافق وبارق ودوس وثمالة والحدار وأسلم وجذام ومهرة وحمير ونجران وحيسان وبسط الكلام على هذه القبائل بطول جدا وقد قدمنا بعض ما يتعلق بذلك وفيما أوردناه كفاية والله أعلم ثم قال الواقدي
*2* وفد السباع
@
حدثني شعيب بن عبادة عن عبد المطلب بن عبد الله بن حنظب قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه أقبل ذئب فوقف بين يديه فعوى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وافد السباع اليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه وتحذرتم منه فما أخذ فهو رزقه قالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء فاومأ اليه النبي صلى الله عليه وسلم باصابعه الثلاث أي خالسهم فولى وله عسلان وهذا مرسل من هذا الوجه ويشبه هذا الذئب الذئب الذي ذكر في الحديث الذي رواه الامام احمد حدثنا يزيد بن هارون أنبانا القاسم بن الفضل الحراني عن أبي نضرة عن ابي سعيد الخدري قال عدا الذئب على شاة فاخذها فطلبها الراعي فانتزعها منه فاقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقة الله إلي فقال يا عجبا ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الانس فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزاواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للاعرابي أخبرهم فاخبرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الانس وتكلم
الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده وقد رواه الترمذي عن سفيان ابن وكيع بن الجراح عن أبيه عن القاسم بن الفضل به وقال حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل به وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي
قلت وقد رواه الامام احمد أيضا حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة حدثني عبد الله بن ابي الحسين حدثني مهران أنبأنا أبو سعيد الخدري حدثه فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق ثم رواه احمد حدثنا أبو النضر ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر قال وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو اسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه
*2* فصل ( ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة ) .
@ وقد تقدم ذكر وفود الجن بمكة قبل الهجرة وقد تقصينا الكلام في ذلك عند قوله تعالى في سورة الاحقاق وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فذكرنا ما ورد من الاحاديث في ذلك والآثار وأوردنا حديث سواد بن قارب الذي كان كاهنا فأسلم وما رواه عن رئيه الذي كان يأتيه بالخبر حين أسلم حين قال له
عجبت للجن وانجاسها * وشدها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكة تبغي الهدى * ما مؤمن الجن كأرجاسها
فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى راسها
ثم قوله * عجبت للجن وتطلابها
وشدها العيس باقتابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ليس قدامها كأذنابها
فانهض إلى الصفوة من هاشم * واسم بعينيك إلى بابها
ثم قوله * عجبت للجن وتخبارها
وشدها العيس بأكوارها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى * ليس ذو الشر كأخيارها
فانهض إلى الصفوة من هاشم * ما مؤمنوا الجن ككفارها
وهذا وأمثاله مما يدل على تكرار وفود الجن إلى مكة وقد قررنا ذلك هنالك بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق
وقد أورد الحافظ أبو بكر البيهقي ها هنا حديثا غريبا جدا بل منكرا أو موضوعا ولكن مخرجه
عزيز أحببنا أن نورده كما أورده والعجب منه فانه قال في دلائل النبوة باب قدوم هامة بن الهيثم بن لاقيس بن ابليس على النبي صلى الله عليه وسلم واسلامه أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي رحمه الله أنبأنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل القاري المروزي ثنا عبد الله بن حماد الآملي ثنا محمد بن أبي معشر أخبرني أبي عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر رضي الله عنه بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وسلم على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد ثم قال نغمة جن وغمغمتهم من أنت قال أنا هامة بن الهيثم بن لاقيس بن ابليس فقال النبي صلى الله عليه وسلم فما بينك وبين ابليس الاأ بوان فكم أتى لك من الدهر قال قد افنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ليال قتل قابيل وهابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام وآمر بالآكام وآمر بافساد الطعام وقطيعة الأرحام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس عمل الشيخ المتوسم والشاب المتلوم قال ذرني من الترداد إني تائب الى الله عز وجل إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني وقال لا جرم إني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال قلت يا نوح إني كنت ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم فهل تجد لي عندك توبة قال يا همام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة إني قرأت فيما أنزل الله علي أنه ليس من عبد تاب الى الله بالغ أمره ما بلغ الا تاب الله عليه قم فتوضأ وأسجد لله سجدتين قال ففعلت من ساعتي ما أمرني به فناداني أرفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء فخررت لله ساجدا قال وكنت مع هود في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وابكاني وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قال وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه فلم أزل أعاقبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكانى وقال أنا على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين وكنت أزور يعقوب وكنت مع يوسف في المكان الامين وكنت القى الياس في الاودية وأنا القاه الآن وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال إن لقيت عيسى بن مريم فاقره مني السلام وإني لقيت عيسى بن مريم فأقرأته عن موسى السلام وإن عيسى قال إن لقيت محمدا صلى الله عليه وسلم فأقره مني السلام فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عينيه فبكى ثم قال وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا وعليك السلام يا هام بادائك الأمانة قال يا رسول الله افعل بي ما فعل بي موسى إنه علمني من التوراة قال فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد وقال ارفع الينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا قال عمر فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعد الينا فلا ندري الآن أحي هو أم ميت ثم قال البيهقي ابن أبي معشر هذا قد روى عنه
الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه وقد روى هذا الحديث من وجه آخر هو اقوى منه والله أعلم
*2* سنة عشر من الهجرة
@ باب بعث رسول الله خالد بن الوليد
قال ابن اسحاق ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الاولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم وإن لم يفعلوا فقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الاسلام ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فاسلم الناس ودخلوا فيما دعوا اليه فاقام فيهم خالد يعلمهم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله إن هم أسلموا ولم يقاتلوا ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول الله من خالد بن الوليد السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فاني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب وأمرتني إذا أتيتهم أن لا أقاتلهم ثلاثة ايام وأن أدعوهم إلى الإسلام فان أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه وإن لم يسلموا قاتلتهم وإني قدمت عليهم فدعوتهم إلى الاسلام ثلاثة ايام كما أمرني رسول الله وبعثت فيهم ركبانا يا بني الحارث أسلموا تسلموا فاسلموا ولم يقاتلوا وأنا مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه وأعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فكتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي رسول الله إلى خالد بن الوليد سلام عليك فاني احمد اليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم وأجابوا إلى ما دعوتهم اليه من الاسلام وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فاقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب منهم قيس بن الحصين ذو الغصة ويزيد بن عبد المدان ويزيد بن المحجل وعبد الله بن قراد الزيادي وشداد بن عبيد الله القناني وعمرو بن عبد الله الضبابي فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآهم قال من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند قيل يا رسول الله هؤلاء بنو
الحارث بن كعب فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا نشهد أنك رسول الله وأنه لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ثم قال أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية ثم الثالثة فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الرابعة قال يزيد بن عبد المدان نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا قالها أربع مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ان خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألقيت رؤسكم تحت أقدامكم فقال يزيد بن عبد المدان أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا قال فمن حمدتم قالوا حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتم ثم قال بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية قالوا لم نك نغلب أحدا قال بلى قدكنتم تغلبون من قاتلكم قالوا كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله إنا كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم قال صدقتم ثم امر عليهم قيس بن الحصين
مثال ابن اسحاق ثم رجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو في صدر ذي القعدة قال ثم بعث اليهم بعد أن ولى وفدهم عمرو بن حزم ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام ويأخذ منهم صدقاتهم وكتب له كتابا عهد اليه فيه عهده وأمره أمره ثم أورده ابن اسحاق وقد قدمناه في وفد ملوك حمير من طريق البيهقي وقد رواه النسائي نظير ما ساقه محمد بن اسحاق بغير اسناد
*2* بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمراء الى أهل اليمن
@
قال البخاري باب بعث أبي موسى ومعاذ الى اليمن قبل حجة الوداع حدثنا موسى ثنا أبو عوانة ثنا عبد الملك عن أبي بردة قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن قال وبعث كل واحد منهما على مخلاف قال واليمن مخلافان ثم قال يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وفي رواية وتطاوعا ولا تختلفا وانطلق كل واحد منهما الى عمله قال وكان كل واحد منهما اذا سار في أرضه وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه أبي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى اليه فاذا هو جالس وقد اجتمع الناس اليه واذا رجل عنده قد جمعت يداه الى عنقه فقال له معاذ يا عبد الله بن قيس أيم هذا قال هذا رجل كفر بعد اسلامه قال لا أنزل حتى يقتل قال انما جيء به لذلك فانزل قال ما أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل ثم نزل فقال يا عبد الله كيف تقرأ القرآن قال اتفوقه تفوقا قال فكيف تقرأ أنت يا معاذ قال
أنام أول الليل فاقوم وقد قضيت جزئي من النوم فاقرأ ما كتب الله لي فاحتسب نومتي كما احتسب قومتي انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه ثم قال البخاري ثنا اسحاق ثنا خالد عن الشيباني عن سعيد بن ابي بردة عن أبيه عن أبي موسى الاشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال ما هي قال البتع والمزر فقلت لابي بردة ما التبع قال نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال كل مسكر حرام رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن ابي بردة ورواه مسلم من حديث سعيد بن ابي بردة
وقال البخاري حدثنا حبان أنبأنا عبد الله عن زكريا بن أبي اسحاق عن يحيى بن عبد الله ابن صيفي عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فاذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فاخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب وقد اخرجه بقية الجماعة من طرق متعددة وقال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني راشد بن سعد عن عاصم بن حميد الكسوني عن معاذ بن جبل قال لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التفت بوجهه نحو المدينة فقال إن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا ثم رواه عن أبي اليمان عن صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن عاصم بن حميد السكوني أن معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله يمشي تحت راحلته فلما فرغ قال يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري فبكى معاذ خشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا تبك يا معاذ للبكاء أوان البكاء من الشيطان وقال الامام احمد حدثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني أبو زياد يحيى بن عبيد الغساني عن يزيد بن قطيب عن معاذ أنه كان يقول بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال لعلك أن تمر بقبري ومسجدي فقد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم يقاتلون على الحق مرتين فقاتل بمن أعطاك منهم من عصاك ثم يفيئون الى الاسلام حتى تبادر المرأة زوجها والولد والده والأخ اخاه فانزل بين الحبين السكون والسكاسك
وهذا الحديث فيه إشارة وظهور وايماء إلى أن معاذا رضي الله عنه لا يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد
ذلك وكذلك وقع فانه أقام باليمن حتى كانت حجة الوداع ثم كانت وفاته عليه السلام بعد أحد وثمانين يوما من يوم الحج الاكبر فاما الحديث الذي قال الامام احمد حدثنا وكيع عن الاعمش عن أبي ظبيان عن معاذ أنه لما رجع من اليمن قال يا رسول الله رأيت رجالا باليمن يسجد بعضهم لبعض أفلا نسجد لك قال لو كنت آمر بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وقد رواه احمد عن ابن نمير عن الاعمش سمعت أبا ظبيان يحدث عن رجل من الانصار عن معاذ ابن جبل قال أقبل معاذ من اليمن فقال يا رسول الله إني رأيت رجالا فذكر معناه فقد دار على رجل منهم ومثله لا يحتج به لا سيما وقد خالفه غيره ممن يعتد به فقالوا لما قدم معاذ من الشام كذلك رواه احمد ثنا ابراهيم بن مهدي ثنا اسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن ابي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله وقال احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن ابي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معاذ اتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن قال وكيع وجدته في كتابي عن أبي ذر وهو السماع الاول وقال سفيان بن مرة عن معاذ ثم قال الامام احمد حدثنا اسماعيل عن ليث عن حبيب بن أبي ثابت عن ميمون بن أبي شبيب عن معاذ أنه قال يا رسول الله أوصني فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال اتبع السيئة الحسنة تمحها قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان الثوري به وقال حسن قال شيخنا في الاطراف وتابعه فضيل بن سليمان عن ليث بن أبي سليم عن الاعمش عن حبيب به وقال احمد ثنا أبو اليمان ثنا اسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي عن معاذ بن جبل قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت ولا تعقن والديك وإن أمراك أن تخرج من مالك وأهلك ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمدا فإن من ترك من صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ولا تشربن خمرا فإنه رأس كل فاحشة وإياك والمعصية فإن بالمعصية يحل سخط الله وإياك والفرار من زحف وإن هلك الناس وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت وأنفق على عيالك من طولك ولا ترفع عنهم عصاك أدبا وأحبهم في الله عز وجل وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا بقية عن السري بن ينعم عن شريح عن مسروق عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه الى اليمن قال إياك والتنعم فان عباد الله ليسوا بالمتنعمين وقال احمد ثنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا أبو بكر يعني ابن عياش ثنا عاصم عن أبي وائل عن معاذ قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن وأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا أوعد له من المعافر وأمرني أن
آخذ من كل أربعين بقرة مسنة ومن كل ثلاثين بقرة تبيعا حوليا وأمرني فيما سقت السماء العشر وما سقي بالدوالي نصف العشر وقد رواه أبو داود من حديث أبي معاوية والنسائي من حديث محمد بن اسحاق عن الاعمش كذلك
وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن الاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ وقال احمد ثنا معاوية عن عمرو وهارون بن معروف قالا ثنا عبد الله بن وهب عن حيوة عن يزيد ابن أبي حبيب عن سلمة بن اسامة عن يحيى بن الحكم أن معاذا قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا قال هارون والتبيع الجذع أو جذعة ومن كل أربعين مسنة فعرضوا علي أن آخذ ما بين الاربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فابيت ذلك وقلت لهم اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقدمت فاخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فامرني أن أخذ من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة ومن الستين تبيعين ومن السبعين مسنة وتبيعا ومن الثمانين مسنتين ومن التسعين ثلاثة أتباع ومن المائة مسنة وتبيعين ومن العشرة ومائة مسنتين وتبيعا ومن العشرين ومائة ثلاث مسننات أو أربعة اتباع قال وأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لا أخذ فيما بين ذلك شيئا إلا أن يبلغ مسنة أو جذع وزعم أن الاوقاص لا فريضة فيها وهذا من افراد احمد وفيه دلالة على أنه قدم بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحيح إنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كما تقدم في الحديث وقد قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبي بن كعب بن مالك قال كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى كان عليه دين أغلق ماله فكلم رسول الله في أن يكلم غرماءه ففعل فلم يضعوا له شيئا فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فدعاه رسول الله فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه قال فقام معاذ ولا مال له قال فلما حج رسول الله بعث معاذا إلى اليمن قال فكان أول من تجر في هذا المال معاذ قال فقدم على أبي بكر الصديق من اليمن وقد توفي رسول الله فجاء عمر فقال هل لك أن تعطيني فتدفع هذا المال إلى أبي بكر فإن أعطاكه فاقبله قال فقال معاذ لم أدفعه اليه وإنما بعثني رسول الله ليجبرني فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال ارسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له فقال أبو بكر ما كنت لافعل إنما بعثه رسول الله ليجبره فلست آخذا منه شيئا قال فلما أصبح معاذ انطلق الى عمر فقال ما أرى الا فاعل الذي قلت إني رايتني البارحة في النوم فيما يحسب عبد الرزاق قال أجر الى النار وأنت آخذ بحجرتي قال فانطلق الى ابي بكر بكل شيء جاء به حتى جاءه بسوطه وحلف له أنه لم يكتمه شيئا قال فقال أبو بكر رضي الله عنه هو لك لا آخذ منه شيئا وقد رواه أبو ثور عن معمر عن الزهري


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:37 AM
عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك فذكره إلا أنه قال حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا فمكث حتى قبض رسول الله ثم قدم في خلافة أبي بكر وخرج الى الشام قال البيهقي وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلفه بمكة مع عتاب بن أسيد ليعلم اهلها وأنه شهد غزوة تبوك فالاشبه أن بعثه إلى اليمن كان بعد ذلك والله أعلم ثم ذكر البيهقي لقصة منام معاذ شاهدا من طريق الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله وأنه كان من جملة ما جاء به عبيد فاتى بهم أبا بكر فلما رد الجميع عليه رجع بهم ثم قام يصلي فقاموا كلهم يصلون معه فلما انصرف قال لمن صليتم قالوا لله قال فانتم عتقاء فاعتقهم وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو بن اخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من اهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الى اليمن قال كيف تصنع إن عرض لك قضاء قال أقضي بما في كتاب الله قال فان لم يكن في كتاب الله قال فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فان لم يكن في سنة رسول الله قال اجتهد وإني لا آلو قال فضرب رسول الله صدري ثم قال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضى رسول الله وقد رواه احمد عن وكيع عن عفان عن شعبة باسناده ولفظه وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث شعبة به وقال الترمذي لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس اسناده عندي بمتصل وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه إلا أنه من طريق محمد بن سعد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين عن عياذ بن بشر عن عبد الرحمن عن معاذ بن نحوه وقد روى الامام احمد عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد عن شعبة عن عمرو بن ابي حكيم عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن معمر عن ابي الاسود الدئلي قال كان معاذ باليمن فارتفعوا اليه في يهودي مات وترك أخا مسلما فقال معاذ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الاسلام يزيد ولا ينقص فورثه ورواه أبو داود من حديث ابن بريدة به وقد حكى هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان ورواه عن يحيى بن معمر القاضي وطائفة من السلف واليه ذهب اسحاق بن راهويه وخالفهم الجمهور ومنهم الأئمة الاربعة وأصحابهم محتجين بما ثبت في الصحيحين عن أسامة ابن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر والمقصود أن معاذ رضي الله عنه كان قاضيا للنبي صلى الله عليه وسلم باليمن وحاكما في الحروب ومصدقا اليه تدفع الصدقات كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم وقد كان بارزا للناس يصلي بهم الصلوات الخمس كما قال البخاري حدثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن حبيب بن ابي ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله ابراهيم خليلا فقال رجل من القوم لقد قرت عين ابراهيم انفرد به البخاري ثم قال البخاري
*2* باب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب وخالد بن الوليد الى اليمن قبل حجة الوداع
@
حدثنا احمد بن عثمان ثنا شريح بن مسلمة ثنا ابراهيم بن يوسف بن أبي اسحاق حدثني أبي عن أبي اسحاق سمعت البراء بن عازب قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد بن الوليد إلى اليمن قال ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه قال مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل فكنت فيمن عقب معه قال فغنمت أواقي ذات عدد انفرد به البخاري من هذا الوجه ثم قال البخاري حدثنا محمد بن بشار ثنا روح بن عبادة ثنا علي بن سويد بن منجوف عن عبد الله ابن بريدة عن أبيه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا إلى خالد بن الوليد ليقبض الخمس وكنت أبغض عليا فاصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال يا بريدة تبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فان له في الخمس أكثر من ذلك انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد ثنا عبد الجليل قال انتهيت إلى حلقة فيها أبو مجلز وابنا بريدة فقال عبد الله بن بريدة حدثني أبو بريدة قال أبغضت عليا بغضا لم أبغضه أحدا قط قال وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته ما أصحبه إلا على بغضه عليا قال فاصبنا سبيا قال فكتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعث الينا من يخمسه قال فبعث الينا علينا وفي السبي وصيفة من أفضل السبي قال فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر فقلنا يا أبا الحسن ما هذا فقال ألم تروا إلى الوصيفة التي كانت في السبي فإني قسمت وخمست فصارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ثم صارت في آل علي ووقعت بها قال فكتب الرجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت أبعثني فبعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق قال فأمسك يدي والكتاب فقال أتبغض عليا قال قلت نعم قال فلا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة قال فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي من علي قال عبد الله بن بريدة فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث غير أبي بريدة تفرد به بهذا السياق عبد الجليل بن عطية الفقيه أبو صالح البصري وثقه ابن معين وابن حبان وقال البخاري إنما يهم في الشيء وقال محمد بن اسحاق ثنا ابان بن صالح عن عبد الله بن نيار الأسلمي عن خاله عمرو
ابن شاس الاسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن فجفاني علي بعض الجفاء فوجدت في نفسي عليه فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيته فاقبلت يوما ورسول الله جالس فلما رآني انظر الى عينيه نظر إلي حتى جلست اليهفلما جلست أليه قال إنه والله يا عمرو بن شاس لقد آذيتني فقلت انا لله وانا اليه راجعون أعوذ بالله والاسلام أن أوذي رسول الله فقال فقال من آذى عليا فقد آذاني وقد رواه البيهقي من وجه آخر عن ابن اسحاق عن أبان بن الفضل بن معقل بن سنان عن عبد الله بن نيار عن خاله عمرو بن شاس فذكره بمعناه وقال الحافظ البيهقي انبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا أبو اسحاق المولى ثنا عبيدة بن أبي السفر سمعت ابراهيم بن يوسف بن ابي اسحاق عن أبيه عن أبي اسحاق عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام فلم يجيبوه ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب وأمره أن يقفل خالدا إلا رجلا كان ممن مع خالد فاحب أن يعقب مع علي فليعقب معه قال البراء فكنت فيمن عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا الينا ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسلمت همدان جميعا فكتب على إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامها فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال السلام على همدان السلام على همدان قال البيهقي رواه البخاري مختصرا من وجه آخر عن ابراهيم بن يوسف وقال البيهقي أنبأنا أبو الحسين محمد بن الفضل القطان أنبأنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا اسماعيل بن ابي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن سعد بن اسحاق بن كعب عن عجرة عن عمته زينب بنت كعب ابن عجرة عن أبي سعيد الخدري أنه قال بعث رسول الله علي بن أبي طالب إلى اليمن قال أبو سعيد فكنت فيمن خرج معه فلما أخذ من إبل الصدقة سألناه أن نركب منها ونريح إبلنا وكنا قد رأينا في ابلنا خللا فابى علينا وقال إنما لكم فيها سهم كما للمسلمين قال فلما فرغ علي وانطفق من اليمن راجعا أمر علينا انسانا وأسرع هو وادرك الحج فلما قضى حجته قال له النبي صلى الله عليه وسلم ارجع إلى أصحابك حتى تقدم عليهم قال أبو سعيد وقد كنا سألنا الذي استخلفه ما كان علي منعنا اياه ففعل فلما عرف في ابل الصدقة أنها قد ركبت ورأى اثر الركب قدم الذي أمره ولامه فقلت أما انا لله علي لئن قدمت المدينة لأذكرن لرسول الله ولأخبرنه ما لقينا من الغلظة والتضييق قال فلما قدمنا المدينة غدوت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد أن أفعل ما كنت حلفت عليه فلقيت أبا بكر خارجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني وقف معي ورحب بي وساءلني وساءلته وقال متى قدمت
فقلت قدمت البارحة فرجع معي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل وقال هذا سعد بن مالك بن الشهيد فقال ائذن له فدخلت فحييت رسول الله وحياني وأقبل علي وسألني عن نفسي وأهلي وأحفى المسألة فقلت يا رسول الله ما لقينا من علي من الغلظة وسوء الصحبة والتضييق فاتئذ رسول الله وجعلت أنا أعدد ما لقينا منه حتى إذا كنا في وسط كلامي ضرب رسول الله على فخذي وكنت منه قريبا وقال يا سعد بن مالك ابن الشهيد مه بعض قولك لأخيك علي فوالله لقد علمت أنه أحسن في سبيل الله قال فقلت في نفسي ثكلتك أمك سعد بن مالك ألا أراني كنت فيما يكره منذ اليوم ولا أدري لا جرم والله لا أذكره بسوء ابدا سرا ولا علانية وهذا إسناد جيد على شرط النسائي ولم يروه أحد من اصحاب الكتب الستة وقد قال يونس عن محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عبد الله ابن أبي عمر عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال إنما وجد جيش علي بن أبي طالب الذين كانوا معه باليمن لأنهم حين اقبلوا خلف عليهم رجلا وتعجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فعمد الرجل فكسى كل رجل حلة فلما دنوا خرج عليهم علي يستلقيهم فاذا عليهم الحلل قال علي ما هذا قالوا كسانا فلان قال فما دعاك الى هذا قبل أن تقدم على رسول الله فيصنع ما شاء فنزع الحلل منهم فلما قدموا على رسول الله اشتكوه لذلك وكانوا قد صالحوا رسول الله وإنما بعث عليه إلى جزية موضوعة
قلت هذا السياق أقرب من سياق البيهقي وذلك أن عليا سبقهم لاجل الحج وساق معه هديا وأهل باهلال النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يمكث حراما وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له أني سقت الهدي وقرنت والمقصود أن عليا لما كثر فيه القيل والقال من ذلك الجيش بسبب منعه إياهم استعمال إبل الصدقة واسترجاعه منهم الحلل التي أطلقها لهم نائبه وعلي معذور فيما فعل لكن اشتهر الكلام فيه في الحجيج فلذلك والله أعلم لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجته وتفرغ من مناسكه ورجع إلى المدينة فمر بغد يرخم قام في الناس خطيبا فبرأ ساحة علي ورفع من قدره ونبه على فضله ليزيل ما وقر في نفوس كثير من الناس وسيأتي هذا مفصلا في موضعه إن شاء الله وبه الثقة
وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا عبد الواحد عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة حدثني عبد الرحمن بن أبي نعم سمعت ابا سعيد الخدري يقول بعث علي بن ابي طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها قال فقسمها بين أربعة بين عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل فقال رجل من أصحابه كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء قال فقام رجل غائر العينين مشرف الوجنتين ناشز الجبهة
كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار فقال يا رسول الله اتق الله فقال ويلك أو لست احق الناس ان يتقي الله قال ثم ولى الرجل قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا لعله أن يكون يصلي قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن انقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم قال ثم نظر اليه وهو مقف فقال إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية أظنه قال لئن أدركتهم لاقتلنهم قتل ثمود وقد رواه البخاري في مواضع أخر من كتابه ومسلم في كتاب الزكاة من صحيحه من طرق متعددة إلى عمارة بن القعقاع به
ثم قال الامام احمد ثنا يحيى عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأنا حديث السن قال فقلت تبعثني إلى قوم يكون بينهم أحداث ولا علم لي بالقضاء قال إن الله سيهدي لسانك ويثبت قلبك قال فما شككت في قضاء بين اثنين ورواه ابن ماجه من حديث الاعمش به وقال الامام احمد حدثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن سماك عن حنش عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن قال فقلت يا رسول الله تبعثني إلى قوم اسن مني وأنا حدث لا أبصر القضاء قال فوضع يده على صدري وقال اللهم ثبت لسانه وأهد قلبه يا علي إذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر ما سمعت من الاول فانك إذا فعلت ذلك تبين لك قال فما اختلف على قضاء بعد أو ما اشكل على قضاء بعد ورواه احمد أيضا وأبو داود من طرق عن شريك والترمذي من حديث زائدة كلاهما عن سماك بن حرب عن حنش بن المعتمر وقيل ابن ربيعة الكناني الكوفي عن علي به وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الاجلح عن الشعبي عن عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم أن نفرا وطئوا امرأة في طهر فقال علي لاثنين اتطيبان نفسا لذا فقالا لا فأقبل على الآخرين فقال اتطيبان نفسا لذا فقالا لا فقال أنتم شركاء متشاكسون فقال إني مقرع بينكم فايكم قرع أغرمته ثلثي الدية وألزمته الولد قال فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا أعلم إلا ما قال علي وقال احمد ثنا شريج بن النعمان ثنا هشيم أنبأنا الاجلح عن الشعبي عن ابي الخليل عن زيد بن ارقم أن عليا أتى في ثلاثة نفر إذ كان في اليمن اشتركوا في ولد فاقرع بينهم فضمن الذي أصابته القرعة ثلثي الدية وجعل الولد له قال زيد بن أرقم فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فاخبرته بقضاء علي فضحك حتى بدت
نواجذه ورواه أبو داود عن مسدد عن يحيى القطان والنسائي عن علي بن حجر عن علي بن مسهر كلاهما عن الاجلح بن عبد الله عن عامر الشعبي عن عبد الله بن الخليل وقال النسائي في رواية عبد الله بن أبي الخليل عن زيد بن أرقم قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل من أهل اليمن فقال إن ثلاثة نفر أتوا عليا يختصمون في ولد وقعوا على امرأة في طهر واحد فذكر نحو ما تقدم وقال فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواياه أعني ابا داود والنسائي من حديث شعبة عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن ابي الخليل أو ابن الخليل عن علي قوله فارسله ولم يرفعه وقد رواه الامام احمد أيضا عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن الاجلح عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم فذكر نحو ما تقدم وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا عن حنش بن أصرم وابن ماجه عن اسحاق ابن منصور كلاهما عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن صالح الهمداني عن الشعبي عن عبد خير عن زيد بن أرقم قال شيخنا في الاطراف لعل عبد خير هذا هو عبد الله بن الخليل ولكن لم يضبط الراوي اسمه قلت فعلى هذا يقوى الحديث وإن كان غيره كان أجود لمتابعته له لكن الاجلح ابن عبد الله الكندي فيه كلام ما وقد ذهب إلى القول بالقرعة في الانساب الامام احمد وهو من أفراده وقال الامام احمد ثنا أبو سعيد ثنا اسرائيل ثنا سماك عن حنش عن علي قال بعثني رسول الله الى اليمن فانتهينا الى قوم قد بنوا زبية للاسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق آخر بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الاسد فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم فقام أولياء الأول الى أولياء الآخر فاخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي على تعبية ذلك فقال تريدون أن تقاتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي اني أقضي بينكم قضاء ان رضيتم فهو القضاء والا أحجز بعضكم عن بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة فللأول الربع لانه هلك والثاني ثلث الدية والثالث نصف الدية والرابع الدية فابوا أن يرضوا فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام ابراهيم فقصوا عليه القصة فقال أنا أحكم بينكم فقال رجل من القوم يا رسول الله إن عليا قضى علينا فقصوا عليه القصة فاجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رواه الامام احمد أيضا عن وكيع عن حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن حنش عن علي فذكره
*2* كتاب حجة الوداع في سنة عشر
@
ويقال لها حجة البلاغ وحجة الاسلام وحجة الوداع
ملاحظة هنال تكرار وخطا في من سجل رقم ولغاية سجل رقم الاسلام لانه عليه السلام لم يحج من المدينة غيرها ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها وقد قيل إن فريضة الحج نزلت عامئذ وقيل سنة تسع وقيل سنة ست وقيل قبل الهجرة وهو غريب وسميت حجة البلاغ لأنه عليه السلام بلغ الناس شرع الله في الحج قولا وفعلا ولم يكن بقي من دعائم الاسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه عليه السلام فلما بين لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عز وجل عليه وهو واقف بعرفة اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا
وسيأتي ايضاح لهذا كله والمقصود ذكر حجته عليه السلام كيف كانت فإن النقلة اختلفوا فيها اختلافا كثيرا جدا بحسب ما وصل الى كل منهم من العلم وتفاوتوا في ذلك تفاوتا كثيرا لا سيما من بعد الصحابة رضي الله عنهم ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات ونجمع بينهما جمعا يثلج قلب من تأمله وأنعم النظر فيه وجمع بين طريقتي الحديث وفهم معانيه ان شاء الله وبالله الثقة وعليه التكلان وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتناء كثيرا من قدماء الائمة ومتأخريهم وقد صنف العلامة أبو محمد بن حزم الأندلسي رحمه الله مجلدا في حجة الوداع أجاد في أكثره ووقع له فيه أوهام سننبه عليها في مواضعها وبالله المستعان
*2* باب بيان أنه عليه السلام لم يحج من المدينة الا حجة واحدة
@ وإنه اعتمر قبلها ثلاث عمر كما رواه البخاري ومسلم عن هدبة عن همام عن قتادة عن أنس قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي في حجته الحديث وقد رواه يونس بن بكير عن عمر بن ذر عن مجاهد عن أبي هريرة مثله وقال سعد بن منصور عن الداروردي عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر عمرة في شوال وعمرتين في ذي القعدة وكذا رواه ابن بكير عن مالك عن هشام بن عروة وروى الامام احمد من حديث عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله اعتمر ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة وقال احمد ثنا أبو النضر ثنا داود يعني العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال اعتمر رسول الله أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث داود العطار وحسنه الترمذي

قلت وقد رواه الامام احمد أيضا حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب هو ابن أبي حمزة حدثني عبد الله بن ابي الحسين حدثني مهران أنبأنا أبو سعيد الخدري حدثه فذكر هذه القصة بطولها بأبسط من هذا السياق ثم رواه احمد حدثنا أبو النضر ثنا عبد الحميد بن بهرام ثنا شهر قال وحدث أبو سعيد فذكره وهذا السياق أشبه والله أعلم وهو اسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه
وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجعرانة وسيأتي في فصل من قال إنه عليه السلام حج قارنا وبالله المستعان فالاولى من هذه العمر عمرة الحديبية التي صد عنها ثم بعدها عمرة القضاء ويقال عمرة القصاص ويقال عمرة القضية ثم بعدها عمرة الجعرانة مرجعه من الطائف حين قسم غنائم حنين وقد قدمنا ذلك كله في مواضعه عمرته مع حجة وسنبين اختلاف الناس في عمرته هذه مع الحجة هل كان متمتعا بان أوقع العمرةو والرابعه قبل الحجة وحل منها أو منهعهمن الاحلال منها سوقه الهدي أو كان قارنا لها مع الحجة كما نذكره من الاحاديث الدالة على ذلك أو كان مفردا لها عن الحجة بأن أوقعها بعد قضاء الحجة قال وهذا هو الذي يقول يقوله من بالافراد كما هو المشهور عن الشافعي وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا احرامه صلى الله عليه وسلم كيف كان مفردا ومتمتعا وقارنا
قال البخاري ثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو اسحاق حدثني زيد بن ارقم ان النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة قال ابو اسحاق وبمكة أخرى وقد رواه مسلم من حديث زهير أخرجاه من حديث شعبة زاد البخاري واسرائيل ثلاثتهم عن أبي اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن زيد به وهذا الذي قال أبو اسحاق من أنه عليه السلام حج بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة كما هو ظاهر لفظه فهو بعيد فانه عليه السلام كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج ويدعو الناس إلى الله ويقول من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي عز وجل حتى قيض الله جماعة الانصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه والله أعلم
وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه عن جابر بن عبد الله قال اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس بالحج فاجتمع بالمدينة بشر كثير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة أو لاربع فلما كان بذي الحليفة صلى ثم استوى على راحلته فلما أخذت به في البيداء لبى واهللنا لا ننوي إلا الحج وسيأتي الحديث بطوله وهو في صحيح مسلم وهذا لفظ البيهقي من طريق احمد بن حنبل عن ابراهيم بن طهمان عن جعفر بن محمد به
*2* باب خروجه عليه السلام من المدينة لحجة الوداع
@ بعد ما استعمل عليها ابا دجانة سماك بن حرشة الساعدي ويقال سباع بن عرفطة الغفاري
قال محمد بن اسحاق فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة من سنة عشر تجهز للحج وأمر
الناس بالجهاز له فحدثني عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه القاسم بن محمد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة وهذا اسناد جيد وروى الامام مالك في موطأه عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة ورواه الامام احمد عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عنها وهو ثابت في الصحيحين وسنن النسائي وابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة من طرق عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عمرة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله لخمس بقين من ذي القعدة لا نرى إلا الحج الحديث بطوله كما سيأتي وقال البخاري حدثنا محمد بن ابي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة أخبرني كريب عن ابن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس ازاره ورداءه ولم ينه عن شيء من الاردية ولا الارز إلا المزعفرة التي تردع الجلد فاصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء وذلك لخمس بقين من ذي القعدة فقدم مكة لخمس خلون من ذي الحجة تفرد به البخاري فقوله وذلك لخمس بقين من ذي القعدة إن اراد به صبيحة يومه بذي الحليفة صح قول ابن حزم في دعواه أنه صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة يوم الخميس وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة وأصبح بها يوم الجمعة وهو اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وإن اراد ابن عباس بقوله وذلك لخمس من ذي القعدة يوم انطلاقه عليه السلام من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس إزاره ورداءه كما قالت عائشة وجابر أنهم خرجوا من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة بعد قول ابن حزم وتعذر المصير اليه وتعين القول بغيره ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة وإن كان شهر ذي القعدة كاملا ولا يجوز أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة كان يوم الجمعة لما روى البخاري حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن ابي قلابة عن أنس بن مالك قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن معه الظهر بالمدينة اربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى اصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله عز وجل وسبح ثم أهل بحج وعمرة وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن قتيبة نن حماد بن زيد عن ايوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين وقال احمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن محمد يعني ابن المنكدر وابراهيم بن ميسرة عن انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ورواه البخاري عن ابي نعيم عن سفيان الثوري به وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سفيان بن عيينة عن محمد بن المنذر وابراهيم بن ميسرة عن أنس به وقال احمد ثنا محمد بن بكير ثنا ابن جريج عن محمد بن المنذر عن أنس قال صلى
بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة الظهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بذي احليفة حتى أصبح فلما ركب راحلته واستوت به أهل وقال احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن المنذر التيمي عن أنس بن مالك الانصاري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنى العصر بذي الحليفة ركعتين أمنا لا يخاف في حجة الوداع تفرد به احمد من هذين الوجهين الآخرين وهما على شرط الصحيح وهذه ينفي كون خروجه عليه السلام يوم الجمعة قطعا ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم لانه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة لأنه لا خلاف إن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت بالتواتر والاجماع من أنه عليه السلام وقف بعرفة يوم الجمعة وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة لبقي في الشهر ست ليال قطعا ليلة الجمعة والسبت والاحد والاثنين والثلاثاء والاربعاء فهذه ست ليال وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر أنه يوم الجمعة لحديث أنس فتعين على هذا أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم السبت وظن الراوي أن الشهر يكون تاها فاتفق في تلك السنة نقصانه فانسلخ يوم الاربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس ويؤيده ما وقع في رواية جابر لخمس بقين أو أربع وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيد عنه ولا بد منه والله أعلم
*2* باب صفة خروجه عليه السلام من المدينة الى مكة للحج
@
قال البخاري حدثنا ابراهيم بن المنذر ثنا انس بن عياض عن عبيد الله هو ابن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج الى مكة يصلي في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح تفرد به البخاري من هذا الوجه وقال الحافظ أبو بكر البزار وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك عن يزيد بن زريع عن هشام عن عروة عن ثابت عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل رث وتحت قطيفة وقال حجة لا رياء فيها ولا سمعة وقد علقه البخاري في صحيحه فقال وقال محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا يزيد بن زريع عن عروة عن ثابت عن ثمامة قال حج أنس على رحل رث ولم يكن شحيحا وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل وكانت زاملته هكذا ذكره البزار والبخاري معلقا مقطوع الاسناد من أوله وقد اسنده الحافظ البيهقي في سننه فقال أنبأنا أبو الحسن على بن محمد بن علي المقرئ أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن
اسحاق ثنا يوسف بن يعقوب القاضي ثنا محمد بن بن أبي بكر ثنا يزيد بن زريع فذكره
وقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده من وجه آخر عن أنس بن مالك فقال حدثنا علي بن الجعد أنبأنا الربيع بن صبيح عن يزيد الرقاشي عن انس قال حج رسول الله صلى الله عليه وسلم على رحل رث وقطيفة تساوي أو لا تساوي أربعة دراهم فقال اللهم حجة لا رياء فيها وقد رواه الترمذي في الشمائل من حديث أبي داود الطيالسي وسفيان الثوري وابن ماجه من حديث وكيع ابن الجراح ثلاثتهم عن الربيع بن صبيح به وهو اسناد ضعيف من جهة يزيد بن ابان الرقاشي فإنه غير مقبول الرواية عند الائمة وقال الامام أحمد حدثنا هاشم ثنا اسحاق بن سعيد عن أبيه قال صدرت مع ابن عمر فمرت بنا رفقة يمانية ورحالهم الأدم وخطم أبلهم الخرز فقال عبد الله من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة وردت العام برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا قدموا في حجة الوداع فلينظر إلى هذه الرفقة ورواه أبو داود عن هناد عن وكيع عن اسحاق عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن ابن عمر وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقية وأبو زكريا بن ابي اسحاق وأبو بكر بن الحسن وأبو سعيد بن ابي عمرو قالوا ثنا أبو العباس هو الاصم أنبأنا محمد بن عبد الله بن الحكم أنبانا سعيد بن بشير القرشي حدثنا عبد الله بن حكيم الكناني رجل من أهل اليمن من مواليهم عن بشر بن قدامة الضبابي قال ابصرت عيناي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات مع الناس على ناقة له حمراء قصواء تحته قطيفة بولانية وهو يقول اللهم اجعلها حجة غير رياء ولا منا سمعة والناس يقولون هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الامام احمد حدثنا عبد الله بن ادريس ثنا ابن اسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن اسماء بنت أبي بكر قالت خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حجاجا حتى أدركنا بالعرج نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست عائشة الى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلست الى جنب أبي وكانت زمالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمالة أبي بكر واحدة مع غلام أبي بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه فطلع عليه وليس معه بعيره فقال أين بعيرك فقال أضللته البارحة فقال أبو بكر بعير واحد تضله فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول انظروا الى هذا المحرم وما يصنع وكذا رواه ابو داود عن احمد بن حنبل ومحمد بن عبد العزيز بن ابي رزمة وأخرجه ابن ماجه عن ابي بكر بن ابي شيبة ثلاثتهم عن عبد الله بن ادريس به فأما الحديث الذي رواه ابو بكر البزار في مسنده قائلا حدثنا اسماعيل بن حفص ثنا يحيى بن اليمان ثنا حمزة الزيات عن حمران بن أعين عن أبي الطفيل
عن ابي سعيد قال حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة الى مكة قد ربطوا أوساطهم ومشيهم خلط الهرولة فإنه حديث منكر ضعيف الاسناد وحمزة بن حبيب الزيات ضعيف وشيخ متروك الحديث وقد قال البزار لا يروي إلا من هذا الوجه وإن كان إسناده حسنا عندنا ومعناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث لأنه عليه السلام إنما حج حجة واحدة وكان راكبا وبعض أصحابه مشاة قلت ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من عمره ماشيا لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجعرانة ولا في حجة الوداع وأحواله عليه السلام اشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله والله أعلم
فصل
تقدم أنه عليه السلام صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم ركب منها الى الحليفة وهي وادي العقيق فصلى بها العصر ركعتين فدل على أنه جاء الحليفة نهارا في وقت العصر فصلى بها العصر قصرا وهي من المدينة على ثلاثة أميال ثم فصلى بها المغرب والعشاء بات بها حتى أصبح فصلى بأصحابه وأخبرهم أنه جاءه الوحي من الليل بما يعتمده في الاحرام كما قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى في المعرس من ذي الحليفة فقيل له أنك ببطحاء مباركة وأخرجاه في الصحيحين من حديث موسى بن عقبة به وقال البخاري حدثنا الحميدي ثنا الوليد وبشر بن بكر قالا ثنا الاوزاعي ثنا يحيى حدثني عكرمه أنه سمع ابن عباس أنه سمع ابن عمر يقول سمعت رسول الله بوادي العقيق يقول أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة تفرد به دون مسلم فالظاهر أنه أمره عليه السلام بالصلاة في وادي العقيق هو امر بالاقامة به الى أن يصلي صلاة الظهر لأن الأمر إنما جاءه في الليل وأخبرهم بعد صلاة الصبح فلم يبق إلا صلاة الظهر فأمر أن يصليها هنالك وأن يوقع الاحرام بعدها ولهذا قال أتاني الليلة آت من ربي عز وجل فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة وقد احتج به على الامر بالقرآن في الحج وهو من أقوى الادلة على ذلك كما سيأتي بيانه قريبا والمقصود أنه عليه السلام أمر بالاقامة بوادي العقيق الى صلاة الظهر وقد امتثل صلوات الله وسلامه عليه ذلك فأقام هنالك وطاف على نسائه في تلك الصبيحة وكن تسع نسوة وكلهن خرج معه ولم يزل هنالك حتى صلى الظهر كما سيأتي في حديث أبي حسان الاعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أشعر بدنته ثم ركب فأهل وهو عند مسلم وهكذا قال الامام احمد حدثنا روح ثنا اشعث هو ابن عبد الملك بن الحسن عن أنس ملاحظة هناك تكرر وخطأ ص ولغاية ص بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر ثم ركب راحلته فلما علا شرف البيداء اهل ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل والنسائي عن اسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن اشعث بمعناه وعن احمد بن الازهر عن محمد بن عبد الله
الانصاري عن اشعث اتم منه وهذا فيه رد على ابن حزم حيث زعم أن ذلك في صدر النهار وله أن يعتضد بما رواه البخاري من طريق أيوب عن رجل عن انس أن رسول الله بات بذي الحليفة حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى إذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج ولكن في اسناده رجل مبهم والظاهر أنه أبو قلابة والله أعلم قال مسلم في صحيحه حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي ثنا خالد يعني ابن الحارث ثنا شعبة عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر سمعت أبي يحدث عن عائشة أنها قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضح طيبا
وقد رواه البخاري من حديث شعبة وأخرجاه من حديث أبي عوانة زاد مسلم ومسعر وسفيان ابن سعيد الثوري أربعتهم عن ابراهيم بن محمد بن المنتشر به وفي رواية لمسلم عن ابراهيم بن محمد ابن المنتشر عن أبيه قال سألت عبد الله بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرما قال ما أحب أني أصبح محرما أنضح طيبا لأن أطلي القطران أحب إلي من أن أفعل ذلك فقالت عائشة أنا طيبت رسول الله عند احرامه ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرما وهذا اللفظ الذي رواه مسلم يقتضي أنه كان صلى الله عليه وسلم يتطيب قبل أن يطوف على نسائه ليكون ذلك أطيب لنفسه وأحب اليهن ثم لما اغتسل من الجنابة وللاحرام تطيب أيضا للاحرام طيبا آخر كما رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجرد لاهلاله واغتسل وقال الترمذي حسن غريب وقال الامام احمد حدثنا زكريا بن عدي أنبأنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن عروة عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي واشنان ودهنه بشيء من زيت غير كثير الحديث تفرد به احمد وقال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله أنبأنا سفيان بن عيينة عن عثمان بن عروة سمعت أبي يقول سمعت عائشة تقول طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه ولحله قلت لها بأي طيب قال باطيب الطيب وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجه البخاري من حديث وهب عن هشام بن عروة عن أخيه عثمان عن أبيه عروة عن عائشة به وقال البخاري حدثنا عبد الله ابن يوسف أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت وقال مسلم حدثنا عبد بن حميد أنبأنا محمد بن أبي بكر أنبأنا ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرانه عن عائشة قالت طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام وروى مسلم من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت
وقال مسلم حدثني احمد بن منيع ويعقوب الدورقي قالا ثنا هشيم أنبأنا منصور عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويحل ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك وقال مسلم حدثنا أبو بكر بن ابي شيبة وزهير بن حرب قالا ثنا وكيع ثنا الاعمش عن ابي الضحى عن مسروق عن عائشة قالت كأني انظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي ثم رواه مسلم من حديث الثوري وغيره عن الحسن بن عبيد الله عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري ومسلم من حديث الاعمش كلاهما عن منصور عن ابراهيم عن الاسود عنها وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن الحكم بن ابراهيم عن الاسود عن عائشة
وقال أبو داود الطيالسي أنبأنا أشعث عن منصور عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص الطيب في أصول شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن ابراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة قالت كأني أنظر الى وبيص الطيب في مفرق النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم وقال عبد الله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان ابن عيينة ثنا عطاء بن السائب عن ابراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت رأيت الطيب في مفرق رسول الله بعد ثالثة وهو محرم فهذه الاحاديث دالة على أنه عليه السلام تطيب بعد الغسل إذ لو كان الطيب قبل الغسل لذهب به الغسل ولما بقي له أثر ولا سيما بعد ثلاثة أيام من يوم الاحرام
وقد ذهب طائفة من السلف منهم ابن عمر إلى كراهة التطيب عند الاحرام وقد روينا هذا الحديث من طريق ابن عمر عن عائشة فقال الحافظ البيهقي انبأنا ابو الحسين بن بشران ببغداد أنبأنا ابو الحسمنعلي بن محمد المصري ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا عبد الرحمن بن ابي العمر ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة أنها قالت طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغالية الجيدة عند احرامه وهذا اسناد غريب عزيز المخرج ثم انه عليه السلام لبد رأسه ليكون احفظ لما فيه من الطيب واصون له من استقرار التراب والغبار قال مالك عن نافع عن ابن عمر ان حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك قال إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وله طرق كثيرة عن نافع
قال البيهقي انبأنا الحاكم أنبأنا الاصم أنبأنا يحيى ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا عبد الاعلى ثنا محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبد رأسه بالعسل وهذا اسناد جيد
ثم أنه عليه السلام أشعر الهدي وقلده وكان معه بذي الحليفة قال الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى فساق معه الهجدي من ذي الحليفة وسيأتي الحديث بتمامه وهو في الصحيحين والكلام عليه إن شاء الله وقال مسلم حدثنا محمد بن المثنى ثنا معاذ بن هشام هو الدستوائي حدثني أبي عن قتادة عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى ذا الحليفة دعا بناقته فاشعرها في صفحة سنامها الايمن وسلت الدم وقلدها نعلين ثم ركب راحلته وقد رواه أهل السنن الاربعة من طرق عن قتادة وهذا يدل على أنه عليه السلام تعاطى هذا الاشعار والتقليد بيده الكريمة في هذه البدنة وتولى إشعار بقية الهدي وتقليده غيره فانه قد كان هدى الكثير إما مائة بدنة أو أقل منها بقليل وقد ذبح بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة وأعطى عليا فذبح ما غبر وفي حديث جابر أن عليا قدم من اليمن ببدن للنبي صلى الله عليه وسلم وفي سياق ابن اسحاق أنه عليه السلام اشرك عليا في بدنه والله أعلم وذكر غيره أنه ذبح هو وعلي يوم النحر مائة بدنة فعلى هذا يكون قد ساقها معه من ذي الحليفة وقد يكون اشترى بعضها بعد ذلك وهو محرم
*2* باب
@ بيان الموضع الذي أهل منه عليه السلام واختلاف الناقلين لذلك وترجيح الحق في ذلك
تقدم الحديث الذي رواه البخاري من حديث الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة وقال البخاري باب الاهلال عند مسجد ذي الحليفة حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان ثنا موسى بن عقبة سمعت سالم بن عبد الله وحدثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه يقول ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد يعني مسجد ذي الحليفة وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن موسى ابن عقبة وفي رواية لمسلم عن موسى بن عقبة عن سالم ونافع وحمزة بن عبد الله بن عمر ثلاثتهم عن عبد الله بن عمر فذكره وزاد فقال لبيك وفي رواية لهما من طريق مالك عن موسى بن عقبة عن سالم قال قال عبد الله بن عمر بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل رسول الله من عند المسجد وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا كما يأتي في الشق الآخر وهو ما أخرجاه في الصحيحين من طريق مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر فذكر حديثا فيه أن عبد الله قال وأما الاهلال فاني لم ار رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته
وقال الامام احمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير قال قلت لعبد الله بن عباس يا أبا العباس عجبا لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في اهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب فقال إني لأعلم الناس بذلك إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هناك اختلفوا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجب في مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه قوم فحفظوا عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوم وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون ارسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله فلا علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل رسول الله حين علا شرف البيداء وايم الله لقد أوجب في مصلاه وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا شرف البيداء فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس انه أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن عبد السلام بن حرب عن خصيف به نحوه وقال الترمذي حسن غريب لا نعرف أحد رواه غير عبد السلام كذا قال وقد تقدم رواية الامام احمد له من طريق محمد ابن اسحاق عنه وكذلك رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن القطيعي عن عبد الله بن احمد عن أبيه ثم قال خصيف الجزري غير قوي وقد رواه الواقدي باسناد له عن ابن عباس قال البيهقي الا أنه لا ينفع متابعة الواقدي والاحاديث التي وردت في ذلك عن عمر وغيره مسانيدها قويه ثابتة والله تعالى أعلم
قلت فلو صح هذا الحديث لكان فيه جمع لما بين الاحاديث من الاختلاف وبسط لعذر من نقل خلاف الواقع ولكن في اسناده ضعف ثم قد روي عن ابن عباس وابن عمر خلاف ما تقدم عنهما كما سننبه عليه ونبينه وهكذا ذكر من قال أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام بن يوسف أنبأنا ابن جريج حدثني محمد بن المنكدر عن أنس بن مالك قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أربعا وبذي الحليفة ركعتين ثم بات حتى أصبح بذي الحليفة فلما ركب راحلته واستوت به أهل وقد رواه البخاري ومسلم وأهل السنن من طرق عن محمد بن المنكدر وابراهيم بن ميسرة عن أنس وثابت في الصحيحين من حديث مالك عن سعيد المقبري عن عبيد بن جريج عن ابن عمر قال وأما الاهلال فاني لم أر رسول الله يهل حتى تنبعث ربه راحلته واخرجا في الصحيحين من رواية ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سالم عن أبيه ان رسول الله كان يركب راحلته بذي الحليفة ثم يهل حين تستوي به قائمة وقال البخاري باب من اهل حين استوت به راحلته حدثنا ابو عاصم ثنا ابن جريج أخبرني صالح بن كيسان عن نافع
عن ابن عمر قال اهل النبي صلى الله عليه وسلم حين استوت به راحلته قائمة وقد رواه مسلم والنسائي من حديث ابن جريج به وقال مسلم حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة ثنا علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضع رجله في الغرز وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة انفرد به مسلم من هذا الوجه واخرجاه من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عنه ثم قال البخاري باب الاهلال مستقبل القبلة قال ابو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن نافع قال كان ابن عمر اذ صلى الغداة بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب فاذا استوت به واستقبل القبلة قائما ثم يلبي حتى يبلغ الحرم ثم يمسك حتى اذا جاء ذا طوى بات به حتى يصبح فاذا صلى الغداة اغتسل وزعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ثم قال تابعه اسماعيل عن ايوب في الغسل وقد علق البخاري ايضا هذا الحديث في كتاب الحج عن محمد بن عيسى عن حماد بن زيد وأسنده ع فيه عن يعقوب بن ابراهيم الدورقي عن اسماعيل هو ابن علية ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن اسماعيل وعن أبي الربيع الزهراني وغيره عن حماد بن زيد ثلاثتهم عن أيوب عن أبي تميمة السختياني به ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن اسماعيل بن علية به ثم قال البخاري حدثنا سليمان أبو الربيع ثنا فليح عن نافع قال كان ابن عمر إذا أراد الخروج إلى مكة أدهن بدهن ليس له رائحة طيبة ثم يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ثم يركب فاذا استوت به راحلته قائمة أحرم ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل تفرد به البخاري من هذا الوجه وروى مسلم عن قتيبة عن حاتم بن اسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها والله ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عند الشجرة حين قام به بعيره وهذا الحديث يجمع بين رواية ابن عمر الأولى وهذه الروايات عنه وهو أن الاحرام كان من عند المسجد ولكن بعد ما ركب راحلته واستوت به على البيداء يعني الارض وذلك قبل أن يصل إلى المكان المعروف بالبيداء ثم قال البخاري في موضع آخر حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل ابن سليمان ثنا موسى بن عقبة حدثني كريب عن عبد الله بن عباس قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وأدهن ولبس ازاره ورداءه هو وأصحابه وله ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد فاصبح بذي الحليفة ركب راحلته حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه وقلد بدنه وذلك لخمس بقين من ذي الحجة فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يحل من أجل بدنه لانه قلدها لم تزل باعلا مكة عند الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة وأمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم يقصروا من رءوسهم ثم يحلوا وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ومن كانت معه امرأته فهي له حلال
والطيب والثياب انفرد به البخاري وقد روى الامام احمد عن بهز بن أسد وحجاج وروح بن عبادة وعفان بن مسلم كلهم عن شعبة قال أخبرني قتادة قال سمعت أبا حسان الاعرج الاجرد وهو مسلم بن عبد الله البصري عن ابن عباس قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر بذي الحليفة ثم دعا ببدنته فاشعر صفحة سنامها الايمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين ثم دعا براحلته فلما استوت على البيداء أهل بالحج ورواه أيضا عن هشيم أنبأنا أصحابنا منهم شعبة فذكر نحوه ثم رواه الامام احمد أيضا عن روح وأبي داود الطيالسي ووكيع بن الجراح كلهم عن هشام الدستوائي عن قتادة به نحوه ومن هذا الوجه رواه مسلم في صحيحه وأهل السنن في كتبهم فهذه الطرق عن ابن عباس من أنه عليه السلام أهل حين استوت به راحلته أصح وأثبت من رواية خصيف الجزري عن سعيد بن جبير عنه والله أعلم
وهكذا الرواية المثبتة المفسرة أنه أهل حين استوت به الراحلة مقدمة على الاخرى لاحتمال أنه أحرم من عند المسجد حين استوت به راحلته ويكون رواية ركوبه الراحلة فيها زيادة علم على الأخرى والله أعلم ورواية أنس في ذلك سالمة عن المعارض وهكذا رواية جابر بن عبد الله في صحيح مسلم من طريق جعفر الصادق عن أبيه عن أبي الحسين زين العابدين عن جابر في حديثه الطويل الذي سيأتي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته سالمة عن المعارض والله أعلم وروى البخاري من طريق الاوزاعي سمعت عطاء عن جابر بن عبد الله أن اهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته فأما الحديث الذي رواه محمد بن اسحاق بن يسار عن أبي الزناد عن عائشة بنت سعد قالت قال سعد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته وإذا أخذ طريقا أخرى أهل إذا علا على شرف البيداء فرواه أبو داود والبيهقي من حديث ابن اسحاق وفيه غرابة ونكارة والله أعلم فهذه الطرق كلها دالة على القطع أو الظن الغالب أنه عليه السلام أحرم بعد الصلاة وبعد ما ركب راحلته وابتدأت به السير زاد ابن عمر في روايته وهو مستقبل القبلة


بسط البيان لما أحرم به عليه السلام في حجته هذه من الافراد والتمتع أو القران
@
رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ورواه مسلم عن اسماعيل
عن أبي أويس ويحيى بن يحيى عن مالك ورواه الإمام احمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك به وقال احمد حدثنا اسحاق بن عيسى حدثني المنكدر بن محمد عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وقال الإمام احمد ثنا شريح ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة وعن علقمة بن أبي علقمة عن أمه عن عائشة وعن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج تفرد به احمد من هذه الوجوه عنها وقال الإمام احمد حدثني عبد الاعلى بن حماد قال قرأت على مالك بن أنس عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وقال حدثنا روح ثنا مالك عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وكان يتيما في حجر عروة عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج ورواه ابن ماجه عن أبي مصعب عن مالك كذلك ورواه النسائي عن قتيبة عن مالك عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة أن رسول الله أهل بالحج وقال احمد أيضا ثنا عبد الرحمن عن مالك عن ابي الاسود عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج ومنا من أهل بالعمرة ومنا من أهل بالحج والعمرة وأهل رسول الله بالحج فاما من أهل بالعمرة فأحلوا حين طافوا بالبيت وبالصفا والمروة وأما من أهل بالحج أو بالحج والعمرة فلم يحلوا إلى يوم النحر وهكذا رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف والقعيني واسماعيل ابن أبي أويس عن مالك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به وقال احمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وأهل ناس بالحج والعمرة وأهل ناس بالعمرة ورواه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة بن نحوه فاما الحديث الذي قال الامام احمد ثنا قتيبة بن سعيد ثنا عبد العزيز بن محمد عن علقمة بن أبي علقمة عن امه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس في حجة الوداع فقال من أحب أن يبدأ بعمرة قبل الحج فليفعل وأفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ولم يعتمر فانه حديث غريب جدا تفرد به احمد بن حنبل واسناده لا بأس به ولكن لفظه فيه نكارة شديدة وهو قوله فلم يعتمر فان أريد بهذا أنه لم يعتمر مع الحج ولا قبله هو قول من ذهب إلى الافراد وإن اريد أنه لم يعتمر بالكلية لا قبل الحج ولا معه ولا بعده فهذا مما لا أعلم أحدا من العلماء قال به ثم هو مخالف لما صح عن عائشة وغيرها من أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر اربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته وسيأتي تقرير هذا في فصل القران مستقصى والله اعلم وهكذا الحديث الذي رواه الامام احمد قائلا في مسنده حدثنا روح ثنا صالح بن أبي الاخضر ثنا ابن شهاب ان عروة اخبره ان عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت اهل رسول الله بالحج والعمرة في حجة الوداع وساق معه الهدي وأهل ناس بالعمرة وساقوا الهدي وأهل ناس بالعمرة ولم يسوقوا هديا قالت
عائشة وكنت ممن أهل بالعمرة ولم أسق هديا فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان منكم أهل بالعمرة فساق معه الهدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ولا يحل منه شيء حرم منه حتى يقضي حجه وينحر هديه يوم النحر ومن كان منكم أهل بالعمرة ولم يسق معه هديا فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ثم ليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد فصيام ثلاثة ايام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله قالت عائشة فقدم رسول الله الحج الذي خاف فوته وأخر العمرة فهو حديث من أفراد الامام احمد وفي بعض الفاظه نكارة ولبعضه شاهد في الصحيح وصالح بن أبي الاخضر ليس من عليه أصحاب الزهري لا سيما إذا خالفه غيره كما ههنا في بعض الفاظ سياقه هذا وقوله فقدم الحج الذي يخاف فوته وأخر العمرة لا يلتئم مع أول الحديث أهل بالحج والعمرة فإن أراد أنه أهل بهما في الجملة وقدم أفعال الحج ثم بعد فراغه أهل بالعمرة كما يقوله من ذهب إلى الافراد فهو مما نحن فيه ههنا وإن أراد أنه أخر العمرة بالكلية بعد احرامه بها فهذا لا أعلم أحدا من العلماء صار اليه وإن أراد أنه المقضي بافعال الحج عن أفعال العمرة ودخلت العمرة في الحج فهذا قول من ذهب إلى القران وهم يؤولون قول من روى أنه عليه الصلاة والسلام أفرد الحج أي أفرد أفعال الحج وإن كان قد نوى معه العمرة قالوا لأنه قد روى القرآن كل من روى الافراد كما سيأتي بيانه والله تعالى أعلم
رواية خالد جابر بن عبد الله في الافراد قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته بالحج اسناده جيد على شرط مسلم ورواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن أبي معاوية عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر قال أهل رسول الله في حجته بالحج ليس معه عمرة وهذه الزيادة غريبة جدا ورواية الامام احمد بن حنبل أحفظ والله اعلم وفي صحيح مسلم من طريق جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر قال أهللنا بالحج لسنا نعرف العمرة وقد روى ابن ماجه عن هشام بن عمار عن الداروردي وحاتم بن اسماعيل كلاهما عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم افرد الحج وهذا اسناد جيد وقال الامام احمد ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا حبيب يعني المعلم عن عطاء حدثني جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج ليس مع احد منهم هدي إلا النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري بطوله كما سيأتي عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب
رواية عبد الله بن عمر للافراد قال الامام احمد حدثنا اسماعيل بن محمد ثنا عباد يعني ابن عباد حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال أهللنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحج مفردا ورواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عون عن عباد بن عباد عن عبيد الله بن عمر
عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن ابن عبد العزيز ومحمد بن مسكين قالا ثنا بشر بن بكر ثنا سعيد بن عبد العزيز بن زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج يعني مفردا أسناده جيد ولم يخرجوه
رواية ابن عباس للافراد روى الحافظ البيهقي من حديث روح بن عبادة عن شعبة عن أيوب عن أبي العالية البراء عن ابن عباس أنه قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فقدم لاربع مضين من ذي الحجة فصلى بنا الصبح بالبطحاء ثم قال من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها ثم قال رواه مسلم عن ابراهيم بن دينار عن ابن روح وتقدم من رواية قتادة عن أبي حسان الاعرج عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم أتى ببدنة فاشعر صفحة سنامها الايمن ثم أتى براحلته فركبها فلما استوت به على البيداء أهل بالحج وهو في صحيح مسلم أيضا وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني ثنا الحسين بن اسماعيل ثنا أبو بكر بن عياش ثنا أبو حصين عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه قال حججت مع أبي بكر فجرد ومع عمر فجرد ومع عثمان قجرد تابعه الثوري عن أبي حصين وهذا إنما ذكرناه ههنا لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة رضي الله عنهم إنما يفعلون هذا عن توقيف والمراد بالتجريد ههنا الافراد والله أعلم وقال الدارقطني ثنا أبو عبيد الله القاسم بن اسماعيل ومحمد بن مخلد قالا ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز ثنا عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد على الحج فافرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر فأفرد الحج ثم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فبعث عمر فأفرد الحج ثم حج أبو بكر فأفرد الحج وتوفي أبو بكر واستخلف عمر فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج ثم حج فأفرد الحج ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس فأفرد الحج في اسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف لكن قال الحافظ البيهقي له شاهد باسناد صحيح
*2* ذكر ما قاله انه صلى الله عليه وسلم حج متمتعا
@
قال الامام احمد حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة الى الحج وأهل فساق الهدي من ذي الحليفة وبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وكان من الناس من أهدى فساق الهدي من ذي الحليفة ومنهم من لم يهد فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان منكم أهدى فانه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجته ومن لم يكن أهدى فليطف بالبيت
وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام وسبعة اذا رجع الى أهله وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة استلم الحجر أول شيء ثم خب ثلاثة أشواط من السبع ومشى أربعة أطواف ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم فانصرف فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى فساق الهدي من الناس
قال الامام احمد وحدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة الى الحج وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم ابن عبد الله عن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى هذا الحديث البخاري عن يحيى بن بكير ومسلم وأبو داود عن عبد الملك بن شعيب عن الليث عن أبيه والنسائي عن محمد بن عبد الله ابن المبارك المخرمي عن حجين بن المثنى ثلاثتهم عن الليث بن سعد عن عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة كما ذكره الامام احمد رحمه الله وهذا الحديث من المشكلات على كل من الاقوال الثلاثة أما قول الافراد ففي هذا اثبات عمرة أما قبل الحج أو معه وأما على قول التمتع الخاص فلأنه ذكر أنه لم يحل من احرامه بعد ما طاف بالصفا والمروة وليس هذا شأن المتمتع ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني لبدت رأسي وقلدت هدي فلا أحل حتى أنحر فقولهم بعيد لأن الاحاديث الواردة في اثبات القران ترد هذا القول وتأبى كونه عليه السلام انما اهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج فان هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد باسناد صحيح بل ولا حسن ولا ضعيف وقوله في هذا الحديث تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة الى الحج إن أريد بذلك التمتع الخاص وهو الذي يحل منه بعد السعي فليس كذلك فان في سياق الحديث ما يرده ثم في اثبات العمرة القارنة لحجه عليه السلام ما يأباه وان أريد به التمتع العام دخل في القران وهو المراد وقوله وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج إن اريد به بدأ بلفظ العمرة على لفظ الحج بأن قال لبيك اللهم عمرة وحجا فهذا سهل ولا ينافي القران وان أريد به أنه أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج متراخ ولكن قبل الطواف قد صار قارنا أيضا وان أريد به أنه أهل بالعمرة ثم فرغ من أفعالها تحلل أو لم يتحلل بسوق الهدي كما زعمه زاعمون ولكنه أهل بحج بعد قضاء مناسك العمرة وقبل خروجه الى منى فهذا لم ينقله أحد من الصحابة كما قدمنا ومن ادعاه من الناس فقوله مردود لعدم نقله ومخالفته الاحاديث الواردة في
اثبات القران كما سيأتي بل والاحاديث الواردة في الافراد كما سبق والله أعلم والظاهر والله أعلم أن حديث الليث هذا عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر يروى من الطريق الاخرى عن ابن عمر حين افرد الحج ومن محاصرة الحجاج لابن الزبير فقيل له ان الناس كائن بينهم شيء فلو أخرت الحج عامك هذا فقال اذا أفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يعني زمن حصر عام الحديبية فاحرم بعمرة من ذي الحليفة ثم علا شرف البيداء قال ما أرى أمرهما إلا واحدا فأهل بحج معها فأعتقد الراوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فعل سواء بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فرووه كذلك وفيه نظر لما سنبينه وبيان هذا في الحديث الذي رواه عبد الله بن وهب أخبرني مالك بن أنس وغيره أن نافعا حدثهم أن عبد الله بن عمر خرج في الفتنة معتمرا وقال ان صددت عن البيت صنعنا كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فأهل بالعمرة وسار حتى اذا ظهر على ظاهر البيداء التفت الى اصحابه فقال ما أمرهما إلا واحد أشهدكم أني قد أوجبت الحج مع العمرة فخرج حتى جاء البيت فطاف به وطاف بين الصفا والمروة سبعا لم يزد عليه وأرى أن ذلك مجزيا عنه وأهدى وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث مالك وأخرجاه من حديث عبيد الله عن نافع به ورواه عبد الرزاق عن عبيد الله وعبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به نحوه وفيه ثم قال في آخره هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما رواه البخاري حيث قال حدثنا قتيبة ثنا ليث عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له ان الناس كائن بينهم قتال وانا نخاف أن يصدوك قال لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إني اشهدكم أني قد أوجبت عمرة ثم خرج حتى اذا كان بظاهر البيداء قال ما أرى من شأن الحج والعمرة إلا واحدا أشهدكم أني أوجبت حجا مع عمرتي فاهدى هديا اشتراه بقديد ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول وقال ابن عمر كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل عليه ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في المدار فقال اني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيت فلو أقمت قال قد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش بينه وبين البيت فان يحل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم اني أشهدكم اني قد أوجبت مع عمرتي حجا ثم قدم فطاف لهما طوافا واحدا وهكذا رواه البخاري عن أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب بن ابي تميمة السختياني عن نافع به ورواه مسلم من حديثهما
عن أيوب به فقد اقتدى ابن عمر رضي الله عنه برسول الله صلى الله عليه وسلم في التحلل عند حصر العدو والاكتفاء بطواف واحد عن الحج والعمرة وذلك لأنه كان قد أحرم أولا بعمرة ليكون متمتعا فخشى أن يكون حصر فجمعهما وأدخل الحج قبل العمرة قبل الطواف فصار قارنا وقال ما أرى أمرهما إلا واحدا يعني لا فرق بين أن يحصر الانسان عن الحج أو العمرة أو عنهما فلما قدم مكة اكتفى عنهما بطوافه الأول كما صرح به في السياق الأول الذي أفردناه وهو قوله ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الاول قال ابن عمر كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني أنه اكتفى عن الحج والعمرة بطواف واحد يعني بين الصفا والمروة وفي هذا دلالة على أن ابن عمر روى القران ولهذا روى النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع أن ابن عمر قرن الحج والعمرة فطاف طوافا واحدا ثم رواه النسائي عن علي بن ميمون الرقي عن سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أمية وأيوب بن موسى وأيوب السختياني وعبد الله بن عمر أربعتهم عن نافع أن ابن عمر أتى ذا الحليفة فأهل بعمرة فخشي أن يصد عن البيت فذكر تمام الحديث من ادخاله الحج على العمرة وصيرورته قارنا
والمقصود أن بعض الرواة لما سمع قول ابن عمر اذا أصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فأدخله عليها قبل الطواف فرواه بمعنى ما فهم ولم يرد ابن عمر ذلك وانما أراد ما ذكرناه والله أعلم بالصواب ثم بتقدير أن يكون أهل بالعمرة أولا ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف فانه يصير قارنا لا متمتعا التمتع الخاص فيكون فيه دلالة لمن ذهب الى افضلية التمتع والله تعالى أعلم وأما الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه حدثنا موسى بن اسماعيل ثنا همام عن قتادة حدثني مطرف عن عمران قال تمتعنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونزل القران قال رجل برأيه ما شاء فقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد ابن عبد الوارث عن همام عن قتادة به والمراد به المتعة التي أعم من القران والتمتع الخاص ويدل على ذلك ما رواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مطرف عن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة وذكر تمام الحديث وأكثر السلف يطلقون المتعة على القران كما قال البخاري حدثنا قتيبة ثنا حجاج بن محمد الاعور عن شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال اختلف علي وعثمان رضي الله عنهما وهما بعسفان في المتعة فقال علي ما تريد الى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا ورواه مسلم من حديث شعبة ايضا عن الحكم بن عيينة عن علي ابن الحسين عن مروان بن الحكم عنهما به وقال علي ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول
أحد من الناس ورواه مسلم من حديث شعبة أيضا عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عنهما فقال له علي ولقد علمت إنما تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجل ولكنا كنا خائفين
وأما الحديث الذي رواه مسلم من حديث غندر عن شعبة وعن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن مسلم بن مخراق المقبري سمع ابن عباس يقول أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج فلم يحل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه وحل بقيتهم فقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وروح بن عبادة عن شعبة عن مسلم المقبري عن ابن عباس قال أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج وفي رواية أبي داود أهل رسول الله وأصحابه بالحج فمن كان منهم لم يكن له متعة هدي حل ومن كان معه هدي لم يحل الحديث فان صححنا الروايتين جاء القران وان توقفنا في كل منهما وقف الدليل وان رجحنا رواية مسلم في صحيحه في رواية العمرة فقد تقدم عن ابن عباس أنه روى الافراد وهو الاحرام بالحج فتكون هذه زيادة على الحج فيجيء القول بالقران لا سيما وسيأتي عن ابن عباس ما يدل على ذلك وروى مسلم من حديث غندر ومعاذ بن معاذ عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله قال هذه عمرة استمتعنا بها فمن لم يكن معه هدي فليحلل الحل كله فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة وروى البخاري عن آدم بن أبي اياس ومسلم من حديث غندر كلاهما عن شعبة عن ابي جمرة قال تمتعت فنهاني ناس فسألت ابن عباس فأمرني بها فرأيت في المنام كأن رجلا يقول حج مبرور ومتعة متقبلة فأخبرت ابن عباس فقال الله أكبر سنة أبي القاسم صلوات الله وسلامه عليه والمراد بالمتعة ههنا القران وقال القعيني وغيره عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن ابي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة الى الحج فقالا الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي فقال الضحاك فان عمر بن الخطاب كان ينهى عنها فقال سعد قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه ورواه الترمذي والنسائي عن قتيبة عن مالك وقال الترمذى صحيح وقال عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي حدثني غنيم بن قيس سألت سعد بن أبي وقاص عن التمتع بالعمرة الى الحج قال فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر في العرش يعني مكة ويعني به معاوية ورواه مسلم من حديث شعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد ومروان الفزاري أربعتهم عن سليمان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعدا عن المتعة فقال قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش وفي رواية يحيى بن سعيد يعني معاوية وهذا كله من باب اطلاق التمتع على ما هو أعم من التمتع الخاص وهو الاحرام بالعمرة والفراغ منها ثم الاحرام
بالحج ومن القران بل كلام سعد فيه دلالة على اطلاق التمتع على الاعتمار في أشهر الحج وذلك أنهم اعتمروا ومعاوية بعد كافر بمكة قبل الحج أما عمرة الحديبية أو عمرة القضاء وهو الاشبه فأما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية أسلم مع أبيه ليلة الفتح وروينا أنه قصر من شعر النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص في بعض عمره وهي عمرة الجعرانة لا محالة والله أعلم
*2* ذكر حجة من ذهب الى انه عليه السلام كان قارنا
@
رواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد تقدم ما رواه البخاري من حديث أبي عمرو الاوزاعي سمعت يحيى بت ابي كثير عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول أتاني آت من ربي عز وجل فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة وقال الحافظ البيهقي أنبأنا علي بن احمد بن عمر بن حفص المقبري ببغداد أنبأنا احمد بن سليمان قال قرئ على عبد الملك بن محمد وأنا أسمع حدثنا أبو زيد الهروي ثنا علي بن المبارك ثنا يحيى بن أبي كثير ثنا عكرمة حدثني ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبرائيل عليه السلام وأنا بالعقيق فقال صل في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل عمرة في حجة فقد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة ثم قال البيهقي رواه البخاري عن أبي زيد الهروي وقال الامام احمد ثنا هاشم ثنا يسار عن أبي وائل أن رجلا كان نصرانيا يقال له الصبي بن معبد فأراد الجهاد فقيل له إبدأ بالحج فأتى الاشعري فأمره أن يهل بالحج والعمرة جميعا ففعل فبينما هو يلبي إذ مر بزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فقال أحدهما لصاحبه لهذا أضل من بعير أهله فسمعهما الصبي فكبر ذلك عليه فلما قدم أتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له فقال له عمر هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم قال وسمعته مرة أخرى يقول وفقت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وقد رواه الامام احمد عن يحيى بن سعيد القطان عن الاعمش عن شقيق عن أبي وائل عن الصبي بن معبد عن عمر بن الخطاب فذكره وقال إنهما لم يقولا شيئا هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ورواه عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن منصور عن أبي وائل به ورواه أيضا عن غندر عن شعبة عن الحكم عن أبي وائل وعن سفيان بن عيينة عن عبدة بن عبدة بن أبى لبابة عن أبى وائل قال قال الصبي بن معبد كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فاهللت بحج وعمرة فسمعني زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة وأنا أهل بهما فقالا لهذا أضل من بعير أهله فكأنما حمل علي بكلمتهما جبل فقدمت على عمر فاخبرته فأقبل عليهما فلامهما وأقبل علي فقال هديت لسنة النبي صلى الله عليه وسلم قال عبدة قال أبو وائل كثيرا ما ذهبت أنا ومسروق الى الصبي
ابن معبد نسأله عنه وهذه أسانيد جيده على شرط الصحيح وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي وائل شقيق بن سلمة به وقال النسائي في كتاب الحج من سننه حدثنا محمد ابن علي بن الحسن بن شقيق ثنا أبي عن جمرة السكري عن مطرف عن سلمة بن كهيل عن طاوس عن ابن عباس عن عمر أنه قال والله اني لأنهاك عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد
رواية أميري المؤمنين عثمان وعلي رضي الله عنهما قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال اجتمع علي وعثمان بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة أو العمرة فقال على ما تريد الى امر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه فقال عثمان دعنا منك هكذا رواه الامام احمد مختصرا وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن سعيد بن المسيب قال اختلف علي وعثمان وهما بعسفان في المتعة فقال علي ما تريد الى أن تنهى عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أهل بهما جميعا وهكذا لفظ البخاري وقال البخاري ثنا محمد بن يسار ثنا غندر عن شعبة عن الحكم عن علي بن الحسين عن مروان بن الحكم قال شهدت عثمان وعلينا وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة قال ما كنت لأدع سنة النبي صلى الله عليه وسلم لقول أحد ورواه النسائي من حديث شعبة به ومن حديث الاعمش عن مسلم البطين عن علي بن الحسين به وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة قال قال عبد الله بن شقيق كان عثمان ينهى عن المتعة وعلي يأمر بها فقال عثمان لعلي انك لكذا وكذا ثم قال علي لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أجل ولكنا كنا خائفين ورواه مسلم من حديث شعبة فهذا اعتراف من عثمان رضي الله عنه بما رواه علي رضي الله عنهما ومعلوم أن عليا رضي الله عنه أحرم عام حجة الوداع باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد ساق الهدي وأمره عليه السلام أن يمكث حراما واشركه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه كما سيأتي بيانه وروى مالك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه أن المقداد بن الاسود دخل على علي بن ابي طالب بالسقيا وهو ينجع بكرات له دقيقا وخبطا فقال هذا عثمان بن عفان ينهى عن أن يقرن بين الحج والعمرة فخرج علي وعلى يده أمر الدقيق والخبط ما أنسى اثر الدقيق والخبط على ذراعيه حتى دخل على عثمان فقال أنت تنهى أن يقرن بين الحج والعمرة فقال عثمان ذلك رأيي فخرج علي مغضبا وهو يقول لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا وقد قال أبو داود في سننه ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج ثنا يونس عن ابي اسحاق عن البراء بن عازب قال كنت
مع علي حين امره رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليمن فذكر الحديث في قدوم علي قال علي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف صنعت قال قلت إنما أهللت باهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال إني قد سقت الهدي وقرنت وقد رواه النسائي من حديث يحيى بن معين باسناده وهو على شرط الشيخين وعلله الحافظ البيهقي بأنه لم يذكر هذا اللفظ في سياق حديث جابر الطويل وهذا التعليل فيه نظر لأنه قد روى القران من حديث جابر بن عبد الله كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى وروى ابن حبان في صحيحه عن علي بن أبي طالب قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وخرجت أنا من اليمن وقلت لبيك باهلال كاهلال النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاني أهللت بالحج والعمرة جميعا
رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وقد رواه عنه جماعة من التابعين ونحن نوردهم مرتبين على حروف المعجم
بكر بن عبد الله المزني عنه قال الامام احمد حدثنا هشيم ثنا حميد الطويل أنبانا بكر بن عبد الله المزني قال سمعت أنس بن مالك يحدث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا فحدثت بذلك ابن عمر فقال لبي بالحج وحده فلقيت انسا فحدثته بقول ابن عمر فقال ما تعدونا الا صبيانا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبي عمرة وحجا ورواه البخاري عن مسدد عن بشر بن الفضل عن حميد به وأخرجه مسلم عن شريح بن يونس عن هشيم به وعن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع عن حبيب بن الشهيد عن بكر بن عبد الله المزني به
ثابت البناني عن أنس قال الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن أي ليلى عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبيك بعمرة وحجة معا تفرد به من هذا الوجه الحسن البصري عنه قال الامام احمد ثنا روح ثنا أشعث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا مكة وقد لبوا بحج وعمرة فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أن يحلوا وأن يجعلوها عمرة فكأن القوم هابوا ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أني سقت هديا لاحللت فأحل القوم وتمتعوا وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا الحسن بن قزعة ثنا سفيان بن حبيب ثنا أشعث عن الحسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة فلما قدموا مكة طافوا بالبيت وبالصفا والمروة أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلوا فهابوا ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلوا فلولا أن معي الهدي لأحللت فحلوا حتى حلوا على النساء ثم قال البزار لا نعلم رواه عن الحسن إلا الأشعث بن عبد الملك
حميد بن تيرويه الطويل عنه قال الامام احمد حدثنا يحيى بن حميد سمعت انسا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك بحج وعمرة وحج هذا أسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أحد
من أصحاب الكتب من هذا الوجه لكن رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن هشيم عن يحيى بن ابي اسحاق وعبد العزيز بن صهيب وحميد أنهم سمعوا أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا وقال الامام احمد حدثنا يعمر بن يسر ثنا عبد الله أنبأنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال ساق رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنا كثيرة وقال لبيك بعمرة وحج واني لعند فخذ ناقته اليسرى تفرد به احمد من هذا الوجه أيضا
حميد بن هلال العدوي البصري عنه قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب عن أيوب عن ابي قلابة عن أنس بن مالك وحدثناه سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة وحميد بن هلال عن انس قال إني ردف أبي طلحة وان ركبته لتمس ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي بالحج والعمرة وهذا اسناد جيد قوي على شرط الصحيح ولم يخرجوه وقد تأوله البزار على أن الذي كان يلبي بالحج والعمرة أبو طلحة قال ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهذا التأويل فيه نظر ولا حاجة اليه لمجيء ذلك من طرق عن أنس كما مضى وكما سيأتي ثم عود الضمير الى أقرب المذكورين أولى وهو في هذه الصورة أقوى دلالة والله أعلم وسيأتي في رواية سالم بن أبي الجعد عن أنس صريح الرد على هذا التأويل
زيد بن أسلم عنه قال الحافظ أبو بكر البزار روى سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن زيد بن أسلم عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بحج وعمرة حدثناه الحسن بن عبد العزيز الجروي ومحمد بن مسكين قالا حدثنا بشر بن بكر عن سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم عن أنس قلت هذا اسناد صحيح على شرط الصحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي بأبسط من هذا السياق فقال أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر احمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأنا العباس بن الوليد بن يزيد أخبرني أبي ثنا شعيب بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم وغيره أن رجلا أتى ابن عمر فقال بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر أهل بالحج فانصرف ثم أتاه من العام المقبل فقال بم أهل رسول الله قال ألم تأتني عام أول قال بلى ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن قال ابن عمر إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها اسمعه يلبي بالحج
سالم بن ابي الجعد الغطفاني الكوفي عنه قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن منصور عن سالم بن ابي الجعد عن أنس بن مالك يرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الحج والعمرة فقال لبيك بعمرة وحجة معا حسن ولم يخرجوه وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا أبو عوانة ثنا عثمان
ابن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن سعد مولى الحسن بن علي قال خرجنا مع علي فأتينا ذا الحليفة فقال علي إني أريد أن أجمع بين الحج والعمرة فمن اراد ذلك فليقل كما أقول ثم لبى قال لبيك بحجة وعمرة معا قال وقال سالم وقد أخبرني أنس بن مالك قال والله ان رجلي لتمس رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه ليهل بهما جميعا وهذا أيضا اسناد جيد من هذا الوجه ولم يخرجوه وهذا السياق يرد على الحافظ البزار ما تأول به حديث حميد بن هلال عن أنس كما تقدم والله أعلم
سليمان بن طرخان التيمي عنه قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي ثنا المعتمر بن سليمان سمعت أبي يحدث عن أنس بن مالك قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا ثم قال البزار لم يروه عن التيمي إلا ابنه المعتمر ولم يسمعه إلا من يحيى بن حبيب العربي عنه قلت وهو على شرط الصحيح ولم يخرجوه
سويد بن حجير عنه قال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي قزعة سويد بن حجير عن أنس بن مالك قال كنت رديف أبي طلحة فكانت ركبة أبي طلحة تكاد أن تصيب ركبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهما وهذا اسناد جيد تفرد به احمد ولم يخرجوه وفيه رد على الحافظ البزار صريح
عبد الله بن زيد أبو قلابة الجرمي عنه قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي صلى الله عليه وسلم قال فان رجلي لتمس غرز النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يلبي بالحج والعمرة معا وقد رواه البخاري من طرق عن أيوب عن ابي قلابة عن أنس قال صلى صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب راحلته حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر وأهل بحج وعمرة وأهل الناس بهما جميعا وفي رواية له كنت رديف أبي طلحة وأنهم ليصرخون بهما جميعا الحج والعمرة وفي رواية له عن أيوب عن رجل عن أنس قال ثم بات حتى أصبح فصلى الصبح ثم ركب راحلته حتى اذا استوت به البيداء أهل بعمرة وحج
عبد العزيز بن صهيب تقدمت روايته عنه مع رواية حميد الطويل عنه عند مسلم
علي بن زيد بن جدعان عنه قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا ابراهيم بن سعيد ثنا علي بن حكيم عن شريك عن علي بن زيد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا هذا غريب من هذا الوجه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن وهو على شرطهم
قتادة بن دعامة السدوسي عنه قال الامام احمد حدثنا بهز وعبد الصمد المعني قالا أخبرنا همام بن يحيى ثنا قتادة قال سألت أنس بن مالك قلت كم حج النبي صلى الله عليه وسلم قال حجة واحدة
واعتمر أربع مرات عمرته زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته وأخرجاه في الصحيحين من حديث همام ابن يحيى به
مصعب بن سليم الزبيري مولاهم عنه قال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا مصعب بن سليم سمعت أنس بن مالك يقول أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة وعمرة تفرد به احمد
يحيى بن اسحاق الحضرمي عنه قال الامام احمد ثنا هشيم أنبأنا يحيى بن اسحاق وعبد العزيز ابن صهيب وحميد الطويل عن أنس أنهم سمعوه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة جميعا يقول لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا وقد تقدم أن مسلما رواه عن يحيى بن يحيى عن هشيم به وقال الامام احمد أيضا ثنا عبد الاعلى عن يحيى عن أنس قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة قال فسمعته يقول لبيك عمرة وحجا
أبو الصقيل عنه قال الامام احمد حدثنا حسن ثنا زهير وحدثنا احمد بن عبد الملك ثنا زهير عن أبي اسحاق عن أبي أسماء الصقيل عن أنس بن مالك قال خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعلها عمرة وقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة ورواه النسائي عن هناد عن أبي الاحوص عن أبي اسحاق عن أبي اسماء الصقيل عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم يلبي بهما
أبو قدامة الحنفي ويقال إن اسمه محمد بن عبيد عن أنس قال الامام احمد ثنا روح بن عبادة حدثنا شعبة عن يونس بن عبيد عن أبي قدامة الحنفي قال قلت لأنس بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي فقال سمعته سبع مرات يلبي بعمرة وحجة تفرد به الامام احمد وهو اسناد جيد قوي ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة وروى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة وقرن القوم معه وقد أورد الحافظ البيهقي بعض هذه الطرق عن أنس بن مالك ثم شرع يعلل ذلك بكلام فيه نظر وحاصله أنه قال والاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه ويحتمل أن يكون سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم غيره كيف يهل بالقران لا أنه يهل بهما عن نفسه والله أعلم قال وقد روى ذلك عن غير أنس بن مالك وفي ثبوته نظر قلت ولا يخفى ما في هذا الكلام من النظر الظاهر لمن تأمله وربما أنه كان ترك هذا الكلام أولى منه إذ فيه تطرق احتمال الى حفظ الصحابي مع تواتره عنه كما رأيت آنفا وفتح هذا يفضي الى محذور كبير والله تعالى أعلم
حديث البراء بن عازب في القران قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو الحسين بن بشران أنبأنا علي بن محمد المصري حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى ثنا يزيد بن هارون أنبأنا زكريا بن
أبي زائدة عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة فقالت عائشة لقد علم أنه اعتمر أربع عمر بعمرته التي حج معها قال البيهقي ليس هذا بمحفوظ قلت سيأتي بإسناد صحيح الى عائشة نحوه
رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني حدثنا أبو بكر بن أبي داود ومحمد بن جعفر بن رميس والقاسم بن اسماعيل أبو عبيد وعثمان بن جعفر اللبان وغيرهم قالوا حدثنا احمد بن يحيى الصوفي ثنا زيد بن الحباب ثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة قرن معها عمرة وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن سعيد الثوري به وأما الترمذي فرواه عن عبد الله بن أبي زياد عن زيد بن حباب عن سفيان به ثم قال غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن الحباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن يعني الرازي روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي زياد وسألت محمدا عن هذا فلم يعرفه ورأيته لا يعده محفوظا قال وانما روى عن الثوري عن أبي اسحاق عن مجاهد مرسلا وفي السنن الكبير للبيهقي قال أبو عيسى الترمذي سألت محمد بن اسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال هذا حديث خطأ وإنما روى هذا عن الثوري مرسلا قال البخاري وكان زيد بن الحباب اذا روى خطأ ربما غلط في الشيء وأما ابن ماجه فرواه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي عن عبد الله بن داود الخريبي عن سفيان به وهذه طريق لم يقف عليها الترمذي ولا البيهقي وربما ولا البخاري حيث تكلم في زيد ابن الحباب ظانا أنه انفرد به وليس كذلك والله أعلم
طريق أخرى عن جابر قال أبو عيسى الترمذي حدثنا ابن أبي عمر حدثنا أبو معاوية عن حجاج عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن الحج والعمرة وطاف لهما طوافا واحدا ثم قال هذا حديث حسن وفي نسخة صحيح رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر قال لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم إلا طوافا واحدا لحجه ولعمرته قلت حجاج هذا هو ابن أرطأة وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ولكن قد روى من وجه آخر عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله أيضا كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا مقدم بن محمد حدثني عمي القاسم بن يحيى بن مقدم عن عبد الرحمن ابن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يقلد الهدي فليجعلها عمرة ثم قال البزار وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن جابر إلا من هذا الوجه بهذا الاسناد انفرد بهذه الطريق البزار في مسنده واسنادها غريبة جدا وليست في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه والله أعلم
رواية أبي طلحة زيد بن سهل الانصاري رضي الله عنه قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا حجاج هو ابن أرطأة عن الحسن بن سعد عن ابن عباس قال أخبرني أبو طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الحج والعمرة ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن أبي معاوية باسناده ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرن بين الحج والعمرة الحجاج بن أرطأة فيه ضعف والله أعلم
رواية سراقة بن مالك بن جعشم قال الامام احمد حدثنا مكي بن ابراهيم ثنا داود يعني ابن سويد سمعت عبد الملك الزراد يقول سمعت النزال بن سبرة صاحب علي يقول سمعت سراقة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة قال وقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع
رواية سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تمتع بالحج الى العمرة وهو القران قال الامام مالك عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه حدثه أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان يذكر التمتع بالعمرة الى الحج فقال الضحاك لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله فقال سعد بئس ما قلت يا ابن أخي فقال الضحاك فان عمر بن الخطاب كان ينهى عنها فقال سعد قد صنعها رسول الله وصنعناها معه ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به وقال الترمذي هذا حديث صحيح وقال الامام احمد ثنا يحيى بن سعيد ثنا سليمان يعني التيمي حدثني غنيم قال سألت ابن أبي وقاص عن المتعة فقال فعلناها وهذا كافر بالعرش يعني معاوية هكذا رواه مختصرا وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن سعيد الثوري وشعبة ومروان الفزاري ويحيى بن سعيد القطان أربعتهم عن سليمان بن طرخان التيمي سمعت غنيم بن قيس سألت سعد بن ابي وقاص عن المتعة فقال قد فعلناها وهذا يومئذ كافر بالعرش قال يحيى بن سعيد في روايته يعني معاوية ورواه عبد الرزاق عن معتمر بن سليمان وعبد الله بن المبارك كلاهما عن سليمان التيمي عن غنيم بن قيس سألت سعدا عن التمتع بالعمرة الى الحج فقال فعلتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني مكة ويعني به معاوية وهذا الحديث الثاني اصح اسنادا وإنما ذكرناه اعتضادا لا اعتمادا والاول صحيح الاسناد وهذا أصرح في المقصود من هذا والله أعلم
رواية عبد الله بن ابي أوفى قال الطبراني حدثنا سعيد بن محمد بن المغيرة المصري حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا يزيد بن عطاء عن اسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله بن أبي أوفى قال إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لم يكن حاجا بعد ذلك العام
رواية عبد الله بن عباس في ذلك قال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا داود يعني القطان عن
عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء والثالثة من الجعرانة والرابعة التي مع حجته وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس به وقال الترمذي حسن غريب ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا ورواه الحافظ البيهقي من طريق أبي الحسن علي بن عبد العزيز البغوي عن الحسن بن الربيع وشهاب بن عباد كلاهما عن داود بن عبد الرحمن العطار فذكره وقال الرابعة التي قرنها مع حجته ثم قال أبو الحسن علي بن عبد العزيز ليس احد يقول في هذا الحديث عن ابن عباس إلا داود ابن عبد الرحمن ثم حكى البيهقي عن البخاري أنه قال داود بن عبد الرحمن صدوق إلا أنه ربما يهم في الشيء وقد تقدم ما رواه البخاري من طريق ابن عباس عن عمر أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق أتاني آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة فلعل هذا مستند ابن عباس فيما حكاه والله أعلم
رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنه قد تقدم فيما رواه البخاري ومسلم من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهدى فساق الهدي من ذي الحليفة وبدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج وذكر تمام الحديث في عدم احلاله بعد السعي فعلم كما قررناه أولا إنه عليه السلام لم يكن متمتعا التمتع الخاص وإنما كان قارنا لأنه حكى أنه عليه السلام لم يكن متمتعا اكتفى بطواف واحد بين الصفا والمروة عن حجة وعمرته وهذا شأن القارن على مذهب الجمهور كما سيأتي بيانه والله أعلم وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو خيثمة ثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف طوافا واحدا لاقرانه لم يحل بينهما واشترى من الطريق يعني الهدي وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقاة إلا أ يحيى بن يمان وان كان من رجال مسلم في أحاديثه عن الثوري نكارة شديدة والله أعلم ومما يرجح أن ابن عمر أراد بالأفراد الذى رواه أفراد أفعال الحج لا الافراد الخاص الذى يصير اليه أصحاب الشافعي وهو الحج في الاعتمار بعده في بقية ذي الحجة قول الشافعي أنبأنا مالك عن صدقة بن يسار عن ابن عمر أنه قال لأن أعتمر قبل الحج وأهدي أحب الي من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجة
رواية عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال الامام احمد حدثنا أبو أحمد يعني الزبيري حدثنا يونس بن الحارث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قرن خشية أن يصد عن البيت وقال إن لم يكن حجة فعمرة وهذا حديث غريب سندا ومتنا تفرد بروايته
الامام احمد وقد قال احمد في يونس بن الحارث الثقفي هذا كان مضطرب الحديث وضعفه وكذا ضعفه يحيى بن معين في رواية عنه والنسائي وأما من حيث المتن فقوله انما قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يصد عن البيت فمن الذي كان يصده عليه السلام عن البيت وقد أطد الله له الاسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم في العام الماضي أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان وقد كان معه عليه السلام في حجة الوداع قريب من أربعين ألفا فقوله خشية أن يصد عن البيت وما هذا بأعجب من قول أمير المؤمنين عثمان لعلي بن أبي طالب حين قال له علي لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أجل ولكنا كنا خائفين ولست أدري على م يحمل هذا الخوف من أي جهة كان إلا أنه تضمن رواية الصحابي لما رواه وحمله على معنى ظنه فما رواه صحيح مقبول وما اعتقده ليس بمعصوم فيه فهو موقوف عليه وليس بحجة على غيره ولا يلزم منه رد الحديث الذي رواه هكذا قول عبد الله بن عمرو لو صح السند اليه والله أعلم
رواية عمران بن حصين رضي الله عنه قال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن حميد بن هلال سمعت مطرقا قال قال لي عمران بن حصين إني محدثك حديثا عسى الله أن ينفعك به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين حجته وعمرته ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل قرآن فيه يحرمه وأنه كلن يسلم علي فلما اكتويت أمسك عني فلما تركته عاد إلي وقد رواه مسلم عن محمد بن المثنى ومحمد بن يسار عن غندر عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه والنسائي عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث ثلاثتهم عن شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف عن عمران به ورواه مسلم من حديث شعبة وسعيد بن ابي عروبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة الحديث قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني حديث شعبة عن حميد بن هلال عن مطرف صحيح وأما حديثه عن قتادة عن مطرف فانما رواه عن شعبة كذلك بقية بن الوليد وقد رواه غندر وغيره عن سعيد بن ابي عروبة عن قتادة قلت وقد رواه أيضا النسائي في سننه عن عمرو بن علي الفلاس عن خالد بن الحارث عن شعبة وفي نسخة عن سعيد بدل شعبة عن قتادة عن مطرف عن عمران بن الحصين فذكره والله أعلم وثبت في الصحيحين من حديث همام عن قتادة عن مطرف عن عمران بن الحصين قال تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات رسول الله صلى الله عليه وسلم
رواية الهرماس بن زياد الباهلي قال عبد الله بن الامام احمد حدثنا عبد الله بن عمران بن علي أبو محمد من أهل الري وكان أصله أصبهاني حدثنا يحيى بن الضريس حدثنا عكرمة بن عمار عن
الهرماس قال كنت ردف أبي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على بعير له وهو يقول لبيك بحجة وعمرة معا وهذا على شرط السنن ولم يخرجوه
رواية حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضي الله عنها قال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن حفصة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم مالك لم تحل من عمرتك قال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك وعبيد الله بن عمر زاد البخاري وموسى بن عقبة زاد مسلم وابن جريج كلهم عن نافع عن ابن عمر به وفي لفظهما أنها قالت يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك فقال إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر وقال الامام احمد أيضا حدثنا شعيب ابن أبي حمزة قال قال نافع كان عبد الله بن عمر يقول أخبرتنا حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع فقالت له فلانة ما يمنعك أن تحل قال إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلست أحل حتى أنحر هديي وقال احمد أيضا حدثنا يعقوب ابن ابراهيم حدثنا أبي عن أبي اسحاق حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن حفصة بنت عمر أنها قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه أن يحللن بعمرة قلنا فما يمنعك يا رسول الله أن تحل معنا قال إني أهديت ولبدت فلا أحل حتى أنحر هديي ثم رواه احمد عن كثير بن هشام عن جعفر ابن برقان عن نافع عن ابن عمر عن حفصة فذكره فهذا الحديث فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متلبسا بعمرة ولم يحل منها وقد علم بما تقدم من أحاديث الافراد انه كان قد أهل بحج أيضا فدل مجموع ذلك أنه قارن مع ما سلف من رواية من صرح بذلك والله أعلم
رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منها جميعا فقدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انقضى رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي العمرة ففعلت فلما قضيت الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر الى التنعيم فاعتمرت فقال هذه مكان عمرتك قالت فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا وكذلك رواه مسلم من حديث مالك عن الزهري فذكره ثم رواه عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللت بعمرة ولم أكن
سقت الهدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بالحج مع عمرته لا يحل حتى يحل منهما جميعا وذكر تمام الحديث كما تقدم والمقصود من إيراد هذا الحديث ههنا قوله صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة ومعلوم أنه عليه السلام قد كان معه هدي فهو أول وأولى من ائتمر بهذا لأن المخاطب داخل في عموم متعلق خطابه على الصحيح وأيضا فانها قالت وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فانما طافوا طوافا واحدا يعني بين الصفا والمروة وقد روى مسلم عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طاف بين الصفا والمروة طوافا واحدا فعلم من هذا أنه كان قد جمع بين الحج والعمر وقد روى مسلم من حديث حماد بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت فكان الهدي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسار وأيضا فإنها ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتحلل من النسكين فلم يكن متمتعا وذكرت أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعمرها من التنعيم وقالت يا رسول الله ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج فبعثها مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم ولم يذكر أنه عليه السلام اعتمر بعد حجته فل يكن مفردا فعلم أنه كان قارنا لأنه كان باتفاق الناس قد اعتمر في حجة الوداع والله أعلم وقد تقدم ما رواه الحافظ البيهقي من طريق يزيد بن هارون عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب أنه قال اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عمر كلهن في ذي القعدة فقالت عائشة لقد علم أنه اعتمر أربع عمر عمرته بعد التي حج معها وقال البيهقي في الخلافيات أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا أبو محمد بن حبان الاصبهاني أنبأنا ابراهيم ابن شريك أنبأنا احمد بن يونس ثنا زهير ثنا أبو اسحاق عن مجاهد قال سئل ابن عمر كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مرتين فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثا سوى العمرة التي قرنها مع حجة الوداع ثم قال البيهقي وهذا إسناد لا بأس به لكن فيه إرسال مجاهد لم يسمع من عائشة في قول بعض المحدثين قلت كان شعبة ينكره وأما البخاري ومسلم فانهما أثبتاه والله أعلم وقد روى من حديث القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعروة بن الزبير وغير واحد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه الهدي عام حجة الوداع وفي أعمارها من التنعيم ومصادقتها له منهبطا على أهل مكة وبيتوته بالمحصب حتى صلى الصبح بمكة ثم رجع الى المدينة وهذا كله مما يدل على أنه عليه السلام لم يعتمر بعد حجته تلك ولم أعلم أحد من الصحابة نقله ومعلوم أنه لم يتحلل بين النسكين ولا روى أحد أنه عليه السلام بعد طوافه بالبيت وسعيه بين الصفا والمروة حلق وقصر ولا تحلل بل استمر على إحرامه باتفاق ولم ينقل أنه أهل بحج لما سار الى منى فعلم أنه لم يكن متمتعا وقد اتفقوا على أنه عليه السلام اعتمر عام حجة الوداع فلم يتحلل بين النسكين ولا
أنشأ إحراما للحج ولا اعتمر بعد الحج فلزم القران وهذا مما يعسر الجواب عنه والله أعلم وأيضا فان رواية القران مثبتة لما سكت عنه أو نفاه من روى الافراد والتمتع فهي مقدمة عليها كما هو مقرر في علم الأصول وعن أبي عمران أنه حج مع مواليه قال فأتيت أم سلمة فقلت يا أم المؤمنين إني لم أحج قط فأيهما أبدأ بالعمرة أم بالحج قالت ابدأ بأيهما شئت قال ثم أتيت صفية أم المؤمنين فسألتها فقالت لي مثل ما قالت لي ثم جئت أم سلمة فأخبرتها بقول صفية فقالت لي أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا آل محمد من حج منكم فليهل بعمرة في حجة رواه ابن حبان في صحيحه وقد رواه ابن حزم في حجة الوداع من حديث الليث ين سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم عن أبي عمران عن أم سلمة به
*2* فصل ( اختلاف جماعة من الصحابة في صفة حج رسول الله ) .
@ إن قيل قد رويتم عن جماعة من الصحابة أنه عليه السلام أفرد الحج ثم رويتم عن هؤلاء بأعيانهم وعن غيرهم أنه جمع بين الحج والعمرة فما الجمع من ذلك فالجواب أن رواية من ورى أنه أفرد الحج محمولة على أنه أفرد أفعال الحج ودخلت العمرة فيه نية وفعلا ووقتا وهذا يدل على أنه اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه وعنها كما هو مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبي حنيفة رحمه الله حيث ذهب الى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين اعتمد على ما روى في ذلك عن علي بن أبي طالب وفي الاسناد اليه نظر وأما من روى التمتع ثم روى القران فقد قدمنا الجواب عن ذلك بأن التمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص والقران ويطلقونه على الاعتمار في أشهر الحج وإن لم يكن معه حج كما قال سعد بن أبي وقاص تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يعنى معاوية يومئذ كافر بالعرش يعني بمكة وإنما يريد بهذا احدى العمرتين إما الحديبية أو القضاء فاما عمرة الجعرانة فقد كان معاوية قد أسلم لأنها كانت بعد الفتح وحجة الوداع بعد ذلك سنة عشر وهذا بين واضح والله أعلم
*2* فصل ( عدم نهي النبي عليه السلام عن حج التمتع والقران ) .
@ إن قيل فما جوابها عن الحديث الذي رواه أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا هشام عن قتادة عن أبي سيح الهنائي واسمه صفوان بن خالد أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صفف النمور قالوا اللهم نعم قال وأنا أشهد قال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا قالوا اللهم نعم قال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة قالوا اللهم لا قال والله إنها لمعهن وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا همام عن قتادة عن أبي سيح الهنائي قال كنت في ملاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية فقال معاوية أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله نهى عن جلود النمور أن يركب عليها قالوا اللهم نعم قال وتعلمون أنه نهى عن لباس الذهب إلا مقطوعا قالوا اللهم نعم قال وتعلمون أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة قالوا اللهم نعم قال وتعلمون أنه نهى عن المتعة يعني متعة الحج قالوا اللهم لا وقال احمد ثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن قتادة عن أبي سيح الهنائي أنه شهد معاوية وعنده جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم معاوية أتعلمون أن رسول الله نهى عن ركوب جلود النمور قالوا نعم قال تعلمون أن رسول الله نهى عن لبس الحرير قالوا اللهم نعم قال أتعلمون أن رسول الله نهى أن يشرب في آنية الذهب والفضة قالوا اللهم نعم قال أتعملون أن رسول الله نهى عن جمع بين حج وعمرة قالوا اللهم لا قال فوالله إنها لمعهن وكذا رواه حماد بن سلمة عن قتادة وزاد ولكنكم نسيتم وكذا رواه أشعث بن نزار وسعيد بن أبي عروبة وهمام عن قتادة بأصله ورواه مطر الوراق وبهيس بن فهدان عن أبي سيح في متعة الحج فقد رواه أبو داود والنسائي من طرق عن أبي سيح الهنائي به وهو حديث جيد الاسناد ويستغرب منه هرواية معاوية رضي الله عنه النهي عن الجمع بين الحج والعمرة ولعل أصل الحديث النهي عن المتعة فاعتقد الراوي أنها متعة الحج وإنما هي متعة النساء ولم يكن عند أولئك الصحابة رواية في النهي عنها أو لعل النهي عن الاقران في التمر كما في حديث ابن عمر فاعتقد الراوي أن المراد القران في الحج وليس كذلك أو لعل معاوية رضي الله عنه قال إنما قال أتعلمون أنه نهي عن كذا فبناه بما لم يسم فاعله فصرح الراوي بالرفع الى النبي صلى الله عليه وسلم ووهم في ذلك فان الذي كان ينهى عن متعة الحج إنما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يكن نهيه عن ذلك على وجه التحريم والحتم كما قدمنا وانما كان ينهى عنها لتفرد عن الحج بسفر آخر ليكثر زيارة البيت وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يهابونه كثيرا فلا يتجاسرون على مخالفته غالبا وكان ابنه عبد الله يخالفه فيقال له ان أباك كان ينهى عنها فيقول لقد خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أفسنة رسول الله تتبع أم سنة عمر بن الخطاب وكذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه ينهى عنها وخالفه علي بن أبي طالب كما تقدم وقال لا أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس وقال عمران بن حصين تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات أخرجاه في الصحيحين وفي صحيح مسلم عن سعد أنه أنكر على معاوية إنكاره المتعة وقال قد فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني معاوية أنه كان حين فعلوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كافرا بمكة يومئذ قلت وقد تقدم أنه عليه السلام حج قارنا
بما ذكرناه من الاحاديث الواردة في ذلك ولم يكن بين حجة الوداع وبين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد وثمانون يوما وقد شهد الحجة ينيف عن أربعين ألف صحابي قولا منه وفعلا فلو كان قد نهى عن القران في الحج الذي شهده منه الناس لم ينفرد به واحد من الصحابة ويرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه ولم يسمع فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية رضي الله عنه والله أعلم وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ابن وهب أخبرني حيوة أخبرني أبو عيسى الخراساني عن عبد الله بن القاسم خراساني عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر ابن الخطاب فشهد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج وهذا الاسناد لا يخلو عن نظر ثم ان كان هذا الصحابي عن معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك ولكن في هذا النهي عن المتعة لا القران وان كان في غيره فهو مشكل في الجملة لكن لا على القران والله أعلم



يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:41 AM
ذكر مستند من قال أنه عليه الصلاة والسلام أطلق الاحرام ولم يعين حجا ولا عمرة أولا ثم بعد ذلك صرفه الى معين وقد حكى عن الشافعي أنه الأفضل إلا أنه قول ضعيف قال الشافعي رحمه الله أنبأنا سفيان أنبأنا ابن طاوس وابراهيم بن ميسرة وهشام بن حجير سمعوا طاوسا يقول خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجا ولا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة فأمر أصحابه من كان منهم من أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة وقال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولكن لبدت رأسي وسقت هديي فليس لي محل إلا محل هديي فقام اليه سراقة بن مالك فقال يا رسول الله اقض لنا قضاء كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال فدخل علي من اليمن فسأله النبي صلى الله عليه وسلم بم أهللت فقال أحدهما لبيك إهلال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر لبيك حجة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل طاوس وفيه غرابة وقاعدة الشافعي رحمه الله أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره اللهم إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في الرسالة لأن الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة والله أعلم وهذا المرسل ليس من هذا القبيل بل هو مخالف للاحاديث المتقدمة كلها أحاديث الافراد وأحاديث التمتع وأحاديث القران وهي مسندة صحيحة كما تقدم فهي مقدمة عليه ولأنها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل والمثبت مقدم على النافي لو تكافئا فكيف والمسند صحيح والمرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده والله تعالى أعلم وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا محاضر حدثنا الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت خرجنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة فلما قدمنا أمرنا أن نحل فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية بنت حيي فقال النبي صلى الله عليه وسلم حلقي عقري ما أراها إلا حابستكم قال هل كنت طفت يوم النحر قالت نعم قال فانفري قالت قلت يا رسول الله إني لم أكن أهللت قال فاعتمري من التنعيم قال فخرج معها أخوها قالت فلقينا مدلجا فقال موعدكن كذا وكذا هكذا رواه البيهقي وقد رواه البخاري عن محمد قيل هو ابن يحيى الذهلي عن محاضر بن المورع به إلا أنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج وهذا أشبه بأحاديثها المتقدمة لكن روى مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر حجا ولا عمرة وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث منصور عن ابراهيم عن الأسود عنها قالت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى إلا أنه الحج وهذا أصح وأثبت والله أعلم وفي رواية لها من هذا الوجه خرجنا نلبي ولا نذكر حجا ولا عمرة وهو محمول على أنهم لا يذكرون ذلك مع التلبية وإن كانوا قد سموه حال الاحرام كما في حديث أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبيك اللهم حجا وعمرة وقال أنس وسمعتهم يصرخون بهما جميعا فأما الحديث الذى رواه مسلم من حديث داود بن أبى نضرة عن جابر وأبي سعيد الخدري قالا قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصرخ بالحج صراخا فانه حديث مشكل على هذا والله أعلم
*2* ذكر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال الشافعي أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها لبيك لك وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء اليك والعمل ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به وقال مسلم حدثنا محمد بن عباد ثنا حاتم بن اسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر عن نافع مولى عبد الله بن عمر وحمزة بن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لك لا شريك لك قالوا وكان عبد الله يقول في تلبية رسول الله قال نافع وكان عبد الله يزيد مع هذا لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغباء اليك والعمل حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله أخبرني نافع عن ابن عمر قال تلقفت التلبية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بمثل حديثهم حدثني حرملة ابن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال قال سالم بن عبد الله بن عمر أخبرني
عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبيا يقول لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لا يزيد على هؤلاء الكلمات وان عبد الله ابن عمر يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركع بذي الحليفة ركعتين فاذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء الكلمات وقال عبد الله بن عمر كان عمر بن الخطاب يهل باهلال النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الكلمات وهو يقول لبيك اللهم لبيك وسعديك والخير في يديك لبيك والرغباء اليك والعمل هذا لفظ مسلم وفي حديث جابر من التلبية كما في حديث ابن عمر وسيأتي مطولا قريبا رواه مسلم منفردا به وقال البخاري بعد إيراده من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر ما تقدم حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن الاعمش عن عمارة عن أبي عطية عن عائشة قالت إني لأعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك تابعه أبو معاوية عن الاعمش وقال شعبة أخبرنا سليمان سمعت خيثمة عن ابي عطية سمعت عائشة تفرد به البخاري وقد رواه الامام احمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن سليمان بن مهران الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية الوادي عن عائشة فذكر مثل ما رواه البخاري سواء ورواه احمد عن أبي معاوية وعبد الله بن نمير عن الأعمش كما ذكره البخاري سواء ورواه أيضا عن محمد بن جعفر وروح بن عبادة عن شعبة عن سليمان بن مهران الاعمش به كما ذكره البخاري وكذلك رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة سواء وقال الامام احمد حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الأعمش عن عمارة بن عمير عن أبي عطية قال قالت عائشة إني لأعلم كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي قال ثم سمعتها تلبي فقالت لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك فزاد في هذا السياق وحده والملك لا شريك لك وقال البيهقي أخبرنا الحاكم أنبأنا الأصم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأنا ابن وهب أخبرني عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أن عبد الله بن الفضل حدثه عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أنه قال كان من تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك إله الحق وقد رواه النسائي عن قتيبة عن حميد بن عبد الرحمن عن عبد العزيز بن ابي سلمة وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن عبد العزيز به قال النسائي ولا أعلم أحدا أسنده عن عبد الله ابن الفضل إلا عبد العزيز ورواه اسماعيل بن أمية مرسلا وقال الشافعي أنبأنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج أخبرني حميد الاعرج عن مجاهد أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية لبيك اللهم لبيك فذكر التلبية قال حتى اذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد
فيها لبيك ان العيش عيش الآخرة قال ابن جريج وحسبت أن ذلك يوم عرفة هذا مرسل من هذا الوجه وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا عبد الله الحافظ أخبرني أبو أحمد يوسف بن محمد بن محمد بن يوسف حدثنا محمد بن اسحاق بن خزيمة ثنا نصر بن علي الجهضمي ثنا محبوب بن الحسن ثنا داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات فلما قال لبيك اللهم لبيك قال إنما الخير خير الآخرة وهذا إسناد غريب وإسناده على شرط السنن ولم يخرجوه وقال الامام احمد حدثنا روح ثنا اسامة بن زيد حدثني عبد الله بن ابي لبيد عن المطلب ابن عبد الله بن حنطب سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني جبرائيل برفع الصوت في الاهلال فانه من شعائر الحج تفرد به احمد وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن ابن وهب عن اسامة بن زيد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وعبد الله بن أبي لبيد عن المطلب عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره وقد قال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن ابن أبي لبيد عن المطلب بن حنطب عن خلاد عن السائب عن زيد بن خالد قال جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج وكذا رواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن الثوري به وكذلك رواه شعبة وموسى بن عقبة عن عبد الله بن أبي لبيد به وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا سليمان عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد الجهني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءني جبرائيل فقال يا محمد مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها شعار الحج قال شيخنا أبو الحجاج المزي في كتابه الاطراف وقد رواه معاوية عن هشام وقبيصة عن سفيان الثوري عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب عن خلاد بن السائب عن أبيه عن زيد بن خالد به وقال احمد ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك بن ابي بكر بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب بن خلاد عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبرائيل فقال مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالاهلال وقال أحمد قرأت على عبد الرحمن بن مهدي عن مالك وحدثنا روح ثنا مالك يعني ابن انس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الانصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبرائيل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالاهلال يريد أحدهما وكذلك رواه الشافعي عن مالك ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك به ورواه الامام احمد أيضا من حديث ابن جريج والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة عن عبد الله بن ابي بكر به وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الحافظ البيهقي
ورواه ابن جريج قال كتب الى عبد الله بن أبي بكر فذكره ولم يذكر أبا خلاد في إسناده قال والصحيح رواية مالك وسفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الملك عن خلاد بن السائب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قال البخاري وغيره كذا قال وقد قال الامام احمد في مسنده حدثنا السائب بن خلاد بن سويد أبي سهلة الانصاري ثنا محمد بن بكر أنبأنا ابن جريج وثنا روح ثنا ابن جريج قال كتب الى عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الملك ابن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الانصاري عن أبيه السائب ابن خلاد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أتاني جبرائيل فقال إن الله يأمرك أن تأمر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية والاهلال وقال ورح بالتلبية أو الاهلال قال لا أدري أينا وهل أنا أو عبد الله أو خلاد في الاهلال أو التلبية هذا لفظ احمد في مسنده وكذلك ذكره شيخنا في أطرافه عن ابن جريج كرواية مالك وسفيان بن عيينة فالله أعلم
*2* فصل في ايراد حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حجة رسول الله
@ صلى الله عليه وسلم وهو وحده منسك مستقل رأينا أن إيراده ههنا أنسب لتضمنه التلبية وغيرها كما سلف وما سيأتي فنورد طرقه وألفاظه ثم نتبعه بشواهده من الاحاديث الواردة في معناه وبالله المستعان قال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد ثنا جعفر بن محمد حدثني أبي قال أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة فسألناه عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة تسع سنين لم يحج ثم أذن في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج في هذا العام قال فنزل المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعل ما يفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه حتى اذا أتى ذا الحليفة نفست اسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر فأرسلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع قال اغتسلي ثم استثفري بثوب ثم أهلي فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ولبى الناس والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع فلم يقل لهم شيئا فنظرت مد بصري بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من راكب وماش ومن خلفه كذلك وعن يمينه مثل ذلك وعن شماله مثل ذلك قال جابر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملناه فخرجنا لا ننوي إلا الحج حتى إذا أتينا الكعبة فاستلم نبي الله صلى الله عليه وسلم الحجر الاسود ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة حتى اذا فرغ عمد الى مقام ابراهيم فصلى خلفه
ركعتين ثم قرأ واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى قال احمد وقال أبو عبد الله يعني جعفر فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون ثم استلم الحجر وخرج الى الصفا ثم قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله ثم قال نبدأ بما بدأ الله به فرقي على الصفا حتى اذا نظر الى البيت كبر ثم قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده وصدق وعده وهزم أو غلب الأحزاب وحده ثم دعا ثم رجع الى هذا الكلام ثم نزل حتى اذا انصبت قدماه في الوادي رمل حتى اذا صعد مشى حتى إذا أتى المروة فرقي عليها حتى نظر الى البيت فقال عليها كما قال على الصفا فلما كان السابع عند المروة قال يا أيها الناس إني لو استقبلت من امرئ ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدي فليلل وليجعلها عمرة فحل الناس كلهم فقال سراقة بن مالك بن جعثم وهو في أسفل الوادي يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه فقال للأبد ثلاث مرات ثم قال دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة قال وقدم علي من اليمن بهدي وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه هدي من المدينة هديا فاذا فاطمة قد حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها فقالت أمرني به أبي قال قال علي بالكوفة قال جعفر قال الى هذا الحرف لم يذكره جابر فذهبت محرشا استفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي ذكرت فاطمة قلت إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت وقال أمرني أبي قال صدقت صدقت أنا أمرتها به وقال جابر وقال لعلي بم أهللت قال قلت اللهم إني أهل لما أهل به رسولك قال ومعي الهدي قال فلا تحل قال وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فـأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نحرت ههنا ومني كلها منحر ووقف بعرفة فقال وقفت ههنا وعرفة كلها موقف ووقف بالمزدلفة وقال وقفت ههنا والمزدلفة كلها موقف هكذا أورد الامام احمد هذا الحديث وقد اختصر آخره جدا ورواه الامام مسلم بن الحجاج في المناسك من صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة واسحاق بن ابراهيم كلاهما عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكره وقد أعلمنا على الزيادات المتفاوتة من سياق احمد ومسلم الى قوله عليه السلام لعلي صدقت صدقت ماذا قلت حين فرضت الحج قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسولك صلى الله عليه وسلم قال علي فان معي الهدي قال فلا تحل قال فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة قال فحل الناس كلهم
وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبةله من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل ورباء الجاهليه موضوع وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله واتقوا الله في النساء فانكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهم أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكوهونه فان فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده ان اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت فقال بأصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها الى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصوى الى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص وأردف اسامة بن زيد خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق القصواء الزمام حتى أن رأسها لتصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان واقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا فحمد الله وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن العباس وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما فلما دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت ظعن بجرين فطفق الفضل ينظر اليهن فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل فحول الفضل يده الى الشق الاخر فحول رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى اذا أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع
حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي ثم انصرف الى المنحر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فـأكلا من لحمها وشربا من مرقعها ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يستقون على زمزم فقال أنزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه ثم رواه مسلم عن عمر بن حفص عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فذكره بنحوه وذكر قصة أبي سنان وأنه كان يدفع بأهل الجاهلية على حمار عري وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف ووقفت ههنا وجمع كلها موقف وقد رواه أبو داود بطوله عن النفيلي وعثمان بن ابي شيبة وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة والشيء أربعتهم عن حاتم بن اسماعيل عن جعفر بنحو من رواية مسلم وقد رمزنا لبعض زياداته عليه ورواه أبو داود أيضا والنسائي عن يعقوب بن ابراهيم عن يحيى بن سعيد القطان عن جعفر به ورواه النسائي أيضا عن محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد ببعضه عن ابراهيم بن هارون البلخي عن حاتم بن اسماعيل ببعضه
*2* ذكر الاماكن التي صلى فيها صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب من المدينة الى مكة في عمرته وحجته
@
قال البخاري باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضيع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا محمد ابن أبي بكر المقدمي قال ثنا فضيل بن سليمان قال ثنا موسى بن عقبة قال رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة وحدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يصلي في تلك الأمكنة وسألت سالما فلا أعلمه إلا وافق نافعا في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء قال حدثنا ابراهيم بن المنذر ثنا أنس بن عياض قال ثنا موسى بن عقبة عن نافع أن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة وكان اذا رجع من غزو كان في تلك الطريق أو في حج أو عمرة هبط من بطن واد فاذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرس ثم يصبح ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فدحى السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان
عبد الله يصلي فيه وان عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب الى مكة بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر أو نحو ذلك وان ابن عمر كان يصلي الى العرق الذي عند منصرف الروحاء وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف وأنت ذاهب الى مكة وقد ابتنى ثم مسجد فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه الى العرق نفسه وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر واذا أقبل من مكة فان مر به قبل الصبح بساعة أو آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضى من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها وهي قائمة على ساق في ساقها كثب كثيرة وان عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى طرف تلعة من وراء العرج وأنت ذاهب الى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريق بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشي ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى بينه وبين الطريق قريب من غلوة وكان عبد الله يصلى إلى سرحة هي أقرب السرحات الى الطريق وهى أطوهن وان عبد الله ابن عمر حدثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذى في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب الى مكة ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر وان عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ويبيت حتى يصبح يصلي الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بنى ثم ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة وإن عبد الله حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بنى ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة تفرد به البخاري رحمه الله بهذا الحديث بطوله وسياقه إلا أن مسلما روى منه عند قوله في آخره وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذى طوى الى آخر الحديث عن
محمد بن اسحاق المسيبي عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر فذكره وقد رواه الامام احمد بطوله عن أبي قرة موسى بن طارق عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به نحوه وهذه الأماكن لا يعرف اليوم كثيرا منها أو أكثرها لأنه قد غير أسماء أكثر هذه البقاع اليوم عند هؤلاء الأعراب الذين هناك فان الجهل قد غلب على أكثرهم وانما أوردها البخاري رحمه الله في كتابه لعل أحدا يهتدي اليها بالتأمل والتفرس والتوسم أو لعل أكثرها أو كثيرا منها كان معلوما في زمان البخاري والله تعالى أعلم
*2* باب دخول النبي صلى الله عليه وسلم الى مكة شرفها الله عز وجل
@ قال البخاري حدثنا مسدد ثنا يحيى بن عبد الله حدثني نافع عن ابن عمر قال بات النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى حتى أصبح ثم دخل مكة وكان ابن عمر يفعله ورواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به وزاد حتى صلى الصبح أو قال حتى أصبح وقال مسلم ثنا أبو الربيع الزهراني ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى حتى يصبح ويغتسل ثم يدخل مكة نهارا ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله ورواه البخاري من حديث حماد بن زيد عن أيوب به ولهما من طريق أخرى عن أيوب عن نافع عن ابن عمر كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية ثم يبيت بذي طوى وذكره وتقدم آنفا ما أخرجاه من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت بذي طوى حتى يصبح فيصلي الصبح حين يقدم مكة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أكمة غليظة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة فجعل المسجد الذي بنى ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء يدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ثم يصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة أخرجاه في الصحيحين وحاصل هذا كله أنه عليه السلام لما انتهى في مسيره إلى ذي طوى وهو قريب من مكة متاخم للحرم أمسك عن التلبية لأنه قد وصل الى المقصود وبات بذلك المكان حتى أصبح فصلى هنالك الصبح في المكان الذي وصفوه بين فرضتي الجبل الطويل هنالك ومن تأمل هذه الأماكن المشار اليها بعين البصيرة عرفها معرفة جيدة وتعين له المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اغتسل صلوات الله وسلامه عليه لأجل دخول مكة ثم ركب ودخلها نهارا جهرة علانية من الثنية العليا التي بالبطحاء ويقال كذا ليراه الناس ويشرف عليهم وكذلك دخل منها يوم الفتح كما ذكرناه قال مالك عن نافع عن
ابن عمر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا وخرج من الثنية السفلى أخرجاه في الصحيحين من حديثه ولهما من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من الثنية العليا التي في البطحاء وخرج من الثنية السفلى ولهما أيضا من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثل ذلك ولما وقع بصره عليه السلام على البيت قال ما رواه الشافعي في مسنده أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج أن النبي صلى الله عليه وسلم كان اذا رأى البيت رفع يديه وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من شرفه وكرمه فمن حجه واعتمره تشريفا وتكريما وتعظيما وبرا قال الحافظ البيهقي هذا منقطع وله شاهد مرسل عن سفيان الثوري عن ابي سعيد الشامي عن مكحول قال كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وبرا وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا وقال الشافعي أنبأنا سعيد بن سالم عن ابن جريج قال حدثت عن مقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترفع الأيدي في الصلاة واذا رأى البيت وعلى الصفا والمروة وعشية عرفة وبجمع وعند الجمرتين وعلى الميت قال الحافظ البيهقي وقد رواه محمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وعن نافع عن ابن عمر مرة موقوفا عليهما ومرة مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الميت قال وابن ابي ليلى هذا غير قوي ثم أنه عليه السلام دحل المسجد من باب بني شيبة قال الحافظ البيهقي روينا عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح قال يدخل المحرم من حيث شاء قال ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة وخرج من باب بني مخزوم الى الصفا ثم قال البيهقي وهذا مرسل جيد وقد استدل البيهقي على استحباب دخول المسجد من باب بني شيبة بما رواه من طريق أبي داود الطيالسي ثنا حماد بن سلمة وقيس بن سلام كلهم عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي رضي الله عنه قال لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه وقد ذكرنا هذا مبسوطا في باب بناء الكعبة قبل البعثة وفي الاستدلال على استحباب الدخول من باب بني شيبة بهذا نظر والله أعلم
*2* صفة طوافه صلوات الله وسلامه عليه
@
قال البخاري حدثنا أصبغ بن الفرج عن ابن وهب أخبرني عمرو بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن قال ذكرت لعروة قال أخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه
توضأ ثم طاف ثم لم تكن عمرة ثم حج أبو بكر وعمر مثله ثم حججت مع أبي الزبير فأول شيء بدأ به الطواف ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة فلما مسحوا الركن حلوا هذا لفظه وقد رواه في موضع آخر عن احمد بن عيسى ومسلم عن هارون بن سعيد ثلاثتهم عن ابن وهب به وقولها ثم لم تكن عمرة يدل على أنه عليه السلام لم يتحلل بين النسكين ثم كان أول ما ابتدأ به عليه السلام استلام الحجر الأسود قبل الطواف كما قال جابر حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا وقال البخاري ثنا محمد ابن كثير ثنا سفيان عن الأعمش عن ابراهيم عن عابس بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن أبي نمير جميعا عن أبي معاوية عن الأعمش عن ابراهيم عن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبيد وأبو معاوية قالا حدثنا الأعمش عن ابراهيم بن عابس بن ربيعة قال رأيت عمر أتى الحجر فقال أما والله لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله قبلك ما قبلتك ثم دنا فقبله فهذا السياق يقتضي أنه قال ما قال ثم قبله بعد ذلك بخلاف سياق صاحبي الصحيح فالله أعلم وقال احمد ثنا وكيع ويحيى واللفظ لوكيع عن هشام عن أبيه أن عمر بن الخطاب أتى الحجر فقال إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك وقال ثم قبله وهذا منقطع بين عروة بن الزبير وبين عمر وقال البخاري أيضا ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير أخبرني زيد بن اسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال للركن أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استلمك ما استلمتك فاستلمه ثم قال وما لنا والرمل إنما كنا راءينا به المشركين ولقد أهلكهم الله ثم قال شيء صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نحب أن نتركه وهذا يدل على أن الاستلام تأخر عن القول وقال البخاري ثنا احمد بن سنان ثنا يزيد بن هارون ثنا ورقاء ثنا زيد بن أسلم عن أبيه قال رأيت عمر بن الخطاب قبل الحجر وقال لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وقال مسلم بن الحجاج ثنا حرملة ثنا ابن وهب أخبرني يونس هو ابن يزيد الأيلي وعمرو هو ابن دينار وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن شهاب عن سالم أن أباه حدثه أنه قال قبل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال أما والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك زاد هارون في روايته قال عمرو وحدثني بمثلها زيد بن أسلم عن أبيه أسلم يعني
عن عمر به وهذا صريح في أن التقبيل يقدم على القول فالله أعلم وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر ثم قال قد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك هكذا رواه الامام احمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر قبل الحجر وقال إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ثم قال مسلم ثنا خلف ابن هشام والمقدمي وأبو كامل وقتيبة كلهم عن حماد قال خلف ثنا حماد بن زيد عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس قال رأيت الأصلع يعني عمر يقبل الحجر ويقول والله إني لأقبلك وإني لأعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك وفي رواية المقدمي وأبي كامل رأيت الأصلع وهذا من أفراد مسلم دون البخاري وقد رواه الامام احمد عن أبي معاوية عن عاصم الأحول عن عبد الله بن سرجس به ورواه احمد أيضا عن غندر عن شعبة عن عاصم الأحول به وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن ابراهيم ابن عبد الاعلى عن سويد بن غفلة قال رأيت عمر يقبل الحجر ويقول إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولكني رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيا ثم رواه احمد عن وكيع عن سفيان الثوري به وزاد فقبله والتزمه وهكذا رواه مسلم من حديث عبد الرحمن بن مهدي بلا زيادة ومن حديث وكيع بهذه الزيادة قبل الحجر والتزمه وقال رأيت رسول الله بك حفيا وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عب الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عمر ابن الخطاب أكب على الركن وقال إني لأعلم أنك حجر ولو لم ار حبيبي صلى الله عليه وسلم قبلك واستلمك ما استلمتك ولا قبلتك لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وهذا اسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقال أبو داود الطيالسي ثنا جعفر بن عثمان القرشي من أهل مكة قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه وقال ابن عباس رأيت عمر بن الخطاب قبله وسجد عليه ثم قال عمر لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم قبله ما قبلته وهذا أيضا إسناد حسن ولم يخرجه إلا النسائي عن عمرة بن عثمان عن الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي سفيان عن طاوس عن ابن عباس عن عمر فذكر نحوه وقد روى هذا الحديث عن عمر الامام احمد أيضا من حديث يعلى بن أمية عنه وأبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق هشام بن حشيش بن الأشقر عن عمر وقد أوردنا ذلك كله بطرقه وألفاظه وعزوه وعلله في الكتاب الذي جمعناه في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولله الحمد والمنة وبالجملة فهذا الحديث مروي من طرق
متعددة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي تفيد القطع عند كثر من أئمة هذا الشأن وليس في هذه الروايات أنه عليه السلام سجد على الحجر إلا ما أشعر به رواية أبي داود الطيالسي عن جعفر بن عثمان وليست صريحة في الرفع ولكن رواه الحافظ البيهقي من طريق أبي عاصم النبيل ثنا جعفر بن عبد الله قال رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر وسجد عليه ثم قال رأيت خالك ابن عباس قبله وسجد عليه وقال ابن عباس رأيت عمر قبله وسجد عليه ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هكذا ففعلت وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو الحسن علي بن احمد بن عبدان أنبأنا الطبراني أنبأنا أبو الزنباع ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ثنا يحيى بن يمان ثنا سفيان بن أبي حسين عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد على الحجر قال الطبراني لم يروه عن سفيان إلا يحيى بن يمان وقال البخاري ثنا مسدد ثنا حماد عن الزبير ابن عربي قال سأل رجل ابن عمر عن استلام الحجر قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله قال أرأيت إن زحمت أرأيت إن غلبت قال اجعل أرأيت باليمن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله تفرد به دون مسلم وقال البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال ما تركت استلام هذين الركنين في شدة ولا رخاء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمها فقلت لنافع أكان ابن عمر يمشي بين الركنين قال إنما كان يمشي ليكون أيسر لاستلامه وروى أبو داود والنسائي من حديث يحيى بن سعيد القطان عن عبد العزيز بن ابي رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفه وقال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا ليث عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال لم ار النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة عن الليث بن سعد به وفي رواية عنه أنه قال ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين الشاميين إلا أنهما لم يتمما على قواعد ابراهيم وقال البخاري وقال محمد بن بكر أنبأنا ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء أنه قال ومن يتقي شيئا من البيت وكان معاوية يستلم الاركان فقال له ابن عباس إنه لا يستلم هذان الركنان فقال له ليس من البيت شيء مهجورا وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن انفرد بروايته البخاري رحمه الله تعالى وقال مسلم في صحيحه حدثني أبو الطاهر ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة بن دعامة حدثه أن أبا الطفيل البكري حدثه أنه سمع ابن عباس يقول لم ار رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين انفرد به مسلم فالذي رواه ابن عمر موافق لما قاله ابن عباس أنه لا يستلم الركنان الشاميان لأنهما لم يتمما على قواعد ابراهيم لأن قريشا قصرت بهم النفقة فأخرجوا الحجر من البيت حين بنوه كما تقدم بيانه وود النبي صلى الله عليه وسلم أن لو بناه فتممه على قواعد ابراهيم
ولكن خشي من حداثة عهد الناس بالجاهلية فتنكره قلوبهم فلما كانت إمرة عبد الله بن الزبير هدم الكعبة وبناها على ما أشار اليه صلى الله عليه وسلم كما أخبرته خالته أم المؤمنين عائشة بنت الصديق فان كان ابن الزبير استلم الأركان كلها بعد بنائه إياها على قواعد ابراهيم فحسن جدا وهو والله المظنون به وقال أبو داود ثنا مسدد ثنا يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوافه ورواه النسائي عن محمد بن المثنى عن يحيى وقال النسائي ثنا يعقوب بن ابراهيم الدورقي ثنا يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن عبد الله بن السائب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين الركن اليماني والحجر ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ورواه أبو داود عن مسدد عن عيسى بن يونس عن ابن جريج به وقال الترمذي ثنا محمود بن غيلان ثنا يحيى بن آدم ثنا سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل المسجد فاستلم الحجر ثم مضى على يمينه فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم أتى المقام فقال اتخذوا من مقام ابراهيم مصلى فصلى ركعتين والمقام بينه وبين البيت ثم أتى الحجر بعد الركعتين فاستلمه ثم خرج إلى الصفا أظنه قال إن الصفا والمروة من شعائر الله هذا حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم وهكذا رواه اسحاق بن راهويه عن يحيى بن آدم ورواه الطبراني عن النسائي وغيره عن عبد الاعلى بن واصل عن يحيى بن آدم به
*2* ذكره رمله عليه السلام في طوافه واضطباعه
@
قال البخاري حدثنا أصبغ بن الفرج أخبرني ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أشواط من السبع ورواه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة كلاهما عن ابن وهب به وقال البخاري ثنا محمد بن سلام ثنا شريح بن النعمان ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر قال سعى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة اشواط ومشى أربعة في الحج والعمرة تابعه الليث حدثني كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم انفرد به البخاري وقد روى النسائي عن محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله بن عبد الحكم كلاهما عن شعيب بن الليث عن أبيه الليث بن سعد عن كثير بن فرقد عن نافع عن ابن عمر به وقال البخاري ثنا ابراهيم بن المنذر ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ثنا موسى بن عقبة عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم سعى ثلاثة أطواف ومشى اربعة ثم سجد سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة وقال البخاري ثنا ابراهيم بن المنذر ثنا أنس عن عبيد الله بن عمر عن
نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف ويمشي أربعة وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة ورواه مسلم من حديث عبيد الله بن عمر قال مسلم أنبأنا عبد الله بن عمر بن ابان الجعفي أنبأنا ابن المبارك أنبأنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر الى الحجر ثلاثا ومشى أربعا ثم رواه من حديث سليم بن أخضر عن عبيد الله بنحوه وقال مسلم أيضا حدثني أبو طاهر حدثني عبد الله ابن وهب أخبرني مالك وابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل ثلاثة اشواط من الحجر الى الحجر وقال عمر بن الخطاب فيم الرملان والكشف عن المناكب وقد أطد الله الاسلام ونفى الكفر ومع ذلك لا نترك شيئا كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه احمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث هشام بن سعيد عن زيد بن أسلم عن أبيه عنه وهكذا كله رد على ابن عباس ومن تابعه من أن المرسل ليس بسنة لأن رسول الله إنما فعله لما قدم هو وأصحابه صبيحة رابعة يعني في عمرة القضاء وقال المشركون إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين ولم يمنعهم أن يرملوا الاشواط كلها إلا خشية الابقاء عليهم وهذا ثابت عنه في الصحيحين وتصريحه لعذر سببه في صحيح مسلم أظهر فكان ابن عباس ينكر وقوع الرمل في حجة الوداع وقد صح بالنقل الثابت كما تقدم بل فيه زيادة تكميل الرمل من الحجر الى الحجر ولم يمش ما بين الركنين اليمانيين لزوال تلك العلة المشار اليها وهي الضعف وقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس أنهم رملوا في عمرة الجعرانة واضطبعوا وهو رد عليه فإن عمرة الجعرانة لم يبق في ايامها خوف لأنها بعد الفتح كما تقدم رواه حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت واضطبعوا ووضعوا أرديتهم تحت آباطهم وعلى عواتقهم ورواه أبو داود من حديث حماد بنحوه ومن حديث عبد الله بن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس به فأما الاضطباع في حجة الوداع فقد قال قبيصة والفريابى عن خثيم عن أبى الطفيل عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن يعلى بن أمية عن أمية قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت مضطبعا رواه الترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح وقال أبو داود ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه قال طاف رسول الله مضطبعا برداء أخضر وهكذا رواه الامام احمد عن وكيع عن الثوري عن ابن جريج عن ابن يعلى عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم طاف بالبيت وهو مضطبع ببرد له أخضر
وقال جابر في حديثه المتقدم حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم تقدم الى مقام ابراهيم فقرا واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى فجعل المقام بينه وبين البيت فذكر أنه صلى ركعتين قرأ فيهما قل هو الله أحد وقل يا أيها الكافرون فان قيل فهل كان عليه السلام في هذا الطواف راكبا أو ماشيا فالجواب أنه قد ورد نقلان قد يظن أنهما متعارضان ونحن نذكرهما ونشير إلى التوفيق بينهما ورفع اللبس عند من يتوهم فيهما تعارضا وبالله التوفيق وعليه الاستعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل قال البخاري رحمه الله حدثنا احمد بن صالح ويحيى بن سليمان قالا ثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعيره في حجة الوداع يستلم الركن بمحجن وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن ابن وهب قال البخاري تابعه الدراوردي عن ابن أخي الزهري عن عمه وهذه المتابعة غريبة جدا وقال البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا عبد الوهاب ثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير كلما أتى الركن أشار اليه وقد رواه الترمذي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وعبد الوارث كلاهما عن خالد بن مهران الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فإذا انتهى إلى الركن أشار اليه وقال حسن صحيح ثم قال البخاري ثنا مسدد ثنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير فلما أتى الركن اشار اليه بشيء كان عنده وكبر تابعه ابراهيم بن طهمان عن خالد الحذاء به وروى مسلم عن الحكم بن موسى عن شعيب بن اسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس فهذا إثبات أنه عليه السلام طاف في حجة الوداع على بعير ولكن حجة الوداع كان فيها ثلاثة أطواف الأول طواف القدوم والثاني طواف الافاضة وهو طواف الفرض وكان يوم النحر والثالث طواف الوداع فلعل ركوبه صلى الله عليه وسلم كان في أحد الآخرين أو في كليهما فأما الأول وهو طواف القدوم فكان ماشيا فيه وقد نص الشافعي على هذا كله والله أعلم وأحكم والدليل على ذلك ما قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه السنن الكبير أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو بكر محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى ثنا الفضل بن محمد بن المسيب ثنا نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن محمد بن اسحاق هو ابن يسار رحمه الله عن أبي جعفر وهو محمد بن علي ابن الحسين عن جابر بن عبد الله قال دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى فأتى النبي صلى الله عليه وسلم باب المسجد فأناخ راحلته ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه بالبكاء ثم رمل ثلاثا ومشى
أربعا حتى فرغ فلما فرغ قبل الحجر ووضع يده عليه ومسح بهما وجهه وهذا إسناد جيد فأما ما رواه أبو داود حدثنا مسدد ثنا خالد بن عبد الله ثنا يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته فلما أتى على الركن استلمه بمحجن فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين تفرد به يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف ثم لم يذكر أنه في حجة الوداع ولا ذكر أنه في الطواف الأول من حجة الوداع ولم يذكر ابن عباس في الحديث الصحيح عنه عند مسلم وكذا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب في طوافه لضعفه وإنما ذكر لكثرة الناس وغشيانهم له وكان لا يحب أن يضربوا بين يديه كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله ثم هذا التقبيل الثاني الذي ذكره ابن اسحاق في روايته بعد الطواف وبعد ركعتيه أيضا ثابت في صحيح مسلم من حديث جابر قال فيه بعد ذكر صلاة ركعتي الطواف ثم رجع إلى الركن فاستلمه وقد قال مسلم بن الحاج في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير جميعا عن أبي خالد قال أبو بكر حدثنا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله عن نافع قال رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده قال وما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله فهذا يحتمل أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطوافات أو في آخر استلام فعل هذا لما ذكرنا أو أن ابن عمر لم يصل الى الحجر لضعف كان به أو لئلا يزاحم غيره فيحصل لغيره أذى به وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوالده ما رواه احمد في مسنده حدثنا وكيع ثنا سفيان عن أبي يعفور العبدي قال سمعت شيخا بمكة في إمارة الحجاج يحدث عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عمر إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبله وكبر وهذا إسناد جيد لكن راويه عن عمر مبهم لم يسم والظاهر أنه ثقة جليل فقد رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن أبي يعفور العبدي واسمه وقدان سمعت رجلا من خزاعة حين قتل ابن الزبير وكان أميرا على مكة يقول قال رسول الله لعمر يا أبا حفص إنك رجل قوي فلا تزاحم على الركن فإنك تؤذي الضعيف ولكن إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فكبر وامض قال سفيان بن عيينة هو عبد الرحمن بن الحارث كان الحجاج استعمله عليها منصرفه منها حين قتل ابن الزبير قلت وقد كان عبد الرحمن هذا جليلا نبيلا كبير القدر وكان أحد النفر الأربعة الذين ندبهم عثمان بن عفان في كتابة المصاحف التي نفذها إلى الآفاق ووقع ما فعله الاجماع والاتفاق
* ذكر طوافه صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة
@
روى مسلم في صحيحه عن جابر في حديثه الطويل المتقدم بعد ذكره طوافه عليه السلام بالبيت سبعا وصلاته عند المقام ركعتين قال ثم رجع الى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب الى الصفا فلما
دنا من الصفا قرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك فقال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل حتى اذا انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فرقي عليها حتى نظر الى البيت فقال عليها كما قال على الصفا وقال الامام احمد ثنا عمر ابن هارون البلخي أبو حفص ثنا ابن جريج عن بعض بني يعلى بن أمية عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مضطبعا بين الصفا والمروة ببرد له نجراني وقال الامام احمد ثنا يونس ثنا عبد الله بن المؤمل عن عمر بن عبد الرحمن ثنا عطية عن حبيبة بنت أبي تجزأة قالت دخلت دار حصين في نسوة من قريش والنبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة قالت وهو يسعى يدور به إزاره من شدة السعي وهو يقول لأصحابه اسعوا إن الله كتب عليكم السعي وقال احمد أيضا ثنا شريح ثنا عبد الله ابن المؤمل ثنا عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت أبي تجزأة قالت رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يكور به إزاره وهو يقول اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي تفرد به أحمد وقد رواه احمد أيضا عن عبد الرزاق عن معمر عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة قول كتب عليكم السعي فاسعوا وهذه المرأة هي حبيبة بنت أبي تجزأة المصرح بذكرها في الاسنادين الأولين وعن أم ولد شيبة بن عثمان أنها أبصرت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول لا يقطع الأبطح الأسدا رواه النسائي والمراد بالسعي هاهنا هو الذهاب من الصفا الى اولمروة ومنها اليها وليس المراد بالسعي ههنا الهرولة والاسراع فإن الله لم يكتبه علينا حتما بل لو مشى الانسان على هينة في السبع الطوافات بينهما ولم يرمل في المسيل أجزأه ذلك عند جماعة العلماء لا نعرف بينهم اختلافا في ذلك وقد نقله الترمذي رحمه الله عن أهل العلم ثم قال ثنا يوسف بن عيسى ثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن كثير بن جهمان قال رأيت ابن عمر يمشي في المسعى فقلت فقلت أتمشي في السعي بين الصفا والمروة فقال لئن سعيت فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى ولئن مشيت لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا شيخ كبير ثم قال هذا حديث حسن صحيح وقد روى سعيد ابن جبير عن ابن عباس نحو هذا وقد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عطاء بن السائب عن كثير بن جهمان السلمي الكوفي عن ابن عمر فقول ابن عمر إنه شاهد الحالين منه صلى الله عليه وسلم
يحتمل شيئين أحدهما أنه رآه يسعى في وقت ماشيا لم يمزجه برمل فيه بالكلية والثاني أنه رآه يسعى في بعض الطريق ويمشي في بعضه وهذا له قوة لأنه قد روى البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل اذا طاف بين الصفا والمروة وتقدم في حديث جابر أنه عليه السلام نزل من الصفا فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة وهذا هو الذي تستحبه العلماء قاطبة أن الساعي بين الصفا والمروة وتقدم في حديث جابر يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوافه في بطن المسيل الذي بينهما وحددوا ذلك بما بين الأميال الخضر فواحد مفرد من ناحية الصفا مما يلي المسجد واثنان مجتمعان من ناحية المروة مما يلي المسجد ايضا وقال بعض العلماء ما بين هذه الأميال اليوم أوسع من بطن المسيل الذي رمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم وأما قول محمد بن حزم في الكتاب الذي جمعه في حجة الوداع ثم خرج عليه السلام إلى الصفا فقرأ إن الصفا والمروة من شعائر الله أبدأ بما بدأ الله به فطاف بين الصفا والمروة أيضا سبعا راكبا على بعير يخب ثلاثا ويمشي أربعا فانه لم يتابع على هذا القول ولم يتفوه به أحد قبله من أنه عليه السلام خب ثلاثة اشواط بين الصفا والمروة ومشى اربعا ثم مع هذا الغلط الفاحش لم يذكر عليه دليلا بالكلية بل لما انتهى إلى موضع الاستدلال عليه قال ولم نجد عدد الرمل بين الصفا والمروة منصوصا ولكنه متفق عليه هذا لفظه فان أراد بأن الرمل في الثلاث التطوافات الاول على ما ذكر متفق عليه فليس بصحيح بل لم يقله أحد وان اراد أن الرمل في الثلاث الاول في الجملة متفق عليه فلا يجدي له شيئا ولا يحصل له شيئا مقصودا فانهم كما اتفقوا على الرمل في الثلاث الاول في بعضها على ما ذكرناه كذلك اتفقوا على استحبابه في الأربع الاخر ايضا فتخصيص ابن حزم الثلاث الأول باستحباب الرمل فيها مخالف لما ذكره العلماء والله اعلم وأما قول ابن حزم انه عليه السلام كان راكبا بين الصفا والمروة فقد تقدم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسعى بطن المسيل اخرجاه وللترمذي عنه إن أسعى فقد رأيت رسول الله يسعى وإن مشيت فقد رأيت رسول الله يمشي وقال جابر فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى اذا صعد مشى رواه مسلم وقالت حبيبة بنت أبي مجزأة يسعى يدور به ازاره من شدة الشعي رواه احمد وفي صحيح مسلم عن جابر كما تقدم أنه رقي على الصفا حتى رأى البيت وكذلك على المروة وقد قدمنا من حديث محمد بن اسحاق عن أبي جعفر الباقر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بعيره على باب المسجد يعني حتى طاف ثم لم يذكر أنه ركبه حال ما خرج الى الصفا وهذا كله مما يقتضي أنه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة ماشيا ولكن قال مسلم ثنا عبد بن حميد ثنا محمد يعني ابن بكر انا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول طاف
النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة على بعير ليراه الناس وليشرف وليسألوه فان الناس غشوه ولم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة الا طوافا واحدا ورواه مسلم أيضا عن ابي بكر بن ابي شيبة عن علي بن مسهر وعن علي بن خشرم عن عيسى بن يونس وعن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد كلهم عن ابن جريج به وليس في بعضها وبين الصفا والمروة وقد رواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن يحيى بن سعيد القطان عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول طاف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى وعن عمران بن يزيد عن سعيد بن اسحاق كلاهما عن ابن جريج به فهذا محفوظ من حديث ابن جريج وهو مشكل جدا لأن بقية الروايات عن جابر وغيره تدل على أنه عليه السلام كان ماشيا بين الصفا والمروة وقد تكون رواية أبي الزبير لهذه الزيادة وهي قوله وبين الصفا والمروة مقحمة أو مدرجة ممن بعد الصحابي والله أعلم أو أنه عليه السلام طاف بين الصفا والمروة بعض الطوفان على قدميه وشوهد منه ما ذكر فلما ازدحم الناس عليه وكثروا ركب كما يدل عليه حديث ابن عباس الآتي قريبا وقد سلم ابن حزم أن طوافه الأول بالبيت كان ماشيا وحمل ركوبه في الطواف على ما بعد ذلك وادعى أنه كان راكبا في السعي بين الصفا والمروة قال لأنه لم يطف بينهما الا مرة واحدة ثم تأول قول جابر حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل بأنه لم يصدق ذلك وان كان راكبا فانه اذا انصب بعيره فقد انصب كله وانصبت قدماه مع سائر جسده قال وكذلك ذكر الرمل يعني به رمل الدابة براكبها وهذا التأويل بعيد جدا والله أعلم وقال أبو داود ثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد أنبأنا أبو عاصم الغنوي عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمل بالبيت وأن ذلك من سنته قال صدقوا وكذبوا فقلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا رمل رسول الله وكذبوا ليس بسنة ان قريشا قالت زمن الحديبية دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف فلما صالحوه على أن يحجوا العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة ايام فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركون من قبل قعيقعان فقال رسول الله لأصحابه ارملوا بالبيت ثلاثا وليس بسنة قالت يزعم قومك أن رسول الله طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سنة قال صدقوا وكذبوا قلت ما صدقوا وما كذبوا قال صدقوا قد طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة على بعير وكذبوا ليست بسنة كان الناس لا يدفعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصرفون عنه فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه ولا تناله أيديهم هكذا رواه أبو داود وقد رواه مسلم عن ابي كامل عن عبد الواحد بن زياد عن الجريري عن ابي الطفيل عن ابن عباس فذكر فضل الطواف بالبيت بنحو ما تقدم ثم قال قلت لابن عباس
أخبرني عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا أسنة هو فإن قومك يزعمون أنه سنة قال صدقوا وكذبوا قلت فما قولك صدقوا وكذبوا قال إن رسول الله كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت وكان رسول الله لا يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه الناس ركب قال ابن عباس والمشي والسعي أفضل هذا لفظ مسلم وهو يقتضي أنه إنما ركب في اثناء الحال وبه يحصل الجمع بين الأحاديث والله اعلم وأما ما رواه مسلم في صحيحه حيث قال ثنا محمد بن رافع ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير عن عبد الملك بن سعيد عن أبي الطفيل قال قلت لابن عباس أراني قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فصفه لي قلت رأيته عند المروة على ناقة وقد كثر الناس عليه فقال ابن عباس ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا لا يضربون عنه ولا يكرهون فقد تفرد به مسلم وليس فيه دلالة على انه عليه السلام سعى بين الصفا والمروة راكبا إذا لم يقيد ذلك بحجة الوداع ولا غيرها وبتقدير أن يكون ذلك في حجة الوداع فمن الجائز أنه عليه السلام بعد فراغه من السعي وجلوسه على المروة وخطبته الناس وأمره إياهم من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى العمرة فحل الناس كلهم إلا من ساق الهدي كما تقدم في حديث جابر ثم بعد هذا كله أتى بناقته فركبها وسار الى منزله بالأبطح كما سنذكره قريبا وحينئذ رآه أبو الطفيل عامر بن واثلة البكري وهو معدود في صغار الصحابة قلت قد ذهب طائفة من العراقيين كأبي حنيفة وأصحابه والثوري الى أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين وهو مروي عن علي وابن مسعود ومجاهد والشعبي ولهم أن يحتجوا بحديث جابر الطويل ودلالة على أنه سعى بين الصفا والمروة ماشيا وحديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سعى بينهما راكبا على تعداد الطواف بينهما مرة ماشيا ومرة راكبا وقد روى سعيد بن منصور في سند عن علي رضي الله عنه أنه أهل بحجة وعمرة فلما قدم مكة طاف بالبيت وبالصفا والمروة لعمرته ثم عاد فطاف بالبيت وبالصفا والمروة لحجته ثم اقام حراما الى يوم النحر هذا لفظه ورواه أبو ذر الهروي في مناسكه عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل وكذلك رواه البيهقي والدارقطني والنسائي في خصائص علي فقال البيهقي في سننه أنبانا أبو بكر بن الحارث الفقيه أنبأنا علي بن عمر الحافظ أنبانا أبو محمد بن صاعد ثنا محمد بن زنبور ثنا فضيل بن عياض عن منصور عن ابراهيم عن مالك بن الحارث أو منصور عن مالك بن الحارث عن أبي نصر قال لقيت عليا وقد أهللت بالحج وأهل هو بالحج والعمرة فقلت هل أستطيع أن أفعل كما فعلت قال ذلك لو كنت بدأت بالعمرة قلت كيف أفعل إذا أردت ذلك قال تأخذ إداوة من ماء فتفيضها عليك ثم تهل بهما جميعا ثم تطوف لهما طوافين وتسعى لهما سعيين ولا يحل لك حرام دون يوم النحر قال منصور فذكرت ذلك لمجاهد قال ما كنا نفيء إلا بطواف واحد فأما الآن
فلا نفعل قال الحافظ البيهقي وقد رواه سفيان بن عيينة وسفيان الثوري وشعبة عن منصور فلم يذكر فيه السعي قال وأبو نصر هذا مجهول وإن صح فيحتمل أنه أراد طواف القدوم وطواف الزيارة قال وقد روى بأسانيد أخر عن علي مرفوعا وموقوفا ومدارها على الحسن بن عمارة وحفص ابن أبي داود وعيسى بن عبد الله وحماد بن عبد الرحمن وكلهم ضعيف لا يحتج بشيء مما رووه في ذلك والله أعلم قلت والمنقول في الأحاديث الصحاح خلاف ذلك فقد قدمنا عن ابن عمر في صحيح البخاري أنه أهل بعمرة وأدخل عليها الحج فصار قارنا وطاف لهما طوافا واحدا بين الحج والعمرة وقال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى الترمذي وابن ماجه والبيهقي من حديث الدراوردي عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بين الحج والعمرة طاف لهما طوافا واحدا وسعى لهما سعيا واحدا قال الترمذي وهذا حديث حسن غريب قلت اسناده على شرط مسلم وهكذا جرى لعائشة أم المؤمنين فإنها كانت ممن أهل بعمرة لعدم سوق الهدي معها فلما حاضت أمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتهل بحج مع عمرتها فصارت قارنة فلما رجعوا من منى طلبت أن يعمرها بعد الحج فأعمرها تطييبا لقلبها كما جاء مصرحا به في الحديث وقد قال الامام أبو عبد الله الشافعي أنبأنا مسلم هو ابن خالد الزنجي عن ابن جريج عن عطاء أن رسول الله قال لعائشة طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك وهذا ظاهره الارسال وهو مسند في المعنى بدليل ما قال الشافعي أيضا أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الشافعي وربما قال سفيان عن عطاء عن عائشة وربما قال عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة فذكره قال الحافظ البيهقي ورواه ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة موصولا وقد رواه مسلم من حديث وهيب عن ابن طاوس عن ابن عباس عن أبيه عن عائشة بمثله وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول دخل رسول الله على عائشة وهي تبكي فقال مالك تبكين قالت أبكي إن الناس حلوا ولم أحل وطافوا بالبيت ولم أطف وهذا الحج قد حضر قال إن هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي وأهلي بحج قالت ففعلت ذلك فلما طهرت قال طوفي بالبيت وبين الصفا والمروة ثم قد حللت من حجك وعمرتك قالت يا رسول الله اني أجد في نفسي من عمرتي أني لم أكن طفت حتى حججت قال اذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم وله من حديث ابن جريج أيضا أخبرني أبو الزبير سمعت جابرا قال لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا وعند أصحاب أبي حنيفة رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين ساقوا الهدي كانوا قد قرنوا بين الحج والعمرة كما دل عليه الأحاديث المتقدمة والله أعلم وقال الشافعي أنبأنا ابراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي قال في القارن يطوف طوافين
ويسعى سعيين قال الشافعي وقال بعض الناس طوافان وسعيان واحتج فيه برواية ضعيفة عن علي قال جعفر يروى عن علي قولنا رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن قال أبو داود ثنا هارون بن عبد الله ومحمد بن رافع قالا ثنا أبو عاصم عن معروف يعني ابن خربوذ المكي حدثنا أبو الطفيل قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت على راحلته يستلم الركن اليماني بمحجن ثم يقبله زاد محمد بن رافع ثم خرج الى الصفا والمروة فطاف سبعا على راحلته وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي داود الطيالسي عن معروف بن خربوذ به دون الزيادة التي ذكرها محمد بن رافع وكذلك رواه عبيد الله بن موسى عن معروف بدونها ورواه الحافظ البيهقي عن أبي سعيد بن ابي عمرو عن الاصم عن يحيى بن أبي طالب عن يزيد بن أبي حكيم عن يزيد بن مالك عن أبي الطفيل بدونها فالله أعلم وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن الحسن وأبو زكريا بن أبي اسحاق قالا ثنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم ثنا أحمد بن حازم أنبأنا عبيد الله بن موسى وجعفر بن عون قالا أنبأنا أيمن بن نابل عن قدامة بن عبد الله ابن عمار قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك وقال البيهقي كذا قالا وقد رواه جماعة غير أيمن فقالوا يرمي الجمرة يوم النحر قال ويحتمل أن يكونا صحيحين قلت رواه الإمام أحمد في مسنده عن وكيع وقران بن تمام وأبي قرة موسى بن طارف قاضي أهل اليمن وأبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري ومعتمر بن سليمان عن ايمن بن نابل الحبشي أبي عمران المكي نزيل عسقلان مولى أبي بكر الصديق وهو ثقة جليل من رجال البخاري عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة يوم النحر من بطن الوادي على ناقة صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك وهكذا رواه الترمذي عن احمد بن منيع عن مروان بن معاوية وأخرجه النسائي عن اسحاق بن راهويه وابن ماجه عن ابي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن وكيع كلاهما عن أيمن بن نابل عن قدامة كما رواه الامام احمد وقال الترمذي حسن صحيح
*2* فصل ( من لم يسق معه هدي فليحل ويجعلها عمرة ) .
@ قال جابر في حديثه حتى إذا كان آخر طوافه عند المروة قال إني لو استقبلت عن أمرى ما استدبرت لم اسق الهدي رواه مسلم ففيه دلالة على من ذهب الى أن السعي بين الصفا والمروة أربعة عشر كل ذهاب وإياب يحسب مرة قاله جماعة من أكابر الشافعية وهذا الحديث رد عليهم لأن آخر الطواف عن قولهم يكون عند الصفا لا عند المروة ولهذا قال أحمد في روايته في حديث جابر فما كان السابع عند المروة قال أيها الناس إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن لم يكن معه هدي فليحل ويجعلها عمرة فحل الناس كلهم وقال مسلم فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي
*2* فصل ( قول بعض الصحابة فيمن لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة ) .
@ روى أمره عليه السلام لمن لم يسق الهدي بفسخ الحج الى العمرة خلق من الصحابة يطول ذكرنا لهم هاهنا وموضع سرد ذلك كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي كان ذلك من خصائص الصحابة ثم نسخ جواز الفسخ لغيرهم وتمسكوا بقول أبي ذر رضي الله عنه لم يكن فسخ الحج الى العمرة إلا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وأما الامام احمد فرد ذلك وقال قد رواه أحد عشر صحابيا فأين تقع هذه الرواية من ذلك وذهب رحمه الله الى جواز الفسخ لغير الصحابة وقال ابن عباس رضي الله عنهما بوجوب الفسخ على كل من لم يسق الهدي بل عنده أنه يحل شرعا اذا طاف بالبيت ولم يكن ساق هديا صار حلالا بمجرد ذلك وليس عنه النسك إلا القران لمن ساق الهدي أو التمتع لمن لم يسق فالله أعلم قال البخاري ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن عبد الملك بن جريج عن عطاء عن جابر وعن طاوس عن ابن عباس قالا قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبح رابعة من ذي الحجة يهلون بالحج لا يخلطه شيء فلما قدمنا أمرنا فجعلناها عمرة وأن نحل الى نسائنا ففشت تلك المقالة قال عطاء قال جابر فيروح أحدنا الى منى وذكره يقطر منيا قال جابر بكفه فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال بلغني أن قوما يقولون كذا وكذا والله لأنا أبر وأتقى لله منهم ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت فقام سراقة بن جعشم فقال يا رسول الله هي لنا أو للأبد فقال بل للأبد قال مسلم ثنا قتيبة ثنا الليث هو ابن سعد سعد عن أبي الزبير عن جابر أنه قال أقبلنا مهلين مع رسول الله بحج مفرد وأقبلت عائشة بعمرة حتى اذا كنا بسرف عركت حتى اذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدي قال فقلنا حل ماذا قال الحل كله فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثيابا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال فهذان الحديثان فيهما التصريح بأنه عليه السلام قدم مكة عام حجة الوداع ليصبح رابعة ذي الحجة وذلك يوم الأحد حين ارتفع النهار وقت الضحاء لأن أول ذي الحجة تلك السنة كان يوم الخميس بلا خلاف لأن يوم عرفة منه كان يوم الجمعة بنص حديث عمر بن الخطاب الثابت في الصحيحين كما سيأتي فلما قدم عليه السلام يوم الاحد رابع الشهر بدأ كما ذكرنا بالطواف بالبيت ثم بالسعي بين الصفا والمروة فلما انتهى طوافه بينهما عند المروة أمر من لم يكن معه هدي أن يحل من احرامه حتما فوجب ذلك عليهم لا محالة ففعلوه وبعضهم متأسف لأجل أنه عليه السلام لم يحل من احرامه لأجل سوقه الهدي وكانوا يحبون موافقته عليه السلام والتأسي به فلما رأى ما عندهم من ذلك قال لهم لو استقبلت من
أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة أي لو أعلم أن هذا ليشق عليكم لكنت تركت سوق الهدي حتى أحل كما أحللتم ومن هاهنا تتضح الدلالة على أفضلية التمتع كما ذهب اليه الامام احمد أخذا من هذا فإنه قال لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا ولكن التمتع أفضل لتأسفه عليه وجوابه أنه عليه السلام لم يتاسف على التمتع لكونه أفضل من القران في حق من ساق الهدي وإنما تأسف عليه لئلا يشق على أصحابه في بقائه على احرامه وأمره لهم بالاحلال ولهذا والله أعلم لما تأمل الامام احمد هذا السر نص في رواية أخرى عنه على أن التمتع أفضل في حق من لم يسق الهدي لأمره عليه السلام من لم يسق الهدي من أصحابه بالتمتع وأن القران أفضل في حق من ساق الهدي كما اختار الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في حجة الوداع وأمره له بذلك كما تقدم والله أعلم
*2* فصل ( نزول النبي عليه السلام بالأبطح شرقي مكة ) .
@ ثم سار صلوات الله وسلامه عليه بعد فراغه من طوافه بين الصفا والمروة وأمره بالفسخ لمن لم يسق الهدي والناس معه حتى نزل بالأبطح شرقي مكة فاقام هنالك بقية يوم الأحد ويوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء حتى صلى الصبح من يوم الخميس كل ذلك يصلي بأصحابه هنالك ولم يعد الى الكعبة من تلك الأيام كلها قال البخاري باب من لم يقرب الكعبة ولم يطف حتى يخرج الى عرفة ويرجع بعد الطواف الأول حدثنا محمد بن أبي بكر ثنا فضيل بن سليمان ثنا موسى بن عقبة قال أخبرني كريب عن عبد الله بن عباس قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة فطاف سبعا وسعى بين الصفا والمروة ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة انفرد به البخاري
*2* فصل ( قدوم رسول الله منيخ بالبطحاء خارج مكة ) .
@ وقدم في هذا الوقت ورسول الله صلى الله عليه وسلم منيخ بالبطحاء خارج مكة علي من اليمن وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعثه كما قدمنا الى اليمن أميرا بعد خالد بن الوليد رضي الله عنهما فلما قدم وجد زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حلت كما حل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لم يسوقوا الهدي واكتحلت ولبست ثيابا صبيغا فقال من أمرك بهذا قالت أبي فذهب محرشا عليها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم فاخبره أنه حلت ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت وزعمت أنك أمرتها بذلك يا رسول الله فقال صدقت صدقت صدقت ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بم أهللت حين أوجبت الحج قال باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال فان معي الهدي فلا تحل فكان جماعة الهدي الذي جاء به علي من اليمن والذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة واشتراه في الطريق مائة من الابل واشتركا في
الهدي جميعا وقد تقدم هذا كله في صحيح مسلم رحمه الله وهذا التقرير يرد الرواية التي ذكرها الحافظ أبو القاسم الطبراني رحمه الله من حديث عكرمة عن ابن عباس أن عليا تلقى النبي صلى الله عليه وسلم الى الجحفة والله أعلم وكان أبو موسى في جملة من قدم مع علي ولكنه لم يسق هديا فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحل بعد ما صاف للعمرة وسعى ففسخ حجه الى العمرة وصار متمتعا فكان يفتي بذلك في أثناء خلافة عمر بن الخطاب فلما راى عمر بن الخطاب أن يفرد الحج عن العمرة ترك فتياه مهابة لأمير المؤمنين عمر رضي الله ع عنه وأرضاه وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه هاهنا وهاهنا وأصبعاه في أذنه قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء أراها من أدم قال فخرج بلال بين يديه بالعنزة فركزها فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الرزاق وسمعته بمكة قال بالبطحاء يمر بين يديه الكلب والمرأة والحمار وعليه حلة حمراء كأني أنظر الى بريق ساقيه قال سفيان نراها حبرة وقال احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء فخرج بلال بفضل وضوئه فمن ناضح ونائل قال فأذن بلال فكنت أتتبع فاه هكذا وهكذا يعني يمينا وشمالا قال ثم ركزت له عنزة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء وكأني أنظر الى بريق ساقيه فصلى بنا الى عنزة الظهر أو العصر ركعتين والعصر ركعتين تمر المرأة والكلب والحمار لا يمنع ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى أتى المدينة وقال مرة فصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وقال احمد ايضا ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة الى البطحاء فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة وزاد فيه عون عن أبيه عن أبي جحيفة وكان يمر من ورائنا الحمار والمرأة قال حجاج في الحديث ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت يده فوضعتها على وجهي فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة بتمامه
*2* فصل ( صلاته صلى الله عليه وسلم بالأبطح الصبح وهو يوم التروية ) .
@ فاقام عليه السلام بالأبطح كما قدمنا يوم الأحد ويوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وقد حل الناس إلا من ساق الهدي وقدم في هذه الايام علي بن ابي طالب من اليمن بمن معه من المسلمين وما معه من الأموال ولم يعد عليه السلام إلى الكعبة بعد ما طاف بها فلما أصبح عليه السلام يوم الخميس صلى بالأبطح الصبح من يومئذ وهو يوم التروية ويقال له يوم منى لأنه يسار
فيه اليها وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب قبل هذا اليوم ويقال للذي قبله فيما رأيته في بعض التعاليق يوم الزينة لأنه يزين فيه البدن بالجلال ونحوها فالله أعلم قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا احمد بن محمد بن جعفر الجلودي ثنا محمد بن اسماعيل بن مهران ثنا محمد بن يوسف ثنا أبو قرة عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا خطب يوم التروية خطب الناس فأخبرهم بمناسكهم فركب عليه السلام قاصدا الى منى قبل الزوال وقيل بعده وأحرم الذين كانوا قد حلوا بالحج من الأبطح حين توجهوا الى منى وانبعثت رواحلهم نحوها قال عبد الملك عن عطاء عن جابر بن عبد الله قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحللنا حتى كان يوم التروية وجعلنا مكة منا يظهر لبينا بالحج ذكره البخاري تعليقا مجزوما وقال مسلم ثنا محمد بن حاتم ثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا الى منى قال وأهللنا من الأبطح وقال عبيد بن جريج لابن عمر رأيتك اذا كنت بمكة أهل الناس اذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى يوم التروية فقال لم ار النبي صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته رواه البخاري في جملة حديث طويل قال البخاري وسئل عطاء عن المجاوز منى يلبي بالحج فقال كان ابن عمر يلبي يوم التروية اذا صلى الظهر واستوى على راحلته قلت هكذا كان ابن عمر يصنع اذا حج معتمرا يحل من العمرة فاذا كان يوم التروية لا يلبي حتى تنبعث به راحلته متوجها الى منى كما أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة بعد ما صلى الظهر وانبعثت به راحلته لكن يوم التروية لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالأبطح وإنما صلاها يومئذ بمنى وهذا مما لا نزاع فيه قال البخاري باب أين يصل الظهر يوم التروية حدثنا عبد الله بن محمد ثنا اسحاق الأزرق ثنا سفيان عن عبد العزيز بن رفيع قال سألت أنس بن مالك قال قلت أخبرني بشيء علقت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر والعصر يوم التروية قال بمنى قلت فأين صلى العصر يوم النفر قال بالأبطح ثم قال افعل كما يفعل أمراؤك وقد اخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن اسحاق بن يوسف الأزرق عن سفيان الثورى به وكذلك رواه الامام احمد عن اسحاق بن يوسف الأزرق به وقال الترمذي حسن صحيح يستغرب من حديث الأزرق عن الثوري ثم قال البخاري علي سمع أبا بكر بن عياش ثنا عبد العزيز بن رفيع قال لقيت أنس بن مالك وحدثنى اسماعيل بن أبان ثنا أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز قال خرجت الى منى يوم التروية فلقيت أنسا ذاهبا على حمار فقلت أين صلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا اليوم الظهر فقال انظر حيث صلى أمراؤك فصلى وقال احمد ثنا أسود بن عامر ثنا أبو كدينة عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خمس صلوات بمنى وقال
احمد أيضا حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو محياة يحيى بن يعلى التيمي عن الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم التروية بمنى وصلى الغداة يوم عرفة بها وقد رواه أبو داود عن زهير بن حرب عن أحوص عن جواب عن عمار بن رزيق عن سليمان بن مهران الاعمش به ولفظه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر يوم التروية والفجر يوم عرفة بمنى وأخرجه الترمذي عن الأشج عن عبد الله بن الأجلح عن الأعمش بمعناه وقال ليس هذا مما عده شعبة فيما سمعه الحكم عن مقسم وقال الترمذي ثنا أبو سعيد الأشج ثنا عبد الله بن الأجلح عن اسماعيل بن مسلم عن عطاء عن ابن عباس قال صلى بنا رسول الله بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم غدا الى عرفات ثم قال واسماعيل بن مسلم قد تكلم فيه وفي الباب عن عبد الله بن الزبير وأنس ابن مالك وقال الامام احمد عمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه راح الى منى يوم التروية والى جانبه بلال بيده عود عليه ثوب يظلل به رسول الله صلى الله عليه وسلم
يعني من الحر تفرد به احمد وقد نص الشافعي على أنه عليه السلام ركب من الأبطح الى منى بعد الزوال ولكنه إنما صلى الظهر بمنى فقد يستدل له بهذا الحديث والله أعلم وتقدم في حديث جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر قال فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدي فلما كان يوم التروية توجهوا الى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى اذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم اضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله واتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها الى السماء وينكتها على الناس اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات وقال أبو عبد الرحمن النسائي أنبأنا علي بن
حجر عن مغيرة عن موسى بن زياد بن حذيم بن عمرو السعدي عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع اعلموا أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا كحرمة شهركم هذا كحرمة بلدكم هذا وقال أبو داود باب الخطبة على المنبر بعرفة حدثنا هناد عن ابن أبي زائدة ثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم عن رجل من بني ضمرة عن أبيه عن عمه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر بعرفة وهذا الاسناد ضعيف لأن فيه رجلا مبهما ثم تقدم في حديث جابر الطويل أنه عليه السلام خطب على ناقته القصواء ثم قال أبو داود ثنا مسدد ثنا عبد الله بن داود عن سلمة بن نبيط عن رجل من الحي عن أبيه نبيط أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على بعير أحمر يخطب وهذا فيه مبهم أيضا ولكن حديث جابر شاهد له ثم قال أبو داود حدثنا هناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة قالا ثنا وكيع عن عبد المجيد بن أبي عمرو قال حدثني العداء بن خالد بن هوذة وقال هناد عن عبد المجيد حدثني خالد بن العداء بن هوذة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائما في الركابين قال أبو داود رواه ابن العلاء عن وكيع كما قال هناد وحدثنا عباس بن عبد العظيم ثنا عثمان بن عمر ثنا عبد المجيد أبو عمرو عن العداء بن خالد بمعناه وفي الصحيحين عن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات من لم يجد نعلين فليلبس الخفين ومن لم يجد إزارا فليلبس السراويل للمحرم وقال محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله وهو بعرفة ربيعة بن أمية بن خلف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي شهر هذا فيقولون الشهر الحرام فيقول قل لهم إن الله قد حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ثم يقول قل أيها الناس إن رسول الله يقول هل تدرون أي بلد هذا وذكر تمام الحديث وقال محمد بن اسحاق حدثني ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة قال بعثني عتاب بن أسيد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة في حاجة فبلغته ثم وقفت تحت ناقته وإن لعابها ليقع على رأسي فسمعته يقول أيها الناس إن الله أدى الى كل ذي حق حقه وإنه لا يجوز وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ومن أدعى الى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله له صرفا ولا عدلا ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة به وقال الترمذي حسن صحيح قلت وفيه اختلاف على قتادة والله أعلم وسنذكر الخطبة التي خطبها عليه السلام بعد هذه الخطبة يوم النحر وما فيها من الحكم والمواعظ والتفاصيل والآداب النبوية إن شاء الله قال البخاري باب

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:44 AM
التلبية والتكبير اذا غدا من منى الى عرفة حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن محمد بن أبي بكر الثقفي أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى الى عرفة كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه وأخرجه مسلم من حديث مالك وموسى بن عقبة كلاهما عن محمد بن أبي بكر بن عوف بن رباح الثقفي الحجازي عن أنس به وقال البخاري ثنا عبد الله بن مسلمة ثنا مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الملك بن مروان كتب الى الحجاج بن يوسف أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر وأنا معه حين زاغت الشمس أو زالت الشمس فصاح عند فسطاطه أين هذا فخرج اليه فقال ابن عمر الرواح فقال الآن قال نعم فقال أنظرني حتى أفيض علي ماء فنزل ابن عمر حتى خرج فسار بيني وبين أبي فقلت إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم فأقصر الخطبة وعجل الوقوف فقال ابن عمر صدق ورواه البخاري أيضا عن القعنبي عن مالك وأخرجه النسائي من حديث أشهب وابن وهب عن مالك ثم قال البخاري بعد روايته هذا الحديث وقال الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن سالم أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله كيف تصنع في هذا الموقف فقال إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة يوم عرفة فقال ابن عمر صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنة فقلت لسالم افعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هل تبتغون بذلك إلا سنة وقال أبو داود ثنا احمد بن حنبل ثنا يعقوب ثنا أبي عوف عن ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غدا من منى حين صلى الصبح صبيحة يوم عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الامام الذي ينزل به بعرفة حتى اذا كان عند صلاة الظهر راح رسول الله صلى الله عليه وسلم مهجرا فجمع بين الظهر والعصر وهكذا ذكر جابر في حديثه بعد ما أورد الخطبة المتقدمة قال ثم أذن بلال ثم اقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا وهذا يقتضي أنه عليه السلام خطب أولا ثم أقيمت الصلاة ولم يتعرض للخطبة الثانية وقد قال الشافعي أنبأنا ابراهيم بن محمد وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه وعن جابر في حجة الوداع قال فراح النبي صلى الله عليه وسلم الى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الاولى ثم أذن بلال ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان ثم اقام بلال فصلى الظهر ثم اقام فصلى العصر قال البيهقي تفرد به ابراهيم ابن محمد بن أبي يحيى قال مسلم عن جابر ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء الى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة وقال البخاري ثنا يحيى ابن سليمان عن ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير عن كريب عن ميمونة أن الناس شكوا في صيام النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت اليه بحلاب وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون
وأخرجه مسلم عن هارون بن سعيد الايلي عن ابن وهب به وقال البخاري أنبأنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عمير مولى ابن عباس عن أم الفضل بنت الحارث أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال بعضهم ليس بصائم فأرسلت اليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه ورواه مسلم من حديث مالك أيضا وأخرجاه من طرق أخر عن أبي النضر به قلت أم الفضل هي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين وقصتهما واحدة والله أعلم وصح اسناد الارسال اليها لأنه من عندها اللهم إلا أن يكون بعد ذلك أو تعدد الارسال من هذه ومن هذه والله أعلم وقال الامام احمد ثنا اسماعيل ثنا أيوب قال لا أدري أسمعته من سعيد بن جبير أم عن بنيه عنه قال أتيت على ابن عباس وهو بعرفة وهو يأكل رمانا وقال افطر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وبعثت اليه أم الفضل بلبن فشربه وقال احمد ثنا وكيع ثنا ابن أبي ذئب عن صالح مولى التؤمة عن ابن عباس انهم تماروا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فأرسلت أم فضل الى رسول الله بلبن فشربه وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق وأبو بكر قالا أنبأنا ابن جريج قال قال عطاء دعا عبد الله بن عباس الفضل بن عباس الى الطعام يوم عرفة فقال إني صائم فقال عبد الله لا تصم فإن رسول الله قرب اليه حلاب فيه لبن يوم عرفة فشرب منه فلا تصم فان الناس مستنون بكم وقال ابن بكير وروح ان الناس يستنون بكم وقال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بينا رجل واقف مع النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة اذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال فأوقصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه ولا تحنطوه فان الله يبعثه يوم القيامة ملبيا ورواه مسلم عن أبي الربيع الزهراني عن حماد بن زيد وقال النسائي أنبأنا اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه أخبرنا وكيع أنبأنا سفيان الثوري عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة وأتاه أناس من أهل نجد فسألوه عن الحج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج عرفة فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه وقد رواه بقية أصحاب السنن من حديث سفيان الثوري زاد النسائي وشعبة عن بكير بن عطاء به وقال النسائي أنبأنا قتيبة أنبأنا سفيان عن عمرو بن دينار أخبرني عمرو بن عبد الله بن صفوان أن يزيد بن شيبان قال كنا وقوفا بعرفة مكانا بعيدا من الموقف فأتانا ابن مربع الانصاري فقال إني رسول رسول الله اليكم يقول لكم كونوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم ابراهيم وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به وقال الترمذي هذا حديث حسن ولا نعرفه الا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن مربع اسمه زيد بن مربع الانصاري وانما يعرف له هذا
الحديث الواحد قال وفي الباب عن علي وعائشة وجبير بن مطعم والشريد بن سويد وقد تقدم من رواية مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف زاد مالك في موطئه وارفعوا عن بطن عرفة
*2* فصل ( دعاؤه صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ) .
@ فيما حفظ من دعائه عليه السلام وهو واقف بعرفه قد تقدم أنه عليه السلام أفطر يوم عرفة فدل على أن الافطار هناك أفضل من الصيام لما فيه من التقوى على الدعاء لأنه المقصود الأهم هناك ولهذا وقف عليه السلام وهو راكب على الراحلة من لدن الزوال إلى أن غربت الشمس وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا حوشب بن عقيل حدثني مهدي المحاربي حدثني عكرمة مولى ابن عباس قال دخلت على أبي هريرة في بيته فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم عرفة بعرفات وقال عبد الرحمن مرة عن مهدي العبدي وكذلك رواه احمد عن وكيع عن حوشب عن مهدي العبدي فذكره وقد رواه أبو داود عن سليمان بن حرب عن حوشب والنسائي عن سليمان ابن معبد عن سليمان بن حرب به وعن الفلاس عن ابن مهدي به وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن حوشب وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أبو اسامة الكلبي ثنا حسن بن الربيع ثنا الحارث بن عبيد عن حوشب بن عقيل عن مهدي الهجري عن عكرمة عن ابن عباس قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة قال البيهقي كذا قال الحارث بن عبيد والمحفوظ عن عكرمة عن أبي هريرة وروى أبو حاتم محمد بن حبان البستي في صحيحه عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن صوم يوم عرفة فقال حججت مع رسول الله فلم يصمه ومع أبي بكر فلم يصمه ومع عمر فلم يصمه وأنا فلا اصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه قال الامام مالك عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفضل الدعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال البيهقي هذا مرسل وقد روي عن مالك باسناد آخر موصولا وإسناده ضعيف وقد رزى الامام احمد والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفضل الدعاء يوم عرفة وخير من قلت أنا والنبيون من
قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وللامام احمد أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال أبو عبد الله بن منده أنبأنا احمد بن اسحاق بن ايوب النيسابوري ثنا احمد بن داود بن جابر الأحمسي ثنا احمد بن ابراهيم الموصلي ثنا فرج بن فضالة عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال الامام احمد ثنا يزيد يعني ابن عبد ربه الجرجسي ثنا بقية بن الوليد حدثني جبير بن عمرو القرشي عن أبي سعيد الأنصاري عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة يقرأ هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في مناسكه ثنا الحسن بن مثنى بن معاذ العنبري ثنا عفان ابن مسلم ثنا قيس بن الربيع عن الأغر بن الصباح عن خليفة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ما قلت أنا والانبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال الترمذي في الدعوات ثنا محمد بن حاتم المؤدب ثنا علي بن ثابت ثنا قيس ابن الربيع وكان من بني أسد عن الأغر بن الصباح عن خليفة بن حصين عن علي رضي الله عنه قال كان أكثر ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة في الموقف اللهم لك الحمد كالذي نقول وخير مما نقول اللهم لك صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ولك رب تراثي أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تهب به الريح ثم قال غريب من هذا الوجه وليس اسناده بالقوي وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق موسى بن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أكثر دعاء من كان قبلي ودعائي يوم عرفة أن اقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم اجعل في بصري نورا وفي سمعي نورا وفي قلبي نورا اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري اللهم إني أعوذ بك من وسواس الصدر وشتات الأمر وشر فتنة القبر وشر ما يلج في الليل وشر ما يلج في النهار وشر ما تهب به الرياح وشر بوائق الدهر ثم قال تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف واخوه عبد الله لم يدرك عليا وقال الطبراني في مناسكه حدثنا يحيى بن عثمان النصري ثنا يحيى بن بكير ثنا يحيى بن صالح الأيلي عن اسماعيل بن أمية عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال كان فيما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع اللهم إنك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من
أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل اليك ابتهال الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت لك عبرته وذل لك جسده ورغم لك أنفه اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا وكن بي رءوفا رحيما يا خير المسئولين ويا خير المعطين وقال الامام احمد حدثنا هشيم أنبأنا عبد الملك ثنا عطاء قال قال أسامة بن زيد كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها قال فتناول الخطام باحدى يديه وهو رافع يده الاخرى وهكذا رواه النسائي عن يعقوب بن ابراهيم عن هشيم وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا علي ابن الحسن ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز ثنا ابن جريج عن حسين بن عبد الله الهاشمي عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بعرفة يداه الى صدره كاستطعام المسكين وقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا عبد القاهر بن السري حدثني ابن كنانة بن العباس بن مرداس عن أبيه عن جده عباس بن مرداس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء فأوحى الله اليه إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا وأما ذنوبهم فيما بيني وبينهم فقد غفرتها فقال يا رب إنك قادر على أن تثيب هذا المظلوم خير من مظلمته وتغفر لهذا الظالم فلم يجبه تلك العشية فلما كان غداة المزدلفة أعاد الدعاء فأجابه الله تعالى اني قد غفرت لهم فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له بعض أصحابه يا رسول الله تبسمت في ساعة لم تكن تتبسم فيها قال تبسمت من عدو الله إبليس إنه لما علم أن الله عز وجل قد استجاب لي في أمتي أهوى يدعو بالويل والثبور ويحثو التراب على رأسه ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن عيسى بن ابراهيم البركي وأبي الوليد الطيالسي كلاهما عن عبد القاهر بن السري عن ابن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه عن جده مختصرا ورواه ابن ماجه عن أيوب بن محمد الهاشمي بن عبد القاهر بن السري عن عبد الله بن كنانة بن عباس عن أبيه عن جده به مطولا ورواه ابن جرير في تفسيره عن اسماعيل بن سيف العجلي عن عبد القاهر بن السري عن ابن كنانة يقال له أبو لبابة عن أبيه عن جده العباس بن مرداس فذكره وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني ثنا اسحاق بن ابراهيم الدبري ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عمن سمع قتادة يقول ثنا جلاس بن عمرو عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم ووهب مسيئكم لمحسنكم وأعطى محسنكم ما سأل فادفعوا بسم الله فلما كانوا بجمع قال إن الله قد غفر لصالحكم وشفع لصالحيكم في طالحيكم تنزل الرحمه فتعمهم ثم تفرق الرحمه في الارض فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده وابليس وجنوده على جبال عرفات
ينظرون ما يصنع الله بهم فاذا نزلت الرحمه دعا هو وجنوده بالويل والثبور كنت أستفزهم حقبا من الدهر المغفرة فغشيتهم فيتفرقون يدعون بالويل والثبور
*2* ذكر ما نزل على رسول الله من الوحي في هذا الموقف
@
قال الامام احمد ثنا جعفر بن عون ثنا أبو العميس عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال جاء رجل من اليهود الى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال وأي آية هي قال قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا فقال عمر والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم والساعة التي نزلت فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة في يوم جمعة ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون وأخرجه أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن قيس بن مسلم به
*2* ذكر افاضته عليه السلام من عرفات الى المشعر الحرام
@
قال جابر في حديثه الطويل فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا قليلا حين غاب القرص فأردف اسامة خلفه ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق ناقته القصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رجله ويقول بيده اليمنى أيها الناس السكينة السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا رواه مسلم وقال البخاري باب السير اذا دفع من عرفة حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال سئل اسامة وأنا جالس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع قال كان يسير العنق فاذا وجد فجوة نص قال هشام والنص فوق العنق ورواه الامام احمد وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عدة عن هشام بن عروة عن ابيه عن اسامة بن زيد وقال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق عن هشام بن عروة عن ابيه عن اسامة بن زيد قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة قال فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمع حطمة الناس خلفه قال رويدا أيها الناس عليكم السكينة إن البر ليس بالايضاع قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا التحم عليه الناس أعنق واذا وجد فرجة نص حتى أتى المزدلفة فجمع فيها بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة ثم رواه الامام احمد من طريق محمد بن اسحاق حدثني ابراهيم بن عقبة عن كريب عن اسامة بن زيد فذكر مثله وقال
الامام احمد ثنا أبو كامل ثنا حماد عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس عن اسامة بن زيد قال أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة وأنا رديفه فجعل يكبح راحلته حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل ويقول يا ايها الناس عليكم السكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الابل وكذا رواه عن عفان عن حماد بن سلمة به ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن يزيد بن هارون عن عبد الملك بن ابي سليمان عن عطاء عن ابن عباس عن اسامة بنحوه قال وقال اسامة فما زال يسير على هينة حتى أتى جمعا وقال الامام احمد حدثنا احمد بن الحجاج ثنا ابن أبي فديك عن ابن ابي ذئب عن شعبة عن ابن عباس عن اسامة ابن زيد أنه ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة حتى دخل الشعب ثم أهراق الماء وتوضأ ثم ركب ولم يصل وقال الامام احمد ثنا عبد الصمد ثنا همام عن قتادة عن عروة عن الشعبي عن اسامة بن زيد أنه حدثه قال كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افاض من عرفات فلم ترفع راحلته رجلها غادية حتى بلغ جمعا وقال الامام احمد ثنا سفيان عن ابراهيم بن عقبة عن كريب عن ابن عبس أخبرني اسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أردفه من عرفة فلما أتى الشعب نزل فبال ولم يقل أهراق الماء فصببت عليه فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة فقال الصلاة أمامك قال ثم أتى المزدلفة فصلى المغرب ثم حلوا رحالهم ثم صلى العشاء كذا رواه الامام احمد عن كريب عن ابن عباس عن اسامة بن زيد فذكره ورواه النسائي عن الحسين بن حرب عن سفيان بن عيينة عن ابراهيم بن عقبة ومحمد بن أبي حرملة كلاهما عن كريب عن ابن عباس عن أسامة قال شيخنا أبو الحجاج المزي في أطرافه والصحيح كريب عن أسامة وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن اسامة بن زيد أنه سمعه يقول دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة فنزل الشعب فبال ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء فقلت له الصلاة فقال الصلاة أمامك فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل انسان بعيره في منزله ثم أقيمت الصلاة فصلى العشاء ولم يصل بينهما وهكذا رواه البخاري أيضا عن القعنبي ومسلم عن يحيى بن يحيى والنسائي عن قتيبة عن مالك عن موسى بن عقبة به وأخرجاه من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن موسى بن عقبة أيضا ورواه مسلم من حديث ابراهيم بن عقبة ومحمد بن عقبة عن كريب كنحو رواية أخيهما موسى بن عقبة عنه وقال البخاري أيضا ثنا قتيبة ثنا اسماعيل بن جعفر عن محمد بن ابي حرملة عن كريب عن اسامة بن زيد أنه قال ردفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب الايسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء فصببت عليه الوضوء فتوضأ وضوءا خفيفا فقلت الصلاة
يا رسول الله قال الصلاة أمامك فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى ثم ردف الفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع قال كريب فأخبرني عبد الله بن عباس عن الفضل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة ورواه مسلم عن قتيبة ويحيى بن يحيى بن أيوب وعلي بن حجر أربعتهم عن اسماعيل بن جعفر به وقال الامام احمد ثنا وكيع ثنا عمر بن ذر عن مجاهد عن اسامة بن زيد أن رسول الله أردفه من عرفة قال فقال الناس سيخبرنا صاحبنا ما صنع قال فقال اسامة لما دفع من عرفة فوقف كف رأس راحلته حتى اصاب رأسها واسطة الرحل أو كاد يصيبه يشير الى الناس بيده السكينة السكينة السكينة حتى أتى جمعا ثم اردف الفضل بن عباس قال فقال الناس سيخبرنا صاحبنا بما صنع رسول الله فقال الفضل لم يزل يسير سيرا لينا كسيره بالأمس حتى أتى على وادي محسر فدفع فيه حتىاستوت به الارض وقال البخاري ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا ابراهيم بن سويد حدثني عمرو بن أبي عمرو ومولى المطلب أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس أنه دفع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للابل فاشار بسوطه اليهم وقال أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالايضاع تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد تقدم رواية الامام احمد ومسلم والنسائي هذا من طريق عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس عن اسامة بن زيد فالله أعلم وقال الامام احمد حدثنا اسماعيل بن عمر ثنا المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال لما أفاض رسول من عرفات أوضع الناس فأمر رسول الله مناديا ينادي أيها الناس ليس البر بايضاع الخيل ولا الركاب قال فما رأيت من رافعة يديها غادية حتى نزل جمعا وقال الامام احمد ثنا حسين وأبو نعيم قالا ثنا اسرائيل عن عبد العزيز بن رفيع قال حدثني من سمع ابن عباس يقول لم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفات وجمع إلا أريق الماء وقال الامام احمد ثنا يزيد بن هارون أخبرنا عبد الملك عن أنس بن سيرين قال كنت مع ابن عمر بعرفات فلما كان حين راح معه حتى الامام فصلى معه الأولى والعصر ثم وقف وأنا وأصحاب لي حتى افاض الامام فأفضنا معه حتى انتهينا إلى المضيق دون المأزمين فأناخ وأنخنا ونحن نحسب أنه يريد أن يصلي فقال غلامه الذي يمسك راحلته إنه ليس يريد الصلاة ولكنه ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتهى الى هذا المكان قضى حاجته فهو يحب أن يقضي حاجته وقال البخاري ثنا موسى ثنا جويرية عن نافع قال كان عبد الله بن عمر يجمع بين المغرب العشاء بجمع غير أنه يمر بالشعب الذي اخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخل فينتقص ويتوضأ ولا يصلي حتى يجيء جمعا تفرد به البخاري رحمه الله من هذا الوجه وقال البخاري ثنا آدم بن ابي ذئب عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر قال جمع النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء بجمع كل واحدة منهما باقامة ولم
يسبح بينهما ولا على إثر واحدة منها ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعا ثم قال مسلم حدثني حرملة حدثني ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره أن أباه قال جمع رسول الله بين المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة فصلى المعرب ثلاث ركعات وصلى العشاء ركعتين فكان عبد الله يصلي بجمع كذلك لحق بالله ثم روى مسلم من حديث شعبة عن الحكم وسلمة بن كهيل عن سعيد بن جبير أنه صلى المغرب بجمع والعشاء باقامة واحدة ثم حدث عن ابن عمر أنه صلى مثل ذلك وحدث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع مثل ذلك ثم رواه من طريق الثوري عن سلمة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بجمع صلى المغرب ثلاثا والعشاء ركعتين باقامة واحدة ثم قال مسلم ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة ثنا عبد الله بن جبير ثنا اسماعيل بن ابي خالد عن ابي اسحاق قال قال سعيد بن جبير أفضنا مع ابن عمر حتى أتينا جمعا فصلى بنا المغرب والعشاء باقامة واحدة ثم انصرف فقال هكذا صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان وقال البخاري ثنا خالد بن مخلد ثنا سليمان بن بلال حدثني يحيى بن سعيد حدثني عدي بن ثابت حدثني عبد الله بن يزيد الخطمي حدثني أبو زيد الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في حجة الوداع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ورواه البخاري أيضا في المغازي عن القعنبي عن مالك ومسلم من حديث سليمان بن بلال والليث بن سعد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد الانصاري عن عدي بن ثابت ورواه النسائي أيضا عن الفلاس عن يحيى القطان عن شعبة عن عدي بن ثابت به ثم قال البخاري باب من أذن واقام لكل واحدة منهما حدثنا عمرو بن خالد ثنا زهير بن حرب ثنا أبو اسحاق سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول حج عبد الله فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك فأمر رجلا فاذن وأقام ثم صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى ثم أمر رجلا فأذن واقام قال عمرو لا أعلم الشك إلا من زهير ثم صلى العشاء ركعتين فلما طلع الفجر قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم قال عبد الله هما صلاتان تحولان عن وقتهما صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة والفجر حين يبزغ الفجر قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وهذا اللفظ وهو قوله والفجر حين يبزغ الفجر ابين وأظهر من الحديث الآخر الذي رواه البخاري عن حفص بن عمر بن غياث عن أبيه عن الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود قال ما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء وصلاة الفجر قبل ميقاتها ورواه مسلم من حديث أبي معاوية وجرير عن الأعمش به وقال جابر في حديثه ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى طلع الفجر فصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان واقامة وقد شهد معه هذه الصلاة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائي قال الامام احمد ثنا هشيم ثنا ابن أبي خالد وزكريا عن الشعبي أخبرني عروة بن مضرس قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بجمع فقلت يا رسول الله جئتك من جبل طيء أتعبت نفسي وأنضيت راحلتي والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج فقال من شهد معنا هذه الصلاة يعني صلاة الفجر بجمع ووقف معنا حتى يفيض منه وقد أفاض قبل ذلك من عرفات ليلا أونهارا فقد تم حجه وقضى تفثه وقد رواه الامام احمد أيضا وأهل السنن الأربعة من طرق عن الشعبي عن عروة بن مضرس وقال الترمذي حسن صحيح
*2* فصل ( تقديم رسول الله ضعفة أهله بالليل ليقفوا بالمزدلفة ) .
@ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم طائفة من أهله بين يديه من الليل قبل حطمة الناس من المزدلفة الى منى قال البخاري باب من قدم ضعفة أهله بالليل فيقفون بالمزدلفة ويدعون ويقدم اذا غاب القمر حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال قال سالم كان عبد الله بن عمر يقدم ضعفة أهله فيقفون عند المشعر الحرام بليل فيذكرون الله ما بدا لهم ثم يدفعون قبل أن يقف الامام وقبل أن يدفع فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر ومنهم من يقدم بعد ذلك فاذا قدموا رموا الجمرة وكان ابن عمر يقول أرخص في أولئك رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن ايوب عن عكرمة عن ابن عباس قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بليل وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان أخبرني عبد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول أنا ممن قدم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة في ضعفه أهله وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني عطاء عن ابن عباس قال بعث بي رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع بسحر مع ثقله وقال الامام احمد ثنا سفيان الثوري ثنا سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس قال قدمنا رسول الله أغيلمة بني عبد المطلب على حراثنا فجعل يلطح أفخاذنا بيده ويقول أبني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس قال ابن عباس ما أخال أحدا يرمي الجمرة حتى تطلع الشمس وقد رواه احمد أيضا عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري فذكره وقد رواه أبو داود عن محمد بن كثير عن الثوري به والنسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري به وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن ابي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع عن مسعر وسفيان الثوري كلاهما عن سلمة بن كهيل به وقال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن الاعمش عن الحكم
ابن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال مر بنا رسول الله ليلة النحر وعلينا سواد من الليل فجعل يضرب أفخاذنا ويقول أبني أفيضوا لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس ثم رواه الامام احمد من حديث المسعودي عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة أهله من المزدلفة بليل فجعل يوصيهم أن لا يرموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس وقال أبو داود ثنا عثمان ابن أبي شيبة ثنا الوليد بن عقبة ثنا حمزة الزيات بن حبيب عن عطاء عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفة أهله بغلس ويأمرهم يعني أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وكذا رواه النسائي عن محمود بن غيلان عن بشر بن السري عن سفيان عن حبيب قال الطبراني وهو ابن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عباس فخرج حمزة الزيات من عهدته وجاد اسناد الحديث والله أعلم وقد قال البخاري ثنا مسدد عن يحيى عن ابن جريج حدثني عبد الله مولى أسماء عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة فقامت تصلي فصلت ساعة ثم قالت يا بني هل غاب القمر قلت لا فصلت ساعة ثم قال هل غاب القمر قلت نعم قالت فارتحلوا فارتحلنا فمضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت فصلت الصبح في منزلها فقلت لها يا هنتاه ما أرانا إلا قد عسلنا فقالت يا بني إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن للظعن ورواه مسلم من حديث ابن جريج به فان كانت أسماء بنت الصديق رمت الجمار قبل طلوع الشمس كما ذكرنا هاهنا عن توقيف فروايتها مقدمة على رواية ابن عباس لأن اسناد حديثهما أصح من اسناد حديثه اللهم إلا أن يقال إن الغلمان أخف حالا من النساء وأنشط فلهذا أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الشمس وأذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهم أثقل حالا وأبلغ في التستر والله أعلم وإن كانت أسماء لم تفعله عن توقيف فحديث ابن عباس مقدم على فعلها لكن يقوى الأول قول أبي داود ثنا محمد بن خلاد الباهلي ثنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عطاء أخبرني مخبر عن أسماء أنها رمت الجمرة بليل قلت إنا رمينا الجمرة بليل قالت إنا كنا نصنع هذا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا أفلح بن حميد عن القاسم عن محمد عن عائشة قالت نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة أن تدفع قبل حطمة الناس وكانت امرأة بطيئة فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس وأقمنا نحن حتى أصبحنا ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحب إلي من مفروح به وأخرجه مسلم عن القعنبي عن أفلح بن حميد به وأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة به وقال أبو داود ثنا هارون بن عبد الله ثنا ابن أبي فديك عن الضحاك يعني ابن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
أبو داود يعني عندها انفرد به أبو داود وهو اسناد جيد قوي رجاله ثقات
*2* ذكر تلبيته عليه السلام بالمزدلفة
@ قال مسلم ثنا أبو بكر بن ابي شيبة ثنا أبو الأحوص عن حصين عن كثير بن مدرك عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله ونحن بجمع سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المقام لبيك اللهم لبيك
*2* فصل في وقوفه عليه السلام بالمشعر الحرام ودفعه من المزدلفة قبل طلوع الشمس
@ إيضاعه في وادي محسر قال الله تعالى فاذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام الآيه وقال جابر في حديثه فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا الله عز وجل وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى اسفر جدا ودفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وراءه وقال البخاري ثنا الحجاج بن منهال ثنا شعبة عن ابن اسحاق قال سمعت عمرو بن ميمون يقول شهدت عمر صلى بجمع الصبح ثم وقف فقال إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض قبل أن تطلع الشمس وقال البخاري ثنا عبد الله بن رجاء ثنا اسرائيل عن أبي اسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد قال خرجت مع عبد الله الى مكة ثم قدمنا جمعا فصلى صلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما ثم صلى الفجر حين طلع الفجر قائل يقول طلع الفجر وقائل يقول لم يطلع الفجر ثم قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب فلا تقدم الناس جمعا حتى يقيموا وصلاة الفجر هذه الساعة ثم وقف حتى أسفر ثم قال لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة فلا أدري أقوله كان أسرع أو دفع عثمان فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا عبد الرحمن بن المبارك العبسي ثنا عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة عن المسور بن مخرمة قال خطبنا رسول الله بعرفة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس حتى تكون الشمس على رءوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤسها هدينا مخالف لهديهم وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤسها هدينا مخالف لهديهم قال ورواه عبد الله بن ادريس عن ابن جريج عن محمد
ابن قيس بن مخرمة مرسلا وقال الامام احمد ثنا أبو خالد سليمان بن حيان سمعت الأعمش عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من المزدلفة قبل طلوع الشمس وقال البخاري ثنا زهير بن حرب ثنا وهب بن جرير ثنا أبي عن يونس الايلي عن الزهري عن عبيد الله ابن عبد الله بن عباس أن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة الى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة الى منى قال فكلاهما قال لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة ورواه ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس وروى مسلم من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد عن ابن عباس عن الفضل بن عباس وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم


أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دفعوا عليكم بالسكينة وهو كاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة قال ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى الجمرة وقال الحافظ البيهقي باب الايضاع في وادي محسر أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو عمرو المقري وأبو بكر الوراق أنبأنا الحسن بن سفيان ثنا هشام بن عمار وأبو بكر بن ابي شيبة قالا ثنا حاتم بن اسماعيل ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في حج النبي صلى الله عليه وسلم قال حتى اذا أتى محسرا حرك قليلا رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن شيبة ثم روى البيهقي من حديث سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر قال افاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينة وأمرهم بالسكينة وأوضع في وادي محسر وأمرهم أن يرموا الجمار بمثل حصى الخذف وقال خذوا عنى مناسككم لعلي لا اراكم بعد عامي هذا ثم روى البيهقي من حديث الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن ابي رافع عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع حتى أتى محسرا فقرع ناقته حتى جاوز الوادي فوقف ثم اردف الفضل ثم أتى الجمرة فرماها هكذا رواه مختصرا وقد قال الامام احمد ثنا أبو احمد محمد بن عبد الله الزبيري ثنا سفيان بن عبد الرحمن بن الحارث ابن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة فقال إن هذا الموقف وعرفة كلها موقف وافاض حين غابت الشمس وأردف اسامة فجعل يعنق على بعيدة والناس يضربون يمينا وشمالا لا يلتفت اليهم ويقول السكينة أيها الناس ثم أتى جمعا فصلى بهم الصلاتين المغرب والعشاء ثم بات حتى اصبح ثم أتى قزح فوقف على قزح فقال هذا الموقف وجمع كلها موقف ثم سار حتى أتى محسرا فوقف عليه فقرع دابته فخبت حتى جاز الوادي ثم حبسها ثم أردف الفضل وسار حتى أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال هذا المنحر ومنى كلها منحر قال واستفتته جارية شابة من خثعم فقالت أن أبي شيخ كبير قد أفند
وقد أدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ عنه أن أودي عنه قال نعم فأدي عن أبيك قال ولوى عنق الفضل فقال له العباس يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك قال رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما قال ثم جاءه رجل فقال يا رسول الله حلقت قبل أن أنحر قال أنحر ولا حرج ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله إني أفضت قبل أن أحلق قال احلق أو قصر ولا حرج ثم اتى البيت فطاف ثم أتى زمزم فقال يا بني عبد المطلب سقايتكم ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت معكم وقد رواه أبو داود عن احمد بن حنبل عن يحيى بن آدم عن سفيان الثوري ورواه الترمذي عن بندار عن أبي أحمد الزبيري وابن ماجه عن علي بن محمد عن يحيى بن آدم وقال الترمذي حسن صحيح لا نعرفه من حديث علي إلا من هذا الوجه قلت وله شواهد من وجوه صحيحة مخرجة في الصحاح وغيرها فمن ذلك قصة الخثعمية وهو في الصحيحين من طريق الفضل وتقدمت في حديث جابر وسنذكر من ذلك ما تيسر وقد حكى البيهقي باسناد عن ابن عباس أنه لا أنكر الاسراع في وادي محسر وقال إنما كان ذلك من الأعراب قال والمثبت مقدم على النافي قلت وفي ثبوته عنه نظر والله أعلم وقد صح ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله وصح من صنيع الشيخين أبي بكر وعمر أنهما كانا يفعلان ذلك فروى البيهقي عن الحاكم عن النجاد وغيره عن أبي علي محمد ابن معاذ بن المستهل المعروف بدران عن القعنبي عن أبيه بن هشام عن عروة عن أبيه عن المسور ابن مخرمة أن عمر كان يوضع ويقول
إليك نعدوا قلقا وضينها * مخالف دين النصارى دينها
*2* ذكر رميه عليه السلام جمرة العقبة وحدها يوم النحر
@ وكيف رماها ومتى رماها ومن أي موضع رماها وبكم رماها وقطعة التلبية حين رماها
قد تقدم من حديث اسامة والفضل وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين أنه عليه السلام لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة وقال البيهقي أنبأنا الامام أبو عثمان أنبانا ابو طاهر بن خزيمة أنبأنا جدي يعني امام الأئمة محمد بن اسحاق بن خزيمة ثنا علي بن حجر ثنا شريك عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عبد الله قال رمقت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة وبه عن ابن خزيمة ثنا عمر بن حفص الشيباني ثنا حفص بن غياث ثنا جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال أفضت مع رسول الله من عرفات فلم يزل يلبي حى رمى جمرة العقبة يكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر حصاة قال البيهقي وهذه زيادة غريبة ليست في الروايات المشهورة عن ابن عباس عن الفضل وان كان ابن خزيمة قد اختارها
وقال محمد بن اسحاق حدثني ابان بن صالح عن عكرمة قال أفضت مع الحسين بن علي فما أزال أسمعه يلبي حتى رمى جمرة العقبة فلما قذفها أمسك فقلت ما هذا فقال رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة وأخبرني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وتقدم من حديث الليث عن أبي الزبير عن أبي معبد عن ابن عباس عن أخيه الفضل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس في وادي محسر بحصى الخذف الذي يرمى به الجمرة رواه مسلم وقال أبو العالية عن ابن عباس حدثني الفضل قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة يوم النحر هات فألقط لي حصا فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف فوضعهن في يده فقال بأمثال هؤلاء بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو فانما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين رواه البيهقي وقال جابر في حديثه حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي رواه مسلم وقال البخاري وقال جابر رضي الله عنه رمى النبي صلى الله عليه وسلم الجرة يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال وهذا الحديث الذي علقه البخاري أسنده مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابرا قال رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فاذا زالت الشمس وفي الصحيحين من حديث الاعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال رمى عبد الله من بطن الوادي فقلت يا أبا عبد الرحمن إن ناسا يرمونها من فوقها فقال والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة لفظ البخاري وفي لفظ له من حديث شعبة عن الحكم عن ابراهيم عن عبد الرحمن عن عبد الله بن مسعود أنه أتى الجمرة الكبرى فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورمى بسبع وقال هكذا أرمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة ثم قال البخاري باب من رمى الجمار بسبع يكبر مع كل حصاة قاله ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا إنما يعرف في حديث جابر من طريق جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر كما تقدم أنه أتى الجمرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف وقد روى البخاري في هذه الترجمة من حديث الاعمش عن ابراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال من هاهنا والذي لا إله غيره قام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وروى مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمع جابر بن عبد الله قال رأيت رسول الله يرمي الجمرة بسبع مثل حصى الخذف وقال الامام احمد ثنا يحيى بن زكريا ثنا حجاج عن الحكم عن أبي القاسم يعني مقسما عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة جمرة العقبة يوم النحر راكبا ورواه الترمذي عن احمد بن منيع عن يحيى ابن زكريا بن أبي زائدة وقال حسن وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي خالد
الأحمر عن الحجاج بن أرطاة به وقد روى احمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي من حديث يزيد ابن زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه أم جندب الأزدية قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمار من بطن الوادي وهو راكب يكبر مع كل حصاة ورجل من خلفه يستره فسألت عن الرجل فقالوا الفضل بن عباس فازدحم الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا ايها الناس لا يقتل بعضكم بعضا وإذا رميتم الجمرة فارموه بمثل حصى الخذف لفظ أبي داود وفي رواية له قالت رأيته عند جمرة العقبة راكبا ورأيت بين أصابعه حجرا فرمى ورمى الناس ولم يقم عندها ولابن ماجه قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر عند جمرة العقبة وهو راكب على بغلة وذكر الحديث وذكر البغلة هاهنا غريب جدا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه وروى مسلم أيضا من حديث زيد ابن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين سمعتها تقول حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته يوم النحر وهو يقول لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه وفي رواية قالت حججت مع رسول الله حجة الوداع فرأيت اسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة وقال الامام احمد ثنا أبو احمد محمد بن عبد الله الزبيري ثنا أيمن بن نابل ثنا قدامة بن عبد الله الكلابي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة من بطن الوادي يوم النحر على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد ولا اليك اليك ورواه احمد ايضا عن وكيع ومعتمر ابن سليمان وأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي ثلاثتهم عن أيمن بن نائل به ورواه أيضا عن أبي قرة عن سفيان الثوري عن ايمن وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث وكيع به ورواه الترمذي عن احمد بن منيع عن مروان بن معاوية عن أيمن بن نابل به وقال هذا حديث حسن صحيح وقال الامام احمد ثنا نوح بن ميمون ثنا عبد الله يعني العمري عن نافع قال كان ابن عمر يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر وكان لا يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشيا وزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأتيها إلا ماشيا ذاهبا وراجعا ورواه ابو داود عن القعنبي عن عبد الله العمري به
*2* فصل ( انصراف رسول الله إلى المنحر واشراكه سيدنا علي بالهدي ) .
@ قال جابر ثم انصرف الى المنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر واشركه في هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فـأكلا من لحمها وشربا من مرقها
وسنتكلم على هذا االحديث وقال الامام احمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن حميد الأعرج عن محمد بن ابراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم بمنى ونزلهم منازلهم فقال لينزل المهاجرون هاهنا وأشار الى ميمنة القبلة والانصار هاهنا وأشار الى ميسرة القبلة ثم لينزل الناس حولهم قال وعلمهم مناسكهم ففتحت أسماع أهل منى حتى سمعوه في منازلهم قال فسمعته يقول أرموا الجمرة بمثل حصى الخذف وكذا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل الى قوله ثم لينزل الناس حولهم وقد رواه الامام احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه وأبو داود عن مسدد عن عبد الوارث وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث عن حميد بن قيس الأعرج عن محمد بن ابراهيم التيمي عن عبد الرحمن ابن معاذ التيمي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت أسماعنا حتى كأنا نسمع ما يقول الحديث ذكر جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشرك علي بن أبي طالب في الهدي وأن جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الابل وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بدنة قال ابن حبان وغيره وذلك مناسب لعمره عليه السلام فانه كان ثلاثا وستين سنة وقد قال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا زهير ثنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج مائة بدنة نحر منها بيده ستين وأمر ببقيتها فنحرت وأخذ من كل بدنة بضعة فجمعت في قدر فأكل منها وحسى من مرقها قال ونحر يوم الحديبية سبعين فيها جمل أبي جهل فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها وقد روى ابن ماجه بعضه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد عن وكيع عن سفيان الثوري عن ابن ابي ليلى به وقال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن اسحاق حدثني رجل عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس قال أهدى رسول الله في حجة الوداع مائة بدنة نحر منها ثلاثين بدنة بيده ثم أمر عليا فنحر ما بقي منها وقال قسم لحومها وجلودها وجلالها بين الناس ولا تعطين جزارا منها شيئا وخذ لنا من كل بعير جدية من لحم واجعلها في قدر واحدة حتى نأكل من لحمها ونحسو من مرقها ففعل وثبت في الصحيحين من حديث مجاهد عن ابن ابي ليلى عن علي قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها وأن لا أعطي الجزار منها شيئا وقال نحن نعطيه من عندنا وقال أبو داود ثنا محمد بن حاتم ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا عبد الله بن المبارك عن حرملة بن عمران عن عبد الله بن الحارث الأزدي سمعت عرفة بن الحارث الكندي قال شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتى بالبدن فقال أدع لي أبا حسن فدعي له علي فقال خذ بأسفل الحربة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأعلاها ثم طعنا بها البدن فلما فرغ ركب بغلته وأردف عليا تفرد به أبو داود وفي اسناده ومتنه غرابة والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا احمد بن الحجاج أنبأنا عبد الله أنبأنا الحجاج بن أرطأة عن الحكم عن أبي القاسم يعني مقسما عن ابن عباس قال رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم جمرة العقبة ثم ذبح ثم حلق وقد ادعى ابن حزم أنه ضحى عن نسائه بالبقر وأهدى بمنى بقرة وضحى هو بكبشين أملحين
*2* صفة حلقه رأسه الكريم عليه الصلاة والتسليم
@
قال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلق في حجته ورواه النسائي عن اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه عن عبد الرزاق وقال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب قال قال نافع كان عبد الله بن عمر يقول حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته ورواه مسلم من حديث موسى بن عقبة عن نافع به وقال البخاري ثنا عبد الله بن محمد ابن أسماء ثنا جويرية بن اسماء عن نافع أن عبد الله بن عمر قال حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة من أصحابه وقصر بعضهم رواه مسلم من حديث الليث عن نافع به وزاد قال عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله المحلقين مرة أو مرتين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال والمقصرين وقال مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع وأبو داود الطيالسي عن يحيى بن الحصين عن جدته أنها سمعت رسول الله في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة ولم يقل وكيع في حجة الوداع وهكذا روى هذا الحديث مسلم من حديث مالك وعبد الله عن نافع عن ابن عمر وعمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة وقال مسلم ثنا يحيى بن يحيى ثنا حفص ابن غياث عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى فأتى الجمرة فرماها ثم أتى منزله بمنى ونحر ثم قال للحلاق خذ واشار الى جانبه الأيمن ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس وفي رواية أنه حلق شقه الأيمن فقسمه بين الناس من شعرة أو شعرتين وأعطى شقه الأيسر
لأبي طلحة وفي رواية له أنه أعطى الأيمن لابي طلحة وأعطاه الأيسر وأمره أن يقسمه بين الناس وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن حرب ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وقد أطاف به أصحابه ما يريدون أن يقع شعرة إلا في يد رجل انفرد به احمد
*2* فصل ( تحلله صلى الله عليه وسلم بعد رمي جمرة العقبة ) .
@ ثم لبس عليه السلام ثيابه وتطيب بعد ما رمى جمرة العقبة ونحر هديه وقبل أن يطوف بالبيت طيبته عائشة أم المؤمنين قال البخاري ثنا علي بن عبد الله بن المديني ثنا سفيان هو ابن عيينة ثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد وكان أفضل أهل زمانه أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول إنه سمع عائشة تقول طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هاتين حين احرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها وقال مسلم ثنا يعقوب الدورقي واحمد بن منيع قالا ثنا هشيم أنبأنا منصور عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة قالت كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويحل يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك وروى النسائي من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت طيبت رسول الله لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت وقال الشافعي أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سالم قال قالت عائشة أنا طيبت رسول الله لحله واحرامه ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن عائشة فذكره وفي الصحيحين من حديث ابن جريج أخبرني عمر بن عبد الله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم يخبرا عن عائشة أنها قالت طيبت رسول الله بيدي بذريرة في حجة الوداع للحل والاحرام ورواه مسلم من حديث الضحاك بن عثمان عن أبي الرحال عن أمه عمرة عن عائشة به وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العوفي عن ابن عباس أنه قال إذا رميتم الجمرة فقد حللتم من كل شيء كان عليكم حراما إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت فقال رجل والطيب يا أبا العباس فقال له إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو أم لا وقال محمد بن اسحاق حدثني أبو عبيدة عن عبد الله بن زمعة عن أبيه وأمه زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة قالت كانت الليلة التي يدور فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة النحر فكان رسول الله عندي فدخل وهب بن زمعة ورجل من آل ابي أمية متقمصين فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضتما قالا لا قال فانزعا قميصكما فنزعاهما فقال له وهب ولم يا رسول الله فقال هذا يوم أرخص لكم فيه إذا رميتم الجمرة ونحرتم هديا إن كان لكم فقد حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت فاذا رميتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تطوفوا بالبيت وهكذا رواه ابو داود عن احمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن ابن أبي عدي عن ابن اسحاق فذكره وأخرجه البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر عن أبي اسحاق عن أبي المثنى العنبري عن يحيى بن معين وزاد في آخره قال أبو عبيدة وحدثتني أم قيس بنت محصن قالت خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصين عشية يوم النحر ثم رجعوا الينا عشيا وقمصهم على أيديهم يحملونها فسالتهم فأخبروها بمثل ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب بن زمعة وصاحبه وهذا الحديث غريب جدا لا أعلم أحدا من العلماء قال به
*2* ذكر افاضته صلى الله عليه وسلم الى البيت العتيق
@
قال جابر ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن تغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه رواه مسلم ففي هذا السياق ما يدل على أنه عليه السلام ركب الى مكة قبل الزوال فطاف بالبيت ثم لما فرغ صلى الظهر هناك وقال مسلم ايضا أخبرنا محمد بن رافع أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى وهذا خلاف حديث جابر وكلاهما عند مسلم فإن عللنا بهما أمكن أن يقال إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة ثم رجع الى منى فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم والله أعلم ورجوعه عليه السلام الى منى في وقت الظهر ممكن لأن ذلك الوقت كان صيفا والنهار طويل وإن كان قد صدر منه عليه السلام أفعال كثيرة في صدر هذا النهار فإنه دفع فيه من المزدلفة بعد ما أسفر الفجر جدا ولكنه قبل طلوع الشمس ثم قدم منى فبدأ برمي جمرة العقبة بسبع حصيات ثم جاء فنحر بيده ثلاثا وستين بدنة ونحر علي بقية المائة ثم أخذت من كل بدنة بضعة ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت فأكل من ذلك اللحم وشرب من ذلك المرق وفي غبون ذلك حلق رأسه عليه السلام وتطيب فلما فرغ من هذا كله ركب الى البيت وقد خطب عليه السلام في هذا اليوم خطبة عظيمة ولست أدري أكانت قبل ذهابه الى البيت أو بعد رجوعه منه الى منى فالله أعلم والقصد أنه ركب الى البيت فطاف به سبعة أطواف راكبا ولم يطف بين الصفا والمروة كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر وعائشة رضي الله عنهما ثم شرب من ماء زمزم ومن نبيذ تمر من ماء زمزم فهذا كله مما يقوي قول من قال إنه عليه السلام صلى الظهر بمكة كما رواه جابر ويحتمل أنه رجع الى منى في آخر وقت الظهر فصلى بأصحابه بمنى الظهر أيضا وهذا هو الذي أشكل على ابن حزم فلم يدر ما يقول فيه وهو معذور لتعارض الروايات الصحيحة فيه والله أعلم وقال أبو داود ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد المعنى قالا ثنا أبو خالد الاحمر عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمى الجمرة اذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال ابن حزم فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه عليه السلام صلى الظهر يوم النحر بمكة وهما والله أعلم أضبط لذلك من ابن عمر كذا قال وليس بشيء فإن رواية عائشة هذه ليست ناصة أنه
عليه السلام صلى الظهر بمكة بل محتملة إن كان المحفوظ في الرواية حتى صلى الظهر وإن كانت الرواية حين صلى الظهر وهو الأشبه فان ذلك دليل على أنه عليه السلام صلى الظهر بمنى قبل أن يذهب الى البيت وهو محتمل والله سبحانه وتعالى أعلم وعلى هذا فيبقى مخالفا لحديث جابر فان هذا يقتضي أنه صلى الظهر بمنى قبل أن يركب الى البيت وحديث جابر يقتضي أنه ركب الى البيت قبل أن يصلي الظهر وصلاها بمكة وقد قال البخاري وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس أخر النبي صلى الله عليه وسلم يعني طواف الزيارة الى الليل وهذا والذي علقه البخاري فقد وراه الناس من حديث يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وفرج بن ميمون عن سفيان الثوري عن أبى الزبير عن عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر الى الليل ورواه أهل السنن الأربعة من حديث سفيان به وقال الترمذي حسن وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله ثنا سفيان عن أبي الزبير عن عائشة وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زار ليلا فإن حمل هذا على أنه أخر ذلك الى ما بعد الزوال كأنه يقول الى العشى صح ذلك وأما إن حمل على ما بعد الغروب فهو بعيد جدا ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه عليه السلام طاف يوم النحر نهارا وشرب من سقاية زمزم وأما الطواف الذي ذهب في الليل الى البيت بسببه فهو طواف الوداع ومن الرواة من يعبر عنه بطواف الزيارة كما سنذكره إن شاء الله أو طواف زيارة محضة قبل طواف الوداع وبعد طواف الصدر الذي هو طواف الفرض وقد ورد حديث سنذكره في موضعه أن رسول الله كا يزور البيت كل ليلة من ليالي منى وهذا بعيد أيضا والله أعلم وقد روى الحافظ البيهقي من حديث عمرو ابن قيس عن عبد الرحمن عن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله أذن لاصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نسائه ليلا وهذا حديث غريب جدا أيضا وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الطواف يوم النحر الى الليل والصحيح من الروايات وعليه الجمهور أنه عليه السلام طاف يوم النحر بالنهار والأشبه أنه كان قبل الزوال ويحتمل أن يكون بعده والله أعلم
والمقصود أنه عليه السلام لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا وهو راكب ثم جاء زمزم وبنو عبد المطلب يستقون منها ويسقون الناس فتناول منها دلوا فشرب منه وأفرغ عليه منه كما قال مسلم أخبرنا محمد بن منهال الضرير ثنا يزيد بن زريع ثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني سمع ابن عباس يقول وهو جالس معه عند الكعبة قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه اسامة فأتيناه باناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله اسامه وقال أحسنتم وأجملتم هكذا فاصنعوا قال ابن عباس فنحن لا نريد أن نغير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عن بكر أن اعرابيا قال لابن عباس
مالي ارى بني عمكم يسقون اللبن والعسل وأنتم تسقون النبيذ أمن حاجة بكم أم من بخل فذكر له ابن عباس هذا الحديث وقال احمد حدثنا روح ثنا حماد عن حميد عن بكر عن عبد الله أن اعرابيا قال لابن عباس ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل وآل فلان يسقون اللبن وأنتم تسقون النبيذ أمن بخل بكم أم حاجة فقال ابن عباس ما بنا بخل ولا حاجة ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءنا ورديفه اسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا يعني نبيذ السقاية فشرب منه وقال أحسنتم هكذا فاصنعوا ورواه احمد عن روح ومحمد بن بكر عن ابن جريج عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وداود بن علي بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس فذكره وروى البخاري عن اسحاق بن سليمان عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله جاء الى السقاية فاستقى فقال العباس يا فضل اذهب إلى أمك فأت رسول الله بشراب من عندها فقال اسقني فقال يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه قال اسقني فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال اعملوا فانكم على عمل صالح ثم قال لولا أن تغلبوا لنزعت حتى أضع الحبل على هذه يعني عاتقه وأشار الى عاتقه وعنده من حديث عاصم عن الشعبي أن ابن عباس قال سقيت النبي صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم قال عاصم فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعير وفي رواية ناقته وقال الامام احمد ثنا هشيم ثنا يزيد بن ابي زياد عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وهو على بعير واستلم الحجر بمحجن كان معه قال وأتى السقاية فقال أسقوني فقالوا إن هذا يخوضه الناس ولكنا نأتيك به من البيت فقال لا حاجة لي فيه اسقوني مما تشرب الناس وقد روى أبو داود عن مسدد عن خالد الطحان عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة عن ابن عباس قال قدم رسول الله مكة ونحن نستقي فطاف على راحلته الحديث وقال الامام احمد حدثنا روح وعفان قالا ثنا حماد عن قيس وقال عفان في حديثه أنبأنا قيس عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمزم فنزعنا له دلوا فشرب ثم مج فيها ثم أفر غناها في زمزم ثم قال لولا أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي انفرد به احمد واسناده على شرط مسلم
*2* فصل ( اكتفاء رسول الله عليه السلام بطوافه الأول ) .
@ ثم إنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بل اكتفى بطوافه الأول كما روى مسلم في صحيحه من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير سمعت جابر بن عبد الله يقول لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا قلت والمراد بأصحابه هاهنا الذين ساقوا الهدي وكانوا قارنين كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة وكانت أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة يكفيك طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة لحجك وعمرتك وعند أصحاب الامام احمد أن قول جابر وأصحابه عام في القارنين والمتمتعين ولهذا نص الامام احمد على أن التمتع يكفيه طواف واحد عن حجه وعمرته وان تحلل بينهما تحلل وهو قول غريب مأخذه ظاهر عموم الحديث والله أعلم وقال أصحاب أبي حنيفة في المتمتع كما قال المالكية والشافعية إنه يجب عليه طوافان وسعيان حتى طردت الحنفية ذلك في القارن وهو من افراد مذهبهم أنه يطوف طوافين ويسعى سعيين ونقلوا ذلك عن علي موقوفا وروى عنه مرفوعا الى النبي صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا الكلام على ذلك كله عند الطواف وبينا أن اسانيد ذلك ضعيفة مخالفة للأحاديث الصحيحة والله أعلم
*2* فصل ( رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى منى )
@
ثم رجع عليه السلام الى منى بعد ما صلى الظهر بمكة كما دل عليه حديث جابر وقال ابن عمر رجع فصلى الظهر بمنى رواهما مسلم كما تقدم قريبا ويمكن الجمع بينهما بوقوع ذلك بمكة وبمنى والله أعلم وتوقف ابن حزم في هذا المقام فلم يجزم فيه بشيء وهو معذور لتعارض النقلين الصحيحين فيه فالله أعلم وقال محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرات إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ورواه أبو داود منفردا به وهذا يدل على أن ذهابه عليه السلام الى مكة يوم النحر كان بعد الزوال وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعا وفي منافاته لحديث جابر نظر والله أعلم
*2* فصل ( خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر )
@
وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم الشريف خطبة عظيمة تواترت بها الأحاديث ونحن نذكر منها ما يسره الله عز وجل قال البخاري باب الخطبة أيام منى حدثنا علي بن عبد الله ثنا يحيى بن سعيد ثنا فضيل بن غزوان ثنا عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر فقال أيها الناس أي يوم هذا قالوا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا قال فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم قد بلغت قال ابن عباس فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ورواه الترمذي عن الفلاس عن يحيى القطان به وقال حسن صحيح وقال البخاري أيضا حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو عامر ثنا قرة عن محمد بن سيرين
أخبرني عبد الرحمن بن ابي بكرة عن أبيه ورجل أفضل في نفسي من عبد الرحمن حميد بن عبد الرحمن عن ابي بكرة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال أتدرون أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس هذا يوم النحر قلنا بلى قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس ذو الحجة قلنا بلى قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس بالبلدة الحرام قلنا بلى قال فان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم ألا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ورواه البخاري ومسلم من طرق عن محمد بن سيرين به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه فذكره وزاد في آخره ثم انكفأ الى كبشين أملحين فذبحهما والى جذيعة من الغنم فقسمها بيننا وقال الامام احمد ثنا اسماعيل أنبأنا أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنى عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان ثم قال ألا أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليس يوم النحر قلنا بلى ثم قال أي شهر هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا انه سيسميه بغير اسمه قال أليس ذا الحجة قلنا بلى ثم قال أي بلد هذا قلنا الله ورسوله أعلم فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال أليست البلدة قلنا بلى قال فان دماءكم وأموالكم لأحبسه قال واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم ألا لا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا هل بلغت ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من سمعه هكذا وقع في مسند الامام احمد عن محمد بن سيرين عن أبي بكرة وهكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن عمرو بن زرارة كلاهما عن اسماعيل وهو ابن علية عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي بكرة به وهو منقطع لأن صاحبا الصحيح أخرجاه من غير وجه عن أيوب وغيره عن محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن ابي بكرة عن أبيه به وقال البخاري أيضا ثنا محمد ابن المثنى ثنا يزيد بن هارون أنبأنا عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن ابن عمر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى أتدرون أي يوم هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال فان هذا يوم حرام أفتدرون أي بلد هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال بلد حرام قال أفتدرون أي شهر هذا قالوا الله ورسوله أعلم
قال شهر حرام فان الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا وقد أخرجه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه وبقية الجماعة إلا الترمذي من طرق عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جده عبد الله بن عمر فذكره قال البخاري وقال هشام بن الغاز أخبرني نافع عن ابن عمر وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا وقال هذا يوم الحج الأكبر فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اشهد وودع الناس فقالوا هذه حجة الوداع وقد أسند هذا الحديث أبو داود عن مؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم وأخرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد كلاهما عن هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي أبي العباس الدمشقي به وقيامه عليه السلام بهذه الخطبة عند الجمرات يحتمل أنه بعد رميه الجمرة يوم النحر وقبل طوافه ويحتمل أنه بعد طوافه ورجوعه الى منى ورميه بالجمرات لكن يقوى الأول ما رواه النسائي حيث قال حدثنا عمرو بن هشام الحراني ثنا محمد بن سلمة عن ابي عبد الرحيم عن زيد بن ابي أنيسة عن يحيى بن حصين الأحمسي عن جدته أم حصين قالت حججت في حجة النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت بلالا آخذا بقود راحلته وأسامة بن زيد رافع عليه ثوبه يظله من الحر وهو محرم حتى رمى جمرة العقبة ثم خطب الناس فحمد وأثنى عليه وذكر قولا كثيرا وقد رواه مسلم من حديث زيد بن أبي أنيسة عن يحيى بن الحصين عن جدته أم الحصين قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرايت اسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة قالت فقال رسول الله قولا كثيرا ثم سمعته يقول إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوه وقال الامام احمد ثنا محمد بن عبيد الله ثنا الأعمش عن أبي صالح وهو ذكوان السمان عن جابر قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال أي يوم أعظم حرمة قالوا يومنا هذا قال أي شهر أعظم حرمة قالوا شهرنا هذا قال أي بلد أعظم حرمة قالوا بلدنا هذا قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا هل بلغت قالوا نعم قال اللهم اشهد انفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيحين ورواه أبو بكر بن ابي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش به وقد تقدم حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر في خطبته عليه السلام يوم عرفة فالله أعلم قال الامام احمد ثنا علي بن بحر ثنا عيسى بن يونس عن الاعمش عن ابي صالح عن ابي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فذكر معناه وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عيسى بن يونس به وإسناده على شرط الصحيحين فالله أعلم وقال الحافظ ابو بكر البزار حدثنا أبو هشام
ثنا حفص عن الأعمش عن أبي صالح عن ابي هريرة وأبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال أي يوم هذا قالوا يوم حرام قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ثم قال البزار رواه أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد وجمعهما لنا أبو هشام عن حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد قلت وتقدم رواية أحمد له عن محمد بن عبيد الطنافسي عن الأعمش عن ابي صالح عن جابر ابن عبد الله فلعله عند أبي صالح عن الثلاثة والله أعلم وقال هلال بن يساف عن سلمة بن قيس الأشجعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع إنما هن أربع لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تسرقوا قال فما أنا بأشج عليهن مني حين سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه احمد والنسائي من حديث منصور عن هلال بن يساف وكذلك رواه سفيان بن عيينة والثوري عن منصور وقال ابن حزم في حجة الوداع حدثنا احمد بن عمر ابن أنس العذري ثنا أبو ذر عبد الله بن احمد الهروي الأنصاري ثنا احمد بن عبدان الحافظ بالاهواز ثنا سهل بن موسى بن شيرزاد ثنا موسى بن عمرو بن عاصم ثنا أبو العوام ثنا محمد بن جحادة عن زياد بن علاقة عن اسامة بن شريك قال شهدت رسول الله في حجة الوداع وهو يخطب وهو يقول أمك واباك وأختك وأخاك ثم ادناك أدناك قال فجاء قوم فقالوا يا رسول الله قبلنا بنو يربوع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجني نفس على أخرى ثم سأله رجل نسي أن يرمي الجمار فقال ارم ولا حرج ثم أتاه آخر فقال يا رسول الله نسيت الطواف فقال طف ولا حرج ثم أتاه آخر حلق قبل أن يذبح قال اذبح ولا حرج فما سألوه يومئذ عن شيء إلا قال لا حرج لا حرج ثم قال قد أذهب الله الحرج إلا رجلا اقترض امرأ مسلما فذلك الذي حرج وهلك وقال ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء إلا الهرم وقد روى الامام احمد وأهل السنن بعض هذا السياق من هذه الطريق وقال الترمذى حسن صحيح وقال الامام احمد ثنا حجاج حدثني شعبة عن علي بن مدرك سمعت ابا زرعة يحدث عن جرير وهو جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع يا جرير استنصت الناس ثم قال في خطبته لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ثم رواه احمد عن غندر وعن ابن مهدي كل منهما عن شعبة به وأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة به وقال احمد ثنا ابن نمير ثنا اسماعيل عن قيس قال بلغنا أن جريرا قال قال رسول الله استنصت الناس ثم قال عند ذلك لا أعرفن بعد ما أرى ترجعون كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ورواه النسائي من حديث عبد الله بن نمير به وقال النسائي ثنا هناد بن السري عن أبي الاحوص عن ابن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال شهدت رسول الله في حجة الوداع يقول ايها الناس ثلاث مرات
أي يوم هذا قالوا يوم الحج الأكبر قال فان دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ولا يجني جان على والده ألا إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلدكم هذا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية يوضع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وذكر تمام الحديث وقال أبو داود باب من قال يخطب يوم النحر حدثنا هارون بن عبد الله ثنا هشام بن عبد الملك ثنا عكرمة هو ابن عمار ثنا الهرماس بن زياد الباهلي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس على ناقته العضباء يوم الاضحى بمنى ورواه احمد والنسائي من غير وجه عن عكرمة بن عمار عن الهرماس قال كان أبي مردفي فرايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى يوم النحر على ناقته العضباء لفظ احمد وهو من ثلاثيات المسند ولله الحمد ثم قال أبو داود ثنا مؤمل بن الفضل الحراني ثنا الوليد ثنا ابن جرير ثنا سليم بن عامر سمعت ابا أمامة يقول سمعت خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يوم النحر وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر الكلاعي سمعت ابا امامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ على الجدعاء واضع رجليه في الغرز يتطاول ليسمع الناس فقال بأعلا صوته ألا تسمعون فقال رجل من طوائف الناس يا رسول الله ماذا تعهد الينا فقال اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا اذا أمرتم تدخلوا جنة ربكم فقلت يا أبا أمامة مثل من أنت يومئذ قال أنا يومئذ ابن ثلاثين سنة أزاحم البعير أزحزحه قدما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه احمد أيضا عن زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح واخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكوفي عن زيد بن الحباب وقال حسن صحيح قال الامام احمد ثنا أبو المغيرة ثنا اسماعيل بن عباس ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني سمعت ابا أمامة الباهلي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر وحسابهم على الله ومن ادعى الى غير أبيه أو انتمى الى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة الى يوم القيامة لا تنفق امرأة من بيتها إلا بإذن زوجها فقيل يا رسول الله ولا الطعام قال ذاك أفضل أموالنا ثم قال رسول الله العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم ورواه أهل السنن الأربعة من حديث اسماعيل بن عياش وقال الترمذي حسن ثم قال أبو داود رحمه الله باب من يخطب يوم النحر حدثنا عبد الوهاب بن عبد الرحيم الدمشقي ثنا مروان عن هلال بن عامر المزني حدثنى رافع بن عمرو المزنى قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي يعبر عنه والناس بين قائم وقاعد ورواه النسائي عن دحيم عن مروان الفزاري به وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا هلال بن عامر المزني عن ابيه قال رأيت
رسول الله يخطب الناس بمنى على بغلة وعليه برد أحمر قال ورجل من اهل بدر بين يديه يعبر عنه قال فجئت حتى أدخلت يدي بين قدمه وشراكه قال فجعلت أعجب من بردها حدثنا محمد بن عبيد ثنا شيخ من بني فزارة عن هلال بن عامر المزني عن أبيه قال رأيت رسول الله على بغلة شهباء وعلي يعبر عنه ورواه ابو داود من حديث أبي معاوية عن هلال بن عامر ثم قال أبو داود باب ما يدكر الامام في خطبته بمنى حدثنا مسدد ثنا عبد الوارث عن حميد الاعرج عن محمد بن ابراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى ففتحت اسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار فوضع السباحتين ثم قال حصى الخذف ثم أمر المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر الأنصار فنزلوا من وراء المسجد ثم نزل الناس بعد ذلك وقد رواه احمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن ابيه وأخرجه النسائي من حديث ابن المبارك عن عبد الوارث كذلك وتقدم رواية الامام احمد له عن عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن ابراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من الصحابة فالله أعلم وثبت في الصحيحين من حديث ابن جريج عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا هو يخطب يوم النحر فقام اليه رجل فقال كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا وكذا ثم قام آخر فقال كنت أحسب أن كذا وكذا قبل كذا فقال رسول الله افعل ولا حرج وأخرجاه من حديث مالك زاد مسلم ويونس عن الزهري به وله ألفاظ كثيرة ليس هذا موضع استقصائها ومحله كتاب الاحكام وبالله المستعان وفي لفظ الصحيحين قال فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم عن شيء قدم وإلا أخر إلا قال افعل ولا حرج

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:47 AM
*2* فصل ( نزوله عليه الصلاة والسلام في منى )
@
ثم نزل عليه السلام بمنى حيث المسجد اليوم فيما يقال وأنزل المهاجرين يمنته والأنصار يسرته والناس حولهم من بعدهم وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة ثنا ابراهيم بن اسحاق الزهري ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا اسرائيل عن ابراهيم ابن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أم مسيكة عن عائشة قال قيل يا رسول الله ألا نبني لك بمنى بناء يظلك قال لا منى مناخ م ن سبق وهذا إسناد لا بأس به وليس هو في المسند ولا في الكتب الستة من هذا الوجه وقال أبو داود ثنا ابو بكر محمد بن خلاد الباهلي ثنا يحيى عن ابن جريج أو ابو حريز الشك من يحيى أنه سمع عبد الرحمن بن فروخ يسأل ابن عمر قال إنا نتبايع بأموال الناس فيأتي أحدنا مكة فيبت على المال فقال أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات بمنى وظل انفرد به أبو داود
ثم قال أبو داود ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا ابن نمير وأبو اسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته سقايته فاذن له وهكذا رواه البخاري ومسل من حديث عبد الله بن نمير زاد البخاري وأبي ضمرة أنس بن عياض زاد مسلم وابي أسامة حماد بن أسامة وقد علقه البخاري عن أبي اسامه وعقبة بن خالد كلهم عن عبيد الله ابن عمر به وقد كان صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه بمنى ركعتين كما ثبت عنه ذلك في الصحيحين من حديث ابن مسعود وحارثة بن وهب رضي الله عنهما ولهذا ذهب طائفة من العلماء إلى أن سبب هذا القصر النسك كما هو قول طائفة من المالكية وغيرهم قالوا ومن قال إنه عليه السلام كان يقول بمنى لأهل مكة أتموا فإنا قوم سفر فقد غلط إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو نازل بالأبطح كما تقدم والله أعلم وكان صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرات الثلاث في كل يوم من أيام منى بعد الزوال كما قال جابر فيما تقدم ماشيا كما قال ابن عمر فيما سلف كل جمرة بسب حصيات يكبر مع كل حصاة ويقف عند الأولى وعند الثانية يدعو الله عز وجل ولا يقف عند الثالثة قال أبو داود ثنا علي بن بحر وعبد الله ابن سعيد المعني قالا ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن ابيه عن عائشة قالت أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع الى منى فمكث بها ايام التشريق يرمي الجمرة اذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة ويقف عند الاولى والثانية فيطيل المقام ويتضرع ويرمى الثالثة لا يقف عندها انفرد به أبو داود وروى البخاري من غير وجه عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم مستقبل القبلة طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل فيقوم مستقبل القبلة ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطمنالوادي لا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله وقال وبرة بن عبد الرحمن قام ابن عمر عند العقبة بقدر قراءة سورة البقرة وقال أبو مجلز جزرت قيامه بعد قراءة سورة يوسف ذكرهما البيهقي وقال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه عن ابي القداح عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما وقال احمد ثنا محمد بن ابي بكر وأما روح ثنا ابن جريج أخبرني محمد بن ابي بكر بن محمد بن عمرو عن ابيه عن ابي القداح بن عاصم بن عدي عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر ثم يدعوا يوما وليلة ويرموا الغد وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن ثنا مالك عن عبد الله عن بكر عن أبيه عن ابي القداح عن عاصم ابن عدي عن ابيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لرعاء الابل في البيتوتة بمنى حتى يرمون يوم النحر
ثم يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد أو من بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر وكذا رواه عن عبد الرزاق عن مالك بنحوه وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث مالك ومن حديث سفيان ابن عيينة به قال الترمذي ورواية مالك اصح وهو حديث حسن صحيح
*2* فصل ( خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في ثاني أيام التشريق )
@
فيما ورد من الأحاديث الدالة على أنه عليه السلام حطب الناس بمنى في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو أوسطها قال أبو داود باب أي يوم يخطب حدثنا محمد بن العلاء أنبأنا ابن المبارك عن ابراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أوسط أيام التشريق ونحن عند راحلته وهي خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي خطب بمنى انفرد به أبو داود ثم قال ابو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين حدثتني جدتي سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت في الجاهلية قالت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الرؤوس فقال أي يوم هذا قلنا الله ورسوله أعلم قال أليس أوسط ايام التشريق انفرد به أبو داود قال أبو داود وكذلك قال عم ابي حرة الرقاشي أنه خطب اوسط أيام التشريق وهذا الحديث قد رواه الامام احمد متصلا مطولا فقال ثنا عثمان ثنا حماد بن سلمة أنبأنا علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال كنت آخذا بزمام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوسط ايام التشريق اذود عنه الناس فقال يا أيها الناس أتدرون في أي شهر أنتم وفي أي يوم أنتم وفي أي بلد أنتم قالوا في يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى أن تلقونه ثم قال اسمعوا مني تعيشوا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا ألا لا تظلموا إنه لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب نفس منه ألا إن كل دم ومال ومأثرة كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه الى يوم القيامة وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب كان مستعرضا في بني سعد فقتلته هذيل ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع وإن الله قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ألا وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ثم قرأ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ألا
إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكنه في التحريش بينكم واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا وإن لهن عليكم حقا ولكم عليهن حق أن لا يوطئن فرشكم أحد غيركم ولا يأذن فيي بيوتكم لأحد تكرهونه فان خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف وإنما أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها الى من ائتمنه عليها وبسط يده وقال ألا هل بلغت ألا هل بلغت ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب فانه رب مبلغ أسعد من سامع قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة قد والله بلغوا أقواما كانوا أسعد به وقد روى أبو داود في كتاب النكاح من سننه عن موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي حرة الرقاشي واسمه حنيفة عن عمه ببعضه في النشوز قال ابن حزم جاء أنه خطب يوم الرؤوس وهو اليوم الثاني من يوم النحر بلا خلاف عن أهل مكة وجاء أنه أوسط أيام التشريق فيحتمل على أن أوسط بمعنى أشرف كما قال تعالى كذلك جعلناكم أمة وسطا وهذا المسلك الذي سلكه ابن حزم بعيد والله أعلم وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الوليد بن عمرو بن مسكين ثنا أبو همام محمد بن الزبرقان ثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار وصدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر قال نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى وهو في أوسط ايام التشريق في حجة الوداع إذا جاء نصر الله والفتح فعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له ثم ركب فوقف الناس بالعقبة فاجتمع اليه ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فان كل دم كان في الجاهلية فهو هدر وإن أول دمائكم اهدر دم ربيعة ابن الحارث كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل وكل ربا في الجاهلية فهو موضوع وان أول رباكم اضع ربا العباس بن عبد المطلب أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر منها أربعة حرم رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم الآية إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله كانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفرا عاما ويحلون المحرم عاما فذلك النسئ يا أيها الناس من كان عنده وديعة فليؤدها الى من ائتمنه عليها أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان وقد يرضى عنكم بمحقرات الأعمال فاحذروه على دينكم بمحقرات الأعمال أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله لكم عليهن ولهن عليكم حق ومن حقكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يعصينكم في
معروف فإن فعلن ذلك فليس عليهن سبيل ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف فإن ضربتم فاضربوا ضربا غير مبرح ولا يحل لامرء من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه أيها الناس اني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا كتاب الله فاعملوا به أيها الناس أي يوم هذا قالوا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال أي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن الله حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم في هذا البلد وهذا الشهر ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم ثم رفع يديه فقال اللهم اشهد
*2* حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يزور البيت كل ليلة من ليالي منى
@
قال البخاري يذكر عن أبي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت في أيام منى هكذا ذكره معلقا بصيغة التمريض وقد قال الحافظ البيهقي أخبرناه أبو الحسن بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا العمري أنبأنا ابن عرعرة فقال دفع الينا معاذ بن هشام كتابا قال سمعته من ابي ولم يقرأه قال فكان فيه عن قتادة عن ابي حسان عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى قال وما رأيت أحدا واطأه عليه قال البيهقي وروى الثوري في الجامع عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة يعني ليالي منى وهذا مرسل
*2* فصل ( يوم الزينة )
@
اليوم السادس من ذي الحجة قال بعضهم يقال له يوم الزينة لأنه يزين فيه البدن بالجلال وغيرها واليوم السابع يقال له يوم التروية لأنهم يتروون فيه من الماء ويحملون منه ما يحتاجون اليه حال الوقوف وما بعده واليوم الثامن يقال له يوم منى لأنهم يرحلون فيه من الأبطح الى منى واليوم التاسع يقال له يوم عرفة لوقوفهم فيه بها واليوم العاشر يقال له يوم النحر ويوم الأضحى ويوم الحج الأكبر واليوم الذي يليه يقال له يوم القر لأنهم يقرون فيه ويقال له يوم الرؤوس لأنهم يأكلون فيه رؤوس الاضاحي وهو أول أيام التشريق وثاني أيام التشريق يقال له يوم النفر الأول لجواز النفر فيه وقيل هو اليوم الذي يقال له يوم الرؤوس واليوم الثالث من أيام التشريق يقال له يوم النفر الآخر قال الله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه الآية فلما كان يوم النفر الآخر وهو اليوم الثالث من ايام التشريق وكان يوم الثلاثاء ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فنفر بهم من منى فنزل المحصب وهو واد بين مكة ومنى فصلى به العصر كما قال البخاري حدثنا محمد بن المثنى ثنا اسحاق بن يوسف ثنا يوسف ثنا سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع
قال سألت أنس بن مالك أخبرني عن شيء عقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صلى الظهر يوم التروية قال بمنى قلت فأين صلى العصر يوم النفر قال بالأبطح افعل كما يفعل امراؤك وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم النفر بالأبطح وهو المحصب فالله أعلم قال البخاري حدثنا عبد المتعال ابن طالب ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن قتادة حدثه أن أنس بن مالك حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى الظهر والعصر والعشاء ورقد رقدة في المحصب ثم ركب الى البيت فطاف به قلت يعني طواف الوداع وقال البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب ثنا خالد بن الحارث قال سئل عبد الله عن المحصب فحدثنا عبيد الله عن نافع قال نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر وعن نافع أن ابن عمر كان يصلي بها يعني المحصب والظهر والعصر أحسبه قال والمغرب قال خالد لا اشك في العشاء ثم يهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الامام احمد ثنا نوح بن ميمون أنبأنا عبد الله عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان نزلوا المحصب هكذا رأيته في مسند الامام احمد من حديث عبد الله العمري عن نافع وقد روى الترمذي هذا الحديث عن اسحاق بن منصور وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن يحيى كلاهما عن عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح قال الترمذي وفي الباب عن عائشة وأبي رافع وابن عباس وحديث ابن عمر حسن غريب وإنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به وقد رواه مسلم عن محمد بن مهران الرازي عن عبد الرزاق عن معمر عن ايوب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح ورواه مسلم أيضا من حديث صخر بن جويرية عن نافع عن ابن عمر أنه كان ينزل المحصب وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة قال نافع قد حصب رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وقال الامام احمد حدثنا يونس ثنا حماد يعني ابن سلمة عن أيوب وحميد عن بكر بن عبد الله عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء ثم هجع هجعة ثم دخل يعني مكة فطاف بالبيت ورواه احمد أيضا عن عفان عن حماد عن حميد عن بكر عن ابن عمر فذكره وزاد في آخره وكان ابن عمر يفعله وكذلك رواه ابو داود عن احمد بن حنبل وقال البخاري ثنا الحميدي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي حدثني الزهري عن ابي سلمة عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر بمنى نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصب الحديث ورواه مسلم عن زهير بن
حرب عن الوليد بن مسلم عن الاوزاعي فذكر مثله سواء وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله أين تنزل غدا في حجته قال وهل ترك لنا عقيل منزلا ثم قال نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة يعني المحصب حيث قاسمت قريشا على الكفر وذلك أن بني كنانة حالفت قريشا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم يعني حتى يسلموا اليهم رسول الله ثم قال عند ذلك لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم قال الزهري والخيف الوادي أخرجاه من حديث عبد الرزاق وهذان الحديثان فيهما دلالة على أنه عليه السلام قصد النزول في المحصب مراغمة لما كان تمالئ عليه كفار قريش لما كتبوا الصحيفة في مصارمة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا بيان ذلك في موضعه وكذلك نزله عام الفتح فعلى هذا يكون نزوله سنة مرغبا فيها وهو أحد قولي العلماء وقد قال البخاري ثنا أبو نعيم أنبأنا سفيان عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت إنما كان منزلا ينزله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه يعني الابطح وأخرجه مسلم من حديث هشام به ورواه أبو داود عن احمد ابن حنبل عن يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة إنما نزل رسول الله المحصب ليكون أسمح لخروجه وليس بسنة فمن شاء نزله ومن شاء لم ينزله وقال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان قال قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس قال ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره عن سفيان وهو ابن عيينة به وقال أبو داود ثنا احمد بن حنبل وعثمان بن ابي شيبة ومسدد المعنى قالوا ثنا سفيان ثنا صالح بن كيسان عن سليمان بن يسار قال قال أبو رافع لم يأمرني يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنزله ولكن ضربت فيه فنزله قال مسدد وكان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وقال عثمان يعني الأبطح ورواه مسلم عن قتيبة وأبي بكر وزهير بن حرب عن سفيان بن عيينة به والمقصود أن هؤلاء كلهم اتفقوا على نزول النبي صلى الله عليه وسلم في المحصب لما نفر من منى ولكن اختلفوا فمنهم من قال لم يقصد نزوله وإنما نزله اتفاقا ليكون أسمح لخروجه ومنهم من أشعر كلامه بقصده عليه السلام نزوله وهذا هو الأشبه وذلك أنه عليه السلام أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فأمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت وكانوا قبل ذلك ينصرفون من كل وجه كما قال ابن عباس فامر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت يعني طواف الوداع فاراد عليه السلام أن يطوف هو ومن معه من المسلمين بالبيت طواف الوداع وقد نفر من منى قريب الزوال فلم يكن يمكنه أن يجيء البيت في بقية يومه ويطوف به ويرحل الى ظاهر مكة من جانب المدينة لأن ذلك قد
يتعذر على هذا الجم الغفير فاحتاج أن يبيت قبل مكة ولم يكن منزل أنسب لمبيته من المحصب الذي كانت قريش قد عاقدت بني كنانة على بني هاشم وبني المطلب فيه فلم يبرم الله لقريش أمرا بل كبتهم وردهم خائبين وأظهر الله دينه ونصر نبيه وأعلا كلمته وأتم له الدين القويم وأوضح به الصراط المستقيم فحج بالناس وبين لهم شرائع الله وشعائره وقد نفر بعد اكمال المناسك فنزل في الموضع الذي تقاسمت قريش فيه على الظلم والعدوان والقطيعة فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء وهجع هجعة وقد كان بعث عائشة أم المؤمنين مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم فاذا فرغت اتته فلما قضت عمرتها ورجعت أذن في المسلمين بالرحيل الى البيت العتيق كما قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية ثنا خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة قالت أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت فقضيت عمرتي وانتظرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح حتى فرغت وامر الناس بالرحيل قالت وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت فطاف به ثم خرج وأخرجاه في الصحيحين من حديث أفلح بن حميد ثم قال أبو داود ثنا محمد بن بشار ثنا أبو بكر يعني الحنفي ثنا أفلح عن القاسم عنها يعني عائشة قالت خرجت معه يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم النفر الآخر ونزل المحصب قال أبو داود فذكر ابن بشار بعثها الى التنعيم قالت ثم جئت سحرا فأذن في الصحابة بالرحيل فارتحل فمر بالبيت قبل صلاة الصبح فطاف به حين خرج ثم انصرف متوجها الى المدينة ورواه البخاري عن محمد بن بشار به
قلت والظاهر أنه عليه السلام صلى الصبح يومئذ عند الكعبة بأصحابه وقرأ في صلاته تلك بسورة والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور السورة بكمالها وذلك لما رواه البخاري حيث قال حدثنا اسماعيل حدثني مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال شكوت الى رسول الله أني اشتكي قال طوفي من وراء الناس وأنت راكبة فطفت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حينئذ الى جنب البيت وهو يقرأ والطور وكتاب مسطور وأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي من حديث مالك باسناد نحوه وقد رواه البخاري من حديث هشام بن عروة عن ابيه عن زينب عن أم سلمة أن رسول الله قال وهو بمكة واراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت وارادت الخروج فقال لها إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون فذكر الحديث فأما ما رواه الامام احمد حدثنا ابو معاوية ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت ابي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة فهو اسناد كما
ترى على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من هذا الوجه بهذا اللفظ ولعل قوله يوم النحر غلط من الراوي أو من الناسخ وإنما هو يوم النفر ويؤيده ما ذكرناه من رواية البخاري والله أعلم والمقصود أنه عليه السلام لما فرغ من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا ووقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الاسود وبين باب الكعبة فدعا الله عز وجل والزق جسده بجدار الكعبة قال الثوري عن المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزق وجهه وصدره بالملتزم المثنى ضعيف


فصل ( خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة )
@
ثم خرج عليه السلام من اسفل مكة كما قالت عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة من أعلاها وخرج من اسفلها أخرجاه وقال ابن عمر دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثنية العليا التي بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى رواه البخاري ومسلم وفي لفظ دخل من كداء وخرج من كدى وقد قال الامام احمد ثنا محمد بن فضيل ثنا أجلح بن عبد الله عن أبي الزبير عن جابر قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة عند غروب الشمس فلم يصل حتى أتى سرف وهي على تسعة أميال من مكة وهذا غريب جدا وأجلح فيه نظر ولعل هذا في غير حجة الوداع فانه عليه السلام كما قدمنا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح فماذا أخره الى وقت الغروب هذا غريب جدا اللهم إلا أن يكون ما ادعاه ابن حزم صحيحا من أنه عليه السلام رجع الى المحصب من مكة بعد طوافه بالبيت طواف الوداع ولم يذكر دليلا على ذلك إلا قول عائشة حين رجعت من اعتمارها من التنعيم فلقيته بصعدة وهو مهبط على أهل مكة او منهبطه وهو مصعد قال ابن حزم الذي لا شك فيه أنها كانت مصعدة من مكة وهو منهبط لأنها تقدمت الى العمرة وانتظرها حتى جاءت ثم نهض عليه السلام الى طواف الوداع فلقيها منصرفه الى المحصب من مكة وقال البخاري باب من نزل بذي طوى اذا رجع من مكة وقال محمد بن عيسى حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كان اذا أقبل بات بذي طوى حتى اذا اصبح دخل واذا نفر مر بذي طوى وبات بها حتى يصبح وكان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك هكذا ذكر هذا معلقا بصيغة الجزم وقد أسنده هو ومسلم من حديث حماد بن زيد به لكن ليس فيه ذكر المبيت بذي طوى في الرجعة فالله أعلم
فائدة عزيزة فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استصحب معه من ماء زمزم شيئا قال الحافظ ابو عيسى الترمذي حدثنا أبو كريب ثنا خلاد بن يزيد الجعفي ثنا زهير بن معاوية عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة أنها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمله ثم قال
هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقال البخاري ثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك ثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا قفل من الغزو أو من الحج أو من العمرة يبدأ فيكبر ثلاث مرات ثم يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده والاحاديث في هذا كثيرة ولله الحمد والمنة
*2* فصل ( خطبته صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة )
@
في إيراد الحديث الدال على أنه عليه السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة يقال له غدير خم فبين فيها فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه اليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا وتضييقا وبخلا والصواب كان معه في ذلك ولهذا لما تفرغ عليه السلام من بيان المناسك ورجع الى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك فبين فيها أشياء وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه اليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ونبين ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ فجمع فيه مجلدين أورد فيهما طرقه وألفاظه وساق الغث والسمين والصحيح والسقيم على ما جرت به عادة كثير من المحدثين يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ونحن نورد عيون ما روى في ذلك مع اعلامنا أنه لاحظ للشيعة فيه ولا متمسك لهم ولا دليل لما سنبينه وننبه عليه فنقول وبالله المستعان
قال محمد بن اسحاق في سياق حجة الوداع حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال لما أقبل علي من اليمن ليلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تعجل الى رسول الله واستخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه فعمد ذلك الرجل فكسى كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم فاذا عليهم الحلل قال ويلك ما هذا قال كسوت القوم ليتجملوا به اذا قدموا في الناس قال ويلك
انزع قبل أن ينتهي به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فانتزع الحلل من الناس فردها في البز قال وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم قال ابن اسحاق فحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم عن سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب وكانت عند أبي سعيد الخدري عن أبي سعيد قال اشتكى الناس عليا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيبا فسمعته يقول أيها الناس لا تشكو عليا فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله من أن يشكي ورواه الامام احمد من حديث محمد بن اسحاق به وقال انه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله وقال الامام احمد حدثنا الفضل بن دكين ثنا ابن أبي غنية عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة قال غزوت مع علي اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول الله يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه وكذا رواه النسائي عن أبي داود الحراني عن ابي نعيم الفضل بن دكين عن عبد الملك بن أبي غنية باسناده نحوه وهذا اسناد جيد قوي رجاله كلهم ثقات وقد روى النسائي في سننه عن محمد بن المثنى عن يحيى بن حماد عن أبي معاوية عن الأعمش عن حبيب بن ابي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن ارقم قال لما رجع رسول الله من حجة الوداع ونزل غدير حم أمر بدوحات فقممن ثم قال كأني قد دعيت فأجبت اني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ثم قال الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فقلت لزيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه تفرد به النسائي من هذا الوجه قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وهذا حديث صحيح وقال ابن ماجه حدثنا علي بن محمد أنا أبو الحسين أنبأنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع التي حج فنزل في الطريق فأمر الصلاة جامعة فأخذ بيد علي فقال الست بأولى المؤمنين من أنفسسهم قالوا بلى قال ألست بأولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى قال فهذا ولي من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر عن علي بن زيد بن جدعان عن عدي عن البراء وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي والحسن بن سفيان ثنا هدبة ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وابي هارون عن عدي بن ثابت عن البراء قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع فلما أتينا على غدير خم كشح لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرتين ونودي في الناس الصلاة جامعة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وأخذ بيده فاقامه عن يمينه فقال ألست أولى بكل امرء من نفسه قالوا بلى قال فان هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلقيه عمر بن الخطاب فقال هنيئا لك أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة ورواه ابن جرير عن أبي زرعة عن موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد وابي هارون العبدي وكلاهما ضعيف عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب به وروىابن جرير هذا الحديث من حديث موسى بن عثمان الحضرمي وهو ضعيف جدا عن أبي اسحاق السبيعي عن البراء وزيد بن أرقم فالله أعلم وقال الامام احمد حدثنا ابن نمير ثنا عبد الملك عن أبي عبد الرحيم الكندي عن زاذان أبي عمر قال سمعت عليا بالرحبة وهو ينشد الناس من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم وهو يقول ما قال قال فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه تفرد به احمد وأبو عبد الرحيم هذا لا يعرف وقال عبد الله بن الامام احمد في مسند أبيه حديث علي بن حكيم الاودي أخبرنا شريك عن أبي اسحاق عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيغ قال نشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما قال إلا قام قال فقام من قبل سعيد ستة ومن قبل زيد ستة فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي يوم غدير خم أليس الله أولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا بلى قال اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال عبد الله وحدثني علي بن حكيم انا شريك عن ابي اسحاق عن عمرو ذي أمر مثل حديث ابي اسحاق يعني عن سعيد وزيد وزاد فيه وانصر من نصره واخذل من خذله قال عبد الله وحدثنا علي ثنا شريك عن الاعمش عن حبيب بن ابي ثابت عن ابي الطفيل عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقال النسائي في كتاب خصائص علي حدثنا حسين بن حرب ثنا الفضل بن موسى عن الاعمش عن ابي اسحاق عن سعيد بن وهب قال قال علي في الرحبة أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول ان الله ولي المؤمنين ومن كنت وليه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره وكذلك رواه شعبة عن ابي اسحاق وهذا اسناد جيد ورواه النسائي أيضا من حديث اسرائيل عن ابي اسحاق عن عمرو ذي أمر قال نشد علي الناس بالرحبة فقام اناس فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فان عليا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأحب من أحبه وابغض من أبغضه وانصر من نصره ورواه ابن جرير عن احمد بن منصور عن عبد الرزاق عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن زيد بن وهب وعبد خير عن علي وقد رواه ابن جرير عن احمد بن منصور عن
عبيد الله بن موسى وهو شيعي ثقة عن فطر بن خليفة عن أبي اسحاق عن زيد بن وهب وزيد بن يثيغ وعمرو ذي أمر أن عليا أنشد الناس بالكوفة وذكر الحديث وقال عبد الله بن احمد حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن ابي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى شهدت عليا في الرحبة ينشد الناس فقال اشهد الله من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد قال عبد الرحمن فقام اثنا عشر رجلا بدريا كأني أنظر الى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول الله يقول يوم غدير خم ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم فقلنا بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه اسناد ضعيف غريب وقال عبد الله بن احمد حدثنا احمد بن عمير الوكيعي ثنا زيد بن الحباب ثنا الوليد بن عقبة بن ضرار القيسي أنبأنا سماك عن عبيد بن الوليد القيسي قال دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني أنه شهد عليا في الرحبة قال أنشد بالله رجلا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهده يوم غدير خم إلأ قام ولا يقوم إلا من رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فاصابتهم دعوته وروى أيضا عن عبد الاعلى بن عامر التغلبي وغيره عن عبد الرحمن بن ابي ليلى به وقال ابن جرير ثنا احمد بن منصور ثنا أبو عامر العقدي وروى ابن أبي عاصم عن سليمان الغلابي عن ابي عامر العقدي ثنا كثير بن زيد حدثني محمد بن عمر بن علي عن ابيه عن علي أن رسول الله حضر الشجرة بخم فذكر الحديث وفيه من كنت مولاه فان عليا مولاه وقد رواه بعضهم عن أبي عامر عن كثير عن محمد بن عمر بن علي عن علي منقطعا وقال اسماعيل بن عمرو البجلي وهو ضعيف عن مسعر عن طلحة بن مصرف عن عميرة ابن سعد أنه شهد عليا على المنبر يناشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع رسول الله يوم غدير خم فقام اثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأبو سعيد وأنس بن مالك فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله يقول من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وقد رواه عبيد الله بن موسى عن هاني بن ايوب وهو ثقة عن طلحة بن مصرف به وقال عبد الله بن احمد حدثني حجاج بن الشاعر ثنا شبابة ثنا نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم ورجل من جلساء علي عن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه قال فزاد الناس بعد وال من والاه وعاد من عاداه روى أبو داود بهذا السند حديث المخرج وقال الامام احمد حدثنا حسين بن محمد وابو نعيم المعنى قالا ثنا قطن عن ابي الطفيل قال جمع علي الناس في الرحبة يعني رحبة مسجد الكوفة فقال أنشد الله كل من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام
ناس كثير فشهدوا حين أخذ بيده فقال للناس أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من انفسهم قالوا نعم يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال فخرجت كأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن ارقم فقلت له إني سمعت عليا يقول كذا وكذا قال فما تنكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك له هكذا ذكره الامام احمد في مسند زيد بن أرقم رضي الله عنه ورواه النسائى وقد تقدم واخرجه النسائي من حديث الاعمش ع عن حبيب بن ابي ثابت عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم به وقد تقدم وأخرجه الترمذي عن بندار عن غندر عن شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت ابا الطفيل يحدث عن ابي سريحة أو زيد بن ارقم شك شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كنت مولاه فعلي مولاه ورواه ابن جرير عن احمد بن حازم عن أبي نعيم عن كامل أبي العلاء عن حبيب بن ابي ثابت عن يحيى بن جعدة عن زيد بن أرقم وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا أبو عوانة عن المغيرة عن ابي عبيد عن ميمون أبي عبد الله قال قال زيد بن ارقم وأنا أسمع نزلنا مع رسول الله منزلا يقال له وادي خم فأمر بالصلاة فصلاها بهجير قال فخطبنا وظل رسول الله بثوب على شجرة ستره من الشمس فقال ألستم تعلمون أو ألستم تشهدون أني أولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى قال فمن كنت مولاه فان عليا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم رواه احمد عن غندر عن شعبة عن ميمون أبي عبد الله عن زيد بن ارقم الى قوله من كنت مولاه فعلي مولاه قال ميمون حدثني بعض القوم عن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وهذا اسناد جيد رجاله ثقات على شرط السنن وقد صحح الترمذي بهذا السند حديثا في الريث وقال الامام احمد ثنا يحيى بن آدم ثنا حنش بن الحارث بن لقيط الاشجعي عن رباح بن الحارث قال جاء رهط الى علي بالرحبة فقالوا السلام عليك يا مولانا قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب قالوا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فهذا مولاه قال رباح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء قالوا نفر من الأنصار منهم أبو ايوب الانصاري وقال الامام احمد ثنا حنش عن رباح بن الحارث قال رأيت قوما من الأنصار قدموا على علي في الرحبة فقال من القوم فقالوا مواليك يا أمير المؤمنين فذكر معناه هذا لفظه وهو من أفراده وقال ابن جرير ثنا احمد بن عثمان أبو الجوزاء ثنا محمد بن خالد بن عثمة ثنا موسى بن يعقوب الزمعي وهو صدوق حدثني مهاجر بن مسمار عن عائشة بنت سعد سمعت أباها يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الجحفة وأخذ بيد علي فخطب ثم قال ايها الناس إني وليكم قالوا صدقت فرفع يد علي فقال هذا وليي والمؤدي عني وإن الله موالي من والاه ومعادي من عاداه قال شيخنا الذهبي وهذا حديث حسن غريب ثم رواه ابن جرير من حديث يعقوب بن جعفر بن ابي كبير عن مهاجر بن مسمار فذكر الحديث وأنه
عليه السلام وقف حتى لحقه من بعه وأمر برد من كان تقدم فخطبهم الحديث وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في الجزء الأول من كتاب غدير خم قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي وجدته في نسخة مكتوبة عن ابن جرير حدثنا محمود بن عوف الطائي ثنا عبيد الله بن موسى أنبأنا اسماعيل بن كشيط عن جميل بن عمارة عن سالم بن عبد الله بن عمر قال ابن جرير أحسبه قال عن عمر وليس في كتابي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد علي من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وهذا حديث غريب بل منكر وإسناده ضعيف قال البخاري في جميل بن عمارة هذا فيه نظر وقال المطلب بن زياد عن عبد الله بن محمد بن عقيل سمع جابر بن عبد الله يقول كنا بالجحفة بغدير خم فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من خباء أو فسطاط فأخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فعلي مولاه قال شيخنا الذهبي هذا حديث حسن وقد رواه ابن لهيعة عن بكر بن سوادة وغيره عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بنحوه وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم وابن ابي بكير قالا ثنا اسرائيل عن أبى اسحاق عن حبشى بن جنادة قال يحيى بن آدم وكان قد شهد حجة الوداع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على منى وأنا منه ولا يؤدى عنى إلا أنا أو على وقال ابن أبى بكير لا يقضي عني ديني إلا أنا أو علي وكذا رواه احمد ايضا عن ابي احمد الزبيري عن اسرائيل قال الامام احمد وحدثناه الزبيري ثنا شريك عن ابي اسحاق عن حبشي بن جنادة مثله قال فقلت لأبي اسحاق أين سمعت منه قال وقف علينا علي فرس في مجلسنا في جبانة السبيع وكذا رواه احمد عن أسود بن عامر ويحيى بن آدم عن شريك ورواه الترمذي عن اسماعيل بن موسى عن شريك وابن ماجه عن ابي بكر بن ابي شيبة وسويد بن سعيد واسماعيل بن موسى ثلاثتهم عن شريك به ورواه النسائي عن احمد بن سليمان عن يحيى بن آدم عن اسرائيل به وقال الترمذي حسن صحيح غريب ورواه سليمان بن قرم وهو متروك عن ابي اسحاق عن حبش بن جنادة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وذكر الحديث وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو بكر بن ابي شيبة أنبأنا شريك عن ابي يزيد الأودي عن ابيه قال دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع الناس اليه فقام اليه شاب فقال أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال نعم ورواه ابن جرير عن أبي كريب عن شاذان عن شريك به تابعه ادريس الأودي عن أخيه أبي يزيد واسمه داود بن يزيد به ورواه ابن جرير ايضا من حديث ادريس الأودي عن ابيهما عن أبي هريرة فذكره فأما الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب عن مطر الوراق عن شهر بن حوشب عن ابي هريرة قال لما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد
علي قال من كنت مولاه فعلي مولاه فأنزل الله عز وجل اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي قال أبو هريرة وهو يوم غدير خم من صام يوم ثمان عشرة من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا فانه حديث منكر جدا بل كذب لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآيه نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بها كما قدمنا وكذا قوله إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم غدير خم يعدل صيام ستين شهرا لا يصح لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح أن صيام شهر رمضان بعشرة اشهر فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا هذا باطل وقد قال شيخنا الحافظ ابو عبد الله الذهبي بعد إيراده هذا الحديث هذا حديث منكر جدا ورواه حبشون الخلال واحمد بن عبد الله بن احمد النيري وهما صدوقان عن علي بن سعيد الرملي عن ضمرة قال ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب ومالك بن الحويرث وأنس بن مالك وأبي سعيد وغيرهم بأسانيد واهية قال وصدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله وأما اللهم وال من والاه فزيادة قوية الاسناد وأما هذا الصوم فليس بصحيح ولا والله ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة قبل غدير خم بأيام والله تعالى أعلم وقال الطبراني حدثنا علي بن اسحاق الوزير الاصبهاني حدثنا علي بن محمد المقدمي حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي حدثنا علي بن محمد بن يوسف بن شبان بن مالك بن مسمع حدثنا سهل بن حنيف بن سهل بن مالك اخي كعب بن مالك عن ابيه عن جده قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا ذلك له أيها الناس إني عن ابي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين راض فاعرفوا ذلك لهم أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأحبابي لا يطلبكم الله بمظلمة أحد منهم ايها الناس ارفعوا ألسنتكم عن المسلمين واذا مات أحد منهم فقولوا فيه خيرا بسم الله الرحمن الرحيم
*2* سنة إحدى عشرة من الهجرة
@
استهلت هذه السنة وقد استقر الركاب الشريف النبوي بالمدينة النبوية المطهرة مرجعه من حجة الوداع وقد وقعت في هذه السنة أمور عظام من أعظمها خطبا وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه عليه السلام نقله الله عز وجل من هذه الدار الفانية الى النعيم الأبدي في محلة عالية رفيعة ودرجة في الجنة لا أعلى منها ولا أسنى كما قال تعالى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى وذلك بعد ما أكمل أداء الرسالة التي أمره الله تعالى بابلاغها ونصح أمته ودلهم على خير ما يعلمه لهم وحذرهم ونهاهم عما فيه مضرة عليهم في دنياهم وأخراهم وقد قدمنا ما رواه صاحبا
الصحيح من حديث عمر بن الخطاب أنه قال نزل قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة وروينا من طريق جيد أن عمر بن الخطاب حين نزلت هذه الآية بكى فقيل ما يبكيك فقال إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان وكأنه استشعر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أشار عليه السلام الى ذلك فيما رواه مسلم من حديث ابن جريج عن ابي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عند جمرة العقبة وقال لنا خذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا وقدمنا ما وراه الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي من حديث موسى بن عبيدة الربذي عن صدقة بن يسار عن ابن عمر قال نزلت هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح في أوسط أيام التشريق فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم كما تقدم وهكذا قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لعمر بن الخطاب حين سأله عن تفسير هذه السورة بمحضر كثير من الصحابة ليريهم فضل ابن عباس وتقدمه وعلمه حين لامه بعضهم على تقديمه واجلاسه له مع مشايخ بدر فقال إنه من حيث تعلمون ثم سألهم وابن عباس حاضر عن تفسير هذه السورة إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا فقالوا أمرنا إذا فتح لنا أن نذكر الله ونحمده ونستغفره فقال ما تقول يا ابن عباس فقال هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى اليه فقال عمر لا أعلم منها الا ما تعلم وقد ذكرنا في تفسير هذه السورة ما يدل على قول ابن عباس من وجوه وان كان لا ينافي ما فسر به الصحابة رضي الله عنهم وكذلك ما رواه الامام احمد حدثنا وكيع عن ابن ابي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حج بنسائه قال إنما هي هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر تفرد به احمد من هذا الوجه وقد رواه أبو داود في سننه من وجه آخر جيد
والمقصود أن النفوس استشعرت بوفاته عليه السلام في هذه السنة ونحن نذكر ذلك ونورد ما روى فيما يتعلق به من الأحاديث والآثار وبالله المستعان ولنقدم على ذلك ما ذكره الأئمة محمد بن اسحاق بن يسار وابو جعفر بن جرير وأبو بكر البيهقي في هذا الموضع قبل الوفاة من تعداد حججه وغزواته وسراياه وكتبه ورسله الى الملوك فلنذكر ذلك ملخصا مختصرا ثم نتبعه بالوفاة
ففي الصحيحين من حديث ابي اسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وحج بعد ما هاجر حجة الوداع ولم يحج بعدها قال أبو اسحاق وواحدة بمكة كذا قال أبو اسحاق السبيعي وقد قال زيد بن الحباب عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر وواحدة بعد ما هاجر
معها عمرة وساق ستا وثلاثين بدنة وجاء علي بتمامها من اليمن وقد قدمنا عن غير واحد من الصحابة منهم أنس بن مالك في الصحيحين أنه عليه السلام اعتمر أربع عمر عمرة الحديبية وعمرة القضاء وعمرة الجعرانة والعمرة التي مع حجة الوداع وأما الغزوات فروى البخاري عن أبي عاصم النبيل عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الاكوع قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحيحين عن قتيبة عن حاتم بن اسماعيل عن زيد بن سلمة قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وفيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة على اسامة بن زيد وفي صحيح البخاري من حديث اسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء قال غزا رسول الله خمس عشرة غزوة وفي الصحيحين من حديث شعبة عن أبي اسحاق عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة غزوة وشهد معه منها سبع عشرة أولها العشير أو العسير وروى مسلم عن احمد بن حنبل عن معتمر عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة عن أبيه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست عشرة غزوة وفي رواية لمسلم من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن ابيه أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة قاتل منها في ثمان وفي رواية عنه بهذا الاسناد وبعث أربعا وعشرين سرية قاتل يوم بدر وأحد والاحزاب المريسيع وخيبر ومكة وحنين وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا إحدى وعشرين غزوة غزوت معه منها تسع عشرة غزوة ولم اشهد بدرا ولا أحدا منعني أبي فلما قتل أبي يوم أحد لم أتخلف عن غزاة غزاها وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري قال سمعت سعيد بن المسيب يقول غزا رسول الله ثمان عشرة غزوة قال وسمعته مرة يقول أربعا وعشرين غزوة فلا أدري أكان ذلك وهما أو شيئا سمعته بعد ذلك وقال قتادة غزا رسول الله تسع عشرة قاتل في ثمان منها وبعث من البعوث أربعا وعشرين فجميع غزواته وسراياه ثلاث وأربعون وقد ذكر عروة بن الزبير والزهري وموسى بن عقبة ومحمد اسحاق بن يسار وغير واحد من أئمة هذا الشأن أنه عليه السلام قاتل يوم بدر في رمضان من سنة اثنتين ثم في أحد في شوال سنة ثلاث ثم الخندق وبني قريظة في شوال أيضا من سنة اربع وقيل خمس ثم في بني المصطلق بالمريسيع في شعبان سنة خمس ثم في خيبر في صفر سنة سبع ومنهم من يقول سنة ست والتحقيق أنه في أول سنة سبع وآخر سنة ست ثم قاتل أهل مكة في رمضان سنة ثمان وقاتل هوازن وحاصر أهل الطائف في شوال وبعض ذي الحجة سنة ثمان كما تقدم تفصيله وحج سنة ثمان بالناس عتاب بن أسيد نائب مكة ثم في سنة تسع ابو بكر الصديق ثم حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين سنة عشر وقال محمد
ابن اسحاق وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة غزوة ودان وهي غزوة الأبواء ثم غزوة بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر ثم غزوة بدر العظمى الذي قتل الله فيها صناديد قريش ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ثم غزوة السويق بطلب أبا سفيان بن حرب ثم غزوة غطفان وهي غزوة ذى أم ثم غزوة نجران معدن بالحجاز ثم غزوة أحد ثم حمراء الاسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع من نخل ثم غزوة بدر الآخرة ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان من هذيل ثم غزوة ذي قرد ثم غزوة بني المصطلق من خزاعة ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون ثم غزوة خيبر ثم عمرة القضاء ثم غزوة الفتح ثم غزوة حنين ثم غزوة الطائف ثم غزوة تبوك قال ابن اسحاق قاتل منها في تسع غزوات غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف قلت وقد تقدم ذلك كله مبسوطا في أماكنه بشواهده وأدلته ولله الحمد
قال ابن اسحاق وكانت بعوثه عليه السلام وسراياه ثمانيا وثلاثين من بين بعث وسرية ثم شرع رحمه الله في ذكر تفصيل ذلك وقد قدمنا ذلك كله أو أكثره مفصلا في مواضعه ولله الحمد والمنة ولنذكر ملخص ما ذكره ابن اسحاق بعث عبيدة بن الحارث الى اسفل ثنية المرة ثم بعث حمزة بن عبد المطلب الى الساحل من ناحية العيص ومن الناس من يقدم هذا على بعث عبيدة كما تقدم فالله علم بعث سعد بن ابي وقاص الى الجرار بعث عبد الله بن جحش الى بجيلة بعث زيد بن حارثة الى القردة بعث محمد بن مسلمة الى كعب بن الأشرف بعث مرثد بن ابي مرثد الى الرجيع بعث المنذر بن عمرو الى بئر معونة بعث أبي عبيدة الى ذي القصة بعث عمر بن الخطاب الى برية في أرض بني عامر بعث علي الى اليمن بعث غالب بن عبد الله الكلبي الى الكديد فاصاب بني الملوح أغار عليهم في الليل فقتل طائفة منهم فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم فلما اقتربوا حال بينهم واد من السيل وأسروا في مسيرهم هذا الحارث بن مالك بن البرصاء وقد حرر ابن اسحاق هذا هاهنا وقد تقدم بيانه بعث علي بن ابي طالب الى ارض فدك بعث أبي العوجاء السلمي الى بني سليم أصيب هو وأصحابه بعث عكاشة الى الغمرة بعث أبي سلمة بن عبد الأسد الى قطن وهو ماء بنجد لبني أسد بعث محمد بن مسلمة الى القرطاء من هوازن بعث بشير بن سعد الى بني مرة بفدك وبعثه ايضا الى ناحية حنين بعث زيد بن حارثة الى الجموم من أرض بني سليم
بعث زيد بن حارثة الى جذام من أرض بني خشين قال ابن هشام وهي من ارض حسمي وكان سببها فيما ذكره ابن اسحاق وغيره أن دحية بن خليفة لما رجع من عند قيصر وقد أبلغه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه الى الله فأعطاه من عنده تحفا وهدايا فلما بلغ واديا في ارض بني جذام يقال له شنار أغار عليه الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الصليعيان والصليع بطن من جذام فاخذا ما معه فنفر حي منهم قد أسلموا فاستنقذوا ما كان أخذ لدحية فردوه عليه فلما رجع دحية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر واستسقاه دم الهنيد وابنه عوص فبعث حينئذ زيد بن حارثة في جيش اليهم فساروا اليهم من ناحية الاولاج فأغار بالماقض من ناحية الحرة فجمعوا ما وجدوا من مال وناس وقتلوا الهنيد وابنه ورجلين من بني الاحنف ورجلا من بني خصيب فلما احتاز زيد أموالهم وذراريهم اجتمع نفر منهم برفاعة بن زيد وكان قد جاءه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم الى الله فقرأه عليهم رفاعة فاستجاب له طائفة منهم ولم يكن زيد بن حارثة يعلم ذلك فركبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة في ثلاثة أيام فأعطوه الكتاب فأمر بقراءته جهرة على الناس ثم قال رسول الله كيف أصنع بالقتلى ثلاث مرات فقال رجل منهم يقال له ابو زيد بن عمرو أطلق لنا يا رسول الله من كان حيا ومن قتل فهو تحت قدمي هذه فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ابي طالب فقال علي إن زيدا لا يعيطنى فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه علامة فسار معهم على جمل لهم فلقوا زيدا وجيشه ومعهم الأموال والذراري بفيفاء الفحلتين فسلمهم علي جميع ما كان أخذ لهم لم يفقدوا منه شيئا بعث زيد بن حارثة أيضا الى بني فزارة بوادي القرى فقتل طائفة من أصحابه وأرتث هو من بين القتلى فلما رجع آلى أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزوهم أيضا فلما استبل من جراحه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا في جيش فقتلهم بوادي القرى وأسر أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند مالك بن حذيفة بن بدر ومعها ابنة لها فأمر زيد بن حارثة قيس بن المسحر اليعمري فقتل أم قرفة واستبقى ابنتها وكانت من بيت شرف يضرب بأم قرفة المثل في عزها وكانت بنتها مع سلمة بن الأكوع فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياها فوهبها رسول الله لخاله حزن بن ابي وهب فولدت له ابنه عبد الرحمن بعث عبد الله بن رواحة الى خيبر مرتين أحداهما التي أصاب فيها اليسير بن رزام وكان يجمع غطفان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث رسول الله عبد الله بن رواحة في نفر منهم عبد الله بن انيس فقدموا عليه فلم يزالوا يرغبونه ليقدموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار معهم فلما كانوا بالقرقرة على ستة أميال من خيبر ندم اليسير على مسيره ففطن له عبد الله بن أنيس هو يريد السيف فضربه بالسيف فأطن قدمه وضربه اليسير بمخرش من شوحط في رأسه فأمة
ومال كل رجل من المسلمين على صاحبه من اليهود فقتله إلا رجلا واحدا أفلت على قدميه فلما قدم ابن أنيس تفل في رأسه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فلم يقح جرحه ولم يؤذه قلت وأظن البعث الآخر الى خيبر لما بعثه عليه السلام خارصا على نخيل خيبر والله أعلم بعث عبد الله بن عتيك وأصحابه الى خيبر فقتلوا أبا رافع اليهودي بعث عبد الله بن أنيس الى خالد بن سفيان بن نبيح فقتله بعرنه وقد روى ابن اسحاق قصته هاهنا مطولة وقد تقدم ذكرها في سنة خمس والله أعلم بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة الى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم بعث كعب بن عمير الى ذات اطلاح من أرض الشام فأصيبوا جميعا أيضا بعث عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الى بني العنبر من تميم فأغار عليهم فأصاب منهم أناسا ثم ركب وفدهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اسراهم فأعتق بعضا وفدى بعضا بعث غالب بن عبد الله أيضا الى أرض بني مرة فأصيب بها مرداس بن نهيك حليف لهم من الحرقة من جهنية قتله اسامة بن زيد ورجل من الانصار أدركاه فلما شهرا السلاح قال لا إله إلا الله فلما رجعا لامهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اللوم فاعتذرا بأنه ما قال ذلك إلا تعوذا من القتل فقال لاسامة هلا شققت عن قلبه وجعل يقول لاسامة من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة قال اسامة فما زال يكررها حتى لوددت أن لم أكن اسلمت قبل ذلك وقد تقدم الحديث بذلك بعث عمرو بن العاص الى ذات السلاسل من أرض بني عذرة يستنفر العرب الى الشام وذلك أن أم العاص بن وائل كانت من بلى فلذلك بعث عمرا يستنفرهم ليكون أنجع فيهم فلما وصل الى ماء لهم يقال له السلسل خافهم فبعث يستمد رسول الله فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيهم أبو بكر وعمر وعليها أبو عبيدة بن الجراح فلما انتهوا اليه تأمر عليهم كلهم عمرو وقال إنما بعثتم مددا لي فلم يمانعه أبو عبيدة لأنه كان رجلا سهلا لينا هينا عند أمر الدنيا فسلم له وانقاد معه فكان عمرو يصلي بهم كلهم ولهذا لما رجع قال يا رسول الله أي الناس احب اليك قال عائشة قال فمن الرجال قال أبوها بعث عبد الله بن ابي حدرد الى بطن اضم وذلك قبل فتح مكة وفيها قصة محلم بن جثامة وقد تقدم مطولا في سنة سبع بعث ابن ابي حدرد أيضا الى الغابة بعث عبد الرحمن بن عوف الى دومة الجندل قال محمد بن اسحاق حدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي رباح قال سمعت رجلا من أهل البصرة يسأل عبد الله بن عمر بن الخطاب عن ارسال العمامة من خلف الرجل اذا اعتم قال فقال عبد الله أخبرك إن شاء الله عن ذلك تعلم أني كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود ومعاذ بن جبل وحذيفة
ابن اليمان وأبو سعيد الخدري وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اقبل فتى من الأنصار فسلم على رسول الله ثم جلس فقال يا رسول الله أي المؤمنين أفضل قال أحسنهم خلقا قال فأي المؤمنين أكيس قال أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل به اولئك الأكياس ثم سكت الفتى وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر المهاجرين خمس خصال اذا نزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن أنه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يغلبوا عليها إلا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم ما مطروا وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ويجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله باسهم بينهم قال ثم أمر عبد الرحمن ابن عوف أن يتجهز لسرية بعثه عليها فأصبح وقد اعتم بعمامة من كرابيس سوداء فادناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نقضها ثم عممه بها وأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوا من ذلك ثم قال هكذا يا ابن عوف فاعتم فانه أحسن وأعرف ثم أمر بلالا أن يدفع اليه اللواء فدفعه اليه فحمد الله وصلى على نفسه ثم قال خذه يا ابن عوف اغزوا جميعا في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسيرة نبيكم فيكم فأخذ عبد الرحمن بن عوف اللواء قال ابن هشام فخرج الى دومة الجندل بعث ابي عبيدة بن الجراح وكانوا قريبا من ثلاثمائة راكب الى سيف البحر وزودوه عليه السلام جرابا من تمر و فيها قصة العنبر وهي الحوت العظيم الذي دسره البحر وأكلهم كلهم منه قريبا من شهر حتى سمنوا وتزودوا منه وشائق أي شرائح حتى رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعموه منه فأكل منه كما تقدم بذلك الحديث قال ابن هشام ومما لم يذكر ابن اسحاق من البعوث يعني هاهنا بعث عمرو بن أمية الضمري لقتل أبي سفيان صخر بن حرب بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه فكان من أمره ما قدمناه وكان مع عمرو بن أمية جبار بن صخر ولم يتفق لهما قتل أبي سفيان بل قتلا رجلا غيره وأنزلا خبيبا عن جذعه وبعث سالم بن عمير أحد البكائين الى ابي عفك أحد بني عمرو بن عوف وكان قد نجم نفاقه حين قتل رسول الله الحارث بن سويد بن الصامت كما تقدم فقال يرثيه ويذم قبحه الله الدخول في الدين
لقد عشت دهرا وما أن أرى * من الناس دارا ولا مجمعا
أبر عهودا وأوفي لمن * يعاقد فيهم إذا ما دعا
من أولاد قيلة في جمعهم * يهد الجبال ولم يخضعا
فصدعهم راكب جاءهم * حلال حرام لشتى معا
فلو أن بالعز صدقتم * أو الملك تابعتم تبعا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لي بهذا الخبيث فانتدب له سالم بن عمير هذا فقتله فقالت أمامة المريدية في ذلك
تكذب دين الله والمرء احمدا * لعمرو الذي أمناك بئس الذي يمنى
حباك حنيف آخر الليل طعنة * أبا عفك خذها على كبر السن
وبعث عمير بن عدي الخطمي لقتل العصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد كانت تهجو الاسلام وأهله ولما قتل أبو عفك المذكور أظهرت النفاق وقالت في ذلك
باست بني مالك والنبيت * وعوف وباست بني الخزرج
أطعتم أتاوي من غيركم * فلا من مراد ولا مذحج
ترجونه بعد قتل الرءوس * كما يرتجى ورق المنضج
ألا آنف يبتغى غرة * فيقطع من أمل المرتجي
قال فأجابها حسان بن ثابت فقال * بنو وائل وبنو واقف
وخطمة دون بني الخزرج
متى ما دعت سفها ويحها * بعولتها والمنايا تجي
فهزت فتى ماجدا عرفه * كريم المدخل والمخرج
فضرجها من نجيع الدما * وبعيد الهدو فلم يخرج
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك ألا آخذ لي من ابنة مروان فسمع ذلك عمير بن عدي فلما أمسى من تلك الليلة سرى عليها فقتلها ثم أصبح فقال يا رسول الله قتلتها فقال نصرت الله ورسوله يا عمير قال يا رسول الله هل علي من شأنها قال لا تنتطح فيها عنزان فرجع عمير الى قومه وهم يختلفون في قتلها وكان له خمسة بنون فقال أنا قتلتها فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون فذلك أول يوم عز الاسلام في بني خطمة فأسلم منهم بشر كثير لما رأوا من عز الاسلام ثم ذكر البعث الذين أسروا ثمامة بن اثال الحنفي وما كان من أمره في اسلامه وقد تقدم ذلك في الأحاديث الصحاح وذكر ابن هشام أنه هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة امعاء لما كان من قلة أكله بعد اسلامه وأنه لما انفصل عن المدينة دخل مكة معتمرا وهو يلبي فنهاه أهل مكة عن ذلك فأبى عليهم وتوعدهم بقطع الميرة عنهم من اليمامة فلما
عاد الى اليمامة منعهم الميرة حتى كتب اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعادها اليهم وقال بعض بني حنيفة
ومنا الذي لبى بمكة محرما * برغم أبي سفيان في الأشهر الحرم
وبعث علقمة بن مجزز المدلجي ليأخذ بثأر أخيه وقاص بن مجزز يوم قتل بذي قرد فاستأذن رسول الله ليرجع في آثار القوم فأذن له وأمره على طائفة من الناس فلما فقلوا أذن لطائفة منهم في التقدم واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة وكانت فيه دعابة فاستوقد نارا وأمرهم أن يدخلوها فلما عزم بعضهم على الدخول قال إنما كنت أضحك فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قال من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه والحديث في هذا ذكره ابن هشام عن الدرلوردي عن محمد بن عمرو بن علقمة عن عمرو ابن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري وبعث كرز بن جابر لقتل أولئك النفر الذين قدموا المدينة وكانوا من قيس من بجيلة فاستوخموا المدينة واستويؤها فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا الى ابله فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا راعيها وهو يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبحوه وغرزوا الشوك في عينيه واستاقوا اللقاح فبعث في آثارهم كرز بن جابر في نفر من الصحابة فجاؤا بأولئك النفر من بجيلة مرجعه عليه السلام من غزوة ذي قرد فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم وهؤلاء النفر إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس المتفق عليه أن نفرا ثمانية من عكل أو عرينة قدموا المدينة الحديث والظاهر أنهم هم فقد تقدم قصتهم مطولة وان كانوا غيرهم فها قد أوردنا عيون ما ذكره ابن هشام والله أعلم قال ابن هشام وغزوة علي بن أبي طالب التي غزاها مرتين قال أبو عمرو المدني بعث رسول الله عليا الى اليمن وخالدا في جند آخر وقال إن اجتمعتم فالأمير علي بن أبي طالب قال وقد ذكر ابن اسحاق بعث خالد ولم يذكره في عدد البعوث والسرايا فينبغي أن تكون العدة في قوله تسعا وثلاثين قال ابن اسحاق وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمرة أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس وأوعب مع اسامة المهاجرون الأولون قال ابن هشام وهو آخر بعث بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البخاري حدثنا اسماعيل ثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا وأمر عليهم اسامة بن زيد فطعن الناس في امارته فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن تطعنوا في امارته فقد كنتم تطعنون في امارة أبيه من قبل وأيم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الناس الي وإن هذا لمن أحب الناس الي بعده ورواه الترمذي من حديث مالك وقال حديث صحيح حسن قد انتدب كثير من الكبار من المهاجرين الأولين والانصار في جيشه فكان من أكبرهم عمر بن الخطاب ومن قال أن أبا بكر كان فيهم فقد غلط فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد به المرض وجيش اسامة مخيم بالجرف وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس كما سيأتي فكيف يكون في الجيش

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:50 AM
وهو إمام المسلمين باذن الرسول من رب العالمين ولو فرض أنه كان قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للامامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الاسلام ثم لما توفي عليه الصلاة والسلام استطلق الصديق من اسامة عمر بن الخطاب فأذن له في المقام عند الصديق ونفذ الصديق جيش أسامة كما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله
*2* فصل في الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ وكيف ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرضه الذي مات فيه
قال الله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون وقال تعالى وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفائن مت فهم الخلدون وقال تعالى كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون وإنما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور وقال تعالى وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفائن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسجزي الله الشاكرين وهذه الآية هي التي تلاها الصديق يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما سمعها الناس كأنهم لم يسمعوها قبل وقال تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا قال عمر بن الخطاب وابن عباس هو أجل رسول الله نعي اليه وقال ابن عمر نزلت أوسط أيام التشريق في حجة الوداع فعرف رسول الله أنه الوداع فخطب الناس خطبة أمرهم فيها ونهاهم الخطبة المشهورة كما تقدم وقال جابر رأيت رسول الله يرمي الجمار فوقف وقال لتأخذوا عني مناسككم فلعلي لا أحج بعد عامي هذا وقال عليه السلام لابنته فاطمة كما سيأتي إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين وما أرى ذلك إلا اقتراب أجلي وفي صحيح البخاري من حديث أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن ابي هريرة قال كان رسول الله يعتكف في كل شهر رمضان عشرة ايام فلما كان من العام الذي توفي فيه اعتكف عشرين يوما وكان يعرض عليه القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه القرآن مرتين وقال محمد بن اسحاق رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع في ذي الحجة فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرا وبعث اسامة بن زيد فبينا الناس على ذلك ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكواه الذي قبضه الله فيه الى ما أراده الله من رحمته
وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الأول فكان اول ما ابتدئ به رسول الله من ذلك فيما ذكر لي أنه خرج الى بقيع الغرقد من جوف الليل فاستغفر لهم ثم رجع الى أهله فلما أصبح ابتدئ بوجعه من يومه ذلك قال ابن اسحاق وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبيد بن جبر مولى الحكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثني رسول الله من جوف الليل فقال يا أبا مويهبة إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع فانطلق معي فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم قال السلام عليكم يا أهل المقابر ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها الآخرة شر من الأولى ثم أقبل علي فقال يا أبا مويهبة إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة قال قلت بأبي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة قال لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربي والجنة ثم استغفر لاهل البقيع ثم انصرف فبدئ برسول الله وجعه الذي قبضه الله فيه لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وإنما رواه احمد عن يعقوب بن ابراهيم عن أبيه عن محمد بن اسحاق به وقال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا الحكم ابن فضيل ثنا يعلى بن عطاء عن عبيد بن جبر عن أبي مويهبة قال أمر رسول الله أن يصلي على أهل البقيع فصلى عليهم ثلاث مرات فلما كانت الثالثة قال يا أبا مويهبة أسرج لي دابتي قال فركب ومشيت حتى انتهى اليهم فنزل عن دابته وأمسكت الدابة فوقف أو قال قام عليهم فقال ليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس أتت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع بعضها بعضا الآخرة اشد من الأولى فليهنكم ما أنتم فيه مما فيه الناس ثم رجع فقال يا ابا مويهبة إني أعطيت أو قال خيرت بين مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي قال فقلت بأبي أنت وأمي فاخترنا قال لأن ترد على عقبها ما شاء الله فاخترت لقاء ربي فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال قال رسول الله نصرت بالرعب وأعطيت الخزائن وخيرت بين أن أبقى حتى ارى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل قال البيهقي وهذا مرسل وهو شاهد لحديث أبي مويهبة قال ابن اسحاق وحدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود عن عائشة قالت رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول وارأساه فقال بل أنا والله يا عائشة وارأساه قالت ثم قال وما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك قالت قلت والله لكأني بك لو فعلت ذلك لقد رجعت الى بيتي فاعرست فيه ببعض نسائك قالت فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعزبه في بيت ميمونة فدعا
نسائه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي فأذن له قالت فخرج رسول الله بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن عباس ورجل آخر عاصبا رأسه تخط قدماه حتى دخل بيتي قال عبيد الله فحدثت به ابن عباس فقال أتدري من الرجل الآخر هو علي بن أبي طالب وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريبا وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الاصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت دخل علي رسول الله وهو يصدع وأنا أشتكي رأسي فقلت وارأساه فقال بل أنا والله يا عائشة واراساه ثم قال وما عليك لو مت قبلي فوليت امرك وصليت عليك وواريتك فقلت والله إني لأحسب لو كان ذلك لقد خلوت ببعض ناسئك في بيتي من آخر النهار فضحك رسول الله ثم تمادى به وجعه فاستعز به وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة فاجتمع اليه أهله فقال العباس إنا لنرى برسول الله ذات الجنب فهلموا فلنلده فلدوه فأفاق رسول الله فقال من فعل هذا فقالوا عمك العباس تخوف أن يكون بك ذات الجنب فقال رسول الله إنها من الشيطان وما كان الله ليسلطه علي لا يبقى في البيت أحد إلا لددتموه إلا عمي العباس فلد أهل البيت كلهم حتى ميمونة وإنها لصائمة وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين العباس ورجل آهر لم تسمه تخط قدماه بالأرض قال عبيد الله قال ابن عباس الرجل الآخر علي بن أبي طالب قال البخاري حدثنا سعيد بن عفير ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لما ثقل رسول الله واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي فأذن له فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه الأرض بين عباس قال بن عبد المطلب وبين رجل آخر قال عبيد الله فأخبرت عبد الله يعني ابن عباس بالذي قالت عائشة فقال لي عبد الله بن عباس هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة قال قلت لا ابن عباس هو علي فكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تحدث أن رسول الله لما دخل بيتي واشتد به وجعه قال هو يقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد الى الناس فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير الينا بيده أن قد فعلتن قالت عائشة ثم خرج الى الناس فصلى لهم وخطبهم وقد رواه البخاري أيضا في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من طرق عن الزهري به وقال البخاري حدثنا اسماعيل ثنا سليمان بن بلال قال هشام بن عروة أخبرني أبي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه أين أنا غدا أين أنا غدا يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه أن يكون حيث شاء فكان في بيت
عائشة حتى مات عندها قالت عائشة رضي الله عنها فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي وقبضه الله وإن رأسه لبيت سحري ونحري وخالط ريقه ريقي قالت ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به وهو مسند الى صدري انفرد به البخاري من هذا الوجه وقال البخاري أخبرنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث حدثني ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت مات النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لبين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لاحد أبدا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقال البخاري حدثنا حيان أنبأنا عبد الله أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي صلى الله عليه وسلم عنه ورواه مسلم من حديث ابن وهب عن يونس بن يزيد الايلي عن الزهري به والفلاس ومسلم عن محمد بن حاتم كلهم وثبت في الصحيحين من حديث ابي عوانة عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت اجتمع نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن امرأة فجاءت فاطمة تمشي لا تخطئ مشيتها مشية أبيها فقال مرحبا بابنتي فاقعدها عن يمينه أو شماله ثم سارها بشيء فبكت ثم سارها فضحكت فقلت لها خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسرار وأنت تبكين فلما أن قامت قلت اخبريتي ما سارك فقالت ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي قلت لها أسألك لما لي عليك من الحق لما أخبرتيني قالت أما الآن فنعم قالت سارني في الأول قال لي إن جبريل كان يعارضني في القرآن كل سنة مرة وقد عارضني في هذا العام مرتين ولا أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي فاتقي الله واصبري فنعم السلف أنا لك فبكيت ثم سارني فقال اما ترضيني أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت وله طرق عن عائشة وقد روى البخاري عن علي بن عبد الله عن يحيى ابن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة قالت لددنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فجعل يشير الينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء فلما أفاق قال ألم أنهكم أن لا تلدوني قلنا كراهية المريض للدواء فقال لا يبقى أحد في البيت إلا لد وانا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم قال البخاري ورواه ابن أبي الزناد عن هشام عن أبيه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال البخاري وقال يونس عن الزهري قال عروة قالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت
بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم هكذا ذكره البخاري معلقا وقد أسنده الحافظ البيهقي عن الحاكم عن ابي بكر بن محمد بن احمد بن يحيى الأشقر عن يوسف بن موسى عن احمد بن صالح عن عنبسة عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الاصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن أبي معاوية عن الاعمش عن عبد الله بن مرة عن أبي الاحوص عن عبد الله بن مسعود قال لئن أحلف تسعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل قتلا أحب الي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل وذلك أن الله اتخذه نبيا واتخذه شهيدا وقال البخاري ثنا اسحاق بن بشر حدثنا شعيب عن أبي حمزة حدثني أبي عن الزهري قال أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم أن عبد الله بن عباس أخبره أن علي بن أبي طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه فقال الناس يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصبح بحمد الله بارئا فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت اذهب بنا الى رسول الله فلنسأله فيمن هذا الأمر إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمناه فأوضى بنا فقال علي إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم انفرد به البخاري وقال البخاري ثنا قتيبة ثنا سفيان عن سليمان الاحول عن سعيد بن جبير قال قال ابن عباس يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما شأنه يهجر استفهموه فذهبوا يردون عنه فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني اليه فأوصاهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها ورواه البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به ثم قال البخاري حدثنا علي بن عبد الله ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فقال بعضهم إن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ومنهم من يقول غير ذلك فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوموا قال عبيد الله قال ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم ورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما عن عبدالرزاق بنحوه وقد أخرجه
البخاري في مواضع من صحيحه من حديث معمر ويونس عن الزهري به وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من أهل البدع من الشيعة وغيرهم كل مدع أنه كان يريد أن يكتب في ذلك الكتاب ما يرمون اليه من مقالاتهم وهذاهو التمسك بالمتشابه وترك المحكم وأهل السنة يأخذون بالمحكم ويردون ما تشابه اليه وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عز وجل في كتابه وهذا الموضع مما زل فيه اقدام كثير من أهل الضلالات أما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار وهذا الذي كان يريد عليه الصلاة والسلام أن يكتبه قد جاء في الأحاديث الصحيحة التصريح بكشف المراد منه فإنه قد قال الامام احمد حدثنا مؤمل ثنا نافع عن ابن عمرو ثنا ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما كان وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قبض فيه قال ادعو لي أبا بكر وابنه لكي لا يطمع في أمر أبي بكر طامع ولا يتمناه متمن ثم قال يأبى الله ذلك والمؤمنون مرتين قالت عائشة فأبى الله ذلك والمؤمنون انفرد به احمد من هذا الوجه وقال احمد حدثنا أبو معاوية ثنا عبد الرحمن بن ابي بكر القرشي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله قال لعبد الرحمن بن ابي بكر ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه احد فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك يا ابا بكر انفرد به احمد من هذا الوجه ايضا وروى البخاري عن يحيى بن يحيى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت قال رسول الله لقد هممت أن ارسل الى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون فقال يأبى الله أو يدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون وفي صحيح البخاري ومسلم من حديث ابراهيم بن سعد عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال أتت امرأة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع اليه فقالت ارأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت قال إن لم تجديني فات أبا بكر والظاهر والله أعلم أنها إنما قالت ذلك له عليه السلام في مرضه الذي مات فيه صلوات الله وسلامه عليه وقد خطب عليه الصلاة والسلام في يوم الخميس قبل أن يقبض عليه السلام بخمس أيام خطبة عظيمة بين فيها فضل الصديق من سائر الصحابة مع ما كان قد نص عليه أن يؤم الصحابة أجمعين كما سيأتي بيانه مع حضورهم كلهم ولعل خطبته هذه كانت عوضا عما أراد أن يكتبه في الكتاب وقد اغتسل عليه السلام بيد يدي هذه الخطبة الكريمة فصبوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن وهذا من باب الاستشفاء بالسبع كما وردت بها الأحاديث في غير هذا الموضع والمقصود أنه عليه السلام اغتسل ثم خرج فصلى بالناس صم خطبهم كما تقدم في حديث عائشة رضي الله عنها
ذكر الاحادرث الواردة في ذلك قال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم عن احمد بن
عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن الزهري عن أيوب بن بشير أن رسول الله قال في مرضه أفيضوا علي من سبع قرب من سبع آبار شتى حتى أخرج فأعهد الى الناس ففعلوا فخرج فجلس على المنبر فكان أول ما ذكر بعد حمد الله والثناء عليه ذكر أصحاب أحد فاستغفر لهم ودعا لهم ثم قال يا معشر المهاجرين إنكم اصبحتم تزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد وإنهم عيبتي التي أوتيت اليها فأكرموا كريمهم وتجاوزوا من مسيئهم ثم قال عليه السلام ايها الناس إن عبدا من عباد الله قد خيره الله بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله ففهمها أبو بكر رضي الله عنه من بين الناس فبكى وقال بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا وأموالهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك يا أبا بكر انظروا إلى هذه الأبواب الشارعة في المسجد فسدوها إلا ما كان من بيت أبي بكر فاني لا أعلم أحدا عندي أفضل في الصحبة منه هذا مرسل له شواهد كثيرة وقال الواقدي حدثني فروة بن زبيد بن طوسا عن عائشة بنت سعد عن أم ذرة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت خرج رسول الله عاصبا رأسه بخرقة فلما استوى على المنبر تحدق الناس بالمنبر واستكفوا فقال والذي نفسي بيده إني لقائم على الحوض الساعة ثم تشهد فلما قضى تشهده كان أول ما تكلم به أن استغفر للشهداء الذين قتلوا بأحد ثم قال إن عبدا من عباد الله خير بين الدنيا وبين ما عند الله فاختار العبد ما عند الله فبكى أبو بكر فعجبنا لبكائه وقال بأبي وأمي نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخبر وكان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل رسول الله يقول له على رسلك وقال الامام احمد حدثنا أبو عامر ثنا فليح عن سالم أبي النضر عن بشر بن سعيد عن أبي سعيد قال خطب رسول الله الناس فقال إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله قال فبكى أبو بكر قال فتعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله عن عبد فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به فقال رسول الله إن إمن الناس على صحبته وماله أبو بكر لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت ابا بكر خليلا ولكن خلى الاسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر وهكذا رواه البخاري من حديث أبي عامر العقدي به ثم رواه الامام احمد عن يونس عن فليح عن سالم أبي النضر عن عبيد بن حنين وبشر بن سعيد عن أبي سعيد به وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث فليح ومالك بن أنس عن سالم عن بشر بن سعيد وعبيد بن حنين كلاهما عن أبي سعيد بنحوه وقال الامام احمد حدثنا أبو الوليد ثنا هشام ثنا أبو عوانة عن عبد الملك عن ابن أبي المعلى عن أبيه أن رسول الله خطب يوما فقال إن رجلا خيره ربه بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش فيها يأكل من الدنيا ما شاء أن يأكل منها وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه فبكى أبو بكر
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تعجبون من هذا الشيخ أن ذكر رسول الله رجلا صالحا خيره ربه بين البقاء في الدنيا وبين لقاء ربه فاختار لقاء ربه فكان أبو بكر أعلمهم بما قال رسول الله فقال أبو بكر بل نفديك بأموالنا وأبنائنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من الناس أحد أمن علينا في صحبته وذات يده من ابن أبي قحافة ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة ولكن ود وإخاء وإيمان ولكن ود وإخاء وإيمان مرتين وإن صاحبكم خليل الله عز وجل تفرد به احمد قالوا وصوابه أبو سعيد بن المعلى فالله أعلم وقد روى الحافظ البيهقي من طريق اسحاق بن ابراهيم هو ابن راهويه ثنا زكريا بن عدي ثنا عبيد الله بن عمرو الرقي عن زيد بن ابي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث حدثني جندب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوفى بخمس وهو يقول قد كان لى منكم أخوة وأصدقاء وإني أبرأ الى كل خليل من خلته ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ابا بكر خليلا وإن ربي اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا وإن قوما ممن كان قبلكم يتخذون قبور أبينائهم وصلحائهم مساجد فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك وقد رواه مسلم في صحيحه عن اسحاق بن راهويه بنحوه وهذا اليوم الذي كان قبل وفاته عليه السلام بخمس أيام هو يوم الخميس الذي ذكره ابن عباس فيما تقدم وقد روينا هذه الخطبة من طريق ابن عباس قال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ انبأنا الحسن بن محمد بن اسحاق حدثنا يوسف بن يعقوب هو ابن عوانة الاسفراييني قال ثنا محمد بن أبي بكر ثنا وهب بن جرير ثنا أبي سمعت يعلى بن حكيم يحدث عن عكرمة عن ابن عباس قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بخرقة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إنه ليس من الناس أحد أمن علي بنفسه وماله من ابي بكر ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلة الاسلام أفضل سدوا عني كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد الجعفي عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه به وفي قوله عليه السلام سدوا عني كل خوخة يعني الأبواب الصغار الى المسجد غير خوخة أبي بكر اشارة الى الخلافة أي ليخرج منها الى الصلاة بالمسلمين وقد رواه البخاري أيضا من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة بن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر فذكر الخطبة وذكر فيها الوصاة بالأنصار الى أن قال فكان آخر مجلس جلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض يعني آخر خطبة خطبها
عليه السلام وقد روى من وجه آخر عن ابن عباس باسناد غريب ولفظ غريب فقال الحافظ البيهقي أنبأنا علي بن احمد بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا ابن ابي قماش وهو محمد بن عيسى ثنا موسى بن اسماعيل أبو عمران الجبلي ثنا معن بن عيسى القزاز عن الحارث بن عبد الملك ابن عبد الله بن أناس الليثي عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابيه عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوعك وعكا شديدا وقد عصب رأسه فقال خذ بيدي يا فضل قال فأخذت بيده حتى قعد على المنبر ثم قال نادي في الناس يا فضل فناديت الصلاة جامعة قال فاجتمعوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال أما بعد أيها الناس إنه قد دنى مني خلوف من بين أظهركم ولن تروني في هذا المقام فيكم وقد كنت أرى أن غيره غير مغن عني حتى أقومه فيكم ألا فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد ولا يقولن قائل اخاف الشحناء من قبل رسول الله ألا وإن الشحناء ليست من شأني ولا من خلقي وان أحبكم الي من أخذ حقا إن كان له علي أو حللني فلقيت الله عز وجل وليس لأحد عندي مظلمة قال فقام منهم رجل فقال يا رسول الله لي عندك ثلاثة دراهم فقال أما أنا فلا أكذب قائلا ولا مستحلفه علي يمين فيم كانت لك عندي قال أما كذكر أنه مر بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم قال أعطه يا فضل قال وأمر به فجلس قال ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقالته الاولى ثم قال يا ايها الناس من عنده من الغلول شيء فليرده فقام رجل فقال يا رسول الله عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله قال فلم غللتها قال كنت اليها محتاجا قال خذها منه يا فضل ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مقالته الاولى وقال يا أيها الناس من أحس من نفسه شيئا فليقم أدعو الله له فقام اليه رجل فقال يا رسول الله إني لمنافق وإني لكذوب وإني لشئوم فقال عمر بن الخطاب ويحك أيها الرجل لقد سترك الله لو سترت على نفسك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مه يا ابن الخطاب فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة اللهم ارزقه صدقا وإيمانا وأذهب عنه الشئم اذا شاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر معي وأنا مع عمر والحق بعدي مع عمر وفي اسناده ومتنه غرابة شديدة
*2* ذكر امره عليه السلام أبا بكر الصديق رضي الله عنه ان يصلي بالصحابة أجمعين
@
قال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق قال قال ابن شهاب الزهري حدثني
عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد قال لما استعز برسول الله وانا عنده في نفر من المسلمين دعا بلال للصلاة فقال مروا من يصلي بالناس قال فخرجت فاذا عمر في الناس وكان أبو بكر غائبا فقلت قم يا عمر فصل بالناس قال فقام فلما كبر عمر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته وكان عمر رجلا مجهرا فقال رسول الله فأين أبو بكر يأبى الله ذلك والمسلمون يأبى الله ذلك والمسلمون قال فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر تلك الصلاة فصلى بالناس وقال عبد الله بن زمعة قال لي عمر ويحك ماذا صنعت يا ابن زمعة ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله أمرني بذلك ولولا ذلك ما صليت قال قلت والله ما امرني رسول الله ولكن حين لم ار ابا بكر رأيتك أحق من حضر بالصلاة وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن اسحاق حدثني الزهري ورواه يونس بن بكير عن ابن اسحاق حدثني يعقوب بن عتبة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن زمعة فذكره وقال ابو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبي فديك حدثني موسى بن يعقوب عن عبد الرحمن بن اسحاق عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن زمعة أخبره بهذا الخبر قال لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر قال ابن زمعة خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلع راسه من حجرته ثم قال لا لا لا يصلي للناس إلا ابن ابي قحافة يقول ذلك مغضبا وقال البخاري ثنا عمر بن حفص ثنا أبي ثنا الأعمش عن ابراهيم قال الأسودكنا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والمواظبة لها قالت لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة فاذن بلال فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقيل له إن ابا بكر رجل اسيف إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس وأعاد فأعادوا له فاعاد الثالثة فقال إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس فخرج أبو بكر فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين كأني أنظر الى رجليه تخطان من الوجع فأراد أبو بكر أن يتأخر فأوما اليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ثم أتى به حتى جلس الى جنبه قيل للأعمش فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر فقال برأسه نعم ثم قال البخاري رواه ابو داود عن شعبة بعضه وزاد أبو معاوية عن الأعمش جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما وقد رواه البخاري في غير ما موضع من كتابه ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن الاعمش به منها ما رواه البخاري عن قتيبة ومسلم عن أبي بكر بن ابي شيبة ويحيى بن يحيى عن ابي معاوية به وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه مروا أبا بكر فليصل بالناس قال ابن شهاب فاخبرني عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أنها قالت لقد عاودت رسول
الله في ذلك وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس بابي بكر وإلا أني علمت أنه لن يقوم مقامه أحد إلا تشاءم الناس به فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله عن أبي بكر الى غيره وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال واخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر عن عائشة قالت لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي قال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت قلت يا رسول الله ان أبا بكر رجل رقيق اذا قرأ القرآن لا يملك دمعه فلو أمرت غير ابي بكر قالت والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فراجعته مرتين أو ثلاثا فقال ليصل بالناس أبو بكر فانكن صواحب يوسف وفي الصحيحين من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي بردة عن ابي موسى عن أبيه قال مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس فقالت عائشة يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلي بالناس قال فقال مروا أبا بكر يصل بالناس فانكن صواحب يوسف قال فصلى أبو بكر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الامام احمد ثنا عبد الرحمن بن مهدي أنبأنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله قال دخلت على عائشة فقلت ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت بلى ثقل برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال أصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله فقال صبوا الي ماء في المخضب ففعلنا قالت فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم افاق فقال أصلي الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم افاق فقال أصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قال ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم افاق فقال اصلى الناس قلنا لا هم ينتظرونك يا رسول الله قالت والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبي بكر بأن يصلي بالناس وكان أبو بكر رجلا رقيقا فقال يا عمر صل بالناس فقال أنت أحق بذلك فصلى بهم تلك الأيام ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فاومأ اليه أن لا يتأخر وأمرهما فاجلساه الى جنبه فجعل ابو بكر يصلي قائما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا قال عبيد الله فدخلت على ابن عباس فقلت الا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله قال هات فحدثته فما أنكر منه شيئا غير أنه قال سمت لك الرجل الذي كان مع العباس قلت لا قال هو علي وقد رواه البخاري ومسلم جميعا عن احمد بن يونس عن زائدة به وفي رواية فجعل أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله وهو قائم والناس يصلون بصلاة أبي بكر ورسول الله قاعد قال البيهقي ففي
هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم في هذه الصلاة وعلق أبو بكر صلاته بصلاته قال وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة وكذلك رواه الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس يعني بذلك ما رواه الامام احمد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثني أبي عن أبي اسحاق عن الارقم بن شرحبيل عن ابن عباس قال لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابا بكر أن يصلي بالناس ثم وجد خفة فخرج فلما أحس به أبو بكر اراد ان ينكص فأومأ اليه النبي صلى الله عليه وسلم فجلس الى جنب أبي بكر عن يساره واستفتح من الآية التي انتهى اليها أبوبكر رضي الله عنه ثم رواه أيضا عن وكيع عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن أرقم عن ابن عباس بأطول من هذا وقال وكيع مرة فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر ورواه ابن ماجه عن علي بن محمد عن وكيع عن اسرائيل عن أبي اسحاق عن أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس بنحوه وقد قال الامام احمد ثنا شبابة بن سوار ثنا شعبة عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة قالت صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبا بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث شعية وقال الترمذي حسن صحيح وقال احمد ثنا بكر بن عيسى سمعت شعبة بن الحجاج عن نعيم بن أبي هند عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف وقال البيهقي أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنبأنا عبد الله بن جعفر أنبأنا يعقوب بن سفيان حدثنا مسلم ابن ابراهيم ثنا شعبة عن سليمان الأعمش عن ابراهيم عن الأسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبا بكر وهذا اسناد جيد ولم يخرجوه قال البيهقي وكذلك رواه حميد عن أنس بن مالك ويونس عن الحسن مرسلا ثم اسند ذلك من طريق هشيم أخبرنا يونس عن الحسن قال هشيم وأنبانا حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وأبو بكر يصلي بالناس فجلس الى جنبه وهو في بردة قد خالف بين طرفيها فصلى بصلاته قال البيهقي وأخبرنا علي بن احمد بن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا عبيد بن شريك انبأنا ابن أبي مريم أنبأنا محمد بن جعفر اخبرني حميد أنه سمع أنسا يقول آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد ملتحفا به خلف أبي بكر قلت وهذا اسناد جيد على شرط الصحيح ولم يخرجوه وهذا التقييد جيد بأنها آخر صلاة صلاها مع الناس صلوات الله وسلامه عليه وقد ذكر البيهقي من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف ابي بكر في ثوب واحد برد مخالفا بين طرفيه فلما اراد ان يقوم قال أدع لي اسامه بن زيد فجاء فأسند ظهره الى نحره فكانت آخر صلاة صلاها قال البيهقي ففي هذا دلالة إن هذه الصلاة كانت صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة
لانها آخر صلاة صلاها لما ثبت أنه توفي ضحى يوم الاثنين وهذا الذي قاله البيهقي أخذه مسلما من مغازي موسى بن عقبة فانه كذلك ذكر وكذا روى أبو الأسود عن عروة وذلك ضعيف بل هذه آخر صلاة صلاها مع القوم كما تقدم تقييده في الرواية الأخرى والحديث واحد فيحمل مطلقه على مقيده ثم لا يجوز أن تكون هذه صلاة الصبح من يوم الاثنين يوم الوفاة لأن لأن تلك لم يصلها مع الجماعة بل في بيته لما به من الضعف صلوات الله وسلامه عليه والدليل على ذلك ما قال البخاري في صحيحه حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني انس بن مالك وكان تبع النبي صلى الله عليه وسلم وخدمه وصحبه أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه حتى اذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر الينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج الى الصلاة فاشار الينا صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم وأرخى على الستر وتوفي من يومه صلى الله عليه وسلم وقد رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وصبيح بن كيسان ومعمر عن الزهري عن أنس ثم قال البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فقال نبي الله عليكم بالحجاب فرفعه فلما وضح وجه النبي صلى الله عليه وسلم ما نظرنا منظرا كان أعجب الينا من وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين وضح لنا فأومأ النبي صلى الله عليه وسلم بيده الى أبي بكر أن يتقدم وارخى النبي صلى الله عليه وسلم الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه به فهذا أوضح دليل على أنه عليه السلام لم يصل يوم الاثنين صلاة الصبح مع الناس وأنه كان قد انقطع عنهم لم يخرج اليهم ثلاثا قلنا فعلى هذا يكون آخر صلاة صلاها معهم الظهر كما جاء مصرحا به في حديث عائشة المتقدم ويكون ذلك يوم الخميس لا يوم السبت ولا يوم الأحد كما حكاه البيهقي عن مغازي موسى بن عقبة وهو ضعيف ولما قدمنا من خطبته بعدها ولانه انقطع عنهم يوم الجمعة والسبت والاحد وهذه ثلاثة ايام كوامل وقال الزهري عن أبي بكر بن ابي سبرة أن أبا بكر صلى بهم سبع عشرة صلاة وقال غيره عشرين صلاة فالله أعلم ثم بدا لهم وجهه الكريم صبيحة يوم الاثنين فودعهم بنظرة كادوا يفتتنون بها ثم كان ذلك آخر عهد جمهورهم به ولسان حالهم يقول كما قال بعضهم
وكنت أرى كالموت من بين ساعة * فكيف ببين كان موعده الحشر
والعجب أن الحافظ البيهقي أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين ثم قال ما حاصله فلعله عليه السلام احتجب عنهم في أول ركعة ثم خرج في الركعة الثانية فصلى خلف أبي بكر كما قال عروة
وموسى بن عقبة وخفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر وسكت عن آخره وهذا الذي ذكره أيضا بعيد جدا لان أنسا قال فلم يقدر عليه حتى مات وفي رواية قال فكان ذلك آخر العهد به وقول الصحابي مقدم على قول التابعي والله أعلم والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم ابا بكر الصديق أماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر اركان الإسلام العملية قال الشيخ ابو الحسن الاشعري وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة من دين الاسلام قال وتقديمه له دليل على انه أعلم الصحابة واقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يؤم القوم اقرؤهم لكتاب الله فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا فان كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما قلت من كلام الاشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضي الله عنه وارضاه وصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة لا ينافي ما روى في الصحيح ان ابا بكر ائتم به عليه السلام لان ذلك في صلاة اخرى كما نص على ذلك الشافعي وغيره من الأئمة رحمهم الله عز وجل
فائدة استدل مالك والشفعي وجماعة من العلماء ومنهم البخاري بصلاته عليه السلام قاعدا وأبو بكر مقتديا به قائما والناس بابي بكر على نسخ قوله عليه السلام في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا وقد وقع عن فرس فجحش شقه فصلوا وراءه قياما فأشار اليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال كذلك والذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس والروم يقومون على عظمائهم وهم جلوس وقال إنما جعل الإمام ليؤتم به فاذا كبر فكبروا واذا ركع فاركعوا واذا رفع فارفعوا واذا سجد فاسجدوا واذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون قالوا ثم انه عليه السلام أمهم قاعدا وهم قيام في مرض الموت فدل على نسخ ما تقدم والله أعلم وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لأمره المتقدم وإنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليع عنه صلى الله عليه وسلم ومن الناس من قال بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الامر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم وكان أبو بكر لشدة ادبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبادره بل يقتدي به فكأنه عليه السلام صار إمام الامام فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بابي بكر وهو قائم ولم يجلس الصديق لأجل انه امام ولأنه يبلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم الحركات والسكنات والانتقالات والله أعلم ومن الناس من قال فرق بين أن يبتدأ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما
وان طرأ جلوس الامام في أثنائها كما في هذه الحال وبين أن يبتدي الصلاة خلف امام جالس فيجب الجلوس للحديث المتقدم والله أعلم ومن الناس من قال هذا الصنيع والحديث المتقدم دليل على جواز القيام والجلوس وان كلا منهما سائغ جائز الجلوس لما تقدم والقيام للفعل المتاخر والله أعلم
*2* احتضاره ووفاته عليه السلام
@
قال الامام احمد ثنا أبو معاوية ثنا الاعمش عن ابراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله هو ابن مسعود قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك فمسسته فقلت يا رسول الله انك لتوعك وعكا شديدا قال أجل إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم قلت إن لك أجرين قال نعم والذي نفسي بيده ما على الارض مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حط الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها وقد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة عن سليمان بن مهران الأعمش به وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا اسحاق بن أبي اسرائيل ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن رجل عن أبي سعيد الخدري قال وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجر إن كان النبي من الأنباء ليبتلى بالقمل حتى يقتله وان كان الرجل ليبتلى بالعري حتى يأخذ العباءة فيجوبها وان كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء فيه رجل مبهم لا يعرف بالكلية فالله أعلم وقد روى البخاري ومسلم من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج زاد مسلم وجرير ثلاثتهم عن الاعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق عن عائشة قالت ما رأيت الوجع على أحد اشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن الهاد عن عبد الرحين بن القاسم عن ابيه عن عائشة قالت مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حاقنتي وذاقنتي فلا أكره شدة الموت لاحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث الآخر الذي رواه في صحيحه قال قال رسول الله أشد الناس بلاء الانبياء ثم الصالحون ثم الامثل فالامثل يبتلى لرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة شدد عليه في ابلاء وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبي حدثنا محمد بن اسحاق حدثني سعيد بن عبيد بن السباق عن محمد بن اسامة بن زيد قال لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم هبطت وهبط الناس معي الى المدينة فدخلت على رسول الله وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يصيبها على وجهه أعرف أنه يدعو لي ورواه الترمذي عن أبي كريب عن يونس بن بكير عن ابن اسحاق وقال حسن غريب وقال الامام مالك في موطائه عن اسماعيل بن أبي حكيم أنه
سمع عمر بن عبد العزيز يقول كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب هكذا رواه مرسلا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله وقد روى البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا وقال الحافظ البيهقي أنبأنا أبو بكر بن ابي رجاء الاديب أنبأنا أبو العباس الاصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا أبو بكر بن عياش عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بثلاث أحسنوا الظن بالله وفي بعض الاحاديث كما رواه مسلم من حديث الاعمش عن ابي سفيان طلحة بن نافع عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا وقال البيهقي أنبأنا الحاكم حدثنا الاصم ثنا محمد بن اسحاق الصغاني ثنا أبو خيثمة زهير بن حرب ثنا جرير عن سليمان التيمي عن قتادة عن أنس قال كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضره الوفاة الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل يغرغر بها وما يفصح بها لسانه وقد رواه النسائي عن اسحاق بن راهويه عن جرير بن عبد الحميد به وابن ماجه عن أبي الاشعث عن معتمر بن سليمان عن ابيه به وقال الامام احمد حدثنا اسباط بن محمد ثنا التيمي عن قتادة عن أنس بن مالك قال كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضر الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يغرغر بها صدره وما يكاد يفيض بها لسانه وقد رواه النسائي وابن ماجه من حديث سليمان بن طرخان وهو التيمي عن قتادة عن أنس به وفي رواية النسائي عن قتادة عن صاحب له عن انس به وقال احمد ثنا بكر بن عيسى الراسبي ثنا عمر بن الفضيل عن نعيم بن يزيد عن علي بن أبي طالب قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده قال فخشيت أن تفوتني نفسه قال قلت إني أحفظ وأعي قال أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم تفرد به احمد من هذا الوجه وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا أبو عوانة عن قتادة عن سفينة عن أم سلمة قالت كان عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته الصلاة وما ملكت ايمانكم حتى جعل يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه وهكذا رواه النسائي عن حميد
ابن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعد بن أبي عروبة عن قتادة عن سفينة عن أم سلمة به قال البيهقي والصحيح ما رواه عفان عن همام عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به وهكذا رواه النسائي أيضا وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون عن همام عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به وقد رواه النسائي أيضا عن قتيبة عن ابي عوانة عن قتادة عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ثم رواه عن محمد بن عبد الله بن المبارك عن يونس بن محمد قال حدثنا عن سفينة فذكر نحوه وقال احمد ثنا يونس ثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن موسى بن سرجس عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدم ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم اعني على سكرات الموت ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه م حديث الليث به وقال الترمذي غريب وقال الامام احمد حدثنا وكيع عن اسماعيل عن مصعب بن اسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ليهون علي اني رأيت بياض مف عائشة في الجنة تفرد به احمد واسناده لا بأس به وهذا دليل على شدة محبته عليه السلام لعائشة رضي الله عنها وقد ذكر الناس معاني كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له وهذا كلام حق لا محالة ولا شك فيه وقال حماد بن زيد عن أيوب عن ابن ابي مليكة قال قالت عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وتوفي بين سحري ونحري وكان جبريل عن أم سلمة به قال البيهقى والصحيح ما رواه عفان عن همام عن قتادة عن أبى الخليل عن سفينة عن أم سلمة به وهكذا رواه النسائى أيضا وابن ماجة من حديث يزيد بن هارون عن همام عن قتادة عن صالح أبى الخليل عن سفينة عن أم سلمة به وقد رواه النسائى أيضا عن قتيبة عن أبى عوانة عن قتادة عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره ثم رواه عن محمد بن عب الله بن المبارك عن يونس بن محمد قال حدثنا عن سفينة فذكر نحوه وقال احمد ثنا يونس ثنا الليث عن يزيد بن الهاد عن موسى بن سرجس عن القاسم عن عائشة قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يموت وعنده قدح فيه ماء فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول اللهم اعنى على سكرات الموت ورواه الترمذى والنسائى وابن ماجه من حديث الليث به وقال الترمذى غريب وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن اسماعيل عن مصعب بن اسحاق بن طلحة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال ليهون على انى رأيت بياض كف عائشة في الجنة تفرد به أحمد واسناده لا بأس به وهذا دليل على شدة محبته عليه السلام لعائشة رضى الله عنها وقد ذكر الناس معانى كثيرة في كثرة المحبة ولم يبلغ أحدهم هذا المبلغ وما ذاك إلا لأنهم يبالغون كلاما لا حقيقة له وهذا حق لا محالة ولا شك فيه وقال حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبى مليكة قال قالت عائشة توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتى وتوفى بين سحرى ونحرى وكان جبريل يعوذه بدعاء اذا مرض فذهبت اعوذه فرفع بصره الى السماء وقال في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جريدة رطبة فنظر اليها فظننت أن له بها حاجة قالت فاخذتها فنفضتها فدفعتها اليه فاستن بها وأحسن ما كانت مستنا ثم ذهب يناولنيها فسقطت من يده قالت فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ورواه البخاري عن سليمان بن جرير عن حماد بن زيد به وقال البيهقي أنبانا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو نصر احمد بن سهل الفقيه ببخارى ثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي ثنا داود بن عمرو بن زهير الضبي ثنا عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن أبى حسين أنبأنا ابن أبى مليكة أن أبا عمرو ذكوان مولى عائشة أخبره أن عائشة كانت تقول إن من نعمة الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في يومي وفي بيتي وبين سحري ونحري وان الله جمع بين ريقي وريقه عند الموت قالت دخل علي أخي بسواك معه وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى صدري فرأيته ينظر اليه وقد عرفت أنه يحب السواك ويألفه فقلت آخذه لك فاشار براسه أي نعم فلينته له فأمره على فيه قالت وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ثم يقول لا إله إلا الله إن للموت
لسكرات ثم نصب أصبعه اليسرى وجعل يقول في الرفيق الاعلى في الرفيق الاعلى حتى قبض ومالت يده على الماء ورواه البخاري عن محمد عن عيسى بن يونس وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن سعد بن ابراهيم سمعت عروة يحدث عن عائشة قالت كنا نحدث أن النبي لا يموت حتى يخير بين الدنيا والآخرة قالت فلما كان مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي مات فيه عرضت له بحة فسمعته يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا قالت عائشة فظننا أنه كان يخير واخرجاه من حديث شعبة به وقال الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم أن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير قالت عائشة فلما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على فخذي غشي عليه ساعة ثم افاق فأشخص بصره الى سقف البيت وقال اللهم الرفيق الاعلى فعرفت أنه الحديث الذي كان حدثناه وهو صحيح أنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير قالت عائشة فقلت اذا لا تختارنا وقالت عائشة كانت تلك الكلمة آخر كلمة تكلم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الاعلى أخرجاه من غير وجه عن الزهري به وقال سفيان هو الثوري عن اسماعيل بن ابي خالد عن أبي بردة عن عائشة قالت أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجري فجعلت أمسح وجهه وأدعو له بالشفاء فقال لا بل أسأل الله الرفيق الاعلى الاسعد مع جبريل وميكائيل واسرافيل رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره قالوا ثنا أبو العباس الاصم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن عباد بن عبد الله بن الزبير أن عائشة أخبرته أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم واصغت اليه قبل أن يموت وهو مسند الى صدرها يقول اللهم اغفر لي وارحمني والحقني بالرفيق أخرجاه من حديث هشام بن عروة وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد سمعت عائشة تقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وفي دولتي ولم أظلم فيه أحدا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت الدم مع النساء وأضرب وجهي وقال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من نبى إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد اليه فيخير بين أن ترد اليه وبين أن يلحق فكنت قد حفظت ذلك منه فاني لمسندته الى صدري فنظرت اليه حين مالت عنقه فقلت قد قضى فعرفت الذي قال فنظرت اليه


صفة غسله عليه السلام
@
قد قدمنا أنهم رضي الله عنهم اشتغلوا ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء فلما تمهدت وتوطدت وتمت شرعوا بعد ذلك في تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتدين في كل ما أشكل عليهم بأبي بكر الصديق رضي الله عنه قال ابن اسحاق فلما بويع أبو بكر أقبل الناس على جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وقد تقدم من حديث ابن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء وقال ابو بكر بن ابي شيبة حدثنا أبو معاوية ثنا أبو بردة عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن ابيه قال لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناداهم مناد من الداخل أن لا تجردوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية عن أبي بردة واسمه عمرو بن يزيد التميمي كوفي وقال محمد بن اسحاق حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه سمعت عائشة تقول لما أرادوا غسل النبي صلى الله عليه وسلم قالوا ما ندري انجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه فلما اختلفوا القى الله عليهم النوم حتى ما منهم أحد إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن غسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه فقاموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسلوه وعليه قميص يصبون الماء فوق القميص فيدلكونه بالقميص دون أيديهم فكانت عائشة تقول لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه رواه أبو داود من حديث ابن اسحاق وقال الامام احمد حدثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال اجتمع القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهله عمه العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب والفضل بن عباس وقثم بن العباس واسامة بن زيد بن حارثة وصالح مولاه فلما اجتمعوا لغسله نادى من وراء الناس أوس ابن خولى الانصاري أحد بني عوف بن الخزرج وكان بدريا علي بن أبي طالب فقال يا علي ننشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له علي أدخل فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يل من غسله شيئا فاسنده علي الى صدره وعليه قميصه وكان العباس وفضل وقثم يقلبونه مع علي وكان اسامة بن زيد وصالح مولاه هما يصبان الماء وجعل علي يغسله ولم ير من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا مما يرى من الميت وهو يقول بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا حتى اذا فرغوا من غسل رسول الله وكان يغسل بالماء والسدر جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت
ثم أدرج في ثلاثة أثواب ثوبين أبيضين وبرد وحبرة قال ثم دعا العباس رجلين فقال أحدكما ليذهب الى أبى عبيدةبن الجراح وكان أبوعبيدة يصرخ لأخل مكة وليذهب الآخر أبى طلحة ابن سهل الأنصارى وكان أبو طلحة يلحد لأهل المدينة قال ثم قال العباس حين سرحهما اللهم خر لرسولك قال فذهبا فلم يجد صاحب ابي عبيدة أبا عبيدة ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم انفرد به احمد وقال يونس بن بكير عن المنذر بن ثعلبة عن الصلت عن العلباء بن احمر قال كان علي والفضل يغسلان رسول الله فنودي علي ارفع طرفك الى السماء وهذا منقطع
قلت وقد روى بعض أهل السنن عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا علي لا تبد فخذك ولا تنظر الى فخذ حي ولا ميت وهذا فيه اشعار بأمره له في حق نفسه والله أعلم وقال الحافظ البيهقي انبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا محمد بن يعقوب ثنا يحيى ابن محمد بن يحيى ثنا ضمرة ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قال علي غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا صلى الله عليه وسلم وقد رواه أبو داود في المراسيل وابن ماجه من حديث معمر به زاد البيهقي في روايته قال سعيد بن المسيب وقد ولي دفنه عليه السلام أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لحدوا له لحدا ونصبوا عليه اللبن نصبا وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين منهم عامر الشعبي ومحمد بن قيس وعبد الله بن الحارث وغيرهم بالفاظ مختلفة يطول بسطها هاهنا وقال البيهقي وروى أبو عمرو بن كيسان عن يزيد بن بلال سمعت عليا يقول أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله أحد غيري فانه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه قال علي فكان العباس واسامة يناولاني الماء من وراء الستر قال علي فما تناولت عضوا إلا كأنه يقلبه معي ثلاثون رجلا حتى فرغت من غسله وقد اسند هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال حدثنا محمد بن عبد الرحيم ثنا عبد الصمد بن النعمان ثنا كيسان أبو عمرو عن يزيد بن بلال قال قال علي ابن أبي طالب أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يغسله احد غيري فانه لا يرى احد عورتي إلا طمست عيناه قال علي فكان العباس واسامة يناولاني الماء من وراء الستر قلت هذا غريب جدا وقال البيهقي انبأنا محمد بن موسى بن الفضل ثنا أبو العباس الأصم ثنا اسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص عن سفيان عن عبد الملك بن جريج سمعت محمد بن علي ابا جعفر قال غسلت النبي صلى الله عليه وسلم بالسدر ثلاثا وغسل وعليه قميص وغسل من بشر كان يقال له الغرس بقباء كانت لسعد بن خيثمة وكان رسول الله يشرب منها وولي غسله علي والفضل يحتضنه والعباس
يصب الماء فجعل الفضل يقول ارحنى قطعت وتيني اني لأجد شيئا يترطل علي وقال الواقدي ثنا عاصم بن عبد الله الحكمي عن عمر بن عبد الحكم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه وكان رسول الله يستعذب له منها وغسل من بئر غرس وقال سيف بن عمر عن محمد بن عون عن عكرمة عن ابن عباس قال لما فرع من القبر وصلى الناس الظهر أخذ العباس في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عليه كلة من ثياب يمانية صفاق في جوف البيت فدخل الكلة ودعا عليا والفضل فكان اذا ذهب الى الماء ليعاطيهما دعا أبا سفيان بن الحارث فأدخله ورجال من بني هاشم من وراء الكلة ومن أدخل من الانصار حيث ناشدوا أبي وسألوه منهم أوس بن خولي رضي الله عنهم أجمعين ثم قال سيف عن الضحاك بن يربوع الحنفي عن ماهان الحنفي عن ابن عباس فذكر ضرب الكلة وأن العباس أدخل فيها عليا والفضل وأبا سفيان واسامة ورجال من بني هاشم من وراء الكلة في البيت فذكر أنهم القي عليهم النعاس فسمعوا قائلا يقول لا تغسلوا رسول الله فانه كان طاهرا فقال العباس ألا بلى وقال أهل البيت صدق فلا تغسلوه فقال العباس لا ندع سنة لصوت لا ندري ما هو وغشيهم النعاس ثانية فناداهم أن غسلوه وعليه ثيابه فقال أهل البيت إلا لا وقال العباس غلا نعم فشرعوا في غسله وعليه قميص ومجول مفتوح فغسلوه بالماء القراح وطيبوه بالكافور في مواضع سجوده ومفاصله واعتصر قميصه ومجوله ثم أدرج في أكفانه حجوره عودا وندا ثم احتملوه حتى وضعوه على سريره وسجوه وهذا السياق فيه غرابة جدا
*2* صفة كفنه عليه الصلاة والسلام
@
قال الامام احمد ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثني الزهري عن القاسم عن عائشة قالت أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوب حبرة ثم أخر عنه قال القاسم ان بقايا ذلك الثوب لعندنا بعد وهذا الاسناد على شرط الشيخين وانا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل والنسائي عن محمد ابن مثنى ومجاهد بن موسى فروهما كلهم عن الوليد بن مسلم به وقال الامام أبو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي ثنا مالك عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة اثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وكذا رواه البخاري عن اسماعيل بن ادريس عن مالك وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة اثواب سحولية بيض وأخرجه مسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجه البخاري عن ابي نعيم عن سفيان الثوري كلاهما عن هشام بن عروة به وقال أبو داود ثنا قتيبة ثنا حفص
ابن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله كفن في ثلاثة اثواب بيض يمانية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة قال فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة فقالت قد أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه وهكذا رواه مسلم عن ابي بكر بن أبي شيبة عن حفص بن غياث به وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو الفضل محمد بن ابراهيم ثنا احمد بن مسلم ثنا هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن ابيه عن عائشة قالت كفن رسول الله في ثلاثة اثواب بيض سحوليه من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة فاما الحلة فانما شبه على الناس فيها إنا اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت وأخذها عبد الله بن ابي بكر فقال لأحبسنها حتى أكفن فيها ثم قال لو رضيها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن ابي معاوية ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت كفن رسول الله في برد حبرة كانت لعبد الله بن أبي بكر ولف فيها ثم نزعت عنه فكان عبد الله بن أبي بكر قد أمسك تلك الحلة لنفسه حتى يكفن فيها اذا مات ثم قال أن أمسكها ما كنت أمسك لنفسي شيئا منع الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكفن فيه فتصدق بثمنها عبد الله وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة اثواب سحولية بيض ورواه النسائي عن اسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق قال الامام احمد حدثنا مسكين بن بكير عن سعيد يعني ابن عبد العزيز قال قال مكحول حدثني عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب رياط يمانية انفرد به احمد وقال أبو يعلى الموصلي ثنا سهل بن حبيب الانصاري ثنا عاصم بن هلال امام مسجد أيوب ثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية وقال سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ووقع في بعض الروايات ثوبين صحاريين وبرد حبرة وقال الامام احمد ثنا ابن ادريس ثنا يزيد عن مقسم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب في قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية الحلة ثوبان ورواه أبو داود عن احمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وابن ماجه عن علي بن محمد ثلاثتهم عن عبد الله بن إدريس عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس بنحوه وهذا غريب جدا وقال الامام احمد أيضا حدثنا عبد الرزاق ثنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وبرد حمراء انفرد به احمد من هذا الوجه وقال أبو بكر الشافعي ثنا علي بن الحسن ثنا حميد بن الربيع ثنا بكر يعني ابن عبد الرحمن ثنا عيسى يعني ابن المختار عن
محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال كفن رسول الله في ثوبين أبيضين وبرد حمراء وقال أبو يعلى ثنا سليمان الشاذكوني ثنا يحيى بن أبي الهيثم ثنا عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين سحوليين زاد فيه محمد بن عبد الرحمن بن ابي ليلى وبرد احمر وقد رواه غير واحد عن اسماعيل المؤدب عن يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس عن الفضل قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين أبيضين وفي رواية سحولية فالله أعلم وروى الحافظ ابن عساكر من طريق أبي طاهر المخلص ثنا احمد بن اسحاق البهلول ثنا عباد بن يعقوب ثنا شريك عن أبي اسحاق قال وقعت على مجلس بني عبد المطلب وهو متوافرون فقلت لهم في كم كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا قباء ولا عمامة قلت كم أسر منكم يوم بدر قالوا العباس ونوفل وعقيل وقد روى البيهقي من طريق الزهري عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال كفن رسول الله في ثلاثة أثواب أحدها برد حمراء حبرة وقد ساقه الحافظ ابن عساكر من طريق في صحتها نظر عن علي بن أبي طالب قال كفنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين وبرد حبرة وقد قال أبو سعيد ابن الاعرابي حدثنا ابراهيم بن الوليد ثنا محمد بن كثير ثنا هشام عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ريطتين وبرد نجراني وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن هشام و عمران القطان عن قتادة عن سعيد عن أبي هريرة به وقد رواه الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى ثنا نصر بن طريف عن قتادة ثنا ابن المسيب عن أم سلمة أن رسول الله كفن في ثلاثة اثواب أحدها برد نجراني وقال البيهقي وفيما روينا عن عائشة بيان سبب الاشتباه على الناس وأن الحبرة أخرت عنه والله أعلم ثم روى الحافظ البيهقي من طريق محمد بن اسحاق بن خزيمة ثنا يعقوب بن ابراهيم الدورقي عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن حسن بن صالح عن هارون بن سعيد قال كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به وقال هو من فضل حنوط رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه من طريق ابراهيم بن موسى عن حميد عن حسن عن هارون عن أبي وائل عن علي فذكره
*2* كيفية الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
@
وقد تقدم الحديث الذي رواه البيهقي من حديث الأشعث بن طليق البزار من حديث الأصبهاني كلاهما عن مرة عن ابن مسعود في وصية النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسله رجال أهل بيته وأنه قال كفنوني في ثيابي هذه أو في يمانية أو بياض مصر وأنه اذا كفنوه يضعونه على شفير قبره ثم
ثم يخرجون عنه حتى تصلي عليه الملائكة ثم يدخل عليه رجال أهل بيته فيصلون عليه ثم الناس بعدهم فرادى الحديث بتمامه وفي صحته نظر كما قدمنا والله أعلم وقال محمد بن اسحاق حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل الرجال فصلوا عليه بغير امام أرسالا حتى فرغوا ثم أدخل النساء فصلين عليه ثم ادخل الصبيان فصلوا عليه ثم أدخل العبيد فصلوا عليه ارسالا لم يأمهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد وقال الواقدي حدثني ابي بن عياش بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال لما أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكفانه وضع على سريرة ثم وضع على شفير حفرته ثم كان الناس يدخلون عليه رفقاء رفقاء لا يؤمهم عليه أحد قال الواقدي حدثني موسى بن محمد بن ابراهيم قال وجدت كتابا بخط أبي فيه انه لما كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع على سريره دخل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ومعهما نفر من المهاجرين والأنصار بقدر ما يسع البيت فقالا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وسلم المهاجرون والأنصار كما سلم أبو بكر وعمر ثم صفوا صفوفا لا يؤمهم أحد فقال أبو بكر وعمر وهما في الصف الأول حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نشهد أنه قد بلغ ما أنزل اليه ونصح لأمته وجاهد في سبيل الله حتى اعز الله دينه وتمت كلمته وأومن به وحده لا شريك له فاجعلنا إلهنا ممن يتبع القول الذي انزل معه وأجمع بيننا وبينه حتى تعرفه بنا تعرفنا به فانه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما لا نبتغي بالايمان به بديلا ولا نشتري به ثمنا أبدا فيقول الناس آمين آمين ويخرجون ويدخل آخرون حتى صلى الرجال ثم النساء ثم الصبيان وقد قيل إنهم صلوا عليه من بعد الزوال يوم الاثنين الى مثله من يوم الثلاثاء وقيل إنهم مكثوا ثلاثة أيام يصلون عليه كما سيأتي بيان ذلك قريبا والله أعلم
وهذا الصنيع وهو صلاتهم عليه فرادى لم يؤمهم أحد عليه أمر مجمع عليه لا خلاف فيه وقد اختلف في تعليله فلو صح الحديث الذي أوردناه عن ابن مسعود لكان نصا في ذلك ويكون من باب التعبد الذي يعسر تعقل معناه وليس لأحد أن يقول لأنه لم يكن لهم امام لأنا قد قدمنا أنهم إنما شرعوا في تجهيزه عليه السلام بعد تمام بيعة ابي بكر رضي الله عنه وأرضاه وقد قال بعض العلماء إنما لم يؤمهم أحد ليباشر كل واحد من الناس الصلاة عليه منه اليه ولتكرر صلاة المسلمين عليه مرة بعد مرة من كل فرد فرد من آحاد الصحابة رجالهم ونساءهم وصبيانهم حتى العبيد والاماء وأما السهيلي فقال ما حاصله إن الله قد أخبر أنه وملائكته يصلون عليه وأمر كل واحد من المؤمنين أن يباشر الصلاة عليه منه اليه والصلاة عليه بعد موته من هذا القبيل قال وأيضا فان
الملائكة لنا في ذلك ائمة فالله أعلم
وقد اختلف المتأخرون من أصحاب الشافعي في مشروعية الصلاة على قبره لغير الصحابة فقيل نعم لأن جسده عليه السلام طري في قبره لأن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما ورد بذلك الحديث في السنن وغيرها فهو كالميت اليوم وقال آخرون لا يفعل لأن السلف ممن بعد الصحابة لم يفعلوه ولو كان مشروعا لبادروا اليه ولثابروا عليه والله أعلم
*2* صفة دفنه عليه السلام وأين دفن
@
قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني أبي وهو عبد العزيز بن جريج أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يدروا أين يقبروا النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لم يقبر نبي الا حيث يموت فأخروا فراشه وحفروا تحت فراشه صلى الله عليه وسلم وهذا فيه انقطاع بين عبد العزيز بن جريج وبين الصديق فانه لم يدركه لكن رواه الحافظ أبو يعلى من حديث ابن عباس وعائشة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم فقال حدثنا أبو موسى الهروي ثنا أبو معاوية ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت اختلفوا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حين قبض فقال أبو بكر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يقبض النبي ألا في أحب الامكنة اليه فقال أدفنوه حيث قبض وهكذا رواه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر سمعت من رسول الله شيئا ما نسيته قال ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ادفنوه في موضع فراشه ثم ان الترمذي ضعف المليكي ثم قال وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه رواه ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الاموي عن أبيه عن ابن اسحاق عن رجل حدثه عن عروة عن عائشة ان أبا بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه لم يدفن نبي قط الا حديث قبض قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني محمد بن سهل التميمي ثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان بالمدينة حفاران فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم قالوا أين ندفنه فقال أبو بكر رضي الله عنه في المكان الذي مات فيه وكان أحدهما يلحد والآخر يشق فجاء الذي يلحد فلحد للنبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه منقطعا وقال أبو يعلى حدثنا جعفر بن مهران ثنا عبد الاعلى عن محمد بن اسحاق حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال لما ارادوا أن يحفروا للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أبو عبيدة الجراح يضرح كحفر أهل مكة وكان أبو طلحة زيد بن سهل
هو الذي كان يحفر لاهل المدينة وكان يلحد فدعا العباس رجلين فقال لأحدهما اذهب الى أبي عبيدة وقال للآخر اذهب الى أبي طلحة اللهم خره لرسولك قال فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل ندفنه في مسجده وقال قائل ندفنه مع أصحابه فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه فحفروا له تحته ثم ادخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون عليه ارسالا الرجال حتى إذا فرغ منهم ادخل النساء حتى اذا فرغ النساء ادخل الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد فدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوسط الليل ليلة الاربعاء وهكذا رواه ابن ماجه عن نصر بن علي الجهضمي عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن اسحاق فذكر باسناده مثله وزاد في آخره ونزل في حفرته علي بن ابي طالب والفضل وقثم ابنا عباس وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أوس بن خولي وهو أبو ليلى لعلي بن أبي طالب انشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له علي انزل وكان شقران مولاه اخذ قطيفة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فدفنها في القبر وقال والله لا يلبسها أحد بعدك فدفنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه الامام احمد عن حسين بن محمد عن جرير بن حازم عن ابن اسحاق مختصرا وكذلك رواه يونس بن بكير وغيره عن ابن اسحاق به وروى الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قبض الله نبيا إلا ودفن حيث قبض وروى البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين أو محمد بن جعفر بن الزبير قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه فقالوا كيف ندفنه مع الناس أو في بيوته فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض الله نبيا إلا دفن حيث قبض فدفن حيث كان فراشه رفع الفراش وحفر تحته وقال الواقدي حدثنا عبد الحميد بن جعفر عن عثمان بن محمد الاخنسي عن عبد الرحمن بن سعيد يعني ابن يربوع قال لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في موضع قبره فقال قائل في البقيع فقد كان يكثر الاستغفار لهم وقال قائل عند منبره وقال قائل في مصلاه فجاء أبو بكر فقال ان عندي من هذا خبرا وعلما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قبض نبي إلا دفن حيث توفي قال الحافظ البيهقي وهو في حديث يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد وفي حديث ابن جريج عن أبيه كلاهما عن ابي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وقال البيهقي عن الحاكم عن الاصم عن احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن سلمة بن نبيط بن شريط عن
أبيه عن سالم بن عبيد وكان من أصحاب الصفة قال دخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات ثم خرج فقيل له توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم فعلموا أنه كما قال وقيل له انصلي عليه وكيف نصلي عليه قال تجيئون عصبا عصبا فتصلون فعلموا انه كما قال قالوا هل يدفن واين قال حيث قبض الله روحه فانه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب فعلموا أنه كما قال وروى البيهقي من حديث سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد بن المسيب قال عرضت عائشة على أبيها رؤيا وكان من اعبر الناس قالت رأيت ثلاثة اقمار وقعن في حجري فقال لها إن صدقت رؤياك دفن في بيتك من خير أهل الارض ثلاثة فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة هذا خير أقمارك ورواه مالك عن يحيى بن سعيد عن عائشة منقطعا وفي الصحيحين عنها أنها قالت توفي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري وجمع الله بين ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول ساعة من الآخرة وفي صحيح البخاري من حديث أبي عوانة عن هلال الوراق عن عروة عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه يقول لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة ولولا ذلك لابرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا وقال ابن ماجه حدثنا محمود بن غيلان ثنا هاشم بن القاسم ثنا مبارك بن فضالة حدثني حميد الطويل عن انس بن مالك قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بالمدينة رجل يلحد والآخر يضرح فقالوا نستخير الله ونبعث اليهما فأيهما سبق تركناه فارسل اليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم تفرد به ابن ماجه وقد رواه الامام احمد عن أبي النضر هاشم بن القاسم به وقال ابن ماجه أيضا حدثنا عمر بن شبة عن عبيدة بن يزيد ثنا عبيد بن طفيل ثنا عبد الرحمن بن أبي مليكة حدثني ابن أبي مليكة عن عائشة قالت لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم فقال عمر لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا ولا ميتا أو كلمة نحوها فارسلوا الى الشقاق واللاحد جميعا فجاء اللاحد فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دفن تفرد به ابن ماجه وقال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا العمري عن نافع عن ابن عمر وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحد له لحد تفرد به احمد من هذين الوجهين وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن شعبة وابن جعفر ثنا شعبة حدثني ابو حمزة عن ابن عباس قال جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة به وقد رواه وكيع عن شعبة وقال وكيع كان هذا خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن عساكر وقال ابن سعد أنبانا محمد بن عبد الله الانصاري ثنا أشعث بن عبد الملك الحمراني عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط تحته قطيفة حمراء كان يلبسها قال وكانت
أرضا ندية وقال هشيم بن منصور عن الحسن قال جعل في قبر النبي صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء كان اصابها يوم حنين قال الحسن جعلها لأن المدينة أرض سبخة وقال محمد بن سعد ثنا حماد بن خالد الخياط عن عقبة بن أبي الصهباء سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم افرشوا لي قطيفة في لحدي فان الارض لم تسلط على أجساد الانبياء وروى الحافظ البيهقي من حديث مسدد ثنا عبد الواحد ثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال قال علي غسلت النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أنظر الى ما يكون من الميت فلم ار شيئا وكان طيبا حيا وميتا قال وولي دفنه عليه الصلاة والسلام وإجنانه دون الناس أربعة علي والعباس والفضل وصالح مولى النبي صلى الله عليه وسلم ولحد للنبي صلى الله عليه وسلم لحدا ونصب عليه اللبن نصبا وذكر البيهقي عن بعضهم أنه نصب على لحده عليه السلام تسع لبنات وروى الواقدي عن ابن أبي سبرة عن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم موضوعا على سريره من حين زاغت الشمس من يوم الاثنين الى ان زاغت الشمس يوم الثلاثاء يصلي الناس عليه وسريره على شفير قبره فلما أرادوا أن يقبروه عليه السلام نحوا السرير قبل رجليه فادخل من هناك ودخل في حفرته العباس وعلي وقثم والفضل وشقران وروى البيهقي من حديث اسماعيل السدي عن عكرمة عن ابن عباس قال دخل قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس وعلي والفضل وسوى لحده رجل من الانصار وهو الذي سوى لحود قبور الشهداء يوم بدر قال ابن عساكر صوابه يوم احد وقد تقدم رواية ابن اسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الذين نزلوا في قبر رسول الله علي والفضل وقثم وشقران وذكر الخامس وهو أوس بن خولي وذكر قصة القطيفة التي وضعها في القبر شقران وقال الحافظ البيهقي اخبرنا أبو طاهر المحمد آبادي ثنا أبو قلابة ثنا أبو عاصم ثنا سفيان بن سعيد هو الثوري عن اسماعيل بن ابي خالد عن الشعبي قال حدثني أبو مرحب قال كأني انظر اليهم في قبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أحدهم عبد الرحمن بن عوف وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن الصباح عن سفيان عن اسماعيل بن ابي خالد به ثم رواه احمد بن يونس عن زهير عن اسماعيل عن الشعبي حدثني مرحب أو أبو مرحب أنهم أدخلوا معهم عبد الرحمن بن عوف فلما فرغ علي قال إنما يلي الرجل أهله وهذا حديث غريب جدا واسناده جيد قوي ولا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد قال أبو عمر بن عبد البر في استيعابه أبو مرحب اسمه سويد بن قيس وذكر أبا مرحب آخر وقال لا أعرف خبره قال ابن الاثير في الغابة فيحتمل أن يكون راوي هذا الحديث أحدهما او ثالثا غيرهما ولله الحمد
*2* آخر الناس به عهدا عليه الصلاة والسلام
@
قال الامام احمد ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن اسحاق حدثني أبي اسحاق بن يسار عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل عن مولاه عبد الله بن الحارث قال اعتمرت مع علي في زمان عمر أو زمان عثمان فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب فلما فرغ من عمرته رجع فسكبت له غسلا فاغتسل فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق فقالوا يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه قال اظن المغيرة بن شعبة يحدثكم انه كان أحدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا اجل عن ذلك جئنا نسألك قال احدث الناس عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم قثم بن عباس تفرد به احمد من هذا الوجه وقد رواه يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق به مثله سواء إلا أنه قال قبله عن ابن اسحاق قال وكان المغيره بن شعبة يقول اخذت خاتمي فالقيته في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت حين خرج القوم إن خاتمي قد سقط في القبر وانما طرحته عمدا لأمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون آخر الناس عهدا به قال ابن اسحاق فحدثني والدي اسحاق بن يسار عن مقسم عن مولاه عن عبد الله بن الحارث قال اعتمرت مع علي فذكر ما تقدم وهذا الذي ذكر عن المغيرة بن شعبة لا يقتضي أنه حصل له ما امله فانه قد يكون علي رضي الله عنه لم يمكنه النزول في القبر بل امر غيره فناوله اياه وعلى ما تقدم يكون الذي امره بمناولته له قثم بن عباس وقد قال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال القى المغيرة بن شعبة خاتمه في قبر الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي إنما ألقيته لتقول نزلت في قبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل فاعطاه أو أمر رجلا فاعطاه وقد قال الامام احمد حدثنا بهز وأبو كامل قالا ثنا حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن أبي عسيب أو أبي غنم قال بهز إنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قالوا كيف نصلي قال ادخلوا ارسالا ارسالا فكانوا يدخلون من هذا الباب فيصلون عليه ثم يخرجون من الباب الآخر قال فلما وضع في لحده قال المغيرة قد بقي من رجليه شيء لم تصلحوه قالوا فادخل فاصلحه فدخل وادخل يده فمس قدميه عليه السلام فقال اهيلوا علي التراب فأهالوا عليه حتى بلغ الى انصاف ساقيه ثم خرج فكان يقول انا أحدثكم عهدا برسول الله صلى الله عليه وسلم
*2* متى وقع دفنه عليه الصلاة والسلام
@
وقال يونس عن ابن اسحاق حدثتني فاطمة بنت محمد امرأة عبد الله بن ابي بكر وادخلني عليها حتى سمعته منها عن عمرة عن عائشة أنها قالت ما علمنا بدفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوة المساحي في جوف ليلة الاربعاء وقال الواقدي حدثنا ابن أبي سبرة عن الحليس بن هشام عن عبد الله بن وهب عن أم سلمة قالت بينا نحن مجتمعون نبكي لم ننم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتنا ونحن نتسلى
برؤيته على السرير إذ سمعنا صوت الكرارين في السحر قالت أم سلمة فصحنا وصاح أهل المسجد فارتجت المدينة صيحة واحدة واذن بلال بالفجر فلما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى وانتحب فزادنا حزنا وعالج الناس الدخول الى قبره فغلق دونهم فيالها من مصيبة ما اصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت اذ ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم وقد روى الامام احمد من حديث محمد بن اسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء وقد تقدم مثله في غير ما حديث وهو الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفا وخلفا منهم سليمان بن طرخان التيمي وجعفر بن محمد الصادق وابن اسحاق وموسى بن عقبة وغيرهم وقد روى يعقوب بن سفيان عن عبد الحميد عن بكار عن محمد بن شعيب عن الاوزاعي انه قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين قبل أن ينتصف النهار ودفن يوم الثلاثاء وهكذا روى الامام احمد عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات في الضحى يوم الاثنين ودفن من الغد في الضحى وقال يعقوب حدثنا سفيان ثنا سعيد بن منصور ثنا سفيان عن جعفر ابن محمد عن أبيه وعن ابن جريج عن أبي جعفر ان رسول الله توفي يوم الاثنين فلبث ذلك اليوم وتلك الليلة ويوم الثلاثاء الى آخر النهار فهو قول غريب والمشهور عن الجمهور ما أسلفناه من انه عليه السلام توفي يوم الاثنين ودفن ليلة الاربعاء ومن الاقوال الغريبة في هذا أيضا ما رواه يعقوب ابن سفيان عن عبد الحميد بن بكار عن محمد بن شعيب عن أبي النعمان عن مكحول قال ولد رسول الله يوم الاثنين واوحي اليه يوم الاثنين وهاجر يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين لثنتين وستين سنة ونصف ومكث ثلاثة ايام لا يدفن يدخل عليه الناس إرسالا ارسالا يصلوت لا يصلون ولا يؤمهم عليه أحد فقوله إنه مكث ثلاثة ايام لا يدفن غريبا والصحيح أنه مكث بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء بمكاله ودفن ليلة الاربعاء كما قدمنا والله أعلم وضده ما رواه سيف عن هشام عن أبيه قال توفي رسول الله يوم الاثنين وغسل يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء قال سيف وحدثنا يحيى بن سعيد مرة بجمعيه عن عائشة به وهذا غريب جدا وقال الواقدي حدثنا عبد الله ابن جعفر عن ابن أبي عون عن ابي عتيق عن جابر بن عبد الله قال رش على قبر النبي صلى الله عليه وسلم الماء رشا وكان الذي رشه بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى الى رجليه ثم ضرب بالماء الى الجدار لم يقدر على أن يدور من الجدار وقال سعيد بن منصور عن الدراوردي عن يزيد بن عبد الله بن أبي يمن عن أم سلمة قالت توفي رسول الله يوم الاثنين
ودفن يوم الثلاثاء وقال ابن خزيمة حدثنا مسلم بن حماد عن أبيه عن عبد الله بن عمر عن كريب عن ابن عباس قال توفي رسول الله يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء وقال الواقدي حدثني أبي ابن عياش بن سهل بن سعيد عن أبيه قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ودفن ليلة الثلاثاء وقال أبو بكر بن أبي الدنيا عن محمد بن سعد توفي رسول الله يوم الاثنين لثنتي عشرة ليله من ربيع الاول ودفن يوم الثلاثاء وقال عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ثنا الحسن بن اسرائيل أبو محمد النهرتيري ثنا عيسى بن يونس عن اسماعيل بن ابي خالد سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول مات رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين فلم يدفن إلا يوم الثلاثاء وهكذا قال سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو جعفر الباقر
*2* صفة قبره عليه الصلاة والسلام
@
قد علم بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة ثم دفن بعده فيها أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما وقد قال البخاري ثنا محمد بن مقاتل ثنا أبو بكر بن عياش عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما تفرد به البخاري وقال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن أبي فديك أخبرني عمرو بن عثمان بن هاني عن القاسم قال دخلت على عائشة وقلت لها يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء
*2* النبي صلى الله عليه وسلم و أبو بكر رضي الله عنه و عمر رضي الله عنه
@ تفرد به أبو داود وقد رواه الحاكم البيهقي من حديث ابن أبي فديك عن عمرو بن عثمان عن القاسم قال فرايت النبي عليه السلام مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجل النبي صلى الله عليه وسلم قال البيهقي وهذه الرواية تدل على أن قبورهم مسطحة لأن الحصباء لا تثبت على على المسطح وهذا عجيب من البيهقي رحمه الله فانه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسنما وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه وقد روى الواقدي عن الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال جعل قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسطحا وقال البخاري ثنا فروة بن أبي المغراء ثنا علي بن مسهر عن هشام عن عروة عن أبيه قال لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه فبدت لهم قدم ففزعوا فظنوا أنه قدم النبي صلى الله عليه وسلم فما وجد واحد يعلم ذلك حتى قال لهم عروة لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ما هي إلا قدم
عمر وعن هشام عن أبيه عن عائشة أنها أوصت عبد الله بن الزبير لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع لا أزكي به أبدا
قلت كان الوليد بن عبد الملك حين ولى الامارة في سنة ست وثمانين قد شرع في بناء جامع دمشق وكتب الى نائبه بالمدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يوسع في مسجد المدينة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن زاذان مولى الفرافصة وهو الذي بنى المسجد النبوي أيام ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة فذكر عن سالم بن عبد الله نحو ما ذكره البخاري وحكى صفة القبور كما رواه أبو داود
*2* ما اصاب المسلمين من المصيبة بوفاته صلى الله عليه وسلم
@
قال البخاري ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت عن أنس قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة واكرب ابتاه فقال لها ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت واأبتاه اجاب ربا دعاه يا ابتاه من جنة الفردوس مأواه يا ابتاه الى جبريل ننعاه فلما دفن قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب تفرد به البخاري رحمه الله وقال الامام احمد حدثنا يزيد ثنا حماد بن زيد ثنا ثابت البناني قال أنس فلما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة يا أنس أطابت أنفسكم أن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم في التراب ورجعتم وهكذا رواه ابن ماجه مختصرا من حديث حماد بن زيد به وعنده قال حماد فكان ثابت اذا حدث بهذا الحديث بكى حتى تختلف اضلاعه وهذا لا يعد نياحة بل هو من باب ذكر فضائله الحق عليه أفضل الصلاة والسلام وإنما قلنا هذا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النياحة وقد روى الامام احمد والنسائي من حديث شعبة سمعت قتادة سمعت مطرفا يحدث عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه فيما أوصى به الى بنيه أنه قال ولا تنوحوا علي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه وقد رواه اسماعيل بن اسحاق القاضي في النوادر عن عمرو بن ميمون عن شعبة به ثم رواه عن علي بن المديني عن المغيرة بن سلمة عن الصعق بن حزن عن القاسم بن مطيب عن الحسن البصري عن قيس بن عاصم به قال لا تنوحوا علي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه وقد سمعته ينهى عن النياحة ثم رواه عن علي عن محمد بن الفضل عن الصعق عن القاسم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عاصم به وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا عقبة بن سنان ثنا عثمان بن عثمان ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا جعفر بن سليمان ثنا ثابت عن أنس قال لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء
منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء قال وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدي حتى انكرنا قلوبنا وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا عن بشر بن هلال الصواف عن جعفر بن سليمان الضبعي به وقال الترمذي هذا حديث صحيح غريب
قلت وإسناده على شرط الصحيحين ومحفوظ من حديث جعفر بن سليمان وقد أخرج له الجماعة رواه الناس عنه كذلك وقد أغرب الكديمي وهو محمد بن يونس رحمه الله في روايته له حيث قال ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلمت المدينة حتى لم ينظر بعضنا الى بعض وكان أحدنا يبسط يده فلا يراها أو لا يبصرها وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا رواه البيهقي من طريقه كذلك وقد رواه من طريق غيره من الحفاظ عن أبي الوليد الطيالسي كما قدمنا وهو المحفوظ والله أعلم وقد روى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من طريق أبي حفص بن شاهين ثنا حسين ابن احمد بن بسطام بالابلة ثنا محمد بن يزيد الرواسي ثنا سلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء وقال ابن ماجه ثنا اسحاق بن منصور ثنا عبد الوهاب ابن عطاء العجلي عن ابن عون عن الحسن عن أبي بن كعب قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما وجهنا واحد فلما قبض نظرنا هكذا وهكذا وقال أيضا ثنا ابراهيم بن المنذر الحزامي ثنا خالي محمد ابن ابراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي حدثني مصعب بن عبد الله عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قام المصلى يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر فكان الناس اذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه فتوفي أبو بكر وكان عمر فكان الناس اذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة فتوفي عمر وكان عثمان وكانت الفتنة فتلفت الناس يمينا وشمالا وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن أم أيمن بكت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لها ما يبكيك على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني قد سلمت أن رسول الله سيموت ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا هكذا رواه مختصرا وقد قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن نعيم ومحمد بن النضر الجارودي قالا ثنا الحسن بن علي الخولاني ثنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن انس قال ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أم ايمن زائرا وذهبت معه
فقربت اليه شرابا فاما كان صائما وأما كان لا يريده فرده فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم تضاحكه فقال أبو بكر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر انطلق بنا الى أم ايمن نزورها فلما انتهينا اليها بكت فقالا لها ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله قالت والله ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان ورواه مسلم منفردا به عن زهير بن حرب عن عمرو بن عاصم به وقال موسى بن عقبة في قصة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطبة أبي بكر فيها قال ورجع الناس حين فرغ أبو بكر من الخطبة وأم أيمن قاعدة تبكي فقيل لها ما يبكيك قد أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم فأدخله جنته وأراحه من نصب الدنيا فقالت إنما أبكي على خبر السماء كان ياتينا غضا جديدا كل يوم وليلة فقد انقطع ورفع فعليه أبكي فعجب الناس من قولها وقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه وحدثت عن أبي اسامة وممن روى ذلك عنه ابراهيم بن سعيد الجوهري ثنا أبو اسامة حدثني يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله إذا اراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا يشهد لها واذا اراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي فأهلكها وهو ينظر اليها فأقر عينه بهلكها حين كذبوه وعصوا أمره تفرد به مسلم اسنادا ومتنا وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا يوسف ابن موسى ثنا عبد الحميد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم ثم قال البزار لم نعرف آخره يروى عن عبد الله إلا من هذا الوجه
قلت وأما أوله وهو قوله عليه السلام إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام فقد رواه النسائي من طرق متعددة عن سفيان الثوري وعن الاعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب عن أبيه به وقد قال الامام احمد حدثنا حسين بن علي الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن أبي الاسود الصنعاني عن أوس بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فان صلاتكم معروضة علي قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يعني قد بليت قال إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن عبد الله وعن الحسن بن علي والنسائي عن اسحاق بن منصور ثلاثتهم عن حسين بن علي به ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي عن جابر عن أبي الاشعث
عن شداد بن أوس فذكره قال شيخنا أبو الحجاج المزي وذلك وهم من ابن ماجه والصحيح أوس بن أوس وهو الثقفي رضي الله عنه
قلت وهو عندي في نسخة جيدة مشهورة على الصواب كما رواه احمد وأبو داود النسائي عن أوس ابن أوس ثم قال ابن ماجه حدثنا عمرو بن سواد المصري ثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن ابي هلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فانه مشهود تشهده الملائكة وإن أحدا ليصل علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها قال قلت وبعد الموت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام نبي الله حي ويرزق وهذا من أفراد ابن ماجه رحمه الله وقد عقد الحافظ ابن عساكر هاهنا بابا في ايراد الأحاديث المروية في زيارة قبره الشريف صلوات الله وسلامه عليه دائما الى يوم الدين وموضع استقصاء ذلك في كتاب الاحكام الكبير إن شاء الله تعالى


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:52 AM
* ما ورد من التعزية به عليه الصلاة والسلام
@ قال ابن ماجه حدثنا الوليد بن عمرو بن السكين ثنا أبو همام وهو محمد بن الزبرقان الاهوازي ثنا موسى بن عبيدة ثنا مصعب بن محمد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة قالت فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بابا بينه وبين الناس أو كشف سترا فاذا الناس يصلون وراء أبي بكر فحمد الله على ما رأى من حسن حالهم رجاء أن يخلفه فيهم بالذي رآهم فقال يا أيهما الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة أشد عليه من مصيبتي تفرد به ابن ماجه وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو اسحاق ابراهيم بن محمد الفقيه ثنا شافع بن محمد ثنا أبو جعفر بن سلامة الطحاوي ثنا المزني ثنا الشافعي عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجالا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين فقال ألا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا بلى فحدثنا عن أبي القاسم قال لما أن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد إن الله أرسلني اليك تكريما لك وتشريفا لك وخاصة تلك أسألك عما هو أعلم به منك يقول كيف نجدك قال أجدني يا جبريل مغموما وأجدني يا جبريل مكروبا ثم جاءه اليوم الثاني فقال له ذلك فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رد أول يوم ثم جاءه اليوم الثالث فقال له كما قال أول يوم ورد عليه كما رد وجاء معه ملك يقال له اسماعيل على مائة ألف ملك كل ملك على مائة ألف ملك فاستأذن عليه فسأل عنه ثم قال
جبريل هذا ملك الموت يستأذن عليك ما استأذن على آدمي قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك فقال عليه السلام إيذن به فأذن له فدخل فسلم عليه ثم قال يا محمد إن الله أرسلني اليك فان أمرتني أن أقبض روحك قبضت وان أمرتني أن اتركه تركته فقال رسول الله أو تفعل يا ملك الموت قال نعم وبذلك أمرت وأمرت أن أطيعك قال فنظر النبي صلى الله عليه وسلم الى جبريل فقال له جبريل يا محمد إن الله قد اشتاق الى لقائك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لملك الموت امض لما أمرت به فقبض روحه فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية سمعوا صوتا من ناحية البيت السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فانما المصاب من حرم الثواب فقال علي رضي الله عنه أتدرون من هذا هذا الخضر عليه السلام وهذا الحديث مرسلا وفي اسناده ضعف حال القاسم العمري هذا فانه قد ضعفه غير واحد من الأئمة وتركة بالكلية آخرون وقد رواه الربيع عن الشافعي عن القاسم عن جعفر عن أبيه عن جده فذكر منه قصة التعزية فقط موصولا وفي الاسناد العمري المذكور قد نبهنا على أمره لئلا يغتر به على أنه قد رواه الحافظ البيهقي عن الحاكم عن أبي جعفر البغدادي حدثنا عبد الله بن الحارث أو عبد الرحمن بن المرتعد الصنعاني ثنا أبو الوليد المخزومي ثنا أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن جابر بن عبد الله قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون الحس ولا يرون الشخص فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل فائت ودركا من كل هالك فبالله فثقوا وإياه فارجوا فانما المحروم من حرم الثواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم قال البيهقي هذان الاسنادان وان كانا ضيفان فاحدهما يتأكد بالآخر ويدل على أن له أصلا من حديث جعفر والله أعلم وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر احمد بن بالويه ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا كامل ابن طلحة ثنا عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت الى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن في الله عزآء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فالى الله فانيبوا واليه فارغبوا ونظره اليكم في البلايا فانظروا فان المصاب من لم يجبر فانصرف فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل فقال أبو بكر وعلي نعم هذا اخو رسول الله صلى الله عليه وسلم الخضر ثم قال البيهقي عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر بمرة وقد روى الحارث بن أبي اسامة عن محمد بن سعد أنبأنا هشام بن القاسم ثنا صالح المري عن أبي حازم المدني أن رسول الله
حين قبضه الله عز وجل دخل المهاجرون فوجا فوجا يصلون عليه ويخرجون ثم دخلت الانصار على مثل ذلك ثم دخل أهل المدينة حتى اذا فرغت الرجال دخلت النساء فكان منهن صوت وجزع كبعض ما يكون منهن فسمعن هزة في البيت يعرفنا فسكتن فاذا قائل يقول إن في الله عزاء من كل هالك وعوض من كل مصيبة وخلف من كل فائت والمجبور من جبره الثواب والمصاب من لم يجبره الثواب
*2* فصل فيما روي من معرفة اهل الكتاب بيوم وفاته صلى الله عليه وسلم
@ قال أبو بكر بن ابي شيبة حدثنا عبد الله بن ادريس عن اسماعيل بن خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي قال كنت باليمن فلقينا رجلين من أهل اليمن ذا كلاع وذا عمرو فجعلت أحدثهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقالا لي إن كان ما تقول حقا فقد مضى صاحبك على أجله منذ ثلاث قال فأقبلت وأقبلا حتى اذا كنا في بعض الطريق رفع لنا ركب من المدينة فسألناهم فقالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر والناس صالحون قال فقالا لي أخبر صاحبك أنا قد جئنا ولعلنا سنعود إن شاء الله عز وجل قال ورجعنا الى اليمن فلما أتينا أخبرت ابا بكر بحديثهم قال أفلا جئت بهم فلما كان بعد قال لي ذو عمرو يا جرير ان لك علي كرامة وإني مخبرك خبرا أنكم معشر العرب لن تزالوا بخير ما كنتم اذا هلك أمير تأمرتم في آخر واذا كانت بالسيف كنتم ملوكا تغضبون غضب الملوك وترضون رضى الملوك هكذا رواه الامام احمد والبخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن عبد الله بن جعفر عن يعقوب بن سفيان عنه وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا علي بن المتوكل ثنا محمد بن يونس ثنا يعقوب بن اسحاق الحضرمي ثنا زائدة عن زياد بن علاقة عن جرير قال لقيني حبر باليمن وقال لي ان كان صاحبكم نبيا فقد مات يوم الاثنين هكذا رواه البيهقي وقد قال الامام احمد حدثنا أبو سعيد ثنا زائدة ثنا زياد بن علاقة عن جرير قال قال لي حبر باليمن إن كان صاحبكم نبيا فقد مات اليوم قال جرير فمات يوم الاثنين وقال البيهقي أنبأنا أبو الحسين بن بشران المعدل ببغداد أنبأنا أبو جعفر محمد بن عمرو ثنا محمد بن الهيثم ثنا سعيد بن أبي كبير بن عفير حدثني عبد الحميد بن كعب بن علقمة بن كعب بن عدي التنوخي عن عمرو بن الحارث عن ناعم بن أجيل عن كعب بن عدي قال أقبلت في وفد من أهل الحيرة الى النبي صلى الله عليه وسلم فعرض علينا الاسلام فأسلمنا ثم انصرفنا الى الحيرة فلم
نلبث أن جاءتنا وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فارتاب أصحابي وقالوا لو كان نبيا لم يمت فقلت قد مات الأنبياء قبله وثبت على اسلامي ثم خرجت أريد المدينة فمررت براهب كنا لا نقطع أمرا دونه فقلت له أخبرني عن أمر أردته نفخ في صدري منه شيء فقال رائت باسم من الأسماء فاتيته بكعب فقال القه في هذا السفر لسفر أخرجه فألقيت الكعب فيه فصفح فيه فاذا بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما رأيته واذا هو يموت في الحين الذي مات فيه قال فاشتدت بصيرتي في إيماني وقدمت على ابي بكر رضي الله عنه فأعلمته واقمت عنده فوجهني الى المقوقس فرجعت ووجهني أيضا عمر بن الخطاب فقدمت عليه بكتابه فأتيته وكانت وقعة اليرموك ولم اعلم بها فقال لي أعلمت أن الروم قتلت العرب وهزمتهم فقلت كلا قال ولم قلت إن الله وعد نبيه أن يظهره على الدين كله وليس بمخلف الميعاد قال فان نبيكم قد صدقكم قتلت الروم والله قتل عاد قال ثم سألني عن وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته وأهدى الى عمر وإليهم وكان ممن أهدى اليه علي وعبد الرحمن والزبير وأحسبه ذكر العباس قال كعب وكنت شريكا لعمر في البز في الجاهلية فلما أن فرض الديوان فرض لي في بني عدي ابن كعب وهذا اثر غريب وفيه نبأ عجيب وهو صحيح
*2* فصل (ارتداد العرب بوفاته صلى الله عليه وسلم )
@
قال محمد بن اسحاق ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله عنه قال ابن هشام وحدثني أبو عبيدة وغيره من اهل العلم أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا بالرجوع عن الاسلام وأرادوا ذلك حتى خافهم عتاب بن اسيد رضي الله عنه فتوارى فقام سهيل بن عمرو رضي الله عنه فحمد الله واثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن ذلك لم يزد الاسلام إلا قوة فمن رابنا ضربنا عنقه فتراجع الناس وكفوا عما هموا به فظهر عتاب بن أسيد فهذا المقام الذي اراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لعمر بن الخطاب يعني حين اشار بقلع ثنيته حين وقع في الاسارى يوم بدر إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمنه
قلت وسيأتي عما قريب إن شاء الله ذكر ما وقع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الردة في أحياء كثيرة من العرب وما كان من أمر مسيلمة بن حبيب المتنبئ باليمامة والاسود العنسي باليمن وما كان من أمر الناس حتى فاءوا ورجعوا الى الله تائبين نازعين عما كانوا عليه في حال ردتهم من السفاهة والجهل العظيم الذي استفزهم الشيطان به حتى نصرهم الله وثبتهم وردهم الى دينه الحق على يدي الخليفة الصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه كما سيأتي مبسوطا مبينا مشروحا ان شاء الله
*2* فصل ( قصائد حسان بن ثابت رضي الله عنه في وفاة رسول الله (ص) .)
@
وقد ذكر ابن اسحاق وغيره قصائد لحسان بن ثابت رضي الله عنه في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل ذلك وأفصحه وأعظمه ما رواه عبد الملك بن هشام رحمه الله عن أبي زيد الأنصاري أن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم
بطيبة رسم للرسول ومعهد * منير وقد تعفو الرسوم وتمهد
ولا تمتحي الآيات من دار حرمة * بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آيات وباقي معالم * وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها * من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها * أتاها البلا فالآي منها تجدد
عرفت بها رسم الرسول وعهده * وقبرا بها واراه في الترب ملحد
ظللت بها ابكي الرسول فأسعدت * عيون ومثلاها من الجن تسعد
يذكرن آلاء الرسول ولا ارى * لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفها فقد أحمد * فظلت لآلاء الرسول تعدد
وما بلغت من كل أمر عشيره * ولكن لنفسي بعد ما قد توجد
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها * على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت يا قبر الرسول وبوركت * بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
تهيل عليه الترب أيد وأعين * عليه وقد غارت بذلك أسعد
لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة * عشية علوه الثرى لا يوسد
وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم * وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
ويبكون من تبكي السموات يؤمه * ومن قد بكته الأرض فالناس أكمد
وهل عدلت يوما رزية هالك * رزية يوم مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم * وقد كان ذا نور يغور وينجد
يدل على الرحمن من يقتدى به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا * معلم صدق إن يطيعوه يسعدوا
عفو عن الزلات يقبل عذرهم * وإن يحسنوا فالله بالخير أجود
وإن ناب أمر لم يقوموا بحمله * فمن عنده تيسير ما يتشدد
فبيناهم في نعمة الله وسطهم * دليل به نهج الطريقة يقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى * حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يثنى جناحه * الى كنف يحنو عليهم ويمهد
فبيناهم في ذلك النور إذ غدا * إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا * يبكيه جفن المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها * لغيبة ما كانت من الوحي تعهد
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها * فقيد يبكيه بلاط وغرقد
ومسجده فالموحشات لفقده * خلاء له فيها مقام ومقعد
وبالجمرة الكبرى له ثم أوحشت * ديار وعرصات وربع ومولد
فبكى رسول الله يا عين عبرة * ولا أعرفنك الدهر دمعك يجمد
ومالك لا تبكين ذا النعمة التي * على الناس منها سابغ يتغمد
فجودي عليه بالدموع وأعولي * لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد * ولا مثله حتى القيامة يفقد
أعف وأوفى ذمة بعد ذمة * وأقرب منه نائلا لا ينكد
وأبذل منه للطريف وتالد * إذا ضن معطاء بما كان يتلد
وأكرم حيا في البيوت إذا انتمى * واكرم جدا أبطحيا يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا * دعائم عز شاهقات تشيد
واثبت فرعا في الفروع ومنبتا * وعودا غذاه المزن فالعود أغيد
رباه وليدا فاستقم بتمامه * على اكرم الخيرات رب ممجد
تاهت وصاة المسلمين بكفه * فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
أقول ولا يلفي لما قلت عائب * من الناس إلا عازب القول مبعد
وليس هوائي نازعا عن ثنائه * لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره * وفي نيل ذاك اليوم أسعى وأجهد
وقال الحافظ أبو القاسم السهيلي في آخر كتابه الروض وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب
يبكي رسول الله صلى الله عليه وسلم
أرقت فبات ليلي لا يزول * وليل أخي المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول
وأضحت ارضنا مما عراها * تكاد بنا جوانبها تميل
فقدنا الوحي والتنزيل فينا * يروح به ويغدو جبرئيل
وذاك أحق ما سالت عليه * نفوس الناس أو كربت تسيل
نبي كان يجلو الشك عنا * بما يوحى اليه وما يقول
ويهدينا فلا نخشى ضلالا * علينا والرسول لنا دليل
أفاطم إن جزعت فذاك عذر * وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر ابيك سيد كل قبر * وفيه سيد الناس الرسول
*2* باب ( ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم )
@ بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ولا شيئا يورث عنه بل أرضا جعلها كلها صدقة لله عز وجل فان الدنيا بحذافيرها كانت أحقر عنده كما هي عند الله من أن يسعى لها أو يتركها بعده ميراثا صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وسلم تسليما كثيرا دائما الى يوم الدين
قال البخاري حدثنا قتيبة ثنا أبو الأحوص عن أبي اسحاق عن عمرو بن الحارث قال ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة انفرد به البخاري دون مسلم فرواه في أماكن من صحيحه من طرق متعددة عن أبي الاحوص وسفيان الثوري وزهير بن معاوية ورواه الترمذي من حديث اسرائيل والنسائي أيضا من حديث يونس بن ابي اسحاق كلهم عن ابي اسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي عن عمرو بن الحارث بن المصطلق بن ابي ضرار أخي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنهما به وقد رواه الامام احمد حدثنا أبو معاوية ثنا الاعمش وابن نمير عن الأعمش عن شقيق عن مسروق عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء وهكذا رواه مسلم منفردا به عن البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة
عن سليمان بن مهران الأعمش عن شقيق بن سلمة أبي وائل عن مسروق بن الأجدع عن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سموات رضي الله عنها وأرضاها وقال الامام احمد حدثنا اسحاق بن يوسف عن سفيان عن عاصم عن ذر بن حبيش عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا أمة ولا عبدا ولا شاة ولا بعيرا وحدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن ذر عن عائشة ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا قال سفيان وأكثر علمي واشك في العبد والأمة وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن بندار عن عبد الرحمن بن مهدي به قال الامام احمد وحدثنا وكيع ثنا مسعر عن عاصم بن أبي النجود عن ذر عن عائشة قالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا هكذا رواه الامام احمد من غير شك وقد رواه البيهقي عن أبي زكريا بن ابي اسحاق المزكي عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأنا جعفر بن عون أنبأنا مسعر عن عاصم عن ذر قال قلت عائشة تسألوني عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة قال مسعر أراه قال ولا شاة ولا بعيرا قال وأنبأنا مسعر عن عدي بن ثابت عن على بن الحسين قال ما ترك رسول الله ص دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة وقد ثبت في الصحيحين من حديث الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما من يهودي الى أجل ورهنه درعا من حديد وفي لفظ للبخاري رواه عن قبيصة عن الثوري عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها قالت توفي رسول النبي الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين ورواه البيهقي من حديث يزيد بن هارون عن الثوري عن الاعمش عن ابراهيم عن الاسود عنها قالت توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير ثم قال رواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان ثم قال البيهقي أنبأنا علي بن احمد بن عبدان أنبأنا أبو بكر محمد بن حمويه العسكري ثنا جعفر بن محمد القلانسي ثنا آدم ثنا شيبان عن قتادة عن انس قال لقد دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم على خبز شعير وإهالة سنخة قال أنس ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول والذي نفس محمد بيده ما أصبح عند آل محمد صاع بر ولا صاع تمر وإن له يومئذ تسع نسوة ولقد رهن درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه طعاما فما وجد ما يفتكها به حتى مات صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن ماجه بعضه من حديث شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة به وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد ثنا ثابت ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر الى أحد فقال والذي نفسي بيده ما يسرني أحدا لآل محمد ذهبا
أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وعندي منه ديناران إلا أن أرصدهما لدين قال فمات فما ترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا وليدة فترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير وقد روى آخره ابن ماجه عن عبد الله بن معاوية الجمحي عن ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب العبدي الكوفي به ولأوله شاهد في الصحيح من حديث ابي ذر رضي الله عنه وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان قالوا حدثنا ثابت هو ابن يزيد ثنا هلال هو ابن خباب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا نبي الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها تفرد به احمد وإسناده جيد وله شاهد من حديث ابن عباس عن عمر في المرأتين التين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة الايلاء وسيأتي الحديث مع غيره مما شاكله في بيان زهده عليه السلام وتركه الدنيا وإعراضه عنها واطراحه لها وهو مما يدل على ما قلناه من انه عليه السلام لم تكن الدنيا عنده ببال وقال الامام احمد حدثنا سفيان ثنا عبد العزيز بن رفيع قال دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس فقال ابن عباس ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين هذين اللوحين قال ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة به وقال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا مالك بن مغول عن طلحة قال سألت عبد الله بن أبي أوفى أأوصى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا فقلت كيف كتب على الناس الوصية أو أمروا بها قال أوصى بكتاب الله عز وجل وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأهل السنن إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول
تنبيه قد ورد أحاديث كثيرة سنوردها قريبا بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن نسائه وإماء وعبيد وخيول وإبل وغنم وسلاح وبغلة وحمار وثياب واثاث وخاتم وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله فلعله عليه السلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده وارصد ما أرصده من أمتعته مع ما خصه الله به من الأرضين من بني النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين على ما سنبينه إن شاء الله إلا أنه لم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه قطعا لما سنذكره قريبا وبالله المستعان
*2* باب بيان انه عليه السلام قال لا نورث
@
قال الامام احمد حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن ابي هريرة يبلغ به وقال مرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق عن مالك بن أنس عن أبي الزناد عبد الله ابن ذكوان عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤهو عاملي فهو صدقة لفظ البخاري ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان الى أبي بكر ليسالنه ميراثهن فقالت عائشة أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى وأبو داود عن القعنبي والنسائي عن قتيبة كلهم عن مالك به فهذه إحدى النساء الوارثات إن لو قدر ميراث قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت وتذكرن ما قالت لهن من ذلك فان عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن والله أعلم وقال البخاري حدثنا اسماعيل بن أبان ثنا عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة وقال البخاري باب قول رسول الله لا نورث ما تركنا صدقة حدثنا عبد الله بن محمد ثنا هشام أنبأنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر رضي الله عنه يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر فقال لهما ابو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال قال أبو بكر والله لا أدع أمرا رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت وهكذا رواه الامام احمد عن عبد الرزاق عن معمر ثم رواه احمد عن يعقوب بن ابراهيم عن ابيه عن صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة سألت ابا بكر بعد وفاة رسول الله ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه فقال لها أبو بكر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة فغضبت فاطمة وهجرت ابا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت قال وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر وذكر تمام الحديث هكذا قال الامام احمد وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من صحيحه عن ابن أبي بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري
عن عروة عن عائشة كما تقدم وزاد فلما توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل الى أبي بكر أيتنا ولا يأتنا معك أحد وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر فقال عمر والله لا تدخل عليهم وحدك قال أبو بكر وما عسى أن يصنعوا بي والله لآتينهم فانطلق أبو بكر رضي الله عنه وقال إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله اليك ولكنكم استبددتم بالأمر وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الأمر نصيبا فلم يزل علي يذكر حتى بكى ابو بكر رضي الله عنه وقال والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي وأما الذي شجر بينكم في هذه الأموال فاني لم آل فيها عن الخير ولم اترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته فلما صلى أبو بكر رضي الله عنه الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر به وتشهد علي رضي الله عنه فعظم حق أبي بكر وذكر فضيلته وسابقته وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ثم قام الى أبي بكر رضي الله عنهما فبايعه فأقبل الناس على علي فقالوا أحسنت وكان الناس الى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وابو داود والنسائي من طرق متعددة عن الزهري عن عروة عن عائشة بنحوه فهذه البيعة التي وقعت من علي رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ولم يكن علي مجانبا لأبي بكر هذه الستة الاشهر بل كان يصلي وراءه ويحضر عنده للمشورة وركب معه الى ذي القصة كما سيأتي وفي صحيح البخاري أن أبا بكر رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان فاحتمله على كاهله وجعل يقول يا بأبي شبه النبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها فنفى ذلك والمثبت مقدم على النافي كما تقدم وكما تقرر والله أعلم وأما تغضب فاطمة رضي الله عنها وأرضاها على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فما أدري ما وجهه فان كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث فقد اعتذر اليها بعذر يجب قبوله وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا نورث ما تركنا صدقة وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث كما خفي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
حتى أخبرتهن عائشة بذلك ووافقنها عليه وليس يظن بفاطمة رضي الله عنها أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه فيما أخبرها به حاشاها وحاشاه من ذلك كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن ابن عوف وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن ابي وقاص وأبو هريرة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين كما سنبينه قريبا ولو تفرد بروايته الصديق رضي الله عنه لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته والانقياد له في ذلك وإن كان غضبها لأجل ما سألت الصديثق إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا أن يكون زوجها ينظر فيها فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلي ما كان يليه رسول الله ولهذا قال وإني والله لا أدع امرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته قال فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت وهذا الهجران والحالة هذه فتح على الفرقة الرافضة شرا عريضا وجهلا طويلا وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله ولكنهم طائفة مخذولة وفرقة مرذولة يتمسكون بالمتشابه ويتركون الأمور المحكمة المقدرة عند ائمة الاسلام من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الاعصار والأمصار رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين
*2* بيان رواية الجماعة لما رواه الصديق وموافقتهم على ذلك
@
قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني مالك ابن أوس بن الحدثان وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكرا من حديثه ذلك فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته فقال انطلقت حتى أدخل على عمر فأتاه حاجبه يرفا فقال هل لك في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد قال نعم فأذن لهم ثم قال هل لك في علي وعباس قال نعم قال عباس يا أمير المؤمنين أقض بيني وبين هذا قال أنشدكم بالله الذي باذنه تقوم السماء والأرض هل تعملون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه قال الرهط قد قال ذلك فأقبل على علي وعباس فقال هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك قالا قد قال ذلك قال عمر بن الخطاب فاني أحدثكم عن هذا الأمر إن الله كان قد خص لرسول الله في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره قال ما أفاء الله على رسوله الى قوله قدير فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ثم
يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله فعمل بذلك رسول الله حياته أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك قالوا نعم ثم قال لعلي وعباس انشدكما بالله هل تعلمان ذلك قالا نعم فتوفي الله نبيه فقال أبو بكر رضي الله عنه أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توفي الله ابا بكر فقلت أنا ولي ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر ثم جئتماني كلمتكما واحدة وامركما جميع حتى جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك وجاءني هذا ليسألني نصيب امرأته من أبيها فقلت إن شئتما دفعتها اليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك فوالله الذي باذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي غير ذلك حتى تقوم الساعة فان عجزتما فادفعاها الي فأنا أكفيكماها وقد رواه البخاري في أماكن متفرقة من صحيحه ومسلم وأهل السنن من طرق عن الزهري به وفي رواية في الصحيحين فقال عمر فوليها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يعلم أنه صادق بار راشد تابع للحق ثم وليتها فعملت فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر والله يعلم أني صادق بار راشد تابع للحق ثم جئتماني فدفعتها اليكما لتعملا فيها بما عمل رسول الله وابو بكر وعملت فيها أنا أنشدكم بالله أدفعتها اليهما بذلك قالوا نعم ثم قال لهما أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك قالا نعم قال افتلتمسان مني قضاء غير ذلك لا والذي باذنه تقوم السماء والأرض وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن عمرو عن الزهري عن مالك بن أوس قال سمعت عمر يقول لعبد الرحمن وطلحة والزبير وسعد نشدتكم بالله الذي تقوم السماء والأرض بأمره أعلمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة قالوا نعم على شرط الصحيحين
قلت وكان الذي سألاه بعد تفويض النظر اليهما والله أعلم هو أن يقسم بينهما النظر فيجعل لكل واحد منهما نظر ما كان يستحقه بالأرض لو قدر أنه كان وارثا وكأنهما قدما بين أيديهما جماعة من الصحابة منهم عثمان وابن عوف وطلحة والزبير وسعد وكان قد وقع بينهما خصومة شديدة بسبب اشاعة النظر بينهما فقالت الصحابة الذين قدموهم بين أيديهما يا أمير المؤمنين اقض بينهما أو أرح أحدهما من الآخر فكأن عمر رضي الله عنه تحرج من قسمة النظر بينهما بما يششبه قسمة الميراث ولو في الصورة الظاهرة محافظة على امتثال قوله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة فامتنع عليهم كلهم وأبى ذلك اشد الاباء رضي الله عنه وأرضاه ثم إن عليا والعباس استمرا على ما كانا عليه ينظران فيها جميعا الى زمان عثمان بن عفان فغلبه عليها علي وتركها له العباس باشارة ابنه عبد الله رضي الله عنهما بين يدي عثمان كما رواه احمد في مسنده فاستمرت في ايدي العلويين وقد تقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فاني ولله الحمد جمعت لكل واحد منهما مجلدا ضخما مما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورآه
من الفقه النافع الصحيح ورتبته على ابواب الفقه المصطلح عليها اليوم وقد روينا أن فاطمة رضي الله عنها احتجت أولا بالقياس وبالعموم في الآية الكريمة فاجابها الصديق بالنص على الخصوص بالمنع في حق النبي وأنها سلمت له ما قال وهذا هو المظنون بها رضي الله عنها وقال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة أن فاطمة قالت لابي بكر من يرثك اذا مت قال ولدي وأهلي قالت فما لنا لا نرث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن النبي لا يورث ولكني أعول من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعول وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق وقد رواه الترمذي في جامعه عن محمد بن المثنى عن أبيو الوليد الطيالسي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره بوصل الحديث وقال الترمذي حسن صحيح غريب فأما الحديث الذي قال الامام احمد حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة ثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت فاطمة الى أبي بكر أانت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله فقال لا بل أهله فقالت فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله اذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده فرأيت أن أرده على المسلمين قالت فأنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه أبو داود عن عثمان بن ابي شيبة عن محمد بن فضيل به ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة وفيهم من فيه تشيع فليعلم ذلك وأحسن ما فيه قولها أنت وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا هو الصواب والمظنون بها واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها رضي الله عنها وكأنك سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظرا على هذه الصدقة فلم يجبها الى ذلك لما قدمناه فتعتبت عليه بسبب ذلك وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون وليست بواجبة العصمة مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة أبي بكر الصديق رضي الله عنها وقد روينا عن أبي بكر رضي الله عنه أنه ترضا فاطمة وتلاينها قبل موتها فرضيت رضي الله عنها
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا عبدان بن عثمان العتكي بنيسابور أنبأنا أبو حمزة عن اسماعيل بن ابي خالد عن الشعبي قال لما مرضت فاطمة أتاها ابو بكر الصديق فاستأذن عليها فقال علي يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك فقالت أتحب أن ىذن له قال نعم فأذنت له فدخل عليها يترضاها فقال والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم اهل البيت ثم ترضاها حتى رضيت وهذا إسناد جيد قوي والظاهر أن عامر الشعبي سمعه من علي أو ممن سمعه من علي وقد اعترف علماء أهل البيت بصحة ما حكم به أبو بكر في ذلك قال الحافظ البيهقي أنبأنا محمد ابن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار ثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي ثنا نصر بن علي ثنا ابن داود عن فضيل بن مرزوق قال قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أما أنا فلو كنت مكان أبي بكر لحكمت بما حكم به أبو بكر في فدك
*2* فصل ( النبي صلى الله عليه وسلم لا يورث ) .
@ وقد تكلمت الرافضة في هذا المقام بجهل وتكلفوا مالا علم لهم به وكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله وأدخلوا أنفسهم فيما لا يعنيهم وحاول بعضهم أن يرد خبر أبي بكر رضي الله عنه فيما ذكرناه بأنه مخالف للقرآن حيث يقول الله تعالى وورث سليمان داود الآية وحيث قال تعالى إخبارا عن زكريا أنه قال فهب لى من لدنك وليا يرثنى ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا واستدالهم بهذا باطل من وجوه أحدها أن قوله وورث سليمان داود إنما يعني بذلك في الملك والنبوة أي جعلناه قائما بعده فيما كان يليه من الملك وتدبير الرعايا والحكم بين بني اسرائيل وجعلناه نبيا كريما كأبيه وكما جمع لأبيه الملك والنبوة كذلك جعل ولده بعده وليس المراد بهذا وراثة المال لأن داود كما ذكره كثير من المفسرين كان له اولاد كثيرون يقال مائة فلم اقتصر على ذكر سليمان من بينهم لو كان المراد وراثة المال إنما المراد وراثة القيام بعده في النبوة والملك ولهذا قال وورث سليمان داود وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين وما بعدها من الآيات وقد أشبعنا الكلام على هذا في كتابنا التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة كثيرا
وأما قصة زكريا فانه عليه السلام من الأنبياء الكرام والدنيا كانت عنده أحقر من أن يسأل الله ولدا ليرثه في ماله كيف وإنما كان نجارا يأكل من كسب يده كما رواه البخاري ولم يكن ليدخر منها فوق قوته حتى يسأل الله ولدا يرث عنه ماله أن لو كان له مال وإنما سأل ولدا صالحا يرثه في النبوة والقيام بمصالح بني اسرائيل وحملهم على السداد ولهذا قال تعالى كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا القصة بتمامها فقال وليا يرثني ويرث من آل يعقوب يعني النبوة كما قررنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة وقد تقدم في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عن ابي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي لا يورث وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء وقد حسنه الترمذي وفي الحديث الآخر نحن معشر الأنبياء لا نورث
والوجه الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الأنبياء بأحكام لا يشاركونه فيها كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون وليس الأمر كذلك لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه
والثالث أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء واعترف بصحته العلماء سواء كان من خصائصه أم لا فانه قال لا نورث ما تركناه صدقة إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله عليه السلام ما تركنا صدقة أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه على ما تقدم وهو الظاهر ويحتمل أن يكون إنشاء وصيته كأنه يقول لا نورث لأن جميع ما تركناه صدقة ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة والاحتمال الأول أظهر وهو الذي سلكه الجمهور وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره عن أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث ما تركنا صدقة بالنصب جعل ما نافية فكيف يصنع بأول الحديث وهو قوله لا نورث وبهذه الرواية ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة وما شأن هذا إلا كما حكي عن بعض المعتزلة أنه قرأ على شيخ من أهل السنة وكلم الله موسى تكليما بنصب الجلالة فقال له الشيخ ويحك كيف تصنع بقوله تعالى فلما جاء موسى لميقاتنا فكلمه ربه والمقصود أنه يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة على كل تقدير احتمله اللفظ والمعنى فانه مخصص لعموم آية الميراث ومخرج له عليه السلام منها إما وحده أو مع غيره من إخوانه الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام


باب زوجاته صلوات الله وسلامه عليه واولاده صلى الله عليه وسلم
@
قال الله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا لا خلاف أنه عليه السلام توفي عن تسع وهن عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية وحفصة بنت عمر بن الخطاب
العدوية وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن امية الأموية وزينب بنت جحش الأسدية وأم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية وميمونة بنت الحارث الهلالية وسودة بنت زمعة العامرية وجويرية بنت الحارث بن ابي ضرار المصطلقية وصفية بنت حيي بن أخطب النضرية الاسرائيلية الهارونية رضي الله عنهن وارضاهن وكانت له سريتان وهما مارية بنت شمعون القبطية المصرية من كورة الصنا وهي أما ولده ابراهيم عليه السلام وريحانة بنت شمعون القرظية أسلمت ثم أعتقها فلحقت بأهلها ومن الناس من يزعم أنها احتجبت عندهم والله أعلم واما الكلام على ذلك مفصلا ومرتبا من حيث ما وقع اولا فأولا مجموعا من كلام الأئمة رحمهم الله فنقول وبالله المستعان
روى الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي من طريق سعيد بن ابي عروبة عن قتادة قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة امرأة دخل منهن بثلاث عشرة واجتمع عنده احدى عشرة ومات عن تسع ثم ذكر هؤلاء التسع اللاتي ذكرناهن رضي الله عنهن ورواه سيف بن عمر عن سعيد عن قتادة عن أنس والأول اصح ورواه سيف بن عمر التميمي عن سعيد عن قتادة عن أنس وابن عباس مثله وروى عن سعيد بن عبد الله عن عبد الله بن أبي مليكة عن عائشة مثله قالت فالمرأتان اللتان لم يدخل بهما فهما عمرة بنت يزيد الغفارية والشنباء فأما عمرة فانه خلا بها وجردها فرأى بها وضحا فردها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره وأما الشنباء فلما أدخلت عليه لم تكن يسيرة فتركها ينتظر بها اليسر فلما مات ابنه ابراهيم على بغتة ذلك قالت لو كان نبيا لم يمت ابنه فطلقها وأوجب لها الصداق وحرمت على غيره قالت فاللاتي اجتمعن عنده عائشة وسودة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وجويرية وصفية وميمونة وأم شريك
قلت وفي صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يطوف على نسائه وهن إحدى عشرة امرأة والمشهور أن أم شريك لم يدخل بها كما سيأتي بيانه ولكن المراد بالاحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة وروى يعقوب بن سفيان
الفسوي عن الحجاج بن ابي منيع عن جده عبيد الله بن ابي زياد الرصافي عن الزهري وقد علقه البخاري في صحيحه عن الحجاج هذا وأورد له الحافظ ابن عساكر طرفا عنه أن أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بن خويلد بن اسد بن عبد العزى بن قصي زوجه إياها أبوها قبل البعثة وفي رواية قال الزهري وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم تزوج خديجة إحدى وعشرين سنة وقيل خمسا وعشرين سنة زمان بنيت الكعبة وقال الواقدي وزاد ولها خمس وأربعون سنة وقال آخرون من أهل العلم كان عمره عليه السلام يومئذ ثلاثين سنة وعن حكيم بن حزام قال كان عمر رسول الله يوم تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وعمرها أربعون سنة وعن ابن عباس كان عمرها ثمانيا وعشرين سنة رواهما ابن عساكر وقال ابن جريج كان عليه السلام ابن سبع وثلاثين سنة فولدت له القاسم وبه يكنى والطيب والطاهر وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة
قلت وهي أم أولاده كلهم سوى ابراهيم فمن مارية كما سيأتي بيانه ثم تكلم على كل بنت من بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تزوجها وحاصله أن زينب تزوجها العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن أخت خديجة أمه هالة بنت خويلد فولدت له ابنا اسمه علي وبنتا اسمها امامة بنت زينب وقد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة ومات وهي عنده ثم تزوجت بعده المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأما رقية فتزوجها عثمان ابن عفان فولدت له ابنه عبد الله وبه كان يكنى أولا ثم اكتنى بابنه عمرو وماتت رقية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ولما قدم زيد بن حارثة بالبشارة وجدهم قد ساووا التراب عليها وكان عثمان قد أقام عندها بمرضها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ثم زوجه بأختها أم كلثوم ولهذا كان يقال له ذو النورين فتوفيت عنده أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما فاطمة فتزوجها ابن عمه علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فدخل بها بعد وقعة بدر كما قدمنا فولدت له حسنا وبه كان يكنى وحسينا وهو المقتول شهيدا بأرض العراق
قلت ويقال ومحسنا قال وزينب وأم كلثوم وقد تزوج زينب هذه ابن عمها عبد الله بن جعفر فولدت له عليا وعونا وماتت عنده وأما أم كلثوم فتزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فولدت له زيدا ومات عنها فتزوجت بعده ببني عمها جعفر واحدا بعد واحد تزوجت بعون بن جعفر فمات فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها فخلف عليها أخوهما عبد الله بن جعفر فماتت عنده قال الزهري وقد كانت خديجة بنت خويلد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلين الأول منهما عتيق بن عابد بن مخزوم فولدت منه جارية وهي أم محمد بن صيفي والثاني أبو هالة التميمي
فولدت له هند بن هند وقد سماه ابن اسحاق فقال ثم خلف عليها بعد هلاك عابد أبو هالة النباش بن زرارة أحد بني عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار فولدت له رجلا وامرأة ثم هلك عنها فخلف عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له بناته الأربع ثم بعدهن القاسم والطيب والطاهر فذهب الغلمة جميعا وهم يرضعون
قلت ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياتها امرأة كذلك رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت ذلك وقد قدمنا تزويجها في موضعه وذكرنا شيئا من فضائلها بدلائلها قال الزهري ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة بعائشة بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة ولم يتزوج بكرا غيرها
قلت ولم يولد له منها ولد وقيل بل أسقطت منه ولدا سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ولهذا كانت تكنى بأم عبد الله وقيل إنما كانت تكنى بعبد الله ابن اختها اسماء من الزبير بن العوام رضي الله عنهم
قلت وقد قيل إنه تزوج سودة قبل عائشة قاله ابن اسحاق وغيره كما قدمنا ذكر الخلاف في ذلك فالله أعلم وقد قدمنا صفة تزويجه عليه السلام بهما قبل الهجرة وتأخر دخوله بعائشة الى ما بعد الهجرة قال وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي بن حذافة بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي مات عنها مؤمنا قال وتزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكانت قبله تحت ابن عمها أبو سلمة عبد الله بن عبد الآسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قال وتزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو بن عبد شمس مات عنها مسلما بعد رجوعه وإياها من ارض الحبشة الى مكة رضي الله عنهما قال وتزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب من بني اسد بن خزيمة مات بأرض الحبشة نصرانيا بعث اليها رسول الله عمرو بن أمية الضمري الى ارض الحبشة فخطبها عليه فزوجها منه عثمان بن عفان كذا قال والصواب عثمان بن أبي العاص وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وقد قدمنا ذلك كله مطولا ولله الحمد
قال وتزوج زينب بنت جحش بن رئاب بن اسد بن خزيمة وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قبله تحت زيد بن حارثة مولاه عليه الصلاة والسلام وهي أول نسائه لحوقا به وأول من عمل عليها النعش صنعته اسماء بنت عميس عليها كما رأت ذلك بارض الحبشة قال وتزوج زينب بنت خزيمة وهي من بني عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة ويقال لها أم المساكين وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش بن رئاب قتل يوم أحد فلم تلبث عنده عليه السلام إلا يسيرا حتى توفيت رضي الله عنها وقال يونس عن محمد بن اسحاق كانت قبله عند الحصين ابن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف أو عند أخيه الطفيل بن الحارث قال الزهري وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة قال وهي التي وهبت نفسها
قلت الصحيح أنه خطبها وكان السفير بينهما أبو رافع مولاه كما بسطنا ذلك في عمرة القضاء قال الزهري وقد تزوجت قبله رجلين أولهما ابن عبد ياليل وقال سيف بن عمر في روايته كانت تحت عمير بن عمرو أحد بني عقدة بن ثقيف مات عنها ثم خلف عليها أبو رهم ابن عبد العزى بن ابي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي قال وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن عامر بن مالك بن المصطلق من خزاعة يوم المريسيع فأعتقها وتزوجها ويقال بل قدم أبوها الحارث وكان ملك خزاعة فأسلم ثم تزوجها منه وكانت قبله عند ابن عمها صفوان بن أبي السفر قال قتادة عن سعيد بن المسيب والشعبي ومحمد بن اسحاق وغيرهم قالوا وكان هذا البطن من خزاعة حلفاء لأبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهذا يقول حسان
وحلف الحارث بن أبي ضرار * وحلف قريظة فيكم سواء
وقال سيف بن عمر في روايته عن سعيد بن عبد الله عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت وكانت جويرية تحت ابن عمها مالك بن صفوان بن تولب ذي الشفر بن أبي السرح بن مالك بن المصطلق قال وسبي صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير يوم خيبر وهي عروس بكنانة بن أبي الحقيق وقد زعم سيف بن عمر في روايته أنها كانت قبل كنانة عند سلام بن مشكم فالله أعلم قال فهذه إحدى عشرة امرأة دخل بهن قال وقد قسم عمر بن الخطاب في خلافته لكل امرأة من
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر ألفا وأعطى جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف بسبب أنهما سبيتا قال الزهري وقد حجبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسم لهما
قلت وقد بسطنا الكلام فيما تقدم في تزويجه عليه السلام كل واحدة من هذه النسوة رضي الله عنهن في موضعه
قال الزهري وقد تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو من بني بكر بن كلاب ودخل بها وطلقها قال البيهقي كذا في كتابي وفي رواية غيره ولم يدخل بها فطلقها وقد قال محمد بن سعد عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني رجل من بني ابي بكر بن كلاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف بن كعب بن عبد بن ابي بكر بن كلاب فمكثت عنده دهرا ثم طلقها وقد روى يعقوب بن سفيان عن حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري عن عروة عن عائشة أن الضحاك بن سفيان الكلابي هو الذي دل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها وأنا أسمع من وراء الحجاب قال يا رسول الله هل لك في أخت أم شبيب وأم شبيب مرأة الضحاك وبه قال الزهري تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني عمرو بن كلاب فانبئ أن بها بياضا فطلقها ولم يدخل بها
قلت الظاهر أن هذه هي التي قبلها والله أعلم قال وتزوج أخت بني الجون الكندي وهم حلفاء بني فزارة فاستعاذت منه فقال لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك فطلقها ولم يدخل بها قال وكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سرية يقال لها مارية فولدت له غلاما أسامه ابراهيم فتوفي وقد ملأ المهد وكانت له وليدة يقال لها ريحانة بنت شمعون من أهل الكتاب من خنافة وهم بطن من بني قريظة أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنها قد احتجبت وقد روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن علي بن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج خولة بنت الهذيل بن هبيرة التغلبي وأمها حريق بنت حذيفة أخت دحية بن حليفة فحملت اليه من الشام فماتت في الطريق فتزوج خالها شراف بنت فضالة بن خليفة فحملت اليه من الشام فماتت في الطريق أيضا وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أسماء بنت كعب الجونية فلم يدخل بها حتى طلقها وتزوج عمرة بنت زيد إحدى نساء بني كلاب ثم بنى من الوحيد وكانت قبله عند الفضل بن عباس بن عبد المطلب فطلقها ولم يدخل بها قال البيهقي فهاتان هما اللتان ذكرهما الزهري ولم يسمهما إلا أن ابن اسحاق لم يذكر العالية وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأنا الأصم أنبأنا احمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي قال وهبن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نساء أنفسهن
فدخل ببعضهن وارجى بعضهن فلم يقربهن حتى توفي ولم ينكحن بعده منهن أم شريك فذلك قوله تعالى ترجى من تشاء منهن وتؤوي اليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك قال البيهقي وقد روينا عن هشام بن عروة عن أبيه قال كانت خولة يعني بنت حكيم ممن وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال البيهقي وروينا في حديث أبي رشيد الساعدي في قصة الجونية التي استعاذت فألحقها بأهلها أن اسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل كذا قال وقد قال الامام احمد حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري ثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبي اسيد عن أبيه وعباس بن سهل عن أبيه قالا مر بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب له فخرجنا معه حتى انطلقنا الى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا الى حائطين فجلسنا بينهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجلسوا ودخل هو وقد أتى بالجونية فعزلت في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها داية لها فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هبي لي نفسك قالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة وقالت إني أعوذ بالله منك قال لقد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال يا أبا أسيد اكسها دراعتين وألحقها بأهلها وقال غير أبي احمد امرأة من بني الجون يقال لها أمينة وقال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن حمزة بن أبي اسيد عن أبي اسيد قال خرجنا مع رسول الله حتى انطلقنا الى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا الى حائطين جلسنا بينهما فقال اجلسوا هاهنا فدخل وقد أتى بالجونية فأنزلت في محل في بيت أميمة بنت النعمان بن شراحيل ومعها دايتها حاضنة لها فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هبي لي نفسك قالت وهل تهب الملكة نفسها لسوقة قال فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن فقالت أعوذ بالله منك قال لقد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال يا أبا أسيد اكسها رازقتين وألحقها بأهلها قال البخاري وقال الحسين بن الوليد عن عبد الرحمن بن الغسيل عن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه وأبي أسيد قالا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شراحيل فلما أدخلت عليه بسط يده اليها فكأنها كرهت ذلك فأمر أبا اسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقتين ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد ثنا ابراهيم ابن الوزير ثنا عبد الرحمن بن حمزة عن أبيه وعن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بهذا انفرد البخاري بهذه الروايات من بين أصحاب الكتب وقال البخاري ثنا الحميدي ثنا الوليد ثنا الأوزاعي سألت الزهري أي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم استعاذت منه فقال أخبرني عروة عن عائشة أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله قالت أعوذ بالله منك فقال لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك وقال ورواه حجاج بن ابي منيع عن جده عن الزهري أن عروة أخبره أن عائشة قالت الحديث انفرد به دون مسلم قال البيهقي ورأيت في كتاب المعرفة لابن منده أن اسم التي استعاذت منه أميمة بنت
النعمان بن شراحيل ويقال فاطمة بنت الضحاك والصحيح أنها أميمة والله أعلم وزعموا أن الكلابية اسمها عمرة وهي التي وصفها أبوها بأنها لم تمرض قط فرغب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى محمد ابن سعد عن محمد بن عبد الله عن الزهري قال هي فاطمة بنت الضحاك بن سفيان استعاذت منه فطلقها فكانت تلقط البعر وتقول أنا الشقية قال وتزوجها في ذي القعدة سنة ثمان وماتت سنة ستين وذكر يونس عن ابن اسحاق فيمن تزوجها عليه السلام ولم يدخل بها أسماء بنت كعب الجونية وعمرة بنت يزيد الكلابية وقال ابن عباس وقتادة أسماء بنت النعمان بن أبي الجون فالله أعلم قال ابن عباس لما استعاذت منه خرج من عندها مغضبا فقال له الاشعث لا يسؤك ذلك يا رسول الله فعندي أجمل منها فزوجه أخته قتيلة وقال غيره كان ذلك في ربيع سنة تسع وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة فذكر منهن أم شريك الانصارية النجارية قال وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأحب أن أتزوج من الانصار ولكني اكره غيرتهن ولم يدخل بها قال وتزوج أسماء بنت الصلت من بني حرام ثم من بني سليم ولم يدخل بها وخطب حمزة بنت الحارث المزنية وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى تزوج رسول الله ثماني عشرة امرأة فذكر منهن قتيلة بنت قيس أخت الأشعث ابن قيس فزعم بعضهم أنه تزوجها قبل وفاته بشهرين وزعم آخرون أنه تزوجها في مرضه قال ولم يكن قدمت عليه ولا رآها ولم يدخل بها قال وزعم آخرون أنه عليه السلام أوصى أن تخير قتيلة فان شاءت يضرب عليها الحجاب وتحرم على المؤمنين وإن شاءت فلتنكح من شاءت فاختارت النكاح فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بحضرموت فبلغ ذلك ابا بكر فقال لقد هممت أن أحرق عليهما فقال عمر بن الخطاب ما هي من أمهات المؤمنين ولا دخل بها ولا ضرب عليها الحجاب قال أبو عبيدة وزعم بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص فيها بشيء وأنها ارتدت بعده فاحتج عمر على أبي بكر بارتدادها أنه ليست من أمهات المؤمنين وذكر ابن منده أن التي ارتدت هي البرحاء من بني عوف بن سعد بن ذبيان وقد روى الحافظ ابن عساكر من طرق عن داود بن ابي هند عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله تزوج قتيلة أخت الاشعث بن قيس فمات قبل أن يخيرها فبرأها الله منه وروى حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي أن عكرمة بن أبي جهل لما تزوج قتيلة أراد أبو بكر أن يضرب عنقه فراجعه عمر بن الخطاب فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها وأنها ارتدت مع أخيها فبرئت من الله ورسوله فلم يزل به حتى كف عنه قال الحاكم
وزاد أبو عبيدة في العدد فاطمة بنت شريح وسبأ بنت اسماء بن الصلت السلمية هكذا روى ذلك ابن عساكر من طريق ابن منده بسنده عن قتادة فذكره وقال محمد بن سعد عن ابن الكلبي مثل ذلك قال ابن سعد وهي سبأ قال ابن عساكر ويقال سبأ بنت الصلت بن حبيب بن حارثة بن هلال بن حرام بن سماك بن عوف السلمي قال ابن سعد وأخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي حدثني العرزمي عن نافع عن ابن عمر قال كان في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سبأ بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب وقال ابن عمر إن رسول الله بعث أبا أسيد يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب فتزوجها فبلغه أن بها بياضا فطلقها وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني أبو معشر قال تزوج رسول الله مليكة بنت كعب وكانت تذكر بجمال بارع فدخلت عليها عائشة فقالت ألا تستحين أن تنكحي قاتل أبيك فاستعاذت منه فطلقها فجاء قومها فقالوا يا رسول الله إنها صغيرة ولا أرى لها وإنها خدعت فارتجعها فأبى فاستأذنوه أن يزوجوها بقريب لها من بني عذرة فأذن لهم قال وكان ابوها قد قتله خالد بن الوليد يوم الفتح قال الواقدي وحدثني عبد العزيز الجندعي عن أبيه عن عطاء ابن يزيد قال دخل بها رسول الله في رمضان سنة ثمان وماتت عنده قال الواقدي وأصحابنا ينكرون ذلك وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأنا يوسف بن عبد الواحد الماهاني أنبأنا شجاع بن بن شجاع علي أنبأنا أبو عبد الله بن منده أنبأنا الحسن بن محمد بن حكيم المروزي ثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه الفزاري أنبأنا عبد الله بن عثمان أنبأنا عبد الله بن المبارك أنبأنا يونس بن يزيد عن ابن شهاب الزهري قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بمكة وكانت قبله تحت عقيق بن عائذ المخزومى ثم تزوج بمكة عائشة بنت أبى بكر ثم تزوج بالمدينة حفصة بنت عمر وكانت قبله تحت خنيس بن حذافة السهمي ثم تزوج سودة بنت زمعة وكانت قبله تحت السكران بن عمرو أخي بني عامر بن لؤي ثم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت قبله تحت عبيد الله بن جحش الأسدي أحد بني خزيمة ثم تزوج أم سلمة بنت أبي أمية وكان اسمها هند وكانت قبله تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الاسد بن عبد العزى ثم تزوج زينب بنت خزيمة الهلالية وتزوج العالية بنت ظبيان من بني بكر بن عمرو بن كلاب وتزوج امرأة من بني الحون من كندة وسبا جويرية في الغزوة التي هدم فيها مناة غزوة المريسيع ابنة الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق من خزاعة وسبا صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير وكانتا مما أفاء الله عليه فقسمهما له واستسر مارية القبطية فولدت له ابراهيم واستسر ريحانة من بني قريظة ثم
أعتقها فلحقت بأهلها واحتجبت وهي عند أهلها وطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم العالية بنت ظبيان وفارق أخت بني عمرو بن كلاب وفارق أخت بني الجون الكندية من أجل بياض كان بها وتوفيت زينب بنت خزيمة الهلالية ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وبلغنا أن الغالية بنت ظبيان التي طلقت تزوجت قبل أن يحرم الله النساء فنكحت ابن عم لها من قومها وولدت فيهم سقناه بالسند لغرابة ما فيه من ذكره تزويج سودة بالمدينة والصحيح أنه كان بمكة قبل الهجرة كما قدمناه والله أعلم
قال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق قال فماتت خديجة بنت خويلد قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين لم يتزوج عليها امرأة حتى ماتت هي وأبو طالب في سنة فتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خديجة سودة بنت زمعة ثم تزوج بعد سودة عائشة بنت أبي بكر لم يتزوج بكرا غيرها ولم يصب منها ولدا حتى مات ثم تزوج بعد عائشة حفصة بنت عمر ثم تزوج بعد حفصة زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين ثم تزوج بعدها أم حبيبة بنت أبي سفيان ثم تزوج بعدها أم سلمة هند بنت أبي أمية ثم تزوج بعدها زينب بنت جحش ثم تزوج بعدها جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار قال ثم تزوج بعد جوهرية صفية بنت حيي بن أخطب ثم تزوج بعدها ميمونة بنت الحارث الهلالية فهذا الترتيب أحسن واقرب مما رتبه الزهري والله أعلم وقال يونس ابن بكير عن أبي يحيى عن جميل بن زد الطائي عن سهل بن زيد الانصاري قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من بني غفار فدخل بها فأمرها فنزعت ثوبها فرأى بها بياضا من برص عند ثدييها فانماز رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال خذي ثوبك وأصبح فقال لها الحقي بأهلك فأكمل لها صداقها وقد رواه أبو نعيم من حديث حميد بن زيد عن سهل بن زيد الانصاري وكان ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من غفار فذكر مثله
قلت وممن تزوجها صلى الله عليه وسلم ولم يدخل بها أم شريك الأزدية قال الواقدي والمثبت أنها دوسية وقيل الانصارية ويقال عامرية وأنها خولة بنت حكيم السلمي وقال الواقدي اسمها غزية بنت جابر بن حكيم قال محمد بن اسحاق عن حكيم بن حكيم عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه قال كان جميع ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة امرأة منهن أم شريك الانصارية وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم وقال سعيد بن أبى عروبة عن قتادة وتزوج أم شريك الانصارية من بني النجار وقال إني أحب أن أتزوج من الانصار ولكني أكره غيرتهن ولم يدخل بها وقال ابن اسحاق
عن حكيم عن محمد بن علي عن أبيه قال تزوج صلى الله عليه وسلم ليلى بنت الحطيم الانصارية وكانت غيورا فخافت نفسها عليه فاستقالته فاقالها
*2* فصل فيمن خطبها عليه السلام ولم يعقد عليها
@
قال اسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبها فذكرت أن لها صبية صغارا فتركها وقال خير نساء ركبن الابل صالح نساء قريش أحناه على ولد طفل في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت يا رسول الله إنى قد كبرت ولى عيال وقال الترمذى حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد اله ابن موسى حدثنا اسرائيل عن السدى عن أبى صالح عن أم هانئ بنت أبى طالب قالت خطبني رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرت اليه فعذرني ثم أنزل الله إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك الآية قالت فلم أكن أحل له لاني لم أهاجر كنت من الطلقاء ثم قال هذا حديث حسن لا نعرفه الا من حديث السدي فهذا يقتضي أن من تكن من المهاجرات لا تحل له صلى الله عليه وسلم وقد نقل هذا المذهب مطلقا القاضي الماوردي في تفسيره عن بعض العلماء وقيل المراد بقوله اللاتي هاجرن معك أي من القزابات المذكورات وقال قتادة اللاتي هاجرن معك أي أسلمن معك فعلى هذا لا يحرم عليه إلا الكفار وتحل له جميع المسلمات فلا ينافي تزويجه من نساء الانصار إن ثبت ذلك ولكن لم يدخل بواحدة منهن أصلا وأما حكاية الماوردي عن الشعبي أن زينب بنت خزيمة أم المساكين أنصارية فليس بجيد فانها هلالية بلا خلاف كما تقدم بيانه والله أعلم وروى محمد بن سعد عن هشام بن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال أقبلت ليلى بنت الحطيم الى رسول الله وهو مول ظهره الى الشمس فضربت منكبه فقال من هذا أكله الاسود فقالت أنا بنت مطيم الطير ومباري الريح أنا ليلى بنت الحطيم جئتك لأعرض عليك نفسي تزوجني قال قد فعلت فرجعت الى قومها فقالت قد تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بئس ما صنعت أنت امرأة غيرى ورسول الله صاحب نساء تغارين عليه فيدعو الله عليك فاستقيليه فرجعت فقالت أقلني يا رسول الله فأقالها فتزوجها مسعود بن أوس بن سواد بن ظفر فولدت له فبينما هي يوما تغتسل في بعض حيطان المدينة إذ وثب عليها ذئب أسود فأكل بعضها فماتت وبه عن ابن عباس أن ضباعة بنت عامر بن قرط كانت تحت عبد الله بن جدعان
فطلقها فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها فخطبها رسول الله من ابنها سلمة فقال حتى استأمرها فاستأذنها فقالت يا بني أفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنها وبه عن ابن عباس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري وكان أصابها سبي فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أنا وإن شئت زوجك فقالت بل زوجي فأرسلها فلعنتها بنو تميم وقال محمد بن سعد أنبأنا الواقدي ثنا موسى بن محمد ابن ابراهيم التيمي عن أبيه قال كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي قد وهبت نفسها من رسول الله فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت قال محمد بن سعد وأنبأنا وكيع عن شريك عن جابر عن الحكم عن علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية قال الواقدي الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد قال محمد بن سعد واسمها غزية بنت جابر بن حكيم وقال الليث بن سعد عن هشام بن محمد عن أبيه قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة صالحة وممن خطبها ولم يعقد عليها حمزة بنت الحارث بن عون بن أبي حارثة المري فقال أبوها إن بها سوءا ولم يكن بها فرجع اليها وقد تبرصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر هكذا ذكره سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال وخطب حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب فهؤلاء نساؤه وهن ثلاثة اصناف صنف دخل بهن ومات عنهن وهن التسع المبدأ بذكرهن وهن حرام على الناس بعد موته عليه السلام بالاجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة وعدتهن بانقضاء أعمارهن قال الله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما وصنف دخل بهن وطلقهن في حياته فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه السلام فيه قولان للعلماء أحدهما لا لعموم الآية التي ذكرناها والثاني نعم بدليل آية التخيير وهي قوله يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله رسوله والدار الآخرة فان الله أعد للمحصنات منكن أجرا عظيما قالوا فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة إذ لو كان فراقه لها لا يبحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها وهذا قوي والله تعالى أعلم وأما الصنف الثالث وهي من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها فهذه تحل لغيره أن يتزوجها ولا أعلم في هذا القسم نزاعا وأما من خطبها ولم يعقد عليها فأولى لها أن تتزوج وأولى وسيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام والله أعلم
*2* فصل في ذكر سراريه عليه السلام
@
كانت له عليه السلام سريتان احداهما مارية بنت شمعون القبطية أهداها له صاحب اسكندرية واسمه جريج بن مينا وأهدى معها أختها شيرين وذكر أبو نعيم أنه أهداها في أربع جواري والله أعلم وغلاما خصيا اسمه مابور وبغلة يقال لها الدلدل فقبل هديته واختار لنفسه مارية وكانت من قرية ببلاد مصر يقال لها حفن من كورة انصنا وقد وضع عن أهل هذه البلدة معاوية بن أبي سفيان في ايام إمارته الخراج إكراما لها من أجل أنها حملت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بولد ذكر وهو ابراهيم عليه السلام قالوا وكانت مارية جميلة بيضاء أعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبها وحضيت عنده ولا سيما بعد ما وضعت ابراهيم ولده وأما أختها شيرين فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان وأما الغلام الخصي وهو مابور فقد كان يدخل على مارية وسيرين بلا إذن كما جرت به عادته بمصر فتكلم بعض الناس فيها بسبب ذلك ولم يشعروا أنه خصي حتى انكشف الحال على ما سنبينه قريبا إن شاء الله وأما البغلة فكان عليه السلام يركبها والظاهر والله أعلم أنها التي كان راكبها يوم حنين وقد تأخرت هذه البغلة وطالت مدتها حتى كانت عند علي بن أبي طالب في ايام إمارته ومات فصارت الى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكبرت حتى كان يجش لها الشعير لتأكله قال أبو بكر بن خزيمة حدثنا محمد بن زياد بن عبد الله أنبأنا سفيان بن عيينة عن بشير بن المهاجر عن عبد الله بن بريدة بن الخصيب عن أبيه قال أهدى أمير القبط الى رسول الله جاريتين أختين وبغلة فكان يركب البغلة بالمدينة واتخذ إحدى الجاريتين فولدت له ابراهيم ابنه ووهب الاخرى وقال الواقدي حدثنا يعقوب بن محمد بن أبي صعصعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجب بمارية القبطية وكانت بيضاء جعدة جميلة فأنزلها وأختها على أم سليم بنت ملحان فدخل عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهما الاسلام فأسلمتا هناك فوطئ مارية بالملك وحولها الى مال له بالعالية كان من أموال بني النضير فكانت فيه في الصبف وفي خرافة النخل فكان يأتيها هناك وكانت حسنة الدين ووهب أختها شيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن وولدت مارية لرسول الله غلاما سماه ابراهيم وعق عنه بشاة يوم سابعه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة على المساكين وأمر بشعره فدفن في الأرض وسماه ابراهيم وكانت قابلتها سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت الى زوجها أبي رافع فأخبرته بأنها قد ولدت غلاما فجاء أبو رافع
الى رسول الله فبشرة فوهب له عقدا وغار نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهن حين رزق منها الولد وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني عن أبي عبيد القاسم بن اسماعيل عن زياد بن أيوب عن سعيد بن زكريا المدائني عن ابن ابي سارة عن عكرمة عن ابن عباس قال لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقها ولدها ثم قال الدارقطني تفرد به زياد بن أيوب وهو ثقة وقد رواه ابن ماجه من حديث حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس بمثله ورويناه من وجه آخر وقد افردنا لهذه المسألة وهي بيع أمهات الأولاد مصنفا مفردا على حدته وحكينا فيه أقوال العلماء بما حاصله يرجع الى ثمانية اقوال وذكرنا مستند كل قول ولله الحمد والمنة وقال يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق عن ابراهيم بن محمد بن علي بن ابي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال أكثروا على مارية أم ابراهيم في قبطي ابن عم لها يزورها ويختلف اليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذ هذا السيف فانطلق فان وجدته عندها فاقتله قال قلت يا رسول الله أكون في أمرك إذا ارسلتني كالسكة المحماة لا يثنيني شيء حتى أمضي لما أمرتني به أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل الشاهد يرى مالايرى الغائب فاقبلت متوشحا السيف فوجدته عندها فاخترطت السيف فلما رآني عرف أني أريده فأتى نخلة فرقي فيها ثم رمى بنفسه على قفاه ثم شال رجليه فاذا به أجب أمسح ماله مما للرجال لا قليل ولا كثير فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال الحمد لله الذي صرف عنا أهل البيت وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد ثنا سفيان حدثني محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن علي قال قلت يا رسول الله اذا بعثتني أكون كالسكة المحماة أم الشاهد يرى مالا يرى الغائب قال الشاهد يرى مالا يرى الغائب هكذا رواه مختصرا وهو أصل الحديث الذي أوردناه وإسناده رجال ثقات وقال الطبراني حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني حدثناأبى حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب وعقيل عن الزهري عن أنس قال لما ولدت مارية ابراهيم كاد أن يقع في النبي صلى الله عليه وسلم منه شيء حتى نزل جبريل عليه السلام فقال السلام عليك يا ابا ابراهيم وقال أبو نعيم حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو بكر بن أبى عاصم حدثنا محمد بن يحيى الباهلي حدثنا يعقوب بن محمد عن رجل سماه عن الليث بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت أهدى ملك من بطارقة الروم يقال له المقوقس جارية قبطية من بنات الملوك يقال لها مارية وأهدى معها ابن عم لها شابا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ذات يوم خلوته فاصابها حملت بابراهيم قالت عائشة فلما استبان حملها جزعت من ذلك فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن لها لبن فاشترى لها ضأنة لبونا تغذي منها الصبي فصلح اليه جسمه وحسن لونه وصفا لونه فجاءته ذات يوم تحمله على عاتقها فقال يا عائشة كيف
ترين الشبه فقلت أنا وغيري ما أرى شبها فقال ولا اللحم فقلت لعمري من تغذى بألبان الضأن ليحسن لحمه قال الواقدي ماتت مارية في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها في البقيع وكذا قال المفضل بن غسان الغلابي وقال خليفة وأبو عبيدة ويعقوب بن سفيان ماتت سنة ست عشرة رحمها الله
ومنهن ريحانة بنت زيد من بني النضير ويقال من بني قريظة قال الواقدي كانت ريحانة بنت زيد من بني النضير ويقال من بني قريظة قال الواقدي كانت ريحانة بنت زيد من بني النضير وكانت مزوجة فيهم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذها لنفسه صفيا وكانت جميلة فعرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسلم فأبت إلا اليهودية فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه فارسل الى ابن شعبة فذكر له ذلك فقال ابن شعبة فداك أبي وأمي هي تسلم فخرج حتى جاءها فجعل يقول لها لا تتبعي قومك فقد رأيت ما أدخل عليهم حيي بن أخطب فاسلمي يصطفيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه إذ سمع وقع نعلين فقال إن هاتين لنعلا ابن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة فجاء يقول يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسر بذلك وقال محمد ابن اسحاق لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريظة اصطفى لنفسه ريحانة بنت عمرو بن خنافة فكانت عنده حتى توفي عنها وهي في ملكه وكان عرض عليها الاسلام ويتزوجها فأبت إلا اليهودية ثم ذكر من إسلامها ما تقدم قال الواقدي فحدثني عبد الملك بن سليمان عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أيوب بن بشير المعاوي قال فأرسل بها رسول الله الى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر فكانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضها فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول الله فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت وإن أحببت أن تكوني في ملكي أطأك بالملك فعلت فقالت يا رسول الله إن أخف عليك وعلي أن أكون في ملكك فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطأها حتى ماتت قال الواقدي وحدثني ابن ابي ذئب قال سألت الزهري عن ريحانة فقال كانت أمة رسول الله فأعتقها وتزوجها فكانت تحتجب في أهلها وتقول لا يراني أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي وهذا أثبت الحديثين عندنا وكان زوجها قبله عليه السلام الحكم وقال الواقدي ثنا عاصم بن عبد الله بن الحكم عن عمر بن الحكم قال أعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة بنت زيد ابن عمرو بن خنافة وكانت عند زوج لها وكان محبا لها مكرما فقالت لا أستخلف بعده أحدا أبدا وكانت ذات جمال فلما سبيت بنو قريظة عرض السبي على رسول الله صلى الله عليه
وسلم قالت فكنت فيمن عرض عليه فأمر بي فعزلت وكان يكون له صفي في كل غنيمة فلما عزلت خار الله لي فأرسل بي الى منزل أم المنذر بنت قيس أياما حتى قتل الاسرى وفرق السبي فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجنبت منه حياء فدعاني فأجلسني بين يديه فقال إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه فقلت إني أختار الله ورسوله فلما أسلمت أعتقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجني وأصدقني اثنتي عشرة أوقية ونشا كما كان يصدق نساءه وأعرس بي في بيت أم المنذر وكان يقسم لي كما يقسم لنسائه وضرب علي الحجاب قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معجبا بها وكانت لا تسأله شيئا إلا أعطاها فقيل لها لو كنت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة لأعتقهم فكانت تقول لم يخل بي حتى فرق السبي ولقد كان يخلو بها ويستكثر منها فلم تزل عنده حتى ماتت مرجعه من حجة الوداع فدفنها بالبقيع وكان تزويجه إياها في المحرم سنة ست من الهجرة وقال ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري قال استسر رسول الله ريحانة من بني قريظة ثم أعتقها فلحقت بأهلها وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كانت ريحانة بنت زيد بن شمعون من بني النضير وقال بعضهم من بني قريظة وكانت تكون في نخل من نخل الصدقة فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيل عندها أحيانا وكان سباها في شوال سنة اربع وقال أبو بكر بن أبي خيثمة ثنا احمد ابن المقدام ثنا زهير عن سعيد عن قتادة قال كانت لرسول الله وليدتان مارية القبطية وريحه أو ريحانة بنت شمعون بن زيد بن خنافة من بني عمرو بن قريظة كانت عند ابن عم لها يقال له عبد الحكم فيما بلغني وماتت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ولائد مارية القبطية وريحانة القرظية وكانت له جارية أخرى جميلة فكادها نساؤه وخفن أن تغلبهن عليه وكانت له جارية نفيسة وهبتها له زينب وكان هجرها في شأن صفية بنت حيي ذا الحجة والمحرم وصفر فلما كان شهر ربيع الاول الذي قبض فيه رضي عن زينب ودخل عليها فقالت ما أدري ما أجزيك فوهبتها له صلى الله عليه وسلم وقد روى سيف بن عمر عن سعيد بن عبد الله عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقسم لمارية وريحانة مرة ويتركهما مرة وقال أبو نعيم قال أبو محمد بن عمر الواقدي توفيت ريحانة سنة عشرة وصلى عليها عمر بن الخطاب ودفنها بالبقيع ولله الحمد
*2* فصل في ذكر اولاده عليه الصلاة والسلام
@
لا خلاف أن جمبع أولاده من خديجة بنت خويلد سوى ابراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية
قال محمد بن سعد أنبأنا هشام بن الكلبي أخبرني أبي عن ابي صالح عن ابن عباس قال كان أكبر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم ثم زينب ثم عبد الله ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية فمات القاسم وهو أول ميت من ولده بمكة ثم مات عبد الله فقال العاص بن وائل السهمي قد انقطع نسله فهو ابتر فأنزل الله عز وجل إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر قال ثم ولدت له مارية بالمدينة ابراهيم في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة فمات ابن ثمانية عشر شهرا وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري ثنا عبد الباقي بن نافع ثنا محمد بن زكريا ثنا العباس بن بكار حدثني محمد بن زياد والفرات بن السائب عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال ولدت خديجة من النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن محمد ثم أبطأ عليه الولد من بعده فبينا رسول الله يكلم رجلا والعاص بن وائل ينظر اليه إذ قال له رجل من هذا قال له هذا الأبتر وكانت قريش اذا ولد للرجل ثم ابطأ عليه الولد من بعده قالوا هذا الابتر فأنزل الله إن شانئك هو الأبتر أي مبغضك هو الابتر من كل خير قال ثم ولدت له زينب ثم ولدت له رقية ثم ولدت له القاسم ثم ولدت الطاهر ثم ولدت المطهر ثم ولدت الطيب ثم ولدت المطيب ثم ولدت أم كلثوم ثم ولدت فاطمة وكانت أصغرهم وكانت خديجة اذا ولدت ولدا دفعته الى من يرضعه فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها وقال الهيثم بن عدي حدثنا هشام بن عروة عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم ابنان طاهر والطيب وكان يسمى أحدهما عبد شمس والآخر عبد العزى وهذا فيه نكارة والله أعلم وقال محمد بن عائذ أخبرني الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز أن خديجة ولدت القاسم والطيب والطاهر ومطهر وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم وقال الزبير بن بكار أخبرني عمي مصعب بن عبد الله قال ولدت خديجة القاسم والطاهر وكان يقال له الطيب وولد الطاهر بعد النبوة ومات صغيرا واسمه عبه الله وفاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم قال الزبير وحدثني ابراهيم بن المنذر عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن أبي الأسود أن خديجة ولدت القاسم والطاهر والطيب وعبد الله وزينب ورقية وفاطمة وأم كلثوم وحدثني محمد بن فضالة عن بعض من أدرك من المشيخة قال ولدت خديجة القاسم وعبد الله فأما القاسم فعاش حتى مشى وأما عبد الله فمات وهو صغير وقال الزبير بن بكار كانت خديجة تذكر في الجاهلية الطاهرة بنت خويلد وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القاسم وهو أكبر ولده وبه كان يكنى ثم زينب ثم عبد الله وكان يقال له الطيب ويقال له الطاهر ولد بعد النبوة ومات صغيرا ثم ابنته أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية هكذا الأول فالأول ثم مات القاسم بمكة وهو أول ميت من ولده ثم مات عبد الله ثم ولدت له مارية بنت شمعون ابراهيم وهي القبطية التي أهداها المقوقس صاحب اسكندرية وأهدى
معها أختها شيرين وخصيا يقال له مابور فوهب شيرين لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن وقد انقرض نسل حسان بن ثابت وقال أبو بكر بن الرقي يقال إن الطاهر هو الطيب وهو عبد الله ويقال إن الطيب المطيب ولدا في بطن والطاهر والمطهر ولدا في بطن وقال المفضل ابن غسان عن احمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج عن مجاهد قال مكث القاسم ابن النبي صلى الله عليه وسلم سبع ليال ثم مات قال المفضل وهذا خطأ والصواب أنه عاش سبعة عشر شهرا وقال الحافظ أبو نعيم قال مجاهد مات القاسم وله سبعة أيام وقال الزهري وهو ابن سنتين وقال قتادة عاش حتى مشى وقال هشام بن عروة وضع أهل العراق ذكر الطيب والطاهر فأما مشايخنا فقالوا عبد العزى وعبد مناف والقاسم ومن النساء رقية وأم كلثوم وفاطمة هكذا رواه ابن عساكر وهو منكر والذي أنكره هو المعروف وسقط ذكر زينب ولا بد منها والله أعلم فأما زينب فقال عبد الرزاق عن ابن جريج قال لي غير واحد كانت زينب أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوج زينب أبو العاص بن الربيع فولدت منه عليا وأمامة وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة فاذا سجد وضعها واذا قام حملها ولعل ذلك كان بعد موت أمها سنة ثمان من الهجرة على ما ذكره الواقدي وقتادة وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وغيرهم وكأنها كانت طفلة صغيرة فالله أعلم وقد تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد موت فاطمة على ما سيأتي إن شاء الله وكانت وفاة زينب رضي الله عنها في سنة ثمان قاله قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم وخليفة بن خياط وأبو بكر بن أبي خيثمة وغير واحد وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان وذكر حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أنها لما هاجرت دفعها رجل فوقعت على صخرة فاسقطت حملها ثم لم تزل وجعة حتى ماتت فكانوا يرونها ماتت شهيدة وأما رقية فكان قد تزوجها أولا ابن عمها عتبة بن أبي لهب كما تزوج أختها أم كلثوم أخوه عتيبة بن أبي لهب ثم طلقاهما قبل الدخول بهما بغضة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فتزوج عثمان ابن عفان رضي الله عنه رقية وهاجرت معه الى ارض الحبشة ويقال إنه أول من هاجر اليها ثم رجعا الى مكة كما قدمنا وهاجرا الى المدينة وولدت له ابنه عبد الله فبلغ ست سنين فنقره ديك في عينيه فمات وبه كان يكنى اولا ثم اكتنى بابنه عمرو وتوفيت وقد انتصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ولما أن جاء البشير بالنصر الى المدينة وهو زيد بن حارثة وجدهم قد ساووا على قبرها التراب وكان عثمان قد اقام عليها يمرضها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له
بسهمه وأجره ولما رجع زوجه بأختها أم كلثوم أيضا ولهذاكان يقال له ذو النورين ثم ماتت عنده في شعبان سنة تسع ولم تلد له شيئا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت عندي ثالثة لزوجتها عثمان وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كن عشرا لزوجتهن عثمان وأما فاطمة فتزوجها ابن عمها علي ابن أبي طالب في صفر سنة اثنتين فولدت له الحسن والحسين ويقال ومحسن وولدت له أم كلثوم وزينب وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة وأكرمها إكراما زائدا أصدقها أربعين ألف درهم لاجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فولدت له زيد ابن عمر بن الخطاب ولما قتل عمر بن الخطاب تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر فمات عنها فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر فماتت عنده وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي وماتت عنده أيضا وتوفيت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بستة أشهر على أشهر الأقوال وهذا الثابت عن عائشة في الصحيح وقاله الزهري أيضا وأبو جعفر الباقر وعن الزهري بثلاثة اشهر وقال أبو الزبير بشهرين وقال أبو بريدة عاشت بعده سبعين من بين يوم وليلة وقال عمرو بن دينار مكثت بعده ثمانية أشهر وكذا قال عبد الله بن الحارث وفي رواية عن عمرو بن دينار بأربعة أشهر وأما ابراهيم فمن مارية القبطية كما قدمنا وكان ميلاده في ذي الحجة سنة ثمان وقد روى عن ابن لهيعة وغيره عن عبد الرحمن بن زياد قال لما حبل بابراهيم أتى جبريل فقال السلام عليك يا أبا ابراهيم إن الله قد وهب لك غلاما من أم ولدك مارية وأمرك أن تسميه ابراهيم فبارك الله لك فيه وجعله قرة عين لك في الدنيا والآخرة وروى الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن مسكين عن عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن عقيل ويزيد بن أبي حبيب عن الزهري عن أنس قال لما ولد للنبي صلى الله عليه وسلم ابنه ابراهيم وقع في نفسه منه شيء فاتاه جبريل فقال السلام عليك يا ابا ابراهيم وقال اسباط عن السدي وهو اسماعيل بن عبد الرحمن قال سألت أنس ابن مالك قلت كم بلغ ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من العمر قال قد كان ملأ مهده ولو بقي لكان نبيا ولكن لم يكن ليبق لأن نبيكم صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان عن السدي عن أنس بن مالك قال لو عاش ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم لكان صديقا نبيا وقال أبو عبيد الله بن منده ثنا محمد بن سعد ومحمد بن ابراهيم ثنا محمد بن عثمان العبسي ثنا منجاب ثنا أبو عامر الأسدي عن سفيان عن السدي عن أنس قال توفي ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ستة عشر شهرا فقال رسول الله ادفنوه البقيع فان له مرضعا يتم رضاعه في الجنة وقال أبو يعلى ثنا أبو خيثمة ثنا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن عمرو بن سعيد عن أنس قال ما رأيت أحدا أرحم بالعيال من رسول الله كان ابراهيم مسترضعا في عوالي المدينة وكان ينطلق
ونحن معه فيدخل إلى البيت وإنه ليدخن وكان ظئره فينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع قال عمرو فلما توفي ابراهيم قال رسول الله إن ابراهيم ابني وإنه مات في الثدي وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة وقد روى جرير وأبو عوانة عن الاعمش عن مسلم بن صبيح أبي الضحى عن البراء قال توفي ابراهيم بن رسول الله وهو ابن ستة عشر شهرا فقال ادفنوه في البقيع فان له مرضعا في الجنة ورواه احمد من حديث جابر عن عامر عن البراء وهكذا رواه سفيان الثوري عن فراس عن الشعبي عن البراء بن عازب بمثله وكذا رواه الثوري أيضا عن أبي اسحاق عن البراء وأورد له ابن عساكر من طريق عتاب بن محمد بن شوذب عن عبد الله بن أبي أوفى قال توفي ابراهيم فقال رسول الله يرضع بقية رضاعه في الجنة وقال أبو يعلى الموصلي ثنا زكريا بن يحيى الواسطي ثنا هشيم عن اسماعيل قال سألت ابن ابي أوفى أو سمعته يسأل عن ابراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم فقال مات وهو صغير ولو قضى أن يكون بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي لعاش وروى ابن عساكر من حديث احمد بن محمد بن سعيد الحافظ ثنا عبيد بن ابراهيم الجعفي ثنا الحسن بن أبي عبد الله الفراء ثنا مصعب بن سلام عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو عاش ابراهيم لكان نبيا وروى ابن عساكر من حديث محمد ابن اسماعيل بن سمرة عن محمد بن الحسن الاسدي عن أبي شيبة عن أنس قال لما مات ابراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدرجوه في أكفانه حتى أنظر اليه فجاء فانكب عليه وبكى حتى اضطرب لحياه وجنباه صلى الله عليه وسلم


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:55 AM
قلت أبو شيبة هذا لا يتعامل بروايته ثم روى من حديث مسلم بن خالد الزنجي عن ابن خيثم عن شهر بن حوشب عن اسماء بنت يزيد بن السكن قالت لما توفي ابراهيم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر أنت أحق من علم لله حقه فقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب لولا أنه وعد صادق وموعود جامع وأن الآخر منا يتبع الأول لوجدنا عليك يا ابراهيم وجدا اشد مما وجدنا وإن بك يا ابراهيم لمحزونون وقال الامام احمد ثنا أسود بن عامر ثنا اسرائيل عن جابر عن الشعبي عن البراء قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه ابراهيم ومات وهو ابن ستة عشر شهرا وقال إن له في الجنة من يتم رضاعه وهو صديق وقد روى من حديث الحكم بن عيينة عن الشعبي عن البراء وقال أبو يعلى ثنا القواريري ثنا اسماعيل بن أبي خالد عن ابن أبي أوفى قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه وصليت خلفه وكبر عليه اربعا وقد روى يونس بن بكير عن محمد بن اسحاق حدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال مات ابراهيم ابن رسول الله وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه وروى ابن عساكر من حديث اسحاق
ابن محمد الفروي عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن أبي جده عن علي قال لما توفي ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب إلى أمه مارية القبطية وهي في مشربة فحمله علي في سفط وجعله بين يديه على الفرس ثم جاء به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله وكفنه وخرج به وخرج الناس معه فدفنه في الزقاق الذي يلي دار محمد بن زيد فدخل علي في قبره حتى سوى عليه ودفنه ثم خرج ورش على قبره وأدخل رسول الله يده في قبره فقال أما والله إنه لنبي ابن نبي وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى المسلمون حوله حتى ارتفع الصوت ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يغضب الرب وإنا عليك يا ابراهيم لمحزونون وقال الواقدي مات ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء لعشر ليال خلون من ربيع الاول سنة عشر وهو ابن ثمانية عشر شهرا في بني مازن بن النجار في دار أم برزة بنت المنذر ودفن بالبقيع
قلت وقد قدمنا أن الشمس كسفت يوم موته فقال الناس كسفت لموت ابراهيم فخطب رسول الله فقال في خطبته إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عز وجل لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته قاله الحافظ الكبير أبو القاسسم ابن عساكر
*2* باب ذكر عبيده عليه الصلاة والسلام وإمائه وخدمه وكتابه وأمنائه
@
ولنذكر ما أورده مع الزيادة والنقصان وبالله المستعان
فمنهم أسامة بن زيد بن حارثة ابو زيد الكلبي ويقال أبو يزيد ويقال أبو محمد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مولاه وحبه وابن حبه وأمه أم أيمن واسمها بركة كانت حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صغره وممن آمن به قديما بعد بعثته وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر أيام حياته وكان عمره إذ ذاك ثماني عشرة أو تسع عشرة وتوفي وهو أمير على جيش كثيف منهم عمر بن الخطاب ويقال وأبو بكر الصديق وهو ضعيف لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نصبه للامامة فلما توفي عليه السلام وجيش أسامة مخيم بالجرف كما قدمناه استطلق أبو بكر من اسامه عمر بن الخطاب في الاقامة عنده ليستضيء برأيه فاطلقه له وأنفذ أبو بكر جيش أسامة بعد مراجعة كثيرة من الصحابة له في ذلك وكل ذلك يأبى عليهم ويقول والله لا أحل راية عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فساروا حتى بلغوا تخوم البلقاء من أرض الشام حيث قتل أبوه زيد وجعفر بن أبي طالب
وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم فأغار على تلك البلاد وغنم وسبى وكر راجعا سالما مؤيدا كما سيأتي فلهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يلقى أسامة إلا قال له السلام عليك أيها الأمير ولما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم راية الامرة طعن بعض الناس في إمارته فخطب رسول الله فقال فيها إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للامارة وإن كان لمن أحب الخلق إلي بعده وهو في الصحيح من حديث موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه وثبت في صحيح البخاري عن اسامة رضي الله عنه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذني والحسن وفيقول اللهم إني أحبهما فأحبهما وروى عن الشعبي عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحب الله ورسوله فليحب أسامة بن زيد ولهذا لما فرض عمر بن الخطاب للناس في الديوان فرض لأسامة في خمسة آلاف وأعطى ابنه عبد الله بن عمر في أربعة آلاف فقيل له في ذلك فقال إنه كان أحب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك وأبوه كان أحب الى رسول الله من أبيك وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن أسامة أن رسول الله أردفه خلفه على حمار عليه قطيفة حين ذهب يعود سعد بن عبادة قبل وقعة بدر
قلت وهكذا أردفه وراءه على ناقته حين دفع من عرفات الى المزدلفة كما قدمنا في حجة الوداع وقد ذكر غير واحد أنه رضي الله عنه لم يشهد مع علي شيئا من مشاهده واعتذر اليه بما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل ذلك الرجل وقد قال لا إله إلا الله فقال من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة الحديث وذكر فضائله كثيرة رضي الله عنه وقد كان أسود كالليل أفطس حلوا حسنا كبيرا فصيحا عالما ربانيا رضي الله عنه وكان أبوه كذلك إلا أنه كان أبيض شديد البياض ولهذا طعن بعض من لا يعلم في نسبه منه ولما مر مجزز المدلجي عليهما وهما نائمان في قطيفة وقد بدت أقدامهما اسامة بسواده وأبوه زيد ببياضه قال سبحان الله إن بعض هذه الأقدام لمن بعض أعجب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على عائشة مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تر أن مجززا نظر آنفا الى زيد بن حارثة واسامة بن زيد فقال إن بعض هذه الاقدام لمن بعض ولهذا أخذ فقهاء الحديث كالشافعي واحمد من هذا الحديث من حيث التقرير عليه والاستبشار به العمل بقول القافة في اختلاط الانساب واشتباهها كما هو مقرر في موضعه والمقصود أنه رضي الله عنه توفي سنة أربع وخمسين مما صححه أبو عمر وقال غيره سنة ثمان أو تسع وخمسين وقيل مات بعد مقتل عثمان فالله أعلم وروى له جماعة في كتبهم الستة
ومنهم أسلم وقيل ابراهيم وقيل ثابت وقيل هرمز أبو رافع القبطي أسلم قبل بدر ولم يشهدها لأنه
كان بمكة مع سادته آل العباس وكان ينحت القداح وقصته مع الخبيث أبي لهب حين جاء خبر وقعة بدر تقدمت ولله الحمد ثم هاجر وشهد أحدا وما بعدها وكان كاتبا وقد كتب بين يدي علي ابن أبي طالب بالكوفة قاله المفضل بن غسان الغلابي وشهد فتح مصر في ايام عمر وقد كان أولا للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وعتقه وزوجه مولاته سلمى فولدت له أولادا وكان يكون على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم وقال الامام احمد ثنا محمد بن جعفر وبهز قالا ثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي رافع عن أبي رافع أن رسول الله بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع أصحبني كيما تصيب منها فقال لا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله فأتى رسول الله فسأله فقال الصدقة لا تحل لنا وإن ملى القوم منهم وقد رواه الثوري عن محمد بن عبد الرحن بن أبي ليلى عن الحكم به وروى أبو يعلى في مسنده عنه أنه أصابهم برد شديد وهم بخيبر فقال رسول الله من كان له لحاف فليلحف من لا لحاف له قال أبو رافع فلم أحد من يلحفني معه فأتيت رسول الله فألقى علي لحافه فنمنا حتى أصبحنا فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجليه حية فقال يا ابا رافع أقتلها أقتلها وروى له الجماعة في كتبهم ومات في أيام علي رضي الله عنه
ومنهم أنسة بن زيادة بن مشرح ويقال أبو مسرح من مولدي السراة مهاجري شهد بدرا فيما ذكره عروة والزهري وموسى بن عقبة ومحمد بن اسحاق والبخاري وغير واحد قالوا وكان ممن يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم اذا جلس وذكر خليفة بن خياط في كتابه قال قال علي بن محمد عن عبد العزيز بن ابي ثابت عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال استشهد يوم بدر أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي وليس هذا بثبت عندنا ورأيت أهل العلم يثبتون أنه شهد أحدا أيضا وبقي زمانا وأنه توفي في حياة أبي بكر رضي الله عنه ايام خلافته
ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشي ونسبه ابن منده الى عوف بن الخزرج وفيه نظر وهو ابن أم أيمن بركة أخو اسامة لأمه قال ابن اسحاق وكان على مطهرة النبي صلى الله عليه وسلم وكان ممن ثبت يوم حنين ويقال إن فيه وفي أصحابه نزل قوله تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قال الشافعي قتل أيمن مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين قال فرواية مجاهد عنه منقطعة يعني بذلك ما رواه الثوري عن منصور عن مجاهد عن عطاء عن أيمن الحبشي قال لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم السارق إلا في المجن وكان ثمن المجن يومئذ دينار وقد رواه أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة عن هارون بن عبد الله عن أسود بن عامر عن الحسن بن صالح عن منصور عن الحكم عن مجاهد وعطاء عن أيمن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وهذا يقتضي تأخر موته عن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يكن الحديث مدلسا عنه ويحتمل أن يكون أريد غيره والجمهور كابن
اسحاق وغيره ذكروه فيمن قتل من الصحابة يوم حنين فالله أعلم ولابنه الحجاج بن أيمن مع عبد الله بن عمر قصة
ومنهم باذام وسيأتي ذكره في ترجمة طهمان
ومنهم ثوبان بن بحدد ويقال ابن جحدر أبو عبد الله ويقال أبو عبد الكريم ويقال أبو عبد الرحمن أصله من أهل السراة مكان بين مكة واليمن وقيل من حمير من أهل اليمن وقيل من الهان وقيل من حكم بن سعد العشيرة من مذحج أصابه سبي في الجاهلية فاشتراه رسول الله فأعتقه وخيره إن شاء أن يرجع الى قومه وإن شاء يثبت فانه منهم أهل البيت فأقام على ولاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه حضرا ولا سفرا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد فتح مصر أيام عمر ونزل حمص بعد ذلك وابتنى بها دارا وأقام بها الى أن مات سنة أربع وخمسين وقيل سنة أربع وأربعين وهو خطأ وقيل إنه مات بمصر والصحيح بحمص كما قدمنا والله أعلم روى له البخاري في كتاب الأدب ومسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة
ومنهم حنين مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جد ابراهيم بن عبد الله بن حنين وروينا أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم ويوضئه فاذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم خرج بفضله الوضوء الى أصحابه فمنهم من يشرب منه ومنهم من يتمسح به فاحتبسه حنين فخبأه عنده في جرة حتى شكوه الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ما تصنع به فقال أدخره عندي أشربه يا رسول الله فقال عليه السلام هل رأيتم غلاما أحصى ما أحصى هذا ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لعمه العباس فاعتقه رضي الله عنهما
ومنهم ذكوان يأتي ذكره في ترجمة طهمان
ومنهم رافع أو أبو رافع ويقال له أبو البهي قال أبو بكر بن ابي خيثمة كان لأبي أحيحة سعيد ابن العاص الأكبر فورثه بنوه وأعتق ثلاثة منهم أنصباءهم وشهد معهم يوم بدر فقتلوا ثلاثتهم ثم اشترى أبو رافع بقية انصباء بني سعيد مولاه الانصيب خالد بن سعيد فوهب خالد نصيبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وأعتقه فكان يقول أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كان بنوه يقولون من بعده ومنهم رباح الاسود وكان يأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي أخذ الاذن لعمر بن الخطاب حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المشربة يوم آلى من نسائه واعتزلهن في تلك المشربة وحده عليه السلام هكذا جاء مصرحا باسمه في حديث عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد عن ابن عباس عن عمر وقال الامام احمد ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار عن أياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يسمى رباح
ومنهم رويفع مولاه عليه الصلاة والسلام هكذا عده في الموالي مصعب بن عبد الله الزبيري وأبو بكر بن أبي خيثمة قالا وقد وفد ابنه على عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته ففرض له قالا ولا عقب له
قلت وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديد الاعتناء بموالي رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يعرفهم ويحسن اليهم وقد كتب في أيام خلافته الى أبي بكر بن حزم عالم أهل المدينة في زمانه أن يفحص له عن موالي رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء وخدامه رواه الواقدي وقد ذكره أبو عمر مختصرا وقال لا أعلم له رواية حكاه ابن الأثير في الغابة
ومنهم زيد بن حارثة الكلبي وقد قدمنا طرفا من ذكره عند ذكر مقتله بغزوة مؤتة رضي الله عنه وذلك في جمادى من سنة ثمان قبل الفتح بأشهر وقد كان هو الأمير المقدم ثم بعده جعفر ثم بعدهما عبد الله بن رواحة وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في سرية إلا أمره عليهم ولو بقي بعده لاستخلفه رواه احمد
ومنهم زيد أبو يسار قال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة سكن المدينة روى حديثا واحدا لا أعلم له غيره حدثنا محمد بن علي الجوزجاني ثنا أبو سلمة هو التبوذكي ثنا حفص بن عمر الطائي ثنا أبو عمر بن مرة سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم سمعت أبي حدثني عن جدي أنه سمع رسول الله يقول من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب اليه غفر له وإن كان فر من الزحف وهكذا رواه أبو داود عن أبي سلمة وأخرجه الترمذي عن محمد ابن اسماعيل البخاري عن أبي سلمة موسى بن اسماعيل به وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه
ومنهم سفينة أبو عبد الرحمن ويقال أبو البختري كان اسمه مهران وقيل عبس وقيل احمر وقيل رومان فلقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لسبب سنذكره فغلب عليه وكان مولى لام سلمة فاعتقته واشترطت عليه أن يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يموت فقبل ذلك وقال لو لم تشترطي علي ما فارقته وهذا الحديث في السنن وهو من مولدي العرب وأصله من أبناء فارس وهو سفينة بن مافنة وقال الامام احمد ثنا أبو النضر ثنا حشرج بن نباتة العبسي كوفي حدثنا سعيد بن جمهان حدثني سفينة قال قال رسول الله الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملكا بعد ذلك ثم قال لي سفينة أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان وأمسك خلافة علي ثم قال فوجدناها ثلاثين سنة ثم نظرت بعد ذلك في الخلفاء فلم أجده يتفق لهم ثلاثون قلت لسعيد أين لقيت سفينة قال ببطن نخلة في زمن الحجاج فاقمت عنده ثلاث ليال أسأله عن أحاديث رسول الله قلت له ما اسمك قال
ما أنا بمخبرك سماني رسول الله سفينة قلت ولم سماك سفينة قال خرج رسول الله ومعه اصحابه فثقل عليهم متاعهم فقال لي ابسط كساك فبسطته فجعلوا فيه متاعهم ثم حملوه علي فقال لي رسول الله احمل فانما أنت سفينة فلو حملت يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي إلا أن يحفوا وهذا الحديث عن أبي داود والترمذي والنسائي ولفظه عندهم خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وقال الامام احمد حدثنا بهز ثنا حماد بن سلمة عن سعيد بن جمهان عن سفينة قال كنا في سفر فكان كلما أعيا رجل ألقى علي ثيابه ترسا أو سيفا حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت سفينة هذا هو المشهور في تسميته سفينة وقد قال أبو القاسم البغوي ثنا أبو الربيع سليمان بن داود الزهراني ومحمد بن جعفر الوركاني قالا ثنا شريك بن عبد الله النخعي عن عمران البجلي عن مولى لام سلمة قال كنا مع رسول الله فمررنا بواد أو نهر فكنت أعبر الناس فقال لي رسول الله ما كنت منذ اليوم إلا سفينة وهكذا رواه الامام احمد عن أسود بن عامر عن شريك وقال أبو عبد الله بن منده ثنا الحسن بن مكرم ثنا عثمان بن عمر ثنا أسامة بن زيد عن محمد بن المنكدر عن سفينة قال ركبت البحر في سفينة فكسرت بنا فركبت لوحا منها فطرحني في جزيرة فيها أسد فلم يرعني الا به فقلت يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق ثم همهم فظننت أنه السلام وقد رواه أبو القاسم البغوي عن ابراهيم بن هانئ عن عبيد الله بن موسى عن رجل عن محمد بن المنكر عنه ورواه أيضا عن محمد بن عبد الله المخرمي عن حسين بن محمد قال قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة عن محمد بن المنكدر عن سفينة فذكره ورواه أيضا حدثنا هارون بن عبد الله ثنا علي بن عاصم حدثني أبو ريحانة عن سفينة مولى رسول الله قال لقيني الأسد فقلت أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضرب بذنبه الأرض وقعد وروى له مسلم وأهل السنن وقد تقدم في الحديث الذي رواه الامام احمد أنه كان يسكن بطن نخلة وأنه تأخر إلى أيام الحجاج
ومنهم سلمان الفارسي أبو عبد الله مولى الاسلام أصله من فارس وتنقلت به الاحوال إلى أن صار لرجل من يهود المدينة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة أسلم سلمان وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فكاتب سيده اليهودي وأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أداء ما عليه فنسب اليه وقال سلمان منا أهل البيت وقد قدمنا صفة هجرته من بلده وصحبته لاولئك الرهبان واحدا بعد واحد حتى آل به الحال الى المدينة النبويه وذكر صفة إسلامه رضي الله عنه في أوائل الهجرة
النبوية الى المدينة وكانت وفاته في سنة خمس وثلاثين في آخر ايام عثمان أو في أول سنة ست وثلاثين وقيل إنه توفي في ايام عمر بن الخطاب والاول اكثر قال العباس بن يزيد البحراني وكان اهل العلم لا يشكون انه عاش مائتين وخمسين سنة واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين وقد ادعى بعض الحفاظ المتأخرين أنه لم يجاوز المائة فالله أعلم بالصواب
ومنهم شقران الحبشي واسمه صالح بن عدي ورثه عليه السلام من أبيه وقال مصعب الزبيري ومحمد بن سعد كان لعبد الرحمن بن عوف فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم وقد روى احمد بن حنبل عن اسحاق بن عيسى عن أبي معشر أنه ذكره فيمن شهد بدرا قال ولم يقسم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا ذكره محمد بن سعد فيمن شهد بدرا وهو مملوك فلهذا لم يسهم له بل استعمله على الأسرى فحذاه كل رجل له أسير شيئا فحصل له أكثر من نصيب كامل قال وقد كان ببدر ثلاثة غلمان غيره غلام لعبد الرحمن بن عوف وغلام لحاطب بن أبي بلتعة وغلام لسعيد بن معاذ فرضخ لهم ولم يقسم قال أبو القاسم البغوي وليس له ذكر فيمن شهد بدرا في كتاب الزهري ولا في كتاب ابن اسحاق وذكر الواقدي عن أبي بكر بن عبد الله بن ابي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال استعمل رسول الله شقران مولاه على جميع ما وجد في رحال المريسيع من رثة المتاع والسلاح والنعم والشاء وجمع الذرية ناحية وقال الامام احمد ثنا أسود بن عامر ثنا مسلم بن خالد عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيته يعني النبي صلى الله عليه وسلم متوجها الى خيبر على حمار يصلي عليه يومئ إيماء وفي هذه الاحاديث شواهد أنه رضي الله عنه شهد هذه المشاهد وروى الترمذي عن زيد بن أخزم عن عثمان بن فرقد عن جعفر بن محمد أخبرني ابن أبي رافع قال سمعت شقران يقول أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال الذي اتخذ قبر النبي صلى الله عليه وسلم أبو طلحة والذي ألقى القطيفة شقران ثم قال الترمذي حسن غريب وقد تقدم أنه شهد غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل في قبره وأنه وضع تحته القطيفة التي كان يصلي عليها وقال والله لا يلبسها أحد بعدك وذكر الحافظ أبو الحسن بن الاثير في الغابة أنه انقرض نسله فكان آخرهم موتا بالمدينة في أيام الرشيد
ومنهم ضميرة بن ابي ضميرة الحميري أصابه سبي في الجاهلية فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه ذكره مصعب الزبيري قال وكانت له دار بالبقيع وولد قال عبد الله بن وهب عن ابن
أبي ذئب عن حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده ضميرة أن رسول الله مر بأم ضميرة وهي تبكي فقال لها ما يبكيك أجائعة أنت أعارية أنت قالت يا رسول الله فرق بيني وبين ابني فقال رسول الله لا يفرق بين الوالدة وولدها ثم أرسل الى الذي عنده ضميرة فدعاه فابتاعه منه ببكر قال ابن أبي ذئب ثم أقرأني كتابا عنده بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول الله لابي ضميرة وأهل بيته أن رسول الله أعتقهم وأنهم أهل بيت من العرب إن أحبوا اقاموا عند رسول الله وإن أحبوا رجعوا الى قومهم فلا يعرض لهم إلا بحق ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا وكتب أبي بن كعب
ومنهم طهمان ويقال ذكوان ويقال مهران ويقال ميمون وقيل كيسان وقيل باذام روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهل بيتي وإن مولى القوم من أنفسهم رواه البغوي عن منجاب بن الحارث وغيره عن شريك عن عطاء بن السائب عن إحدى بنات علي بن أبي طالب وهي أم كلثوم بنت علي قالت حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له طهمان أو ذكوان قال قال رسول الله فذكره
ومنهم عبيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن سليمان التيمي عن شيخ عن عبيد مولى للنبي صلى الله عليه وسلم قال قلت هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة سوى المكتوبة قال صلاة بين المغرب والعشاء قال أبو القاسم البغوي لا أعلم روى غيره قال ابن عساكر وليس كما قال ثم ساق من طريق أبي يعلى الموصلي حدثنا عبد الاعلى بن حماد ثنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين كانتا صائمتين وكانتا تغتابان الناس فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدح فقال لهما قيئا فقاءا قيحا ودما ولحما عبيطا ثم قال إن هاتين الصائمتا عن الحلال وأفطرتا على الحرام وقد رواه الأمام احمد عن يزيد بن هارون وابن أبي عدي عن سليمان التيمي عن رجل حدثهم في مجلس أبي عثمان عن عبيد مولى رسول الله فذكره ورواه احمد أيضا عن غندر عن عثمان بن غياث قال كنت مع أبي عثمان فقال رجل حدثني سعيد أو عبيد عثمان يشك مولى النبي صلى الله عليه وسلم فذكره
ومنهم فضالة مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال محمد بن سعيد أنبأنا الواقدي حدثني عتبة بن خيرة الاشهلي قال كتب عمر بن عبد العزيز الى أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم أن افحص لي عن خدم رسول الله من الرجال والنساء ومواليه فكتب اليه قال وكان فضالة مولى له يماني نزل الشام
بعده وكان أبو مويهبة مولدا من مولدي مزينة فاعتقه قال ابن عساكر لم أجد لفضالة ذكرا في الموالي إلا من هذا الوجه
ومنهم قفيز أوله قاف وآخره زاي قال أبو عبد الله بن منده أنبأنا سهل بن السري ثنا احمد ابن محمد بن المنكدر ثنا محمد بن يحيى عن محمد بن سليمان الحراني عن زهير بن محمد عن أبي بكر ابن عبد الله بن أنيس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما يقال له قفيز تفرد به محمد بن سليمان
فطلقها فتزوجها بعده هشام بن المغيرة فولدت له سلمة وكانت امرأة ضخمة جميلة لها شعر غزير يجلل جسمها فخطبها رسول الله من ابنها سلمة فقال حتى استأمرها فاستأذنها فقالت يا بني أفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تستأذن فرجع ابنها فسكت ولم يرد جوابا وكأنه رأى أنها قد طعنت في السن وسكت النبي صلى الله عليه وسلم عنها وبه عن ابن عباس قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت بشامة بن نضلة العنبري وكان أصابها سبي فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئت أنا وإن شئت زوجك فقالت بل زوجي فأرسلها فلعنتها بنو تميم وقال محمد بن سعد أنبأنا الواقدي ثنا موسى بن محمد ابن ابراهيم التيمي عن أبيه قال كانت أم شريك امرأة من بني عامر بن لؤي قد وهبت نفسها من رسول الله فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت قال محمد بن سعد وأنبأنا وكيع عن شريك عن جابر عن الحكم عن علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أم شريك الدوسية قال الواقدي الثبت عندنا أنها من دوس من الأزد قال محمد بن سعد واسمها غزية بنت جابر بن حكيم وقال الليث بن سعد عن هشام بن محمد عن أبيه قال متحدث أن أم شريك كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة صالحة وممن خطبها ولم يعقد عليها حمزة بنت الحارث بن عون بن أبي حارثة المري فقال أبوها إن بها سوءا ولم يكن بها فرجع اليها وقد تبرصت وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر هكذا ذكره سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال وخطب حبيبة بنت العباس بن عبد المطلب فوجد أباها أخوه من الرضاعة أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب فهؤلاء نساؤه وهن ثلاثة اصناف صنف دخل بهن ومات عنهن وهن التسع المبدأ بذكرهن وهن حرام على الناس بعد موته عليه السلام بالاجماع المحقق المعلوم من الدين ضرورة وعدتهن بانقضاء أعمارهن قال الله تعالى وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما وصنف دخل بهن وطلقهن في حياته فهل يحل لأحد أن يتزوجهن بعد انقضاء عدتهن منه عليه السلام فيه قولان للعلماء أحدهما لا لعموم الآية التي ذكرناها والثاني نعم بدليل آية التخيير وهي قوله يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله رسوله والدار الآخرة فان الله أعد للمحصنات منكن أجرا عظيما قالوا فلولا أنها تحل لغيره أن يتزوجها بعد فراقه إياها لم يكن في تخييرها بين الدنيا والآخرة فائدة إذ لو كان فراقه لها لا يبحها لغيره لم يكن فيه فائدة لها وهذا قوي والله تعالى أعلم وأما الصنف الثالث وهي من تزوجها وطلقها قبل أن يدخل بها فهذه تحل لغيره أن يتزوجها ولا أعلم في هذا القسم نزاعا وأما من خطبها ولم يعقد عليها فأولى لها أن تتزوج وأولى وسيجيء فصل في كتاب الخصائص يتعلق بهذا المقام والله أعلم
ومنهم كركرة كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وقد ذكره أبو بكر بن حزم فيما كتب به الى عمر بن عبد العزيز قال الامام احمد حدثنا سفيان عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو قال كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال هو في النار فنظروا فاذا عليه عباءة قد غلها أو كساء قد غله رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان قلت وقصته شبيهة بقصة مدعم الذي أهداه رفاعة من بني النصيب كما سيأتي
ومنهم كيسان قال البغوي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن فضيل عن عطاء بن ا السائب قال أتيت أم كلثوم بنت علي فقالت حدثني مولى للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له كيسان قال له النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الصدقة إنا أهل بيت نهينا أن نأكل الصدقة وإن مولانا من أنفسنا فلا تأكل الصدقة
ومنهم مابور القبطي الخصي أهداه له صاحب اسكندرية مع مارية وشيرين والبغلة وقد قدمنا من خبره في ترجمة مارية رضي الله عنهما ما فيه كفاية
ومنهم مدعم وكان أسود من مولدي حسمي أهداه رفاعة بن زيد الجذامي قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك مرجعهم من خيبر فلما وصلوا الى وادي القرى فبينما مدعم يحط عن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلها إذ جاءه سهم عائر فقلته فقال الناس هنيئا له الشهادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين فقال النبي صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكان من نار أخرجاه من حديث مالك عن ثور بن يزيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة
ومنهم مهران ويقال طهمان وهو الذي روت عنه أم كلثوم بنت علي في تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم كما تقدم
ومنهم ميمون وهو الذي قبله
ومنهم نافع مولاه قال الحافظ ابن عساكر أنبأنا أبو الفتح الماهاني أنبأنا شجاع الصوفي أنبأنا محمد بن اسحاق أنبأنا احمد بن محمد بن زياد حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان ثنا يزيد بن هارون أنبأنا أبو مالك الاشجعي عن يوسف بن ميمون عن نافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة شيخ زان ولا مسكين متكبر ولا منان بعمله على الله عز وجل
ومنهم نفيع ويقال مسروح ويقال نافع بن مسروح والصحيح نافع بن الحارث بن كلدة ابن عمرو بن علاج بن سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قيس وهو ثقيف أبو بكرة الثقفي وأمه سمية أم زياد تدلى هو وجماعة من العبيد من سور الطائف فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان نزوله في بكرة فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكرة قال أبو نعيم وكان رجلا صالحا آخى رسول الله بينه وبين أبي برزة الاسلمي
قلت وهو الذي صلى عليه بوصيته اليه ولم يشهد أبو بكرة وقعة الجمل ولا أيام صفين وكانت وفاته في سنة إحدى وخمسين وقيل سنة اثنتين وخمسين
ومنهم واقد أو أبو واقد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ أبو نعيم الاصبهاني حدثنا أبو عمرو ابن حمدان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن يحيى بن عبد الكريم حدثنا الحسين بن محمد ثنا الهيثم ابن حماد عن الحارث بن غسان عن رجل من قريش من أهل المدينة عن زاذان ع واقد مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطاع الله فقد ذكر الله وإن قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصى الله فلم يذكره وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن
ومنهم هرمز أبو كيسان ويقال هرمز أو كيسان هو الذي يقال فيه طهمان كما تقدم وقد قال ابن وهب ثنا علي بن عباس عن عطاء بن السائب عن فاطمة بنت علي أو أم كلثوم بنت علي قالت سمعت مولى لنا يقال له هرمز يكنى أبا كيسان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة وإن مواينا من أنفسنا فلا تأكلوا الصدقة وقد رواه الربيع بن سليمان عن أسد بن موسى عن ورقاء عن عطاء بن السائب قال دخلت على أم كلثوم فقالت إن هرمز أو كيسان حدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنا لا نأكل الصدقة وقال أبو القاسم البغوي ثنا منصور بن أبي مزاحم ثنا أبو حفص الأبار عن ابن أبي زياد عن معاوية قال شهد بدرا عشرون
مملوكا منهم مملوك للنبي صلى الله عليه وسلم يقال له هرمز فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الله قد أعتقك وإن مولى القوم من أنفسهم وإنا أهل بيت لا نأكل الصدقة فلا تأكلها
ومنهم هشام مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال محمد بن سعد أنبأنا سليمان بن عبيد الله الرقي أنبأنا محمد بن أيوب الرقي عن سفيان عن عبد الكريم عن أبي الزبير عن هشام مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاء رجل فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس قال طلقها قال إنها تعجبني قال فتمتع بها قال ابن منده وقد رواه جماعة عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن مولى بني هاشم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمه ورواه عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم عن أبي الزبير عن جابر
ومنهم يسار ويقال إنه الذي قتله العرنيون وقد مثلوا به وقد ذكر الواقدي بسنده عن يعقوب بن عتبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذه يوم قرقرة الكدر مع نعم بني غطفان وسليم فوهبه الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله منهم لأنه رآه يحسن الصلاة فأعتقه ثم قسم في الناس النعم فاصاب كل انسان منهم سبعة أبعره وكانوا مائتين
ومنهم أبو الحمراء مولى النبي صلى الله عليه وسلم وخادمه وهو الذي يقال إن اسمه هلال بن الحارث وقيل ابن مظفر وقيل هلال بن الحارث بن ظفر السلمي أصابه سبي في الجاهلية وقال أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ثنا أحمد بن حازم أنبأنا عبد الله بن موسى والفضل بن دكين عن يونس بن أبي اسحاق عن أبي داود القاص عن أبي الحمراء قال رابطت المدينة سبعة أشهر كيوم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي باب علي وفاطمة كل غداة فيقول الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا قال احمد بن حازم وأنبأنا عبيد الله بن موسى والفضل بن دكين واللفظ له عن يونس بن أبي اسحاق عن أبي داود عن أبي الحمراء قال مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل عنده طعام في وعاء فادخله يده فقال غششته من غشنا فليس منا وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي نعيم به وليس عنده سواه وأبو داود هذا هو نفيع بن الحارث الاعمى أحد المتروكين الضعفاء قال عباس الدوري عن ابن معين أبو الحمراء صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه هلال بن الحارث كان يكون بحمص وقد رأيت بها غلاما من ولده وقال غيره كان منزله خارج باب حمص وقال أبو الوازع عن سمرة كان أبو الحمراء في الموالي
ومنهم أبو سلمي راعي النبي صلى الله عليه وسلم ويقال أبو سلام واسمه حريث قال أبو القاسم البغوي ثنا كامل بن طلحة ثنا عباد بن عبد الصمد حدثني أبو سلمة راعي النبي صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وآمن بالبعث والحساب
دخل الجنة قلنا أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فادخل أصبعيه في أذنيه ثم قال أنا سمعت هذا منه غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع لم يورد له ابن عساكر سوى هذا الحديث وقد روى له النسائي في اليوم والليلة آخر وأخرج له ابن ماجه ثالثا
ومنهم أبو صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو القاسم البغوي ثنا احمد بن المقدام ثنا معتمر ثنا أبو كعب عن جده بقية عن أبي صفية مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يوضع له نطع ويجاء بزبيل فيه حصى فيسبح به إلى نصف النهار ثم يرفع فاذا صلى الاولى سبح حتى يمسي
ومنهم أبو ضميرة مولى النبي صلى الله عليه وسلم والد ضميرة المتقدم وزوج أم ضميرة وقد تقدم في ترجمة ابنه طرف من ذكرهم وخبرهم في كتابهم وقال محمد بن سعد في الطبقات أنبأنا اسماعيل بن عبد الله بن أويس المدني حدثني حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة أن الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ضميرة بسم الله الرحمن الرحيم كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته إنهم كانوا أهل بيت من العرب وكانوا ممن أفاء الله على رسوله فأعتقهم ثم خير أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أذن له وإن أحب أن يمكث مع رسول الله فيكونوا من أهل بيته فاختار الله ورسوله ودخل في الأسلام فلا يعرض لهم أحد إلا بخير ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرا وكتب أبي بن كعب قال اسماعيل بن ابي أويس فهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد حمير وخرج قوم منهم في سفر ومعهم هذا الكتاب فعرض لهم اللصوص فاخذوا ما معهم فاخرجوا هذا الكتاب اليهم فاعلموهم بما فيه فقرؤه فردوا عليهم ما أخذوا منهم ولم يعرضوا لهم قال ووفد حسين بن عبد الله بن أبي ضميرة إلى المهدي أمير المؤمنين وجاء معه بكتابهم هذا فاخذه المهدي فوضعه على بصره وأعطى حسينا ثلاثمائة دينار
ومنهم أبو عبيد مولاه عليه الصلاة والسلام قال الإمام احمد حدثنا عفان ثنا أبان العطار ثنا قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي عبيد أنه طبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرا فيها لحم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناولني ذراعها فناولته فقال ناولني ذراعها فناولته فقال ناولني ذراعها فقلت يا نبي الله كم للشاة من ذراع قال والذي نفسي بيده لو سكت لأعطيتني ذراعها ما دعوت به ورواه الترمذي في الشمائل عن بندار عن مسلم بن ابراهيم عن ابان بن يزيد العطار به
ومنهم أبو عشيب ومنهم من يقول أبو عسيب والصحيح الاول ومن الناس من فرق بينهما وقد تقدم أنه شهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وحضر دفنه وروى قصة المغيرة بن شعبة وقال الحارث بن أبي أسامة ثنا يزيد بن هارون ثنا مسلم بن عبيد أبو نصيرة قال سمعت أبا عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتاني جبريل بالحمى والطاعون فامسكت
الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون الى الشام فالطاعون شهادة لامتي ورحمة لهم ورجس على الكافر وكذا رواه الامام احمد عن يزيد بن هارون وقال أبو عبد الله بن منده أنبأنا محمد بن يعقوب ثنا محمد بن اسحاق الصاغاني ثنا يونس بن محمد ثنا حشرج بن نباتة حدثني أبو نصيرة البصري عن أبي عسيب مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا فمر بي فدعاني ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج اليه ثم مر بعمر فدعاه فخرج اليه ثم انطلق يمشي حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فقال رسول الله لصاحب الحائط أطعمنا بسرا فجاء به فوضعه فأكل رسول الله وأكلوا جميعا ثم دعا بماء فشرب منه ثم قال إن هذا النعيم لتسألن يوم القيامة عن هذا فاخذ عمر العذق فضرب به الارض حتى تناثر البسر ثم قال يا نبي الله إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة قال نعم إلا من ثلاثة خرقة يستر بها الرجل عورته أو كسرة يسد بها جوعته أو حجر يدخل فيه يعني من الحر والقر ورواه الامام احمد عن شريح عن حشرج وروى محمد بن سعد في الطبقات عن موسى بن اسماعيل حدثتنا سلمة بنت أبان الفريعية قالت سمعت ميمونة بنت أبي عسيب قالت كان أبو عسيب يواصل بين ثلاث في الصيام وكان يصلي الضحى قائما وعجز وكان يصوم أيام البيض قالت وكان في سريره جلجل فيعجز صوته حين يناديها به فاذا حركه جاءت
ومنهم أبو كبشة الانماري من أنمار مذحج على المشهور مولى النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه أقوال أشهرها أن اسمه سليم وقيل عمرو بن سعد وقيل عسكه وأصله من مولدي أرض دوس وكان ممن شهد بدرا قاله موسى بن عقبة عن الزهري وذكره ابن اسحاق والبخاري والواقدي ومصعب الزبيري وأبو بكر بن ابي خيثمة زاد الواقدي وشهد أحدا وما بعدها من المشاهد وتوفي يوم استخلف عمر بن الخطاب وذلك في يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة وقال خليفة بن خياط وفي سنة ثلاث وعشرين توفي أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عن أبي كبشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مر في ذهابه الى تبوك بالحجر جعل الناس يدخلون بيوتهم فنودي أن الصلاة جامعة فاجتمع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدخلكم على هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم فقال رجل نعجب منهم يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أنبئكم بأعجب من ذلك رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم وما هو كائن بعدكم الحديث وقال الامام احمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن أزهر بن سعيد الحرازي سمعت أبا كبشة الانماري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في أصحابه فدخل ثم خرج وقد اغتسل فقلنا يا رسول الله قد كان شيء قال أجل مرت بي فلانة فوقع في نفسي شهوة النساء فأتيت بعض أزواجي فأصبتها فكذلك فافعلوا فانه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال
وقال احمد حدثنا وكيع ثنا الاعمش عن سالم بن أبي الجعد عن أبي كبشة الانماري قال قال رسول الله مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر رجل اتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله وينفقه في حقه ورجل أتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما في الأجر سواء ورجل أتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يحبط فيه ينفقه في غير حقه ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهما في الوزر سواء وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد كلاهما عن وكيع ورواه ابن ماجه أيضا من وجه آخر من حديث منصور عن سالم بن أبي الجعد عن ابن أبي كبشة عن أبيه وسماه بعضهم عبد الله بن أبي كبشة وقال احمد حدثنا يزيد بن عبد ربه ثنا محمد بن حرب ثنا الزبيدي عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهورني عن أبي كبشة الانماري أنه أتاه فقال أطرقني من فرسك فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أطرق مسلما فعقب له الفرس كان كأجر سبعين حمل عليه في سبيل الله عز وجل وقد روى الترمذي عن محمد بن اسماعيل عن أبي نعيم عن عبادة بن مسلم عن يونس بن خباب عن سعيد أبي البختري الطائي حدثني أبو كبشة أنه قال ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه ما نقص مال عبد صدقة وما ظلم عبد بمظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر الحديث وقال حسن صحيح وقد رواه احمد عن غندر عن شعبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عنه وروى أبو داود وابن ماجه من حديث الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان عن أبيه عن أبي كبشة الانماري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته وبين كتفيه وروى الترمذي حدثنا حميد بن مسعدة ثنا محمد بن حمران عن أبي سعيد وهو عبد الله بن بسر قال سمعت أبا كبشة الانماري يقول كانت كمام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحا
ومنهم أبو مويهبة مولاه عليه السلام وكان من مولدي مزينة اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعتقه ولا يعرف اسمه رضي الله عنه وقال أبو مصعب الزبيري شهد أبو مويهبة المريسيع وهو الذي كان يقود لعائشة رضي الله عنها بعيرها وقد تقدم ما رواه الامام احمد وبسنده عنه في ذهابه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل الى البقيع فوقف عليه السلام فدعا لهم واستغفر لهم ثم قال ليهنكم ما أنتم فيه مما
فيه بعض الناس أتت الفتن كقطع الليل المظلم يركب بعضها بعضا الآخرة أشد من الأولى فليهنكم أنتم فيه ثم رجع فقال يا أبا مويهبة إني خيرت مفاتيح ما يفتح على أمتي من بعدي والجنة أو لقاء ربي فاخترت لقاء ربي قال فما لبث بعد ذلك إلا سبعا أو ثمانيا حتى قبض فهؤلاء عبيده عليه السلام
واما إماؤه عليه السلام
@
فمنهن أمة الله بنت رزينة الصحيح أن الصحبة لأمها رزينة كما سيأتي ولكن وقع في رواية ابن أبي عاصم حدثنا عقبة بن مكرم ثنا محمد بن موسى حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية قالت حدثني أبي عن أمة الله خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله سبا صفية يوم قريظة والنضير فأعتقها وأمهرها رزينة أم أمة الله وهذا حديث غريب جدا
ومنهن أميمة قال ابن الاثير وهي مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم روى حديثها أهل الشام روى عنها جبير بن نفير أنها كانت توضئ رسول الله فأتاه رجل يوما فقال له أوصني فقال لا تشرك بالله شيئا وإن قطعت أو حرقت بالنار ولا تدع صلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله ولا تشربن مسكرا فانه رأس كل خطيئة ولا تعصين والديك وإن أمراك أن تختلي من أهلك ودنياك
ومنهن بركة أم أيمن وأم أسامة بن زيد بن حارثة وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين ابن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان الحبشية غلب عليها كنيتها أم أيمن وهو ابنها من زوجها الأول عبيد بن زيد الحبشي ثم تزوجها بعده زيد بن حارثة فولدت له اسامة بن زيد وتعرف بأم الظباء وقد هاجرت الهجرتين رضي الله عنها وهي حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب وقد كانت ممن ورثها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه قاله الواقدي وقال غيره بل ورثها من أمه وقيل بل كانت لأخت خديجة فوهبتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت قديما وهاجرت وتأخرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم ما ذكرناه من زيارة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إياها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وأنها بكت فقالا لها أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت بلى ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء فجعلا يبكيان معها وقال البخاري في التاريخ وقال عبد الله بن يوسف عن ابن وهب عن يونس بن يزيد عن الزهري قال كانت أم أيمن تحضن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كبر فاعتقها ثم زوجها زيد بن حارثة وتوفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة اشهر وقيل ستة اشهر وقيل أنها بقيت بعد قتل عمر بن الخطاب وقد رواه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب عن
يونس عن الزهري قال كانت أم أيمن الحبشية فذكره وقال محمد بن سعد عن الواقدي توفيت أم أيمن في أول خلافة عثمان بن عفان قال الواقدي وأنبأنا يحيى بن سعيد بن دينار عن شيخ من بني سعد بن بكر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأم أيمن يا أمه وكان اذا نظر اليها قال هذه بقية أهل بيتي وقال أبو بكر بن أبي خيثمة أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أم أيمن أمي بعد أمي وقال الواقدي عن أصحابه المدنيين قالوا نظرت أم أيمن الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشرب فقالت اسقني فقالت عائشة أتقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما خدمته أطول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت فجاء بالماء فسقاها وقال المفضل بن غسان حدثنا وهب بن جرير ثنا أبي قال سمعت عثمان بن القاسم قال لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء وهي صائمة فاصابها عطش شديد حتى جهدها قال فدلى عليها دلو من السماء برشاء أبيض فيه ماء قالت فشربت فما أصابني عطش بعد وقد تعرضت العطش بالصوم في الهواجر فما عطشت بعد وقال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا مسلم بن قتيبة عن الحسين بن حرب عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن أم أيمن قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخارة يبول فيها فكان اذا أصبح يقول يا أم أيمن صبي ما في الفخارة فقمت ليلة وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال رسول الله يا أم ايمن صبي ما في الفخارة فقالت يا رسول الله قمت وأنا عطشى فشربت ما فيها فقال إنك لن تشتكي بطنك بعد يومك هذا أبدا قال ابن الأثير في الغابة وروى حجاج ابن محمد عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة عن أمها بنت رقية قالت كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان فيبول فيه يضعه تحت السرير فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته فطلبه فلم يجده فقيل شربته بركة فقال لقد احتظرت من النار بحظار قال الحافظ أبو الحسن بن الأثير وقيل إن التي شربت بوله عليه السلام إنما هي بركة الحبشية التي قدمت مع أم حبيبة من الحبشة وفرق بينهما فالله أعلم
قلت فأما بريرة فانها كانت لآل أبي احمد بن جحش فكاتبوها فاشترتها عائشة منهم فأعتقتها فثبت ولاؤها لها كما ورد الحديث بذلك في الصحيحين ولم يذكرها ابن عساكر
ومنهن خضرة ذكرها ابن منده فقال روى معاوية عن هشام عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم خادم يقال لها خضرة وقال محمد بن سعد عن الواقدي ثنا فائد مولى عبد الله عن عبد الله بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى قالت كان خدم رسول الله أنا
وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد أعتقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهن
ومنهن خليسة مولاة حفصة بنت عمر قال ابن الأثير في الغابة روت حديثها عليلة بنت الكميت عن جدتها عن خليسة مولاة حفصة في قصة حفصة وعائشة مع سودة بنت زمعة ومزحهما معها بأن الدجال قد خرج فاختبأت في بيت كانوا يوقدون فيه واستضحكتا وجاء رسول الله فقال ما شأنكما فأخبرتاه بما كان من أمر سودة فذهب اليها فقالت يا رسول الله أخرج الدجال فقال لا وكأن قد خرج فخرجت وجعلت تنفض عنها بيض العنكبوت وذكر ابن الأثير خليسة مولاة سلمان الفارسي وقال لها ذكر في اسلام سلمان وإعتاقها إياه وتعويضه عليه السلام لها بأن غرس لها ثلاثمائة فسيلة ذكرتها تمييزا
ومنهن خولة خادم النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال ابن الأثير وقد روى حديثها الحافظ أبو نعيم من طريق حفص بن سعيد القرشي عن أمه عن أمها خولة وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم فذكر حديثا في تأخر الوحي بسبب جرو كلب مات تحت سريرة عليه السلام ولم يشعروا به فلما أخرجه جاء الوحي فنزل قوله تعالى والضحى والليل اذا سجى وهذا غريب والمشهور في سبب نزولها غير ذلك والله أعلم
ومنهن رزينة قال ابن عساكر والصحيح أنها كانت لصفية بنت حيي وكانت تخدم تخدم النبي صلى الله عليه وسلم
قلت وقد تقدم في ترجمة ابنتها أمة الله أنه عليه السلام أمهر صفية بنت حيي أمها رزينة فعلى هذا يكون أصلها له عليه السلام وقال الحافظ أبو يعلى ثنا أبو سعيد الجشمي حدثتنا عليلة بنت الكميت قالت سمعت أمي أمينة قالت حدثتني أمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبا صفية يوم قريظة والنضير حين فتح الله عليه فجاء يقودها سبية فلما رأت النساء قالت اشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فارسلها وكان ذراعها في يده فأعتقها ثم خطبها وتزوجها وأمهرها رزينة هكذا وقع في هذا السياق وهو أجود مما سبق من رواية ابن أبي عاصم ولكن الحق أنه عليه السلام اصطفى صفية من غنائم خيبر وأنه أعتقها وجعل عتقها صداقها وما وقع في هذه الرواية يوم قريظة والنضير تخبيط فانهما يومان بينهما سنتان والله أعلم وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل أخبرنا ابن عبدان أنبأنا احمد بن عبيد الصفار ثنا علي بن الحسن السكري ثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثتنا عليلة بنت الكميت العتكية عن أمها أمينة قالت قلت لأمة الله بنت رزينة مولاة رسول الله يا أمة الله أسمعت أمك تذكر أنها سمعت رسول الله يذكر صوم عاشوراء قالت نعم كان يعظمه ويدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم
ويقول لأمهاتهم لا ترضعيهم إلى الليل له شاهد في الصحيح
ومنهن رضوى قال ابن الأثير روى سعيد بن بشير عن قتادة عن رضوى بنت كعب أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحائض تخضب فقال ما بذلك بأس رواه أبو موسى المديني
ومنهن ريحانة بنت شمعون القرظية وقيل النضرية وقد تقدم ذكرها بعد أزواجه رضي الله عنهن
ومنهن زرينة والصحيح رزينة كما تقدم
ومنهن سانية مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم روت عنه حديثا في اللقطة وعنها طارق بن عبد الرحمن روى حديثها أبو موسى المديني هكذا ذكر ابن الاثير في الغابة
ومنهن سديسة الانصارية وقيل مولاة حفصة بنت عمر روت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه قال ابن الاثير رواه عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق عن أبيه عن اسرائيل عن الاوزاعي عن سالم عن سديسة ورواه اسحاق بن يسار عن الفضل فقال عن سديسة عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره رواه أبو نعيم وابن منده
ومنهن سلامة حاضنة ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم روت عنه حديثا في فضل الحمل والطلق والرضاع والسهر فيه غرابة ونكارة من جهة اسناده ومتنه رواه أبو نعيم وابن منده من حديث هشام بن عمار بن نصير خطيب دمشق عن أبيه عمرو بن سعيد الخولاني عن أنس عنها ذكرها ابن الاثير
ومنهن سلمى وهي أم رافع امرأة أبي رافع كما رواه الواقدي عنها أنها قالت كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وخضرة ورضوى وميمونة بنت سعد فأعتقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلنا قال الأمام احمد حدثنا أبو عامر وأبو سعيد مولى بني هاشم ثنا عبد الرحمن بن ابي الموالي عن فائد مولى ابن ابي رافع عن جدته سلمى خادم النبي صلى الله عليه وسلم قالت ما سمعت قط أحدا يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا في رأسه إلا قال احتجم وفي رجليه إلا قال اخضبهما بالحناء وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن أبي الموالي والترمذي وابن ماجه من حديث زيد بن الخباب كلاهما عن فائد عن مولاه عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن جدته سلمى به وقال الترمذي غريب إنما نعرفه من حديث فائد وقد روت عدة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يطول ذكرها واستقصاؤها قال مصعب الزبيري وقد شهدت سلمى وقعة حنين
قلت وقد ورد أنها كانت تطبخ للنبي صلى الله عليه وسلم الحريرة فتعجبه وقد تأخرت الى بعد
موته عليه السلام وشهدت وفاة فاطمة رضي الله عنها وقد كانت أولا لصفية بنت عبد المطلب عمته عليه السلام ثم صارت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت قابلة أولاد فاطمة وهي التي قبلت ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهدت غسل فاطمة وغسلتها مع زوجها علي بن أبي طالب واسماء بنت عميس امرأة الصديق وقد قال الامام احمد حدثنا أبو النضر ثنا ابراهيم بن سعد عن محمد بن اسحاق عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن أبيه عن سلمى قالت اشتكت فاطمة عليها السلام شكواها الذي قبضت فيه فكنت أمرضها فاصبحت يوما كمثل ما يأتيها في شكواها ذلك قالت وخرج علي لبعض حاجته فقالت يا أمه اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ثم قالت يا أمه اعطني ثيابي الجدد فلبستها ثم قالت يا أمه قدمي لي فراشي وسط البيت ففعلت واضطجعت فاستقبلت القبلة وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت يا أمه إني مقبوضة الآن وقد تطهرت فلا يكشفني أحد فقبضت مكانها قالت فجاء علي فاخبرته وهو غريب جدا
ومنهن شيرين ويقال سيرين أخت مارية القبطية خالة ابراهيم عليه السلام وقدمنا أن المقوقس صاحب اسكندرية واسمه جريج بن مينا أهداهما مع غلام اسمه مابور وبغله يقال لها الدلدل فوهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان
ومنهن عنقودة أم مليح الحبشية جارية عائشة كان اسمها عنبة فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودة رواه أبو نعيم ويقال اسمها غفيرة
فروة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم يعني مرضعه قالت قال لي رسول الله إذا أويت الى فراشك فاقرئي قل يا أيها الكافرون فانها براءة من الشرك ذكرها أبو احمد العسكري قاله ابن الأثير في الغابة فاما فضة النوبية فقد ذكر ابن الاثير في الغابة أنها كانت مولاة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أورد باسناد مظلم عن محبوب بن حميد البصري عن القاسم بن بهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ثم ذكر ما مضمونه أن الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادهما عامة العرب فقالوا لعلي لو نذرت فقال علي إن برآ مما بهما صمت لله ثلاثة أيام وقالت فاطمة كذلك وقالت فضة كذلك فألبسهما الله العافية فصاموا وذهب علي فاستقرض من شمعون الخيبري ثلاثة آصع من شعير فهيئوا منه تلك الليلة صاعا فلما وضعوه بين أيديهم للعشاء وقف على الباب سائل فقال أطعموا المسكين أطعمكم الله على موائد الجنة فأمرهم علي فأعطوه ذلك الطعام وطووا فلما كانت الليلة الثانية صنعوا لهم الصاع الآخر فلما وضعوه بين أيديهم وقف سائل فقال أطعموا اليتيم فأعطوه ذلك وطووا فلما كانت الليلة الثالثة قال أطعموا
الاسير فاعطوه وطووا ثلاثة أيام وثلاث ليال فأنزل الله في حقهم هل أتى على الانسان الى قوله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا وهذا الحديث منكر ومن الأئمة من يجعله موضوعا ويسند ذلك الى ركة الفاظه وأن هذه السورة مكية والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة والله أعلم
ليلى مولاة عائشة قالت يا رسول الله إنك تخرج من الخلاء فادخل في أثرك فلم أر شيئا إلا أني أجد ريح مسك فقال إنا معشر الأنبياء تنبت أجسادنا على أرواح أهل الجنة فما خرج منا من نتن ابتلعته الأرض رواه أبو نعيم من حديث أبي عبد الله المدني وهو أحد المجاهيل عنها
مارية القبطية أم ابراهيم تقدم ذكرها مع أمهات المؤمنين وقد فرق ابن الاثير بينها وبين مارية أم الرباب قال وهي جارية للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا حديثها عند أهل البصرة رواه عبد الله بن حبيب عن أم سلمى عن أمها عن جدتها مارية قالت تطأطأت للنبي صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين ثم قال ومارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم روى أبو بكر عن ابن عباس عن المثنى بن صالح عن جدته مارية وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت ما مسست بيدي شيئا قط الين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب لا أدري أهي التي قبلها أم لا
ومنهن ميمونة بنت سعد قال الامام احمد حدثنا علي بن محمد بن محرز ثنا عيسى هو ابن يونس ثنا ثور هو ابن يزيد عن زياد بن أبي سودة عن أخيه أن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس قال أرض المنشر والمحشر إئتوه فصلوا فيه فان صلاة فيه كألف صلاة قالت أرأيت من لم يطق أن يتحمل اليه أو يأتيه قال فليهد اليه زيتا يسرج فيه فانه من أهدى له كان كمن صلى فيه وهكذا رواه ابن ماجه عن اسماعيل بن عبد الله الرقي عن عيسى بن يونس عن ثور عن زياد عن أخيه عثمان بن أبي سودة عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه أبو داود عن الفضل بن مسكين بن بكير عن سعيد بن عبد العزيز عن ثور عن زياد عن ميمونة لم يذكر أخاه فالله أعلم وقال احمد حدثنا حسين وأبو نعيم قالا ثنا اسرائيل عن زيد بن جبير عن أبي يزيد الضبي عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ولد الزنا قال لا خير فيه نعلان أجاهد بهما في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا وهكذا رواه النسائي عن عباس الدوري وابن ماجه من حديث أبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي نعيم الفضل بن دكين به وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا المحاربي ثنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله الرافلة في الزينة في غير أهلها كالظلمة يوم القيامة لا نور لها ورواه الترمذي من حديث موسى بن عبيدة وقال لا نعرفه إلا من حديثه وهو يضعفه في الحديث وقد رواه بعضهم عنه فلم يرفعه
ومنهن ميمونة بنت أبي عسيبة أو عنبسة قاله أبو عمرو بن منده قال أبو نعيم وهو تصحيف والصواب ميمونة بنت أبي عسيب كذلك روى حديثها المشجع بن مصعب أبو عبد الله العبدي عن ربيعة بنت يزيد وكانت تنزل في بني قريع عن منبه عن ميمونة بنت أبي عسيب وقيل بنت أبي عنبسة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة من حريش أتت النبي صلى الله عليه وسلم فنادت يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله تسكنيني بها وتطمنيني بها وأنه قال لها ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه وقولي بسم الله اللهم داوني بدوائك واشفني بشفائك واغنني بفضلك عمن سواك قالت ربيعة فدعوت فوجدته جيدا
ومنهن أم ضميرة زوج أبي ضميرة قد تقدم الكلام عليهم رضي الله عنهم
ومنهن أم عياش بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابنته تخدمها حين زوجها بعثمان بن عفان قال أبو القاسم البغوي حدثنا عكرمة ثنا عبد الواحد بن صفوان حدثني أبي صفوان عن أبيه عن جدته أم عياش وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم بعث بها مع ابنته الى عثمان قالت كنت أمغث لعثمان التمر غدوة فيشربه عشية وأنبذه عشية فيشربه غدوة فسألني ذات يوم فقال تخلطين فيه شيئا فقلت أجل قال فلا تعودي فهؤلاء إماؤه رضي الله عنهن وقد قال الامام احمد حدثنا وكيع ثنا القاسم ابن الفضل حدثني ثمامة بن حزن قال سألت عائشة عن النبيذ فقالت هذه خادم رسول الله فسلها لجارية حبشية فقالت كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقاء عشاء فأوكيه فاذا أصبح شرب منه ورواه مسلم والنسائي من حديث القاسم بن الفضل به هكذا ذكره أصحاب الاطراف في مسند عائشة والأليق ذكره في مسند جارية حبشيه كانت تخدم النبي وهي إما أن تكون واحدة ممن قدمنا ذكرهن أو زائدة عليهن والله تعالى أعلم
*2* فصل وأما خدامه صلى الله عليه وسلم الذين خدموه من الصحابة
@ من غير مواليه فمنهم أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عاصم بن غنم بن عدي ابن النجار الانصاري النجاري أبو حمزة المدني نزيل البصرة خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة عشر سنين فما عاتبه علي شيء أبدا ولا قال لشيء فعله لم فعلته ولا لشيء لم يفعله إلا فعلته وأمه أم سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام هي التي أعطته رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله وسألته أن
يدعو له فقال اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره وأدخله الجنة قال أنس فقد رأيت اثنتين وأنا أنتظر الثالثة والله إن مالي لكثير وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو من مائة وفي رواية وإن كرمي ليحمل في السنة مرتين وإن ولدي لصلبي مائة وستة أولاد وقد اختلف في شهوده بدرا وقد روى الانصاري عن أبيه عن ثمامة قال قيل لأنس أشهدت بدرا فقال وأين أغيب عن بدر لا أم لك والمشهور أنه لم يشهد بدرا لصغره ولم يشهد أحدا أيضا لذلك وشهد الحديبية وخيبر وعمرة القضاء والفتح وحنينا والطائف وما بعد ذلك قال أبو هريرة ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من ابن أم سليم يعني أنس بن مالك وقال ابن سيرين كان أحسن الناس صلاة في سفره وحضره وكانت وفاته بالبصرة وهو آخر من كان قد بقي فيها من الصحابة فيما قاله علي بن المديني وذلك في سنة تسعين وقيل إحدى وقيل اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وهو الأشهر وعليه الأكثر وأما عمره يوم مات فقد روى الامام احمد في مسنده حدثنا معتمر بن سليمان عن حميد أن أنسا عمر مائة سنة غير سنة وأقل ما قيل ست وتسعون وأكثر ما قيل مائة وسبع سنين وقيل ست وقيل مائة وثلاث سنين فالله أعلم
ومنهم رضي الله عنهم الأسلع بن شريك بن عوف الأعرجي قال محمد بن سعد كان اسمه ميمون بن سنباذ قال الربيع بن بدر الأعرجي عن أبيه عن جده عن الأسلع قال كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم وأرحل معه فقال ذات ليلة يا أسلع قم فارحل قال أصابتني جنابة يا رسول الله قال فسكت ساعة وأتاه جبريل بأية الصعيد فقال قم يا اسلع فتيمم قال فتيممت وصليت فلما انتهيت الى الماء قال يا اسلع قم فاغتسل قال فاراني التيمم فضرب رسول الله يديه الى الأرض ثم نفضهما ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بيديه الأرض ثم نفضهما فمسح بهما ذراعيه باليمنى على اليسرى وباليسرى على اليمنى ظاهرهما وباطنهما قال الجميع واراني أبي كما أراه أبوه كما أراه الأسلع كما أراه رسول الله قال الربيع فحدثت بهذا الحديث عوف بن أبي جميلة فقال هكذا والله رأيت الحسن يصنع رواه ابن منده والبغوي في كتابيهما معجم الصحابة من حديث الربيع بن بدر هذا قال البغوي ولا أعلمه روى غيره قال ابن عساكر وقد روى يعني هذا الحديث الهيثم بن رزيق المالكي المدلجي عن أبيه عن الأسلع بن شريك
ومنهم رضي الله عنهم أسماء بن حارثة بن سعد بن عبد الله بن عباد بن سعد بن عمرو بن عامر ابن ثعلبة بن مالك بن أقصى الأسلمي وكان من أهل الصفة قاله محمد بن سعد وهو أخو هند بن حارثة وكانا يخدمان النبي صلى الله عليه وسلم قال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا عفاف ثنا وهيب ثنا عبد الرحمن بن حرملة عن يحيى بن هند بن حارثة وكان هند من أصحاب الحديبية وكان أخوه الذي بعثه رسول الله يأمر
قومه بالصيام يوم عاشوراء وهو أسماء بن حارثة فحدثني يحيى بن هند عن اسماء بن حارثة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه فقال مر قومك بصيام هذا اليوم قال أرأيت إن وجدتهم قد طعموا قال فليتموا آخر يومهم وقد رواه احمد بن خالد الوهبي عن محمد بن اسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر عن حبيب بن هند بن أسماء الاسلمي عن أبيه هند قال بعثني رسول الله الى قوم من أسلم فقال مر قومك فليصوموا هذا اليوم ومن وجدت منهم أكل في أول يومه فليصم آخره قال محمد بن سعد عن الواقدي أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبيه قال سمعت أبا هريرة يقول ما كنت أظن أن هندا وأسماء ابني حارثة إلا مملوكين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي كانا يخدمانه لا يبرحان بابه هما وأنس بن مالك قال محمد بن سعد وقد توفي أسماء بن حارثة في سنة ست وستين بالبصرة عن ثمانين سنة
ومنهم بكير بن الشداخ الليثي ذكر ابن منده من طريق أبي بكر الهذلي عن عبد الملك بن يعلى الليثي أن بكير بن شداخ الليثي كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فاحتلم فاعلم بذلك رسول الله وقال إني كنت أدخل على أهلك وقد احتلمت الآن يا رسول الله فقال اللهم صدق قوله ولقه الظفر فلما كان في زمان عمر قتل رجل من اليهود فقام عمر خطيبا فقال أنشد الله رجلا عنده من ذلك علم فقام بكير فقال أنا قتلته يا أمير المؤمنين فقال عمر بؤت بدمه فأين المخرج فقال يا امير المؤمنين إن رجلا من الغزاة استخلفني على أهله فجئت فاذا هذا اليهودي عند امرأته وهو يقول
وأشعث غره الاسلام مني * خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويمسي * على جرد الأعنة والحزام
كان مجامع الربلات منها * فئام ينهضون الى فئام
قال فصدق عمر قوله وأبطل دم اليهودي بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لبكير بما تقدم
ومنهم رضي الله عنهم بلال بن رباح الحبشي ولد بمكة وكان مولى لأمية بن خلف فاشتراه أبو بكر منه بمال جزيل لأن كان أمية يعذبه عذابا شديدا ليرتد عن الاسلام فيأبى إلا الاسلام رضي الله عنه فلما اشتراه أبو بكر أعتقه ابتغاء وجه الله وهاجر حين هاجر الناس وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما من المشاهد رضي الله عنه وكان يعرف ببلال بن حمامة وهي أمه وكان من أفصح الناس لا كما يعتقده بعض الناس أن سينه كانت شينا حتى أن بعض الناس يروي حديثا في ذلك لا أصل له عن رسول الله أنه قال إن سين بلال شينا وهو أحد المؤذنين الأربعة كما سيأتي وهو أول من أذن كما قدمنا وكان يلي أمر النفقة على العيال ومعه حاصل ما يكون من المال ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن خرج الى الشام للغزو ويقال إنه أقام يؤذن لأبي بكر أيام خلافته
والأول أصح وأشهر قال الواقدي مات بدمشق سنة عشرين وله بضع وستون سنة وقال الفلاس قبره بدمشق ويقال لداريا وقيل إنه مات بحلب والصحيح أن الذي مات بحلب أخوه خالد قال مكحول حدثني من رأى بلال قال كان شديد الأدمة نحيفا أجنا له شعر كثير وكان لا يغير شيبه رضي الله عنه
ومنهم رضي الله عنهم حبة وسواء ابنا خالد رضي الله عنهما قال الامام احمد حدثنا أبو معاوية قال وثنا وكيع ثنا الأعمش عن سلام بن شرحبيل عن حبة وسواء ابنا خالد قالا دخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلح شيئا فأعناه فقال لا ينسأ من الرزق ما تهزهزت رؤوسكما فان الانسان تلده أمه أحيمر ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله عز وجل
ومنهم رضي الله عنهم ذو مخمر ويقال ذو محبر وهو ابن أخي النجاشي ملك الحبشة ويقال ابن أخته والصحيح الأول كان بعثه ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم نيابة عنه قال الامام احمد حدثنا أبو النضر ثنا جرير عن يزيد بن صليح عن ذي مخمر وكان رجلا من الحبشة يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال كنا معه في سفر فأسرع السير حتى انصرف وكان يفعل ذلك لقلة الزاد فقال له قائل يا رسول الله قد انقطع الناس قال فجلس وحبس الناس معه حتى تكاملوا اليه فقال لهم هل لكم أن نهجع هجعة أو قال له قائل فنزل ونزلوا فقالوا من يكلؤنا الليلة فقلت أنا جعلني الله فداك فأعطاني خطام ناقته فقال هاك لا تكونن لكعا قال فأخذت بخطام ناقة رسول الله وخطام ناقتي فتنحيت غير بعيد فخليت سبيلهما ترعيان فاني كذلك أنظر اليهما اذ اخذني النوم فلم اشعر بشيء حتى وجدت حر الشمس على وجهي فاستيقظت فنظرت يمينا وشمالا فاذا أنا بالراحلتين مني غير بعيد فأخذت بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخطام ناقتي فأتيت أدنى القوم فأيقظته فقلت أصليت قال لا فأيقظ الناس بعضهم بعضا حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بلال هل في الميضاء ماء يعني الاداوة فقال نعم جعلني الله فداك فأتاه بوضوء لم يلت منه التراب فأمر بلالا فاذن ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين قبل الصبح وهو غير عجل ثم أمره فاقام الصلاة فصلى وهو غير عجل فقال له قائل يا رسول الله أفرطنا قال لا قبض الله أرواحنا وردها الينا وقد صلينا
ومنهم رضي الله عنهم ربيعة بن كعب الأسلمي أبو فراس قال الأوزاعي حدثني يحيى بن ابي كثير عن أبي سلمة عن ربيعة بن كعب قال كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوضوئه وحاجته فكان يقوم من الليل فيقول سبحان ربي وبحمده الهوي سبحان رب العالمين الهوي
فقال رسول الله هل لك حاجة قلت يا رسول الله مرافقتك في الجنة قال فأعني على نفسك بكثرة السجود وقال الامام احمد حدثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا أبي ثنا محمد بن اسحاق حدثني محمد بن عمرو بن عطاء عن نعيم بن محمد عن ربيعة بن كعب قال كنت أخدم رسول الله نهاري أجمع حتى يصلي عشاء الآخرة فأجلس ببابه اذا دخل بيته أقول لعلها أن تحدث لرسول الله حاجة فما أزال أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سبحان الله وبحمده حتى امل فارجع أو تغلبني عيناي فأرقد فقال لي يوما لما يرى من حقي له وخدمتي إياه يا ربيعة بن كعب سلني أعطك قال فقلت أنظر في أمري يا رسول الله ثم أعلمك ذلك قال ففكرت في نفسي فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني قال فقلت أسأل رسول الله لاخرتي فانه من الله بالمنزل الذي هو به قال فجئته فقال ما فعلت يا ربيعة قال فقلت نعم يا رسول الله اسألك أن تشفع لي الى ربك فيعتقني من النار قال فقال من أمرك بهذا يا ربيعة قال فقلت لا والذي بعثك بالحق ما أمرني به أحد ولكنك لما قلت سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الذي أنت به نظرت في أمري فعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة وأن لي فيها رزقا سيأتيني فقلت اسأل رسول الله لآخرتي قال فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال لي إني فاعل فأعني على نفسك بكثرة السجود وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة أنبأنا يزيد بن هارون ثنا مبارك بن فضالة ثنا أبو عمران الجوني عن ربيعة الاسلمي وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم قال فقال لي ذات يوم يا ربيعة ألا تزوج قال قلت يا رسول الله ما أحب أن يشغلني عن خدمتك شيء وما عندي ما أعطي المرأة قال فقلت بعد ذلك رسول الله أعلم بما عندي مني يدعوني الى التزويج لئن دعاني هذه المرة لأجيبنه قال فقال لي يا ربيعة ألا تزوج فقلت يا رسول الله ومن يزوجني ما عندي ما أعطي المرأة فقال لي انطلق الى بني فلان فقل لهم إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم فلانة قال فأتيتهم فقلت إن رسول الله أرسلني اليكم لتزوجوني فتاتكم فلانة قالوا فلانة قال نعم قالوا مرحبا برسول الله ومرحبا برسوله فزوجوني فأتيت رسول الله فقلت يا رسول الله أتيتك من خير أهل بيت صدقوني وزوجوني فمن أين لي ما أعطي صداقي فقال رسول الله لبريدة الأسلمي اجمعوا لربيعة في صداقه في وزن نواة من ذهب فجمعوها فأعطوني فاتيتهم فقبلوها فأتيت رسول الله فقلت يا رسول الله قد قبلوا فمن أين لي ما أولم قال فقال رسول الله لبريدة اجمعوا لربيعة في ثمن كبش قال فجمعوا وقال لي انطلق الى عائشة فقل لها فلتدفع إليك ما عندها من الشعير قال فأتيتها فدفعت الي فانطلقت بالكبش والشعير فقالوا أما الشعير فنحن نكفيك وأما الكبش فمر أصحابك فليذبحوه وعملوا الشعير فأصبح والله عندنا خبز ولحم ثم إن رسول الله أقطع أبا بكر ارضا له فاخلتفنا في عذق فقلت هو في أرضي
وقال أبو بكر هو في أرضي فتنازعنا فقال لي أبو بكر كلمة كرهتها فندم فأحضرني فقال لي قل لي كما قلت قال فقلت لا والله لا اقول لك كما قلت لي قال اذا آتي رسول الله قال فأتى رسول الله وتبعته فجاءني قومي يتبعونني فقالوا هو الذي قال لك وهو يأتي رسول الله فيشكو قال فالتفت اليهم فقلت تدرون من هذا هذا الصديق وذو شيبة المسلمين أرجعوا لا يلتفت فيراكم فيظن أنكم إنما جئتم لتعينوني عليه فيغضب فيأتي رسول الله فيخبره فيهلك ربيعة قال فأتى رسول الله فقال إني قلت لربيعة كلمة كرهتها فقلت له يقول لي مثل ما قلت له فأبى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ربيعة ومالك وللصديق قال فقلت يا رسول الله والله لا أقول له كما قال لي فقال رسول الله لا تقل له كما قال لك ولكن قل غفر الله لك يا أبا بكر
ومنهم رضي الله عنهم سعد مولى أبي بكر رضي الله عنه ويقال مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو داود الطيالسي ثنا أبو عامر عن الحسن عن سعد مولى أبي بكر الصديق أن رسول الله قال لأبي بكر وكان سعد مملوكا لأبي بكر وكان رسول الله يعجبه خدمته أعتق سعدا فقال يا رسول الله ما لنا خادم هاهنا غيره فقال أعتق سعدا أتتك الرجال أتتك الرجال وهكذا رواه احمد عن أبي داود الطيالسي وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عامر عن الحسن عن سعد قال قربت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا فجعلوا يقرنون فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القران ورواه ابن ماجه عن بندار عن أبي داود به
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن رواحة دخل يوم عمرة القضاء مكة وهو يقود بناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول
خلوا بني كفار عن سبيله * اليوم نضربكم على تأويله
كما ضربناكم على تنزيله * ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويشغل الخليل عن خليله
كما قدمنا ذلك بطوله وقد قتل عبد الله بن رواحة بعد هذا بأشهر في يوم مؤتة كما تقدم أيضا
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن مسعود بن غافل بن غافل بن حبيب بن شمخ أبو عبد الرحمن الهذلي أحد أئمة الصحابة هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعدها كان يلي حمل نعلي النبي صلى الله عليه وسلم ويلي طهوره ويرحل دابته اذا اراد الركوب وكانت له اليد الطولى في تفسير كلام الله وله العلم الجم والفضل والحلم وفي الحديث أن رسول الله قال لأصحابه وقد جعلوا يعجبون من دقة ساقيه فقال والذي نفسي بيده لهما في الميزان اثقل من أحد وقال عمر بن الخطاب في ابن مسعود هو كنيف ملئ علما وذكروا أنه نحيف الخلق حسن الخلق يقال إنه كان اذا مشى يسامت الجلوس
وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته يعني أنه يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم في حركاته وسكناته وكلامه ويتشبه بما استطاع من عبادته توفي رضي الله عنه في أيام عثمان سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين بالمدينة عن ثلاث وستين سنة وقيل إنه توفي بالكوفة والأول أصح
ومنهم رضي الله عنهم عقبة بن عامر الجهني قال الامام احمد ثنا الوليد بن مسلم ثنا ابن جابر عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال بينما أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم في نقب من تلك النقاب إذ قال لي يا عقبة ألا تركب قال فاشفقت أن تكون معصية قال فنزل رسول الله وركبت هنيهة ثم ركب ثم قال يا عقب ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس قلت بلى يا رسول الله فأقرأني قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس ثم أقيمت الصلاة فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ بهما ثم مر بي فقال اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت وهكذا رواه النسائي من حديث الوليد بن مسلم وعبد الله بن المبارك عن ابن جابر ورواه أبو داود والنسائي أيضا من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة به
ومنهم رضي الله عنهم قيس بن عبادة الانصاري الخزرجي روى البخاري عن أنس قال كان قيس بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرط من الأمير وقد كان قيس هذا رضي الله عنه من أطول الرجال وكان كوسجا ويقال إن سراويله كان يضعه على أنفه من يكون من أطول الرجال فتصل رجلاه الأرض وقد بعث سراويله معاوية الى ملك الروم يقول له هل عندكم رجل يجيء هذه السروايل على طوله فتعجب صاحب الروم من ذلك وذكروا أنه كان كريما ممدحا ذا رأي ودهاء وكان مع علي بن أبي طالب ايام صفين وقال مسعر عن معبد بن خالد كان قيس بن سعد لا يزال رافعا أصبعه المسبحة يدعو رضي الله عنه وأرضاه وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغيرهما توفي بالمدينة في آخر ايام معاوية وقال الحافظ ابو بكر البزار ثنا عمر بن الخطاب السجستاني ثنا علي بن يزيد الحنفي ثنا سعيد بن الصلت عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال كان عشرون شابا من الأنصار يلزمون رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوائجه فاذا أراد أمرا بعثهم فيه
ومنه رضي الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفي رضي الله عنه كان بمنزلة السلحدار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان رافعا السيف في يده وهو واقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم في الخيمة يوم الحديبية فجعل كلما أهوى عمه عروة بن مسعود الثقفي حين قدم في الرسيلة الى لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جرت به عادة العرب في مخاطباتها يقرع يده بقائمة السيف ويقول أخر
يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل اليك الحديث كما قدمناه قال محمد بن سعد وغيره شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه مع أبي سفيان الإمرة حين ذهبا فخربا طاغوت أهل الطائف وهي المدعوة بالربة وهي اللات وكان داهية من دهاة العرب قال الشعبي سمعته يقول ما غلبني أحد قط وقال الشعبي سمعت قبيصة بن جابر يقول صحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها وقال الشعبي القضاة أربعة أبو بكر وعمر وابن مسعود وأبو موسى والدهاة أربعة معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد وقال الزهري الدهاة خمسة معاوية وعمرو والمغيرة واثنان مع علي وهما قيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقاء وقال الامام مالك كان المغيره بن شعبة رجلا نكاحا للنساء وكان يقول صاحب الواحدة إن حاضت حاض معها وإن مرضت مرض معها وصاحب الثنتين بين نارين يشتعلان قال فكان ينكح أربعا ويطلقهن جميعا وقال غيره تزوج ثمانين امرأة وقيل ثلاث مائة امرأة وقيل احصن بألف امرأة وقد اختلف في وفاته على أقوال أشهرها وأصحها وهو الذي حكى عليه الخطيب البغدادي الاجماع أنه توفي سنة خمسين
ومنهم رضي الله عنهم المقداد بن الأسود أبو معبد الكندب حليف بني زهرة قال الامام احمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن المقداد بن الاسود قال قدمت المدينة أنا وصاحبان فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد فأتينا الى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا له فذهب بنا الى منزله وعنده أربعة أعنز فقال احلبهن يا مقداد وجزئهن أربعة أجزاء واعط كل انسان جزءا فكنت أفعل ذلك فرفعت للنبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فاحتبس واضطجعت على فراشي فقالت لي نفسي إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتى أهل بيت من الأنصار فلو قمت فشربت هذه الشربة فلم تزل بي حتى قمت فشربت جزءا فلما دخل في بطني ومعائي أخذني ما قدم وما حدث فقلت يجيء الآن النبي صلى الله عليه وسلم جائعا ظمآنا فلا يرى في القدح شيئا فسجيت ثوبا على وجهي وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم تسليمة تسمع اليقظان ولا توقظ النائم فكشف عنه فلم ير شيئا فرفع رأسه الى السماء فقال اللهم اسق من سقاني وأطعم من أطعمني فاغتنمت دعوته وقمت فأخذت الشفرة فدنوت الى الأعنز فجعلت أجسهن أيتهن اسمن لأذبحها فوقعت يدي على ضرع إحداهن فاذا هي حافل ونظرت الى الأخرى فاذا هي حافل فنظرت فاذا هن كلهن حفل فحلبت في الاناء فأتيته به فقلت اشرب فقال ما الخبر يا مقداد فقلت اشرب ثم الخبر فقال بعض سوآتك يا مقداد فشرب ثم قال اشرب فقلت اشرب يا نبي الله فشرب حتى تضلع ثم أخذته فشربته ثم أخبرته الخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم هيه فقلت كان كذا وكذا فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه بركة منزلة من
السماء أفلا أخبرتني حتى اسقي صاحبيك فقلت إذا شربت البركة أنا وأنت فلا أبالي من أخطأت وقد رواه الامام احمد أيضا عن أبي النضر عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن المقداد فذكر ما تقدم وفيه أنه حلب في الاناء الذي كانوا لا يطيقون أن يحلبوا فيه فحلب حتى علته الرغوة ولما جاء به قال له رسول الله أما شربتم شرابكم الليلة يا مقداد فقلت اشرب يا رسول الله فشرب ثم ناولني فقلت اشرب يا رسول الله فشرب ثم ناولني فأخذت ما بقي ثم شربت فلما عرفت أن رسول الله قد روى فأصابتني دعوته ضحكت حتى ألقيت الى الأرض فقال رسول الله إحدى سوآتك يا مقداد فقلت يا رسول الله كان من أمري كذا صنعت كذا فقال ما كانت هذه إلا رحمة الله ألا كنت أذنتني توقظ صاحبيك هذين فيصيبان منها قال قلت والذي بعثك بالحق ما أبالي اذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سليمان بن المغيرة به
ومنهم رضي الله عنهم مهاجر مولى أم سلمة قال الطبراني حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني ابراهيم بن عبد الله سمعت بكيرا يقول سمعت مهاجرا مولى أم سلمة قال خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين فلم يقل لي لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته وفي رواية خدمته عشر سنين أو خمس سنه
ومنهم رضي الله عنهم أبو السمح قال أبو العباس محمد بن اسحاق الثقفي ثنا مجاهد بن موسى ثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح قال كنت أخدم رسول الله قال كان اذا أراد أن يغتسل قال ناولني أداوتي قال فأناوله واستتره فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره فجئت لأغسله فقال يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن مجاهد بن موسى
ومنهم رضي الله عنهم أفضل لصحابة على الاطلاق أبو بكر الصديق رضي الله عنه تولى خدمته بنفسه في سفرة الهجرة لا سيما في الغار وبعد خروجهم منه حتى وصلوا الى المدينة كما تقدم ذلك مبسوطا ولله الحمد والمنة


يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:57 AM
فصل أما كتاب الوحي وغيره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنهم اجمعين
@
فمنهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم سيأتي ترجمة
كل واحد منهم في أيام خلافته إن شاء الله وبه الثقة
ومنهم رضي الله عنهم أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي أسلم بعد أخويه خالد وعمرو وكان اسلامه بعد الحديبية لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل مكة يوم الحديبية وقيل خيبر لأن له ذكر في الصحيح من حديث أبي هريرة في قسمة غنائم خيبر وكان سبب إسلامه أنه اجتمع براهب وهو في تجارة بالشام فذكر له أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الراهب ما اسمه قال محمد قال فانا أنعته لك فوصفه بصفته سواء وقال إذا رجعت الى أهلك فاقرئه السلام فاسلم بعد مرجعه وهو أخو عمرو بن سعيد الاشدق الذي قتله عبد الملك بن مروان قال أبو بكر بن ابي شيبة كان أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب فاذا لم يحضر كتب زيد بن ثابت وكتب له عثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد هكذا قال يعني بالمدينة وإلا فالسور الكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها وقد كتبها الصحابة بمكة رضي الله عنهم وقد اختلف في وفاة أبان بن سعيد هذا فقال موسى بن عقبة ومصعب بن الزبير بن بكار وأكثر أهل النسب قتل يوم أجنادين يعني في جمادى الأولى سنة ثنتي عشرة وقال آخرون قتل يوم مرج الصفر سنة أربع عشرة وقال محمد بن اسحاق قتل هو وأخوه عمرو يوم اليرموك لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة وقيل إنه تأخر إلى أيام عثمان وكان يملي المصحف الامام على زيد بن ثابت ثم توفي سنة تسع وعشرين فالله أعلم
ومنهم أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الخزرجي الانصاري أبو المنذر ويقال أبو الطفيل سيد القراء شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها وكان ربعة نحيفا أبيض الرأس واللحية لا يغير شيبه قال أنس جمع القرآن أربعة يعني من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد ابن ثابت ورجل من الأنصار يقال له أبو يزيد أخرجاه وفي الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال وسماني لك يا رسول الله قال نعم قال فذرفت عيناه ومعنى أن أقرأ عليك قراءة ابلاغ واسماع لا قراءة تعلم منه هذا لا يفهمه أحد من أهل العلم وإنما نبهنا على هذا لئلا يعتقد خلافه وقد ذكرنا في موضع آخر سبب القراءة عليه وأنه قرأ عليه سورة لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة وذلك أن أبي بن كعب كان قد أنكر على رجل قراءة سورة على خلاف ما كان يقرأ أبي فرفعه أبي إلى رسول الله فقال اقرأ يا ابي فقرأ فقال هكذا أنزلت ثم قال لذلك الرجل اقرأ فقرأ فقال هكذا أنزلت قال أبي فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية قال فضرب رسول الله في صدره ففضضت عرقا وكأنما أنظر إلى
الله فرقا فبعد ذلك تلا عليه رسول الله هذه السورة كالتثبيت له والبيان له إن هذا القرآن حق وصدق وإنه أنزل على أحرف كثيرة رحمه ولفظا بالعباد وقال ابن أبي خيثمة هو أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في وفاته فقيل في سنة تسع عشرة وقيل سنة عشرين وقيل ثلاث وعشرين وقيل قبل مقتل عثمان بجمعة فالله أعلم
ومنهم رضي الله عنهم أرقم بن ابي الأرقم واسمه عبد مناف بن أسد بن جندب بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم المخزومي أسلم قديما وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا في داره عند الصفا وتعرف تلك الدار بعد ذلك بالخيزران وهاجر وشهد بدرا وما بعدها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن أنيس وهو الذي كتب أقطاع عظيم بن الحارث المحاربي بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بفخ وغيره وذلك فيما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري حدثني عبد الملك بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم وقد توفي في سنة ثلاث وقيل خمس وخمسين وله خمس وثمانون سنة وقد روى الامام احمد له حديثين الأول قال أحمد والحسن بن عرفة واللفظ لأحمد حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن هشام بن زياد عن عمار ابن سعد عن عثمان بن أرقم بن ابي الأرقم عن أبيه وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله قال إن الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الأمام كالجار قصبه في النار والثاني قال احمد حدثنا عصام بن خالد ثنا العطاف بن خالد ثنا يحيى بن عمران عن عبد الله بن عثمان بن الأرقم عن جده الأرقم أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اين تريد قال أردت يا رسول الله هاهنا وأومأ بيده الى حيز بيت المقدس قال ما يخرجك اليه أتجارة قال لا ولكن أردت الصلاة فيه قال الصلاة هاهنا وأومأ بيده الى مكة خير من ألف صلاة وأومأ بيده الى الشام تفرد بهما أحمد
ومنهم رضي الله عنهم ثابت بن قيس بن شماس الانصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن ويقال أبو محمد المدني خطيب الانصار ويقال له خطيب النبي صلى الله عليه وسلم قال محمد بن سعد أنبأنا علي بن محمد المدايني باسانيده عن شيوخه في وفود العرب على رسول الله قالوا قدم عبد الله بن عبس اليماني ومسلمة بن هاران الحمداني على رسول الله في رهط من قومهما بعد فتح مكة فاسلموا وبايعوا على قومهم وكتب لهم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم كتبه ثابت بن قيس بن شماس وشهد فيه سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة رضي الله عنهم وهذا الرجل ممن ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة وروى الترمذي في جامعه باسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله قال نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل ابو عبيدة بن الجراح نعم الرجل
أسيد بن حضير نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح وقد قتل رضي الله عنه شهيدا يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة في أيام ابي بكر الصديق وله قصة سنوردها إن شاء الله اذا انتهينا إلى ذلك بحول الله وقوته وعونه ومعونته
ومنهم رضي الله عنهم حنظلة بن الربيع بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية ابن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميمي الاسيدي الكاتب وأخوه رباح صحابي أيضا وعمه أكثم بن صيفي كان حكيم العرب قال الواقدي كتب للنبي صلى الله عليه وسلم كتابا وقال غيره بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطوائف في الصلح وشهد مع خالد حروبه بالعراق وغيرها وقد ادرك أيام علي وتخلف عن القتال معه في الجمل وغيره ثم انتقل عن الكوفة لما شتم بها عثمان ومات بعد أيام علي وقد ذكر ابن الاثير في الغابة أن امرأته لما مات جزعت عليه فلامها جاراتها في ذلك فقالت
تعجبت دعد لمحزونة * تبكي على ذي شيبة شاحب
إن تسأليني اليوم ما شفني * أخبرك قولا ليس بالكاذب
إن سواد العين أودى به * حزن على حنظلة الكاتب
قال احمد بن عبد الله بن الرقي كان معتزلا للفتنة حتى مات بعد علي جاء عنه حديثان
قلت بل ثلاثة قال الأمام احمد حدثنا عبد الصمد وعفان قالا ثنا همام ثنا قتادة عن حنظلة الكاتب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حافظ على الصلوات الخمس بركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة أو قال وجبت له تفرد به احمد وهو منقطع بين قتادة وحنظلة والله أعلم والحديث الثاني رواه احمد ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث سعيد الجريري عن أبي عثمان النهدي عن حنظلة لو تدمون كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم وعلى فرشكم ولكن ساعة وساعة وقد رواه احمد والترمذي أيضا من حديث عمران بن داود القطان عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن حنظلة والثالث رواه احمد والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن أبي الزناد عن المرقع بن صيفي بن حنظلة عن جده في النهي عن قتل النساء في الحرب لكن رواه الأمام احمد عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرت عن أبي الزناد عن مرقع بن صيفي بن رياح بن ربيع عن جده رباح بن ربيع أخي حنظلة الكاتب فذكره وكذلك رواه احمد أيضا عن حسين بن محمد وابراهيم بن أبي العباس كلاهما
عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه وعن سعيد بن منصور وأبي عامر العقدي كلاهما عن المغيرة ابن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن مرقع عن جده رباح ومن طريق المغيرة رواه النسائي وابن ماجه كذلك وروى أبو داود والنسائي من حديث عمر بن مرقع عن أبيه عن جده رباح فذكره فالحديث عن رباح لا عن حنظلة ولذا قال أبو بكر بن ابي شيبة كان سفيان الثوري يخطئ في هذا الحديث
قلت وصح قول ابن الرقي أنه لم يرو سوى حديثين والله أعلم
ومنهم رضي الله عنهم خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو سعيد الأموي أسلم قديما يقال بعد الصديق بثلاثة أو أربعة وأكثر ما قيل خمسة وذكروا أن سبب إسلامه أنه رأى في النوم كأنه وافقا على شفير جهنم فذكر من سعتها ما الله به عليم قال وكأن أباه يدفعه فيها وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيده ليمنعه من الوقوع فقص هذه الرؤيا على أبي بكر الصديق فقال له لقد أريد بك خير هذا رسول الله فاتبعه تنج مما خفته فجاء رسول الله فأسلم فلما بلغ أباه إسلامه غضب عليه وضربه بعصاة في يده حتى كسرها على رأسه واخرجه من منزله ومنعه القوت ونهى بقية إخوته أن يكلموه فلزم خالد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا ثم أسلم أخوه عمرو فلما هاجر الناس الى ارض الحبشة هاجرا معهم ثم كان هو الذي ولى العقد في تزويج أم حبيبة من رسول الله كما قدمنا ثم هاجرا من أرض الحبشة صحبة جعفر فقدما على رسول الله بخيبر وقد افتتحها فأسهم لهما عن مشورة المسلمين وجاء أخوهما ابان بن سعيد فشهد فتح خيبر كما قدمنا ثم كان رسول الله يوليهم الأعمال فلما كانت خلافة الصديق خرجوا الى الشام للغزو فقتل خالد بأجنادين ويقال بمرج الصفر والله أعلم قال عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر عن ابيه عن جده عن عمرو بن حزم يعني أن خالد بن سعيد كتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله راشد بن عبد رب السلمي أعطاه علوتين وعلوة بحجر برهاط فمن خافه فلا حق له وحقه حق وكتب خالد بن سعيد وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني جعفر بن محمد بن خالد عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان قال أقام خالد بن سعيد بعد أن قدم من ارض الحبشة بالمدينة وكان يكتب لرسول الله وهو الذي كتب كتاب أهل الطائف لوفد ثقيف وسعى في الصلح بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومنهم رضي الله عنهم خالد بن الوليد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أبو سليمان المخزومي وهو أمير الجيوش المنصورة الاسلامية والعساكر المحمدية والمواقف المشهودة والأيام المحمودة
ذو الرأي السديد والبأس الشديد والطريق الحميد أبو سليمان خالد بن الوليد ويقال إنه لم يكن في جيش فكسر لا في جاهلية ولا اسلام قال الزبير بن بكار كانت إليه في قريش القبة وأعنة الخيل أسلم هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة بعد الحديبية وقيل خيبر ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه فيما يبعثه أميرا ثم كان المقدم على العساكر كلها في أيام الصديق فلما ولي عمر بن الخطاب عزله وولى أبو عبيدة أمين الأمة على أن لا يخرج عن رأي ابي سليمان ثم مات خالد في أيام عمر وذلك سنة إحدى وعشرين وقيل اثنتين وعشرين والأول أصح بقرية على ميل من حمص قال الواقدي سألت عنها فقيل لي دثرت وقال دحيم مات بالمدينة والأول أصح وقد روى أحاديث كثيرة يطول ذكرها قال عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم أن هذه قطايع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله الى المؤمنين أن صيدوح وصيده لا يعضد صيده ولا يقتل فمن وجد يفعل من ذلك شيئا فانه يجلد وينزع ثيابه وإن تعدى ذلك أحد فانه يؤخذ فيبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذا من محمد النبي وكتب خالد بن الوليد بأمر رسول الله فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمره به محمد
ومنهم رضي الله عنهم الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي أبو عبد الله الأسدي أحد العشرة وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته صفية بنت عبد المطلب وزوج أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه روى عتيق بن يعقوب بسنده المتقدم أن الزبير بن العوام هو الذي كتب لبني معاوية بن جرول الكتاب الي أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبه لهم وروى ابن عساكر باسناد عن عتيق به أسلم الزبير قديما رضي الله عنه وهو ابن ست عشرة سنة ويقال ابن ثمان سنين وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها وهو اول من سل سيفا في سبيل الله وقد شهد اليرموك وكان أفضل من شهدها واخترق يومئذ صفوف الروم من أولهم الى آخرهم مرتين ويخرج من الجانب الآخر سالما لكن جرح فق قفاه بضربتين رضي الله عنه وقد جمع له رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أبويه وقال إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير وله فضائل ومناقب كثيرة وكانت وفاته يوم الجمل وذلك أنه كر راجعا عن القتال فلحقه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ورجل ثالث يقال له نفيع التميميون بمكان يقال له وادي السباع فبدر اليه عمرو بن جرموز وهو نائم فقتله وذلك في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وله من العمر يومئذ سبع وستون سنة وقد خلف رضي الله
الله عنه بعده تركة عظيمة فأوصى من ذلك بالثلث بعد إخراج ألفي ألف ومائتي ألف دينار فلما قضى دينه وأخرج ثلث ماله قسم الباقي على ورثته فنال كل امرأة من نسائه وكن أربعا ألف ألف ومائتا ألف فمجموع ما ذكرناه مما تركه رضي الله عنه تسعة وخمسين ألف ألف وثمان مائة ألف وهذا كله في وجوه حل نالها في حياته مما كان يصيبه من الفيء والمغانم ووجوه متاجر الحلال وذلك كله بعد إخراج الزكاة في أوقاتها والصلاة البارعة الكثيرة لأربابها في أوقات حاجاتها رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الفردوس مثواه وقد فعل فانه قد شهد له سيد الأولين والآخرين ورسوله رب العالمين بالجنة ولله الحمد والمنة وذكر ابن الأثير في الغابة انه كان له ألف مملوك يؤدون اليه الخراج وأنه كان يتصدق بذلك كله وقال فيه حسان بن ثابت يمدحه ويفضله بذلك
أقام على عهد النبي وهديه * حواريه والقول بالفضل يعدل
أقام على منهاجه وطريقه * يوالي ولي الحق والحق أعدل
هو الفارس المشهور والبطل الذي * يصول إذا ما كان يوم محجل
وإن امرأ كانت صفية أمه * ومن أسد في بيته لمرسل
له من رسول الله قربى قريبة * ومن نصرة الاسلام مجد مؤثل
فكم كربة ذب الزبير بسيفه * عن المصطفى والله يعطي ويجزل
إذا كشفت عن ساقها الحرب حشها * بأبيض
سياف الى الموت يرفل
فما مثله فيهم ولا كان قبله * وليس يكون الدهر ما دام يذبل
قد تقدم أنه قتله عمرو بن جرموز التميمي بوادي السباع وهو نائم ويقال بل قام من آثار النوم وهو دهش فركب وبارزه ابن جرموز فلما صمم عليه الزير أنجده صاحباه فضالة والنعر فقتلون وأخض عمرو بن جرموزر رأسه وسيفه فليما دخل بهما على علي قال رضي الله عنه لما رأى سيف الزبير إن هذا السيف طالما فرج الكرب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال علي فيما قال بشر قاتل ابن صفية بالنار فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه والصحيح أنه عمر بعد علي حتى كانت أيام ابن الزبير فاستناب أخاه مصعبا على العراق فاختفى عمرو بن جرموز خوفا بعد سطوته أن يقتله بأبيه فقال مصعب أبلغوه أنه آمن أيحسب أني اقتله بابي عبد الله كلا والله ليسا سواء وهذا من حلم مصعب وعقله ورياسته وقد روى الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث
كثيرة يطول ذكرها ولما قتل الزبير بن العوام بوادي السباع كما تقدم قالت امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل ترثيه رضي الله عنها وعنه
غدر ابن جرموز بفارس بهمة * يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته * لا طائشا رعش الجنان ولا اليد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه * عنها طراد يا ابن فقع القردد
ثكلتك أمك إن ظفرت بمثله * فيمن مضى فيمن يروح ويغتدي
والله ربك إن قتلت لمسلما * حلت عليك عقوبة المتعمد
ومنهم رضي الله عنهم زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بن عوف بن غنم بن مالك بن النجار الانصاري النجاري أبو سعيد ويقال أبو خارجة ويقال أبو عبد الرحمن المدني قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو ابن احدى عشرة سنة فلهذا لم يشهد بدرا لصغره قيل ولا أحدا وأول مشاهده الخندق ثم شهد ما بعدها وكان حافظا لبيبا عالما عاقلا ثبت عنه في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم اذا كتبوا اليه فتعلمه في خمسة عشر يوما وقد قال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود ثنا عبد الرحمن عن ابي الزناد عن خارجة بن زيد أن أباه زيدا أخبره أنه لما قدم رسول الله المدينة قال زيد ذهب بي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجب بي فقالوا يا رسول الله هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة فأعجب ذلك رسول الله وقال يا زيد تعلم لي كتاب يهود فاني والله ما آمن يهود على كتابي قال زيد فتعلمت لهم كتابهم ما مرت خمس عشرة ليلة حتى حذقته وكنت أقرأ له كتبهم اذا كتبوا اليه وأجيب عنه اذا كتب ثم رواه احمد عن شريح بن النعمان عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه فذكر عن أبيه فذكر نحوه وقد علقه البخارى في الأحكام عن خارجة ابن زيد بن ثابت بصيغة الجزم فقال وقال خارجة بن زيد فذكره ورواه أبو داود عن احمد بن يونس والترمذي عن علي بن حجر كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه به نحوه وقال الترمذي حسن صحيح وهذا ذكاء مفرط جدا وقد كان ممن جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من القراء كما ثبت في الصحيحين عن أنس وروى احمد والنسائي من حديث أبي قلابة عن أنس عن رسول الله أنه قال أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدها في دين الله عمر وأصدقها حياء عثمان وأقضاهم علي بن أبي طالب وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت ولكل أمة امين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح ومن الحفاظ من يجعله مرسلا إلا ما يتعلق بأبي عبيدة ففي صحيح البخاري من هذا الوجه وقد كتب الوحي
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن ومن أوضح ذلك ما ثبت في الصحيح عنه أنه قال لما نزل قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين في سبيل الله الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اكتب لا يستوي القاعدون المجاهدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله فجاء ابن أم مكتوم فجعل يشكو ضرارته فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت فخذه على فخذي حتى كادت ترضها فنزل غير أولي الضرر فأمرني فألحقتها فقال زيد فاني لأعرف موضع ملحقها عند صدع في ذلك اللوح يعني من عظام الحديث وقد شهد زيد اليمامة وأصابه سهم فلم يضره وهو الذي أمره الصديق بعد هذا بأن يتتبع القرآن فيجمعه وقال له إنك شاب عاقل لا تنهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه ففعل ما أمره به الصديق فكان في ذلك خير كثير ولله الحمد والمنة وقد استنابه عمر مرتين في حجتين على المدينة واستنابه لما خرج الى الشام وكذلك كان عثمان يستنيبه على المدينة أيضا وكان علي يحبه وكان يعظم عليا ويعرف له قدره ولم يشهد معه شيئا من حروبه وتأخر بعده حتى توفي سنة خمس وأربعين وقيل سنة إحدى وقيل خمس وخمسين وهو ممن كان يكتب المصاحف الأئمة التي نفذ بها عثمان بن عفان الى سائر الآفاق اللائي وقع على التلاوة طبق رسمهن الاجماع والاتفاق كما قررنا ذلك في كتاب فضائل القرآن الذي كتبناه مقدمة في أول كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة
ومنهم السجل كما ورد به الحديث المروي في ذلك عن ابن عباس إن صح وفيه نظر قال أبو داود حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال السجل كاتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه النسائي عن قتيبة به عن ابن عباس أنه كان يقول في هذه الآية يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب السجل الرجل هذا لفظه ورواه أبو جعفر بن جرير في تفسيره عند قوله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب عن نصر بن علي عن نوح بن قيس وهو ثقة من رجال مسلم وقد ضعفه ابن معين في رواية عنه وأما شيخه يزيد بن كعب العوفي البصري فلم يرو عنه سوى نوح بن قيس وقد ذكره مع ذلك ابن حبان في الثقات وقد عرضت هذا الحديث على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدا وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس ابن تيمية كان يقول هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود فقال شيخنا المزي وأنا أقوله
قلت وقد رواه الحافظ ابن عدي في كامله من حديث محمد بن سليمان الملقب ببومة عن يحيى ابن عمرو عن مالك النكري عن أبيه عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له السجل وهو قوله تعالى يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب قال كما
يطوي السجل للكتاب كذلك تطوى السماء وهكذا رواه البيهقي عن أبي نصر بن قتادة عن أبي علي الرفا عن علي بن عبد العزيز عن مسلم بن ابراهيم عن يحيى بن عمرو بن مالك به ويحيى هذا ضعيف جدا فلا يصلح للمتابعة والله أعلم وأغرب من ذلك أيضا ما رواه الحافظ أبو بكر الخطيب وابن منده من حديث احمد بن سعيد البغدادي المعروف بحمدان عن بهز عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم كاتب يقال له سجل فأنزل الله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب قال ابن منده غريب تفرد به حمدان وقال البرقاني قال أبو الفتح الأزدي تفرد به ابن نمير إن صح
قلت وهذا أيضا منكر عن ابن عمر كما هو منكر عن ابن عباس وقد ورد عن ابن عباس وابن عمر خلاف ذلك فقد روى الوالبي والعوفي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية قال كطي الصحيفة على الكتاب وكذلك قال مجاهد وقال ابن جرير هذا هو المعروف في اللغة أن السجل هو الصحيفة قال ولا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل وأنكر أن يكون السجل اسم ملك من الملائكة كما رواه عن أبي كريب عن ابن يمان ثنا أبو الوفا الاشجعي عن أبيه عن ابن عمر في قوله يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب قال السجل ملك فاذا صعد بالاستغفار قال الله اكتبها نورا وحدثنا بندار عن مؤمل عن سفيان سمعت السدي يقول فذكر مثله وهكذا قال أبو جعفر الباقر فيما رواه أبو كريب عن المبارك عن معروف بن خربود عمن سمع أبا جعفر يقول السجل الملك وهذا الذي أنكره ابن جرير من كون السجل اسم صحابي أو ملك قوي جدا والحديث في ذلك منكر جدا ومن ذكره في أسماء الصحابة كابن منده وأبي نعيم الأصبهاني وابن الأثير في الغابة إنما ذكره إحسانا للظن بهذا الحديث أو تعليقا على صحته والله أعلم
ومنهم سعد بن أبي السرح فيما قاله خليفة بن خياط وقد وهم إنما هو ابنه عبد الله بن سعد بن أبي سرح كما سيأتي قريبا إن شاء الله



ومنهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال قال الزهري أخبرني عبد الملك بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سراقة بن مالك أن أباه أخبره أنه سمع سراقة يقول فذكر خبر هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقال فيه فقلت له إن قومك جعلو فيك الدية وأخبرتهم من أخبار سفرهم وما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزؤني منه شيئا ولم يسألوني إلا أن أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من آدم ثم مضى
قلت وقد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة وقد روى أن أبا بكر هو الذي كتب لسراقة هذا
الكتاب فالله أعلم وقد كان عامر بن فهيرة ويكنى أبا عمرو من مولدي الأزد أسود اللون وكان أولا مولى للطفيل بن الحارث أخي عائشة لأمها أم رومان فأسلم قديما قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن ابي الأرقم التي عند الصفا مستخفيا فكان عامر يعذب مع جملة المستضعفين بمكة ليرجع عن دينه فيأبى فاشتراه أبو بكر الصديق فأعتقه فكان يرعى له غنما بظاهر مكة ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر كان معهما رديفا لأبي بكر ومعهم الدليل الدئلي فقط كما تقدم مبسوطا ولما وردوا المدينة نزل عامر بن فهيرة على سعد بن خيثمة آخى رسول الله بينه وبين أوس بن معاذ وشهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة كما تقدم وذلك سنة أربع من الهجرة وكان عمره إذ ذاك أربعين سنة فالله أعلم وقد ذكر عروة وابن اسحاق والواقدي وغير واحد أن عامر قتله يوم بئر معونة رجل يقال له جبار بن سلمى من بني كلاب فلما طعنه بالرمح قال فزت ورب الكعبة ورفع عامر حتى غاب عن الأبصار حتى قال عامر بن الطفيل لقد رفع حتى رأيت السماء دونه وسئل عمرو بن أمية عنه فقال كان من أفضلنا ومن أول أهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم قال جبار فسألت الضحاك بن سفيان عما قال ما يعني به فقال يعني الجنة ودعاني الضحاك الى الاسلام فأسلمت لما رأيت من قتل عامر بن فهيرة فكتب الضحاك الى رسول الله يخبره باسلامي وما كان من أمر عامر فقال وارته الملائكة وأنزل عليين وفي الصحيحين عن أنس أنه قال قرأنا فيهم قرآنا أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وقد تقدم ذلك وبيانه في موضعه عند غزوة بئر معونة وقال محمد بن اسحاق حدثني هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه قالوا عامر بن فهيرة وقال الواقدي حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة قال رفع عامر بن فهيرة الى السماء فلم توجد جثته يرون أن الملائكة وارته
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي أسلم عام الفتح وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم قال الامام مالك وكان ينفذ ما يفعله ويشكره ويستجيده وقال سلمة عن محمد بن اسحاق ابن يسار عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أن رسول الله استكتب عبد الله بن الأرقم بن عبد يغوث وكان يجيب عنه الملوك وبلغ من أمانته أنه كان يأمره أن يكتب الى بعض الملوك فيكتب ويختم على ما يقرأه لأمانته عنده وكتب لأبي بكر وجعل اليه بيت المال وأقره عليهما عمر بن الخطاب فلما كان عثمان عزله عنهما
قلت وذلك بعد ما استعفاه عبد الله بن أرقم ويقال إن عثمان عرض عليه ثلاثمائة ألف درهم عن أجرة عمالته فأبى أن يقبلها وقال إنما عملت لله فأجري على الله عز وجل
قال ابن اسحاق وكتب لرسول الله زيد بن ثابت فاذا لم يحضر ابن الأرقم وزيد بن ثابت كتب من حضر من الناس وقد كتب عمر وعلي وزيد والمغيرة بن شعبة ومعاوية وخالد بن سعيد ابن العاص وغيرهم ممن سمي من العرب وقال الأعمش قلت لشقيق بن سلمة من كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن الأرقم وقد جاءنا كتاب عمر بالقادسية وفي أسفله وكتب عبد الله بن الأرقم وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ثنا محمد بن صالح بن هانئ حدثنا الفضل بن محمد البيهقي ثنا عبد الله بن صالح ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمر قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم كتاب رجل فقال لعبد الله بن الأرقم أجب عني فكتب جوابه ثم قرأه عليه فقال أصبت وأحسنت اللهم وفقه قال فلما ولي عمر كان يشاوره وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه قال ما رأيت أخشى لله منه يعني في العمال أضر رضي الله عنه قبل وفاته
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي صاحب الأذان أسلم قديما فشهد عقبة السبعين وحضر بدرا وما بعدها ومن أكبر مناقبه رؤيته الأذان والاقامة في النوم وعرضه ذلك على رسول الله وتقريره عليه وقوله له إنها لرؤيا حق فألقه على بلال فانه أندى صوتا منك وقد قدمنا الحديث بذلك في موضعه وقد روى الواقدي بأسانيده عن ابن عباس أنه كتب كتابا لمن أسلم من جرش فيه الأمر لهم باقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وإعطاء خمس المغنم وقد توفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين عن أربع وستين سنة وصلى عليه عثمان ابن عفان رضي الله عنه
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي العامري أخو عثمان لأمه من الرضاعة أرضعته أم عثمان وكتب الوحي ثم ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين بمكة فلما فتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قد أهدر دمه فيمن أهدر من الدماء فجاء الى عثمان بن عفان فاستأمن له فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمنا في غزوة الفتح ثم حسن إسلام عبد الله بن سعد جدا قال أبو داود حدثنا احمد بن محمد المروزي ثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال كان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فأزله الشيطان فلحق بالكفار فأمر به رسول الله أن يقتل فاستجار له عثمان بن عفان فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه النسائي من حديث علي بن الحسين بن واقد به
قلت وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين افتتح عمرو مصر سنة عشرين في الدولة العمرية فاستناب عمر بن الخطاب عمرا عليها فلما صارت الخلافة إلى عثمان عزل عنها عمرو بن العاص وولى
عليها عبد الله بن سعد سنة خمس وعشرين وأمره بغزو بلاد أفريقية فغزاها ففتحها وحصل للجيش منها مال عظيم كان قسم الغنيمة لكل فارس من الجيش ثلاثة آلاف مثقال من ذهب وللراجل ألف مثقال وكان معه في جيشه هذا ثلاثة من العبادلة عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمرو ثم غزا عبد الله بن سعد بعد افريقية الأساود من أرض النوبة فهادنهم فهي الى اليوم وذلك سنة إحدى وثلاثين ثم غزا غزوة الصواري في البحر الى الروم وهي غزوة عظيمة كما سيأتي بيانها في موضعها إن شاء الله فلما اختلف الناس على عثمان خرج من مصر واستناب عليها ليذهب الى عثمان لينصره فلما قتل عثمان أقام بعسقلان وقيل بالرملة ودعا الله أن يقبضه في الصلاة فصلى يوما الفجر وقرأ في الأولى منها بفاتحة الكتاب والعاديات وفي الثانية بفاتحة الكتاب وسورة ولما فرغ من التشهد سلم التسليمة الأولى ثم أراد أن يسلم الثانية فمات بينهما رضي الله عنه وذلك في سنة ست وثلاثين وقيل سنة سبع وقيل إنه تأخر الى سنة تسع وخمسين والصحيح الأول
قلت ولم يقع له رواية في الكتب الستة ولا في المسند للامام احمد
ومنهم رضي الله عنهم عبد الله بن عثمان أبو بكر الصديق وقد تقدم الوعد بأن ترجمته ستأتي في أيام خلافته إن شاء الله عز وجل وبه الثقة وقد جمعت مجلدا في سيرته وما رواه من الأحاديث وما روي عنه من الآثار والدليل على كتابته ما ذكره موسى بن عقبة عن الزهري عن عبد الرحمن ابن مالك بن جعشم عن أبيه عن سراقة بن مالك في حديثه حين اتبع رسول الله حين خرج هو وأبو بكر من الغار فمروا على أرضهم فلما غشيهم وكان من أمر فرسه ما كان سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب له كتاب أمان فأمر أبا بكر فكتب له كتابا ثم ألقاه اليه وقد روى الامام احمد من طريق الزهري بهذا السند أن عامر بن فهيرة كتبه فيحتمل أن أبا بكر كتب بعضه ثم أمر مولاه عامرا فكتب باقية والله أعلم
ومهم رضي الله عنهم عثمان بن عفان أمير المؤمنين وستأتي ترجمته في أيام خلافته وكتابته بين يديه عليه السلام مشهورة وقد روى الواقدي بأسانيده أن نهشل بن مالك الوائلي لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فكتب له كتابا فيه شرائع الاسلام
ومنهم رضي الله عنهم علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وستأتي ترجمته في خلافته وقد تقدم أنه كتب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية أن يأمن الناس وأنه لا إسلال ولا إغلال وعلى وضع الحرب عشر سنين وقد كتب غير ذلك من الكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم وأما ما يدعيه طائفة من يهود خيبر أن بأيديهم كتاب من النبي صلى الله عليه وسلم يوضع الجزية عنهم وفي آخره
وكتب علي بن أبي طالب وفيه شهادة جماعة من الصحابة منهم سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان فهو كذب وبهتان مختلق موضوع مصنوع وقد بين جماعة من العلماء بطلانه واغتر بعض الفقهاء المتقدمين فقالوا بوضع الجزية عنهم وهذا ضعيف جدا وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه بطلانه وأنه موضوع اختلقوه وصنعوه وهم أهل لذلك وبينته وجمعت مفرق كلام الأئمة فيه ولله الحمد والمنة
ومن الكتاب بين يديه صلى الله عليه وسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وستأتي ترجمته في موضعها وقد أفردت له مجلدا على حدة ومجلدا ضخما في الأحاديث التي رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآثار والأحكام المروية عنه رضي الله عنه وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة عبد الله بن الأرقم
ومنهم رضي الله عنهم العلاء بن الحضرمي واسم الحضرمي عباد ويقال عبد الله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن عريقة بن مالك بن الخزرج بن أياد بن الصدق بن زيد بن مقنع بن حضرموت ابن قحطان وقيل غير ذلك في نسبه وهو من حلفاء بني أمية وقد تقدم بيان كتابته في ترجمة أبان ابن سعيد بن العاص وكان له من الاخوة عشرة غيره فمنهم عمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش وهي أول سرية كما تقدم ومنهم عامر بن الحضرمي الذي أمره أبو جهل لعنه الله فكشف عن عورته وناداه واعمراه حين اصطف المسلمون والمشركون يوم بدر فهاجت الحرب وقامت على ساق وكان ما كان مما قدمناه مبسوطا في موضعه ومنهم شريح بن الحضرمي وكان من خيار الصحابة قال فيه رسول الله ذاك رجل لا يتوسد القرآن يعني لا ينام ويتركه بل يقوم به آناء الليل والنهار ولهم كلهم أخت واحدة وهي الصعبة بنت الحضرمي أم طلحة بن عبيد الله وقد بعث النبي صلى الله عيه وسلم العلاء بن الحضرمي الى المنذر بن ساوى ملك البحرين ثم ولاه عليها أميرا حين افتتحها وأقره عليها الصديق ثم عمر بن الخطاب ولم يزل بها حتى عزله عنها عمر بن الخطاب وولاه البصرة فلما كان في اثناء الطريق توفي وذلك في سنة احدى وعشرين وقد روى البيهقي عنه وغيره كرامات كثيرة منها أنه سار بجيشه على وجه البحر ما يصل الى ركب خيولهم وقيل إنه ما بل اسافل نعال خيولهم وأمرهم كلهم فجعلوا يقولون يا حليم يا عظيم وأنه كان في جيشه فاحتاجوا الى ماء فدعا الله فامطرهم قدر كفايتهم وأنه لما دفن لم ير له أثر بالكلية وكان قد سأل الله ذلك وسيأتي هذا في كتاب دلائل النبوة قريبا إن شاء الله عز وجل وله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث الأول قال الامام احمد حدثنا سفيان بن عيينة حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن السائب بن يزيد عن العلاء بن الحضرمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يمكث
المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا وقد أخرجه الجماعة من حديثه والثاني قال احمد حدثنا هشيم ثنا منصور عن ابن سيرين عن ابن العلاء بن الحضرمي أن أباه كتب الى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه وكذا رواه أبو داود عن احمد بن حنبل والحديث الثالث رواه أحمد وابن ماجه من طريق محمد بن زيد عن حبان الاعرج عنه أنه كتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين في الحائط يعني البستان يكون بين الاخوة فيسلم أحدهم فأمره أن يأخذ العشر ممن أسلم والخراج يعني ممن لم يسلم
ومنهم العلاء بن عقبة قال الحافظ ابن عساكر كان كاتبا للنبي صلى الله عليه وسلم ولم أجد أحدا ذكره الا فيما أخبرنا ثم ذكر إسناده الى عتيق بن يعقوب حدثني عبد الملك بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن عمرو بن حزم أن هذه قطائع أقطعها رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء القوم فذكرها وذكر فيها بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى النبي محمد عباس ببن مرداس السلمي أعطاه مدمورا فمن خافه فيها فلا حق له وحقه حق وكتب العلاء بن عقبة وشهد ثم قال بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله عوسجة بن حرملة الجهني من ذي المروة وما بين بلكثه الى الظبية الى الجعلات الى جبل القبيلة فمن خافه فلا حق له وحقه حق وكتبه العلاء بن عقبة وروى الواقدي بأسانيده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع لبني سيح من جهينة وكتب كتابهم بذلك العلاء بن عقبة وشهد وقد ذكر ابن الاثير في الغابة هذا الرجل مختصرا فقال العلاء بن عقبة كتب للنبي صلى الله عليه وسلم ذكره في حديث عمرو بن حزم ذكره جعفر أخرجه أبو موسى يعني المديني في كتابه
ومنهم رضي الله عنهم محمد بن مسلمة بن جريس بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الحارثي أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن ويقال أبو سعيد المدني حليف بني عبد الاشهل أسلم على يدي مصعب بن عمير وقيل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وآخي رسول الله حين قدم المدينة بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح وشهد بدرا والمشاهد
بعدها واستخلفه رسول الله على المدينة عام تبوك قال ابن عبد البر في الاستيعاب كان شديد السمرة طويلا أصلع ذا جشة وكان من فضلاء الصحابة وكان ممن اعتزل الفتنة واتخذ سيفا من خشب ومات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين على المشهور عند الجمهور وصلى عليه مروان بن الحكم وقد روى حديثا كثيرا عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر محمد بن سعد عن علي بن محمد المدايني بأسانيده أن محمد بن مسلمة هو الذي كتب لوفد مرة كتابا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومنهم رضي الله عنهم معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي وستأتي ترجمته في أيام إمارته إن شاء الله وقد ذكره مسلم بن الحجاج في كتابه عليه السلام وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن قال نعم قال تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت اقاتل المسلمين قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم الحديث وقد افردت لهذا الحديث جزءا على حدة بسبب ما وقع فيه من ذكر طلبه تزويج أم حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن فيه من المحفوظ تأمير أبي سفيان وتوليته معاوية منصب الكتابة بين يديه صلوات الله وسلامه عليه وهذا قدر متفق عليه بين الناس قاطبة فأما الحديث قال الحافظ ابن عساكر في تاريخه في ترجمة معاوية هاهنا أخبرنا أبو غالب بن البنا أنبأنا أبو محمد الجوهري أنبأنا أبو علي محمد بن احمد بن يحيى بن عبد الله العطشى حدثنا احمد بن محمد البوراني ثنا السري بن عاصم ثنا الحسن بن زياد عن القاسم ابن بهرام عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتاب معاوية فقال استكتبه فانه أمين فانه حديث غريب بل منكر والسري بن عاصم هذا هو أبو عاصم الهمذاني وكان يؤدب المعتز بالله كذبه في الحديث ابن خراش وقال ابن حبان وابن عدي كان يسرق الحديث زاد ابن حبان ويرفع الموقوفات لا يحل الاحتجاج به وقال الدارقطني كان ضعيف الحديث وشيخه الحسن بن زياد إن كان اللؤلؤي فقد تركه غير واحد من الأئمة وصرح كثير منهم بكذبه وإن كان غيره فهو مجهول العين والحال وأما القاسم بن بهرام فاثنان أحدهما يقال له القاسم ابن بهرام الأسدي الواسطي الأعرج أصله من أصبهان روى له النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس حديث القنوت بطوله وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو داود وابن حبان والثاني القاسم بن بهرام أبو حمدان قاضي هيت قال ابن معين كان كذابا وبالجملة فهذا الحديث من هذا الوجه ليس بثابت ولا يغتر به والعجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صناعة
الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره بل ومن تقدمه بدهر كيف يورد في تاريخه هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها ولا يشير الى شيء من ذلك اشارة لا ظاهرة ولا خفية ومثل هذا الصنيع فيه نظر والله أعلم
ومنهم رضي الله عنهم المغيرة بن شعبة الثقفي وقد قدمت ترجمته فيمن كان يخدمه عليه السلام من بين أصحابه من غير مواليه وأنه كان سيافا على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن عساكر بسنده عن عتيق بن يعقوب باسناده المتقدم غير مرة أن المغيرة بن شعبة هو الذي كتب اقطاع حصين بن نضلة الاسدي الذي أقطعه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره فهؤلاء كتابه الذين كانوا يكتبون بأمره بين يديه صلوات الله وسلامه عليه
*2* فصل (أمناء الرسول صلى الله عليه وسلم )
@
وقد ذكر ابن عساكر من أمنائه أبا عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري احد العشرة رضي الله عنه وعبد الرحمن بن عوف الزهري أما أبو عبيدة فقد روى البخاري من حديث أبي قلابة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكل أمة أمين وأمين هذه الامة ابو عبيدة ابن الجراح وفي لفظ أن رسول الله قال لوفد عبد القيس نجران لأبعثن معكم أمينا حق أمين فبعث معهم أبا عبيدة قال ومنهم معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي مولى بني عبد شمس كان على خاتمه ويقال كان خادمه وقال غيره أسلم قديما وهاجر الى الحبشة في الناس ثم الى المدينة وشهد بدرا وما بعدها وكان على الخاتم واستعمله الشيخان على بيت المال قالوا وكان قد أصابه الجذام فأمر عمر بن الخطاب فدووي بالحنظل فتوقف المرض وكانت وفاته في خلافة عثمان وقيل سنة أربعين فالله أعلم
قال الامام احمد ثنا يحيى بن ابي بكير ثنا شيبان عن يحيى بن أبي بكير عن أبي سلمة حدثني معيقيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال إن كنت لا بد فاعلا فواحدة وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان النحوي زاد مسلم وهشام الدستوائي زاده الترمذي والنسائي وابن ماجه والاوزاعي ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به وقال الترمذي حسن صحيح وقال الامام احمد ثنا خلف بن الوليد ثنا أيوب بن عتبة عن يحيى بن ابي كثير عن أبي سلمة عن معيقيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل للأعقاب من النار وتفرد به الامام احمد وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عتاب سهل بن حماد الدلال عن أبي مكين نوح بن ربيعة
عن اياس بن الحارث بن المعيقيب عن جده وكان على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة قال فربما كان في يدي
قلت أما خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فالصحيح أنه كان من فضة فصه منه كما سيأتي في الصحيحين وكان قد اتخذ قبله خاتم ذهب فلبسه حينا ثم رمى به وقال والله لا ألبسه ثم اتخذ هذا الخاتم من فضة فصه منه ونقشه محمد رسول الله محمد سطر ورسول سطر والله سطر فكان في يده عليه السلام ثم كان في يد أبي بكر من بعده ثم في يد عمر ثم كان في يد عثمان فلبث في يده ست سنين ثم سقط منه في بئر اريس فاجتهد في تحصيله فلم يقدر عليه وقد صنف أبو داود رحمة الله عليه كتابا مستقلا في سننه في الخاتم وحده وسنورد منه إن شاء الله قريبا ما نحتاج اليه وبالله المستعان واما لبس معيقيب لهذا الخاتم فيدل على ضعف ما نقل أنه أصابه الجذام كما ذكره ابن عبد البر وغيره لكنه مشهور فلعله أصابه ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم أو كان به وكان مما لا يعدى منه أو كان ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لقوة توكله كما قال لذلك المجذوم ووضع يده في القصعة كل ثقة بالله وتوكلا عليه رواه أبو داود وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فر من المجذوم فرارك من الاسد والله أعلم
وأما أمراؤه عليه السلام فقد ذكرناهم عند بعث السرايا منصوصا على اسمائهم ولله الحمد والمنة
وأما جملة الصحابة فقد اختلف الناس في عدتهم فنقل عن أبي زرعة أنه قال يبلغون مائة ألف وعشرين ألف وعن الشافعي رحمه الله أنه قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء عن ستين ألف وقال الحاكم أبو عبد الله يروى الحديث عن قريب من خمسة آلاف صحابي
قلت والذي روى عنهم الامام احمد مع كثرة روايته واطلاعه واتساع رحلته وإمامته فمن الصحابة تسعمائة وسبعة وثمانون نفسا ووضع في الكتب الستة من الزيادات على ذلك قريب من ثلاثمائة صحابي أيضا وقد اعتنى جماعة من الحفاظ رحمهم الله بضبط اسمائهم وذكر أيامهم ووفياتهم من أجلهم الشيخ ابو عمر بن عبد البر النمري في كتابه الاستيعاب وأبو عبد الله محمد ابن اسحاق بن منده وأبو موسى المديني ثم نظم جميع ذلك الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري المعروف بابن الصحابية صنف كتابه الغابة في ذلك فاجاد وأفاد وجمع وحصل ونال ما رام وأمل فرحمه الله وأثابه وجمعه والصحابة آمين يا رب العالمين تم الجزء الخامس من كتاب البداية النهاية ويليه الجزء السادس وأوله باب ما يذكر من آثار النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يختص بها في حياته من ثياب وسلاح الخ

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 01:59 AM
* باب آثار النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يختص بها في حياته
@ من ثياب وسلاح ومراكب
*2* ذكر الخاتم الذي كان يلبسه عليه السلام
@
وقد أفرد له أبو داود في كتابه السنن كتابا على حدة ولنذكر عيون ما ذكره في ذلك مع ما نضيفه إليه والمعول في أصل ما نذكره عليه
قال أبو داود حدثنا عبد الرحيم بن مطرف الرؤاسي حدثنا عيسى عن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك قال أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى بعض الأعاجم فقيل له إنهم لا يقرؤن كتابا إلا بخاتم فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه محمد رسول الله وهكذا رواه البخاري عن عبد الاعلى بن حماد عن يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به ثم قال أبو داود حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن سعيد عن قتادة عن أنس بمعنى حديث عيسى بن يونس زاد فكان في يده حتى قبض وفي يد أبي بكر حتى قبض وفي يد عمر حتى قبض وفي يد عثمان فبينما هو عند بئر إذ سقط في البئر فأمر بها فنزحت فلم يقدر عليه تفرد به أبو داود من هذا الوجه ثم قال أبو داود رحمه الله حدثنا قتيبة بن سعيد وأحمد بن صالح قالا أنا ابن وهب أخبرني يونس
عن ابن شهاب قال حدثني أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من ورق فصه حبشي وقد روى هذا الحديث البخاري من حديث الليث ومسلم من حديث ابن وهب وطلحة عن يحيى الانصاري وسليمان بن بلال زاد النسائي وابن ماجه وعثمان عن عمر خمستهم عن يونس بن يزيد الأيلي به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه ثم قال أبو داود حدثنا أحمد بن يونس ثنا زهير ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضة كله فصه منه وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث زهير بن معاوية الجعفي أبي خيثمة الكوفي به وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه وقال البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الوارث ثنا عبد العزيز ابن صهيب عن أنس بن مالك قال اصطنع رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما فقال إنا اتخذنا خاتما ونقشنا فيه نقشا فلا ينقش عليه أحد قال فاني ارى بريقه في خنصره ثم قال أبو داود حدثنا نصير بن الفرج ثنا أبو أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ذهب وجعل فصه مما يلي بطن كفه ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس خواتم الذهب فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال لا ألبسه أبدا ثم اتخذ خاتما من فضة نقش فيه محمد رسول الله ثم لبس الخاتم بعده أبو بكر ثم لبسه بعد أبي بكر عمر ثم لبسه بعده عثمان حتى وقع في بئر أريس وقد رواه البخاري عن يوسف بن موسى عن أبي أسامة حماد بن أسامة به ثم قال أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فنقش فيه محمد رسول الله وقال لا ينقش أحد على خاتمي هذا وساق الحديث وقد رواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديث سفيان بن عيينة به نحوه ثم قال أبو داود حدثنا محمد بن يحيى ابن فارس ثنا أبو عاصم عن المغيرة بن زياد عن نافع عن ابن عمر في هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فالتمسوه فلم يجدوه فاتخذ عثمان خاتما ونقش فيه محمد رسول الله قال فكان يختم به أو يتختم به ورواه النسائي عن محمد بن معمر عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل به ثم قال أبو داود
*2* باب في ترك الخاتم
@
حدثنا محمد بن سليمان لوين عن إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا فصنع الناس فلبسوا وطرح النبي صلى الله عليه وسلم فطرح الناس ثم قال رواه عن الزهري زياد بن سعد وشعيب وابن مسافر كلهم قال من ورق قلت وقد رواه البخاري حدثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال حدثني أنس بن مالك
أنه رأى في يد النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا ثم ن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم ثم علقه البخاري عن ابراهيم ابن سعد الزهري المدني وشعيب بن أبي حمزة وزياد بن سعد الخراساني واخرجه مسلم من حديثه وانفرد أبو داود بعبد الرحمن بن خالد بن مسافر كلهم عن الزهري كما قال أبو داود خاتما من ورق والصحيح أن الذي لبسه يوما واحدا ثم رمى به إنما هو خاتم الذهب لا خاتم الورق لما ثبت في الصحيحين عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال كان رسول الله يلبس خاتما من ذهب فنبذه وقال لا ألبسه أبدا فنبذ الناس خواتيمهم وقد كان خاتم الفضة يلبسه كثيرا ولم يزل في يده حتى توفي صلوات الله وسلامه عليه وكان فصه منه يعني ليس فيه فص ينفصل عنه ومن روى أنه كان فيه صورة شخص فقد ابعد وأخطأ بل كان فضه كله وفصه منه ونقشه محمد رسول الله ثلاثة اسطر محمد سطر رسول سطر الله سطر وكأنه والله أعلم كان منقوشا وكتابته مقلوبة ليطبع على الاستقامة كما جرت العادة بهذا وقد قيل إن كتابته كانت مستقيمة وتطبع كذلك وفي صحة هذا نظر ولست أعرف لذلك إسنادا لا صحيحا ولا ضعيفا وهذه الأحاديث التي أوردناها أنه عليه السلام كان له خاتم من فضة ترد الأحاديث التي قدمناها في سنني أبي داود والنسائي من طريق أبي عتاب سهل ابن حماد الدلال عن أبي مكين نوح بن ربيعة عن إياس بن الحارث بن معيقيب بن أبي فاطمة عن جده قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوي عليه فضة ومما يزيده ضعفا الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي طيبة عبد الله بن مسلم السلمي المروزي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من شبه فقال مالي أجد منك ريح الأصنام فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد فقال مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه ثم قال يا رسول الله من أي شيء أتخذه قال اتخذه من ورق ولا تتمه مثقالا وقد كان عليه السلام يلبسه في يده اليمنى كما رواه أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي من حديث شريك وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن القاضي عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حسن عن أبيه عن علي رضي الله عنه عن رسول الله قال شريك وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن رسول الله كان يتختم في يمينه وروى في اليسرى رواه أبو داود من حديث عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره وكان فصه في باطن كفه قال أبو داود رواه أبو إسحاق وأسامة بن زيد عن نافع في يمينه وحدثنا هناد عن عبدة عن عبيد الله عن نافع أن ابن عمر كان يلبس خاتمه في يده اليسرى ثم قال أبو داود حدثنا عبد الله بن سعيد ثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتما في خنصره
اليمنى فقلت ما هذا فقال رأيت ابن عباس يلبس خاتمه هكذا وجعل فصه على ظهرها قال ولا يخال ابن عباس إلا قد كان يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس خاتمه كذلك وهكذا رواه الترمذي من حديث محمد بن اسحاق به ثم قال محمد بن إسماعيل يعني البخاري حديث ابن إسحاق عن الصلت حديث حسن وقد روى الترمذي في الشمائل عن انس وعن جابر وعن عبد الله بن جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتختم في اليمين وقال البخاري حدثنا محمد بن عبد الله الانصاري ثنا أبي عن ثمامة عن أنس بن مالك أن ابا بكر لما استخلف كتب له وكان نقش الخاتم ثلاثة أسطر محمد سطر ورسول سطر والله سطر قال أبو عبد الله وزاد أبو أحمد ثنا الانصاري حدثني أبي ثنا ثمامة عن أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في يده وفي يد أبي بكر وفي يد عمر بعد أبي بكر قال فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخذ الخاتم فجعل يعبث به فسقط قال فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان فنزح البئر فلم يجده فأما الحديث الذي رواه الترمذي في الشمائل حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن أبي يسر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه فانه حديث غريب جدا وفي السنن من حديث ابن جريج عن الزهري عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه
*2* ذكر سيفه عليه السلام
@
قال الامام احمد ثنا شريح ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن الاعمى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر وهو الذي رأى الرؤيا يوم أحد قال رأيت في سيفي ذا الفقار فلا فأولته فلا يكون فيكم ورأيت أني مردف كبشا فأولته كبش الكتيبة ورأيت اني في درع حصينة فاولتها المدينة ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير فكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه به وقد ذكر أهل السنن أنه سمع قائل يقول لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي وروى الترمذي من حديث هود بن عبد الله بن سعيد عن جده مزيدة بن جابر العبدي العصري رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعلى سيفه ذهب وفضة الحديث ثم قال هذا حديث غريب وقال الترمذي في الشمائل حدثنا محمد بن بشار ثنا معاذ بن هشام ثنا أبي عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن قال كانت قبيعة سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة وروى أيضا من حديث عثمان بن سعد عن ابن سيرين قال صنعت سيفي على سيف سمرة وزعم سمرة انه صنع سيفه على سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حنفيا وقد صار إلى آل علي سيف من سيوف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما بكربلاء عند الطف كان
معه فأخذه علي بن الحسين بن زين العابدين فقدم معه دمشق حين دخل على يزيد بن معاوية ثم رجع معه إلى المدينة فثبت في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أنه تلقاه إلى الطريق فقال له هل لك إلي من حاجة تأمرني بها قال فقال لا فقال هل أنت معطي سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني أخشى أن يغلبك عليه القوم وأيم الله ان أعطيتنيه لا يخلص اليه أحد حتى يبلغ نفسي
وقد ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك من السلاح من ذلك الدروع كما روى غير واحد منهم السائب ابن يزيد وعبد الله بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر يوم أحد بين درعين وفي الصحيحين من حديث مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه قيل له هذا ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه وعند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء وقال وكيع عن مساور الوراق عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وعليه عمامة دسماء ذكرهما الترمذي في الشمائل وله من حديث الدراوردي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتم سدلها بين كتفيه وقد قال الحافظ ابو بكر البزار في مسنده حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن محمد ثنا مخول بن إبراهيم ثنا إسرائيل عن عاصم عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أنه كانت عنده عصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فدفنت معه بين جنبه وبين قميصه ثم قال البزار لا نعلم رواه إلا مخول بن راشد وهو صدوق فيه شيعية واحتمل على ذلك وقال الحافظ البيهقي بعد روايته هذا الحديث من طريق مخول هذا قال وهو من الشيعة يأتي بإفراد عن إسرائيل لا يأتي بها غيره والضعف على رواياته بين ظاهر
*2* ذكر نعله التي كان يمشي فيها
@
ثبت في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية وهي التي لا شعر عليها وقد قال البخاري في صحيحه حدثنا محمد هو ابن مقاتل حدثنا عبد الله يعني ابن المبارك أنا عيسى بن طهمان قال خرج إلينا أنس بن مالك بنعلين لهما قبالان فقال ثابت البناني هذه نعل النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه في كتاب الخمس عن عبد الله بن محمد عن أبي أحمد الزبيري عن عيسى بن طهمان عن أنس قال أخرج إلينا انس نعلين جرداوين لهما قبالان فحدثني ثابت البناني بعد عن أنس أنهما نعلا النبي صلى الله عليه وسلم وقد رواه الترمذي في الشمائل عن أحمد بن منيع عن أبي أحمد الزبيري به وقال الترمذي في الشمائل حدثنا أبو كريب ثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن عبد الله ابن الحارث عن ابن عباس قال كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان مثني شراكهما وقال أيضا ثنا إسحاق بن منصور أنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي
هريرة قال كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان وقال الترمذي ثنا محمد بن مرزوق أبو عبد الله ثنا عبد الرحمن بن قيس أبو معاوية ثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال كان لنعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبالان وأبي بكر وعمر وأول من عقد عقدا واحدا عثمان قال الجوهري قبال النعل بالكسر الزمام الذي يكون بين الاصبع الوسطى والتي تليها قلت واشتهر في حدود سنة ستمائة وما بعدها عند رجل من التجار يقال له ابن أبي الحدرد نعل مفردة ذكر أنها نعل النبي صلى الله عليه وسلم فسامها الملك الاشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب منه بمال جزيل فأبى أن يبيعها فاتفق موته بعد حين فصارت الى الملك الأشرف المذكور فأخذها إليه وعظمها ثم لما بنى دار الحديث الاشرفية الى جانب القلعة جعلها في خزانة منها وجعل لها خادما وقرر له من المعلوم كل شهر أربعون درهما وهي موجودة إلى الآن في الدار المذكورة وقال الترمذي في الشمائل ثنا محمد بن رافع وغير واحد قالوا ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا شيبان عن عبد الله بن المختار عن موسى بن أنس عن أبيه قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلة يتطيب منها
*2* صفة قدح النبي صلى الله عليه وسلم
@
قال الامام احمد حدثنا يحيى بن آدم ثنا شريك عن عاصم قال رأيت عند أنس قدح النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضبة من فضة وقال الحافظ البيهقي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله أخبرني أحمد ابن محمد النسوي ثنا حماد بن شاكر ثنا محمد بن إسماعيل هو البخاري ثنا الحسن بن مدرك حدثني يحيى بن حماد أنا أبو عوانة عن عاصم الأحول قال رأيت قدح النبي صلى الله عليه وسلم عند أنس بن مالك وكان قد انصدع فسلسله بفضة قال وهو قدح جيد عريض من نضار قال أنس لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا قال وقال ابن سيرين إنه كان فيه حلقة من حديد فاراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة فقال له أبو طلحة لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتركه وقال الامام احمد حدثنا روح بن عبادة ثنا حجاج بن حسان قال كنا عند أنس فدعا بإناء فيه ثلاث ضبات حديد وحلقة من حديد فأخرج من غلاف أسود وهو دون الربع وفوق نصف الربع وامر أنس بن مالك فجعل لنا فيه ماء فأتينا به فشربنا وصببنا على رؤسنا ووجوهنا وصلينا على النبي صلى الله عليه وسلم انفرد به أحمد
*2* المكحلة التي كان عليه السلام يكتحل منها
@
قال الامام أحمد ثنا يزيد أنا عبد الله بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثا في كل عين وقد رواه الترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن هارون قال علي بن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول قلت لعباد بن منصور
سمعت هذا الحديث من عكرمة فقال اخبرنيه ابن أبي يحيى عن داود بن الحصين عنه قلت وقد بلغني أن بالديار المصرية مزارا فيه أشياء كثيرة من آثار النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بجمعها بعض الوزراء المتأخرين فمن ذلك مكحلة وقيل ومشط وغير ذلك فالله أعلم
*2* البردة
@
قال الحافظ البيهقي وأما البرد الذي عند الخلفاء فقد روينا عن محمد بن اسحاق بن يسار في قصة تبوك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أهل إيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أمانا لهم فاشتراه أبو العباس عبد الله بن محمد بثلاثمائة دينار يعني بذلك أول خلفاء بني العباس وهو السفاح رحمه الله وقد توارث بنو العباس هذه البردة خلفا عن سلف كان الخليفة يلبسها يوم العيد على كتفيه ويأخذ القضيب المنسوب إليه صلوات الله وسلامه عليه في إحدى يديه فيخرج وعليه من السكينة والوقار ما يصدع به القلوب ويبهر به الابصار ويلبسون السواد في أيام الجمع والأعياد وذلك اقتداء منهم بسيد أهل البدو والحضر ممن يسكن الوبر والمدر لما أخرجه البخاري ومسلم إماما أهل الأثر من حديث عن مالك الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر وفي رواية وعليه عمامة سوداء وفي رواية قد أرخى طرفها بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه وقد قال البخاري ثنا مسدد ثنا اسماعيل ثنا أيوب عن محمد عن أبي بردة قال أخرجت إلينا عائشة كساء وإزارا غليظا فقالت قبض روح النبي صلى الله عليه وسلم في هذين وللبخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا قلت وهذه الأبواب الثلاثة لا يدري ما كان من أمرها بعد هذا وقد تقدم أنه عليه السلام طرحت في تحته قبره الكريم قطيفة حمراء كان يصلي عليها ولو تقصينا ما كان يلبسه في أيام حياته لطال الفصل وموضعه كتاب اللباس من كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان
*2* افراسه ومراكيبه عليه الصلاة والسلام
@
قال ابن اسحاق عن يزيد بن حبيب عن مرثد بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رزين عن علي قال كان للنبي صلى الله عليه وسلم فرس يقال له المرتجز وحمار يقال له عفير وبغلة يقال لها دلدل وسيفه ذو الفقار ودرعه ذو الفضول ورواه لبيهقي من حديث الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي نحوه قال البيهقي وروينا في كتاب السنن أسماء أفراسه التي كانت عند الساعد بين لزاز واللحيف وقيل اللخيف والظرب والذي ركبه لأبي طلحة يقال له المندوب وناقته القصواء والعضباء والجدعاء
وبغلته الشهباء والبيضاء قال البيهقي وليس في شيء من الروايات أنه مات عنهن إلا ما روينا في بغلته البيضاء وسلاحه وأرض جعلها صدقة ومن ثيابه وبلغته وخاتمه ما روينا في هذا الباب وقال أبو داود الطيالسي ثنا زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وله جبة صوف في الحياكة وهذا إسناد جيد وقد روى الحافظ أبو يعلى في مسنده حدثنا مجاهد عن موسى ثنا علي بن ثابت ثنا غالب الجزري عن انس قال لقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لينسج له كساء من صوف وهذا شاهد لما تقدم وقال أبو سعيد بن الأعرابي حدثنا سعدان بن نصير ثنا سفيان بن عيينة عن الوليد بن كثير عن حسين عن فاطمة بنت الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وله بردان في الجف يعملان وهذا مرسل وقال أبو القاسم الطبراني ثنا الحسن بن إسحاق التستري ثنا أبو امية عمرو بن هشام الحراني ثنا عثمان بن عبد الرحمن بن علي ابن عروة عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء وعمرو بن دينار عن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيف قائمته من فضة وقبيعته وكان يسميه ذا الفقار وكان له قوس تسمى السداد وكانت له كنانة تسمى الجمع وكانت له درع موشحة بالنحاس تسمى ذات الفضول وكانت له حربة تسمى السغاء وكان له مجن يسمى الذقن وكان له ترس أبيض يسمى الموجز وكان له فرس أدهم يسمى السكب وكان له سهرج يسمى الداج وكان له بغلة شهباء يقال لها دلدل وكانت له ناقة تسمى القصواء وكان له حمار يقال له يعفور وكان له بساط يسمى الكرمه وكان له نمرة تسمى النمر وكانت له ركوة تسمى الصادر وكانت له مرآة تسمى المرآة وكان له مقراض يسمى الجاح وكان له قضيب شوحط يسمى الممشوق قلت قد تقدم عن غير واحد من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة سوى بغلة وأرض جعلها صدقة وهذا يقتضي أنه عليه السلام نجز العتق في جميع ما ذكرناه من العبيد والاماء والصدقة في جميع ما ذكر من السلاح والحيوانات والاثاث والمتاع مما أوردناه ومالم نورده وأما بغلته فهي الشهباء وهي البيضاء ايضا والله أعلم وهي التي أهداها له المقوقس صاحب الاسكندرية واسمه جريج بن ميناء فيما أهدي من التحف وهي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم راكبها يوم حنين وهو في نحور العدو ينوه باسمه الكريم شجاعة وتوكلا على الله عز وجل فقد قيل إنها عمرت بعده حتى كانت عند علي بن ابي طالب في أيام خلافته وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي عند عبد الله بن جعفر فكان يجش لها الشعير حتى تأكله من ضعفها بعد ذلك وأما حماره يعفور ويصغر فيقال له عفير فقد كان عليه السلام يركبه في بعض الأحايين وقد روى أحمد من حديث محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي
حبيب عن يزيد بن عبد الله العوفي عن عبد الله بن رزين عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب حمارا يقال له عفير ورواه أبو يعلى من حديث عون بن عبد الله عن ابن مسعود وقد ورد في أحاديث عدة أنه عليه السلام ركب الحمار وفي الصحيحين أنه عليه السلام مر وهو راكب حمارا بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وأخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فنزل ودعاهم الى الله عز وجل وذلك قبل وقعة بدر وكان قد عزم على عيادة سعد بن عبادة فقال له عبد الله لا أحسن مما تقول ايها المرء فان كان حقا فلا تغشنا به في مجالسنا وذلك قبل أن يظهر الاسلام ويقال إنه خمر أنفه لما غشيتهم عجاجة الدابة وقال لا تؤذنا بنتن حمارك فقال له عبد الله ابن رواحة والله لريح حمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب من ريحك وقال عبد الله بل يا رسول الله اغشنا به في مجالسنا فانا نحب ذلك فتثاور الحيان وهموا أن يقتتلوا فسكنهم رسول الله ثم ذهب الى سعد بن عبادة فشكى اليه عبد الله بن أبي فقال ارفق به يا رسول الله فوالذي أكرمك بالحق لقد بعثك الله بالحق وانا لننظم له الخدر لنملكه علينا فلما جاء الله بالحق شرق بريقه وقد قدمنا أنه ركب الحمار في بعض أيام خيبر وجاء أنه أردف معاذا على حمار ولو أوردناها بألفاظها وأسانيدها لطال الفصل والله أعلم فأما ما ذكره القاضي عياض بن موسى السبتي في كتابه الشفا وذكره قبل إمام الحرمين في كتابه الكبير في أصول الدين وغيرهما انه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار يسمى زياد بن شهاب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعثه ليطلب له بعض أصحابه فيجيء إلى باب أحدهم فيقعقعه فيعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبه وأنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سلالة سبعين حمارا كل منها ركبه نبي وأنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب فتردى في بئر فمات فهو حديث لا يعرف له إسناد بالكلية وقد أنكره غير واحد من الحفاظ منهم عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبوه رحمهما الله وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي رحمه الله ينكره غير مرة إنكارا شديدا وقال الحافظ ابو نعيم في كتاب دلائل النبوة ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى العنبري ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا ابراهيم ابن سويد الجذوعي حدثني عبد الله بن أذين الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر حمار اسود فوقف بين يديه فقال من أنت قال أنا عمرو بن فلان كنا سبعة إخوة كلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم وكنت لك فملكني رجل من اليهود فكنت إذا ذكرتك كبوت به فيوجعني ضربا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنت يعفور هذا حديث غريب جدا
*2* فصل ( إيراد ما بقي من متعلقات السيرة الشريفة ) .
@ وهذا أوان إيراد ما بقي علينا من متعلقات السيرة الشريفة وذلك أربعة كتب الأول في الشمائل الثاني في الدلائل الثالث في الفضائل الرابع في الخصائص وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم
*2* كتاب الشمائل ( شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان خلقه الطاهر )
@ قد صنف الناس في هذا قديما وحديثا كتبا كثيرة مفردة وغير مفردة ومن أحسن من جمع في ذلك فأجاد وافاد الامام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة(الترمذي رحمه الله أفرد في هذا المعنى كتابه المشهور بالشمائل ولنا به سماع متصل اليه ونحن نورد عيون ما أورده فيه ونزيد عليه اشياء مهمة لا يستغنى عنها المحدث والفقيه ولنذكر أولا بيان حسنه الباهر الجميل ثم نشرع بعد ذلك في إيراد الجمل والتفاصيل فنقول والله حسبنا ونعم الوكيل
*2* باب ما ورد في حسنه الباهر
@
قال البخاري ثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله ثنا إسحاق بن منصور ثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي اسحاق قال سمعت البراء بن عازب يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب عن إسحاق بن منصور وقال البخاري حدثنا جعفر بن عمر ثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب قال كان النبي صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيد ما بين المنكبين له شعر يبلغ شحمة أذنه رأيته في حلة حمراء لم ار شيئا قط أحسن منه قال يوسف بن أبي اسحاق عن أبيه الى منكبيه وقال الامام أحمد حدثنا وكيع ثنا اسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه بعيد ما بين المنكبين ليس بالطويل ولا بالقصير وقد رواه مسلم وأبو دواد والترمذي والنسائي من حديث وكيع به وقال الامام أحمد ثنا أسود بن عامر ثنا إسرائيل أنا أبو اسحاق ح وحدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إسرائيل عن أبي اسحاق قال سمعت البراء يقول ما رأيت أحدا من خلق الله أحسن في حلة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن جمته لتضرب الى منكبيه قال ابن أبي بكير لتضرب قريبا من
منكبيه قال يعني ابن اسحاق وقد سمعته يحدث به مرارا ما حدث به قط الاضحك وقد رواه البخاري في اللباس والترمذي في الشمائل والنسائي في الزينة من حديث إسرائيل به وقال البخاري حدثنا أبو نعيم ثنا زهير عن أبي اسحاق قال سئل البراء بن عازب أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف قال لا بل مثل القمر ورواه الترمذي من حديث زهير بن معاوية الجعفي الكوفي عن أبي اسحاق السبيعي واسمه عمرو بن عبد الله الكوفي عن البراء بن عازب به وقال حسن صحيح وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه ثنا أبو يوسف يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعيم وعبد الله عن اسرائيل عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة قال له رجل أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه مثل السيف قال لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله بن موسى به وقد رواه الامام أحمد مطولا فقال ثنا عبد الرزاق أنا اسرائيل عن سماك أنه سمع جابر بن سمرة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته فإذا ادهن ومشطهن لم ينبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير الشعر واللحية فقال رجل وجهه مثل السيف قال لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا قال ورأيت خاتمه عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده وقال الحافظ البيهقي أنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو حامد بن بلال ثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ثنا المحاربي عن أشعث عن أبي اسحاق عن جابر بن سمرة قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر هكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا عن هناد بن السري عن عيثر بن القاسم عن أشعث بن سوار قال النسائي وهو ضعيف وقد أخطأ والصواب أبو أسحاق عن البراء وقال الترمذي هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث اشعث بن سوار وسألت محمد بن اسماعيل يعني البخاري قلت حديث أبي اسحاق عن البراء أصح أم حديثه عن جابر فرأى كلاالحديثين صحيحا وثبت في صحيح البخاري عن كعب بن مالك في حديث التوبة قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وقد تقدم الحديث بتمامه وقال يعقوب بن سفيان حدثنا سعيد ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي عن أبي اسحاق الهمداني عن امرأة من همدان سماها قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إليه فيقبله قال أبو اسحاق فقلت لها شبهته قالت كالقمر ليلة البدر لم أر قبله ولا بعده مثله وقال يعقوب بن سفيان حدثنا ابراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن موسى التيمي ثنا أسامة بن زيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال قلت للربيع بنت
معوذ صفى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة ورواه البيهقي من حديث يعقوب بن محمد الزهري عن عبد الله بن موسى التيمي بسنده فقالت لو رأيته لقلت الشمس طالعة وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا تبرق أسارير وجهه الحديث

صفة لون رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قال البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن خالد هو ابن يزيد عن سعيد يعني ابن هلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سمعت أنس بن مالك يصف النبي صلى الله عليه وسلم قال كان ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير أزهر اللون ليس بأبيض أمهق ولا بآدم ليس بجعد قطط ولا سبط رجل أنزل عليه وهو ابن أربعين فلبث بمكة عشر سنين ينزل عليه وبالمدينة عشر سنين وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء قال ربيعة فرأيت شعرا من شعره فاذا هو أحمر فسألت فقيل احمر من الطيب ثم قال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم وليس بالجعد القطط ولا بالسبط بعثه الله على رأس أربعين سنة فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين فتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء وكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك ورواه أيضا عن قتيبة ويحيى بن أيوب وعلي بن حجر ثلاثتهم عن إسماعيل بن جعفر وعن القاسم بن زكريا عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال ثلاثتهم عن ربيعة به ورواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن مالك به وقال الترمذي حسن صحيح قال الحافظ البيهقي ورواه ثابت عن أنس فقال كان أزهر اللون قال ورواه حميد كما أخبرنا ثم ساق باسناده عن يعقوب بن سفيان حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا حدثنا خالد بن عبد الله عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمر اللون وهكذا روى هذا الحديث الحافظ أبو بكر البزار عن علي عن خالد بن عبد الله عن حميد عن أنس وحدثناه محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا حميد عن أنس قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطويل ولا بالقصير وكان إذا مشى تكفأ وكان أسمر اللون ثم قال البزار لا نعلم رواه عن حميد إلا خالد وعبد الوهاب ثم قال البيهقي رحمه الله أخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر البزار ثنا يحيى ابن جعفر ثنا علي بن عاصم ثنا حميد سمعت أنس بن مالك يقول فذكر الحديث في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال كان أبيض بياضه الى السمرة قلت وهذا السياق أحسن من الذي قبله وهو يقتضي أن
السمرة التي كانت تعلو وجهه عليه السلام من كثرة اسفاره وبروزه للشمس والله أعلم فقد قال يعقوب ابن سفيان الفسوي أيضا حدثني عمرو بن عون وسعيد بن منصور قالا ثنا خالد بن عبد الله بن الجريري عن أبي الطفيل قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد رآه غيري فقلنا له صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان أبيض مليح الوجه ورواه مسلم عن سعيد بن منصور به ورواه أيضا أبو داود من حديث سعيد بن اياس الجريري عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مليحا إذا مشى كأنما ينحط في صبوب لفظ أبي داود وقال الامام احمد حدثنا زيد بن هارون الجريري قال كنت أطوف مع أبي الطفيل فقال ما بقي أحد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري قلت ورأيته قال نعم قال قلت كيف كانت صفته قال كان ابيض مليحا مقصدا وقد رواه الترمذي عن سفيان بن وكيع ومحمد بن بشار كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد الله بن جعفر أو ابو الفضل محمد بن ابراهيم ثنا احمد ابن سلمة ثنا واصل بن عبد الاعلى الاسدي ثنا محمد بن فضيل عن اسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض قد شاب وكان الحسن بن علي يشبهه ثم قال رواه مسلم عن واصل بن عبد الأعلى ورواه البخاري عن عمرو بن علي عن محمد بن فضيل وأصل الحديث كما ذكر في الصحيحين ولكن بلفظ آخر كما سيأتي وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن أبيه أن سراقة بن مالك قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دنوت منه وهو على ناقته جعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة وفي رواية يونس عن ابن اسحاق والله لكأني انظر الى ساقه في غرزه كأنها جمارة قلت يعني من شدة بياضها كأنها جمارة طلع النخل وقال الامام احمد ثنا سفيان بن عيينة عن اسماعيل بن أمية عن مولى لهم مزاحم بن أبي مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد عن رجل من خزاعة يقال له محرش أو مخرش لم يكن سفيان يقف على اسمه وربما قال محرش ولم اسمعه أنا ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر ثم رجع فأصبح بها كبائت فنظرت الى ظهره كأنها سبيكة فضة تفرد به أحمد وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميدي عن سفيان بن عيينة وقال يعقوب بن سفيان حدثنا إسحاق بن ابراهيم بن العلاء حدثني عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي أخبرني محمد بن مسلم عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان شديد البياض وهذا إسناد حسن ولم يخرجوه وقال الامام أحمد ثنا حسن ثنا عبد الله بن لهيعة ثنا أبو يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة أنه سمع أبا هريرة يقول ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كأن الشمس تجري في جبهته وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث ورواه الترمذي عن قتيبة عن ابن لهيعة به وقال كأن الشمس تجري في وجهه وقال غريب ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد المصري عن عمرو بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة وقال كأنما الشمس تجري في وجهه وكذلك رواه ابن عساكر من حديث حرملة عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي يونس عن أبي هريرة فذكره وقال كأنما الشمس تجري في وجهه وقال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبدان أنا احمد بن عبيد الصفار ثنا ابراهيم بن عبد الله ثنا حجاج ثنا حماد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي يعني ابن الحنفية عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون وقال أبو داود الطيالسي حدثنا المسعودي عن عثمان بن عبد الله بن هرمز عن نافع بن جبير عن علي بن أبي طالب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربا وجهه حمرة وقال يعقوب بن سفيان ثنا ابن الاصبهاني ثنا شريك عن عبد الملك بن عمير عن نافع بن جبير قال وصف لنا علي النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان أبيض مشرب الحمرة وقد رواه الترمذي بنحره من حديث المسعودي عن عثمان بن مسلم عن هرمز وقال هذا حديث صحيح قال البيهقي وقد روى هكذا عن علي من وجه آخر قلت رواه ابن جريج عن صالح بن سعيد عن نافع بن جبير عن علي قال البيهقي ويقال إن المشرب فيه حمرة ماضحا للشمس والرياح وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر
*2* صفة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر محاسنه
@ فرقه وجبينه وحاجبيه وعينيه وانفه
قد تقدم قول ابي الطفيل كان ابيض مليح الوجه وقول أنس كان أزهر اللون وقول البراء وقد قيل له اكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف يعني في صقاله فقال لا بل مثل القمر وقول جابر بن سمرة وقد قيل له مثل ذلك فقال لا بل مثل الشمس والقمر مستديرا وقول الربيع بنت معوذ لو رأيته لقلت الشمس طالعة وفي رواية لرأيت الشمس طالعة وقال أبو إسحاق السبيعي عن امرأة من همدان حجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عنه فقالت كان كالقمر ليلة البدر لم ار قبله ولا بعده مثله وقال ابو هريرة كأن الشمس تجري في وجهه وفي رواية في جبهته وقال الامام أحمد حدثنا عفان وحسن بن موسى قالا ثنا حماد وهو ابن سلمة عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن محمد بن علي عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس عظيم العينين أهدب الاشفار مشرب العينين بحمره كث اللحية أزهر اللون شتن الكفين والقدمين إذا مشى كأنما يمشي في صعد واذا التفت التفت جميعا تفرد به أحمد وقال ابو يعلى حدثنا زكريا
ويحيى الواسطي ثنا عباد بن العوام ثنا الحجاج عن سالم المكي عن ابن الحنفية عن علي أنه سئل عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم فقال كان لا قصيرا ولا طويلا حسن الشعر رجله مشربا وجهه حمرة ضخم الكراديس شئن الكعبين والقدمين عظيم الراس طويل المسربة لم ار قبله ولا بعده مثله إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب وقال محمد بن سعد عن الواقدي حدثني عبد الله بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن علي قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن فاني لأخطب يوما على الناس وحبر من احبار يهود واقف في يده سفر ينظر فيه فلما رآني قال صف لنا أبا القاسم فقال علي رسول الله ليس بالقصير ولا بالطويل البائن وليس بالجعد القطط ولا بالسبط هو رجل الشعر أسوده ضخم الرأس مشربا لونه حمرة عظيم الكراديس شثن الكفين والقدمين طويل المسربة وهو الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة أهدب الأشفار مقرون الحاجبين صلت الجبين بعيد ما بين المنكبين إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب لم أر قبله مثله ولا بعده مثله قال علي ثم سكت فقال لي الحبر وماذا قال علي هذا ما يحضرني قال الحبر في عينيه حمر حسن اللحية حسن الفم تام الأذنين يقبل جميعا ويدبر جميعا فقال علي والله هذه صفته قال الحبر وماذا قال علي وما هو قال الحبر وفيه جناء قال علي هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب قال الحبر فاني أجد هذه الصفة في سفر اياي ونجده يبعث في حرم الله وأمنه وموضع بيته ثم يهاجر الى حرم يحرمه هو ويكون له حرمة كحرمة الحرم الذي حرم الله ونجد أنصاره الذين هاجر اليهم قوما من ولد عمر بن عامر أهل نخل وأهل الأرض قبلهم يهود قال علي هو هو وهو رسول الله قال الحبر فاني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله الى الناس كافة فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله قال فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الاسلام ثم خرج علي والحبر من هنالك حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدق به وهذه الصفة قد وردت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من طرق متعددة سيأتي ذكرها وقال يعقوب بن سفيان حدثنا سعيد بن منصور حدثنا خالد بن عبد الله عن عبيد الله بن محمد ابن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال سئل أو قيل لعلي انعت لنا رسول الله فقال كان ابيض مشربا بياضه حمرة وكان أسود الحدقة أهدب الأشفار قال يعقوب وحدثنا عبد الله ابن سلمة وسعيد بن منصور قالا ثنا عيسى بن يونس ثنا عمر بن عبد الله مولى عفرة عن ابراهيم ابن محمد عن ولد علي قال كان علي اذا نعت رسول الله قال كان في الوجه تدوير أبيض أدعج العينين أهدب الاشفار قال الجوهري الدعج شدة سواد العينين مع سعتها وقال أبو داود الطيالسي ثنا
شعبة أخبرني سماك سمعت جابر بن سمرة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهل العينين منهوس العقب ضليع الفم هكذا وقع في روايةأبي داود عن شعبة أشهل العينين قال أبو عبيد والشهلة حمرة في سواد العين والشكلة حمرة في بياض العين قلت وقد روى هذا الحديث مسلم في صحيحه عن أبي موسى وبندار كلاهما عن أحمد بن منيع عن ابي قطن عن شعبة به وقال أشكل العينين وقال حسن صحيح ووقع في صحيح مسلم تفسير الشكلة بطول أشفار العينين وهو من بعض الرواة وقول أبي عبيد حمرة في بياض العين أشهر وأصح وذلك يدل على القوة والشجاعة والله تعالى أعلم وقال يعقوب بن سفيان ثنا إسحاق بن ابراهيم حدثني عمرو بن الحرث حدثني عبد الله بن سالم عن الزبيدي حدثني الزهري عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله فقال كان مفاض الجبين أهدب الاشفار وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو غسان ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي حدثني رجل بمكة عن ابن لأبي هالة التميمي عن الحسن بن علي عن خاله قال كان رسول الله واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الاسنان وقال يعقوب ثنا ابراهيم بن المنذر ثنا عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري ثنا إسماعيل بن ابراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس قال كان رسول الله أفلج الثنيتين وكان إذا تكلم رئي كالنور بين ثناياه ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن عن إبراهيم بن المنذربه وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عباد بن حجاج عن سماك عن جابر عن سمرة قال كنت إذا نظرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت أكحل العينين وليس بأكحل وكان في ساقي رسول الله حموشة وكان لا يضحك إلا تبسما وقال الامام احمد ثنا وكيع حدثني مجمع بن يحيى عن عبد الله بن عمران الانصاري عن علي والمسعودي عن عثمان بن عبد الله عن هرمز عن نافع بن جبير عن علي قال كان رسول الله ليس بالقصير ولا بالطويل ضخم الرأس واللحية شثن الكفين والقدمين والكراديس مشربا وجهه حمرة طويل المسربة إذا مشى تكفأ كأنما يقلع من صخر لم ار قبله ولا بعده مثله قال ابن عساكر وقد رواه عبد الله بن داود الخريبي عن مجمع فأدخل بين ابن عمران وبين علي رجلا غير مسمى ثم أسند من طريق عمرو بن علي الفلاس عن عبد الله بن داود ثنا مجمع بن يحيى الأنصاري عن عبد الله ابن عمران عن رجل من الأنصار قال سألت علي بن أبي طالب وهو محتب بحمالة سيفه في مسجد الكوفة عن نعت رسول الله فقال كان أبيض اللون مشربا حمرة أدعج العينين سبط الشعر دقيق المسربة سهل الخد كث اللحية ذا وفرة كأن عنقه إبريق فضة له شعر من لبته إلى سرته كالقضيب ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره شثن الكفين والقدم إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا مشى
كأنما يتقلع من صخر وإذا التفت التفت جميعا ليس بالطويل ولا بالقصير ولا العاجز ولا اللأم كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر لم ار قبله ولا بعده مثله وقال يعقوب بن سفيان ثنا سعيد بن منصور ثنا نوح بن قيس الحراني ثنا خالد بن خالد التميمي عن يوسف بن مازن المازني أن رجلا قال لعلي يا أمير المؤمنين انعت لنا رسول الله قال كان أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة أغر أبلج أهدب الأشفار وقال الامام أحمد ثنا أسود بن عامر ثنا شريك عن ابن عمير قال شريك قلت له عمن يا ابا عمير عمن حدثه قال عن نافع بن جبير عن أبيه عن علي قال كان رسول الله ضخم الهامة مشربا حمرة شثن الكفين والقدمين ضخم اللحية طويل المسربة ضخم الكراديس يمشي في صبب يتكفأ في المشية لا قصير ولا طويل لم أر قبله مثله ولا بعده وقد روى لهذا شواهد كثيرة عن علي وروى عن عمر نحوه وقال الواقدي ثنا بكير بن مسمار عن زياد بن سعد قال سألت سعد بن أبي وقاص هل خضب رسول الله قال لا ولا هم به كان شيبه في عنفقته وناصيته لو أشاء أن أعدها لعددتها قلت فما صفته قال كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بالأبيض الأمهق ولا بالادم ولا بالسبط ولا بالقطط وكانت لحيته حسنة وجبينه صلتا مشربا بحمرة شثن الاصابع شديد سواد الرأس واللحية وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ثنا أبو محمد عبد الله ابن جعفر بن أحمد بن فارس ثنا يحيى بن حاتم العسكري ثنا بسر بن مهران ثنا شريك عن عثمان ابن المغيرة عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال إن أول شيء علمته من رسول الله قدمت مكة في عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا اليه وهو جالس إلى زمزم فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا ابيض تعلوه حمرة له وفرة جعدة إلى أنصاف اذنيه اقنى الأنف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة شثن الكفين والقدمين عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر وذكر تمام الحديث وطوافه عليه السلام بالبيت وصلاته عنده هو وخديجة وعلي بن أبي طالب وأنهم سألوا العباس عنه فقال هذا هو ابن أخي محمد بن عبد الله وهو يزعم أن الله أرسله إلى الناس وقال الامام أحمد ثنا جعفر ثنا عوف بن أبي جميلة عن يزيد الفارسي قال رأيت رسول الله في النوم في زمن ابن عباس قال وكان يزيد يكتب المصاحف قال فقلت لابن عباس إنى رأيت رسول الله في النوم قال ابن عباس فأن رسول الله ص صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الشيطان لا يستطيع ان يتشبه بي فمن رآني فقد رآني هل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت قال قلت نعم رأيت رجلا بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض حسن
الضحك أكحل العينين جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتى كادت تملأ نحره قال عوف لا أدري ما كان مع هذا من النعت قال فقال ابن عباس لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري قال سئل أبو هريرة عن صفة رسول الله فقال أحسن الصفة وأجملها كان ربعة إلى الطول ما هو بعيد ما بين المنكبين أسيل الخدين شديد سواد الشعر أكحل العين أهدب الأشفار إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس لها أخمص إذا وضع رداءه على منكبيه فكأنه سبيكة فضة وإذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر لم أر قبله ولا بعده مثله وقد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل فقال ثنا إسحاق ابن ابراهيم يعني الزبيدي حدثني عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكر نحو ما تقدم ورواه الذهلي عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن صالح عن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال كان رسول الله كأنما صيغ من فضة رجل الشعر مفاض البطن عظيم مشاش المنكبين يطأ بقدمه جميعا إذا أقبل أقبل جيمعا وإذا أدبر أدبر جميعا ورواه الواقدي حدثني عبد الملك عن سعيد بن عبيد بن السباق عن أبي هريرة قال كان رسول الله شثن القدمين والكفين ضخم الساقين عظيم الساعدين ضخم العضدين والمنكبين بعيد ما بينهما رحب الصدر رجل الرأس أهدب العينين حسن الفم حسن اللحية تام الأذنين ربعة من القوم لا طويل ولا قصير أحسن الناس لونا يقبل معا ويدبر معا لم أر مثله ولم أسمع بمثله وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو الحسن المحمودي المروزي ثنا أبو عبد الله محمد بن عي الحافظ ثنا محمد بن المثنى ثنا عثمان بن عمر ثنا حرب بن سريج صاحب الحلواني حدثني رجل بلعدربه حدثني جدي قال انطلقت إلى المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول الله قال فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجمة دقيق الأنف دقيق الحاجبين وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره ورأسه من طمرين فدنا مني وقال السلام عليك
*2* ذكر شعره عليه السلام
@
قد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رءوسهم فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فرق بعد وقال الامام احمد ثنا حماد ابن خالد ثنا مالك ثنا زياد بن سعد عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سدل ناصيته
ما شاء أن يسدل ثم فرق بعد تفرد به من هذا الوجه وقال محمد بن اسحاق بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت أنا فرقت لرسول الله رأسه صدعت فرقه عن يافوخه وأرسلت ناصيته بين عينيه قال ابن اسحاق وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير وكان فقيها مسلما ما هي إلا سيما من سيما النصارى تمسكت بها النصارى من الناس وثبت في الصحيحين عن البراء أن رسول الله كان يضرب شعره الى منكبيه وجاء في الصحيح عنه وعن غيره إلى أنصاف أذنيه ولا منافاة بين الحالين فإن الشعر تارة يطول وتارة يقصر منه فكل حكى بحسب ما رأى وقال أبو داود ثنا ابن نفيل ثنا ابن الرواد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق الوفرة ودون الجمة وقد ثبت أنه عليه السلام حلق جميع رأسه في حجة الوداع وقد مات بعد ذلك بأحد وثمانين يوما صلوات الله وسلامه عليه دائما الى يوم الدين وقال يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن مسلم ويحيى بن عبد الحميد قالا ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال قالت أم هانئ قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قدمة وله أربع غدائر تعني ضفائر وروى الترمذي من حديث سفيان بن عيينة وثبت في الصحيحين من حديث ربيعة عن أنس قال بعد ذكره شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه ليس بالسبط ولا بالقطط قال وتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء وفي صحيح البخاري من حديث أيوب عن ابن سيرين أنه قال قلت لأنس أخضب رسول الله قال إنه لم ير من الشيب إلا قليلا وكذا روى هو ومسلم من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس وقال حماد بن سلمة عن ثابت قيل لأنس هل كان شاب رسول الله فقال ما شانه الله بالشيب ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة وعند مسلم من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله لم يختضب انما كان شمط عند العنفقته يسيرا وفي الصدغين يسيرا وفي الرأس يسيرا وقال البخاري ثنا أبو نعيم ثنا همام عن قتادة قال سألت انسا هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا إنما كان شيء في صدغيه وروى البخاري عن عصام بن خالد عن جرير بن عثمان قال قلت لعبد الله بن بسر السلمى رأيت رسول الله أكان شيخا قال كان في عنفقته شعرات بيض وتقدم عن جابر بن سمرة مثله وفي الصحيحين من حديث أبي اسحاق عن أبي جحيفة قال رأيت رسول الله هذه منه بيضاء يعني عنفقته وقال يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة السكري عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي قال دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول الله فاذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى عن سلام بن أبي مطيع عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن أم سلمة به وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا يحيى بن بكير ثنا إسرائيل
عن عثمان بن موهب قال كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم فيه من شعر رسول الله فكان اذا أصاب إنسانا الحمى بعث اليها فحضحضته فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه قال فبعثني أهلي اليها فأخرجته فاذا هو هكذا وأشار إسرائيل بثلاث أصابع وكان فيه خمس شعرات حمر رواه البخاري عن مالك بن إسماعيل عن إسرائيل وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعيم ثنا عبيد الله ابن إياد حدثني إياد عن أبي رمثة قال انطلقت مع أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأيته قال هل تدري من هذا قلت لا قال إن هذا رسول الله فاقشعررت حين قال ذلك وكنت أظن أن رسول صلى الله عليه وسلم شيء لا يشبه الناس فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء وعليه بردان أخضران ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط عن أبيه عن أبي رمثة واسمه حبيب بن حيان ويقال رفاعة بن يثربي وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث إياد كذا قال وقد رواه النسائي أيضا من حديث سفيان الثوري وعبد الملك بن عمير كلاهما عن إياد بن لقيط به ببعضه ورواه يعقوب بن سفيان أيضا عن محمد بن عبد الله المخرمي عن أبي سفيان الحميري عن الضحاك بن حمزة بن غيلان بن جامع عن إياد بن لقيط بن أبي رمثة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخضب بالحناء والكتم وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه وقال أبو داود ثنا عبد الرحيم بن مطرف بن سفيان ثنا عمرو بن محمد أنا ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران وكان ابن عمر يفعل ذلك ورواه النسائي عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي عن عمرو بن محمد المنقري به وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ثنا الحسن بن محمد بن زياد ثنا إسحاق بن ابراهيم ثنا يحيى بن آدم ح وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر أنا يعقوب بن سفيان حدثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي ثنا يحيى ابن آدم ثنا شريك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال كان شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من عشرين شعرة وفي رواية إسحاق رأيت شيب رسول الله نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه قال البيهقي وحدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن سلمان الفقيه ثنا هلال بن العلاء الرقي ثنا حسين بن عباس الرقي ثنا جعفر بن برقان ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال قدم انس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وال عليها فبعث إليه عمر وقال للرسول سله هل خضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني رأيت شعرا من شعره قد لون فقال أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد منع بالسواد ولو عددت ما أقبل على من شيبه في راسه ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة وإنما هو الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي غير لونه قلت ونفى
أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من اثباته والقاعدة المقررة أن الاثبات مقدم على النفى لأن المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي وهكذا إثبات غيره لزيادة ما ذكر من السبب مقدم لا سيما عن ابن عمر الذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة فان اطلاعها أتم من اطلاع أنس لأنها ربما أنها فلت رأسه الكريم عليه الصلاة والسلام


يتبع..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:01 AM
ما ورد في منكبيه وساعديه وإبطيه وقدميه وكعبيه صلى الله عليه وسلم
@
قد تقدم ما أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعا بعيدا ما بين المنكبين وروى البخاري عن أبي النعمان عن جرير عن قتادة عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم الرأس والقدمين سبط الكفين وتقدم من غير وجه أنه عليه السلام كان شثن الكفين والقدمين وفي رواية ضخم الكفين والقدمين وقال يعقوب ابن سفيان ثنا آدم وعاصم بن علي قالا ثنا ابن أبي ذئب ثنا صالح مولى التوأمة قال كان ابو هريرة ينعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كان شبح الذراعين بعيد ما بين المنكبين أهدب اشفار العينين وفي حديث نافع بن جبير عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس طويل المسربة وتقدم في حديث حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة قال كان في ساقي رسول الله صلى الله عليه وسلم حموشة أي لم يكونا ضخمين وقال سراقة بن مالك بن جعشم فنظرت الى ساقيه وفي رواية قدميه في الغرز يعني الركاب كأنهما جمارة أي جمارة النخل من بياضهما وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة كان ضليع الفم وفسره بأنه عظيم الفم أشكل العينين وفسره بأنه طويل شق العينين منهوس العقب وفسره بأنه قليل لحم العقب وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال وقال الحارث بن أبي اسامة ثنا عبد الله بن بكر ثنا حميد عن أنس قال أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فقالت يا رسول الله هذا أنس غلام كاتب يخدمك قال فخدمته تسع سنين فما قال لشيء صنعت أسأت ولا بئس ما صنعت ولا مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ولا شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه معتمر بن سليمان وعلي بن عاصم ومروان بن معاوية الفزاري وإبراهيم بن طهمان كلهم عن حميد عن أنس في لين كفه عليه السلام وطيب رائحته صلاة الله وسلامه عليه وفي حديث الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أن رسول الله كان يطأ بقدمه كلها ليس لها أخمص وقد جاء خلاف هذا كما سيأتي وقال يزيد بن هارون حدثني عبد الله بن يزيد بن مقسم قال حدثتني عمتي سارة بنت مقسم عن ميمونة بنت كردم قالت رأيت رسول الله بمكة وهو على ناقة وأنا مع أبي وبيد رسول الله درة كدرة الكتاب فدنا منه أبي فأخذ يقدمه فأقر له رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فما نسيت
طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه ورواه الامام أحمد عن يزيد بن هارون مطولا ورواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه وعن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن ابن جريح عن إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها ورواه ابن ماجه من وجه آخر عنها والله أعلم وقال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار ثنا محمد بن إسحاق أبو بكر ثنا سلمة بن حفص السعدي ثنا يحيى بن اليمان ثنا إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال كانت إصبع لرسول الله خنصره من رجله متظاهرة وهذا حديث غريب
*2* قوامه عليه السلام وطيب رائحته
@
في صحيح البخاري من حديث ربيعة عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير وقال أبو إسحاق عن البراء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير أخرجاه في الصحيحين وقال نافع بن جبير عن علي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير لم ار قبله ولا بعده مثله وقال سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله ابن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن علي قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى الطول أقرب وكان عرقه كاللؤلؤ الحديث وقال سعيد عن روح بن قيس عن خالد بن خالد التميمي عن يوسف بن مازن الراسبي عن علي قال كان رسول الله ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم وكان عرقه في وجهه كاللؤلؤ الحديث وقال الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال كان رسول الله ربعة وهو ألى الطول أقرب وكان يقبل جميعا ويدبر جميعا لم أر قبله ولا بعده مثله وثبت في البخاري من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن انس قال ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ولا شيئا ألين من كف رسول الله ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ إذا مشى تكفأ وما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله ولا شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أحمد ثنا ابن أبي عدي ثنا حميد عن أنس قال ما مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم والاسناد ثلاثي على شرط الصحيحين ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه وقال يعقوب بن سفيان أنا عمرو بن حماد بن طلحة الفناد وأخرجه البيهقي من حديث أحمد بن حازم بن أبي عروة عنه قال ثنا اسباط بن نصر عن سماك عن جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت
معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا قال وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار ورواه مسلم عن عمرو بن حماد به نحوه وقال الامام أحمد ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج أخبرني شعبة عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة الى البطحاء فتوضأ وصلى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة زاد فيه عون عن أبيه يمر من ورائها الحمار والمرأة قال حجاج في الحديث ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم قال فأخذت يده فوضعتها على وجهي فاذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك وهكذا رواه البخاري عن الحسن بن منصور عن حجاج بن محمد الأعورعن شعبة فذكر مثله سواء وأصل الحديث في الصحيحين أيضا وقال الامام أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنا هشام بن حسان وشعبة وشريك عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد عن أبيه يعني يزيد بن الأسود قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس فدعا بهما فجيئا ترعد فرائصهما فقال ما منعكما أن تلصيا مع الناس قالا يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال قال فلا تفعلا إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الامام فليصلها معه فانها له نافلة قال فقال أحدهما استغفر لي يا رسول الله فاستغفر له قال ونهض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضت معهم وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده قال فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله فأخذت بيده فوضعتها إما على وجهي أو صدري قال فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يومئذ في مسجد الخيف ثم رواه أيضا عن أسود بن عامر وأبي النضر عن شعبة عن يعلى بن عطاء سمعت جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فذكر الحديث قال ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم قال فأخذت بيده فمسحت بها وجهي فوجدتها أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك وقد رواه أبو داود من حديث شعبة والترمذي والنسائي من حديث هشيم عن يعلى به وقال الترمذي حسن صحيح وقال الامام أحمد حدثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن عبد الجبار بن وائل بن حجر قال حدثني أهلي عن أبي قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فشرب منه ثم مج في الدلو ثم صب في البئر أو شرب من الدلو ثم مج في البئر ففاح منها ريح المسك وهذا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبي النعيم وهو الفضل بن دكين وقال الامام أحمد ثنا هاشم ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بأناء الا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيمس يده فيها ورواه مسلم من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم به وقال الامام أحمد حدثنا حجين بن المثنى ثنا عبد العزيز يعني ابن أبي سلمة
الماجشون عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتت فقيل لها هذا رسول الله نائم في بيتك على فراشك قال فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عبيرتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتصره في قواريرها ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تصنعين يا أم سليم فقالت يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا قال أصبت ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن حجين به وقال أحمد ثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ رسول الله فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين قالت عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن أبي النضر هاشم بن القاسم به وقال أحمد ثنا اسحاق بن منصور يعني السلولي ثنا عمارة يعني ابن زاذان عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله يقبل عند أم سليم وكان من أكثر الناس عرقا فاتخذت له نطعا وكان يقيل عليه وحطت بين رجليه حطا وكانت تنشف العرق فتأخذه فقال ما هذا يا أم سليم قالت عرقك يا رسول الله أجعله في طيبي قال فدعا لها بدعاء حسن تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد ثنا محمد بن عبد الله ثنا حميد عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نام ذا عرق فتأخذ عرقه بقطنة في قارورة فتجعله في مسكها وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أحد منهما وقال البيهقي أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو عمرو المغربي أنا الحسن بن سفيان ثنا أبو بكر ابن أبي شيبة وقال مسلم ثنا أبو بكر بن شيبة ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن أم سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم سليم ما هذا فقالت عرقك أدوف به طيبي لفظ مسلم وقال أبو يعلى الموصلى في مسنده ثنا بسر ثنا حليس ابن غالب ثنا سفيان الثوري عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى رسول الله فقال يا رسول الله إني زوجت ابنتي وأنا احب أن تعينني بشيء قال ما عندي شيء ولكن إذا كان غد فأتني بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة وآية بيني وبينك أن تدق ناحية الباب قال فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة قال فجعل يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلأت القارورة قال فخذها ومر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به قال فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة الطيب فسموا بيوت المطيبين هذا حديث غريب جدا وقد قال الحافظ أبو بكر البزار ثنا محمد بن هشام ثنا موسى بن عبد الله ثنا عمر بن سعيد عن سعيد
عن قتادة عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا مر رسول الله في هذا الطريق ثم قال وهذا الحديث رواه أيضا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرف بريح الطيب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيبا وريحه طيب وكان مع ذلك يحب الطيب أيضا قال الامام احمد ثنا أبو عبيدة عن سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حبب إلى النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا سلام أبو المنذر القاري عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حبب إلي من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة وهكذا رواه النسائي بهذا اللفظ عن الحسين بن عيسى القرشي عن عفان بن مسلم عن سلام بن سليمان أبي المنذر القاري البصري عن ثابت عن أنس فذكره وقد روى من وجه آخر بلفظ حبب إلي من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة وليس بمحفوظ بهذا فان الصلاة ليست من أمور الدنيا وإنما هي من أهم شئون الآخرة والله أعلم
*2* صفة خاتم النبوة الذي بين كتفيه صلى الله عليه وسلم
@
قال البخاري ثنا محمد بن عبيد الله ثنا حاتم عن الجعد قال سمعت السائب بن يزيد يقول ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابن أختي وجع فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة وهكذا رواه مسلم عن قتيبة ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به ثم قال البخاري الحجلة من حجلة الفرس الذي بين عينيه وقال إبراهيم بن حمزة رز الحجلة قال أبو عبد الله الرز الراء قبل الزاي وقال مسلم ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبيد الله عن إسرائيل عن سماك أنه سمع جابر ابن سمرة يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شمط مقدم رأسه ولحيته وكان إذا ادهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين وكان كثير شعر اللحية فقال رجل وجهه مثل السيف قال لا بل كان المثل الشمس والقمر وكان مستديرا ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده حدثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن حزم ثنا شعبة عن سماك سمعت جابر بن سمرة قال رأيت خاتما في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كانه بيضة حمام وحدثنا ابن نمير ثنا عبيد الله بن موسى ثنا حسن بن صالح عن سماك بهذا الاسناد مثله وقال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس
قال ترون هذا الشيخ يعني نفسه كلمت نبي الله صلى الله عليه وسلم وأكلت معه ورأيت العلامة التي بين كتفيه وهي في طرف نغض كتفه اليسرى كأنه جمع بمعنى الكف المجتمع وقال بيده فقبضها عليه خيلان كهيئة الثواليل وقال أحمد حدثنا هاشم بن القاسم وأسود بن عامر قالا ثنا شريك عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلمت عليه وأكلت معه وشربت من شرابه ورأيت خاتم النبوة قال هاشم في نغض كتفه اليسرى كأنه جمع فيه خيلان سود كأنها الثآليل ورواه عن غندر عن شعبة عن عاصم عن عبد الله بن سرجس فذكر الحديث وشك شعبة في أنه هل هو في نغض الكتف اليمنى أو اليسرى وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد وعلي ابن مسهر وعبد الواحد بن زياد ثلاثتهم عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدا فقلت يا رسول الله غفر الله لك قال ولك فقلت أستغفر لك يا رسول الله قال نعم ولكم ثم تلا هذه الآية واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات قال ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل وقال أبو داود الطيالسي ثنا قرة بن خالد ثنا معاوية بن قرة عن أبيه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أرني خاتم الخاتم فقال أدخل يدك فادخلت يدي في جربانه فجعلت ألمس أنظر إلى الخاتم فاذا هو على نغض كتفه مثل البيضة فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي وإن يدي لفي جربانه ورواه النسائي عن أحمد بن سعيد عن وهب بن جرير عن قرة بن خالد به وقال الأمام احمد ثنا وكيع ثنا سفيان عن اياد بن لقيط السدوسي عن أبي رمثة التيمي قال خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت برأسه ردع حناء ورأيت على كتفه مثل التفاحة فقال أبي إني طبيب أفلا أطبها لك قال طبيبها الذي خلقها قال وقال لأبي هذا ابنك قال نعم قال أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعميم ثنا عبيد الله بن زياد حدثني أبي عن أبي ربيعة أو رمثة قال انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه فقال يا رسول الله إني كأطب الرجال أفأعالجها لك قال لا طبيبها الذي خلقها قال البيهقي وقال الثوري عن إياد بن لقيط في هذا الحديث فاذا خلف كتفيه مثل التفاحة وقال عاصم بن بهدلة عن أبي رمثة فاذا في نغض كتفه مثل بعرة البعير أو بيضة الحمامة ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن سلامة العجلي عن سلمان الفارسي قال أتيت رسول الله فألقى رداءه وقال يا سلمان انظر الى ما أمرت به قال فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة وروى يعقوب بن سفيان عن الحميدي عن يحيى بن سليم عن أبي خيثم عن سعيد ابن أبي راشد عن التنوخي الذي بعثه هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بتبوك فذكر الحديث كما
قدمناه في غزوة تبوك إلى أن قال فحل حبوته عن ظهره ثم قال ههنا امض لما أمرت به قال فجلت في ظهره فاذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل الحجمة الضخمة وقال يعقوب بن سفيان ثنا مسلم بن ابراهيم ثنا عبد الله بن ميسرة ثنا عتاب سمعت ابا سعيد يقول الخاتم الذي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم لحمة نابتة وقال الامام احمد حدثنا شريح ثنا أبو ليلى عبد الله بن ميسرة الخراساني عن غياث البكري قال كنا نجالس أبا سعيد الخدري بالمدينة فسألته عن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان بين كتفيه فقال باصبعه السبابة هكذا لحم ناشز بين كتفيه صلى الله عليه وسلم تفرد به أحمد من هذا الوجه وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية المصري في كتابه التنوير في مولد البشير النذير عن أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسين بن بشر المعروف بالحكيم الترمذي أنه قال كان الخاتم الذي بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها الله وحده وفي ظاهرها توجه حيث شئت فإنك منصور ثم قال وهذا غريب واستنكره قال وقيل كان من نور ذكره الامام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ في كتابه تنقل الأنوار وحكى أقوالا غريبة غير ذلك ومن أحسن ما ذكره ابن دحية رحمه الله وغيره من العلماء قبله في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك قال وقيل كان على نغض كتفه لأنه يقال هو الموضع الذي يدخل الشيطان منه الى الانسان فكان هذا عصمة له عليه السلام من الشيطان قلت وقد ذكرنا الاحاديث الدالة على أنه لا نبي بعده عليه السلام ولا رسول عند تفسير قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما
*2* باب احاديث متفرقة وردت في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
@
قد تقدم في رواية نافع بن جبير عن علي بن أبي طالب أنه قال لم أر قبله ولا بعده مثله وقال يعقوب بن سفيان حدثنا عبد الله بن مسلم القعنبي وسعيد بن منصور ثنا عمر بن يونس ثنا عمر بن عبد الله مولى عفرة حدثني ابراهيم بن محمد من ولد علي قال كان علي إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يكن بالطويل الممغط ولا بالقصير المتردد وكان ربعة من القوم ولم يكن بالجعد
القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم وكان في الوجه تدوير أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الاشفار جليل المشاش والكتد أجرد ذو مسربة شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب وإذا التفت التفت معا بين كتفيه خاتم النبوة أجود الناس كفا وأرحب الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس ذمة وألينهم عريكة وألزمهم عشرة من رآه بديهة هابة ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله وقد روى هذا الحديث الامام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب ثم روى عن الكسائي والاصمعي وأبي عمرو تفسير غريبه وحاصل ما ذكره مما فيه غرابة أن المطهم هو الممتلئ الجسم والمكلثم شديد تدوير الوجه يعني لم يكن بالسمين الناهض ولم يكن ضعيفا بل كان بين ذلك ولم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة وهي أحل عند العرب ومن يعرف وكان أبيض مشربا حمرة وهي أحسن اللون ولهذا لم يكن أمهق اللون والادعج هو شديد سواد الحدقة وجليل المشاش هو عظيم رءوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين والكتد الكاهل وما يليه من الجسد وقوله شثن الكفين أي غليظهما وتقلع في مشيته أي شديد المشية وتقدم الكلام على الشكلة والشهلة والفرق بينهما والاهدب طويل أشفار العين وجاء في حديث أنه كان شبح الذراعين يعني غليظهما والله تعالى اعلم
*2* حديث ام معبد في ذلك
@
قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة الى المدينة حين ورد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديلي فسألوها هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا وقالت لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى وكانوا ممحلين فنظر إلى شاة في كسر خيمتها فقال ما هذه الشاة يا أم معبد فقالت خلفها الجهد فقال أتأذنين أن أحلبها فقالت إن كان بها حلب فاحلبها فدعا بالشاة فمسحها وذكر اسم الله فذكر الحديث في حلبه منها ما كفاهم أجمعين ثم حلبها وترك عندها إناءها ملأى وكان يربض الرهط فلما جاء بعلها استنكر اللبن وقال من أين لك هذا يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاء عازب فقالت لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت فقال صفيه لي فوالله إني لأراه صاحب قريش الذي تطلب فقالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة ولم تزربه صعلة قسيم وسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل أحور أكحل أزج أقرن في عنقه سطع وفي لحيته كثاثة إذا صمت فعليه الوقار وإذا تكلم سما وعلاه البهاء حلو المنطق فصلا لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن أبهى الناس وأجمله من بعيد
وأحلاه وأحسنه من قريب ربعة لا تشنؤه عين من طول ولا تقتحمه عين من قصر غصن بين غصنين فهو انضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدا له رفقاء يحفون به إن قال استمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود لا عابس ولا مفند فقال بعلها هذا والله صاحب قريش الذي تطلب ولو صادفته لالتمست أن أصحبه ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا قال وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقوله وهو يقول
جزى الله رب الناس خير جزائه * رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به * فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيال قضي ما زوى الله عنكم * به من فعال لا تجازى وسؤدد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها * فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت * له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادره رهنا لديها لحالب * يدر لها في مصدر ثم مورد
وقد قدمنا جواب حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن والمقصود أن الحافظ البيهقي روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي قال ثنا الحسن بن الصباح عن أبي معبد الخزاعي فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه وقد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي والحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة قال عبد الملك فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك وأن أم معبد هاجرت وأسلمت ثم إن الحافظ البيهقي أتبع هذا الحديث بذكر غريبه وقد ذكرناه في الحواشي فيما سبق ونحن نذكر ههنا نكتا من ذلك فقولها ظاهر الوضاءة أي ظاهر الجمال أبلج الوجه أي مشرق الوجه مضيئه لم تعبه ثجلة قال أبو عبيد هو كبر البطن وقال غيره كبر الرأس ورد أبو عبيدة رواية من روى لم تعبه نحلة يعني من النحول وهو الضعف قلت وهذا هو الذي فسر به البيهقي الحديث والصحيح قول أبي عبيدة ولو قيل إنه كبر الرأس لكان قويا وذلك لقولها بعده لو تزر به صعلة وهو صغر الرأس بلا خلاف ومنه يقال لولد النعامة صعل لصغر رأسه ويقال له الظليم وأما البيهقي فرواه لم تعبه نحلة يعني من الضعف كما فسره ولم تزربه صعلة وهو الحاصرة يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمشفح ولا ناحل قال ويروى لم تعبه ثجلة وهو كبر البطن ولم تزر به صعلة وهو صغر الرأس وأما الوسيم فهو حسن الخلق وكذلك القسيم أيضا والدعج شدة سواد الحدقة والوطف طول أشفار العينين ورواه القتيبي في أشفاره عطف وتبعه البيهقي في ذلك قال ابن قتيبة ولا أعرف
ما هذا لأنه وقع في روايته غلط فحار في تفسيره والصواب ما ذكرناه والله أعلم وفي صوته صحل وهو بحة يسيرة وهي أحلى في الصوت من أن يكون حادا قال أبو عبيد وبالصحل يوصف الظباء قال ومن روى في صوته صهل فقد غلط فان ذلك لا يكون إلا في الخيل ولا يكون في الانسان قلت وهو الذي أورده البيهقي قال ويروى صحل والصواب قول أبي عبيد والله أعلم وأما قولها أحور فمستغرب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وهو قبل في العين يزينها لا يشينها كالحول وقولها أكحل قد تقدم له شاهد وقولها أزج قال أبو عبيد هو المتقوس الحاجبين قال وأما قولها أقرن فهو التقاء الحاجبين بين العينين قال ولا يعرف هذا في صفة النبي صلى الله عليه وسلم الا في هذا الحديث قال والمعروف في صفته عليه السلام أنه أبلج الحاجبين في عنقه سطع قال أبو عبيد أي طول وقال غيره نور قلت والجمع ممكن بل متعين وقولها إذا صمت فعليه الوقار أي الهيبة عليه في حال صمته وسكوته وإذا تكلم سما أي علا على الناس وعلاه البهاء أي في حال كلامه حلو المنطق فصل أي فصيح بليغ يفصل الكلام ويبينه لا نزر ولا هذر أي لا قليل ولا كثير كأن منطقه خرزات نظم يعني الذي من حسنه وبلاغته وفصاحته وبيانه وحلاوة لسانه أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب أي هو مليح من بعيد ومن قريب وذكرت أنه لا طويل ولا قصير بل هو أحسن من هذا ومن هذا وذكرت أن أصحابه يعظمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته وما ذلك إلا لجلالته عندهم وعظمته في نفوسهم ومحبتهم له وأنه ليس بعابس أي ليس يعبس ولا يفند أحدا أي يهجنه ويستقل عقله بل جميل المعاشرة حسن الصحبة صاحبه كريم عليه وهو حبيب إليه صلى الله عليه
*2* حديث هند بن أبي هالة في ذلك
@
وهند هذا هو ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمه خديجة بنت خويلد وأبوه أبو هالة كما قدمنا بيانه قال يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ رحمه الله حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري وأبو غسان مالك ابن اسمعيل الهندي قالا ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي قال حدثني رجل بمكة عن ابن لأبي هالة التميمي عن الحسن بن علي قال سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافا عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع وأقصر من المشذب عظيم الهامة رجل الشعر إذا تفرقت عقيصته فرق والا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه ذا وفرة أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية أدعج سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة كأنه عنقه جيد دمية في صفاء يعني الفضة معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين
المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب الراحة سبط الغضب شثن الكفين والقدمين سابل الاطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشي هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره الى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه يبدأ من لقيه بالسلام قلت صف لي منطقه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم فصل لا فضول ولا تقصير دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا ولا يمدحه ولا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شيء حتى ينتصر له وفي رواية لا تغضبه الدنيا وما كان لها فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ولم يقيم لغضبه شيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث يصل بها ليضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم ويفتر عن مثل حب الغمام قال الحسن فكتمتها الحسن بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني اليه فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسن سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك وكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزأ الله وجزءا لأهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئا وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذي ينبغي ويقول ليبلغ الشاهد الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته فانه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده الا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه زوارا ولا يفترقون إلا عن ذواق وفي رواية ولا يتفرقون الا عن ذوق ويخرجون أدلة يعني فقهاء قال وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه الا بما يعينهم ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خاتمه يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس ويحسن الحسن ويقويه ويقبح القبيح ويوهيه معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجوزه الذين يلونه من الناس خيارهم أفضلهم عنده أعمهم
نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة قال فسألته عن مجلسه كيف كان فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم الا على ذكر ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك يعطي كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم منه عليه منه من جالسه أوقاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف ومن سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وامانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير يؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب قال فسألته عن سيرته في جلسائه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث المراء والاكثار ومالا يعنيه وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يطلب عورته ولا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير فاذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى ان كان أصحابه في التيمورية يستحلونه في المنطق ويقول إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه ولا يقبل الثناء الا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام قال فسألته كيف كان سكوته قال كان سكوته على أربع الحلم والحذر والتقدير والتفكر فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس وأما تذكره أو قال تفكره ففيما يبقى ويفنى وجمع له صلى الله عليه وسلم الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه وجمع له الحذر في أربع أخذه بالحسنى والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله في كتاب شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سفيان بن وكيع بن الجراح عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي حدثني رجل من ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي قال سألت خالي فذكره وفيه حديثه عن أخيه الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب وقد رواه الحافظ ابو بكر البيهقي في الدلائل عن أبي عبد الله الحاكم النيسابوري لفظا وقراءة عليه أنا أبو محمد الحسن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب القعنبي صاحب كتاب النسب ببغداد حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست وستين ومائتين حدثني علي
ابن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن علي بن الحسين بن علي عن أبيه محمد بن علي بن الحسين قال قال الحسن سألت خالي هند بن أبي هالة فذكره قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله في كتابه الأطراف بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين وروى إسماعيل بن مسلم بن قعنب القعنبي عن إسحاق بن صالح المخزومي عن يعقوب التيمي عن عبد الله ابن عباس أنه قال لهند بن أبي هالة وكان وصافا لرسول الله صف لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بعض هذا الحديث وقد روى الحافظ البيهقي من طريق صبيح بن عبد الله الفرغاني وهو ضعيف عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد عن أبيه وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثا مطولافي صفة النبي صلى الله عليه وسلم قريبا من حديث هند بن أبي هالة وسرده البيهقي بتمامه وفي أثنائه تفسير ما فيه من الغريب وفيما ذكرناه غنية عنه والله تعالى أعلم وروى البخاري عن أبي عاصم الضحاك عن عمر بن سعيد بن أحمد بن حسين عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال صلى أبو بكر العصر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بليال فخرج هو وعلي يمشيان فاذا الحسن بن علي يلعب مع الغلمان قال فاحتمله أبو بكر على كاهله وجعل يقول ياباي شبه النبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك منهما رضي الله عنهما وقال البخاري ثنا أحمد بن يونس ثنا زهير ثنا إسماعيل عن أبي جحيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الحسن بن علي يشبهه وروى البيهقي عن أبي علي الروذباري عن عبد الله بن جعفر بن شوذب الواسطي عن شعيب بن أيوب الصريفيني عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانىء عن علي رضي الله عنه قال الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس والحسين الله صلى الله عليه وسلم ما كان اسفل من ذلك


2* باب ذكر اخلاقه وشمائله الطاهرة صلى الله عليه وسلم
@
قد قدمنا طيب أصله ومحتده وطهارة نسبه ومولده وقد قال الله تعالى والله أعلم حيث يجعل رسالته وقال البخاري حدثنا قتيبة ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت من خير قرون بني آدم قرنا بعد قرن حتى كنت من القرن الذي كنت فيه وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل واصطفى بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم وقال الله تعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى وإنك لعلى خلق عظيم
يعني وإنك لعلى دين عظيم وهو الاسلام وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقال عطية لعلى أدب عظيم وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال سألت عائشة أم المؤمنين فقلت أخبريني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أما تقرأ القرآن قلت بلى فقالت كان خلقه القرآن وقد روى الامام أحمد عن إسماعيل بن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن البصري قال وسئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن وروى الامام احمد عن عبد الرحمن ابن مهدي والنسائي من حديثه وابن جرير من حديث ابن وهب كلاهما عن معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير قال حججت فدخلت على عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن ومعنى هذا أنه عليه السلام مهما أمره به القرآن العظيم امتثله ومهما نهاه عنه تركه هذا ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أجمل منها وشرع له الدين العظيم الذي لم يشرعه لأحد قبله وهو مع ذلك خاتم النبيين فلا رسول بعده ولا نبي صلى الله عليه وسلم فكان فيه من الحياءوالكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه وقال يعقوب بن سفيان ثنا سليمان ثنا عبد الرحمن ثنا الحسن بن يحيى ثنا زيد بن واقد عن بشر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى أنا قيس بن أنيف ثنا قتيبة بن سعيد ثنا جعفر بن سليمان عن أبي عمران عن زيد بن بابنوس قال قلنا لعائشة يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالت أتقرأ سورة المؤمنون إقرأ قد أفلح المؤمنون إلى العشر قالت هكذا كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا رواه النسائي عن قتيبة وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس وقال الامام احمد حدثنا سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق تفرد به أحمد ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطي في كتابه فقال وإنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجها وأحسن الناس خلقا وقال مالك عن الزهري
عن عروة عن عائشة أنها قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس منه وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك وروى مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه شيء فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل وقد قال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له قط ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما فاذا كان إثما كان أبعد الناس من الاثم ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله عز وجل وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن أبي اسحاق سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول سمعت عائشة وسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح أو قال يعفو ويغفر شك أبو داود ورواه الترمذي من حديث شعبة وقال حسن صحيح وقال يعقوب بن سفيان ثنا آدم وعاصم بن علي قالا ثنا ابن أبي ذئب ثنا صالح مولى التوأمة قال كان أبو هريرة ينعت رسول الله قال كان يقبل جميعا ويدبر جميعا بأبي وأمي لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الاسواق زاد آدم ولم أر مثله قبله ولم ار مثله بعده وقال البخاري ثنا عبدان عن أبي حمزة عن الاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا وكان يقول إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ورواه مسلم من حديث الاعمش به وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمر أنه قال إن رسول الله موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن يا ايها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وقد روى عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار وقال البخاري ثنا مسدد ثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها حدثنا ابن بشار ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا ثنا شعبة مثله وإذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه ورواه مسلم من حديث شعبة وقال الامام احمد ثنا أبو عامر ثنا فليح عن هلال بن علي عن أنس بن مالك قال لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم
سبابا ولا لعانا ولا فاحشا كان يقول لأحدنا عند المعاتبة ماله تربت جبينه ورواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أجود الناس وكان أشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول لم تراعوا لم تراعوا قال وجدناه بحرا أو إنه لبحر قال وكان فرسا يبطأ ثم قال مسلم ثنا بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة يقال له مندوب فركبه فقال ما رأينا من فزع وإن وجدناه لبحرا قال كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو اسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب قال لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس بأسا رواه أحمد والبيهقي وتقدم في غزوة هوازن أنه عليه السلام لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته وهو ينوه باسمه الشريف يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام صلوات الله عليه وفي صحيح مسلم من حديث إسماعيل ابن علية عن عبد العزيز عن أنس قال لما قدم رسول الله المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول الله فقال يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال فخدمته في السفر والحضر والله ما قال لي شيء صنعته لم صنعت هذا هكذا ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا وله من حديث سعيد بن أبي بردة عن أنس قال خدمت رسول الله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط لم فعلت كذا وكذا ولا عاب علي شيئا قط وله من حديث عكرمة بن عمار عن إسحاق قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقا فأرسلني يوما لحاجة فقلت والله لا أذهب وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي قال فنظرت إليه وهو يضحك فقال يا أنيس ذهبت حيث أمرتك فقلت نعم أنا أذهب يا رسول الله قال أنس والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم صنعت كذا وكذا أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا وقال الامام أحمد ثنا كثير ثنا هشام ثنا جعفر ثنا عمران القصير عن أنس بن مالك قال خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما أمرني بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني وإن لامني أحد من أهله إلا قال دعوه فلو قدر أو قال قضى أن يكون كان ثم رواه أحمد عن علي بن ثابت عن جعفر هو ابن برقان عن عمران البصري وهو القصير عن أنس فذكره تفرد به الامام احمد وقال الامام أحمد ثنا
عبد الصمد ثنا أبي ثنا أبو التياح ثنا أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير قال أحسبه قال فطيما قال فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال أبا عمير ما فعل النغير قال نفر كان يلعب به قال فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم خلفه يصلي بنا قال وكان بساطهم من جريد النخل وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن أبي التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وقال الامام أحمد حدثنا أبو كامل ثنا حماد بن زيد ثنا سلم العلوي سمعت أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على رجل صفرة فكرهها قال فلما قام قال لو امرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة قال وكان لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه وقد رواه ابو داود والترمذي في الشمائل والنسائي في اليوم والليلة من حديث حماد بن زيد عن سلم بن قيس العلوي البصري قال أبو داود وليس من ولد علي بن أبي طالب وكان يبصر في النجوم وقد شهد عند عدي بن أرطأة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته وقال أبو داود ثنا عثمان ابن أبي شيبة ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول ما بال أقوام يقولون كذا وكذا وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يبلغني أحد عن أحد شيئا إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر وقال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك قال فالتفت اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك ثم أمر له بعطاء أخرجاه من حديث مالك وقال الامام احمد ثنا زيد بن الحباب أخبرني محمد ابن هلال القرشي عن أبيه أنه سمع ابا هريرة يقول كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما قام قمنا معه فجاء أعرابي فقال اعطني يا محمد فقال لا وأستغفر الله فجذبه بحجزته فخدشه قال فهموا به فقال دعوه قال ثم أعطاه قال فكانت يمينه لا وأستغفر الله وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن أبي هلال بن أبي هلال مولى بني كعب عن أبيه عن أبي هريرة بنحوه وقال يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن ثمامة بن عتبة عن زيد بن أرقم قال كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأتمنه وأنه عقد
له عقدا وألقاه في بئر فصرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه ملكان يعودانه فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا وهي في بئر فلان ولقد اصفر الماء من شدة عقده فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فاستخرج العقد فوجد الماء قد اصفر فحل العقد ونام النبي صلى الله عليه وسلم فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيته في وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات قلت والمشهور في الصحيح أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط ومثاقة في جف طلعة ذكر تحت بئر ذروان وأن الحال استمر نحو ستة اشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين ويقال إن آياتهما إحدى عشرة آية وأن عقد ذلك الذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة وقد بسطنا ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية والله أعلم وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعيم ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي ثنا زيد العمي عن أنس ابن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه ولا يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث عمران بن زيد الثعلبي أبي يحيى الطويل الكوفي عن زيد بن الحواري العمي عن أنس به وقال أبو داود ثنا أحمد بن منيع ثنا أبو قطن ثنا مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه وما رأيت رسول الله آخذا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده تفرد به أبو داود وقال الامام احمد وحدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة قال ابن جعفر في حديثه قال سمعت علي بن يزيد قال قال أنس بن مالك ان كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت ورواه ابن ماجه من حديث شعبة وقال الامام احمد ثنا هشيم ثنا حميد عن أنس بن مالك قال إن كانت الامة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به في حاجتها وقد رواه البخاري في كتاب الادب من صحيحه معلقا فقال وقال محمد بن عيسى هو ابن الطباع ثنا هشيم فذكره وقال الطبراني ثنا أبو شعيب الحراني ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي ثنا أيوب بن نهيك سمعت عطاء بن أبي رباح سمعت ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى صاحب بز فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم فخرج وهو عليه فإذا رجل من الانصار فقال يا رسول الله اكسني قميصا كساك الله من ثياب الجنة فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم وبقي معه درهمان فاذا هو بجارية في الطريق تبكي فقال ما يبكيك فقالت يا رسول الله دفع إلي أهلي درهمين اشتري بهما دقيقا فهلكا فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين ثم انقلب وهي تبكي فدعاها فقال ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين فقالت أخاف أن
يضربوني فمشى معها إلى أهلها فسلم فعرفوا صوته ثم عاد فسلم ثم عاد فسلم ثم عاد فثلث فرودا فقال أسمعتم أول السلام قالوا نعم ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا وأمنا فقال أشفقت هذه الجارية أن تضربوها فقال صاحبها هي حرة لوجه الله لممشاك معها فبشرهم رسول الله بالخير والجنة ثم قال لقد بارك في العشرة كسا الله نبيه قميصا ورجلا من الانصار قميصا وأعتق الله منها رقبة وأحمد الله هو الذي رزقنا هذا بقدرته هكذا رواه الطبراني وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي وقد ضعفه أبو حاتم وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال الأزدي متروك وقال الامام احمد ثنا عفان ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت يا رسول الله إن لي حاجة فقال يا أم فلان انظري أي الطرق شئت فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة وثبت في الصحيحين من حديث الاعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة قال ما عاب رسولى صلى الله عليه وسلم طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه وقال الثوري عن الأسود بن قيس عن شيخ العوفي عن جابر قال أتانا رسول الله في منزلنا فذبحنا له شاة فقال كأنهم علموا أنا نحب اللحم الحديث وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن عمر بن عبد العزيز عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدث كثيرا ما يرفع طرفه الى السماء وهكذا رواه أبو داود في كتاب الادب من سننه من حديث محمد بن إسحاق به وقال أبو داود حدثنا سلمة بن شعيب ثنا عبد الله بن إبراهيم ثنا إسحاق بن محمد الانصاري عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيده ورواه البزار في مسنده ولفظه كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه ثم قال أبو داود ثنا حفص بن عمر وموسى بن اسماعيل قالا ثنا عبد الرحمن بن حسان العنبري حدثني جدتاي صفية ودحيبة ابنتا عليبة قال موسى ابنة حرملة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قاعد القرفصاء قالت فلما رأيت رسول الله المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق ورواه الترمذي في الشمائل وفي الجامع عن عبد بن حميد عن عفان بن مسلم بن عبد الله بن حسان به وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في معجمه الكبير وقال البخاري ثنا الحسن بن الصباح البزار ثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثا لو عده العاد لأحصاه قال البخاري وقال الليث حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت
ألا أعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعني ذلك وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو ادركته لرددت عليه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم وقد رواه أحمد عن علي بن إسحاق ومسلم عن حرملة وأبو داود عن سليمان بن داود كلهم عن ابن وهب عن يونس بن يزيد به وفي روايتهم ألاأعجبك من أبي هريرة فذكره نحوه وقال الامام احمد حدثنا وكيع عن سفيان عن أسامة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم فصلا يفهمه كل أحد لم يكن يسرد سردا وقد رواه أبو داود عن ابن أبي شيبة عن وكيع وقال أبو يعلى ثنا عبد الله بن محمد بن اسماء ثنا عبد الله بن مسعر حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله أو ابن عمر يقول كان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ترسيل وقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا وإذا أتى قوما يسلم عليهم سلم ثلاثا ورواه البخاري من حديث عبد الصمد وقال أحمد ثنا أبو سعيد بن أبي مريم ثنا عبد الله بن المثنى سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاثا وكان يستأذن ثلاثا وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه ثم قال الترمذي حسن صحيح غريب وفي الصحيح أنه قال أوتيت جوامع الكلم وأختصر الحكم اختصارا قال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثنا ليث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي وهكذا رواه البخاري من حديث الليث وقال أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد حدثنا يزيد ثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم وثبت في الصحيحين من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث حدثني أبو النضر عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم وقال الترمذي ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة ع عبد الله بن الحرث بن جزء قال ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم
رواه من حديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال ما كان ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تبسما ثم قال صحيح وقال مسلم ثنا يحيى بن يحيى ثنا أبو خيثمة عن سماك بن حرب قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس قام وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو داود الطيالسي ثنا شريك وقيس بن سعد عن سماك بن حرب قال قلت لجابر بن سمرة أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم كان قليل الصمت قليل الضحك فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده وربما قال الشيء من أمورهم فيضحكون وربما يتبسم وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن إسحاق أنا أبو عبد الرحمن المقري ثنا الليث بن سعد عن الوليد بن أبي الوليد أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد يعني ابن ثابت أن نفرا دخلوا على أبيه فقالوا حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه فأكتب الوحي وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا فكل هذا نحدثكم عنه ورواه الترمذي في الشمائل عن عباس الدوري عن أبي عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد المقري به نحوه
*2* كرمه عليه السلام
@
تقدم ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة في عمومها وتواترها وعدم انقطاعها وفي الصحيحين من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا وقال الامام احمد حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن موسى بن أنيس عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسأل شيئا على الاسلام إلا أعطاه قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة قال فرجع إلى قومه فقال يا قوم اسلموا فان محمدا يعطي عطاء ما يخشى الفاقة ورواه مسلم عن عاصم بن النضر عن خالد بن الحارث عن حميد وقال أحمد ثنا عفان ثنا حماد ثنا ثابت عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال يا قوم اسلموا فان محمد يعطي عطاء ما يخاف الفاقة فان كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به
وهذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفي القلوب في الاسلام ويتألف آخرين ليدخلوا في الاسلام كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الابل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة ومع هذا لم يعط الأنصار وجمهور المهاجرين شيئا بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الاسلام وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير وقال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتب من جماعة الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم قالوا رضينا يا رسول الله وهكذا أعطى عمه العباس بعد ما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد وجاء العباس فقال يا رسول الله اعطني فقد فاديت نفسي يوم بدر وفاديت عقيلا فقال خذ فنزع ثوبه عنه وجعل يضع فيه من ذلك المال ثم قام ليقله فلم يقدر فقال لرسول الله ارفعه علي قال لا أفعل فقال مر بعضهم ليرفعه علي فقال لا فوضع منه شيئا ثم عاد فلم يقدر فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فلم يفعل فوضع منه ثم احتمل الباقي وخرج به من المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره عجبا من حرصه قلت وقد كان العباس رضي الله عنه رجلا شديدا طويلا نبيلا فأقل ما احتمل شيء يقارب أربعين ألفا والله أعلم وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع معلقا بصيغة الجزم وهذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم وقد تقدم عن أنس بن مالك خادمه عليه السلام أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وأشجع الناس الحديث وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم المجبول على أكمل الصفات الواثق بما في يدي الله عز وجل الذي أنزل عليه في محكم كتابه العزيز وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض الآية وقال تعالى وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وهو عليه السلام القائل لمؤذنه بلال وهو الصادق المصدوق في الوعد والمقال
أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا وهو القائل عليه السلام
ما من يوم تصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا وفي الحديث الآخر أنه قال لعائشة
لا توعى فيوعى الله عليك ولا توكي فيوكي الله عليك وفي الصحيح أنه عليه السلام قال
يقول الله تعالى ابن آدم أنفق أنفق عليك فكيف لا يكون أكرم الناس وأشجع الناس وهو المتوكل الذي لا أعظم منه في توكله الواثق برزق الله ونصره المستعين بربه في جميع أمره ثم قد كان قبل بعثته وبعدها وقبل هجرته ملجأ الفقراء والأرامل والأيتام والضعفاء والمساكين كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة
وما ترك قوم لا أبالك سيدا * يحوط الذمار غير ذرب موكل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
ومن تواضعه ما روى الامام احمد من حديث حماد بن سلمة عن ثابت زاد النسائي وحميد عن أنس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا سيدنا وابن سيدنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
يا أيها الناس قولوا يقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد بن عبد الله ورسوله والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله
لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن شعبة حدثني الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال قلت لعائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله قالت كان في مهنة أهله فاذا حضرت الصلاة خرج الى الصلاة وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر قالا حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال قلت لعائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع إذا دخل بيته قالت كان يكون في مهنة أهله فاذا حضرت الصلاة خرج فصلى ورواه البخاري عن آدم عن شعبة وقال الامام أحمد حدثنا عبدة ثنا هشام بن عروة عن رجل قال سئلت عائشة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته قالت كان يرقع الثوب ويخصف النعل ونحو هذا وهذا منقطع من هذا الوجه وقد قال عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عروة وهشام بن عروة عن أبيه قال سأل رجل عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته قالت نعم كان يخصف نعله ويخيط ثوبه كما يعمل أحدكم في بيته رواه البيهقي فاتصل الاسناد وقال البيهقي أنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البحتري إملاء حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا ابن صالح حدثني معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت قلت لعائشة ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه ورواه الترمذي في الشمائل عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت قيل لعائشة ما كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته الحديث وروى ابن عساكر من طريق أبي أسامة عن حارثة بن محمد الأنصاري عن عمرة قالت قلت لعائشة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهله قالت كان ألين الناس وأكرم الناس وكان ضحاكا بساما وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة حدثني مسلم أبو عبد الله الأعور سمع أنسا يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويركب الحمار ويلبس الصوف ويجيب دعوة المملوك ولو رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف
وفي الترمذي وابن ماجه من حديث مسلم بن كيسان الملائي عن أنس بعض ذلك وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ إملاء ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القاري ببغداد ثنا عبد الله بن احمد بن ابراهيم الدروري ثنا احمد بن نصر بن مالك الخزاعي ثنا علي بن الحسين ابن واقد عن أبيه قال سمعت يحيى بن عقيل يقول سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يستنكف أن يمشي مع العبد ولا مع الأرملة حتى يفرغ لهم من حاجاتهم ورواه النسائي عن محمد بن عبد العزيز عن أبي زرعة عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري عن ابن أبي أوفى بنحوه وقال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق ثنا هاشم بن القاسم ثنا شيبان أبو معاوية عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبي بردة عن أبي موسى قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويلبس الصوف ويعتقل الشاة ويأتى مراعاة الضيف وهذا غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه وإسناده جيد وروى محمد بن سعد عن إسماعيل بن أبي فديك عن موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى عتبة أنه كان نصرانيا من أهل مريس وأنه كان في حجر عمه وأنه قال قرأت يوما في مصحف لعمي فاذا فيه ورقة بغير الخط وإذا فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين بين كتفيه خاتم يكثر الاختباء ولا يقبل الصدقة ويركب الحمار والبعير ويحتلب الشاة ويلبس قميصا مرقوعا ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد قال فلما جاء عمي ورآني قد قرأتها ضربني وقال مالك وفتح هذه فقلت إن فيها نعت أحمد فقال إنه لم يأت بعد وقال الامام احمد ثنا إسماعيل ثنا أيوب عن عمرو عن سعيد عن أنس قال ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن عليه به وقال الترمذي في الشمائل ثنا محمود بن غيلان ثنا أبو داود عن شعبة عن الأشعث بن سليم قال سمعت عمتي تحدث عن عمها قال بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول ارفع إزارك فانه أنقى وأبقى فنظرت فاذا هو رسول الله فقلت يا رسول الله إنما هي بردة ملحاء قال أمالك في أسوة فاذا إزاره إلى نصف ساقيه ثم قال ثنا سويد بن نصر ثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال كان عثمان بن عفان متزرا إلى أنصاف ساقيه قال هكذا كانت أزره صاحبي صلى الله عليه وسلم وقال أيضا
ثنا يوسف بن عيسى ثنا وكيع ثنا الربيع بن صبيح ثنا يزيد بن أبان عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيات وهذا فيه غرابة ونكارة والله أعلم وروى البخاري عن علي بن الجعد عن شعبة عن يسار أبي الحكم عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم ورواه مسلم من وجه آخر عن شعبة
*2* مزاجه عليه السلام
@
وقال ابن لهيعة حدثني عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع صبى وقد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا عمير وقوله أبا عمير ما فعل النغير يذكره بموت نغر كان يلعب به ليخرجه بذلك كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار وقال الامام أحمد ثنا خلف بن الوليد ثنا خالد بن عبد الله عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحمله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا حاملوك على ولد ناقة فقال يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل تلد الابل إلا النوق ورواه أبو داود عن وهب بن بقية والترمذي عمر قيتبه كلاهما عن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان به وقال الترمذي صحيح غريب وقال أبو داود في هذا الباب ثنا يحيى بن معين ثنا حجاج بن محمد ثنا يونس بن أبي اسحاق عن أبي اسحاق عن العيزار بن حرب عن النعمان بن بشير قال استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عاليا على رسول الله فلما دخل تناولها ليلطمها وقال ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه وخرج أبو بكر مغضبا فقال رسول الله حين خرج أبو بكر كيف رأيتني أنقذتك من الرجل فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلنا قد فعلنا وقال أبو داود ثنا مؤمل بن الفضل ثنا الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء عن بشر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك الأشجعي قال أتيت رسول الله في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فسلمت فرد وقال ادخل فقلت أكلي يا رسول الله فقال كلك فدخلت وحدثنا صفوان بن صالح ثنا الوليد ابن عثمان بن أبي العاملة إنما قال أدخل كلي من صغر القبة ثم قال أبو داود ثنا ابراهيم بن مهدي ثنا شريك عن عاصم عن أنس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ياذا الأذنين قلت ومن هذا القبيل ما رواه الامام أحمد ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن ثابت عن أنس أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا يهدي النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج
فقال رسول الله إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه وكان رجلا دميما فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ولا يبصره فقال أرسلني من هذا فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من يشتري العبد فقال يا رسول الله إذن والله تجدني كاسدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عند الله لست بكاسد أو قال لكن عند الله أنت غال وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيحين ولم يروه الا الترمذي في الشمائل عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق ورواه ابن حبان في صحيحه عن هكذا ورد ومن هذا القبيل ما رواه البخاري في صحيحه أن رجلا كان يقال له عبد الله ويلقب حمارا وكان يضحك النبي صلى الله عليه وسلم وكان يؤتى به في الشراب فجيء يوما فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلعنه فانه يحب الله ورسوله ومن هذا ما قال الامام احمد ثنا حجاج حدثني شعبة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في مسير وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق قال فكان نساؤه يتقدمن بين يديه فقال يا أنجشة ويحك ارفق بالقوارير وهذا الحديث في الصحيحين عن أنس قال وكان للنبي صلى الله عليه وسلم حاد يحدو بنسائه يقال له أنجشة فحدا فأعنقت الابل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا أنجشة ارفق بالقوارير ومعنى القوارير النساء وهي كلمة دعابة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين
ومن مكارم أخلاقه ودعابته وحسن خلقه استماعه عليه السلام حديث أم زرع من عائشة بطوله ووقع في بعض الروايات أنه عليه السلام هو الذي قصه على عائشة ومن هذا ما رواه الامام أحمد ثنا أبو النضر ثنا أبو عقيل يعني عبد الله بن عقيل الثقفي به حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ذات ليلة حديثا فقالت امرأة منهن يا رسول الله كان الحديث حديث خرافة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتدرين ما خرافة إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية فمكث فيهم دهرا طويلا ثم ردوه إلى الانس فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب فقال الناس حديث خرافة وقد رواه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن الصباح البزار عن أبي النضر هاشم بن القاسم به قلت وهو من غرائب الأحاديث وفيه نكارة ومجالد بن سعيد يتكلمون فيه فالله أعلم وقال الترمذي في باب خراج النبي صلى الله عليه وسلم من كتابه الشمائل ثنا عبد بن حميد ثنا مصعب بن المقدام ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن
قال أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ادع لي أن يدخلني الله الجنة قال يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز فولت العجوز تبكي فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز فان الله تعالى يقول إنا إنشأناهن إنشاء فجعلناهن إبكارا وهذا مرسل من هذا الوجه وقال الترمذي ثنا عباس ابن محمد الدوري ثنا علي بن الحسن بن شقيق ثنا عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن ابي هريرة قال قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا قال إني لا أقول إلا حقا تداعبنا يعني تمازحنا وهكذا رواه الترمذي في جامعه في باب البر بهذا الاسناد ثم قال وهذا حديث مرسل حسن
*2* باب زهده عليه السلام وإعراضه عن هذه الدار
@
قال الله تعالى ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى وقال تعالى واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا وقال تعالى فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم وقال ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين والآيات في هذا كثيرة وأما الأحاديث فقال يعقوب بن سفيان حدثني أبو العباس حيوة بن شريح أنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال كان ابن عباس يحدث أن الله أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل فقال الملك لرسوله إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا نبيا فالتفت رسول الله إلى جبريل كالمستشير له فأشار جبريل إلى رسول الله أن تواضع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أكون عبدا نبيا قال فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله عز وجل وهكذا رواه البخاري في التاريخ عن حيوة بن شريح وأخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد به وأصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة ولا أعلمه الا عن أبي هريرة قال جلس جبريل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فاذا ملك ينزل فقال جبريل إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة فلما نزل قال يا محمد أرسلني إليك ربك أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مقتصرا وهو من إفراده من هذا الوجه وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه أن لا يدخل عليهن شهرا واعتزل عنهن في علية فلما دخل عليه عمر في تلك العلية فإذا
ليس فيها سوى صبرة من قرظ وأهبة معلقة وصبرة من شعير وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أمر في جنبه فهملت عينا عمر فقال مالك فقلت يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه وكسرى وقيصر فيما هما فيه فجلس محمرا وجهه فقال أوفي شك أنت يا ابن الخطاب ثم قال أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا وفي رواية لمسلم أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة فقلت بلى يا رسول الله قال فاحمد الله عز وجل ثم لما انقضى الشهر أمره الله عز وجل أن يخير أزواجه وأنزل عليه قوله يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فان الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا التفسير وأنه بدأ بعائشة فقال لها إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك وتلا عليها هذه الآية قالت فقلت أفي هذا أستأمر أبوي فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة وكذلك قال سائر أزواجه عليه السلام ورضي عنهن وقال مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال دخلت على رسول الله وهو على سرير مزمول بالشريط وتحت رأسه وسادة من ادم حشوها ليف ودخل عليه عمر وناس من الصحابة فانحرف رسول الله انحرافة فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى فقال له ما يبكيك يا عمر قال ومالي لا أبكي وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى فقال يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بلى قال هو كذلك هكذا رواه البيهقي وقال الامام احمد حدثنا أبو النضر ثنا مبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال دخلت على رسول الله وهو على سرير مضطجع مزمل بشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فدخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر فانحرف رسول الله انحرافة فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا وقد أثر الشريط بجنب رسول الله فبكى عمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عمر قال والله ما أبكي ألا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه وأنت يا رسول الله في المكان الذي أرى فقال رسول الله أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة قال بل قال فانه كذلك وقال أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود قال اضطجع رسول الله على حصير فأثر الحصير بجلده فجعلت أمسحه وأقول بأبي أنت وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه فقال مالي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ورواه ابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبي داود الطيالسي به وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي عن زيد بن الحباب كلاهما عن المسعودي به وقال الترمذي حسن صحيح وقد رواه الامام أحمد من حديث ابن عباس فقال
حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان قالوا ثنا ثابت ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا فقال مالي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها تفرد به أحمد وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عبد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبي هريرة أن رسول الله قال
لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرني أن تأتي علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين وفي الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا فأما الحديث الذي رواه ابن ماجه من حديث يزيد بن سنان عن ابن المبارك عن عطاء عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم احيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين فانه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي وهو ضعيف جدا والله أعلم وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي حدثنا الحارث بن النعمان الليثي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة فقالت عائشة لم يا رسول الله قال إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة يا عائشة حبي المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة ثم قال هذا حديث غريب قلت وفي إسناده ضعف وفي متنه نكارة والله أعلم وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد قال حدثنا أبو عبد الرحمن يعني عبد الله ابن دينار عن أبي حازم عن سعيد بن سعد أنه قيل له هل رأى النبي بعينه يعني الحواري فقال له ما رأى رسول الله النقى بعينه حتى لقي الله عز وجل فقيل له هل لكم مناخل على عهد رسول الله فقال ما كانت لنا مناخل فقيل له فكيف كنتم تصنعون بالشعير قال ننفخه فيطير منه ما طار وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به وزاد ثم نذريه ونعجنه ثم قال حسن صحيح وقد رواه مالك عن أبي حازم قلت وقد رواه البخاري عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن مطرف بن غسان المدني عن أبي حازم عن سهل بن سعد به ورواه البخاري أيضا والنسائي عن شيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبي حازم عن سهل به وقال الترمذي حدثنا عباس بن محمد الدوري ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا جرير بن عثمان عن سليم بن عامر سمعت ابا أمامة يقول ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبز الشعير ثم قال حسن صحيح غريب وقال الامام أحمد ثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان حدثني أبو حازم قال رأيت أبا هريرة يشير بأصبعه مرارا والذي نفس ابي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة
أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه من حديث يزيد بن كيسان وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله وقال الامام أحمد حدثنا هاشم ثنا محمد بن طلحة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض وقال أحمد ثنا محمد بن عبيد ثنا مطيع الغزال عن كردوس عن عائشة قالت قد مضى رسول الله لسبيله وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر وقال الامام احمد ثنا حسن ثنا زويد عن أبي سهل عن سليمان بن رومان مولى عروة عن عروة عن عائشة أنها قالت والذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله عز وجل إلى أن قبض قلت كيف كنتم تأكلون الشعير قالت كنا نقول أف تفرد به أحمد من هذا الوجه وروى البخاري عن محمد بن كثير عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة عن أبيه عن عائشة قالت إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله قلت ولم تفعلون ذلك فضحكت وقالت ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز مأدوم حتى لحق بالله عز وجل وقال أحمد ثنا يحيى ثنا هشام أخبرني أبي عن عائشة قالت كان يأتي على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه نارا ليس إلا التمر والماء إلا أن يؤتى باللحم وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا إنما هو الأسودان التمر والماء إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن ورواه أحمد عن بريدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنها بنحوه وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حسين ثنا محمد بن مطرف عن أبي حازم عن عروة بن الزببير أنه سمع عائشة تقول كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نارا قال قلت يا خالة على أي شيء كنتم تعيشون قالت على الأسودين التمر والماء تفرد به أحمد وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن الأسود عن عائشة قالت ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض وقد رواه مسلم من حديث شعبة وقال الامام أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا بهز ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال قالت عائشة أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا فأمسكت وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قالت أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطعت قالت تقول للذي تحدثه هذا على غير مصباح وفي رواية لو كان عندنا مصباح لأتدمنا به قال قالت عائشة إنه ليأتي على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا وقد رواه أيضا عن بهز بن أسد عن سليمان بن
المغيرة وفي رواية شهرين تفرد به أحمد وقال الامام أحمد ثنا خلف ثنا أبو معشر عن سعيد هو ابن ابي سعيد عن أبي هريرة قال كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا بخبز ولا بطبخ قالوا بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة قال الأسودان التمر والماء وكان لهم جيران من الانصار جزاهم الله خيرا لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن تفرد به أحمد وفي صحيح مسلم من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه عن عائشة قالت توفي رسول الله وقد شبع الناس من الأسودين التمر والماء وقال ابن ماجه حدثنا سويد بن سعيد ثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا وقال الامام أحمد ثنا عبد الصمد ثنا عمار أبو هاشم صاحب الزعفراني عن أنس بن مالك أن فاطمة ناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرة من خبز الشعير فقال هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة ايام تفرد به أحمد وروى الامام أحمد عن عفان والترمذي وابن ماجه جميعا عن عبد الله بن معاوية كلاهما عن ثابت ابن يزيد عن هلال بن خباب العبدي الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان عامة خبزهم خبز الشعير وهذا لفظ أحمد وقال الترمذي في الشمائل ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي عن يزيد بن أبي أمية الأعور عن أبي يوسف بن عبد الله بن سلام قال رأيت رسول الله أخذ كسرة من خبز الشعير فوضع عليها تمرة وقال هذا إدام هذه وأكل وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت كان أحب الشراب إلى رسول الله الحلو البارد وروى البخاري من حديث قتادة عن أنس قال ما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله ولا شاة سميطا بعينه قط وفي رواية له عنه أيضا ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق فقلت لأنس فعلى ما كانوا يأكلون قال على هذه السفر وله من حديث قتادة أيضا عن أنس أنه مشى إلى رسول صلى الله عليه وسلم بخبز شعير وإهالة سنخه ولقد رهن درعه من يهودي فأخذ لأهله شعيرا ولقد سمعته ذات يوم يقول ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب وقال الامام أحمد ثنا عفان ثنا أبان بن يزيد ثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف ورواه الترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن عفان وهذا الاسناد على شرط الشيخين وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن سماك بن حرب سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت عمر بن الخطاب يخطب فذكر ما فتح الله على الناس فقال لقد
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتوي من الجوع ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه وأخرجه مسلم من حديث شعبة وفي الصحيح أن أبا طلحة قال يا أم سليم لقد سمعت صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف فيه الجوع وسيأتي الحديث في دلائل النبوة وفي قصة أبي الهيثم بن التيهان أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله فقال ما أخرجكما فقالا الجوع فقال والذي نفسي بيده لقد أخرجني الذي أخرجكما فذهبوا الى حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا وذبح لهم شاة فأكلوا وشربوا الماء البارد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من النعيم الذي تسألون عنه وقال الترمذي ثنا عبد الله بن أبي زياد ثنا سيار ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبي منصور عن أنس عن أبي طلحة قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه عن حجرين ثم قال غريب وثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كان من آدم حشوه ليف وقال الحسن بن عرفة ثنا عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت دخلت علي امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية فانطلقت فبعثت إلي بفراش حشوه الصوف فدخل علي رسول الله فقال ما هذا يا عائشة قالت قلت يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلت علي فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلي بهذا فقال رديه قالت فلم أرده وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات قالت فقال رديه يا عائشة فوالله لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة وقال الترمذي في الشمائل حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري ثنا عبد الله بن مهدي ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال سئلت عائشة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتك قالت من آدم حشوه ليف وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه فلما كان ذات ليلة قلت لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له فثنيناه له بأربع ثنيات فلما أصبح قال ما فرشتم لي الليلة قالت قلنا هو فراشك الا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك قال ردوه لحالته الاولى فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة وقال الطبراني حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني حدثنا محمد بن عبادة الواسطي حدثنا يعقوب بن محمد الزهري حدثنا محمد بن ابراهيم حدثنا ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن حكيم بن حزام قال خرجت الى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فردها فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها فما ملكت نفسي أن قلت
ما ينظر الحكام بالفضل بعدما * بدا واضح من غرة وحجول
إذا قايسوه الجد أربى عليهم * بمستفرع ما الذباب سحيل


يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:03 AM
فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إلي يتبسم ثم دخل فكساها أسامة بن زيد وقال الامام أحمد حدثني حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال حدثني ربعي بن خراش عن أم سلمة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه قالت فحسبت ذلك من وجع فقلت يا رسول الله أراك ساهم الوجه أفمن وجع فقال لا ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها أمس أمسينا ولم ننفقها نسيتها في خصم الفراش تفرد به أحمد وقال الامام أحمد ثنا أبو سلمة قال أنا بكر بن مضر ثنا موسى بن جبير عن أبي أمامة بن سهل قال دخلت أنا وعروة ابن الزبير يوما على عائشة فقالت لو رأيتما نبي الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم في مرض مرضه قالت وكان له عندي ستة دنانير قال موسى أو سبعة قالت فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقها قالت فشغلني وجع نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله عز وجل قالت ثم سألني عنها فقال ما فعلت السنة قال أو السبعة قلت لا والله لقد شغلني عنها وجعك قالت فدعا بها ثم صفها في كفه فقال ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده تفرد به أحمد وقال قتيبة ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد وهذا الحديث في الصحيحين والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها لما ثبت في الصحيحين عن عمر أنه قال كانت أموال بني النضير مما أفاء ا الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الامام أحمد حدثنا مروان بن معاوية قال أخبرني هلال بن سويد أبو معلى قال سمعت أنس بن مالك وهو يقول أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد فان الله عز وجل يأتي برزق كل غد
*2* حديث بلال في ذلك
@
قال البيهقي ثنا أبو الحسين بن بشران أنا أبو محمد بن جعفر بن نصير ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري ثنا بكار بن محمد أنا عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن رسول الله دخل على بلال فوجد عنده صبرا من تمر قال ما هذا يا بلال قال تمر أدخره قال ويحك يا بلال أو ما تخاف أن تكون له بحار في النار أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا قال البيهقي
بسنده عن أبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي كلاهما عن أبي ثوبة الربيع بن نافع حدثني معاوية ابن سلام عن زيد بن سلام حدثني عبد الله الهوريني قال لقيت بلالا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب فقلت يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان له شيء إلا أنا الذي كنت إلى ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي فكان إذا أتاه الانسان المسلم فرآه عائلا يأمرني فأنطلق فأستقرض فاشتري البردة والشيء فأكسوه وأطعمه حتى اعترضني رجل من المشركين فقال يا بلال إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا مني ففعلت فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فاذا المشرك في عصابة من التجار فلما رآني قال يا حبشي قال قلت يا لبيه فتجهمني وقال قولا عظيما أو غليظا وقال أتدري كم بينك وبين الشهر قلت قريب قال إنما بينك وبينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك فاني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك وإنما أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك قال فأخذني في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس فانطلقت فناديت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي إن المشرك الذي ذكرت لك أني كنت أتدين منه قد قال كذا وكذا وليس عندك ما يقضي عني ولا عندي وهو فاضحي فأذن لي أن آتي إلى بعض هؤلاء الاحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وحرابي ورمحي ونعلي عند رأسي فاستقبلت بوجهي الافق فكلما نمت انتبهت فإذا رأيت على ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول فأردت أن أنطلق فاذا إنسان يدعو يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت حتى آتيه فاذا أربع ركائب عليهم أحمالهن فأتيت رسول الله فاستأذنت فقال لي رسول الله أبشر فقد جاءك الله بقضاء دينك فحمدت الله وقال ألم قمر على الركائب المناخات الأربع قال قلت بلى قال فإن لك رقابهن وما عليهن فاذا عليهن كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك فاقبضهن إليك ثم اقض دينك قال ففعلت فحططت عنهن أحمالهن ثم علفتهن ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجت الى البقيع فجعلت أصبعي في أذني فقلت من كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليحضر فما زلت أبيع وأقضي وأعرض حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الأرض حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية ونصف ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده فسلمت عليه فقال لي ما فعل ما قبلك قلت قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق شيء قال فضل شيء قلت نعم
ديناران قال انظر أن تريحني منهما فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما فلم يأتينا أحد فبات في المسجد حتى أصبح وظل في المسجد اليوم الثاني حتى إذا كان آخر النهار جاء راكبان فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال ما فعل الذي قبلك قلت قد اراحك الله منه فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته فهذا الذي سألتني عنه وقال الترمذي في الشمائل حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمة المديني حدثني أبي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه فقال ما عندي ما أعطيك ولكن ابتع علي شيئا فاذا جاءني شيء قضيته فقال عمر يا رسول الله قد أعطيته فما كلفك الله مالا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر فقال رجل من الانصار يا رسول الله انفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف التبسم في وجهه لقول الانصاري وقال بهذا أمرت وفي الحديث ألا أنهم ليسألوني ويأبى الله على البخل وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم والله لو أن عندي عدد هذه العضاه نعما لقسمتها فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا ضانا ولا كذابا صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي ثنا علي بن حجر ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت أتيت رسول الله بقناع من رطب وأجرز عنب فأعطاني ملء كفيه حليا أو ذهبا وقال الامام أحمد حدثنا سفيان عن مطرف عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر قال المسلمون يا رسول الله فما نقول قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة عن مطرف ومن حديث خالد بن طهمان كلاهما عن عطية وأبي سعيد العوفي البجلي وأبو الحسن الكوفي عن أبي سعيد الخدري وقال الترمذي حسن قلت وقد روى من وجه آخر عنه ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه
ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام قال أبو عبد الله بن ماجه حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ثنا عمرو بن محمد ثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبي سعد الأزدي وكان قارئ الازد عن أبي الكنود عن خباب في قوله تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الى قوله فتكون من الظالمين قال جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول رسول الله حقروهم فأتوا فخلوا به فقالوا نريد أن يجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فان وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فاذا
نحن جئناك فاقمهم عنك فاذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال نعم قالوا فاكتب لنا عليك كتابا قال فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبريل عليه السلام فقال ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ثم قال وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة قال فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فاذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ولا تجالس الأشراف ولا تطع من أغفلنا قبله عن ذكرنا يعني عيينة والأقرع واتبع هواه وكان أمره فرطا قال هلاكا قال أمر عيينة والاقرع ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا قال خباب فكنا نقعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم ثم قال ابن ماجه حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو داود ثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال نزلت هذه الآية فينا ستة في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال قال قالت قريش يا رسول الله انا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم عنك قال فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل فأنزل الله عز وجل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه الآية وقال الحافظ البيهقي أنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصفهاني أنا أبو سعيد بن الاعرابي ثنا أبو الحسن خلف ابن محمد الواسطي الدوسي ثنا يزيد بن هارون ثنا جعفر بن سليمان الضبعي ثنا المعلى بن زياد يعني عن العلاء بن بشير المازني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري وقارئ لنا يقرأ علينا فكنا نسمع إلى كتاب الله فقال رسول الله الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرت أن أصبر معهم نفسي قال فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم قال فما عرف رسول الله أحدا منهم غيري فقال رسول الله أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم وذلك خمسمائة عام وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب اليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك
*2* فصل عبادته عليه السلام واجتهاده في ذلك
@ قالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وكان لا تشاء تراه من الليل قائما الا رأيته ولا تشاء أن تراه نائما إلا رأيته قالت وما زاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وفي غيره على احدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يوتر بثلاث قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها قالت ولقد كان يقوم حتى أرثي له من شدة قيامه وذكر ابن مسعود أنه صلى معه ليلة فقرأ في الركعة الأولى بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع قريبا من ذلك ورفع نحوه وسجد نحوه وعن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ليلة حتى أصبح يقرأ هذه الآية إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم رواه أحمد وكل هذا في الصحيحين وغيرهما من الصحاح وموضع بسط هذه الاشياء في كتاب الأحكام الكبير وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أليس قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا وتقدم في حديث سلام بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة رواه أحمد والنسائي وقال الامام أحمد ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أخبرني علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن جبريل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد حبب اليك الصلاة فخذ منها ما شئت وثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان في حر شديد وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله ابن رواحة وفي الصحيحين من حديث منصور عن إبراهيم عن علقمة قال سألت عائشة هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام قالت لا كان عمله ديمة وأيكم يستطيع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستطيع وثبت في الصحيحين من حديث أنس وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يواصل ونهى اصحابه عن الوصال وقال إني لست كأحدكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني والصحيح أن هذا الاطعام والسقيا معنويان كما ورد في الحديث الذي رواه ابن عاصم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فان الله يطعمهم ويسقيهم وما أحسن ما قال بعضهم
لها أحاديث من ذكراك يشغلها * عن الشراب ويلهيها عن الزاد
وقال النضر بن شميل عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة وروى البخاري عن الفريابي عن الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إقرأ علي فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل فقال إني أحب أن أسمعه من غيري قال فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت
فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا قال حسبك فالتفت فاذا عيناه تذرفان وثبت في الصحيح أنه عليه السلام كان يجد التمرة على فراشه فيقول لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها وقال الامام أحمد حدثنا وكيع ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجد تحت جنبه تمرة من الليل فاكلها فلم ينم تلك الليلة فقال بعض نسائه يا رسول الله أرقت الليلة قال إني وجدت تحت جنبي تمرة فأكلتها وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه تفرد به أحمد واسامة بن زيد هو الليثي من رجال مسلم والذي نعتقد أن هذه التمرة لم تكن من تمر الصدقة لعصمته عليه السلام ولكن من كمال ورعه عليه السلام أرق تلك الليلة وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بما أتقي وفي الحديث الآخر أنه قال دع ما يريبك إلى مالا يريبك وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل وفي رواية وفي صدره أزيز كأزيز الرحا من البكاء وروى البيهقي من طريق أبي كريب محمد بن العلاء الهمداني ثنا معاوية بن هشام عن شيبان عن أبي إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال قال أبو بكر يا رسول الله أراك شبت فقال شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت وفي رواية له عن أبي كريب عن معاوية عن هشام عن شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد قال قال عمر بن الخطاب يا رسول الله أسرع إليك الشيب فقال شيبتني هود وأخواتها الواقعة وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت
*2* فصل في شجاعته صلى الله عليه وسلم
@
ذكرت في التفسير عن بعض من السلف أنه استنبط من قوله تعالى فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مأمورا أن لا يفر من المشركين إذا واجهوه ولو كان وحده من قوله لا تكلف إلا نفسك وقد كان صلى الله عليه وسلم من اشجع الناس وأصبر الناس وأجلدهم ما فر قط من مصاف ولو تولى عنه أصحابه قال بعض أصحابه كنا إذا اشتد الحرب وحمى الناس نتقي برسول الله صلى الله عليه وسلم ففي يوم بدر رمي ألف مشرك بقبضة من حصا فنالتهم أجمعين حين قال شاهت الوجوه وكذلك يوم حنين كما تقدم وفر أكثر أصحابه في ثاني الحال
يوم أحد وهو ثابت في مقامه لم يبرح منه ولم يبق معه إلا اثنا عشر قتل منهم سبعة وبقي الخمسة وفي هذا الوقت قتل أبي بن خلف لعنه الله فعجله الله إلى النار ويوم حنين ولى الناس كلهم وكانوا يومئذ اثنا عشر ألفا وثبت هو في نحو من مائة من الصحابة وهو راكب يومئذ بغلته وهو يركض بها الى نحو العدو وهو ينوه باسمه ويعلن بذلك قائلا أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب حتى جعل العباس وعلي وأبو سفيان يتعلقون في تلك البغلة ليبطئوا سيرها خوفا عليه من أن يصل أحد من الأعداء اليه وما زال كذلك حتى نصره الله وأيده في مقامه ذلك وما تراجع الناس الا والاشلاء مجندلة بين يديه صلى الله عليه وسلم
وقال أبو زرعة حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي حدثنا مروان يعني ابن محمد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
فضلت على الناس بشدة البطش
*2* فصل فيما يذكر من صفاته عليه السلام في الكتب المأثورة عن الأنبياء الأقدمين
@ قد أسلفنا طرفا صالحا من ذلك في البشارات قبل مولده ونحن نذكر هنا غررا من ذلك فقد روى البخاري والبيهقي واللفظ له من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن عمرو فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في الفرقان يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن اقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء أن يقولوا لا إله إلا الله وأفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا قال عطاء بن يسار ثم لقيت كعبا الحبر فسألته فما اختلف في حرف إلا أن كعبا قال أعينا ورواه البخاري أيضا عن عبد الله غير منسوب قيل هو ابن رجاء وقيل عبد الله بن صالح وهو الأرجح عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن هلال بن علي به قال البخاري وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام كذا علقه البخاري وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا أبو صالح هو عبد الله بن صالح كاتب الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن أسامة عن عطاء بن يسار عن
ابن سلام أنه كان يقول إنا لنجد صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا أنت عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويتجاوز وليس أقبضه حتى يقيم الملة العوجاء بأن تشهد أن لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا قال عطاء بن يسار وأخبرني الليثي أنه سمع سكعب الأحبار يقول مثل ما قال ابن سلام وقد روى عن عبد الله بن سلام من وجه آخر فقال الترمذي حدثنا زيد بن أخرم الطائي البصري ثنا أبو قتيبة مسلم بن قتيبة حدثني أبو مودود المدني ثنا عثمان الضحاك عن محمد ابن يوسف عن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده قال مكتوب في التوراة محمد وعيسى بن مريم يدفن معه فقال أبو مودود قد بقي في البيت موضع قبر ثم قال الترمذي هذا حديث حسن هكذا قال الضحاك والمعروف الضحاك بن عثمان المدني وهكذا حكى شيخنا الحافظ المزي في كتابه الأطراف عن ابن عساكر أنه قال مثل قول الترمذي ثم قال وهو شيخ آخر أقدم من الضحاك بن عثمان ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه فيمن اسمه عثمان فقد روى هذا عن عبد الله بن سلام وهو من أئمة أهل الكتاب ممن آمن وعبد الله بن عمرو بن العاص وقد كان له اطلاع على ذلك من جهة زاملتين كان أصابهما يوم اليرموك فكان يحدث منهما عن أهل الكتاب وعن كعب الأحبار وكان بصيرا بأقوال المتقدمين على ما فيها من خلط وغلط وتحريف وتبديل فكان يقولها بما فيها من غير نقد وربما أحسن بعض السلف بها الظن فنقلها عنه مسلمة وفي ذلك من المخالفة لبعض ما بأيدينا من الحق جملة كثيرة لكن لا يتفطن لها كثير من الناس ثم ليعلم أن كثيرا من السلف يطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب المتلوة عندهم أو أعم من ذلك كما أن لفظ القرآن يطلق على كتابنا خصوصا ويراد به غيره كما في الصحيح خفف على داود القرآن فكان يأمر بداوبه فتسرح فيقرأ القرآن مقدار ما يفرغ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع والله أعلم وقال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني محمد بن ثابت بن شرحبيل عن أم الدرداء قالت قلت لكعب الحبر كيف تجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال نجده محمد رسول الله اسمه المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق وأعطى المفاتيح ليبصر الله به أعينا عميا ويسمع به آذانا وقرا ويقيم به ألسنا معوجة حتى تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعين المظلوم ويمنعه وبه عن يونس بن بكير عن يونس ابن عمرو عن العيزار بن خريب عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الأنجيل لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح وقال يعقوب بن سفيان ثنا قيس البجلي حدثنا سلام بن مسكين عن مقاتل بن حيان قال أوحى
الله عز وجل إلى عيسى بن مريم جد في أمري ولا تهزل واسمع وأطع يا ابن الطاهر البتول إني خلقتك من غير فحل وجعلتك آية للعالمين فاياي فاعبد وعلي فتوكل فبين لأهل سوران أني أنا الحق القائم الذي لا أزول صدقوا بالنبي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة الجعد الرأس الصلت الجبين المقرون الحاجبين الأدعج العينين الاقني الانف الواضح الخدين الكث اللحية عرقه في وجهه كاللؤلؤ ريحه المسك ينفخ منه كأن عنقه إبريق فضة وكأن الذهب يجري في تراقيه له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب ليس على صدره ولا بطنه شعر غيره شثن الكفين والقدم إذا جامع الناس غمرهم وإذا مشى كأنما ينقلع من الصخر وينحدر في صبب ذو النسل القليل وروى الحافظ البيهقي بسنده عن وهب بن منبه اليمامي قال إن الله عز وجل لما قرب موسى نجيا قال رب إني أجد في التوراة أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في التوراة أمة هم خير الأمم الآخرون من الأمم السابقون يوم القيامة فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال يا رب إني أجد في التوراة أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها وكان من قبلهم يقرءون كتبهم نظرا ولا يحفظونها فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في التوراة أمة يؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويقاتلون رءوس الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم وكان من قبلهم إذا أخرج صدقته بعث الله عليها نارا فأكلتها فان لم تقبل لا تقربها النار فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في التوراة أمة أذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه فان عملها كتبت عليه سيئة واحدة وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها بها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال رب إني أجد في التوراة أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي قال تلك أمة أحمد قال وذكر وهب بن منبه في قصة داود عليه السلام وما أوحى إليه في الزبور يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا سيدا لا أغضب عليه أبدا ولا يغضبني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر أمته مرحومة أعطيهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء وذلك اني افترضت عليهم أن يتطهروا إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم يا داود إني فضلت محمدا وأمته على الأمم كلها أعطيتهم ست خصال
لم أعطها غيرهم من الأمم لا آخذهم بالخطأ والنسيان وكل ذنب ركبوه على غير عمد إن استغفروني منه غفرته لهم وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم جعلته لهم أضعاف مضاعفة ولهم في المدخر عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم فان دعوني استجبت لهم فأما أن يروه عاجلا وإما أن أصرف عنهم سوءا وإما أن أدخره لهم في الآخرة يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له صادقا بها فهو معي في جنتي وكرامتي ومن لقيني وقد كذب محمدا أو كذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبا وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار وقال الحافظ البيهقي أخبرنا الشريف أبو الفتح العمري ثنا عبد الرحمن بن أبي شريح الهروي ثنا يحيى بن محمد بن صاعد ثنا عبد الله بن شبيب أبو سعيد حدثني محمد بن عمر بن سعيد يعني ابن محمد بن جبير بن مطعم قال حدثتني أم عثمان بنت سعيد بن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيها عن أبيه قال سمعت أبي جبير بن مطعم يقول لما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وظهر أمره بمكة خرجت إلى الشام فلما كنت ببصرى أتتنى جماعة من النصارى فقالوا لي أمن الحرام أنت قلت نعم قالوا فتعرف هذا الذي تنبأ فيكم قلت نعم قال فأخذوا بيدي فأدخلوني ديرا لهم فيه تماثيل وصور فقالوا لي أنظر هل ترى صورة هذا النبي الذي بعث فيكم فنظرت فلم أر صورته قلت لا أرى صورته فأدخلوني ديرا أكبر من ذلك الدير فاذا فيه تماثيل وصور أكثر مما في ذلك الدير فقالوا لي انظر هل ترى صورته فنظرت فاذا أنا بصفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصورته وإذا أنا بصفة أبي بكر وصورته وهو آخذ بعقب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لي هل ترى صفته قلت نعم قالوا هو هذا وأشاروا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت اللهم نعم أشهد أنه هو قالوا أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه قلت نعم قالوا نشهد أن هذا صاحبكم وأن هذا الخليفة من بعده ورواه البخاري في التاريخ عن محمد غير منسوب عن محمد بن عمر هذا باسناده فذكره مختصرا وعنده فقالوا إنه لم يكن نبي إلا بعده نبي إلا هذا النبي وقد ذكرنا في كتابنا التفسير عند قوله تعالى في سورة الأعراف الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر الآية ذكرنا ما أورده البيهقي وغيره من طريق أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال بعثت أنا ورجل من قريش إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الاسلام فذكر اجتماعهم به وأن عرفته


تنغصت حين ذكروا الله عز وجل فأنزلهم في دار ضيافته ثم استدعاهم بعد ثلاث فدعا بشيء نحو الربعة العظيمة فيها بيوت صغار عليها أبواب وإذا فيها صور الأنبياء ممثلة في قطع من حرير من آدم إلى محمد صلوات الله عليهم أجمعين فجعل يخرج لهم واحدا واحدا ويخبرهم عنه وأخرج لهم صورة آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثم تعجل إخراج صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثم فتح بابا آخر فاذا فيها صورة بيضاء وإذا والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتعرفون هذا قلنا نعم محمد رسول الله قال وبكينا قال والله يعلم أنه قام قائما ثم جلس وقال والله إنه لهو قلنا نعم إنه لهو كما تنظر إليه فأمسك ساعة ينظر إليها ثم قال أما إنه كان آخر البيوت ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم ثم ذكر تمام الحديث في إخراجه بقية صور الأنبياء وتعريفه إياهما بهم وقال في آخره قلنا له من أين لك هذه الصور لأنا نعلم أنها ما على صورت عليه الأنبياء عليهم السلام لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله فقال إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم فكانت في خزانة آدم عليه السلام عند مغرب الشمس فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال ثم قال أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وأني كنت عبدا لأشركم ملكة حتى أموت قال ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا فلما أتينا أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثناه بما رأينا وما قال لنا وما أجازنا قال فبكى أبو بكر فقال مسكين لو أراد الله به خيرا لفعل ثم قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم واليهود يجدون نعت محمد صلى الله عليه وسلم عندهم
وقال الواقدي حدثني علي بن عيسى الحكيمي عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب ولا أراني أدركه وأنا أؤمن به وأصدقه وأشهد برسالته فان طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك قلت هلم قال هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله وليست تفارق عينيه حمرة وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد وهذا البلد مولده ومبعثه ثم يخرجه قوم منها ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره فاياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من سأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون هذا الدين وذاك وينعتونه مثل ما نعته لك ويقولون لم يبق نبي غيره قال عامر بن ربيعة فلما أسلمت أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم قول زيد بن عمرو بن نفيل واقرائه منه السلام فرد عليه السلام وترحم عليه وقال قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا
*2* كتاب دلائل النبوة
@
وهو معنوية وحسية فمن المعنوية إنزال القرآن عليه وهو أعظم المعجزات وأبهر الآيات وأبين الحجج الواضحات لما اشتمل عليه من التركيب المعجز الذي تحدى به الانس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك مع توافر دواعي أعدائه على معارضته وفصاحتهم وبلاغتهم ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا ثم تنازل الى التحدي بسورة من مثله فعجزوا عنه وهم يعلمون عجزهم وتقصيرهم عن ذلك وأن هذ مالا سبيل لأحد إليه أبدا قال الله تعالى قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وهذه الآية مكية وقال في سورة الطور وهي مكية أم تقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين أي إن كنتم صادقين في أنه قاله من عنده فهو بشر مثلكم فأتوا بمثل ما جاء به فانكم مثله وقال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية معيدا للتحدي وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة اعدت للكافرين وقال تعالى أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فان لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون وقال تعالى وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بل كذبوا بمالم يحيطوا بعلمه ولما يأتيهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين فبين تعالى أن الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن بل عن عشر سور مثله بل عن سورة منه وأنهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا أي فان لم تفعلوا في الماضي ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل وهذا تحد ثان وهو أنه لا يمكن معارضتهم له لا في الحال ولا في المآل ومثل هذا التحدي إنما يصدر عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته ولا الاتيان بمثله ولو كان من منقول من عند نفسه لخاف أن يعارض فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصده من متابعة الناس له ومعلوم لكل ذي لب أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله بل أعقلهم وأكملهم على الاطلاق في نفس الأمر فما كان ليقدم هذا الأمر إلا وهو عالم بأنه لا يمكن معارضته وهكذا وقع فانه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه وهذا لا سبيل اليه أبدا فانه كلام رب العالمين الذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في
أفعاله فأني يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق وقول كفار قريش الذي حكاه تعالى عنهم في قوله وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين كذب منهم ودعوى باطلة بلا دليل ولا برهان ولا حجة ولا بيان ولو كانوا صادقين لأتوا بما يعارضه بل هم يعلمون كذب أنفسهم كما يعلمون كذب أنفسهم في قولهم أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا قال الله تعالى قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما أي أنزله عالم الخفيات رب الأرض والسموات الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون فإنه تعالى أوحى الى عبده ورسوله النبي الأمي الذي كان لا يحسن الكتابة ولا يدريها بالكلية ولا يعلم شيئا من علم الأوائل وأخبار الماضين فقص الله عليه خبر ما كان وما هو كائن على الوجه الواقع سواء بسواء وهو في ذلك يفصل بين الحق والباطل الذي اختلفت في إيراده جملة الكتب المتقدمة كما قال تعالى تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين وقال تعالى كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا وقال تعالى وأنزلنا عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه الآية وقال تعالى وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليهم الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون فبين تعالى أن نفس إنزال هذا الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون وحكم ما هو كائن بين الناس على مثل هذا النبي الأمي وحده كان من الدلالة على صدقه وقال تعالى وإذ تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحب إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمو يقول لهم إني لا أطيق تبديل هذا من تلقاء نفسي وإنما الله عز وجل هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت وانا مبلغ عنه وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به لأني نشأت بين أظهركم وأنتم تعلمون نسبي وصدقي وأمانتي وأني لم أكذب على أحد منكم يوما من الدهر فكيف يسعني أن أكذب على الله عز وجل مالك الضر والنفع الذي هو على كل شيء قدير وبكل شيء عليم
وأي ذنب عنده أعظم من الكذب عليه ونسبة ما ليس منه إليه كما قال تعالى ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين أي لو كذب علينا لانتقمنا منه أشد الانتقام وما استطاع أحد من أهل الأرض أن يحجزنا عنه ويمنعنا منه وقال تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون وقال تعالى قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ وهذا الكلام فيه الأخبار بأن الله شهيد على كل شيء وأنه تعالى أعظم الشهداء وهو مطلع علي وعليكم فيما جئتكم به عنه وتتضمن قوة الكلام قسما به أنه قد أرسلني إلى الخلق لأنذرهم بهذا القرآن فمن بلغه منهم فهو نذير له كما قال تعالى ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ففي هذا القرآن من الأخبار الصادقة عن الله وملائكته وعرشه ومخلوقاته العلوية والسفلية كالسموات والأرضين وما بينهما وما فيهن أمور عظيمة كثيرة مبرهنة بالأدلة القطعين المرشدة الى العلم بذلك من جهة العقل الصحيح كما قال تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون وقال تعالى ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون وفي القرآن العظيم الأخبار عما مضى على الوجه الحق وبرهانه ما في كتب أهل الكتاب من ذلك شاهدا له مع كونه نزل على رجل أمي لا يعرف الكتابة ولم يعان يوما من الدهر شيئا من علوم الأوائل ولا أخبار الماضين فلم يفجأ الناس إلا بوحي إليه عما كان من الأخبار النافعة التي ينبغي أن تذكر للاعتبار بها من أخبار الأمم مع الأنبياء وما كان منهم من أمورهم معهم وكيف نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين بعبارة لا يستطيع بشر أن يأتي بمثلها أبد الآبدين ودهر الداهرين ففي مكان تقص القصة موجزة في غاية البيان والفصاحة وتارة تبسط فلا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السياق حتى كأن التالي أو السامع مشاهد لما كان حاضر له معاين للخبر بنفسه كما قال تعالى وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون وقال تعالى وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يتخصمون وقال تعالى في سورة يوسف ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وما تسألهم عليه
من اجر إن هو إلا ذكر للعالمين إلى أن قال في آخرها لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون وقال تعالى وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى وقال تعالى قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وعد تعالى أنه سيظهر الآيات القرآن وصدقه وصدق من جاء به بما يخلقه في الآفاق من الآيات الدالة على صدق هذا الكتاب وفي نفس المنكرين له المكذبين ما فيه حجة عليهم وبرهان قاطع لشبههم حتى يستيقنوا أنه منزل من عند الله على لسان الصادق ثم أرشد إلى دليل مستقل بقوله أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد أي في العلم بأن الله يطلع على هذا الأمر كفاية في صدق هذا المخبر عنه إذ لو كان مفتريا عليه لعاجله بالعقوبة البليغة كما تقدم بيان ذلك وفي هذا القرآن إخبار عما وقع في المستقبل طبق ما وقع سواء بسواء وكذلك في الأحاديث حسب ما قررناه في كتابنا التفسير وما سنذكره من الملاحم والفتن كقوله تعالى علم أن سيكون منكم مرضى وأخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله وهذه السورة من أوائل ما نزل بمكة وكذلك قوله تعالى في سورة اقتربت وهي مكية بلا خلاف سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر وقع مصداق هذه الهزيمة يوم بدر بعد ذلك إلى أمثال هذا من الأمور البينة الواضحة وسيأتي فصل فيما أخبر به من الأمور التي وقعت بعده عليه السلام طبق ما أخبر به وفي القرآن الأحكام العادلة امرا ونهيا المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو الفهم والعقل الصحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات الرحيم بعباده الذي يعاملهم بلطفه ورحمته وإحسانه قال تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأوامر والنواهي وقال تعالى الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير أي أحكمت ألفاظه وفصلت معانيه وقال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق أي العلم النافع والعمل الصالح وهكذا روي عن علي بن ابي طالب رضي الله عنه أنه قال لكميل بن زياد هو كتاب الله فيه خير ما قبلكم وحكم ما بينكم ونبأ ما بعدكم وقد بسطنا هذا كله في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة فالقرآن العظيم معجز من وجوه كثيرة من فصاحته وبلاغته ونظمه وتراكيبه وأساليبه وما تضمنه من الأخبار الماضية والمستقبلة وما اشتمل عليه من الأحكام المحكمة الجلية والتحدى ببلاغة ألفاظه يخص فصحاء العرب والتحدى بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحة الكاملة وهي أعظم في التحدي عند كثير من العلماء يعم جميع أهل الأرض من
الملتين أهل الكتاب وغيرهم من عقلاء اليونان والهند والفرس والقبط وغيرهم من اصناف بني آدم في سائر الأقطار والأمصار وأما من زعم من المتكلمين أن الاعجاز إنما هو من صرف دواعي الكفرة عن معارضته مع إنكار ذلك أو هو سلب قدرتهم على ذلك فقول باطل وهو مفرع على اعتقادهم أن القرآن مخلوق خلقه الله في بعض الاجرام ولا فرق عندهم بين مخلوق ومخلوق وقولهم هذا كفر وباطل وليس مطابقا لما في نفس الأمر بل القرآن كلام الله غير مخلوق تكلم به كما شاء تعالى وتقدس وتنزه عما يقولون علوا كبيرا فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الأتيان بمثله وتنزه عما يقولون علوا كبيرا فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نفس الأمر عن الأتيان بمثله ولو تعاضدوا وتناصروا على ذلك بل لا تقدر الرسل الذين هم افصح الخلق وأعظم الخلق وأكملهم أن يتكلموا بمثل كلام الله وهذا القرآن الذي يبلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله أسلوب كلامه لا يشبه أساليب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم واساليب كلامه عليه السلام المحفوظة عنه بالسند الصحيح إليه لا يقدر أحد من الصحابة ولا من بعدهم أن يتكلم بمثل اساليبه في فصاحته وبلاغته فيما يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة بل واسلوب كلام الصحابة أعلى من أساليب كلام التابعين وهلم جرا إلى زماننا و علماء السلف أفصح وأعلم وأقل تكلفا فيما يرونه من المعاني بألفاظهم من علماء الخلف وهذا يشهده من له ذوق بكلام الناس كما يدرك تفاوت ما بين أشعار العرب في زمن الجاهلية وبين أشعار المولدين الذين كانوا بعد ذلك ولهذا جاء الحديث الثابت في هذا المعنى وهو فيما رواه الامام أحمد قائلا حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني سعيد بن ابي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من الأنبياء إلا قد أعطي من ألآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث الليث بن سعد به ومعنى هذا أن الأنبياء عليهم السلام كل منهم قد أوتي من الحجج والدلائل على صدقه وصحة ما جاء به عن ربه ما فيه كفاية وحجة لقومه الذين بعث إليهم سواء آمنوا به ففازوا بثواب إيمانهم أو جحدوا فاستحقوا العقوبة وقوله وإنما كان الذي أوتيت أي جله وأعظمه الوحي الذي أوحاه إليه وهو القرآن الحجة المستمرة الدائمة القائمة في زمانه وبعده فان البراهين التي كانت للأنبياء انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلا الخبر عنها وأما القرأن فهو حجة قائمة كأنما يسمعه السامع من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فحجة الله قائمة به في حياته عليه السلام وبعد وفاته ولهذا قال فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة أي لاستمرار ما آتاني الله من الحجة البالغة والبراهين الدامغة فلهذا يكون يوم القيامة أكثر الأنبياء تبعا
*2* فصل (وإنك لعلى خلق عظيم ) .
@
ومن الدلائل المعنوية أخلاقه عليه السلام الطاهرة وخلقه الكامل وشجاعته وحلمه وكرمه وزهده وقناعته وإيثاره وجميل صحبته وصدقه وأمانته وتقواه وعبادته وكرم أصله وطيب مولده ومنشئه ومرباه كما قدمناه مبسوطا في مواضعه وما أحسن ما ذكره شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية رحمه الله في كتابه الذي رد فيه على فرق النصارى واليهود وما أشبههم من اهل الكتاب وغيرهم فانه ذكر في آخره دلائل النبوة وسلك فيها مسالك حسنة صحيحة منتجة بكلام بليغ يخضع له كل من تأمله وفهمه قال في آخر هذا الكتاب المذكور
*2* فصل (دلائل نبوته من خلال سيرته وأخلاقه) .
@ وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته أي من دلائل نبوته قال وشريعته من آياته وأمته من آياته وعلم أمته من آياته ودينهم من آياته وكرامات صالحي أمته من آياته وذلك يظهر بتدبر سيرته من حين ولد إلى أن بعث ومن حين بعث إلى أن مات وتدبر نسبه وبلده وأصله وفصله فإنه كان من أشرف أهل الأرض نسبا من صميم سلالة إبراهيم الذي جعل الله في ذريته النبوة والكتاب فلم يأت بعد إبراهيم نبي إلا من ذريته وجعل الله له ابنين إسماعيل وإسحاق وذكر في التوراة هذا وهذا وبشر في التوراة بما يكون من ولد إسماعيل ولم يكن من ولد إسماعيل من ظهر فيه ما بشرت به النبوات غيره ودعا إبراهيم لذرية إسماعيل بأن يبعث الله فيهم رسولا منهم ثم الرسول صلى الله عليه وسلم من قريش صفوة بني إبراهيم ثم من بني هاشم صفوة قريش ومن مكة أم القرى وبلد البيت الذي بناه إبراهيم ودعا للناس إلى حجه ولم يزل محجوجا من عهد إبراهيم مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف وكان صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس تربية ونشأة لم يزل معروفا بالصدق والبر ومكارم الأخلاق والعدل وترك الفواحش والظلم وكل وصف مذموم مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة ولا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه ولا جرب عليه كذبة قط ولا ظلم ولا فاحشة وقد كان صلى الله عليه وسلم خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله وكان أميا من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب من التوراة والانجيل ولم يقرأ شيئا من علوم الناس ولا جالس أهلها ولم يدع نبوة إلى أن أكمل الله له أربعين سنة فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله ثم اتبعه
أتباع الأنبياء وهم ضعفاء الناس وكذبه أهل الرياسة وعادوه وسعوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فانه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم إياها ولا كان له سيف بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أتباعه أنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم لما خالط قلوبهم من حلاوة الايمان والمعرفة وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج اليهم يبلغهم الرسالة ويدعوهم إلى الله صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب وجفاء الجافي وإعراض المعرض إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الذي يخبرهم به اليهود وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم وعلى الجهاد معه فهاجر هو ومن اتبعه إلى المدينة وبها المهاجرون والأنصار ليس فيهم من آمن برغبة دنيوية ولا برهبة إلا قليلا من الأنصار أسلموا في الظاهر ثم حسن إسلام بعضهم ثم أذن له في الجهاد ثم أمر به ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء لا يحفظ له كذبة واحدة ولا ظلم لأحد ولا غدر بأحد بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال من حرب وسلم وأمن وخوف وغنى وفقر وقدرة وعجز وتمكن وضعف وقلة وكثرة وظهور على العدو تارة وظهور العدو تارة وهو على ذلك كله لازم لأكمل الطرق وأتمها حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق وسفك الدماء المحرمة وقطيعة الأرحام لا يعرفون آخرة ولا معادا فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم حتى أن النصارى لما رأوهم حين قدموا الشام قالوا ما كان الذين صحبوا المسيح أفضل من هؤلاء وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم تعرف العقلاء فرق ما بين الأمرين وهو صلى الله عليه وسلم مع ظهور أمره وطاعة الخلق له وتقديمهم له على الانفس والأموال مات ولم يخلف درهما ولا دينارا ولا شاة ولا بعيرا إلا بغلته وسلاحه ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ابتاعها لأهله وكان بيده عقار ينفق منه على أهله والباقي يصرفه في مصالح المسلمين فحكم بأنه لا يورث ولا يأخذ ورثته شيئا من ذلك وهو في كل وقت يظهر من عجائب الآيات وفنون الكرامات ما يطول وصفه ويخبرهم بما كان وما يكون ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويشرع الشريعة شيئا بعد شيء حتى أكمل الله دينه الذي بعثه به وجاءت شريعته أكمل شريعة لم يبق معروف تعرف العقول أنه معروف الا أمر به ولا منكر تعرف العقول أنه منكر إلا نهى عنه لم
يأمر بشيء فقيل ليته لم يأمر به ولا نهى عن شيء فقيل ليته لم ينه عنه وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره وحرم الخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره وجمع محاسن ما عليه الأمم فلا يذكر في التوراة والانجيل والزبور نوع من الخبر عن الله وعن الملائكة وعن اليوم الآخر الا وقد جاء به على أكمل وجه وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها ورجحانها وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة وإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وهو الذي أمرهم بها لم يكونوا قبل متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة وبعضها من الزبور وبعضها من النبوات وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا لما غيروا من دين المسيح في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرؤن كتابا بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والانجيل والزبور إلا من جهته وهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله ونهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم وقال تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ألآية وأمته عليه السلام لا يستحلون أن يوجدوا شيئا من الدين غير ما جاء به ولا يبتدعون بدعة ما أنزل الله بها من سلطان ولا يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله لكن ماقصه عليهم من أخبار الأنبياء وأممهم اعتبروا به وما
حدثهم أهل الكتاب موافقا لما عندهم صدقوه ومالم يعلم صدقه ولا كذبه أمسكوا عنه وما عرفوا بأنه باطل كذبوه ومن أدخل في الدين ما ليس منه من أقوال متفلسفة الهند والفرس واليونان أو غيرهم كان عندهم من أهل الالحاد والابتداع وهذا هو الدين الذي كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وهو الذي عليه أئمة الدين الذين لهم في الأمة لسان صدق وعليه جماعة المسلمين وعامتهم ومن خرج عن ذلك كان مذموما مدحورا عند الجماعة وهو مذهب أهل السنة والجماعة الظاهرين إلى قيام الساعة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة وقد يتنازع بعض المسلمين مع اتفاقهم على هذا الأصل الذي هو دين الرسل عموما ودين محمد صلى الله عليه وسلم خصوصا ومن خالف في هذا الأصل كان عندهم ملحدا مذموما ليسوا كالنصارى الذين ابتدعوا دينا ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم ودان به جمهورهم وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء والله سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع والعمل الصالح فمن اتبع الرسل له سعادة الدنيا والآخرة وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما وعملا ولما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق تلقى ذلك عنه المسلمون من أمته فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل العلمية والعملية ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلم هو في الأصل المعلم وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل الناس علما ودينا وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله
إني رسول الله إليكم جميعا لم يكن كاذبا مفتريا فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم إن كان صادقا أو من هو من أشرو الناس وأخبثهم إن كان كاذبا وما ذكر من كمال علمه ودينة يناقض الشر والخبث والجهل فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله إنى رسول الله إليكم جمعيا لأن الذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والأول يوجب أنه كان ظالما غاويا والثاني يقتصي أنه كان جاهلا ضالا ومحمد صلى الله عليه وسلم كان علمه ينافي جهله وكمال دينه ينافي تعمد الكذب فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلايكذب بلا علم وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه الله عن هذين الأمرين بقوله تعالى والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقال تعالى عن الملك الذي جاء به إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ثم قال عنه وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون إن هو إلا ذكر للعالمين
وقال تعالى وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين إلى قوله هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون بين سبحانه أن الشيطان إنما ينزل على من يناسبه ليحصل به غرضه فان الشيطان يقصد الشر وهو الكذب والفجور ولا يقصد الصدق والعدل فلا يقترن إلا بمن فيه كذب إما عمدا وإما خطأ وفجورا أيضا فان الخطأ في الدين هو من الشيطان أيضا كما قال ابن مسعود لما سئل عن مسألة أقول فيها برأي فان يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه فان رسول الله بريء من تنزل الشياطين عليه في العمد والخطأ بخلاف غير الرسول فإنه قد يخطئ ويكون خطؤه من الشيطان وإن كان خطؤه مغفورا له فاذا لم يعرف له خبرا أخبر به كان فيه مخطئا ولا أمرا أمر به كان فيه فاجرا علم أن الشيطان لم ينزل عليه وإنما ينزل عليه ملك كريم ولهذا قال في الآية الأخرى عن النبي إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين انتهى ما ذكره وهذا عين ما أورده بحروفه
*2* باب دلائل النبوة الحسية
@ ومن أعظم ذلك كله انشقاق القمر المنير فرقتين قال الله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغني النذر وقد اتفق العلماء مع بقية الأئمة على أن انشقاق القمر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وردت الأحاديث بذلك من طرق تفيد القطع عند الأمة
رواية أنس بن مالك قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن قتادة عن أنس قال سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فقال اقتربت الساعة وانشق القمر ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق وقال البخاري حدثني عبد الله بن عبد الوهاب ثنا بشر بن المفضل ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما وأخرجاه في الصحيحين من حديث شيبان عن قتادة ومسلم من حديث شعبة عن قتادة
*2* رواية جبير بن مطعم
@
قال أحمد حدثنا محمد بن كثير ثنا سليمان بن بكير عن حصين بن عبد الرحمن عن محمد ابن جبير بن مطعم عن أبيه قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار فرقتين فرقة على هذا الجبل وفرقة على هذا الجبل فقالوا سحرنا محمد فقالوا إن كان سحرنا فانه لا يستطيع أن يسحر الناس تفرد به أحمد ورواية ابن جرير والبيهقي من طرق عن حصين بن عبد الرحمن به
*2* رواية حذيفة بن اليمان
@
قال أبو جعفر بن جرير حدثني يعقوب حدثني ابن علية أنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ فجاءت الجمعة فحضر أبي وحضرت معه فخطبنا حذيفة فقال إن الله تعالى يقول اقتربت الساعة وانشق القمر إلا وإن الساعة قد اقتربت ألا وإن القمر قد انشق ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق فقلت لأبي أتستبق الناس غدا فقال يا بني إنك لجاهل إنما هو السباق بالأعمال ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرها فخطب حذيفة فقال ألا إن الله يقول اقتربت الساعة وانشق القمر ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق ورواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن عن حذيفة فذكر نحوه وقال ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وإن اليوم المضمار وغدا السباق ألا وإن الغاية النار والسابق من سبق الى الجنة
*2* رواية عبد الله بن عباس
@
قال البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا بكر عن جعفر عن عراك بن مالك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال انشق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ورواه البخاري أيضا ومسلم من حديث بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة به
طريق أخرى عنه قال ابن جرير ثنا ابن مثنى ثنا عبد الأعلى ثنا داود بن أبي هند عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر قال قد مضى ذلك كان قبل الهجرة انشق القمر حتى رأوا شقيه وروى العوفي عن ابن عباس نحوا من هذا وقد روى من وجه آخر عن ابن عباس فقال أبو القاسم الطبراني ثنا أحمد بن عمرو البزار ثنا محمد بن يحيى القطيعي ثنا محمد بن بكير ثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال كسف القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سحر القمر فنزلت اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر
وهذا سياق غريب وقد يكون حصل للقمر مع انشقاقه كسوف فيدل على أن انشقاقه إنما كان في ليالي إبداره والله أعلم
*2* رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب
@ قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس الأصم ثنا العباس بن محمد الدوري ثنا وهب بن جرير عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في قوله اقتربت الساعة وانشق القمر قال وقد كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق فلقتين فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اشهد وهكذا رواه مسلم والترمذي من طرق عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود وقال الترمذي حسن صحيح
*2* رواية عبد الله بن مسعود
@ قال الامام أحمد ثنا سفيان عن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين حتى نظروا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا ورواه البخاري ومسلم من حديث سفيان بن عيينة وأخرجاه من حديث الأعمش عن ابراهيم عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود به قال البخاري وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبد الله بمكة وهذا الذي علقه البخاري قد اسنده أبو داود الطيالسي في مسنده فقال حدثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق بن عبد الله بن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش هذا سحر ابن أبي كبشة قال فقالوا انظروا ما يأتينا به السفار فان محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم قال فجاء السفار فقالوا ذلك وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن ابن عباس الدوري عن سعيد بن سليمان عن هشام عن مغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين فقالت كفار قريش أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة أنظروا المسافرين فان كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به قال فسئل السفار وقدموا من كل وجه فقالوا رأيناه ورواه ابن جرير من حديث المغيرة وزاد فأنزل الله اقتربت الساعة وانشق القمر وقال الامام أحمد حدثنا مؤمل عن إسرائيل عن سماك عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأيت الجبل بين فرقتي القمر وروى ابن جرير عن يعقوب الدوري عن ابن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين قال نبئت أن ابن مسعود كان يقول لقد انشق القمر ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه كان يقول خمس قد مضين الروم واللزام والبطشة والدخان
والقمر في حديث طويل عنه مذكور في تفسير سورة الدخان وقال أبو زرعة في الدلائل حدثنا عبد الرحمن بن ابراهيم الدمشقي حدثنا الوليد عن الأوزاعي عن ابن بكير قال انشق القمر بمكة والنبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة فخر شقتين فقال المشركون سحره ابن أبي كبشة وهذا مرسل من هذا الوجه فهذه طرق عن هؤلاء الجماعة من الصحابة وشهرة هذا الأمر تغني عن إسناده مع وروده في الكتاب العزيز وما يذكره بعض القصاص من أن القمر دخل في جيب النبي صلى الله عليه وسلم وخرج من كمه ونحو هذا الكلام فليس له أصل يعتمد عليه والقمر في حال انشقاقه لم يزايل السماء بل انفرق باثنتين وسارت إحداهما حتى صارت وراء جبل حراء والأخرى من الناحية الأخرى وصار الجبل بينهما وكلتا الفرقتين في السماء وأهل مكة ينظرون إلى ذلك وظن كثير من جهلتهم أن هذا شيء سحرت به أبصارهم فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه فعلموا صحة ذلك وتيقنوه فان قيل فلم لم يعرف هذا في جميع أقطار الأرض فالجواب ومن ينفي ذلك ولكن تطاول العهد والكفرة يجحدون بآيات الله ولعلهم لما أخبروا أن هذا كان آية لهذا النبي المبعوث تداعت آراؤهم الفاسدة على كتمانه وتناسيه على أنه قد ذكر غير واحد من المسافرين أنهم شاهدوا هيكلا بالهند مكتوبا عليه أنه بني في الليلة التي انشق القمر فيها ثم لما كان انشقاق القمر ليلا قد يخفى أمره على كثير من الناس لأمور مانعة من مشاهدته في تلك الساعة من غيوم متراكمة كانت تلك الليلة في بلدانهم ولنوم كثير منهم أو لعله كان في أثناء الليل حيث ينام كثير من الناس وغير ذلك من الأمور والله أعلم وقد حررنا هذا فيما تقدم في كتابنا التفسير
فأما حديث رد الشمس بعد مغيبها فقد أنبأني شيخنا المسند الرحلة بهاء الدين القاسم بن المظقر ابن تاج الأمناء بن عساكر إذنا و قال أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عساكر المشهور بالنسابة قال أخبرنا أبو المظفر بن القشيري وأبو القاسم المستملي قالا ثنا أبو عثمان المحبر أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الدبابعانى ! بها أنا محمد بن أحمد بن محبوب وفي حديث ابن القشيري ثنا أبو العباس المحبوبي ثنا سعيد بن مسعود ح قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر وأنا أبو الفتح الماهاني أنا شجاع بن علي أنا أبو عبد الله بن منده أنا عثمان بن أحمد الننسي انا أبو أمية محمد بن إبراهيم قال حدثنا عبيد الله بن موسى ثنا فضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسن زاد أبو أمية بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين عن اسماء بنت عميس قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صليت العصر وقال أبو امية صليت يا علي قال لا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو أمية
فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة نبيك وقال أبو أمية رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت وقد رواه الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أبي عبد الله بن منده كما تقدم ومن طريق أبي جعفر العقيلي ثنا أحمد بن داود ثنا عمار بن مطر ثنا فضيل بن مرزوق فذكره ثم قال وهذا حديث موضوع وقد اضطرب الرواة فيه فرواه سعيد بن مسعود عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن علي بن الحسن عن فاطمة بنت علي عن اسماء وهذا تخليط في الرواية قال وأحمد بن داود ليس بشيء قال الدارقطني متروك كذاب وقال ابن حبان كان يضع الحديث وعمار بن مطر قال فيه العقيلي كان يحدث عن الثقات بالمناكير وقال ابن عدي متروك الحديث قال وفضيل بن مرزوق قد ضعفه يحيى قال ابن حبان يروى الموضوعات ويخطئ عن الثقات وبه قال الحافظ ابن عساكر قال وأخبرنا أبو محمد عن طاوس أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمرو بن مهدي أنا أبو العباس بن عقدة ثنا أحمد بن يحيى الصوفي حدثنا عبد الرحمن بن شريك حدثني أبي عن عروة بن عبد الله بن قشير قال دخلت على فاطمة بنت علي فرأيت في عنقها خرزة ورأيت في يديها مسكيتن غليظتين وهي عجوز كبيرة فقلت لها ما هذا فقالت إنه يكره للمرأة أن تتشبه بالرجال ثم حدثتني أن أسماء بنت عميس حدثتها أن علي بن أبي طالب دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوحي إليه فجلله بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس يقول غابت أو كادت أن تغيب ثم إن نبي الله صلى الله عليه وسلم سري عنه فقال أصليت يا علي قال لا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم رد على علي الشمس فرجعت حتى بلغت نصف المسجد قال عبد الرحمن وقال أبي حدثني موسى الجهني نحوه ثم قال الحافظ ابن عساكر هذا حديث منكر وفيه غير واحد من المجاهيل وقال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات وقد روى ابن شاهين هذا الحديث عن ابن عقدة فذكره ثم قال وهذا باطل والمتهم به ابن عقدة فإنه كان رافضيا يحدث بمثالب الصحابة قال الخطيب ثنا علي بن محمد بن نصر سمعت حمزة بن يوسف يقول كان ابن عقدة بجامع براثا يملي مثالب الصحابة أو قال الشيخين فتركته وقال الدارقطني كان ابن عقدة رجل سوء وقال ابن عدي سمعت أبا بكر بن ابي غالب يقول ابن عقدة لا يتدين بالحديث لأنه كان يحمل شيوخا بالكوفة على الكذب فيسوي لهم نسخا ويأمرهم أن يرووها وقد بينا كذبه من عند شيخ بالكوفة وقال الحافظ أبو بشر الدولابي في كتابه الذرية الطاهرة حدثنا إسحاق بن يونس ثنا سويد بن سعيد ثنا المطلب بن زياد عن إبراهيم بن حبان عن عبد الله بن حسن عن فاطمة بنت الحسين عن الحسين
قال كان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر علي وهو يوحى إليه فذكر الحديث بنحو ما تقدم إبراهيم ابن حبان هذا تركه الدارقطني وغيره وقال محمد بن ناصر البغدادي الحافظ هذا الحديث موضوع قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي وصدق ابن ناصر وقال ابن الجوزي وقد رواه ابن مردويه من طريق حديث داود بن واهج عن أبي هريرة قال نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجر علي ولم يكن صلى العصر حتى غربت الشمس فلما قام رسول الله دعا له فردت عليه الشمس حتى صلى ثم غابت ثانية ثم قال وداود ضعفه شعبة ثم قال ابن الجوزي ومن تغفيل واضع هذا الحديث أنه نظر إلى صورة فضله ولم يتلمح عدم الفائدة فإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس صارت قضاء فرجوع الشمس لا يعيدها أداء وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الشمس لم تحبس على أحد إلا ليوشع قلت هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده لأنه من باب ما تتوفر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى وبالنسبة إلى جناب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح أنها ردت ليوشع بن نون وذلك يوم حاصر بيت المقدس واتفق ذلك في آخر يوم الجمعة وكانوا لا يقاتلون يوم السبت فنظر إلى الشمس وقد تنصفت للغروب فقال إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علي فحبسها الله عليه حتى فتحوها ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم جاها وأجل منصبا وأعلى قدرا من يوشع بن نون بل من سائر الأنبياء على الاطلاق ولكن لا نقول إلا ما صح عندنا عنه ولا نسند إليه ما ليس بصحيح ولو صح لكنا من أول القائلين به والمعتقدين له وبالله المستعان وقال الحافظ أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه البخاري في كتابه إثبات إمامة أبي بكر الصديق فان قال قائل من الروافض إن أفضل فضيلة لابي الحسن وأدل دليل على إمامته ما روى عن أسماء بنت عميس قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه في حجر علي بن أبي طالب فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي صليت قال لا فقال رسول الله اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت قيل له كيف لنا لو صح هذا الحديث فنحتج على مخالفينا من اليهود والنصارى ولكن الحديث ضعيف جدا لا أصل له وهذا مما كسبت أيدي الروافض ولو ردت الشمس بعد ما غربت لرآها المؤمن والكافر ونقلوا إلينا أن في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا ردت الشمس بعد ما غربت ثم يقال للروافض أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر ولا ترد لرسول الله ولجميع المهاجرين


يتبع ...

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:08 AM
والأنصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق قال وأيضا مرة أخرى عرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار حين قفل من غزوة خيبر فذكر نومهم عن صلاة الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس قال فلم يرد الليل على رسول الله وعلى أصحابه قال ولو كان هذا فضلا أعطيه رسول الله وما كان الله ليمنع رسوله شرفا وفضلا يعني أعطيه علي بن أبي طالب ثم قال وقال ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني قلت لمحمد بن عبيد الطنافسي ما تقول فيمن يقول رجعت الشمس على علي بن أبي طالب حتى صلى العصر فقال من قال هذا فقد كذب وقال ابراهيم ابن يعقوب سألت يعلى بن عبيد الطنافسي قلت إن ناسا عندنا يقولون إن عليا وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعت الشمس فقال كذب هذا كله
*2* فصل إيراد هذا الحديث من طرق متفرقة
@ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد الحسكاني يصنف فيه تصحيح رد الشمس وترغيم النواصب الشمس
وقال قد روى ذلك من طريق أسماء بنت عميس وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري ثم رواه من طريق أحمد بن صالح المصري وأحمد بن الوليد الأنطاكي والحسن بن داود ثلاثتهم عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك وهو ثقة أخبرني محمد بن موسى الفطري المدني وهو ثقة أيضا عن عون بن محمد قال وهو ابن محمد بن الحنفية عن أمه أم جعفر بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب عن جدتها أسماء بنت عميس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالصهباء من أرض خيبر ثم أرسل عليا في حاجة فجاء وقد صلى رسول الله العصر فوضع رأسه في حجر علي ولم يحركه حتى غابت غربت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إن عبدك عليا احتبس نفسه على نبيه فرد عليه شرقها قالت أسماء فطلعت الشمس حتى رفعت على الجبال فقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت الشمس وهذا الإسناد فيه من يجهل حاله فإن عونا هذا وأمه لا يعرف أمرهما بعدالة وضبط يقبل بسببهما خبرهما فيما دون هذا المقام فكيف يثبت بخبرهما هذا الأمر العظيم الذي لم يروه أحد من أصحاب الصحاح ولا السنن ولا المسانيد المشهورة فالله أعلم ولا ندري أسمعت أم هذا من جدتها أسماء بنت عميس أم لا ثم أورده هذا النص من طريق الحسين بن الحسن الأشقر وهو شيعي جلد وضعفه غير واحد عن الفضيل بن مرزوق عن إبراهيم بن الحسين بن الحسن عن فاطمة بنت الحسين الشهيد عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث قال وقد رواه عن فضيل بن مرزوق جماعة منهم عبيد الله بن موسى ثم أورده من طريق أبي جعفر الطحاوي من طريق عبد الله وقد قدمنا روايتنا له من حديث سعيد بن مسعود
وأبي أمية الطرسوسي عن عبيد الله بن موسى العبسي وهو من الشيعة ثم أورده هذا النص من طريق أبي جعفر العقيلي عن أحمد بن داود عن عمار بن مطر عن فضيل بن مرزوق والأغر الرقاشي ويقال الرواسي أبو عبد الرحمن الكوفي مولى بني عنزة وثقه الثوري وابن عيينة وقال أحمد لا أعلم إلا خيرا وقال ابن معين ثقة وقال مرة صالح ولكنه شديد التشيع وقال مرة لا بأس به وقال أبو حاتم صدوق صالح الحديث يهم كثيرا يكتب حديثه ولا يحتج به وقال عثمان بن سعيد الدارمي يقال أنه ضعيف وقال النسائي ضعيف وقال ابن عدي أرجو أن لا بأس به وقال ابن حبان منكر الحديث جدا كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات وقد روى له مسلم وأهل السنن الأربعة فمن هذه ترجمته لا يتهم بتعمد الكذب ولكنه قد يتساهل ولا سيما فيما يوافق مذهبه فيروي عمن لا يعرفه أو يحسن به الظن فيدلس حديثه ويسقطه ويذكر شيخه ولهذا قال في هذا الحديث الذي يجب الاحتراز فيه وتوقي الكذب فيه عن بصيغة التدليس ولم يأت بصيغة التحديث فلعل بينهما من يجهل أمره على أن شيخه هذا ابراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب ليس بذلك المشهور في حاله ولم يرو له أحد من أصحاب الكتب المعتمدة ولا روي عنه غير الفضيل ابن مرزوق هذا ويحيى بن المتوكل قاله أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ولم يتعرضا لجرح ولا تعديل وأما فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب وهي أخت زين العابدين فحديثها مشهور روى لها أهل السنن الأربعة وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق وهي من الثقات ولكن لا يدرى أسمعت هذا الحديث من أسماء أم لا فالله أعلم ثم رواه هذا المصنف من حديث أبي حفص الكناني ثنا محمد بن عمر القاضي هو الجعابي حدثني محمد بن القاسم بن جعفر العسكري من أصل كتابه ثنا أحمد بن محمد بن يزيد بن سليم ثنا خلف بن سالم ثنا عبد الرزاق ثنا سفيان الثوري عن أشعث أبي الشعثاء عن أمه عن فاطمة يعني بنت الحسين عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعلي حتى ردت عليه الشمس وهذا إسناد غريب جدا وحديث عبد الرزاق وشيخه الثوري محفوظ عند الأئمة لا يكاد يترك منه شيء من المهمات فكيف لم يرو عن عبد الرزاق مثل هذا الحديث العظيم الا خلف بن سالم بما قبله من الرجال الذين لا يعرف حالهم في الضبط والعدالة كغيرهم ثم إن أم أشعث مجهولة فالله أعلم ثم ساقه هذا النص من طريق محمد بن مرزوق ثنا حسين الأشقر وهو شيعي وضعيف كما تقدم عن علي بن هاشم بن الثريد وقد قال فيه ابن حبان كان غاليا في التشيع يروى المناكير عن المشاهير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن علي بن الحسين بن الحسن عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت عميس فذكره وهذا إسناد لا يثبت ثم أسنده من طريق عبد الرحمن بن شريك عن أبيه عن عروة بن عبد الله
عن فاطمة بنت علي عن أسماء بنت عميس فذكر الحديث كما قدمنا إيراده من طريق ابن عقدة عن أحمد بن يحيى الصوفي عن عبد الرحمن بن شريك عن عبد الله النخعي وقد روى عنه البخاري في كتاب الأدب وحدث عنه جماعة من الأئمة وقال فيه أبو حاتم الرازي كان واهي الحديث وذكره ابن حبان في كتاب الثقات و قال ربما أخطأ وأرخ ابن عقدة وفاته سنة سبع وعشرين ومائتين وقد قدمنا أن الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قال إنما أتهم بوضعه أبا العباس بن عقدة ثم أورد كلام الأئمة فيه بالطعن والجرح وأنه كان يسوي النسخ للمشايخ فيرويهم إياها والله أعلم قلت في سياق هذا الاسناد عن أسماء أن الشمس رجعت حتى بلغت نصف المسجد وهذا يناقض ما تقدم من أن ذلك كان بالصهباء من أرض خيبر ومثل هذا يوجب توهين الحديث وضعفه والقدح فيه ثم سرده من حديث محمد بن عمر القاضي الجعابي ثنا علي بن العباس بن الوليد ثنا عبادة بن يعقوب الرواجي ثنا علي بن هاشم عن صباح عن عبد الله بن الحسن أبي جعفر عن حسين المقتول عن فاطمة عن أسماء بنت عميس قالت لما كان يوم شغل علي لمكانه من قسم المغنم حتى غربت الشمس أو كادت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما صليت قال لا فدعا الله فارتفعت الشمس حتى توسطت السماء فصلى علي فلما غربت الشمس سمعت لها صريرا كصرير الميشار في الحديد وهذا أيضا سياق مخالف لما تقدم من وجوه كثيرة مع أن إسناده مظلم جدا فان صباحا هذا لا يعرف وكيف يروي الحسين بن علي المقتول شهيدا عن واحد عن واحد عن أسماء بنت عميس هذا تخبيط اسنادا ومتنا ففي هذا أن عليا شغل بمجرد قسم الغنيمة وهذا لم يقله أحد ولا ذهب إلى جواز ترك الصلاة لذلك ذاهب وإن كان قد جوز بعض العلماء تأخير الصلاة عن وقتها لعذر القتال كما حكاه البخاري عن مكحول والأوزاعي وأنس بن مالك في جماعة من أصحابه واحتج لهم البخاري بقصة تأخير الصلاة يوم الخندق وأمره عليه السلام أن لا يصلي أحد منهم العصر الا في بني قريظة وذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا نسخ بصلاة الخوف والمقصود أنه لم يقل أحد من العلماء إنه يجوز تأخير الصلاة بعذر قسم الغنيمة حتى يسند هذا إلى صنيع علي رضي الله عنه وهو الراوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوسطى هي العصر فان كان هذا ثابتا على ما رواه هؤلاء الجماعة وكان علي متعمدا لتأخير الصلاة لعذر قسم الغنيمة وأقره عليه الشارع صار هذا وحده دليلا على جواز ذلك ويكون أقطع في الحجة مما ذكره البخاري لأن هذا بعد مشروعية صلاة الخوف قطعا لأنه كان بخيبر سنة سبع وصلاة الخوف شرعت قبل ذلك وإن كان علي ناسيا حتى ترك الصلاة إلى الغروب فهو معذور فلا يحتاج إلى رد الشمس بل وقتها بعد الغروب والحالة هذه إذن كما ورد به الحديث والله أعلم وهذا
كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ثم إن جعلناه قضية أخرى وواقعة غير ما تقدم فقد تعدد رد الشمس غير مرة ومع هذا لم ينقله أحد من أئمة العلماء ولا رواه أهل الكتب المشهورة وتفرد بهذه الفائدة هؤلاء الرواة الذين لا يخلو إسناد منها عن مجهول ومتروك ومتهم والله أعلم ثم أورد هذا النص من طريق أبي العباس بن عقدة حدثنا يحيى بن زكريا ثنا يعقوب بن سعيد ثنا عمرو ابن ثابت قال سألت عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب عن حديث رد الشمس على علي بن أبي طالب هل يثبت عندكم فقال لي ما أنزل الله في كتابه أعظم من رد الشمس قلت صدقت جعلني الله فداك ولكني أحب أن أسمعه منك فقال حدثني أبي الحسن عن أسماء بنت عميس أنها قالت أقبل علي بن أبي طالب ذات يوم وهو يريد أن يصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انصرف ونزل عليه الوحي فأسنده الى صدره فلم يزل مسنده إلى صدره حتى أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصليت العصر يا علي قال جئت والوحي ينزل عليك فلم أزل مسندك الى صدري حتى الساعة فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة وقد غربت الشمس وقال اللهم إن عليا كان في طاعتك فارددها عليه قالت أسماء فأقبلت الشمس ولها صرير كصرير الرحى حتى كانت في موضعها وقت العصر فقام علي متمكنا فصلى فلما فرغ رجعت الشمس ولها صرير كصرير الرحى اختلط الظلام وبدت النجوم وهذا منكر أيضا إسنادا ومتنا وهو مناقض لما قبله من السياقات وعمرو بن ثابت هذا هو المتهم بوضع هذا الحديث أو سرقته من غيره وهو عمرو بن ثابت بن هرمز البكري الكوفي مولى بكر بن وائل ويعرف بعمرو بن المقدام الحداد روى عن غير واحد من التابعين وحدث عنه جماعة منهم سعيد بن منصور وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان قال تركه عبد الله بن المبارك وقال لا تحدثوا عنه فانه كان يسب السلف ولما مرت به جنازته توارى عنها وكذلك تركه عبد الرحمن بن مهدي وقال أبو معين والنسائي ليس بثقة ولا مأمون ولا يكتب حديثه وقال مرة أخرى هو وأبو زرعة وأبو حاتم كان ضعيفا زاد أبو حاتم وكان رديء الرأي شديد التشيع لا يكتب حديثه وقال البخاري ليس بالقوي عندهم وقال أبو داود كان من شرار الناس كان رافضيا خبيثا رجل سوء قال هنا ولما مات لم أصل عليه لأنه قال لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر الناس إلا خمسة وجعل أبو داود يذمه وقال ابن حبان يروي الموضوعات عن الاثبات وقال ابن عدي والضعف على حديثه بين وأرخوا وفاته في سنة سبع وعشرين ومائة ولهذا قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية وكان عبد الله بن حسن وأبوه أجل قدرا من أن يحدثا بهذا الحديث قال هذا المصنف المنصف وأما حديث أبي هريرة فأخبرنا عقيل بن الحسن العسكري أنا أبو محمد صالح بن الفتح النسائي ثنا أحمد بن عمير بن حوصاء ثنا إبراهيم بن
سعيد الجوهري ثنا يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن أبيه ثنا داود بن فراهيج وعن عمارة بن برد وعن أبي هريرة فذكره وقال اختصرته من حديث طويل وهذا إسناد مظلم ويحيى ابن يزيد وأبوه وشيخه داود بن فراهيج كلهم مضعفون وهذا هو الذي أشار ابن الجوزي إلى أن ابن مردويه رواه من طريق داود ابن فراهيج عن أبي هريرة وضعف داود هذا شعبة والنسائي وغيرهما والذي يظهر أن هذا مفتعل من بعض الرواة أو قد دخل على أحدهم وهو لا يشعر والله أعلم قال وأما حديث أبي سعيد فأخبرنا محمد بن إسماعيل الجرجاني كتابة أن أبا طاهر محمد بن علي الواعظ أخبرهم أنا محمد بن أحمد بن متيم أنا القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب حدثني أبي عن أبيه محمد عن أبيه عبد الله عن أبيه عمر قال قال الحسين بن علي سمعت أبا سعيد الخدري يقول دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا رأسه في حجر علي وقد غابت الشمس فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا علي أصليت العصر قال لا يا رسول الله ما صليت كرهت أن أضع رأسك من حجري وأنت وجع فقال رسول الله يا علي ادع يا علي أن ترد عليك الشمس فقال علي يا رسول الله ادع أنت وأنا أؤمن فقال يا رب إن عليا في طاعتك وطاعة نبيك فاردد عليه الشمس قال أبو سعيد فوالله لقد سمعت للشمس صريرا كصرير البكرة حتى رجعت بيضاء نقية وهذا إسناد مظلم أيضا ومتنه منكر ومخالف لما تقدمه من السياقات وكل هذا يدل على أنه موضوع مصنوع مفتعل يسرقه هؤلاء الرافضة بعضهم من بعض ولو كان له أصل من رواية أبي سعيد لتلقاه عنه كبار أصحابه كما أخرجا في الصحيحين من طريقه حديث قتال الخوارج وقصة المخدج وغير ذلك من فضائل علي قال وأما حديث أمير المؤمنين علي فأخبرنا أبو العباس الفرغاني أنا أبو الفضل الشيباني ثنا رجاء بن يحيى الساماني ثنا هارون بن سعدان بسامرا سنة أربعين ومائتين ثنا عبد الله بن عمرو بن الأشعث عن داود بن الكميت عن عمه المستهل بن زيد عن أبيه زيد بن سلهب عن جويرية بنت شهر قالت خرجت مع علي بن أبي طالب فقال يا جويرية إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوحى إليه ورأسه في حجري فذكر الحديث وهذا الاسناد مظلم وأكثر رجاله لا يعرفون والذي يظهر والله أعلم أنه مركب مصنوع مما عملته أيدي الروافض قبحهم الله ولعن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعجل له ما توعده الشارع من العذاب والنكال حيث قال وهو الصادق في المقال من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وكيف يدخل في عقل أحد من أهل العلم أن يكون هذا الحديث يرويه علي بن أبي طالب وفيه منقبة عظيمة له دلالة معجزة باهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد المظلم المركب على رجال لا يعرفون وهل لهم وجود في الخارج أم لا الظاهر والله أعلم لا ثم هو عن امرأة مجهولة العين والحال فأين أصحاب علي الثقات كعبيدة
السلماني وشريح القاضي وعامر الشعبي وأضرابهم ثم في ترك الأئمة كمالك وأصحاب الكتب الستة وأصحاب المسانيد والسنن والصحاح والحسان رواية هذا الحديث وإيداعه في كتبهم أكبر دليل على أنه لا أصل له عندهم وهو مفتعل مأفوك بعدهم وهذا أبو عبد الرحمن النسائي قد جمع كتابا في خصائص علي بن أبي طالب ولم يذكره وكذلك لم يروه الحاكم في مستدركه وكلاهما ينسب إلى شيء من التشيع ولا رواه من رواه من الناس المعتبرين إلا على سبيل الاستغراب والتعجب وكيف يقع مثل هذا نهارا جهرة وهو مما تتوفر الدواعي على نقله ثم لا يروى إلا من طرق ضعيفة منكرة وأكثرها مركبة موضوعة وأجود ما فيها ما قدمناه من طريق أحمد بن صالح المصري عن ابن أبي فديك عن محمد بن موسى الفطري عن عون بن محمد عن أمه أم جعفر عن أسماء على ما فيها من التعليل الذي أشرنا إليه فيما سلف وقد اغتر بذلك أحمد بن صالح رحمه الله ومال إلى صحته ورجح ثبوته قال الطحاوي في كتابه مشكل الحديث عن علي بن عبد الرحمن عن أحمد بن صالح المصري أنه كان يقول لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء في رد الشمس لأنه من علامات النبوة وهكذا مال إليه أبو جعفر الطحاوي أيضا فيما قيل ونقل أبو القاسم الحسكاني هذا عن أبي عبد الله البصري المتكلم المعتزلي أنه قال عود الشمس بعد مغيبها آكد حالا فيما يقتضي نقله لأنه وإن كان فضيلة لأمير المؤمنين فانه من أعلام النبوة وهو مقارن لغيره في فضائله في كثير من أعلام النبوة وحاصل هذا الكلام يقتضي أنه كان ينبغي أن ينقل هذا نقلا متواترا وهذا حق لو كان الحديث صحيحا ولكنه لم ينقل كذلك فدل على أنه ليس بصحيح في نفس الأمر والله أعلم قلت والأئمة في كل عصر ينكرون صحة هذا الحديث ويردونه ويبالغون في التشنيع على رواته كما قدمنا عن غير واحد من الحفاظ كمحمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين وكإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني خطيب دمشق وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه وكالحافظ أبي القاسم بن عساكر والشيخ أبي الفرج ابن الجوزي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين وممن صرح بأنه موضوع شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي والعلامة أبو العباس بن تيمية وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري قرأت على قاضي القضاة أبي الحسن محمد بن صالح الهاشمي ثنا عبد الله بن الحسين بن موسى ثنا عبد الله بن علي بن المديني قال سمعت أبي يقول خمسة أحاديث يروونها ولا أصل لها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث لو صدق السائل ما أفلح من رده وحديث لا وجع إلا وجع العين ولا غم إلا غم الدين وحديث أن الشمس ردت على علي بن أبي طالب وحديث أنا أكرم على الله من أن يدعني تحت الأرض مائتي عام وحديث أفطر الحاجم والمحجوم إنهما كانا يغتابان والطحاوي رحمه الله وإن كان قد اشتبه عليه أمره فقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله انكاره والتهكم بمن رواه قال أبو العباس بن عقدة ثنا جعفر
ابن محمد بن عمير ثنا سليمان بن عباد سمعت بشار بن دراع قال لقي أبو حنيفة محمد بن النعمان فقال عمن رويت حديث رد الشمس فقال عن غير الذي رويت عنه يا سارية الجبل فهذا أبو حنيفة رحمه الله وهو من الأئمة المعتبرين وهو كوفي لا يتهم على حب علي بن أبي طالب وتفصيله بما فضله الله به ورسوله وهو مع هذا منكر على راويه وقول محمد بن النعمان له ليس بجواب بل مجرد معارضة بما لا يجدي أي أنا رويت في فضل علي هذا الحديث وهو وإن كان مستغربا فهو في الغرابة نظير ما رويته أنت في فضل عمر بن الخطاب في قوله يا سارية الجبل وهذا ليس بصحيح من محمد ابن النعمان فان هذا ليس كهذا إسنادا ولا متنا وأين مكاشفة إمام قد شهد الشارع له بأنه محدث بأمر خير من رد الشمس طالعة بعد مغيبها الذي هو أكثر علامات الساعة والذي وقع ليوشع بن نون ليس ردا للشمس عليه بل حبست ساعة قبل غروبها بمعنى تباطأت في سيرها حتى أمكنهم الفتح والله تعالى أعلم وتقدم ما أورده هذا النص من طرق هذا الحديث عن علي وأبي هريرة وأبي سعيد وأسماء بنت عميس وقد وقع في كتاب أبي بشر الدولابي في الذرية الطاهرة من حديث الحسين بن علي والظاهر أنه عنه عن أبي سعيد الخدري كما تقدم والله أعلم وقد قال شيخ الرافضة جمال الدين يوسف بن الحسن الملقب بابن المطهر الحلي في كتابه في الأمامة الذي رد عليه فيه شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية قال ابن المطهر التاسع من رجوع الشمس مرتين احداهما في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والثانية بعده أما الأولى فروى جابر وأبو سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل يوما يناجيه من عنده الله فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين فلم يرفع رأسه حتى غابت الشمس فصلى علي العصر بالايماء فلما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سل الله أن يرد عليك الشمس فتصلي قائما فدعا فردت الشمس فصلى العصر قائما وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من الصحابة بدوابهم وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر وفات كثير منهم فتكلموا في ذلك فسأل الله رد الشمس فردت قال وقد نظمه الحميري فقال
ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلح نورها في وقتها * للعصر ثم هوت هوى الكوكب
وعليه قد ردت ببابل مرة * أخرى وما ردت لخلق مقرب
قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية رحمه الله فضل علي وولايته وعلو منزلته عند الله معلوم ولله الحمد بطرق ثابتة أفادتنا العلم اليقيني لا يحتاج معها إلى مالا يعلم صدقه أو يعلم أنه كذب وحديث رد الشمس قد ذكره طائفة كأبي جعفر الطحاوي والقاضي عياض وغيرهما وعدوا ذلك من معجزات رسول
الله صلى الله عليه وسلم لكن المحققون من أهل العلم والمعرفة بالحديث يعلمون أن هذا الحديث كذب موضوع ثم أورد طرقه واحدة واحدة كما قدمنا وناقش أبا القاسم الحسكاني فيما تقدم وقد أوردنا كل ذلك وزدنا عليه ونقصنا منه والله الموفق واعتذر عن أحمد بن صالح المصري في تصحيحه هذا الحديث بأنه اغتر بسنده وعن الطحاوي بأنه لم يكن عنده نقل جيد للأسانيد كجهابذة الحفاظ وقال في عيون كلامه والذي يقطع به أنه كذب مفتعل قلت وإيراد ابن المطهر لهذا الحديث من طريق جابر غريب ولكن لم يسنده وفي سياقه ما يقتضي أن عليا هو الذي دعا برد الشمس في الأولى والثانية وأما إيراده لقصة بابل فليس لها إسناد وأظنه والله أعلم من وضع الزنادقة من الشيعة ونحوهم فان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم الخندق قد غربت عليهم الشمس ولم يكونوا صلوا العصر بل قاموا إلى بطحان وهو واد هناك فتوضئوا وصلوا العصر بعد ما غربت الشمس وكان علي أيضا فيهم ولم ترد لهم وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة فاتتهم العصر يومئذ حتى غربت الشمس ولم ترد لهم وكذلك لما نام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس صلوها بعد ارتفاع النهار ولم يرد لهم الليل فما كان الله عز وجل ليعطي عليا وأصحابه شيئا من الفضائل لم يعطها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأما نظم الحميري فليس فيه حجة بل هو كهذيان ابن المطهر هذا لا يعلم ما يقول من النثر وهذا لا يدري صحة ما ينظم بل كلاهما كما قال الشاعر


إن كنت أدري فعلى بدنه * من كثرة التخليط أني من أنه
والمشهور عن علي في أرض بابل ما رواه أبو داود رحمه الله في سننه عن علي أنه مر بأرض بابل وقد حانت صلاة العصر فلم يصل حتى جاوزها وقال نهاني خليلي صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فانها ملعونة وقد قال أبو محمد بن حزم في كتابه الملل والنحل مبطلا لرد الشمس على علي بعد كلام ذكره رادا على من ادعى باطلا من الأمر فقال ولا فرق بين من ادعى شيئا مما ذكرنا لفاضل وبين دعوى الرافضة رد الشمس على علي بن أبي طالب مرتين حتى ادعى بعضهم أن حبيب بن أوس قال
فردت علينا الشمس والليل راغم * بشمس لهم من جانب الخدر تطلع
نضا ضوءها صبغ الدجنة وانطوى * لبهجتها نور السماء المرجع
فوالله ما أدري علي بدا لنا فردت * له أم كان في القوم يوشع
هكذا أورده ابن حزم في كتابه وهذا الشعر تظهر عليه الركة والتركيب وأنه مصنوع والله أعلم
ومما يتعلق بالآيات السماوية في باب دلائل النبوة استسقاؤه عليه السلام ربه عز وجل لأمته حين تأخر المطر فأجابه إلى سؤاله سريعا بحيث لم ينزل عن منبره إلا والمطر يتحادر على لحيته
عليه السلام وكذلك استصحاؤه قال البخاري ثنا عمرو بن علي ثنا أبو قتيبة ثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار عن أبيه قال سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
قال البخاري وقال أبو عقيل الثقفي عن عمرو بن حمزة ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للارامل
وهو قول أبي طالب تفرد به البخاري وهذ الذي علقه قد أسنده ابن ماجه في سننه فرواه عن أحمد بن الأزهر عن أبي النضر عن أبي عقيل عن عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه وقال البخاري ثنا محمد هو ابن سلام ثنا أبو ضمرة ثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وتقطعت السبل فادع الله لنا يغيثنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال والله ما رأينا الشمس ستا ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما وقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل ادع الله يمسكها قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والجبال والظراب ومنابت الشجر قال فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك فسألت أنسا أهو الرجل الذي سأل أولا قال لا أدري وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به وقال البخاري ثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال يا رسول الله قحط المطر فادع الله أن يسقينا فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة قال فقام ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم حوالينا ولا علينا قال فلقد رأيت السحاب ينقطع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر أهل المدينة تفرد به البخاري من هذا الوجه وقال البخاري ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي فادع الله أن يمسكها فقال اللهم
على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر فانجابت عن المدينة انجياب الثوب وقال البخاري ثنا محمد بن مقاتل ثنا عبد الله ثنا الأوزاعي ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري حدثني أنس بن مالك قال أصابت الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة فقام أعرابي فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله أن يسقينا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وما رأينا في السماء قزعة فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته قال فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه إلى الجمعة الأخرى فقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال يا رسول الله تهدم البناء وغرق المال فادع الله لنا فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال اللهم حوالينا ولا علينا قال فما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيديه إلى ناحية من السماء الا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا ولم يجيء أحد من ناحية إلا حدث بالجود ورواه البخاري ايضا في الجمعة ومسلم من حديث الوليد عن الأوزاعي وقال البخاري وقال أيوب ابن سليمان حدثني أبو بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال قال قال يحيى بن سعيد سمعت أنس بن مالك قال أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال يا رسول الله هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون قال فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى فأتى الرجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق قال البخاري وقال الأويسي يعني عبد الله حدثني محمد بن جعفر هو ابن كثير عن يحيى ابن سعيد وشريك سمعا أنسا عن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه هكذا علق هذين الحديثين ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية وقال البخاري ثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا معتمر عن عبيد الله عن ثابت عن أنس بن مالك قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا يا رسول الله قحط المطر واحمرت الشجر وهلكت البهائم فادع الله أن يسقينا فقال اللهم اسقنا مرتين وأيم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب فنشأت سحابة وأمطرت ونزل عن المنبر فصلى فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم يخطب صاحوا إليه تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يحبسها عنا قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها ولا تمطر بالمدينة قطرة فنظرت إلى المدينة وأنها لفي مثل الاكليل وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمري به وقال الامام أحمد حدثنا ابن أبي عدي عن حميد
قال سئل أنس هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه فقال قيل له يوم الجمعة يا رسول الله قحط المطر وأجدبت الأرض وهلك المال قال فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى ولقد رفع يديه فاستسقى ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار ليهمه الرجوع إلى أهله قال فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبست الركبان فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرعة ملالة ابن آدم وقال اللهم حوالينا ولا علينا قال فتكشطت عن المدينة وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه وقال البخاري وأبو داود واللفظ له ثنا مسدد ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك وعن يونس بن عبيد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلكت الكراع هلكت الشاء فادع الله يسقينا فمد يده ودعا قال أنس وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت الريح أنشأت سحابا ثم اجتمع ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله يحبسه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال حوالينا ولا علينا فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لأنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وقال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبي معمر سعيد بن أبي خيثم الهلالي عن مسلم الملائي عن أنس بن مالك قال جاء أعرابي فقال يا رسول الله والله لقد أتيناك وما لنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح وأنشد
أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة * من الجوع ضعفا قائما وهو لا يخلي
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والعلهز الفسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار تملأ به الضرع وتنبت به الزرع وتحيي به الأرض بعد موتها
وكذلك تخرجون قال فوالله ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها وجاء أهل البطانة يصيحون يا رسول الله الغرق الغرق فرفع يديه الى السماء وقال اللهم حوالينا ولا علينا فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشد قوله فقال علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله كأنك أردت قوله
وأبيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله يبري محمد * ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
قال وقام رجل من بني كنانة فقال * لك الحمد والحمد ممن شكر
سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر
فلم يك إلا كلف الرداء * وأسرع حتى رأينا الدرر
رقاق العوالي عم البقاع * أغاث به الله عينا مضر
وكان كما قاله عمه * أبو طالب أبيض ذو غرر
به الله يسقي بصوب الغمام * وهذا العيان كذاك الخبر
فمن يشكر الله يلقى المزيد * ومن يكفر الله يلقى الغير
قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت وهذا السياق فيه غرابة ولا يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس فان كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم وقال الحافظ البيهقي أنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني ثنا أبو محمد بن حبان ثنا عبد الله بن مصعب ثنا عبد الجبار ثنا مروان بن معاوية ثنا محمد بن أبي ذئب المدني عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحي عن أبي وجرة يزيد بن عبيد السلمي قال لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة فيهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن الحصين والحر بن قيس وهو أصغرهم ابن أخي عيينة بن حصن فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم قالوا يا رسول الله أسنتت بلادنا وأجدبت أحياؤنا وعريت عيالنا وهلكت مواشينا فادع ربك أن يغيثنا وتشفع لنا إلى ربك ويشفع ربك إليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله ويلك هذا ما شفعت إلى ربي فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه لا إله إلا الله وسع كرسيه السموات والأرض وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم فقال الأعرابي ويضحك ربنا يا رسول الله قال نعم فقال الأعرابي لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر وتكلم بكلام ورفع يديه وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه وكان مما حفظ من دعائه اللهم اسق بلدك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا فقال أبو لبابة التمر في المرابد ثلاث مرات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسد ثعلب مربده بازاره قال فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت فوالله ما رأوا الشمس ستا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره لئلا يخرج التمر منه فقال رجل يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فصعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب وهذا السياق يشبه سياق مسلم الملائي عن أنس ولبعضه شاهد في سنن أبي داود وفي حديث أبي رزين العقيلي شاهد لبعضه والله أعلم وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن علي بن المؤمل أنا أبو أحمد محمد ابن محمد الحافظ أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا محمد بن حماد الظهراني أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسدي بن عبدويه عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس المدني عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبي لبابة عن عبد المنذر الأنصاري قال استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا فقام أبو لبابة فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد وما في السماء من سحاب نراه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا فقام أبو لبابة فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم اسقنا حتى يقول أبو لبابة يسد ثعلب مربدة بازاره فاستهلت السماء ومطرت وصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى القوم أبا لبابة يقولون له يا أبا لبابة إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بازارك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره فأقلعت السماء وهذا إسناد حسن ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب والله أعلم وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق كما قال عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن كان
أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال أوتحب ذلك قال نعم قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر وهذا إسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقد قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة إثنا عشر ألف بعير ومثلها من الخيل وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة قال ونزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض وذلك في حمأة القيظ أي شدة الحر البليغ فصلوات الله وسلامه عليه وكم له عليه السلام من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ولله الحمد وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعا كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم فدعا لهم فرفع ذلك عنهم وقد قال البخاري ثنا الحسن بن محمد ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أبي عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك نعم نبينا فاسقنا قال فيسقون تفرد به البخاري
*2* فصل واما المعجزات الأرضية
@ فمنها ما هو متعلق بالجمادات ومنها ما هو متعلق بالحيوانات فمن المتعلق بالجمادات تكثيره الماء في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردها بأسانيدها إن شاء الله وبدأنا بذلك لأنه أنسب باتباع ما أسلفنا ذكره من استسقائه وإجابة الله له قال البخاري ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الاناء فأمر الناس أن يتوضأوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك به وقال الترمذي حسن صحيح
*2* طريق أخرى عن أنس
@ قال الامام أحمد حدثنا يونس بن محمد ثنا حزم سمعت الحسن يقول حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون
فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ما يتوضأون به فقالوا يا رسول الله ما نجد ما نتوضأ به ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير فأخذ نبي الله فتوضأ منه ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال هلموا فتوضأوا فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء قال الحسن سئل أنس كم بلغوا قال سبعين أو ثمانين وهكذا رواه البخاري عن عبد الرحمن بن المبارك العنسي عن حزم بن مهران القطيعي به
*2* طريق أخرى عن أنس
@ قال الامام أحمد حدثنا ابن أبي عدي عن حميد ويزيد قال أنا حميد المعنى عن أنس بن مالك قال نودي بالصلاة فقام كل قريب الدار من المسجد وبقي من كان أهله نائي الدار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب من حجارة فصغر أن يبسط كفه فيه قال فضم أصابعه قال فتوضأ بقيتهم قال حميد وسئل انس كم كانوا قال ثمانين أو زيادة وقد روى البخاري عن عبد الله بن منير عن يزيد ابن هارون عن حميد عن أنس بن مالك قال حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ وبقي قوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فضم أصابعه فوضعها في المخضب فتوضأ القوم كلهم جميعا قلت كم كانوا قال كانوا ثمانين رجلا
*2* طريق اخرى عنه
@ قال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد إملاء عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء فأتى باناء فيه ماء لا يغمر أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضأوا فوضع كفه في الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم قال فقلت لأنس كم كنتم قال كنا ثلثمائة وهكذا رواه البخاري عن بندار بن أبي عدي ومسلم عن ابي موسى عن غندر كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة وبعضهم يقول عن شعبة والصحيح سعيد عن قتادة عن انس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم باناء وهو في الزوراء فوضع يده في الاناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم قال قتادة فقلت لأنس كم كنتم قال ثلثمائة أو زهاء ثلثمائة لفظ البخاري
*2* حديث البراء بن عازب في ذلك
@ ل قال البخاري ثنا مالك بن إسماعيل ثنا إسرائيل عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة والحديبية بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا تفرد به البخاري إسنادا ومتنا
*2* حديث آخر عن البراء بن عازب
@ قال الامام أحمد حدثنا عفان وهاشم حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال حدثنا يونس هو ابن عبيدة مولى محمد بن القاسم عن البراء قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأتينا على ركى ذمة يعني قليلة الماء قال فنزل فيها ستة أناس أنا سادسهم ماحة فأدليت إلينا دلو قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم على شفتي الركى فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البراء فكدت بأنائي هل أجد شيئا أجعله في حلقي فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمس يده فيها فقال ما شاء الله أن يقول وأعيدت الينا الدلو بما فيها قال فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشبة الغرق قال ثم ساحت يعني جرت نهرا تفرد به الامام أحمد وإسناده جيد قوي والظاهر قصة أخرى غير يوم الحديبية والله أعلم
*2* حديث آخر عن جابر في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا سنان بن حاتم ثنا جعفر يعني ابن سليمان ثنا الجعد أبو عثمان ثنا أنس بن مالك عن جابر بن عبد الله الانصاري قال اشتكى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه العطش قال فدعا بعس فصب فيه شيء من الماء ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فيه وقال استقوا فاستقى الناس قال فكنت ارى العيون تنبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرد به أحمد من هذا الوجه وفي إفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبي حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد ابن عبادة عن جابر بن عبد الله في حديث طويل قال فيه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر رسول الله فلم ير شيئا يستتر به وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي باذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي بصانع قائده حتى أتى بالأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال انقادي علي باذن الله فانقادت معه كذلك حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما فقال التئما علي بإذن الله فالتأمتا قال جابر فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله بقربي فيبتعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فاذا أنا برسول الله وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله وقف وقفة فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا ثم أقبل فلما انتهى إلي قال يا جابر هل رأيت مقامي قلت نعم يا رسول الله قال فانطلق الى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن شمالك قال جابر فقمت فأخذت حجرا
فكسرته وحددته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا ثم أقبلت حتى قمت مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري ثم لحقت فقلت قد فعلت يا رسول الله قال فقلت فلم ذاك قال إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام الغصنان رطبين قال فأتينا العسكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر ناد الوضوء فقل ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء قال قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله في وأشجاب له على حمارة من جريد قال فقال لي انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل ترى في أشجابه من شيء قال فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في غر لا شجب منها لو أني أفرغته لشربه يابسه فآتيت رسول الله فقلت يا رسول الله لم أجد فيها إلا قطرة في غرلا شجب منها لو أنى أفرغته لشربه ابسه قال اذهب فأتني فأتيته فاخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو وعمزنى بيده ثم أعطانيه فقال يا جابر ناد بجفنة فقلت يا جفنة الركب فأتيت بها تحمل فوضعتها بين يديه فقال رسول الله بيده في الجفنة هكذا فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال خذ يا جابر فصب علي وقل بسم الله فصببت عليه وقلت بسم الله فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا فقلت هل بقي أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى قال وشكى الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع فقال عسى الله أن يطعمكم فأتينا سيف البحر فزجر زجرة فألقى دابة فأورينا على شقها النار فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا قال جابر فدخلت أنا وفلان وفلان وفلان حتى عد خمسة في محاجر عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا وأخذنا ضلعا من أضلاعها فقوسناه ثم دعونا بأعظم جمل في الركب وأعظم حمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحتها ما يطأطئ رأسه وقال البخاري ثنا موسى بن إسمعيل ثنا عبد العزيز بن مسلم ثنا حصين عن سالم بن أبي الجعد عن جابر بن عبد الله قال عطش الناس يوم الحديبية والنبي صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة بيضاء فجهش الناس نحوه قال مالكم قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك فوضع يده في لركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا قلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة وهكذا رواه مسلم من حديث حصين وأخرجاه من حديث الأعمش زاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن جابر بن سالم عن جابر وفي رواية الأعمش كنا أربع عشرة مائة وقال الامام أحمد حدثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن الأسود بن قيس عن شقيق
العبدي أن جابر بن عبد الله قال غزونا أو سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن يومئذ بضع عشر ومائتان فحضرت الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل في القوم من ماء فجاءه رجل يسعى باداوة فيها شيء من ماء قال فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدح قال فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح تمسحوا وتمسحوا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفه في الماء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله ثم قال اسبغوا الوضوء قال جابر فوالذي هو ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رفعها حتى توضأوا أجمعون وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد وظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال قدمنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربع عشرة مائة أو أكثر من ذلك وعليها خمسون رأسا لا يرويها فقعد رسول الله على شفا الركية فاما دعا وإما بصق فيها قال فجاشت فسقينا واستقينا وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية الطويل فعدل عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه تبرضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه وقد تقدم الحديث بتمامه في صلح الحديبية فأغنى عن إعادته وروى ابن إسحاق عن بعضهم أن الذي نزل بالسهم ناجية بن جندب سائق البدن قال وقيل البراء بن عازب ثم رجح ابن اسحاق الأول
*2* حديث آخر عن ابن عباس في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا حسين الأشقر ثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبي الضحى عن ابن عباس أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وليس في العسكر ماء فأتاه رجل فقال يا رسول الله ليس في العسكر ماء قال هل عندك شيء قال نعم قال فأتني قال فأتاه باناء فيه شيء من ماء قليل قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه في فم الاناء وفتح أصابعه قال فانفجرت من بين أصابعه عيون وأمر بلالا فقال ناد في الناس الوضوء المبارك تفرد به أحمد ورواه الطبراني من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس بنحوه
*2* حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك
@ قال البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال اطلبوا فضلة من ماء فجاءوا باناء فيه ماء قليل فأدخل يده في
الأناء ثم قال حي على الطهور المبارك والبركة من الله عز وجل قال فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل ورواه الترمذي عن بندار عن ابن أحمد وقال حسن صحيح
*2* حديث عن عمران بن حصين في ذلك
@ قال البخاري ثنا أبو الوليد ثنا مسلم بن زيد سمعت أبا رجاء قال حدثنا عمران بن حصين أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر وكان لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من منامه حتى يستيقظ فاستيقظ عمر فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فنزل وصلى بنا الغداة فاعتزل رجل من القوم لم يصل معنا فلما انصرف قال يا فلان ما يمنعك أ تصلي معنا قال أصابتني جنابة فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلى وجعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركوب بين يديه وقد عطشنا عطشا شديدا فبينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها أين الماء قالت إنه لا ماء فقلنا كم بين أهلك وبين الماء قالت يوم وليلة فقلنا انطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت وما رسول الله فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته بمثل الذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها موتمة فأمر بمزادتها فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا وملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنه لم نسق بعيرا وهي تكاد تفضي من الملء ثم قال هاتوا ما عندكم فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت اهلها قالت أتيت أسحر الناس أو مر نبي كما زعموا فهدى الله ذاك الصرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا وكذلك رواه مسلم من حديث سلم بن رزين وأخرجاه من حديث عوف الأعرابي كلاهما عن رجاء العطاردي واسمه عمران بن تيم عن عمران بن حصين به وفي رواية قال لهما اذهبي بهذا معك لعيالك واعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئا غير أن الله سقانا وفيه أنه لما فتح العزلاوين سمى الله عز وجل
*2* حديث عن أبي قتادة في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا وانطلق سرعان الناس يريدون الماء ولزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعمته فادعم ثم مال فدعمته فادعم ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال من الرجل فقلت أبو قتادة قال منذ كم كان مسيرك قلت منذ الليلة قال
حفظك الله كما حفظت رسوله ثم قال لو عرسنا فمال إلى شجرة فنزل فقال انظر هل ترى أحدا قلت هذا راكب هذان راكبان حتى بلغ سبعة فقال احفظوا علينا صلاتنا فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فانتبهنا فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار وسرنا هنيهة ثم نزل فقال أمعكم ماء قال قلت نعم معي ميضأة فيها شيء من ماء قال ائت بها قال فأتيته بها فقال مسوا منها مسوا منها فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال ازدهر بها يا أبا قتادة فانه سيكون لها نبأ ثم أذن بلال وصلوا الركعتين قبل الفجر ثم صلوا الفجر ثم ركب وركبنا فقال بعضهم لبعض فرطنا في صلاتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقولون إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فالي قلنا يا رسول الله فرطنا في صلاتنا فقال لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة فاذا كان ذلك فصلوها ومن الغد وقتها ثم قال ظنوا بالقوم قالوا إنك قلت بالأمس إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا فالناس بالماء قال فلما أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم فقال بعضهم لبعض إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالماء وفي القوم أبو بكر وعمر فقالا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا قالها ثلاثا فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هلكنا عطشا تقطعت الأعناق فقال لا هلك عليكم ثم قال يا أبا قتادة ائت بالميضأة فأتيته بها فقال احلل لي غمري يعني قدحه فحللته فأتيته به فجعل يصب فيه ويسقي الناس فازدحم الناس عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس أحسنوا الملأ فكلكم سيصدر عن ري فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب لي فقال اشرب يا ابا قتادة قال قلت اشرب أنت يا رسول الله قال إن ساقي القوم آخرهم فشربت وشرب بعدي وبقي في الميضأة نحو ما كان فيها وهم يومئذ ثلثمائة قال عبد الله فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال من الرجل قلت أنا عبد الله بن رباح الأنصاري قال القوم أعلم بحديثهم انظر كيف تحدث فاني أحد السبعة تلك الليلة فلما فرغت قال ما كنت أحسب أحدا يحفظ هذا الحديث غيري قال حماد بن سلمة وحدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة الموصلي عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وزاد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده وقد رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري بطوله وأخرج من حديث حماد ابن سلمة بسنده الأخير أيضا


@ روى البيهقي من حديث الحافظ أبي يعلى الموصلي ثنا شيبان ثنا سعيد بن سليمان الضبعي ثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر فقال لهم جدوا السير فان بينكم وبين المشركين ماء إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس وعطشتم عطشا شديدا أنتم ودوابكم قال وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانية أنا تاسعهم وقال لأصحابه هل لكم أن نعرس قليلا ثم نلحق بالناس قالوا نعم يا رسول الله فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستيقظ أصحابه فقال لهم تقدموا واقضوا حاجاتكم ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم هل مع أحد منكم ماء قال رجل منهم يا رسول الله معي ميضأة فيها شيء من ماء قال فجئ بها فجاء بها فأخذها نبي الله صلى الله عليه وسلم فمسحها بكفيه ودعا بالبركة فيها وقال لأصحابه تعالوا فتوضأوا فجاءوا وجعل يصب عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توضأوا كلهم فأذن رجل منهم واقام فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم وقال لصاحب الميضأة ازدهر بميضأتك فسيكون لها شأن وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الناس وقال لأصحابه ما ترون الناس فعلوا فقالوا الله ورسوله أعلم فقال لهم فيهم أبو بكر وعمر وسيرشد الناس فقدم الناس وقد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق ذلك على الناس وعطشوا عطشا شديدا ركابهم ودوابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين صاحب الميضأة قالوا هو هذا يا رسول الله قال جئني بميضأتك فجاء بها وفيها شيء من ماء فقال لهم تعالوا فاشربوا فجعل يصب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شرب الناس كلهم وسقوا دوابهم وركابهم وملأوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين فبعث الله ريحا فضرب وجوه المشركين وأنزل الله نصره وأمكن من ديارهم فقتلوا مقتلة عظيمة وأسروا أسارى كثيرة واستاقوا غنائم كثيرة ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وافرين صالحين وقد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا وهو في صحيح مسلم وقدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ بن جبل فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال وقال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتي قال فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء فسالهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هل مسستما من مائها شيئا قالا نعم فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانا وذكرنا في باب الوفود
من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن الحارث الصدائي في قصة وفادته فذكر حديثا طويلا فيه ثم قلنا يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا وكل من حولنا عدو فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده ودعا فيهن ثم قال اذهبوا بهذه الحصيات فاذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله عز وجل قال الصدائي ففعلنا ما قال لنا فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها يعني البئر وأصل هذا الحديث في المسند وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وأما الحديث بطوله ففي دلائل النبوة للبيهقي رحمه الله وقال البيهقي
*2* باب ما ظهر في البئر التي كانت بقباء من بركته
@
أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي ثنا أبو حامد بن الشرقي أنا أحمد بن حفص بن عبد الله نا أبي حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك قال فدللته عليها فقال لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على حماره فينزح فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بذنوب فسقي فاما أن يكون توضأ منه وإما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر قال فما نزحت بعد قال فرأيته بال ثم جاء فتوضأ ومسح على جنبه ثم صلى وقال أبو بكر البزار ثم الوليد بن عمرو بن مسكين ثنا محمد بن عبد الله بن مثنى عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلنا فسقيناه من بئر لنا في دارنا كانت تسمى النزور في الجاهلية فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد ثم قال لا نعلم هذا يروى إلا من هذا الوجه
*2* باب تكثيره عليه السلام الاطعمة
@ تكثيره اللبن في مواطن أيضا قال الامام أحمد ثنا روح ثنا عمر بن ذر عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عز وجل ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل فمر عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل فمر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فعرف ما في وجهي وما في نفسي فقال أبا هريرة قلت له لبيك يا رسول الله فقال الحق واستأذنت فاذن لي فوجدت لبنا في قدح قال من أين لكم هذا اللبن فقالوا أهداه لنا فلان أو آل فلان قال أبا هر قلت لبيك
يا رسول الله قال انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الاسلام لم يأووا إلى أهل ولا مال إذا جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية أصاب منها وبعث إليهم منها وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها قال وأحزنني ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومي وليلتي وقلت أنا الرسول فاذا جاء القوم كنت أنا الذي أعطيهم وقلت ما يبقى لي من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال أبا هر خذ فأعطهم فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم ودفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إلي وتبسم وقال أبا هر فقلت لبيك رسول الله قال بقيت أنا وأنت فقلت صدقت يا رسول الله قال فاقعد فاشرب قال فقعدت فشربت ثم قال لي اشرب فشربت فما زال يقول لي اشرب فأشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا قال ناولني القدح فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة ورواه البخاري عن أبي نعيم وعن محمد بم مقاتل عن عبد الله بن المبارك وأخرجه الترمذي عن عباد بن يونس بن بكير ثلاثتهم عن عمر بن ذر وقال الترمذي صحيح وقال الامام أحمد ثنا أبوبكر بن عياش حدثني عن زر عن ابن مسعود قال كنت ارعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال يا غلام هل من لبن قال فقلت نعم ولكني مؤتمن قال فهل من شاة لم ينز عليها الفحل فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص قال ثم أتيته بعد هذا فقلت يا رسول الله علمني من هذا القول قال فمسح رأسي وقال يا غلام يرحمك الله فانك عليم معلم ورواه البيهقي من حديث أبي عوانة عن عاصم عن أبي النجود عن زر عن ابن مسعود وقال فيه فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها ويدعو وأتاه أبو بكر بجفنة فحلب فيها وسقى أبا بكر ثم شرب ثم قال للضرع اقلص فقلص فقلت يا رسول الله علمني من هذا القول فمسح رأسي وقال إنك غلام معلم فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر وتقدم في الهجرة حديث أم معبد وحلبه عليه السلام ساتها وكانت عجفاء لا لبن لها فشرب هو وأصحابه وغادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها وتقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه عليه السلام المقداد بن الأسود حين شرب اللبن الذي كان قد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام في الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ما ملأ منه إناء كبيرا جدا الحديث وقال أبو داود الطيالسي ثنا زهير عن أبي إسحاق عن ابنة حباب أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فاعتقلها وحلبها فقال ائتني بأعظم إناء لكم فأتيناه بجفنة العجين فحلب فيها حتى ملأها ثم
قال اشربوا أنتم وجيرانكم وقال البيهقي أنا أبو الحسين بن بشران ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا محمد بن الفرج الأزرق ثنا عصمة بن سليمان الخزار ثنا خلف بن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن نافع وكانت له صحبة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكنا زهاء أربعمائة فنزلنا في موضع ليس فيه ماء فشق ذلك على أصحابه وقالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم قال فجاءت شويهة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلبها فشرب حتى روى وسقى أصحابه حتى رووا ثم قال يا نافع املكها الليلة وما أراك تملكها قال فأخذتها فوتدت لها وتدا ثم ربطتها بحبل ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة ورأيت الحبل مطروحا فجئت رسول الله فأخبرته من قبل أن تسألني وقال يا نافع ذهب بها الذي جاء بها قال البيهقي ورواه محمد بن سعد عن خلف بن الوليد أبي الوليد الأزدي عن خلف بن خليفة عن أبان وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا ثم قال البيهقي أنا أبو سعيد الماليني أنا أبو أحمد بن عدي أنا ابن العباس بن محمد بن العباس ثنا أحمد بن سعيد ابن أبي مريم ثنا أبو حفص الرياحي ثنا عامر بن أبي عامر الخراز عن أبيه عن الحسن عن سعد يعني مولى أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احلب لي العنز قال وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه قال فأتيت فاذا العنز حافل قال فاحتلبتها واحتفظت بالعنز وأوصيت بها قال فاشتغلنا بالرحلة ففقدت فقلت يا رسول الله قد فقدت العنز فقال إن لها ربا وهذا أيضا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا وفي إسناده من لا يعرف حاله وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلق من المعجزات بالحيوانات
*2* تكثيره عليه السلام السمن لام سليم
@ قال الحافظ أبو يعلى حدثنا شيبان ثنا محمد بن زيادة البرجمي عن أبي طلال عن أنس عن أمه قال كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأت العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت يا ربيبة أبلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتدم بها فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هذه عكة سمن بعثت بها إليك أم سليم قال أفرغوا لها عكتها ففرغت العكة فدفعت اليها فانطلقت بها وجاءت وأم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر فقالت أم سليم يا ربيبة أليس أمرتك أن تنطلقي بها إلى رسول الله فقالت قد فعلت فان لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلقت ومعها ربيبة فقالت يا رسول الله إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن قال قد فعلت قد جاءت قالت والذي بعثك بالحق ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا قال فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه كلي وأطعمي قالت فجئت إلى البيت فقسمت في قعب
لنا وكذا وكذا تركت فيها ما ائتدمنا به شهرا أو شهرين
*2* حديث آخر في ذلك
@ قال البيهقي أنا الحاكم أنا الأصم ثنا عباس الدوري ثنا علي بن بحر القطان ثنا خلف ابن خليفة عن أبي هاشم الرماني عن يوسف بن خالد عن أوس بن خالد عن أم أوس البهزية قالت سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته لرسول الله فقبله وترك في العكة قليلا ونفخ فيها ودعا بالبركة ثم قال ردوا عليها عكتها فردوها عليها وهي مملوءة سمنا قالت فظننت أن رسول الله لم يقبلها فجاءت ولها صراخ فقالت يا رسول الله إنما سليته لك لتأكله فعلم أنه قد استجيب له فقال اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها وتدعو بالبركة فأكلت بقية عمر النبي صلى الله عليه وسلم وولاية أبي بكر وولاية عمر وولاية عثمان حتى كان من أمر علي ومعاوية ما كان
*2* حديث آخر
@ روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الأعلى ابن المسور القرشي عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة قال كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان فذكر الحديث في هجرتها وصحبة ذلك اليهودي لها وأنها عطشت فابى أن يسقيها حتى تهود فنامت فرأت في النوم من يسقيها فاستيقظت وهي ريانة فلما جاءت رسول الله قصت عليه القصة فخطبها إلى نفسها فرأت نفسها أقل من ذلك وقالت بل زوجني من شئت فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال كلوا ولا تكيلوا وكانت معها عكة سمن هدية لرسول الله فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله ففرغت وأمرها رسول الله إذا ردتها أن تعلقها ولا توكئها فدخلت أم شريك فوجدتها ملآى فقالت للجارية ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول الله فقالت قد فعلت نذكروا ذلك لرسول الله فامرهم أن لا يوكئوها فلم تزل حتى أوكتها أم شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء
*2* حديث آخر في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير عن جابر أن أم مالك البهزية كانت تهدي في عكة لها سمنا للنبي صلى الله عليه وسلم فبينما بنوها يسألونها الأدام وليس عندها شيء فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدي فيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعصرتيه فقلت نعم قال لو تركتيه ما زال ذلك مقيما ثم روى الامام أحمد بهذا الإسناد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه هو وامرأته وضيف لهم حتى كالوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم تكيلوه لأكلتم فيه ولقام لكم وقد روى هذين الحديثين مسلم من وجه آخر عن أبي الزبير عن جابر
*2* ذكر ضيافة ابي طلحة الانصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ قال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول قال أبو طلحة لأم سليم لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع فهل عندك من شيء قالت نعم فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذهبت به فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه الناس فقمت عليهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلك أبو طلحة فقلت نعم قال بطعام قلت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه قوموا فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته فقال أبو طلحة يا أم سليم قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليس عندنا ما نطعمهم فقالت الله ورسوله أعلم فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة معه فقال رسول الله هلم يا أم سليم ما عندك فأتت بذلك الخبر فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففت وعصرت أم سليم عكة فآدمته ثم قال رسول الله فيه ما شاء الله أن يقول ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فاذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال ائذن لعشرة فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا وقد رواه البخاري في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن مالك
*2* طريق آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه
@ قال أبو يعلى ثنا هدبة بن خالد ثنا مبارك بن فضالة ثنا بكير وثابت البناني عن أنس أن أبا طلحة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا فجاء إلى أم سليم فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم طاويا فهل عندك من شيء قالت ما عندنا إلا نحو من مد دقيق شعير قال فاعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل عندنا قال فعجنته وخبزته فجاء قرصا فقال يا أنس ادع رسول الله فأتيت رسول الله ومعه أناس قال مبارك أحسبه قال بضعة وثمانون قال فقلت يا رسول الله أبو طلحة يدعوك فقال لأصحابه أجيبوا أبا طلحة فجئت جزعا حتى أخبرته أنه قد جاء بأصحابه قال بكر فعدي قدمه وقال ثابت قال أبو طلحة رسول الله أعلم بما في بيتي مني وقالا جميعا عن أنس فاستقبله أبو طلحة فقال يا رسول الله ما عندنا شيء إلا قرص رأيتك طاويا فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصا قال فدعا بالقرص ودعا بجفنة فوضعه فيها وقال هل من سمن قال أبو طلحة قد كان في العكة شيء قال فجاء بها قال فجعل رسول الله وأبو طلحة يعصرانها حتى خرج شيء
مسح رسول الله به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ وقال بسم الله فانتفخ القرص فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يميع فقال ادع عشرة من أصحابي فدعوت له عشرة قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وسط القرص وقال كلوا باسم الله فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا ثم قال ادع لي عشرة أخرى فدعوت له عشرة أخرى فقال كلوا بسم الله فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالى القرص حتى شبعوا وإن وسط القرص حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كم هو وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه فالله أعلم
*2* طريق اخرى عن أنس بن مالك
@ قال الامام أحمد ثنا عبد الله بن نمير ثنا سعد يعني ابن سعيد بن قيس أخبرني أنس ابن مالك قال بعثني أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأدعوه وقد جعل له طعاما فأقبلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس قال فنظر إلي فاستحييت فقلت أجب أبا طلحة فقال للناس قوموا فقال أبو طلحة يا رسول الله إنما صنعت شيئا لك قال فمسها رسول الله ودعا فيها بالبركة ثم قال أدخل نفرا من أصحابي عشرة فقال كلوا فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا وقال أدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها فاذا هي مثلها حين أكلوا منها وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن نمير وعن سعيد بن يحيى الأموى عن ابيه كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري
*2* طريق أخرى
@ رواه مسلم في الأطعمة عن عبد الله بن حميد عن خالد بن مخلد عن محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فذكر نحو ما تقدم وقد رواه أبو يعلى الموصلي عن محمد بن عباد المكي عن حاتم عن معاوية بن أبي مردد عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي طلحة فذكره والله أعلم
*2* طريق أخرى عن أنس
@ قال الامام أحمد ثنا علي بن عاصم ثنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس بن مالك قال أتى أبو طلحة بمدين من شعير فأمر به فصنع طعاما ثم قال لي يا أنس انطلق ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعه وقد تعلم ما عندنا قال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنده فقلت إن أبا طلحة يدعوك إلى طعامه فقام وقال للناس قوموا فقاموا فجئت أمشي بين يديه حتى دخلت على
أبي طلحة فأخبرته قال فضحتنا قلت إني لم استطع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم امره فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم اقعدوا ودخل عاشر عشرة فلما دخل أتى بالطعام تناول فأكل وأكل معه القوم حتى شبعوا ثم قال لهم قوموا وليدخل عشرة مكانكم حتى دخل القوم كلهم وأكلوا قال قلت كم كانوا قال كانوا نيفا وثمانين قال وفضل لأهل البيت ما أشبعهم وقد رواه مسلم في الأطعمة عن عمرو الناقد عن عبد الله بن جعفر الرقي عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أنس قال أمر أبو طلحة أم سليم قال اصنعي للنبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاصة طعاما يأكل منه فذكر نحو ما تقدم
*2* طريق اخرى عن أنس
@ قال أبو يعلى ثنا شجاع بن مخلد ثنا وهب بن جرير ثنا أبي سمعت جرير بن يزيد يحدث عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال رأى أبو طلحة رسول الله في المسجد مصطجعا يتقلب ظهرا لبطن فأتى أم سليم فقال رأيت رسول الله مصطجعا في المسجد يتقلب ظهرا لبطن فخبزت أم سليم قرصا ثم قال لي أبو طلحة اذهب فادع رسول الله فأتيته وعنده أصحابه فقلت يا رسول الله يدعوك ابو طلحة فقام وقال قوموا قال فجئت أسعى إلى أبي طلحة فأخبرته أن رسول الله قد تبعه أصحابه فتلقاه أبو طلحة فقال يا رسول الله إنما هو قرص فقال إن الله سيبارك فيه فدخل رسول الله وجيء بالقرص في قصعة فقال هل من سمن فجيء بشيء من سمن فغور القرص بأصبعه هكذا ورفعها ثم صب وقال كلوا من بين أصابعي فأكل القوم حتى شبعوا ثم قال أدخل علي عشرة فأكلوا حتى شبعوا حتى أكل القوم فشبعوا وأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا وفضلت فضلة أهديت لجيران لنا ورواه مسلم في الأطعمة من صحيحه عن حسن الحلواني وعن وهب بن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك فذكر نحو ما تقدم
*2* طريق أخرى عن أنس
@ قال الامام أحمد ثنا يونس بن محمد ثنا حماد يعني ابن زيد عن هشام عن محمد يعني ابن سيرين عن أنس قال حماد والجعد قد ذكره قال عمدت أم سليم إلى نصف مد شعير فطحنته ثم عمدت إلى عكة كان فيها شيء من سمن فاتخذت منه خطيفة قال ثم ارسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأتيته وهو في أصحابه فقلت إن أم سليم أرسلتني إليك تدعوك فقال أنا ومن معي قال فجاء هو ومن معه قال فدخلت فقلت لأبي طلحة قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله إنما هي خطيفة اتخذتها أم سليم
من نصف مد شعير قال فدخل فأتي به قال فوضع يده فيها ثم قال أدخل عشرة قال فدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم دخل عشرة فأكلوا ثم عشرة فأكلوا حتى أكل منها أربعون كلهم أكلوا حتى شبعوا قال وبقيت كما هي قال فأكلنا وقد رواه البخاري في الأطعمة عن الصلت بن محمد عن حماد بن زيد عن الجعد أبي عثمان عن أنس وعن هشام بن محمد عن أنس وعن سنان بن ربيعة عن أبي ربيعة عن أنس أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته وجعلت منه خطيفة وعمدت إلى عكة فيها شيء من سمن فعصرته ثم بعثتني إلى رسول الله وهو في أصحابه الحديث بطوله ورواه أبو يعلى الموصلي ثنا عمرو عن الضحاك ثنا أبي سمعت أشعث الحراني قال قال محمد بن سيرين حدثني أنس بن مالك أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طعام فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير فعمل يومه ذلك فجاء به وأمر أم سليم أن تعمله خطيفة وذكر الحديث
*2* طريق آخر عن أنس
@ قال الإمام أحمد ثنا يونس بن محمد ثنا حرب بن ميمون عن النصر بن أنس عن أنس بن مالك قال قالت أم سليم اذهب إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقل إن رأيت أن تغدى عندنا فافعل فجئته فبلغته فقال ومن عندي قلت نعم قال انهضوا قال فجئته فدخلت على أم سليم وأنا لدهش لمن أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقالت أم سليم ما صنعت يا أنس فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على إثر ذلك فقال هل عندك سمن قالت نعم قد كان منه عندي عكة فيها شيء من سمن قال فأت بها قالت فجئت بها ففتح رباطها ثم قال بسم الله أعظم فيها البركة قال فقال اقلبيها فقلبتها فعصرها نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يسمى فأخذت نقع قدر فأكل منها بضع وثمانون رجلا وفضل فضلة فدفعها إلى أم سليم فقال كلي وأطعمي جيرانك وقد رواه مسلم في الأطعمة عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد المؤدب به
*2* طريق أخرى
@ قال أبو القاسم البغوي ثنا علي بن المديني ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن يحيى ابن عمارة المازني عن أبيه عن أنس بن مالك أن أمه أم سليم صنعت خزيرا فقال أبو طلحة اذهب يا بني فادع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجئته وهو بين ظهراني الناس فقلت إن أبي يدعوك قال فقام وقال للناس انطلقوا قال فلما رأيته قام بالناس تقدمت بين أيديهم فجئت أبا طلحة فقلت يا أبت قد جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس قال فقام أبو طلحة على الباب وقال يا رسول الله إنما كان شيئا يسيرا فقال هلمه فان الله سيجعل فيه البركة فجاء به فجعل رسول الله يده فيه ودعا الله
بما شاء أن يدعو ثم قال أدخل عشرة عشرة فجاءه منهم ثمانون فأكلوا وشبعوا ورواه مسلم في الأطعمة عن عبد بن حميد عن القعنبي عن الدراوردي عن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني عن أبيه عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم
*2* طريق أخرى
@ ورواه مسلم في الأطعمة أيضا عن حرملة عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس كنحو ما تقدم قال البيهقي وفي بعض حديث هؤلاء ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكل أهل البيت وأفضلوا ما بلغ جيرانهم فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه شاهد ذلك على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه ولكن أصل القصة متواتر لا محالة كما ترى ولله الحمد والمنة فقد رواه عن أنس بن مالك إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وبكر بن عبد الله المزني وثابت بن أسلم البناني والجعد بن عثمان وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري وسنان بن ربيعة وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن عبد الله بن ابي طلحة ومحمد بن سيرين والنضر بن أنس ويحيى بن عمارة بن ابي حسن ويعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة وقد تقدم في غزوة الخندق حديث جابر في إضافته ص على صاع من شعير وعناق فعزم عليه السلام على أهل الخندق بكمالهم فكانوا ألفا أو قريبا من ألف فأكلوا كلهم من تلك العناق وذلك الصاع حتى شبعوا وتركوه كما كان وقد أسلفناه بسنده ومتنه وطرقه ولله الحمد والمنة ومن العجب الغريب ما ذكره الحافظ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب الغريبة في هذا الحديث فانه أسنده وساقه بطوله وذكر في آخره شيئا غريبا فقال ثنا محمد بن علي بن طرخان ثنا محمد بن مسرور أنا هاشم ابن هاشم ويكنى بابي برزة بمكة في المسجد الحرام ثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري من أهل المدينة من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد سمعت منه بالمصيصة عن أبيه سهل بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال أتى جابر بن عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف في وجهه الجوع فذكر أنه رجع إلى منزله فذبح داجنا كانت عندهم وطبخها وثرد تحتها في جفنة وحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدعو له الأنصار فأدخلهم عيه ارسالا فأكلوا كلهم وبقي مثل ما كان وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظما ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أني أرى شفتيه تتحرك فاذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها فقال خذ شاتك يا جابر بارك الله لك فيها قال فأخذتها ومضيت وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها البيت فقالت لي المرأة ما هذا يا جابر فقلت هذه والله شاتنا التي ذبحناها لرسول الله دعا الله فأحياها لنا فقالت أنا أشهد أنه رسول الله أشهد انه رسول الله أشهد أنه رسول الله
*2* حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم
@ قال أبو يعلى الموصلي والباغندي ثنا شيبان ثنا محمد بن عيسى بصرى وهو صاحب الطعام ثنا ثابت البناني قلت لأنس بن مالك يا أنس أخبرني بأعجب شيء رايته قال نعم يا ثابت خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فلم يعب علي شيئا أسأت فيه وإن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمي يا أنس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح عروسا ولا أدري أصبح له غداء فهلم تلك العكة فأتيتها بالعكة وبتمر فجعلت له حيسا فقالت يا أنس اذهب بهذا الى نبي الله وامرأته فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال دعه ناحية البيت وادع لي أبا بكر وعمر وعليا وعثمان ونفرا من أصحابه ثم ادع لي أهل المسجد ومن رأيت في الطريق قال فجعلت أتعجب من قلة الطعام ومن كثرة ما يأمرني أن أدعو الناس وكرهت أن أعصيه حتى امتلأ البيت والحجرة فقال يا أنس هل ترى من أحد فقلت لا يا رسول الله قال هات ذلك التور فجئت بذلك التور فوضعته قدامه فغمس ثلاث أصابع في التور فجعل التمر يربو فجعلوا يتغدون ويخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون وبقي في التور نحو ما جئت به فقال ضعه قدام زينب فخرجت وأسقفت عليهم بابا من جريد قال ثابت قلنا يا أبا حمزة كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور فقال أحسب واحدا وسبعين أو اثنين وسبعين وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:12 AM
* حديث آخر عن أبي هريرة في ذلك
@ قال جعفر بن محمد الفرياني ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبي يحيى عن إسحاق بن سالم عن أبي هريرة قال خرج علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدع لي أصحابك من أصحاب الصفة فجعلت أنبههم رجلا رجلا فجمعتهم فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنا فأذن لنا قال أبو هريرة فوضعت بين أيدينا صحفة أظن أن فيها قدر مد من شعير قال فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها يده وقال كلوا بسم الله قال فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت الصحفة والذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه قيل لأبي هريرة قدر كم كانت حين فرغتم منها قال مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع وهذه قصة غير قصة أهل الصفة المتقدمة في شربهم اللبن كما قدمنا
*2* حديث آخر عن أبي أيوب في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا يزيد بن هارون ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا وانطلق سرعان الناس يريدون الماء ولزمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فمالت برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته فنعس رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعمته فادعم ثم مال فدعمته فادعم ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال من الرجل فقلت أبو قتادة قال منذ كم كان مسيرك قلت منذ الليلة قال
@ قال جعفر الفريابي ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف ثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي الورد عن أبي محمد الحضرمي عن أبي أيوب الأنصاري قال صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر طعاما قدر ما يكفيهما فأتيتهما به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار قال فشق ذلك علي ما عندي شيء أزيده قال فكأني تثاقلت فقال اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار فدعوتهم فجاءوا فقال اطعموا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار قال أبو أيوب فوالله لأنا بالستين أجود مني بالثلاثين قال فدعوتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تربعوا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا قال فاذهب فادع لي تسعين من الأنصار قال فلأنا أجود بالتسعين والستين مني بالثلاثين قال فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا قال فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الأنصار وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا وقد رواه البيهقي من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي عن عبد الاعلى به
*2* قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة
@ قال الحافظ أبو يعلى ثنا سهل بن الحنظلية ثنا عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا فأتى فاطمة فقال يا بنية هل عندك شيء آكله فاني جائع فقالت لا والله بأبي أنت وأمي فلما خرج من عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وغطت عليها وقالت والله لأوثرن بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي ومن عندي وكانوا جميعا محتاجين إلى شعبة طعام فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إليها فقالت له بأبي أنت وأمي قد أتى الله بشيء فخبأته لك قال هلمي يا بنية فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله فحمدت الله وصلت على نبيه صلى الله عليه وسلم وقدمته إلى رسول الله فلما رآه حمد الله وقال من أين لك هذا يا بنية قالت يا أبت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فحمد الله وقال الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل فانها كانت إذا رزقها الله شيئا فسئلت عنه قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته جميعا حتى شبعوا قالت وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا وهذا حديث غريب أيضا إسنادا ومتنا وقد قدمنا قدمنا في أول البعثة حين
نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين حديث ربيعة بن ماجد عن علي في دعوته عليه السلام بني هاشم وكانوا نحوا من أربعين فقدم إليهم طعاما من مد فأكلوا حتى شبعوا وتركوه كما هو وسقاهم من عس شرابا حتى رووا وتركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة ثم دعاهم إلى الله كما تقدم
*2* قصة أخرى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ قال الامام أحمد ثنا علي بن عاصم ثنا سليمان التيمي عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتى بقصعة فيها ثريد قال فأكل وأكل القوم فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر يأكل قوم ثم يقومون ويجيء قوم فيتعاقبونه قال فقال له رجل هل كانت تمد بطعام قال أما من الأرض فلا إلا أن تكون كانت تمد من السماء ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن سليمان عن أبي العلاء عن سمرة أن رسول الله أتى بقصعة فيها ثريد فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة يقوم ناس ويقعد آخرون قال له رجل هل كانت تمد فقال له فمن أين تعجب ما كانت تمد إلا من ههنا وأشار إلى السماء وقد رواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي العلاء واسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير عن سمرة بن جندب به
*2* قصة قصعة بيت الصديق
@ ولعلها هي القصة المذكورة في حديث سمرة والله أعلم
قال البخاري ثنا موسى بن اسماعيل ثنا معتمر عن أبيه ثنا عثمان أنه حدثه عبد الرحمن ابن أبي بكر رضي الله عنهما أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال وأن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة وأبو بكر بثلاثة قال فهو أنا وأبي وأمي ولا أدري هل قال امرأتي وخادمي من بيتنا وبيت أبي بكر وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله قالت له امرأته ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك قال أو ما عشيتهم قالت أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم فذهبت فاختبأت فقال يا غنثر فجدع وسب وقال كلوا في رواية أخرى لا هنيئا وقال لا أطعمه أبدا والله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل فنظر أبو بكر فاذا هي شيء أو أكثر فقال لامرأته في رواية أخرى ما هذا يا أخت بني فراس قالت لا وقرة عيني هي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار فأكل منها أبو بكر وقال إنما كان الشيطان يعني يمينه ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى
النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده وكان بيننا وبين قوم عهد فمضى الأجل فعرفنا اثني عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل غير أنه بعث معهم قال فأكلوا منها أجمعون أو كما قال وغيرهم يقول فتفرقنا هذا لفظه وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي عن عبد الرحمن بن أبي بكر
*2* حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي بكر في هذا المعنى
@ قال الامام أحمد ثنا حازم ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل مع أحد منكم طعام فاذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعان طويل بغنم يسوقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبيعا أم عطية أو قال أم هدية قال لا بل بيع فاشترى منه شاة فصنعت وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بسواد البطن أن يشوى قال وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا قد حز له رسول الله صلى الله عليه وسلم حزة من سواد بطنها إن كان شاهدا أعطاه إياه وإن كان غائبا خبأ له قال وجعل منها قصعتين قال فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا وفضل في القصعتين فجعلناه على البعير أو كما قال وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث معتمر بن سليمان
*2* حديث آخر في تكثير الطعام في السفر
@ قال الإمام أحمد حدثنا فزارة بن عمر أنا فليح عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها فأرمل فيها المسلمون واحتاجوا إلى الطعام فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر الابل فأذن لهم فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فجاء فقال يا رسول الله إبلهم تحملهم وتبلغهم عدوهم ينحرونها ادع يا رسول الله بغبرات الزاد فادع الله عز وجل فيها بالبركة قال أجل فدعا بغبرات الزاد فجاء الناس بما بقي معهم فجمعه ثم دعا الله عز وجل فيه بالبركة ودعاهم بأوعيتهم فملأها وفضل فضل كثير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني عبد الله ورسوله ومن لقي الله عز وجل بهما غير شاك دخل الجنة وكذلك رواه جعفر الفريابي عن أبي مصعب الزهري عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه سهيل به ورواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن ابي النضر عن أبيه عن عبيد الله الأشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبي صالح عن أبي هريرة به وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا زهير ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح سعيد أو عن أبي هريرة شك الأعمش قال لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنانواضحنا فأكلنا وادهنا فقال افعلوا فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة فأمر رسول الله بنطع فبسط ودعا بفضل أزوادهم قال فجعل الرجل يجيء بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع شيء من ذلك يسير فدعا عليهم بالبركةثم قال خذوا في أوعيتكم فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فتحتجب عنه الجنة وهكذا رواه مسلم أيضا عن سهل ابن عثمان وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة فذكر مثله
*2* حديث آخر في هذه القصة
@ قال الامام أحمد ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله هو ابن المبارك أنا الأوزاعي أنا المطلب بن حنطب المخزومي حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري حدثني أبي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فاصاب الناس مخمصة فاستأذن الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نحر بعض ظهورهم وقالوا يبلغنا الله به فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هم أن يأذن لهم في نحر بعض ظهورهم قال يا رسول الله كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة فان الله سيبلغنا بدعوتك أو سيبارك لنا في دعوتك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة من الطعام وفوق ذلك فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر فجمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو ثم دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحتثوا فما بقي في الجيش وعاء إلا ملأوه وبقي مثله فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني رسول الله لا يلقى الله عبد يؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة وقد رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك باسناده نحو ما تقدم
*2* حديث آخر في هذه القصة
@ قال الحافظ أبو بكر البزار ثنا أحمد بن المعلى الآدمي ثنا عبد الله بن رجاء ثنا سعيد بن سلمة حدثني أبو بكر أظنه من ولد عمر بن الخطاب عن ابراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاري أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تهامة حتى إذا كنا بعسفان جاءه أصحابه فقالوا يا رسول الله جهدنا الجوع فأذن لنا في الظهر أن نأكله قال نعم فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فجاء رسول الله فقال يا نبي الله ما صنعت أمرت الناس أن ينحروا الظهر فعلى ما يركبون قال فما ترى يا ابن الخطاب قال أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب ثم تدعو لهم فأمرهم فجمعوا فضل أزوادهم في ثوب ثم دعا لهم ثم قال ائتوا بأوعيتكم فملأ كل إنسان وعاءه ثم أذن بالرحيل فلما جاوز مطروا فنزل ونزلوا معه وشربوا من ماء السماء فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع رسول الله وذهب الآخر معرضا فقال رسول الله ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما واحد فاستحى من الله فاستحى الله منه وأما الآخر فأقبل تائبا فتاب الله عليه وأماالآخر فأعرض فأعرض الله عنه ثم قال البزار لا نعلم روى أبو حنيس إلا هذا الحديث بهذا الإسناد وقد رواه البيهقي عن الحسين بن بشران عن أبي بكر الشافعي ثنا إسحاق بن الحسن الخرزي أنا أبو رجاء ثنا سعيد بن سلمة حدثني أبو بكر بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاري فذكره
*2* حديث آخر عن عمر بن الخطاب في هذه القصة
@ قال الحافظ ابو يعلى ثنا ابن هشام محمد بن يزيد الرفاعي ثنا ابن فضل ثنا يزيد وهو ابن أبي زياد عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن أبيه عن جده عمر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فقلنا يا رسول الله إن العدو قد حضر وهم شباع والناس جياع فقالت الأنصار ألا ننحر نواضحنا فنطعمها الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان معه فضل طعام فليجيء به فجعل الرجل يجيء بالمد والصاع وأقل وأكثر فكان جميع ما في الجيش بضعا وعشرين صاعا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فدعا بالبركة فقال النبي صلى الله عليه وسلم خذوا ولا تنتهبوا فجعل الرجل يأخذ في جرابه وفي غرارته وأخذوا في أوعيتهم حتى أن الرجل ليربط كم قميصه فيملؤه ففرغوا والطعام كما هو ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أشهد أن لا إله إلا الله واني رسول الله لا يأتي بها عبد محق إلا وقاه الله حر النار ورواه أبو يعلى أيضا عن إسحاق بن إسمعيل الطالقاني عن جرير عن يزيد بن أبي زياد فذكره وما قبلة شاهد له بالصحة كما أنه متابع لما قبله والله أعلم
*2* حديث آخر عن سلمة بن الاكوع في ذلك
@ قال الحافظ أبو يعلى ثنا محمد بن بشار ثنا يعقوب بن إسجاق الحضرمي القاري ثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا يعني من التمر فبسط نططا نشرنا عليه أزوادنا قال فتمطيت فتطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة ونحن أربع عشرة مائة قال فأكلنا ثم تطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من وضوءء قال فجاء رجل نبقطة في إداوته قال فقبضها فجعلها في قدح قال فتوضأنا كلنا ندغفقها دغفقة ونحن أربع عشرة مائة قال فجاء أناس فقالوا يا رسول الله ألا وضوء فقال قد فرغ الوضوء وقد رواه مسلم عن أحمد بن يوسف السلمي عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن إياس عن أبيه سلمة وقال فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا وتقدم ما ذكره ابن اسحاق في حفر الخندق حيث قال حدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بغدائهما قالت فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي فقال تعالي يا بنية ما هذا معك قالت قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال هاتيه قالت فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر فنبذ فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب
*2* قصة جابر ودين أبيه وتكثيره عليه السلام التمر
@ قال البخاري في دلائل النبوة حدثنا أبو نعيم ثنا زكريا حدثني عامر حدثني جابر أن أباه توفي وعليه دين فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن أبي ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه فانطلق معي لكيلا يفحش على الغرماء فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال انزعوه فأوفاهم الذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم هكذا رواه هنا مختصرا وقد أسنده من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن جابر به وهذا الحديث قد روى من طرق متعددة عن جابر بألفاظ كثيرة وحاصلها أنه ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعائه له ومشيه في حائطه وجلوسه على تمره وفي الله دين أبيه وكان قد قتل باحد وجابر كان لا يرجوه وفاءه في ذلك العام ولا ما بعده ومع هذا فضل له من التمر أكثر فوق ما كان يؤمله ويرجوه ولله الحمد والمنة
*2* قصة سلمان
@ في تكثيره صلى الله عليه وسلم تلك القطعة من الذهب لوفاء دينه في مكاتبته قال الامام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب رجل من عبد لقيس عن سلمان قال لما قلت وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلبها على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم أربعين أوقية
*2* ذكر مزود ابي هريرة وتمرة
@ قال الامام أحمد حدثنا يونس حدثنا حماد يعني ابن زيد عن المهاجر عن أبي العاليةعن أبي هريرة قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بتمرات فقال ادع الله لي فيهن بالبركة قال فصفهن بين يديه ثم دعا فقال لي اجعلهن في مزود وأدخل يدك ولا تنثره قال فحملت منه كذا كذا وسقا في سبيل الله ونأكل ونطعم وكان لا يفارق حقوى فلما قتل عثمان رضي الله عنه انقطع عن حقوى فسقط ورواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز البصري عن حماد بن زيد عن المهاجر عن أبي مخلد عن رفيع أبي العالية عنه وقال الترمذي حسن غريب من هذا الوجه
*2* طريق اخرى عنه
@ قال الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار أنا الحسين بن يحيى ابن عباس القطان ثنا حفص بن عمر ثنا سهل بن زياد أبو زياد ثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال يا أبا هريرة عندك شيء قال قلت شيء من تمر في مزود لي قال جيء به قال فجئت بالمزود قال هات نطعا فجئت بالنطع فبسطته فأدخل يده فقبض على التمر فاذا هو واحد وعشرون فجعل يضع كل تمرة ويسمى حتى أتى على التمر فقال به هكذا فجمعه فقال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا ثم قال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا ثم قال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا ثم قال ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا وفضل ثم قال لي اقعد فقعدت فاكل وأكلت قال وفضل تمر فأدخلته في المزود وقال لي يا أبا هريرة إذا أردت شيئا فأدخل يدك وخذه ولا تكفي فيكفى عليك قال فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل الله قال وكان معلقا خلف رحلي فوقع في زمن عثمان فذهب
*2* طريق اخرى عن أبي هريرة في ذلك
@ روى البيهقي من طريقين عن سهل بن أسلم العدوي عن يزيد بن أبي منصور عن أبيه عن أبي هريرة قال أصبت بثلاث مصيبات في الاسلام لم أصب بمثلهن موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت صويحبه وقتل عثمان والمزود قالوا وما المزود يا أبا هريرة قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقال يا ابا هريرة أمعك شيء قال قلت تمر في مزود قال جيء به فأخرجت تمرا فأتيته به قال فمسه ودعا فيه قال ادع عشرة فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من التمر معي في المزود فقال يا أبا هريرة إذا اردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفه قال فأكلت منه حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأكلت منه حياة أبي بكر كلها وأكلت منه حياة عمر كلها وأكلت منه حياة عثمان كلها فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود ألا أخبركم كم أكلت منه أكلت منه أكثر من مائتي وسق
*2* طريق اخرى
@ قال الامام أحمد حدثنا أبو عامر ثنا إسمعيل يعني ابن مسلم عن أبي المتوكل عن أبي هريرة قال أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من تمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره إصابة أهل الشام حيث أغاروا بالمدينة تفرد به أحمد
*2* حديث عن العرباض بن سارية في ذلك
@ رواه الحافظ بن عساكر في ترجمته من طريق محمد بن عمر الوافدي
حدثني ابن أبي سبرة عن موسى بن سعد عن العرباض قال كنت ألزم باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر فرأينا ليلة ونحن بتبوك أو ذهبنا لحاجة فرجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تعشى ومن عنده فقال أين كنت منذ الليلة فأخبرته وطلع جعال بن سراقة وعبد الله بن معقل المزني فكنا ثلاثة كلنا جائع فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أم سلمة فطلب شيئا نأكله فلم يجده فنادى بلالا هل من شيء فأخذ الجرب ينقفها فاجتمع سبع تمرات فوضعها في صحفة ووضع عليهن يده وسمى الله وقال كلوا باسم الله فأكلنا فأحصيت أربعا وخمسين تمرة كلها أعدها ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان ما أصنع فأكل كل منهما خمسين تمرة ورفعنا أيدينا فاذا التمرات السبع كما هن فقال يا بلال ارفعهن في جرابك فلما كان الغد وضعهن في الصحفة وقال كلوا بسم الله فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا أيدينا وإنهن كما هن سبع فقال لولا أني أستحي من ربي عز وجل لأكلت من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن
*2* حديث آخر
@ روى البخاري ومسلم من حديث أبي اسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت له لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في بيتي شيء ياكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففنى
*2* حديث آخر
@ روى مسلم في صحيحه عن سلمة بن شبيب عن الحسن بن أعين عن معقل عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم وبهذا الاسناد عن جابر أن أم مالك كانت تهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في عكتها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندها شيء فتعمد إلى التي كانت تهدي فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمنا فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أعصرتيها قالت نعم فقال لو تركتيها ما زالت قائمة وقد رواهما الامام أحمد عن موسى عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو جعفر البغدادي ثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا حسان بن عبد الله ثنا ابن لهيعة ثنا يونس بن يزيد ثنا ابن إسحاق عن سعيد بن الحرث بن عكرمة عن جده نوفل بن الحرث بن عبد المطلب أنه استعان رسول الله في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناها عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه قال فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه قال نوفل فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لو لم تكله لأكلت منه ما عشت
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ البيهقي في الدلائل أنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا عباس بن محمد الدوري أنا أحمد بن عبد الله بن يونس أنا أبو بكر بن عياش عن هشام يعني ابن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال أتى رجل أهله فرأى ما بهم من الحاجة فخرج إلى البرية فقالت امرأته اللهم ارزقنا ما نعتجن ونختبز قال فاذا الجفنة ملأى خميرا والرحا تطحن والتنور ملأى خبزا وشواء قال فجاء زوجها فقال عندكم شيء قالت نعم رزق الله فرفع الرحى فكنس ما حوله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لو تركها لدارت إلى يوم القيامة وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا أبو إسمعيل الترمذي ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح حدثني الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة أن رجلا من الأنصار كان ذا حاجة فخرج وليس عند أهله شيء فقالت امرأته لو حركت رحاي وجعلت في تنوري سعفات فسمع جيراني صوت الرحا ورأوا الدخان فظنوا أن عندنا طعاما وليس بنا خصاصة فقامت إلى تنورها فأوقدته وقعدت تحرك الرحا قال فأقبل زوجها وسمع الرحا فقامت إليه لتفتح له الباب فقال ماذا كنت تطحنين فأخبرته فدخلا وإن رحاهما لتدور وتصب دقيقا فلم يبق في البيت وعاء إلا ملئ ثم خرجت إلى تنورها فوجدته مملوءا خبزا فأقبل زوجها فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال فما فعلت الرحا قال رفعتها ونفضتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تركتموها ما زالت لكم حياتي أو قال حياتكم وهذا الحديث غريب سندا ومتنا
*2* حديث آخر
@ وقال مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضافه ضيف
كافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشرب حلابها ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه ثم إنه أصبح فأسلم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المسلم يشرب في معا واحد والكافر يشرب في سبعة أمعاء ورواه مسلم من حديث مالك
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ البيهقي أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ثنا أحمد بن عبيد الصفار حدثني محمد ابن الفضل بن حاتم ثنا الحسين بن عبد الأول ثنا حفص بن غياث ثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال ضاف النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي قال فطلب له شيئا فلم يجد إلا كسرة في كوة قال فجزأها رسول الله صلى الله عليه وسلم أجزاء ودعا عليها وقال كل قال فأكل فأفضل قال فقال يا محمد إنك لرجل صالح فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اسلم فقال إنك لرجل صالح ثم رواه البيهقي من حديث سهل بن عثمان عن حفص بن غياث باسناده نحوه
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ قال وفيما ذكر عبدان الأهوازي ثنا محمد بن زياد البرجمي ثنا عبيد الله بن موسى عن مسعر عن زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيف فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعاما فلم يجد عند واحدة منهن شيئا فقال اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فانه لا يملكها إلا أنت قال فأهديت له شاة مصلية فقال هذا من فضل الله ونحن ننتظر الرحمة قال أبو علي حدثنيه محمد بن عبدان الأهوازي عنه قال والصحيح عن زبيد مرسلا حدثناه محمد ابن عبدان حدثنا أبي ثنا الحسن بن الحرث الأهوازي أنا عبيد الله بن موسى عن مسعر عن زبيد فذكره مرسلا
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو عبد الرحمن السلمي ثنا أبو عمر بن حمدان أنا الحسن بن سفيان ثنا إسحاق بن منصور ثنا سليمان بن عبد الرحمن ثنا عمرو بن بشر بن السرح ثنا الوليد بن سليمان ابن أبي السائب ثنا واثلة بن الخطاب عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع قال حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من أهل البيعة فانطلق به فعشاه فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد وأصبحنا صباحا وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد فانطلقنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بالذي كان من أمرنا فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندهاشيء فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا فدعا وقال اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك فانها بيدك لا يملكها أحد غيرك فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن فاذا بشاة مصلية ورغف فامر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعت بين أيدينا فأكلنا حتى شبعنا فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا سألنا الله من فضله ورحمته فهذا فضله وقد ادخر لنا عنده رحمته
*2* حديث الزراع
@ قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل ثنا يحيى بن إسحاق حدثني رجل من بني غفار في مجلس سالم بن عبد الله قال حدثني فلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بطعام من خبز ولحم فقال ناولني الذراع فنوول ذراعا قال يحيى لا أعلمه إلا هكذا ثم قال ناولني الذراع فنوول ذراعا فاكلها ثم قال ناولني الذراع فقال يا رسول الله إنما هما ذراعان فقال وأبيك لو سكت ما زلت أناول منها ذراعا ما دعوت به فقال سالم أما هذه فلا سمعت عبد الله بن عمر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم هكذا وقع إسناد هذا الحديث وهو عن مبهم عن مثله وقد روى من طرق أخرى قال الامام أحمد حدثنا خلف بن الوليد حدثنا أبو جعفر يعني الرازي عن شرحبيل عن أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم قال أهديت له شاة فجعلها في القدر فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا أبا رافع قال شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر فقال ناولني الذراع يا ابا رافع فناولته الذراع ثم قال ناولني الذراع الآخر فناولته الذراع الآخر ثم قال ناولني الذراع الآخر فقال يا رسول الله إنما للشاة ذراعان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنك لو سكت لناولتني ذراعاذ فذراعا ما سكت ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحما باردا فأكل ثم دخل المسجد فصلى ولم يمس ماء
*2* طريق اخرى عن أبي رافع
@ قال الامام أحمد ثنا مؤمل ثنا حماد حدثني عبد الرحمن بن ابي رافع عن عمته عن أبي رافع قال صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة مصلية فاتى بها فقال لي يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فقلت يا رسول الله وهل للشاة إلا ذراعان فقال لو سكت لناولتني منها ما دعوت به قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الذراع قلت ولهذا لما علمت اليهود عليهم لعائن الله بخيبر سموه في الذراع في تلك الشاة التي أحضرتها زينب اليهودية فأخبره الذراع بما فيه السم لما نهس منه نهسة كما قدمنا ذلك في غزوة خيبر مبسوطا
*2* طريق اخرى
@ قال الحافظ أبو يعلى ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب حدثني قائد مولى عبيد الله بن أبي رافع قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بشاة في مكتل فقال يا ابا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فقلت يا رسول الله أللشاة إلا ذراعان فقال لو سكت ساعة ناولتنيه ما سألتك فيه انقطاع من هذا الوجه وقال أبو يعلى أيضا ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا فضيل بن سليمان ثنا قايد مولى عبيد الله حدثني عبيد الله أن جدته سلمى أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى ابي رافع بشاة وذلك يوم الخندق فيما أعلم فصلاها أبو رافع ليس معها خبز ثم انطلق بها فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم راجعا من الخندق فقال يا أبا رافع ضع الذي معك فوضعه ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته ثم قال يا أبا رافع ناولني الذراع فقلت يا رسول الله هل للشاة غير ذراعين فقال لو سكت لناولتني ما سألتك وقد روى من طريق أبي هريرة قال الامام أحمد ثنا الضحاك ثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة أن شاة طبخت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطني الذراع فناولته إياه فقال أعطني الذراع فناولته إياه ثم قال أعطني الذراع فناولته إياه ثم قال أعطني الذراع فقال يا رسول الله إنما للشاة ذراعان قال أما إنك لو التمستها لوجدتها
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثنا وكيع عن دكين بن سعيد الخثعمي قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر قم فأعطهم فقال يا رسول الله ما عندي إلا ما يقيظني والصبية قال وكيع القيظ في كلام العرب أربعة أشهر قال قم فأعطهم قال يا رسول الله سمعا وطاعة قال فقام عمر وقمنا معه فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجرته ففتح الباب قال دكين فاذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض قال شأنكم قال فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة ثم رواه أحمد عن محمد ويعلى أبي عبيد عن إسماعيل وهو ابن أبي خالد عن قيس وهو ابن أبي حازم عن دكين به ورواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف الرواسي عن عيسى بن يونس عن إسماعيل به
*2* حديث آخر
@ قال علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا حشرج بن نباتة ثنا أبو نضرة حدثني أبو رجاء قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فاذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا قال إني أجهد أن أرويه فما أطيق ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعل لي مائة تمرة أختارها من تمرك قال نعم فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرب فما لبث أن ارواه حتى قال الرجل غرقت حائطي فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمره مائة تمره قال فأكل هو وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة كما أخذها هذا حديث غريب أورده الحافظ ابن عساكر في دلائل النبوة من اول تاريخه بسنده عن علي بن عبد العزيز البغوي كما أوردناه وقد تقدم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة لسلمان فلم يهلك منهن واحدة بل أنجب الجميع وكن ثلثمائة وما كان من تكثيره الذهب حين قلبه على لسانه الشريف حتى قضى منه سلمان ما كان عليه من نجوم كتابته وعتق رضي الله عنه وأرضاه
*2* باب انقياد الشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم
@ قد تقدم الحديث الذي رواه مسلم من حديث حاتم بن إسمعيل عن أبي حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن جابر بن عبد الله قال سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فأبتعته بأداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستتر به وإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها وقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأم بينهما يعني جمعهما وقال التئما علي بإذن الله فالتأمتا قال جابر فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد فجلست أحدث نفسي فحانت مني لفتة فإذا أنا برسول الله مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا وقلمت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله وقف وقفة وقال برأسه هكذا يمينا وشمالا وذكر تمام الحديث في قصة الماء وقصة الحوت الذي دسره البحر كما تقدم ولله الحمد والمنة
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع عن أنس قال جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة قال فقال له مالك فقال فعل بي هؤلاء وفعلوا قال فقال له جبريل أتحب أن أريك آية قال فقال نعم قال فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال ادع تلك الشجرة فدعاها قال فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه فقال مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجه عن محمد بن طريف عن أبي معاوية
*2* حديث آخر
@ روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن عمر بن الخطاب أن رسول الله كان على الحجون كئيبا لما أذاه المشركون فقال اللهم أرني اليوم آية لا أبالي من كذبني بعدها قال فأمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه قال ثم أمرها فرجعت إلى موضعها قال فقال ما أبالي من كذبني بعدها من قومي ثم قال البيهقي أنا الحاكم وأبو سعيد بن عمرو قالا ثنا الأصم ثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن مبارك ابن فضالة عن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه إياه فقال يا رب أرني ما أطمئن إليه ويذهب عني هذا الغم فأوحى الله إليه ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت قال فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خد في الأرض حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله ارجع إلى مكانك فرجع فحمد الله رسول الله وطابت نفسه وكان قد قال المشركون أفضلت اباك وأجدادك يا محمد فأنزل الله أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون الآيات وقال البيهقي وهذا المرسل يشهد له ما قبله .
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي ظبيان وهو حصين بن جندب عن ابن عباس قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من بني عامر فقال يا رسول الله أرني الخاتم الذي بين كتفيك فاني من أطب الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أريك آية قال بلى قال فنظر إلى نخلة فقال ادع ذلك العذق فدعاه فجاء ينقز بين يديه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجع فرجع الى مكانه فقال العامري يا آل بني عامر ما رأيت كاليوم رجلا اسحر من هذا هكذا رواه الإمام أحمد وقد أسنده البيهقي من طريق محمد بن أبي عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال جاء رجل من بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن عندي طبا وعلما فما تشتكي هل يريبك من نفسك شيء إلى ما تدعو قال أدعو إلى الله والاسلام قال فانك لتقول قولا فهل لك من آية قال نعم إن شئت أريتك آية وبين يديه شجرة فقال لغصن منها تعال يا غصن فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقز حتى قام بين يديه فقال ارجع إلى مكانك فرجع فقال العامري يا آل عامر بن صعصعة لا ألومك على شيء قلته أبدا وهذا يقتضي أنه سالم الأمر ولم يجب من كل وجه وقد قال البيهقي أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا ابن أبي قماش ثنا ابن عائشة عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال جاء رجل إلى رسول الله فقال ما هذا الذي يقول أصحابك قال وحول رسول الله أعذاق وشجر قال فقال رسول الله هل لك أن أريك آية قال نعم قال فدعا عدقا منها فأقبل يخد الأرض حتى وقف بين يديه يخد الأرض ويسجد ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه ثم أمره فرجع قال العامري وهو يقول يا آل عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشيء يقوله أبدا
*2* طريق أخرى فيها أن العامري أسلم
@ قال البيهقي أخبرنا أبو نصر بن قتادة أنا أبو علي حامد بن محمد بن الوفا أنا علي بن عبد العزيز ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني أنا شريك عن سماك عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بما أعرف أنك رسول الله قال أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله قال نعم قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى رسول الله ثم قال له ارجع فرجع حتى عاد إلى مكانه فقال أشهد أنك رسول الله وآمن قال البيهقي رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن سعيد الأصبهاني قلت ولعله قال أولا إنه سحر ثم تبصر لنفسه فأسلم وآمن لما هداه الله عز وجل والله أعلم
*2* حديث آخر عن أبي عمر في ذلك
@ قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الوراق أنا الحسين بن سفيان أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي ثنا محمد بن فضيل عن أبي حيان عن عطاء عن ابن عمر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأقبل أعرابي فلما دنا منه قال له رسول الله أين تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال ما هو قال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال هل من شاهد على ما تقول قال هذه الشجرة فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهد ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه فقال إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه ولا رواه الامام أحمد والله أعلم
*2* باب حنين الجزع شوقا الى رسول الله وشغفا من فراقه
@ وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان



* الحديث الأول عن ابي كعب
@ قال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله حدثنا إبراهيم بن محمد قال
أخبرني عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشا وكان يخطب إلى ذلك الجذع فقال رجل من أصحابه يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع الناس خطبتك قال نعم فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر فلما صنع المنبر ووضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بدا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه فمر إليه فلما جاوز ذلك الجذع الذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق فنزل لنبي صلى الله عليه وسلم لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه فكان عنده حتى بلي وأكلته الأرضة وعاد رفاتا وهكذا رواه الامام أحمد بن حنبل عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل عن أبي بن كعب فذكره وعنده فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر وكان إذا صلى صلى إليه والباقي مثله وقد رواه ابن ماجه عن إسمعيل بن عبد الله الرقي عن عبيد الله بن عمرو الرقي به
*2* الحديث الثاني عن أنس بن مالك
@ قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ثنا أبو خيثمة ثنا عمرو بن يونس الحنفي ثنا عكرمة بن عمار ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس فجاءه رومي فقال ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم فصنع له منبرا درجتان ويقعد على الثالثة فلما قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثور ارتج لخواره حزنا على رسول الله فنزل إليه رسول الله من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه سكت ثم قال والذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزنا على رسول الله فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن وقد رواه الترذمي عن محمود بن غيلان عن عمر بن يونس به وقال صحيح غريب من هذا الوجه
*2* طريق أخرى عن انس
@ قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده ثنا هدبة ثنا حماد عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب إلى جذع نخلة فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احتضنه فسكن وقال لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة وهكذا رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن خلاد عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وعن حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس به وهذا إسناد على شرط مسلم
*2* طريق اخرى عن أنس
@ قال الامام أحمد حدثنا هاشم ثنا المبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة فلما كثر الناس قال ابنوا لي منبرا أراد أن يسمعهم فبنوا له عتبتين فتحول من الخشبة إلى المنبر قال فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله قال فما زالت تحن حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت تفرد به أحمد وقد رواه أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس فذكره وزاد فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث الوليد بن مسلم عن سالم بن عبد الله الخياط عن أنس بن مالك فذكره
*2* طريق اخرى عن أنس
@ قال أبو نعيم ثنا أبو بكر بن خلاد ثنا الحارث بن محمد بن أبي اسامة ثنا يعلى بن عباد ثنا الحكم عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فحن الجذع فاحتضنه وقال لو لم أحتضنه لحن الى يوم القيامة
*2* الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله
@ قال الامام أحمد حدثنا وكيع ثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع نخلة قال فقالت امرأة من الأنصار وكان لها غلام نجار يا رسول الله إن لي غلاما نجارا افآمره أن يتخذ لك منبرا تخطب عليه قال بلى قال فاتخذ له منبرا قال فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر قال فأن الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئن الصبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا بكى لما فقد من الذكر هكذا رواه أحمد وقد قال البخاري ثنا عبد الواحد ابن ايمن قال سمعت أبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا قال إن شئتم فجعلوا له منبرا فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر فصاحت النخلة صياح الصبي ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمه إليه يئن أنين الصبي الذي يسكن قال كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو أيمن الحبشي المكي مولى ابن أبي عمرة المخزومي عن جابر به
*2* طريق اخرى عن جابر
@ قال البخاري ثنا إسماعيل حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد حدثني حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فسكنت تفرد به البخاري
*2* طريق أخرى عنه
@ قال الحافظ أبو بكر البزار ثنا محمد بن المثنى ثنا ابو المساور ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي صالح وهو ذكوان عن جابر بن عبد الله وعن إسحاق عن كريب عن جابر قال كانت خشبة في المسجد يخطب إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لو اتخذنا لك مثل الكرسي تقوم عليه ففعل فحنت الخشبة كما تحن الناقة الحلوج فأتاه فاحتضنها فوضع يده عليها فسكنت قال أبو بكر البزار وأحسب أنا قد حدثناه عن أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر وعن أبي إسحاق عن كريب عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور عن أبي عوانة وحدثناه محمد ابن عثمان بن كرامة ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن أبي كريب عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه والصواب إنما هو سعيد بن أبي كريب وكريب خطأ ولا يعلم يروي عن سعيد بن أبي كريب إلا أبا إسحاق قلت ولم يخرجوه من هذا الوجه وهو جيد
*2* طريق اخرى عن جابر
@ قال الامام أحمد ثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن أبي كريب عن جابر بن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى خشبة فلما جعل له منبر حنت حنين الناقة فأتاها فوضع يده عليها فسكنت تفرد به أحمد
*2* طريق اخرى عن جابر
@ قال الحافظ أبو بكر البزار ثنا محمد بن معمر ثنا محمد بن كثير ثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى جذع قبل أن يجعل له المنبر فلما جعل المنبر حن الجذع حتى سمعنا حنينه فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عليه فسكن قال البزار لا نعلم رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير قلت وهذا إسناد جيد رجاله على شرط الصحيح ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة وقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن رجل سماه عن جابر ثم أورده من طريق أبي عاصم بن علي عن سليمان بن كثير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر مثله ثم قال ثنا أبو بكر بن خلاد ثنا أحمد ابن علي الخراز حدثنا عيسى بن المساور ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثيرعن أبي سلمة عن جابر أن رسول الله كان يخطب إلى جذع فلما بنى المنبر حن الجذع فاحتضنه فسكن وقال لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة ثم رواه من حديث أبي عوانة عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر وعن أبي إسحاق عن كريب عن جابر مثله
*2* طريق اخرى عن جابر
@ قال الامام أحمد ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج وروح قال حدثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد فلما صنع له منبره واستوى عليه فاضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت وقال روح فسكتت وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه
*2* طريق اخرى عن جابر
@ قال الامام أحمد ثنا ابن أبي عدي عن سليمان عن أبي نضرة عن جابر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم في أصل شجرة أو قال إلى جذع ثم اتخذ منبرا قال فحن الجذع قال جابر حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحه فسكن فقال بعضهم لو لم يأته لحن إلى يوم القيامة وهذا على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجه عن بكير بن خلف عن ابن أبي عدي عن سليمان التيمي عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبدي النضري عن جابر به
*2* الحديث الرابع عن سهل بن سعد
@ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا سفيان بن عيينة عن أبي حازم قال أتوا سهل بن سعد فقالوا من أي شيء منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستند إلى جذع في المسجد يصلي إليه إذا خطب فلما اتخذ المنبر فصعد حن الجذع حتى أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوطنه حتى سكن وأصل هذا الحديث في الصحيحين وإسناده على شرطهما وقد رواه إسحاق بن راهويه وابن أبي فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب عن عبد الله بن عمر عن ابن عباس بن سهل عن أبيه فذكره ورواه ابن لهيعة عن عمارة بن عرفة عن ابن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بنحوه
*2* الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس
@ قال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حن عليه فأتاه فاحتضنه فسكن قال ولو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة وهذا الاسناد على شرط مسلم ولم
يروه إلا ابن ماجه من حديث حماد بن سلمة
*2* الحديث السادس عن عبد الله بن عمر
@ قال البخاري ثنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان ثنا أبو حفص واسمه عمر بن العلاء أخو أبي عمرو بن العلاء قال سمعت نافعا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وقال عبد الحميد أنا عثمان بن عمر أنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا ورواه أبو عاصم عن ابن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا ذكره البخاري وقد رواه الترمذي عن عمرو بن علي الفلاس عن عثمان بن عمرو ويحيى بن كثير عن أبي غسان العنبري كلاهما عن معاذ بن العلاء به وقال حسن صحيح غريب قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في أطرافه ورواه علي بن نصر بن علي الجهضمي وأحمد بن خالد الخلال وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في آخرين عن عثمان بن عمر عن معاذ ابن العلاء قال وعبد الحميد هذا يعني الذي ذكره البخاري يقال إنه عبد بن حميد والله أعلم قال شيخنا وقد قيل إن قول البخاري عن أبي حفص واسمه عمرو بن العلاء وهم والصواب معاذ ابن العلاء كما وقع في رواية الترمذي قلت وليس هذا ثابتا في جميع النسخ ولم أر في النسخ التي كتبت منها تسميته بالكلية والله أعلم وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله ابن رجاء عن عبيد الله بن عمر ومن حديث أبي عاصم عن ابن أبي رواد كلاهما عن نافع عن ابن عمر قال قال تميم الداري ألا نتخذ لك منبرا فذكر الحديث
*2* طريق اخرى عن ابن عمر
@ قال الامام احمد ثنا حسين ثنا خلف عن أبي خباب وهو يحيى بن أبي حية عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال كان جذع نخلة في المسجد يسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس فقالوا ألا نجعل لك يا رسول الله شيئا كقدر قيامك قال لا عليكم إن تفعلوا فصنعوا له منبرا ثلاث مراقي قال فجلس عليه قال فخار الجذع كما تخور البقرة جزعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزمه ومسحه حتى سكن تفرد به أحمد
*2* الحديث السابع عن أبي سعيد الخدري
@ قال عبد بن حميد الليثي ثنا علي بن عاصم عن الحريري عن أبي نضرة العبدي حدثني أبو سعيد الخدري قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة فقال له الناس يا رسول الله إنه قد كثر الناس يعني المسلمين وإنهم ليحبون أن يروك فلو اتخذت منبرا تقوم عليه ليراك الناس قال نعم من يجعل لنا هذا المنبر فقام إليه رجل فقال أنا قال تجعله
قال نعم ولم يقل إن شاء الله قال ما اسمك قال فلان قال اقعد فقعد ثم عاد فقال من يجعل لنا هذا المنبر فقام إليه رجل فقال أنا فقال تجعله قال نعم ولم يقل إن شاء الله قال ما اسمك قال فلان قال اقعد فقعد ثم عاد فقال من يجعل لنا هذا المنبر فقام إليه رجل فقال أنا قال تجعله قال نعم ولم يقل إن شاء الله قال ما اسمك قال فلان قال اقعد فقعد ثم عاد فقال من يجعل لنا هذا المنبر فقام إليه رجل فقال أنا قال تجعله قال نعم إن شاء الله قال ما اسمك قال إبراهيم قال اجعله فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم في آخر المسجد فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فاستوى عليه فاستقبل الناس وحنت النخلة حتى أسمعتني وأنا في آخر المسجد قال فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنبر فاعتنقها فلم يزل حتى سكنت ثم عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن هذه النخلة إنما حنت شوقا إلى رسول الله لما فارقها فوالله لو لم أنزل إليها فأعتنقها لما سكنت إلى يوم القيامة وهذا إسناد على شرط مسلم ولكن في السياق غرابة والله تعالى أعلم
*2* طريق اخرى عن أبي سعيد
@ قال الحافظ أبو يعلى ثنا مسروق بن المرزبان ثنا زكريا عن مجالد عن أبي الوداك وهو جبر ابن نوف عن أبي سعيد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم إلى خشبة يتوكأ عليها يخطب كل جمعة حتى أتاه رجل من الروم فقال إن شئت جعلت لك شيئا إذا قعدت عليه كنت كأنك قائم قال نعم قال فجعل له المنبر فلما جلس عليه حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليها فلما كان الغد رأيتها قد حولت فقلنا ما هذا قالوا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر البارحة فحولوها وهذا غريب أيضا

@ قال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي سفيان وهو طلحة بن نافع عن أنس قال جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة قال فقال له مالك فقال فعل بي هؤلاء وفعلوا قال فقال له جبريل أتحب أن أريك آية قال فقال نعم قال فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال ادع تلك الشجرة فدعاها قال فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه فقال مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجه عن محمد بن طريف عن أبي معاوية
*2* الحديث الثامن عن عائشة رضي الله عنها
@ رواه الحافظ من حديث علي بن أحمد الحوار عن قبيصة عن حبان بن علي عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن عائشة فذكر الحديث بطوله وفيه أنه خيره بين الدنيا والآخره فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف هذا حديث غريب إسنادا ومتنا
*2* الحديث التاسع عن ام سلمة رضي الله عنها
@ روى أبو نعيم من طريق شريك القاضي وعمرو بن أبي قيس ومعلى بن هلال ثلاثتهم عن عمار الذهبي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خشبة يستند إليها إذا خطب فصنع له كرسي أو منبر فلما فقدته خارت كما يخور الثور حتى سمع أهل المسجد فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكنت هذا لفظ شريك وفي رواية معلى بن هلال أنها كانت من دوم
وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث عمار الذهبي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوائم منبري في زاوية في الجنة وروى النسائي أيضا بهذا الاسناد ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة فهذه الطرق من هذه الوجوه تفيد القطع بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن وكذا من تأملها وأنعم فيها النظر والتأمل مع معرفته بأحوال الرجال وبالله المستعان وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو احمد بن ابي الحسن ثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي قال قال أبي يعني أبا حاتم الرازي قال عمرو بن سواد قال لي الشافعي ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم فقلت له أعطى عيسى إحياء الموتى فقال أعطى محمدا الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيء له المنبر فلما هيء له المنبر حن الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك
*2* باب تسبيح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام
@ قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا الكديمي ثنا قريش بن أنس ثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن رجل يقال له سويد ابن يزيد السلمي قال سمعت ابا ذر يقول لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته كنت رجلا أتبع خلوات رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته يوما جالسا وحده فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه فجاء أبو بكر فسلم عليه ثم جلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء عمر فسلم وجلس عن يمين أبي بكر ثم جاء عثمان فسلم وجلس عن يمين عمر وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع حصيات أو قال تسع حصيات فأخذهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل ثم وضعهن فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في كف أبي بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل ثم وضعهن فخرسن ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل ثم وضعهن فخرسن ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل ثم وضعهن فخرسن فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذه خلافة النبوة قال البيهقي وكذلك رواه محمد بن يسار عن قريش ابن أنس عن صالح بن ابي الأخضر وصالح لم يكن حافظا والمحفوظ عن أبي حمزة عن الزهري قال ذكر الوليد بن سويد هذا الحديث عن أبي ذر هكذا قال البيهقي وقد قال محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات التي جمع فيها أحاديث الزهري حدثنا أبو اليمان ثنا شعيب قال ذكر الوليد ابن سويد أن رجلا من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة ذكر أنه بينما هو قاعد يوما
في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس إذ ذكر عثمان بن عفان يقول السلمي فأنا أظن أن في نفس أبي ذر على عثمان معتبة لا نزاله إياه بالربذة فلما ذكر له عثمان عرض له أهل العلم بذلك وهو يظن ان في نفسه عليه معتبة فلما ذكره قال لا تقل في عثمان إلا خيرا فإني اشهد لقد رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا أنساه حتى أموت كنت رجلا ألتمس خلوات النبي صلى الله عليه وسلم لأسمع منه أو لآخذ عنه فهجرت يوما من الأيام فاذا النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه في بيت فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس وكأني حينئذ أرى أنه في وحي فسلمت عليه فرد السلام ثم قال ما جاء بك فقلت جاء بي الله ورسوله فأمرني أن أجلس فجلست إلى جنبه لا أسأله عن شيء ولا يذكره لي فمكثت غير كثير فجاء أبو بكر يمشي مسرعا فسلم عليه فرد السلام ثم قال ما جاء بك قال جاء بي الله ورسوله فأشار بيده أن اجلس فجلس إلى ربوة مقابل النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها الطريق حتى إذا استوى أبو بكر جالسا فأشار بيده فجلس إلى جنبي عن يميني ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وجلس إلى جنب ابي بكر على تلك الربوة ثم جاء عثمان فسلم فرد السلام وقال ما جاء بك قال جاء بي الله ورسوله فأشار إليه بيده فقعد إلى الربوة ثم أشار بيده فقعد إلى جنب عمر فتكلم النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال قليل ما يبقين ثم قبض على حصيات سبع أو تسع أو قريب من ذلك فسبحن في يده حتى سمع لهن حنينا كحنين النخل في كف النبي صلى الله عليه وسلم ثم ناولهن أبا بكر وجاوزني فسبحن في كف أبي بكر كما سبحن في كف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن فصرن حصا ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما سبحن في كف أبي بكر ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه نحو ما سبحن في كف أبي بكر وعمر ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن قال الحافظ ابن عساكر رواه صالح بن أبي الأخضر عن الزهري فقال عن رجل يقال له سويد بن يزيد السلمي وقول شعيب أصح وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة وقد روى داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشي عن جبير بن نفير عن أبي ذر مثله ورواه شهر بن حوشب وسعيد بن المسيب عن أبي سعيد قال وفيه عن ابي هريرة وقد تقدم ما رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل
*2* حديث آخر في ذلك
@ روى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص قال حدثني أبو أمي مالك بن حمزة بن ابي أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أبي أسيد الساعدي قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب يا ابا الفضل لا ترم منزلك غدا أنت وبنوك حتى آتيكم فان لي فيكم حاجة فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال السلام عليكم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته قال كيف أصبحتم قالوا أصبحنا بخير نحمد الله فكيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله قال أصبحت بخير أحمد الله فقال لهم تقاربوا تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته وقال يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كسترتي إياهم بملاءتي هذه وقال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت آمين آمين آمين وقد رواه أبو عبد الله بن ماجه في سننه مختصرا عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص الوقاصي الزهري روى عنه جماعة وقد قال ابن معين لا أعرفه وقال أبو حاتم يروي أحاديث مشبهة
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد ثنا يحيى بن أبي بكير ثنا إبراهيم بن طهمان حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن رواه مسلم عن أبي بكر بن ابي شيبة عن يحيى بن أبي بكير به ورواه أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك به
*2* حديث آخر
@ قال الترمذي ثنا عباد بن يعقوب الكوفي ثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن أبي يزيد عن علي بن أبي طالب قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله ثم قال وهذا حديث حسن غريب وقد رواه غير واحد عن الوليد بن أبي ثور وقالوا عن عباد بن أبي يزيد منهم فروة بن أبي الفرا ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث زياد بن خيثمة عن السدي عن أبي عمارة الحيواني عن علي قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه وقدمنا في المبعث أنه عليه السلام لما رجع وقد اوحي إليه جعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا قال له السلام عليك يا رسول الله وذكرنا في وقعة بدر ووقعة حنين رميه عليه السلام بتلك القبضة من التراب وأمره اصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعا أما في وقعة بدر فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الأنفال وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى الآية وأما في غزوة حنين فقد ذكرناه في الأحاديث باسانيده وألفاظه بما أغني عن إعادته ههنا ولله الحمد والمنة
*2* حديث آخر
@ ذكرنا في غزوة الفتح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد الحرام فوجد الأصنام حول الكعبة فجعل يطعنها بشيء في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد وفي رواية أنه جعل لا يشير إلى صنم منها إلا خر لقفاه وفي رواية إلا سقط وقال البيهقي انا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر وأحمد بن عيسى اللخمي قالا ثنا بشر بن بكير أنا الأوزاعي عن ابن شهاب أنه قال أخبرني القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق عن عائشة قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرام فهتكه ثم قال إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله قال الأوزاعي وقالت عائشة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بترس فيه تمثال عقاب فوضع عليه يده فأذهبه الله عز وجل

*2* طريق اخرى عن أنس
*2* باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة
@ قصة البعير الناد وسجوده له وشكواه اليه
قال الامام أحمد حدثنا حسين ثنا خلف عن خليفة عن حفص هو ابن عمر عن عمه أنس بن مالك قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إنه كان لنا جمل نسني عليه وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش الزرع والنخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه فقالت الأنصار يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب وإنا نخاف عليك صولته فقال ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط حتى أدخله في العمل فقال له أصحابه يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن أحق أن نسجد لك فقال لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه وهذا إسناد جيد وقد روى النسائي بعضه من حديث خلف ابن خليفة به
*2* رواية جابر في ذلك
@ قال الإمام أحمد حدثنا مصعب بن سلام سمعته من أبي مرتين ثنا الأجلح عن الذيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النجار إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه قال فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاء واضعا مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هاتوا خطاما فخطمه ودفعه إلى صاحبه قال ثم التفت إلى الناس فقال إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس تفرد به الإمام أحمد وسيأتي عن جابر من وجه أخر بسياق آخر إن شاء الله وبه الثقة
*2* رواية ابن عباس
@ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني ثنا بشر بن موسى ثنا يزيد بن مهران أخو خالد الجيار ثنا أبو بكر بن عياش عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن ابن عباس قال جاء قوم إلى رسول الله فقالوا يا رسول الله إن لنا بعيرا قد ند في حائط فجاء إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعال فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه وأعطاه أصحابه فقال له أبو بكر الصديق يا رسول الله كأنه علم أنك نبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أني نبي الله إلا كفرة الجن والإنس وهذا من هذا الوجه عن ابن عباس غريب جدا والأشبه رواية الامام أحمد عن جابر اللهم إلا أن يكون الأجلح قد رواه عن الذيال عن جابر وعن ابن عباس والله أعلم
*2* طريق اخرى عن ابن عباس
@ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي ثنا أبو عون الزيادي ثنا أبو عزة الدباغ عن أبي يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا فسد عليهما الباب ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يدعو له والنبي قاعد معه نفر من الأنصار فقال يا نبي الله إني جئت في حاجة فان فحلين لي اغتلما وإني أدخلتهما حائطا وسددت عليهما الباب فاحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله لي فقال لأصحابه قوموا معنا فذهب حتى أتى الباب فقال افتح فأشفق الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال افتح ففتح الباب فإذا أحد الفحلين قريبا من الباب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد له فقال رسول الله ائت بشيء أشد رأسه وأمكنك منه فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر فلما رآه وقع له ساجدا فقال للرجل ائتني بشيء أشد رأسه فشد رأسه وأمكنه منه فقال اذهب فإنهما لا يعصيانك فلما رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا يا رسول الله هذان فحلان سجدا لك أفلا نسجد لك قال لا آمر أحدا أن يسجد لأحد ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها وهذا إسناد غريب ومتن غريب
ورواه الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه دلائل النبوة عن أحمد بن حمدان السحري عن عمر بن محمد بن بجير البحتري عن بشر بن آدم عن محمد بن عون أبي عون الزيادي به وقد رواه أيضا من طريق مكي بن إبراهيم عن قائد أبي الورقاء عن عبد الله بن ابي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو ما تقدم عن ابن عباس
*2* رواية أبي هريرة
@ قال أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه أخبرنا أحمد بن حمدان أنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال انطلقنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناحية فأشرفنا إلى حائط فاذا نحن بناضح فلما أقبل الناضح رفع رأسه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع جرانه على الأرض فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة فقال سبحان الله أدون الله ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد دون الله ولو أمرت أحد أن يسجد لشيء من دون الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها
*2* رواية عبد الله بن جعفر في ذلك
@ قال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر ح وثنا بهز وعفان قالا ثنا مهدي ثنا محمد بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فاسر إلي حديثا لا أخبر به أحدا أبدا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فاذا جمل قد اتاه فجرجر وذرفت عيناه وقال بهز وعفان فلما رأى رسول الله حن وذرفت عيناه فمسح رسول الله سراته وذفراه فسكن فقال من صاحب الجمل فجاء فتى من الانصار فقال هو لي يا رسول الله فقال أما تتقي الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك إنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه وقد رواه مسلم من حديث مهدي بن ميمون به
*2* رواية عائشة أم المؤمنين في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا عبد الصمد وعفان قالا ثنا حماد هو ابن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر فنحن أحق أن نسجد لك فقال اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل اسود ومن جبل أسود إلى جبل ابيض كان ينبغي
لها أن تفعله وهذا الاسناد على شرط السنن وإنما روى ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن حماد به لو أمرت أحدا أن يسحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إلى آخره
*2* رواية يعلى بن مرة الثقفي أو هي قصة أخرى
@ قال الامام أحمد ثنا أبو سلمة الخزاعي ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن حسين عن أبي جبيرة عن يعلى بن سيابة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير له فأراد أن يقضي حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى ثم أمرهما فرجعتا إلى منابتهما وجاء بعير فضرب بجرانه إلى الأرض ثم جرجر حتى ابتل ما حوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون ما يقول البعير إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أواهبه أنت لي فقال يا رسول الله مالي مال أحب إلي منه فقال استوص به معروفا فقال لا جرم لا أكرم مالا لي كرامته يا رسول الله قال وأتى على قبر يعذب صاحبه فقال إنه يعذب في غير كبير فأمر بجريدة فوضعت على قبره وقال عسى أن يخفف عنه ما دامت رطبة
*2* طريق اخرى عنه
@ قال الامام احمد ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن جعفر عن يعلى بن مرة الثقفي قال ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه فوقف عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال أين صاحب هذا البعير فجاء فقال بعنيه فقال لا بل أهبه لك فقال لا بل بعنيه قال لا بل نهبه لك إنه لأهل بيت مالهم معيشة غيره قال أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكى لكثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه قال ثم سرنا فنزلنا منزلا فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها فلما استيقظ ذكرت له فقال هي شجرة استأذنت ربها عز وجل في أن تسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن لها قال ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنخره فقال اخرج إني محمد رسول الله قال ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته امرأة بجزر ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن فسألها عن الصبي فقالت والذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك
*2* طريق اخرى عنه
@ قال الامام أحمد ثنا عبد الله بن نمير ثنا عثمان بن حكيم أخبرني عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحدبعدي لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها فقالت يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة قال ناولينيه فرفعته إليه فجعلته بينه وبين واسطة الرحل ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا وقال بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله ثم ناولها إياه فقال القينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل قال فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث فقال ما فعل صبيك فقالت والذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة فاجترر هذه الغنم قال انزل فخذ منها واحدة ورد البقية قال وخرجت ذات يوم إلى الجبانة حتى إذا برزنا قال ويحك انظر هل ترى من شيء يواريني قلت ما أرى شيئا يواريك إلا شجرة ما أراها تواريك قال فما بقربها قلت شجرة مثلها أو قريب منها قال فاذهب إليهما فقل إن رسول الله يأمركما أن تجتمعا باذن الله قال فاجتمعتا فبرز لحاجته ثم رجع فقال اذهب إليهما فقل لهما إن رسول الله يأمركما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها فرجعت قال وكنت معه جالسا ذات يوم إذ جاء جمل نجيب حتى صوى بجرانه بين يديه ثم ذرفت عيناه فقال ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا قال فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال ما شأن الجمل هذا فقال وما شأنه قال لا أدري والله ما شأنه عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه قال فلا تفعل هبه لي أو بعنيه قال بل هو لك يا رسول الله فوسمه بسمة الصدقة ثم بعث به
*2* طريق اخرى عنه
@ قال الامام أحمد ثنا وكيع ثنا الأعمش بن المنهال عن عمرو عن يعلى بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتته امرأة بابن لها قد اصابه لمم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرج عدو الله أنا رسول الله قال فبرأ فأهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن قال فقال رسول الله خذ الأقط والسمن وأحد الكبشين ورد عليها الآخر ثم ذكر قصة الشجرتين كما تقدم وقال أحمد ثنا أسود ثنا أبو بكر بن عياش عن حبيب بن أبي عمرة عن المنهال بن عمرو عن يعلى قال ما أظن أن أحدا من الناس رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا دون ما رأيت فذكر أمر الصبي والنخلتين وأمر البعير إلا أنه قال ما لبعيرك يشكوك زعم أنك سانيه حتى إذا كبر تريد نحره قال صدقت والذي بعثك بالحق قد أردت ذلك والذي بعثك بالحق لا أفعل
*2* طريق اخرى عنه
@ روى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم ثنا عباس بن محمد الدوري ثنا حمدان بن الأصبهاني ثنا يزيد عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي كنت معه في طريق مكة فمر بامرأة معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشد منه فقالت يا رسول الله ابني هذا كما ترى فقال إن شئت دعوت له فدعا له ثم مضى فمر على بعير ناد جرانه يرغو فقال علي بصاحب هذا البعير فجيء به فقال هذا يقول نتجت عندهم فاستعملوني حتى إذا كبرت عندهم ارادوا أن ينحروني قال ثم مضى ورأى شجرتين متفرقتين فقال لي إذهب فمرهما فليجتمعا لي قال فاجتمعتا فقضى حاجته قال ثم مضى فلما انصرف مر على الصبي وهو يلعب مع الغلمان وقد ذهب ما به وهيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين وقالت ما عاد إليه شيء من اللمم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما من شيء إلا ويعلم أني رسول الله إلا كفرة أو فسقة الجن والإنس فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة وقد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة ولم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجه فانه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس ابن خباب عن يعلى بن مرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد وقد اعتنى الحافظ ابو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة وطرقه من وجوه كثيرة ثم أورد حديث عبد الله بن قرط اليماني قال جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ وقد قدمت الحديث في حجة الوداع قلت قد اسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين وذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون غير هذا فالله أعلم وسيأتي حديث الصبي الذي كان يصرع ودعاؤه عليه السلام له وبرؤه في الحال من طرق أخرى وقد روى الحافظ البيهقي عن أبي عبد الله الحاكم وغيره عن أبي العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عن جابر قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم ولا شجر فقال لي يا جابر خذ الأداوة وانطلق بنا فملأت الأداوة ماء وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى فاذا شجرتان بينهما أذرع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها فجلس خلفها حتى قضى حاجته ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رؤسنا الطير تظلنا وإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتناوله فجعله بينه وبين مقدمة الرحل فقال اخسأ عدو الله أنا رسول الله وأعاد ذلك ثلاث مرات ثم ناولها إياه فلما رجعنا وكنا بذلك الماء عرضت لنا تلك المرأة ومعها كبشان تقودهما والصبي تحمله فقالت يا رسول
إليه أقبل مني هديتي فوالذي بعثك بالحق ان عاد إليه بعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خدوا أحدهما وردوا الآخر قال ثم سرنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا فجاء جمل ناد فلما كان بين السماطين خر ساجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس من صاحب هذا الجمل فقال فتية من الأنصار هو لنا يا رسول الله قال فما شأنه قالوا سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبرت سنه وكانت عليه شحيمة أردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تبيعونه قالوا يا رسول الله هو لك قال فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله قالوا يا رسول الله نحن أحق أن نسجد لك من البهائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن وهذا إسناد جيد رجاله ثقات وقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفراء عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله كان إذا ذهب المذهب أبعد ثم قال البيهقي وحدثنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو بكر بن إسحاق أنا الحسين بن علي بن زياد ثنا أبو حمنة ثنا أبو قرة عن زياد هو ابن سعد عن أبي الزبير أنه سمع يونس بن خباب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان في سفر إلى مكة فذهب إلى الغائط وكان يبعد حتى لا يراه أحد قال فلم يجد شيئا يتوارى به فبصر بشجرتين فذكر قصة الشجرتين وقصة الجمل بنحو من حديث جابر قال البيهقي وحديث جابر أصح قال وهذه الرواية ينفرد بها زمعة ابن صالح عن زياد أظنه ابن سعد عن أبي الزبير قلت وقد يكون هذا أيضا محفوظا ولا ينافي حديث جابر ويعلى بن مرو بل يشهد لهما ويكون هذا الحديث عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر وعن يونس بن خباب عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه والله أعلم وروى البيهقي من حديث معاوية بن يحيى الصيرفي وهو ضعيف عن الزهري عن خارجة ابن زيد عن أسامة بن زيد حديثا طويلا نحو سياق حديث يعلى بن مرة وجابر بن عبد الله وفيه قصة الصبي الذي كان يصرع ومجيء أمه بشاة مشوية فقال ناوليني الذراع فناولته ثم قال ناوليني الذراع فناولته ثم قال ناوليني الذراع فقلت كم للشاة من ذراع فقال والذي نفسي بيده لو سكت لناولتيني ما دعوت ثم ذكر قصة النخلات واجتماعهما وانتقال الحجارة معهما حتى صارت الحجارة رجما خلف النخلات وليس في سياقه قصة البعير فلهذا لم يورده بلفظه وإسناده وبالله المستعان وقد روى الحافظ ابن عساكر ترجمة غيلان بن سلمة الثقفي بسنده إلى يعلى بن منصور الرازي عن شبيب بن شيبة عن بشر بن عاصم عن غيلان بن سلمة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا عجبا فذكر قصة الشجرتين واستتاره بهما عند الخلاء وقصة الصبي الذي كان يصرع وقوله بسم الله أنا رسول الله اخرج عدو الله فعوفي ثم ذكر قصة البعيرين النادين وأنهما سجدا له بنحو ما
تقدم في البعير الواحد فلعل هذه قصة أخرى والله أعلم
وقد ذكرنا فيما سلف حديث جابر وقصة جمله الذي كان قد أعيي وذلك مرجعهم من تبوك وتأخره في أخريات القوم فلحقه النبي صلى الله عليه وسلم فدعا له وضربه فسار سيرا لم يسر مثله حتى جعل يتقدم أمام الناس وذكرنا شراءه عليه السلام منه وفي ثمنه اختلاف كثير وقع من الرواة لا يضر أصل القصة كما بيناه وتقدم حديث أنس في ركوبه عليه السلام على فرس أبي طلحة حين سمع صوتا بالمدينة فركب ذلك الفرس وكان يبطئ وركب الفرسان نحو ذلك الصوت فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجع بعد ما كان كشف ذلك الأمر فلم يجد له حقيقة وكان قد ركبه عريا لا شيء عليه وهو متقلد سيفا فرجع وهو يقول لن تراعوا لن تراعوا ما وجدنا من شيء وإن وجدناه لبحرا أي لسابقا وكان ذلك الفرس يبطأ قبل تلك الليلة فكان بعد ذلك لا يجارى ولا يكشف له غبار وذلك كله ببركته عليه الصلاة والسلام
*2* حديث آخر غريب في قصة البعير
@ قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة وهو مجلد كبير حافل كثير الفوائد أخبرني أبو علي الفوارسي حدثنا أبو سعيد عن عبد العزيز بن شهلان القواس حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي حدثنا عبد الرحمن بن علي البصري حدثنا سلامة ابن سعيد بن زياد بن أبي هند الرازي حدثني أبي عن أبيه عن جده حدثنا غنيم بن أوس يعني الرازي قال كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها البعير اسكن فان تك صادقا فلك صدقك وإن تك كاذبا فعليك كذبك مع أن الله تعالى قد أمن عائذنا ولا يخاف لائذنا قلنا يا رسول الله ما يقول هذا البعير قال هذا بعير هم أهله بنحره فهرب منهم فاستغاث بنبيكم فبينا نحن كذلك إذ أقبل اصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو مر الشكاية فقالوا يا رسول الله ما يقول قال يقول إنه ربي في إبلكم جوارا وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلأ فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدفء فقالوا قد كان ذلك يا رسول الله فقال ما جزاء العبد الصالح من مواليه قالوا يا رسول الله فإنا لا نبيعه ولا ننحره قال فقد استغاث فلم تغيثوه وأنا أولى بالرحمة منكم لأن الله نزع الرحمة من قلوب المنافقين وأسكنها في قلوب المؤمنين فاشتراه النبي صلى الله عليه وسلم بمائة درهم ثم قال أيها البعير انطلق فأنت حر لوجه الله فرغا على هامة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
رسول الله آمين ثم رغا الثانية فقال آمين ثم رغا الثلاثة فقال آمين ثم رغا الرابعة فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا يا رسول الله ما يقول هذا البعير قال يقول جزاك الله أيها النبي عن الاسلام والقرآن خيرا قلت آمين قال سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبي قلت آمين قال حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي قلت آمين قال لا جعل الله بأسها بينها فبكيت وقلت هذه خصال سألت ربي فأعطانيها ومنعني واحدة وأخبرني جبريل عن الله أن فناء أمتك بالسيف فجرى القلم بما هو كائن قلت هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف وفيه غرابة ونكارة في إسناده ومتنه أيضا والله أعلم
*2* حديث في سجود الغنم له صلى الله عليه وسلم
@
قال أبو محمد عبد الله بن حامد أيضا قال يحيى بن صاعد حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي حدثنا عباد بن يوسف الكندي أبو عثمان حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار وفي الحائط غنم فسجدت له فقال أبو بكر يا رسول الله كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم فقال إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد ولو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها غريب وفي إسناده من لا يعرف
*2* قصة الذئب وشهادته بالرسالة
@ قال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا القاسم بن الفضل الحداني عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي فقال يا عجبي ذئب يكلمني كلام الانس فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك محمد صلى الله عليه وسلم بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق قال فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودي الصلاة جامعة ثم خرج فقال للراعي أخبرهم فأخبرهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الأنس ويكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده وهذا إسناد على شرط الصحيح وقد صححه البيهقي ولم يروه إلا الترمذي من قوله والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الانس إلى آخره عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن القاسم بن الفضل ثم قال وهذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي
*2* طريق اخرى عن أبي سعيد الخدري
@ قال الامام أحمد حدثنا أبو اليمان أنا شعيب حدثني عبد الله بن أبي حسين حدثني شهر أن أبا سعيد الخدري حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال بينا أعرابي في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه ذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب يمشي ثم أقعى مشتذفرا بذنبه يخاطبه فقال أخذت رزقا رزقنيه الله قال واعجبا من ذئب مستذفر بذنبه يخاطبني فقال والله إن لتترك أعجب من ذلك قال وما أعجب من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن أنباء ما قد سبق وما يكون بعد ذلك قال فنعق الاعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى ضرب عليه بابه فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أين الأعرابي صاحب الغنم فقام الأعرابي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حدث الناس بما سمعت وبما رأيت فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وما سمع منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك صدق آيات تكون قبل الساعة والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده وهذا على شرط أهل السنن ولم يخرجوه وقد رواه البيهقي من حديث النفيلي قال قرأت على معقل بن عبد الله بن شهر بن حوشب عن أبي سعيد فذكره ثم رواه الحاكم وأبو سعيد بن عمرو عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الجيد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد فذكره ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي سعيد فذكره


يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:16 AM
حديث أبي هريرة في ذلك
@ قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أشعث بن عبد الملك عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه قال فصعد الذئب على تل فأقعى فاستذفر وقال عمدت إلى رزق رزقنيه الله عز وجل انتزعته مني فقال الرجل لله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم فقال الذئب أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم وكان الرجل يهوديا فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وخبره فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال رسول الله إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله بعده تفرد به أحمد وهو على شرط السنن ولم يخرجوه ولعل شهر بن حوشب قد سمعه من أبي سعيد وأبي هريرة أيضا والله أعلم
*2* حديث أنس في ذلك
@ قال أبو نعيم في دلائل النبوة ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا محمد بن يحيى بن منده ثنا
علي بن الحسن بن سالم ثنا الحسين الرفا عن عبد الملك بن عمير عن أنس ح وحدثنا سليمان هو الطبراني ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية ثنا هشام بن يونس اللؤلؤي ثنا حسين بن سليمان الرفا عن عبد الملك بن عمير عن أنس بن مالك قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فشردت علي غنمي فجاء الذئب فأخذ منها شاة فاشتد الرعاء خلفه فقال طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني قال فبهت القوم فقال ما تعجبون من كلام الذئب وقد نزل الوحي على محمد فمن مصدق ومكذب ثم قال أبو نعيم تفرد به حسين بن سليمان عن عبد الملك قلت الحسين بن سليمان الرفا هذا يقال له الطلخي كوفي أورد له ابن عدي عن عبد الملك بن عمير أحاديث ثم قال لا يتابع عليها
*2* حديث ابن عمر في ذلك
@ قال البيهقي أخبرنا أبو سعد الماليني أنا أبو أحمد بن عدي ثنا عبد الله بن أبي داود السجستاني ثنا يعقوب بن يوسف بن أبي عيسى ثنا جعفر بن حسن أخبرني أبو حسن ثنا عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب قال قال ابن عمر كان راع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء الذئب فأخذ شاة ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه فقال له الذئب أما تتقي الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعها مني فقال له الراعي العجب من ذئب يتكلم فقال الذئب أفلا أدلك على ما هو أعجب من كلامي ذلك الرجل في النخل يخبر الناس بحديث الأولين والآخرين أعجب من كلامي فانطلق الراعي حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره وأسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث به الناس قال الحافظ ابن عدي قال لنا أبو بكر بن ابي داود ولد هذا الراعي يقال لهم بنو مكلم الذئب ولهم أموال ونعم وهم من خزاعة واسم مكلم الذئب أهبان قال ومحمد بن اشعث الخزاعي من ولده قال البيهقي فدل على اشتهار ذلك وهذا مما يقوي الحديث وقد روى من حديث محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ حدثني أبو طلحة حدثني سفيان بن حمزة الأسلمي سمع عبد الله بن عامر الأسلمي عن ربيعة بن أوس عن أنس بن عمرو عن أهبان بن أوس قال كنت في غنم لي فكلمه الذئب وأسلم قال البخاري إسناده ليس بالقوي ثم روى البيهقي عن أبي عبد الرحمن السلمي سمعت الحسين بن أحمد الرازي سمعت أبا سليمان المقري يقول خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بي عن الطريق فضربت رأسه ضربات فرفع رأسه إلي وقال لي اضرب يا أبا سليمان فانما على دماغك هو ذا يضرب قال قلت له كلمك كلاما يفهم قال كما تكلمني وأكلمك
*2* حديث اخر عن أبي هريرة في الذئب
@ وقد قال سعيد بن مسعود ثنا حبان بن علي ثنا عبد الملك بن عمير عن أبي الأوس الحارثي
عن أبي هريرة قال جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبصبص بذنبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وافد الذئاب جاء ليسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا قالوا والله لا نفعل وأخذ رجل من القوم حجرا فرماه فأدبر الذئب وله عواء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذئب وما الذئب وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عبد الله الأصبهاني عن محمد بن مسلمة عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل به ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل عن مكحول عن أبي هريرة فذكره وعن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأوبر عن أبي هريرة قال صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الغداة ثم قال هذا الذئب وما الذئب جاءكم يسألكم أن تعطوه أو تشركوه في أموالكم فرماه رجل بحجر فمر أو ولى وله عواء وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن حمزة بن أبي اسيد قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار بالبقيع فاذا الذئب مفترشا ذراعيه على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جاء يستفرض فافرضوا له قالوا ترى رأيك يا رسول الله قال من كل سائمة شاة في كل عام قالوا كثير قال فأشار إلى الذئب أن خالسهم فانطلق الذئب رواه البيهقي وروى الواقدي عن رجل سماه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه فقال هذا وافد السباع إليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه فما أخذ فهو رزقه فقالوا يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أن خالسهم قال فولى وله عواء وقال أبو نعيم ثنا سليمان بن أحمد ثنا معاذ بن المثنى ثنا محمد بن كثير ثنا سفيان ثنا الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل من مزينة أن جهينة قال أتت وفود الذئاب قريب من مائة ذئب حين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه وفود الذئاب جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهن من قوت طعامكم وتأمنوا على ما سواه فشكوا إليه الحاجة قال فادبروهم قال فخرجن ولهن عواء
وقد تكلم القاضي عياض على حديث الذئب فذكر عن أبي هريرة وأبي سعيد وعن أهبان ابن أوس وأنه كان يقال له مكلم الذئب قال وقد روى ابن وهب أنه جرى مثل هذا لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ صبيا فدخل الصبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك فقال الذئب أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار فقال أبو سفيان واللات والعزى لأن ذكرت هذا بمكة ليتركنها أهلوها
*2* قصة الوحش الذي كان في بيت النبي وكان يحترمه عليه السلام ويوقره ويجله
@ قال الامام أحمد حدثنا أبو نعيم ثنا يونس عن مجاهد قال قالت عائشة رضي الله عنها كان لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحش فاذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعب واشتد وأقبل وأدبر فاذا أحس برسول الله صلى الله عليه وسلم قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه ورواه أحمد أيضا عن وكيع وعن قطن كلاهما عن يونس وهو ابن أبي اسحاق السبيعي وهذا الاسناد على شرط الصحيح ولم يخرجوه وهو حديث مشهور والله أعلم
*2* قصة الأسد
@
وقد ذكرنا في ترجمة سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه حين انكسرت بهم السفينة فركب لوحا منها حتى دخل جزيرة في البحر فوجد فيها الأسد فقال له يا أبا الحارث إني سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضرب منكبي وجعل يحاذيني حتى أقامني على الطريق ثم همهم ساعة فرأيت أنه يود وقال عبد الرزاق ثنا معمر عن الحجبي عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطأ الجيش بأرض الروم أو اسر في أرض الروم فانطلق هاربا يلتمس الجيش فاذا هو بالأسد فقال يا ابا الحارث إني مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من امري كيت وكيت فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه كلما سمع صوته أهوى إليه ثم أقبل يمشي إلى جنبه فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش ثم رجع الأسد عنه رواه البيهقي
*2* حديث الغزالة
@
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني رحمه الله في كتابه دلائل النبوة حدثنا سليمان بن أحمد إملاء ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون ثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي عن صالح المري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط فقالت يا رسول الله إني أخذت ولي خشفان فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم فقال أين صاحب هذه فقال القوم نحن يا رسول الله قال خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وترجع إليكم فقالوا من لنا بذلك قال أنا فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فاوثقوها فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أين أصحاب هذه فقالوا هو ذا نحن يا رسول الله فقال تبيعونيها فقالوا هي لك يا رسول الله فقال خلوا عنها فأطلقوها فذهبت وقال أبو نعيم حدثنا أبو احمد محمد بن أحمد الغطريفي من أصله ثنا أحمد ابن موسى بن أنس بن نصر بن عبيد الله بن محمد بن سيرين بالبصرة ثنا زكريا بن يحيى بن خلاد ثنا حبان بن اغلب بن تميم ثنا أبي عن هشام بن حبان عن الحسن عن ضبة بن محصن عن
أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجر من الأرض إذا هاتف يهتف يا رسول الله يا رسول الله قال فالتفت فلم ار أحدا قال فمشيت غير بعيد فاذا الهاتف يا رسول الله يا رسول الله قال التفت فلم أر أحدا وإذا الهاتف يهتف بي فاتبعت الصوت وهجمت على ظبية مشدودة الوثاق وإذا أعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس فقالت الظبية يا رسول الله إن هذا الأعرابي صادني قبل ولي خشفان في هذا الجبل فان رأيت أن تطلقني حتى أرضعهما ثم أعود إلى وثاقي قال وتفعلين قالت عذبني الله عذاب العشار إن لم افعل فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت فأرضعت الخشفين وجاءت قال فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوثقها إذا انتبه الأعرابي فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله إني أصبتها قبيلا فلك فيها من حاجة قال قلت نعم قال هي لك فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحا وهي تضرب برجليها في الأرض وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال أبو نعيم وقد رواه آدم بن أبي إياس فقال حدثني حبي الصدوق نوح ابن الهيثم عن حبان بن أغلب عن أبيه عن هشام بن حبان ولم يجاوزه به وقد رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة من حديث إبراهيم بن مهدي عن ابن أغلب بن تميم عن أبيه عن هشام بن حبان عن الحسن بن ضبة بن أبي سلمة به وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة أنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم ابن أبي عروة الغفاري ثنا علي بن قادم ثنا أبو العلاء خالد بن طهمان عن عطية عن أبي سعيد قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بظبية مربوطة إلى خباء فقالت يا رسول الله خلني حتى أذهب فأرضع خشفي ثم أرجع فتربطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صيد قوم وربيطة قوم قال فأخذ عليها فحلفت له قال فحلها فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها فربطها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا قال البيهقي وروى من وجه آخر ضعيف أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي أنا أبو علي حامد بن محمد الهروي ثنا بشر بن موسى ثنا أبو حفص عمر بن علي ثنا يعلى بن إبراهيم الغزالي ثنا الهيثم بن حماد عن أبي كثير عن يزيد بن أرقم قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة قال فمررنا بخباء أعرابي فاذا بظبية مشدودة إلى الخباء فقالت يا رسول الله إن هذا الأعرابي اصطادني وإن لي خشفين في البرية وقد تعقد اللبن في أخلافي فلا هو يذبحني فأستريح ولا هو يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن تركتك ترجعين قالت نعم وإلا عذبني الله عذاب العشار قال فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تلبث أن جاءت تلمض فشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخباء وأقبل الأعرابي
ومعه قربة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أتبيعنيها قال هي لك يا رسول الله فأطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زيد بن أرقم فأنا والله رأيتها تسبح في البرية وهي تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ورواه أبو نعيم ثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر ثنا بشر بن موسى فذكره قلت وفي بعضه نكارة والله أعلم وقد ذكرنا في باب تكثيره عليه السلام اللبن حديث تلك الشاة التي جاءت وهي في البرية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن سعيد مولى أبي بكر أن يحلبها فحلبها وأمره أن يحفظها فذهبت وهو لا يشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب بها الذي جاء بها وهو مروي من طريقين عن صحابيين كما تقدم والله أعلم
*2* حديث الضـب على ما فيه من النكارة والغرابة
@ قال البيهقي أنا أبو منصور أحمد بن علي الدامغاني من ساكني قرية نامين من ناحية بيهق قراءة عليه من أصل كتابه ثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ في شعبان سنة اثنتين وثلثمائة ثنا محمد بن الوليد السلمي ثنا محمد بن عبد الأعلى ثنا معمر بن سليمان ثنا كهمس عن داود بن أبي هند عن عامر بن عمر عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله فلما رأى الجماعة قال ما هذا قالوا هذا الذي يذكر أنه نبي فجاء فشق الناس فقال واللات والعزى ما شملت السماء على ذي لهجة أبغض إلي منك ولا أمقت منك ولولا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك الأسود والأحمر والأبيض وغيرهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فأقوم فأقتله قال يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا ثم أقبل على الأعرابي وقال ما حملك على أن قلت ما قلت غير الحق ولم تكرمني في مجلسي فقال وتكلمني أيضا استخفافا برسول الله صلى الله عليه وسلم واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضـب وأخرج الضـب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ضب فأجابه الضـب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قال من تعبد يا ضب قال الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه قال فمن أنا يا ضب فقال رسول رب العالمين وخاتم النبيين وقد افلح من صدقك وقد خاب من كذبك فقال الأعرابي والله لا اتبع اثرا بعد عين والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إلي منك وإنك اليوم أحب إلي من والدي ومن عيني ومني وإني لأحبك بداخلي وخارجي وسري وعلانيتي وأشهد ان لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال رسول الله الحمد لله الذي هداك بي إن هذا الدين يعلو ولا يعلى ولا يقبل إلا بصلاة ولا تقبل الصلاة إلا بقرآن قال فعلمني فعلمه قل هو الله أحد قال زدني فما سمعت في البسيط ولا في الوجيز أحسن من هذا قال يا اعرابي إن هذا كلام الله ليس بشعر إنك إن قرأت قل هو الله أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن وإن قرأتها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله قال الأعرابي نعم الإله إلهنا يقبل اليسير ويعطي الجزيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألك مال فقال ما في بني سليم قاطبة رجل هو أفقر مني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أعطوه فأعطوه حتى أبطروه قال فقام عبد الرحمن بن عوف فقال يا رسول الله إن له عندي ناقة عشراء دون البختية وفوق الأعرى تلحق ولا تلحق أهديت إلي يوم تبوك أتقرب بها إلى الله عز وجل فأدفعها إلى الأعرابي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفت ناقتك فأصف مالك عند الله يوم القيامة قال نعم قال لك ناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر وعنقها من زبرجد أصفر عليها هودج وعلى الهودج السندس والاستبرق وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة فقال عبد الرحمن قد رضيت فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابي من بني سليم على ألف دابة معهم ألف سيف وألف رمح فقال لهم أين تريدون قالوا نذهب إلى هذا الذي سفه آلهتنا فنقتله قال لا تفعلوا أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وحدثهم الحديث فقالوا بأجمعهم نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم دخلوا فقيل لرسول الله فتلقاهم بلا رداء ونزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا عنه وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ثم قالوا يا رسول الله مرنا بأمرك قال كونوا تحت راية خالد بن الوليد فلم يؤمن من العرب ولا غيرهم ألف غيرهم قال البيهقي قد أخرجه شيخنا أبو عبد الله الحافظ في المعجزات بالاجازة عن أبي أحمد بن عدي الحافظ قلت ورواه الحافظ أبو نعمي في الدلائل عن أبي القاسم بن أحمد الطبراني إملاء وقراءة حدثنا محمد ابن علي بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة فذكر مثله ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن محمد ابن علي بن الوليد السلمي قال البيهقي روى في ذلك عن عائشة وأبي هريرة وما ذكرناه هو أمثل الأسانيد فيه وهو أيضا ضعيف والحمل فيه على هذا السلمي والله أعلم
*2* حديث الحمار
@ وقد انكره غير واحد من الحفاظ الكبار فقال أبو محمد بن عبد الله بن حامد أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحركي حدثنا عمر بن محمد بن بجير حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد إملاء أنا أبو عبد الله محمد بن عقبة بن ابي الصهباء حدثنا أبو حذيفة عن عبد الله بن حبيب الهذلي عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي منظور قال لما فتح الله على نبيه صلى الله عليه وسلم خيبر أصابه من سهمه أربعة
أزواج بغال وأربعة أزواج خفاف وعشر أواق ذهب وفضة وحمار أسود ومكتل قال فكلم النبي صلى الله عليه وسلم الحمار فكلمه الحمار فقال له ما اسمك قال يزيد بن شهاب أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي لم يبق من نسل جدي غيري ولا من الأنبياء غيرك وقد كنت أتوقعك أن تركبني قد كنت قبلك لرجل يهودي وكنت أعثر به عمدا وكان يجيع بطني ويضرب ظهري فقال النبي صلى الله عليه وسلم سميتك يعفور يا يعفور قال لبيك قال تشتهي الاناث قال لا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يركبه لحاجته فاذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه فاذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن اجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى بئر كان لأبي الهيثم بن النبهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم
*2* حديث الحمرة وهو طائر مشهور
@ قال أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدخل رجل غيطة فاخرج بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه فقال ايكم فجع هذه فقال رجل من القوم أنا أخذت بيضتها فقال رده رده رحمة بها وروى البيهقي عن الحاكم وغيرهم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار ثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما قال فجاءت الحمرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تفرش فقال من فجع هذه بفرخيها قال فقلنا نحن قال ردوهما فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع
*2* حديث آخر في ذلك فيه غرابة
@ قال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن الحسين بن داود العلوي قالا ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأموي ثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي ثنا محمد بن الصلت ثنا حبان ثنا أبو سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد قال فذهب يوما فقعد تحت سمرة ونزع خفيه قال ولبس أحدهما فجاء طير فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسلت منه أسود سالح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه كرامة أكرمني الله بها اللهم إني أعوذ بك من شر ما مشى على رجليه ومن شر ما يمشي على بطنه
*2* حديث آخر
@ قال البخاري ثنا محمد بن المثنى ثنا معاذ حدثني أبي عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله وقال عبد الرزاق أنا معمر عن ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجلا آخر من الأنصار تحدثا عند النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة وهي ليلة شديدة الظلمة حتى خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقلبان وبيد كل واحد منهما عصية فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه حتى مشى في ضوئها حتى أتى كل واحد منهما ضوء عصاه حتى بلغ أهله وقد علقه البخاري فقال وقال معمر فذكره وعلقه البخاري أيضا عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله وقد رواه النسائي عن أبي بكر بن نافع عن بشر بن أسيد وأسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة به
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني ثنا أحمد ابن مهران ثنا عبيد الله بن موسى أنا كامل بن العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة قال كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء وكان يصلي فاذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فاذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا فإذا عاد عادا فلما صلى جعل واحدا ههنا وواحدا ههنا فجئته فقلت يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما فبرقت برقة فقال الحقا بأمكما فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا
*2* حديث آخر
@ قال البخاري في التاريخ حدثني أحمد بن الحجاج ثنا سفيان بن حمزة عن كثير بن يزيد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرقنا في ليلة ظلماء دحسة فاضاءت اصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير ورواه البيهقي من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي عن سفيان بن حمزة ورواه الطبراني من حديث إبراهيم ابن حمزة الزهري عن سفيان بن حمزة به
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو محمد بن أحمد بن عبد الله المدني ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يزيد بن الحباب ثنا عبد الحميد بن أبي عبس الأنصاري من بني حارثة أخبرني ميمون بن زيد بن أبي عبس أخبرني أبي أن أبا عبس كان يصلي مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات ثم يرجع إلى بني حارثة فخرج في ليلة مظلمة مطيرة فنور له في عصاه حتى دخل دار بني حارثة قال البيهقي أبو عبس ممن شهد بدرا قلت وروينا عن يزيد بن الأسود وهو من التابعين أنه كان يشهد الصلاة بجامع دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهام قدمه في الليلة المظلمة وقد قدمنا في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي بمكة قبل الهجرة وأنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم آية يدعو قومه بها فلما ذهب إليهم وانهبط من الثنية أضاء له نور بين عينيه فقال اللهم لا يقولوا هو مثلة فحوله الله إلى طرف سوطه حتى جعلوا يرونه مثل القنديل
*2* حديث آخر فيه كرامة لتميم الداري
@ روى الحافظ البيهقي من حديث عفان بن مسلم عن حماد بن سلمة عن الجريري عن معاوية ابن حرمل قال خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم الداري فقال قم إلى هذه النار قال يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا قال فلم يزل به حتى قام معه قال وتبعتهما فانطلقا إلى النار فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها قال فجعل عمر يقول ليس من رأى كمن لم ير قالها ثلاثا
*2* حديث فيه كرامة لولي من هذه الأمة
@ وهي معدودة من المعجزات لأن كل ما يثبت لولي فهو معجزة لنبيه
قال الحسن بن عروة ثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي سبرة النخعي قال اقبل رجل من اليمن فلما كان ببعض الطريق نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال اللهم إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وأنا أشهد أنك تحيي الموتي وتبعث من في القبور لا تجعل لأحد علي اليوم منة أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري فقام الحمار ينفض أذنيه قال البيهقي هذا إسناد صحيح ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة قال البيهقي وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل والله أعلم
*2* طريق أخرى
@ قال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن بجير وغيرهما قالوا ثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل الله فنفق حمار رجل منهم فارادوه أن ينطلق معهم فأبى فقام فتوضأ وصلى ثم قال اللهم إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وإني أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور لا تجعل لأحد علي منة فاني أطلب إليك أن تبعث لي حماري ثم قام
إلى الحمار فقام الحمار ينفض أذنيه فأسرجه وألجمه ثم ركبه وأجراه فلحق بأصحابه فقالوا له ما شأنك قال شأني أن الله بعث حماري قال الشعبي فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة يعني بالكوفة قال ابن أبي الدنيا وأخبرني العباس بن هشام عن أبيه عن جده عن مسلم بن عبد الله بن شريك النخعي أن صاحب الحمار رجل من النخع يقال له نباتة بن يزيد خرج في زمن عمر غازيا حتى إذا كان يلقى عميرة نفق حماره فذكر القصة غير أنه قال فباعه بعد الكناسة فقيل له تبيع حمارك وقد أحياه الله لك قال فكيف أصنع وقد قال رجل من رهطه ثلاثة أبيات فحفظت هذا البيت
ومنا الذي أحيا الإله حماره * وقد مات منه كل عضو ومفصل
وقد ذكرنا في باب رضاعه عليه السلام ما كان من حمارة حليمة السعدية وكيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رضيع وقد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة وكذلك ظهرت بركته عليهم في شارفهم وهي الناقة التي كانوا يحلبونها وشياههم وسمنهم وكثرة ألبانها صلوات الله وسلامه عليه
*2* قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرمي
@ قال أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني خالد بن خداش بن عجلان المهلبي وإسماعيل بن بشار قالا ثنا صالح المزي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال عدنا شابا من الأنصار فما كان بأسرع من أن مات فأغمضناه ومددنا عليه الثوب وقال بعضنا لأمه احتسبيه قالت وقد مات قلنا نعم فمدت يديها إلى السماء وقالت اللهم إني آمنت بك وهاجرت إلى رسولك فاذا نزلت بي شدة دعوتك ففرجتها فأسألك اللهم لا تحمل علي هذه المصيبة قال فكشف الثوب عن وجهه فما برحنا حتى أكلنا وأكل معنا وقد رواه البيهقي عن أبي سعيد الماليني عن ابن عدي عن محمد ابن طاهر بن أبي الدميل عن عبد الله بن عائشة عن صالح بن بشير المزني أحد زهاد البصرة وعبادها مع لين في حديثه عن أنس فذكر القصة وفيه أن أم السائب كانت عجوزا عمياء قال البيهقي وقد روى من وجه آخر مرسل يعني فيه انقطاع عن ابن عدي وأنس بن مالك ثم ساقه من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون عن أنس قال أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمها الأمم قلنا ما هي يا أبا حمزة قال كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلىالنساء وأضاف ابنها إلينا فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه فلما أردنا أن نغسله قال يا أنس ائت أمه فأعلمها فأعلمتها قال فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم
قالت اللهم إني أسلمت لك طوعا وخالفت الأوثان زهدا وهاجرت لك رغبة اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان ولا تحملني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحملها قال فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى اثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم وحتى هلكت أمه قال ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي قال أنس وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئا قال فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجها في البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم ثم قال أجيزوا بسم الله قال فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا قال فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمي في جنازته قال فحفرنا له وغسلناه ودفناه فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال من هذا فقلنا هذا خير البشر هذا ابن الحضرمي فقال إن هذه الأرض تلفظ الموتى فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين إلى أرض تقبل الموتى فقلنا ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله قال فاجتمعنا على نبشه فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه وإذا اللحد مد البصر نور يتلألأ قال فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا قال البيهقي رحمه الله وقد روي عن أبي هريرة في قصة العلاء بن الحضرمي في استسقائه ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر وقد اسنده ابن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره وقال في الدعاء يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ فاذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا وقال في البحر اجعل لنا سبيلا إلى عدوك وقال في الموت اخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه والله أعلم
*2* قصة أخرى
@ قال البيهقي أنا الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار ثنا الحسن بن علي بن عثمان ثنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه قال انتهينا إلى دجلة وهي مادة والأعاجم خلفها فقال رجل من المسلمين بسم الله ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء فقال الناس بسم الله ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم وقالوا ديوان ديوان ثم ذهبوا على وجوههم قال فما فقد
الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها فجعل الرجل يقول من يبادل صفراء ببيضاء
*2* قصة أخرى
@ قال البيهقي أنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو عبد الله بن محمد السمري ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا ثنا أبو النضر ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله عز وجل قال البيهقي هذا إسناد صحيح قلت وستأتي قصة مسلم الخولاني واسمه عبد الله بن ثوب مع الأسود العنسي حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على الخليل إبراهيم عليه السلام
*2* قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت
@ وشهادته بالرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وبالخلافة لأبي بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان رضي الله عنهم
قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري أنا جدي يحيى بن منصور القاضي ثنا أبو علي بن محمد بن عمرو بن كشمرد أنا القعنبي أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من بني الحارث بن الخزرج توفي زمن عثمان ابن عفان فسجي بثوبه ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال أحمد أحمد في الكتاب الأول صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوي في أمر الله في الكتاب الأول صدق صدق عمر بن الخطاب القوي الأمين في الكتاب الأول صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خبر بئر أريس وما بئر أريس قال يحيى قال سعيد ثم هلك رجل من بني خطمة فسجي بثوبه فسمع جلجلة في صدره ثم تكلم فقال إن أخا بني الحارث بنت الخزرج صدق صدق ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي بكر بن إسحاق عن موسى بن الحسن عن القعنبي فذكره وقال هذا إسناد صحيح وله شواهد ثم ساقه من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس ثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد قال جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان ابن بشير يعني إلى أمه بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم سلام عليك فاني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو فانك كتبت إلي لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه وهو يومئذ من أصح الناس أو أهل
المدينة فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر فأضجعناه لظهره وغشيناه ببردين وكساء فأتاني آت في مقامي وأنا أسبح بعد المغرب فقال إن زيدا قد تكلم بعد وفاته فانصرفت إليه مسرعا وقد حضره قوم من الأنصار وهو يقول أو يقال على لسانه الأوسط أجلد الثلاثة الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول ثم قال عثمان أمير المؤمنين وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة خلت اثنتان وبقي أربع ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا فلا نظام وأنتجت الأكما ثم ارعوى المؤمنين وقال كتاب الله وقدره أيها الناس أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا الله أكبر هذه الجنة وهذه النار ويقول النبيون والصديقون سلام عليكم يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه وسعدا اللذين قتلا يوم أحد كلا إنها لظة نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى ثم خفت صوته فسألت الرهط عما سبقني من كلامه فقالوا سمعناه يقول أنصتوا أنصتوا فنظر بعضنا الى بعض فاذا الصوت من تحت الثياب قال فكشفنا عن وجهه فقال هذا أحمد رسول الله سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ثم قال أبو بكر الصديق الأمين خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه قويا في أمر الله صدق صدق وكان في الكتاب الأول ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبي نصر بن قتادة عن أبي عمرو بن بجير عن علي بن الحسين عن المعافى بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد فذكره وقال هذا إسناد صحيح وقد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثني عمير بن هانئ حدثني النعمان بن بشير قال توفي رجل منا يقال له خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا فذكر نحو ما تقدم قال البيهقي وروى ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير وذكر بئر أرييس كما ذكرنا في رواية ابن المسيب قال البيهقي والأمر فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما فكان في يده ثم كان في يد أبي بكر من بعده ثم كان في يد عمر ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس بعد ما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله وظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة قلت وهي المرادة من قوله مضت اثنتان وبقي أربع أو مضت أربع وبقي اثنتان على اختلاف الرواية والله أعلم وقد قال البخاري في التاريخ زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا توفي زمن عثمان وهو الذي تكلم بعد الموت قال البيهقي وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم قال ابن أبي الدنيا ثنا خلف بن هشام البزار ثنا خالد الطحان عن حصين
عن عبد الله بن عبيد الأنصاري أن رجلا من بني سلمة تكلم فقال محمد رسول الله أبو بكر الصديق عثمان اللين الرحيم قال ولا أدري أيش قال في عمر كذا رواه ابن أبي الدنيا في كتابه وقد قال الحافظ البيهقي أنا أبو سعيد بن أبي عمرو ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا يحيى بن أبي طالب أنا علي بن عاصم أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى فقال محمد رسول الله ابو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم ثم سكت وقال هشام بن عمار في كتاب البعث
*2* باب في كلام الأموات وعجائبهم
@ حدثنا الحكم بن هشام الثقفي حدثنا عبد الحكم بن عمير عن ربعي بن خراش العبسي قال مرض أخي الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال السلام عليكم قلنا وعليك السلام قدمت قال بلى ولكن لقيت بعدكم ربي ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان ثم كساني ثيابا من سندس أخضر وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فاذن لي وإن الأمر كما ترون فسددوا وقاربوا وبشروا ولا تنفروا فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب وهي آخر كتابه
*2* حديث غريب جدا
@ قال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبدان ثنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا محمد بن يونس الكديمي ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني واصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني عن أبيه عن جده قال حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه مثل دارة القمر وسمعت منه عجبا جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنا قال أنت رسول الله قال صدقت بارك الله فيك ثم قال إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب قال أبي فكنا نسميه مبارك اليمامة قال شاصونه وقد كنت أمر على معمر فلا اسمع منه قلت هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد ابن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه استنطق ابن تلك البغى فقال له يا أبا يونس ابن من أنت قال ابن الراعي فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه
وقد تقدم ذلك على أنه قد روى هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا قال البيهقي أنا أبو سعد عبد الملك بن ابي عثمان الزاهد أنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن جميع الغساني بثغر صيدا ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل ثنا أبي ثنا جدي شانوصة بن عبيد حدثني معرض بن عبد الله بن معيقيب عن أبيه عن جده قال حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه كدارة القمر فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد وقد لفه في خرقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا غلام من أنا قال أنت رسول الله فقال له بارك الله فيك ثم أن الغلام لم يتكلم بعدها قال البيهقي وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبي الحسن علي بن العباس الوراق عن أبي الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبي الفضل العباس بن محمد بن شاصونة به قال الحاكم وقد أخبرني الثقة من أصحابنا عن أبي عمر الزاهد قال لما دخلت اليمن دخلت حردة فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا وحملت إلى قبره فزرته قال البيهقي ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين باسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام ثم أورد من حديث وكيع عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط قال من أنا قال أنت رسول الله ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت يا رسول الله إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنيه مني فأدنته منه فقال من أنا فقال أنت رسول الله
*2* قصة الصبي الذي كان يصرع فدعا له عليه السلام فبرأ
@ قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة الثقفي مع قصة الجمل الحديث بطوله وقال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجي عن سعيد بن جبير بن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن به لمما وأنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا قال فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجرو الأسود يسعى تفرد به أحمد وفرقد السنجي رجل صالح ولكنه سيء الحفظ وقد روى عنه شعبة وغير واحد واحتمل حديثه ولما رواه ههنا شاهد مما تقدم والله أعلم وقد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها ويحتمل أن تكون أخرى غيرها والله أعلم
*2* حديث آخر في ذلك
@ قال أبو بكر البزار ثنا محمد بن مرزوق ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا صدقة يعني ابن موسىثنا فرقد يعني السنجي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني فقال لها إن تصبري على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب قالت والذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله قالت إني أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها فكانت إذا خشيت أن ياتيها تأتي استار الكعبة فتعلق بها وتقول له اخسأ فيذهب عنها قال البزار لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه وصدقة ليس به بأس وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه فيه
*2* طريق اخرى عن ابن عباس
@ قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن عمران أبي بكر ثنا عطاء بن أبي رباح قال قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه السوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وأنكشف فادع الله لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك قالت لا بل أصبر فادع الله ألا أنكشف ولا ينكشف عني قال فدعا لها وهكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى وهو ابن سعيد القطان وأخرجه مسلم عن القواريري عن يحيى القطان وبشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلم أبي بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس فذكر مثله ثم قال البخاري حدثنا محمد ثنا مخلد عن ابن جريح قال أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في الغابة أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد قديما وأنها عمرت حتى أدركها عطاء بن أبي رباح فالله أعلم
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد ثنا محمد بن يونس ثنا قرة بن حبيب الضوي ثنا إياس بن أبي تميمة عن عطاء عن أبي هريرة قال جاءت الحمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ابعثني إلى أحب قومك إليك أو أحب أصحابك إليك شك قرة فقال اذهبي إلى الأنصار فذهبت إليهم فصرعتهم فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله قد أتت الحمى علينا فادع الله لنا بالشفاء فدعا لهم فكشفت عنهم قال فاتبعته امرأة فقالت يا رسول الله ادع الله لي فاني لمن الأنصار فادع الله لي كما دعوت لهم فقال ايهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك أو تصبرين وتجب لك الجنة فقالت لا والله يا رسول الله بل أصبر ثلاثا ولا أجعل والله لجنته خطرا محمد بن يونس الكديمي ضعيف وقد قال البيهقي أنا علي ابن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا هشام ابن لاحق سنة خمس وثمانين ومائة ثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أنت قالت أنا الحمى أبري اللحم وأمص الدم قال اذهبي إلى أهل قباء فأتتهم فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اصفرت وجوههم فشكوا إليه الحمى فقال لهم ما شئتم إن شئتم دعوت الله فيكشف عنكم وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم قالوا بل ندعها يا رسول الله وهذا الحديث ليس هو في مسند الامام أحمد ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه عليه السلام لأهل المدينة أن يذهب حماها الى الجحفة فاستجاب الله له ذلك فإن المدينة كانت من أوبأ أرض الله فصححها الله ببركة حلوله بها ودعائه لأهلها صلوات الله وسلامه عليه
*2* حديث آخر في ذلك
@ قال الامام أحمد ثنا روح ثنا شعبة عن أبي جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله أن يعافيني فقال إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت له قال لا بل ادع الله لي قال فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضي وتشفعني فيه وتشفعه في قال فكان يقول هذا مرارا ثم قال بعد أحسب أن فيها أن تشفعني فيه قال ففعل الرجل فبرأ وقد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو عن شعبة به وقال اللهم شفعه في ولم يقل الأخرى وكأنها غلط من الراوي والله أعلم وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان وابن ماجه عن أحمد بن منصور بن سيار كلاهما عن عثمان بن عمرو وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جعفر الخطمي ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد ابن سلمة بن أبي جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف وهذه الرواية تخالف ما تقدم ولعله عند أبي جعفر الخطمي من الوجهين والله أعلم وقد روى البيهقي والحاكم من حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب عن سعيد الحنطبي عن أبيه عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره
فقال يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني إسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فينجلي بصري اللهم فشفعه في وشفعني في نفسي قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط قال البيهقي ورواه أيضا هشام الدستوائي عن أبي جعفر عن أبي أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف
*2* حديث آخر
@ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن بشر ثنا عبد العزيز بن عمر حدثني رجل من بني سلامان وبني سعد عن أبيه عن خاله أو خالها حبيب بن مريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا فسأله ما أصابك فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصري قال فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الابرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان قال البيهقي كذا في كتابه وغيره يقول حبيب بن مدرك قال وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول الله إلى موضعها فكان لا يدري أيهما أصيبت قلت وقد تقدم ذلك في غزوة أحد وقد ذكرنا في مقتل أبي رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر بن عتيك وقد انكسر ساقه فبرأ من ساعته وذكر البيهقي بإسناده أنه ص مسح يد محمد بن حاطب وقد احترقت يده بالنار فبرأ من ساعته عليه السلام نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به قلت وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني علي وهو أمرد فبرأ وروى الترمذي عن علي حديثه في تعليمه عليه السلام ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه وفي الصحيح أنه قال لأبي هريرة وجماعة من يبسط رداءه اليوم فانه لا ينسى شيئا من مقالتي قال فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك فقيل كان ذلك حفظا من أبي هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم وقيل وفي غيره فالله أعلم ودعا لسعد بن أبي وقاص فبرأ وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبي طالب في مرضة مرضها وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ربه فبرأ من ساعته والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه وتركنا أحاديث ضعيفة الاسناد واكتفينا بما أوردنا عما تركنا وبالله المستعان
*2* حديث آخر
*2* حديث آخر
@ ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبي زائدة زاد مسلم والمغيرة كلاهما عن شراحيل الشعبي عن جابر بن عبد الله أنه كان يسير على جمل قد أعيا فأراد أن يسيبه قال فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه ودعا لي فسار سيرا مثله وفي رواية فما زال بين يدي الابل قدامها حتى كنت أحبس خطامه فلا أقدر عليه فقال كيف ترى جملك فقلت قد أصابته بركتك يا رسول الله ثم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتراه منه واختلف الرواة في مقدار ثمنه على روايات كثيرة وأنه استثنى حملانه إلى المدينة ثم لما قدم المدينة جاءه بالجمل فنقده ثمنه وزاده ثم أطلق له الجمل أيضا الحديث بطوله
*2* حديث آخر
@ روى البيهقي واللفظ له وهو في صحيح البخاري من حديث حسن بن محمد المروزي عن جرير ابن حازم عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال فزع الناس فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة بطيئا ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لن تراعوا إنه لبحر فوالله ما سبق بعد ذلك اليوم
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو بكر القاضي أنا حامد بن محمد الهروي ثنا علي بن عبد العزيز ثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ثنا رافع بن سلمة بن زياد حدثني عبد الله بن أبي الجعد عن جعيل الأشجعي قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته وانا على فرس لي عجفاء ضعيفة قال فكنت في أخريات الناس فلحقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال سر يا صاحب الفرس فقلت يا رسول الله عجفاء ضعيفة قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مخفقة معه فضربها بها وقال اللهم بارك له قال فلقد رأيتني أمسك برأسها أن تقدم الناس ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا ورواه النسائي عن محمد ابن رافع عن محمد بن عبد الله الرقاشي فذكره وهكذا رواه أبو بكر بن ابي خيثمة عن عبيد بن يعيش عن زيد بن الخباب عن رافع بن سلمة الأشجعي فذكره وقال البخاري في التاريخ وقال رافع بن زياد بن الجعد بن أبي الجعد حدثني أبي عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم عن جعيل فذكره
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنا أبو سهل بن زياد القطان ثنا محمد ابن شاذان الجوهري حدثنا زكريا بن عدي ثنا مروان بن معاوية عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني تزوجت امرأة فقال هلا نظرت إليها فان في أعين الأنصار شيئا قال قد نظرت إليها قال على كم تزوجتها فذكر شيئا قال
كأنهم ينحتون الذهب والفضة من عرض هذه الجبال ما عندنا اليوم شيء نعطيكه ولكن سأبعثك في وجه تصيب فيه فبعث بعثا إلى بني عبس وبعث الرجل فيهم فأتاه فقال يا رسول الله أعيتني ناقتي أن تنبعث قال فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده كالمعتمد عليه للقيام فأتاها فضربها برجله قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لقد رأيتها تسبق به القائد رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن معين عن مروان


2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزني أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب أنا أبو جعفر بن عون أنا الأعمش عن مجاهد أن رجلا اشترى بعيرا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه فقال اللهم بارك له فيه فلم يلبث إلا يسيرا أن نفق ثم اشترى بعيرا آخر فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني اشتريت بعيرا فادع الله أن يبارك لي فيه فقال اللهم بارك له فيه فلم يلبث حتى نفق ثم اشترى بعيرا آخر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد اشتريت بعيرين فدعوت الله أن يبارك لي فيهما فادع الله أن يحملني عليه فقال اللهم احمله عليه فمكث عنده عشرين سنة قال البيهقي وهذا مرسل ودعاؤه عليه اسلام صار إلى أمر الآخرة في المرتين الأوليين
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ البيهقي أنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا إسماعيل بن عبد الله الميكالي ثنا علي بن سعد العسكري أنا أبو أمية عبد الله بن محمد بن خلاد الواسطي ثنا يزيد بن هارون أنا المستلم بن سعيد ثنا حبيب بن عبد الرحمن بن حبيب بن أساف عن أبيه عن جده حبيب بن أساف قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ورجل من قومي في بعض مغازيه فقلنا إنا نشتهي أن نشهد معك مشهدا قال أسلمتم قلنا لا قال فانا لا نستعين بالمشركين على المشركين قال فأسلمنا وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابتني ضربة على عاتقي فجافتني فتعلقت يدي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفل فيها وألزقها فالتأمت وبرأت وقتلت الذي ضربني ثم تزوجت ابنة الذي قتلته وضربني فكانت تقول لا عدمت رجلا وشحك هذا الوشاح فأقول لا عدمت رجلا أعجل أباك إلى النار وقد روى الامام أحمد هذا الحديث عن يزيد بن هارون باسناده مثله ولم يذكر فتفل فيها فبرأت
*2* حديث آخر
@ ثبت في الصحيحين من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم عن ورقاء بن عمر السكري عن عبد الله بن يزيد عن ابن عباس قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلاء فوضعت له وضوءا فلما خرج قال
من صنع هذا قالوا ابن عباس قال اللهم فقهه في الدين وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن عباس الدورقي عن الحسن بن موسى الأسيب عن زهير عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي أو قال منكبي شك سعيد ثم قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل وقد استجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الدعوة في ابن عمه فكان إماما يهتدى بهداه ويقتدى بسناه في علوم الشريعة ولا سيما في علم التأويل وهو التفسير فانه انتهت إليه علوم الصحابة قبله وما كان عقله من كلام ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال قال عبد الله بن مسعود لو أن ابن عباس أدرك أسناننا ما عاشره أحد كما وكان يقول لهم نعم ترجمان القرآن ابن عباس هذا وقد تأخرت وفاة ابن عباس عن وفاة عبد الله بن مسعود ببضع وثلاثين سنة فما ظنك بما حصله بعده في هذه المدة وقد روينا عن بعض أصحابه أنه قال خاطب الناس ابن عباس في عشية عرفة ففسر لهم سورة البقرة أو قال سورة ففسرها تفسيرا لو سمعه الروم والترك والديلم لأسلموا رضي الله عنه وأرضاه
*2* حديث آخر
@ ثبت في الصحيح أنه عليه السلام دعا لأنس بن مالك بكثرة المال والولد فكان كذلك حتى روى الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبي داود الطيالسي عن أبي خلدة قال قلت لأبي العالية سمع انس من النبي صلى الله عليه وسلم فقال خدمه عشر سنين ودعا له وكان له بستان يحمل في السنة الفاكهة مرتين وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك وقد روينا في الصحيح أنه ولد له لصلبه قريب من مائة أو ما ينيف عليها وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال اللهم أطل عمره فعمر مائة وقد دعا صلى الله عليه وسلم لأم سليم ولأبي طلحة في غابر ليلتهما فولدت له غلاما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله فجاء من صلبه تسعة كلهم قد حفظ القرآن ثبت ذلك في الصحيح وثبت في صحيح مسلم من حديث عكرمة بن عمار عن أبي كثير العنبري عن أبي هريرة أنه سأل من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو لأمه فيهديها الله فدعا لها فذهب أبو هريرة فوجد أمه تغتسل خلف الباب فلما فرغت قالت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فجعل أبو هريرة يبكي من الفرح ثم ذهب فأعلم بذلك رسول الله وسأل منه أن يدعو لهما أن يحببهما الله إلى عباده المؤمنين فدعا لهما فحصل ذلك قال أبو هريرة فليس مؤمن ولا مؤمنة إلا وهو يحبنا وقد صدق ابو هريرة في ذلك رضي الله عنه وأرضاه ومن تمام هذه الدعوة أن الله شهر ذكره في أيام الجمع حيث يذكره الناس بين يدي خطبة الجمعة وهذا من التقييض القدري والتقدير المعنوي وثبت في الصحيح أنه عليه السلام دعا لسعد بن أبي وقاص وهو مريض فعوفي ودعا له أن يكون مجاب الدعوة فقال اللهم أجب دعوته وسدد
رميته فكان كذلك فنعم أمير السرايا والجيوش كان وقد دعا على أبي سعدة أسامة بن قتادة حين شهد فيه بالزور بطول العمر وكثرة الفقر والتعرض للفتن فكان ذلك فكان إذا سئل ذلك الرجل يقول شيخ كبير مفتون أصابتني دعوة سعد وثبت في صحيح البخاري وغيره أنه صلى الله عليه وسلم دعا للسائب بن يزيد ومسح بيده على رأسه فطال عمره حتى بلغ أربعا وتسعين سنة وهو تام القامة معتدل ولم يشب منه موضع أصابت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومتع بحواسه وقواه وقال أحمد ثنا جرير بن عمير ثنا عروة بن ثابت ثنا علي بن أحمد حدثني أبو زيد الأنصاري قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ادن مني فمسح بيده على رأسي ثم قال اللهم جمله وأدم جماله قال فبلغ بضعا ومائة يعني سنة وما في لحيته بياض الا نبذة يسيرة ولقد كان منبسط الوجه لم ينقبض وجهه حتى مات قال السهيلي إسناد صحيح موصول ولقد أورد البيهقي لهذا نظائر كثيرة في هذا المعنى تشفي القلوب وتحصل المطلوب وقد قال الامام أحمد حدثنا عارم ثنا معتمر وقال يحيى بن معين ثنا عبد الأعلى ثنا معتمر هو ابن سليمان قال سمعت أبي يحدث عن أبي العلاء قال كنت عند قتادة بن ملحان في موضعه الذي مات فيه قال فمر رجل في مؤخر الدار قال فرأيته في وجه قتادة وقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مسح وجهه قال وكنت قبل ما رأيته إلا ورأيت كأن على وجهه الدهان وثبت في الصحيحين أنه عليه السلام دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة حين رأى عليه ذلك الدرع من الزعفران لأجل العرس فاستجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ففتح له في المتجر والمغانم حتى حصل له مال جزيل بحيث إنه لما مات صولحت امرأة من نسائه الأربع عن ربع الثمن على ثمانين ألفا وثبت في الحديث من طريق شبيب بن غرقد أنه سمع الحي يخبرون عن عروة بن أبي الجعد المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري له به شاة فاشترى ش شاتين وباع إحداهما بدينار وأتاه بشاة ودينار فقال له بارك الله لك في صفقة يمينك وفي رواية فدعا له بالبركة في البيع فكان لو اشترى التراب لربح فيه وقال البخاري ثنا عبد الله بن يوسف أنا ابن وهب ثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي عقيل أنه كان يخرج به جده عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري الطعام فيلقاه ابن الزبير وابن عمر فيقولان أشركنا في بيعك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا لك بالبركة فيشركهم فربما أصاب الراحلة كما هي فبعث بها إلى المنزل وقال البيهقي أنا أبو سعد الماليني أنا ابن عدي ثنا علي بن محمد بن سليمان الحليمي ثنا محمد بن يزيد المستملي ثنا سبابة بن عبد الله ثنا أيوب بن سيار عن محمد بن المنكدر عن جابر عن أبي بكر عن بلال قال اذنت في غدار باردة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلم ير في المسجد واحدا فقال أين الناس فقلت منعهم البرد فقال اللهم أذهب عنهم البرد فرأيتهم يتروحون ثم قال البيهقي تفرد به ايوب بن سيار ونظيره قد مضى في الحديث المشهور
عن حذيفة في قصة الخندق
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا عبد العزيز بن عبد الله عن محمد بن عبد الله الأصبهاني إملاء أنا أبو إسماعيل الترمذي عن محمد بن إسماعيل ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا علي ابن أبي علي اللهبي عن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعمر بن الخطاب معه فعرضت له امرأة فقالت يا رسول الله إني امرأة مسلمة محرمة ومعي زوج لي في بيتي مثل المرأة فقال لها رسول الله ادعي لي زوجك فدعته وكان خرازا فقال له ما تقول في امرأتك يا عبد الله فقال الرجل والذي أكرمك ما جف رأسي منها فقالت امرأته جاء مرة واحدة في الشهر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتبغضينه قالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنيا رءوسكما فوضع جبهتها على جبهة زوجها ثم قال اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب فطلعت المرأة تحمل أدما على رأسها فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم طرحته وأقبلت فقبلت رجليه فقال كيف أنت وزوجك فقالت والذي أكرمك ما طارف ولا تالد أحب إلي منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهد أني رسول الله فقال عمر وأنا أشهد أنك رسول الله قال أبو عبد الله تفرد به علي بن علي اللهبي وهو كثير الرواية للمناكير قال البيهقي وقد روى يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله يعني هذه القصة إلا أنه لم يذكر عمر بن الخطاب
*2* حديث آخر
@ قال أبو القاسم البغوي ثنا كامل بن طلحة ثنا حماد بن سلمة ثنا علي بن زيد بن جدعان عن أبي الطفيل أن رجلا ولد له غلام فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرة في جبهته كأنها هلبة فرس فشب الغلام فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته فأخذه أبوه فحبسه وقيده مخافة أن يلحق بهم قال فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له ألم تر إلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم قال فرد الله تلك الشعرة إلى جبهته إذ تاب وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أبي أسامة الكلبي عن سريج بن مسلم عن أبي يحيى إسماعيل بن إبراهيم التيمي حدثني سيف بن وهب عن أبي الطفيل أن رجلا من بني ليث يقال له فراس بن عمرو أصابه صداع شديد فذهب به أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه وأخذ بجلدة بين عينيه فجذبها حتى تبعصت فنبتت في موضع أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرة وذهب عنه الصداع فلم يصدع وذكر بقية القصة في الشعرة كنحو ما تقدم
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا هاشم بن القاسم الحراني ثنا يعلى بن الأشدق سمعت عبد الله ابن حراد العقيلي حدثني النابغة يعني الجعدي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته من قولي
بلغنا السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
قال أين المظهر يا أبا ليلى قال قلت أي الجنة قال أجل إن شاء الله قال أنشدني فأنشدته من قولي
ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
قال أحسنت لا يفضض الله فاك هكذا رواه البزار إسنادا ومتنا وقد رواه الحافظ البيهقي من طريق أخرى فقال أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان أنا أبو بكر بن محمد بن المؤمل ثنا جعفر بن محمد بن سوار ثنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي حدثني يعلى بن الأشدق قال سمعت النابغة نابغة بني جعدة يقول أنشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشعر فأعجبه
بلغنا السما مجدنا وتراثنا * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
فقال أين المظهر يا أبا ليلى قلت الجنة قال كذلك إن شاء الله
ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمرأ صدرا
فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجدت لا يفضض الله فاك قال يعلى فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن قال البيهقي وروى عن مجاهد بن سليم عن عبد الله بن حراد سمعت نابغة يقول سمعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنشد من قولي
بلغنا السماء عفة وتكرما * وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
ثم ذكر الباقي بمعناه قال فلقد رأيت سنه كأنها البرد والمنهل ما سقط له سن ولا انفلت
*2* حديث آخر
@ قال الحافظ البيهقي أنا أبو بكر القاضي وأبو سعيد بن يوسف أبي عمرو قالا ثنا الأصم ثنا عباس الدوري ثنا علي بن بحر القطان ثنا هاشم بن يوسف ثنا معمر ثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر قبل العراق والشام واليمن لا أدري بأيتهن بدأ ثم قال اللهم أقبل بقلوبهم إلى طاعتك وحط من أوزارهم ثم رواه عن الحاكم عن الاصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن علي بن بحر بن سري فذكر بمعناه وقال أبو داود الطيالسي ثنا عمران القطان
عن قتادة عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليمن فقال اللهم أقبل بقلوبهم ثم نظر قبل الشام فقال اللهم أقبل بقلوبهم ثم نظر قبل العراق فقال اللهم أقبل بقلوبهم وبارك لنا في صاعنا ومدنا وهكذا وقع الأمر أسلم أهل اليمن قبل أهل الشام ثم كان الخير والبركة قبل العراق ووعد أهل الشام بالدوام على الهداية والقيام بنصرة الدين إلى آخر الأمر وروى أحمد في مسنده لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام ويتحول شرار أهل الشام إلى العراق
*2* فصل ( آداب الطعام ) .
@ وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب عن عكرمة بن عمار حدثني إياس ابن سلمة بن الاكوع أن أباه حدثه أن رجلا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشماله فقال له كل بيمينك قال لا استطيع قال لا استطعت ما يمنعه إلا الكبر قال فما رفعها إلى فيه وقد رواه أبو داود الطيالسي عن عكرمة عن إياس عن أبيه قال ابصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر بن راعي العير وهو يأكل بشماله فقال كل بيمينك قال لا أستطيع قال لأاستطعت فما وصلت يده الى فيه بعد وثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس قال كنت ألعب مع الغلمان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختبأت منه فجاءني فحطاني حطوة أو حطوتين وأرسلني إلى معاوية في حاجة فأتيته وهو يأكل فقلت أتيته وهو يأكل فأرسلني الثانية فأتيته وهو يأكل فقلت أتيته وهو يأكل فقال لا أشبع الله بطنه وقد روى البيهقي عن الحاكم عن علي بن حماد عن هشام ابن علي عن موسى بن إسماعيل حدثني أبو عوانة عن أبي حمزة سمعت ابن عباس قال كنت ألعب مع الغلمان فاذا رسول الله قد جاء فقلت ما جاء إلا إلي فذهبت فاختبأت على باب فجاء فخطاني خطوة وقال اذهب فادع لي معاوية وكان يكتب الوحي قال فذهبت فدعوته له فقيل إنه يأكل فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنه يأكل فقال اذهب فادعه لي فأتيته الثانية فقيل إنه يأكل فأتيت رسول الله فأخبرته فقال في الثانية لا أشبع الله بطنه قال فما شبع بعدها قلت وقد كان معاوية رضي الله عنه لا يشبع بعدها ووافقته هذه الدعوة في ايام إمارته فيقال إنه كان يأكل في اليوم سبع مرات طعاما بلحم وكان يقول والله لا أشبع وإنما أعيى وقدمنا في غزوة تبوك أنه مر بين أيديهم وهم يصلون غلام فدعا عليه فأقعد فلم يقم بعدها وجاء من طرق أوردها البيهقي أن رجلا حاكى النبي صلى الله عليه وسلم في كلام واختلج بوجهه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن كذلك فلم يزل يختلج ويرتعش مدة عمره حتى مات وقد ورد في بعض الروايات أنه الحكم بن أبي العاص أبو مروان بن الحكم فالله أعلم وقال مالك عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني انمار فذكر الحديث في الرجل الذي عليه ثوبان قد خلقا وله ثوبان في القنية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسهما ثم ولى فقال رسول الله ماله ضرب الله عنقه فقال الرجل في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله فقتل الرجل في سبيل الله وقد ورد من هذا النوع كثير وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة بطرق متعددة عن جماعة من الصحابة تفيد القطع كما سنوردها قريبا في باب فضائله صلى الله عليه وسلم أنه قال اللهم من سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك قربة له تقربه بها عندك يوم القيامة وقد قدمنا في أول البعثة حديث ابن مسعود في دعائه صلى الله عليه وسلم على أولئك النفر السبعة الذين أحدهم أبو جهل بن هشام وأصحابه حين طرحوا على ظهره عليه السلام الجزور وألقته عنه ابنته فاطمة فلما انصرف قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بأبي جهل وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ثم سمى بقية السبعة قال ابن مسعود فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى في القليب قليب بدر الحديث وهو متفق عليه
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثني هشام ثنا سليمان يعني ابن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال كان منا رجل من بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه وقالوا هذا كان يكتب لمحمد وأعجبوا به فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم فحفروا له فواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها ثم عادوا فحفروا له وواروه فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا ورواه مسلم عن محمد بن راضي عن أبي النضر هاشم بن القاسم به
*2* طريق اخرى عن أنس
@ قال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون ثنا حميد عن أنس أن رجلا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان قد قرأ البقرة وآل عمران وكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران عز فينا يعني عظم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملي عليه غفورا رحيما فيكتب عليما حكيما فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم اكتب كذا وكذا فيقول أكتب كيف شئت ويملي عليه عليما حكيما فيكتب سميعا بصيرا فيقول اكتب كيف شئت قال فارتد ذلك الرجل عن الاسلام فلحق بالمشركين وقال أنا أعلمكم بمحمد وإني كنت لا أكتب إلا ما شئت فمات ذلك الرحل فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن
الأرض لا تقبله قال أنس فحدثني أبو طلحة أنه أتى الأرض التي مات فيها ذلك الرحل فوجده منبوذا فقال أبو طلحة ما شأن هذا الرجل قالوا قد دفناه مرارا فلم تقبله الأرض وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجوه
*2* طريق اخرى عن أنس
@ وقال البخاري ثنا أبو معمر ثنا عبد الرزاق ثنا عبد العزيز عن أنس بن مالك قال كان رجل نصراني فأسلم وقرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد نصرانيا وكان يقول لا يدري محمد إلا ما كتبت له فأماته الله فدفنوه فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم نبشوا عن صاحبنا فألقوه فحفروا له فأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا فأصبحوا وقد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه
*2* باب المسائل التي سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
@ فأجاب عنها بما يطابق الحق الموافق لها في الكتب الموروثة عن الأنبياء
قد ذكرنا في أول البعثة ما تعنتت به قريش وبعثت إلى يهود المدينة يسألونهم عن أشياء يسألون عنها رسول الله ص فقالوا سلوه عن الروح وعن أقوام ذهبوا في الدهر فلا يدرى ما صنعوا وعن رجل طواف في الأرض بلغ المشارق والمغارب فلما رجعوا سألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل قوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا وأنزل سورة الكهف يشرح فيها خبر الفتية الذين فارقوا دين قومهم وآمنوا بالله العزيز الحميد وأفردوه بالعبادة واعتزلوا قومهم ونزلوا غارا وهو الكهف فناموا فيه ثم أيقظهم الله بعد ثلثمائة سنه وتسع سنين وكان من أمرهم ما قص الله علينا في كتابه العزيز ثم قص خبر الرجلين المؤمن والكافر وما كان من أمرهما ثم ذكر خبر موسى والخضر وما جرى لهما من الحكم والمواعظ ثم قال يسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ثم شرح ثم ذكر خبره وما وصل إليه من المشارق والمغارب وما عمل من المصالح في العالم وهذا الإخبار هو الواقع في الواقع وإنما يوافقه من الكتب التي بأيدي أهل الكتاب ما كان منها حقا وأماما كان محرفا مبدلا فذاك مردود فان الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب ليبين للناس ما اختلفوا فيه من الأخبار والأحكام قال الله تعالى بعد ذكر التوراة والانجيل وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه وذكرنا في أول الهجرة قصة إسلام عبد الله بن سلام وأنه
قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل فلما رأيت وجهه قلت إن وجهه ليس بوجه كذاب فكان أول ما سمعته يقول أيها الناس أفشوا السلام وصلوا الأرحام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث إسماعيل بن عطية وغيره عن حميد عن أنس قصة سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن جبريل آنفا ثم قال أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت وأما الولد فاذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع الولد إلى أمه وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن أبي معشر عن سعيد المقبري فذكر مساءلة عبد الله بن سلام إلا أنه قال فسأله عن السواد الذي في القمر بدل أشراط الساعة فذكر الحديث إلى أن قال وأما السواد الذي في القمر فإنهما كانا شمسين فقال الله عز وجل وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل فالسواد الذي رأيت هو المحو فقال عبد الله بن سلام أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
*2* حديث آخر في معناه
@ قال الحافظ البيهقي أنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيدروس ثنا عثمان بن سعيد أنا الربيع بن نافع أبو توبة ثنا معاوية بن سلام عن زيد ابن سلام أنه سمع أبا سلام يقول أخبرني أبو أسماء الرجبي أن ثوبان حدثه قال كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها قال لم تدفعني قال قلت ألا تقول يا رسول الله قال إنما سميته باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن اسمي الذي سماني به أهلي محمد فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفعك شيء إن حدثتك قال أسمع بأذني فنكت بعود معه فقال له سل فقال له اليهودي أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظلمة دون الجسر قال فمن أول الناس إجازة فقال فقراء المهاجرين قال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة قال زيادة كبد الحوت قال وما غذاؤهم على إثره قال ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها قال فما شرابهم عليه قال من عين فيها تسمى سلسبيلا قال صدقت قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال
ينفعك إن حدثتك قال أسمع بأذني قال جئت أسألك عن الولد قال ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فاذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بأذن الله وإذا علا مني المرأة مني الرجل أنثا بأذن الله فقال اليهودي صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه سألني عنه وما أعلم شيئا منه حتى أتاني الله به وهكذا رواه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني عن أبي توبة الربيع ابن نافع به وهذا الرجل يحتمل أن يكون هو عبد الله بن سلام ويحتمل أن يكون غيره والله أعلم
*2* حديث آخر
@ قال أبو داود الطيالسي حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب حدثني ابن عباس قال حضرت عصابة من اليهود يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله حدثنا عن خلال نسألك عنها لا يعلمها إلا نبي قال سلوني ما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على نبيه إن أنا حدثتكم بشيء تعرفونه صدقا لتتابعني على الاسلام قالوا لك ذلك قال سلوا عما شئتم قالوا أخبرنا عن أربع خلال ثم يسألك أخبرنا عن الطعام الذي حرم أسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة وأخبرنا عن ماء الرجل كيف يكون الذكر منه حتى يكون ذكرا وكيف تكون الأنثى حتى تكون الأنثى وأخبرنا عن هذا النبي في النوم ومن وليك من الملائكة قال فعليكم عهد الله لئن أنا حدثتكم لتتابعني فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق قال أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه وكان أحب الشراب إليه ألبان الابل وأحب الطعام إليه لحمان الابل قالوا اللهم نعم فقال رسول الله اللهم اشهد عليهم قال فأنشدكم الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ما الرجل أبيض وأن ماء المرأة رقيق أصفر فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله وإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا باذن الله وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى باذن الله قالوا اللهم نعم قال رسول الله اللهم اشهد عليهم قال وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي تنام عيناه ولا ينام قلبه قالوا اللهم نعم قال اللهم اشهد عليهم قالوا أنت الآن حدثنا عن وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك قال ولي جبريل عليه السلام ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه فقالوا فعندها نفارقك لو كان وليك غيره من الملائكة لبايعناك وصدقناك قال فما يمنعكم أن تصدقوه قالوا إنه عدونا من الملائكة فأنزل الله عز وجل قل من كان عدوا لجبريل فانه نزله على قلبك باذن الله الآية ونزلت فباءوا بغضب على غضب الآية
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد ثنا يزيد ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن سلمة يحدث عن صفوان بن عسال المرادي قال قال يهودي لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فقال لا تقل له شيئا فانه لو سمعك لصارت له أربع أعين فسألاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة أو قال لا تفروا من الزحف شعبة الشاك وأنتم يا معشر يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت قال فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي قال فما يمنعكما أن تتبعاني قالا إن داود عليه السلام دعا أن لا يزال من ذريته نبي وإنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير والحاكم والبيهقي من طرق عن شعبة به وقال الترمذي حسن صحيح قلت وفي رجاله من تكلم فيه وكأنه اشتبه على الراوي التسع الآيات بالعشر الكلمات وذلك أن الوصايا التي أوصاها الله إلى موسى وكلمه بها ليلة القدر بعد ما خرجوا من ديار مصر وشعب بني إسرائيل حول الطور حضور وهارون ومن معه وقوف على الطور أيضا وحينئذ كلم الله موسى تكليما آمرا له بهذه العشر كلمات وقد فسرت في هذا الحديث وأما التسع الآيات فتلك دلائل وخوارق عادات أيد بها موسى عليه السلام وأظهرها الله على يديه بديار مصر وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والجدب ونقص الثمرات وقد بسطت القول على ذلك في التفسير بما فيه الكفاية والله أعلم
*2* فصل (المباهلة ).
@ وقد ذكرنا في التفسير عند قوله تعالى في سورة البقرة قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين ومثلها في سورة الجمعة وهي قوله قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك وأن الصواب أنه دعاهم إلى المباهلة وأن يدعو بالموت على المبطل منهم أو المسلمين فنكلوا عن ذلك لعلمهم بظلم أنفسهم وأن الدعوة تنقلب عليهم ويعود وبالها إليهم وهكذا دعا النصارى من أهل نجران حين حاجوه في عيسى بن مريم فأمره الله أن يدعوهم إلىالمباهلة في قوله فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم
وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين وهكذا دعا على المشركين على وجه المباهلة في قوله قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا وقد بسطنا القول في ذلك عند هذه الآيات في كتابنا التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة
*2* حديث آخر يتضمن اعتراف اليهود بأنه رسول الله
@ ويتضمن تحاكمهم ولكن بقصد منهم مذموم وذلك أنهم ائتمروا بينهم أنه إن حكم بما يوافق هواهم اتبعوه وإلا فاحذروا ذلك وقد ذمهم الله في كتابه العزيز على هذا القصد قال عبد الله بن المبارك ثنا معمر عن الزهري قال كنت جالسا عند سعيد بن المسيب وعند سعيد رجل وهو يوقره وإذا هو رجل من مزينة كان أبوه شهد الحديبية وكان من أصحاب أبي هريرة قال قال أبو هريرة كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء نفر من اليهود وقد زنا رجل منهم وامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فانه نبي بعث بالتخفيف فان أفتانا حدا دون الرجم فعلناه واحتججنا عند الله حين نلقاه بتصديق نبي من أنبيائه قال مرة عن الزهري وإن أمرنا بالرجم عصينا فقد عصينا الله فيما كتب علينا من الرجم في التوراة فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل منا زنا بعد ما أحصن فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرجع إليهم شيئا وقام معه رجال من المسلمين حتى أتوا بيت مدراس اليهود فوجدوهم يتدارسون التوراة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة من العقوبة على من زنا إذا أحصن قالوا نجبيه والتجبية أن يحملوا اثنين على حمار فيولوا ظهر أحدهما ظهر الآخر قال وسكت حبرهم وهو فتى شاب فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا ألظ به النشدة فقال حبرهم أما إذ نشدتهم فانا نجد في التوراة الرجم على من أحصن قال النبي صلى الله عليه وسلم فما أول ما ترخصتم أمر الله عز وجل فقال زنا رجل منا ذو قرابة بملك من ملوكنا فأخر عنه الرجم فزنا بعده آخر في أسرة من الناس فاراد ذلك الملك أن يرجمه فقام قومه دونه فقالوا لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلانا ابن عمه فاصطلحوا بينهم على هذه العقوبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أحكم بما حكم في التوراة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهما فرجما قال الزهري وبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا وله شاهد في الصحيح عن ابن عمر قلت وقد ذكرنا ما ورد في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتو يحرفون الكلم عن مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه يعني الجلد
والتحميم الذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم يعني إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا يعني وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذروا قبوله قال الله تعالى ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلى أن قال وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين فذمهم الله تعالى على سوء ظنهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم وإن فيه حكم الله بالرجم وهم مع ذلك يعلمون صحته ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبيه وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن الزهري قال سمعت رجلا من مزينة يحدث سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم فذكره وعنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صوريا أنشدك بالله وأذكرك أيامه عند بني إسرائيل هل تعلم أن الله حكم فيمن زنا بعد إحصانه بالرجم في التوراة فقال اللهم نعم أما والله يا أبا القاسم إنهم يعرفون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني تميم عند مالك بن النجار قال ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا فأنزل الله يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآيات وقد ذكر عبد الله بن صوريا الأعور في حديث ابن عمير وغيره بروايات صحيحة قد بيناها في التفسير
* حديث آخر
@ قال حماد بن سلمة ثنا ثابت عن أنس أن غلاما يهوديا كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فوجد أباه عند رأسه يقرأ التوراة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم يا يهودي أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجدون في التوراة نعتي وصفتي ومخرجي فقال لا فقال الفتى بلى والله يا رسول الله إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك وإني اشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال النبي لأصحابه أقيموا هذا عند رأسه ولو أخاكم ورواه البيهقي من هذا الوجه بهذا اللفظ
*2* حديث آخر
@ قال أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال إن الله ابتعث نبيه صلى الله عليه وسلم لادخال رجل الجنة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة وإذا يهودي يقرأ التوراة فلما أتى على صفته أمسك قال وفي ناحيتها رجل مريض فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما لكم أمسكتم فقال المريض إنهم أتوا على صفة نبي فأمسكوا ثم جاء المريض يحبو حتى أخذ التوراة وقال ارفع يدك فقرأ حتى أتى على صفته فقال هذه صفتك وصفة أمتك
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم مات فقال النبي صلى الله عليه وسلم لوا أخاكم
*2* حديث آخر
@ إن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على مدراس اليهود فقال يا معشر يهود أسلموا فوالذي لا إله إلا هو إنكم لتعملون أني رسول الله إليكم فقالوا قد بلغت يا أبا القاسم فقال ذلك أريد
*2* فصل (البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم ).
@ فالذي يقطع به من كتاب الله وسنة رسوله ومن حيث المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشرت به الأنبياء قبله وأتباع الأنبياء يعلمون ذلك ولكن أكثرهم يكتمون ذلك ويخفونه قال الله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون وقال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق وقال تعالى الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون وقال تعالى وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فانما هم في شقاق وقال تعالى هذا هذا بلاغ للناس ولينذروا به وقال تعالى لأنذركم به ومن بلغ وقال تعالى ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده وقال تعالى لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فذكر تعالى بعثته إلى الأميين وأهل الكتاب وسائر الخلق من عربهم وعجمهم فكل من بلغه القرآن فهو نذير له قال صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بي إلا دخل النار رواه مسلم وفي الصحيحين أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت السماحة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة وفيهما بعثت إلى الأسود والأحمر قيل إلى العرب والعجم وقيل إلى الإنس والجن والصحيح أعم من ذلك والمقصود أن البشارات به صلى الله عليه وسلم موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله حتى تناهت النبوة إلى آخر أنبياء بني إسرائيل وهو عيسى بن مريم وقد قام بهذه البشارى في بني
إسرائيل وقص الله خبره في ذلك فقال تعالى وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فأخبار محمد صلوات الله وسلامه عليه بأن ذكره موجود في الكتب المتقدمة فيما جاء به من القرآن وفيما ورد عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدم وهو مع ذلك من أعقل الخلق باتفاق الموافق والمفارق يدل على صدقه في ذلك قطعا لأنه لو لم يكن واثقا بما أخبر به من ذلك لكان ذلك من أشد المنفرات عنه ولا يقدم على ذلك عاقل والغرض أنه من أعقل الخلق حتى عند من يخالفه بل هو أعقلهم في نفس الأمر ثم إنه قد انتشرت دعوته في المشارق والمغارب وعمت دولة أمته في أقطار الآفاق عموما لم يحصل لأمة من الأمم قبلها فلو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبيا لكان ضرره أعظم من كل أحد ولو كان كذلك لحذر عنه الأنبياء أشد التحذير ولنفروا أممهم منه أشد التنفير فإنهم جميعهم قد حذروا من دعاة الضلالة في كتبهم ونهوا أممهم عن اتباعهم والإقتداء بهم ونصوا على المسيح الدجال الأعور الكذاب حتى قد أنذر نوح وهو أول الرسل قومه ومعلوم أنه لم ينص نبي من الأنبياء على التحذير من محمد ولا التنفير عنه ولا الأخبار عنه بشيء خلاف مدحه والثناء عليه والبشارة بوجوده والأمر باتباعه والنهي عن مخالفته والخروج من طاعته قال الله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه رواه البخاري وقد وجدت البشارات به صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة وهي أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر وقد قدمنا قبل مولده عليه السلام طرفا صالحا من ذلك وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة ونحن نورد ههنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها ويتدينون بتلاوتها مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ما مضمونه وتعريبه إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام بعد ما سلمه من نار النمروذ أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه وحرصت على إبعاد هاجر وولدها حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق حتى أوحي الله إليه ما مضمونه أما ولدك إسحاق فانه يرزق عظيمة وأما ولدك إسماعيل فاني باركته ذرية وعظيمة
وكثرت ذريته وجعلت من ذريته ماذ ماذ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما وتكون له أمة عظيمة وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها وجاء الملك فأنبه زمزم وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد فانه سيولد له منه عظيم له ذرية عدد نجوم السماء ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل بل من ذرية آدم أعظم قدرا ولا أوسع جاها ولا أعلى منزلة ولا أجل منصبا من محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب وحكموا على سائر الأمم وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن وهذا لم يكن لأحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام أن قل لبني إسرائيل سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى وأجعل وحيي بفيه وإياه تسمعون وفي السفر الخامس وهو سفر الميعاد أن موسى عليه السلام خطب بني إسرائيل في آخر عمره وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه وذكرهم بأيام الله وأياديه عليهم وإحسانه إليهم وقال لهم فيما قال واعلموا أن الله سيبعث لكم نبيا من أقاربكم مثل ما أرسلني إليكم يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث فمن عصاه فله الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة وأيضا في آخر السفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران وظهر من ربوات قدسه عن يمينه نور وعن شماله نار عليه تجتمع الشعوب أي جاء أمر الله وشرعه من طور سيناء وهو الجبل الذي كلم الله موسى عليه السلام عنده واشرق من ساعير وهي جبال بيت المقدس المحلة التي كان بها عيسى بن مريم عليه السلام واستعلن أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران وهي جبال الحجاز بلا خلاف ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي ذكر محلة موسى ثم عيسى ثم بلد محمد صلى الله عليه وسلم ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولا ثم الأفضل منه ثم الأفضل منه على قاعدة القسم فقال تعالى والتين والزيتون والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى عليه السلام وطور سينين وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى وهذا البلد الأمين وهو البلد الذي ابتعث منه محمدا صلى الله عليه وسلم قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات وفي زبور داود عليه السلام صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة وفيه مثل ضربه لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه ختام القبة المبنية كما ورد به الحديث في الصحيحين مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى دارا فأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يطيفون بها ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة ومصداق ذلك أيضا في
قوله تعالى ولكن رسول الله وخاتم النبيين وفي الزبور صفة محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ستنبسط نبوته ودعوته وتنفذ كلمته من البحر إلى البحر وتأتيه الملوك من سائر الأقطار طائعين بالقرابين والهدايا وأنه يخلص المضطر ويكشف الضر عن الأمم وينقذ الضعيف الذي لا ناصر له ويصلي عليه في كل وقت ويبارك الله عليه في كل يوم ويدوم ذكره إلى الأبد وهذا إنما ينطبق على محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحف شعيا في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل وفيه فاني أبعث إليكم وإلى الأمم نبيا أميا ليس بفظ ولا غليظ القلب ولا سخاب في الأسواق أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم ثم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى في ضميره والحكمة معقوله والوفاء طبيعته والعدل سيرته والحق شريعته والهدى ملته والاسلام دينه والقرآن كتابه أحمد اسمه أهدي به من الضلالة وأرفع به بعد الخمالة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين القلوب المختلفة وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس قرابينهم دماؤهم أنا جليهم في صدورهم رهبانا بالليل ليوثا بالنهار ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وفي الفصل الخامس من كلام شعيا يدوس الأمم كدوس البيادر وينزل البلاء بمشركي العرب وينهزمون قدامه وفي الفصل السادس والعشرين منه ليفرح أرض البادية العطشى ويعطي أحمد محاسن لبنان ويرون جلال الله بمهجته وفي صحف إلياس عليه السلام أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحا فلما رأى العرب بأرض الحجاز قال لمن معه انظروا إلى هؤلاء فانهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة فقالوا يا نبي الله فما الذي يكون معبودهم فقال يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية ومن صحف حزقيل إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي يظهر في الأمم عدلي اخترته واصطفيته لنفسي وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة ومن كتاب النبوات أن نبيا من الأنبياء مر بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير فلما رآهم بكى فقالوا له ما الذي يبكيك يا نبي الله فقال نبي يبعثه الله من الحرة يخرب دياركم ويسبي حريمكم قال فأراد اليهود قتله فهرب منهم ومن كلام حزقيل عليه السلام يقول الله من قبل أن صورتك في الاحشاء قدستك وجعلتك نبيا وأرسلتك إلى سائر الأمم في صحف شعيا أيضا مثل مضروب لمكة شرفها الله افرحي يا عاقر بهذا الولد الذي يهبه لك ربك فان ببركته تتسع لك الأماكن وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم وولدك هذا يرث جميع الأمم ويملك سائر المدة والأقاليم ولا تخافي ولا تحرني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا وجميع أيام ترملك تنسيها وهذا كله إنما حصل على يدي محمد صلى الله عليه وسلم وإنما المراد بهذه العاقر مكة ثم صارت كما ذكر
في هذا الكلام لا محالة ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا لا يناسبه من كل وجه والله أعلم وفي صحف أرميا كوكب ظهر من الجنوب أشعته صواعق سهامه خوارق دكت له الجبال وهذا المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وفي الانجيل يقول عيسى عليه السلام إني مرتق إلى جنات العلى ومرسل إليكم الفار قليط روح الحق يعلمكم كل شيء ولم يقل شيئا من تلقاء نفسه والمراد بالفار قليط محمد صلوات الله وسلامه عليه وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد وهذا باب متسع ولو تقصينا جميع ما ذكره الناس لطال هذا الفصل جدا وقد أشرنا إلى نبذ من ذلك يهتدي بها من نور الله بصيرته وهداه إلى صراطه المستقيم وأكثر هذه النصوص يعلمها كثير من علمائهم وأحبارهم وهم مع ذلك يتكاتمونها ويخفونها وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الطفيل قالا ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المنادي ثنا يونس ابن محمد المؤدب ثنا صالح بن عمر ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن الغليان بن عاصم قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ شخص ببصره إلى رجل فدعاه فأقبل رجل من اليهود مجتمع عليه قميص وسراويل ونعلان فجعل يقول يا رسول الله فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أتشهد اني رسول الله فجعل لا يقول شيئا إلا قال يا رسول الله فيقول أتشهد أني رسول الله فيأبى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرأ التوراة قال نعم قال والإنجيل قال نعم والفرقان ورب محمد لو شئت لقرأته قال فأنشدك بالذي أنزل التوراة والأنجيل وأنشأ خلقه بها تجدني فيهما قال نجد مثل نعتك يخرج من مخرجك كنا نرجو أن يكون فينا فلما خرجت رأينا أنك هو فلما نظرنا إذا أنت لست به قال من أين قال نجد من أمتك سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وإنما أنتم قليل قال فهلل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر وهلل وكبر ثم قال والذي نفس محمد بيده إنني لأنا هو وإن من أمتي لأكثر من سبعين ألفا وسبعين وسبعين
*2* جوابه صلى الله عليه وسلم لمن ساءل عما سأل قبل أن يسأله عن شيء منه
@ قال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنا الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز ولم يسمعه منه قال حدثني جلساؤه وقد رأيته عن وابصة الأسدي وقال عفان ثنا غير مرة ولم يقل حدثني جلساؤه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البر والاثم إلا سألته عنه وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه فجعلت أتخطاهم فقالوا إليك وابصة عن رسول الله فقلت دعوني فأذنو منه فانه أحب الناس إلي أن أدنو منه قال
دعوا وابصة ادن يا وابصة مرتين أو ثلاثا قال فدنوت منه حتى قعدت بين يديه فقال يا وابصة أخبرك أم تسألني فقلت لا بل أخبرني فقال جئت تسأل عن البر والأثم فقلت نعم فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول يا وابصة استفت قلبك واستفت نفسك ثلاث مرات البر ما اطمأنت اليه النفس والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك
*2* باب ما اخبر به صلى الله عليه وسلم من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده
@ وهذا باب عظيم لا يمكن استقصاء جميع ما فيه لكثرتها ولكن نحن نشير إلى طرف منها وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم وذلك منتزع من القرآن ومن الأحاديث أما القرآن فقال تعالى في سورة المزمل وهي من أوائل ما نزل بمكة علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ومعلوم أن الجهاد لم يشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة وقال تعالى في سورة اقترب وهي مكية أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر ووقع هذا يوم بدر وقد تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج من العريش ورماهم بقبضة من الحصباء فكان النصر والظفر وهذا مصداق ذاك وقال تعالى تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد فأخبر أن عمه عبد العزى بن عبد المطلب الملقب بأبي لهب سيدخل النار هو وامرأته فقدر الله عز وجل أنهما ماتا على شركهما لم يسلما حتى ولا ظاهرا وهذا من دلائل النبوة الباهرة وقال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وقال تعالى في سورة البقرة وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلو الآية فأخبر أن جميع الخليقة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته وحلاوته وإحكام أحكامه وبيان حلاله وحرامه وغير ذلك من وجوه إعجازه لما استطاعوا ذلك ولما قدروا عليه ولا على عشر سور منه بل ولا سورة وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا ولن لنفي التأبيد في المستقبل ومثل هذا التحدي وهذا القطع وهذا الاخبار الجازم لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به عالم بما يقوله قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه عز وجل وقال تعالى وعد الله
الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا الآية وهكذا وقع سواء بسواء مكن الله هذا الدين وأظهره وأعلاه ونشره في سائر الآفاق وأنفذه وأمضاه وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق ولا شك في دخوله فيها ولكن لا تختص به بل تعمه كما تعم غيره كما ثبت في الصحيح إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لننفقن كنوزهما في سبيل الله وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وارضاهم وقال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وهكذا وقع وعم هذا الدين وغلب وعلا على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم وذلت لهم سائر البلاد ودان لهم جميع أهلها على اختلاف أصنافهم وصار الناس إما مؤمن داخل في الدين وإما مهادن باذل الطاعة والمال وإما محارب خائف وجل من سطوة الاسلام وأهله وقد ثبت في الحديث إن الله زوى لي مشاقر الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها وقال تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون الآية وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مسيلمة أو الروم فقد وقع ذلك وقال تعالى وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا وسواء كانت هذه الأخرى خيبر أو مكة فقد فتحت وأخذت كما وقع به الوعد سواء بسواء وقال تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم مالم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا فكان هذا الوعد في سنة الحديبية عام ست ووقع إنجازه في سنة سبع عام عمرة القضاء كما تقدم وذكرنا هناك الحديث بطوله وفيه أن عمر قال يا رسول الله ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به قال بلى أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا قال لا قال فانك تأتيه وتطوف به وقال تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم وهذا الوعد كان في وقعة بدر لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ليأخذ عير قريش فبلغ قريشا خروجه إلى عيرهم فنفروا في قريب من ألف مقاتل فلما تحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدومهم وعده الله إحدى الطائفتين أن سيظفره بها إما العير وإما النفير فود كثير من الصحابة ممن كان معه أن يكون الوعد للعير لما فيه من الأموال وقلة الرجال وكرهوا لقاء النفير لما فيه من العدد والعدد فخار الله لهم وأنجز لهم وعده في النفير بهم بأسه الذي لا يرد فقتل من سراتهم سبعون وأسر سبعون
وفادوا أنفسهم بأموال جزيلة فجمع لهم بين خيري الدنيا والآخرة ولهذا قال تعالى ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر وقال تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسارى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم وهكذا وقع فان الله عوض من اسلم منهم بخير الدنيا والآخرة ومن ذلك ما ذكره البخاري أن العباس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أعطني فاني فاديت نفسي وفاديت عقيلا قفال له خذ فأخذ في ثوب مقدارا لم يمكنه أن يقله ثم وضع منه مرة بعد مرة حتى أمكنه أن يحمله على كاهله وانطلق به كما ذكرناه في موضعه مبسوطا وهذا من تصديق هذه الأية الكريمة وقال تعالى وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء الآية وهكذا وقع عوضهم الله عما كان يغدو إليهم مع حجاج المشركين بما شرعه لهم من قتال أهل الكتاب وضرب الجزية عليهم وسلب أموال من قتل منهم على كفره كما وقع بكفار أهل الشام من الروم ومجوس الفرس بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشر الاسلام على أرجائها وحكم على مدائنها وفيفائها قال تعالى هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وقال تعالى سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس الآية وهكذا وقع لما رجع صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك كان قد تخلف عنه طائفة من المنافقين فجعلوا يحلفون بالله لقد كانوا معذورين في تخلفهم وهم في ذلك كاذبون فأمر الله رسوله أن يجري أحوالهم على ظاهرها ولا يفضحهم عند الناس وقد أطلعه الله على أعيان جماعة منهم أربعة عشر رجلا كما قدمناه لك في غزوة تبوك فكان حذيفة بن اليمان ممن يعرفهم بتعريفه إياه صلى الله عليه وسلم وقال تعالى وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا وهكذا وقع لما اشتوروا عليه ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه من بين أظهرهم ثم وقع الرأى على القتل فعند ذلك أمر الله رسوله بالخروج من بين أظهرهم فخرج هو وصديقه أبو بكر فكمنا في غار ثور ثلاثا ثم ارتحلا بعدها كما قدمنا وهذا هو المراد بقوله إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم وهو مراد من قوله وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ولهذا قال وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا وقد وقع كما أخبر فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة
وتابعه المهاجرون والأنصار ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس وكسرت تلك الرءوس وقد كان صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك ولهذا قال سعد بن معاذ لأمية بن خلف أما إني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يذكر أنه قاتلك فقال أنت سمعته قال نعم قال فإنه والله لا يكذب وسيأتي الحديث في بابه وقد قدمنا أنه عليه السلام جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى فما تعدى أحد منهم موضعه الذي أشار إليه صلوات الله وسلامه عليه وقال تعالى آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعدو يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون وهذا الوعد وقع كما أخبر به وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون واغتم بذلك المؤمنون لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين وكان من أمر مراهنة الصديق رءوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير فوقع الأمر كما أخبر به القرآن غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا وقصتهم في ذلك يطول بسطها وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية ولله الحمد والمنة وقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد وكذلك وقع أظهر الله من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة ومخالفي الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين والمجوس والمشركين ما دل ذوي البصائر والنهى على أن محمدا رسول الله حقا وأن ما جاء به من الوحي عن الله صدق وقد أوقع له في صدور أعدائه وقلوبهم رعبا ومهابة وخوفا كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال نصرت بالرعب مسيرة شهر وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله عز وجل وكان عدوه يخافه وبينه وبينه مسيرة شهر وقيل كان إذا عزم على غزوقوم أرعبوا قبل مجيئه إليهم ووروده عليهم بشهر صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين
*2* حديث آخر
*2* فصل (الدلائل على إخباره صلى الله عليه وسلم بما وقع).
@ وأما الأحاديث الدالة على إخباره بما وقع كما أخبر فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطون قريش وتمالأوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يؤووهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت بنو هاشم وبنو عبد المطلب بمسلمهم وكافرهم شعب أبي طالب أنفين لذلك ممتنعين منه أبدا ما بقوا دائما ما تناسلوا وتعاقبوا وفي ذلك عمل
أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها
كذبتم وبيت الله نبري محمدا * ولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا * يحوط الذمار غير درب مواكل
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
وكانت قريش قد علقت صحيفة الزعامة في سقف الكعبة فسلط الله عليها الأرضة فأكلت ما فيها من أسماء الله لئلا يجتمع بما فيها من الظلم والفجور وقيل إنها أكلت ما فيها إلا أسماء الله عز وجل فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب فجاء أبو طالب إلى قريش فقال إن ابن أخي قد أخبرني بخبر عن صحيفتكم فان الله قد سلط عليها الأرضة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله أو كما قال فأحضروها فإن كان كما قال وإلا أسلمته إليكم فأنزلوها ففتحوها فاذا الأمر كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فعند ذلك نقضوا حكمها ودخلت بنو هاشم وبنو المطلب مكة ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك كما أسلفنا ذكره ولله الحمد ومن ذلك حديث خباب بن الأرت حين جاء هو وأمثاله من المستضعفين يستنصرن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوسد رداءه في ظل الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة فجلس محمرا وجهه وقال إن من كان قبلكم كان أحدهم يشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري ثنا محمد بن العلاء ثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبيه عن جده أبي بردة عن أبي موسى أراه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض فيها نخل فذهب وهلى إلى أنها ما اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفا فانقطع صدره فاذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فاذا هو ما جاء به من الفتح واجتماع المؤمنين ورأيت فيها بقرا والله خير فاذا هم المؤمنون يوم أحد وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي أتانا بعد يوم بدر ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة قال البخاري ثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبيد الله بن موسى ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود قال انطلق سعد بن معاذ معتمرا فنزل على أمية بن خلف أبي صفوان وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد فقال أمية لسعد انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت فبينا سعد يطوف فاذا أبو جهل فقال من
هذا الذي يطوف بالكعبة فقال سعد أنا سعد فقال أبو جهل تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا أصحابه فقال نعم فتلاحيا بينهما فقال أمية لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فانه سيد أهل الوادي ثم قال سعد والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام قال فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك وجعل يمسكه فغضب سعد فقال دعنا عنك فاني سمعت محمد صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال إياي قال نعم والله ما يكذب محمد إذا حدث فرجع إلى امرأته فقال أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي قالت وما قال لك قال زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمدا قال فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ قالت له امرأته ما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي قال فاراد أن لا يخرج فقال له أبو جهل إنك من أشراف الوادي فسر يوما أو يومين فسار معهم فقتله الله وهذا الحديث من افراد البخاري وقد تقدم بأبسط من هذا السياق ومن ذلك قصة أبي بن خلف الذي كان يعلف حصانا له فاذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني سأقتلك عليه فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله فقتله يوم أحد كما قدمنا بسطه ومن ذلك إخباره عن مصارع القتلى يوم بدر كما تقدم الحديث في الصحيح أنه جعل يشير قبل الوقعة إلى محلها ويقول هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله وهذا مصرع فلان قال فوالذي بعثه بالحق ما حاد أحد منهم عن مكانه الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله لذلك الرجل الذي كان لا يترك للمشركين شاذة ولا فاذة إلا اتبعها ففراها بسيفه وذلك يوم أحد وقيل خيبر وهو الصحيح وقيل في يوم حنين فقال الناس ما أغنى أحد اليوم ما أغنى فلان يقال إنه قرمان فقال إنه من أهل النار فقال بعض الناس أنا صاحبه فاتبعه فجرح فاستعجل الموت فوضع ذباب سينه في صدره ثم تحامل عليه حتى أنفذه فرجع ذلك الرجل فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال وما ذاك فقال إن الرجل الذي ذكرت آنفا كان من أمره كيت وكيت فذكر الحديث كما تقدم ومن ذلك إخباره عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يوم حفر الخندق لما ضرب بيده الكريمة تلك الصخرة فبرقت من ضربه ثم أخرى ثم أخرى كما قدمنا ومن ذلك إخباره صلى الله عليه وسلم عن ذلك الذراع أنه مسموم فكان كما أخبر به اعترف اليهو بذلك ومات من أكل معه بشر بن البراء بن معرور ومن ذلك ما ذكره عبد الرزاق عن معمر أ ه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم اللهم نج أصحاب السفينة ثم مكث ساعة ثم قال قد استمرت والحديث بتمامه في دلائل النبوة للبيهقي وكانت تلك السفينة قد أشرفت على الغرق وفيها الأشعريون الذين قدموا عليه وهو بخيبر ومن ذلك إخباره عن قبر أبي رغال حين مر عليه وهو ذاهب إلى الطائف وأن معه غصنا من ذهب فحفروه فوجدوه كما أخبر
صلوات الله وسلامه عليه رواه أبو داود من حديث أبي إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن بحر بن أبي بحر عن عبد الله بن عمرو به ومن ذلك قوله عليه السلام للأنصار لما خطبهم تلك الخطبة مسليا لهم عما كان وقع في نفوس بعضهم من الإيثار عليهم في القسمة لما تألف قلوب من تألف من سادات العرب ورؤوس قريش وغيرهم فقال أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم وقال إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض وقال إن الناس يكثرون وتقل الأنصار وقال لهم في الخطبة قبل هذه على الصفا بل المحيا محياكم والممات مماتكم وقد وقع جميع ذلك كما أخبر به سواء بسواء
وقال البخاري ثنا يحيى بن بكير ثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب قال وأخبرني سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ورواه مسلم عن حرملة عن أبي وهب عن يونس به وقال البخاري ثنا قبيصة ثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رفعه إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وقال لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وقد رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث جرير وزاد البخاري وابن عوانة ثلاثتهم عن عبد الملك بن عمير به وقد وقع مصداق ذلك بعده في أيام الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان استوثقت هذه الممالك فتحا على أيدي المسلمين وأنفقت أموال قيصر ملك الروم وكسرى ملك الفرس في سبيل الله على ما سنذكره بعد إن شاء الله وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين وهي أن ملك فارس قد انقطع فلا عودة له وملك الروم للشام قد زال عنها فلا يملوكها بعد ذلك ولله الحمد والمنة وفيه دلالة على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان والشهادة لهم بالعدل حيث أنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المرضى الممدوح وقال البخاري ثنا محمد بن الحكم ثنا النضر ثنا إسرائيل ثنا سعد الطائي أنا محل بن خليفة عن عدي بن حاتم قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل فقال يا عدي هل رأيت الحيرة قلت لم أرها وقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة ما تخاف أحدا إلا الله عز وجل قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعا طيء الذين قد سعروا البلاد ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له فيقولن له ألم أبعث



يتبع..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:19 AM
إليك رسولا فيبلغك فيقول بلى فيقول ألم أعطك مالا وولدا وأفضلت عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يسارة فلا يرى إلا جهنم قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجد فبكلمة طيبة قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة فلا تخاف إلا الله عز وجل وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه ثم رواه البخاري عن عبيد الله بن محمد هو أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي عاصم النبيل عن سعد بن بشر عن أبي مجاهد سعد الطائي عن محل عنه به وقد تفرد به البخاري من هذين الوجهين ورواه النسائي من حديث شعبة عن محل عنه اتقوا النار ولو بشق تمرة وقد رواه البخاري من حديث شعبة ومسلم من حديث زهير كلاهما عن أبي اسحاق عن عبد الله بن مغفل عن عدي مرفوعا اتقوا النار ولو بشق تمرة وكذلك أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن عبد الرحمن عن عدي وفيها من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عدي به وهذه كلها شواهد لأصل هذا الحديث الذي أوردناه وقد تقدم في غزوة الخندق بفتح مدائن كسرى وقصوره وقصور الشام وغير ذلك من البلاد وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن عبيد ثنا إسماعيل عن قيس عن خباب قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ظل الكعبة متوسدا بردة له فقلنا يا رسول الله ادع الله لنا واستنصره قال فاحمر لونه أو تغير فقال لقد كان من قبلكم تحفر له الحفيرة ويجاء بالميشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم أو لحم أو عصب ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون وهكذا رواه البخاري عن مسدد ومحمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد به ثم قال البخاري في كتاب علامات النبوة حدثنا سعيد بن شرحبيل ثنا ليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الحسين عن عتبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال أنا فرطكم وأنا شهيد عليكم إني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا ولكني أخاف أن تنافسوا فيها وقد رواه البخاري أيضا من حديث حيوة بن شريح ومسلم من حديث يحيى بن أيوب كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب كرواية الليث عنه ففي هذا الحديث مما نحن بصدده أشياء منها أنه أخبر الحاضرين أنه فرطهم أي المتقدم عليهم في الموت وهكذا وقع فأن هذا كان في مرض موته عليه السلام ثم أخبر أنه شهيد عليهم وإن تقدم وفاته
عليهم وأخبر أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض أي فتحت له البلادكما جاء في حديث أبي هريرة المتقدم قال أبو هريرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تفتحونها كفرا كفرا أي بلدا بلدا وأخبر أن أصحابه لا يشركون بعده وهكذا وقع ولله الحمد والمنة ولكن خاف عليهم أن ينافسوا في الدنيا وقد وقع هذا في زمان علي ومعاوية رضي الله عنهما ثم من بعدهما وهلم جرا إلى وقتنا هذا ثم قال البخاري ثنا علي بن عبد الله أنا أزهر بن سعد أنا ابن عون أنبأني موسى بن انس بن مالك عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم فتقد ثابت بن قيس فقال رجل يا رسول الله أعلم لك علمه فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه فقال ما شأنك فقال شرا كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم فقد حبط عمله وهو من أهل النار فأتى الرجل فأخبره أنه قال كذا وكذا قال موسى فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال اذهب إليه فقل له إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة تفرد به البخاري وقد قتل ثابت بن قيس بن شماس شهيدا يوم اليمامة كما سيأتي تفصيله وهكذا ثبت في الحديث الصحيح البشارة لعبد الله بن سلام أنه يموت على الإسلام ويكون من أهل الجنة وقد مات رضي الله عنه على أكمل أحواله وأجملها وكان الناس يشهدون له بالجنة في حياته لأخبار الصادق عنه بأنه يموت على الإسلام وكذلك وقع وقد ثبت في الصحيح الأخبار عن العشرة بأنهم من أهل الجنة بل ثبت أيضا الأخبار عنه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وقيل وخمسمائة ولم ينقل أن أحدا من هؤلاء رضي الله عنه عاش إلا حميدا ولا مات إلا على السداد والاستقامة والتوفيق ولله الحمد والمنة وهذا من أعلام النبوات ودلالات الرسالة
*2* فصل في الاخبار بغيوب ماضية ومستقبلة
@ روى البيهقي من حديث إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال جاء رجل فقال يا رسول الله إن فلانا مات فقال لم يمت فعاد الثانية فقال إن فلانا مات فقال لم يمت فعاد الثالثة فقال إن فلانا نحر نفسه بمشقص عنده فلم يصل عليه ثم قال البيهقي تابعه زهير عن سماك ومن ذلك الوجه رواه مسلم مختصرا في الصلاة وقال أحمد حدثنا أسود بن عامر ثنا هريم بن سفيان عن سنان بن بشر عن قيس بن ابي حازم عن قيس بن ابي شهم قال مرت بي جارية بالمدينة فأخذت بكشحها قال وأصبح الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع الناس قال فأتيته فلم يبايعني فقال صاحب الجبيذة قال قلت والله لا أعود قال فبايعني ورواه النسائي عن محمد بن عبد الرحمن الحربي عن
أسود بن عامر به ثم رواه أحمد عن سريح عن يزيد بن عطاء عن سنان بن بشر عن قيس عن أبي هاشم فذكره وفي صحيح البخاري عن أبي نعيم عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن عبد الله ابن عمر قال كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن ينزل فينا شيء فلما توفي تكلمنا وانبسطنا وقال ابن وهب أخبرني عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي هلال عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال والله لقد كان أحدنا يكف عن الشيء مع امرأته وهو وإياها في ثوب واحد تخوفا أن ينزل فيه شيء من القرآن وقال أبو داود ثنا محمد بن العلاء ثنا ابن إدريس ثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من الأنصار قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على القبر يوصي الحافر أوسع من قبل رجليه أوسع من قبل رأسه فلما رجع استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده فيه ووضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوك لقمة في فيه ثم قال أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها قال فأرسلت المرأة يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم توجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد فأرسلت الى امرأته فأرسلت إلي بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعميه الاسارى
*2* فصل في ترتيب الأخبار بالغيوب المستقبلة بعده صلى الله عليه وسلم
@ ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا مقاما ما ترك فيه شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره علمه من علمه وجهله من جهله وقد كنت أرى الشيء قد كنت نسيته فأعرفه كما يعرف الرجل الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه وقال البخاري ثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد حدثني ابن جابر حدثني بشر بن عبيد الله الحضرمي حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاء الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه فقال قوم يهدون بغير هديي يعرف منهم ينكر قلت فهل بعد ذلك الخير من شر قال نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها قلت يا رسول الله صفهم لنا قال هم من جلدتنا ويكلمون بألسنتنا قلت فما تأمرني إن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت فان لم يكن لهم جماعة ولا إمام
قال فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك وقد رواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن الوليد بن عبد الرحمن بن يزيد عن جابر به قال البخاري ثنا محمد بن مثنى ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن قيس عن حذيفة قال تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر تفرد به البخاري وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن حذيفة قال لقد حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يكون حتى تقوم الساعة غير أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة منها وفي صحيح مسلم من حديث علي بن أحمر عن أبي يزيد عمرو بن أخطب قال أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان وبما هو كائن إلى يوم القيامة فأعلمنا أحفظنا وفي الحديث الآخر حتى دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وقد تقدم حديث خباب بن الأرت والله ليتمن الله هذا الأمر ولكنكم تستعجلون وكذا حديث عدي بن حاتم في ذلك وقال الله تعالى ليظهره على الدين كله وقال تعالى وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فان أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء وفي حديث آخر ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة بن المسور عن عمرو بن عوف فذكر قصة بعث أبي عبيدة الى البحرين قال وفيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبشروا واملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تنبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم وفي الصحيحين من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لكم من أنماط قال قلت يا رسول الله وأنى يكون لنا أنماط فقال أما إنها ستكون لكم أنماط فال فأنا أقول لامرأتي نحي عني أنماطك فتقول ألم يقل رسول الله أنها ستكون لكم أنماط فأتركها وفي الصحيحين والمسانيد والسنن وغيرها من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن سفيان بن أبي زهير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفتح اليمن فيأتي قوم يبثون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون كذلك رواه عن هشام بن عروة جماعة كثيرون وقد أسنده الحافظ ابن عساكر من حديث مالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وأبو معاوية ومالك بن سعد بن الحسن وأبو ضمرة أنس بن عياض وعبد العزيز بن أبي حازم وسلمة بن دينار وجرير بن عبد الحميد ورواه أحمد عن يونس عن حماد بن زيد عن هشام بن عروة وعبد الرزاق عن ابن جريج عن هشام ومن
حديث مالك عن هشام به بنحوه ثم روى أحمد عن سليمان بن داود الهاشمي عن إسماعيل بن جعفر أخبرني يزيد بن حصيفة أن بشر بن سعيد أخبره أنه سمع في مجلس المكيين يذكرون أن سفيان اخبرهم فذكر قصة وفيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ويوشك الشام أن يفتح فيأتيه رجال من هذا البلد يعني المدينة فيعجبهم ربعهم ورخاؤه والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ثم يفتح العراق فيأتي قوم يثبون فيحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون وأخرجه ابن خزيمة من طريق إسماعيل ورواه الحافظ ابن عساكر من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وكذا حديث ابن حوالة ويشهد لذلك منعت الشام مدها ودينارها ومنعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وهو في الصحيح وكذا حديث المواقيت لأهل الشام واليمن وهو في الصحيحين وعند مسلم ميقات أهل العراق ويشهد لذلك أيضا حديث إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل وفي صحيح البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك اعدد ستا بين يدي الساعة فذكر موته عليه السلام ثم فتح بيت المقدس ثم موتان وهو الوباء ثم كثرة المال ثم فتنة ثم هدنة بين المسلمين والروم وسيأتي الحديث فيما بعد وفي صحيح مسلم من حديث عبد الرحمن بن شماسة عن أبي زر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما فاذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لبنة فاخرج منها قال فمر بربيعة وعبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة يختصمان في موضع لبنة فخرج منها يعني ديار مصر على يدي عمرو بن العاص في سنة عشرين كما سيأتي وروى ابن وهب عن مالك والليث عن الزهري عن ابن لكعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا فان لهم ذمة ورحما رواه البيهقي من حديث إسحق بن راشد عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه وحكى أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن قوله ذمة ورحما فقال من الناس من قال إن أم إسماعيل هاجر كانت قبطية ومن الناس من قال أم إبراهيم قلت الصحيح الذي لا شك فيه أنهما قبطيتان كما قدمنا ذلك ومعنى قوله ذمة يعني بذلك هدية المقوقس إليه وقبوله ذلك منه وذلك نوع ذمام ومهادنة والله تعالى أعلم وتقدم ما رواه البخاري من حديث محل بن خليفة عن عدي بن حاتم في فتح كنوز كسرى وانتشار الأمن وفيضان المال حتى لا يتقبله أحد وفي الحديث أن عديا شهد الفتح ورأى الظعينة ترتحل من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله قال ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم من كثرة المال حتى لا يقبله أحد قال
البيهقي وقد كان ذلك في زمن عمر بن عبد العزيز قلت ويحتمل أن يكون ذلك متأخرا إلى زمن المهدي كما جاء في صفته أو إلى زمن نزول عيسى بن مريم عليه السلام بعد قتله الدجال فإنه قد ورد في الصحيح أنه يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويفيض المال حتى لا يقبله أحد والله تعالى أعلم وفي صحيح مسلم من حديث ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة وليفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر الأبيض قصر كسرى وأنا فرطكم على الحوض الحديث بمعناه وتقدم حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة مرفوعا إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل أخرجاه وقال البيهقي المراد زوال ملك قيصر عن الشام ولا يبقى فيها ملكه على الروم لقوله عليه السلام لما عظم كتابه ثبت ملكه وأما ملك فارس فزال بالكلية لقوله مزق الله ملكه وقد روى أبو داود عن محمد بن عبيد عن حماد عن يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب وروينا في طريق أخرى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جيء بفروة كسرى وسيفه ومنطقته وتاجه وسواريه ألبس ذلك كله لسراقة بن مالك بن جعشم وقال الحمد لله الذي ألبس ثياب كسرى لرجل أعرابي من البادية قال الشافعي إنما ألبسه ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر الى ذراعيه كأني بك وقد لبست سواري كسرى والله أعلم وقال سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن ابي حازم عن عدي بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلت لي الحيرة كأنياب الكلاب وإنكم ستفتحونها فقام رجل فقال يا رسول الله هب لي ابنته نفيله قال هي لك فأعطوه إياها فجاء أبوها فقال أتبيعها قال نعم قال فبكم أحكم ما شئت قال ألف درهم قال قد أخذتها فقالوا له لو قلت ثلاثين ألفا لأخذها فقال وهل عدد اكثر من ألف وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية عن ضمرة بن حبيب أن ابن زغب الأيادي حدثه قال نزل على عبد الله بن حوالة الأزدي فقال لي بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المدينة على أقدامنا لنغنم فرجعنا ولم نغنم شيئا وعرف الجهد في وجوهنا فقام فينا فقال اللهم لا تكلهم إلي فأضعف ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم ثم قال لتفتحن لكم الشام والروم وفارس أو الروم وفارس وحتى يكون لأحدكم من الإبل كذا وكذا ومن البقر كذا وكذا ومن الغنم كذا وكذا وحتى يعطي أحدكم مائة دينار فيسخطها ثم وضع يده على رأسي أو على هامتي فقال يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل والبلابل والأمور
العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك ورواه ابو داود من حديث معاوية بن صالح وقال أحمد حدثنا حيوة بن شريح ويزيد بن عبد ربه قالا ثنا بقية حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي قيلة عن ابن حوالة أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق فقال ابن حوالة خر لي يا رسول الله إن أدركت ذلك فقال عليك بالشام فانه خيرة الله من ارضه يجيء إليه خيرته من عباده فان أبيتم فعليكم بيمنكم واسعوا من غدره فإن الله تكفل لي بالشام واهله وهكذا رواه أبو داود عن حيوة بن شريح به وقد رواه أحمد أيضا عن عصام بن خالد وعلي بن عباس كلاهما عن جرير بن عثمان عن سليمان بن سمير عن عبد الله بن حوالة فذكر نحوه ورواه الوليد بن مسلم الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول وربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عبد الله بن حوالة به وقال البيهقي أنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن يوسف ثنا يحيى بن حمزة حدثني أبو علقمة نصر بن علقمة يروى الحديث إلى جبير بن نفير قال قال عبد الله بن حوالة كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكونا إليه العري والفقر وقلة الشيء فقال أبشروا فوالله لانا بكثرة الشيء أخوفني عليكم من قلته والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله عليكم أرض الشام أو قال أرض فارس وأرض الروم وأرض حمير وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة جند بالشام وجند بالعراق وجند باليمن وحتى يعطي الرجل المائة فيسخطها قال ابن حوالة قلت يا رسول الله ومن يستطيع الشام وبه الروم ذوات القرون قال والله ليفتحها الله عليكم وليستخلفنكم فيها حتى تطل العصابة البيض منهم قمصهم الملحمية أقباؤهم قياما على الرويحل الأسود منكم المحلوق ما أمرهم من شيء فعلوه وذكر الحديث قال أبو علقمة سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول فعرف أصحاب رسول الله نعت هذا الحديث في جزء بن سهيل السلمي وكان على الأعاجم في ذلك الزمان فكانوا إذا رجعوا إلى المسجد نظروا إليه وإليهم قياما حوله فيعجبون لنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وفيهم وقال أحمد حدثنا حجاج ثنا الليث بن سعد حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط النجيبي عن عبد الله بن حوالة الأزدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من نجا من ثلاث فقد نجا قالوا ماذا يا رسول الله قال موتي ومن قتال خليفة مصطبر بالحق يعطيه والدجال وقال أحمد ثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة قال أتيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل دومة وهو عنده كاتب له يملي عليه فقال ألا نكتبك يا ابن حوالة قلت فيم يا رسول الله فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه ثم قال ألا نكتبك يا ابن حوالة قلت لا أدري ما خار الله لي ورسوله فأعرض
عني وأكب على كاتبه يملي عليه ثم قال ألا نكتبك يا ابن حوالة قلت لا أدري ما خار الله لي ورسوله فأعرض عني وأكب على كاتبه يملي عليه قال فنظرت فاذا في الكتاب عمر فقلت لا يكتب عمر إلا في خير ثم قال أنكتبك يا ابن حوالة قلت نعم فقال يا ابن حوالة كيف تفعل في فتنة تخرج في أطراف الأرض كأنها صياصي نفر قلت لا أدري ما خار الله لي ورسوله قال فكيف تفعل في أخرى تخرج بعدها كأن الأولى منها انتفاجة أرنب قلت لا أدري ما خار الله لي ورسوله قال ابتغوا هذا قال ورجل مقفي حينئذ قال فانطلقت فسعيت وأخذت بمنكبه فأقبلت بوجهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت هذا قال نعم قال فاذا هو عثمان ابن عفان رضي الله عنه وثبت في صحيح مسلم من حديث يحيى بن آدم عن زهير بن معاوية عن سهل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت العراق درهمها وقفيزها ومنعت الشام مدها ودينارها ومنعت مصر أردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم وعدتم من حيث بدأتم شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه وقال يحيى بن آم وغيره من أهل العلم هذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر على أرض العراق من الدراهم والقفزان وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك صلوات الله وسلامه عليه وقد اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام منعت العراق الخ فقيل معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج ورجحه البيهقي وقيل معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم ولهذا قال وعدتم من حيث بدأتم أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك كما ثبت في صحيح مسلم إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء ويؤيد هذا القول ما رواه الامام أحمد حدثنا إسماعيل عن الحريري عن أبي نصرة قال كنا عند جابر بن عبد الله فقال يوشك أهل العراق أن لا يجيء إليهم قفيز ولا درهم قلنا من اين ذلك قال من قبل العجم يمنعون ذلك ثم قال يوشك أهل الشام أن لا يجيء إليهم دينار ولا مد قلنا من أين ذلك قال من قبل الروم يمنعون ذلك قال ثم سكت هنيهة ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا قال الجريري فقلت لأبي نصرة وأبي العلاء أتريانه عمر بن عبد العزيز فقالا لا وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي نصرة المنذر بن مالك بن قطفة العبدي عن جابر كما تقدم والعجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي احتج به على ما رجحه من أحد القولين المتقدمين وفيما سلكه نظر والظاهر خلافه وثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة ولأهل اليمن يلملم وفي صحيح مسلم عن جابر ولأهل العراق
ذات عرق فهذا من دلائل النبوة حيث أخبر عما وقع من حج أهل الشام واليمن والعراق صلوات الله وسلامه عليه وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتين على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال نعم فيفتح الله لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من صحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان يغزو فيه فئام من الناس فيقال هل كان فيكم من صحب من صاحبهم فيقال نعم فيفتح الله لهم وثبت في الصحيحين من حديث ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة قال كنا حلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة وآخرين منهم لما يلحقوا بهم فقال رجل من هؤلاء يا رسول الله فوضع يده على سلمان الفارسي وقال لو كان الأيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء وهكذا وقع كما أخبر به عليه السلام وروى الحافظ البيهقي من حديث محمد ابن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن بشر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتفتحن عليكم فارس والروم حتى يكثر الطعام فلا يذكر عليه اسم الله عز وجل وروى الامام أحمد والبيهقي وابن عدي وغير واحد من حديث أوس بن عبد الله بن بريدة عن أخيه سهل عن أبيه عبد الله بن بريدة بن الخصيب مرفوعا ستبعث بعوث فكن في بعث خراسان ثم اسكن مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة وقال لا يصيب أهلها سوء وهذا الحديث يعد من غرائب المسند ومنهم من يجعله موضوعا فالله أعلم وقد تقدم حديث أبي هريرة من جميع طرقه في قتال الترك وقد وقع ذلك كما أخبر به سواء بسواء وسيقع أيضا وفي صحيح البخاري من حديث شعبة عن فراب القزاز عن أبي حازم عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وإنه سبكون خلفاء فيكثرون قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فان الله سائلهم عما استرعاهم وفي صحيح مسلم من حديث أبي رافع عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان لنبي إلا كان له حواريون يهدون بهديه ويستنون بسنته ثم يكون من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويعملون ما ينكرون وروى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث بن محمد بن حاطب الجمحي عن إسماعيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بعد الأنبياء خلفاء يعملون بكتاب الله ويعدلون في عبادة الله ثم يكون من بعد الخلفاء ملوك يأخذون بالثأر ويقتلون الرجال ويصطفون الأموال فمغير بيده ومغير بلسانه وليس وراء ذلك الايمان شيء وقال أبو داود الطيالسي ثنا جرير بن حازم عن
ليث عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة وكائنا خلافة ورحمة وكائنا ملكا عضوضا وكائنا عزة وجبرية وفسادا في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبدا حتى يلقوا الله عز وجل وهذا كله واقع وفي الحديث الذي رواه الامام أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي من حديث سعيد بن جهمان عن سفينة مولى رسول الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وفي رواية ثم يؤتى الله ملكه من يشاء وهكذا وقع سواء فإن أبا بكر رضي الله عنه كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال وكانت خلافة عمر عشر سنين وستة أشهر وأربعة ايام وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثنا عشر يوما وكانت خلافة علي بن أبي طالب خمس سنين إلا شهرين قلت وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي نحوا من ستة اشهر حتى نزل عنها لمعاوية عام اربعين من الهجرة كما سيأتي بيانه وتفصيله وقال يعقوب بن سفيان حدثني محمد بن فضيل ثنا مؤمل ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي بكرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خلافة نبوة ثلاثون عاما ثم يؤتي الله ملكه من يشاء فقال معاوية رضينا بالملك وهذا الحديث فيه رد صريح على الروافض المنكرين لخلافة الثلاثة وعلى النواصب من بني أمية ومن تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب فان قيل فما وجه الجمع بين حديث سفينه هذا وبين حديث جابر بن سمرة المتقدم في صحيح مسلم لا يزال هذا الدين قائما ما كان في الناس اثنا عشر خليفة كلهم من قريش فالجواب إن من الناس من قال إن الدين لم يزل قائما حتى ولى اثنا عشر خليفة ثم وقع تخبيط بعدهم في زمان بني أمية وقال آخرون بل هذا الحديث فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة في ثلاثين سنة ثم كانت بعد ذلك خلفاء راشدون فيهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي رضي الله عنه وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين غير واحد من الأئمة حتى قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه ليس قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز ومنهم من ذكر من هؤلاء المهدي بأمر الله العباسي والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضا بالنص على كونه من أهل البيت واسمه محمد بن عبد الله وليس بالمنتظر في سرداب سامرا فإن ذاك ليس بموجود بالكلية وإنما ينتظره الجهلة من الروافض وقد تقدم في الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد هممت أن أدعو أباك وأخاك وأكتب كتابا لئلا يقول قائل أو يتمنى متمن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأبى الله والمؤمنون إلا
أبا بكر وهكذا وقع فإن الله ولاه وبايعه المؤمنون قاطبة كما تقدم وفي صحيح البخاري أن امرأة قالت يا رسول الله ارأيت إن جئت فلم أجدك كأنها تعرض بالموت فقال إن لم تجديني فأت أبا بكر وثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رأيتني على قليب فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بطعن قال الشافعي رحمه الله رؤيا الأنبياء وحي وقوله وفي نزعه ضعف قصر مدته وعجلة موته واشتغاله بحرب أهل الردة عن الفتح الذي ناله عمر بن الخطاب في طول مدته قلت وهذا فيه البشارة بولايتهما على الناس فوقع كما أخبر سواء ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان من حديث ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقال الترمذي حسن وأخرجه من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم من طريق الزهري عن رجل عن أبي ذر حديث تسبيح الحصى في يد رسول الله ثم يد أبي بكر ثم عمر ثم عثمان وقوله عليه السلام هذه خلافة النبوة وفي الصحيح عن أبي موسى قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم حائطا فدلى رجليه في القف فقلت لأكونن اليوم بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست خلف الباب فجاء رجل فقال افتح فقلت من أنت قال أبو بكر فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال افتح له وبشره بالجنة ثم جاء عمر فقال كذلك ثم جاء عثمان فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فدخل وهو يقول الله المستعان وثبت في صحيح البخاري من حديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم الجبل فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم برجله وقال اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان وقال عبد الرزاق أنا معمر عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن حراء ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم اثبت ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان قال معمر قد سمعت قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وقد روى مسلم عن قتيبة عن الداروردي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وهذا من دلائل النبوة فان هؤلاء كلهم أصابوا الشهادة واختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مراتب الرسالة والنبوة واختص أبو بكر بأعلى مقامات الصديقية وقد ثبت في الصحيح الشهادة للعشرة بالجنة بل لجميع من شهد بيعة الرضوان عام الحديبية وكانوا ألفا وأربعمائة وقيل
وثلثمائة وقيل خمسمائة وكلهم استمر على السداد والاستقامة حتى مات رضي الله عنهم أجمعين وثبت في صحيح البخاري البشارة لعكاشة بأنه من أهل الجنة فقتل شهيدا يوم اليمامة وفي الصحيحين من حديث يونس عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفا بغير حساب تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر فقام عكاشة ابن محصن الأسدي يجر غرة عليه فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اجعله منهم ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة وهذا الحديث قد روي من طرق متعددة تفيد القطع وسنورده في باب صفة الجنة وسنذكر في قتال أهل الردة أن طلحة الأسدي قتل عكاشة بن محصن شهيدا رضي الله عنه ثم رجع طلحة الأسدي عما كان يدعيه من النبوة وتاب إلى الله وقدم على أبي بكر الصديق واعتمر وحسن إسلامه وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رأيت كأنه وضع في يدي سواران فقطعتهما فأوحي إلي في المنام أن انفخهما فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان صاحب صنعاء وصاحب اليمامة وقد تقدم في الوفود أنه قال لمسيلمة حين قدم مع قومه وجعل يقول إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته فوقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له والله لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت وهكذا وقع عقره الله وأهانه وكسره وغليه يوم اليمامة كما قتل الأسود العنسي بصنعاء على ما سنورده إن شاء الله تعالى وروى البيهقي من حديث مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مسيلمة فقال له مسيلمة أتشهد أني رسول الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم آمنت بالله وبرسله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الرجل أخر لهلكة قومه وقد ثبت في الحديث الآخر أن مسيلمة كتب بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فإني قد اشركت في الأمر بعدك فلك المدر ولي الوبر ولكن قريشا قوم يعتدون فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وقد جعل الله العاقبة لمحمد وأصحابه لأنهم هم المتقون وهم العادلون المؤمنون لا من عداهم وقد وردت الأحاديث المروية من طرق عنه صلى الله عليه وسلم في الأخبار عن الردة التي وقعت في زمن الصديق فقاتلهم الصديق بالجنود المحمدية حتى رجعوا إلى دين الله أفواجا وعذب ماء الأيمان كما كان بعد ما صار أجاجا وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على
الكافرين الآية قال المفسرون هم أبو بكر وأصحابه رضي الله عنهم وثبت في الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق عن عائشة في قصة مسارة النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة وإخباره إياها بأن جبريل كان يعارضه بالقرآن في كل عام مرة وأنه عارضني العام مرتين وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي فبكت ثم سارها فأخبرها بأنها سيدة نساء اهل الجنة وأنها أول أهله لحوقا به وكان كما أخبر قال البيهقي واختلفوا في مكث فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل شهران وقيل ثلاثة وقيل ستة وقيل ثمانية قال وأصح الروايات رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت مكثت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر أخرجاه في الصحيحين
*2* ومن كتاب دلائل النبوة في باب إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيوب المستقبلة
@ فمن ذلك ما ثبت في الصحصيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قد كان في الأمم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر بن الخطاب وقال يعقوب بن سفيان ثنا عبيد الله بن موسى أنا أبو إسرائيل كوفي عن الوليد بن العيزار عن عمر بن ميمون عن علي رضي الله عنه قال ما كنا ننكر ونحن متوافرون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن السكينة تنطق على لسان عمر قال البيهقي تابعه ذر بن حبيش والشعبي عن علي وقال يعقوب بن سفيان ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا شعبة عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال كنا نتحدث أن عمر بن الخطاب ينطق على لسان ملك وقد ذكرنا في سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشياء كثيرة من مكاشفاته وما كان يخبر به من المغيبات كقصة سارية بن زنيم وما شاكلها ولله الحمد والمنة ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث فراس عن الشعبي عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده فقلن يوما يا رسول الله أيتنا أسرع بك لحوقا فقال أطولكن يدا وكانت سودة أطولنا ذراعا فكانت أسرعنا به لحوقا هكذا وقع في الصحيح عند ابخاري أنها سودة وقد رواه يونس بن بكير بن أبي زائدة عن الشعبي فذكر الحديث مرسلا وقال فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يدا في الخير والصدقة والذي رواه مسلم عن محمود بن غيلان عن الفضل بن موسى عن طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فذكرت الحديث وفيه فكانت زينب أطولنا يدا لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق وهذا هو المشهور عن علماء التاريخ أن زينب بنت جحش كانت أول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاة قال الواقدي توفيت سنة عشرين وصلى عليها عمر بن الخطاب قلت وأما سودة فانها توفيت في آخر إمارة عمر بن الخطاب أيضا قاله ابن أبي خيثمة ومن ذلك ما رواه مسلم من
حديث أسيد بن جابر عن عمر بن الخطاب في قصة أويس القرني وإخباره عليه السلام عنه بأنه خير التابعين وأنه كان به برص فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضعا قدر الدرهم من جسده وأنه بار بأمه وأمره لعمر بن الخطاب أن يستغفر له وقد وجد هذا الرجل في زمان عمر بن الخطاب على الصفة والنعت الذي ذكره في الحديث سواء وقد ذكرت طرق هذا الحديث وألفاظه والكلام عليه مطولا في الذي جمعته من مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولله الحمد والمنة ومن ذلك ما رواه أبو داود حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الوليد بن عبد الله بن جميع حدثني جرير بن عبد الله وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري عن أم ورقة بنت نوفل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غزا بدرا قالت يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله يرزقني بالشهادة فقال لها قري في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة فكانت تسمى الشهيدة وكانت قد قرأت القرآن فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ في بيتها مؤذنا يؤذن لها وكانت دبرت غلاما لها وجارية فقاما إليها بالليل فغماها في قطيفة لها حتى ماتت وذهبا فأصبح عمر فقام في الناس وقال من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجيء بهما فجيء بهما فأمر بهما فصلبا وكانا أول مصلوبين بالمدينة وقد رواه البيهقي من حديث أبي نعيم ثنا الوليد بن جميع حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة فذكر الحديث وفي آخره فقال عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة ومن ذلك ما رواه البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني عن عوف بن مالك في حديثه عنه في الآيات الست بعد موته وفيه ثم موتان بأحدكم كقصاص الغنم وهذا قد وقع في أيام عشر وهو طاعون عمواس سنة ثماني عشرة ومات بسببه جماعات من سادات الصحابة منهم معاذ بن جبل وأبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وأبو جندل سهل بن عمر وأبوه والفضل بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم أجمعين وقد قال الامام أحمد حدثنا وكيع ثنا النهاس بن قهم ثنا شداد أبو عمار عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ست من أشراط الساعة موتي وفتح بيت المقدس وموت يأخذ في الناس كقصاص الغنم وفتنة يدخل حريمها بيت كل مسلم وأن يعطى الرجل ألف دينار فيسخطها وأن يغزو الروم فيسيرون إليه بثمانين بندا تحت كل بند اثنا عشر ألفا وقد قال الحاقظ البيهقي أنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا بحر بن نصر ثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة فقام عمرو بن العاص فقال يا أيها الناس إنما هذا الوجع رجس فتنحوا عنه فقام شرحبيل بن حسنة فقال يا أيها الناس إني قد سمعت قول صاحبكم
وإني والله لقد أسلمت وصليت وإن عمرا لأضل من بعير أهله وإنما هو بلاء أنزله الله عز وجل فاصبروا فقام معاذ بن جبل فقال يا أيها الناس إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين وإن هذا الطاعون رحمة بكم ودعوة نبيكم صلى الله عليه وسلم وإني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنكم ستقدمون الشام فتنزلون أرضا يقال لها أرض عموسة فيخرج بكم فيها خرجان له ذباب كذباب الدمل يستشهد الله به أنفسكم وذراريكم ويزكي به أموالكم اللهم إن كنت تعلم أني قد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فارزق معاذا وآل معاذ منه الحظ الأوفى ولا تعافه منه قال فطعن في السبابة فجعل ينظر إليها ويقول اللهم بارك فيها فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا ثم طعن ابنه فدخل عليه فقال الحق من ربك فلا تكونن من الممترين فقال ستجدني إن شاء الله من الصابرين وثبت في الصحيحين من حديث الأعمش وجامع بن أبي راشد عن شقيق بن سلمة عن حذيفة قال كنا جلوسا عند عمر فقال أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفتنة قلت أنا قال هات إنك لجريء فقلت ذكر فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال ليس هذا أعني إنما أعني التي تموج موج البحر فقلت يا أمير المؤمنين إن بينك وبينها بابا مغلقا قال ويحك يفتح الله أم يكسر قلت بل يكسر قال إذا لا يغلق أبدا قلت أجل فقلنا لحذيفة فكان عمر يعلم من الباب قال نعم وإني حدثته حديثا ليس بالأغاليط قال فهبنا أن نسأل حذيفة من الباب فقلنا لمسروق فسأله فقال من بالباب قال عمر وهكذا وقع من بعد مقتل عمر وقعت الفتن في الناس وتأكد ظهورها بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنهما وقد قال يعلى بن عبيد عن الأعمش عن سفيان عن عروة بن قيس قال خطبنا خالد بن الوليد فقال إن أمير المؤمنين عمر بعثني إلى الشام فحين ألقى بوانيه بثنية وعسلا أراد أن يؤثر بها غيري ويبعثني الى الهند فقال رجل من تحته اصبر إيها الأمير فان الفتن قد ظهرت فقال خالد أما وابن الخطاب حي فلا وإنما ذاك بعده وقد روى الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه قال أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر ثوبا فقال أجديد ثوبك أم غسيل قال بل غسيل قال البس جديدا وعش حميدا ومت شهيدا وأظنه قال ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة وهكذا رواه النسائي وابن ماجه من حديث عبد الرزاق به ثم قال النسائي هذا حديث منكر أنكره يحيى القطان على عبد الرزاق وقد روى عن الزهري من وجه آخر مرسلا قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ لا أعلم أحدا رواه عن الزهري غير معمر وما أحسبه بالصحيح والله أعلم قلت رجال إسناده واتصاله على شرط الصحيحين وقد قيل الشيخان تفرد معمر عن الزهري في غير ما حديث ثم قد روى البزار هذا الحديث من

طريق جابر الجعفي وهو ضعيف عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله مرفوعا مثله سواء وقد وقع ما أخبر به في هذا الحديث فانه رضي الله عنه قتل شهيدا وهو قائم يصلي الفجر في محرابه من المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام وقد تقدم حديث أبي ذر في تسبيح الحصا في يد أبي بكر ثم عمر ثم عثمان وقوله عليه السلام هذه خلافة النبوة وقال نعيم بن حماد ثنا عبد الله بن المبارك أنا خرج بن نباتة عن سعيد بن جهمان عن سفينة قال لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد المدينة جاء أبو بكر بحجر فوضعه ثم جاء عمر بحجر فوضعه ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء يكونون خلفاء بعدي وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة قوله صلى الله عليه وسلم ثلاث من نجا منهن فقد نجا موتي وقتل خليفة مضطهد والدجال وفي حديثه الآخر الأمر باتباع عثمان عند قوع الفتنة وثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال عن شريك ابن أبي نمير عن سعيد بن المسيب عن أبي موسى قال توضأت في بيتي ثم خرجت فقلت لأكونن اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت المسجد فسألت عنه فقالوا خرج وتوجه ههنا فخرجت في أثره حتى جئت بئر أريس وما بها من جريد فمكثت عند بابها حتى علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى حاجته وجلس فجئته فسلمت عليه فاذا هو قد جلس على قف بئر أريس فتوسطه ثم دلى رجليه في البئر وكشف عن ساقيه فرجعت إلى الباب وقلت لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أنشب أن دق الباب فقلت من هذا قال أبو بكر قلت على رسلك وذهبت الى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن فقال ائذن به وبشره بالجنة قال فخرجت مسرعا حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة قال فدخل حتى جلس الى جنب النبي صلى الله عليه وسلم في القف على يمينه ودلى رجليه وكشف عن ساقيه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم قال ثم رجعت وقد كنت تركت أخي يتوضأ وقد كان قال لي أنا على أثرك فقلت إن يرد الله بفلان خيرا يأت به قال فسمعت تحريك الباب فقلت من هذا قال عمر قلت على رسلك قال وجئت النبي صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه وأخبرته فقال ائذن له وبشره بالجنة قال فجئت وأذنت له وقلت له رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة قال فدخل حتى جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على يساره وكشف عن ساقيه ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قال ثم رجعت فقلت إن يرد الله بفلان خيرا يأت به يريد أخاه فاذا تحريك الباب فقلت من هذا قال عثمان بن عفان قلت على رسلك وذهبت الى رسول الله فقلت هذا عثمان
يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه قال فجئت فقلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة على بلوى أو بلاء يصيبك فدخل وهو يقول الله المستعان فلم يجد في القف مجلسا فجلس وجاههم من شق البئر وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال سعيد بن المسيب فأولتها قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن إبراهيم بن محمد بن حاطب عن عبد الرحمن بن بجير عن زيد بن أرقم قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انطلق حتى تأتي أبا بكر فتجده في داره جالسا محتبيا فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول أبشر بالجنة ثم انطلق حتى تأتي الثنية فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته فقل إن رسول الله يقرأ عليك السلام ويقول أبشر بالجنة ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق يبيع ويبتاع فقل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام ويقول أبشر بالجنة بعد بلاء شديد فذكر الحديث في ذهابه إليهم فوجد كلا منهم كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلا منهم يقول أين رسول الله فيقول في مكان كذا وكذا فيذهب إليه وأن عثمان لما رجع قال يا رسول الله وأي بلاء يصيبني والذي بعثك بالحق ما تغيبت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك فأي بلاء يصيبني فقال هو ذاك ثم قال البيهقي عبد الأعلى ضعيف فان كان حفظ هذا الحديث فيحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم زيد بن أرقم فجاء وأبو موسى الأشعري جالس على الباب كما تقدم وهذا البلاء الذي أصابه هو ما اتفق وقوعه على يدي من أنكر عليه من رعاع أهل الأمصار بلا علم فوقع ما سنذكره في دولته إن شاء الله من حصرهم إياه في داره حتى آل الحال بعد ذلك كله إلى اضطهاده وقتله وإلقائه على الطريق أياما لا يصلى عليه ولا يلتفت إليه حتى غسل بعد ذلك وصلى عليه ودفن بحش كوكب بسنان في طريق البقيع رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنات الفردوس متقلبه ومثواه كما قال الامام أحمد حدثنا يحيى عن إسماعيل بن قيس عن أبي سهلة مولى عثمان عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعو لي بعض أصحابي قلت أبو بكر قال لا قلت عمر قال لا قلت ابن عمك علي قال لا قلت عثمان قال نعم فلما جاء عثمان قال تنحى فجعل يساره ولون عثمان يتغير قال أبو سهلة فلما كان يوم الدار وحضر فيها قلنا يا أمير المؤمنين ألا تقاتل قال لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه تفرد به أحمد ثم قد رواه أحمد عن وكيع عن إسماعيل عن قيس عن عائشة فذكر مثله وأخرجه ابن ماجه من حديث وكيع وقال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم حدثنا عتاب بن
بشير عن خصيف عن مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعثمان بين يديه يناجيه فلم أدرك من مقالته شيئا إلا قول عثمان ظلما وعدوانا يا رسول الله فما دريت ما هو حتى قتل عثمان فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما عنى قتله قالت عائشة وما أحببت أن يصل إلى عثمان شيء إلا وصل إلي مثله غيره إن شاء الله علم أني لم أحب قتله ولو أحببت قتله لقتلت وذلك لما رمى هودجها من النبل حتى صار مثل القنفذ وقال أبو داود الطيالسي ثنا اسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم وتجتلدوا بأسيافكم ويرث دنياكم شراركم وقال البيهقي أنا أبو الحسين بن بشران أنا علي بن محمد المصري ثنا محمد بن إسماعيل السلمي ثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفي الأصبحي فقال سمعت عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون فيكم اثنا عشر خليفة أبو بكر الصديق لا يلبث خلفي إلا قليلا وصاحب رحى العرب يعيش حميدا ويموت شهيدا فقال رجل ومن هو يا رسول الله قال عمر بن الخطاب ثم التفت إلى عثمان فقال وأنت يسألك الناس أن تخلع قميصا كساكه الله والذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثم روى البيهقي من حديث موسى بن عقبة حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافا فقال له قائل من الناس فمن لنا يا رسول الله أو ما تأمرنا فقال عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير الى عثمان بذلك وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة به وقد تقدم في حديث عبد الله بن حوالة شاهدان له بالصحة والله أعلم وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية عن عبد الله هو ابن مسعود عن النبي ص قال تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين فان هلكوا فسبيل من قد هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قال قلت أمما مضى أو مما بقي ورواه أبو داود عن محمد بن سليمان الأنباري عن عبد الرحمن ابن مهدي به ثم رواه أحمد عن إسحاق وحجاج عن سفيان عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رحى
الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو سبع وثلاثين فان تهلك فسبيل من هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قال قال عمر يا رسول الله أبما مضى أو بما بقي قال بل بما بقي وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن منصور به فقال له عمر فذكره قال البيهقي وقد تابع إسرائيل الأعمش وسفيان الثوري عن منصور قال وبلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان منها قتل عثمان سنة خمس وثلاثين ثم الى الفتن التي كانت في أيام علي وأراد بالسبعين ملك بني أمية فإنه بقي بين ما استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر بني أمية ودخل الوهن فيه نحوا من سبعين سنة قلت ثم انطوت هذه الحروب أيام صفين وقاتل علي الخوارج في أثناء ذلك كما تقدم الحديث المتفق على صحته في الأخبار بذلك وفي صفتهم وصفة الرجل المخدج فيهم
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن أم ذر قالت لما حضرت أبا ذر الوفاة بكيت فقال ما يبكيك فقلت ومالي لا أبكي وأنت تموت بفلاة من الأرض ولا يد لي بدفنك وليس عندي ثوب يسعك فأكفنك فيه قال فلا تبكي وابشري فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين وليس من أولئك النفر أحد إلا وقد مات في قرية أو جماعة وإني أنا الذي أموت بالفلاة والله ما كذب ولا كذبت تفرد به أحمد رحمه الله وقد رواه البيهقي من حديث علي بن المديني عن يحيى بن سليم الطائفي به مطولا والحديث مشهور في موته رضي الله عنه بالربذة سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وكان في النفر الذين قدموا عليه وهو في السياق عبد الله بن مسعود وهو الذي صلى عليه ثم قدم المدينة فأقام بها عشر ليال ومات رضي الله عنه
*2* حديث آخر
@ قال البيهقي أنا الحاكم أنا الأصم ثنا محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا عمر بن سعيد الدمشقي ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبيد الله عن أبي عبد الله الأشعري عن أبي الدرداء قال قلت يا رسول الله بلغني أنك تقول ليرتدن أقوام بعد إيمانهم قال أجل ولست منهم قال فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان وقال يعقوب بن سفيان ثنا صفوان ثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله أو عبد الغفار بن إسماعيل بن عبد الله عن أبيه أنه حدثه عن شيخ من السلف قال سمعت أبا الدرداء يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني فرطكم على الحوض أنتظر من يرد علي منكم فلا ألفين أنازع أحدكم فاقول إنه من أمتي فيقال هل تدري ما أحدثوا بعدك قال أبو الدرداء فتخوفت أن أكون منهم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنك لست منهم قال فتوفي أبو الدرداء قبل أن يقتل عثمان وقبل أن تقع الفتن قال البيهقي تابعه يزيد بن أبي مريم عن أبي عبيد الله مسلم بن يشكر عن أبي الدرداء إلى قوله لست منهم قلت قال سعيد بن عبد العزيز توفي أبو الدرداء لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وقال الواقدي وأبو عبيد وغير واحد توفي سنة ثنتين وثلاثين رضي الله عنه
*2* ذكر أخباره صلى الله عليه وسلم عن الفتن الواقعة
@ في آخر أيام عثمان وخلافة علي رضي الله عنهما
ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم من آطام المدينة فقال هل ترون ما أرى إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر وروى الامام أحمد ومسلم من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني سمعت حذيفة بن اليمان يقول والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وما ذاك أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني من ذلك شيئا أسره إلى لم يكن حدث به غيري ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهن ثلاث لا تذوق شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري وهذا لفظ أحمد قال البيهقي مات حذيفة بعد الفتنة الأولى بقتل عثمان وقيل الفتنتين الآخرتين في أيام علي قلت قال العجلي وغير واحد من علماء التاريخ كانت وفاة حذيفة بعد مقتل عثمان بأربعين يوما وهو الذي قال لو كان قتل عثمان هدي لاحتلبت به الأمة لبنا ولكنه كان ضلالة فاحتلبت به الأمة دما وقال لو أن أحدا ارتقص لما صنعتم بعثمان لكان جديرا أن يرقص وقال الامام أحمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم قال سفيان أربع نسوة قالت استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر الوجه وهو يقول لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الأبهام والتي تليها قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث هكذا رواه الأمام أحمد عن سفيان بن عيينة به وكذلك رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وسعد بن عمرو والأشعثني وزهير بن حرب وابن أبي عمر كلهم عن سفيان بن عيينة به سواء ورواه الترمذي عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وغير واحد كلهم عن سفيان بن عيينة وقال الترمذي حسن صحيح
وقال الترمذي قال الحميدي عن سفيان حفظت من الزهري في هذا الأسناد أربع نسوة قلت وقد أخرجه البخاري عن مالك بن إسماعيل ومسلم عن عمرو الناقد عن الزهري عن عروة عن زينب عن أم حبيبة عن زينب بنت جحش فلم يذكروا حبيبة في الأسناد وكذلك رواه عن الزهري شعيب وصالح بن كيسان وعقيل ومحمد بن إسحاق ومحمد بن أبي عتيق ويونس بن يزيد فلم يذكروا عنه في الإسناد حبيبة والله أعلم فعلى ما رواه أحمد ومن تابعه عن سفان بن عيينة يكون قد اجتمع في هذا الأسناد تابعيان وهما الزهري وعروة بن الزبير وأربع صحابيات وبنتان وزوجتان وهذا عزيز جدا ثم قال البخاري بعد رواية الحديث المتقدم عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري فذكره إلى آخره ثم قال وعن الزهري حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة قالت استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله ماذا أنزل من الخزائن وماذا أنزل من الفتن وقد أسنده البخاري في مواضع أخر من طرق عن الزهري به ورواه الترمذي من حديث معمر عن الزهري وقال حسن صحيح وقال أبو داود الطيالسي ثنا الصلت بن دينار ثنا عقبة بن صهبان وأبو رجاء العطاردي قالا سمعنا الزبير وهو يتلو هذه الآية واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة قال لقد تلوت هذه الآية زمنا وما أراني من أهلها فأصبحنا من أهلها وهذا الأسناد ضعيف ولكن روى من وجه آخرفقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر ثنا جرير قال سمعت أنسا قال قال الزبير بن العوام نزلت هذه الآية ونحن متوافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة فجعلنا نقول ما هذه الفتنة وما نشعر أنها تقع حيث وقعت ورواه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن مهدي عن جرير بن حازم به وقد قتل الزبير بوادي السباع مرجعه من قتال يوم الجمل على ما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى وقال أبو داود السجستاني في سننه ثنا مسدد ثنا أبو الاحوص سلام بن سليم عن منصور عن هلال بن يساف عن سعيد بن زيد قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فذكر فتنة وعظم أمرها فقلنا يا رسول الله لئن أدركتنا هذه لتهلكنا فقال كلا إن بحسبكم القتل قال سعيد فرأيت إخواني قتلوا تفرد به أبو داود وقال أبو داود السجستاني حدثنا الحسن بن علي ثنا يزيد أنا هشام عن محمد قال قال حذيفة ما أحد من الناس تدركه الفتنة إلا أنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تضرك الفتنة وهذا منقطع وقال أبو داود الطيالسي ثنا شعبة عن أشعث بن أبي أشعث سمعت أبا بردة يحدث عن ثعلبة بن أبي ضبيعة سمعت حذيفة يقول إني لأعرف رجلا لا تضره الفتنة فأتينا المدينة فاذا فسطاط مضروب وإذا محمد بن مسلمة الأنصاري فسألته فقال لا أستقر بمصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة عن جماعة المسلمين قال البيهقي ورواه أبو داود يعني
السجستاني عن عمرو بن مرزوق عن شعبة به وقال أبو داود ثنا مسدد ثنا أبو عوانة عن أشعث بن سليم عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي عن حذيفة بمعناه قال البخاري في التاريخ هذا عندي أولى وقال الامام أحمد حدثنا يزيد ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي بردة قال مررت بالربذة فاذا فسطاط فقلت لمن هذا فقيل لمحمد بن مسلمة فاستأذنت عليه فدخلت عليه فقلت رحمك الله إنك من هذا الأمر بمكان فلو خرجت إلى الناس فأمرت ونهيت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف فاذا كان ذلك فأت بسيفك أحدا فاضرب به عرضه وكسر نبلك واقطع وترك واجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو يعافيك الله فقد كان ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعلت ما أمرني به ثم استنزل سيفا كان معلقا بعمود الفسطاط واخترطه فاذا سيف من خشب فقال قد فعلت ما أمرني به واتخذت هذا أرهب به الناس تفرد به أحمد وقال البيهقي أنا الحاكم ثنا علي بن عيسى المدني أنا أحمد بن بحرة القرشي ثنا يحيى بن عبد الحميد أنا إبراهيم بن سعد ثنا سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عن أبيه عن محمود بن لبيد عن محمد بن مسلمة أنه قال يا رسول الله كيف أصنع إذا اختلف المضلون قال اخرج بسيفك إلى الحرة فتضربها به ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة وقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد ثنا زياد بن مسلم أبو عمر ثنا أبو الأشعث الصنعاني قال بعثنا يزيد بن معاوية إلى ابن الزبير فلما قدمت المدينة دخلت على فلان نسي زياد اسمه فقال إن الناس قد صنعوا ما صنعوا فما ترى قال أوصاني خليلي أبو القاسم إن أدركت شيئا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فاكسر به حد سيفك ثم اقعد في بيتك فأن دخل عليك أحد البيت فقم إلى المخدع فإن دخل عليك المخدع فاجثو على ركبتيك وقل يؤ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فقد كسرت سيفي وقعدت في بيتي هكذا وقع إيراد هذا الحديث في مسند محمد بن مسلمة عند الإمام أحمد ولكن وقع إبهام اسمه وليس هو لمحمد بن مسلمة بل صحابي آخر فإن محمد بن مسلمة رضي الله عنه لا خلاف عند أهل التاريخ أنه توفي فيما بين الأربعين إلى الخمسين فقيل سنة ثنتين وقيل ثلاث وقيل سبع وأربعين ولم يدرك أيام يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير بلا خلاف فتعين أنه صحابي آخر خبره كخبر محمد بن مسلمة وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد بن سلمة ثنا أبو عمرو السلمي عن بنت أهبان الغفاري أن عليا أتى أهبان فقال ما يمنعك أن تتبعنا فقال أوصاني خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم أن ستكون فرقة وفتنة واختلاف فاذا كان ذلك فاكسر سيفك واقعد في بيتك واتخذ سيفا من خشب وقد رواه أحمد عن عفان وأسود بن عامر ومؤمل ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به وزاد
مؤمل في روايته بعد قوله وتخذ سيفا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية ورواه الامام أحمد أيضا والترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبيد الديلي عن عديسة بنت أهبان بن صيفي عن أبيها به وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عبيد كذا قال وقد تقدم من غير طريقه وقا البخاري ثنا عبد العزيز الأويسي ثنا ابراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذبه وعن ابن شهاب حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن مطيع بن الأسود عن نوفل ابن معاوية مثل حديث أبي هريرة هذا وقد روى مسلم حديث أبي هريرة من طريق إبراهيم بن سعد كما رواه البخاري وكذلك حديث نوفل بن معاوية بأسناد البخاري ولفظه ثم قال البخاري ثنا محمد بن كثير أخبرني سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون أثرة وأمور تنكرونها فقالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسالون الله الذي لكم ورواه مسلم من حديث الأعمش به وقال الامام أحمد حدثنا روح ثنا عثمان الشحام ثنا سلمة بن أبي بكرة عن أبي بكرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنها ستكون فتنة ثم تكون فتنة ألا فالماشي فيها خير من الساعي إليها والقاعد فيها خير من القائم فيها ألا والمضطجع فيها خير من القاعد ألا فإذا نزلت فمن كان له غنم فليلحق بغنمه ألا ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه ألا ومن كانت له إبل فليلحق بأبله فقال رجل من القوم يا نبي الله جعلني الله فداك أرأيت من ليست له غنم ولا أرض ولا إبل كيف يصنع قال ليأخذ سيفه ثم ليعمد به إلى صخرة ثم ليدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء اللهم هل بلغت إذ قال رجل يا رسول الله جعلني الله فداك أرأيت إن أخذ بيدي مكرها حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين شك عثمان فيحذفني رجل بسيفه فيقتلني ماذا يكون من شأني قال يبوء بإثمك وإثمه ويكون من أصحاب النار وهكذا رواه مسلم من حديث عثمان الشحام بنحوه وهذا إخبار عن إقبال الفتن وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى هذا وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن إسماعيل ثنا قيس قال لما أقبلت عائشة يعني في مسيرها إلى وقعة الجمل وبلغت مياه بني عامر ليلا نبحت الكلاب فقالت أي ماء هذا قالوا ماء الحوأب فقالت ما أظني إلا راجعة فقال بعض من كان معها بل تقدميت فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم قالت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا ذات يوم كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب ورواه أبو نعيم بن حماد في الملاحم
عن يزيد بن هارون عن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم به ثم رواه أحمد عن غندر عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب فسمعت نباح الكلاب فقالت ما أظنني إلا راجعة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب فقال لها الزبير ترجعين عسى الله أن يصلح بك بين الناس وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه وقال الحافظ أبو بكر البزار ثنا محمد بن عثمان بن كرامة ثنا عبيد الله بن موسى عن عصام بن قدامة البجلي عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الاديب تسير حتى تنبحها كلاب الحوأب يقتل عن يمينها وعن يسارها خلق كثير ثم قال لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الأسناد وقال الطبراني ثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا نوح بن دراج عن الأجلح بن عبد الله عن زيد بن علي عن أبيه عن ابن الحسين عن ابن عباس قال لما بلغ أصحاب علي حين ساروا إلى البصرة أن أهل البصرة قد اجتمعوا لطلحة والزبير شق عليهم ووقع في قلوبهم فقال علي والذي لا إله غيره ليظهرنه على أهل البصرة وليقتلن طلحة والزبير وليخرجن إليكم من الكوفة ستة آلاف وخمسمائة رجلا أو خمسة آلاف وخمسمائة وخمسون رجلا شك الأجلح قال ابن عباس فوقع ذلك في نفسي فلما أتى الكوفة خرجت فقلت لأنظرن فان كان كما يقول فهو أمر سمعه وإلا فهو خديعة الحرب فلقيت رجلا من الجيش فسألته فوالله ما عتم أن قال ما قال علي قال ابن عباس وهو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره وقال البيهقي أنا عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد ثنا أحمد بن نصر ثنا أبو نعيم الفضل ثنا عبد الجبار بن الورد عن عمار الذهبي عن سالم بن أبي الجعد عن أم سلمة قالت ذكر النبي صلى الله عليه وسلم خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال لها انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت ثم التفت إلى علي وقال يا علي إن وليت من أمرها شيئا فارفق بها وهذا حديث غريب جدا وأغرب منه ما رواه البيهقي أيضا عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي نعيم عن عبد الجبار بن العباس الشامي عن عطاء بن السائب عن عمر بن الهجيع عن أبي بكرة قال قيل له ما يمنعك أن لا تكون قاتلت على نصرتك يوم الجمل فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم هلكى لا يفلحون قائدهم امرأة قائدهم في الجنة وهذا منكر جدا والمحفوظ ما رواه البخاري من حديث الحسن البصري عن أبي بكرة قال نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغه أن فارس ملكوا عليهم امرأة كسرى فقال لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم سمعت أبا وائل قال لما بعث علي عمارا والحسن
إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار فقال إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة لكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها ورواه البخاري عن بندار عن غندر وهذا كله وقع في أيام الجمل وقد ندمت عائشة رضي الله عنها على ما كان من خروجها على ما سنورده في موضعه وكذلك الزبير بن العوام أيضا تذكر وهو واقف في المعركة أن قتاله في هذا الموطن ليس بصواب فرجع عن ذلك قال عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة قال لما ولي الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى وذلك أن النبي ص لقيهما في سقيفة بنى ساعدة فقال أتحبه يا زبير فقال وما يمنعني قال بك إذا قاتلته وأنت ظالم له قال فيرون أنه إنما ولي لذلك وهذا مرسل فكيف من هذا الوجه وقد أسنده الحافظ البيهقي من وجه آخر فقال أنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ثنا أبو عمرو بن مطر أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي ثنا منجاب بن الحرث ثنا عبد الله بن الأجلح ثنا أبي عن يزيد الفقير عن أبيه قال وسمعت فضل بن فضالة يحدث أبي عن أبي حرب بن أبي الأسود الدقلي عن أبيه دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه قال لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير ودنت الصفوف بعضها من بعض خرج علي وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى ادعوا لي الزبير بن العوام فأتى علي فدعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما فقال علي يا زبير ناشدتك بالله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم مكان كذا وكذا فقال يا زبير تحب عليا فقلت ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلى ديني فقال يا علي أتحبه فقلت يا رسول الله ألا أحب ابن عمتي وعلى ديني فقال يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له فقال الزبير بلى والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن والله لا أقاتلك فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف فعرض له ابنه عبد الله ابن الزبير فقال مالك فقال ذكرني علي حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته وهو يقول لتقاتلنه وأنت ظالم له فلا أقاتلنه فقال وللقتال جئت إنما جئت تصلح بين الناس ويصلح الله هذا الأمر قال قد حلفت أن لا أقاتله قال فاعتق غلامك خير وقف حتى تصلح بين الناس فأعتق غلامه ووقف فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه قال البيهقي وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنا الامام أبو الوليد ثنا الحسن بن سفيان ثنا قطن بن بشير ثنا جعفر بن سليمان ثنا عبد الله بن محمد الرقاشي ثنا جدي وهو عبد الملك بن مسلم عن أبي وجرة المازني قال سمعت عليا والزبير وعلي يقول له ناشدتك الله يا زبير أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنك تقاتلني وأنت لي ظالم قال بلى ولكني نسيت وهذا غريب كالسياق الذي قبله وقد روى البيهقي من طريق الهذيل بن بلال وفيه ضعف عن عبد الرحمن بن مسعود العبدي عن علي
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سره أن ينظر الى رجل يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر الى زيد بن صوحان قلت قتل زيد هذا في وقعة الجمل من ناحية علي وثبت في الصحيحين من حديث همام بم نية عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله ورواه البخاري أيضا عن أبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة وهاتان الفئتان هما أصحاب الجمل وأصحاب صفين فانهما جميعا يدعون إلى الإسلام وإنما يتنازعون في شيء من أمور الملك ومراعاة المصالح العائد نفعها على الأمة والرعايا وكان ترك القتال أولى من فعله كما هو مذهب جمهور الصحابة كما سنذكره وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو اليمان ثنا صفوان بن عمرو قال كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا فقتل منهم أربعون ألفا ولكن كان علي وأصحابه أدنى الطائفتين إلى الحق من أصحاب معاوية وأصحاب معاوية كانوا باغين عليهم كما ثبت في صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال حدثني من هو خير مني يعني أبا قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمار تقتلك الفئة الباغية ورواه أيضا من حديث ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل عمارا الفئة الباغية وفي رواية وقاتله في النار وقد تقدم الحديث بطرقه عند بناء المسجد النبوي في أول الهجرة النبوية وما يزيده بعض الرافضة في هذا الحديث من قولهم بعد لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة فليس له اصل يعتمد عليه بل هو من اختلاق الروافض قبحهم الله وقد روى البيهقي من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشي عليه فأفاق ونحن نبكي حوله فقال ما تبكون اتخشون أن أموت على فراشي أخبرني حبيبي صلى الله عليه وسلم أنه تقتلني الفئة الباغية وأن آخر زادي من الدنيا مذقة لبن وقال الامام أحمد حدثني وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البخترى قال قال عمار يوم صفين ائتوني بشربة لبن فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال آخر شربة تشربها من الدنيا شربة لبن فشربها ثم تقدم فقتل وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن حبيب عن أبي البخترى أن عمار بن ياسر أتى بشربة لبن فضحك وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي آخر شراب أشربه لبن حين أموت وروى البيهقي من حديث عمار الذهبي عن سالم بن أبي الجعد عن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق ومعلوم أن عمارا كان في جيش علي يوم صفين وقتله أصحاب معاوية من أهل الشام وكان الذي تولى قتله رجل يقال له أبو الفادية رجل من أفناد الناس وقيل
إنه صحابي وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر وغيره في اسماء الصحابة وهو أبو الفادية مسلم وقيل يسار بن أزيهر الجهني من قضاعة وقيل مزني وقيل هما اثنان سكن الشام ثم صار إلى واسط روى له أحمد حديثا وله عند غيره آخر قالوا وهو قاتل عمار بن ياسر وكان يذكر صفة قتله لعمار لا يتحاشى من ذلك وسنذكر ترجمته عند قتله لعمار أيام معاوية في وقعة صفين وأخطأ من قال كان بدريا وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون ثنا العوام حدثني ابن مسعود عن حنظلة بن خويلد العنزي قال بينا أنا عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في رأس عمار يقول كل واحد منهما أنا قتلته فقال عبد الله بن عمرو ليطب به أحدكما لصاحبه نفسا فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول تقتله الفئة الباغية فقال معاوية ألا نح عنا مجنونك يا عمرو فما بالك معنا قال إن أبي شكاني الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه فأنا معكم ولست أقاتل وقال الامام أحمد ثنا أبو معاوية ثنا الأمش عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص فقال عبد الله بن عمرو يا أبة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية قال فقال عمرو لمعاوية أنها تسمع ما يقول هذا فقال معاوية لا يزال يأتينا نهيه أو نحن قتلناه إنما قتله من جاءوا به ثم رواه أحمد عن أبي نعيم عن الثوري عن الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد فذكر مثله فقول معاوية إنما قتله من قدمه إلى سيوفنا تأويل بعيد جدا إذ لو كان كذلك لكان أمير الجيش هو القاتل للذين يقتلون في سبيل الله حيث قدمهم إلى سيوف الأعداء وقال عبد الرزاق أنا ابن عيينة أخبرني عمرو بن دينار عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة قال عمرو لعبد الرحمن ابن عوف أما علمت أنا كنا نقرأ وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله فقال عبد الرحمن بن عوف ومتى ذلك يا أمير المؤمنين قال إذا كان بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء ذكره البيهقي ههنا وكأنه يستشهد به على ما عقد له الباب بعده من ذكر الحكمين وما كان من أمرهما فقال
*2* اخباره صلى الله عليه وسلم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي
@ أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل بن الفضل ثنا قتيبة ابن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد الله بن يزيد وحبيب بن بشار عن سويد بن غفلة قال إني لأمشي مع علي بشط الفرات فقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلا من اتبعهما وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين ضلا وأضلا من اتبعهما هكذا أورده ولم يبين شيئا من
أمره وهو حديث منكر جدا وآفته من زكريا بن يحيى هذا وهو الكندي الحميري الأعمى قال يحيى بن معين ليس بشيء والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما عمرو بن العاص السهمي من جهة أهل الشام والثاني أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري من جهة أهل العراق وإنما نصبا ليصلحا بين الناس ويتفقا على أمر فيه رفق بالمسلمين وحقن لدمائهم وكذلك وقع ولم يضل بسببهما إلا فرقة الخوارج حيث أنكروا على الأميرين التحكيم وخرجوا عليهما وكفروهما حتى قاتلهم علي بن أبي طالب وناظرهم ابن عباس فرجع منهم شرذمة إلى الحق واستمر بقيتهم حتى قتل أكثرهم بالنهروان وغيره من المواقف المرذولة عليهم كما سنذكره
*2* اخباره صلى الله عليه وسلم عن الخوارج وقتالهم
@ قال البخاري ثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال يا رسول الله اعدل فقال ويلك ومن يعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضبه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلم يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته وهكذا رواه مسلم من حديث أبي سعيد ورواه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك عن أبي سعيد وأخرجه البخاري أيضا من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه ومسلم عن هناد عن أبي الأحوص سلام بن سليم عن سعيد بن مسروق عن عبد الرحمن بن يعمر عن أبي سعيد الخدري به وقد روى مسلم في صحيحه من حديث داود بن أبي هند والقاسم بن الفضل وقتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرق مارقة عند فرقة المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق ورواه أيضا من حديث أبي اسحاق الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبي سعيد مرفوعا وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن مسهر عن الشيباني عن بشير بن عمرو قال سألت سهل بن حنيف هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر هؤلاء الخوارج فقال سمعته وأشار بيده نحو المشرق وفي رواية نحو العراق يخرج قوم يقرؤون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية محلقة رؤوسهم وروى مسلم من حديث حميد بن هلال عن عبد الله ابن الصامت عن أبي ذر نحوه وقال سيماهم التحليق شر الخلق والخليقة وكذلك رواه محمد بن كثير المصيصي عن الأوزاعي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا وقال سيماهم التحليق شر الخلق والخليقة وفي الصحيحين من حديث الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم إلى يوم القيامة وقد روى مسلم عن قتيبة عن حماد عن أيوب عن محمد بن عبيدة عن علي في خبر مؤذن الليل وهو ذو الثدية وأسنده من وجه آخر عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي وفيه أنه حلف عليا على ذلك فحلف له أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه مسلم عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن زيد بن وهب عن علي بالقصة مطولة وفيه قصة ذي الثدية
ورواه من حديث عبيد الله بن أبي رافع عن علي ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن زيد عن حميد بن مرة عن أبي العوضي والسحيمي عن علي في قصة ذي الثدية ورواه الثوري عن محمد بن قيس عن أبي موسى رجل من قومه عن علي بالقصة وقال يعقوب بن سفيان ثنا الحميدي ثنا سفيان حدثني العلاء بن أبي العباس أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرقاش عن سعيد بن أبي وقاص قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الثدية فقال شيطان الردهة كراعي الخيل يحذره رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب علامة في قوم ظلمة قال سفيان فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء به رجل منهم يقال له الأشهب أو ابن الأشهب قال يعقوب بن سفيان وحدثنا عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبي إسحاق عن حامد الهمداني سمعت سعد بن مالك يقول قتل علي بن أبي طالب شيطان الردهة يعني المخدج يريد والله أعلم قتلة أصحاب علي وقال علي بن عياش عن حبيب عن سلمة قال لقد علمت عائشة أن جيش المروة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس جيش المروة قتلة عثمان رواه البيهقي ثم قال البيهقي أنا الحاكم أنا الأصم ثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله قال لا فقال عمر أنا هو يا رسول الله قال لا ولكن خاصف النعل يعني عليا وقال يعقوب بن سفيان عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن عمران بن جرير عن لاحق قال كان الذين خرجوا على علي بالنهروان أربعة آلاف في الحديد فركبهم المسلمون فقتلوهم ولم يقتلوا من المسلمين إلا تسعة رهط وإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فانه يشهد بذلك قلت الأخبار بقتال الخوارج متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ذلك من طرق تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن ووقوع ذلك في زمان علي معلوم ضرورة لأهل العلم قاطبة واما كيفية خروجهم وسببه ومناظرة ابن عباس لهم في ذلك ورجوع كثير منهم إليه فسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى
*2* اخباره صلى الله عليه وسلم بمقتل علي بن أبي طالب فكان كما اخبر

يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:27 AM
قال الامام أحمد ثنا علي بن بحر ثنا عيسى بن يونس ثنا محمد بن إسحاق حدثني زيد بن محمد بن خيثم المحاربي عن محمد بن كعب بن خيثم عن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي حين ولى غزوة العثيرة يا أبا تراب لما يرى عليه من التراب ألا أحدثك بأشقى الناس رجلين قلنا بلى يا رسول الله قال أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه يعني قرنه حتى يبل هذه يعني لحيته وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبي النضر عن محمد بن راشد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن فضالة الأنصاري وكان أبوه من أهل بدر قال خرجت مع أبي عائدا لعلي بن أبي طالب في مرض أصابه فقتل منه قال فقال أبي ما يقيمك بمنزلك هذا فلو اصابك أجلك لم يكن إلا أعراب جهينة تحملك إلى المدينة فإن اصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك فقال علي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي أن لا أموت حتى تخضب هذه يعني لحيته من دم هذه يعني هامته فقتل وقتل أبو فضالة مع علي يوم صفين وقال أبو داود الطيالسي ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب قال جاء رأس الخوارج إلى علي فقال له اتق الله فإنك ميت فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه واشار بيده الى لحيته عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى وقد روى البيهقي بإسناد صحيح عن زيد بن اسلم عن أبي سنان المدركي عن علي في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقتله وروى من حديث هيثم عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الأزدي عن علي قال إن ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمة ستغدر بك بعدي ثم ساقه من طريق قطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحمامي قال سمعت عليا يقول إنه لعهد النبي الأمي إلي إن الأمة ستغدر بك بعدي قال البخاري ثعلبة هذا فيه نظر ولا يتابع على حديثه هذا وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبي الأجوب الأحوص بن خباب عن عمار بن زريق عن الاعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال قال علي والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها فقال عبد الله بن سبيع والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأثرنا عشيرته فقال أنشدك بالله أن لا تقتل بي غير قاتلي قالوا يا أمير المؤمنين ألا تستخلف قال ولكن أترككم كما ترككم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فما تقول لربك إذا تركتنا هملا قال أقول اللهم استخلفني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم وهكذا روى البيهقي هذا وهو موقوف وفيه غرابة من حيث اللفظ ومن حيث المعنى ثم المشهور عن علي أنه لما طعنه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو خارج لصلاة الصبح عند السدة فبقي علي يومين من طعنته وحبس ابن ملجم الخارجي وأوصى علي إلى ابنه الحسن بن علي كما سيأتي بيانه وأمره أن يركب في الجنود وقال له لا يجر علي كما تجر الجارية فلما مات قتل عبد الرحمن بن ملجم قودا وقيل حدا والله أعلم ثم ركب الحسين بن علي في الجنود وسار إلى معاوية كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى
*2* اخباره صلى الله عليه وسلم بذلك ( مقتل الحسين )
@ وسيادة ولده الحسن بن علي في تركه الامر من بعده وإعطائه لمعاوية
قال البخاري في دلائل النبوة حدثنا عبد الله بن محمد ثنا يحيى بن آدم ثنا حسين الجعفي عن أبي موسى عن الحسن عن أبي بكرة قال أخرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم الحسن بن علي فصعد به على المنبر فقال إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين وقال في كتاب الصلح حدثنا عبد الله بن محمد ثنا سفيان عن أبي موسى قال سمعت الحسن يقول استقبل والله الحسن بن علي معاوية بن أبي سفيان بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص أني لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية فكان والله خير الرجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه فقال لهما الحسن بن علي إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قال نحن لك به فصالحه فقال الحسن ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وقال البخاري
قال لي علي بن عبد الله إنما ثبت لنا سماع الحسن بن أبي بكرة بهذا الحديث وقد رواه البخاري أيضا في فضل الحسن وفي كتاب الفتن عن علي بن المديني عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى وهو إسرائيل بن موسى بن أبي اسحاق ورواه أبو داود والترمذي من حديث أشعث وأبو داود أيضا والنسائي من حديث علي بن زيد بن جدعان كلهم عن الحسن البصري عن أبي بكرة به وقال الترمذي صحيح وله طرق عن الحسن مرسلا وعن الحسن وعن أم سلمة به وهكذا وقع الأمر كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم سواء فأن الحسن بن علي لما صار إليه الأمر بعد أبيه وركب في جيوش أهل العراق وسار إليه معاوية فتصافا بصفين على ما ذكره الحسن البصري فمال الحسن بن علي إلى الصلح وخطب الناس وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى معاوية وذلك سنة أربعين فبايعه الأمراء من الجيشين واستقل بأعباء الأمة فسمى ذلك العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيه على رجل واحد وسنورد ذلك مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى وقد شهد الصادق المصدوق للفرقتين بالاسلام فمن كفرهم أو واحدا منهم لمجرد ما وقع فقد أخطأ وخالف النص النبوي المحمدي الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وقد تكمل بهذه السنة المدة التي أشار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها مدة الخلافة المتتابعة بعده كما تقدم في حديث سفينة مولاه أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا وفي رواية عضوضا وفي رواية عن معاوية أنه قال رضينا بها ملكا وقد قال نعيم بن حماد في كتابه الفتن والملاحم سمعت محمد بن فضيل عن السرى بن إسماعيل عن عامر الشعبي عن سفيان بن عيينة قال سمعت الحسن بن علي يقول سمعت عليا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا تذهب الايام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع القدم ضخم البلغم يأكل ولا يشبع وهو عري وهكذا وقع في هذه الرواية وفي رواية بهذا الأسناد لا تذهب الأيام والليالي حتى تجتمع هذه الأمة على معاوية وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف عن عبد الملك بن عمار قال قال معاوية والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي يا معاوية إن ملكت فأحسن ثم قال البيهقي وله شواهد من ذلك حديث عمرو بن يحيى عن سعيد بن العاص عن جده سعيد أن معاوية أخد الأداوة فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه فقال يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل قال معاوية فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها حديث الثوري عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد الداري عن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم ثم يقول أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفعه الله بها رواه أبو داود وروى البيهقي من طريق هشيم عن العوام بن حوشب عن سليمان
ابن أبي سليمان عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة بالمدينة والملك بالشام وقال الامام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى ثنا يحيى بن حمزة عن زيد بن واقد حدثني بشر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب رفع واحتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام ألا وإن الأيمان حين تقع الفتن بالشام ههنا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن يوسف عن يحيى بن حمزة السلمي به قال البيهقي وهذا إسناد صحيح وروى من وجه آخر ثم ساقه من طريق عقبة بن علقمة عن سعيد بن عبد العزيز الدمشقي عن عطية بن قيس عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيت أن عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فاذا نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الأيمان إذا وقعت الفتن بالشام ثم أورده البيهقي من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة عن عبد الله بن عمرو قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه إلا أنه قال فأتبعته بصري حتى ظننت أنه مذهوب به قال وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الايمان بالشام قال الوليد حدثني عنبر بن معدان أنه سمع سليمان بن عامر يحدث عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وقال يعقوب بن سفيان حدثني نصر بن محمد بن سليمان الحمصي ثنا أبي أبو ضمرة محمد بن سليمان السلمي حدثني عبد الله بن أبي قيس سمعت عمر بن الخطاب يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت عمودا من نور خرج من تحت رأسي ساطعا حتى استقر بالشام وقال عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عبد الله بن صفوان قال قال رجل يوم صفين اللهم العن أهل الشام فقال له علي لا تسب أهل الشام جما غفيرا فان بها الأبدال فان بها الابدال فإن بها الابدال وقد روى من وجه آخر عن علي قال الامام أحمد ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان حدثني شريح يعني ابن عبيد الحضرمي قال ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب وهو بالعراق فقالوا العنهم يا أمير المؤمنين قال لا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الأبدال يكونون بالشام وهم أربعون رجلا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يستسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب تفرد به أحمد وفيه انقطاع فقد نص أبو حاتم الرازي على أن شريح ابن عبيد هذا لم يسمع من أبي أمامة ولا من أبي مالك الاشعري وأنه رواية عنهما مرسلة فما ظنك بروايته عن علي بن أبي طالب وهو أقدم وفاة منهما
*2* اخباره صلى الله عليه وسلم عن غزاة البحر الى قبرص
@ قال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها يوما فأطعمته ثم جلست تفلي رأسه فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة شك إسحق فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك قالت قلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال في الأولى قالت قلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت من الأولين قال فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمان معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى بن يحيى كلاهما عن مالك به وأخرجاه في الصحيحين من حديث الليث وحماد بن زيد كلاهما عن يحيى بن سعيد وعن محمد بن يحيى بن حبان عن أنس بن مالك عن خالته أم حرام بنت ملحان فذكر الحديث إلى أن قال فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركبوا مع معاوية أو أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان فلما انصرفوا من غزاتهم قافلين فنزلوا الشام فقربت إليها دابة لتركبها فصرعتها فماتت ورواه البخاري من حديث أبي اسحاق الفزاري عن زائدة عن أبي حوالة عبد الله بن عبد الرحمن عن أنس به وأخرجه أبو داود من حديث معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أخت أم سليم وقال البخاري
*2* باب ما قيل في قتال الروم
@ حدثنا إسحاق بن يزيد الدمشقي ثنا يحيى بن حمزة حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل إلى ساحل حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام قال عمير فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا قالت أم حرام فقلت يا رسول الله أنا فيهم قال أنت فيهم قالت ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم قلت أنا فيهم يا رسول الله قال لا تفرد به البخاري دون أصحاب الكتب الستة وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن أبي عمرو بن أبي جعفر عن الحسن بن سفيان عن هشام بن عمار الخطيب عن يحيى بن حمزة القاضي به وهو يشبه معنى الحديث الأول وفيه من دلائل النبوة ثلاث إحداها الأخبار عن الغزوة الأولى في البحر وقد كانت في سنة سبع وعشرين مع معاوية بن أبي سفيان حين غزا قبرص وهو نائب الشام عن عثمان بن عفان وكانت معهم أم حرام بنت ملحان هذه صحبة زوجها عبادة بن الصامت أحد النقباء ليلة العقبة فتوفيت مرجعهم من الغزو قتل بالشام كما تقدم في الرواية عند البخاري وقال ابن زيد توفيت بقبرص سنة سبع وعشرين والغزوة الثانية غزوة قسطنطسينية مع أول جيش غزاها وكان أميرها يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وذلك في سنة ثنتين وخمسين وكان معهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري فمات هنالك رضي الله عنه وأرضاه ولم تكن هذه المرأة معهم لأنها كانت قد توفيت قبل ذلك في الغزوة الأولى فهذا الحديث فيه ثلاث آيات من دلائل النبوة الأخبار عن الغزوتين والأخبار عن المرأة بأنها من الأولين وليست من الآخرين وكذلك وقع صلوات الله وسلامه عليه
*2* الأخبار عن غزوة الهند
@ قال الامام أحمد حدثنا هشيم عن سيار بن حسين بن عبيدة عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند فإن استشهدت كنت من خير الشهداء وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر رواه النسائي من حديث هشيم وزيد بن أنيسة عن يسار بن جبر ويقال جبير عن أبي هريرة قال وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة الهند فذكره وقال أحمد حدثنا يحيى بن إسحق ثنا البراء عن الحسن عن أبي هريرة قال حدثني خليلي الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يكون في هذه الأمة بعث إلى السند والهند فان أنا أدركته فاستشهدت فذاك وإن أنا وإن أنا فذكر كلمة رجعت فأنا أبو هريرة المحدث قد أعتقني من النار تفرد به أحمد وقد غزا المسلمون الهند في أيام معاوية سنة أربع وأربعين وكانت هنالك أمور سيأتي بسطها في موضعها وقد غزا الملك الكبير الجليل محمود بن سبكتكين صاحب غزنة في حدود أربعمائة بلاد الهند فدخل فيها وقتل وأسر وسبى وغنم ودخل السومنات وكسر الند الأعظم الذي يعبدونه واستلب سيوفه وقلائده ثم رجع سالما مؤيدا منصورا
*2* فصل في الاخبار عن قتال الترك كما سنبينه ان شاء الله
@ قال البخاري ثنا أبو اليمان أنا شعيب ثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر وحتى تقاتل الترك صغار الأعين
حمر الوجوه ذلف الأنوف كأن وجوههم المجان المطرقة وتجدون من حير الناس أشدهم كراهية لهذا الأمر حتى يقع فيه والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام وليأتين على أحدكم زمان لأن يراني أحب إليه من أن يكون له مثل أهله وماله تفرد به من هذا الوجه ثم قال البخاري ثنا يحيى ثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر تابعه غيره عن عبد الرزاق وقد ذكر عن الإمام أحمد انه قال أخطأ عبد الرزاق في قوله خوزا بالخاء وإنما هو بالجيم جوزا وكرمان هما بلدان معروفان بالشرق فالله أعلم وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة فبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر وقد رواه الجماعة إلا النسائي من حديث سفيان بن عيينة به وقال البخاري ثنا علي بن عبد الله ثنا سفيان قال قال إسماعيل أخبرني قيس قال أتينا أبا هريرة رضي الله عنه فقال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في سني أحرص على أن أعي الحديث مني فيهن سمعته يقول وقال هكذا بيده بين يدي الساعة تقاتلون قوما نعالهم الشعر وهو هذا البارز وقال سفيان مرة وهم أهل البارز وقد رواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة ووكيع كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم القيامة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر كأن وجوههم المجان المطرقة حمر الوجوه صغار الأعين قلت وأما قول سفيان بن عيينة إنهم هم أهل البارز فالمشهور في الرواية تقديم الراء على الزاي ولعله تصحيف اشتبه على القائل البازر وهو السوق بلغتهم فالله أعلم وقال الامام أحمد حدثنا عفان ثنا جرير بن حازم سمعت الحسن قال ثنا عمرو بن ثعلب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن من اشراط الساعة أن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر أو ينتعلون الشعر وإن من اشراط الساعة أن تقاتلوا قوما عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة ورواه البخاري عن سليمان بن حرب وأبي النعمان عن جرير بن حازم به والمقصود أن قتال الترك وقع في آخر أيام الصحابة قاتلوا القان الأعظم فكسروه كسرة عظيمة على ما سنورده في موضعه إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه
*2* خبر آخر عن عبد الله بن سلام
@ قال الامام أحمد حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا ابن عون عن محمد هو ابن سيرين عن بشر بن عباد قال كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر خشوع فدخل فصلى ركعتين فأوجز فيهما فقال القوم هذا رجل من أهل الجنة فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله فدخلت معه فحدثته
فلما استأنس قلت له إن القوم لما دخلت المسجد قالوا كذا وكذا قال سبحان الله والله ما ينبغي لأحد أن يقول مالا يعلم وسأحدثك أني رأيت رؤيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه رأيت كأني في روضة خضراء قال ابن عون فذكر من خضرتها وسعتها وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة فقيل لي اصعد عليه فقلت لا أستطيع فجاء بنصيف قال ابن عون وهو الوصيف فرفع ثيابي من خلفي فقال اصعد عليه فصعدت حتى أخذت بالعروة فقال استمسك بالعروة فاستيقظت وإنها لفي يدي قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقصصتها عليه فقال أما الروضة فروضة الاسلام وأما العمود فعمود الأسلام وأما العروة فهي العروة الوثقى أنت على الاسلام تموت قال وهو عبد الله بن سلام ورواه البخاري من حديث عون ثم قد رواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع عن حرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام فذكره مطولا وفيه قال حتى انتهيت إلى جبل زلق فأخذ بيدي ودحاني فاذا أنا على ذروته فلم أتقار ولم أتماسك وإذا عمود حديد في يدي ذروته حلقة ذهب فأخذ بيدي ودحاني حتى أخذت بالعروة وذكر تمام الحديث وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحر عن عبد الله بن سلام فذكره وقال حتى أتى بي جبلا فقال لي اصعد فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على رأسي حتى فعلت ذلك مرارا وأن رسول الله قال له حين ذكر رؤياه وأما الجبل فهو منزل الشهداء ولن تناله قال البيهقي وهذه معجزة ثانية حيث أخبر أنه لا ينال الشهادة وهكذا وقع فانه مات سنة ثلاث وأربعين فيما ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره
*2* الإخبار عن بيت ميمونة بنت الحارث بسرف
@ قال البخاري في التاريخ أنا موسى بن إسماعيل ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عبد الله بن عبد الله بن الاصم ثنا يزيد بن الأصم قال ثقلت ميمونة بمكة وليس عندها من بني أختها أحد فقالت أخرجوني من مكة فاني لا أموت بها إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني أني لا أموت بمكة فحملوها حتى أتوا بها إلى سرف الشجرة التي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها في موضع القبة فماتت رضي الله عنها قلت وكان موتها سنة إحدى وخمسين على الصحيح
*2* ما روي في إخباره عن مقتل حجر بن عدي وأصحابه
@ قال يعقوب بن سفيان ثنا ابن بكير ثنا ابن لهيعة حدثني الحارث عن يزيد عن عبد الله بن رزين الغافقي قال سمعت علي بن أبي طالب يقول يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود فقتل حجر بن عدي وأصحابه وقال يعقوب بن سفيان قال أبو
نعيم ذكر زياد بن سمية علي بن أبي طالب على المنبر فقبض حجر على الحصباء ثم أرسلها وحصب من حوله زيادا فكتب إلى معاوية يقول إن حجرا حصبني وأنا على المنبر فكتب إليه معاوية أن يحمل حجرا فلما قرب من دمشق بعث من يتلقاهم فالتقى معهم بعذراء فقتلهم قال البيهقي لا يقول علي مثل هذا إلا أنه يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يعقوب بن سفيان حدثنا حرملة ثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي الأسود قال دخل معاوية على عائشة فقالت ما حملك على قتل أهل عذراء حجرا وأصحابه فقال يا أم المؤمنين إني رأيت قتلهم إصلاحا للأمة وأن بقاءهم فسادا فقالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء وقال يعقوب بن سفيان ثنا عمرو بن عاصم ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن مروان بن الحكم قال دخلت مع معاوية على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت يا معاوية قتلت حجرا وأصحابه وفعلت الذي فعلت أما خشيت أن أخبأ لك رجلا فيقتلك قال لا إني في بيت أمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الايمان قيد الفتك لا يفتك لا يفتك مؤمن يا أم المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك قالت صالح قال فدعيني وحجرا حتى نلتقي عند ربنا عز وجل
*2* حديث آخر
@ قال يعقوب بن سفيان ثنا عبيد الله بن معاذ ثنا أبي ثنا شعبة عن أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعشرة من اصحابه آخركم موتا في النار فيهم سمرة بن جندب قال أبو نضرة فكان سمرة آخرهم موتا قال البيهقي رواته ثقات إلا أن أبا نضرة العبدي لم يثبت له من أبي هريرة سماع والله أعلم ثم روى من طريق إسماعيل بن حكيم عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أنس بن حكيم قال كنت أمر بالمدينة فألقى أبا هريرة فلا يبدأ بشيء حتى يسألني عن سمرة فلو أخبرته بحياته وصحته فرح وقال إنا كنا عشرة في بيت وإن رسول الله قام علينا ونظر في وجوهنا وأخذ بعضادتي الباب وقال آخركم موتا في النار فقد مات منا ثمانية ولم يبق غيري وغيره فليس شيء أحب إلي من أن أكون قد ذقت الموت وله شاهد من وجه آخر وقال يعقوب ابن سفيان ثنا حجاج بن منهال ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أوس بن خالد قال كنت إذا قدمت على أبي محذورة سألني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عن أبي محذورة فقلت لأبي محذورة مالك إذا قدمت عليك تسالني عن سمرة وإذا قدمت على سمرة سألني عنك فقال إني كنت أنا وسمرة وأبو هريرة في بيت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال آخركم موتا في النار قال فمات أبو هريرة ثم مات أبو محذورة ثم مات سمرة وقال عبد الرزاق أنا معمر سمعت ابن طاوس وغيره يقولون قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة وسمرة بن جندب ولرجل آخر آخركم موتا في النار فمات الرجل قبلهما وبقي أبو هريرة وسمرة فكان الرجل إذا أراد أن يغيظ أبا هريرة يقول مات سمرة فاذا سمعه غشي عليه وصعق ثم مات أبو هريرة قبل سمرة وقتل سمرة بشرا كثيرا وقد ضعف البيهقي عامة هذه الروايات لانقطاع بعضها وإرساله ثم قال وقد قال بعض أهل العلم أن سمرة مات في الحريق ثم قال ويحتمل أن يورد النار بذنوبه ثم ينجو منها بإيمانه فيخرج منها بشفاعة الشافعين والله أعلم ثم أورد من طريق هلال بن العلاء الرقي أن عبد الله بن معاوية حدثهم عن رجل قد سماه أن سمرة استجمر فغفل عن نفسه وغفل أهله عنه حتى أخذته النار قلت وذكر عيره أن سمرة بن جندب رضي الله عنه أصابه كرار شديد وكان يوقد له على قدر مملوءة ماءا حارا فيجلس فوقها ليتدفأ ببخارها فسقط يوما فيها فمات رضي الله عنه وكان موته سنة تسع وخمسين بعد أبي هريرة بسنة وقد كان ينوب عن زياد بن سمية في البصرة إذا سار إلى الكوفة وفي الكوفة إذا سار إلى البصرة فكان يقيم في كل منهما ستة أشهر من السنة وكان شديدا على الخوارج مكثرا للقتل فيهم وهم شر قتلى تحت أديم السماء وقد كان الحسن البصري ومحمد بن سيرين وغيرهما من علماء البصرة يثنون عليه رضي الله عنه
*2* خبر رافع بن خديج
@ روى البيهقي من حديث مسلم بن إبراهيم عن عمرو بن مرزوق الواضحي ثنا يحيى بن عبد الحميد ابن رافع عن جدته أن رافع بن خديج رمى قال عمر لا أدري أيهما قال يوم أحد أو يوم حنين بسهم في ثندوته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انزع لي السهم فقال له يا رافع إن شئت نزعت السهم والقبضة جميعا وإن شئت نزعت السهم وتركت القبضة وشهدت لك يوم القيامة أنك شهيد فقال يا رسول الله انزع السهم واترك القبضة واشهد لي يوم القيامة أني شهيد قال فعاش حتى كانت خلافة معاوية انتقض الجرح فمات بعد العصر هكذا وقع في هذه الرواية أنه مات في إمارة ماوية والذي ذكره الواقدي وغير واحد أنه مات سنة ثلاث وقيل أربع وسبعين ومعاوية رضي الله عنه كانت وفاته في سنة ستين بلا خلاف والله أعلم
*2* إخباره صلى الله عليه وسلم لما وقع من الفتن من بني هاشم بعد موته
@ قال البخاري حدثنا محمد بن كثير أخبرني سفيان عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ستكون اثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم وقال البخاري ثنا محمد بن عبد الرحيم أنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم ثنا أبو اسامة ثنا شعبة عن أبي النياح عن أبي زرعة عن
أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلك الناس هذا الحي من قريش قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال لو أن الناس اعتزلوهم ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة وقال البخاري قال محمود ثنا أبو داود أخبرنا شعبة عن أبي التياح قال سمعت أبا زرعة وحدثنا أحمد بن محمد المكي ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده قال كنت مع مروان وأبي هريرة فسمعت أبا هريرة يقول سمعت الصادق المصدوق يقول هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش فقال مروان غلمة قال أبو هريرة إن شئت أن أسميهم فلان وبني فلان تفرد به البخاري وقال أحمد ثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص أخبرني جدي سعيد بن عمرو بن سعيد عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هلكة أمتي على يدي غلمة قال مروان وهم معنا في الحلقة قبل أن يلي شيئا فلعنة الله عليهم غلمة قال أما والله لو أشاء أن أقول بني فلان وبني فلان لفعلت قال فكنت أخرج مع أبي وجدي إلى بني مروان بعد ما ملكوا فاذا هم يبايعون الصبيان ومنهم من يبايع له وهو في خرقة قال لنا عسى أصحابكم هؤلاء أن يكونوا الذي سمعت أبا هريرة يذكر ان هذه الملوك يشبه بعضها بعضا وقال أحمد حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن سماك حدثني عبد الله بن ظالم قال سمعت أبا هريرة قال سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش ثم رواه أحمد عن زيد بن الخباب عن سفيان وهو الثوري عن سماك عن مالك بن ظالم عن أبي هريرة فذكره ثم روى غندر وروح بن عبادة عن سفيان عن سماك بن حرب عن مالك بن ظالم قال سمعت أبا هريرة زاد روح يحدث مروان بن الحكم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق يقول هلاك أمتي على يد غلمة أمراء سفهاء من قريش وقال الامام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة حدثني بشر بن أبي عمرو الخولاني أنا الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون خلف من بعد الستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثا مرمن ومنافق وفاجر وقال بشير فقلت للوليد ما هؤلاء الثلاثة قال المنافق كافر به والفاجر يتأكل به والمؤمن يؤمن به تفرد به أحمد وإسناده جيد قوي على شرط السنن وقد روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن علي بن عفان عن أبي أسامة عن مجالد عن الشعبي قال لما رجع علي من صفين قال أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية فانه لو فقدتموه لقد رأيتم الرؤوس تنزو من كواهلها كالحنظل ثم روى عن الحاكم وغيره عن الأصم عن العباس ابن الوليد بن زيد عن أبيه عن جابر عن عمير بن هانئ أنه حدثه أنه قال كان أبو هريرة يمشي في سوق المدينة وهو يقول اللهم لا تدركني سنة الستين ويحكم عكوا بصدغي معاوية اللهم لا تدركني إمارة الصبيان قال البيهقي وعلي وأبو هريرة إنما يقولان هذا الشيء سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يعقوب بن سفيان أنا عبد الرحمن بن عمرو الحزامي ثنا محمد بن سليمان عن أبي تميم البعلبكي عن هشام بن الغار عن ابن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الأمر معتدلا قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية وروى البيهقي من طريق عوف الأعرابي عن أبي خلدة عن أبي العالية عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية وهذا منقطع بين أبي العالية وأبي ذر وقد رجحه البيهقي بحديث أبي عبيدة المتقدم قال ويشبه أن يكون هذا الرجل هو يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان والله أعلم قلت الناس في يزيد بن معاوية أقسام فمنهم من يحبه ويتولاه وهم طائفة من أهل الشام من النواصب وأما الروافض فيشنعون عليه ويفترون عليه أشياء كثيرة ليست فيه ويتهمه كثير منهم بالزندقة ولم يكن كذلك وطائفة أخرى لا يحبونه ولا يسبونه لما يعلمون من أنه لم يكن زنديقا كما تقوله الرافضة ولما وقع في زمانه من الحوادث الفظيعة والأمور المستنكرة البشعة الشنيعة فمن أنكرها قتل الحسين بن علي بكربلاء ولكن لم يكن ذلك من علم منه ولعله لم يرض به ولم يسؤه وذلك من الأمور المنكرة جدا ووقعة الحرة كانت من الأمور القبيحة بالمدينة النبوية على ما سنورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى
*2* الأخبار بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما
@ وقد ورد في الحديث بمقتل الحسين فقال الامام أحمد حدثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة يعني ابن زاذان عن ثابت عن أنس قال استأذن ملك المطر أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذن له فقال لأم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد فجاء الحسين بن علي فوثب حتى دخل فجعل يصعد على منكب النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الملك أتحبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم نعم قال فإن أمتك تقتله وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه قال فضرب بيده فأراه ترابا أحمر فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها قال فكنا نسمع يقتل بكربلاء ورواه البيهقي من حديث بشر بن موسى عن عبد الصمد عن عمارة فذكره ثم قال وكذلك رواه سفيان بن فروخ عن عمارة وعمارة بن زاذان هذا هو الصيدلاني أبو سلمة البصري اختلفوا فيه وقد قال فيه أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين وضعفه أحمد مرة ووثقه أخرى وحديثه هذا قد روي عن غيره من وجه آخر فرواه الحافظ البيهقي من طريق عمارة بن عرفة عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا وقد قال البيهقي أنا الحاكم في آخرين قالوا أنا الأصم أنا عباس
الدوري ثنا محمد بن خالد بن مخلد ثنا موسى بن يعقوب عن هاشم بن هاشم عن عتبة بن أبي وقاص عن عبد الله بن وهب بن زمعة أخبرتني أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطجع ذات يوم فاستيقظ وهو حائر ثم اضطجع فرقد ثم استيقظ وهو حائر دون ما رأيت منه في المرة الاولى ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء وهو يقلبها فقلت ما هذه التربة يا رسول الله فقال أخبرني جبريل أن هذا مقتل بأرض العراق للحسين قلت له يا جبريل أرني تربة الأرض التي يقتل بها فهذه تربتها ثم قال البيهقي تابعه أبو موسى الجهني عن صالح بن يزيد النخعي عن أم سلمة وأبان عن شهر بن حوشب عن أم سلمة وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده ثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي ثنا الحسين بن عيسى ثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال كان الحسين جالسا في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال جبريل أتحبه فقال وكيف لا أحبه وهو ثمرة فؤادي فقال أما إن أمتك ستقتله ألا أريك من موضع قبره فقبض قبضة فاذا تربة حمراء ثم قال البزار لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد والحسين بن عيسى قد حدث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمها عند غيره قلت هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري قال البخاري مجهول يعني مجهول الحال وإلا فقد روى عنه سبعة نفر وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال أبو حاتم ليس بالقوي روى عن الحاكم بن أبان أحاديث منكرة وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن عدي قليل الحديث وعامة حديثه غرائب وفي بعض أحاديثه منكرات وروى البيهقي عن الحكم وغيره عن أبي الأحوص عن محمد بن الهيثم القاضي ثنا محمد بن مصعب ثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد بن عبد الله عن أم الفضل بنت الحارث أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني رأيت حلما منكرا الليلة قال وما هو قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري قال رأيت خيرا تلك فاطمة إن شاء الله تلد غلاما فيكون في حجرك فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فاذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تهريقان الدموع قالت قلت يا نبي الله بأبي أنت وأمي مالك قال أتاني جبريل عليه السلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا فقلت هذا قال نعم وأتاني بتربة من ترتبه حمراء وقد روى الأمام أحمد عن عفان عن وهيب عن أيوب عن صالح أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن أم الفضل قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني رأيت في منامي أن في بيتي أو حجري عضوا من أعضائك قال تلد فاطمة إن شاء الله غلاما فتكفلينه فولدت له فاطمة حسينا فدفعته إليها فأرضعته بلبن قثم فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أزوره فأخذه فوضعه على صدره فبال فأصاب البول إزاره فزخخت بيدي على كتفيه
فقال أوجعت ابني أصلحك الله أو قال رحمك الله فقلت أعطني إزارك أغسله فقال إنما يغسل بول الجارية ويصب على بول الغلام ورواه أحمد أيضا عن يحيى بن بكير عن إسرئيل عن سماك عن قابوس بن مخارق عن أم الفضل فذكر مثله سواء وليس فيه الأخبار بقتله فالله أعلم وقال الأمام أحمد حدثنا عفان ثنا حماد أنا عمار بن أبي عمارة عن ابن عباس قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائل أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا قال دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم قال فأحصينا ذلك اليوم فوجدوه قتل في ذلك اليوم رضي الله عنه قال قتادة قتل الحسين يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف الشهر وهكذا قال الليث وأبو بكر بن عياش الواقدي والخليفة بن خياط وابو معشر وغير واحد إنه قتل يوم عاشوراء عام إحدى وستين وزعم بعضهم أنه قتل يوم السبت والأول أصح وقد ذكروا في مقتله أشياء كثيرة أنها وقعت من كسوف الشمس يومئذ وهو ضعيف وتغيير آفاق السماء ولم ينقلب حجر إلأ وجد تحته دم ومنهم من خصص ذلك بحجارة بيت المقدس وأن الورس استحال رمادا وأن اللحم صار مثل العلقم وكان فيه النار إلى غير ذلك مما في بعضها نكارة وفي بعضها احتمال والله أعلم وقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ولم يقع شيء من هذه الأشياء وكذلك الصديق بعده مات ولم يكن شيء من هذا وكذا عمر بن الخطاب قتل شهيدا وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر وحصر عثمان في داره وقتل بعد ذلك شهيدا وقتل علي بن أبي طالب شهيدا بعد صلاة الفجر ولم يكن شيء من هذه الأشياء والله أعلم وقد روى حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمارة عن أم سلمة أنها سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي وهذا صحيح وقال شهر بن حوشب كنا عند أم سلمة فجاءها الخبر بقتل الحسين فخرت مغشيا عليها وكان سبب قتل الحسين أنه كتب إليه أهل العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليبايعوه بالخلافة وكثر تواتر الكتب عليه من العامة ومن ابن عمه مسلم بن عقيل فلما ظهر على ذلك عبيد الله بن زياد نائب العراق ليزيد بن معاوية فبعث إلى مسلم بن عقيل يضرب عنقه ورماه من القصر إلى العامة فتفرق ملؤهم وتبددت كلمتهم هذا وقد تجهز الحسين من الحجاز إلى العراق ولم يشعر بما وقع فتحتمل بأهله ومن أطاعه وكانوا قريبا من ثلثمائة وقد نهاه عن ذلك جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد وجابر وابن عباس وابن عمر فلم يطعهم وما أحسن ما نهاه ابن عمر عن ذلك واستدل له على أنه لا يقع ما يريده فلم يقبل فروى الحافظ البيهقي من حديث يحيى بن سالم الأسدي ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه قال سمعت الشعبي يقول كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين بن
علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة قال أين تريد قال العراق ومعه طوامير وكتب فقال لا تأتهم فقال هذه كتبهم وبيعتهم فقال إن الله خير نبيه صلى الله عليه وسلم بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا وإنكم بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد منكم أبدا وما صرفها عنكم إلى الذي هو خير منكم فارجعوا فأبى وقال هذه كتبهم وبيعتهم قال فاعتنقه ابن عمر وقال أستودعك الله من قتيل وقد وقع ما فهمه عبد الله بن عمر من ذلك سواء من أنه لم يل أحد من أهل البيت الخلافة على سبيل الاستقلال ويتم له الأمر وقد قال ذلك عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب إنه لا يلي أحد من أهل البيت أبدا ورواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتابه الفتن والملاحم قلت وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية فان أكثر العلماء على أنهم أدعياء وعلي بن أبي طالب ليس من أهل البيت ومع هذا لم يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله ولا اتسعت يده في البلاد كلها ثم تنكدت عليه الأمور وأما ابنه الحسن رضي الله عنه فإنه لما جاء في جيوشه وتصافى هو وأهل الشام ورأى أن المصلحة في ترك الخلافة تركها لله عز وجل وصيانة لدماء المسلمين أثابه الله رضي الله عنه وأما الحسين رضي الله عنه فأن ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب الى العراق وخالفه اعتنقه مودعا وقال أستودعك الله من قتيل وقد وقع ما تفرسه ابن عمر فانه لما استقل ذاهبا بعث إليه عبيد الله بن زياد بكتيبة فيها أربعة آلاف يتقدمهم عمرو بن سعد ابن أبي وقاص وذلك بعد ما استعفاه فلم يعفه فالتقوا بمكان يقال له كربلاء بالطف فالتجأ الحسين ابن علي وأصحابه الى مقصبة هنالك وجعلوها منهم بظهر وواجهوا أولئك وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث إما أن يدعوه يرجع من حيث جاء وإما أن يذهب إلى ثغر من الثغور فيقاتل فيه أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يده في يده فيحكم فيه بما شاء فأبوا عليه واحدة منهن وقالوا لا بد من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيك رأيه فأبي أن يقدم عليه أبدا وقاتلهم دون ذلك فقتلوه رحمه الله وذهبوا برأسه إلى عبيد الله بن زياد فوضعوه بين يديه فجعل ينكت بقضيب في يده على ثناياه وعنده أنس بن مالك جالس فقال له يا هذا ارفع قضيبك قد طال ما رأيت رسول الله يقبل هذه الثنايا ثم أمر عبيد الله بن زياد أن يسار بأهله ومن كان معه إلى الشام إلى يزيد بن معاوية ويقال إنه بعث معهم بالرأس حتى وضع بين يدي يزيد فأنشد حينئذ قول بعضهم
نفلق هاما من رجال أعزة * علينا وهم كانوا أعق وأظلما
ثم أمر بتجهيزهم إلى المدينة البنوية فلما دخلوها تلقتهم امرأة من بنات عبد المطلب ناثرة
شعرها واضعة كفها على رأسها تبكي وهي تقول
ماذا تقولون إن قال النبي لكم * ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم * أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي
وسنورد هذا مفصلا في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد رثاه الناس بمراث كثيرة ومن أحسن ذلك ما أورده الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وكان فيه تشيع
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد * متزملا بدمائه تزميلا
فكأنما بك يا ابن بنت محمد * قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا * في قتلك التنزيل والتأويلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما * قتلوا بك التكبير والتهليلا
*2* ذكر الاخبار عن وقعة الحرة التي كانت في زمن
@ قال يعقوب بن سفيان حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني ابن فليح عن أبيه عن أيوب بن عبد الرجمن عن أيوب بن بشير المعافري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في سفر من أسفاره فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ما الذي رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك ليس من سفركم هذا قالوا فما هو يا رسول الله قال يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي هذا مرسل وقد قال يعقوب بن سفيان قال وهب بن جرير قالت جويرية حدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء تأويل هذه الآية على رأس ستين سنة ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها قال لأعطوها يعني إدخال بني حارثة أهل الشام على أهل المدينة وهذا إسناد صحيح الى ابن عباس وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء وقال نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم حدثنا أبو عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر أرأيت أن الناس قتلوا حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف أنت صانع قال قلت الله ورسوله أعلم قال تدخل بيتك قال قلت فان أتى علي قال يأتي من أنت منه قال قلت وأحمل السلاح قال إذا تشرك معهم قال قلت فكيف أصنع يا رسول الله قال إن خفت أن يبهرك شعاع السيف فألق طائفة من ردائك على وجهك يبوء بإثمك وإثمه ورواه الأمام أحمد في مسنده عن مرحوم هو ابن عبد العزيز عن أبي عمران الجوني فذكره مطولا قلت وكان سبب وقعة الحرة أن وفدا من اهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق فأكرمهم
وأحسن جائزتهم وأطلق لأميرهم وهو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر قريبا من مائة ألف فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها ترك الصلاة عن وقتها بسبب السكر فاجتمعوا على خلعه فخلعوه عند المنبر النبوي فلما بلغه ذلك بعث إليهم سرية يقدمها رجل يقال له مسلم بن عقبة وإنما يسميه السلف مسرف بن عقبة فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام فقتل في غضون هذه الأيام بشرا كثيرا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها وزعم بعض علماء السلف أنه قتل في غضون ذلك ألف بكر فالله أعلم وقال عبد الله بن وهب عن الامام مالك قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن حسبت أنه قال وكان فيهم ثلاثة من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في خلافة يزيد وقال يعقوب ابن سفيان سمعت سعيد بن كثير بن عفير الانصاري يقول قتل يوم الحرة عبد الله بن يزيد المازني ومعقل بن سليمان الاشجعي ومعاذ بن الحارث القاري وقتل عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر قال يعقوب وحدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن الليث قال وكانت وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من الحجة سنة ثلاث وستين ثم انبعث مسرف بن عقبة إلى مكة قاصدا عبد الله بن الزبير ليقتله بها لانه فر من بيعة يزيد فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك واستفحل أمر عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز ثم أخذ العراق ومصر وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد وكان رجلا صالحا فلم تطل مدته مكث أربعين يوما وقيل عشرين يوما ثم مات رحمه الله فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذها فبقي تسعة اشهر ثم مات وقام بعده ابنه عبد الملك فنازعه فيها عمرو بن سعيد بن الاشدق وكان نائبا على المدينة من زمن معاوية وأيام يزيد ومروان فلما هلك مروان زعم أنه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك فضاق به ذرعا ولم يزل به حتى أخذه بعد ما استفحل أمره بدمشق فقتله في سنة تسع وستين ويقال في سنة سبعين واستمرت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث وسبعين قتله الحجاج بن يوسف الثقفي عن أمره بمكة بعد محاصرة طويلة اقتضت أن نصب المنجنيق على الكعبة من أجل أن ابن الزبير لجأ الى الحرم فلم يزل به حتى قتله ثم عهد في الأمر الى بنيه الأربعة بعده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام بن عبد الملك وقد قال الأمام أحمد حدثنا أسود ويحيى بن أبي بكير ثنا كامل أبو العلاء سمعت أبا صالح وهو مولى ضباعة المؤذن واسمه مينا قال سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان وقال لا تذهب الدنيا حتى يظهر اللكع ابن لكع وقال الأسود يعني اللئيم ابن اللئيم وقد روى الترمذي من حديث أبي كامل عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر أمتي من ستين إلى سبعين سنة ثم قال حسن غريب وقد روى الامام أحمد عن عفان
وعبد الصمد عن حماد بن سلمة عن علي بن يزيد حدثني من سمع أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لينعقن وقال عبد الصمد في روايته ليزعقن جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا زاد عبد الصمد حتى يسيل رعافه قال فحدثني من رأى عمرو بن سعيد بن العاص يرعف على منبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى سال رعافه قلت علي بن يزيد بن جدعان في روايته غرابة ونكارة وفيه تشيع وعمرو بن سعيد هذا يقال له الأشدق كان من سادات المسلمين وأشرافهم في الدنيا لا في الدين وروى عن جماعة من الصحابة منهم في صحيح مسلم عن عثمان في فصل الطهور وكان نائبا على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد بعده ثم استفحل أمره حتى كان يصاول عبد الملك بن مروان ثم خدعه عبد الملك حتى ظفر به فقتله في سنة تسع وستين أو سنة سبعين فالله أعلم وقد روى عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنها أنه لما حضرته الوفاة قال لبنيه وكانوا ثلاثة عمرو هذا وأمية وموسى فقال لهم من يتحمل ما علي فبدر ابنه عمرو هذا وقال أنا يا أبة وما عليك قال ثلاثون ألف دينار قال نعم قال وأخواتك لا تزوجهن إلا بالأكفاء ولو أكلن خبز الشعير قال نعم قال وأصحابي من بعدي إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا معروفي قال نعم قال أما لئن قلت ذلك فلقد كنت أعرفه من حماليق وجهك وأنت في مهدك وقد ذكر البيهقي من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عن حرملة بن عمران عن أبيه عن يزيد بن أبي حبيب أنه سمعه يحدث عن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي قال اصطحب قيس ابن حرشة وكعب حتى إذا بلغا صفين وقف كعب الأحبار فذكر كلامه فيما يقع هناك من سفك دماء المسلمين وأنه يجد ذلك في التوراة وذكر عن قيس بن حرشة أنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقول الحق وقال يا قيس بن حرشة عسى إن عذبك الدهر حتى يكبك بعدي من لا يستطيع أن تقول بالحق معهم فقال والله لا أبايعك على شيء إلا وفيت لك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لا يضرك بشر فبلغ قيس إلى ايام عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان فنقم عليه عبيد الله في شيء فأحضره فقال أنت الذي زعم أنه لا يضرك بشر قال نعم قال لتعلمن اليوم أنك قد كذبت ائتوني بصاحب العذاب قال فمال قيس عند ذلك فمات
*2* معجزة أخرى
@ روى البيهقي من طريق الداروردي عن ثور بن يزيد عن موسى بن ميسرة أن بعض بني عبد الله سايره في بعض طريق مكة قال حدثني العباس بن عبد المطلب أنه بعث ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة فوجد عنده رجلا فرجع ولم يكلمه من أجل مكان الرجل فلقي العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال ورآه قال نعم قال أتدري من ذلك الرجل ذاك جبريل ولن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما وقد مات ابن عباس سنة ثمان وستين بعد ما عمي رضي الله عنه وروى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان حدثتنا سيابة بنت يزيد عن خمارة عن أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على زيد يعوده في مرض كان به قال ليس عليك من مرضك باس ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت قال إذا أحتسب وأصبر قال إذا تدخل الجنة بغير حساب قال فعمي بعد ما مات رسول الله ثم رد الله عليه بصره ثم مات
*2* فصل ( حديث : إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا ) .
@ وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة وعند مسلم عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا دجالا كلهم يزعم أنه نبي وقال البيهقي عن الماليني عن أبي عدي عن أبي يعلى الموصلي حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا محمد بن الحسن الأسدي ثنا شريك عن أبي اسحاق عن عبد الله بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا منهم مسيلمة والعنسي والمختار وشر قبائل العرب بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف قال ابن عدي محمد بن الحسن لع إفرادات وقد حدث عنه الثقاة ولم أر بتحديثه بأسا وقال البيهقي لحديثه في المختار شواهد صحيحه ثم أورد من طريق أبي داود الطيالسي حدثنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل عن أبي عقرب عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت للحجاج بن يوسف أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن في ثقيف كذابا ومبيرا فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فلا إخالك إلا إياه قال ورواه مسلم من حديث الأسود بن شيبان وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه وقال البيهقي أنا الحاكم وأبو سعيد عن الأصم عن عباس الدراوردي عن عبيد الله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان بن عيينة عن أبي المحيا عن أمه قالت لما قتل الحجاج عبد الله بن الزبير دخل الحجاج على أسماء بنت أبي بكر فقال يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة فقالت لست لك بأم ولكني أم المصلوب على رأس الثنية وما لي من حاجة ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت فقال الحجاج مبير المنافقين وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شريك عن أبي علوان عبد الله بن عصمة عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن في ثقيف كذابا ومبيرا وقد تواتر خبر المختار بن أبي عيد الكذاب
الذي كان نائبا على العراق وكان يزعم أنه نبي وأن جبريل كان يأتيه بالوحي وقد قيل لابن عمر وكان زوج أخت المختار وصفيه إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه قال صدق قال الله تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم وقال أبو داود الطيالسي ثنا قرة بن خالد عن عبد الملك بن عمير عن رفاعة بن شداد قال كنت ألصق شيء بالمختار الكذاب قال فدخلت عليه ذات يوم فقال دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي قال فأهويت إلى قائم السيف لأضربه حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة فكففت عنه وقد رواه أسباط بن نصر وزائدة والثوري عن إسماعيل السدي عن رفاعة بن شداد القباني فذكر نحوه وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان بن عيينة عن مجالد عن الشعبي قال فأخرت أهل البصرة فغلبتهم بأهل الكوفة والأحنف ساكت لا يتكلم فلما رآني غلبتهم أرسل غلاما له فجاء بكتاب فقال هاك اقرأ فقرأته فاذا فيه من المختار لله يذكر أنه نبي يقول الأحنف أنى فينا مثل هذا وأما الحجاج بن يوسف فقد تقدم الحديث أنه الغلام المبير الثقفي وسنذكر ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه فانه كان نائبا على العراق لعبد الملك بن مروان ثم لابنه الوليد بن عبد الملك وكان من جبابرة الملوك على ما كان فيه من الكرم والفصاحة على ما سنذكره وقد قال البيهقي ثنا الحاكم عن أبي نصر الفقيه ثنا عثمان بن سعيد الدارمي أن معاوية بن صالح حدثه عن شريح بن عبيد عن أبي عذبة قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فأخبره أن أهل العراق قد حصبوا أميرهم فخرج غضبان فصلى لنا الصلاة فسها فيها حتى جعل الناس يقولون سبحان الله سبحان الله فلما سلم أقبل على الناس فقال من ههنا من أهل الشام فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثا او رابعا فقال يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق فان الشيطان قد باض فيهم وفرخ اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم أهل الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم قال عبد الله وحدثني ابن لهيعة بمثله قال وولد الحجاج يومئذ ورواه الدارمي أيضا عن أبي اليمان عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن أبي عذبة الحمصي عن عمر فذكر مثله قال أبو اليمان علم عمر أن الحجاج خارج لا محالة فلما أغضبوه استعجل لهم العقوبة قلت فان كان هذا نقله عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد تقدم له شاهد عن غيره وإن كان عن تحديث فكرامة الولي معجزة لنبيه وقال عبد الرزاق أنا جعفر يعني ابن سليمان عن مالك بن دينار عن الحسن قال قال علي لأهل الكوفة اللهم كما ائتمنتهم فخانوني ونصحت لهم فغشوني فسلط عليهم فتى
ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها ويلبس فروتها ويحكم فيهم بحكم الجاهلية قال فتوفي الحسن وما خلق الله الحجاج يومئذ وهذا منقطع وقد رواه البيهقي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن علي بن أبي طالب أنه قال الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها ويقتل أشراف أهلها يشتد منه العرق ويكثر منه الارق ويسلطه الله على شيعته وله من حديث يزيد بن هارون أنا العوان بن حوشب حدثني حبيب بن أبي ثابت قال قال علي لا مت حتى تدرك فتى ثقيف فقيل يا أمير المؤمنين وما فتى ثقيف فقال ليقالن له يوم القيامة اكفنا زاوية من زوايا جهنم رجل يملك عشرين سنة أو بضعا وعشرين سنة لا يدع لله معصية إلا ارتكبها حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها يفتن بمن أطاعه من عصاه وهذا معضل وفي صحته عن علي نظر والله أعلم وقال البيهقي عن الحاكم عن الحسين بن الحسن بن أيوب عن أبي حاتم الرازي عن عبد الله بن يوسف الثنيني ثنا هشام بن يحيى الغساني قال قال عمر بن عبد العزيز لو جاءت كل أمة بخبيثها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبي عن أبي النجود ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس أن أباه لما تحقق موت الحجاج تلا قوله تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين قلت وقد توفي الحجاج سنة خمس وتسعين
*2* الاشارة النبوية الى دولة عمر بن عبد العزيز تاج بني أمية
@ قد تقدم حديث أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بعد هذا الخير من شر قال نعم قلت وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قلت وما دخنه قال قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي يعرف منهم وينكر الحديث فحمل البيهقي وغيره هذا الخبر الثاني على أيام عمر بن عبد العزيز وروى عن الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد بن مرثد عن أبيه قال سئل الأوزاعي عن تفسير حديث حذيفة حين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر الذي يكون بعد ذلك الخير فقال الأوزاعي هي الردة التي كانت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مسألة حذيفة فهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن قال الأوزاعي فالخير الجماعة وفي ولاتهم من يعرف سيرته وفيهم من ينكر سيرته قال فلم يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتالهم ما صلوا الصلاة وروى أبو داود الطيالسي عن داود الواسطي وكان ثقة عن حبيب بن سالم عن نعمان بن سالم عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها لكم إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة قال فقدم

عمر بن عبد العزيز ومعه يزيد بن النعمان فكتبت إليه أذكره الحديث وكتبته إليه أقول أني أرجو أن تكون أمير المؤمنين بعد الخيرية قال فأخذ يزيد الكتاب فأدخله على عمر فسر به وأعجبه وقال نعيم بن حماد حدثنا روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال قال عمر بن عبد العزيز رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر وعثمان وعلي فقال لي ادن فدنوت حتى قمت بين يديه فرفع بصره إلي وقال أما إنك ستلي أمر هذه الأمة وستعدل عليهم وسيأتي في الحديث الآخر إن شاء الله أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها وقد قال كثير من الأئمة إنه عمر بن عبد العزيز فانه تولى سنة إحدى ومائة وقال البيهقي أنا الحاكم أنا أبو حامد أحمد بن علي المقري ثنا أبو عيسى ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عفان بن مسلم ثنا عثمان بن عبد الحميد ابن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال بلغنا أن عمر بن الخطاب قال إن من ولدي رجلا بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلا قال نافع من قبله ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز وقد رواه نعيم بن حماد عن عثمان بن عبد الحميد به ولهذا طرق عن ابن عمر أنه كان يقول ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا وقد روى ذلك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب نحوا من هذا وقد كان هذا الأمر مشهورا قبل ولايته وميلاده بالكلية أنه يلي رجل من بني أمية يقال له أشج بني مروان وكانت أمه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائبا لأخيه عبد الملك على مصر وكان يكرم عبد الله بن عمر ويبعث إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلها وبعث إليه مرة بألف دينار فاخذها وقد دخل عمر بن عبد العزيز يوما إلى اصطبل أبيه وهو صغير فرمحه فرس فشجه في جبينه فجعل أبوه يسلت عنه الدم ويقول أما لئن كنت أشج بني مروان إنك إذا لسعيد وكان الناس يقولون الأشج والناقص أعدلا بني مروان فالأشج هو عمر بن عبد العزيز والناقص هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك الذي يقول فيه الشاعر
رأيت اليزيد بن الوليد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله
قلت وقد ولي عمر بن عبد العزيز بعد سليمان بن عبد الملك سنتين ونصفا فملأ الأرض عدلا وفاض المال حتى كان الرجل يهمه لمن يعطي صدقته وقد حمل البيهقي الحديث المتقدم عن عدي بن حاتم على أيام عمر بن عبد العزيز وعندي في ذلك نظر والله أعلم وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أويس حدثني أبو معن الأنصاري ثنا أسيد قال بينما عمر بن عبد العزيز يمشي إلى مكة بفلاة من الأرض إذ رأى حية ميتة فقال علي بمحفار فقالوا نكفيك أصلحك الله قال لا ثم أخذه ثم لفه في خرقة ودفنه فاذا هاتف يهتف رحمة الله عليك يا سرق
فقال له عمر بن عبد العزيز من أنت يرحمك الله قال أنا رجل من الجن وهذا سرق ولم يبق ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وغيره وأشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تموت يا سرق بفلاة من الأرض ويدفنك خير أمتي وقد روى هذا من وجه آخر وفيه أنهم كانوا تسعة بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أن عمر بن عبد العزيز حلفه فلما حلف بكى عمر بن عبد العزيز وقد رجحه البيهقي وحسنه فالله أعلم
*2* حديث آخر في صحته نظر في ذكر وهب بن منبه بالمدح وذكر غيلان بالذم
@ روى البيهقي من حديث هشام بن عمار وغيره عن الوليد بن أسلم عن مروان بن سالم اليرقاني عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في أمتي رجل يقال له وهب يهب الله له الحكمة ورجل يقال له غيلان هو أضر على أمتي من إبليس وهذا لا يصح لأن مروان بن سالم هذا متروك وبه إلى الوليد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ينعق الشيطان بالشام نعقة يكذب ثلثاهم بالقدر قال البيهقي وفي هذا وأمثاله إشارة إلى غيلان وما ظهر بالشام بسببه من التكذيب بالقدر حتى قتل
*2* الاشارة الى محمد بن كعب القرظي وعلمه بتفسير القرآن وحفظه
@ قال حرملة عن ابن وهب أخبرني أبو صخر عن عبد الله بن مغيث عن أبي بردة الظفري عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج في أحد الكاهنين رجل قد درس القرآن دراسة لا يدرسها أحد يكون من بعده وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن إسماعيل القاضي ثنا أبو ثابت ثنا ابن وهب حدثني عبد الجبار بن عمر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة لا يدرسها أحد غيره قال فكانوا يرون أنه محمد بن كعب القرظي قال أبو ثابت الكاهنان قريظة والنضير وقد روى من وجه آخر مرسل يخرج من الكاهنين رجل أعلم الناس بكتاب الله وقد قال عون بن عبد الله ما رأيت أحدا أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب
*2* ذكر الاخبار بانخرام قرنة صلى الله عليه وسلم بعد مائة سنة من ليلة اخباره
@
ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن سالم وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة عن عبد الله
ابن عمر قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ليلة في آخر عمره فلما سلم قام فقال أرأيتكم ليلتكم هذه فان رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد قال عمر فوهل الناس من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما يحدثون من هذه الأحاديث من مائة سنة وإنما يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن وفي رواية إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام قرنه وفي صحيح مسلم من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل موته بشهر يسألون عن الساعة وإنما علمها عند الله فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهذا الحديث وأمثاله مما يحتج به من ذهب من الأئمة إلى أن الخضر ليس بموجود الآن كما قدمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء عليهم السلام وهو نص على أن جميع الأحياء في الارض يموتون إلى تمام مائة سنة من إخباره عليه السلام وكذا وقع سواء فما نعلم تأخر أحد من أصحابه إلى ما يجاوز هذه المدة وكذلك جميع الناس ثم قد طرد بعض العلماء هذا الحكم في كل مائة سنة وليس في الحديث تعرض لهذا والله أعلم
*2* حديث آخر
@ قال محمد بن عمر الواقدي حدثني شريح بن يزيد عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي وقال هذا الغلام يعيش قرنا قال فعاش مائة سنة وقد رواه البخاري في التاريخ عن أبي حيوة شريح بن يزيد به فذكره قال وزاد غيره وكان في وجهه ثالول فقال ولا يموت حتى يذهب الثالول من وجهه فلم يمت حتى ذهب الثالول من وجهه وهذا إسناد على شرط السنن ولم يخرجوه ورواه البيهقي عن الحاكم عن محمد بن الؤمل بن الحسن بن عيسى عن الفضل بن محرز الشعرانى ثنا حيوة بن شريح عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يعيش هذا الغلام قرنا فعاش مائة سنة قال الواقدي وغير واحد توفي عبد الله بن بسر بحمص سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين وهو آخر ما بقي من الصحابة بالشام
*2* الاخبار عن الوليد بن يزيد بما فيه له من الوعيد الشديد
@ وإن صح فهو الوليد بن يزيد لا الوليد بن عبد الملك
قال يعقوب بن سفيان حدثني محمد بن خالد بن العباس السكسكي حدثني الوليد بن مسلم حدثني أبو عمر الأوزاعي عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال ولد لأخي أم سلمة غلام فسموه الوليد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلتم تسمون بأسماء فراعنتكم إنه سيكون في هذه
الأمة رجل يقال له الوليد هو أضر على أمتي من فرعون على قومه قال أبو عمر الأوزاعي فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به حتى خرجوا عليه فقتلوه وانفتحت على الأمة الفتنة والهرج وقد رواه البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن سعيد بن عثمان التنوخي عن بشر بن بكر عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد فذكره ولم يذكر قول الأوزاعي ثم قال وهذا مرسل حسن وقد رواه نعيم بن حماد عن الوليد بن مسلم به وعنده قال الزهري إن استخلف الوليد بن يزيد فهو هو وإلا فهو الوليد بن عبد الملك وقال نعيم بن حماد ثنا هشيم عن أبي حمزة عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيكون رجل اسمه الوليد يسد به ركن من أركان جهنم وزاوية من زواياها وهذا مرسل أيضا
*2* حديث آخر
@ قال سليمان بن بلال عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا وعباد الله خولا ومال الله دولا رواه البيهقي من حديثه وقال نعيم بن حماد ثنا بقية بن الوليد وعبد القدوس عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا بلغت بنو امية أربعين اتخذوا عباد الله خولا ومال الله نحلا وكتاب الله دغلا وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبين أبي ذر وقال إسحاق بن راهويه أنا جرير عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا ومال الله دولا وعباد الله خولا ورواه أحمد عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير به وقال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا بسام وهو محمد بن غالب ثنا كامل بن طلحة ثنا ابن لهيعة عن أبي قبيل أن ابن وهب أخبره أنه كان عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان فكلمه في حاجته فقال اقض حاجتي يا أمير المؤمنين فوالله إن مؤنتي لعظيمة وإني لأبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة فلما أدبر مروان وابن عباس جالس مع معاوية على السرير قال معاوية أنشدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا وعباد الله خولا وكتاب الله دغلا فاذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك ثمرة فقال ابن عباس اللهم نعم قال وذكر مروان حاجة له فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها فلما أدبر عبد الملك قال معاوية أنشدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال أبو الجبابرة الأربعة فقال ابن عباس اللهم نعم وهذا الحديث فيه غرابة ونكارة شديدة وابن لهيعة ضعيف وقد قال
أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا سعد بن زيد أخو حماد بن زيد عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن عن عمرو بن مرة وكانت له صحبة قال جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال ائذنوا له حية أو ولد حية عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم ليترفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا ومالهم في الآخرة من خلاق قال الدارمي أبو الحسن هذا حمصي وقال نعيم بن حماد في الفتن والملاحم ثنا عبد الله بن مروان المرواني عن ابي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن مروان بن الحكم لما ولد دفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليدعو له فأبى أن يفعل ثم قال ابن الزرقاء هلاك أمتي على يديه ويدي ذريته وهذا حديث مرسل
*2* ذكر الاخبار عن خلفاء بني أمية جملة من جملة
@ قال يعقوب بن سفيان ثنا أحمد بن محمد أبو محمد الزرقي ثنا الزنجي يعني مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت في المنام بني الحكم أو بني أبي العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة قال فما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا حتى توفي وقال الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية على منابرهم فساءه ذلك فأوحي إليه إنما هي دنيا أعطوها فقرت به عينه وهي قوله وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس يعني بلاء للناس علي بن زيد بن جدعان ضعيف والحديث مرسل أيضا وقال أبو داود الطيالسي ثنا القاسم بن الفضل هو الحدائي ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال يا مسود وجوه المؤمنين فقال الحسن لا تؤنبني رحمك الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت إنا أعطيناك الكوثر يعني نهرا في الجنة ونزلت إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر يملكه بنو امية قال القاسم فحسبنا ذلك فاذا هو ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما وقد رواه الترمذي وابن جرير الطبري والحاكم في مستدركه والبيهقي في دلائل النبوة كلهم من حديث القاسم بن الفضل الحذاء وقد وثقه يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي عن يوسف بن سعد ويقال يوسف بن مازن الراسبي وفي رواية ابن جرير عيسى بن مازن قال الترمذي وهو رجل مجهول وهذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه فقوله إن يوسف هذا مجهول مشكل والظاهر أنه أراد أنه مجهول الحال فأنه قد روى عنه جماعة منهم حماد بن سلمة وخالد الحذاء ويونس بن عبيد وقال يحيى بن معين وهو مشهور وفي رواية عنه قال هو ثقة فارتفعت الجهالة عنه مطلقا
قلت ولكن في شهوده قصة الحسن ومعاوية نظر وقد يكون أرسلها عمن لا يعتمد عليه والله أعلم وقد سألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي رحمه الله عن هذا الحديث فقال هو حديث منكر وأما قول القاسم بن الفضل رحمه الله إنه حسب دولة بني أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقصه فهو غريب جدا وفيه نظر وذلك لأنه لا يمكن إدخال دولة عثمان بن عفان رضي الله عنه وكانت ثنتا عشرة سنة في هذه المدة لا من حيث الصورة ولا من حيث المعنى وذلك أنها ممدوحة لأنه أحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وهذا الحديث إنما سيق لذم دولتهم وفي دلالة الحديث على الذم نظر وذلك أنه دل على أن ليلة القدر خير من ألف شهر التي هي دولتهم وليلة القدر ليلة خيرة عظيمة المقدار والبركة كما وصفها الله تعالى به فما يلزم من تفضيلها على دولتهم ذم دولتهم فليتأمل هذا فانه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر لانه إنما سيق لذم أيامهم والله تعالى أعلم وأما إذا اراد أن ابتداء دولتهم منذ ولي معاوية حين تسلمها من الحسن بن علي فقد كان ذلك سنة أربعين أو إحدى وأربعين وكان يقال له عام الجماعة لأن الناس كلهم اجتمعوا على إمام واحد وقد تقدم الحديث في صحيح البخاري عن أبي بكرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول للحسن بن علي إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين فكان هذا في هذا العام ولله الحمد والمنة واستمر الأمر في ايدي بني أمية من هذه السنة إلى سنة ثنتين وثلاثين ومائة حتى انتقل الى بني العباس كما سنذكره ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة وهذا لا يطابق ألف شهر لأن معدل ألف شهر ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر فان قال أنا أخرج منها ولاية ابن الزبير وكانت تسع سنين فحينئذ يبقى ثلاث وثمانون سنة فالجواب أنه وإن خرجت ولاية ابن الزبير فإنه لا يكون ما بقي مطابقا لألف شهر تحديدا بحيث لا ينقص يوما ولا يزيده كما قاله بل يكون ذلك تقريبا هذا وجه الثاني أن ولاية ابن الزبير كانت بالحجاز والأهواز والعراق في بعض أيامه وفي مصر في قول ولم تنسلب يد بني أمية من الشام أصلا ولا زالت دولتهم بالكلية في ذلك الحين الثالث أن هذا يقتضي دخول دولة عمر بن عبد العزيز في حساب بني أمية ومقتضى ما ذكره أن تكون دولته مذمومة وهذا لا يقوله أحد من أئمة الأسلام وإنهم مصرحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين حتى قرنوا أيامه تابعة لأيام الأربعة وحتى اختلفوا في أيهما أفضل هو أو معاوية بن أبي سفيان أحد الصحابة وقد قال أحمد بن حنبل لا أرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز فاذا علم هذا فإن أخرج أيامه من حسابه انحرم حسابه وإن أدخلها فيه مذمومة خالف الأئمة وهذا مالا محيد عنه وكل هذا مما يدل على نكارة هذا الحديث والله أعلم وقال نعيم بن حماد حدثنا سفيان عن العلاء بن أبي العباس سمع أبا الطفيل سمع عليا يقول لا يزال هذا الأمر في بني أمية ما لم يختلفوا بينهم حدثنا ابن وهب عن حرملة بن عمران عن سعد بن سالم عن أبي سالم الجيشاني سمع عليا يقول الأمر لهم حتى يقتلوا قتيلهم ويتنافسوا بينهم فاذا كان ذلك بعث الله عليهم أقواما من المشرق يقتلوهم بددا ويحصروهم عددا والله لا يملكون سنة إلا ملكنا سنتين ولا يملكون سنتين إلا ملكنا أربعا وقال نعيم بن حماد حدثنا الوليد بن مسلم عن حصين بن الوليد عن الزهري بن الوليد سمعت أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول إذا قتل الخليفة الشاب من بني أمية بين الشام والعراق مظلوما ما لم تزل طاعة يستخف بها ودم مسفوك بغير حق يعني الوليد ابن يزيد ومثل هذه الأشياء إنما تقال عن توقيف
*2* الاخبار عن دولة بني العباس
@ وكان ظهورهم من خراسان في سنة ثنتين وثلاثين ومائة
قال يعقوب بن سفيان حدثني محمد بن خالد بن العباس ثنا الوليد بن مسلم حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط قال قدم عبد الله بن عباس على معاوية وأنا حاضر فأجازه فأحسن جائزته ثم قال يا أبا العباس هل لكم في دولة فقال اعفني يا أمير المؤمنين فقال لتخبرني قال نعم فأخبره قال فمن أنصاركم قال أهل خراسان ولبني أمية من بني هاشم بطحات رواه البيهقي وقال ابن عدي سمعت ابن حماد أنا محمد بن عبده ابن حرب ثنا سويد بن سعيد أنا حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم وإذا معه جبريل وأنا أظنه دحية الكلبي فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه لوسخ الثياب وسيلبس ولده من بعده السواد وذكر تمام الحديث في ذهاب بصره ثم عوده إليه قبل موته قال البيهقي تفرد به حجاج بن تميم وليس بالقوي وقال البيهقي أنا الحاكم ثنا أبو بكر بن إسحاق وأبو بكر بن بالونة في آخرين قالوا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن معين ثنا عبيد الله ابن أبي قرة ثنا الليث بن سعيد عن أبي فضيل عن أبي ميسرة مولى العباس قال سمعت العباس قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال انظر هل ترى في السماء من شيء قلت نعم قال ما ترى قلت الثريا قال إما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك قال البخاري عبيد بن أبي قرة بغدادي سمع الليث لا يتابع على حديثه في قصة العباس وروى البيهقي من حديث محمد بن عبد الرحمن العامري وهو ضعيف عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس فيكم النبوة وفيكم الملك وقال أبو بكر بن خيثمة ثنا يحيى بن معين ثنا سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبي معبد قال قال ابن عباس كما فتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا هذا إسناد
جيد وهو موقوف على ابن عباس من كلامه وقال يعقوب بن سفيان حدثني ابراهيم بن أيوب ثنا الوليد ثنا عبد الملك بن حميد عن أبي عتبة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال سمعت ابن عباس ونحن نقول اثنا عشر أميرا واثنا عشر ثم هي الساعة فقال ابن عباس ما أحمقكم إن منا أهل البيت بعد ذلك المنصور والسفاح والمهدي يرفعها إلى عيسى بن مريم وهذا أيضا موقوف وقد رواه البيهقي من طريق الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا منا السفاح والمنصور المهدي وهذا إسناد ضعيف والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئا على الصحيح فهو منقطع والله أعلم وقد قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد الحذاء عن أبي قلابة بن أبي أسماء عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل عند كيركم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة لا يصير إلى واحد منهم ثم تقبل الرايات السود من خراسان فيقتلونهم مقتلة لم يروا مثلها ثم يجيء خليفة الله المهدي فاذا سمعتم فأتوه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي أخرجه ابن ماجه عن أحمد بن يوسف السلمي ومحمد بن يحيى الذهلي كلاهما عن عبد الرزاق به ورواه البيهقي من طرق عن عبد الرزاق ثم قال تفرد به عبد الرزاق قال البيهقي ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن اسماء موقوفا ثم قال البيهقي أنا علي بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا محمد بن غالب ثنا كثير بن يحيى ثنا شريك عن علي بن زيد عن أبي قلابة عن أبي اسماء عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبلت الرايات السود من عقب خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج فإن فيها خليفة الله المهدي وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الفضل بن سهل ثنا عبد الله بن داهر الرازي ثنا أبي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فتية من بني هاشم فاغرورقت عيناه وذكر الرايات قال فمن أدركها فليأتها ولو حبوا على الثلج ثم قال وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحكم الا ابن أبي ليلى ولا نعلم يروى إلا من حديث داهر بن يحيى وهو من أهل الرأي صالح الحديث وإنما يعرف من حديث يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم وقال الحافظ أبو يعلى ثنا أبو هشام بن يزيد بن رفاعة ثنا أبو بكر ابن عياش ثنا يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تجيء رايات سود من قبل المشرق تخوض الخيل الدم إلى أن يظهروا العدل ويطلبون العدل فلا يعطونه فيظهرون فيطلب منهم العدل فلا يعطونه وهذا إسناد حسن وقال الامام أحمد حدثنا يحيى بن غيلان وقتيبة بن سعيد قالا ثنا رشد بن سعد قال يحيى بن غيلان في حديثه قال حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة هو ابن ذؤيب الخزاعي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب
بأيليا وقد رواه الترمذي عن قتيبة به وقال غريب ورواه البيهقي والحاكم من حديث عبد الله ابن مسعود عن رشد بن سعد وقال البيهقي تفرد به رشد بن سعد وقد روى قريب من هذا عن كعب الأحبار ولعله أشبه والله أعلم ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا محمد عن أبي المغيرة عبد القدوس عن إسماعيل بن عياش عمن حدثه عن كعب الأحبار قال تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام ويقتل الله على أيديهم كل جبار وكل عدو لهم وقال الامام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور زمن الفتن رجل يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثوا ورواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الصمد عن أبي عوانة عن الأعمش به وقال فيه يخرج رجل من أهل بيتي يقال له السفاح فذكره وهذا الأسناد على شرط أهل السنن ولم يخرجوه فهذه الأخبار في خروج الرايات السود من خراسان وفي ولاية السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وقد وقعت ولايته في حدود سنة ثلاثين ومائة ثم ظهر بأعوانه ومعهم الرايات السود وشعارهم السواد كما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وفوقه عمامة سوداء ثم بعث عمه عبد الله لقتال بني أمية فكسرهم في سنة اثنتين وثلاثين ومائة وهرب من المعركة آخر خلفائهم وهو مروان بن محمد بن مروان ويلقب بمروان الحمار ويقال له مروان الجعدي لاشتغاله على الجعد بن درهم فيما قيل ودخل عمه دمشق واستحوذ على ما كان لبني أمية من الملك والأملاك والأموال وجرت خطوب كثيرة سنوردها مفصلة في موضعها إن شاء الله تعالى وقد ورد عن جماعة من السلف في ذكر الرايات السود التي تخرج من خراسان بما يطول ذكره وقد استقصى ذلك نعيم بن حماد في كتابه وفي بعض الروايات ما يدل على أنه لم يقع أمرها بعد وأن ذلك يكون في آخر الزمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تكون الدنيا للكع بن لكع قال أبو معمر هو أبو مسلم الخراساني يعني الذي أقام دولة بني العباس والمقصود أنه تحولت الدولة من بني أمية إلى بني العباس في هذه السسنة وكان أول قائم منهم أبو العباس السفاح ثم أخوه أبو جعفر عبد الله المنصور باني مدينة السلام ثم من بعده ابنه المهدي محمد بن عبد الله ثم من بعده ابنه الهادي ثم ابنه الآخر هارون الرشيد ثم انتشرت الخلافة في ذريته على ما سنفصله إذا وصلنا الى تلك الأيام وقد نطقت هذه الأحاديث التي أوردناها آنفا بالسفاح والمنصور والمهدي ولا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة
بذكره وأنه يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة كما أفرد له أبو داود كتابا في سننه وقد تقدم في بعض هذه الأحاديث آنفا أنه يسلم الخلافة إلى عيسى بن مريم إذا نزل الى الأرض والله أعلم وأما السفاح فقد تقدم أنه يكون في آخر الزمان فيبعد أن يكون هو الذي بويع أول خلفاء بني العباس فقد يكون خليفة آخر وهذا هو الظاهر فانه قد روى نعيم بن حماد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو المعافري من قدوم الحميري سمع نفيع بن عامر يقول يعيش السفاح أربعين سنة اسمه في التوراة طائر السماء قلت وقد تكون صفة للمهدي الذي يظهر في آخر الزمان لكثرة ما يسفح أي يريق من الدماء لاقامة العدل ونشر القسط وتكون الرايات السود المذكورة في هذه الأحاديث إن صحت هي التي تكون مع المهدي ويكون أول ظهور بيعته بمكة ثم تكون أنصاره من خراسان كما وقع قديما للسفاح والله تعالى أعلم هذا كله تفريع على صحة هذه الأحاديث وإلا فلا يخلو سند منها عن كلام والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
*2* الاخبار عن الأئمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش
@ وليسوا بالاثني عشر الذين يدعون إمامتهم الرافضة فان هؤلاء الذين يزعمون لم يل أمور الناس منهم إلا علي بن أبي طالب وابنه الحسن وآخرهم في زعمهم المهدي المنتظر في زعمهم بسرداب سامرا وليس له وجود ولا عين ولا أثر بل هؤلاء من الأئمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث
ثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة ومسلم من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون اثنا عشر خليفة ثم قال كلمة لم اسمعها فقلت لأبي ما قال قال قال كلهم من قريش وقال أبو نعيم بن حماد في كتاب الفتن والملاحم حدثنا عيسى بن يونس حدثنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى وقد روى مثل هذا الحديث عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس وكعب الأحبار من قولهم وقال أبو داود حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا مروان بن معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبيه عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يزال هذا الأمر قائما حتى يكون عليهم اثني عشرخليفة أو أميرا كلهم يجتمع عليهم الأمة وسمعت كلاما من النبي صلى الله عليه وسلم لم أفهمه فقلت لأبي ما يقول قال كلهم من قريش وقال أبو داود أيضا حدثنا ابن نفيل حدثنا زهير بن معاوية حدثنا زياد بن خيثمة حدثنا الأسود بن سعيد الهمداني عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها ظاهرة على عدوها حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش قال فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج قال البيهقي ففي الرواية الأولى بيان العدد وفي الثانية بيان المراد بالعدد وفي الثالثة بيان وقوع الهرج وهو القتل بعدهم وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة الى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة كما أخبر في هذه الرواية ثم ظهر ملك العباسية كما اشار إليه في الباب قبله وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر إذا تركت الصفة المذكورة فيه أو عد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان ثم ساقه من حديث عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وفي صحيح البخاري من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن معاوية بن أبي سفيان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين قال البيهقي أي أقاموا معالمه وإن قصروا هم في أعمال أنفسهم ثم ساق أحاديث بقية ما ذكره في هذا والله أعلم فهذا الذي سلكه البيهقي وقد وافقه عليه جماعة من أن المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق الذي قدمنا الحديث فيه بالذم والوعيد فأنه مسلك فيه نظر وبيان ذلك أن الخلفاء إلى زمن الوليد بن اليزيد هذا أكثر من اثني عشر على كل تقدير وبرهانه أن الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي خلافتهم محققة بنص حديث سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم بعدهم الحسن بن علي كما وقع لأن عليا أوصى إليه وبايعه أهل العراق وركب وركبوا معه لقتال أهل الشام حتى اصطلح هو ومعاوية كما دل عليه حديث أبي بكرة في صحيح البخاري ثم معاوية ثم ابنه يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد ثم مروان بن الحكم ثم ابنه عبد الملك بن مروان ثم ابنه الوليد بن عبد الملك ثم سليمان بن عبد الملك ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك فهؤلاء خمسة عشر ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك فأن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبد العزيز فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية ويخرج منهم عمر بن عبد العزيز الذي أطبق الأئمة على شكره وعلى مدحه وعدوه من الخلفاء الراشدين وأجمع الناس قاطبة على عدله وأن أيامه كانت من أعدل الأيام حتى الرافضة يعترفون بذلك فإن قال أنا لا أعتبر إلا من اجتمعت الأمة عليه لزمه على هذا القول أن لا يعد علي بن أبي طالب ولاابنه لان الناس لم يجتمعوا عليهما
وذلك أن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما وعد حبيب معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد ولم يقيد بأيام مروان ولا ابن الزبير كأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما فعلى هذا نقول في مسلكه هذا عادا للخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم عبد الملك ثم الوليد بن سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام فهؤلاء عشرة ثم من بعدهم الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق ولكن هذا لا يمكن أن يسلك لانه يلزم منه اخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر وهو خلاف ما نص عليه ائمة السنة بل والشيعة ثم هو خلاف ما دل عليه نصا حديث سفينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا وقد ذكر سفينة تفصيل هذه الثلاثين سنة فجمعها من خلافة الأربعة وقد بينا دخول خلافة الحسن وكانت نحوا من ستة أشهر فيها أيضا ثم صار الملك إلى معاوية لما سلم الامر اليه الحسن بن علي وهذا الحديث فيه المنع من تسمية معاوية خليفة وبيان أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة لا مطلقا بل انقطع تتابعها ولا ينفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك كما دل عليه حديث جابر بن سمرة وقال نعيم بن حماد حدثنا راشد بن سعد عن ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حذيفة بن اليمان قال يكون بعد عثمان اثنا عشر ملكا من بني أمية وقيل له خلفاء قال لا بل ملوك وقد روى البيهقي من حديث حاتم بن صفرة عن أبي بحر قال كان أبو الجلد جارا لي فسمعته يقول يحلف عليه أن هذه الأمة لن تهلك حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل البيت أحدهما يعيش أربعين سنة والآخر ثلاثين سنة ثم شرع البيهقي في رد ما قاله أبو الجلد بما لا يحصل به الرد وهذا عجيب منه وقد وافق أبا الجلد طائفة من العلماء ولعل قوله أرجح لما ذكرنا وقد كان ينظر في شيء من الكتب المتقدمة وفي التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه إن الله تعالى بشر إبراهيم باسماعيل وإنه ينميه ويكثره ويجعل من ذريته اثنى عشر عظيما قال شيخنا العلامة أبو العباس بن تيمية وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة وقرر أنهم يكونون مفرقين في الأمة ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا وغلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم وقد قال نعيم بن حماد حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن أبي المنهال عن أبي زياد بن كعب قال إن الله وهب لأسماعيل من صلبه اثني عشر قيما أفضلهم أبو بكر وعمر وعثمان وقال نعيم حدثنا ضمرة عن ابن شوذب عن يحيى بن عمرو الشيباني قال ليس من الخلفاء من لم يملك المسجدين المسجد الحرام والمسجد الاقصى
*2* الاخبار عن امور وقعت في دولة بني العباس
@ فمن ذلك حدثنا أبو جعفر عبد الله ومحمد بن علي بن عبد الله بن عباس الخليفة بعد أخيه الخليفة
السفاح وهو المنصور الباني لمدينة بغداد في سنة خمس واربعين ومائة قال نعيم بن حماد في كتابه عن أبي المغيرة عن أرطأة بن المنذر عمن حدثه عن ابن عباس أنه أتاه رجل وعنده حذيفة فقال يا ابن عباس قوله حمعسق فأطرق ساعة وأعرض عنه ثم كررها فلم يجبه بشيء فقال له حذيفة أنا أنبئك وقد عرفت لم كررها إنما نزلت في رجل من أهل بيته يقال له عبد الاله أو عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقا يجتمع فيهما كل جبار عنيد وقال أبو القاسم الطبراني حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجد الحوطي حدثنا أبو المغيرة حدثنا عبد الله بن السمط حدثنا صالح بن علي الهاشمي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأن يربي أحدكم بعد أربع وخمسين ومائة جرو كلب خير من أن يربي ولدا لصلبه قال شيخنا الذهبي هذا الحديث موضوع واتهم به عبد الله بن السمط هذا وقال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري في كتابه الفتن والملاحم حدثنا أبو عمرو البصري عن أبي بيان المعافري عن بديع عن كعب قال إذا كانت سنة ستين ومائة انتقص فيها حلم ذوي الاحلام ورأي ذوي الرأي
*2* حديث آخر فيه اشارة الى مالك بن أنس الامام
@ روى الترمذي من حديث ابن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة رواية يوشك أن يضرب الناس أكباد الابل يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ثم قال هذا حديث حسن وهو حديث ابن عيينة وقد روى عنه أنه قال هو مالك بن أنس وكذا قال عبد الرزاق قلت وقد توفي مالك رحمه الله سنة تسع وسبعين ومائة
*2* حديث آخر فيه اشارة إلى محمد بن إدريس الشافعي
@ قال أبو داود الطيالسي حدثنا جعفر بن سليمان عن النضر بن معبد الكندي أو العبدلي عن الجارود عن أبي الأحوص عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا قريشا فان عالمها يملأ الأرض علما اللهم إنك أذقت أولها وبالا فأذق آخرها نوالا وقد رواه الحاكم من طريق أبي هريرة قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وهو الشافعي قلت وقد توفي الشافعي رحمه الله في سنة أربع ومائتين وقد أفردنا ترجمته في مجلد وذكرنا معه تراجم أصحابه من بعده
*2* حديث آخر
@ روى رواد بن الجراح عن سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن حذيفة مرفوعا خيركم بعد المائتين خفيف الحاذ قالوا وما خفيف الحاذ يا رسول الله قال من لا أهل له ولا مال ولا ولد
*2* حديث آخر
@ قال ابن ماجه حدثنا الحسن بن علي الخلال حدثنا عون بن عمارة حدثني عبد الله بن المثنى ثنا ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده أنس بن مالك عن أبي قتادة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بعد المائتين وحدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا نوح بن قيس حدثنا عبد الله بن معقل عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمتي على خمس طبقات فأربعون سنة أهل بر وتقوى ثم الذين يلونهم الى عشرين ومائة سنة أهل تراحم وتواصل ثم الذين يلونهم الى ستين ومائة أهل تدابر وتقاطع ثم الهرج الهرج النجاء النجاء وحدثنا نصر بن علي حدثنا حازم أبو محمد العنزي حدثنا المسور بن الحسن عن أبي معن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمتي على خمس طبقات كل طبقة أربعون عاما فأما طبقتي وطبقة أصحابي فأهل علم وإيمان وأما الطبقة الثانية ما بين الأربعين إلى الثمانين فأهل بر وتقوى ثم ذكره نحوه هذا لفظه وهو حديث غريب من هذين الوجهين ولا يخلو عن نكارة والله أعلم وقد قال الامام أحمد ثنا وكيع بن الأعمش حدثنا هلال بن بيان عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يتسمنون يحبون السمن يعطون الشهادة قبل أن يسألوها ورواه الترمذي من طريق الأعمش وقد رواه البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبي حمزة عن زهدم بن مضرب سمعت عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن لفظ البخاري وقال البخاري حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم بن عبيدة عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته قال إبراهيم وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار وقد رواه بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق متعددة عن منصور به
*2* حديث آخر
@ قال نعيم بن حماد حدثنا أبو عمرو البصري عن ابن لهيعة عن عبد الوهاب بن حسين عن محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن الحرث الهمداني عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السابع من ولد العباس يدعو الناس إلى الكفر فلا يجيبونه فيقول له أهل بيته تريد أن تخرجنا من معايشنا فيقول إني أسير فيكم بسيرة أبي بكر وعمر فيأبون عليه فيقتله عدو له من أهل بيته من بني هاشم
فاذا وثب عليه اختلفوا فيما بينهم فذكر اختلافا طويلا إلى خروج السفياني وهذا الحديث ينطبق على عبد الله المأمون الذي دعا الناس إلى القول بخلق القرآن ووقى الله شرها كما سنورد ذلك في موضعه والسفياني رجل يكون آخر الزمان منسوب إلى أبي سفيان يكون من سلالته وسيأتي في آخر كتاب الملاحم
*2* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثنا هاشم ثنا ليث عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه سمعت أبا ثعلبة الخشني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول وهو بالفسطاط في خلافة معاوية وكان معاوية اغزى الناس القسطنطينية فقال والله لا تعجز هذه الأمة من نصف يوم إذا رأيت الشام مائدة رجل واحد وأهل بيته فعند ذلك فتح القسطنطينية هكذا رواه أحمد موقوفا على أبي ثعلبة وقد أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن وهب عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن أبي ثعلبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم تفرد به أبو داود ثم قال أبو داود ثنا عمرو بن عثمان ثنا أبو المغيرة حدثني صفوان عن سريج بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إني لأرجو أن لا يعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم قيل لسعد وكم نصف يوم قال خمسمائة سنة تفرد به أبو داود وإسناده جيد وهذا من دلائل النبوة فان هذا يقتضي وقوع تأخير الأمة نصف يوم وهو خمسمائة سنة كما فسره الصحابي وهو مأخوذ من قوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ثم هذا الاخبار بوقوع هذه المدة لا ينفي وقوع ما زاد عليها فأما ما يذكره كثير من الناس من أنه عليه السلام لا يؤلف في قبره بمعنى لا يمضي عليه ألف سنة من يوم مات إلى حين تقام الساعة فإنه حديث لا أصل له في شيء من كتب الاسلام والله أعلم
*2* حديث آخر
@ فيه الأخبار عن ظهور النار التي كانت بأرض الحجاز حتى أضاءت لها أعناق الأبل ببصرى وقد وقع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة
قال البخاري في صحيحه ثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري قال قال سعيد بن المسيب أخبرني أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الأبل ببصرى تفرد به البخاري وقد ذكر أهل التاريخ وغيرهم من الناس وتواتر وقوع هذا في سنة أربع وخمسين وستمائة قال الشيخ الامام الحافظ شيخ الحديث وإمام المؤرخين في زمانه شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الملقب بأبي شامة في تاريخه إنها ظهرت يوم الجمعة في خامس جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة وأنها استمرت وأزيد منه وذكر كتبا متواترة عن أهل المدينة في كيفية ظهورها شرق المدينة من ناحية وادي شظا تلقاء أحد وأنها ملأت تلك الاودية وانه يخرج منها شرريا كل الحجاز وذكر أن المدينة زلزلت بسببها وأنهم سمعوا أصواتا مزعجة قبل ظهورها بخمسة أيام أول ذلك مستهل الشهر يوم الاثنين فلم تزل ليلا ونهارا حتى ظهرت يوم الجمعة فانبجست تلك الأرض عند وادي شظا عن نار عظيمة جدا صارت مثل طوله أربعة فراسخ في عرض أربعة أميال وعمقه قام ويضف يسيل الصخر حتى يبقى مثل الآنك ثم يصير كالفحم الأسود وذكر أن ضوءها يمتد الى تيماء بحيث كتب الناس على ضوئها في الليل وكأن في بيت كل منهم مصباحا ورأى الناس سناها من مكة شرفها الله قلت وأما بصرى فأخبرني قاضي القضاة صدر الدين علي بن أبي قاسم التيمي الحنفي قال أخبرني والدي وهو الشيخ صفي الدين احد مدرسي بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة تلك الليلة من كان بحاضرة بلد بصرى أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء هذه النار التي ظهرت من أرض الحجاز وقد ذكر الشيخ شهاب الدين أن أهل المدينة لجأوا في هذه الايام الى المسجد النبوي وتابوا الى الله من ذنوب كانوا عليها واستغفروا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم مما سلف منهم وأعتقوا لغلمان وتصدقوا على فقرائهم ومجاريحهم وقد قال قائلهم في ذلك
يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا * فقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها * حملا ونحن بها حقا أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاد لها * وكيف تقوى على الزلزال صماء
أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت * عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجري فوقه سفن * من الهضاب لها في الأرض إرساء
يرى لها شرر كالقصر طائشة * كأنها ديمة تنصب هطلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت * رعبا وترعد مثل الشهب أضواء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى * أن عادت الشمس منه وهي دهماء
قد أثرت سعفة في البدر لفحتها * فليلة التم بعد النور ليلاء
فيالها آية من معجزات رسو * ل الله يعقلها اقوم الألباء
ومما قيل من هذه النار مع غرق بغداد في هذه السنة
سبحان من أصبحت مشيئته * جارية في الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما * أحرق أرض الحجاز بالنار




يتبع ..

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:35 AM
* حديث آخر
@ قال الامام أحمد حدثنا أبو عامر ثنا أفلح بن سعيد الأنصاري شيخ من أهل قبا من الأنصار حدثني عبد الله بن رافع مولى أم سلمة قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن طالت بكم مدة أوشك أن تروا قوما يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته في أيديهم مثل أذناب البقر ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن زيد بن الخباب عن أفلح ابن سعيد به وروى مسلم أيضا عن زهير بن حرب عن جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صنفان من أهل النار لم أرهما بعد قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا وهذان الصنفان وهما الجلادون الذين يسمون بالرجالة والجاندارية كثيرون في زماننا هذا ومن قبله وقبل قبله بدهر والنساء الكاسيات العاريات أي عليهن لبس لا يواري سوآتهن بل هو زيادة في العورة وأبداء للزينة مائلات في مشيهن مميلان غيرهن إليهن وقد عم البلاء بهن في زماننا هذا ومن قبله أيضا وهذا من أكبر دلالات النبوة إذ وقع الأمر في الخارج طبق ما أخبر به عليه السلام وقد تقدم حديث جابر أما إنها ستكون لكم أنماط وذكر تمام الحديث في وقوع ذلك واحتجاج امرأته عليه بهذا
*2* حديث آخر
@ روى الامام أحمد عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن داود بن أبي هند وأخرجه البيهقي من حديثه عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي عن طلحة بن عمرو البصري أنه قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هو يصلي إذ أتاه رجل فقال يا رسول الله أحرق بطوننا التمر وتحرقت عنا الحيف قال فحمد الله وأثنى عليه ثم قال لقد رأيتني وصاحبي وما لنا طعام غير البرير حتى أتينا إخواننا من الأنصار فآسونا من طعامهم وكان طعامهم التمر والذي لا إله إلا هو لو قدرت لكم على الخبز والتمر لأطعمتكموه وسيأتي عليكم زمان أو من أدركه منكم يلبسون مثل أستار الكعبة ويغدى ويراح عليكم بالجفان قالوا يا رسول الله أنحن يومئذ خير أم اليوم قال بل أنتم اليوم خير أنتم اليوم إخوان وأنتم يومئذ يضرب بعضكم رقاب بعض وقد روى سفيان الثوري عن يحيى بن سعيد عن أبي موسى بحلس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مشت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط الله بعضهم على بعض وقد أسنده البيهقي من طريق موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم
*2* حديث آخر
@ قال أبو داود حدثنا سليمان بن داود المهري ثنا ابن وهب ثنا سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل بن زيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها قال أبو داود عبد الرحمن بن شريح الاسكندراني لم يحدثه شراحيل تفرد به أبو داود وقد ذكر كل طائفة من العلماء في رأس كل مائة سنة عالما من علمائهم ينزلون هذا الحديث عليه وقال طائفة من العلماء هل الصحيح أن الحديث يشمل كل فرد فرد من آحاد العلماء من هذه الأعصار ممن يقوم بفرض الكفاية في أداء العلم عمن أدرك من السلف إلى من يدركه من الخلف كما جاء في الحديث من طرق مرسلة وغير مرسلة يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وهذا موجود ولله الحمد والمنة إلى زماننا هذا ونحن في القرن الثامن والله المسئول أن يختم لنا بخير وأن يجعلنا من عباده الصالحين ومن ورثة جنة النعيم آمين آمين يا رب العالمين وسيأتي الحديث المخرج من الصحيح لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك وفي صحيح البخاري وهم بالشام وقد قال كثير من علماء السلف أنهم أهل الحديث وهذا أيضا من دلائل النبوة فان أهل الحديث بالشام أكثر من سائر أقاليم الاسلام ولله الحمد ولا سيما بمدينة دمشق حماها الله وصانها كما ورد في الحديث الذي سنذكره أنه تكون معقل المسلمين عند وقوع الفتن وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عن عيسى بن مريم أنه ينزل من السماء على المنارة البيضاء شرقي دمشق ولعل أصل لفظ الحديث على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق وقد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء ولم أقف عليه إلى الآن والله الميسر وقد جددت هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعد ما أحرقها النصارى من أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمائة فأقاموها من أموال النصارى مقاصة على ما فعلوا من العدوان وفي هذا حكمة عظيمة وهو أن ينزل على هذه المبنية من أموالهم عيسى بن مريم نبي الله فيكذبهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية أي يتركها ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا الاسلام يعني أو يقتله وقد أخبر بهذا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرره عليه وسوغه له صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم باحسان
*2* باب البينة على ذكر معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم
@ مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله وأعلى منها خارجة عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم يكن لاحد قبله منهم عليهم السلام
فمن ذلك القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فأنه معجزة مستمرة على الآباد ولا يخفي برهانها ولا يتفحص مثلها وقد تحدى به الثقلين من الجن والأنس على أن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة من مثله فعجزوا عن ذلك كما تقدم تقرير ذلك في أول كتاب المعجزات وقد سبق الحديث المتفق على إخراجه في الصحيحين من حديث الليث بن سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من نبي إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة والمعنى أن كل نبي أوتي من خوارق المعجزات ما يقتضي إيمان من رأى ذلك من أولي البصائر والنهى لا من أهل العناد والشقاء وإنما كان الذي أوتيته أي جله وأعظمه وابهره القرآن الذي أوحاه الله إلي فأنه لا يبيد ولا يذهب كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء أيامهم فلا تشاهد بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فانه معجزة متواترة عنه مستمرة دائمة البقاء بعده مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد وقد تقدم في الخصائص ذكر ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بقية إخوانه من الأنبياء عليهم السلام كما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأينما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث الى قومه وبعثت الى الناس عامة وقد تكلمنا على ذلك وما شاكله فيما سلف بما أغنى عن إعادته ولله الحمد وقد ذكر غير واحد من العلماء أن كل معجزة لنبي من الأنبياء فهي معجزة لخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن كلا منهم بشر بمبعثه وأمر بمتابعته كما قال تعالى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وقد ذكر البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه العهد والميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الاولياء معجزات للأنبياء
لان الولي إنما نال ذلك ببركة متابعته لنبيه وثواب إيمانه والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أني وقفت على مولد اختصره من سيرة الامام محمد بن إسحاق بن يسار وغيرهما شيخنا الإمام العلامة شيخ الاسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري السماكي نسبه إلى أبي دجانة الأنصاري سماك بن حرب بن حرشة الأوسي رضي الله عنه شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة المعروف بابن الزملكاني عليه رحمة الله وقد ذكر في أواخره شيئا من فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد فصلا في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة ونبه على فوائد جمة وفوائد مهمة وترك أشياء أخرى حسنة ذكرها غيره من الأئمة المتقدمين ولم أره استوعب الكلام إلى آخره فأما أنه قد سقط من خطه أو أنه لم يكمل تصنيفه فسألني بعض أهله من أصحابنا ممن تتأكد إجابته وتكرر ذلك منه في تكميله وتبويبه وترتيبه وتهذيبه والزيادة عليه والاضافة إليه فاستخرت الله حينا من الدهر ثم نشطت لذلك ابتغاء الثواب والأجر وقد كنت سمعت من شيخنا الأمام العلامة الحافظ أبي الحجاج المزي تغمده الله برحمته أن أول من تكلم في هذا المقام الأمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله في كتابه دلائل النبوة عن شيخه الحاكم أبي عبد الله أخبرني أبو أحمد بن ابي الحسن أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي عن أبيه قال عمر بن سوار قال الشافعي مثل ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم فقلت أعطى عيسى إحياء الموتى فقال أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حين بني له المنبر حسن الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك هذا لفظه رضي الله عنه والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب البينة على ما أعطى الله أنبياءه عليهم السلام من الآيات البينات والخوارق القاطعات والحجج الواضحات وأن الله جمع لعبده ورسوله سيد الأنبياء وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات مع ما اختصه الله به مما لم يؤت أحدا قبله كما ذكرنا في خصائصه وشمائله صلى الله عليه وسلم ووقفت عل فصل مليح في هذا المعنى في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني وهو كتاب حافل في ثلاث مجلدات عقد فيه فصلا في هذا المعنى وكذا ذكر ذلك الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه دلائل النبوة وهو كتاب كبير جليل حافل مشتمل على فرائد نفيسة وكذا الصرصري الشاعر يورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي وها أنا أذكر بعون الله مجامع ما ذكرنا من هذه الاماكن المتفرقة بأوجز عبارة وأقصر إشارة وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم
*2* القول فيما أوتي نوح عليه السلام
@ قال الله تعالى فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض
عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر وقد ذكرت القصة مبسوطة في أول هذا الكتاب وكيف دعا على قومه فنجاه الله ومن اتبعه من المؤمنين فلم يهلك منهم أحد وأغرق من خالفه من الكافرين فلم يسلم منهم أحد حتى ولا ولده قال شيخنا العلامة أبو المعالي محمد بن علي الأنصاري الزملكاني ومن خطه نقلت وبيان أن كل معجزة لنبي فلنبينا أمثالها إذا تم يستدعي كلاما طويلا وتفصيلا لا يسعه مجلدات عديدة ولكن ننبه بالبعض على البعض فلنذكر جلائل معجزات الانبياء عليهم السلام فمنها نجاة نوح في السفينة بالمؤمنين ولا شك أن حمل الماء للناس من غير سفينة أعظم من السلوك عليه في السفينة وقد مشى كثير من الأولياء على متن الماء وفي قصة العلاء بن زياد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك روى منجاب قال غزونا مع العلاء بن الحضرمي دارين فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له فنزلنا منزلا فطلب الماء فلم يجده فقام وصلى ركعتين وقال اللهم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اللهم اسقنا غيثا نتوضأ به ونشرب ولا يكون لأحد فيه نصيب غيرنا فسرنا قليلا فإذا نحن بماء حين أقلعت السماء عنه فتوضأنا منه وتزودنا وملأت إداوتي وتركتها مكانها حتى أنظر هل استجيب له أم لا فسرنا قليلا ثم قلت لأصحابي نسيت إداوتي فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه ماء قط ثم سرنا حتى أتينا دارين والبحر بيننا وبينهم فقال يا علي يا حكيم إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلا فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا ومشينا على متن الماء ولم يبتل لنا شيء وذكر بقية القصة فهذا أبلغ من ركوب السفينة فإن حمل الماء للسفينة معتاد وأبلغ من فلق البحر لموسى فإن هناك انحسر الماء حتى مشوا على الأرض فالمعجز انحسار الماء وها هنا صار الماء جسدا يمشون عليه كالأرض وإنما هذا منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبركته انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلق بنوح عليه السلام وهذه القصة التي ساقها شيخنا ذكرها الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الدلائل من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا عن أبي كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجلي عن عبد الملك ابن أخت سهم عن سهم بن منجاب قال غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره وقد ذكرها البخاري في التاريخ الكبير من وجه آخر ورواها البيهقي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان مع العلاء وشاهد ذلك وساقها البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله عن عون عن أنس بن مالك قال أدركت في هذه الامة ثلاثا لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمها الامم قلنا ما هن يا أبا حمزة قال كنا في الصفة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض
فغمضه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بجهازه فلما أردنا أن نغسله قال يا أنس ائت أمه فأعلمها فأعلمتها قال فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم قالت اللهم إني إسلمت لك طوعا وخلعت الأوثان فلا تحملني من هذه المصيبة مالا طاقة لي بحمله قال فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى هلكت أمه قال أنس ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرمي قال أنس وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء والحر شديد فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة فلما مالت الشمس لغروبها صلى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئا قال فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا قال ثم أتينا عدونا وقد جاوز خليجا في البحر إلى جزيرة فوقف على الخليج وقال يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم ثم قال أجيزوا بسم الله قال فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ثم ذكر موت العلاء ودفنهم إياه في أرض لا تقبل الموتى ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثم وإذا اللحد يتلألأ نورا فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلوا فهذا السياق أتم وفيه قصة المرأة التي أحيى الله لها ولدها بدعائها وسننبه على ذلك فيما يتعلق بمعجزات المسيح عيسى بن مريم مع ما يشابهها إن شاء الله تعالى كما سنشير إلى قصة العلاء هذه مع ما سنورده معها ههنا فيما يتعلق بمعجزات موسى عليه السلام في قصة فلق البحر لبني إسرائيل وقد ارشد إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه
*2* قصة اخرى تشبه قصة العلاء بن الحضرمي
@ روى البيهقي في الدلائل وقد تقدم ذلك أيضا من طريق سليمان بن مروان الأعمش عن بعض أصحابه قال انتهينا إلى دجلة وهي مادة والأعاجم خلفها فقال رجل من المسلمين بسم الله ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء فقال الناس بسم الله ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم وقالوا ديوان ديوان أي مجانين ثم ذهبوا على وجوههم قال فما فقد الناس إلا قدحا كان معلقا بعدبة سرج فلما خرجوا أصابوا الغنائم واقتسموا فجعل الرجل يقول من يبادل صفراء ببيضاء وقد ذكرنا في السيرة العمرية وأيامها وفي التفسير أيضا أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو عبيدة النفيعي أمير الجيوش في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وانه نظر إلى دجلة فتلا قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ثم سمى الله تعالى واقتحم بفرسه الماء واقتحم الجيش وراءه ولما نظر إليهم الأعاجم يفعلون ذلك جعلوا يقولون ديوان ديوان أي
مجانين مجانين ثم ولوا مدبرين فقتلهم المسلمون وغنموا منهم مغانم كثيرة
*2* قصة أخرى شبيهة بذلك
@ وروى البيهقي من طريق أبي النضر عن سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي الخشب من مدها فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله تعالى ثم قال هذا إسناد صحيح قلت وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في ترجمة أبي عبد الله بن أيوب الخولاني هذه القصة بأبسط من هذه من طريق بقية ابن الوليد حدثني محمد بن زياد عن أبي مسلم الخولاني أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال أجيزوا بسم الله قال ويمر بين أيديهم فيمرون على الماء فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب أو في بعض ذلك أو قريبا من ذلك قال وإذا جازوا قال للناس هل ذهب لكم شيء من ذهب له شيء فأنا ضامن قال فألقى مخلاة عمدا فلما جاوزوا قال الرجل مخلاتي وقعت في النهر قال له اتبعني فأذا المخلاة قد تعلقت ببعض أعواد النهر قال خذها وقد رواه أبو داود من طريق الأعرابي عنه عن عمرو بن عثمان عن بقية به ثم قال أبو داود حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد أن أبا مسلم الخولاني أتى على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فوقف عليها ثم حمد الله وأثنى عليه وذكر مسير بني إسرائيل في البحر ثم لهز دابته فخاضت الماءوتبعه الناس حتى قطعوا ثم قال هل فقدتم شيئا من متاعكم فأدعو الله أن يرده علي وقد رواه ابن عساكر من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حميد بن هلال العدوي حدثني ابن عمي أخي أبي قال خرجت مع أبي مسلم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر فقلنا لأهل القرية أين المخاضة فقالوا ما كانت هاهنا مخاضة ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين فقال أبو مسلم اللهم أجزت بني إسرائيل البحر وإنا عبيدك وفي سبيلك فأجزنا هذا النهر اليوم ثم قال اعبروا بسم الله قال ابن عمي وأنا على فرس فقلت لأدفعنه أول الناس خلف فرسه قال فوالله ما بلغ الماء بطون الخيل حتى عبر الناس كلهم ثم وقف وقال يا معشر المسلمين هل ذهب لأحد منكم شيء فأدعو الله تعالى يرده فهذه الكرامات لهؤلاء الأولياء هي معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم تقريره لأنهم إنما نالوها ببركة متابعته ويمن سفارته إذ فيها حجة في الدين أكيدة للمسلمين وهي مشابهة نوح عليه السلام في مسيره فوق الماء بالسفينة التي أمره الله تعالى بعملها ومعجزة موسى عليه السلام في فلق البحر وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل ومن جهة أنه ماء جار والسير عليه أعجب من السير على الماء القار الذي يجاز وإن كان ماء الطوفان أطم وأعظم فهذه خارق والخارق لا فرق بين قليله وكثيره فإن من سلك على وجه الماء الخضم الجاري
العجاج فلم يبتل منه نعال خيولهم أو لم يصل إلى بطونها فلا فرق في الخارق بين أن يكون قامة أو ألف قامة أو أن يكون نهرا أو بحرا بل كونه نهرا عجاجا كالبرق الخاطفوالسيل الجاري أعظم واغرب وكذلك بالنسبة إلى فلق البحر وهو جانب بحر القلزم حتى صار كل فرق كالطود العظيم أي الجبل الكبير فانحاز الماء يمينا وشمالا حتى بدت أرض البحر وأرسل الله عليها الريح حتى أيبسها ومشت الخيول عليها بلا انزعاج حتى جاوزوا عن آخرهم وأقبل فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأضل فرعون قومه وما هدى وذلك أنهم لما توسطوه وهموا بالخروج منه أمر الله البحر فارتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم فلم يفلت منهم أحد كما لم يفقد من بني إسرائيل واحد ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات كما بسطنا ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة والمقصود أن ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرمي وأبي عبد الله الثقفي وأبي مسلم الخولاني من مسيرهم على تيار الماء الجاري فلم يفقد منهم أحد ولم يفقدوا شيئا من أمتعتهم هذا وهم أولياء منهم صحابي وتابعيان فما الظن لو كان الاحتياج إلى ذلك بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء وخاتمهم وأعلاهم منزلة ليلة الأسراء وإمامهم ليلتئذ ببيت المقدس الذي هو محل ولايتهم ودار بدايتهم وخطيبهم يوم القيامة وأعلاهم منزلة في الجنة وأول شافع في الحشر وفي الخروج من النار وفي دخوله الجنة وفي رفع الدرجات بها كما بسطنا أقسام الشفاعة وأنواعها في آخر الكتاب في أهوال يوم القيامة وبالله المستعان وسنذكر في المعجزات الموسوية ما ورد من المعجزات المحمدية مما هو أظهر وأبهر منها ونحن الآن فيما يتعلق بمعجزات نوح عليه السلام ولم يذكر شيخنا سوى ما تقدم وأما الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني فأنه قال في آخر كتابه دلائل النبوة وهو في مجلدات ثلاث الفصل الثالث والثلاثون في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم بفضائل نبينا ومقابلة ما أوتوا من الآيات بما أوتي إذ أوتي ما أوتوا وشبهه ونظيره فكان أول الرسل نوح نوح عليه السلام وآيته التي أوتي شفاء غيظه وإجابة دعوته في تعجيل نقمة الله لمكذبيه حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت وناطق إلا من آمن به ودخل معه في سفينته ولعمري إنها آية جليلة وافقت سابق قدر الله وما قد علمه في هلاكهم وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لما كذبه قومه وبالغوا في أذيته والاستهانة بمنزلته من الله عز وجل حتى ألقى السفيه عقبة بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو ساجد فقال اللهم عليك بالملأ من قريش ثم ساق الحديث عن ابن مسعود كما تقدم كما ذكرنا له في صحيح البخاري وغيره في وضع الملأ من قريش على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور واستضحاكهم من ذلك حتى أن بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك ولم يزل على ظهره حتى جاءت ابنته فاطمة عليها السلام فطرحته عن ظهره ثم أقبلت عليهم تسبهم فلما سلم
رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته رفع يديه فقال اللهم عليك بالملأ من قريش ثم سمى فقال اللهم عليك بأبي جهل وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد قال عبد الله بن مسعود فوالذي بعثه بالحق لقد رأيتهم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر وكذلك لما أقبلت قريش يوم بدر في عددها وعديدها فحين عاينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رافعا يديه اللهم هذه قريش جاءتك بفخرها وخيلئها تجادل وتكذب رسولك اللهم أصبهم الغداة فقتل من سراتهم سبعون واسر من أشرافهم سبعون ولو شاء لاستأصلهم عن آخرهم ولكن من حلم وشرف نبيه أبقى منهم من سبق في قدره أن سيؤمن به وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دعا على عتبة بن أبي لهب أن يسلط عليه كلبه بالشام فقتله الأسد عند وادي الزرقاء قبل مدينة بصرى وكم له من مثلها ونظيرها كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا العكبر وهو الدم بالوتر وأكلوا العظام وكل شيء ثم توصلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته فدعا لهم ففرج الله عنهم وسقوا الغيث ببركة دعائه وقال الامام الفقيه أبو محمد بن عبد الله بن حامد في كتاب دلائل النبوة وهو كتاب حافل ذكر ما أوتي نوح عليه السلام من الفضائل وبيان ما أوتي محمد صلى الله عليه وسلم مما يضاهي ويزيد عليها إن قوم نوح لما بلغوا من أذيته والاستخفاف به وترك الايمان بما جاءهم به من عند الله دعا عليهم فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا فاستجاب الله دعوته وغرق قومه حتى لم يسلم شيء من الحيوانات والدواب إلا من ركب السفينة وكان ذلك فضيلة أوتيها إذ أحيبت دعوته وشفي صدره بأهلاك قومه قلنا وقد أوتي محمد صلى الله عليه وسلم مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف فأنزل الله إليه ملك الجبال وأمره بطاعته فيما أمره به من إهلاك قومه فاختار الصبر على أذيتهم والابتهال في الدعاء لهم بالهداية قلت وهذا أحسن وقد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذهابه الى الطائف فدعاهم فآذوه فرجع وهو مهموم فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك وما ردوا عليك وقد أرسلني إليك لأفعل ما تأمرني به فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين يعني جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا أبو قبيس وزر فقال بل استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئا وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا أنه صلى الله عليه وسلم سأله ذلك الأعرابي أن يدعو الله لهم لما بهم من الجدب والجوع فرفع يديه فقال اللهم اسقنا
اللهم اسقنا فما نزل عن المنبر حتى رؤي المطر يتحادر على لحيته الكريمة صلى الله عليه وسلم فاستحضر من استحضر من الصحابة رضي الله عنهم قول عمه أبي طالب فيه
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامي عصمة للأرامل
يلوذ به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيجاب كما يريد على قدر الحاجة المائية ولا أزيد ولا أنقص وهكذا وقع أبلغ في المعجزة وأيضا فأن هذا ماء رحمة ونعمة وماء الطوفان ماء غضب ونقمة وأيضا فأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يستسقي بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم فيسقون وكذلك ما زال المسلمون في غالب الازمان والبلدان يستسقون فيجابون فيسقون وغيرهم لا يجابون غالبا ولا يسقون ولله الحمد قال أبو نعيم ولبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فبلغ جميع من آمن رجالا ونساء الذين ركبوا معه سفينته دون مائة نفس وآمن بنبينا في مدة عشرين سنة الناس شرقا وغربا ودانت له جبابرة الأرض وملوكها وخافت زوال ملكهم ككسرى وقيصر وأسلم النجاشي والأقيال رغبة في دين الله والتزم من لم يؤمن به من عظماء الارض الجزية والايادة عن صغار أهل نجران وهجر وأيلة وأنذر دومة فذلوا له منقادين لما أيده الله به من الرعب الذي يسير بين يديه شهرا وفتح الفتوح ودخل الناس في دين الله أفواجا كما قال الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا قلت مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فتح الله له المدينة وخيبر ومكة وأكثر اليمن وحضرموت وتوفي عن مائة ألف صحابي أو يزيدون وقد كتب في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعوهم إلى الله تعالى فمنهم من أجاب ومنهم من صانع ودارى عن نفسه ومنهم من تكبر فخاب وخسر كما فعل كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبر فمزق ملكه وتفرق جنده شذر مذر ثم فتح خلفاؤه من بعده أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي التالي على الاثر مشارق الأرض ومغاربها من البحر الغربي إلى البحر الشرقي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها وقال صلى الله عليه وسلم إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله وكذا وقع سواء بسواء فقد استولت الممالك الاسلامية على ملك قيصر وحواصله إلا القسطنطسينية وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق وإلى أقصى بلاد المغرب إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه في سنة ستة وثلاثين فكما عمت جميع أهل الأرض النقمة بدعوة نوح عليه السلام لما رآهم عليه من التمادى في الضلال والكفر والفجور فدعا عليهم غضبا لله ولدينه ورسالته فاستجاب الله له وغضب لغضبه وانتقم منهم بسببه كذلك عمت جميع
أهل الارض ببركة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته فآمن من آمن من الناس وقامت الحجة على من كفر منهم كما قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين وكما قال صلى الله عليه وسلم إنما أنا رحمة مهداة وقال هشام بن عمار في كتاب البعث حدثني عيسى بن عبد الله النعماني حدثنا المسعودي عن سعيد بن أبي سعيد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين قال من آمن بالله ورسله تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ومن لم يؤمن بالله ورسله عد فيمن يستحق تعجيل ما كان يصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف وقال تعالى ألم تر الى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار قال ابن عباس النعمة محمد والذين بدلوا نعمة الله كفرا كفار قريش يعني وكذلك كل من كذب به من سائر الناس كما قال ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده قال أبو نعيم فإن قيل فقد سمى الله نوحا عليه السلام باسم من اسمائه الحسنى فقال إنه كان عبدا شكورا قلنا وقد سمى الله محمدا صلى الله عليه وسلم باسمين من أسمائه فقال بالمؤمنين رءوف رحيم قال وقد خاطب الله الأنبياء بأسمائهم يا نوح يا إبراهيم يا موسى يا داود يا يحيى يا عيسى يا مريم وقال مخاطبا لمحمد صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول يا أيها النبي يا أيها المزمل يا أيها المدثر وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف ولما نسب المشركون أنبياءهم إلى السفه والجنون كل أجاب عن نفسه قال نوح يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين وكذا قال هود عليه السلام ولما قال فرعون وإني لأظنك يا موسى مسحورا قال موسى لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا وأما محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى هو الذي يتولى جوابهم عنه بنفسه الكريمة كما قال وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين قال الله تعالى ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين وقال تعالى أساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلا قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض إنه كان غفورا رحيما أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين وقال تعالى وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون قال الله تعالى وما هو إلا ذكر للعالمين وقال تعالى ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم وقال تعالى ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
*2* القول فيما أوتي هود عليه السلام
@ قال أبو نعيم ما معناه إن الله تعالى أهلك قومه بالريح العقيم وقد كانت ريح غضب ونصر الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالصبا يوم الأحزاب كما قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا ثم قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق حدثنا محمد بن إسحق بن خزيمة ح وحدثنا عثمان بن محمد العثماني أنا زكريا بن يحي الساجي قالا حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن عتاب عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجنوب الى الشمال فقالت انطلقي بنا ننصر محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال للجنوب إن الحرة لا ترى بالليل فأرسل الله عليهم الصبا فذلك قوله فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ويشهد له الحديث المتقدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور
*2* القول فيما أوتي صالح عليه السلام
@ قال أبو نعيم فإن قيل فقد أخرج الله لصالح ناقة من الصخرة جعلها الله له آية وحجة على قومه وجعل لها شرب يوم ولهم شرب يوم معلوم قلنا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مثل ذلك بل أبلغ لأن ناقة صالح لم تكلمه ولم تشهد له بالنبوة والرسالة ومحمد صلى الله عليه وسلم شهد له البعير بالرسالة وشكى إليه ما يلقى من أهله من أنهم يجيعونه ويريدون ذبحه ثم ساق الحديث بذلك كما قدمنا في دلائل النبوة بطرقه والفاظه وغرره بما أغنى عن إعادته هاهنا وهو في الصحاح والحسان والمسانيد وقد ذكرنا مع ذلك حديث الغزالة وحديث الضـب وشهادتهما له صلى الله عليه وسلم بالرسالة كما تقدم التنبيه على ذلك والكلام فيه وثبت الحديث في الصحيح بتسليم الحجر عليه قبل أن يبعث وكذلك سلام الأشجار والأحجار والمدر عليه قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم
*2* القول فيما أوتي ابراهيم الخليل عليه السلام
@ قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكاني رحمه الله وأما خمود النار لإبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد خمدت لنبينا صلى الله عليه وسلم نار فارس لمولده صلى الله عليه وسلم وبينه وبين بعثته أربعون سنة وخمدت نار إبراهيم لمباشرته لها وخمدت نار فارس لنبينا صلى الله عليه وسلم وبينه وبينها مسافة أشهر كذا وهذا الذي اشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده الكريم قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السيرة عند ذكر المولد المطهر الكريم بما فيه كفاية ومقنع ثم قال شيخنا مع أنه قد ألقى بعض هذه الأمة في النار فلم تؤثر فيه ببركة نبينا صلى الله عليه وسلم منهم ابو مسلم الخولاني قال بينما الأسود بن قيس العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال اتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني رسول
الله قال ما أسمع فأعاد إليه قال ما أسمع فأمر بنار عظيمة فأججت فطرح فيها أبو مسلم فلم تضره فقيل له لئن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي فبصر به عمر فقال من اين الرجل قال من اليمن قال ما فعل الله بصاحبنا الذي حرق بالنار فلم تضره قال ذاك عبد الله بن ايوب قال نشدتك بالله أنت هو قال اللهم نعم قال فقبل ما بين عينيه ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق وقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى اراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وهذا السياق الذي أورده شيخنا بهذه الصفة وقد رواه الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر رحمه الله في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن أيوب في تاريخه من غير وجه عن عبد الوهاب بن محمد عن إسماعيل بن عياش الحطيمي حدثني شراحيل ابن مسلم الخولاني أن الأسود بن قيس بن ذي الحمار العنسي تنبأ باليمن فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فأتي به فلما جاء به قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال أتشهد أني رسول الله قال ما أسمع قال أتشهد ان محمدا رسول الله قال نعم قال فردد عليه ذلك مرارا ثم أمر بنار عظيمة فأججت فألقي فيها فلم تضره فقيل للأسود انفه عنك وإلا أفسد عليك من اتبعك فأمره فارتحل فأتى المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر فأناخ أبو مسلم راحلته بباب المسجد ثم دخل المسجد وقام يصلي إلى سارية فبصر به عمر بن الخطاب فأتاه فقال ممن الرجل فقال من أهل اليمن قال ما فعل الرجل الذي حرقة الكذاب بالنار قال ذاك عبد الله بن أيوب قال فأنشدك بالله أنت هو قال اللهم نعم قال فاعتنقه ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق فقال الحمد لله الذي لم يمتني حتى اراني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن قال إسماعيل بن عياش فأنا أدركت رجالا من الامداد الذين يمدون إلينا من اليمن من خولان ربما تمازحوا فيقول الخولانيون للعنسيين صاحبكم الكذاب حرق صاحبنا بالنار ولم تضره وروى الحافظ ابن عساكر أيضا من غير وجه عن إبراهيم بن دحيم حدثنا هشام بن عمار حدثنا الوليد أخبرني سعيد بن بشير عن ابي بشر جعفر بن أبي وحشية أن رجلا أسلم فاراده قومه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترق منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يصيبها الوضوء فقدم على أبي بكر فقال استغفر لي قال أنت أحق قال أبو بكر أنت ألقيت في النار فلم تحترق فاستغفر له ثم خرج إلى الشام وكانوا يسمونه بإبراهيم عليه السلام وهذا الرجل هو أبو مسلم الخولاني وهذه الرواية بهذه الزيادة تحقق أنه إنما نال ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمدية المطهرة المقدسة كما جاء في حديث الشفاعة وحرم الله على النار أن
تأكل مواضع السجود وقد نزل أبو مسلم بداريا من غربي دمشق وكان لا يسبقه أحد إلى المسجد الجامع بدمشق وقت الصبح وكان يغازي ببلاد الروم وله أحوال وكرامات كثيرة جدا وقبره مشهور بداريا والظاهر أنه مقامه الذي كان يكون فيه فان الحافظ ابن عساكر رجح انه مات ببلاد الروم في خلافة معاوية وقيل في أيام ابنه يزيد بعد الستين والله أعلم وقد وقع لأحمد بن أبي الحواري من غير وجه أنه جاء إلى أستاذه أبي سليمان يعلمه بأن التنور قد سجروه وأهله يتنظرون ما يأمرهم به فوجده يكلم الناس وهم حوله فأخبره بذلك فاشتغل عنه بالناس ثم أعلمه فلم يلتفت إليه ثم أعلمه مع أولئك الذين حوله فقال اذهب فاجلس فيه فذهب أحمد بن أبي الحواري إلى التنور فجلس فيه وهو يتضرم نارا فكان عليه بردا وسلاما وما زال فيه حتى استيقظ أبو سليمان من كلامه فقال لمن حوله قوموا بنا إلى أحمد بن أبي الحواري فأني أظنه قد ذهب الى التنور فجلس فيه امتثالا لما أمرته فذهبوا فوجدوه جالسا فيه فأخذ بيده الشيخ أبو سليمان وأخرجه منه رحمة الله عليهما ورضي الله عنهما وقال شيخنا أبو المعالي وأما إلقاؤه يعني ابراهيم عليه السلام من المنجنيق فقد وقع في حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذاب وأن أصحاب مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصنوا به وأغلقوا الباب فقال البراء بن مالك ضعوني على برش واحملوني على رؤوس الرماح ثم ألقوني من أعلاها داخل الباب ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقع وقام وقاتل المشركين وقتل مسيلمة قلت وقد ذكر ذلك مستقصى في ايام الصديق حين بعث خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة وكانوا في قريب من مائة ألف أو يزيدون وكان المسلمون بضعة عشر ألفا فلما التقوا جعل كثير من الأعراب يفرون فقال المهاجرون والأنصار خلصنا يا خالد فميزهم عنهم وكان المهاجرون والأنصار قريبا من ألفين وخمسمائة فصمموا الحملة وجعلوا يتدابرون ويقولون يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم فهزموهم بأذن الله ولجأوهم الى حديقة هناك وتسمى حديقة الموت فتحصنوا بها فحصروهم فيها ففعل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك وكان الاكبر ما ذكر من رفعه على الأسنة فوق الرماح حتى تمكن من أعلى سورها ثم ألقى نفسه عليهم ونهض سريعا إليهم ولم يزل يقاتلهم وحده ويقاتلونه حتى تمكن من فتح الحديقة ودخل المسلمون يكبرون وانتهوا إلى قصر مسيلمة وهو واقف خارجة عند جدار كأنه جمل أزرق أي من سمرته فابتدره وحشي بن حرب الأسود قاتل حمزة بحربته وأبو دجانة سماك بن حرشة الأنصاري وهو الذي ينسب اليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزملكاني فسبقه وحشي فأرسل الحربة عليه من بعد فأنفذها منه وجاء إليه أبو دجانة فعلاه بسيفه فقتله لكن صرخت جارية من فوق القصر واأميراه قتله العبد الاسود ويقال إن عمر ميسلمة يوم قتل مائة وأربعين سنة لعنه
الله فمن طال عمره وساء عمله قبحه الله وهذا ما ذكره شيخنا فيما يتعلق بابراهيم الخليل عليه السلام وأما الحافظ أبو نعيم فأنه قال فأن قيل فأن ابراهيم اختص بالخلة مع النبوة قيل فقد اتخذ الله محمدا خليلا وحبيبا والحبيب ألطف من الخليل ثم ساق من حديث شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله وقد رواه مسلم من طريق شعبة والثوري عن أبي اسحاق ومن طريق عبد الله بن مرة وعبد الله بن أبي الهديل كلهم عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشيمي قال سمعت عبد الله بن مسعود يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبي وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا هذا لفظ مسلم ورواه أيضا منفردا به عن جندب بن عبد الله البجلي كما سأذكره وأصل الحديث في الصحيحين عن أبي سعيد وفي إفراد البخاري عن ابن عباس وابن الزبير كما سقت ذلك في فضائل الصديق رضي الله عنه وقد أوردناه هنالك من رواية أنس والبراء وجابر وكعب بن مالك وأبي الحسين بن العلي وأبي هريرة وأبي واقد الليثي وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين ثم إنما رواه أبو نعيم من حديث عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن كعب بن مالك أنه قال عهدي نبيكم صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول لم يكن نبي إلا له خليل من أمته وإن خليلي أبو بكر وإن الله اتخذ صاحبكم خليلا وهذا الاسناد ضعيف ومن حديث محمد بن عجلان عن أبيه عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل نبي خليل وخليلي أبو بكر بن أبي قحافة وخليل صاحبكم الرحمن وهو غريب من هذا الوجه ومن حديث عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن كثير بن مرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ومنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين والعباس بيننا مؤمن بين خليلين غريب وفي إسناده نظر انتهى ما أورده أبو نعيم رحمه الله وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن ابراهيم قالا حدثنا زكريا بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث حدثني جندب بن عبد الله قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول إني أبرأ إلى الله عز وجل أن يكون لي بينكم خليلا فأن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ الله ابراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك وأما اتخاذه حسينا خليلا
فلم يتعرض لأسناده أبو نعيم وقد قال هشام بن عمار في كتابه المبعث حدثنا يحيى بن حمزة الحضرمي وعثمان بن علان القرشي قالا حدثنا عروة بن رويم اللخمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله أدرك بي الاجل المرقوم وأخذني لقربه واحتضرني احتضارا فنحن الآخرون ونحن السابقون يوم القيامة وأنا قائل قولا غير فخر إبراهيم خليل الله وموسى صفي الله وأنا حبيب الله وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأن بيدي لواء الحمد وأجارني الله عليكم من ثلاث أن لا يهلككم بسنة وأن يستبيحكم عدوكم وأن لا تجمعوا على ضلالة وأما الفقيه أبو محمد بن عبد الله بن حامد فتكلم على مقام الخلة بكلام طويل إلى أن قال ويقال الخليل الذي يعبد ربه على الرغبة والرهبة من قوله إن إبراهيم لأواه حليم من كثرة ما يقول أواه والحبيب الذي يعبد ربه على الرؤية والمحبة ويقال الخليل الذي يكون معه انتظار العطاء والحبيب الذي يكون معه انتظار اللقاء ويقال الخليل الذي يصل بالواسطة من قوله وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين والحبيب الذي يصل إليه من غير واسطة من قوله فكان قاب قوسين أو أدنى وقال الخليل الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين وقال الله للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقال الخليل ولا تخزني يوم يبعثون وقال الله للنبي يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه وقال الخليل حين القي في النار حسبي الله ونعم الوكيل وقال الله لمحمد يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين وقال الخليل إني ذاهب إلى ربي سيهدين وقال الله لمحمد ووجدك ضالا فهدى وقال الخليل واجعل لي لسان صدق في الآخرين وقال الله لمحمد ورفعنا لك ذكرك وقال الخليل واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وقال الله للحبيب إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وقال الخليل واجعلني من ورثة جنة النعيم وقال الله لمحمد إنا أعطيناك الكوثر وذكر أشياء أخر وسيأتي الحديث في صحيح مسلم عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إني سأقوم مقاما يوم القيامة يرغب الى الخلق كلهم حتى أبوهم إبراهيم الخليل فدل على أنه أفضل إذ هو يحتاج إليه في ذلك المقام ودل على أن إبراهيم أفضل الخلق بعده ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعده لذكره ثم قال أبو نعيم فإن قيل إن إبراهيم عليه السلام حجب عن نمروذ بحجب ثلاثة قيل فقد كان كذلك وحجب محمد صلى الله عليه وسلم عمن أرادوه بخمسة حجب قال الله تعالى في أمره وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون فهذه ثلاث ثم قال وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ثم قال فهي إلى الأذقان فهم مقمحون فهذه خمس حجب وقد ذكر مثله سواء الفقيه أبو محمد بن حامد وما أدري أيهما أخذ من الآخر والله أعلم وهذا
الذي قاله غريب والحجب التي ذكرها لأبراهيم عليه السلام لا أدري ما هي كيف وقد القاه في النار التي نجاه الله منها وأما ما ذكره من الحجب التي استدل عليها بهذه الآيات فقد قيل إنها جميعها معنوية لا حسية بمعنى أنهم مصرفون عن الحق لا يصل إليهم ولا يخلص إلى قلوبهم كما قال تعالى وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب وقد حررنا ذلك في التفسير وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أن أم جميل امرأة أبي لهب لما نزلت السورة في ذمها وذم زوجها ودخولهما النار وخسارهما جاءت بفهر وهو الحجر الكبير لترجم النبي صلى الله عليه وسلم فانتهت إلى أبي بكر وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم فلم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت لأبي بكر أين صاحبك فقال وماله فقالت إنه هجاني فقال ما هجاك فقالت والله لئن رأيته لأضربنه بهذا الفهر ثم رجعت وهي تقول مذمما أتينا ودينه قلينا وكذلك حجب ومنع أبا جهل حين هم أن يطأ برجله رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرأى جدثا من نار وهولا عظيما وأجنحة الملائكة دونه فرجع القهقرى وهو يتقي بيديه فقالت له قريش مالك ويحك فأخبرهم بما رأى وقال النبي صلى الله عليه وسلم لو أقدم لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وكذلك لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه وأرسلوا إلى بيته رجالا يحرسونه لئلا يخرج ومتى عاينوه قتلوه فأمر عليا فنام على فراشه ثم خرج عليهم وهم جلوس فجعل يذر على رأس كل إنسان منهم ترابا ويقول شاهت الوجوه فلم يروه حتى صار هو وأبو بكر الصديق إلى غار ثور كما بسطنا ذلك في السيرة وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سد على باب الغار ليعمي الله عليهم مكانه وفي الصحيح أن ابا بكر قال يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وقد قال بعض الشعراء في ذلك
نسج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت
وكذلك حجب ومنع من سراقة بن مالك بن جشعم حين اتبعهم بسقوط قوائم فرسه في الارض حتى أخذ منه أمانا كما تقدم بسطه في الهجرة وذكر ابن حامد في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم عليه السلام ولده للذبح مستسلما لأمر الله تعالى ببذل رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه للقتل يوم أحد وغيره حتى نال منه العدو ما نالوا من هشم رأسه وكسر ثنيته اليمنى السفلى كما تقدم بسط ذلك في السيرة ثم قال قالوا كان إبراهيم عليه السلام ألقاه قومه في النار فجعلها الله بردا وسلاما قلنا وقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله وذلك أنه لما نزل بخيبر سمته الخيبرية فصير ذلك السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله والسم عرق إذ لا يستقر في الجوف كما تحرق النار قلت وقد تقدم الحديث بذلك في فتح خيبر ويؤيد ما قاله أن بشر بن البراء بن معرور مات سريعا من تلك
الشاة المسمومة وأخبر ذراعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أودع فيه من السم وكان قد نهش منه نهشة وكان السم فيه أكثر لأنهم كانوا يفهمون أنه صلى الله عليه وسلم يحب الذراع فلم يضره السم الذي حصل في باطنه باذن الله عز وجل حتى انقضى أجله صلى الله عليه وسلم فذكر أنه وجد حينئذ من ألم ذلك السم الذي كان في تلك الأكلة صلى الله عليه وسلم وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزومي فاتح بلاد الشام أنه أتى بسم فحثاه بحضرة الأعداء ليرهبهم بذلك فلم ير بأسا رضي الله عنه ثم قال أبو نعيم فإن قيل فأن إبراهيم خصم نمروذ ببرهان نبوته فبهته قال الله تعالى فبهت الذي كفر قيل محمد صلى الله عليه وسلم أتاه الكذاب بالبعث أبي بن خلف بعظم بال ففكره وقال من يحي العظام وهي رميم فأنزل الله تعالى البرهان الساطع قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم فانصرف مبهوتا ببرهان نبوته قلت وهذا أقطع للحجة وهو استدلاله للمعاد بالبداءة فالذي خلق الخلق بعد أن لم يكونوا شيئا مذكورا قادر على إعادتهم كما قال أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم أى يعيدهم كما بدأهم كما قال في الآية الأخرى على أن يحيي الموتى وقال وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه هذا وأمر المعاد نظري لا فطري ضروري في قول الأكثرين فأما الذي حاج إبراهيم في ربه فأنه معاند مكابر فإن وجود الصانع مذكور في الفطر وكل واحد مفطور على ذلك إلا من تغيرت فطرته فيصير نظريا عنده وبعض المتكلمين يجعل وجود الصانع من باب النظر لا الضروريات وعلى كل تقدير فدعواه أنه هو الذي يحيى الموتى لا يقبله عقل ولا سمع وكل واحد يكذبه بعقله في ذلك ولهذا ألزمه إبراهيم بالاتيان بالشمس من المغرب إن كان كما ادعى فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين وكان ينبغي أن يذكر مع هذا أن الله تعالى سلط محمدا على هذا المعاند لما بارز النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقتله بيده الكريمة طعنه بحربة فأصاب ترقوته فتردى عن فرسه مرارا فقالوا له ويحك مالك فقال والله إن بي لما لو كان بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ألم يقل بل أنا أقتله والله لو بصق علي لقتلني وكان هذا لعنه الله قد أعد فرسا وحربة ليقتل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل أنا أقتله إن شاء الله فكان كذلك يوم أحد ثم قال أبو نعيم فإن قيل فإن إبراهيم عليه السلام كسر أصنام قومه غضبا لله قيل فإن محمدا صلى الله عليه وسلم كسر ثلثمائة وستين صنما قد ألزمها الشيطان بالرصاص والنحاس فكان كلما دنا منها بمخصرته تهوي من غير أن يمسها ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا فتساقط لوجوهها ثم أمر بهن فأخرجن إلى الميل وهذا أظهر وأجلى من الذي قبله وقد ذكرنا هذا في أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عام الفتح بأسانيده وطرقه من الصحاح وغيرها بما فيه كفاية وقد ذكر غير واحد من علماء السير أن الأصنام
تساقطت أيضا لمولده الكريم وهذا أبلغ وأقوى في المعجز من مباشرة كسرها وقد تقدم أن نار فارس التي كانوا يعبدونها خمدت أيضا ليلتئذ ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وأنه سقط من شرفات قصر كسرى أربع عشر شرفة مؤذنة بزوال دولتهم بعد هلاك أربعة عشر من ملوكهم في أقصر مدة وكان لهم في الملك قريب من ثلاثة آلاف سنة وأما إحياء الطيور الأربعة لأبراهيم عليه السلام فلم يذكره أبو نعيم ولا ابن حامد وسيأتي في إحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام ما وقع من المعجزات المحمدية من هذا النمط ما هو مثل ذلك كما سيأتي التنبيه عليه اذا انتهينا إليه من إحياء أموات بدعوات أمته وحنين الجذع وتسليم الحجر والشجر والمدر عليه وتكليم الذراع له وغير ذلك وأما قوله تعالى وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين والآيات بعدها فقد قال الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير وقد ذكر ذلك ابن حامد فيما وقفت عليه بعد وقد ذكرنا في احاديث الأسراء من كتابنا هذا ومن التفسير ما شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من الآيات فيما بين مكة إلى بيت المقدس وفيما بين ذلك إلى سماء الدنيا ثم عاين من الآيات في السموات السبع وما فوق ذلك وسدرة المنتهى وجنة المأوى والنار التي هي بئس المصير والمثوى وقال عليه أفضل الصلاة والسلام في حديث المنام وقد رواه أحمد والترمذي وصححه وغيرهما فتجلى لي كل شيء وعرفت وذكر ابن حامد في مقابلة ابتلاء الله يعقوب عليه السلام بفقده ولده يوسف عليه السلام وصبره واستعانته ربه عز وجل موت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبره عليه وقوله تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون قلت وقد مات بناته الثلاثة رقية وأم كلثوم وزينب وقتل عمه الحمزة أسد الله وأسد رسوله يوم أحد فصبر واحتسب وذكر في مقابلة حسن يوسف عليه السلام ما ذكر من جمال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهابته وحلاوته شكلا ونفعا وهديا ودلا ويمنا كما تقدم في شمائله من الأحاديث الدالة على ذلك كما قالت الربيع بنت مسعود لو رأيته لرأيت الشمس طالعة وذكر في مقابلة ما ابتلي به يوسف عليه السلام من الفرقة والغربة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ومفارقته وطنه وأهله وأصحابه الذين كانوا بها
*2* القول فيما أوتي موسى عليه السلام من الآيات
@ وأعظمهن تسع آيات كما قال تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وقد شرحناها في التفسير وحكينا قول السلف فيها واختلافهم فيها وأن الجمهور على أنها هي العصا في انقلابها حية تسعى واليد إذا أدخل يده في جيب درعه أخرجها تضيء كقطعة قمر يتلألأ إضاءة ودعاؤه على
قوم فرعون حين كذبوه فأرسل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كما بسطنا ذلك في التفسير وكذلك أخدهم الله بالسنين وهي نقص الحبوب وبالجدب وهو نقص الثمار وبالموت الذريع وهو نقص الأنفس وهو الطوفان في قول ومنها فلق ابحر لأنجاء بني إسرائيل وإغراق آل فرعون ومنها تضليل بني إسرائيل في التيه وإنزال المن والسلوى عليهم واستسقاؤه لهم فجعل الله ماءهم يخرج من حجر يحمل معهم على دابة له أربعة وجوه إذا ضربه موسى بعصاه يخرج من كل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين ثم يضربه فينقلع إلى غير ذلك من الآيات الباهرات كما بسطنا ذلك في التفسير وفي قصة موسى عليه السلام من كتابنا هذا في قصص الأنبياء منه ولله الحمد والمنة وقيل كل من عبد العجل أماتهم ثم أحياهم الله تعالى وقصة البقرة أما العصا فقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني وأما حياة عصا موسى فقد سبح الحصا في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جماد والحديث في ذلك صحيح وهذا الحديث مشهور عن الزهري عن رجل عن أبي ذر وقد قدمنا ذلك مبسوطا في دلائل النبوة بما أغنى عن إعادته وقيل إنهن سبحن في كف أبي بكر ثم عمر ثم عثمان كما سبحن في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذه خلافة النبوة وقد روى الحافظ بسنده إلى بكر بن حبيش عن رجل سماه قال كان بيد ابي مسلم الخولاني سبحة يسبح بها قال فنام والسبحة في يده قال فاستدارت السبحة فالتفت على ذراعه وهي تقول سبحانك يا منبت النبات ويا دائم الثبات فقال هلم يا أم مسلم وانظري إلى أعجب الأعاجيب قال فجاءت أم مسلم والسبحة تدور وتسبح فلما جلست سكتت وأصح من هذا كله وأصرح حديث البخاري عن ابن مسعود قال كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل قال شيخنا وكذلك قد سلمت عليه الأحجار قلت وهذا قد رواه مسلم عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن قال بعضهم هو الحجر الأسود وقال الترمذي حدثنا عباد بن يعقوب الكوفي حدثنا الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله ثم قال غريب ورواه أبو نعيم في الدلائل من حديث السدي عن أبي عمارة الحيواني عن علي قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا قال السلام عليك يا رسول الله قال وأقبلت الشجرة عليه بدعائه وذكر اجتماع تينك الشجرتين لقضاء حاجته من ورائهما ثم رجوعهما إلى منابتهما وكلا الحديثين في الصحيح ولكن لا يلزم من ذلك حلول حياة فيهما إذ يكونان ساقهما سائق ولكن في قوله انقادا علي بأذن الله ما يدل على حصول شعور منهما لمخاطبته ولا
سيما مع امتثالهما ما أمرهما به قال وأمر عذقا من نخلة أن ينزل فنزل يبقر في الأرض حتى وقف بين يديه فقال أتشهد أني رسول الله فشهد بذلك ثلاثا ثم عاد إلى مكانه وهذا أليق وأظهر في المطابقة من الذي قبله ولكن هذا السياق فيه غرابة والذي رواه الامام أحمد وصححه الترمذي ورواه البيهقي والبخاري في التاريخ من رواية أبي ظبيان وحصين بن المنذر عن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بم أعرف أنك رسول الله قال أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله قال نعم قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له ارجع فرجع الى مكانه فقال أشهد أنك رسول الله وآمن به هذا لفظ البيهقي وهو ظاهر في أن الذي شهد بالرسالة هو الأعرابي وكان رجلا من بني عامر ولكن في رواية البيهقي من طريق الاعمش عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا الذي يقول أصحابك قال وحول رسول الله صلى الله عليه وسلم أعذاق وشجر فقال هل لك أن أريك آية قال نعم فدعا غصنا منها فأقبل يخد الأرض حتى وقف بين يديه وجعل يسجد ويرفع رأسه ثم امره فرجع قال فرجع العامري وهو يقول قال عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشيء يقوله ابدا وتقدم فيما رواه الحاكم في مستدركه متفردا به عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رجلا إلى الإسلام فقال هل من شاهد على ما تقول قال هذه الشجرة فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الاعرابي إلى قومه وقال إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك قال وأما حنين الجذع الذي كان يخطب اليه النبي صلى الله عليه وسلم فعمل له المنبر فلما رقي عليه وخطب حن الجذع اليه حنين العشار والناس يسمعون بمشهد الخلق يوم الجمعة ولم يزل يئن ويحن حتى نزل إليه النبي صلى الله عليه وسلم فاعتنقه وسكنه وخيره بين أن يرجع غصنا طريا أو يغرس في الجنة يأكل منه أولياء الله فاختار الغرس في الجنة وسكن عند ذلك فهو حديث مشهور معروف قد رواه من الصحابة عدد كثير متواتر وكان بحضور الخلائق وهذا الذي ذكره من تواتر حنين الجذع كما قال فإنه قد روى هذا الحديث جماعة من الصحابة وعنهم أعداد من التابعين ثم من بعدهم آخرون عنهم لا يمكن تواطؤهم على الكذب فهو مقطوع به في الجملة وأما تخيير الجذع كما ذكره شيخنا فليس بمتواتر بل ولا يصح إسناده وقد أوردته في الدلائل عن أبي بن كعب وذكر في مسند أحمد وسنن ابن ماجه وعن أنس من خمس طرق اليه صحح الترمذي إحداها وروى ابن ماجه أخرى وأحمد ثالثة والبزار رابعة وأبو نعيم خامسة وعن جابر بن عبد الله في صحيح البخاري من طريقين عنه والبزار من ثالثة ورابعة وأحمد

من خامسة وسادسة وهذه على شرط مسلم وعن سهل بن سعد في مصنف ابن أبي شيبة على شرط الصحيحين وعن ابن عباس في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بأسناد على شرط مسلم وعن ابن عمر في صحيح البخاري ورواه أحمد من وجه آخر عن ابن عمر وعن أبي سعيد في مسند عبد بن حميد بإسناد على شرط مسلم وقد رواه يعلى الموصلي من وجه آخر عنه وعن عائشة رواه الحافظ أبو نعيم من طريق علي بن أحمد الخوارزمي عن قبيصة بن حبان بن علي عن صالح بن حبان عن عبد الله ابن بريدة عن عائشة فذكر الحديث بطوله وفيه أنه خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف وهذا غريب إسنادا ومتنا وعن أم سلمة رواه أبو نعيم بأسناد جيد وقدمت الأحاديث ببسط أسانيدها وتحرير ألفاظها وغررها بما فيه كفاية عن أعادتها هاهنا ومن تدبرها حصل له القطع بذلك ولله الحمد والمنة قال القاضي عياض بن موسى السبتي المالكي في كتابه الشفا وهو حديث مشهور متواتر خرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم أبي وأنس بريدة وسهل بن سعد وابن عباس وابن عمر والمطلب بن أبي وداعة وأبو سعيد وأم سلمة رضي الله عنهم أجمعين قال شيخنا فهذه جمادات ونباتات وقد حنت وتكلمت وفي ذلك ما يقابل انقلاب العصا حية قلت وسنشير إلى هذا عند ذكر معجزات عيسى عليه السلام في إحيائه الموتى بأذن الله تعالى في ذلك كما رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي أحمد بن أبي الحسن عن عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه عن عمرو بن سوار قال قال لي الشافعي ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم فقلت أعطى عيسى إحياء الموتى فقال أعطى محمد الجذع الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيء له المنبر فلما هيء له حن الجذع حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك وهذا إسناد صحيح إلى الشافعي رحمه الله وهو مما كنت أسمع شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي رحمه الله يذكره عن الشافعي رحمه الله وأكرم مثواه وإنما قال فهذا أكبر من ذلك لأن الجذع ليس محلا للحياة ومع هذا حصل له شعور ووجد لما تحول عنه الى المنبر فأن وحن حنين العشار حتى نزل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحتضنه وسكنه حتى سكن قال الحسن البصري فهذا الجذع حن إليه فأنهم أحق أن يحنوا إليه وأما عود الحياة إلى جسد كانت فيه بأذن الله فعظيم وهذا أعجب وأعظم من إيجاد حياة وشعور في محل ليس مألوفا لذلك لم تكن فيه قبل بالكلية فسبحان الله رب العالمين تنبيه وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لواء يحمل معه في الحرب يخفق في قلوب أعدائه مسيرة شهر بين يديه وكانت له عنزة تحمل بين يديه فإذا أراد الصلاة إلى غير جدار ولا حائل ركزت بين يديه وكان له قضيب يتوكأ عليه إذا مشى وهو الذي عبر عنه سطيح في قوله لابن أخيه عبد المسيح بن نفيلة يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة
وغاضت بحيرة ساوه فليست الشام لسطيح شاما ولهذا كان ذكر هذه الأشياء عند إحياء عصا موسى وجعلها حية أليق إذ هي مساوية لذلك وهذه متعددة في محال متفرقة بخلاف عصا موسى فإنها وإن تعدد جعلها حية فهي ذات واحدة والله أعلم ثم ننبه على ذلك عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى لأن هذه أعجب وأكبر وأظهر وأعلم قال شيخنا وأما أن الله كلم موسى تكليما فقد تقدم حصول الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأسراء مع الرؤية وهو أبلغ هذا أورده فيما يتعلق بمعجزات موسى عليه السلام ليلة الأسراء فيشهد له فنوديت يا محمد قد كلفت فريضتين وخففت عن عبادي وسياق بقية القصة يرشد إلى ذلك وقد حكى بعض العلماء الاجماع على ذلك لكن رأيت في كلام القاضي عياض نقل خلاف فيه والله أعلم وأما الرؤية ففيها خلاف مشهور بين الخلف والسلف ونصرها من الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المشهور بأمام الأئمة واختار ذلك القاضي عياض والشيخ محيي الدين النووي وجاء عن ابن عباس تصديق الرؤية وجاء عنه تفنيدها وكلاهما في صحيح مسلم وفي الصحيحين عن عائشة إنكار ذلك وقد ذكرنا في الاسراء عن ابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذر وعائشة رضي الله عنهم أن المرئي في المرتين المذكورتين في أول سورة النجم إنما هو جبريل عليه السلام وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله هل رأيت ربك فقال نورا لي أراه وفي رواية رأيت نورا وقد تقدم بسط ذلك في الأسراء في السيرة وفي التفسير في أول سورة بني إسرائيل وهذا الذي ذكره شيخنا فيما يتعلق بالمعجزات الموسوية عليه أفضل الصلاة والسلام وأيضا فإن الله تعالى كلم موسى وهو بطور سينا وسأل الرؤية فمنعها وكلم محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الأسراء وهو بالملأ الأعلى حين رفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام وحصلت له الرؤية في قول طائفة كبيرة من علماء السلف والخلف والله أعلم ثم رأيت ابن حامد قد طرق هذا في كتابه وأجاد وافاد وقال ابن حامد قال الله تعالى لموسى وألقيت عليك محبة مني وقال لمحمد قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم وأما اليد التي جعلها الله برهانا وحجة لموسى على فرعون وقومه كما قال تعالى بعدد ذكر صيرورة العصا حية أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه وقال في سورة طه آية اخرى لنريك من آياتنا الكبرى فقد أعطى الله محمدا انشقاق القمر باشارته إليه فرقتين فرقة من وراء جبل حراء وأخرى امامه كما تقدم بيان ذلك بالأحاديث المتواترة مع قوله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر ولا شك أن هذا أجل وأعظم وأبهر في المعجزات وأعم وأظهر وأبلغ من ذلك وقد قال كعب بن مالك في حديثه الطويل في قصة توبته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه فلقة قمر وذلك في صحيح البخاري وقال
ابن حامد قالوا فان موسى أعطى اليد البيضاء قلنا لهم فقد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم ما هو أفضل من ذلك نورا كان يضيء عن يمينه حيث ما جلس وعن يساره حيث ما جلس وقام يراه الناس كلهم وقد بقي ذلك النور إلى قيام الساعة ألا ترى أنه يرى النور الساطع من قبره صلى الله عليه وسلم من مسيرة يوم وليلة هذا لفظه وهذا الذي ذكره من هذا النور غريب جدا وقد ذكرنا في السيرة عند إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم آية تكون له عونا على إسلام قومه من بيته هناك فسطع نور بين عينيه كالمصباح فقال اللهم في غير هذا الموضع فانهم يظنونه مثلة فتحول النور إلى طرف سوطه فجعلوا ينظرون اليه كالمصباح فهداهم الله على يديه ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدعائه لهم في قوله اللهم اهد دوسا وآت بهم وكان يقال للطفيل ذو النور لذلك وذكر أيضا حديث أسيد بن حضير وعباد بن بشر في خروجهما من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأضاء لهما طرف عصا أحدهما فلما افترقا أضاء لكل واحد منهما طرف عصاه وذلك في صحيح البخاري وغيره وقال أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس بن مالك أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء حندس فأضاءت عصا أحدهما مثل السراج وجعلا يمشيان بضوئها فلما تفرقا إلى منزلهما أضاءت عصا ذا وعصا ذا ثم روي عن إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام وعن يعقوب بن حميد المدني كلاهما عن سفيان بن حمزة بن يزيد الاسلمي عن كثير بن زيد عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال سرنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة ظلماء دحمسة فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتستنير وروى هاشم بن عمار في البعث حدثنا عبد الأعلى بن محمد البكري حدثنا جعفر بن سليمان البصري حدثنا أبو التياح الضبعي قال كان مطرف بن عبد الله يبدر فيدخل كل جمعة فربما نور له في سوطه فأدلج ذات ليلة وهو على فرسه حتى إذا كان عند المقابر هدم به قال فرأيت صاحب كل قبر جالسا على قبره فقال هذا مطرف يأتي الجمعة فقلت لهم وتعلمون عندكم يوم الجمعة قالوا نعم ونعلم ما يقول فيه الطير قلت وما يقول فيه الطير قالوا يقول رب سلم سلم قوم صالح وأما دعاؤه عليه السلام بالطوفان وهو الموت الذريع في قول وما بعده من الآيات والقحط والجدب فإنما كان ذلك لعلهم يرجعون إلى متابعته ويقلعون عن مخالفته فما زادهم الا طغيانا كبيرا قال الله تعالى وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ولما وقع عليهم الرجز قالوا
يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش حين تمادوا على مخالفته بسبع كسبع يوسف فقحطوا حتى أكلوا كل شيء وكان أحدهم يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع وقد فسر ابن مسعود قوله تعالى فارتقب يوم تأتي السماء بدخن مبين بذلك كما رواه البخاري عنه في غير ما موضع من صحيحه ثم توسلوا إليه صلوات الله وسلامه عليه بقرابتهم منه مع أنه بعث بالرحمة والرأفة فدعا لهم فأقلع عنهم ورفع عنهم العذاب وأحيوا بعد ما كانوا أشرفوا على الهلكة وأما فلق البحر لموسى عليه السلام حين أمره الله تعالى حين تراءى الجمعان أن يضرب البحر بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فإنه معجزة عظيمة باهرة وحجة قاطعة قاهرة وقد بسطنا ذلك في التفسير وفي قصص الانبياء من كتابنا هذا وفي إشارته صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة الى قمر السماء فانشق القمر فلقتين وفق ما سأله قريش وهم معه جلوس في ليلة البدر أعظم آية وأيمن دلالة وأوضح حجة وأبهر برهان على نبوته وجاهه عند الله تعالى ولم ينقل معجزة عن نبي من الأنبياء من الآيات الحسيات أعظم من هذا كما قررنا ذلك بأدلته من الكتاب والسنة في التفسير في أول البعثة وهذا أعظم من حبس الشمس قليلا ليوشع بن نون حتى تمكن من الفتح ليلة السبت كما سيأتي في تقرير ذلك مع ما يناسي ذكره عنده وقد تقدم من سيرة العلاء بن الحضرمي وأبي عبيد الثقفي وأبي مسلم الخولاني وسير الجيوش التى كانت معهم على تيار الماء ومنها دجلة وهي جارية عجاجة تقذف الخشب من شدة جريها وتقدم تقرير أن هذا أعجب من فلق البحر لموسى من عدة وجوه والله أعلم وقال ابن حامد فإن قالوا فان موسى عليه السلام ضرب بعصاه البحر فانفلق فكان ذلك آية لموسى عليه السلام قلنا فقد أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها قال علي رضي الله عنه لما خرجنا إلى خيبر فاذا نحن بواد سحب وقدرناه فاذا هو أربع عشرة قامة فقالوا يا رسول الله العدو من ورائنا والوادي من أمامنا كما قال أصحاب موسى إنا لمدركون فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعبرت الخيل لا تبدي حوافرها والابل لا تبدي أخفافها فكان ذلك فتحا وهذا الذي ذكره بلا إسناد ولا أعرفه في شيء من الكتب المعتمدة باسناد صحيح ولا حسن بل ولا ضعيف فالله أعلم وأما تظليله بالغمام في التيه فقد تقدم ذكر حديث الغمامة التي رآها بحيرا تظله من بين أصحابه وهو ابن اثنتي عشرة سنة صحبة عمه أبي طالب وهو قادم إلى الشام في تجارة وهذا أبهر من جهة أنه كان وهو قبل أن يوحى إليه وكانت الغمامة تظله وحده من بين أصحابه فهذا أشد في الاعتناء وأظهر من غمام بني إسرائيل وغيرهم وأيضا فان المقصود من تظليل الغمام إنما كان لاحتياجهم إليه من شدة الحر وقد ذكرنا في الدلائل
حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ليسقوا لما هم عليه من الجوع والجهد والقحط فرفع يديه وقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار فأنشأن من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال أنس فلا والله ما رأينا الشمس سبتنا ولما سألوه أن يستصحي لهم رفع يده وقال اللهم حوالينا ولا علينا فما جعل يشير بيديه إلى ناحية إلا انحاز السحاب اليها حتى صارت المدينة مثل الاكليل يمطر ما حولها ولا تمطر فهذا تظليل عام محتاج اليه آكد من الحاجة الى ذلك وهو أنفع منه والتصرف فيه وهو يشير أبلغ في المعجز وأظهر في الإعتناء والله أعلم وأما إنزال المن والسلوى عليهم فقد كثر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام والشراب في غير ما موطن كما تقدم بيانه في دلائل النبوة من إطعام الجم الغفير من الشيء اليسير كما أطعم يوم الخندق من شويهة جابر بن عبد الله وصاعه الشعير أزيد من ألف نفس جائعة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين وأطعم من حفنة قوما من الناس وكانت تمد من السماء إلى غير ذلك من هذا القبيل مما يطول ذكره وقد ذكر أبو نعيم وابن حامد أيضا هاهنا أن المراد بالمن والسلوى إنما هو رزق رزقوه من غير كد منهم ولا تعب ثم أورد في مقابلته حديث تحليل المغنم ولا يحل لأحد قبلنا وحديث جابر في سيره إلى عبيدة وجوعهم حتى أكلوا الخبط فحسر البحر لهم عن دابة تسمى العنبر فأكلوا منها ثلاثين من يوم وليلة حتى سمنوا وتكسرت عكن بطونهم والحديث في الصحيح كما تقدم وسيأتي عند ذكر المائدة في معجزات المسيح بن مريم
*2* قصة أبي موسى الخولاني
@ أنه خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الحج وامرهم أن لا يحملوا زادا ولا مزادا فكانوا إذا نزلوا منزلا صلى ركعتين فيؤتون بطعام وشراب وعلف يكفيهم ويكفي دوابهم غداء وعشاء مدة ذهابهم وإيابهم وأما قوله تعالى وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم الآية فقد ذكرنا بسط ذلك في قصة موسى عليه السلام وفي التفسير وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الإناء الصغير الذي لم يسع بسطها فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه أمثال العيون وكذلك كثر الماء في غير ما موطن كمزادتي تلك المرأة يوم الحديبية وغير ذلك وقد استسقى الله لأصحابه في المدينة وغيرها فأجيب طبق السؤال وفق الحاجة لا أزيد ولا أنقص وهذا أبلغ في المعجز ونبع الماء من بين أصابعه من نفس يده على قول طائفة من العلماء أعظم من نبع الماء من الحجر فانه محل لذلك قال أبو نعيم الحافظ فإن قيل إن موسى كان يضرب بعصاه الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا في التيه قد علم كل أناس مشربهم قيل كان لمحمد صلى الله عليه وسلم مثله أو أعجب فان نبع الماء من الحجر مشهور في العلوم والمعارف وأعجب من ذلك نبع الماء من بين اللحم والدم والعظم فكان يفرج بين أصابعه في محصب فينبع من بين أصابعه الماء فيشربون ويسقون ماء جاريا عذبا يروي العدد الكثير من الناس والخيل والإبل ثم روى من طريق المطلب بن عبد الله بن أبي حنطب حدثني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري حدثني أبي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها فبات الناس في مخمصة فدعا بركوة فوضعت بين يديه ثم دعا بماء فصبه فيها ثم مج فيها وتكلم ما شاء الله أن يتكلم ثم أدخل أصبعه فيها فأقسم بالله لقد رأيت اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفجر منها ينابيع الماء ثم أمر الناس فسقوا وشربوا وملأوا قربهم وأداواتهم وأما قصة إحياء الذين قتلوا بسبب عبادة العجل وقصة البقرة فسيأتي فسيأتي ما يشابههما من إحياء حيوانات وأناس عند ذكر إحياء الموتى على يد عيسى ابن مريم والله أعلم وقد ذكر أبو نعيم هاهنا أشياء أخر تركناها اختصارا واقتصادا
وقال هشام بن عمارة في كتابه المبعث
*2* باب ما أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أعطي الأنبياء قبله
@ حدثنا محمد بن شعيب حدثنا روح بن مدرك أخبرني عمر بن حسان التميمي أن موسى عليه السلام أعطي آية من كنوز العرش رب لا تولج الشيطان في قلبي وأعذني منه ومن كل سوء فإن لك اليد والسلطان والملك والملكوت دهر الداهرين وأبد الأبذين آمين آمين قال وأعطي محمد صلى الله عليه وسلم آيتان من كنوز العرش آخر سورة البقرة آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه إلى آخرها
*2* قصة حبس الشمس
@ على يوشع بن نون بن افرائم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليهم السلام وقد كان نبي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام وهو الذي خرج ببني اسرائيل من التيه ودخل بهم بيت المقدس بعد حصار ومقاتلة وكان الفتح قد ينجز بعد العصر يوم الجمعة وكادت الشمس تغرب ويدخل عليهم السبت فلا يتمكنون معه من القتال فنظر إلى الشمس فقال إنك مأمورة وأنا مأمور ثم قال اللهم احبسها علي فحبسها الله عليه حتى فتح البلد ثم غربت وقد قدمنا في قصة من قصص الأنبياء الحديث الوارد في صحيح مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر ابن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال غزا نبى من الأنبياء فدنا من القرية حين صلى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهم امسكها علي شيئا فحبست عليه
حتى فتح الله عليه الحديث بطوله وهذا النبي هو يوشع بن نون بدليل ما رواه الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع عليه السلام ليالي سار الى بيت المقدس تفرد به أحمد وإسناده على شرط البخاري اذا علم هذا فانشقاق القمر فلقتين حتى صارت فلقة من وراء الجبل أعني حراء وأخرى من دونه أعظم في المعجزة من حبس الشمس قليلا وقد قدمنا في الدلائل حديث رد الشمس بعد غروبها وذكرنا ما قيل فيه من المقالات فالله أعلم قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزملكاني وأما حبس الشمس ليوشع في قتال الجبارين فقد انشق القمر لنبينا صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر فلقتين أبلغ من حبس الشمس عن مسيرها وصحت الأحاديث وتواترت بانشقاق القمر وأنه كان فرقة خلف الجبل وفرقة امامه وأن قريشا قالوا هذا سحر أبصارنا فوردت المسافرون وأخبروا أنهم رأوه مفترقا قال الله تعالى اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر قال وقد حبست الشمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين إحداهما ما رواه الطحاوي وقال رواته ثقات وسماهم وعدهم واحدا واحدا وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوحي إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه فلم يرفع رأسه حتى غربت الشمس ولم يكن علي صلى العصر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس فرد الله عليه الشمس حتى رؤيت فقام علي فصلى العصر ثم غربت والثانية صبيحة الاسراء فأنه صلى الله عليه وسلم أخبر قريشا عن مسراه من مكة إلى بيت المقدس فسألوه عن اشياء من بيت المقدس فجلاه الله له حتى نظر إليه ووصفه لهم وسألوه عن عير كانت لهم في الطريق فقال إنها تصل إليكم مع شروق الشمس فتأخرت فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى كانت العصر روى ذلك ابن بكير في زياداته على السنن أما حديث رد الشمس بسبب علي رضي الله عنه فقد تقدم ذكرنا له من طريق أسماء بنت عميس وهو أشهرها وابن سعيد وأبي هريرة وعلي نفسه وهو مستنكر من جميع الوجوه وقد مال إلى تقويته أحمد بن صالح المصري الحافظ وأبو حفص الطحاوي والقاضي عياض وكذا صححه جماعة من العلماء الرافضة كابن المطهر وذويه ورده وحكم بضعفه آخرون من كبار حفاظ الحديث ونقادهم كعلي بن المديني وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وحكاه عن شيخه محمد ويعلى بن عبيد الطنافسيين وكأبي بكر محمد بن حاتم البخاري المعروف بابن زنجويه أحد الحفاظ والحافظ الكبير أبي القاسم بن عساكر وذكره الشيخ جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الموضوعات وكذلك صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي وأما ما ذكره يونس ابن بكير في زياداته على السيرة من تأخر طلوع الشمس عن إبان طلوعها فلم ير لغيره من العلماء على
أن هذا ليس من الأمور المشاهدة وأكثر ما في الباب أن الراوي روى تأخير طلوعها ولم نشاهد حبسها عن وقته وأغرب من هذا ما ذكره ابن المطهر في كتابه المنهاج أ نها ردت لعلي مرتين فذكر الحديث المتقدم كما ذكر ثم قال وأما الثانية فلما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بسبب دوابهم وصلى لنفسه في طائفة من أصحابه العصر وفاتت كثيرا منهم فتكلموا في ذلك فسأله الله رد الشمس فردت قال وذكر أبو نعيم بعد موسى إدريس عليه السلام وهو عند كثير من المفسرين من أنبياء بني إسرائيل وعند محمد بن إسحاق بن يسار وآخرين من علماء النسب قبل نوح عليه السلام في عمود نسبه إلى آدم عليه السلام كما تقدم التنبيه على ذلك فقال
*2* القول فيما أعطي ادريس عليه السلام
@ من الرفعة التي نوه الله بذكرها فقال ورفعناه مكانا عليا قال والقول فيه أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أعطى أفضل وأكمل من ذلك لأن الله تعالى رفع ذكره في الدنيا والآخرة فقال ورفعنا لك ذكرك فليس خطيب ولا شفيع ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقرن الله اسمه باسمه في مشارق الأرض ومغاربها وذلك مفتاحا للصلاة المفروضة ثم أورد حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهشيم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ورفعنا لك ذكرك قال قال جبريل قال الله إذا ذكرت ذكرت ورواه ابن جرير وابن أبي عاصم من طريق دراج ثم قال حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي حدثنا موسى بن سهل الجوني حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي حدثنا نصر بن حماد عن عثمان بن عطاء عن الزهري عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغت مما أمرني الله تعالى به من أمر السموات والأرض قلت يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا قد كرمته جعلت إبراهيم خليلا وموسى كليما وسخرت لداود الجبال ولسليمان الريح والشياطين وأحييت لعيسى الموتى فما جعلت لي قال أوليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أن لا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرؤن القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة وأنزلت عليك كلمة من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا إسناد فيه غرابة ولكن أورد له شاهدا من طريق أبي القاسم ابن بنت منيع البغوي عن سليمان بن داود المهراني عن حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا بنحوه وقد رواه أبو زرعة الرازي في كتاب دلائل النبوة بسياق آخر وفيه انقطاع فقال حدثنا هشام بن عمار الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا شعيب بن زريق أنه سمع عطاء الخراساني يحدث عن أبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ليلة أسري به قال لما أراني الله من آياته فوجدت ريحا طيبة فقلت ما هذا يا جبريل قال هذه الجنة قلت يا ربي
ائتني بأهلي قال الله تعالى لك ما وعدتك كل مؤمن ومؤمنة لم يتخذ من دوني أندادا ومن أقرضني قربته ومن توكل علي كفيته ومن سألني أعطيته ولا ينقص نفقته ولا ينقص ما يتمنىلك ما وعدتك فنعم دار المتقين أنت قلت رضيت فلما انتهينا إلى سدرة المنتهى خررت ساجدا فرفعت رأسي فقلت يا رب اتخذت ابراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما وآتيت داود زبورا وآتيت سليمان ملكا عظيما قال فإني قد رفعت لك ذكرك ولا تجوز لأمتك خطبة حتى يشهدوا أنك رسولي وجعلت قلوب أمتك أناجيل وآتيتك خواتيم سورة البقرة من تحت عرشي ثم روى من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة حديث الأسراء بطوله كما سقناه من طريق ابن جرير في التفسير وقال أبو زرعة في سياقه ثم لقي أرواح الأنبياء عليهم السلام فأثنوا على ربهم عز وجل فقال ابراهيم الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما وجعلني أمة قانتا لله محياي ومماتي وأنقذني من النار وجعلها علي بردا وسلاما ثم إن موسى أثنى على ربه فقال الحمد لله الذي كلمني تكليما واصطفاني برسالته وبكلامه وقربني نجيا وأنزل علي التوراة وجعل هلاك فرعون على يدي ثم إن داود أثنى على ربه فقال الحمد لله الذي جعلني ملكا وأنزل علي الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن معه والطير وآتاني الحكمة وفصل الخطاب ثم إن سليمان أثنى على ربه فقال الحمد لله الذي سخر لي الرياح والجن والإنس وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وعلمني منطق الطير وأسال لي عين القطر وأعطاني ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ثم إن عيسى أثنى على الله عز وجل فقال الحمد لله الذي علمني التوراة والأنجيل وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وطهرني ورفعني من الذين كفروا وأعاذني من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيل ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه فقال كلكم أثنى على ربه وأنا مثن على ربي الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس وجعل أمتي وسطا وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحا وخاتما فقال إبراهيم بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم ثم أورد إبراهيم الحديث المتقدم فيما رواه الحاكم والبيهقي من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب مرفوعا في قول آدم يا رب أسألك بحق محمد ألا غفرت لي فقال الله وما أدراك ولم أخلقه بعد فقال لأني رأيت مكتوبا مع اسمك على ساق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك فقال الله صدقت يا آدم ولولا محمد ما خلقتك وقال بعض الأئمة رفع الله ذكره وقرنه
باسمه في الأولين والآخرين وكذلك يرفع قدره ويقيمه مقاما محمودا يوم القيامة يغبطه به الأولون والآخرون ويرغب إليه الخلق كلهم حتى إبراهيم الخليل كما ورد في صحيح مسلم فيما سلف وسيأتي أيضا فإن التنويه بذكره في الأمم الخالية والقرون السابقة ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به وليتبعنه ولينصرنه وأمره أن يأخذ على أمته العهد والميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وليتبعنه وقد بشرت بوجوده الأنبياء حتى كان آخر من بشر به عيسى بن مريم خاتم أنبياء بني إسرائيل وكذلك بشرت به الأحبار والرهبان والكهان كما قدمنا ذلك مبسوطا ولما كانت ليلة الإسراء رفع من سماء إلى سماء حتى سلم على إدريس عليه السلام وهو في السماء الرابعة ثم جاوزه إلى الخامسة ثم إلى السادسة فسلم على موسى بها ثم جاوزه إلى السابعة فسلم على ابراهيم الخليل عند البيت المعمور ثم جاوز ذلك المقام فرفع لمستوى سمع فيه صريف الأقلام وجاء سدرة المنتهى ورأى الجنة والنار وغير ذلك من الآيات الكبرى وصلى بالأنبياء وشيعه من كل مقربوها وسلم عليه رضوان خازن الجنان ومالك خازن النار فهذا هو الشرف وهذه هي الرفعة وهذا هو التكريم والتنويه والاشهار والتقديم والعلو والعظمة صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين وأما رفع ذكره في الآخرين فأن دينه باق ناسخ لكل دين ولا ينسخ هو أبد الآبدين ودهر الداهرين إلى يوم الدين ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة والنداء في كل يوم خمس مرات على كل مكان مرتفع من الأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وهكذا كل خطيب يخطب لا بد أن يذكره في خطبته وما أحسن قول حسان
أغر عليه للنبوة خاتم * من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه * إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
وقال الصرصري رحمه الله * ألم تر أنا لا يصح أذاننا
ولا فرضنا إن لم نكرره فيهما
*2* القول فيما أوتي داود عليه السلام
@ قال الله تعالى واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب وقال تعالى ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير
وقد ذكرنا قصته عليه السلام في التفسير وطيب صوته عليه السلام وأن الله تعالى قد سخر له الطير تسبح معه وكانت الجبال أيضا تجيبه وتسبح معه وكان سريع القراءة يأمر بدوابه فتسرح فيقرأ الزبور بمقدار ما يفرغ من شأنها ثم يركب وكان لا يأكل إلا من كسب يده صلوات الله وسلامه عليه وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم حسن الصوت طيبه بتلاوة القرآن قال جبير بن مطعم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغرب بالتين والزيتون فما سمعت صوتا أطيب من صوته صلى الله عليه وسلم وكان يقرأ ترتيلا كما أمره الله عز وجل بذلك وأما تسبيح الطير مع داود فتسبيح الجبال الصم أعجب من ذلك وقد تقدم في الحديث أن الحصا سبح في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن حامد وهذا حديث معروف مشهور وكانت الأحجار والاشجار والمدر تسلم عليه صلى الله عليه وسلم وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود قال لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل يعني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه ذراع الشاة المسمومة وأعلمه بما فيه من السم وشهدت بنبوته الحيوانات الانسية والوحشية والجمادات أيضا كما تقدم بسط ذلك كله ولا شك أن صدور التسبيح من الحصا الصغار الصم التي لا تجاويف فيها أعجب من صدور ذلك من الجبال لما فيها من التجاويف والكهوف فأنها وما شاكلها تردد صدى الأصوات العالية غالبا كما قال عبد الله بن الزبير كان إذا خطب وهو أمير المدينة بالحرم الشريف تجاوبه الجبال أبو قبيس وزرود ولكن من غير تسبيح فإن ذلك من معجزات داود عليه السلام ومع هذا كان تسبيح الحصا في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان أعجب وأما أكل داود من كسب يده فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل من كسبه أيضا كما كان يرعى غنما لأهل مكة على قراريط وقال وما من نبي إلا وقد رعى الغنم وخرج إلى الشام في تجارة لخديجة مضاربة وقال الله تعالى وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا إلى قوله وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق أي للتكسب والتجارة طلبا للربح الحلال ثم لما شرع الله الجهاد بالمدينة كان يأكل مما أباح له من المغانم التي لم تبح قبله ومما أفاء الله عليه من أموال الكفار التي أبيحت له دون غيره كما جاء في المسند والترمذي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم وأما الإنة الحديد بغير نار كما يلين العجين في يده فكان يصنع هذه الدروع الداوودية وهي الزرديات السابغات وأمره الله تعالى بنفسه بعملها وقدر في السرد أي ألا يدق المسمار فيعلق ولا يعظله فيقصم كما جاء في
البخاري وقال تعالى وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة
نسيج داود ما حمى صاحب الغا * ر وكان الفخار للعنكبوت
والمقصود المعجز في إلانة الحديد وقد تقدم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب في سنة أربع وقيل خمس أنهم عرضت لهم كدية وهي الصخرة في الأرض فلم يقدروا على كسرها ولا شيء منها فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ربط حجرا على بطنه من شدة الجوع فضربها ثلاث ضربات لمعت الأولى حتى أضاءت له منها قصور الشام وبالثانية قصور فارس وثالثة ثم انسالت الصخرة كأنها كثيب من الرمل ولا شك أن انسيال الصخرة التي لا تنفعل ولا بالنار أعجب من لين الحديد الذي إن حمي لانه كما قال بعضهم
فلو أن ما عالجت لين فؤادها * بنفسي للان الجندل
والجندل الصخر فلو أن شيئا أشد قوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المبالغ قال الله تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو اشد قسوة الآية وأما قوله تعالى قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم الآية فذلك لمعنى آخر في التفسير وحاصله أن الحديد أشد امتناعا في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يعالج فاذا عولج انفعل الحديد ولا ينفعل الحجر والله أعلم وقال أبو نعيم فإن قيل فقد لين الله لداود عليه السلام الحديد حتى سرد منه الدروع السوابغ قيل لينت لمحمد الحجارة وصم الصخور فعادت له غارا استتر به من المشركين يوم أحد مال إلى الجبل ليخفي شخصه عنهم فلين الجبل حتى أدخل رأسه فيه وهذا أعجب لأن الحديد تلينه النار ولم نر النار تلين الحجر قال وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس قال وكذلك في بعض شعاب مكة حجر من جبل في صلايه إليه فلان الحجر حتى أدرأ فيه بذراعيه وساعديه وذلك مشهور يقصده الحجاج ويرونه وعادت الصخرة ليلة أسري به كهيئة العجين فربط بها دابته البراق وموضعه يسمونه الناس إلى يومنا هذا وهذا الذي اشار اليه من يوم أحد وبعض شعاب مكة غريب جدا ولعله قد أسنده هو فيما سلف وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة واما ربط الدابة في الحجر فصحيح والذي ربطها جبريل كما هو في صحيح مسلم رحمه الله وأما قوله وأوتيت الحكمة وفصل الخطاب فقد كانت الحكمة التي أوتيها محمد صلى الله عليه وسلم والشرعة التي شرعت له أكمل من كل حكمة وشرعة كانت لمن قبله من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين فإن الله جمع له محاسن من كان قبله وأكمله وآتاه ما لم يؤت أحدا قبله وقد قال صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع
الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا ولا شك أن العرب أفصح الأمم وكان النبي صلى الله عليه وسلم أفصحهم نطقا وأجمع لكل خلق جميل مطلقا
*2* القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام
@ قال الله تعالى فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب وقال تعالى ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين وقال تعالى ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بأذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور وقد بسطنا ذلك في قصته وفي التفسير أيضا وفي الحديث الذي رواه الأمام أحمد وصحهه الترمذي وابن حبان والحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان عليه السلام لما فرغ من بناء بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا سأل الله حكما يوافق حكمه وملكا لا ينبغي لأحد من بعده وأنه لا ياتي هذا المسجد أحد إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه أما تسخير الريح لسليمان فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا وقد تقدم في الحديث الذي رواه مسلم من طريق شعبة عن الحاكم عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ورواه مسلم من طريق الأعمش عن مسعود بن مالك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله وثبت في الصحيحين نصرت بالرعب مسيرة شهر ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قصد قتال قوم من الكفار ألقى الله الرعب في قلوبهم قبل وصوله إليهم بشهر ولو كان مسيره شهرا فهذا في مقابلة غدوها شهر ورواحها شهر بل هذا أبلغ في التمكن والنصر والتأييد والظفر وسخرت الرياح تسوق السحاب لإنزال المطر الذي امتن الله به حين استسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن كما تقدم وقال أبو نعيم فإن قيل فإن سليمان سخرت له الريح فسارت به في بلاد الله وكان غدوها شهرا ورواحها شهرا قيل ما أعطى محمد صلى الله عليه وسلم أعظم وأكبر لأنه سار في ليلة واحدة من مكة إلى بيت المقدس مسيرة شهر وعرج به في ملكوت السموات مسيرة خمسين ألف سنة في أقل من ثلث ليلة فدخل السموات سماء سماء ورأى عجائبها ووقف على الجنة والنار وعرض عليه أعمال أمته وصلى بالأنبياء وبملائكة السموات واخترق الحجب وهذا كله في
ليلة قائما أكبر وأعجب وأما تسخير الشياطين بين يديه تعمل ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات فقد أنزل الله الملائكة المقربين لنصرة عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن يوم أحد وبدر ويوم الأحزاب ويوم حنين كما تقدم ذكرناه ذلك مفصلا في مواضعه وذلك أعظم وأبهر وأجل وأعلا من تسخير الشياطين وقد ذكر ذلك ابن حامد في كتابه وفي الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة نحوها ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى يصبحوا وينظروا إليه فذكرت دعوة أخي سليمان رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي قال روح فرده الله خاسئا لفظ البخاري ولمسلم عن أبي الدرداء نحوه قال ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح يلعب به ولدان أهل المدينة وقد روى الأمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أختنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين الأبهام والتي تليها ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان أهل المدينة وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين وفي رواية مردة الجن فهذا من بركة ما شرعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه وسيأتي عند إبراء الأكمه والأبرص من معجزات المسيح عيسى بن مريم عليه السلام دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لغير ما واحد ممن أسلم من الجن فشفي وفارقهم خوفا منه ومهابة له وامتثالا لأمره صلوات الله وسلامه عليهم وقد بعث الله نفرا من الجن يستمعون القرآن فآمنوا به وصدقوه ورجعوا إلى قومهم فدعوهم إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وحذروهم مخالفته لأنه كان مبعوثا إلى الأنس والجن فآمنت طوائف من الجن كثيرة كما ذكرنا ووفدت إليه منهم وفود كثيرة وقرأ عليهم سورة الرحمن وخبرهم بما لمن آمن منهم من الجنان وما لمن كفر من النيران وشرع لهم ما يأكلون وما يطعمون دوابهم فدل على أنه بين لهم ما هو أهم من ذلك وأكبر وقد ذكر أبو نعيم هاهنا حديث الغول التي كانت تسرق التمر من جماعة من أصحابه صلى الله عليه وسلم ويريدون إحضارها إليه فتمتنع كل الامتناع خوفا من المثول بين يديه ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسي التي لا يقرب قارئها الشيطان وقد سبقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير ولله الحمد والغول هي الجن المتبدى بالليل في صورة مرعبة وذكر أبو نعيم هاهنا حماية جبريل له عليه السلام غير ما مرة من أبي جهل كما ذكرنا في السيرة وذكر مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه
وشماله يوم أحد وأما ما جمع الله تعالى لسليمان من النبوة والملك كما كان أبوه من قبله فقد خير الله عبده محمدا صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملكا نبيا أو عبدا رسولا فاستشار جبريل في ذلك فأشار إليه وعليه أن يتواضع فاختار أن يكون عبدا رسولا وقد روى ذلك من حديث عائشة وابن عباس ولا شك أن منصب الرسالة أعلى وقد عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم كنوز الأرض فأباها قال ولو شئت لأجرى الله معي جبال الأرض ذهبا ولكن أجوع يوما وأسبع يوما وقد ذكرنا ذلك كله بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضا ولله الحمد والمنة وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا طرفا منها من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم جيء بمفاتيح خزائن الأرض فجعلت في يدي ومن حديث الحسين بن واقد عن الزبير عن جابر مرفوعا أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس ومن حديث القاسم عن أبي لبابة مرفوعا عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فاذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك قال أبو نعيم فإن قيل سليمان عليه السلام كان يفهم كلام الطير والنملة كما قال تعالى وقال يأيها الناس علمنا منطق الطير الآية وقال فلما أتوا على وادي النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فتبسم ضاحكا من قولها الآية قيل قد أعطى محمد صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وأكثر منه فقد تقدم ذكرنا لكلام البهائم والسباع وحنين الجذع ورغاء البعير وكلام الشجر وتسبيح الحصا والحجر ودعائه إياه واستجابته لأمره وإقرار الذئب بنبوته وتسبيح الطير لطاعته وكلام الظبية وشكواها إليه وكلام الضـب وإقراره بنبوته وما في معناه كل ذلك قد تقدم في الفصول بما يغني عن إعادته انتهى كلامه قلت وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من السم وكان ذلك بأقرار من وضعه فيه من اليهود وقال إن هذه السحابة لتبتهل بنصرك يا عمرو بن سالم يعني الخزاعي حين أنشده تلك القصيدة يستعديه فيها على بني بكر الذين نقضوا صلح الحديبية وكان ذلك سبب فتح مكة كما تقدم وقال صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن فهذا إن كان كلاما مما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك فهو من هذا القبيل وأبلغ لانه جماد بالنسبة إلى الطير والنمل لأنهما من الحيوانات ذوات الأرواح وإن كان سلاما نطقيا وهو الأظهر فهو أعجب من هذا الوجه أيضا كما قال علي خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض شعاب مكة فما مر بحجر ولا شجر ولا مدر إلا قال السلام عليك يا رسول الله فهذا النطق سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه ثم قال أبو نعيم حدثنا أحمد بن محمد بن الحارث العنبري حدثنا أحمد بن
يوسف بن سفيان حدثنا إبراهيم بن سويد النخعي حدثنا عبد الله بن أذينة الطائي عن ثور بن يزيد عن خالد بن معلاة بن جبل قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر حمار أسود فوقف بين يديه فقال من أنت فقال أنا عمرو بن فهران كنا سبعة إخوة وكلنا ركبنا الأنبياء وأنا أصغرهم وكنت لك فملكني رجل من اليهود وكنت إذ اذكرك عثرت به فيوجعني ضربا فقال النبي صلى الله عليه وسلم فأنت يعفور وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ولا يحتاج إلى ذكره مع ما تقدم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غنية عنه وقد روى على غير هذه الصفة وقد نص على نكارته ابن أبي حاتم عن أبيه والله أعلم




يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:39 AM
القول فيما أوتي عيسى بن مريم عليه السلام
@ ويسمى المسيح فقيل لمسحه الأرض وقيل لمسح قدمه وقيل لخروجه من بطن أمه ممسوحا بالدهان وقيل لمسح جبريل بالبركة وقيل لمسح الله الذنوب عنه وقيل لأنه كان لا يمسح أحدا إلا برأ حكاها كلها الحافظ أبو نعيم رحمه الله ومن خصائصه أنه عليه السلام مخلوق بالكلمة من أنثى بلا ذكر كما خلقت حواء من ذكر بلا أنثى وكما خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى وإنما خلقه الله تعالى من تراب ثم قال له كن فيكون وكذلك يكون عيسى بالكلمة وبنفخ جبريل مريم فخلق منها عيسى ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين ولد ذهب يطعن فطعن في الحجاب كما جاء في الصحيح ومن خصائصه أنه حي لم يمت وهو الآن بجسده في السماء الدنيا وسينزل قبل يوم القيامة على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ويحكم بهذه الشريعة المحمدية ثم يموت ويدفن بالحجرة النبوية كما رواه الترمذي وقد بسطنا ذلك في قصته وقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني رحمه الله وأما معجزات عيسى عليه السلام فمنها إحياء الموتى وللنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كثير وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت وقد كلم النبي صلى الله عليه وسلم الذراع المسمومة وهذا الإحياء أبلغ من إحياء الانسان الميت من وجوه أحدها أنه إحياء جزء من الحيوان دون بقيته وهذا معجز لو كان متصلا بالبدن الثاني أنه أحياه وحده منفصلا عن بقية أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية الثالث أنه أعاد عليه الحياة مع الأدراك والعقل ولم يكن هذا الحيوان يعقل في حياته الذي هو جزؤه مما يتكلم وفي هذا ما هو أبلغ من حياة الطيور التي أحياها الله لأبراهيم صلى الله عليه وسلم قلت وفي حلول الحياة والأدراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام عليه كما روي في صحيح مسلم من المعجز ما هو أبلغ من إحياء الحيوان في الجملة لأنه كان محلا للحياة في وقت بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك وكذلك تسليم الأحجار والمدر عليه وكذلك الاشجار والأغصان وشهادتها بالرسالة وحنين الجذع وقد جمع ابن أبي الدنيا كتابا فيمن عاش بعد الموت وذكر منها كثيرا وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه قال دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريض يعقل فلم نبرح حتى قبض فبسطنا عليه ثوبه وسجيناه وله أم عجوز كبيرة عند رأسه فالتفت إليها بعضنا وقال يا هذه احتسبي مصيبتك عند الله فقالت وما ذاك أمات ابني قلنا نعم قالت أحق ما تقولون قلنا نعم فمدت يدها إلى الله تعالى فقالت اللهم إنك تعلم أني أسلمت وهاجرت إلى رسولك رجاء أن تعينني عند كل شدة ورخاء فلا تحملني هذه المصيبة اليوم قال فكشف الرجل عن وجهه وقعد وما برحنا حتى أكلنا معه وهذه القصة قد تقدم التنبيه عليها في دلائل النبوة وقد ذكر معجز الطوفان مع قصة العلاء بن الحضرمي وهذا السياق الذي أورده شيخنا ذكر بعضه بالمعنى وقد رواه أبو بكر ابن أبي الدنيا والحافظ أبو بكر البيهقي من غير وجه عن صالح بن بشير المري أحد زهاد البصرة وعبادها وفي حديثه لين عن ثابت عن أنس فذكره وفي رواية البيهقي أن أمه كانت عجوزا عمياء ثم ساقه البيهقي من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون عن أنس كما تقدم وسياقه أتم وفيه أن ذلك كان بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا إسناد رجاله ثقات ولكن فيه انقطاع بين عبد الله بن عون وأنس والله أعلم
*2* قصة أخرى
@ قال الحسن بن عرفة حدثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي سبرة النخعي قال أقبل رجل من اليمن فلما كان في بعض الطريق نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم قال اللهم إني جئت من المدينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور لا تجعل لاحد علي اليوم منة أطلب اليك اليوم أن تبعث حماري فقام الحمار ينفض أذنيه قال البيهقي هذا إسناد صحيح ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة قال البيهقي وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل من الوجهين والله أعلم قلت كذلك رواه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل عن الشعبي فذكره قال الشعبي فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة يعني بالكوفة وقد أوردها ابن أبي الدنيا من وجه آخر وأن ذلك كان في زمن عمر بن الخطاب وقد قال بعض قومه في ذلك
ومنا الذي أحيى الإله حماره * وقد مات منه كل عضو ومفصل
وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة قال البخاري في التاريخ الكبير زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا وتوفي في زمن عثمان وهو الذي تكلم بعد الموت وروى الحاكم في مستدركه
والبيهقي في دلائله وصححه كما تقدم من طريق العتبي عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من الحارث بن الخزرج توفي زمن عثمان بن عفان فسجي بثوبه ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم فقال أحمد في الكتاب الأول صدق صدق أبو بكر الضعيف في نفسه القوي في أمر الله في الكتاب الأول صدق صدق عمر بن الخطاب القوي في الكتاب الأول صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت الفتن وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خير قال يحيى بن سعيد قال سعيد بن المسيب ثم هلك رجل من بني حطمة فسجي بثوبه فسمع جلجلة في صدره ثم تكلم فقال إن أخا بني حارث بن الخزرج صدق صدق ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقي أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأطول وصححه البيهقي قال وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم قلت قد ذكرت في قصة سخلة جابر يوم الخندق وأكل الألف منها ومن قليل شعير ما تقدم وقد أورد الحافظ محمد بن المنذر المعروف بيشكر في كتابه الغرائب والعجائب بسنده كما سبق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع عظامها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت فتركها في منزله والله أعلم قال شيخنا ومن معجزات عيسى الإبراء من الجنون وقد أبرأ النبي صلى الله عليه وسلم يعني من ذلك هذا آخر ما وجدته فيما حكيناه عنه فأما إبراء عيسى من الجنون فما أعرف فيه نقلا خاصا وإنما كان يبرئ الأكمه والأبرص والظاهر ومن جميع العاهات والأمراض المزمنة وأما إبراء النبي صلى الله عليه وسلم من الجنون فقد روى الإمام أحمد والحافظ البيهقي من غير وجه عن يعلى بن مرة أن امرأة أتت بابن لها صغير به لمم ما رأيت غما أشد منه فقالت يا رسول الله ابني هذا كما ترى اصابه بلاء وأصابنا منه بلاء يوجد منه في اليوم ما يؤذي ثم قالت مرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ناولينيه فجعلته بينه وبين واسطة الرحل ثم فغر فاه ونفث فيه ثلاثا وقال بسم الله أنا عبد الله اخسأ عدو الله ثم ناولها إياه فذكرت أنه برئ من ساعته وما رابهم شيء بعد ذلك وقال أحمد حدثنا يزيد حدثنا حماد بن سلمة عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن به لمما وإنه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا قال فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا له فسغ سغة فخرج منه مثل الجرو الأسود فشفي غريب من هذا الوجه وفرقد فيه كلام وإن كان من زهاد البصرة لكن ما تقدم له شاهد وإن كانت القصة واحدة والله أعلم وروى البزار من طريق فرقد أيضا عن سعد بن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فجاءته امرأة من الانصار فقالت يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني فقال لها تصبري على ما أنت عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا
حساب فقالت والذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله ثم قالت إني أخاف الخبيث أن يجردني فدعا لها وكانت إذا أحست أن يأتيها تأتي استار الكعبة فتتعلق بها وتقول له اخسأ فيذهب عنها وهذا دليل على أن فرقد قد حفظ فإن هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عطاء بن أبي رباح قال قال لي ابن عباس ألا أريك امرأة من أهل الجنة قلت بلى قال هذه السوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني أصرع وأنكشف فادع الله لي قال إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك قالت لا بل أصبر فادع الله أن لا أنكشف قال فدعا لها فكانت لا تنكشف ثم قال البخاري حدثنا محمد حدثنا مخلد عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة وذكر الحافظ ابن الأثير في كتاب أسد الغابة في أسماء الصحابة أن أم زفر هذه كانت ماشطة لخديجة بنت خويلد وأنها عمرت حتى رآها عطاء بن أبي رباح رحمهما الله تعالى وأما إبراء عيسى الأكمه وهو الذي يولد أعمى وقيل هو الذي لا يبصر في النهار ويبصر في الليل وقيل غير ذلك كما بسطنا ذلك في التفسير والأبرص الذي به بهق فقد رد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد عين قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد ما سالت على خده فأخذها في كفه الكريم وأعادها إلى مقرها فاستمرت بحالها وبصرها وكانت أحسن عينيه رضي الله عنه كما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة وغيره وكذلك بسطناه ثم ولله الحمد والمنة وقد دخل بعض ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأل عنه فأنشأ يقول
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه * فردت بكف المصطفى أحسن الرد
فعادت كما كانت لأول أمرها * فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فقال عمر بن عبد العزيز * تلك المكارم لاقعبان من لبن
شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
ثم أجازه فأحسن جائوته وقد روى الدارقطني أن عينيه أصيبتا معا حتى سالتا على خديه فردهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكانهما والمشهور الاول كما ذكر ابن اسحاق
*2* قصة الأعمى الذي رد الله عليه بصره بدعاء الرسول
@ قال الامام أحمد حدثنا روح وعثمان بن عمر قالا حدثنا شعبة عن أبي جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضريرا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ادع الله لي أن يعافيني فقال إن شئت اخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك وإن شئت دعوت قال بل ادع الله لي قال فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويصلي ركعتين وأن يدعو بهذا الدعاء اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة إني أتوجه به في حاجتي هذه فتقضى وقال في رواية عثمان بن عمر فشفعه في قال ففعل الرجل فبرأ ورواه الترمذي وقال حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخطمي وقد رواه البيهقي عن الحاكم بسنده إلى أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف فذكر نحوه قال عثمان فوالله ما تفرقنا ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأن لم يكن به ضر قط
*2* قصة أخرى
@ قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر حدثنا عبد العزيز بن عمر حدثني رجل من بني سلامان بن سعد عن أمه عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن قريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا فقال له ما أصابك قال كنت حملا لي فوقعت رجلي على بيض حية فأصيب بصري فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الأبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان قال البيهقي وغيره يقول حبيب بن مدرك وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفث في عيني علي يوم خيبر وهو أرمد فبرأ من ساعته ثم لم يرمد بعدها أبدا ومسح رجل جابر بن عتيك وقد انكسرت رجله ليلة قتل أبا رافع تاجر أهل الحجاز الخيبري فبرأ من ساعته أيضا وروى البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم مسح يد محمد بن حاطب وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته ومسح رجل سلمة بن الأكوع وقد أصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها ودعا لسعد بن أبي وقاص أن يشفى من مرضه ذلك فشفي وروى البيهقي أن عمه أبا طالب مرض فسأل منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو له ربه فدعا له فشفي من مرضه ذلك وكم له من مثلها وعلى مسلكها من إبراء آلام وإزالة أسقام مما يطول شرحه وبسطه وقد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمى أيضا كما رواه الحافظ ابن عساكر من طريق أبي سعيد بن الأعرابي عن أبي داود حدثنا عمر بن عثمان حدثنا بقية عن محمد بن زياد عن أبي مسلم أن امرأة خبثت عليه امرأته فدعا عليها فذهب بصرها فأتته فقالت يا أبا مسلم إني كنت فعلت وفعلت وإني لا أعود لمثلها فقال اللهم إن كانت صادقة فاردد عليها بصرها فأبصرت ورواه أيضا من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا حدثنا عبد الرحمن بن واقد حدثنا ضمرة حدثنا عاصم حدثنا عثمان بن عطاء قال كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله فاذا بلغ وسط الدار كبر وكبرت امرأته فإذا دخل البيت كبر وكبرت امرأته فيدخل فينزع رداءه وحذاءه وتأتيه بطعام يأكل فجاء ذات ليلة فكبر فلم تجبه ثم جاء إلى باب البيت فكبر وسلم فلم تجبه وإذا
البيت ليس فيه سراج وإذا هي جالسة بيدهاعود تنكت في الأرض به فقال لها مالك فقالت الناس بخير وأنت لو أتيت معاوية فيأمر لنا بخادم ويعطيك شيئا تعيش به فقال اللهم من أفسد علي أهلي فأعم بصره قال وكانت أتتها امرأة فقالت لامرأة أبي مسلم لو كلمت زوجك ليكلم معاوية فيخدمكم ويعطيكم قال فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج مزهو إذ أنكرت بصرها فقالت سراجكم طفئ قالوا لا قالت إن الله أذهب بصري فأقبلت كما هي إلى أبي مسلم فلم تزل تناشده وتتلطف إليه فدعا الله فرد بصرها ورجعت امرأته على حالها التي كانت عليها وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى إذ قال الحواريون يا عيسى بن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين قال عيسى بن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فأني معذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وقد ذكرنا في التفسير بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها هل نزلت أم لا على قولين والمشهور عن الجمهور أنها نزلت واختلف فيما كان عليها من الطعام على أقوال وذكر أهل التاريخ أن موسى بن نصير الذي فتح البلاد المغربية أيام بني أمية وجد المائدة ولكن قيل إنها مائدة سليمان بن داود مرصعة بالجواهر وهي من ذهب فأرسل بها إلى الوليد بن عبد الملك فكانت عنده حتى مات فتسلمها أخوه سليمان وقيل إنها مائدة عيسى لكن يبعد هذا أن النصارى لا يعرفون المائدة كما قاله غير واحد من العلماء والله أعلم والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل وقد كانت موائد رسول الله صلى الله عليه وسلم تمد من السماء وكانوا يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل بين يديه وكم قد أشبع من طعام يسير ألوفا ومئات وعشرات صلى الله عليه وسلم ما تعاقبت الأوقات وما دامت الأرض والسموات وهذا أبو مسلم الخولاني وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمرا عجيبا وشأنا غريبا حيث روي من طريق إسحاق بن يحيى الملطي عن الأوزاعي قال أتى أبا مسلم الخولاني نفر من قومه فقالوا يا أبا مسلم أما تشتاق إلى الحج قال بلى لو أصبت لي أصحابا فقالوا نحن أصحابك قال لستم لي بأصحاب إنما أصحابي قوم لا يريدون الزاد ولا المزاد فقالوا سبحان الله وكيف يسافر أقوام بلا زاد ولا مزاد قال لهم ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا مزاد والله يرزقها وهي لا تبيع ولا تشتري ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها قال فقالوا فأنا نسافر معك قال فهبوا على بركة الله تعالى قال فغدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد فلما انتهوا إلى المنزل قالوا يا أبا مسلم
طعام لنا وعلف لدوابنا قال فقال لهم نعم فسجا غير بعيد فيمم مسجد أحجار فصلى فيه ركعتين ثم جثى على ركبتيه فقال إلهي قد تعلم ما أخرجني من منزلي وإنما خرجت آمرا لك وقد رأيت البخيل من ولد آدم تنزل به العصابة من الناس فيوسعهم قرى وإنا أضيافك وزوارك فأطعمنا واسقنا واعلف دوابنا قال فأتى بسفرة مدت بين أيديهم وجيء بجفنة من ثريد وجيء بقلتين من ماء وجيء بالعلف لا يدرون من يأتي به فلم تزل تلك حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا لا يتكلفون زادا ولا مزادا فهذه حال ولي من هذه الأمة نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه وهذا اعتناء عظيم وإنما نال ذلك ببركة متابعته لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم وأما قوله عن عيسى بن مريم عليه السلام إنه قال لبني إسرائيل وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم الآية فهذا شيء يسير على الأنبياء بل وعلى كثير من الأولياء وقد قال يوسف الصديق لذينك الفتيين المحبوسين معه لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي الآية وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأخبار الماضية طبق ما وقع وعن الأخبار الحاضرة سواء بسواء كما أخبر عن أكل الأرضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطون قريش قديما كتبتها على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب حتى يسلموا اليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة فأرسل الله الأرضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى وفي رواية فأكلت اسم الله منها تنزيها لها أن تكون مع الذي فيها من الظلم والعدوان فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا طالب وهم بالشعب فخرج إليهم أبو طالب وقال لهم عما أخبرهم به فقالوا إن كان كما قال وإلا فسلموه إلينا فقالوا نعم فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء بسواء فأقلعت بطون قريش عما كانوا عليه لبني هاشم وبني المطلب وهدى الله بذلك خلقا كثيرا وكم له مثلها كما تقدم بسطه وبيانه في مواضع من السيرة وغيرها ولله الحمد والمنة وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مال له فقال له فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل تحت أسكفة الباب وقلت لها إن قتلت فهو للصبية فقال والله يا رسول الله إن هذا شيء لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله عز وجل وأخبر بموت النجاشي يوم مات وهو بالحبشة وصلى عليه وأخبر عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحدا بعد واحد وهو على المنبر وعيناه تذرفان وأخبر عن الكتاب الذي أرسل به حاطب بن بلتعة مع شاكر مولى بني عبد المطلب وأرسل في طلبها عليا والزبير والمقداد فوجدوها قد جعلته في عقاصها وفي رواية في حجزتها وقد تقدم ذلك في غزوة الفتح وقال لأميري كسرى اللذين بعث بهما نائب اليمن لكسرى ليستعلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربي قد قتل الليلة ربكما
فأرخا تلك الليلة فإذا كسرى قد سلط الله عليه ولده فقتله فأسلما وأسلم نائب اليمن وكان سبب ملك اليمن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأما إخباره صلى الله عليه وسلم عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جدا كما تقدم بسط ذلك وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع ذلك طبق ما كان سواء وذكر ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى عليه الصلاة والسلام جهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مقابلة زهد عيسى عليه الصلاة والسلام زهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كنوز الأرض حين عرضت عليه فأباها وقال أجوع يوما وأشبع يوما وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضي عليهن الشهر والشهران لا توقد عندهن نار ولا مصباح إنما هو الأسودان التمر والماء وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع وما شبعوا من خبز بر ثلاث ليال تباعا وكان فراشه من أدم حشوه ليف وربما اعتقل الشاة فيحلبها ورقع ثوبه وخصف نعله بيده الكريمة صلوات الله وسلامه عليه ومات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي على طعام اشتراه لاهله هذا وكم آثر بآلاف مؤلفة والابل والشاء والغنائم والهدايا على نفسه وأهله للفقراء والمحاويج والأرامل والأيتام والأاسرى والمساكين وذكر أبو نعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصديقة بوضع عيسى ما بشرت به آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حملت به في منامها وما قيل لها إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فسميه محمدا وقد بسطنا ذلك في المولد كما تقدم وقد أورد الحافظ أبو نعيم هاهنا حديثا غريبا مطولا بالمولد أحببنا أن نسوقه ليكون الختام نظير الإفتتاح وبالله المستعان وعليه التكلان ولله الحمد فقال حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا حفص بن عمرو بن الصباح حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي أنا أبو بكر بن أبي مريم عن سعيد بن عمر الأنصاري عن أبيه قال قال ابن عباس فكان من دلالات حمل محمد صلى الله عليه وسلم أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة قد حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة وهو امان الدنيا وسراج أهلها ولم يبق كاهن في قريش ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حجبت عن صاحبتها وانتزع علم الكهنة منها ولم يبق سرير ملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا والملك مخرسا لا ينطق يومه لذلك وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات وكذلك أهل البحار بشر بعضهم بعضا وفي كل شهر من شهوره نداء في الأرض ونداء في السموات أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميمونا مباركا قال وبقي في بطن أمة تسعة أشهر وهلك أبوه عبد الله وهو في بطن أمه فقالت الملائكة إلهنا وسيدنا بقي نبيك هذا يتيما فقال الله تعالى للملائكة أنا له ولي وحافظ ونصير فتبركوا بمولده ميمونا مباركا وفتح الله لمولده أبواب السماء وجناته وكانت آمنة تحدث عن نفسها وتقول أتى لي آت حين مر لي من حمله ستة اشهر فوكزني برجله في المنام وقال يا آمنة إنك حملت بخير العالمين طرا فإذا ولدتيه فسميه محمدا أو النبي شأنك قال وكانت تحدث عن نفسها وتقول لقد أخذني
ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ذكر ولا أنثى وإني لوحيدة في المنزل وعبد المطلب في طوافه قالت فسمعت وجبة شديدة وأمرا عظيما فهالني ذلك وذلك يوم الاثنين ورأيت كأن جناح طير أبيض قد مسح على فؤادي فذهب كل رعب وكل فزع ووجل كنت أجد ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء ظننتها لبنا وكنت عطشانة فتناولتها فشربتها فأصابني نور عال ثم رأيت نسوة كالنخل الطوال كأنهن من بنات عبد المطلب يحدقن بي فبينا أنا أعجب وأقول واغوثاه من أين علمن بي واشتد بي الأمر وأنا أسمع الوجبة في كل ساعة أعظم وأهول وإذا أنا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض وإذا قائل يقول خذوه عن أعين الناس قالت رأيت رجالا وقفوا في الهواء بأيديهم أباريق فضة وأنا يرشح مني عرق كالجمان أطيب ريحا من المسك الأزفر وأنا أقول ياليت عبد المطلب قد دخل علي قالت ورأيت قطعة من الطير قد أقبلت من حيث لا أشعر حتى غطت حجرتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من اليواقيت فكشف الله لي عن بصيرتي فأبصرت من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ورأيت ثلاث علامات مضروبات علم بالمشرق وعلم بالمغرب وعلم على ظهر الكعبة فأخذني المخاض واشتد بي الطلق جدا فكنت كأني مسندة إلى أركان النساء وكثرن علي حتى كأني مع البيت وأنا لا أرى شيئا فولدت محمدا فلما خرج من بطني درت فنظرت إليه فاذا هو ساجد وقد رفع أصبعيه كالمتضرع المبتهل ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيته فغيب عن عيني فسمعت مناديا ينادي يقول طوفوا بمحمد صلى الله عليه وسلم شرق الأرض وغربها وأدخلوه البحار كلها ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ويعلموا أنه سمي الماحي لا يبقي شيء من الشرك إلا محي به قالت ثم تخلوا عنه في أسرع وقت فاذا أنا به مدرج في ثوب صوف أبيض اشد بياضا من اللبن وتحته حريرة خضراء وقد قبض محمد ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب الأبيض وإذا قائل يقول قبض محمد مفاتيح النصر ومفاتيح الريح ومفاتيح النبوة هكذا أورده وسكت عليه وهو غريب جدا وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصرصري الماهر الحافظ للأحاديث واللغة ذو المحبة الصادقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك يشبه في عصره بحسان بن ثابت رضي الله عنه وفي ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان ضرير البصر بصير البصيرة وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمائة قتله التتار في كل بنة بغداد كما سيأتي ذلك في موضعه في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان قال في قصيدته من حرف الحاء المهملة من ديوانه
محمد المبعوث للناس رحمة * يشيد ما أوهى الضلال ويصلح
لئن سبحت صم الجبال مجيبة * لداود أو لان الحديد المصفح
فإن الصخور الصم لانت بكفه * وإن الحصا في كفه ليسبح
وإن كان موسى أنبع الما من العصا * فمن كفه قد أصبح الماء يطفح
وإن كانت الريح الرخاء مطيعة * سليمان لا تألو تروح وتسرح
فإن الضبا كانت لنصر نبينا * برعب على شهر به الخصم يكلح
وإن أوتي الملك العظيم وسخرت * له الجن تشفي مارضيه وتلدح
فإن مفاتيح الكنوز بأسرها * أتته فرد الزاهد المترجح
وإن كان إبراهيم أعطي خلة * وموسى بتكليم على الطور يمنح
فهذا حبيب بل خليل مكلم * وخصص بالرؤيا وبالحق أشرح
وخصص بالحوض العظيم وباللوا * ويشفع للعاصين والنار تلفح
وبالمقعد الأعلى المقرب عنده * عطاء ببشراه أقر وأفرح
وبالرتبة العليا الأسيلة دونها * مراتب أرباب المواهب تلمح
وفي جنة الفردوس أول داخل * له سائر الأبواب بالخار تفتح
وهذا آخر ما يسر الله جمعه من الأخبار بالمغيبات التي وقعت إلى زماننا مما يدخل في دلائل النبوة والله الهادي وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته عليه السلام إلى زماننا نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ثم نسوق بعد ذلك أشراط الساعة ثم نذكر البعث والنشور ثم ما يقع يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة ونذكر الحوض والميزان والصراط ثم نذكر صفة النار ثم صفة الجنة
*2* كتاب تاريخ الاسلام الاول من الحوادث الواقعة في الزمان ووفيات المشاهير والاعيان
@
*2* سنة إحدى عشرة من الهجرة
@ تقدم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفاية وبالله التوفيق
*3* خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وما فيها من الحوادث
@ قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي يوم الإثنين وذلك ضحى فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصديق في سقيفة بني ساعدة ثم في المسجد البيعة العامة في بقية يوم الاثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدم ذلك بطوله ثم أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكفينه والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تسليما بقية يوم الثلاثاء ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدم ذلك مبرهنا في موضعه وقال محمد بن إسحاق بن يسار حدثني الزهري حدثني أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا يقول يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال أما بعد أيها الناس فأني قد وليت عليكم ولست بخيركم فان أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فاذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا الى صلاتكم يرحمكم الله وهذا إسناد صحيح وقد اتفق الصحابة رضي الله عنهم على بيعة الصديق في ذلك الوقت حتى علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الاسفراييني ثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ ثنا أبو بكر بن خزيمة وإبراهيم بن أبي طالب
قالا ثنا بندار بن يسار ثنا أبو هشام المخزومي ثنا وهيب ثنا داود بن أبي هند ثنا أبو نصرة عن أبي سعيد الخدري قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر قال فقام خطيب الانصار فقال أتعلمون أنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره قال فقام عمر بن الخطاب فقال صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم فأخذ بيد أبي بكر وقال هذا صاحبكم فبايعوه فبايعه عمر وبايعه المهاجرون والأنصار وقال فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير قال فدعا الزبير فجاء قال قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أردت أن تشق عصا المسلمين قال لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليا فدعا بعلي بن أبي طالب قال قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين قال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه هذا أو معناه قال الحافظ أبو علي النيسابوري سمعت ابن خزيمة يقول جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث فكتبته له في رقعة وقرأت عليه فقال هذا حديث يساوي بدنة فقلت يسوى بدنة بل هذا يسوي بدرة وقد رواه الامام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصرا وأخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلم عن وهيب مطولا كنحو ما تقدم وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب عن علي بن عاصم عن الحريري عن أبي نصرة عن أبي سعيد فذكره مثله في مبايعة علي والزبير رضي الله عنهما يومئذ وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم حدثني أبي أن أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر وأن محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال والله ما كنت حريصا على الإمارة يوما ولا ليلة ولا سألتها الله في سر ولا علانية فقبل المهاجرون مقالته وقال علي والزبير ما إلا لأننا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أبا بكر احق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي وهذا اللائق بعلي رضي الله عنه والذي يدل عليه الأثار من شهوده معه الصلوات وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنورده وبذله له النصيحة والمشورة بين يديه وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة وقد ماتت بعد أبيها عليه السلام بستة اشهر فذلك محمول على أنها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله لا نورث ما تركنا فهو صدقة كما تقدم إيراد اسانيده وألفاظه ولله الحمد وقد كتبنا هذه الطرق مستقصاة في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصديق رضي الله عنه وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روي عنه من الأحكام مبوبة على أبواب العلم ولله الحمد والمنة وقال سيف بن عمر
التميمي عن أبي ضمرة عن أبيه عن عاصم بن عدي قال نادى منادي أبي بكر من الغد من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتمم بعث أسامة ألا لا يبقين بالمدينة أحد من جيش أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال أيها الناس إنما أنا مثلكم واني لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فان استقمت فبايعوني وإن زغت فقوموني وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها وإن لي شيطانا يعتريني فإذا أتاني فاجتذوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم وإنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه وإن استطعتم أن لا يمضي إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله وسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال فان قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم بعدهم فإياكم أن تكونوا أمثالهم الجد الجد النجاة النجاة الوحا الوحا فإن وراءكم طالبا حثيثا وأجلا أمره سريع احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والأخوان ولا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعوا به الأموات قال وقام أيضا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم فإنما أخلصتم لحين فقركم وحاجتكم اعتبروا عباد الله بمن مات منكم وتفكروا فيمن كان قبلكم أين كانوا أمس وأين هم اليوم أين الجبارون الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة في مواطن الحروب قد تضعضع بهم الدهر وصاروا رميما قد تولت عليهم العالات الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات وأين الملوك الذين اثاروا الأرض وعمروها قد بعدوا ونسي ذكرهم وصاروا كلا شيء الا أن الله عز وجل قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم وبعثنا خلفا بعدهم فان نحن اعتبرنا بهم نجونا وإن انحدرنا كنا مثلهم أين الوضاءة الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم صاروا ترابا وصار ما فرطوا فيه حسرة عليهم أين الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط وجعلوا فيها الأعاجيب قد تركوها لمن خلفهم فتلك مساكنهم خاوية وهم في ظلمات القبور هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم قد انتهت بهم آجالهم فوردوا على ما قدموا فحلوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت ألا إن الله لا شريك له ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف به عنه سوءا إلا بطاعته واتباع أمره واعلموا أنكم عبيد مدينون وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تبعد عنه الجنة
*3* فصل في تنفيذ جيش اسامة بن زيد
@ الذين كانوا قد امرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير الى تخوم البلقاء من الشام حيث قتل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة فيغتزوا على تلك الأراضي فخرجوا إلى الجرف فخيموا به وكان بينهم عمر بن الخطاب ويقال وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاموا هنالك فلما مات عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق ولم يبق للجمعة مقام في بلد سوى مكة والمدينة وكانت جواثا من البحرين أول قرية اقامت الجمعة بعد رجوع الناس الى الحق كما في صحيح البخاري عن ابن عباس كما سيأتي وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الأسلام لم يفروا ولا ارتدوا والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثير من الناس على الصديق أن لا ينفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم لأن ما جهز بسببه في حال السلامة وكان من جملة من اشار بذلك عمر بن الخطاب فامتنع الصديق من ذلك وأبى أشد الإباء إلا أن ينفذ جيش أسامة وقال والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة وآمر الحرس يكونون حول المدينة فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا أرعبوا منهم وقالوا ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعة شديدة فقاموا أربعين يوما ويقال سبعين يوما ثم أتوا سالمين غانمين ثم رجعوا فجهزهم حينئذ مع الاحياء الذين أخرجهم لقتال المرتدة وما نعي الزكاة على ما سيأتي تفصيله قال سيف بن عمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما بويع أبو بكر وجمع الانصار في الامر الذي افترقوا فيه قال ليتم بعث اسامة وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة ونجم النفاق واشرأبت اليهودية والنصرانية والمسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم وقلتهم وكثرة عدوهم فقال له الناس إن هؤلاء جل المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقصت بك وليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين فقال والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته وقد روى هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ومن حديث القاسم وعمرة عن عائشة قالت لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب قاطبة وأشربت النفاق والله لقد نزل بي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها وصار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
كأنهم معزى مطيرة في وحش في ليلة مطيرة بأرض مسبعة فوالله ما اختلفوا في نقطة الا طار أبي بخطلها وعنانها وفصلها ثم ذكرت عمر فقالت من رأى عمر علم أنه خلق غنى للاسلام كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن علي الميموني ثنا الفريابي ثنا عباد بن كثير عن أبي الأعرج عن أبي هريرة قال والله الذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة فقيل له مه يا أبا هريرة فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب حول المدينة فاجتمع إليه أصحاب رسول الله فقالوا يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله غيره لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله ولا حللت لواء عقده رسول الله فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام عباد بن كثير هذا أظنه البرمكي لرواية الفريابي عنه وهو متقارب الحديث فأما البصري الثقفي فمتروك الحديث والله أعلم وروى سيف بن عمر عن أبي ضمرة وأبي عمرو وغيرهما عن الحسن البصري أن أبا بكر لما صمم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر قل له فليؤمر علينا غير أسامة فذكر له عمر ذلك فيقال أنه أخذ بلحيته وقال ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نهض بنفسه إلى الجرف فاستعرض جيش أسامة وأمرهم بالمسير وسار معهم ماشيا واسامة راكبا وعبد الرحمن بن عوف يقود براحلة الصديق فقال أسامة يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل فقال والله لست بنازل ولست براكب ثم استطلق الصديق من أسامة عمر بن الخطاب وكان مكتتبا في جيشه فأطلقه له فلهذا كان عمر لا يلقاه بعد ذلك إلا قال السلام عليك أيها الأمير
*3* مقتل الاسود العنسي المتنبي الكذاب
@ قال أبو جعفر بن جرير حدثني عمرو بن شيبة النميري ثنا علي بن محمد يعني المدائني عن أبي معشر ويزيد بن عياض عن جعد به وغسان بن عبد الحميد وجويرية بن أسماء عن مشيختهم قالوا أمضى أبو بكر جيش اسامة بن زيد في آخر ربيع الأول وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج اسامة فكان ذلك أول فتح فتح أبو بكر وهو بالمدينة
*3* صفة خروجه وتمليكه ومقتله
@ قد أسلفنا فيما تقدم أن اليمن كانت لحمير وكانت ملوكهم يسمون التبابعة وتكلمنا في أيام الجاهلية على طرف صالح من هذا ثم إن ملك الحبشة بعث أميرين من قواده وهما أبرهة الأشرم وارياط فتملكا له اليمن من حمير وصار ملكها للحبشة ثم اختلف هذان الأميران فقتل ارياط واستقل أبرهة بالنيابة وبنى كنيسة سماها العانس لارتفاعها وأراد أن يصرف حج العرب إليها دون الكعبة فجاء بعض قريش فاحدث في هذه الكنيسة فلما بلغه ذلك حلف ليخربن بيت مكة فسار إليه ومعه الجنود والفيل محمود فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه وقد تقدم بسط ذلك في موضعه فرجع ابرهة ببعض من بقي من جيشه في اسوأ حال وشر خيبة وما زال تسقط أعضاؤه أنملة أنملة فلما وصل إلى صنعاء انصدع صدره فمات فقام بالملك بعده ولده بلسيوم بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة فيقال إنه استمر ملك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنة ثم ثار سيف بن ذي يزن الحميري فذهب إلى قيصر ملك الروم يستنصره عليهم فأبى ذلك عليه لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النصرانية فسار إلى كسرى ملك الفرس فاستغاث به وله معه مواقف ومقامات في الكلام تقدم بسط بعضها ثم اتفق الحال على أن بعث معه ممن بالسحون طائفة تقدمهم رجل منهم يقال له وهرز فاستنقذ ملك اليمن من الحبشة وكسر مسروق بن أبرهة وقتله ودخلوا إلى صنعاء وقرروا سيف بن ذي يزن في الملك على عادة آبائه وجاءت العرب تهنئه من كل جانب غير أن لكسرى نوايا على البلاد فاستمر الحال على ذلك حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له فكتب في جملة ذلك إلى كسرى ملك الفرس
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم إلى آخره فلما جاءه الكتاب قال ما هذا قالوا هذا كتاب جاء من عند رجل بجزيرة العرب يزعم أنه نبي فلما فتح الكتاب فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى غضب كسرى غضبا شديدا وأخذ الكتاب فمزقه قبل أن يقرأه وكتب إلى عامله على اليمن وكان اسمه باذام أما بعد فاذا جاءك كتابي هذا فابعث من قبلك أمير إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب الذي يزعم أنه نبي فابعثه إلي في جامعة فلما جاء لكتاب إلى باذام بعث من عنده أميرين عاقلين وقال اذهبا الى هذا الرجل فانطرا ما هو فإن كان كاذبا فخذاه في جامعة حتى تذهبا به الى كسرى وإن كان غير ذلك فارجعا إلي فاخبراني ما هو حتى أنظر في أمره فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة فوجداه على أسد الأحوال وأرشدها ورأيا منه امورا عجيبة يطول ذكرها ومكثا عنده
شهرا حتى بلغا ما جاءا له ثم تقاضاه الجواب بعد ذلك فقال لهما ارجعا إلى صاحبكما فأخبراه أن ربي قد قتل الليلة ربه فأرخا ذلك عندهما ثم رجعا سريعا إلى اليمن فأخبرا باذام بما قال لهما فقال احصوا تلك الليلة فان ظهر الأمر كما قال فهو نبي فجاءت الكتب من عند ملكهم أنه قد قتل كسرى في ليلة كذا وكذا لتلك الليلة وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعض الشعراء
وكسرى إذ تقاسمه بنوه * بأسياف كما اقتسم اللحام
تمخضت المنون له بيوم * أنى ولكل حاملة تمام
وقام بالملك بعده ولده يزدجرد وكتب إلى باذام أن خذ لي البيعة من قبلك واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه واكرمه فدخل الاسلام في قلب باذام وذريته من أبناء فارس ممن باليمن وبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسلامه فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيابة اليمن بكمالها فلم يعزله عنها حتى مات فلما مات استناب ابنه شهر بن باذام على صنعاء وبعض مخاليف وبعث طائفة من أصحابه نوابا على مخاليف أخر فبعث أولا في سنة عشر عليا وخالدا ثم أرسل معاذا وأبا موسى الأشعري وفرق عمالة اليمن بين جماعة من الصحابة فمنهم شهر بن باذام وعامر بن شهر الهمذاني على همذان وأبو موسى على مأرب وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نجران ورفع وزبيد ويعلى ابن أمية على الجند والطاهر بن أبي هالة على عل والاشعريين وعمرو بن حرام على نجران وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد وعلى السكاسك عكاشة بن مور بن أخضر وعلى السكون معاوية بن كندة وبعث معاذ بن جبل معلما لأهل البلدين اليمن وحضرموت يتنقل من بلد إلى بلد ذكره سيف بن عمر وذلك كله في سنة عشر وآخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم على ذلك إذ نجم هذا اللعين الاسود العنسي
*3* خروج الأسود العنسي
@ واسمه عبهلة بن كعب بن غوث من بلد يقال لها كهف حنان في سبعمائة مقاتل وكتب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم أيها المتمردون علينا أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ووفروا ما جمعتم فنحن أولى به وأنتم على ما أنتم عليه ثم ركب فتوجه إلى نجران فأخذها بعد عشر ليال من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء فخرج اليه شهر بن باذام فتقاتلا فغلبه الاسود وقتله وكسر جيشه من الأبناء واحتل بلدة صنعاء لخمس وعشرين ليلة من مخرجه ففر معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري فذهبا الى حضرموت وانحاز عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطاهر ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة واستوثقت اليمن بكمالها للاسود العنسي وجعل أمره يستطير استطارة الشرارة وكان جيشه يوم لقي شهرا سبعمائة فارس وأمراؤه قيس بن عبد يغوث ومعاوية
ابن قيس ويزيد بن محرم بن حصن الحارثي ويزيد بن الافكل الأزدي واشتد ملكه واستغلظ أمره وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند الى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء الى فيروز الديلمي وداذويه وتزوج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنة عم فيروز الديلمي واسمها زاذ وكانت امرأة حسناء جميلة وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومن الصالحات قال سيف بن عمر التميمي وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه حين بلغه خبر الأسود العنسي مع رجل يقال له وبر بن يحنس الديلمي يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الاسود العنسي ومصاولته وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها رملة فحزبت عليه السكون لصبره فيهم وقاموا معه في ذلك وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي صلى الله عليه وسلم ومن قدروا عليه من الناس واتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند وكان قد غضب على الاسود واستخف به وهم بقتله وكذلك كان أمر فيروز الديلمي قد ضعف عنده أيضا وكذا داوذيه فلما أعلم وبر بن نحيس قيس بن عبد يغوث وهو قيس بن مكشوح كان كأنما نزلوا عليه من السماء ووافقهم على الفتك بالأسود وتوافق المسلمون على ذلك وتعاقدوا عليه فلما أيقن ذلك في الباطن اطلع شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك فدعا قيس بن مشكوح فقال له يا قيس ما يقول هذا قال وما يقول قال يقول عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل وصار في العز مثلك مال ميل عدوك وحاول ملكك وأضمر على الغدر إنه يقول يا أسود يا أسود يا سوآه يا سوآه فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قلبك فقال له قيس وحلف له فكذب وذي الخمار لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي فقال له الأسود ما إخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداوذيه وأخبرهم بما قال له ورد عليه فقالوا إنا كلنا على حذر فما الرأي فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه فقال ألم أشرفكم على قومكم قالوا بلى قال فماذا يبلغني عنكم فقالوا أقلنا مرتنا هذه فقال لا يبلغني عنكم فأقيلكم قال فخرجنا من عنده ولم نكد وهو في ارتياب من أمرنا ونحن على خطر فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر أمير همدان وذي ظليم وذي كلاع وغيرهم من أمراء اليمن يبذلون لنا الطاعة والنصر على مخالفة الاسود وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثهم على مصاولة الاسود العنسي فكتبنا اليهم أ لا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر قال قيس فدخلت على امرأته
ازاذ فقلت يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك قتل زوجك وطأطأ في قومك القتل وفضح النساء فهل عندك ممالأة عليه قالت على أي أمر قلت إخراجه قالت أو قتله قلت أو قتلة قالت نعم والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه فما يقوم لله علي حق ولا ينتهي له عن حرمة فاذا عزمتم أخبروني أعلمكم بما في هذا الأمر قال فأخرج فاذا فيروز وداوذيه ينتظراني يريدون أن يناهضوه فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث اليه الأسود فدخل في عشرة من قومه فقال ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة إنه يقال يا سوأة يا سوأة إن لم تقظع من قيس يده يقطع رقبتك العليا حتى ظن قيس أنه قاتله فقال إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله فقتلي أحب إلي من مرتات أموتها كل يوم فرق له وأمره بالانصارف فخرج إلى أصحابه فقال اعملوا عملكم فبينما هم وقوف بالباب يشتورون إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير فقام وخط وأقيمت من ورائه وقام دونها فنحرها غير محبسة ولا معلقة ما يقتحم الخط منها شيء فجالت إلى أن زهقت أرواحها قال قيس فما رأيت أمرا كان أفظع منه ولا يوما أوحش منه ثم قال الأسود أحق ما بلغني عنك يا فيروز لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة وأبدي له الحربة فقال له فيروز اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء فلو لم تكن نبيا ما بعنا نصيبنا منك بشيء فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك فأنا بحيث تحب فرضي عنه وأمره بقسم لحوم تلك الانعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء ثم اسرع اللحاق به فاذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه واستمع له فيروز فإذا الاسود يقول أنا قاتله غدا وأصحابه فاغد علي به ثم التفت فاذا فيروز فقال مه فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم فدخل الاسود داره ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع وبما قال وقيل له فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره فدخل أحدهم وهو فبروز إليها فقالت إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت فأن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق فأذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس وليس من دون قتله شيء وإني سأضع في البيت سراجا وسلاحا فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له ما أدخلك على أهلي ووحأ رأسه وكان الأسود شديدا فصاحت المرأة فأدهشته عنه ولولا ذلك لقتله وقالت ابن عمي جاءني زائرا فقال اسكتي لا أبالك قد وهبته لك فخرج على أصحابه فقال النجاء النجاء وأخبرهم الخبر فحاروا ماذا يصنعون فبعثت المرأة إليهم تقول لهم لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج ثم جلس عندها
جهرة كالزائر فدخل الأسود فقال وما هذا فقالت إنه أخي من الرضاعة وهو ابن عمي فنهره وأخرجه فرجع إلى أصحابه فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجا تحت جفنة فتقدم اليه فيروز الديلمي والأسود نائم على فراش من حرير قد غرق رأسه في جسده وهو سكران يغط والمرأة جالسة عنده فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه وهو مع ذلك يغط فقال مالي ومالك يا فيروز فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم فأخذت المرأة بذيله وقالت أين تذهب عن حرمتك فظنت أنها لم تقتله فقال أخرج لأعلمهم بقتله فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه فحركه شيطانه فاضطرب فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره وأخذت المرأة بشعره وجعل يبربر بلسانه فاحتز بلسانه فاحتز الآخر رقبته فخار كأشد خوار ثور سمع قط فابتدر الحرس إلى المقصورة فقالوا ما هذا ما هذا فقالت المرأة النبي يوحي إليه فرجعوا وجلس قيس داذويه وفيروز يأتمرون كيف يعملون أشياعهم فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين فلما كان الصباح قام أحدهم وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن فنادى قيس ويقال وبر بن يحنش الأذان اشهد أن محمدا رسول الله وأن عبهلة كذاب وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم وظهر الأسلام وأهله وتراجع نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعمالهم وتنازع أولئك الثلاثة في الأمارة ثم اتفقوا على معاذ ابن جبل يصلي بالناس وكتبوا بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أطلعه الله على الخبر من ليلته كما قال سيف بن عمر التميمي عن أبي القاسم الشنوي عن العلاء بن زيد عن ابن عمر أتى الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا فقال قتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل ومن قال فيروز فيروز وقد قيل إن مدة ملكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر ويقال أربعة اشهر فالله أعلم وقال سيف بن عمر عن المستنير عن عروة عن الضحاك عن فيروز قال قتلنا الأسود وعاد أمرنا في صنعاء كما كان إلا أنا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضينا عليه فكان يصلي بنا في صنعاء فوالله ما صلى بنا إلا ثلاثة أيام حتى أتانا الخبر بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقضت الأموروأنكرنا كثيرا مما كنا نعرف واضطربت الأرض وقد قدمنا أن خبر العنسي جاء إلى الصديق في أواخر ربيع الأول بعد ما جهز جيش أسامة وقيل بل جاءت البشارة إلى المدينة صبيحة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأول أشهر والله أعلم والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم
والتمسك بدين الإسلام إلا الصديق رضي الله عنه وسيأتي إرساله إليهم من يمهد الأمور التي اضطربت في بلادهم ويقوي أيدي المسلمين ويثبت أركان دعائم الإسلام فيهم رضي الله عنهم
*3* فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة
@ قد تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب ونجم النفاق بالمدينة وانحاز إلى مسيلمة الكذاب بنو حنيفة وخلق كثير باليمامة والتفت على طليحة الأسدي بنو أسد وطيء وبشر كثير أيضا وادعى النبوة أيضا كما ادعاها مسيلمة الكذاب وعظم الخطب واشتدت الحال ونفذ الصديق جيش أسامة فقل الجند عند الصديق فطمعت كثير من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا عليها فجعل الصديق على أنقاب المدينة حراسا يبيتون بالجيوش حولها فمن أمراء الحرس علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وجعلت وفود العرب تقدم المدينة يقرون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق وذكر أن منهم من احتج بقوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم قالوا فلسنا ندفع زكاتنا الا إلى من صلاته سكن لنا وأنشد بعضهم
أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * فواعجبا ما بال ملك أبي بكر
وقد تكلم الصحابة مع الصديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاة ويتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم ثم هم بعد ذلك يزكون فامتنع الصديق من ذلك وأباه وقد روى الجماعة في كتبهم سوى ابن ماجه عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قال لابي بكر علام تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها فقال أبو بكر والله لو منعوني عناقا وفي رواية عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعها إن الزكاة حق المال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة قال عمر فما هو الا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق قلت وقد قال الله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وثبت في الصحيحين بني الأسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة ابن سوار ثنا عيسى بن يزيد المديني حدثني صالح بن كيسان قال لما كانت الردة قام أبو بكر
في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال الحمد لله الذي هدى فكفى وأعطى فأغنى إن الله بعث محمد صلى الله عليه وسلم والعلم شريد والإسلام غريب طريد قد رث حبله وخلق عهده وضل أهله منه ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرا لخير عندهم ولا يصرف عنهم شرا لشر عندهم قد غيروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه فأجهدهم عيشا وأضلهم دينا في ظلف من الارض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد وجعلهم الأمة الوسطى نصرهم بمن اتبعهم ونصرهم على غيرهم حتى قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه وأخذ بأيديهم وبغى هلكتهم وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين إن من حولكم من العرب منعوا شاتهم وبعيرهم ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا على ما قد تقدم من بركة نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد وكلكم إلى المولى الكافي الذي وجده ضالا فهداه وعائلا فأغناه وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها الآية والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده ويقتل من قتل منا شهيدا من أهل الجنة ويبقى من بقي منها خليفته وذريته في أرضه قضاء الله الحق وقوله الذي لا خلف له وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض الآية ثم نزل وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه الآية قالوا المراد بذلك أبو بكر وأصحابه في قتالهم المرتدين ومانعي الزكاة وقال محمد بن إسحاق ارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة وارتدت أسد وغطفان وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن وارتدت كندة ومن يليها وعليهم الأشعث بن قيس الكندي وارتدت مذحج ومن يليها وعليهم الأسود بن كعب العنسي الكاهن وارتدت ربيعة مع المعرور ابن النعمان بن المنذر وكانت حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب وارتدت سليم مع الفجأة واسمه أنس بن عبد ياليل وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة وقال القاسم بن محمد اجتمعت أسد وغطفان وطيء على طليحة الأسدي وبعثوا وفودا إلى المدينة فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس فحملوا بهم إلى أبي بكر على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم فردهم فرجعوا إلى عشائرهم فأخبروهم بقلة أهل المدينة وطمعوهم فيها فجعل أبو بكر الحرس على أنقاب المدينة وألزم أهل المدينة بحضور المسجد وقال إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وإنكم لا تدرون ليلا يأتون أم نهارا وأدناهم
منكم على بريد وقد كان القوم يؤملون أن نقبل منهم ونوادعهم وقد أبينا عليهم فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثا حتى طرقوا المدينة غارة وخلفوا نصفهم بذي حسي ليكونوا ردءا لهم وأرسل الحرس الى أبي بكر يخبرونه بالغارة فبعث إليهم أن الزموا مكانكم وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النواضح إليهم فانفش العدو واتبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء فالتقوا مع

الجمع فكان الفتح وقد قال
أطعنا رسول الله ما كان وسطنا * فيالعباد الله ما لأبي بكر
أيورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر الله قاصمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه * وهلا خشيتم حس راعية البكر
وإن التي سألوكمو فمنعتمو * لكالتمر أو أحلى إلي من التمر
وفي جمادى الآخرة ركب الصديق في أهل المدينة وأمراء الأنقاب إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عبس وبني مرة وذبيان ومن ناصب معهم من بني كنانة وأمدهم طليحة بابنه حبال فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدة وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء فنفخوها ثم أرسلوها من رءوس الجبال فلما رأتها إبل أصحاب الصديق نفرت وذهبت كل مذهب فلم يملكوا من أمرها شيئا إلى الليل وحتى رجعت إلى المدينة فقال في ذلك الخطيل بن أوس
فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي * عشية يحدى بالرماح أبو بكر
ولكن يدهدى بالرجال فهبنه * إلى قدر ما تقيم ولا تسري
ولله أجناد تذاق مذاقه * لتحسب فيما عد من عجب الدهر
أطعنا رسول الله ما كان بيننا * فيالعباد الله ما لأبي بكر
فلما وقع ما وقع ظن القوم بالمسلمين الوهن وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أخر فاجتمعوا وبات أبو بكر رضي الله عنه قائما ليله يعبى الناس ثم خرج على تعبئة من آخر الليل وعلى ميمنته النعمان ابن مقرن وعلى الميسرة أخوه عبد الله بن مقرن وعلى الساقة أخوهما سويد بن مقرن فما طلع الفجر إلا وهم والعدو في صعيد واحد فما سمعوا للمسلمين حسا ولا همسا حتى وضعوا فيهم السيوف فما طلعت الشمس حتى ولوهم الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم وقتل حبال واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة وكان أول الفتح وذل بها المشركون وعز بها المسلمون ووثب بنو ذبيان وعبس على من فيهم من المسلمين فقتلوهم وفعل من وراءهم كفعلهم فحلف أبو بكر ليقتلن من كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي
غداة سعى أبو بكر إليهم كما يسعى لموتته حلال
أراح على نواهقها عليا * ومج لهن مهجته حبال
وقال أيضا * أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا
ككبكبة الغزى أناخوا على الوفر
فما صبروا للحرب عند قيامها * صبيحة يسمو بالرجال أبو بكر
طرقنا بني عبس بأدنى نباجها * وذبيان نهنهنا بقاصمة الظهر
فكانت هذه الوقعة من أكبر العون على نصر الأسلام وأهله وذلك أنه عز المسلمون في كل قبيلة وذل الكفار في كل قبيلة ورجع أبو بكر إلى المدينة مؤيدا منصورا سالما غانما وطرقت المدينة في الليل صدقات عدي بن حاتم وصفوان والزبرقان إحداها في أول الليل والثانية في أوسطه والثالثة في آخره وقدم بكل واحدة منهن بشير من أمراء الأنقاب فكان الذي بشر بصفوان سعد ابن أبي وقاص والذي بشر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف والذي بشر بعدي بن حاتم عبد الله ابن مسعود ويقال أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه وذلك على رأس ستين ليلة من متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليال فاستخلفه أبو بكر على المدينة وأمرهم أن يريحوا ظهرهم ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه في الوقعة المتقدمة إلى ذي القصة فقال له المسلمون لو رجعت إلى المدينة وأسلت رجلا فقال والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي فخرج في تعبئته الى ذي حسي وذي القصة والنعمان وعبد الله وسويد بنو مقرن على ما كانوا عليه حتى نزل على أهل الربذة بالأبرق وهناك جماعة من بني عبس وذبيان وطائفة من بني كنانة فاقتتلوا فهزم الله الحارث وعوفا وأخذ الحطيئة أسيرا فطارت بنو عبس وبنو بكر وأقام أبو بكر على الأبرق أياما وقد غلب بني ذبيان على البلاد وقال حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله وحمى الابرق بخيول المسلمين وأرعى سائر بلاد الربذة ولما فرت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طلحة وهو نازل على بزاخة وقد قال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة
ويوم بالأبارق قد شهدنا * على ذبيان يلتهب التهابا
أتيناهم بداهية نسوف * مع الصديق إذ ترك العتابا


3* خروجه الى ذي القصة حين عقد ألوية الامراء الاحد عشر
@ وذلك بعد ما جم جيش اسامة واستراحوا وركب الصديق أيضا في الجيوش الأسلامية شاهرا سيفه مسلولا من المدينة إلى ذي القصة وهي من المدينة على مرحلة وعلي بن أبي طالب يقود براحلة الصديق رضي الله عنهما كما سيأتي فسأله الصحابة منهم علي وغيره وألحوا عليه أن يرجع
إلى المدينة وأن يبعث لقتال الأعراب غيره ممن يؤمره من الشجعان الأبطال فأجابهم الى ذلك وعقد لهم الالوية لأحد عشر أميرا على ما سنفصله قريبا إن شاء الله وقد روى الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن موسى الزهري عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر قال لما برز أبو بكر إلى القصة واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للأسلام نظام أبدا فرجع هذا حديث غريب من طريق مالك وقد رواه زكريا الساجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف و الزهري أيضا عن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت خرج أبي شاهرا سيفه راكبا على راحلته الى وادي القصة فجاء علي بن أبي طالب فأخذ بزمام راحلته فقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد لم سيفك ولا تفجعنا بنفسك فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للاسلام بعدك نظام أبدا فرجع وأمضى الجيش وقال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد لما استراح اسامة وجنده وقد جاءت صدقات كثيرة تفضل عنهم قطع أبو بكر البعوث وعقد الالوية فعقد أحد عشر لواء عقد لخالد بن الوليد وامره بطليحة ابن خويلد فاذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن اقام له ولعكرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة وبعث شرحبيل بن حسنة في أثره إلى مسيلمة الكذاب ثم إلى بني قضاعة وللمهاجرين أبي أمية وامره بجنود العنسي ومعونة الأبناء على قيس بن مكشوح قلت وذلك لانه كان قد نزع يده من الطاعة على ما سيأتي قال ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة وغير ذلك ولطرفة بن حاجب وأمره ببنى سليم ومن معهم من هوازن ولسويد بن مقرن وأمره بتهامة اليمن وللعلاء بن الحضرمى وأمره بالبحرين رضي الله عنهم وقد كتب لكل أمير كتاب عهده على حدته ففصل كل أمير بجنده من ذي القصة ورجع الصديق الى المدينة وقد كتب معهم الصديق كتابا الى الربذة وهذه نسخته بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه او رجع عنه سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى الى الضلالة والهوى فاني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله نقر بما جاء به ونكفر من أبى ذلك ونجاهده أما بعد فأن الله أرسل بالحق من عنده الى خلقه بشيرا ونذيرا وداعيا الى الله بأذنه وسراجا منيرا لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فهدى الله بالحق من
أجاب إليه وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدبر عنه حتى صار إلى الاسلام طوعا وكرها ثم توفى الله رسوله وقد نفذ لامر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الاسلام في الكتاب الذي أنزل فقال إنك ميت وإنهم ميتون وقال وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفأن مت فهم الخالدون وقال للمؤمنين وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين فمن كان إنما يعبد محمدا فأن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ولا تأخذه سنة ولا نوم حافظ لأمره منتقم من عدوه وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم وأن تهتدوا بهداه وأن تعتصموا بدين الله فأن كل من لم يهده الله ضال وكل من لم يعنه الله مخذول ومن هداه غير الله كان ضالا قال الله تعالى من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ولن يقبل له في الدنيا عمل عبد حتى يقر به ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارا بالله وجهلا بأمره وإجابة للشيطان قال الله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا وقال إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وإني بعثت إليكم في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بأحسان وأمرته أن لا يقبل من أحد الا الايمان بالله ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عز وجل فإن أجاب وأقر وعمل صالحا قبل منه وأعانه عليه وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله ثم لا يبقى على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كل قتلة وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد غير الاسلام فمن اتبعه فهو خير له ومن تركه فلن يعجز الله وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابه في كل مجمع لكم والداعية الأذان فاذا أذن المسلمون فكفوا عنهم وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليهم فان أبوا عاجلوهم وإن أقروا حمل منهم على ما ينبغي لهم رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك
*3* فصل في مسيرة الأمراء من ذي القصة على ما عوهدوا عليه
@ وكان سيد الأمراء ورأس الشحعان الصناديد أبو سليمان خالد بن الوليد روى الامام أحمد من طريق وحشي بن حرب أن أبا بكر الصديق لما عقد لخالد بن الوليد على قتال أهل الردة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيف من سيوف الله
سله الله على الكفار والمنافقين ولما توجه خالد من ذي القصة وفارقه الصديق وأعده أنه سيلقاه من ناحية خيبر بمن معه من الأمراء وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعراب وأمره أن يذهب أولا الى طليحة الأسدي ثم يذهب بعده إلى بني تميم وكان طليحة بن خويلد في قومه بني أسد وفي غطفان وانضم إليهم بنو عبس وذيبان وبعث إلى بني جديلة والغوث وطيء يستدعيهم إليه فبعثوا أقواما منهم بين أيديهم ليلحقوا على أثرهم سريعا وكان الصديق قد بعث عدي بن حاتم قبل خالد بن الوليد وقال له أدرك قومك لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم فذهب عدي إلى قومه بني طيء فأمرهم أن يبايعوا الصديق وأن يراجعوا أمر الله فقالوا لا نبايع أبا الفضل أبدا يعنون أبا بكر رضي الله عنه فقال والله ليأتينكم جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنه أبو الفحل الأكبر ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب حتى لانوا وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الانصار الذين معه ثابت بن قيس بن شماس وبعث بين يديه ثابت بن أقرم وعكاشة بن محصن طليعة فتلقاهما طليحة وأخوه سلمة فيمن معهما فلما وجدا ثابتا وعكاشة تبارزوا فقتل عكاشة جبال بن طليحة وقيل بل كان قتل جبالا قبل ذلك وأخذ ما معه وحمل عليه طليحة فقتله وقتل هو وأخوه سلمة ثابت بن أقرم وجاء خالد بمن معه فوجدوهما صريعين فشق ذلك على المسلمين وقد قال طليحة في ذلك
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمي تحت مجال
أقمت له صدر الحمالة إنها * معودة قبل الكماة نزال
فيوم تراها في الجلال مصونة * ويوم تراها في ظلال عوالي
وإن يك أولاد أصبن ونسوة * فلم يذهبوا فرغا بقتل حبال
ومال خالد إلى بني طيء فخرج اليه عدي بن حاتم فقال أنظرني ثلاثة ايام فأنهم قد استنظروني حتى يبعثوا إلى من تعجل منهم إلى طليحة حتى يرجعوا إليهم فأنهم يخشون إن تابعوك أن يقتل طليحة من سار إليه منهم وهذا أحب إليك من أن يعجلهم الى النار فلما كان بعد ثلاث جاءه عدي في خمسمائة مقاتل ممن راجع الحق فانضافو إلى جيش خالد وقصد خالد بني جديلة فقال له يا خالد أجلني أياما حتى آتيهم فلعل الله أن ينقذهم كما أنقذ طيئا فأتاهم عدي فلم يزل بهم حتى تابعوه فجاء خالدا باسلامهم ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب فكان عدي خير مولود وأعظمه بركة على قومه رضي الله عنهم قالوا ثم سار خالد حتى نزل بأجأ وسلمى وعبى جيشه هنالك والتقى مع طليحة الاسدي بمكان يقال له بزاخة ووقفت أحياء كثيرة من الاعراب ينظرون على من تكون الدائرة وجاء طليحة فيمن معه من قومه ومن التف معهم وانضاف إليهم وقد حضر
معه عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بني فزارة واصطف الناس وجلس طليحة ملتفا في كساء له يتنبأ لهم ينظر ما يوحى إليه فيما يزعم وجعل عيينة يقاتل ما يقاتل حتى إذا ضجر من القتال يجيء إلى طليحة وهو ملتف في كسائه فيقول أجاءك جبريل فيقول لا فيرجع فيقاتل ثم يرجع فيقول له مثل ذلك ويرد عليه مثل ذلك فلما كان في الثالثة قال له هل جاءك جبريل قال نعم قال فما قال لك قال قال لي إن لك رحاء كرحاه وحديثا لا تنساه قال يقول عيينة أظن أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه ثم قال يا بني فزارة انصرفوا وانهزم وانهزم الناس عن طليحة فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدها له وأركب امرأته النوار على بعير له ثم انهزم بها الى الشام وتفرق جمعه وقد قتل الله طائفة ممن كان معه فلما أوقع الله بطليحة وفزارة ما أوقع قالت بنو عامر وسليم وهوازن ندخل فيما خرجنا منه ونؤمن بالله ورسوله ونسلم لحكمه في أموالنا وأنفسنا قلت وقد كان طليحة الاسدي ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بمؤازرته عيينة بن حصن من بدر وارتد عن الاسلام وقال لقومه والله لنبي من بني أسد أحب إلي من نبي من بني هاشم وقد مات محمد وهذا طليحة فاتبعوه فوافق قومه بنو فزارة على ذلك فلما كسرهما خالد هرب طليحة بامرأته إلى الشام فنزل على بني كلب وأسر خالد عيينة بن حصن وبعث به إلى المدينة مجموعة يداه إلى عنقه فدخل المدينة وهو كذلك فجعل الولدان والغلمان يطعنونه بأيديهم ويقولون أي عدو الله ارتددت عن الأسلام فيقول والله ما كنت آمنت قط فلما وقف بين يدي الصديق استتابه وحقن دمه ثم حسن إسلامه بعد ذلك وكذلك من علي قرة بن هبيرة وكان أحد الأمراء مع طليحة فأسره مع عيينة وأما طليحة فأنه راجع الاسلام بعد ذلك أيضا وذهب إلى مكة معتمرا أيام الصديق واستحيي أن يواجهه مدة حياته وقد رجع فشهد القتال مع خالد وكتب الصديق الى خالد أن استشره في الحرب ولا تؤمره يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرياسة في الباطن وهذا من فقه الصديق رضي الله عنه وأرضاه وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طليحة ممن أسلم وحسن إسلامه أخبرنا عما كان يقول لكم طليحة من الوحي فقال إنه كان يقول الحمام واليمام والصرد والصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة وقد كتب أبو بكر الصديق الى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره فكتب إليه ليزدك ما أنعم الله به خيرا واتق الله في أمرك فان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون جد في أمرك ولا تلن ولا تظفر باحد من المشركين قتل من المسلمين الا نكلت به ومن أخذت ممن حاد الله أو ضاده ممن يرى أن في ذلك صلاحا فاقتله فأقام خالد ببزاخة شهرا
يصعد فيها ويصوب ويرجع إليها في طلب الذين وصاه بسبيهم الصديق فجعل يتردد في طلب هؤلاء شهرا يأخذ بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدوا فمنهم من حرقه بالنار ومنهم من رضخه بالحجارة ومنهم من رمى به من شواهق الجبال كل هذا ليعتبر بهم من يسمع بخبرهم من مرتدة العرب رضي الله عنه وقال الثوري عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال لما قدم وفد بزاخة أسد وغطفان على أبي بكر يسألونه الصلح خيرهم أبو بكر بين حرب مجلية أو حطة مخزية فقالوا يا خليفة رسول الله أما الحرب المجلية فقد عرفناها فما الحطة المخزية قال تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقواما يتبعون أذناب الابل حتى يرى الله خليفة نبيه والمؤمنين أمرا يعذرونكم به وتؤدون ما أصبتم منا ولا نؤدي ما اصبنا منكم وتشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم فقال عمر أما قولك تدون قتلانا فإن قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم فامتنع عمر وقال عمر في الثاني نعم ما رأيت ورواه البخاري من حديث الثوري بسنده مختصرا
*3* وقعة اخرى
@ كان قد اجتمع طائفة كثيرة من الفلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة من بني غطفان فاجتمعوا إلى امرأة يقال لها أم زمل سلمة بنت ملك بن حذيفة وكانت من سيدات العرب كأمها أم قرفة وكان يضرب بأمها المثل في الشرف لكثرة أولادها وعزة قبيلتها وبيتها فلما اجتمعوا إليها ذمرتهم لقتال خالد فهاجوا لذلك وناشب إليهم آخرون من بني سليم وطيء وهوازن وأسد فصاروا جيشا كثيفا وتفحل أمر هذه المرأة فلما سمع بهم خالد بن الوليد سار إليهم واقتتلوا قتالا شديدا وهي راكبة على جمل أمها الذي كان يقال له من يمس جملها فله مائة من الإبل وذلك لعزها فهزمهم خالد وعقرجملها وقتلها وبعث بالفتح الى الصديق رضي الله عنه
*3* قصة الفجاءة
@ واسمه إياس بن عبد الله بن عبد ياليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم قاله ابن اسحاق وقد كان الصديق حرق الفجاءة بالبقيع في المدينة وكان سببه أنه قدم عليه فزعم أنه أسلم وسأل منه أن يجهز معه جيشا يقاتل به أهل الردة فجهز معه جيشا فلما سار جعل لا يمر بمسلم ولا مرتد إلا قتله وأخذ ماله فلما سمع الصديق بعث وراءه جيشا فرده فلما أمكنه بعث به الى البقيع فجمعت يداه الى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط
*3* قصة سجاح وبني تميم
@ كانت بنو تميم قد اختلفت آراؤهم أيام الردة فمنهم من ارتد ومنع الزكاة ومنهم من بعث بأموال الصدقات إلى الصديق ومنهم من توقف لينظر في أمره فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة وهي من نصارى العرب وقد ادعت النبوة ومعها جنود من قومها ومن التف بهم وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق فلما مرت ببلاد بني تميم دعتهم إلى أمرها فاستجاب لها عامتهم وكان ممن استجاب لها مالك بن نويرة التميمي وعطارد بن حاجب وجماعة من سادات أمراء بني تميم وتخلف آخرون منهم عنها ثم اصطلحوا على أن لا حرب بينهم الا أن مالك بن نويرة لما وادعها ثناها عن عودها وحرضها على بني يربوع ثم اتفق الجميع على قتال الناس وقالوا بمن نبدأ فقالت لهم فيما تسجعه أعدوا الركاب واستعدوا للنهاب ثم أغيروا على الرباب فليس دونهم حجاب ثم إنهم تعاهدوا على نصرها فقال قائل منهم
أتتنا أخت تغلب في رجال * جلائب من سراة بني أبينا
وارست دعوة فينا سفاها * وكانت من عمائر آخرينا
فما كنا لنرزيهم زبالا * وما كانت لتسلم إذ أتينا
ألا سفهت حلومكم وضلت * عشية تحشدون لها ثبينا
وقال عطارد بن حاجب في ذلك * أمست نبيتنا أنثى نطيف بها
وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ثم إن سجاح قصدت بجنودها اليمامة لتأخذها من مسيلمة بن حبيب الكذاب فهابه قومها وقالوا إنه قد استفحل أمره وعظم فقالت لهم فيما تقوله عليكم باليمامة دفوا دفيف الحمامة فإنها غزوة صرامة لا تلحقكم بعدها ملامة قال فعمدوا لحرب مسيلمة فلما سمع بمسيرها إليه خافها على بلاده وذلك أنه مشغول بمقاتلة ثمامة بن أثال وقد ساعده عكرمة بن أبي جهل بجنود المسلمين وهم نازلون ببعض بلاده ينتظرون قدوم خالد كما سيأتي فبعث إليها يستأمنها ويضمن لها أن يعطيها نصف الأرض الذي كان لقريش لو عدلت فقد رده الله عليك فحباك به وراسلها ليجتمع بها في طائفة من قومه فركب اليها في أربعين من قومه وجاء إليها فاجتمعا في خيمة فلما خلا بها وعرض عليها ما عرض من نصف الأرض وقبلت ذلك قال مسيلمة سمع الله لمن سمع وأطمعه بالخير إذا طمع ولا يزال أمره في كل ما يسر مجتمع رآكم ربكم فحياكم ومن وحشته أخلاكم ويوم دينه أنجاكم فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار لا أشقياء ولا فجار يقومون الليل ويصومون النهار لربكم الكبار رب الغيوم والامطار وقال أيضا لما رأيت وجوههم حسنت وأبشارهم صفت وأيديهم طفلت قلت لهم لا النساء تأتون ولا الخمر تشربون ولكنكم معشر أبرار تصومون فسبحان
الله إذا جاءت الحياة كيف تحيون وإلى ملك السماء كيف ترقون فلو أنها حبة خردلة لقام عليها شهيد يعلم ما في الصدور ولأكثر الناس فيها الثبور وقد كان مسيلمة لعنه الله شرع لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فاذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ الا أن يموت ذلك الولد الذكر فتحل له النساء حتى يولد له ذكر هذا مما اقترحه لعنه الله من تلقاء نفسه ويقال إنه لما خلا بسجاح سألها ماذا يوحى إليها فقالت وهل يكون النساء يبتدئن بل أنت ماذا أوحي إليك فقال ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا قالت وماذا فقال إن الله خلق للنساء أفراجا وجعل الرجال لهن أزواجا فنولج فيهن قعسا إيلاجا ثم نخرجها إذا نشاء إخراجا فينتجن لنا سخالا إنتاجا فقالت اشهد أنك نبي فقال لها هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب قالت نعم فقال
ألا قومي إلى النيك فقد هيي لك المضجع * فإن شئت ففي البيت وإن شئت ففي المخدع
وإن شئت سلقناك وإن شئت على أربع * وإن شئت بثلثيه وإن شئت به أجمع
فقالت بل به أجمع فقال بذلك أوحي إلي واقامت عنده ثلاثة ايام ثم رجعت إلى قومها فقالوا ما أصدقك فقالت لم يصدقني شيئا فقالوا إنه قبيح على مثلك أن تتزوج بغير صداق فبعثت إليه تسأله صداقا فقال ارسلي إلي مؤذنك فبعثته إليه وهو شبت بن ربعي فقال ناد في قومك إن مسيلمة بن حبيب رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد يعني صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله ثم انثنت سجاح راجعة إلى بلادها وذلك حين بلغها دنو خالد من أرض اليمامة فكرت راجعة الى الجزيرة بعد ما قبضت من مسيلمة نصف خراج أرضه فأقامت في قومها بني تغلب إلى زمان معاوية فأجلاهم منها عام الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه
*3* فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي
@ كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة فلما اتصلت بمسيلمة لعنهما الله ثم ترحلت إلى بلادها فلما كان ذلك ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره وتلوم في شأنه وهو نازل بمكان يقال له البطاح فقصدها خالد بجنوده وتأخرت عنه الأنصار وقالوا إنا قد قضينا ما أمرنا به الصديق فقال لهم خالد ان هذا أمر لا بد من فعله وفرصة لا بد من انتهازها وإنه لم يأتني فيها كتاب وأنا الأمير وإلي ترد الأخبار ولست بالذي أجبركم على المسير وأنا قاصد البطاح فسار
يومين ثم لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار فلحقوا به فلما وصل البطاح وعليها مالك بن نويرة فبث خالد السرايا في البطاح يدعون الناس فاستقبله أمراء بني تميم بالسمع والطاعة وبذلوا الزكوات إلا ما كان من مالك بن نويرة فأنه متحير في أمره متنح عن الناس فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابه واختلفت السرية فيهم فشهد أبو قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري أنهم أقاموا الصلاة وقال آخرون إنهم لم يؤذنوا ولا صلوا فيقال إن الأسارى باتوا في كبولهم في ليلة شديدة البرد فنادى منادي خالد إن أدفئوا أسراكم فظن القوم أنه أراد القتل فقتلوهم وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة فلما سمع الداعية خرج وقد فرغو منهم فقال إذا أراد الله أمرا أصابه واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة وهي أم تميم ابنة المنهال وكانت جملية فلما حلت بنى بها ويقال بل استدعى خالد مالك بن نويرة فأنبه على ما صدر منه من متابعة سجاح وعلى منعه الزكاة وقال ألم تعلم أنها قرينة الصلاة فقال مالك إن صاحبكم كان يزعم ذلك فقال أهو صاحبنا وليس بصاحبك يا ضرار اضرب عنقه فضربت عنقه وأمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب من المرتدة وغيرهم ويقال إن شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته وقد تكلم أبو قتادة مع خالد فيما صنع وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق وتكلم عمر مع أبي قتادة في خالد وقال الصديق اعزله فإن في سيفه رهقا فقال أبو بكر لا أشيم سيفا سله الله على الكفار وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصديق خالدا وعمر يساعده وينشد الصديق ما قال في أخيه من المراثي فوداه الصديق من عنده ومن قول متمم في ذلك
وكنا كندماني جذيمة برهة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وعشنا بخير ما حيينا وقبلنا * أباد المنايا قوم كسرى وتبعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا * لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وقال أيضا * لقد لامني عند العبور على البكى
رفيقي لتذراف الدموع السوافك
وقال أتبكي كل قبر رأيته * لقبر ثوي بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الاسى يبعث الأسى * فدعني فهذا كله قبر مالك
والمقصود أنه لم يزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرض الصديق ويذمره على عزل خالد عن الأمرة ويقول إن في سيفه لرهقا حتى بعث الصديق إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة وقد لبس درعه التي من حديد وقد صدئ من كثرة الدماء وغرز في عمامته النشاب المضمخ بالدماء
فلما دخل المسجد قام إليه عمر بن الخطاب فانتزع الأسهم من عمامة خالد فحطمها وقال أرياء قتلت امرأ مسلما ثم نزوت على امرأته والله لارجمنك بالجنادل وخالد لا يكلمه ولا يظن إلا أن رأي الصديق فيه كرأي عمر حتى دخل على أبي بكر فاعتذر إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن نويرة فخرج من عنده وعمر جالس في المسجد فقال خالد هلم إلي يا ابن أم شملة فلم يرد عليه وعرف أن الصديق قد رضي عنه واستمر أبو بكر بخالد على الأمرة وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى أبي جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا صبأنا صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا اسلمنا فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رد إليهم ميلغة الكلب ورفع يديه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ومع هذا لم يعزل خالدا عن الأمرة
*3* مقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله
@ لما رضي الصديق عن خالد بن الوليد وعذره بما اعتذر به بعثه إلى قتال بني حنيفة باليمامة وأوعب معه المسلمون وعلى الأنصار ثابت بن قيس بن شماس فسار لا يمر بأحد من المرتدين إلا نكل بهم وقد اجتاز بخيول لأصحاب سجاح فشردهم وأمر باخراجهم من جزيرة العرب وأردق الصديق خالدا بسرية لتكون ردءا له من وراءه وقد كان بعث قبله إلى مسيلمة عكرمة بن أبي جهل وشرحبيل بن حسنة فلم يقاوما بني حنيفة لأنهم في نحو أربعين ألفا من المقاتلة فعجل عكرمة بن أبي جهل مجيء صاحبه شرحبيل فناجزهم فنكب فانتظر خالدا فلما سمع مسيلمة بقدوم خالد عسكر بمكان يقال له عقربا في طرف اليمامة والريف وراء ظهورهم وندب الناس وحثهم فحشد له أهل اليمامة وجعل على مجنبتي جيشة المحكم بن الطفيل والرجال من عنفوة بن نهشل وكان الرجال هذا صديقه الذي شهد له أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه قد اشرك معه مسيلمة بن حبيب في الأمر وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة حتى اتبعوا مسيلمة لعنهما الله وقد كان الرجال هذا قد وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ البقرة وجاء زمن الردة إلى أبي بكر فبعثه إلى أهل اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الأسلام فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة قال سيف بن عمر عن طلحة عن عكرمة عن أبي هريرة كنت يوما عند النبي صلى الله عليه وسلم في رهط معنا الرجال بن عنفوة فقال إن فيكم لرجلا ضرسه في النار أعظم من أحد فهلك القوم وبقيت انا والرجال وكنت متخوفا لها حتى خرج الرجال مع مسيلمة وشهد له بالنبوة فكانت فتنة الرجال أعظم من فتنة مسيلمة رواه ابن اسحاق عن شيخ عن أبي هريرة وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة وعلى المجنبتين زيدا وأبا حذيفة وقد مرت المقدمة في الليل بنحو من أربعين وقيل ستين فارسا عليهم مجاعة بن مرارة وكان
قد ذهب لأخذ ثأر له في بني تميم وبني عامر وهو راجع إلى قومه فأخذوهم فلما جيء بهم الى خالد عن آخرهم فاعتذروا اليه فلم يصدقهم وأمر بضرب أعناقهم كلهم سوى مجاعة فإنه استبقاه مقيدا عنده لعلمه بالحرب والمكيدة وكان سيدا في بني حنيفة شريفا مطاعا ويقال إن خالدا لما عرضوا عليه قال لهم ماذا تقولون يا بني حنيفة قالوا نقول منا نبي ومنكم نبي فقتلهم إلا واحدا اسمه سارية فقال له ايها الرجل إن كنت تريد عدا بعدول هذا خيرا أو شرا فاستبق هذا الرجل يعني مجاعة بن مرارة فستبقاه خالد مقيدا وجعله في الخيمة مع امرأته وقال استوصي به خيرا فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة لقومه اليوم يوم الغيرة اليوم إن هزمتم تستنكح النساء سبيات وينكحن غير حظيات فقاتلوا عن أحسابكم وامنعوا نساءكم وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يشرف على اليمامة فضرب به عسكره وراية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة وراية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شماس والعرب على راياتها ومجاعة بن مرارة مقيد في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة وانهزمت الأعراب حتى دخلت بنو حنيفة خيمة خالد بن الوليد وهموا بقتل أم تميم حتى أجارها مجاعة وقال نعمت الحرة هذه وقد قتل الرجال بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة قتله زيد بن الخطاب ثم تذامر الصحابة بينهم وقال ثابت بن قيس بن شماس بئس ما عودتم أقرانكم ونادوا من كل جانب اخلصنا يا خالد فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى البراء بن معرور وكان إذا رأى الحرب أخذته العرواء فيجلس على ظهر الرحال حتى يبول في سراويله ثم يثور كما يثور الاسد وقاتلت بنو حنيفه قتالا لم يعهد مثله وجعلت الصحابة يتواصون بينهم ويقولون يا أصحاب سورة البقرة بطل السحر اليوم وحفر ثابت ابن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصاف ساقية وهو حامل لواء الأنصار بعد ما تحنط وتكفن فلم يزل ثابتا حتى قتل هناك وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة أتخشى أن نؤتى من قبلك فقال بئس حامل القرآن أنا إذا وقال زيد بن الخطاب أيها الناس عضوا على أضراسكم واضربوا في عدوكم وامضوا قدما وقال والله لا أتكلم حتى يهزمهم الله أو ألقى الله فأكلمه بحجتي فقتل شهيدا رضي الله عنه وقال أبو حذيفة يا أهل القرآن زينوا القرآن بالفعال وحمل فيهم حتى أبعدهم وأصيب رضي الله عنه وحمل خالد بن الوليد حتى جاوزهم وسار لجبال مسيلمة وجعل يترقب أن يصل إليه فيقتله ثم رجع ثم وقف بين الصفين ودعا البراز وقال أنا ابن الوليد العود أنا ابن عامر وزيد ثم نادى بشعار المسلمين وكان شعارهم يومئذ يا محمداه وجعل لا يبرز لهم أحد إلا قتله ولا يدنو منه شيء إلا أكله ودارت رحى المسلمين ثم اقترب من مسيلمة فعرض عليه النصف والرجوع إلى الحق فجعل شيطان مسيلمة يلوي عنقه لا يقبل منه شيئا وكلما أراد مسيلمة يقارب من الأمر
صرفه عنه شيطانه فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب وكل بني أب على رايتهم يقاتلون تحتها حتى يعرف الناس من أين يؤتون وصبرت الصحابة في هذا الموطن صبرا لم يعهد مثله ولم يزالوا يتقدمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم وولى الكفار الأدبار واتبعوهم يقتلون في أقفائهم ويضعون السيوف في رقابهم حيث شاءوا حتى ألجأوهم إلى حديقة الموت وقد أشار عليهم محكم اليمامة وهم محكم بن الطفيل لعنه الله بدخولها فدخلوها وفيها عدو الله مسيلمة لعنه الله وأدرك عبد الرحمن بن ابي بكر محكم بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله وأغلقت بنو حنيفة الحديقة عليهم وأحاط بهم الصحابة وقال البراء بن مالك يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله وإذا هو واقف في ثلمة جدار كأنه جمل أورق وهو يريد يتساند لا يعقل من الغيظ وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه فتقدم إليه وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة فرماه بحربته فاصابه وخرجت من الجانب الآخر وسارع إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فضربه بالسيف فسقط فنادت امرأة من القصر واأمير الوضاءة قتله العبد الاسودفكان جملة من قتلوا في الحديقة وفي المعركة قريبا من عشرة آلاف مقاتل وقيل احد وعشرون ألفا وقتل من المسلمين ستمائة وقيل خمسمائة فالله أعلم وفيهم من سادات الصحابة وأعيان الناس من يذكر بعد وخرج خالد وتبعه مجاعة بن مرارة يرسف في قيوده فجعل يريه القتلى ليعرفه بمسيلمة فلما مروا بالرجال بن عنفوة قال له خالد أهذا هو قال لا والله هذا خير منه هذا الرجال بن عنفوة قال سيف بن عمر ثم مروا برجل أصفر أخنس فقال هذا صاحبكم فقال خالد قبحكم الله على اتباعكم هذا ثم بعث خالد الخيول حول اليمامة يلتقطون ما حول حصونها من مال وسبي ثم عزم على غزو الحصون ولم يكن بقي فيها إلا النساء والصبيان والشيوخ الكبار فخدعه مجاعة فقال أنها ملأى رجالا ومقاتلة فهلم فصالحني عنها فصالحه خالد لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كلوا من كثرة الحروب والقتال فقال دعني حتى أذهب إليهم ليوافقوني على الصلح فقال اذهب فسار إليهم مجاعة فأمر النساء أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون فنظر خالد فإذا الشرفات ممتلئة من رؤوس الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح ودعاهم خالد إلى الاسلام فأسلموا عن اخرهم ورجعوا إلى الحق ورد عليهم خالد بعض ما كان أخذ من السبي وساق الباقين إلى الصديق وقد تسرى علي بن أبي طالب بجارية منهم وهي ام ابنه محمد الذي يقال له محمد بن الحنفية رضي الله
عنه وقد قال ضرار بن الازور في غزوة اليمامة هذه
فلو سئلت عنا جنوب لأخبرت * عشية سالت عقرباء وملهم
وسال بفرع الواد حتى ترقرت * حجارته فيه من القوم بالدم
عشية لا تغني الرماح مكانها * ولا النبل إلا المشرفي المصمم
فإن تبتغي الكفار غير مسيلمة * جنوب فإني تابع الدين مسلم
أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة * ولله بالمرء المجاهد أعلم
وقد قال خليفة بن حناط ومحمد بن جرير وخلق من السلف كانت وقعة اليمامة في سنة إحدى عشرة وقال ابن قانع في آخرها وقال الواقدي وآخرون كانت في سنة ثنتي عشرة والجمع بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة والله أعلم ولما قدمت وفود بني حنيفة على الصديق قال لهم أسمعونا شيئا من قرآن مسيلمة فقالوا أوتعفينا يا خليفة رسول الله فقال لا بد من ذلك فقالوا كان يقول يا ضفدع بنت الضفدعين نقي لكم نقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين رأسك في الماء وذنبك في الطين وكان يقول والمبذرات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والخابزات خبزا والثاردات ثردا واللاقمات لقما إهالة وسمنا لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر رفيقكم فامنعوه والمعتر فآووه والناعي فواسوه وذكروا أشياء من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون فيقال إن الصديق قال لهم ويحكم اين كان يذهب بقولكم إن هذا الكلام لم يخرج من أل وكان يقول والفيل وما أدراك ما الفيل له زلوم طويل وكان يقول والليل الدامس والذئب الهامس ما قطعت أسد من رطب ولا يابس وتقدم قوله لقد أنعم الله على الحبلى اخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج وقد أورد أبو بكر ابن الباقلاني رحمه الله في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجهلة المتنبئين كمسيلمة وطليحة والأسود وسجاح وغيرهم مما يدل على ضعف عقولهم وعقول من اتبعهم على ضلالهم ومحالهم وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد الى مسيلمة في ايام جاهليته فقال له مسيلمة ماذا أنزل على صاحبكم في هذا الحين فقال له عمرو لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال وما هي قال أنزل عليه والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر قال ففكر مسيلمة ساعة ثم رفع رأسه فقال ولقد أنزل على مثلها فقال له عمرو وما هي فقال مسيلمة ياوبر ياوبر إنما أنت ايراد وصدر وسائرك حفر نقر ثم قال كيف ترى يا عمرو فقال له عمرو والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب وذكر علماء التاريخ أنه كان يتشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم
بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في بئر فغزر ماؤه فبصق في بئر فغاض ماؤه بالكلية وفي أخرى فصار ماؤه أجاجا وتوضأ وسقى بوضوئه نخلا فيبست وهلكت وأتى بولدان يبرك عليهم فجعل يمسح رءوسهم فمنهم من قرع رأسه ومنهم من لثغ لسانه ويقال إنه دعا لرجل أصابه وجع في عينيه فمسحهما فعمي وقال سيف بن عمر عن خليد بن زفر النمري عن عمير بن طلحة عن أبيه أنه جاء إلى اليمامة فقال أين مسيلمة فقال مه رسول الله فقال لا حتى اراه فلما جاء قال أنت مسيلمة فقال نعم قال من ياتيك قال رجس قال أفي نور أو في ظلمة فقال في ظلمة فقال أشهد أنك كذاب وان محمدا صادق ولكن كذاب ربيعة احب إلينا من صادق مضر واتبعه هذا الأعرابي الجلف لعنه الله حتى قتل معه يوم عقربا لا رحمه الله
*3* ذكر ردة أهل البحرين وعودهم إلى الأسلام
@ كان من خبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث العلاء بن الحضرمي إلى ملكها المنذر بن ساوى العبدي وأسلم على يديه وأقام فيهم الأسلام والعدل فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي المنذر بعده بقليل وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص فقال له يا عمرو هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعل للمريض شيئا من ماله قال نعم الثلث قال ماذا أصنع به قال إن شئت تصدقت به على أقربائك وإن شئت على المحاويج وإن شئت جعلته صدقة من بعدك حبسا محرما فقال إني أكره ان أجعله كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام ولكني أتصدق به ففعل ومات فكان عمرو بن العاص يتعجب منه فلما مات المنذر ارتد أهل البحرين وملكوا عليهم الغرور وهو المنذر ابن النعمان بن المنذر وقال قائلهم لو كان محمد نبيا ما مات ولم يبق بها بلدة على الثبات سوى قرية يقال لها جواثا كانت أول قرية اقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس وقد حاصرهم المرتدون وضيقوا عليهم حتى منعوا من الأقوات وجاعوا جوعا شديدا حتى فرج الله وقد قال رجل منهم يقال له عبد الله بن حذف أحد بني بكر بن كلاب وقد اشتد عليه الجوع
ألا أبلغ أبا بكر رسولا * وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام * قعود في جواثا محصرينا
كأن دماءهم في كل فج * شعاع الشمس يغشى الناظرينا
توكلنا على الرحمن إنا * قد وجدنا الصبر للمتوكلينا
وقد قام فيهم رجل من أشرافهم وهو الجارود بن المعلى وكان ممن هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا وقد جمعهم قال يا معشر عبد القيس إني سائلكم عن أمر فأخبروني إن علمتوه
ولا تجيبوني إن لم تعلموه فقالوا سل قال أتعلمون أنه كان لله أنبياء قبل محمد قالوا نعم قال تعلمونه أم ترونه قالوا نعلمه قال فما فعلوا قالوا ماتوا قال فان محمدا صلى الله عليه وسلم مات كما ماتوا وإني أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله فقالوا ونحن أيضا نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنت أفضلنا وسيدنا وثبتوا على إسلامهم وتركوا بقية الناس فيما هم فيه وبعث الصديق رضي الله عنه كما قدمنا إليهم العلاء بن الحضرمي فلما دنا من البحرين جاء إليه ثمامة بن أثال في محفل كبير وجاء كل أمراء تلك النواحي فانضافوا إلى جيش العلاء بن الحضرمي فأكرمهم العلاء وترحب بهم وأحسن إليهم وقد كان العلاء من سادات الصحابة العلماء العباد مجابي الدعوة اتفق له في هذه الغزوة أنه نزل منزلا فلم يستقر الناس على الأرض حتى نفرت الأبل بما عليها من زاد الجيش وخيامهم وشرابهم وبقوا على الأرض ليس معهم شيء سوى ثيابهم وذلك ليلا ولم يقدروا منها على بعير واحد فركب الناس من الهم والغم ما لا يحد ولا يوصف وجعل بعضهم يوصي إلى بعض فنادى منادي العلاء فاجتمع الناس إليه فقال أيها الناس ألستم المسلمين ألستم في سبيل الله ألستم أنصار الله قالوا بلى قال فأبشروا فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ونودي بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بالناس فلما قضى الصلاة جثا على ركبتيه وجثا الناس ونصب في الدعاء ورفع يديه وفعل الناس مثله حتى طلعت الشمس وجعل الناس ينظرون إلى سراب الشمس يلمع مرة بعد أخرى وهو يجتهد في الدعاء فلما بلغ الثالثة إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديرا عظيما من الماء القراح فمشى ومشى الناس إليه فشربوا واغتسلوا فما تعالى النهار حتى أقبلت الابل من كل فج بما عليها لم يفقد الناس من أمتعتهم سلكا فسقوا الابل عللا بعد نهل فكان هذا مما عاين الناس من آيات الله بهذه السرية ثم لما اقترب من جيوش المرتدة وقد حشدوا وجمعوا خلقا عظيما نزل ونزلوا وباتوا متجاورين في المنازل فبينما المسلمون في الليل إذ سمع العلاء أصواتا عالية في جيش المرتدين فقال من رجل يكشف لنا خبر هؤلاء فقام عبد الله ابن حذف فدخل فيهم فوجدهم سكارى لا يعقلون من الشراب فرجع إليه فأخبره فركب العلاء من فوره والجيش معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلا عظيما وقل من هرب منهم واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم فكانت غنيمة عظيمة جسيمة وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائما فقام دهشا حين اقتحم المسلمون عليهم فركب جواده فانقطع ركابه فجعل يقول من يصلح لي ركابي فجاء رجل من المسلمين في الليل فقال أنا أصلحها لك ارفع رجلك فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه فقال له أجهز علي فقال لا أفعل فوقع صريعا كلما مر به أحد يسأله أن يقتله فيأبى حتى مر به قيس بن عاصم فقال له أنا الحطم فاقتلني
فقتله فلما وجد رجله مقطوعة ندم على قتله وقال واسوأتاه لو أعلم ما به لم أحركه ثم ركب المسلمون في آثار المنهزمين يقتلونهم بكل مرصد وطريق وذهب من فر منهم أو أكثرهم في البحر إلى دارين ركبوا اليها السفن ثم شرع العلاء بن الحضرمي في قسم الغنيمة ونقل الاثقال وفرغ من ذلك وقال للمسلمين اذهبوا بنا إلى دارين لنغزو من بها من الأعداء فأجابوا إلى ذلك سريعا فسار بهم حتى أتى ساحل البحر ليركبوا في السفن فرأى أن الشقة بعيدة لا يصلون إليهم في السفن حتى يذهب أعداء الله فاقتحم البحر بفرسه وهو يقول يا ارحم الراحمين يا حكيم يا كريم يا أحد يا صمد يا محيي يا قيوم يا ذا الجلال والاكرام لا إله إلا أنت يا ربنا وامر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا ففعلوا ذلك فأجاز بهم الخليج بأذن الله يمشون على مثل رملة دمثة فوقها ماء لا يغمر أخفاف الأبل ولا يصل إلى ركب الخيل ومسيرته للسفن يوم وليلة فقطعه إلى الساحل الآخر فقاتل عدوه وقهرهم واحتاز غنائمهم ثم رجع فقطعه إلى الجانب الآخر فعاد إلى موضعه الأول وذلك كله في يوم ولم يترك من العدو مخبرا واستاق الذراري والأنعام والأموال ولم يفقد المسلمون في البحر شيئا سوى عليقة فرس لرجل من المسلمين ومع هذا رجع العلاء فجاءه بها ثم قسم غنائم المسلمين فيهم فأصاب الفارس ألفين والراجل ألفا مع كثرة الجيش وكتب إلى الصديق فأعلمه بذلك فبعث الصديق يشكره على ما صنع وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر وهو عفيف بن المنذر
ألم تر أن الله ذلل بحره * وأنزل بالكفار إحدى الجلائل
دعونا الى شق البحار فجاءنا * بأعجب من فلق البحار الأوائل
وقد ذكر سيف بن عمر التميمي أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رأوها من أمر العلاء وما أجرى الله على يديه من الكرامات رجل من أهل هجر راهب فأسلم حينئذ فقيل له ما دعاك إلى الإسلام فقال خشيت إن لم افعل أن يمسخني الله لما شاهدت من الآيات قال وقد سمعت في الهواء وقت السحر دعاء قالوا وما هو قال اللهم أنت الرحمن الرحيم لا إله غيرك والبديع ليس قبلك شيء والدائم غير الغافل والذي لا يموت وخالق ما يرى وما لا يرى وكل يوم أنت في شأن وعلمت اللهم كل شيء علما قال فعلمت أن القوم لم يمانعوا بالملائكة إلا وهم على أمر الله قال فحسن إسلامه وكان الصحابة يسمعون منه
*3* ذكر ردة أهل عمان ومهرة اليمن
@ أما أهل عمان فنبغ فيهم رجل يقال له ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وكان يسمى في الجاهلية الجلندي فادعى النبوة أيضا وتابعه الجهلة من أهل عمان فتغلب عليها وقهر جيفرا وعبادا
وألجأهما إلى أطرافها من نواحي الجبال والبحر فبعث جيفر إلى الصديق فأخبره الخبر واستجاشه فبعث إليه الصديق بأميرين وهما حذيفة بن محصن الحميري وعرفجة البارقي من الازد حذيفة إلى عمان وعرفجة إلى مهرة وأمرهما أن يجتمعا ويتفقا ويبتدئا بعمان وحذيفة هو الأمير فإذا ساروا إلى بلاد مهرة فعرفجة الأمير وقد قدمنا أن عكرمة بن أبي جهل لما بعثه الصديق إلى مسيلمة وأتبعه بشرحبيل بن حسنة عجل عكرمة وناهض مسيلمة قبل مجيء شرحبيل ليفوز بالظفر وحده فناله من مسيلمة قرح والذين معه فتقهقر حتى جاء خالد بن الوليد فقهر مسيلمة كما تقدم وكتب إليه الصديق يلومه على تسرعه قال لا أرينك ولا أسمعن بك الا بعد بلاء وأمره أن يلحق بحذيفة وعرفجة إلى عمان وكل منكم أمير على جيشه وحذيفة ما دمتم بعمان فهو أمير الناس فأذا فرغتم فاذهبوا إلى مهرة فإذا ف فرغتم منها فاذهب إلى اليمن وحضرموت فكن مع المهاجر بن أبي أمية ومن لقيته من المرتدة بين عمان إلى حضرموت فنكل به فسار عكرمة لما أمره به الصديق فلحق حذيفة وعرفجة قبل أن يصلا إلى عمان وقد كتب إليهما الصديق أن ينتهيا إلى رأي عكرمة بعد الفراغ من السير من عمان أو المقام بها فساروا فلما اقتربوا من عمان راسلوا جيفرا وبلغ لقيط بن مالك مجيء الجيش فخرج في جموعه فعسكر بمكان يقال له دبا وهي مصر تلك البلاد وسوقها العظمى وجعل الذراري والأموال وراء ظهورهم ليكون أقوى لحربهم واجتمع جيفر وعباد بمكان يقال له صحار فعسكرا به وبعثا الى امراء الصديق فقدموا على المسلمين فتقابل الجيشان هنالك وتقاتلوا قتالا شديدا وابتلى المسلمون وكادوا أن يولوا فمن الله بكرمه ولطفه أن بعث إليهم مددا في الساعة الراهنة من بني ناجية وعبد القيس في جماعة من الأمراء فلما وصلوا إليهم كان الفتح والنصر فولى المشركون مدبرين وركب المسلمون ظهورهم فقتلوا من عشرة آلاف مقاتل وسبوا الذراري وأخذوا الأموال والسوق بحذافيرها وبعثوا بالخمس إلى الصديق رضي الله عنه مع أحد الأمراء وهو عرفجة ثم رجع إلى أصحابه وأما مهرة فأنهم لما فرغوا من عمان كما ذكرنا سار عكرمة بالناس إلى بلاد مهرة بمن معه من الجيوش ومن أضيف إليها حتى اقتحم على مهرة بلادها فوجدهم جندين على أحدهما وهم الأكثر أمير يقال له المصبح أحد بني محارب وعلى الجند الآخر أمير يقال له شخريت وهما مختلفان وكان هذا الاختلاف رحمة على المؤمنين فراسل عكرمة شخريت فأجابه وانضاف إلى عكرمة فقوي بذلك المسلمون وضعف جأش المصبح فبعث إليه عكرمة يدعوه إلى الله وإلى السمع والطاعة فاغتر بكثرة من معه ومخالفة لشخريت فتمادى على طغيانه فسار إليه عكرمة بمن معه من الجنود فاقتتلوا مع المصبح أشد من قتال دبا المتقدم ثم فتح الله بالظفر والنصر ففر المشركون وقتل المصبح وقتل خلق كثير من قومه وغنم المسلمون أموالهم فكان في
جملة ما غنموا ألفا نجيبة فخمس عكرمة ذلك كله وبعث بخمسه إلى الصديق مع شخريت وأخبره بما فتح الله عليه والبشارة مع رجل يقال له السائب من بني عابد من مخزوم وقد قال في ذلك رجل يقال له علجوم
جزى الله شخريتا وأفناء هاشما * وفرضم إذ سارت إلينا الحلائب
جزاء مسيء لم يراقب لذمة * ولم يرجها فيما يرجى الأقارب
أعكرم لولا جمع قومي وفعلهم * لضاقت عليكم بالفضاء المذاهب
وكنا كمن اقتاد كفا بأختها * وحلت علينا في الدهور النوائب
وأما أهل اليمن فقد قدمنا أن الأسود العنسي لعنه الله لما نبغ باليمن أضل خلقا كثيرا من ضعفاء العقول والأديان حتى ارتد كثير منهم أو أكثرهم عن الأسلام وأنه لما قتله الأمراء الثلاثة قيس بن مكشوح وفيروز الديلمي وداذويه وكان ما قدمنا ذكره ولما بلغهم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ازداد بعض أهل اليمن فيما كانوا فيه من الحيرة والشك أجارنا الله من ذلك وطمع قيس بن مكشوح في الأمرة باليمن فعمل لذلك وارتد عن الأسلام وتابعه عوام أهل اليمن وكتب الصديق إلى الامراء والرؤساء من أهل اليمن أن يكونوا عونا إلى فيروز والأبناء على قيس بن مكشوح حتى تأتيهم جنوده سريعا وحرص قيس على قتل الاميرين الأخيرين فلم يقدر إلا على داذويه واحترز منه فيروز الديلمي وذلك أنه عمل طعاما وأرسل إلى داذويه أولا فلما جاءه عجل عليه فقتله ثم أرسل إلى فيروز ليحضر عنده فلما كان ببعض الطريق سمع امرأة تقول لأخرى وهذا أيضا والله مقتول كما قتل صاحبه فرجع من الطريق وأخبر أصحابه بقتل داذويه وخرج إلى أخواله خولان فتحصن عندهم وساعدته عقيل وعك وخلق وعمد قيس إلى ذراري فيروز وداذويه والأبناء فأجلاهم عن اليمن وأرسل طائفة في البر وطائفة في البحر فاحتد فيروز فخرج في خلق كثير فتصادف هو وقيس فاقتتلوا قتالا شديدا فهزم قيسا وجنده من العوام وبقية جند الأسود العنسي فهزموا في كل وجه وأسر قيس وعمرو بن معدي كرب وكان عمرو قد ارتد أيضا وبايع الأسود العنسي وبعث بهما المهاجر بن ابي أمية إلى أبي بكر أسيرين فعنفهما وأنبهما فاعتذرا إليه فقبل منهما علانيتهما ووكل سرائرهما إلى الله عز وجل وأطلق سراحهما وردهما إلى قومهما ورجعت عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كانوا باليمن إلى أماكنهم التي كانوا عليها في حياته عليه السلام بعد حروب طويلة لو استقصينا إيرادها لطال ذكرها وملخصها أنه ما من ناحية من جزيرة العرب إلا وحصل في أهلها ردة لبعض الناس فبعث الصديق إليهم جيوشا وأمراء يكونون عونا لمن في تلك الناحية من المؤمنين فلا يتواجه المشركون والمؤمنون في موطن من تلك المواطن إلا غلب جيش الصديق لمن هناك من
المرتدين ولله الحمد والمنة وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وغنموا مغانم كثيرة فيتقوون بذلك على من هنالك ويبعثون بأخماس ما يغنمون إلى الصديق فينفقه في الناس فيحصل لهم قوة أيضا ويستعدون به على قتال من يريدون قتالهم من الأعاجم والروم على ما سيأتي تفصيله ولم يزل الأمر كذلك حتى لم يبق بجزيرة العرب إلا أهل طاعة لله ولرسوله وأهل ذمة من الصديق كأهل نجران وما جرى مجراهم ولله الحمد وعامة ما وقع من هذه الحروب كان في أواخر سنة إحدى عشرة وأوائل سنة ثنتي عشرة ولنذكر بعد إيراد هذه الحوادث من توفي في هذه السنة من الأعيان والمشاهير وبالله المستعان وفيها رجع معاذ بن جبل من اليمن وفيها استبقى أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
*3* ذكر من توفي في هذه السنة
@ أعني سنة إحدى عشرة من الأعيان والمشاهير وذكرنا معهم من قتل باليمامة لأنها كانت في سنة إحدى عشرة على قول بعضهم وإن كان المشهور أنها في ربيع سنة ثنتي عشرة توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة وذلك في ربيعها الأول يوم الاثنين ثاني عشره على المشهور كما قدمنا بيانه وبعده بسته أشهر على الأشهر توفيت ابنته فاطمة رضي الله عنها وتكنى بأم أبيها وقد كان صلوات الله وسلامه عليه عهد إليها أنها أول أهله لحوقا به وقال لها مع ذلك أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة وكانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم على المشهور ولم يبق بعده سواها فلهذا عظم اجرها لأنها أصيبت به عليه السلام ويقال إنها كانت توأما لعبد الله ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس له عليه السلام نسل إلا من جهتها قال الزبير ابن بكار وقد روى أنه عليه السلام ليلة زفاف علي على فاطمة توضأ وصب عليه وعلى فاطمة ودعا لهما أن يبارك في نسلهما وقد تزوجها ابن عمها علي بن أبي طالب بعد الهجرة وذلك بعد بدر وقيل بعد أحد وقيل بعد تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة بأربعة اشهر ونصف وبنى بها بعد ذلك بسبعة اشهر ونصف فأصدقها درعه الحطمية وقيمتها أربعمائة درهم وكان عمرها إذ ذاك خمس عشرة سنة وخمسة اشهر وكان علي اسن منها بست سنين وقد وردت أحاديث موضوعة في تزويج علي بفاطمة لم نذكرها رغبة عنها فولدت له حسنا وحسينا ومحسنا وأم كلثوم التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك وقد قال الأمام أحمد حدثنا عفان أنا عطاء بن السائب عن أبيه عن علي أن رسول الله لما زوجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحى وسقاء وجرتين فقال علي لفاطمة ذات يوم والله لقد سنوت حتى لقد استكيت صدري وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت وأنا والله لقد طحنت حتى محلت يداي فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما جاء بك
أي بنية قالت جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال ما فعلت قالت استحييت أن أسأله فأتياه جميعا فقال علي يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة لقد طحنت حتى محلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فاخذ منا فقال والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم فرجعا فأتاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسهما تكشفت أقدامهما وإذا غطت أقدامهما تكشفت رءوسهما فثارا فقال مكانكما ثم قال ألا أخبركم بخير مما سألتماني قالا بلى قال كلمات علمنيهن جبريل تسبحان الله في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا وإذا آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقال له ابن الكوا ولا ليلة صفين فقال قاتلكم الله يا أهل العراق نعم ولا ليلة صفين وآخر هذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه فقد كانت فاطمة صابرة مع علي على جهد العيش وضيقه ولم يتزوج عليها حتى ماتت ولكنه أراد أن يتزوج في وقت بدرة بنت أبي جهل فأنف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وخطب الناس فقال لا أحرم حلالا ولا أحل حراما وإن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها وإني اخشى أن تفتن عن دمها ولكن إني أحب ابن أبي طالب أن يطلقها ويتزوج بنت أبي جهل فأنه والله لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدو الله تحت رجل واحد أبدا قال فترك علي الخطبة ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت من أبي بكر الميراث فأخبرها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا فهو صدقة فسألت أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة فأبى ذلك وقال غني أعول من كان رسول الله يعول وإني اخشى إن تركت شيئا مما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله أن أضل ووالله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي فكأنها وجدت في نفسها من ذلك فلم تزل تبغضه مدة حياتها فلما مرضت جاءها الصديق فدخل عليها فجعل يترضاها وقال والله ما تركت الدار والمال والاهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت فرضيت رضي الله عنهما رواه البيهقي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي ثم قال وهذا مرسل حسن بإسناد صحيح ولما حضرتها الوفاة أوصت إلى أسماء بنت عميس امرأة الصديق ان تغسلها فغسلتها هي وعلي بن أبي طالب وسلمى أم رافع قيل والعباس بن عبد المطلب وما روي من أنها اغتسلت قبل وفاتها وأوصت أن لا تغسل بعد ذلك فضعيف لا يعول عليه والله أعلم وكان الذي صلى عليها زوجها علي وقيل عمها العباس وقيل أبو بكر الصديق فالله أعلم ودفنت ليلا وذلك ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة

يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:41 AM
وقيل إنها توفيت بعده عليه السلام بشهرين وقيل بسبعين يوما وقيل بخمسة وسبعين يوما وقيل بثلاثة أشهر وقيل بثمانية أشهر والصحيح ما ثبت في الصحيح من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أن فاطمة عاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ودفنت ليلا ويقال إنها لم تضحك في مدة بقائها بعده عليه السلام وأنها كانت تذوب من حزنها عليه وشوقها إليه واختلف في مقدار سنها يومئذ فقيل سبع وقيل ثمان وقيل تسع وعشرون وقيل ثلاثون وقيل خمس وثلاثون وهذا بعيد وما قبله أقرب منه والله أعلم ودفنت بالبقيع وهي أول من ستر سريرها وقد ثبت في الصحيح أن عليا كان له فرجة من الناس حياة فاطمة فلما ماتت التمس مبايعة الصديق فبايعه كما هو مروي في البخاري وهذه البيعة لأزالة ما كان وقع من وحشة حصلت بسبب الميراث ولا ينفي ما ثبت من البيعة المتقدمة عليها كما قررنا والله أعلم
وممن توفي هذه السنة أم أيمن
بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثها من أبيه وقيل من أمه وحضنته وهو صغير وكذلك بعد ذلك وقد شربت بوله فقال لها لقد احتضرت بحضار من النار وقد أعتقها وزوجها عبيدا فولدت منه ابنها أيمن فعرفت به ثم تزوجها زيد بن حارثة مولى رسول الله فولدت اسامة بن زيد وقد هاجرت الهجرتين الى الحبشة والمدينة وكانت من الصالحات وكان عليه السلام يزورها في بيتها ويقول هي أمي بعد أمي وكذلك كان أبو بكر وعمر يزورانها في بيتها كما تقدم ذلك في ذكر الموالي وقد توفيت بعده عليه السلام بخمسة أشهر وقيل بستة اشهر
ومنهم ثابت بن أقرم بن ثعلبة
ابن عدي بن العجلان البلوي حليف الأنصار شهد بدرا وما بعدها وكان ممن حضر مؤتة فلما قتل عبد الله بن رواحة دفعت الراية إليه فسلمها لخالد بن الوليد وقال أنت أعلم بالقتال مني وقد تقدم أن طليحة الاسدي قتله وقتل معه عكاشة بن محصن وذلك حين يقول طليحة
عشية غادرت ابن قرم ساويا * وعكاشة الغنمي تحت مجال
وذلك في سنة إحدى عشرة وقيل سنة ثنتي عشرة وعن عروة أنه قتل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا غريب والصحيح الأول والله أعلم
ومنهم ثابت بن قيس بن شماس
الأنصاري الخزرجي أبو محمد خطيب الأنصار ويقال له أيضا خطيب النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثبت عنه عليه السلام أنه بشره بالشهادة وقد تقدم الحديث في دلائل النبوة فقتل يوم اليمامة شهيدا وكانت راية الأنصار يومئذ بيده وروى الترمذي بأسناد على شرط مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله
قال نعم الرجل ثابت بن قيس بن شماس وقال أبو القاسم الطبراني ثنا أحمد بن المعلى الدمشقي ثنا سليمان بن عبد الرحمن ثنا الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عطاء الخراساني قال قدمت المدينة فسألت عمن يحدثني بحديث ثابت بن قيس بن شماس فأرشدوني إلى ابنته فسألتها فقالت سمعت أبي يقول لما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب كل مختال فخور اشتدت على ثابت وغلق عليه بابه وطفق يبكي فأخبر رسول الله فسأله فأخبره بما كبر عليه منها وقال أنا رجل أحب الجمال وأنا أسود قومي فقال إنك لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير ويدخلك الله الجنة فلما أنزل على رسول الله يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول فعل مثل ذلك فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فأخبره بما كبر عليه منها وأنه جهير الصوت وأنه يتخوف أن يكون ممن حبط عمله فقال إنك لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا ويدخلك الله الجنة فلما استنفر أبو بكر المسلمين إلى أهل الردة واليمامة ومسيلمة الكذاب سار ثابت فيمن سار فلما لقوا مسيلمةوبني حنيفة هزموا المسلمين ثلاث مرات فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلا لأنفسهما حفرة فدخلا فيها فقاتلا حتى قتلا قالت ورأى رجل من المسلمين ثابت بن قيس في منامه فقال إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعا نفيسه ومنزله في أقصى العسكر وعند منزله فرس بتن في طوله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلا وأئت خالد بن الوليد فليبعث إلي درعي فليأخذها فأذا قدمت على حذيفة رسول الله فأعلمه أن علي من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه قال فأتى خالد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر وقدم على أبي بكر فأخبره فأنفذ أبو بكر وصيته بعد موته فلا نعلم أحدا جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس بن شماس ولهذا الحديث وهذا القصة شواهد أخر والحديث المتعلق بقوله لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي في صحيح مسلم عن أنس وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن ثابت بن قيس بن شماس جاء يوم اليمامة وقد تحنط ونشر أكفانه وقال اللهم إني أبرأ اليك مما جاء به هؤلاء وأعتذر اليك مما صنع هؤلاء فقتل وكانت له درع فسرقت فرآه رجل فيما يرى النائم فقال إن درعي في قدر تحت الكانون في مكان كذا وكذا وأوصاه بوصايا فطلبوا الدرع فوجدوها وأنفذوا الوصايا رواه الطبراني أيضا
ومنهم حزن بن أبي وهب
ابن عمرو بن عامر بن عمران المخزومي له هجرة ويقال أسلم عام الفتح وهو جد سعيد بن المسيب أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسميه سهلا فامتنع وقال لا أغير اسما سمانيه أبواي فلم تزل الحزونة فينا
استشهد يوم اليمامة وقتل معه أيضا ابناه عبد الرحمن ووهب وابن ابنه حكيم بن وهب بن حزن وممن استشهد في هذه السنة داذويه الفارسي أحد أمراء اليمن الذين قتلوا الأسود العنسي قتله غيلة قيس بن مكشوح حين ارتد قبل أن يرجع قيس إلى الاسلام فلما عنفه الصديق على قتله أنكر ذلك فقبل علانيته وإسلامه
ومنهم زيد بن الخطاب
ابن نفيل القرشي العدوي أبو محمد وهو أخو عمر بن الخطاب لأبيه وكان زيد أكبر من عمر أسلم قديما وشهد بدرا وما بعدها وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معن بن عدي الأنصاري وقد قتلا جميعا باليمامة وقد كانت راية المهاجرين يومئذ بيده فلم يزل يتقدم بها حتى قتل فسقطت فأخذها سالم مولى أبي حذيفة وقد قتل زيد يومئذ الرجال بن عنفوة واسمه نهار وكان الرجال هذا قد أسلم وقرأ البقرة ثم ارتد ورجع فصدق مسيلمة وشهد له بالرسالة فحصل به فتنة عظيمة فكانت وفاته على يد زيد رضي الله عن زيد ثم قتل زيدا رجل يقال له أبو مريم الحنفي وقد أسلم بعد ذلك وقال لعمر يا أمير المؤمنين إن الله أكرم زيدا بيدي ولم يهني على يده وقيل إنما قتله سلمة بن صبيح ابن عم أبي مريم هذا ورجحه أبو عمر وقال لأن عمر استقضى أبا مريم وهذا لا يدل على نفي ما تقدم والله أعلم وقد قال عمر لما بلغه مقتل زيد بن الخطاب سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي واستشهد قبلي وقال لمتمم بن نويرة حين جعل يرثي أخاه مالكا بتلك الأبيات المتقدم ذكرها لو كنت أحسن الشعر لقلت كما قلت فقال له متمم لو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه فقال له عمر ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به ومع هذا كان عمر يقول ما هبت الصبا إلا ذكرتني زيد بن الخطاب رضي الله عنه
ومنهم سالم بن عبيد
ويقال ابن يعمل مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وإنما كان معتقا لزوجته ثبيتة بنت يعاد وقد تبناه أبو حنيفة وزوجه بابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة فلما أنزل الله ادعوهم لآبائهم جاءت امرأة أبي حذيفة سهلة بنت سهل بن عمرو فقالت يا رسول الله إن سالما يدخل علي وأنا غفل فأمرها أن ترضعه فأرضعته فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة وكان من سادات المسلمين أسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي بمن بها من المهاجرين وفيهم عمر بن الخطاب لكثرة حفظه القرآن وشهد بدرا وما بعدها وهو أحد الأربعة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم استقرئوا القرآن من أربعة فذكر منهم سالما مولى أبي حذيفة وروى عن عمر أنه قال لما احتضر لو كان سالم حيا لما جعلتها شورى قال أبو عمر بن عبد البر معناه أنه كان يصدر عن رأيه فيمن يوليه الخلافة ولما أخذ الراية يوم اليمامة بعد مقتل زيد بن الخطاب قال له المهاجرون أتخشى أن نؤتى من قبلك فقال بئس حامل القرآن أنا إذا انقطعت يده اليمنى فاخذها بيساره فقطعت فاحتضنها وهو يقول وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فلما صرع قال لأصحابه ما فعل أبو حذيفة قالوا قتل قال فما فعل فلان قالوا قتل قال فأضجعوني بينهما وقد بعث عمر بميراثه إلى مولاته التي اعتقته بثينة فردته وقالت إنما اعتقته سائبة فجعله عمر في بيت المال
ومنهم أبو دجانة سماك بن خرشة
ويقال سماك بن أوس بن خرشة بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي شهد بدرا وأبلى يوم أحد وقاتل شديدا وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سيفا فأعطاه حقه وكان يتبختر عند الحرب فقال عليه السلام إن هذه لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن وكان يعصب رأسه بعصابة حمراء شعارا له بالشجاعة وشهد اليمامة ويقال إنه ممن اقتحم على بني حنيفة يومئذ الحديقة فانكسرت رجله فلم يزل يقاتل حتى قتل يومئذ وقد قتل مسيلمة مع وحشي بن حرب رماه وحشي بالحرية وعلاه أبو دجانة بالسيف قال وحشي فربك أعلم أينا قتله وقد قيل إنه عاش حتى شهد صفين مع علي والأول أصح وأما ما يروى عنه من ذكر الحرز المنسوب إلى أبي دجانة فاسناده ضعيف ولا يلتفت إليه والله أعلم
ومنهم شجاع بن وهب
ابن ربيعة الأسدي حليف بني عبد شمس أسلم قديما وهاجر وشهد بدرا وما بعدها وكان رسول رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر الغساني فلم يسلم وأسلم حاجبه سوى واستشهد شجاع بن وهب يوم اليمامة عن بضع وأربعين سنة وكان رجلا طوالا نحيفا أحنى
ومنهم الطفيل بن عمرو بن طريف
ابن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهر بن غنم بن دوس الدوسي أسلم قديما قبل الهجرة وذهب إلى قومه فدعاهم إلى الله فهداهم الله على يديه فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة جاءه بتسعين أهل بيت من دوس مسلمين وقد خرج عام اليمامة مع المسلمين ومعه ابنه عمرو فرأى الطفيل في المنام كأن راسه قد حلق وكأن امرأة أدخلته في فرجها وكأن ابنه يجتهد أن يلحقه فلم يصل فأولها بأنه سيقتل ويدفن وأن ابنه يحرص على الشهادة فلا ينالها عامه ذلك وقد وقع الأمر كما أولها ثم قتل ابنه شهيدا يوم اليرموك كما سيأتي
ومنهم عباد بن بشر بن وقش الانصاري
أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل الهجرة قبل إسلام معاذ وأسيد بن الحضير وشهد بدرا وما بعدها وكان ممن قتل كعب بن الأشرف وكانت عصاه تضيء له إذا خرج من عند رسول الله في ظلمة قال موسى بن عقبة عن الزهري قتل يوم اليمامة شهيدا عن خمس وأربعين سنة وكان له بلاء وعناء وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت تهجد رسول الله فسمع صوت عباد فقال اللهم اغفر له
ومنهم السائب بن عثمان بن مظعون
بدري من الرماة أصابه يوم اليمامة سهم فقتله وهو شاب رحمه الله
ومنهم السائب بن العوام
أخو الزبير بن العوام استشهد يومئذ رحمه الله
ومنهم عبد الله بن سهيل بن عمرو
ابن عبد شمس بن عبدود القرشي العامري أسلم قديما وهاجر ثم استضعف بمكة فلما كان يوم بدر خرج معهم فلما توجهوا فر إلى المسلمين فشهدها معهم وقتل يوم اليمامة فلما حج أبو بكر عزى اباه فيه فقال سهيل بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الشهيد ليشفع لسبعين من أهله فأرجو أن يبدأ بي
ومنهم عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول
الأنصاري الخزرجي كان من سادات الصحابة وفضلائهم شهد بدرا وما بعدها وكان أبوه رأس المنافقين وكان أشد الناس على أبيه ولو اذن له رسول الله فيه لضرب عنقه وكان اسمه الحباب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وقد استشهد يوم اليمامة رضي الله عنه
ومنهم عبد الله بن أبي بكر الصديق
أسلم قديما ويقال إنه الذي كان يأتي بالطعام والشراب والأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وهما بغار ثور ويبيت عندهما ويصبح بمكة كبائت فلا يسمع بأمر يكادان به إلا أخبرهما به وقد شهد الطائف فرماه رجل يقال له أبا محجن الثقفي بسهم فذوى منها فاندملت ولكن لم يزل منها حمتا حتى مات في شوال سنة إحدى عشرة
ومنهم عكاشة بن محصن
ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس يكنى أبا محصن وكن من سادات الصحابة وفضلائهم هاجر وشهد بدرا وأبلى يومئذ بلاء حسنا وانكسر سيفه فأعطاه رسول الله يومئذ عرجونا فعاد في يده سيفا أمضى من الحديد شديد المتن وكان ذلك السيف يسمى العون وشهد أحدا والخندق وما بعدها ولما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب فقال عكاشة يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال اللهم اجعله منهم ثم قام رجل آخر فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة والحديث مروي من طرق تفيد القطع وقد خرج عكاشة مع خالد يوم إمرة الصديق بذي القصة فبعثه وثابت بن أقرم بين يديه طليعة فتلقاهما طليحة الأسدي وأخوه سلمة فقتلاهما وقد قتل عكاشة قبل مقتله حبال بن طليحة ثم أسلم طليحة بعد ذلك كما ذكرنا وكان عمر عكاشة يومئذ أربعا وأربعين سنة وكان من أجمل الناس رضي الله عنه
ومنهم معن بن عدي
ابن الجعد بن عجلان بن ضبيعة البلوي حليف بني عمرو بن عوف وهو أخو عاصم بن عدي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد وكان قد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين زيد ابن الخطاب فقتلا جميعا يوم اليمامة رضي الله عنهما وقال مالك عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال بكى الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات وقالوا والله وددنا أنا متنا قبله ونخشى أن نفتتن بعده فقال معن بن عدي لكني والله ما أحب أن أموت قبله لأصدقه ميتا كما صدقناه حيا ومنهم الوليد وأبو عبيدة ابنا عمارة بن الوليد بن المغيرة قتلا مع عمهما خالد بن الوليد بالبطاح وأبوهما عمارة بن الوليد وهو صاحب عمرو بن العاص إلى النجاشي وقضيته مشهورة
ومنهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة
ابن عبد شمس القرشي العبشمي أسلم قديما قبل دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عباد بن بشر وقد قتلا شهيدين يوم اليمامة وكان عمر أبي حذيفة يومئذ ثلاثا أو أربعا وخمسين سنة وكان طويلا حسن الوجه أثعل وهو الذي له سن زائدة وكان اسمه هشيم وقيل هاشم
ومنهم ابو دجانة واسمه سماك بن خرشة
تقدم قريبا وبالجملة فقد قتل من المسلمين يوم اليمامة أربعمائة وخمسون من حملة القرآن ومن الصحابة وغيرهم وإنما أوردنا هؤلاء لشهرتهم وبالله المستعان
قلت وممن استشهد يومئذ من المهاجرين مالك بن عمرو حليف بني غنم مهاجري بدري ويزيد بن رقيش بن رباب الأسدي بدري والحكم بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي وحسن بن مالك بن بحينة أخو عبد الله بن مالك الأزدي حليف بني المطلب بن عبد مناف وعامر بن البكر الليثي حليف بني عدي بدري ومالك بن ربيعة حليف بني عبد شمس وأبو أمية صفوان بن أمية بن عمرو ويزيد بن أوس حليف بني عبد الدار وحيي ويقال معلى بن حارثة الثقفي وحبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي والوليد بن عبد شمس المخزومي وعبد الله بن عمرو بن بجرة العدوي وأبو قيس بن الحارث بن قيس السهمي وهو من مهاجرة الحبشة وعبد الله بن الحارث بن قيس وعبد الله بن مخرمة بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر العامري من المهاجرين الأولين شهد بدرا وما بعدها وقتل يومئذ وعمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح العامري وسليط بن عمرو العامري وربيعة بن أبي خرشة العامري وعبد الله بن الحارث بن رحضة من بني عامر
ومنهم الانصار
غير من ذكرنا تراجمهم عمارة بن حزم بن زيد بن لوذان النجاري وهو أخو عمرو بن حزم كانت معه راية قومه يوم الفتح وقد شهد بدرا وقتل يومئذ وعقبة بن عامر بن نابي بن زيد بن حرام السلمي شهد العقبة الاولى وشهد بدرا وما بعدها وثابت بن هزال من بني سالم بن عوف بدري في قول وأبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة من بني جحجبي شهد بدرا وما بعدها فلما كان يوم اليمامة أصابه سهم فنزعه ثم تحزم وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل وقد أصابته جراحات كثيرة وعبد الله بن عتيك ورافع بن سهل وحاجب بن يزيد الاشهلي وسهل بن عدي ومالك بن أوس وعمر بن أوس وطلحة بن عتبة من بني جحجبي ورباح مولى الحارث ومعن بن عدي وجزء بن مالك بن عامر من بني جحجبي وورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي بدري ومروان بن العباس وعامر بن ثابت وبشر بن عبد الله الخزرجي وكليب بن تميم وعبد الله بن عتبان وإياس بن وديعة وأسيد بن يربوع وسعد بن حارثة وسهل بن حمان ومحاسن بن حمير وسلمة بن مسعود وقيل مسعود بن سنان وضمرة بن عياض وعبد الله بن أنيس وأبو جبة بن غزية المازني وخباب ابن زيد وحبيب بن عمرو بن محصن وثابت بن خالد وفروة بن النعمان وعائذ بن ماعص ويزيد بن ثابت بن الضحاك أخو زيد بن ثابت قال خليفة بن حناط فجميع من استشهد من المهاجرين والانصار يوم اليمامة ثمانية وخمسون رجلا يعني وبقية الأربعمائة والخمسين من غيرهم والله أعلم وقد قتل من الكفار فيما سقنا من المواطن التي التقى فيها المسلمون المشركون في هذه وأوائل التي قبلها ما ينيف على خمسين ألفا ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة فمن مشاهيرهم الأسود العنسي لعنه الله واسمه عبهلة بن كعب بن غوث خرج أول مخرجه من بلدة باليمن يقال لها كهف خبان ومعه سبعمائة مقاتل فما مضى شهر حتى تملك صنعاء ثم استوثقت به اليمن بحذافيرها في أقصر مدة وكان معه شيطان يحذق له ولكن خانه أحوج ما كان إليه ثم لم تمض له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر حتى قتله الله على يدي إخوان صدق وأمراء حق كما قدمنا ذكره وهم دازويه الفارسي وفيروز الديلمي وقيس بن مكشوح المرادي وذلك في ربيع الأول من سنة إحدى عشرة قبل وفاة
رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال وقيل بليلة فالله أعلم وقد أطلع الله رسوله ليلة قتله على ذلك كما أسلفناه
ومنهم مسيلمة بن حبيب اليمامي الكذاب
قدم المدينة وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه بني حنيفة وقد وقف عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه وهو يقول إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته فقال له لو سألتني هذا العود لعرجون في يده ما أعطيتكه ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإني لأراك الذي رأيت فيه ما رأيت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام كأن في يده سوارين من ذهب فأهمه شأنهما فأوحى الله إليه في المنام انفخهما فنفخهما فطارا فأولهما بكذابين يخرجان وهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة وهكذا وقع فإنهما ذهبا وذهب أمرهما أما الأسود فذبح في داره وأما مسيلمة فعقره الله على يدي وحشي بن حرب رماه بالحربة فأنفذه كما تعقر الأبل وضربه أبو دجانة على رأسه ففلقه وذلك بعقر داره في الحديقة التي يقال لها حديقة الموت وقد وقف عليه خالد بن الوليد وهو طريح أراه إياه من بين القتلى مجاعة بن مرارة ويقال كان أصفر أخينس وقيل كان ضخما أسمر اللون كأنه جمل أورق ويقال إنه مات وعمره مائة وأربعون سنة فالله أعلم وقد قتل قبله وزيراه ومستشاراه لعنهما الله وهما محكم بن الطفيل الذي يقال له محكم اليمامة قتله عبد الرحمن بن أبي بكر رماه بسهم وهو يخطب قومه يأمرهم بمصالح حربهم فقتله والآخر نهار بن عنفوة الذي يقال له الرجال بن عنفوة وكان ممن أسلم ثم ارتد وصدق مسيلمة لعنهما الله في هذه الشهادة وقد رزق الله زيد بن الخطاب قتله قبل أن يقتل زيد رضي الله عنه ومما يدل على كذب الرجال في هذه الشهادة الضرورة في دين الاسلام وما رواه البخاري وغيره أن مسيلمة كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله سلام عليك أما بعد فأني قد اشركت معك في الأمر فلك المدر ولي الوبر ويروى فلكم نصف الأرض ولنا نصفها ولكن قريشا قوم يعتدون فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإن الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين وقد قدمنا ما كان يتعاطاه مسيلمة ويتعاناه لعنه الله من الكلام الذي هو اسخف من الهذيان مما كان يزعم أنه وحي من الرحمن تعالى الله عما يقوله وأمثاله علوا كبيرا ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم زعم أنه استقل بالأمر من بعده واستخف قومه فأطاعوه وكان يقول
خذي الدف يا هذه والعبي * وبثي محاسن هذا النبي
تولى نبي بني هاشم * وقام نبي بني يعرب
فلم يمهله الله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قليلا حتى سلط الله عليه سيفا من سيوفه وحتفا
من حتوفه فبعج بطنه وفلق رأسه وعجل الله بروحه إلى النار فبئس القرار قال الله تعالى فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون فمسيلمة والأسود وأمثالهما لعنهم الله أحق الناس دخولا في هذه الآية الكريمة وأولاهم بهذه العقوبة العظيمة
*2* سنة ثنتي عشرة من الهجرة النبوية
@ استهلت هذه السنة وجيوش الصديق وأمراؤه الذين بعثهم لقتال أهل الرجة جوالون في البلاد يمينا وشمالا لتمهيد قواعد الاسلام وقتال الطغاة من الانام حتى رد شارد الدين بعد ذهابه ورجع الحق الى نصابه وتمهدت جزيرة العرب وصار البعيد الأقصى كالقريب الأدنى وقد قال جماعة من علماء السير والتواريخ إن وقعة اليمامة كانت في ربيع الأول من هذه السنة وقيل إنها كانت في أواخر التي قبلها والجمع بين القولين أن ابتداءها كان في السنة الماضية وانتهاءها وقع في هذه السنة الآتية وعلى هذا القول ينبغي أن يذكروا في السنة الماضية كما ذكرناه لاحتمال أنهم قتلوا في الماضية ومبادرة الى استيفاء تراجمهم قبل أن يذكروا مع من قتل بالشام والعراق في هذه السنة على ما سنذكر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد قيل إن وقعة جواثا وعمان ومهرة وما كان من الوقائع التي اشرنا إليها إنما كانت في سنة ثنتي عشرة وفيها كان قتل الملوك الأربعة حمد ومحرس وأبضعة ومشرحا وأختهم العمردة الذين ورد الحديث في مسند أحمد بلعنهم وكان الذي قتلهم زياد بن لبيد الأنصاري
*3* بعث خالد بن الوليد الى العراق
@ لما فرغ خالد بن الوليد من اليمامة بعث إليه الصديق أن يسير الى العراق وأن يبدأ بفرج الهند وهي الأبلة ويأتي العراق من اعاليها وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله عز وجل فان أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية فان امتنعوا عن ذلك قاتلهم وأمره أن لا يكره أحدا على المسير معه ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام وإن كان عاد إليه وأمره أن يستصحب كل امرئ مر به من المسلمين وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمدادا لخالد رضي الله عنه قال الواقدي اختلف في خالد فقائل يقول مضى من وجهه ذلك من اليمامة إلى العراق وقائل يقول رجع من اليمامة الى المدينة ثم سار الى العراق من المدينة فمر على طريق الكوفة حتى انتهى إلى الحيرة قلت والمشهور الأول وقد ذكر المدائني بأسناده أن خالدا توجه الى العراق في المحرم سنة اثنتي عشرة فجعل طريقه البصرة وفيها قطبة بن قتادة وعلى الكوفة المثنى بن حارثة الشيباني وقال محمد بن
إسحاق عن صالح بن كيسان إن أبا بكر كتب إلى خالد أن يسير إلى العراق فمضى خالد يريد العراق حتى نزل بقريات من السواد يقال لها بانقيا وبارسوما وصاحبها حابان فصالحه أهلها قلت وقد قتل منهم المسلمون قبل الصلح خلقا كثيرا وكان الصلح على ألف درهم وقيل دينار في رجب وكان الذي صالحه بصبهري بن صلوبا ويقال صلوبا بن بصبهري فقبل منهم خالد وكتب لهم كتابا ثم أقبل حتى نزل الحيرة فخرج إليه اشرافها مع قبيصة بن إياس بن حية الطائي وكان أمره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر فقال لهم خالد أدعوكم إلى الله وإلى الاسلام فإن أجبتم إليه فأنتم من المسلمين لكم ما لهم وعليكم ما عليهم فإن أبيتم فالجزية فإن أبيتم فقد أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم فقال له قبيصة مالنا بحربك من حاجة بل نقيم على ديننا ونعطيكم الجزية فقال لهم خالد تبا لكم إن الكفر فلاة مضلة فأحمق العرب من سلكها فلقيه رجلان أحدهما عربي والآخر أعجمي فتركه واستبدل بالعجمي ثم صالحهم على تسعين ألفا وفي رواية مائتي ألف درهم فكانت أول جزية أخذت من العراق وحملت إلى المدينة في والقريات قبلها التي صالح عليها ابن صلوبا قلت وقد كان مع نائب كسرى على الحيرة ممن وفد إلى خالد عمرو بن عبد المسيح بن حبان بن بقيلة وكان من نصارى العرب فقال له خالد من أين أثرك قال من ظهر أبي قال ومن أين خرجت قال من بطن أمي قال ويحك على أى شيء أنت قال على الأرض قال ويحك وفي أى شيء أنت قال في ثيابي تعقل قال نعم وأقيد قال إنما أسألك قال وأنا أجيبك قال أسلم أنت أم حرب قال بل سلم قال فما هذه الحصون التي أرى قال بنيناها للسفيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه ثم دعاهم إلى الإسلام أو الجزية أو القتال فأجابوا إلى الجزية بتسعين أو مائتي ألف كما تقدم ثم بعث خالد ابن الوليد كتابا إلى أمراء كسرى بالمدائن ومرازبته ووزرائه كما قال هشام بن الكلبي عن أبي مخنف عن مجالد عن الشعبي قال أقرأني بنو بقيلة كتاب خالد بن الوليد إلى أهل المدائن من خالد ابن الوليد إلى مرازبة أهل فارس سلام على من اتبع الهدى أما بعد فالحمد لله الذي فض خدمكم وسلب ملككم ووهن كيدكم وان من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلكم المسلم الذي له مالنا وعليه ما علينا أما بعد فاذا جاءكم كتابي فابعثوا إلي بالرهن واعتقدوا مني الذمة وإلا فوالذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة فلما قرأوا الكتاب أخذوا يتعجبون وقال سيف بن عمر عن طليحة الأعلم عن المغيرة بن عيينة وكان قاضي أهل الكوفة قال فرق خالد مخرجه من اليمامة الى العراق جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريق
واحدة فسرح المثنى قبله بيومين ودليلة ظفر وسرح عدي بن حاتم وعاصم بن عمرو ودليلاهما مالك بن عباد وسالم بن نصر أحدهما قبل صاحبه بيوم وخرج خالد يعني في آخرهم ودليله رافع فواعدهم جميعا الحفير ليجتمعوا به ويصادموا عدوهم وكان فرج الهند أعظم فروج فارس بأسا واشدها شوكة وكان صاحبه يحارب في البر والهند في البحر وهو هرمز فكتب إليه خالد فبعث هرمز بكتاب خالد إلى شيري بن كسرى وأردشير بن شيري وجمه هرمز وهو نائب كسرى جموعا كثيرة وسار بهم إلى كاظمة وعلى مجنبتيه قباذ وأنوشجان وهما من بيت الملك وقد تفرق الجيش في السلاسل لئلا يفروا وكان هرمز هذا من أخبث الناس طوية واشدهم كفرا وكان شريفا في الفرس وكان الرجل كلما ازداد شرفا زاد في حليته فكانت قلنسوة هرمز بمائة ألف وقدم خالد ومن معه من الجيش وهم ثمانية عشر ألفا فنزل تجاههم على غير ماء فشكى أصحابه ذلك فقال جالدوهم حتى تجلوهم عن الماء فأن الله جاعل الماء لأصبر الطائفتين فلما استقر بالمسلمين المنزل وهم ركبان على خيولهم بعث الله سحابة فأمطرتهم حتى صار لهم غدران من ماء فقوي المسلمون بذلك وفرحوا فرحا شديدا فلما تواجه الصفان وتقاتل الفريقان ترجل هرمز ودعا إلى النزال فترجل خالد وتقدم إلى هرمز فاختلفا ضربتين واحتضنه خالد وجاءت حامية هرمز فما شغله عن قتله وحمل القعقاع بن عمرو على حامية هرمز فاناموهم وانهزم أهل فارس وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل واستحوذ المسلمون وخالد على أمتعتهم وسلاحهم فبلغ وقر ألف بعير وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لكثرة من سلسل بها من فرسان فارس وأفلت قباذ وأنوشجان ولما رجع الطلب نادى منادي خالد بالرحيل فسار بالناس وتبعته الأثقال حتى نزل بموضع الجسر الأعظم من البصرة اليوم وبعث بالفتح والبشارة والخمس مع زر ابن كليب إلى الصديق وبعث معه بفيل فلما رآه نسوة أهل المدينة جعلن يقلن أمن خلق الله هذا أم شيء مصنوع فرده الصديق مع زر وبعث أبو بكر لما بلغه الخبر إلى خالد فنفله سلب هرمز وكانت قلنسوته بمائة ألف وكانت مرصعة بالجوهر وبعث خالد الامراء يمينا وشمالا يحاصرون حصونا هنالك ففتحوها عنوة وصلحا وأخذوا منها أموالا جمة ولم يكن خالد يتعرض للفلاحين من لم يقاتل منهم ولا أولادهم بل للمقاتلة من أهل فارس ثم كانت وقعة المذار في صفر من هذه السنة ويقال لها وقعة الثني وهو النهر قال ابن جرير ويومئذ قال الناس صفر الأصفار فيه يقتل كل جبار على مجمع الأنهار وكان سببها أن هرمزا كان قد كتب إلى أردشير وشيري بقدوم خالد نحوه من اليمامة فبعث إليه كسرى بمدد مع أمير يقال له قارن بن قريانس فلم يصل إلى هرمز حتى كان من أمره مع خالد ما تقدم وفر من فر من الفرس فتلقاهم قارن فالتفوا عليه فتذامروا واتفقوا على العود إلى خالد فساروا إلى موضع يقال له المذار وعلى مجنبتي قارن قباذ وأنوشجان فلما انتهى
الخبر إلى خالد قسم ما كان معه من أربعة أخماس غنيمة يوم ذات السلاسل وأرسل إلى الصديق بخبره مع الوليد بن عقبة وسار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار وهو على تعبئته فاقتتلوا قتال حنق وحفيظة وخرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد وابتدره الشجعان من الامراء فقتل معقل بن الاعشى بن النباش قارنا وقتل عدي بن حاتم قباذ وقتل عاصم أنوشجان وفرت الفرس وركبهم المسلمون في ظهورهم فقتلوا منهم يومئذ ثلاثين ألفا وغرق كثير منهم في الأنهار والمياه واقام خالد بالمذار وسلم الأسلاب إلى من قتل وكان قارن قد انتهى شرفه في ابناء فارس وجمع بقية الغينمة وخمسها وبعث بالخمس والفتح والبشارة إلى الصديق مع سعيد بن النعمان أخي بني عدي بن كعب وأقام خالد هناك حتى قسم أربعة الأخماس وسبى ذراري من حصره من المقاتلة دون الفلاحين فإنه أقرهم بالجزية وكان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري وكان نصرانيا ومافنه مولى عثمان وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة ثم أمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزية سويد ابن مقرن وأمره أن ينزل الحفير ليجبي إليه الأموال وأقام خالد يتجسس الأخبار عن الأعداء ثم كان أمر الولجة في صفر أيضا من هذه السنة فيما ذكره ابن جرير وذلك لأنه لما انتهى الخبر بما كان بالمذار من قبل قارن وأصحابه إلى أردشير وهو ملك الفرس يومئذ بعث أميرا شجاعا يقال له الأندرزعر وكان من أبناء السواد ولد بالمدائن ونشأ بها وأمده بجيش آخر مع أمير يقال له بهمن جاذويه فساروا حتى بلغوا مكانا يقال له الولجة فسمع بهم خالد فسار بمن معه من الجنود ووصى من استخلفه هناك بالحذر وقلة الغفلة فنازل أنذرزعر ومن ناشب معه واجتمع عنده بالولجة فاقتتلوا قتالا شديدا هو أشد مما قبله حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ واستبطأ كمينه الذي كان قد أرصدهم وراءه في موضعين فما كان إلا يسيرا حتى خرج الكمينان من هاهنا ومن هاهنا فقرت صفوف الأعاجم فأخذهم خالد من أمامهم والكمينان من ورائهم فلم يعرف رجل منهم مقتل صاحبه وهرب الأنذرزعر من الوقعة فمات عطشا وقام خالد في الناس خطيبا فرغبهم في بلاد الأعاجم وزهدهم في بلاد العرب وقال ألا ترون ما هاهنا من الأطعمات وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في سبيل الله والدعاء إلى الأسلام ولم يكن إلا المعاش لكان الرأي أن نقاتل على هذا الريف حتى نكون اولى به ونولي الجوع والأقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه ثم خمس الغنيمة وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين وبعث الخمس إلى الصديق وأسر من أسر من ذرارى المقاتلة وأقر الفلاحين بالجزية وقال سيف بن عمر عن عمرو عن الشعبي قال بارز خالد يوم الولجة رجلا من الأعاجم يعدل بألف رجل فقتله ثم اتكأ عليه وأتى بغدائه فأكله وهو متكئ عليه بين الصفين
ثم كانت وقعة أليس في صفر أيضا وذلك أن خالدا كان قد قتل يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل من نصارى العرب ممن كان مع الفرس فاجتمع عشائرهم وأشدهم حنقا عبد الاسود العجلي وكان قد قتل له ابن بالأمس فكاتبوا الأعاجم فأرسل إليهم اردسير جيشا فاجتمعوا بمكان يقال له أليس فبينما هم قد نصبوا لهم سماطا فيه طعام يريدون أكله إذ غافلهم خالد بجيشه فلما رأوه أشار من أشار منهم بأكل الطعام وعدم الاعتناء بخالد وقال أمير كسرى بل ننهض إليه فلم يسمعوا منه فلما نزل خالد تقدم بين يدي جيشه ونادى بأعلى صوته لشجعان من هنالك من الأعراب أين فلان أين فلان فكلهم تلكأوا عنه إلا رجلا يقال له مالك بن قيس من بني جذرة فأنه برز إليه فقال له خالد يا ابن الخبيثة ما جرأك على من بينهم وليس فيك وفاء فضربه فقتله ونفرت الأعاجم عن الطعام وقاموا إلى السلاح فاقتتلوا قتالا شديدا جدا والمشركون يرقبون قدوم بهمن مددا من جهة الملك إليهم فهم في قوة وشدة وكلب في القتال وصبر المسلمون صبرا بليغا وقال خالد اللهم لك علي إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم ثم ان الله عز وجل منح المسلمين أكتافهم فنادى منادي خالد الأسر الأسر لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر ففعل ذلك بهم يوما وليلة ويطلبهم في الغد ومن بعد الغد وكلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر وقد صرف ماء النهر إلى موضع آخر فقال له بعض الأمراء إن النهر لا يجري بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك فأرسله فسال النهر دما عبيطا فلذلك سمى نهر الدم إلى اليوم فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا ولما هزم خالد الجيش ورجع من رجع من الناس عدل خالد إلى الطعام الذي كانوا قد وضعوه ليأكلوه فقال للمسلمين هذا نفل فانزلوا فكلوا فنزل الناس فأكلوا عشاء وقد جعل الأعاجم على طعامهم مرققا كثيرا فجعل من يراه من أهل البادية من الأعراب يقولون ما هذه الرقع يحسبونها ثيابا فيقول لهم من يعرف ذلك من أهل الأرياف والمدن أما سمعتم رقيق العيش قالوا بلى قالوا فهذا رقيق العيش فسموه يومئذ رقاقا وإنما كانت العرب تسميه العود وقد قال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي عمن حدث عن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل الناس يوم خيبر الخبز والبطيخ والشواء وما أكلوا غير ذلك غير متأثليه وكان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أليس من بلدة يقال لها أمغيشيا فعدل إليها خالد وأمر بخرابها واستولى على ما بها فوجدوا بها مغنما عظيما فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا وخمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله وبعث خالد إلى الصديق بالبشارة والفتح والخمس من الأموال والسبي مع رجل يقال له جندل من
بني عجل وكان دليلا صارما فلما بلغ الصديق الرسالة وأدى الأمانة أثنى عليه وأجازه جارية من السبي وقال الصديق يا معشر قريش إن أسدكم قد عدا على الأسد فغلبه على خراذيله عجزت النساء أن يلدن مثل خالد بن الوليد ثم جرت أمور طويلة لخالد في أماكن متعددة يمل سماعها وهو مع ذلك لا يكل ولا يمل ولا يهن ولا يحزن بل كلما له في قوة وصرامة وشدة وشهامة ومثل هذا إنما خلقه الله عزا للأسلام وأهله وذلا للكفر وشتات شمله
*3* فصل (نزول خالد بن الوليد النجف،ومحاصرته الحصون ).
@ ثم سار خالد فنزل الخورنق والسدير وبالنجف وبث سراياه هاهنا وهاهنا يحاصرون الحصون من الحيرة ويستنزلون أهلها قسرا وقهرا وصلحا ويسرا وكان في جملة ما نزل بالصلح قوم من نصارى العرب فيهم ابن بقيلة المتقدم ذكره وكتب لأهل الحيرة كتاب أمان فكان الذي راوده عليه عمرو بن عبد المسيح ابن نقيلة ووجد خالد معه كيسا فقال ما في هذا وفتحه خالد فوجد فيه شيئا فقال ابن بقيلة هو سم الساعة فقال ولم استصحبته معك فقال حتى إذا رأيت مكروها في قومي أكلته فالموت أحب إلي من ذلك فأخذه خالد في يده وقال إنه لن تموت نفس حتى تأتي على أجلها ثم قال بسم الله خير الأسماء رب الأرض والسماء الذي ليس يضر مع اسمه داء الرحمن الرحيم قال وأهوى إليه الأمراء ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه فلما رأى ذلك ابن بقيلة قال والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد ثم التفت إلى أهل الحيرة فقال لم أر كاليوم أوضح إقبالا من هذا ثم دعاهم وسألوا خالدا الصلح فصالحهم وكتب لهم كتابا بالصلح وأخذ منهم أربعمائة ألف درهم عاجلة ولم يكن صالحهم حتى سلموا كرامة بنت عبد المسيح إلى رجل من الصحابة يقال له شويل وذلك أنه لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قصور الحيرة كان شرفها أنياب الكلاب فقال له يا رسول الله هب لي ابنة بقيلة فقال هي لك فلما فتحت ادعاها شويل وشهد له اثنان من الصحابة فامتنعوا من تسليمها إليه وقالوا ما تريد إلى امرأة ابنة ثمانين سنة فقالت لقومها ادفعوني إليه فأني سأفتدى منه وإنه قد رآني وأنا شابة فسلمت إليه فلما خلا بها قالت ما تريد إلى امرأة بنت ثمانين سنة وأنا أفتدى منك فاحكم بما أردت فقال والله لا أفديك بأقل من عشر مائة فاستكثرتها خديعة منها ثم أتت قومها فأحضروا له ألف درهم ولامه الناس وقالوا لو طلبت أكثر من مائة ألف لدفعوها إليك فقال وهل عدد أكثر من عشر مائة وذهب إلى خالد وقال إنما أردت أكثر العدد فقال خالد أردت أمرا وأراد الله غيره وإنا نحكم بظاهر قولك ونيتك عند الله كاذبا أنت أم صادقا وقال سيف بن عمر عن عمرو بن محمد عن الشعبي لما افتتح خالد الحيرة صلى ثمانى ركعات بتسليمة واحدة وقد قال عمرو بن القعقاع في هذه الأيام
ومن قتل من المسلمين بها وأيام الردة
سقى الله قتلى بالفرات مقيمة * وأخرى بأثباج النجاف الكوانف
ونحن وطئنا بالكواظم هرمزا * وبالثنى قرني قارن بالجوارف
ويوم أحطنا بالقصور تتابعت * على الحيرة الروحاء إحدى المصارف
حططناهم منها وقد كان عرشهم * يميل بهم فعل الجبان المخالف
رمينا عليهم بالقبول وقد رأوا * غبوق المنايا حول تلك المحارف
صبيحة قالوا نحن قوم تنزلوا * إلى الريف من أرض العريب المقانف
وقد قدم جرير بن عبد الله البجلي على خالد بن الوليد وهو بالحيرة بعد الوقعات المتعددة والغنائم المتقدم ذكرها ولم يحضر شيئا منها وذلك لأنه كان قد بعثه الصديق مع خالد بن سعيد بن العاص إلى الشام فاستأذن خالد بن سعيد في الرجوع إلى الصديق ليجمع له قومه من بجيلة فيكونوا معه فلما قدم على الصديق فسأله ذلك غضب الصديق وقال أتيتني لتشغلني عما هو أرضى لله من الذي تدعوني إليه ثم سيره الصديق إلى خالد بن الوليد بالعراق قال سيف بأسانيده ثم جاء ابن صلوبا فصالح خالدا على بانقيا وبسما وما حول ذلك على عشرة آلاف دينار وجاءه دهاقين تلك البلاد فصالحوه على بلدانهم وأهاليهم كما صالح أهل الحيرة واتفق في تلك الأيام التي كان قد تمكن بأطراف العراق واستحوذ على الحيرة وتلك البلدان وأوقع بأهل أليس والثنى وما بعدها بفارس ومن ناشب معهم ما أوقع من القتل الفظيع في فرسانهم أن عدت فارس على ملكهم الأكبر أردشير وابنه شيرين فقتلوهما وقتلوا كل من ينسب إليهما وبقيت الفرس حائرين فيمن يولوه أمرهم واختلفوا فيما بينهم غير أنهم قد جهزوا جيوشا تكون حائلة بين خالد وبين المدائن التي فيها إيوان كسرى وسرير مملكته فحينئذ كتب خالد إلى من هنالك من المرازبة والأمراء والدولة يدعوهم إلى الله والى الدخول الى دين الاسلام ليثبت ملكهم عليهم وإلا فليدفعوا الجزية وإلا فليعلموا وليستعدوا لقدومه عليهم بقوم يحبون الموت كما يحبون هم الحياة فجعلوا يعجبون من جرأة خالد وشجاعته ويسخرون من ذلك لحماقتهم ورعونتهم في أنفسهم وقد أقام خالد هنالك بعد صلح الحيرة سنة يتردد في بلاد فارس هاهنا وهاهنا ويوقع بأهلها من البأس الشديد والسطوة الباهرة ما يبهر الأبصار لمن شاهد ذلك ويشنف اسماع من بلغه ذلك ويحير العقول لمن تدبره
*3* فتح خالد للأنبار وتسمى هذه الغزوات ذات العيون
@ ركب خالد في جيوشه فسار حتى انتهى إلى الأنبار وعليها رجل من أعقل الفرس واسودهم في أنفسهم يقال له شيرزاذ فأحاط بها خالد وعليها خندق وحوله أعراب من قومهم على دينهم واجتمع
معهم أهل أرضهم فمانعوا خالدا أن يصل الى الخندق فضرب معهم رأسا ولما تواجه الفريقان أمر خالد أصحابه فرشقوهم بالنبال حتى فقأوا منهم ألف عين فتصايح الناس ذهبت عيون أهل الأنبار وسميت هذه الغزوة ذات العيون فراسل شيرزاذ خالدا في الصلح فاشترط خالد امورا امتنع شيرزاذ من قبولها فتقدم خالد الى الخندق فاستدعي برذايا الاموال من الإبل فذبحها حتى ردم الخندق بها وجاز هو وأصحابه فوقها فلما رأى شيرزاذ ذلك أجاب إلى الصلح على الشروط التي اشترطها خالد وسأله أن يرده إلى مأمنه فوفى له خالد بذلك وخرج شيرزاذ من الأنبار وتسلمها خالد فنزلها واطمأن بها وتعلم الصحابة ممن بها من العرب الكتابة العربية وكان أولئك العرب قد تعلموها من عرب قبلهم وهم بنو إياد كانوا بها في زمان بختنصر حين أباح العراق للعرب وأنشدوا خالدا قول بعض إياد يمتدح قومه
قومي إياد لو أنهم أمم * أو لو أقاموا فتهزل النعم
قوم لهم باحة العراق إذا * ساروا جميعا واللوح والقلم
ثم صالح خالد أهل البوازيج وكلواذي قال ثم نقض اهل الانبار ومن حولهم عهدهم لما اضرابت بعض الأحوال ولم يبق على عهده سوى البوازيج وبانقيا قال سيف عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبي ثابت قال ليس لأحد من أهل السواد عهد قبل الوقعة الا بنو صلوبا وهم أهل الحيرة وكلواذي ذي وقرى من قرى الفرات غدروا حتى دعوا الى الذمة بعد ما غدروا وقال سيف عن محمد بن قيس قلت للشعبي أخذ السواد وعنوة وكل أرض الا بعض القلاع والحصون قال بعض صالح وبعض غالب قلت فهل لأهل السواد ذمة اعتقدوها قبل الحرب قال لا ولكنهم لما دعوا ورضوا بالخراج وأخذ منهم صاروا ذمة
*3* وقعة عين التمر
@ لما استقل خالد بالأنبار استناب عليها الزبرقان بن بدر وقصد عين التمر وبها يومئذ مهران بن بهرام جوبين في جمع عظيم من العرب وحولهم من الأعراب طوائف من النمر وتغلب وإياد ومن لاقاهم وعليهم عقة بن أبي عقة فلما دنا خالد قال عقة لمهران إن العرب أعلم بقتال العرب فدعنا وخالدا فقال له دونكم وإياهم وإن احتجتم إلينا أعناكم فلامت العجم أميرهم على هذا فقال دعوهم فأن غلبوا خالدا فهو لكم وإن غلبوا قاتلنا خالدا وقد ضعفوا ونحن أقوياء فاعترفوا له بفضل الرأي عليهم وسار خالد وتلقاه عقة فلما تواجهوا قال خالد لمجنبتيه احفظوا مكانكم فأني حامل وأمر حماته أن يكونوا من ورائه وحمل على عقة وهو يسوي الصفوف فاحتضنه وأسره وانهزم جيش عقة من غير قتال فأكثروا فيهم الاسر وقصد خالد حصن عين التمر فلما بلغ مهران هزيمة عقة وجيشه نزل من الحصن وهرب وتركه ورجعت فلال نصارى الأعراب إلى الحصن فوجدوه مفتوحا فدخلوه واحتموا به فجاء خالد وأحاط بهم وحاصرهم اشد الحصار فلما رأوا ذلك سألوه الصلح فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه فجعلوا في السلاسل وتسلم الحصن ثم أمر فضربت عنق عقة ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضا أجمعين وغنم جميع ما في ذلك الحصن ووجد في الكنيسة التي به أربعين غلاما يتعلمون الأنجيل وعليهم باب مغلق فكسره خالد وفرقهم في الأمراء وأهل الغناء وكان حمران صار إلى عثمان بن عفان من الخمس ومنهم سيرين والد محمد بن سيرين أخذه أنس بن مالك وجماعة آخرون من الموالي المشاهير أراد بهم وبذراريهم خيرا ولما قدم الوليد بن عقبة على الصديق بالخمس رده الصديق إلى عياض بن غنم مددا له وهو محاصر دومة الجندل فلما قدم عليه وجده في ناحية من العراق يحاصر قوما وهم قد أخذوا عليه الطرق فهو محصور أيضا فقال عياض للوليد إن بعض الرأي خير من جيش كثيف ماذا ترى فيما نحن فيه فقال له الوليد اكتب الى خالد يمدك بجيش من عنده فكتب اليه يستمده فقدم كتابه على خالد عقب وقعة عين التمر وهو يستغيث به فكتب إليه من خالد إلى عياض إياك أريد
لبث قليلا تأتك الحلائب * يحملن آسادا عليها القاشب
كتائب تتبعها كتائب
*3* خبر دومة الجندل
@ لما فرغ خالد من عين التمر قصد إلى دومة الجندل واستخلف على عين التمر عويمر بن الكاهن الأسلمي فلما سمع أهل دومة الجندل بمسيره إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بهراء وتنوخ وكلب وغسان والضجاعم فأقبلوا إليهم وعلى غسان وتنوخ ابن الأيهم وعلى الضجاعم ابن الحدرجان وجماع الناس بدومة إلى رجلين أكيدر بن عبد الملك والجودي بن ربيعة فاختلفا فقال أكيدر أنا أعلم الناس بخالد لا أحد أيمن طائر منه في حرب ولا أحد منه ولا يرى وجه خالد قوم أبدا قلوا أم كثروا إلا انهزموا عنه فأطيعوني وصالحوا القوم فأبوا عليه فقال لن أمالئكم على حرب خالد وفارقهم فبعث إليه خالد عاصم بن عمرو فعارضه فأخذه فلما أتى به خالدا أمر فضربت عنقه وأخذ ما كان معه ثم تواجه خالد وأهل دومة الجندل وعليهم الجودى بن ربيعة وكل قبيلة مع أميرها من الأعراب وجعل خالد دومة بينه وبين جيش عياض بن غنم وافترق جيش الأعراب فرقتين فرقة نحو خالد وحمل خالد على من قبله وحمل عياض على أولئك فأسر خالد الجودي وأسر الاقرع بن حابس وديعة وفرت الأعراب إلى الحصن فملأوه وبقي منهم خلق ضاق عليهم فعطفت بنو تميم على من هو خارج الحصن فأعطوهم ميرة فنجا بعضهم وجاء خالد فضرب أعناق من وجده خارج الحصن وأمر بضرب عنق الجودي ومن كان معه من الاسارى إلا اسارى بني كلب فإن عاصم بن عمرو والأقرع بن حابس وبني تميم أجاروهم فقال لهم خالد مالي ومالكم أتحفظون أمر الجاهلية وتضيعون أمر الاسلام فقال له عاصم بن عمرو أتحسدونهم العافية وتحوذونهم الشيطان ثم أطاف خالد بالباب فلم يزل عنه حتى اقتلعه واقتحموا الحصن فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذراري فبايعوهم بينهم فيمن يزيد واشترى خالد يومئذ ابنة الجودي وكانت موصوفة بالجمال وأقام بدومة الجندل ورد الأقرع إلى الأنبار ثم رجع خالد إلى الحيرة فتلقاه أهلها من أهل الأرض بالتقليس فسمع رجلا منهم يقول لصاحبه مر بنا فهذا يوم فرح الشر
*3* خبر وقعتي الحصيد والمضيح
@ قال سيف عن محمد وطلحة والمهلب قالوا وكان خالد أقام بدومة الجندل فظن الأعاجم به وكاتبوا عرب الجزيرة فاجتمعوا لحربه وقصدوا الأنبار يريدون انتزاعها من الزبرقان وهو نائب خالد عليها فلما بلغ ذلك الزبرقان كتب الى القعقاع بن عمرو نائب خالد على الحيرة فبعث القعقاع أعبد ابن فدكي السعدي وأمره بالحصيد وبعث عروة بن أبي الجعد ابارقي وأمره بالخنافس ورجع خالد من دومة إلى الحيرة وهو عازم على مصادمة أهل المدائن محلة كسرى لكنه يكره أن يفعل ذلك بغير إذن أبي بكر الصديق وشغله ما قد اجتمع من جيوش الأعاجم مع نصارى الأعراب يريدون حربه فبعث القعقاع بن عمرو أميرا على الناس فالتقوا بمكان يقال له الحصيد وعلى العجم رجل منهم يقال له روزبه وأمده أمير آخر يقال له زرمهر فاقتتلوا قتالا شديدا وهزم المشركون فقتل منهم المسلمون خلقا كثيرا وقتل القعقاع بيده زرمهر وقتل رجل يقال له عصمة بن عبد الله الضبي رزوبه وغنم المسلمون شيئا كثيرا وهرب من هرب من العجم فلجأوا إلى مكان يقال له خنافس فسار إليهم أبو ليلى بن فدكي السعدي فلما أحسوا بذلك ساروا إلى المضيح فلما استقروا بها بمن معهم من الأعاجم والأعارب قصدهم خالد بن الوليد بمن معه من الجنود وقسم الجيش ثلاث فرق وأغار عليهم ليلا وهم نائمون فأنامهم ولم يفلت منهم إلا اليسير فما شبهوا إلا بغنم مصرعة وقد روى ابن جرير عن عدي بن حاتم قال انتهينا في هذه الغارة إلى رجل يقال له حرقوص بن النعمان النمري وحوله بنوه وبناته وامرأته وقد وضع لهم جفنة من خمر وهم يقولون أحد يشرب هذه الساعة وهذه جيوش خالد قد أقبلت فقال لهم اشربوا شرب وداع فما ارى أن تشربوا خمرا بعدها فشربوا وجعل يقول
ألا يا اسقياني قبل نائرة الفجر * لعل منايانا قريب ولا ندري
القصيدة إلى آخرها قال فهجم الناس عليه فضرب رجل رأسه فاذا هو في جفنته وأخذت
بنوه وبناته وامرأته وقد قتل في هذه المعركة رجلان كانا قد أسلما ومعهما كتاب من الصديق بالأمان ولم يعلم بذلك المسلمون وهما عبد العزى بن أبي رهم بن قرواش قتله جرير بن عبد الله البجلي والآخر لبيد بن جرير قتله بعض المسلمين فلما بلغ خبرهما الصديق وداهما وبعث بالوصاة بأولادهما وتكلم عمر بن الخطاب في خالد بسببهما كما تكلم فيه بسبب مالك بن نويرة فقال له الصديق كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين وهذا كما في الحديث أنا بريء من كل من ساكن المشرك في داره وفي الحديث الآخر لا ترى نارهما أي لا يجمتع المسلمون والمشركون في محلة واحدة ثم كانت وقعة الثنى والزميل وقد بيتوهم فقتلوا من كان هنالك من الاعراب والأعاجم فلم يفلت منهم أحد ولا انبعث بخبر ثم بعث خالد بالخمس من الأموال والسبي إلى الصديق وقد اشترى علي بن أبي طالب من هذا السبي جارية من العرب وهي ابنة ربيعة بن بجير التغلبي فاستولدها عمر ورقية رضي الله عنهم أجمعين


وقعة الفراض
@ ثم سار خالد بمن معه من المسلمين إلى وقعة الفراض وهي تخوم الشام والعراق والجزيرة فأقام هنالك شهر رمضان مفطرا لشغله بالأعداء ولما بلغ الروم أمر خالد ومضيره إلى قرب بلادهم حموا وغضبوا وجمعوا جموعا كثيرة واستمدوا تغلب وإياد والتمر ثم ناهدوا خالدا فحالت الفرات بينهم فقالت الروم لخالد اعبر إلينا وقال خالد للروم بل اعبروا أنتم فعبرت الروم إليهم وذلك للنصف من ذي القعدة سنة ثنتي عشرة فاقتتلوا هنالك قتالا عظيما بليغا ثم هزم الله جموع الروم وتمكن المسلمون من اقتفائهم فقتل في هذه المعركة مائة ألف وأقام خالد بعد ذلك بالفراض عشرة أيام ثم أذن بالقفول إلى الحيرة لخمس بقين من ذي القعدة وأمر عاصم بن عمرو أن يسير في المقدمة وأمر شجرة بن الأعز أن يسير في الساقة وأظهر خالد أنه يسير في الساقة وسار خالد في عدة من أصحابه وقصد شطر المسجد الحرام وسار إلى مكة في طريق لم يسلك قبله قط ويأتي له في ذلك أمر لم يقع لغيره فجعل يسير متعسفا على غير جادة حتى انتهى الى مكة فأدرك الحج في هذه السنة ثم عاد فأدرك أمر الساقة قبل أن يصلوا الى الحيرة ولم يعلم أحد بحج خالد هذه السنة إلا القليل من الناس ممن كان معه ولم يعلم أبو بكر الصديق بذلك أيضا إلا بعدما رجع أهل الحج من الموسم فبعث يعتب عليه في مفارقته الجيش وكانت عقوبته عنده أن صرفه من غزو العراق إلى غزو الشام وقال له فيما كتب إليه يقول له وإن الجموع لم تشج بعون الله شجيك فليهنئك أبا سليمان النية والحظوة فأتمم يتمم الله لك ولا يدخلنك عجب فتخسر وتخذل وإياك أن تدل بعمل فان الله له المن وهو ولي الجزاء
*3* فصل فيما كان من الحوادث في هذه السنة
@ فيها أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللحاف والعسب وصدور الرجال وذلك بعد ما استحر القتل في القراء يوم اليمامة كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري وفيها تزوج علي بن أبي طالب بأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس الأموي وقد توفي أبوها في هذا العام وهذه هي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة فيضعها إذا سجد ويرفعها إذا قام وفيها تزوج عمر بن الخطاب عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وهي ابنة عمه وكان لها محبا وبها معجبا وكان لا يمنعها من الخروج إلى الصلاة ويكره خروجها فجلس لها ذات ليلة في الطريق في ظلمة فلما مرت ضرب بيده على عجزها فرجعت إلى منزلها ولم تخرج بعد ذلك وقد كانت قبله تحت زيد بن الخطاب فيما قيل فقتل عنها وكانت قبل زيد تحت عبد الله ابن أبي بكر فقتل عنها ولما مات عمر تزوجها بعده الزبير فلما قتل خطبها علي بن أبي طالب فقالت إني أرغب بك عن الموت وامتنعت عن التزوج حتى ماتت وفيها اشترىعمر مولاه أسلم ثم صار منه أن كان أحد سادات التابعين وابنه زيد بن أسلم أحد الثقات الرفعاء وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رواه ابن اسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة عن رجل من بني سهم عن أبي ماجدة قال حج بنا أبو بكر في خلافته سنة ثنتي عشرة فذكر حديثا في القصاص من قطع الأذن وأن عمر حكم في ذلك بأمر الصديق قال ابن اسحاق وقال بعض الناس لم يحج أبو بكر في خلافته وأنه بعث على الموسم السنة ثنتي عشرة عمر بن الخطاب أو عبد الرحمن بن عوف
*3* فصل فيمن توفي في هذه السنة
@ قد قيل إن وقعة اليمامة وما بعدها كانت في سنة ثنتي عشرة فليذكر هاهنا من تقدم ذكره في سنة إحدى عشرة من قتل اليمامة وما بعدها ولكن المشهور ما ذكرناه
*3* بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي
@ والد النعمان بن بشير شهد العقبة الثانية وبدرا وما بعدها ويقال إنه أول من أسلم من الأنصار وهو اول من بايع الصديق يوم السقيفة من الانصار وشهد مع خالد حروبه إلى أن قتل بعين التمر رضي الله عنه وروى له النسائي حديث النحل والصعب بن جثامة الليثي أخو محكم بن جثامة له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قال أبو حاتم هاجر وكان نزل ودان ومات في خلافة الصديق
*3* ابو مرثد الغنوي
@ واسمه معاذ بن الحصين ويقال ابن الحصين بن يربوع بن عمرو بن يربوع بن خرشة بن سعد بن طريف بن خيلان بن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار أبو مرثدالغنوي شهد هو وابنه مرثد بدرا ولم يشهدها رجل هو وابنه سواهما واستشهد ابنه مرثد يوم الرجيع كما تقدم وابن ابنه أنيس بن مرثد بن أبي مرثد له صحبة أيضا شهد الفتح وحنينا وكان عين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أوطاس فهم ثلاثة نسقا وقد كان أبو مرثد حليفا للعباس بن عبد المطلب وروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد انه قال لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها قال الواقدي توفي سنة ثنتي عشرة زاد غيره بالشام وزاد غيره عن ست وستين سنة وكان رجلا طويلا كثير الشعر قلت وفي قبلي دمشق قبر يعرف بقبر كثير والذي قرأته على قبره هذا قبر كناز بن الحصين صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت على ذلك المكان روحا وجلالة والعجب أن الحافظ ابن عساكر لم يذكره في تاريخ الشام فالله أعلم
*3* وممن توفي في هذه السنة ابو العاص بن الربيع
@ ابن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي العبشمي زوج أكبر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب وكان محسنا إليها ومحبا لها ولما أمره المسلمون بطلاقها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى عليهم ذلك وكان ابن أخت خديجة بنت خويلد واسم أمه هالة ويقال هند بنت خويلد واختلف في اسمه فقيل لقيط وهو الأشهر وقيل مهشم وقيل هشيم وقد شهد بدرا من ناحية الكفار فأسر فجاء أخوه عمرو بن الربيع ليفاديه وأحضر معه الفداء قلادة كانت خديجة أخرجتها مع ابنتها زينب حين تزوج أبو العاص بها فلما رآها رسول الله رق لها رقة شديدة وأطلقه بسببها واشترط عليه أن يبعث له زينب إلى المدينة فوفى له بذلك واستمر أبو العاص على كفره بمكة إلى قبيل الفتح بقليل فخرج في تجارة لقريش فاعترضه زيد بن حارثة في سرية فقتلوا جماعة من أصحابه وغنموا العير وفر أبو العاص هاربا إلى المدينة فاستجار بامرأته زينب فأجارته فأجاز رسول الله جوارها ورد عليه ما كان معه من أموال قريش فرجع بها أبو العاص إليهم فرد كل مال إلى صاحبه ثم تشهد شهادة الحق وهاجر إلى المدينة ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بالنكاح الأول وكان بين فراقها له وبين اجتماعها ست سنين وذلك بعد سنتين من وقت تحريم المسلمات على المشركين في عمرة الحديبية وقيل إنما ردها عليه بنكاح جديد فالله أعلم وقد ولد له من زينب علي بن أبي العاص وخرج مع علي إلى اليمن حين بعثه إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه خيرا في صهارته ويقول حدثني فصدقني وواعدني فوفاني وقد توفي في أيام الصديق سنة ثنتي عشرة وفي هذه السنة تزوج علي بن أبي طالب بابنته أمامة بنت أبي العاص بعد وفاة خالتها فاطمة وما أدري هل كان ذلك قبل وفاة أبي العاص أو بعده فالله أعلم تم الجزء السادس من البداية والنهاية ويلية الجزء السابع وأوله سنة ثلاث عشرة من الهجرة النبوية نسأل الله التوفيق والأعانة

يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:45 AM
سنة ثلاث عشرة من الهجرة
@ استهلت هذه السنة والصديق عازم على جمع الجنود ليبعثهم الى الشام وذلك بعد مرجعه من الحج عملا بقوله تعالى يا ايها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا ان الله مع المتقين وبقوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر الآية واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فانه جمع المسلمين لغزو الشام وذلك عام تبوك حتى وصلها في حر شديد وجهد فرجع عامه ذلك ثم بعث قبل موته اسامة بن زيد مولاه ليغزو تخوم الشام كما تقدم ولما فرغ الصديق من امر جزيرة العرب بسط يمينه الى العراق فبعث اليها خالد بن الوليد ثم اراد ان يبعث الى الشام كما بعث الى العراق فشرع في جمع الامراء في اماكن متفرقة من جزيرة العرب وكان قد استعمل عمرو بن العاص على صدقات قضاعة معه الوليد بن عقبة فيهم فكتب اليه يستنفره الى الشام اني كنت قد رددتك على العمل الذي ولاكه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وسماه لك اخرى وقد احببت ابا عبدالله ان افرغك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه الا ان يكون الذي انت فيه احب اليك فكتب اليه عمرو بن العاص اني سهم من سهام الاسلام وانت عبد الله الرامي بها والجامع لها فانظر اشدها واخشاها فارم بي فيها وكتب الى الوليد بن عقبة
بمثل ذلك ورد عليه مثله واقبلا بعدما استخلفا في عملهما الى المدينة وقدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة وعليه جبة ديباج فلما رآها عمر عليه امر من هناك من الناس بتحريقها عنه فغضب خالد بن سعيد وقال لعلي بن ابي طالب يا ابا الحسن اغلبتم يا بني عبدمناف عن الامرة فقال له علي امغالبة تراها او خلافة فقال لا يغالب على هذا الامر اولى منكم فقال له عمر بن الخطاب اسكت فض الله فاك والله لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر الا نفسك وابلغها عمر ابا بكر فلم يتأثر لها ابو بكر ولما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما اراد قام في الناس خطيبا فاننى على الله بما هو اهله ثم حث الناس على الجهاد فقال الا لكل امر جوامع فمن بلغها فهي حسبه ومن عمل الله كفاه الله عليكم بالجد والقصد فان القصد ابلغ الا انه لا دين لاحد لا ايمان له ولا ايمان لمن خشيه له ولا عمل لمن لا نية له الا وان في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم ان يحب ان يخص به هي النجاة التي دل الله عليها اذ نجى بها من الخزي والحق بها الكرامة
ثم شرع الصديق في تولية الامراء وعقد الالوية والرايات فيقال ان اول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه وذكره بما قال فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر بل عزله عن الشام وولاه ارض تيماء يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه امره ثم عقد لواء يزيد بن ابي سفيان ومعه جمهور من الناس ومعه سهيل بن عمرو واشباهه من اهل مكة وخرج معه ماشيا يوصيه بما اعتمده في حربه ومن معه من المسلمين وجعل له دمشق وبعث ابا عبيدة بن الجراح على جند آخر وخرج معه ماشيا يوصيه وجعل له نيابة حمص وبعث عمرو بن العاص ومعه جند آخر وجعله على فلسطين وامر كل امير ان يسلك طريقا غير طريق الآخر لما لحظ في ذلك تداخل من المصالح وكان الصديق اقتدى في ذلك بنبي الله يعقوب حين قال لبنيه يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من ابواب متفرقة وما اغنى عنكم من الله من شىء ان الحكم الا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون فكان سلوك يزيد بن ابي سفيان على تبوك فال المدائني باسناده عن شيوخه قالوا وكان بعث ابي بكر هذه الجيوش في اول سنة ثلاث عشرة قال محمد بن اسحاق عن صالح بن كيسان خرج ابو بكر ماشيا ويزيد بن ابي سفيان راكبا فجعل يوصيه فلما فرغ قال اقرئك السلام واستودعك الله ثم انصرف ومضى يزيد واجد السير ثم تبعه شرحبيل بن حسنة ثم ابو عبيدة مددا لهما فسلكوا غير ذلك الطريق وخرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من ارض الشام ويقال ان يزيد بن ابي سفيان نزل البلقاء اولا ونزل شرحبيل بالاردن ويقال ببصرى ونزل ابو عبيدة بالجابية وجعل الصديق يمدهم بالجيوش وامر كل
واحد منهم ان ينضاف الى من احب من الامراء ويقال ان ابا عبيدة لما مر بارض البلقاء قاتلهم حتى صالحوه وكان اول صلح وقع بالشام
ويقال ان اول حرب وقع بالشام ان الروم اجتمعوا بمكان يقال له العرية من ارض فلسطين فوجه اليهم ابا امامة في سرية فقتلهم وغنم منهم وقتل منهم بطريقا عظيما ثم كانت بعد هذه وقعة مرج الصفراء استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاص وجماعة من المسلمين ويقال ان الذي استشهد في مرج الصفراء ابن لخالد بن سعيد واما هو ففر حتى انحاز الى ارض الحجاز فالله اعلم حكاه ابن جرير قال ابن جرير ولما انتهى خالد بن سعيد الى تيماء اجتمع له جنود من الروم في جمع كثير من نصارى العرب من غيرا وتنوخ وبني كلب وسليح ولخم وجذام وغسان فتقدم اليهم خالد بن سعيد فلما اقترب منهم تفرقوا عنه ودخل كثير منهم في الاسلام وبعث الى الصديق يعلمه بما وقع من الفتح فامره الصديق ان يتقدم ولا بحجم وامده بالوليد بن عتبة وعكرمة بن ابي جهل وجماعة فسار الى قريب من ايلياء فالتقى هو وامير من الروم يقال له ماهان فكسره ولجأ ماهان الى دمشق فلحقه خالد بن سعيد وبادر الجيوش الى لحوق دمشق وطلب الحظوة فوصلوا الى مرج الصفراء فانطوت عليه مسالح ماهان واخذوا عليهم الطريق وزحف ماهان ففر خالد بن سعيد فلم يرد الى ذى المروة واستحوذ الروم على جيشهم الا من فر على الخيل وثبت عكرمة بن ابي جهل وقد تقهقر عن الشام قريبا وبقي رداءا لمن نفر اليه واقبل شرحبيل بن حسنة من العراق من عند خالد بن الوليد الى الصديق فأمره على جيشه وبعثه الى الشام فلما مر بخالد بن سعيد بذي المروة اخذ جمهور اصحابه الذين هربوا معه الى ذي المروة ثم اجتمع عند الصديق طائفة من الناس فأمر عليهم معاوية بن ابي سفيان وارسله وراء اخيه زيد بن ابي سفيان ولما مر بخالد بن سعيد اخذ من كان بقي معه بذى المروة الى الشام ثم اذن الصديق لخالد بن سعيد في الدخول الى المدينة وقال كان عمر اعلم بخالد
*3* وقعة اليرموك
@ على ما ذكره سيف بن عمر في هذه السنة قبل فتح دمشق وتبعه على ذلك ابو جعفر بن جرير رحمه الله واما الحافظ ابن عساكر رحمه الله فانه نقل عن يزيد بن ابي عبيدة والوليد وابن لهيعة والليث وابي معشر انها كانت في سنة خمسة عشرة بعد فتح دمشق وقال محمد بن اسحاق كانت في رجب سنة خمس عشرة وقال خليفة بن خياط قال ابن الكلبي كانت وقعة اليرموك يوم الاثنين لخمس مضين من رجب سنة خمس عشرة قال ابن عساكر وهذا هو المحفوظ واما ما قاله سيف من انها قبل فتح دمشق سنة ثلاث عشرة فلم يتابع عليه
قلت وهذا ذكر سياق سيف وغيره على ما اورده ابن جرير وغيره قال ولما توجهت هذه الجيوش نحو الشام افزع ذلك الروم وخافوا خوفا شديدا وكتبوا الى هرقل يعلمونه بما كان من الامر فيقال انه كان يومئذ بحمص ويقال كان حج عامه ذلك الى بيت المقدس فلما انتهى اليه الخبر قال لهم ويحكم ان هؤلاء اهل دين جديد وانهم لاقبل الاحد بهم فأطيعوني وصالحوهم بما تصالحونهم على نصف خراج الشام ويبقى لكم جبال الروم وان أنتم ابيتم ذلك اخذوا منكم الشام وضيقوا عليكم جبال الروم فنخروا من ذلك نخرة حمر الوحش كما هي عاداتهم في قلة المعرفة والرأي بالحرب والنصرة في الدين والدنيا فعند ذلك سار الى حمص وامر هرقل بخروج الجيوش الرومية صحبة الامراء في مقابلة كل امير من المسلمين جيش كثيف فبعث الى عمرو بن العاص اخا له لأبويه تذارق في تسعين ألفا من المقاتلة وبعث جرجه بن بوذيها الى ناحية يزيد بن ابي سفيان فعسكر بارائه في خمسين الفا او ستين الفا وبعث الدارقص الى شرحبيل بن حسنة وبعث اللقيقار ويقال القيقلان قال ابن اسحاق وهو خصي هرقل نسطورس في ستين الفا الى ابي عبيدة بن الجراح وقالت الروم والله لنشغلن ابا بكر عن ان يورد الخيول الى ارضنا وجميع عساكر المسلمين احد وعشرون الفا سوىالجيش الذي مع عكرمة بن ابي جهل وكان واقفا في طرف الشام ردءا للناس في سنة آلاف فكتب الامراء الى ابو بكر وعمر يعلمونهما بما وقع من الامر العظيم فكتب اليهم ان اجتمعوا وكونوا جندا واحدا والقواد جنود المشركين فانتم انصار الله والله ينصر من نصره وخاذل من كفره ولن يؤتى مثلكم عن قلة ولكن من تلقاء الذنوب فاحترسوا منها وليصل كل رجل منكم باصحابه وقال الصديق والله لاشغلن النصارى عن وساوس الشيطان بخالد بن الوليد وبعث اليه وهو بالعراق ليقدم الى الشام فيكون الامير على من به فاذا فرغ عاد الى عمله بالعراق فكان ما سنذكره ولما بلغ هرقل ما امر به الصديق امراءه من الاجتماع بعث الى امرائه ان يجتمعوا ايضا وان ينزلوا بالجيش منزلا واسع العطن واسع المطرد ضيق المهرب وعلى الناس اخوه بندارق وعلى المقدمة جرجه وعلى المجنبتين ماهان والدارقص وعلى البحر القيقلان
وقال محمد بن عائد عن عبدالاعلى عن سعيد بن عبدالعزيز ان المسلمين كانوا اربعة وعشرين الفا وعليهم ابو عبيدة والروم كانوا عشرين ومائة الف عليهم ماهان وسقلاب يوم اليرموك وكذا ذكر ابن اسحاق ان سقلاب الخصي كان على الروم يومئذ في مائة الف وعلى المقدمة جرجه من ارمينية في اثني عشر الفا ومن المستعربة اثني عشر الفا عليهم جبلة بن الأيهم والمسلمون في اربعة وعشرين الفا فقاتلوا قتالا شديدا حتى قاتلت النساء من ورائهم اشد القتال وقال الوليد
عن صفوان عن عبدالرحمن بن جبير قال بعث هرقل مائتي الف عليهم ماهان الارمني قال سيف فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك وصار الوادي خندقا عليهم وبعث الصحابة الى الصديق يستمدونه ويعلمونه أن يستنيب على العراق وأن يقفل بمن معه إلى الشام فإذا وصل اليهم فهو الامير بما اجتمع من جيش الروم باليرموك فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد عليهم فاستناب المثنى بن الحارثة على العراق وسار خالد مسرعا في تسعة آلاف وخمسمائة ودليله رافع بن عميرة الطائي فاخذ به على السماق حتى انتهى الى قراقر وسلك به اراضي لم يسلكها قبله احد فاجتاب البراري والقفار وقطع الاودية وتصعد على الجبال وسار في غير مهيع وجعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق وهو في مفاوز معطشة وعطش النوق وسقاها الماء عدلا بعد نهل وقطع مشارفها وكعمها حتى لا تحتز رحل ادبارها ويقال بل سقاه الخيل وشربوا ما كانت تحمله من الماء واكلوا لحومها واستاقها معه فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء ووصل ولله الحمد والمنة في خمسة ايام فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح اهل تدمر واركه ولما مر بعذراء اباحها وغنم لغسان اموالا عظيمة وخرج من شرقي دمشق ثم سار حتى وصل الى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها اليه فكانت اول مدينة فتحت من الشام ولله الحمد
وبعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني الى الصديق ثم سار خالد وابو عبيدة ومرثد وشرحبيل الى عمرو بن العاص وقد قصده الروم بأرض العربا من المعور فكانت واقعة اجنادين وقد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد
لله عينا رافع انى اهتدى * فوز من قراقر الى نوى
خمسا اذا ماسارها الجيش بكى * ما سارها قبلك انسي ارى
وقد كان بعض العرب قال له في هذا المسير ان انت اصبحت عن الشجرة الفلانية نجوت انت ومن معك وان لم تدركها هلكت انت ومن معك فسار خالد بمن معه وسروا سروة عظيمة فاصبحوا عندها فقال خالد عند الصباح يحمد القوم السرى فارسلها مثلا وهو اول من قالها رضى الله عنه ويقول ابن اسحاق كسيف بن عمر وابي نحيف وغيرهما في تكميل السياق الاول حين اجتمعت الروم قريبا من الروم في طريقهم الذي ليس لهم طريق غيره فقال عمرو بن العاص ابشروا مع أمرائها بالواقوصة وانتقل الصحابة من منزلهم الذي كانوا فيه فنزلوا ايها الناس فقد حصرت والله الروم وقلما جاء محصور بخير ويقال ان الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير الى الروم جلس الامراء لذلك فجاء ابو سفيان فقال ما كنت اظن اني اعمر حتى ادرك
قوما يجتمعون لحرب ولا احضرهم ثم اشار ان يتجزأ الجيش ثلاثة اجزاء فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم ثم تسير الاثقال والذرارى في الثلث الآخر ويتأخر خالد يالثلث الآخر حتى اذا وصلت الاثقال الى اولئك سار بعدهم ونزلوا في مكان تكون البريه من وراء ظهورهم لتصل اليهم البرد والمدد فامتثلوا ما اشار به ونعم الرأي هو
وذكر الوليد عن صفوان عن عبدالرحمن بن جبير ان الروم نزلوا فيما بين دير ايوب واليرموك ونزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر واذرعات خلفهم ليصل اليهم المدد من المدينة
ويقال ان خالدا انما قدم عليهم بعدما نزل الصحابة تجاه الروم بعدما صابروهم وحاصروهم شهر ربيع الاول بكماله فلما انسلخ وامكن القتال لقلة الماء بعثوا الى الصديق يستمدونه فقال خالد لها فبعث الى خالد فقدم عليهم في ربيع الاخر فعند وصول خالد اليهم اقبل ماهان مددا للروم ومعه القساقسة والشمامسة والرهبان يحثونهم ويحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية فتكامل جيش الروم اربعون ومائتا الف وثمانون الفا مسلسل بالحديد والحبال وثمانون الفا فارس وثمانون الفا راجل
قال سيف وقيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفرون ثلاثين الفا فالله اعلم
قال سيف وقدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة وثلاثين الفا الى الاربعين الفا
وعند ابن اسحاق والمدايني ايضا ان وقعة اجنادين قبل وقعة اليرموك وكانت واقعة اجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الاولى سنة ثلاث عشرة وقتل بها بشر كثير من الصحابة وهزم الروم وقتل اميرهم القيقلان وكان قد بعث رجلا من نصارى العرب يجس له امر الصحابة فلما رجع اليه قال وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار والله لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه او زنى لرجموه فقال له القيقلان والله لئن كنت صادقا لبطن الارض خير من ظهرها وقال سيف بن عمر في سياقه ووجد خالد الجيوش متفرقة فجيش ابي عبيدة وعمرو بن العاص ناحية وجيش يزيد وشرحبيل ناحية فقام خالد في الناس خطيبا فأمرهم بالاجتماع ونهاهم عن التفرق والاختلاف فاجتمع الناس وتصافوا مع عدوهم في اول جمادى الآخرة وقام خالد بن الوليد في الناس فحمد الله واثنى عليه وقال ان هذا يوم من ايام الله لا ينبغي فيه الفخر ولا البغى اخلصوا جهادكم واريدوا الله بعملكم وان هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم الى خندقهم فلا نزال نردهم وان هزمونا لا نفلح بعدها ابدا فتعالوا فلنتعاور الامارة فليكن عليها بعضنا اليوم والآخر غدا والآخر بعد غد حتى يتأمر كلكم ودعوني اليوم اليكم فامروه عليهم وهم يظنون ان الامر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم
ير مثلها قبلها قط وخرج خالد في تعبئة لم تعيها العرب من قبل ذلك فخرج في ستة وثلاثين كردوسا الى الأربعين كل كردوس الف رجل عليهم امير وجعل ابا عبيدة في القلب وعلى الميمنة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة وعلى الميسرة يزيد بن ابي سفيان وامر على كل كردوس اميرا وعلى الطلائع قباب بن اشيم وعلى الاقباض عبدالله بن مسعود والقاضي يومئذ ابو الدرداء وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال ابو سفيان بن حرب وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد المقداد بن الاسود
وذكر اسحاق بن يسار باسناده ان امراء الارباع يومئذ كانوا اربعة ابو عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن ابي سفيان وخرج الناس على راياتهم وعلى الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة نفاثة بن اسامة الكناني وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن ابي وقاص وعلى الخيالة خالد بن الوليد وهو المشير في الحرب الذي يصدر الناس كلهم عن رأيه ولما اقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت اقطار تلك البقعة سهلها ووعرها كانهم غمامة سوداء يصيحون باصوات مرتفعة ورهبانهم يتلون الانجيل ويحثونهم على القتال وكان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه الى ابي عبيدة فقال له اني مشير بامر فقال قل امرك الله اسمع لك واطيع فقال له خالد ان هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها وانى اخشى على الميمنة والميسرة وقد رايت ان افرق الخيل فرقتين واجعلها وراء الميمنة والميسرة حتى اذا صدموهم كانوا لهم ردءا فناتيهم من ورائهم فقال له نعم ما رايت فكان خالد في احد الخيلين من وراء الميمنة وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الاخرى وامر ابا عبيدة ان يتاخر عن القلب الى وراء الجيش كله لكي اذا رآه المنهزم استحى منه ورجع الى القتال فجعل ابو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد احد العشر رضى الله عنهم وساق خالد الى النساء من وراء الجيش ومعهن عدد من السيوف وغيرها فقال لهن من رايتموه موليا فاقتلنه ثم رجع الى موقفه رضي الله عنه
ولما تراءى الجمعان وتبارز الفريقان وعظ ابو عبيدة المسلمين فقال عباد الله انصروا الله ينصركم ويثبت اقدامك يا معشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر مرضاة للرب ومدحضة للعا ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا اليهم خطوة ولا تبدأوهم بالقتال وشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله في انفسكم حتى آمركم ان شاء الله تعالى قالوا وخرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم ويقول يا اهل القرآن ومتحفظي الكتاب وانصار الهدى والحق ان رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة الا الصادق المصدق الم تسمعوا لقول الله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الارض كما استخلف
الذين من قبلهم الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم ان يراكم فرارا من عدوكم وانتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه ولا عز بغيره
وقال عمرو بن العاص يا ايها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الركب واشرعوا الرماح فاذا حملوا عليكم فامهلوهم حتى اذا ركبوا اطراف الاسنة فثبوا اليهم وثبة الاسد فوالذي يرضى الصدق ويثيب عليه ويمقت الكذب ويجزي بالاحسان احسانا لقد سمعت ان المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهلوكم جموعهم ولا عددهم فانكم لو صدقتموهم الشد تطايروا تطاير اولاد الحجل
وقال ابو سفيان يا معشر المسلمين انتم العرب وقد اصبحتم في دار العجم منقطعين عن الاهل نائين عن امير المؤمنين وامداد المسلمين وقد والله اصبحتم بازاء عدو كثير عدده شديد عليكم حنقه وقد وترتموهم في انفسهم وبلادهم ونسائهم والله لا ينجيكم من هؤلاء القوم ولا يبلغ بكم رضوان الله غدا الا بصدق اللقاء والصبر في المواطن المكروهة الا وانها سنة لازمة وان الارض ورائكم بينكم وبين امير المؤمنين وجماعة المسلمين صحارى وبراري ليس لاحد فيها معقل ولا معدل الا الصبر ورجاء ما وعد لله فهو خير معول فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا ولتكن هي الحصون ثم ذهب الى النساء فوصاهم ثم عاد فنادى يا معاشر اهل الاسلام حضر ما ترون فهذا ارسول الله والجنة امامكم والشيطان والنار خلفكم ثم سار الى موقفه رحمه الله
وقد وعظ الناس ابو هريرة ايضا فجعل يقول سارعوا الى الحور العين وجوار ربكم عز وجل في جنات النعيم ما انتم الى ربكم في موطن بأحب اليه منكم في مثل هذا الموطن الا وان للصابرين فضلهم قال سيف بن عمر اسناده عن شيوخه انهم قالوا كان في ذلك الجمع الف رجل من الصحابة منهم مائة من اهل بدر وجعل ابو سفيان يقف على كل كردوس ويقول الله الله انكم دارة العرب وانصار الاسلام وانهم دارة الروم وانصار الشرك اللهم ان هذا يوم من ايامك اللهم انزل نصرك على عبادك قالوا ولما اقبل خالد من العراق قال رجل من نصارى العرب لخالد بن الوليد ما اكثر الروم واقل المسلمين فقال خالد ويلك اتخوفني بالروم انما تكثر الجنود بالنصر وتقل بالخذ لا بعدد الرجال والله لوددت ان الاشقر برا من توجعه وانهم اضعفوا في العدد وكان فرسه قد حفا واشتكى في مجيئه من العراق ولما تقارب الناس تقدم ابو عبيدة ويزيد بن ابي سفيان ومعهما ضرار بن الازور والحارث بن هشام وابو جندل بن سهيل ونادوا انما نريد اميركم لنجتمع به فاذن لهم في الدخول على تذارق واذا هو جالس في خيمة من حرير فقال الصحابة لا نستحل دخولها فامر لهم بفرش بسط من حرير فقالوا ولا نجلس على هذه فجلس معهم حيث
احبوا وتراضوا على الصلح ورجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم الى الله عز وجل فلم يتم ذلك
وذكر الوليد بن مسلم ان ماهان طلب خالدا ليبرز اليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم فقال ماهان انا قد علمنا ان ما اخرجكم من بلادكم الجهد والجوع فهلموا الى أن اعطي كل رجل منكم عشرة دنانير وكسوة وطعام وترجعون الى بلادكم فاذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها فقال خالد انه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت غير انا قوم نشرب الدماء وانه بلغنا ان لا دم اطيب من دم الروم فجئنا لذلك فقال اصحاب ماهان هذا والله ما كنا نحدث به العرب
قالوا ثم تقدم خالد الى عكرمة بن ابي جهل والقعقاع بن عمرو وهما على مجنبتي القلب ان ينشئا القتال فبدرا يرتجزان ودعوا الى البراز وتنازل الابطال وتجاولوا وحمى الحرب وقامت على ساق هذا خالد مع كردوس من الحماة الشجعان الابطال بين يدي الصفوف والابطال يتصاولون من الفريقين بين يديه وهو ينظر ويبعث الى كل قوم من اصحابه بما يعتمدونه من الافاعيل ويدبر امر الحرب اتم تدبير
وقال اسحاق بن بشير عن سعيد بن عبدالعزيز عن قدماء مشايخ دمشق قالوا ثم زحف ماهان فخرج ابو عبيدة وقد جعل على الميمنة معاذ بن جبل وعلى الميسرة قباب بن اشيم الكناني وعلى الرجالة هاشم بن عتبة بن ابي وقاص وعلى الخيل خالد بن الوليد وخرج الناس على راياتهم وسار ابو عبيدة بالمسلميين وهو يقول عباد الله انصرو الله ينصركم ويثبت اقدامكم يا معاشر المسلمين اصبروا وصابروا فان الصبر منجاة من الكفر ومرضاة للرب ومدحضة للعار ولا تبرحوا مصافكم ولا تخطوا اليهم خطوة ولا تبدؤوهم بالقتال واشرعوا الرماح واستتروا بالدرق والزموا الصمت الا من ذكر الله وخرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم ويقول يا أهل القرآن ومستحفظي الكتاب وانصار الهدى والحق ان رحمة الله لا تنال وجنته لا تدخل بالاماني ولا يؤتى الله المغفرة والرحمة الواسعة الا للصادق المصدق الم تسمعوا لقول الله عز وجل وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات الى لآآخر الآية فاستحيوا رحمكم الله من ربكم ان يراكم فرارا من عدوكم وانتم في قبضته وليس لكم ملتحد من دونه وسار عمرو بن العاص في الناس وهو يقول ايها المسلمون غضوا الابصار واجثوا على الراكب واشرعوا الرماح فاذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى اذا ركبو اطراف الاسنة فثبوا وثبة الأسد فوالذي يرضى الصدق ويثيت عليه ويمقت الكذب ويجزي الاحسان احسانا لقد سمعت ان المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا وقصرا قصرا فلا يهولنكم جموعهم ولا عددهم فانكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير اولاد الحجل ثم تكلم ابو سفيان فاحسن وحث على القتال فابلغ في كلام طويل ثم قال حين تواجه الناس يا معشر اهل
الاسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة امامكم والشيطان والنار خلفكم وحرض ابو سفيان النساء وقال من رايتنه فارا فاضربنه بهذه الاحجار والعصي حتى يرجع
واشار خالد ان يقف في القلب سعيد بن زيد وان يكون ابو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم وقسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة وفرقة وراء الميسرة لئلا يفر الناس وليكونوا ردءا لهم من ورائهم فقال له اصحابه افعل ما اراك الله وامتثلوا ما اشار به خالد رضى الله عنه واقبلت الروم رافعة صلبانها ولهم اصوات مزعجة كالرعد والقساقسة والبطارقة تحرضهم على القتال وهم في عدد وعدد لم ير مثله فالله المستعان وعليه التكلان
وقد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام وهو افضل من هناك من الصحابة وكان من فرسان الناس وشجعانهم فاجتمع اليه جماعة من الابطال يومئذ فقالوا الا تحمل فنحمل معك فقال انكم لا تثبتون فقالوا بلى فحمل وحملوا فلما واجهوا صفوف الروم احجموا واقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر وعاد الى اصحابه ثم جاؤوا اليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى وجرح يومئذ جرحين بين كتفيه وفي رواية جرح وقد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه وجعل معاذ بن جبل كلما سمع اصوات القسيسين والرهبان يقول اللهم زلزل اقدامهم وارعب قلوبهم وانزل علينا السكينة والزمنا كلمة التقوى وحبب الينا اللقاء وارضنا بالقضاء وخرج ماهان فامر صاحب الميسرة وهو الدبريجان وكان عدو الله متنسكا فيهم فحمل على الميمنة وفيها الأزد ومذحج وحضرموت وخولان فثبتوا حتى صدقوا اعداء الله ثم ركبهم من الروم امثال الجبال فزال وثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم وانكشف زبيد ثم تنادوا المسلمون من الميمنة الى ناحية القلب وانكشف طائفة من الناس إلى العسكر فتراجعوا وحملوا حتى نهنهوا من امامهم من الروم واشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس واستقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب والحجارة وجعلت خولة بنت ثعلبة تقول
يا هاربا عن نسوة تقيات * فعن قليل ما ترى سبيات
ولا حصيات ولا رضيات
قال فتراجع الناس الى مواقفهم وقال سيف بن عمر عن ابي عثمان العساني عن ابيه قال قال عكرمة بن ابي جهل يوم اليرموك قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وافر منكم اليوم ثم نادى من يبايع على الموت فبايعه عمه الحارث بن هشام وضرار بن الازور في اربعمائة من وجوه المسلمين
وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى اثبتوا جميعا جراحا وقتل منهم خلق منهم ضرار بن الازور رضى الله عنهم وقد ذكر الواقدي وغيره انهم لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجىء اليهم بشربة ماء فلما اقتربت الى احدهم نظر اليه الآخر فقال ادفعها اليه فلما دفعت اليه نظر اليه الآخر فقال ادفعها اليه فتدافعوها كلهم من واحد الى واحد حتى ماتوا جميعا ولم يشربها احد منهم رضى الله عنهم اجمعين
ويقال ان اول من قتل من المسلمين يومئذ شهيدا رجل جاء الى ابو عبيدة فقال اني قد تهيأت لأمري فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم تقرئه السلام وتقول يا رسول الله انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا قال فتقدم هذا الرجل حتى قتل رحمه الله قالوا وثبت كل القوم على رايتهم حتى صارت الروم تدور كانها الرحا فلم تر يوم اليرموك الا مخا ساقطا ومعصما نادرا وكفا طائرة من ذلك الموطن ثم حمل خالد بمن معه من الخيالة على الميسرة التى حملت على ميمنة المسلمين فازالوهم الى القلب فقتل من الروم في حملته هذه ستة آلاف منهم ثم قال والذي نفسي بيده لم يبق عندهم من الصبر والجلد غير ما رايتم واني لارجو ان يمنحكم الله اكتافهم ثم اعترضهم فحمل بمائة فارس معه على نحو من مائة الف فما وصل اليهم حتى انفض جمعهم وحمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد فانكشفوا وتبعهم المسلمون لا يمتنعون منهم
قالوا وبينما هم في جولة الحرب وحومة الوغى والابطال يتصاولون من كل جانب اذ قدم البريد من نحو الحجاز فدفع الى خالد بن الوليد فقال له ما الخبر فقال له فيما بينه وبينه ان الصديق رضى الله عنه قد توفي واستخلف عمر واستناب على الجيوش ابا عبيدة عامر بن الجراح فاسرها خالد ولم يبد ذلك للناس لئلا يحصل ضعف ووهن في تلك الحال وقال له الناس يسمعون احسنت واخذ منه الكتاب فوضعه في كنانته واشتغل بما كان فيه من تدبير الحرب والمقاتلة واوقف الرسول الذي جاء بالكتاب وهو منجمة بن زنيم الى جانبه كذا ذكره ابن جرير باسانيده
قالوا وخرج جرحه احد الامراء الكبار من الصف واستدعى خالد بن الوليد فجاء اليه حتى ختلفت اعناق فرسيهما فقال جرجه يا خالد اخبرني فاصدقنى ولا تكذبني فان الحر لا يكذب ولا تخادعني فان الكريم لا يخادع المسترسل بالله هل انزل الله على نبيكم سيفا من السماء فاعطاكه فلا تسله على احد الا هزمتهم قال لا قال فبم سميت سيف الله قال ان الله بعث فينا نبيه فدعانا فنفرنا ومنه وناينا عنه جميعا ثم ان بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا كذبه وباعده فكنت فيمن كذبه وباعده ثم ان الله اخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به وبايعناه فقال لي انت سيف من
سيوف الله سله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فانا من اشد المسلمين على المشركين
فقال جرجه يا خالد الى ما تدعون قال الى شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله والاقرار بما جاء به من عند الله عز وجل قال فمن لم يجبكم قال فالجزية ونمنعهم قال فان لم يعطها قال نؤذنه بالحرب ثم نقاتله قال فما منزلة من يجيبكم ويدخل في هذا الامر اليوم قال منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا شريفنا ووضيعنا واولنا واخرنا قال جرجه فلمن دخل فيكم اليوم من الاجر مثل ما لكم من الاجر والذخر قال نعم وافضل قال وكيف يساويكم وقد سبقتموه فقال خالد انا قبلنا هذا الامر عنوة وبايعنا نبينا وهو حي بين اظهرنا تاتيه اخبار السماء ويخبرنا بالكتاب ويرينا الايات وحق لمن راى ما راينا وسمع ما سمعنا ان يسلم ويبايع وانكم انتم لم تروا ما راينا ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحجج فمن دخل في هذا الامر منكم بحقيقة ونية كان افضل منا فقال جرجه بالله لقد صدقتني ولم تخادعني قال تالله لقد صدقتك وان الله ولي ما سالت عنه فعند ذلك قلب جرجه الترس ومال مع خالد وقال علمنى الاسلام فمال به خالد الى فسطاطه فسن عليه قربة من ماء ثم صلى به ركعتين وحملت الروم مع انقلابه الى خالد وهم يرون انها منه حملة فازالوا المسلمين عن مواقفهم الا المحامية عليهم عكرمة بن ابي جهل والحرث بن هشام فركب خالد وجرجه معه والروم خلال المسلمين فتنادى الناس وثابوا وتراجعت الروم الى مواقفهم وزحف خالد بالمسلمين حتى تصافحوا بالسيوف فضرب فيهم خالد وجرجه من لدن ارتفاع النهار الى جنوح الشمس للغروب وصلى المسلمون صلاة الظهر وصلاة العصر ايماء واصيب جرجه رحمه الله ولم يصل لله الا تلك الركعتين مع خالد رضي الله عنهما وضعضعت الروم عند ذلك ثم نهد خالد بالقلب حتى صار في وسط خيول الروم فعند ذلك هربت خيالتهم واسندت بهم في تلك الصحراء وافرج المسلمون بخيولهم حتى ذهبوا واخر الناس صلاتي العشاءين حتى استقر الفتح وعمد خالد الى رحل الروم وهم الرجالة ففصلوهم حتى آخرهم حتى صاروا كانهم حائط قد هدم ثم تبعوا من فر من الخيالة واقتحم خالد عليهم خندقهم وجاء الروم في ظلام الليل الى الواقوصة فجعل الذين تسلسلوا وقيدوا بعضهم ببعض اذا سقط واحد منهم سقط الذين معه قال ابن جرير وغيره فسقط فيها وقتل عندها مائة الف وعشرون الفا سوى من قتل في المعركة وقد قاتل نساءالمسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقا كثيرا من الروم وكن يضربن من انهزم من المسلمين ويقلن اين تذهبون وتدعوننا للعلوج فاذا زجرنهم لا يملك احد نفسه حتى يرجع الى القتال
قال وتجلل القيقلان واشراف من قومه من الروم ببرانسهم وقالوا اذا لم نقدر على نصر دين
النصرانية فلنمت على دينهم فجاء المسلمون فقتلوهم عن اخرهم قالوا وقتل في هذ ا اليوم من المسلمين ثلاثة الاف منهم عكرمةوابنه عمرو وسلمة بن هشام وعمرو بن سعيد وابان بن سعيد واثبت خالد بن سعيد فلا يدري اين ذهب وضرار بن الازور وهشام بن العاص وعمرو بن الطفيل بن عمرو الدوسي وحقق الله رؤيا ابيه يوم اليمامة وقد اتلف في هذا اليوم جماعة من الناس انهزم عمرو بن العاص في اربعة حتى وصلوا إلى النساء ثم ت رجعوا حين وعظهم الامير بقوله تعالى ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم الآية
وثبت يومئذ يزيد بن ابي سفيان وقاتل قتالا شديدا وذلك ان اباه مر به فقال له يا بني عليك بتقوى الله والصبر فانه ليس رجل بهذا الوادي من المسلمين الا محفوفا بالقتال فكيف بك وبأشباهك الذين ولو امور المسلمين اولئك احق الناس بالصبر والنصيحة فاتق الله يا بني ولا يكونن احد من اصحابك بارغب في الاجر والصبر في الحرب ولا اجرا على عدو الاسلام منك فقال افعل ان شاء الله فقاتل يومئذ قتالا شديدا وكان من ناحية القلب رضي الله عنه
قال سعيد بن المسيب عن ابيه قال هدأت الاصوات يوم اليرموك فسمعنا صوتا يكاد يملأ العسكر يقول يا نصر الله اقترب الثبات الثبات يا معشر المسلمين قال فنظرنا فاذ هو ابو سفيان تحت راية ابنه يزيد واكمل خالد ليلته في خيمة تدارق اخى هرقل وهو امير الروم كلهم يومئذ هرب فيمن هرب وباتت الخيول تجول نحو خيمة خالد يقتلون من مر بهم من الروم حتى اصبحو وقتل تدارق وكان له ثلاثون سرادقا وثلاثون رواقا من ديباج بما فيها من الفرش والحرير فلما كان الصباح حازوا ما كان هنالك من الغنائم وما فرحوا بما وجدوا بقدر حزنهم على الصديق حين اعلمهم خالد بذلك ولكن عوضهم الله بالفاروق رضى الله عنه
وقال خالد حين عزى المسلمين في الصديق الحمد الله الذي قضى على ابي بكر بالموت وكان احب الي من عمر والحمد لله الذي ولي عمر وكان ابغض الى من ابي بكر والزمنى حبه
وقد اتبع خالد من انهزم من الروم حتى وصل الى دمشق فخرج اليه اهلها فقالوا نحن على عهدنا وصلحنا قال نعم ثم اتبعهم الى ثنية العقاب فقتل منهم خلقا كثيرا ثم ساق وراءهم الى حمص فخرج اليه اهلها فصالحهم كما صالح اهل دمشق وبعث ابو عبيدة عياض بن غنم وراءهم ايضا فساق حتى وصل ملطية فصالحه اهلها ورجع فلما بلغ هرقل ذلك بعث الى مقاتليها فحضروا بين يديه وامر بملطية فحرقت وانتهت الروم منهزمة الى هرقل وهو بحمص والمسلمون في آثارهم يقتلون ويأسرون ويغنمون فلما وصل الخبر الى هرقل ارتحل من حمص وجعلها بينه وبين المسلمين وترس بها وقال
هرقل اما الشام فلا شام وويل للروم من المولود المشئوم
ومما قيل من الاشعار في يوم اليرموك قول القعقاع بن عمرو
الم ترنا على اليرموك فزنا * كما فزنا بأيام العراق
وعذراء المدائن قد فتحنا * ومرج الصفر على العتاق
فتحنا قبلها بصرى وكانت * محرمة الجناب لدى النعاق
قتلنا من اقام لنا وفينا * نهابهم باسياف وقاق
قتلنا الروم حتى ما تساوى * على اليرموك معروق الوراق
فضضنا جمعهم لما استجالوا * على الواقوص بالبتر الرقاق
غداة تهافتوا فيها فصاروا * الى امر يعضل بالذواق
وقال الاسود بن مقرن التميمي * وكم اغرنا غارة بعد غارة
يوما ويوما قد كشفنا اهاوله
ولولا رجال كان عشو غنيمة * لدى مأقط رجت علينا اوائله
لقيناهم اليرموك لما تضايقت * بمن حل باليرموك منه حمائله
فلا يعد من منا هرقل كتائبا * اذارامها رام الذي لا يحاوله
وقال عمرو بن العاص * القوم لخم وجذام في الحرب
ونحن والروم بمرج نضطرب بها لا نصطحب * بل نعصب الفرار بالضرب الكرب
وروى احمد بن مروان المالكي في المجالسة حدثنا ابو اسماعيل الترمذي حدثنا ابو معاوية بن عمرو عن ابي اسحاق قال كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يثبت لهم العدو فواق ناقة عند اللقاء فقال هرقل وهو على انطاكية لما قدمت منهزمة الروم ويلكم اخبروني عن هؤلاء القوم الذين يقاتلونكم اليسوا بشرا مثلكم قالوا بلى قال فانتم اكثر ام هم قالوا بل نحن اكثر منهم اضعافا في كل موطن قال فما بالكم تنهزمون فقال شيخ من عظمائهم من اجل انهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم ومن اجل انا نشرب الخمر ونزنى ونركب الحرام وننقض العهد ونغصب ونظلم ونامر بالسخط وننهى عما يرضى الله ونفسد في الارض فقال انت صدقتنى ز
وقال الوليد بن مسلم اخبرني من سمع يحيى بن يحيى الغساني يحدث عن رجلين من قومه قالا لما نزل المسلمون بناحية الاردن تحدثنا بيننا ان دمشق ستحاصر فذهبنا نتسوق منها قبل ذلك فبينا نحن فيها اذ ارسل الينا بطريقها فجئناه فقال انتما من العرب قلنا نعم قال وعلى النصرانية قلنا نعم فقال ليذهب احدكما فليتجسس لنا عن هؤلاء القوم ورأيهم وليثبت الآخر على متاع صاحبه ففعل ذلك احدنا فلبث مليا ثم جاءه فقال جئتك من عند رجال دقاق يركبون خيولا عتاقا اما الليل فرهبان واما النهار ففرسان يريشون النبل ويبرونها ويثقفون القنا لو حدثت جليسك حديثا ما فهمه عنك لما علا من اصواتهم بالقرآن والذكر قال فالتفت الى اصحابه وقال اتاكم منهم مالا طاقة لكم به
*3* انتقال امرة الشام من خالد الى ابي عبيدة بعد وقعة اليرموك
@ وصيرورة الامرة بالشام الى ابو عبيدة فكان ابو عبيدة اول من سمي امير الامراء
وقد تقدم ان البريد قدم بموت الصديق والمسلمون مصافو الروم يوم اليرموك وان خالدا كتم ذلك عن المسلمين لئلا يقع وهن فلما اصبحوا اجلى لهم الامر وقال ما قال ثم شرع ابو عبيدة في جمع الغنيمة وتخميسها وبعث بالفتح والخمس مع قباب بن اشيم الى الحجاز ثم نودى بالرحيل الى دمشق فساروا حتى نزلوا مرج الصفر وبعث ابو عبيدة بين يديه طليعة ابا امامة الباهلي ومعه رجلان من اصحابه قال ابو امامة فسرت فلما كان ببعض الطريق امرت الآخر فكمن هناك وسرت انا وحدي حتى جئت باب البلد وهو مغلق في الليل وليس هناك احد فنزلت وغرزت رمحي بالا رض ونزعت لجام فرسي وعلقت عليه مخلاته ونمت فلما اصبح الصباح قمت فتوضأت وصليت الفجر فاذا باب المدينة يقعقع فلما فتح حملت على البواب فطعنته بالرمح فقتلته ثم رجعت والطلب ورائي فلما انتهينا الى الرجل الذي في الطريق من اصحابي ظنوا انه كمين فرجعوا عنى ثم سرنا حتى اخذنا الآخر وجئت الى ابو عبيدة فاخبرته بما رايت فاقام ابو عبيدة ينتظر كتاب عمر فيما يعتمده من امر دمشق فجاءه الكتاب يامره بالمسير اليها فساروا اليها حتى احاطوا بها واستخلف ابو عبيدة على اليرموك بشير بن كعب في خيل هناك
*3* وقعة جرت بالعراق بعد مجىء خالد الى الشام
@ وذلك ان اهل فارس اجتمعوا بعد مقتل ملكهم وابنه على تمليك شهريار بن ازدشير بن شهريار واستغنموا غيبة خالد عنهم فبعثوا الى نائبه المثنى بن حارثة جيشا كثيفا نحوا من عشرة الاف عليهم هرمز بن حادويه وكتب شهريار الى المثنى انى قد بعثت اليك جندا من وحش اهل فارس انما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست اقاتلك إلا بهم فكتب اليه المثنى من المثنى الى شهريار كذا في الاصلين ولعل فيه سقطا
انما انت احد رجلين اما باغ لذلك شر لك وخير لنا واما كاذب فأعظم الكاذبين عقوبة وفضيحة عند الله في الناس والملوك واما الذي يدلنا عليه الراي فانكم انما اضطررتم اليهم فالحمد الله الذي رد كيدكم الى رعاة الدجاج والخنازير قال فجزع اهل فارس من هذا الكتاب ولاموا شهريار على كتابه اليه واستهجنوا رأيه وسار المثنى من الحرة الى بابل ولما التقى المثنى وجيشهم بمكان عند عدوة الصراة الاولى اقتتلواا قتالا شديدا جدا وارسل الفرس فيلا بين صفوف الخيل ليفرق خيول المسلمين فحمل عليه امير المسلمين المثنى بن الحارثة فقتله وامر المسلمين فحملوا فلم تكن الا هزيمة الفرس فقتلوهم قتلا ذريعا وغنموا منهم مالا عظيما وفرت الفرس حتى انتهوا الى المدائن في شراحا له ووجدوا الملك قد مات فملكوا عليهم ابنة كسرى بوران بنت ابرويز فاقامت العدل واحسنت السيرة فاقامت سنة وسبع شهور ثم ماتت فملكوا عليهم اختها ازرميدخت زنان فلم ينتظم لهم امر فملكوا عليهم سابور بن شهريار وجعلوا امره الى الفرخزاذ بن البندوان فزوجه سابور بابنه كسرى ازرميدخت فكرهت ذلك وقالت انما هذا عبد من عبيدنا فلما كان ليلة عرسها عليه هموا اليه فقتلوه ثم ساروا الى سابور فقتلوه ايضا وملكوا عليهم هذه المرأة وهي ازرمدخيت ابنة كسرى ولعبت فارس بملكها لعبا كثيرا وآخر ما استقر امرهم عليه في هذه السنة ان ملكوا امرأة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يفلح قوم ولوا امرهم امرأة وفي هذه الوقعة التي ذكرنا يقول عبدة بن الطبيب السعدي وكان قد هاجر لمهاجرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل هذه فلما آيسته رجع الى البادية وقال
هل حبل خولة بعد البين موصول * ام انت عنها بعيدالدار مشغول
وللاحبة ايام تذكرها * وللنوى قبل يوم البين تأويل
حلت خويلة في حي عهدتهم * دون المدينة فيها الديك والفيل
يقارعون رؤس العجم ضاحية * منهم فوارس لا عزل ولا ميل
وقد قال الفرزدق في شعره يذكر قتل المثنى ذلك الفيل
وبيت المثنى قاتل الفيل عنوة * ببابل اذ في فارس ملك بابل
ثم المثنى بن حارثة استبطأ اخبار الصديق لتشاغله باهل الشام وما فيه من حرب اليرموك المتقدم ذكره فسار المثنى بنفسه الى الصديق واستناب على العراق بشير بن الخصاصية وعلى المسالح سعيد بن مرة العجلي فلما انتهى المثنى الى المدينة وجد الصديق في آخر مرض الموت وقد عهد الى عمر بن الخطاب ولما رأى الصديق المثنى قال لعمر اذا أنامت فلا تمسين حتى تندب
الناس لحرب اهل العراق مع المثنى واذا فتح الله على امرائنا بالشام فاردد اصحاب خالد الى العراق فانهم اعلم بحربه
فلما مات الصديق ندب عمر المسلمين الى الجهاد بارض العراق لقلة من بقي فيه من المقاتلة بعد خالد بن الوليد فانتدب خلقا وامر عليهم ابا عبيدة بن مسعود وكان شابا شجاعا خبيرا بالحرب والمكيدة وهذا آخر ما يتعلق بخبر العراق الى آخر ايام الصديق واول دولة الفاروق
*3* خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه
@ وكانت وفاة الصديق رضى الله عنه في يوم الاثنين عشية وقيل بعد المغرب ودفن من ليلته وذلك لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة بعد مرض خمسة عشر يوما وكان عمر بن الخطاب يصلي عنه فيها بالمسلمين وفي اثناء هذا المرض عهد بالامر من بعده الى عمر بن الخطاب وكان الذي كتب العهد عثمان بن عفان وقرىء على المسلمين فاقروا به وسمعوا له واطاعوا فكانت خلافة الصديق سنتين وثلاثة اشهر وكان عمره يوم توفي ثلاثا وستين سنة للسن الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع الله بينهما في التربة كما جمع بينهما في الحياة فرضي الله عنه وارضاه
قال محمد بن سعد عن ابي قطن عمرو بن الهيثم عن ربيع بن حسان الصائغ قال كان نقش خاتم ابي بكر نعم القادر الله وهذا غريب وقد ذكرنا ترجمة الصديق رضي الله عنه وسيرته وايامه وما روى من الاحاديث وما روى عنه من الاحكام في مجلد ولله الحمد والمنة فقام بالامر من بعده أتم القيام الفاروق امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو اول من سمي بامير المؤمنين وكان اول من حياه بها المغيرة بن شعبة وقيل غيره كما بسطنا ذلك في ترجمة عمر بن الخطاب وسيرته التى افردناها في مجلد ومسنده والآثار المروية مرتبا على الابواب في مجلد آخر ولله الحمد
وقد كتب بوفاة الصديق الى امراء الشام مع شداد بن اوس ومحمد بن جريح فوصلا والناس مصافون وجيوش الروم يوم اليرموك كما قدمنا وقد امر عمر على الجيوش ابا عبيدة حين ولاه وعزل خالد بن الوليد وذكر سلمة عن محمد بن اسحاق ان عمر انما عزل خالد لكلام بلغه عنه ولما كان من امر مالك بن نويرة وما كان يعتمده في حربه فلما ولى عمر كان اول ما تكلم به ان عزل خالدا وقال لا يلي لي عملا ابدا وكتب عمر الى ابي عبيدة ان اكذب خالد نفسه فهو امير علىما كان عليه وان لم يكذب نفسه فهو معزول فانزع عمامته عن راسه وقاسمه ماله نصفين فلما قال ابو عبيدة ذلك لخالد قال له خالد امهلني حتى استشير اختى فذهب الى اخته فاطمة وكانت تحت الحارث بن هشام فاستشارها في ذلك فقالت له ان عمر لا يحبك ابدا وانه سيعزلك وان كذبت نفسك فقال لها صدقت والله فقاسمه ابو عبيدة حتى اخذ احدى نعليه وترك له الآخرة
وخالد يقول سمعا وطاعة لامير المؤمنين
وقد روى ان جرير عن صالح بن كيسان انه قال اول كتاب كتبه عمر الى ابي عبيدة حين ولاه وعزل خالدا ان قال واوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه الذي هدانا من الضلالة واخرجنا من الظلمات الى النور وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد فقم بامرهم الذي يحق عليك لا تقدم المسلمين هلكة رجاء غنيمة ولا تنزلهم منزلا قبل ان تستريده لهم وتعلم كيف ماتاه ولا تبعث سرية الا في كنف من الناس واياك والقاء المسلمين في الهلكة وقد ابلاك الله بي وابلاني بك فغض بصرك عن الدنيا واله قلبك عنها واياك ان تهلكك كما اهلكت من كان قبلك فقد رايت مصارعهم وامرهم بالمسير الى دمشق وكان بعد ما بلغه الخبر بفتح اليرموك وجاءته به البشارة وحمل الخمس إليه وقد ذكر ابن اسحاق ان الصحابة قاتلوا بعد اليرموك اجنادين ثم بفحل من ارض الغور قريبا من بيسان بمكان يقال له الردغة سمى بذلك لكثرة ما لقوا من الاوحال فيها فاغلقوها عليهم واحاط بها الصحابة قال حينئذ جاءت الامارة الابي عبيدة من جهة عمر وعزل خالد وهذا الذي ذكره بن اسحاق من مجىء الامارة ابي عبيدة في حصار دمشق هو المشهور
*3* فتح دمشق
@ قال سيف بن عمر لما ارتحل ابو عبيدة من اليرموك فنزل بالجنود على مرج الصفر وهو عازم على حصار دمشق اذ اتاه الخبر بقدوم مددهم من حمص وجاءه الخبر بانه قد اجتمع طائفة كبيرة من الروم بفحل من ارض فلسطين وهو لا يدري باي الامرين يبدا فكتب الى عمر في ذلك فجاء الجواب ان ابدا بدمشق فانها حصن الشام وبيت مملكتهم فانهد لها واشغلوا عنكم اهل فحل بخيول تكون تلقاءهم فإن فتحها الله قبل دمشق فذلك الذي يحب وان فتحت دمشق قبلها فسر انت ومن معك واستخلف على دمشق فاذا فتح الله عليكم فحل فسر انت وخالد الى حمص واترك عمرا وشرحبيل على الاردن وفلسطين
قال فسرح ابو عبيدة الى فحل عشرة امراء مع كل امير خمسة امراء وعلى الجميع عمارة بن مخشي الصحابي فساروا من مرج الصفر الى فحل فوجدوا الروم هنالك قريبا من ثمانين الفا وقد ارسلوا المياه حولهم حتى اردغت الارض فسموا ذلك الموضع الردغة وفتحها الله على المسلمين فكانت اول حصن فتح قبل دمشق على ما سيأتي تفصيله وبعث ابو عبيدة جيشا يكون بين دمشق وبين فلسطين وبعث ذا الكلاع في جيش يكون بين دمشق وبين حمص ليرد من يرد اليهم من المدد من جهة هرقل ثم سار ابو عبيدة من مرج الصفر قاصدا دمشق وقد جعل خالد بن الوليد
في القلب وركب ابو عبيدة وعمرو بن العاص في المجنبتين وعلى الخيل عياض بن غنم وعلى الرجالة شرحبيل بن حسنة فقدموا دمشق وعليها نسطاس بن نسطوس فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي واليه كيسان ايضا ونزل ابو عبيدة على باب الجابية الكبير ونزل يزيد بن ابي سفيان على باب الجابية الصغير ونزل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة على بقية ابواب البلد ونصبوا المجانيق والدبابات وقد ارصد ابو عبيدة ابا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له وكذا الذي بينه وبين حمص وحاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة وقيل اربعة اشهر وقيل ستة اشهر وقيل اربعة عشر شهرا فالله اعلم واهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع ويرسلون الى ملكهم هرقل وهو مقيم بحمص يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد اليهم من ذي الكلاع الذي قد ارصده ابو عبيدة رضى الله عنه بين دمشق وبين وحمص عن دمشق ليلة فلما ايقن اهل دمشق انه لا يصل اليهم مدد ابلسوا وفشلوا وضعفوا وقوى المسلمون واشتد حصارهم وجاء فصل الشتاء واشتد البرد وعسر الحال وعسر القتال فقدر الله الكبير المتعال ذو العزة والجلال ان ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما وسقاهم بعده شرابا وباتوا عنده في وليمته قد اكلوا وشربوا وتعبوا فناموا عن مواقفهم واشتغلوا عن اماكنهم وفطن لذلك امير الحرب خالد بن الوليد فانه كان لا ينام ولا يترك احدا ينام بل مراصد لهم ليلا ونهارا وله عيون وقصاد يرفعون اليه احوال المقاتلة صباحا ومساءا فلما راى حمدة تلك الليلة وانه لا يقاتل على السور احد كان قد اعد سلاليم من حبال فجاء هو واصحابه من الصناديد الابطال مثل القعقاع بن عمرو ومذعور بن عدي وقد احضر جيشه عند الباب وقال لهم اذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فارقوا الينا ثم نهد هو واصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في اعناقهم فنصبوا تلك السلالم واثبتوا اعاليها بالشرفات واكدوا اسافلها خارج الخندق وصعدوا فيها فلما استووا على السور رفعوا اصواتهم بالتكبير وجاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم وانحدر خالد واصحابه الشجعان من السور الى البوابين فقتلوهم وقطع خالد واصحابه اغاليق الباب بالسيوف وفتحوا الباب عنوة فدخل الجيش الخالدي من الباب الشرقى ولما سمع اهل البلد التكبير ثاروا وذهب كل فريق الى اماكنهم من السور لا يدرون ما الخبر فجعل كلما قدم احد من اصحاب الباب الشرقي قتله اصحاب خالد ودخل خالد البلدة عنوة فقتل من وجده وذهب اهل كل باب فسالوا من اميرهم الذي عند الباب من خارج الصلح وقد كان المسلمون دعوهم الى المشاطرة فيابون عليهم فلما دعوهم الى ذلك اجابوهم ولم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد ودخل المسلمون من كل جانب وباب فوجدوا خالدا وهو يقتل من وجده فقالوا له انا قد امناهم فقال انى فتحتها عنوة والتقت الامراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من
درب الريحان اليوم هكذا ذكره سيف بن عمرو وغيره وهو المشهور ان خالدا فتح الباب قسرا
وقال اخرون بال الذي فتحها عنوة ابو عبيدة وقيل زيد بن ابي سفيان وخالد صالح اهل البلد فعكسوا المشهور المعروف والله اعلم
وقد اختلف الصحابة فقال قائلون هي صلح يعنى على ما صالحهم الامير في نفس الامر وهو ابو عبيدة وقال آخرون بل عنوة لان خالدا افتتحها بالسيف اولا كما ذكرنا فلما احسوا بذلك ذهبوا الى بقية الامراء ومعهم ابو عبيدة فصالحوهم فاتفقوا فيما بينهم على ان جعلوا نصفها صلحا ونصفها عنوة فملك اهلها نصف ما كان بايديهم واقروا عليه واستقرت يد الصحابة على النصف
ويقوى هذا ما ذكره سيف بن عمرو من ان الصحابة كانوا يطلبون اليهم ان يصالحوهم على المشاطرة فيابون فلما احسوا بالياس انابوا الى كانت الصحابة دعوهم اليه فبادروا الى اجابتهم ولم تعلم الصحابة بما كان من خالد اليهم والله اعلم
ولهذا اخذ الصحابة نصف الكنيسة العظمى التى كانت بدمشق ةتعرف بكنيسة يوحنا فاتخذوا الجانب الشرقي منها مسجدا وابقوا لهم النصف الغربي كنيسة وقد ابقوا لهم مع ذلك اربع عشرة كنيسة اخرى مع نصف الكنيسة المعروفة بيوحنا وهي جامع دمشق اليوم وقد كتب الهم خالد بن الوليد كتابا وكتب فيه شهادته ابو عبيدة وعمرو بن العاص ويزيد بن ابي سفيان وشرحبيل احداها كنيسة المقسلاط التى اجتمع عندها امراء الصحابة وكانت مبنية على ظهر السوق الكبير وهذه القناطر المشاهدة في سوق الصابونيين من بقية القناطر التى كانت تحتها ثم بادت فيما بعد واخذت حجارتها في العمارات الثانية كنيسة كانت في رأس درب القرشيين وكانت صغيرة قال الحافظ ابن عساكر وبعضها باق الى اليوم وقد تشعثت الثالثة كانت بدار البطيخ العتيقة قلت وهى داخل البلد بقرب الكوشك واظنها هي المسجد الذي قبل هذا المكان المذكور فانها خربت من دهر والله اعلم الرابعة كانت بدرب بنى نصر بين درب الحبالين ودرب التميمي قال الحافظ ابن عساكر وقد ادركت بعض بنيانها وقد خرب اكثرها الخامسة كنيسة بولص قال ابن عساكر وكانت غربي القيسارية الفخرية وقد ادركت من بنيانها بعض اساس الحنية السادسة كانت في موضع دار الوكالة وتعرف اليوم بكنيسة القلانسيين قلت والقلانسيين هى الحواحين اليوم السابعة التى بدرب السقيل اليوم وتعرف بكنيسة حميد بن درة سابقا لان هذا الدرب كان اقطاعا له وهو حميد بن عمرو بن مساحق القرشي العامري ودرة امه وهي درة ابنة هاشم بن عتبة بن ربيعة فابوها خال معاوية وكان قد اقطع هذا الدرب فنسبت هذه الكنيسة اليه وكان مسلما ولم يبق لهم اليوم سواها وقد خرب اكثرها ولليعقوبية منهم كنيسة
داخل باب توما بين رحبة وخالد وهو خالد بن اسيد بن ابي العيص وبين درب طلحة بن عمرو بن مرة الجهنى وهي الكنيسة الثامنة وكان لليعقوبيين كنيسة اخرى فيما بين التنوى وسوق علي قال ابن عساكر قد بقي من بنائها بعضه وقد خربت منذ دهر وهى الكنيسة التاسعة واما العاشرة فهي الكنيسة المصلبة قال الحافظ ابن عساكر وهي باقية الى اليوم بين الباب الشرقي وباب توما بقرب النيبطن عند السور والناس اليوم يقولون النيطون قال ابن عساكر وقد خرب اكثرها هكذا قال وقد خرجت هذه الكنيسة وهدمت في ايام صلاح الدين فاتح القدس بعد الثمانين وخمسمائة بعد موت الحافظ ابن عساكر رحمه الله
الحادية عشرة كنيسة مريم داخل الباب الشرقى قال ابن عساكر وهى من اكبر ما بقي بايديهم قلت ثم خربت بعد موته بدهر في ايام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري على ما سيأتي بيانه
الثانية عشرة كنيسة اليهود التي بايديهم اليوم في حارتهم ومحلها معروف بالقرب من الجبر وتمسية الناس اليوم بستان القط وكانت لهم كنيسة في درب البلاغة لم تكن داخلة في العهد فهدمت فيما بعد وجعل مكانها المسجد المعروف


بمسجد ابن السهر وردي والناس يقولون درب الشاذوري قلت وقد اخربت لهم كنيسة كانوا قد احدثوها لم يذكرها احد من علماء التاريخ لا ابن عساكر ولا غيره وكان اخرابها في حدود سنة سبع عشرة وسبعمائة ولم يتعرض الحافظ ابن عساكر لذكر كنيسة السامرة بمرة ثم قال ابن عساكر ومما احدث يعنى النصارى كنيسة بناها ابو جعفر المنصور بنى قطيطا في الفريق عند قناة صالح قريبا من دازبها وارمن اليوم قال ومما أحدث كنيستنا العباد إحداهما عند دار ابن وقد اخربت فيما بعد وجعلت مسجدا يعرف بمسجد الجنيق وهو مسجد أبي اليمن المشالي وقد جعلت مسجدا والأخرى التى في راس درب النقاشين وقد جعلت مسجدا
انتهى ما ذكره الحافظ ابن عساكر الدمشقي رحمه الله قلت وظاهر سياق ما نص عليه الجمهور من أنها فتحت في نصف رجب سنة أربع عشرة كذا حكاه الحافظ سيف ابن عمر يقتضي ان فتح دمشق وقع في سنة ثلاث عشرة ولكن نص سيف على بن عساكر من طريق محمد ين عائذ القرشي الدمشقي عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصين بن غلاق عن يزيد بن عبيدة قال فتحت دمشق سنة اربع عشرة ورواه دحيم عن الوليد قال سمعت اشياخا يقولون ان دمشق فتحت سنة اربع عشرة وهكذا قال سعيد بن عبدالعزيز وابو معشر ومحمد بن اسحاق ومعمر الاموي وحكاه عن مشايخه وابن الكلبي وخليفة بن خياط وابو عبيد القاسم بن سلام ان فتح دمشق كان في سنة
اربع عشرة وزاد سعيد بن عبدالعزيز وابو معشر والاموي وكانت اليرموك بعدها بسنة وقال بعضهم بل كان فتحها في شوال سنة اربع عشرة وقال خليفة حاصرهم ابو عبيدة في رجب وشعبان ورمضان وتم الصلح في ذي القعدة وقال الاموي في مغازيه كانت وقعة اجنادين في جمادى الاولى ووقعة فحل في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة يعنى ووقعة دمشق سنة اربع عشرة وقال دحيم عن الوليد حدثني الاموي ان وقعة فحل واجنادين كانت في خلافة ابي بكر ثم مضى المسلمون الى دمشق فنزلوا عليها في رجب سنة ثلاث عشرة يعني ففتحوها في سنة اربع عشرة وكانت االيرموك سنة خمس عشرة وقدم عمر الى بيت المقدس سنة ست عشرة
*3* فصل (الإختلاف في فتح دمشق صلحا او عنوة ).
@ واختلف العلماء في دمشق هل فتحت صلحا او عنوة فاكثر العلماء على انه استقر امرها على الصلح لانهم شكوا في المتقدم على الاخر افتحت عنوة ثم عدل الروم الى المصالحة او فتحت صلحا او اتفق الاستيلاء من الجانب الاخر قسرا فلما شكوا في ذلك جعلوها صلحا احتياطا
وقيل بل جعل نصفها صلحا ونصفها عنوة وهذا القول قد يظهر من صنع الصحابة في الكنيسة العظمى التي كانت اكبر معابدهم حين اخذوا نصفها وتركوا لهم نصفها والله اعلم
ثم قيل ان ابا عبيدة هو الذي كتب لهم كتاب الصلح وهذا هو الانسب والاشهر فان خالدا كان قد عزل عن الامرة وقيل بل الذي كتب لهم الصلح خالد بن الوليد ولكن اقره على ذلك ابو عبيدة فالله اعلم
وذكر ابو حذيفة اسحاق بن بشر ان الصديق توفي قبل فتح دمشق وان عمر كتب الى ابي عبيدة يعزيه والمسلمين في الصديق وانه استنابه على من بالشام وامره ان يستشير خالدا في الحرب فلما وصل الكتاب الى ابي عبيدة كتمه من خالد حتى فتحت دمشق بنحو من عشرين ليلة فقال له خالد يرحمك الله ما منعك ان تعلمني حين جاءك فقال اني كرهت ان اكسر عليك حربك وما سلطان الدنيا اريد ولا للدنيا اعمل وما ترى سيصير الى زوال وانقطاع وانما نحن اخوان وما يضر الرجل ان يليه اخوه في دينه ودنياه
ومن اعجب ما يذكر ههنا ما رواه يعقوب بن سفيان الفسوي حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبدالملك ابن محمد حدثنا راشد بن داود الصنعاني حدثني ابو عثمان الصنعاني شراحيل بن مرثد قال بعث ابو بكر خالد بن الوليد الى اهل اليمامة وبعث يزيد بن ابي سفيان الى الشام فذكر الراوى فقال خالد لاهل اليمامة الى ان قال ومات ابو بكر واستخلف عمر فبعث ابا عبيدة الى الشام فقدم دمشق فاستمد ابو عبيدة عمر فكتب عمر الى خالد بن الوليد ان يسير الى ابي عبيدة بالشام فذكر مسير
خالد من العراق الى الشام كما تقدم وهذا غريب جدا فان الذي لا يشك فيه ان الصديق هو الذي بعث ابا عبيدة وغيره من الامراء الى الشام وهو الذي كتب الى خالد بن الوليد ان يقدم من العراق الى الشام ليكون مددا لمن به واميرا عليهم ففتح الله تعالى عليه وعلى يديه جميع الشام على ما سنذكره ان شاء الله تعالى
وقال محمد بن عائذ قال الوليد بن مسلم اخبرني صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير ان المسلمين لما افتتحوا مدينة دمشق بعثوا ابا عبيدة بن الجراح وافدا الى ابي بكر بشيرا بالفتح فقدم المدينة فوجد ابا بكر قد توفي واستخلف عمر بن الخطاب فاعظم ان يتامر احد من الصحابة عليه فولاه جماعة الناس فقدم عليهم فقالوا مرحبا بمن بعثناه بريدا فقدم علينا اميرا
وقد روى الليث وابن لهيعة وحيوة بن شريح ومفضل بن فضالة وعمر بن الحارث وغير واحد عن يزيد بن ابي حبيب عن عبدالله بن الحكم عن علي بن رباح عن عقبة بن عامر انه بعثه ابو عبيدة بريدا بفتح دمشق قال فقدمت على عمر يوم الجمعة فقال لي منذ كم لم تنزع خفيك فقلت من يوم الجمعة وهذا يوم الجمعة فقال اصبت السنة
قال الليث وبه ناخذ يعنى ان المسح على الخفين للمسافر لا يتاقت بل له ان يمسح عليهما ما شاء واليه ذهب الشافعي في القديم وقد روى احمد وابو داود عن ابي عمارة مرفوعا مثل هذا والجمهور على ما رواه مسلم عن على في تأقيت المسح للمسافر ثلاثة ايام بلياليهن وللمقيم يوم وليلة ومن الناس من فصل بين البريد ومن في معناه وغيره فقال في الاول لا يتاقت وفيما عداه بتأقت لحديث عقبة وحديث علي والله اعلم
*3* فصل (بعث خالد بن الوليد إلى البقاع لفتحه )
@ ثم ان ابا عبيدة بعث خالد بن الوليد الى البقاع ففتحه بالسيف وبعث سرية فالتقوا مع الروم بعين ميسنون وعلى الروم رجل يقال له سنان تحدر على المسلمين من عقبة بيروت فقتل من المسلمين يومئذ جماعة من الشهداء فكانوا يسمون عين ميسنون عين الشهداء واستخلف ابو عبيدة على دمشق يزيد بن ابي سفيان كما وعده بها الصديق وبعث يزيد دحية بن خليفة الى تدمر في سرية ليمهدوا امرها وبعث ابا الزهراء القشيري الى البثينة وحوران فصالح اهلها
قال ابو عبيدة القاسم بن سلام رحمه الله افتتح خالد دمشق صلحا وهكذا سائر مدن الشام كانت صلحا دون ارضيها فعلى يدي يزيد بن ابي سفيان وشرحبيل بن حسنة وابي عبيدة وقال الوليد بن مسلم اخبرني غير واحد من شيوخ دمشق بينما هم على حصار دمشق اذ اقبلت خيل من
عقبة السلمية مخمرة بالحرير فثار اليهم المسلمون فالتقوا فيما بين بيت لهيا والعقبة التي اقبلوا منها فهزموهم وطردوهم الى ابواب حمص فلما راى اهل حمص ذلك ظنوا انهم قد فتحوا دمشق فقال لهم اهل حمص انا نصالحكم على ما صالحتم عليه اهل دمشق ففعلوا
وقال خليفة بن خياط حدثنى عبدالله بن المغيرة عن ابيه قال افتتح شرحبيل بن حسنة الاردن كلها عنوة ما خلا طبرية فإن اهلها صالحوه وهكذا قال ابن الكلبي وقالا بعث ابو عبيدة خالدا فغلب على ارض البقاه وصالحه اهل بعلبك وكتب لهم كتابا وقال ابن المغيرة عن ابيه وصالحهم على انصاف منازلهم وكنائسهم ووضع الخراج وقال ابن اسحاق وغيره وفي سنة اربع عشرة فتحت حمص وبعلبك صلحا على يدي ابي عبيدة في ذي القعدة قال خليفة ويقال في سنة خمس عشرة
*3* وقعة فحل
@ وقد ذكرها كثير من علماء السير قبل فتح دمشق وانما ذكرها الامام ابو جعفر بن جرير بعد فتح دمشق وتبع في ذلك سياق سيف بن عمر فيما رواه عن ابي عثمان ييزيد بن اسيد الغساني وابي حارثة القيسي قالا خلف الناس يزيد بن ابي سفيان في خيله في دمشق وسار نحو فحل وعلى الناس الذين هم بالغور شرحبيل بن حسنة وسار ابو عبيدة وقد جعل على المقدمة خالد بن الوليد وابو عبيدة على الميمنة وعمرو بن العاص على الميسرة وعلى الخيل ضرار بن الازور وعلى الرجالة عياض بن غنم فوصلوا الى فحل وهي بلدة بالغور وقد انحاز الروم الى بيسان وارسلوا مياه تلك الاراضي على هنالك من الاراضي فحال بينهم وبين المسلمين وارسل المسلمون الى عمر يخبرونه بما هم فيه من مصابرة عدوهم وما صنعه الروم من تلك المكيدة الا ان المسلمين في عيش رغيد ومدد كبير وهم على اهبة من امرهم وامير هذا الحرب شرحبيل بن حسنة وهو لا يبيت ولا يصبح الا على تعبئة
وظن الروم ان المسلمين على غرة فركبوا في بعض الليالي ليبيتوهم وعلى الروم سقلاب بن مخراق فهجموا على المسلمين فنهضوا اليهم نصفه رجل واحد كأنهم على اهبة دائما فقاتلوهم حتى الصباح وذلك اليوم بكماله الى الليل فلما اظلم الليل فر الروم وقتل اميرهم سقلاب وركب المسلمون اكتافهم واسلمتهم هزيمتهم الى ذلك الوحل الذي كانوا قد كادوا به المسلمين فغرقهم الله فيه وقتل منهم المسلمين باطراف الرماح ما قارب الثمانين الفا لم ينج منهم الا الشريد وغنموا منهم شيئا كثيرا ومالا جزيلا وانصرف ابو عبيدة وخالد بمن معهم من الجيوش نحو حمص كما امر امير المؤمنين عمر ابن الخطاب واستخلف ابو عبيدة على الاردن شرحبيل بن حسنة فسار شرحبيل ومعه عمرو بن العاص فحاصر بيسان فخرجوا اليه فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم صالحوه على مثل ما صالحت عليه
دمشق وضرب عليهم الجزية والخراج على اراضيهم وكذلك فعل ابو الاعور السلمي باهل طبرية سواء
*3* ما وقع بارض العراق آنذاك من القتال
@ وقد قدمنا ان المثنى بن حارثة لما سار خالد من العراق بمن صحبه الى الشام وقد قيل انه سار بتسعة آلاف وقيل بثلاثة آلاف وقيل بسبعمائة وقيل بأقل الا انهم صناديد جيش العراق
فأقام المثنى بمن بقي فاستقل عددهم وخاف من سطو الفرس لولا اشتغالهم بتبديل ملوكهم وملكاتهم واستبطأ المثنى خبر الصديق فسار الى المدينة فوجد الصديق في السياق فاخبره بامر العراق فأوصى الصديق عمر ان يندب الناس لقتال اهل العراق فلما مات الصديق ودفن ليلة الثلاثاء اصبح عمر فندب الناس وحثهم على قتال اهل العراق وحرضهم ورغبهم في الثواب على ذلك فلم يقم احد لان الناس كانوا يكرهون قتال الفرس لقوة سطوتهم وشدة قتالهم ثم ندبهم في اليوم الثاني والثالث فلم يقم احد وتكلم المثنى بن حارثة فاحسن واخبرهم بما فتح الله تعالى على يد خالد من معظم ارض العراق ومالهم هنالك من الاموال والاملاك والامتعة والزاد فلم يقم احد في اليوم الثالث فلما كان اليوم الرابع كان اول من انتدب من المسلمين ابو عبيدة بن مسعود الثقفي ثم تتابع الناس في الاجابة امر عمر طائفة من اهل المدينة وامر على الجميع ابا عبيد هذا ولم يكن صحابيا فقيل لعمر هلا امرت عليهم رجلا من الصحابة فقال انما اومر اول من استجاب انكم انما سبقتم الناس بنصرة هذا الدين وان هذا هو الذي استجاب قبلكم ثم دعاه فوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا وامره ان يستشير اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وان يستشير سليط بن قيس فانه رجل باشر الحروب فسار المسلمون الى ارض العراق وهم سبعة الاف رجل وكتب عمر الى أبي عبيدة ان يرسل من كان بالعراق ممن قدم مع خالد الى العراق فجهز عشرة الاف عليهم هاشم ابن عتبة وارسل عمر جرير بن عبدالله البجلي في اربعة الاف الى العراق فقدم الكوفة ثم خرج منها فواقع هرقران المدار فقتله وانهزم جيشه وغرق اكثرهم في دجلة فلما وصل الناس الى العراق وجدوا الفرس مضطربين في ملكهم وآخر ما استقر عليه امرهم ان ملكوا عليهم بوران بنت كسرى بعدما قتلوا التى كانت قبلها ازرميدخت وفوضت بوران امر الملك عشر سنين الى رجل منهم يقال له رستم بن فرخزاذ على ان يقوم بامر الحرب ثم يصير الملك الى آل كسرى فقبل ذلك وكان رستم هذا منجما يعرف النجوم وعلمها جيدا فقيل له ما حملك على هذا يعنون وانت تعلم ان هذا الامر لا يتم لك فقال الطمع وحب الشرف
*3* وقعة النمارق
@ بعث رستم اميرا يقال له جابان وعلى مجنبته رجلان يقال الاحدهما حشنس ماه ويقال للآخر مردانشاه وهو خصي امير حاجب الفرس فالتقوا مع ابي عبيد بمكان يقال له النمارق بين الحيرة والقادسية وعلى الخيل المثنى بن حارثة وعلى الميسرة عمرو بن الهيثم فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا وهزم الله الفرس واسر جابان ومردانشاه فأما مردانشاه فانه قتله الذي اسره واما جابان فانه خدع الذي اسره حتى اطلقه فامسكه المسلمون فقالوا قتله فإنه الإمير فقال وإن كان الامير فإني لا أقتله وقد أمنه وابوا ان يطلقوه وقالوا ان هذا هو الامير وجاؤا به الى ابي عبيد رجل من المسلمين في آثار من انهزم منهم وقد لجاوا الى مدينة كسكر التي لابن خالة كسرى واسمه نرسي فوازرهم نرسي على قتال ابي عبيد فقهرهم ابو عبيد وغنم منهم شيئا كثيرا واطعمات كثيرة جدا ولله الحمد وبعث بخمس ما غنم من المال والطعام الى عمر بن الخطاب بالمدينة وقد قال في ذلك رجل من المسلمين
لعمري وما عمري على بهين * لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بايدي رجال هاجروا نحو ربهم * يجوسونهم ما بين درنا وبارق
قتلناهم ما بين مرج مسلح * وبين الهواني من طريق الندارق
فالتقوا بمكان بين كسكر والسفاطية وعلى ميمنة نرسي وميسرته ابنا خاله بندويه وبيرويه اولاد نظام وكان رستم قد جهز الجيوش مع الجالينوس فلما بلغ ابو عبيد ذلك اعجل نرسي بالقتال قبل وصولهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزمت الفرس وهرب نرسي والجالينوس الى المدائن بعد وقعة جرت من ابي عبيد مع الجالينوس بمكان يقال له باروسما فبعث ابو عبيد المثنى بن حارثة وسرايا اخر الى متاخم تلك الناحية كنهر جور ونحوها ففتحها صلحا وقهرا وضربوا الجزية والخراج وغنموا الاموال الجزيلة ولله الحمد والمنة وكسروا الجالينوس الذي جاء لنصره جابان وغنموا جيشه وامواله وكر هاربا الى قومه حقيرا ذليلا
*3* وقعة جسر ابي عبيد ومقتل امير المسلمين وخلق كثير منهم
@ لما رجع الجالينوس هاربا مما لقي من المسلمين تذامرت الفرس بينهم واجتمعوا الى رستم فارسل جيشا كثيفا عليهم ذا الحاجب بهمس حادويه واعطاه راية افريدون وتسمى درفش كابيان وكانت الفرس تتيمن بها وحملوا معم راية كسرى وكانت من جلود النمور عرضها ثمانية اذرع فوصلوا الى المسلمين وبينهم النهر وعليه جسر فارسلوا اما ان تعبروا الينا واما ان نعبر اليكم فقال المسلمون لاميرهم ابي عبيد أأمرهم فليعبروا هم الينا فقال ما هم باجرا على الموت منا ثم اقتحم
اليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله المسلمون في نحو من عشرة الاف وقد جاءت الفرس معهم بافيلة كثيرة عليها الجلاجل قائمة لتذعر خيول المسلمين فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة ومما تسمع من اجلاجل التي عليها ولا يثبت منها الا القليل على قسر واذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة ورشقتهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقا كثيرا وقتل المسلمون منه مع ذلك ستة الاف وامر ابو عبيد المسلمين ان يقتلوا الفيلة اولا فاحتوشوها فقتلوها عن اخرها وقد قدمت الفرس بين ايديهم فيلا عظيما ابيض فتقدم اليه ابو عبيد فضربه بالسيف فقطع ذلومه فحمى الفيل وصاح صيحة هائلة وحمل فتخبطه برجليه فقتله ووقف فوقه فحمل علي الفيل خليفة ابي عبيد الذي كان اوصى ان يكون اميرا بعده فقتل ثم آخر ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص ابو عبيد عليهم واحدا بعد واحد ثم صارت الى المثنى بن حارثة بمقتضى الوصية ايضا وقد كانت دومة امرأة ابي عبيد رات مناما يدل على ما وقع سواء بسواء فلما راى المسلمون ذلك وهنوا عند ذلك ولم يكن بقي الا الظفر بالفرس وضعف امرهم وذهب ريحهم وولوا مدبرين وساقت الفرس خلفهم فقتلوا بشرا كثيرا وانكشف الناس فكان امرا بليغا وجاؤا الى الجسر فمر بعض الناس ثم انكسر الجسر فتحكم فيمن وراءه الفرس فقتلوا من المسلمين وغرق في الفراة نحو من اربعة الاف فانا لله وانا اليه راجعون وسار المثنى بن حارثة فوقف عند الجسر الذي جاؤا منه وكان الناس لما انهزموا جعل بعضهم يلقي بنفسه في الفرات فيغرق فنادى المثنى ايها الناس على هينتكم فاني واقف على فم الجسر لا اجوزه حتى لا يبقى منكم احد ههنا فلما عدى الناس الى الناحية الاخرى سار المثنى فنزل بهم اول منزل وقام يحرسهم هو وشجعان المسلمين وقد جرح اكثرهم واثخنوا ومن الناس من ذهب في البرية لا يدري اين ذهب ومنهم من رجع الى المدينة النبوية مذعورا وذهب بالخبر عبدالله بن زيد بن عاصم المازني الى عمر بن الخطاب فوجده على المنبر فقال له عمر ما وراءك يا عبدالله بن زيد فقال اتاك الخبر اليقين يا امير المؤمنين ثم صعد اليه المنبر فاخبره الخبر سرا ويقال كان اول من قدم بخبر الناس عبدالله بن يزيد بن الحصين الحطمي فالله أعلم
قال سيف بن عمر وكانت هذه الوقعة في شعبان من سنة ثلاث عشرة بعد اليرموك باربعين يوما فالله اعلم وتراجع المسلمون بعضهم الى بعض وكان منهم من فر الى المدينة فلم يؤنب عمر الناس بل قال انا فيئكم واشغل الله المجوس بامر ملكهم وذلك ان اهل المدائن عدوا على رستم فخلعوه ثم ولوه واضافوا اليه الفيرزان واختلفوا على فرقتين فركب الفرس الى المدائن ولحقهم المثنى بن حارثة في نفر من المسلمين فعارضه اميران من امرائهم في جيشهم فاسرهما واسر معهما بشرا كثيرا
فضرب اعناقهم ثم ارسل المثنى الى من بالعراق من امراء المسلمين يستمدهم فبعثوا اليه الامداد وبعث اليه عمر بن الخطاب بمدد كثير فيهم جرير بن عبدالله البجلي في قومه بجلية بكمالها وغيره من سادات المسلمين حتى كثر جيشه
*3* وقعت البويب التى اقتص فيها المسلمون من الفرس
@ فلما سمع بذلك امراء الفرس وبكثرة جيوش المثنى بعثوا اليه جيشا اخر مع رجل يقال له مهران فتوافوا هم واياهم بمكان يقال له البويت قريب من مكان الكوفة اليوم وبينهما الفرات فقالوا اما ان تعبروا الينا او نعبر اليكم فقال المسلمون با اعبروا الينا فعبرت الفرس اليهم فتواقفوا وذلك في شهر رمضان فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فافطروا عن اخرهم ليكون اقوى لهم وعبى الجيش وجعل يمر على كل راية من رايات الامراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر والصمت وفي القوم جرير بن عبدالله البجلي في بجلة وجماعة من سادات المسلمين وقال المثنى لهم اني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيأوا فاذا كبرت الرابعة فاحملوا فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول فلما كبر او تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا حتى غالقوهم واقتتلوا قتالا شديدا وراى المثنى في بعض صفوفه خللا فبعث اليهم رجلا يقول الامير يقرا عليكم السلام ويقول لكم لا تفضحوا العرب اليوم فاعتدلوا فلما راى ذلك منهم وهم بنو عجل اعجبه وضحك وبعث اليهم يقول يا معشر المسلمين عاداتكم انصروا الله ينصركم وجعل المثنى المسلمون يدعون الله بالظفر والنصر فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من اصحابه الابطال يحمون ظهره وحمل على مهران فازاله عن موضعه حتى دخل الميمنة وحمل غلام من بني تغلب نصراني فقتل مهران وركب فرسه كذا ذكره سيف بن عمر
وقال محمد بن اسحاق بل حمل عليه المنذر بن حسان بن ضرار الضبي فطعنه واحتز راسه جرير بن عبدالله البجلي واختصما في سلبه فاخذ جرير السلاح واخذ المنذر منطفه وهربت المجوس وركب المسلمون اكتافهم يفصلونهم فصلا وسبق المثنى بن حارثة الى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من الجواز عليه ليتمكن منهم المسلمون فركبوا اكتافهم بقية ذلك اليوم وتلك الليلة ومن ابعد الى الليل فيقال انه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة الف ولله الحمد والمنة وغنم المسلمون مالا جزيلا وطعاما كثيرا وبعثوا بالبشارة والاخماس الى عمر رضى الله عنه وقد قتل من سادات المسلمين هذا اليوم بشر كثير ايضا وذلت لهذه الوقعة رقاب الفرس وتمكن الصحابة من الغارات في بلادهم فيما بين الفرات ودجلة فغنموا شيئا عظيما لا يمكن حصره وجرت امور يطول ذكرها بعد يوم البويت وكانت هذه الوقعة بالعراق نظير اليرموك بالشام وقد قال الاعور الشنى العبدي في ذلك
هاجت لاعور دار الحي احزانا * واستبدلت بعد عبد القيس حسانا
وقد ارانا بها الشمل مجتمع * اذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا
اذ كان سار المثنى بالخيول لهم * فقتل الزحف من فرس وجيلانا
سما لمهران والجيش الذي معه * حتى ابادهم مثنى ووحدانا
*3* فصل (بعث عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص أميرا على العراق ) .
@ ثم بعث امير المؤمنين عمر بن الخطاب سعد بن ابي وقاص الزهري احد العشرة في ستة آلاف اميرا على العراق وكتب الى جرير عبدالله والمثنى بن حارثة ان يكونا تبعا له وان يسمعا له ويطيعا فلما وصل الى العراق كانا معه وكانا قد تنازعا الامرة فالمثنى يقول لجرير انما بعثك امير المؤمنين مددا الى ويقول جرير انما بعثني اميرا عليك فلما قدم سعد وقاص على امر العراق انقطع نزاعهما قال ابن اسحاق وتوفي المثنى بن حارثة في هذه السنة كذا قال ابن اسحق والصحيح ان بعث عمر سعدا انما كان في اول سنة اربع عشرة كما سيأتي
*3* ذكر اجتماع الفرس على يزدجر بعد اختلافهم
@ كان شيرين قد جمع آل كسرى في القصر الابيض وامر بقتل ذكرانهم كلهم وكانت ام يزدجر فيهم ومعها ابنها وهو صغير فواعدت اخواله فجاؤا واخذوه منها وذهبوا الى بلادهم فلما وقع ما وقع يوم البويب وقتل من قتل منهم كما ذكرنا وركب المسلمون اكتافهم وانتصروا عليهم وعلى اخذ بلدانهم ومحالهم واقاليمهم ثم سمعوا بقدوم سعد بن ابي وقاص من جهة عمر اجتمعوا فيما بينهم واحضروا الاميرين الكبيرين فيهم ووهما رستم والفيرزان فتذامروا فيما بينهم وتواصوا وقالوا لهما لئن لم تقوما بالحرب كما ينبغي لنقتلنكم ونشتفى بكما ثم رأوا فيما بينهم ان يبعثوا خلف نساء كسرى من كل فج ومن كل بقعة فمن كان لها ولد من آل كسرى ملكوه عليهم فجعلوا اذا اتوا بالمرأة عاقبوها هل لها ولد وهي تنكر ذلك خوفا على ولدها ان كان لها ولد فلم يزالوا حتى دلوا على ام يزدجرد فاحضروها واحضروا ولدها فملكوه عليهم وهو ابن احدى وعشرين سنة وهو من ولد شهريار بن كسرى وعزلوا بوران واستوثقت الممالك له واجتمعوا عليه وفرحوا به وقاموا بين يديه بالنصر اتم قيام واستفحل امره فيهم وقويت شوكتهم به وبعثوا الى الاقاليم والرساتيق فخلعوا الطاعة للصحابة ونقضوا عهودهم وذممهم وبعث الصحابة الى عمر بالخبر فامرهم عمر ان يتبرزوا من بين ظهرانيهم وليكونوا على اطراف البلاد حولهم على المياه وان تكون كل قبيلة تنظر الى الاخرى بحيث اذا حدث حدث على قبيلة لا يخفى امرها على جيرانهم وتفاقم الحال جدا وذلك في ذي القعدة من سنة ثلاث عشرة وقد حج بالناس عمر في هذه السنة وقيل بل حج بهم عبدالرحمن بن عوف ولم يحج عمر هذه السنة والله اعلم
*2* ما وقع سنة ثلاث عشرة من الحوادث
@ كانت فيها وقائع تقدم تفصيلها ببلاد العراق على يدي خالد بن الوليد رضى الله عنه فتحت فيها الحيرة والانبار وغيرهما من الامصار وفيها سار خالد بن الوليد من العراق الى الشام على المشهور وفيها كانت وقعة اليرموك في قول سيف بن عمر واختيار ابن جرير وقتل بها من قتل من الاعيان ممن يطول ذكرهم وتراجمهم رضى الله عنهم اجمعين وفيها توفي ابو بكر الصديق وقد افردنا سيرته في مجلد ولله الحمد وفيها ولي عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة منها فولى قضاء المدينة علي بن ابي طالب رضى الله عنه واستناب على الشام ابا عبيدة عامر بن عبدالله بن الجراح الفهري وعزل عنها خالد بن الوليد المخزومي وأبقاه على شورى الحرب وفيها فتحت بصرى صلحا وهي اول مدينة فتحت من الشام وفيها فتحت دمشق في قول سيف بن عمر وغيره كما قدمنا واستنيب فيها يزيد بن ابي سفيان فهو اول من وليها من أمراء المسلمين رضى الله عنهم وفيها كانت وقعت وقعة الفحل من ارض الغور وقتل بها جماعة من الصحابة وغيرهم وفيها كانت وقعة جسر ابي عبيد فقتل فيها اربعة الاف من المسلمين منهم اميرهم ابو عبيد بن مسعود الثقفي وهو والد صفية امرأة عبدالله بن عمر وكانت امرأة صالحة رحمهما الله ووالد المختار بن ابي عبيد كذاب ثقيف وقد كان نائبا على العراق في بعض وقعات العراق كما سيأتي وفيها توفي المثنى بن حارثة في قول ابن اسحاق وقد كان نائبا على العراق استخلفه خالد بن الوليد حين سار الى الشام وقد شهد مواقف مشهورة وله ايام مذكورة ولا سيما يوم البويت بعد جسر ابي عبيد قتل فيه من الفرس وغرق بالفراة قريب من مائة الف الذي عليه الجمهور انه بقي الى سنة اربع عشرة كما سيأتي بيانه وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب في قول بعضهم وقيل بل حج عبدالرحمن بن عوف وفيها استنفر عمر قبائل العرب لغزو العراق الشام فاقبلوا من كل النواحي فرمى بهم الشام والعراق وفيها كانت وقعة اجنادين في قول ابن اسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الاولى منها وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان وامير المسلمين عمرو بن العاص وهو في عشرين الفا في قول فقتل القيقلان انهزمت الروم وقتل منهم خلق كثير واستشهد من المسلمين ايضا جماعة منهم هشام بن العاص والفضل بن العباس وابان بن سعيد واخواه خالد وعمرو ونعيم بن عبدالله بن النحام والطفيل بن عمرو وعبدالله بن عمرو الدوسيان وضرار بن وصخر بن نصر وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضى الله عنهم الازور وعكرمة بن أبي جهل وعمه سلمة بن هشام وهبار بن سفيان
وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو وامه اروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن قتل يومئذ عبدالله بن الزبير بن عبدالمطلب وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين قال ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن ابي طلحة والحارث بن اوس بن عتيك رضى الله عنهم وفيها كانت وقعة مرج الصفر في قول خليفة بن خياط وذلك لثنتي عشرة بقيت من جمادى الاولى وامير الناس خالد بن سعيد بن العاص فقتل يومئذ وقيل انما قتل اخوه عمرو وقيل ابنه فالله اعلم
قال ابن اسحاق وكان امير الروم قلقط فقتل من الروم مقتلة عظيمة حتى جرت طاحون هناك من دمائهم والصحيح ان وقعة مرج الصفر في اول سنة اربع عشرة كما ستأتي
*3* ذكر المتوفين في هذه السنة مرتبين على الحروف كما ذكرهم الحافظ الذهبي
@ ابان بن سعيد بن العاص بن امية الاموي ابو الوليد المكي صحابي جليل وهو الذي اجار عثمان ابن عفان يوم الحديبية حتى دخل مكة لاداء رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلم بعد مرجع اخويه من الحبشة خالد وعمرو فدعوه الى الاسلام فاجابهما وساروا فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فتح خيبر وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع على البحرين وقتل باجنادين انسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهور انه قتل ببدر فيما ذكره البخاري وغيره وزعم الواقدي فيما نقله عن اهل العلم انه شهد احدا وانه بقي بعد ذلك زمانا قال وحدثني ابن ابي الزناد عن محمد بن يوسف ان انسة مات في خلافة ابي بكر الصديق وكان يكنى ابا مسروح وقال الزهري كان يأذن للناس على النبي صلى الله عليه وسلم تميم بن الحارث بن قيس السهمي واخوه قيس صحابيان جليلان هاجرا الى الحبشة وقتلا باجنادين الحارث بن اوس بن عتيك من مهاجرة الحبشة قتل باجنادين خالد بن سعيد بن العاص الاموي من السابقين الاولين ممن هاجر الى الحبشة واقام بها بضع عشرة سنة ويقال انه كان على صنعاء من جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم وامره الصديق على بعص الفتوحات كما تقدم قتل يوم مرج الصفر في قول وقيل بل هرب فلم يمكنه الصديق من دخول المدينة تعزيرا له فاقام شهرا في بعض ظواهرها حتى اذن له ويقال ان الذي قتله اسلم وقال رايت له حين قتلته نورا ساطعا الى السماء رضى الله عنه سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن ابي خزيمة ويقال حارثة بن خزيمة بن ثعلبة بن
طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الانصاري الخزرجي سيدهم ابو ثابت ويقال ابو قيس صحابي جليل كان احد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا في قول عروة وموسى بن عقبة والبخاري وابن ماكولا وروى ابن عساكر من طريق حجاج بن ارطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس ان راية المهاجرين يوم بدر كانت مع علي وراية الانصار مع سعد بن عبادة رضى الله عنهما
قلت والمشهور ان هذا كان يوم الفتح والله اعلم وقال الواقدي لم يشهدها لانه نهسته حية فشغلته عنها بعد ان تجهز لها فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه واجره وشهد احدا وما بعدها وكذا قال خليفة بن خياط وكانت له جفنة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم حيث دار من بيوت نسائه بلحم وثريد او لبن وخبز او خبز وسمن او بخل وزيت وكان ينادي عند اطمة كل ليلة لمن اراد القرى وكان يحسن الكتابة بالعربي والرمي والسباحة وكان يسمى من احسن ذلك كاملا وقد ذكر ابو عمر بن عبد البر ما ذكره غير واحد من علماء التاريخ انه تخلف عن بيعة الصديق حتى خرج الى الشام فمات بقرب من حوران سنة ثلاث عشرة في خلافة الصديق قاله ابن اسحاق والمدائني وخليفة قال وقيل في اول خلافة عمر وقيل سنة اربع عشرة وقيل سنة خمس عشرة وقال الفلاس وابن بكر سنة ست عشرة
قلت اما بيعة الصديق فقد روينا في مسند الإمام احمد انه سلم للصديق ما قاله من ان الخلفاء من قريش واما موته بارض الشام فمحقق والمشهور انه بحوران قال محمد بن عائذ الدمشقي عن عبد الاعلى عن سعيد بن عبدالعزيز انه قال اول مدينة فتحت من الشام بصرى وبها توفي سعد بن عبادة وعند كثير من اهل زماننا انه دفن بقرية من غوطة دمشق يقال لها المنيحة وبها قبر مشهور به ولم ار الحافظ بن عساكر تعرض لذكر هذا القبر في ترجمته بالكلية فالله اعلم قال ابن عبدالبر ولم يختلفوا انه وجد ميتا في مغتسله وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلا يقول
قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * رميناه بسهم فلم يخطىء فؤاده
قال ابن جريج سمعت عطاء يقول سمعت ان الجن قالوا في سعد بن عبادة هذين البيتين له عن النبي صلى الله عليه وسلم احاديث وكان رضى الله عنه من اشد الناس غيرة ما تزوج امرأة بكرا ولا طلق امرأة فتجاسر احد ان يخطبها بعده وقد روى انه لما خرج من المدينة قسم ماله بين بنيه فلما توفي ولد له ولد فجاء ابو بكر وعمر الى ابنه قيس بن سعد فامراه ان يدخل هذا معهم فقال اني لا اغير ما صنع سعد ولكن نصيبي لهذا الولد سلمة بن هشام بن المغيرة اخو ابي جهل بن هشام
اسلم سلمة قديما وهاجر الى الحبشة فلما رجع منها حبسه اخوه واجاعه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت ولجماعة معه من المستضعفين ثم انسل فلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد الخندق وكان معه بها وقد شهد اجنادين وقتل بها رضى الله عنه ضرار بن الازور الاسدي كان من الفرسان المشهورين والابطال المذكورين له ومواقف مشهودة واحوال محمودة ذكر عروة وموسى بن عقبة انه قتل باجنادين له حديث في استحباب ابقاء شىء من اللبن في الضرع عند الحلب طليب ابن عمير بن وهب بن كثير بن هند بن قصي القرشي العبدي امه اروى بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسلم قديما وهاجر الى الحبشة الهجرة الثانية وشهد بدرا قاله ابن اسحاق والواقدي والزبير بن بكار ويقال انه اول من ضرب مشركا وذلك ان ابا جهل سب النبي صلى الله عليه وسلم فضربه طليب بلحى جمل فشجه استشهد طليب باجنادين وقد شاخ رضى الله عنه عبدالله بن الزبير بن عبدالمطلب بن هاشم القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الابطال المذكورين والشجعان المشهورين قتل يوم اجنادين بعدما قتل عشرة من الروم مبارزة كلهم بطارقة ابطال وله من العمر يومئذ بضع وثلاثون سنة عبدالله بن عمرو الدوسي قتل باجنادين وليس هذا الرجل معروفا عثمان بن طلحة العبدري الحجبي قيل انه قتل باجنادين والصحيح انه تاخر الى ما بعد الاربعين عتاب بن اسيد بن ابي العيص بن امية الاموي ابو عبدالرحمن امير مكة نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمله عليها عام الفتح وله من العمر عشرون سنة فحج بالناس عامئذ واستنابه عليها ابو بكر بعده عليه السلام وكانت وفاته بمكة قيل يوم توفي ابو بكر رضى الله عنهما له حديث واحد رواه اهل السنن الاربعة عكرمة بن ابي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ابو عثمان القرشي المخزومي كان من سادات الجاهلية كابيه ثم اسلم عام الفتح بعدما فر ثم رجع الى الحق واستعمله الصديق على عمان حين ارتدوا فظفر بهم كما تقدم ثم قدم الشام وكان اميرا على بعض الكراديس ويقال انه لا يعرف له ذنب بعدما اسلم وكان يقبل المصحف ويبكي ويقول كلام ربي كلام ربي احتج بهذا الامام احمد على جواز تقبيل المصحف ومشروعيته وقال الشافعي كان عكرمة محمود البلاء في الاسلام قال عروة قتل باجنادين وقال غيره باليرموك بعدما وجد به بضع وسبعون ما بين ضربة وطعنة رضى الله عنه الفضل بن العباس بن عبدالمطلب قيل انه توفي في هذه السنة والصحيح انه تاخر الى سنة ثماني عشرة نعيم بن عبدالله بن النحام احد بني عدي اسلم قديما قبل عمرو ولما يتهيا له هجرة الى ما بعد الحديبية وذلك لانه كان فيه بر باقاربه فقالت له قريش اقم عندنا على اي دين شئت فوالله لا يتعرضك احد الا ذهبت انفسنا دونك استشهد يوم اجنادين وقيل يوم اليرموك رضى الله عنه هبار بن الاسود بن اسد ابو الاسود القرشي الاسدي
هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خرجت من مكة حتى اسقطت ثم اسلم بعد فحسن اسلامه وقتل باجنادين رضى الله عنه هبار بن سفيان بن عبدالاسود المخزومي ابن اخي ام سلمة اسلم قديما وهاجر الى الحبشة واستشهد يوم اجنادين على الصحيح وقيل قتل يوم مؤتة والله اعلم هشام بن العاص بن وائل السهمي اخو عمرو بن مؤمنان وقد أسلم هشام قبل عمرو وهاجر الى الحبشة فلما رجع منها احتبس بمكة ثم هاجر بعد الخندق العاص روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابنا العاص وقد ارسله الصديق الى ملك الروم وكان من الفرسان وقتل باجنادين وقيل باليرموك والاول اصح والله اعلم ابو بكر الصديق رضي الله عنه تقدم وله ترجمة مفردة ولله الحمد
*2* سنة اربع عشرة من الهجرة
@ استهلت هذه السنة والخليفة عمر بن الخطاب يحث الناس ويحرضهم على جهاد اهل العراق وذلك لما بلغه من قتل ابي عبيد يوم الجسر وانتظام شمل الفرس واجتماع امرهم على يزدجر الذي اقاموه من بيت الملك ونقض اهل الذمة بالعراق عهودهم ونبذهم المواثيق التي كانت عليهم وآذوا المسلمين واخرجوا العمال من بين اظهرهم وقد كتب عمر الى من هنالك من الجيش ان يتبرزوا من بين اظهرهم الى اطراف البلاد قال ابن جرير رحمه الله وركب عمر رضى الله عنه في اول يوم من المحرم هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صرار فعسكر به عازما على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن ابي طالب واستصحب عثمان بن عفان وسادات الصحابة ثم عقد مجلسا لاستشارة الصحابة فيما عزم القيام به ونودى أن الصلاة جامعة وقد ارسل الى علي فقدم من المدينة ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب الى العراق الا عبدالرحمن الأرض وإني أرى أن تبعث رجلا وترجع أنت إلى المدينة فارثا عمر والناس عند ذلك واستصوبوا رأي ابن عوف فقال عمر فمن ترى ان نبعث الى العراق فقال قد و بن عوف فإنه قال له إني أخشى إن كسرت أن تضعف المسلمون في سائر اقطار وجدته قال من هو قال الاسد في براثنه سعد بن مالك الزهري فاستجاد قوله وارسل الى سعد فأمره على العراق واوصاه فقال يا سعد بن وهيب لا يغرنك ومن الله ان قيل خال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه فان الله لا يمحو السىء بالسيء ولكن يمحو السىء بالحسن وان الله ليس بينه وبين احد نسب الا بطاعته فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عند الله بالطاعة فانظر الامر الذي رايت
رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعث الى ان فارقنا عليه فالزمه فانه امر هذه عظتي اياك ان تركتها ورغبت عنها حبط عملك وكنت من الخاسرين ولما اراد فراقه قال له انك ستقدم على امر شديد فالصبر الصبر على ما اصابك ونابك تجمع لك خشية الله واعلم ان خشية الله تجتمع في امرين في طاعته واجتناب معصيته وانما طاعة من اطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة وانما عصيان من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة وللقلوب حقائق ينشئها الله انشاء منها للسر ومنها العلانية فاما العلانية فان يكون حامده وذامه في الحق سواء واما السر فيعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه وبمحبة الناس ومن محبة الناس فلا تزهد في التحبب فان النبيين قد سالوا محبتهم وان الله اذا احب عبدا حببه واذا ابغض عبدا بغضه فاعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عندالناس قالوا فسار سعد نحو العراق في اربعة الاف ثلاثة الاف من اهل اليمن والف من سائر الناس وقيل في ستة الاف وشيعهم عمر من صرار الى الاعوص وقام عمر في الناس خطيبا هنالك فقال ان الله انما ضرب لكم الامثال وصرف لكم القول لتحيى القلوب فان القلوب ميتة في صدورها حتى يحيها الله من علم شيئا فلينفع به فان للعدل امارات وتباشير فاما الامارات فالحياء والسخاء والهين واللين واما التباشير فالرحمة وقد جعل الله لكل امر بابا ويسر لكل باب مفتاحا فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد والاعتبار ذكر الموت والاستعداد بتقديم الاموال والزهد اخذ الحق من كل احد قبله حق والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف فان لم يكفه الكفاف لم يغنه شىء اني بينكم وبين الله وليس بيني وبينه احد وان الله قد الزمنى دفع الدعاء عنه فانهوا شكاتكم الينا فمن لم يستطع فالى من يبلغانها ناخذ له الحق غير متعتع ثم سار سعد الى العراق ورجع عمر بمن معه من المسلمين الى المدينة ولما انتهى سعد الى نهر زرود ولم يبق بينه وبين ان يجتمع بالمثنى بن حارثة الا اليسير وكل منهما مشتاق الى صاحبه انتقض جرح المثنى بن حارثة الذي كان جرحه يوم الجسر فمات رحمه الله ورضى الله عنه واستخلف على الجيش بشير بن الخصاصية ولما بلغ سعدا موته ترحم عليه وتزوج زوجته سلمى ولما وصل سعد الى محلة الجيوش انتهت اليه رياستها وامرتها ولم يبق بالعراق امير من سادات العرب الا تحت امره وامده عمر بامداد اخر حتى اجتمع معه يوم القادسية ثلاثون الفا وقيل ستة وثلاثون وقال عمر والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب وكتب الى سعد ان يجعل الامراء على القبائل والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش وان يواعدهم الى القادسية ففعل ذلك سعد عرف العرفاء وامر على القبائل وولى على الطلائع والمقدمات والمجنبات والساقات والرجالة والركبان كما امر امير المؤمنين عمر
قال سيف باسناده عن مشايخه قالوا وجعل عمر على قضاء الناس عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون وجعل اليه الافباض وقسمة الفىء وجعل داعية الناس وقاصهم سلمان الفارسي وجعل الكاتب زياد بن ابي سفيان قالوا وكان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلثمائة وبضعة عشر صحابيا منهم بضعة وسبعون بدريا وكان فيه سبعمائة من ابناء الصحابة رضى الله عنهم وبعث عمر كتابه الى سعد يامره بالمبادرة إلى القادسية والقادسية باب فارس في الجاهلية وان يكون بين الحجر والمدر وان ياخذ الطرق والمسالك على فارس وان يبدروهم بالضرب والشدة ولا يهولنك كثرة عددهم وعددهم فانهم قوم خدعة مكرة وان انتم صبرتم واحسنتم ونويتم الامانة رجوت ان تنصروا عليهم ثم لم يجتمع لهم شملهم ابدا الا ان يجتمعوا وليست معهم قلوبهم وان كانت الاخرى فارجعوا الى ما وراءكم حتى تصلوا الى الحجر فانكم عليه اجرأ وانهم عنه اجبن وبه اجهل حتى ياتي الله بالفتح عليهم ويرد لكم الكره وامره بمحاسبة نفسه وموعظة جيشه وامرهم بالنية الحسنة والصبر فان النصر ياتي من الله على قدر النية والاجر على قدر الحسبة وسلوا الله العافية واكثروا من قول لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم واكتب الي بجميع احوالكم وتفاصيلها وكيف تنزلون واين يكون منكم عدوكم واجعلني بكتبك الى كاني انظر اليكم واجعلني من امركم على الجلية وخف الله وارجه ولا تدل بشىء واعلم الن الله قد توكل لهذا الامر بما لا خلف له فاحذر ان يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم فكتب اليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والاراضي بحيث كانه يشاهدها وكتب اليه يخبره بان الفرس قد جردوا لحربه رستم وامثاله فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم وامر الله بعد ماض وقضاؤه مسلم الى ما قدر لنا وعلينا فنسال الله خير القضاء وخير القدر في عافية
وكتب اليه عمر قد جاءني كتابك وفهمته فإذا لقيت عدوك ومنحك الله ادبارهم فانه قد القى في روعى انكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك فاذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فانه خرابها ان شاء الله وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة
ولما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن اراذويه فغنموا مما معه شيئا كثيرا ووقع منهم موقعا كبيرا فخمسها سعد وقسم اربعة اخماسها في الناس واستبشر الناس بذلك وفرحوا وتفاءلوا وافرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم على هذه السرية غالب بن عبدالله الليثي


يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:48 AM
* غزوة القادسية
@ ثم سار سعد فنزل القادسية وبث سراياه واقام بها شهرا لم ير احدا من الفرس فكتب الى عمر بذلك والسرايا تأتي بالميرة من كل مكان فعجت رعايا الفرس اطراف بلادهم الى يزدجرد
من الذين يلقون من المسلمين من النهب والسبي وقالوا ان لم تنجدونا وإلا اعطينا ما بأيدينا وسلمنا اليهم الحصون واجتمع راى الفرس على ارسال رستم اليهم فبعث إليه يزدجرد فامره على الجيش فاستعفى رستم من ذلك وقال ان هذا ليس براى في الحرب ان ارسال الجيوش بعد الجيوش اشد على العرب من ان يكسروا جيشا كثيفا مرة واحدة فابى الملك الا ذلك فتجهز رستم للخروج ثم بعث سعد كاشفا الى الحيرة الى صلوبا فاتاه الخبر بان الملك قد امر على الحرب رستم بن الفرخزاذ الارمني وامده بالعساكر فكتب سعد الى عمر بذلك فكتب اليه عمر لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله وتوكل عليه وابعث اليه رجالا من اهل النظر والراى والجلد يدعونه فان الله جاعل دعائهم توهينا لهم وفلجا عليهم واكتب الى في كل يوم ولما اقترب رستم بجيوسه وعسكر بساباط كتب سعد الى عمر يقول ان رستم قد عسكر بساباط وجر الخيول والفيول وزحف علينا بها وليس شىء اهم عندي ولا اكثر ذكرا منى لما احببت ان اكون عليه من الاستعانة والتوكل وعبأ رستم فجعل على المقدمة وهي اربعون الفا الجالنوس وعلى الميمنة الهرمزان وعلى الميسرة مهران بن بهرام وذلك ستون الفا وعلى الساقة البندران في عشرين الفا فالجيش كله ثمانون الفا فيما ذكره سيف وغيره وفي رواية كان رستم في مائة الف وعشرين الفا يتبعها ثمانون الفا وكان معه ثلاث وثلاثون فيلا منها فيل ابيض كان لسابور فهو اعظمها واقدمها وكانت الفيلة تالفه ثم بعث سعد جماعة من السادات منهم النعمان بن مقرن وفرات بن حبان وحنظلة بن الربيع التميمي وعطارد بن حاجب والاشعث بن قيس والمغيرة بن شعبة وعمرو بن معدي كرب يدعون رستم الى الله عز وجل فقال لهم رستم ما اقدمكم فقالوا جئنا لموعود الله ايانا اخذ بلادكم وسبي نسائكم وابنائكم واخذ اموالكم فنحن على يقين من ذلك وقد راى رستم في منامه كان ملكا نزل من السماء فختم على سلاح الفرس كله ودفعه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عمر وذكر سيف بن عمر ان رستم طاول سعدا في اللقاء حتى كان بين خروجه من المدائن وملتقاه سعدا بالقادسية اربعة اشهر كل ذلك لعله يضجر سعدا ومن معه ليرجعوا ولولا ان الملك استعجله ما التقاه لما يعلم من غلبة المسلمين لهم ونصرهم عليهم لما راى في منامه ولما يتوسمه ولما سمع منهم ولما عنده من علم النجوم الذي يعتقد صحته في نفسه لما له من الممارسة لهذا الفن ولما دنا جيش رستم من سعد احب سعد ان يطلع على اخبارهم على الجلية فبعث رجلا سرية لتاتيه برجل من الفرس وكان في السرية طليحة الاسدي الذي كان ادعى النبوة ثم تاب وتقدم الحارث مع اصحابه حتى رجعوا فلما بعث سعد السرية اخترق طليحة الجيوش والصفوف وتخطى الالوف وقتل جماعة من الابطال حتى اسر احدهم وجاء به لا يملك من نفسه شيئا فساله
سعد عن القوم فجعل يصف شجاعة طليحة فقال دعنا من هذا واخبرنا عن رستم فقال هو في مائة الف وعشرين الفا ويتبعها مثلها واسلم الرجل من فوره رحمه الله
قال سيف عن شيوخه ولما تواجه الجيشان بعث رستم الى سعد ان يبعث اليه برجل عاقل عالم بما اساله عنه فبعث اليه المغيرة بن شعبة رضى الله عنه فلما قدم عليه جعل رستم يقول له انكم جيراننا وكنا نحسن اليكم ونكف الاذى عنكم فارجعوا الى بلادكم ولا نمنع تجارتكم من الدخول الى بلادنا فقال له المغيرة انا ليس طلبنا الدنيا وانما همنا وطلبنا الآخرة وقد بعث الله الينا رسولا قال له اني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فانا منتقم بهم منهم واجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به وهو دين الحق لا يرغب عنه احد الا ذل ولا يعتصم به الا عز فقال له رستم فما هو فقال اما عموده الذي لا يصلح شىء منه الا به فشهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله والاقرار بما جاء من عندالله فقال ما احسن هذا واي شىء ايضا قال واخراج العباد من عبادة العباد الى عبادة الله قال وحسن ايضا واي شىء ايضا قال والناس بنو آدم فهم اخوة لأب وأم وقال حسن ايضا ثم قال رستم ارايت ان دخلنا في دينكم اترجعون عن بلادنا قال اي والله ثم لا نقرب بلادكم الا في تجارة او حاجة قال وحسن ايضا قال ولما خرج المغيرة من عنده ذاكر رستم رؤساء قومه في الاسلام فانفوا ذلك وابوا ان يدخلوا فيه قبحهم الله واخزاهم وقد فعل
قالوا ثم بعث اليه سعد رسولا اخر بطلبه وهو ربعي بن عامر فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير واظهر اليواقيت واللآلىء الثمينةى والزينة العظيمة وعليه تاجه وغير ذلك من الامتعة الثمينة وقد جلس على سرير من ذهب ودخل ربعي بثياب صفيقة وسيف وترس وفرس قصيرة ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد واقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه فقالوا له ضع سلاحك فقال انى لم آتكم وانما جئتكم حين دعوتموني فان تركتموني هكذا والا رجعت فقال رستم ائذنوا له فاقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فحرق عامتها فقالوا له ما جاء بكم فقال الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد الى عبادة الله ومن ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الاديان الى عدل الاسلام فارسلنا بدينه الى خلقه لتدعوهم اليه فمن قبل ذلك قبلنا منه ورجعنا عنه ومن ابى قاتلناه ابدا حتى نفضى الى موعود الله قالوا وما موعود الله قال الجنة لمن مات على قتال من ابى والظفر لمن بقي فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم ان تؤخروا هذا الامر حتى ننظر فيه وتنظروا قال نعم كم احب اليكم يوما او يومين قال لا بل حتى نكاتب اهل راينا رؤساء قومنا فقال
ما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نؤخر الاعداء عند اللقاء اكثر من ثلاث فانظر في امرك وامرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الاجل فقال اسيدهم انت قال لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير ادناهم على اعلاهم فاجتمع رستم برؤساء قومه فقال هل رايتم قط اعز وارجح من كلام هذا الرجل فقالوا معاذ الله ان تميل الى شىء من هذا تدع دينك الى هذا الكلب اما ترى الى ثيابه فقال ويلكم لا تنظرون الى الثياب وانظروا الى الرأي والكلام والسيرة ان العرب يستخفون بالثياب والمأكل ويصونون الاحساب ثم بعثوا يطلبون في اليوم الثاني رجلا فبعث اليهم حذيفة بن محصن فتكلم نحو ما قال ربعي وفي اليوم الثالث المغيرة بن شعبة فتكلم بكلام حسن طويل قال فيه رستم للمغيرة انما مثلكم في دخولكم ارضنا كمثل الذباب راى العسل فقال من يوصلني اليه وله درهمان فلما سقط عليه غرق فيه فجعل يطلب الخلاص فلا يجده وجعل يقول من يخلصنى وله اربعة دراهم ومثلكم كمثل الثعلب ضعيف دخل جحرا في كرم فلما رآه صاحب الكرم ضعيفا رحمه فتركه فلما سمن افسد شيئا كثيرا فجاء بجيشه واستعان عليه بغلمانه فذهب ليخرج فلم يستطع لسمنه فضربه حتى قتله فهكذا تخرجون من بلادنا ثم استشاط غضبا واقسم بالشمس لأقتلنكم فقال المغيرة ستعلم ثم قال رستم للمغيرة قد امرت لكم بكسوة ولاميركم بالف دينار وكسوة ومركوب وتنصرفون عنا فقال المغيرة ابعد ان اوهنا ملككم وضعفنا عزكم ولنامدة نحو بلادكم وناخذ الجزية منكم عن يد وانتم صاغرون وستصيرون لنا عبيدا على رغمكم فلما قال ذلك استشاط غضبا
وقال ابن جرير حدثنى محمد بن عبدالله بن صفوان الثقفي ثنا امية بن خالد ثنا ابو عوانة عن حصيب بن عبدالرحمن قال قال ابو وائل جاء سعد حتى نزل القادسية ومعه الناس قال لا ادري لعلنا لا نزيد على سبعة الاف او ثمان الاف بين ذلك والمشركون ثلاثون الفا ونحوذلك فقالوا لا يد لكم ولا قوة ولا سلاح ما جاء بكم ارجعوا قال قلنا ما نحن براجعين فكانوا يضحكون من نبلنا ويقولون دوك دوك وشبهونا بالمغازل فلما ابينا عليهم ان نرجع قالوا ابعثوا الينا رجلا من عقلائكم يبين لنا ما جاء بكم فقال المغيرة بن شعبة انا فعبر اليهم فقعد مع رستم على السرير فنخروا وصاحوا فقال ان هذا لم يزدني رفعة ولم ينقص صاحبكم فقال رستم صدق ما جاء بكم فقال انا كنا قوما في شر وضلالة فبعث الله الينا نبيا فهدانا الله به ورزقنا على يديه فكان فيما رزقنا حبة تنبت في هذا البلد فلما اكلناها واطعمناها اهلينا قالوا لا صبر لنا عنها انزلونا هذه الارض حتى ناكل من هذه الحبة فقال رستم اذا نقتلكم قال ان قتلتمونا دخلنا الجنة وان
قتلناكم دخلتم النار واديتم الجزية قال فلما قال واديتم الجزية نخروا وصاحوا وقالوا لا صلح بيننا وبينكم فقال المغيرة تعبرون الينا او نعبر اليكم فقال رستم بل نعبر اليكم فاستاخر المسلمون حتى عبروا فحملوا عليهم فهزموهم
وذكر سيف ان سعدا كان به عرق النسا يومئذ وانه خطب الناس وتلى قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون وصلى بالناس الظهر ثم كبر اربعا وحملوا بعد ان امرهم ان يقولوا لا حول ولا قوة الا بالله في طردهم اياهم وقتلهم اياهم وقعودهم لهم كل مرصد وحصرهم لبعضهم في بعض الاماكن حتى اكلوا الكلاب والسنانير وما رد شاردهم حتى وصل الى نهاوند ولجا اكثرهم الى المدائن ولحقهم المسلمون الى ابوابها وكان سعد قد بعث طائفة من اصحابه الى كسرى يدعونه الى الله قبل الوقعة فاستاذنوا على كسرى فاذن لهم وخرج اهل البلد ينظرون الى اشكالهم وارديتهم على عواتقهم وسياطهم بأيديهم والنعال في ارجلهم وخيولهم الضعيفة وخبطها الارض بارجلها وجعلوا يتعجبون منها غاية العجب كيف مثل هؤلاء يقهرون جيوشهم مع كثرة عددها وعددها ولما استاذنوا على الملك يزدجرد اذن لهم واجلسهم بين يديه وكان متكبرا قليل الادب ثم جعل يسالهم عن ملابسهم هذه ما اسمها عن الاردية والنعال والسياط ثم كلما قالوا شيئا من ذلك تفاءل فرد الله فاله على راسه ثم قال لهم ما الذي اقدمكم هذه البلاد اظننتم انا لما تشاغلنا بأنفسنا اجترأتم علينا فقال له النعمان بن مقرن ان الله رحمنا فأرسل الينا رسولا يدلنا على الخير ويامرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه ووعدنا على اجابته خير الدنيا والآخرة فلم يدع الى ذلك قبيلة الا صاروا فرقتين فرقة تقاربه وفرقة تباعده ولا يدخل معه في دينه الا الخواص فمكث كذلك ما شاء الله ان يمكث ثم امر ان ينهد الى من خالفه من العرب ويبدا بهم ففعل فدخلوا معه جميعا على وجهين مكروه عليه فاغتبط وطائع اياه فازداد فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق وامرنا ان نبدأ بمن يلينا من الامم فندعوهم الى الانصاف فنحن ندعوكم الى دينا وهو دين الاسلام حسن الحسن وقبح القبيح كله فان ابيتم فامر من الشر هو اهون من آخر شر منه الجزاء فإن ابيتم فالمناجزة وان واجبتم الى دينننا خلفنا فيكم كتاب الله واقمنكم عليه على ان تحكموا باحكامه ونرجع عنكم وشانكم وبلادكم وان اتيتمونا بالجزي قبلنا ومنعناكم والا قاتلناكم قال قتلكم يزدجر فقال اني لا اعلم في الارض امة كانت اشقى ولا اقل عددا ولا اسوأ ذات بين منكم قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي ليكفوناكم لا تغزوكم فارس ولا تطعمون ان تقوموا لهم فان كان عددكم كثر فلا يغرنكم منا وان كان الجهد دعا كم فرضنا
لكم قوتا الى خصبكم واكرمنا وجوهكم وكسوناكم وملكنا عليكم ملكا يرفق بكم فاسكت القوم فقام المغيرة بن شعبة فقال ايها الملك ان الأشراف الأشراف ويعظم حقوق الأشراف الأشراف وليس كل ما ارسلوا له جمعوه لك هؤلاء رؤس العرب وجوههم وهم اشراف يستحيون من الأشراف وإنما يكرم ولا كل ما تكلمت به اجابوك عليه وقد احسنوا ولا يحسن بمثلهم الا ذلك فجاوبني فاكون انا الذي ابلغك ويشهدون على ذلك انك قد وصفتنا صفة لم تكن بها عالما فاما ما ذكرت من سوء الحال فما كان اسوا حالا منا واما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع كنا ناكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات ونرى ذلك طعامنا واما المنازل فانما هى ظهر الارض ولا نلبس الا ما غزلنا من اوبار الابل واشعار الغنم ديننا ان يقتل بعضنا بعضا وان يبغى بعضنا على بعض وان كان احدنا ليدفن ابنته وهى حية كراهية ان تاكل من طعامه وكانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك وفي المعاد على ما ذكرت لك فبعث الله الينا رجلا معروفا نعرف نسبه ونعرف وجهه ومولده فارضه خير ارضنا وحسبه خير احسابنا وبيته خير بيوتنا وقبيلته خير قبائلنا وهو نفسه كان خيرنا في الحال التى كان فيها اصدقنا واحلمنا فدعانا الى امر فلم يجبه احد اول ترب كان له الخليفة من بعده فقال وقلنا وصدق وكذبنا وزاد ونقصنا فلم يقل شيئا الا كان فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه فصار فيما بيننا وبين رب العالمين فما قال لنا فهو قول الله وما امرنا فهو امر الله فقال لنا ان ربكم يقول انا الله وحدي لا شريك لي كنت اذ لم يكن شىء وكل شىء هالك الا وجهي وانا خلقت كل شىء والى يصير كل شىء وان رحمتي ادركتكم فبعثت اليكم هذا الرجل لادلكم على السبيل التى انجيكم بها بعد الموت من عذابي ولاحلكم داري دار السلام فنشهد عليه انه جاء بالحق من عند الحق وقال من تابعكم على هذا فله مالكم وعليه ما عليكم ومن ابى فاعرضوا عليه الجزية ثم امنعوه مما تمنعون منه انفسكم ومن ابى فقاتلوه فانا الحكم بينكم فمن قتل منكم ادخلته جنتى ومن بقي منكم اعقبته النصر على من ناوأه فاختر ان شئت الجزية وانت صاغر وان شئت فالسيف او تسلم فتنجي نفسك فقال يزدجر اتستقبلني بمثل هذا فقال ما استقبلت الا من كلمنى ولو كلمنى غيرك لم استقبلك به فقال لولا ان الرسل لا تقتل لقتلتكم لا شىء لكم عندى وقال ائتوني بوقر من تراب فاحملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من ابيات المدائن ارجعوا الى صاحبكم فاعلموه اني مرسل اليه رستم حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية وينكل به وبكم من بعد ثم اورده بلادكم حت اشغلكم في انفسكم باشد مما نالكم من سابور ثم قال من اشرفكم فسكت القوم فقال عاصم بن عمرو واقتات ليأخذ التراب انا اشرفهم انا سيد هؤلاء فحملنيه فقال اكذلك قالوا نعم فحمله على عنقه فخرج به من الايوان والدار حتى اتى راحلته
فحمله عليها ثم انجذب في السير لياتوا به سعدا وسبقهم عاصم فمر باب قديس فطواه وقال بشروا الامير بالظفر ظفرنا ان شاء الله تعالى ثم مضى حتى جعل التراب في الحجر ثم رجع فدخل على سعد فأخبره الخبر فقال ابشروا فقد والله اعطانا الله اقاليد ملكهم وتفاءلوا بذلك اخذ بلادهم ثم لم يزل امر الصحابة يزداد في كل يوم علوا وشرفا ورفعة وينحط امر الفرس سفلا وذلا ووهنا ولما رجع رستم الى الملك يساله عن حل من راى من المسلمين فذكر له عقلهم وفصاحتهم وحدة جوابهم وانهم يرومون امرا يوشك ان يدركوه وذكر ما امر به اشرفهم من حمل التراب وانه استحمق اشرفهم في حمله التراب على راسه ولوشاء اتقى بغيره وانا لا اشعر فقال له رستم انه ليس احمق وليس هو باشرفهم انما اراد ان يفتدي قومه بنفسه ولكن والله ذهبوا بمفاتيح ارضنا وكان رستم منجما ثم ارسل رجلا وراءهم وقال ان ادرك التراب فرده تداركنا امرنا وان ذهبوا به الى اميرهم غلبونا على ارضنا قال فساق وراءهم فلم يدركهم بل سبقوه الى سعد بالتراب وساء ذلك فارس وغضبوا من ذلك اشد الغضب واستهجنوا راي الملك
*3* فصل (وقعة القادسية ) .
@ كانت وقعة القادسية وقعة عظيمة لم يكن بالعراق اعجب منها وذلك انه لما تواجه الصفان كان سعد رضى الله عنه قد اصابه عرق النسا ودمامل في جسده فهو لا يستطيع الركوب وانما هو في قصر متكىء على صدره فوق وسادة وهو ينظر الى الجيش ويدبر امره وقد جعل امر الحرب الى خالد بن عرفطة وجعل على الميمنة جرير بن عبدالله البجلي وعلى الميسرة قيس بن مكشوح وكان قيس والمغيرة بن شعبة قد قدما على سعد مددا من عند ابو عبيدة من الشام بعدما شهدا وقعة اليرموك
وزعم ابن اسحاق ان المسلمين كانوا ما بين السبعة الاف الى الثمانية الاف وان رستما كان في ستين الفا فصلى سعد بالناس الظهر ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم وتلا قوله تعالى ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره ثم كبر سعدا اربعا ثم حملوا بعد الرابعة فاقتتلوا حتى كان الليل فتحاجزوا وقد قتل من الفرقين بشر كثير ثم أصبحوا الى مواقفهم فاقتتلوا يومهم ذلك وعامة ليلتهم ثم اصبحوا كما امسوا على مواقفهم فاقتتلوا حتى امسوا ثم اقتتلوا في اليوم الثالث كذلك وامست هذه الليلة تسمى ليلة الهرير فلما اصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالا شديدا وقد قاسوا من الفيلة بالنسبة الى الخيول العربية بسبب نفرتها منها امرا بليغا وقد اباد الصحابة الفيلة ومن عليها وقلعوا عيونها وابلى جماعة من الشجعان في هذه الايام مثل طليحة الاسدي وعمرو بن معدي كرب والقعقاع بن عمرو وجرير بن عبدالله البجلي وضرار بن الخطاب وخالد بن عرفطة واشكالهم واضرابهم فلما كان وقت الزوال من هذا اليوم
ويسمى يوم القادسية وكان يوم الاثنين من المحرم سنة اربع عشرة كما قاله سيف بن عمر التميمي هبت ريح شديدة فرفعت خيام الفرس عن اماكنها والقت سرير رستم الذي هو منصوب له فبادر فركب بغلته وهرب فأدركه المسلمون فقتلوه وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع القادسية وانهزمت الفرس ولله الحمد والمنة عن بكرة ابيهم ولحقهم المسلمون في اقفائهم فقتل يومئذ المسلسلون بكمالهم وكانوا ثلاثين الفا وقتل في المعركة عشرة الاف وقتلوا قبل ذلك قريبا من ذلك وقتل من المسلمين في هذا اليوم وما قبله من الايام الفان وخمسمائة رحمهم الله وساق المسلمون خلفهم المنهزمين حتى دخلوا وراءهم مدينة الملك وهى المدائن التي فيها الايوان الكسروى وقد اذن لمن ذكرنا عليه فكان منهم اليه ما قدمنا وقد غنم المسلمون من وقعة القادسية هذه من الاموال والسلاح ما لا يحد ولا يوصف كثره فحصلت الغنائم بعد صرف الاسلاب وخمست وبعث بالخمس والبشارة الى امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر رضى الله عنه يستخبر عن امر القادسية كل من لقيه من الركبان ويخرج من المدينة الى ناحية العراق يستنشق الخبر فينما هو ذات يوم من الايام اذا هو براكب يلوح من بعد فاستقبله عمر فاستخبره فقال له فتح الله على المسلمين بالقادسية وغنموا غنائم كثيرة وجعل يحدثه وهو لا يعرف عمر وعمر ماش تحت راحلته فلما اقتربا من المدينة جعل الناس يحيون عمر بالامارة فعرف الرجل عمر فقال يرحمك الله يا امير المؤمنين هلا اعلمتني انك الخليفة فقال لا حرج عليك يا اخي
وقد تقدم ان سعدا رضى الله عنه كان به قروح وعرق النسا فمنعه من شهود القتال لكنه جالس في راس القصر ينظر في مصالح الجيش وكان مع ذلك لا يغلق عليه باب القصر لشجاعته ولو فر الناس لاخذته الفرس قبضا باليد لا يمتنع منهم وعنده امرأته سلمى بنت حفص التى كانت قبله عند المثنى بن حارثة فلما فر بعض الخيل يومئذ فزعت وقالت وامثنياه ولا مثنى لي اليوم فغضب سعد من ذلك ولطم وجهها فقالت اغيرة وجبنا يعنى انها تعيره بجلوسه في القصر يوم الحرب وهذا عناد منها فإنها اعلم الناس بعذره وما هو فيه من المرض المانع من ذلك وكان عنده في القصر رجل مسجون على الشراب كان قد حد فيه مرات متعددة يقال سبع مرات فامر به سعد فقيد واودع في القصر فلما راى الخيول تجول حول حمى القصر وكان من الشجعان الابطال قال
كفى حزنا ان تدحم الخيل بالفتى * واترك مشدودا علي وثاقيا
اذا قمت غناني الحديد وغلقت * مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير واخوة * وقد تركوني مفردا لا اخاليا
ثم سأل من زبراء ام ولد سعد ان تطلقه وتعيره فرس سعد وحلف لها انه يرجع آخر النهار فيضع
رجله في القيد فاطلقته وركب فرس سعد وخرج فقاتل قتالا شديدا وجعل سعد ينظر الى فرسه فيعرفها وينكرها ويشبهه بابي مجحن ولكن يشك لظنه انه في القصر موثق فلما كان آخر النهار رجع فوضع رجله في قيدها ونزل سعد فوجد فرسه يعرق فقال ما هذا فذكروا له قصة ابو محجن فرضى عنه واطلقه رضى الله عنهما
وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضى الله عنه
نقاتل حتى انزل الله نصره * وسعد بباب القادسية معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهم ايم
فيقال ان سعدا نزل الى الناس فاعتذر اليهم مما فيه من القروح في فخذيه واليتيه فعذره الناس ويذكر انه دعا على قائل هذين البيتين وقال اللهم ان كان كاذبا او قال الذي قال رياء وسمعة وكذبا فاقطع لسانه ويده فجاءه سهم وهو واقف بين الصفين فوقع في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات رواه سيف عن عبدالملك بن عمير عن قبيصة بن جابر فذكره وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن ابيه قال قال جرير بن عبدالله البجلي
انا جرير وكنيتي ابو عمرو * قد فتح الله وسعد في القصر
فاشرف سعد من قصره وقال * وما ارجو بجيلة غير اني
اومل اجرها يوم الحساب
وقد لقيت خيولهم خيولا * وقد وقع الفوارس في الضراب
وقد دلفت بعرصتهم خيول * كان زهاءها ابل الجراب
فلولا جمع قعقاع بن عمرو * وحمال للجوا في الركاب
ولولا ذاك الفيتم رعاعا * تسيل جموعكم مثل الذباب
وقد روى محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن ابي خالد عن قيس بن ابي حازم البجلي وكان ممن شهد القادسية قال كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفرس مرتدا فاخبرهم ان باس الناس في الجانب الذي فيه بجيلة قال وكنا ربع الناس قال فوجهوا الينا ستة عشر فيلاا وجعلوا يلقون تحت ارجل خيولنا حسك الحديد ويرشقوننا بالنشاب فلكأنه المطر وقربوا خيولهم بعضها الى بعض لئلا يفروا قال وكان عمرو بن معد يكرب الزبيدي يمر بنا فيقول يا معشر المهاجرين كونوا اسودا فانما الفارسي تيس قال وكان فيهم اسوار لا تكاد تسقط له النشاب فقلنا له يا ابا ثور نق ذاك الفارس فانه لا يسقط له نشابة فوجه اليه الفارس ورماه بنشابة فاصاب ترسه وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبى فاستلبه سوارين من ذهب ومنطقة من ذهب ويلمقا من ديباج قال وكان المسلمون
ستة آلاف او سبعة الاف فقتل الله رستما وكان الذي قتله رجل يقال له هلال بن علقمة التميمي رماه رستم بنشابه فاصاب قدمه وحمل عليه هلال فقتله واحتز راسه وولت الفرس فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فادركوهم في مكان قد نزلوا فيه واطمانوا فينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا اذ هجم عليهم المسلمون فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وقتل هنالك الجالينوس قتله زهرة بن حوية التميمي ثم ساروا خلفهم فكلما تواجه الفريقان نصر الله حزب الرحمن وخذل حزب الشيطان وعبدة النيران واحتاز المسلمون من الاموال ما يعجز عن حصره ميزان وقبان حتى ان منهم من يقول من يقايض بيضاء بصفراء لكثرةو ما غنموا من الفرسان ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفرات وراءهم وفتحوا المدائن وجلولاء على ما سيأتي تفصيله في موضعه ان شاء الله تعالى وبه الثقة
وقال سيف بن عمرو عن سليمان بن بشير عن ام كثير امراة همام بن الحارث النخعى قالت شهدنا القادسية مع سعد مع ازواجنا فلما اتانا ان قد فرغ من الناس شددنا علينا ثيابنا واخذنا الهراوي ثم اتينا القتلى فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه ومن كان من المشركين اجهزنا عليه ومعنا الصبيان فنوليهم ذلك تعنى استلابهم لئلا يكشفن عن عورات الرجال
وقال سيف باسانيده عن شيوخه قالوا وكتب سعد الى عمر يخبره بالفتح وبعدة من قتلوا من المشركين وبعدة من قتل من المسلمين بعث بالكتاب مع سعد بن عميلة الفزاري وصورته اما بعد فان الله نصرنا على اهل فارس ومنحناهم سنن من كان قبلهم من اهل دينهم بعد قتال طويل وزلزال شديد وقد لقوا المسلمين بعدة لم ير الراؤن مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبوه ونقله عنهم الى المسلمين واتبعهم المسلمون على الانهار وصفوف الآجام وفي الفجاج واصيب من المسلمين سعد بن عبيد القاري وفلان وفلان ورجال من المسلمين لا يعلمهم الا الله فانه بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن اذا جن عليهم الليل كدوى النحل وهم آساد في النهار لا تشبههم الاسود ولم يفضل من مضى منهم من بقي الا بفضل الشهادة اذا لم تكتب لهم
فيقال ان عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضى الله عنهم ثم قال عمر للناس اني حريص على ان لا ارى حاجة الا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض فاذا عجز ذلك عنا تاسينا في عيشنا حتى نستوى في الكفاف ولوددت انكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم ولست معلمكم الا بالعمل اني والله لست بملك فاستعبدكم ولكنى عبد الله عرض على الامانة فإن ابيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت بكم وان انا حملتها واستتبعتكم الى بيتى شقيت بكم ففرحت قليلا وحزنت طويلا فبقيت لا اقال ولا ارد فأستعتب
وقال سيف عن شيوخه قالوا وكانت العرب من العذيب الى عدن ابين يتربصون وقعة
القادسية هذه يرون أن ثبات ملكهم وزواله بها وقد بعث اهل كل بلدة قاصدا يكشف ما يكون من خبرهم فلما كان ما كان من الفتح سبقت الجن بالبشارة الى اقصى البلاد قبل رسل الانس فسمعت امرأة ليلا بصنعاء على راس جبل وهى تقول
فحييت عنا عكرم ابنة خالد * وما خير زاد بالقليل المصرد
وحييت عنى الشمس عند طلوعها * وحييت عنى كل تاج مفرد
وحيتك عنى عصبة نخعية * حسان الوجوه آمنوا بمحمد
اقاموا لكسرى يضربون حنوده * بكل رقيق الشفرتين مهند
اذا ثوب الداعي اناخوا بكلكل * من الموت مسود الغياطل اجرد
قالوا وسمع اهل اليمامة مجتازا يغنى بهذه الابيات
وجدنا الا كرمين بني تميم * غداة الروع اكثرهم رجالا
هموا ساروا بارعن مكفهر * الى لجب يرونهم رعالا
بحور لللاكاسر من رجال * كاسد الغاب تحسبهم جبالا
تركن لهم بقادس عز وفخر * وبالخيفين اياما طوالا
مقطعة اكفهم وسوق * بمرد حيث قابلت الرجالا
قالوا وسمع ذلك في سائر بلاد العرب وقد كانت بلاد العراق بكاملها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التى كانوا اعطوها لخالد سوى اهل بانقيا وبرسما واهل اليس والاخرة ثم عاد الجميع بعد هذه الواقعة التى اوردناها وادعوا ان الفرس اجبروهم على نقض العهود واخذوا منهم الخراج وغير ذلك فصدقوهم في ذلك تالفا لقلوبهم وسنذكر حكم اهل السواد في كتابنا الاحكام الكبير ان شاء الله تعالى وقد ذهب ابن اسحاق وغيره الى ان وقعة القادسية كانت في سنة خمس عشرة وزعم الواقدي انها كانت في سنة ستة عشرة واما سيف بن عمرو وجماعة فذكروها في سنة اربع عشرة وفيها ذكرها ابن جرير فالله اعلم
قال ابن جرير والواقدي في سنة اربع عشرة جمع عمر بن الخطاب الناس على ابي بن كعب في التراويح وذلك في شهر رمضان منها وكتب الى سائر الامصار يامرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان قال ابن جرير وفيها بعث عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان الى البصرة وامره ان ينزل فيها بمن معه من المسلمين وقطع مادة اهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني وروايته قال وزعم سيف ان البصرة انما مصرت في ربيع من سنة ست عشرة وان عتبة بن غزوان انما خرج الى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت وجهه اليها سعد بامر من عمر رضى الله عنهم
وقال ابو مخنف عن مجالد عن الشعبي رضى الله عنهم ان عمر بعث عتبة بن غزوان الى ارض البصرة في ثلثمائة وبضعة عشر رجلا وسار اليه من الاعراب ما كمل معه خمسمائة فنزلها في ربيع الاول سنة اربع عشرة والبصرة يومئذ تدعى ارض الهند فيها حجارة بيض خشنة وجعل يرتاد لهم منزلا حتى جاؤا حيال الجسر الصغير فاذا فيه حلفا وقصب نابت فنزلوا فركب اليهم صاحب الفرات في اربعة الاف اسوار فالتقاه عتبة بعدما زالت الشمس وامر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفرس عن آخرهم واسروا صاحب الفرات وقام عتبة خطيبا فقال في خطبته ان الدنيا قد آدت بصرم وولت حذاء ولم يبق منها الا صبابة كصبابة الاناء وانكم منتقلون منها الى دار القرار فانتقلوا عما بحضرتكم فقد ذكر لي لو ان صخرة القيت من شفير جهنم هوت سبعين خريفا ولتملأنه او عجبتم ولقد ذكر لي ان ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة اربعين عاما ولياتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام ولقد رايتني وانا سابع سبعة وانا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لنا طعام الا ورق السمر حتى تفرحت اشداقنا والتقطت بردة فشققتها بينى وبين سعد فما منا من اولئك السبعة من احد الا هو امير على مصر من الامصار وسيجربون الناس بعدنا وهذا الحديث في صحيح مسلم بنحو من هذا السياق
وروى على بن محمد المدائني ان عمر كتب الى عتبة بن غزوان حين وجهه الى البصرة يا عتبة اني استعملتك على ارض الهند وهى حومة من حومة العدو وارجو ان يكفيك الله ما حولها وان يعينك عليها وقد كتبت الى العلاء بن الحضرمي يمدك بعرفجة بن هرثمة فاذا قدم عليك فاستشره وقربه وادع الى الله فمن اجابك فاقبل منه ومن ابى فالجزية عن صغار وذلة والا فالسيف في غير هوادة واتق الله فيما وليت واياك ان تنازعك نفسك الى كبر فتفسد عليك اخرتك وقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززت بعد الذلة وقويت بعد الضعف حتى صرت اميرا مسلطا وملكا مطاعا نقول فيسمع منك وتامر فيطاع امرك فيالها نعمة اذا لم ترق فوق قدرك وتبطر على من دونك احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية وهى اخوفهما عندي عليك ان يستدرجك ويخدعك فتسقط سقط فتصير بها الى جهنم اعيذك بالله ونفسي من ذلك ان الناس اسرعوا الى الله حتى رفعت لهم الدنيا فارادوها فأرد الله ولا ترد الدنيا واتق مصارع الظالمين
وقد فتح عتبة الابلة في رجب او شعبان من هذه السنة ولما مات عتبة بن غزوان في هذه السنة استعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة سنتين فلما رمى بما رمى به عزله وولى عليها ابا موسى الاشعري رضى الله عنهم وفي هذه السنة ضرب عمر بن الخطاب ابنه عبيدالله في الشراب هو وجماعة معه وفيها ضرب ابا مجحن الثقفي في الشراب ايضا سبع مرات وضرب معه ربيعة بن امية بن
خلف وفيها نزل سعد بن ابي وقاص الكوفة وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب قال وكان بمكة عتاب بن اسيد وبالشام ابو عبيدة وبالبحرين عثمان بن ابي العاص وقيل العلاء بن الحضرمي وعلى العراق سعد وعلى عمان حذيفة بن محصن
*3* ذكرى من توفى في هذا العام من المشاهير
@ ففيها توفى سعد بن عبادة في قول والصحيح في التي قبلها والله اعلم عتبة بن غزوان بن جابر بن هيب المازني حليف بنى عبد شمس صحابي بدري واسلم قديما بعد سنة وهاجر الى ارض الحبشة وهو اول من اختط البصرة عن امر عمر في امراته له على ذلك كما تقدم وله فضائل ومآثر وتوفي سنة اربع عشرة وقيل سنة خمس عشرة وقيل سنة سبع عشرة وقيل سنة عشرين فالله اعلم وقد جاوز الخمسين وقيل بلغ ستين سنة رضى الله عنه عمرو بن أم مكتوم الاعمى ويقال اسمه عبدالله صحابي مهاجر هاجر بعد مصعب بن عمير قبل النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقرىء الناس القرآن وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة غير مرة فيقال ثلاث عشرة مرة وشهد القادسية مع سعد زمن عمر فيقال انه قتل بها شهيدا ويقال انه رجع الى المدينة وتوفي بها والله اعلم المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان الشيباني نائب خالد على العراق وهو الذي صارت اليه الامرة بعد ابي عبيد يوم الجسر فدارى بالمسلمين حتى خلصهم من الفرس يومئذ وكان احد الفرسان الابطال وهو الذي ركب الى الصديق فحرضه على غزو العراق ولما توفي تزوج سعد بن ابي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضى الله عنهما وارضاهما وقد ذكره ابن الاثير في كتابه الغابة في اسماء الصحابه ابو زيد الانصاري النجاري احد القراء الاربعة الذين حفظوا القرآن من الانصار في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في حديث انس بن مالك وهم معاذ بن جبل وابي بن كعب وزيد بن ثابت وابو زيد قال انس احد عمومتى قال الكلبي واسم ابي زيد هذا قيس بن السكن بن قيس بن زعوراء بن حزم بن جندب بن غنم بن عدي بن النجار شهد بدرا قال بعض الناس أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عبيد وردوا هذا برواية قتادة موسى بن عقبة واستشهد يوم جسر ابى عبيد وهي عنده في سنة أربع عشرة وقال عن انس بن مالك قال افتخرت الاوس والخزرج فقالت الاوس منا غسيل الملائكة حنظلة بن ابي عامر ومنا الذى حمته الدبر عاصم بن ثابت بن ابي الافلح ومنا الذي اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ ومنا الذي جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت فقالت الخزرج منا اربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابي وزيد بن ثابت ومعاذ وابو زيد رضى الله عنهم اجمعين أبو عبيد بن
مسعود بن عمر الثقفي والد المختار بن ابي عبيد امير العراق ووالد صفية امرأة عبدالله بن عمر اسلم ابو عبيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وذكره الشيخ ابو عمر بن عبدالبر في الصحابة
قال شيخنا الحافظ ابو عبدالله الذهبي ولا يبعد ان يكون له رواية والله اعلم
ابو قحافة والد الصديق واسم ابي بكر الصديق عبدالله بن ابي قحافة عثمان بن عامر بن صخر ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب اسلم ابو قحافة عام الفتح فجاء به الصديق يقوده الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلا اقررتم الشيخ في بيته حتى كنا نحن ناتيه تكرمه لابي بكر رضى الله عنه فقال بل هو احق بالسعي اليك يا رسول الله فاجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه وراسه كالثغامة بياضا ودعا له وقال غيروا هذا الشيب بشىء وجنبوه السواد ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصارت الخلافة الى الصديق اخبره المسلمون بذلك وهو بمكة فقال او أقرت بذلك بنو هاشم بنو مخزوم قالوا نعم ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء ثم اصيب ابنه الصديق رضى الله عنه ثم توفي ابو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة اربع عشرة بمكة عن اربع وسبعين سنة رحمه الله واكرم مثواه
وممن ذكر شيخنا ابو عبدالله الذهبي من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف اوس بن اوس بن عتيك قتل يوم الجسر بشير بن عنبس بن يزيد الظفري احدى وهو ابن عم قتادة بن النعمان ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه ثابت بن عتيك من بنى عمرو بن مبذول صحابي قتل يوم الجسر ثعلبة بن عمرو بن محصن النجاري بدري قتل يومئذ الحارث بن عتيك ابن النعمان النجاري شهد احدا قتل يومئذ الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ الحارث بن عدي بن مالك انصاري احدى قتل يومئذ خالد بن سعيد بن العاص قيل استشهد يوم مرج الصفر وكان في سنة اربع عشرة في قول خزيمة بن اوس الاشهلي قتل يوم الجسر ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب ارخ وفاته في هذه السنة ابن قانع زيد بن سراقة يوم الجسر سعد بن سلامة بن وقش الاشهلي سعد بن عبادة في قول سلمة بن اسلم بن حريش يوم الجسر ضمرة بن غزية يوم الجسر عباد وعبدالله وعبدالرحمن بنو مريع بن قيظي قتلوا يومئذ عبدالله بن صعصعه بن وهب الانصاري النجاري شهدا احدا وما بعدها قال ابن الاثير في الغابة وقتل يوم الجسر عتبة بن غزوان تقدم عقبة واخوه عبدالله حضرا الجسر مع ابيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ العلاء الحضرمي توفي في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسياتي عمرو بن ابي اليسر قتل يوم الجسر قيس بن السكن ابو زيد الانصاري رضى الله عنه تقدم المثنى بن حارثة الشيباني توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم نافع بن غيلان قتل يومئذ نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب
وكان اسن من عمه العباس قيل انه توفي في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدم واقد بن عبدالله قتل يوم يزيد بن قيس بن الخطيم الانصاري الظفري شهد احدا وما بعدها قتل يوم الجسر وقد اصابه يوم احد جراحات كثيرة وكان ابوه شاعرا مشهورا ابو عبيد بن مسعود الثقفي امير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده تخبطه الفيل حتى قتله رضى الله عنه بعدما قطع خرطومه بسيفه خرطومه كما تقدم ابو قحافة التيمي والد ابي بكر الصديق توفي في هذه السنة رضي الله عنه هند بنت عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس بن امية الاموية والدة معاوية بن ابي سفيان وكانت من سيدات نساء قريش ذات راي ودهاء ورياسة في قومها وقد شهدت يوم احد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ ولما قتل حمزة مثلت به واخذت من كبده فلاكتها فلم تستطيع اساغتها لانه كان قد قتل اباها واخاها يوم بدر ثم بعد ذلك كله اسلمت وحسن اسلامها عام الفتح بعد زوجها بليلة ولما ارادات الذهاب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتبايعه استاذنت ابا سفيان فقال لها قد كنت بالامس مذكبة بهذا الامر فقالت والله ما رايت الله عبد حق عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة والله لقد باتوا ليلهم كلهم يصلون فيه فقال لها انك قد فعلت ما فعلت فلا تذهبي وحدكي فذهبت الى عثمان ابن عفان ويقال الى اخيها ابي حذيفة بن عتبة فذهب معها فدخلت وهي متنقبة فلما بايعها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرها من النساء قال على ان لا تشركن بالله شيئا ولا تسرقن ولا تزنين فقالت او تزنى الحرة ولا تقتلن اولادكن قالت قد ربيناهم صغارا نقتلهم كبارا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ياتين ببهتان يفترينه بين ايديهن وارجلهن ولا يعصينك فبادرت وقالت في معروف فقال في معروف وهذا من فصاحتها وحزمها وقد قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله يا محمد ما كان على ظهر الارض اهل خباء احب الى من ان يذلوا من اهل خبائك فقد والله اصبح اليوم وما على ظهر اللارض من اهل خباء احب الى من ان يعزوا من اهل خبائك فقال وكذلك والذي نفسي بيده وشكت من شح ابي سفيان فامرها ان تاخذ ما يكفيها ويكفي بنيها بالمعروف وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة وقد شهدت اليرموك مع زوجها ووماتت يوم مات ابو قحافة في سنة اربع عشرة وهى ام معاوية بن ابي سفيان
*2* ثم دخلت سنة خمس عشرة

قال ابن جرير قال بعضهم فيها مصر سعد بن ابي وقاص الكوفة دلهم عليها ابن بقيلة قال لسعد ادلك على ارض ارتفعت عن البق وانحدرت عن الفلاة فدلهم على موضع الكوفة اليوم قال وفيها كانت وقعة مرج الروم وذلك لما انصرف ابو عبيدة وخالد من وقعة فحل قاصدين الى حمص حسب
ما امر به امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق وغربها وقد هجم الشتاء فبدأ ابو عبيد بمرج الروم وجاء امير اخر من الروم يقال له شنس وعسكر معه كثيف فنازله ابو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد ابن ابي سفيان فاتبعه خالد بن الوليد وبرر اليه يزيد بن ابي سفيان من دمشق فاقتتلوا وجاء خالد وهم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من امامهم حتى أناموهم ولم يفلت منهم الا الشارد وقتل خالد توذرا واخذوا من الروم اموالا عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد الى دمشق وانصرف خالد الى ابي عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى انتنت الارض من زهمهم وقتل ابو عبيدة شنس وركبوا اكتافهم الى الى حمص فنزل عليها يحاصرها
*3* وقعة حمص الاولى
@ لما وصل ابو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين الى حمص نزل حولها يحاصرها ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارا شديدا وذلك في زمن البرد الشديد وصابر اهل البلد رجاء ان يصرفهم عنهم شدة البرد وصبر الصحابة صبرا عظيما بحيث انه ذكر غير واحد ان من الروم من كان يرجع وقد سقطت رجله وهي في الخف والصحابة ليس في ارجلهم شىء سوى النعال ومع هذا لم يصب منهم قدم ولا اصبع ايضا ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار واشار بعض كبار اهل حمص عليهم بالمصافحة فابوا عليه ذلك وقالوا انصالح والملك منا قريب فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الايام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران ثم تكبيرة اخرى فسقطت بعض الدور فجاءت عامتهم الى خاصتهم فقالوا الا تنظرون الى ما نزل بنا وما نحن فيه الا تصالحون القوم عنا قال فصالحوهم على ما صالحوا عليه اهل دمشق على نصف المنازل وضرب الخراج على الاراضي واخذ الجزية على الرقاب بحسب الغني والفقر وبعث ابو عبيدة بالاخماس والبشارة الى عمر مع عبدالله بن مسعود وانزل ابو عبيدة بجمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الامراء منهم بلال والمقداد وكتب ابو عبيدة الى عمر يخبره بان هرقل قد قطع الماء الى الجزيرة وانه يظهر تارة ويخفى اخرى فبعث اليه عمر يامره بالمقام ببلده
*3* وقعة قنسرين
@ لما فتح ابو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد الى قنسرين فلما جاءها ثار اليه اهلها ومن عندهم من نصارى العرب فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا وقتل منهم خلقا كثيرا فاما من هناك من الروم فابادهم وقتل اميرهم ميتاس واما الاعراب فانهم اعتذروا اليه بان هذا القتال لم يكن عن راينا
فقبل منهم خالد وكف عنهم ثم خلص الى البلد فتحصنوا فيه فقال لهم خالد انكم لو كنتم في السحاب لحملنا الله اليكم او لانزلكم الينا ولم يزل بهم حتى فتحها الله عليه ولله الحمد
فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم الله ابا بكر كان اعلم بالرجال مني والله اني لم اعزله عن ريبة ولكن خشيت ان يوكل الناس اليه وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده وارتحل عن بلاد الشام الى بلاد الروم هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن اسحاق قال قال سيف كان ذلك في سنة ست عشرة قالوا وكان هرقل كلما حج الى بيت المقدس وخرج منها يقول عليك السلام يا سورية تسليم مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد فلما عزم على الرحيل من الشام وبلغ الرها طلب من اهلها ان يصحبوه الى الروم فقالوا ان بقاءنا هاهنا انفع لك من رحيلنا معك فتركهم فلما وصل الى شمشان وعلا على شرف هنالك التفت الى نحو بيت المقدس وقال عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده الا ان اسلم عليكم تسليم المفارق ولا يعود اليك رومى ابدا الا خائفا حتى يولد المولود المشؤوم وياليته لم يولد ما احلى فعله وامر عاقبته على الروم ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية واستقر بها ملكه وقد سال رجلا ممن اتبعه كان قد اسر مع المسلمين فقال اخبرني عن هؤلاء القوم فقال اخبرك كانك تنظر اليهم هم فرسان بالنهار رهبان بالليل لا ياكلون في ذمتهم الا بثمن ولا يدخلون الا بسلام يقفون على من حاربوه حتى ياتوا عليه فقال لئن كنت صدقتنى ليملكن موضع قدمي هاتين
قلت وقد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بنى امية فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في اخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الاحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره من الائمة والله الحمد والمنة
وقد حرم الله على الروم ان يملكوا بلاد الشام برمتها الى اخر الدهر كما ثبت به الحديث في الصحيحين عن ابي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا هلك كسرى فلا كسرى بعده واذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عز وجل وقد وقع ما اخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رايت وسيكون ما اخبر به جزما لا يعود ملك القياصره الى الشام ابدا لان قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم فهذا لا يعود لهم ابدا
*3* وقعة قيسارية
@ قال ابن جرير وفي هذه السنة امر عمر معاوية بن ابي سفيان على قيسارية وكتب اليه اما بعد فقد وليتك قيسارية فسر اليها واستنصر الله عليهم واكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله
العلي العظيم الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير فسار اليها فحاصرها وزاحفه اهلها مرات عديدة وكان اخرها وقعة ان قاتلوا قتالا عظيما وصمم عليهم معاوية واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين الفا وكمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة وبعث بالفتح والاخماس الى امير المؤمنين عمر رضى الله عنه
قال ابن جرير وفيها كتب عمر بن الخطاب الى عمر بن العاص بالمسير الى ايليا ومناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عندالرملة بطائفة من الروم فكانت
*3* وقعة اجنادين
@ وذلك انه سار بجيشه وعلى ميمنته ابنه عبدالله بن عمرو وعلى ميسرته جنادة بن تميم المالكي من بنى مالك بن كنانة ومعه شرحبيل بن حسنة واستخلف على الاردن ابا الاعور السلمي فلما وصل الى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الارطبون وكان ادهى الروم وابعدها غورا وانكاها فعلا وقد كان وضع بالرملة جندا عظيما وبايلياء جندا عظيما فكتب عمرو الى عمر بالخبر فلما جاءه كتاب عمرو قال قد رمينا ارطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عما تنفرج وبعث إيلياء وأبا أيوب المالكي إلى الرملة وعليها التذارق فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه وجعل عمرو كلما قدم عليه امدادا من جهة عمر عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسي ومسروق بن بلال العكي على قتال أهل يبعث منهم طائفة الى هؤلاء وطائفة الى هؤلاء واقام عمرو على اجنادين لا يقدر من الارطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه فدخل عليه كانه رسول فابلغه ما يريد وسمع كلامه وتامل حضرته حتى عرف ما اراد وقال الارطبون في نفسه والله ان هذا لعمرو أو انه الذي ياخذ عمر برايه وما كنت لاصيب القوم بامر هو اعظم من قتله فدعا حرسيا فساره فامره بفتكه فقال اذهب فقم في مكان كذا وكذا فاذا مر بك فاقتله ففطن عمرو ابن العاص فقال للارطبون ايها الامير اني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي واني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد اموره وقد احببت ان آتيكم بهم ليسمعوا كلامك ويروا ما رايت فقال الارطبون نعم فاذهب فاتني بهم ودعا رجلا فساره فقال اذهب الى فلان فرده وقام عمرو فذهب الى جيشه ثم تحقق الارطبون انه عمرو بن العاص فقال خدعني الرجل هذا والله ادهى العرب وبلغت عمر بن الخطاب فقال لله در عمرو ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا باجنادين قتالا عظيما كقتال اليرموك حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش الى عمرو ابن العاص وذلك حين اعياهم صاحب ايليا وتحصن منهم بالبلد وكثر جيشه فكتب الارطبون الى عمرو بأنك صديقي ونظيري انت في قومك مثلي في قومي والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد
اجنادين فارجع ولا تغر فتلقى مثل ما لقي الذي قبلك من الهزيمة فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه الى ارطبون وقال اسمع ما يقول لك ثم ارجع فاخبرني وكتب اليه معه جاءني كتابك وانت نظيري ومثلي في قومك لو اخطاتك خصلة تجاهلت فضيلتي وقد علمت اني صاحب فتح هذه البلاد واقرا كتابي هذا بمحضر من اصحابك ووزرائك فلما وصله الكتاب جمع وزراءه وقرا عليهم الكتاب فقالوا للارطبون من اين علمت انه ليس بصاحب فتح هذه البلاد فقال صاحبها رجل اسمه على ثلاثة احرف فرجع الرسول الى عمرو فاخبره بما قال فكتب عمرو الى عمر يستمده ويقول له انى اعالج حربا كؤدا صدوما وبلادا ادخرت لك فرايك فلما وصل الكتاب الى عمر علم ان عمرا لم يقل ذلك الا لامر علمه فعزم عمر على الدخول الى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله
قال سيف بن عمر عن شيوخه وقد دخل عمر الشام اربع مرات الاولى كان راكبا فرسا حين فتحت بيت المقدس والثانية على بعير والثالثة وصل الى سرع ثم رجع لاجل ما وقع بالشام من الوباء والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه
*3* فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب
@ ذكره ابو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره ان ابا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب الى اهل ايليا يدعوهم الى الله والى الاسلام او يبذلون الجزية او يؤذنون بحرب فابوا ان يجيبوا الى ما دعاهم اليه فركب اليهم في حنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى اجابوا الى الصلح بشرط ان يقدم اليهم امير المؤمنين عمر بن الخطاب فكتب اليه ابو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فاشار عثمان بن عفان بان لا يركب اليهم ليكون احقر لهم وارغم لانوفهم واشار علي بن ابي طالب بالمسير اليهم ليكون اخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن ابي طالب وسار العباس بن عبدالمطلب على مقدمته فلما وصل الى الشام تلقاه ابو عبيدة ورؤس الامراء كخالد بن الوليد ويزيد بن ابي سفيان فترجل ابو عبيدة وترجل عمر فاشار ابو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل ابي عبيدة فكف ابو عبيدة فكف عمر ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم اجلاء الروم الى ثلاث ثم دخلها اذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء ويقال انه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود وصلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الاولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه وفي الثانية بسورة بني اسرائيل ثم جاء الى الصخرة
فاستدل على مكانها من كعب الاحبار واشار عليه كعب ان يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس وهو العمري اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائة ونقل المسلمون معه في ذلك وسخر اهل الاردن في نقل بقيتها وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لانها قبلة اليهود حتى ان المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة وذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة وهى المكان الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلاجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة وانسحب الاسم على الكنيسة التى بناها النصارى هنالك
وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي وهو بايلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في القاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت الى محراب داود قال لهم انكم لخليق ان تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو اسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم امروا بازالتها فشرعوا في ذلك فما ازالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فازالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله باسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ ابي القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الاقصى
وذكر سيف في سياقه ان عمر رضى الله عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها علي بن ابي طالب فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها ايها الناس اصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا امر دنياكم واعلموا ان رجلا ليس بينه وبين آدم اب حي ولا بينه وبين الله هوادة فمن اراد لحب طريق وجه الجنة فليلزم الجماعة فان الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين ابعد ولا يخلون احدكم بامرأة فان الشيطان ثالثهما ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن وهي خطبة طويلة اختصرناها ثم صالح عمر اهل الجابية ورحل الى بيت المقدس وقد كتب الى امراء الاجناد ان يوافوه في اليوم الفلاني الى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم الى الجابية فكان اول من تلقاه يزيد بن ابي سفيان ثم ابو عبيدة ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامق الديباج فسار اليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا اليه بان عليهم السلاح وانهم يحتاجون اليه في حروبهم فسكت عنهم واجتمع الامراء كلهم بعدما استخلفوا على اعمالهم سوى عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فانهما مواقفان الارطبون باجنادين فينما عمر في الجالبية اذا بكردوس من الروم بايديهم سيوف مسللة فسار اليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر ان هؤلاء قوم يستامنون فساروا نحوهم فاذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الامان والصلح من امير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فاجابهم عمر رضى الله عنه الى ما سالوا وكتب لهم كتاب امان
ومصالحة وضرب عليهم الجزية واشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير وشهد في الكتاب خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن ابي سفيان وهو كاتب الكتاب وذلك سنة خمس عشرة ثم كتب لاهل لد ومن هنالك من الناس كتابا آخر وضرب عليهم الجزية ودخلوا فيما صالح عليه اهل ايلياء وفر الارطبون الى بلاد مصر فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص ثم فر الى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك
فان يكن ارطبون الروم افسدها * فان فيها بحمد الله منتفعا
وان يكن ارطبون الروم قطعها * فقد تركت بها او صالة قطعا
ولما صالح اهل الرملة وتلك البلاد اقبل عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجد امير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا فلما اقتربا منه اكبا على ركبتيه فقبلاها واعتنقهما عمر معا رضى الله عنهم قال سيف ثم سار عمر الى بيت المقدس من الجابية وقد توحى فرسه فاتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه وضرب وجهه وقال لا علم الله من علمك هذا من الخيلاء ثم لم يركب برذونا قبله ولا بعده ففتحت ايلياء وارضها على يديه ماخلا اجنادين فعلى يدي عمرو وقيسارية فعلى يدي معاوية هذا سياق سيف بن عمر وقد خالفه غيره من ائمة السير فذهبوا الى ان فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة
قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة وفيها قدم عمر بن الخطاب الجابية وقال ابو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد ين مسلم قال ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع اليه الامراء وسلموا اليه ما اجتمع عندهم من الاموال فقسمها وجند الاجناد ومصر الامصار ثم عاد الى المدينة
وقال يعقوب بن سفيان ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة وقال ابو معشر ثم كان عمواس والجابية في سنة ست عشرة ثم كانت سرع في سبع عشرة ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال وكان فيها طاعون عمواس يعني فتح البلدة المعروفة بعمواس فاما الطاعون المنسوب اليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سياتي قريبا ان شاء الله تعالى
قال ابو مخنف لما قدم عمر الشام فراى غوطة دمشق ونظر الى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوما آخرين
ثم انشد قول النابغة
هما فتيا دهر يكر عليهما * نهار وليل يلحقان التواليا
اذا ما هما مرا بحي بغبطة * اناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا
وهذا يقتضى بادى الراى انه دخل دمشق وليس كذلك فانه لم ينقل احد انه دخلها في شىء من قدماته الثلاث الى الشام اما الاولى وهى هذه فانه سار من الجابية الى بيت المقدس كما ذكر سيف وغيره والله اعلم وقال الواقدي اما رواية غير اهل الشام فهى ان عمر دخل الشام مرتين ورجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة وهم يقولون دخل في الثالثة دمشق وحمص وانكر الواقدي ذلك
قلت ولا يعرف انه دخل دمشق الا في الجاهلية قبل اسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته وقد روينا ان عمر حين دخل بيت المقدس سال كعب الاحبار عن مكان الصخرة فقال يا امير المؤمنين اذرع من وادي جهنم كذا وكذا ذراعا فهي ثم فذرعوا فوجدوها وقد اتخذها النصارى مزبلة كما فعلت اليهود بمكان القمامة وهو المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى واليهود انه المسيح وقد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص الله نص الله تعالى على خطئهم في ذلك والمقصود ان النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلثمائة سنة طهروا مكان القمامة واتخذوه كنيسة هائلة بنتها ام الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة اليه واسم امه هيلانة الحرانية البندقانية وامرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون والغرض انهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة ايضا في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه فلما فتح عمر بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة امر بازالة ما عليها من الكناسة حتى قيل انه كنسها بردائه ثم استشار كعبا اين يضع المسجد فاشار عليه با يجعله وراء الصخرة فضرب في صدره وقال يا ابن أم كعب ضارعت اليهود وامر ببنائه في مقدم بيت المقدس
قال الامام احمد حدثنا اسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن ابي سنان عن عبيد بن آدم وابي مريم وابي شعيب ان عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس قال قال ابن سلمة فحدثنى ابو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب اين ترى ان اصلى قال ان اخذت عنى صليت خلف الصخرة وكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر ضاهيت اليهودية لا ولكن اصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم الى القبلة فصلى ثم جاء فبسط ردائه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس وهذا اسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج وقد تكلمنا على رجاله في كتابنا الذي افردناه في مسند عمر ما رواه من الاحاديث المرفوعة وما روى عنه من الاثار الموقوفة مبوبا على ابواب الفقه ولله الحمد والمنة
وقد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق
فقال السلام عليك يا فاروق انت صاحب ايلياء لا هالله لا ترجع حتى يفتح الله عليك ايلياء وقد روى احمد بن مروان الدينوري عن محمد بن عبدالعزيز عن ابيه عن الهيثم بن عدي عن اسامة ابن يزيد بن اسلم عن ابيه عن جده اسلم مولى عمر بن الخطاب انه قدم دمشق في تجار من قريش فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته فينما هو في البلد اذا ببطريق ياخذ بعنقه فذهب ينازعه فلم يقدر فادخله دارا فيها تراب وفاس ومجرفة وزنبيل وقال له حول هذا من ههنا الى ههنا وغلق عليه الباب وانصرف فلم يجىء الى نصف النهار قال وجلست مفكرا ولم افعل مما قال لي شيئا فلما جاء قال مالك لم تفعل ولكمنى في راسي بيده قال فاخذت الفاس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهى فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي فاشرف على فنزل وادخلني الدير فاطعمي وسقاني واتحفنى وجعل يحقق النظر في وسالنى عن امري فقلت اني ضللت اصحابي فقال انك لتنظر بعين خائف وجعل يتوسمنى ثم قال لقد علم اهل دين النصرانية انى اعلمهم بكتابهم وانى لاراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه فهل لك ان تكتب لي كتاب امان على ديري هذا فقلت يا هذا لقد ذهبت غير مذهب فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفة بما طلب منى فلما كان وقت الانصراف اعطاني اتانا فقال لى اركبها فاذا وصلت الى اصحابك فابعث الى بها وحدها فانها لا تمر بدير الا اكرموها ففعلت ما امرني به فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس اتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فامضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمر به من المسلمين وان من يرشدهم الى الطريق رواه ابن عساكر وغيره وقد ساقه ابن عساكر من طريق اخرى في ترجمة يحيى بن عبيد الله بن اسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن اسلم عن ابيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذ بعضه وقد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الاحكام وافردنا له مصنفا على حدة ولله الحمد والمنة
وقد ذكرنا خطبته في الجابية بالفاظها واسانيدها في الكتاب الذي افردناه لمسند عمر وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التى افردناها له
وقال ابو بكر بن ابي الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا ابو اسماعيل المؤدب عن عبدالله بن مسلم ابن هرمز المكي عن ابي الغالية الشامي قال قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق ايلياء على جمل اورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامة تصطفق رجلاه بين شعبتي الرحل بلا ركاب وطاؤه كساء انبجاني ذو صوف هو وطاؤه اذا ركب وفراشه اذا نزل حقيبته نمرة او شملة محشوة ليفا هي حقيبته اذا ركب ووسادته اذ نزل وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جنبه فقال ادعوا لي راس القوم فدعوا له الجلومس فقال اغسلوا قميصي وخيطوه واعيروني ثوبا او قميصا
فاتى بقميص كتان فقال ما هذا قالوا كتان قال وما الكتان فاخبروه فنزع قميصه فغسل ورقع واتى به فنزع قميصهم ولبس قميصه فقال له الجلومس انت ملك العرب وهذه البلاد لا تصلح بها الابل فلو لبست شيئا غير هذا وركبت برذونا لكان ذلك اعظم في اعين الروم فقال نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فلا نطلب بغير الله بديلا فاتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فركبه بها فقال احبسوا احبسوا ما كنت ارى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فاتى بجمله فركبه
وقال اسماعيل بن محمد الصفار حدثنا سعدان بن نصر حدثنا سفيان عن ايوب الطائي عن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره ونزع موقيه فامسكهما بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال له ابو عبيدة قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند اهل الارض صنعت كذا وكذا قال فصك في صدره وقال اولو غيرك يقولها يا ابا عبيدة انكم كنتم اذل الناس واحقر الناس واقل الناس فاعزكم الله بالاسلام فمهما تطلبوا العز بغير يذلكم الله
قال ابن جرير وفي هذه السنة اعنى سنة خمس عشرة كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر وقال ابن اسحاق والواقدي انما كان ذلك في سنة ست عشرة ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم وذلك حين بعث عمر بن الخطاب الى سعد بن ابي وقاص يامره بالمسير الى المدائن وان يخلف النساء والعيال بالعقيق في خيل كثيرة كثيفة فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية ثم اتبعه بالامراء واحدا بعد واحدا ثم سار في الجيوش وقد جعل هاشم بن عتبة بن ابي وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة وجعل خالدا هذا على الساقة فساروا في خيول عظيمة وسلاح كثير وذلك لايام بقين من شوال من هذه في جيش من فارس فهزمهم زهرة وذهبت الفرس في هريمتهم الى بابل وبها جمع كثير السنة فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن فلقيه بها يصبهرى ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان فبعث زهرة الى سعد فاعلمه باجتماع المنهزمين ببابل فسار سعد بالجيوش الى بابل فتقابل هو الفيرزان عند بابل فهزمهم كاسرع من لفة الرداء وانهزموا بين يديه فرقتين فرقة ذهبت الى المدائن واخرى سارت الى نهاوند واقام سعد ببابل اياما ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا وبارزوا امير الفرس وهو شهريار فبرز اليه رجل من المسلمين يقال له نائل الاعرجي ابو نباتة من شجعان تميم فتجاولا ساعة بالرماح ثم القياها فانتصبا سيفيهما وتصاولا بهما ثم تعانقا وسقطا عن فرسيهما الى الارض فوقع شهريار على صدر أبي نباتة واخرج خنجرا ليذبحه بها فوقعت اصبعه في فم ابي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه واخذ الخنجر فذبح شهريار بها واخذ
فرسه وسواريه وسبله وانكشف اصحابه فهزموا فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار وسلاحه وليركبن فرسه اذا كان حرب فكان يفعل ذلك قالوا وكان اول من تسور بالعراق وذلك بمكان يقال له كوثى وزار المكان الذي حبس فيه الخليل وصلى عليه وعلى سائر الانبياء وقرأ وتلك الايام نداولها بين الناس الآية
*3* وقعة نهر شير
@ قالوا ثم قدم سعد زهرة بين يديه من كوثى الى نهر شير فمضى الى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ الى ساباط بالصلح والجزية فبعثه الى سعد فامضاه ووصل سعد بالجنود الى مكان يقال له مظلم ساباط فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا ومعهم اسد كبير لكسرى يقال له المقرط قد ارصدوه في طريق المسلمين فتقدم اليه ابن اخي سعد وهو هاشم بن عتبة فقتل الاسد والناس ينظرون وسمي يومئذ سيفه المتين وقبل سعد يومئذ راس هاشم وقبل هاشم قدم سعد وحمل هاشم على الفرس فازالهم عن اماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى اولم تكونوا اقسمتم من قبل مالكم من زوال فلما كان الليل ارتحل المسلمون ونزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فاقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت وفرغت السنة
قال ابن جرير وفيها حج بالناس عمر وكان عامله فيها على مكة عتبة بن اسيد وعلى الشام ابو عبيدة وعلى الكوفة والعراق سعد وعلى الطائف يعلي بن امية وعلى البحرين واليمامة عثمان بن ابي العاص وعلى عمان حذيفة بن حصين
بن سعد وابن لهيعة وابي معشر والوليد بن قلت وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خياط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا ابي عبدالله الذهبي الحافظ واما سيف بن عمر وابو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعا لابن جرير وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ انها كانت في اواخر هذه السنة سنة خمس عشرة وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي والمشهور انها كانت في سنة اربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي
*3* من توفي هذه السنة مرتبين على الحروف
@ سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي وهو احد اقوال المؤرخين وقد تقدم سعد بن عبيد بن
النعمان ابو زيد الانصاري الاوسي قتل بالقادسية ويقال انه ابو زيد القارى احد الاربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكر آخرون ذلك ويقال انه والد عمير بن سعد الزاهد امير حمص وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال كانت سنة ست عشرة والله اعلم سهيل بن عمرو بن عبدشمس بن عبدود بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤي ابو يزيد العامري احد خطباء قريش واشرافهم اسلم يوم الفتح وحسن اسلامه وكان سمحا جوادا فصيحا كثير الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء ويقال انه قام وصام حتى شحب لونه وله سعي مشكور في صلح الحديبية ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الاسلام وكانت خطبته بمكة قريبا من خطبة الصديق بالمدينة ثم خرج في جماعة الى الشام مجاهدا فحضر اليرموك وكان اميرا على بعض الكراديس ويقال انه استشهد يومئذ وقال الواقدي والشافعي توفي بطاعون عمواس عامر بن مالك بن اهيب الزهري اخي سعد بن ابي وقاص هاجر الى الحبشة وهو الذي قدم بكتاب عمر الى ابي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها واستشهد يوم اليرموك عبدالله بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي صحابي هاجر الى الحبشة مع عمه ابي سلمة بن عبد الاسد روى عنه عمرو بن دينار منقطعا لانه قتل يوم اليرموك عبدالرحمن بن العوام اخو الزبير ابن العوام حضر بدرا مشركا ثم اسلم واستشهد يوم اليرموك في قول عتبة بن غزوان توفي فيها في قول عكرمة بن ابي جهل استشهد باليرموك في قول عمرو بن ام مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم ويقال بل رجع الى المدينة عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم عامر بن ابي ربيعة تقدم فراس بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة قتل باليرموك قيس بن ابي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الانصاري المازني شهد العقبة وبدرا وكان احد امراء الكراديس يوم اليرموك وقتل يومئذ وله حديث قال قلت يا رسول الله في كم اقرأ القرآن قال في خمس عشرة الحديث قال شيخنا ابو عبدالله الذهبي ففيه دليل على انه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة ابن عبدمناف بن عبدالدار بن قصي القرشي العبدري اسلم عام الفتح وكان من علماء قريش واعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين مائة من الابل فتوقف في اخذها وقال لا ارتشي على الاسلام ثم قال والله ما طلبتها ولا سالتها وهي عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذها وحسن اسلامه واستشهد يوم اليرموك نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسن من اسلم من بنىعبدالمطلب وكان ممن اسر يوم بدر ففاداه العباس ويقال انه هاجر ايام الخندق وشهد الحديبية والفتح واعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة الاف رمح وثبت يومئذ وتوفي سنة خمس عشرة
وقيل سنة عشرين والله اعلم توفي بالمدينة وصلى عليه عمر ومشى في جنازته ودفن بالبقيع وخلف عدة اولاد فضلاء واكابر هشام بن العاص اخو عمرو بن العاص تقدم وقال ابن سعد قتل يوم اليرموك
*2* ثم دخلت سنة ست عشرة
@ استهلت هذه السنة وسعد بن ابي وقاص منازل مدينة نهر شير وهى احدى مدينتى كسرى مما يلي دجلة من الغرب وكان قدوم سعد اليها في ذى الحجة من سنة خمس عشرة واستهلت هذه السنة وهو نازل عندها وقد بعث السرايا والخيول في كل وجه فلم يجدوا واحدا من الجند بل جمعوامن الفلاحين مائة الف فحبسوا حتى كتب الى عمر ما يفعل بهم فكتب اليه عمر ان من كان من الفلاحين لم يعن عليكم وهو مقيم ببلده فهو امانه ومن هرب فادركتموه فشأنكم به فاطلقهم سعد بعدما دعاهم الى الاسلام فابوا الا الجزية ولم يبقى من غربي دجلة الا ارض العرب احد من الفلاحين الا تحت الجزية والخراج وامتنعت نهر شير من سعد اشد الامتناع وقد بعث اليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم الى الله عز وجل او الجزية او المقاتلة فابوا الا المقاتلة والعصيان ونصبوا المجانيق والدبابات وامر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقا ونصبت على نهرشير واشتد الحصار وكان اهل نهرشير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا ويحلفون ان لا يفروا ابدا فاكذبهم الله وهزمهم زهرة بن حوية بعدما اصابه سهم وقتل بعد مصابه كثيرا من الفرس وفروا بين يديه ولجاوا الى بلدهم فكانوا يحاصرون فيه اشد الحصار وقد انحصر اهل البلد حتى اكلوا الكلاب والسنانير وقد اشرف رجل منهم على المسلمين فقال يقول لكم الملك هل لكم الى المصالحة على ان لنا ما يلينا من دجلة الى جبلنا ولكم ما يليكم من دجلة الى جبلكم اما شبعتم لا اشبع الله بطونكم قال فبدر الناس رجل يقال له ابو مقرن الاسود بن قطبة فانطقه الله بكلام لم يدر ما قال لهم قال فرجع الرجل ورايناهم يقطعون من نهرشير الى المدائن فقال الناس لابي مقرن ما قلت لهم فقال والذي بعث محمد بالحق ما ادري ما قلت لهم فقال الا ان على سكينة وانا ارجو ان اكون قد أنطقت بالذي هو خير وجعل الناس ينتابونه يسالونه عن ذلك وكان فيمن ساله سعد بن ابي وقاص وجاءه سعد الى منزله فقال يا ابا مقرن ما قلت فوالله انهم هراب فحلف له انه لا يدري ما قال فنادى سعد في الناس ونهد بهم الى البلد والمجانيق تضرب في البلد فنادى رجل من البلد بالامان فامناه فقال والله ما بالبلد احد فتسور الناس السور فما وجدنا فيها احد الا قد هربوا الى المدائن وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسالنا ذلك الرجل واناسا من الاسارى فيها لاي شىء هربوا قالوا بعث الملك اليكم يعرض عليكم الصلح فاجابه ذلك الرجل بانه لا يكون بينكم وبينه صلح ابدا حتى ناكل
عسل افريذين بأترج كوثى فقال الملك يا ويلاه ان الملائكة لتتكلم على السنتهم ترد علينا وتجيبنا عن العرب ثم امر الناس بالرحيل من هناك الى المدائن فجازوا في السفن منها اليها وبينهما دجلة وهي قريبة منها جدا ولما دخل المسلمون نهرشير لاح لهم القصر الابيض من المدائن وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سيفتحه الله على امته وذلك قرب الصباح فكان اول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب فقال الله اكبر ابيض كسرى هذا ما وعدنا الله ورسوله ونظر الناس اليه فتتابعوا التكبير الى الصبح
*3* ذكر فتح المدائن
@ لما فتح نهرسير واستقر بها ذلك في صفة لم يجد فيها احدا ولا شيئا مما يغنم بل قد تحولوا بكماهم الى المدائن وركبوا السفن وضموا السفن اليهم ولم يجد سعد رضى الله عنه شيئا من السفن وتعذر عليه تحصيل شىء منها بالكلية وقد زادت دجلة زيادة عظيمة واسود ماؤها ورمت بالزبد من كثرة الماء بها واخبر سعد بأن كسرى يزدجر عازم على اخذ الاموال والامتعة من المدائن الى حلوان وانك ان لم تدركه قبل ثلاث فات عليك وتفارط الامر فخطب سعد المسلمين على شاطىء دجلة فحمد الله واثنى عليه وقال ان عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون اليهم معه وهم يخلصون اليكم اذا شاؤا فينا وشونكم في سفنهم وليس وراءكم شىء تخافون ان تؤتوا منه وقد رايت ان تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل ان تحصركم الدنيا الا اني قد عزمت على قطع هذا البحر اليهم فقالوا جميعا عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل فعند ذلك ندب سعد الناس الى العبور ويقول من يبدا فيحمي لنا الفرائض يعني ثغرة المخاضة من الناحية الاخرى ليجوز الناس اليهم آمنين فانتدب عاصم بن عمرو ذو الباس من الناس قريب من ستمائة فامر سعد عليهم عاصم ابن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم من ينتدب معى لنكون قبل الناس دخولا في المذكورين والأعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر فتقدم رجل من المسلمين هذا البحر فنحمى الفراض من الجانب الاخر فانتدب له ستون من الشجعان وقد احجم الناس عن الخوض في دجلة فقال اتخافون من هذه النطفة ثم تلا قوله تعالى وما مان لنفس ان تموت الا باذن الله كتابا مؤجلا ثم اقحم فرسه فيها واقتحم الناس وقد افترق الستون فرقتين اصحاب الخيل الذكور واصحاب الخيل الاناث فلما راهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا ديوانا ديوانا يقولون مجانين مجانين ثم قالوا والله ما تقاتلون انسا بل تقاتلون جنا ثم ارسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون اول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء فامر عاصم بن عمرو واصحابه ان يشرعو لهم الرماح ويتوخوا الاعين ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم فرجعوا امام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من
من الماء واتبعهم عاصم واصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الاخر ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الاخر ونزل بقية اصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا الى اصحابهم من الجانب الاخر فقاتلوا مع اصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب وكانوا يسمون الكتيبة الاولى كتيبة الاهوال واميرها عاصم بن عمرو والكتيبة الثانية إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس وسعد واقف على شاطيء دجلة ثم نزل سعد ببقية الجيش وذلك الخرساء واميرها القعقاع بن عمرو وهذا كله وسعد والمسلمون ينظرون حين نظروا الى الجانب الاخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين وقد امر سعد المسلمين عند دخول الماء ان يقولوا نستعين بالله ونتوكل عليه حسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم ثم اقتحم بفرسه دجلة واقتحم الناس لم يتخلف عنه احد فساروا فيها كانما يسيرون على وجه الارض حتى ملؤا ما بين الجانبين فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الارض وذلك لما حصل لهم الطمانينة والامن والوثوق بامر الله ووعده ونصره وتاييده ولان اميرهم سعد بن ابي وقاص احد العشرة المشهود لهم بالجنة وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض ودعا له فقال اللهم اجب دعوته وسدد رميته والمقطوع به ان سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر وقد رمى بهم في هذا اليم فسددهم الله وسلمهم فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير ان رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي ذل عن فرس له شقراء فاخذ القعقاع بن عمرو بلجامها واخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه وكان من الشجعان فقال عجز النساء ان يلدن مثل القعقاع بن عمرو ولم يعدم المسلمين شىء من امتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر كانت علاقته رثة فاخذه الموج فدعا صاحبه الله عز وجل وقال اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي فرده الموج الى الجانب الذي يقصدونه فاخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه وكان الفرس اذا اعيا وهو في الماء يقبض الله له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح وحتى ان بعض الخيل ليسير وما يصل الماء الى حزامها وكان يوما عظيما وامرا هائلا وخطبا جليلا وخارقا باهرا ومعجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلقها الله لاصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد ولا في بقعة من البقاع سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة بل هذا اجل واعظم فان هذا الجيش كان اضعاف ذلك قالوا وكان الذي يساير سعد ابن ابي وقاص في الماء سلمان الفارسي فجعل سعد يقول حسبنا الله ونعم الوكيل والله لينصرن الله وليه وليظهرن الله دينه وليهزمن الله عدوه ان لم يكن في الجيش بغى او ذنوب تغلب الحسنات فقال له سلمان ان الاسلام جديد ذلك لهم والله البحور كما ذلل لهم البر اما والذي نفس سليمان
بيده ليخرجن منه افواجا كما دخلوا افواجا فخرجوا منه كما قال سليمان لم يغرق منهم احد ولم يفقدوا شيئا
ولما استقل المسلمون على وجه الارض خرجت الخيول تنفض اعرافها صاهلة فساقوا وراء الاعاجم حتى دخلوا المدائن فلم يجدوا بها احدابل قد اخذ كسرى اهله وما قدروا عليه من الاموال والامتعة والحواصل وتركوا ما عجزوا عنه من الانعام والثياب والمتاع والانية والالطاف والأدهان مالا يدري قيمته وكان في خزنة كسرى ثلاثة الاف الف الف ألف دينار ثلاث مرات فاخذوا من ذلك ما قدروا عليه وتركوا ما عجزوا عنه وهو مقدار النصف من ذلك او ما يقاربه فكان اول من دخل المدائن كتيبة الاهوال ثم الكتيبة الخرساء فاخذوا في سككها لا يلقون احدا ولا يخشونه غير القصر الابيض ففيه مقاتلة وهو محصن
فلما جاء سعد بالجيش دعا اهل القصر الابيض ثلاث ايام على لسان سلمان الفارسي فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعد واتخذ الايوان مصلى وحين دخله تلا قوله تعالى كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك واورثناها قوما اخرين ثم تقدم الى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح وذكر سيف في روايته انه صلاها بتسليمة واحدة وانه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت اول جمعة جمعت بالعراق وذلك لان سعدا نوى الاقامة بها وبعث الى العيالات فانزلهم دور المدائن واستطوطنوها حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل ثم تحولوا الى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره ثن ارسل السرايا في اثر كسرى يزدجر فلحق بهم طائفة فقتلوهم وشردوهم واستلبوا منهم اموالا عظيمة واكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه وشرع سعد في تحصيل ما هنالك من الاموال والحواصل والتحف مما لا يقوم ولا يحد ولا يوصف كثرة وعظمة وقد روينا انه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد الى احدها واذا هو يشير باصبعه الى مكان فقال سعد ان هذا لم يوضع هكذا سدى فاخذوا ما يسامت اصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الاكاسرة الاوائل فاخرجوا منه اموالا عظيمة جزيلة وحواصل باهرة وتحفا فاخرة واستحوذ المسلمون على ما هنالك مكال بالجواهر النفيسة التي تحير الابصار ومنطقته كذلك مكال وسيفه وسواره اجمع مما لم ير احد في الدنيا اعجب منه وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو وقباؤه وبساط إيوانه وكان مربعا ستون ذراعا في مثلها من كل جانب والبساط مثله سواء وهو منسوج بالذهب واللالىء والجواهر الثمينة وفيه مصور جميع ممالك كسرى بلاده بانهارها وقلاعها واقاليمها وكنوزها وصفة الزروع والاشجار التي في بلاده فكان اذا جلس على كرسي مملكته ودخل تحت تاجه وتاجه معلق بسلاسل من ذهب لانه كان لا يستطيع ان يقله
على راسه لثقله بل كان يجىء فيجلس تحته ثم يدخل راسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه وهو يستره حال لبسه فاذا رفع الحجاب عنه خرت له الامراء سجودا وعليه المنطقة والسواران والسيف والقباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة فيسال عنها ومن فيها من النواب وهل حدث فيها شىء من الاحداث فيخبره بذلك ولاة الامور بين يديه ثم ينتقل الى الاخرى وهكذا حتى يسال عن احوال بلاده في كل وقت لا يهمل امر المملكة وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشان الممالك وهو اصلاح جيد منهم في امر السياسة فلما جاء قدر الله زالت تلك الايدي عن تلك الممالك والاراضي وتسلمها المسلمون من ايديهم قسرا وكسروا شوكتهم عنها واخذوها بأمر الله صافية ضافية ولله الحمد والمنة وقد جعل سعد بن ابي وقاص على الاقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان اول ما حصل ما كان في القصر الابيض ومنازل كسرى وسائر دور المدائن وما كان بالايوان مما ذكرنا وما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية وكان فيما رد زهرة بغل كان قد ادركه وغصبه من الفرس وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم وقال ان لهذا لشأنا فرده الى الاقباض واذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا وبغل اخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين ايضا ردا من الطريق مما استلبه اصحاب السرايا وكان فيما ردت السرايا اموال عظيمة وفيها اكثر اثاث كسرى وامتعته والاشياء النفيسة التى استصحبوها معهم فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم ولم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم ولا حمل الاموال لكثرتها فانه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملانا الى اعلاه من اواني الذهب والفضة ويجدون من الكافور شيئا كثيرا فيحسبونه ملحا وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا امره فتحصل الفىء على امر عظيم من الاموال وشرع سعد فخمسه وامر سلمان الفارسي فقسم الاربعة الاخماس بين الغانمين فحصل لكل واحد من الفرسان اثنتي عشرة الفا وكانوا كلهم فرسانا ومع بعضهم جنائب واستوهب سعد اربعة اخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين ليبعثه الى عمر واالمسلمين بالمدينة لينظروا اليه ويتعجبوا منه فطيبوا له ذلك واذنوا فيه فبعثه سعد الى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الاسدي فروينا ان عمر لما نظر الى ذلك قال ان قوما ادوا هذا لامناء فقال له علي بن ابي طالب انك عففت فعفت رعيتك ولو رتعت لرتعت ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فاصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين الفا وقد ذكر سيف بن عمر ان عمر بن الخطاب البس ثياب كسرى لخشبة ونصبها امامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية وقد روينا ان عمر
البس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم امير بني مدلج رضى الله عنه
قال الحافظ ابو بكر البيهقي في دلائل النبوة اخبرنا عبدالله بن يوسف الاصبهاني حدثنا ابو سعيدابن الاعرابي قال وجدت في كتابي بخط يدي عن ابي داود حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد حدثنا يونس عن الحسن ان عمر بن الخطاب اتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جعشم قال فالقى اليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما راهما في يدي سراقة قال الحمد لله سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم اعرابي من بني مدلج وذكر الحديث هكذا ساقة البيهقي ثم حكى الشافعي انه قال وانما البسهما سراقة لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسراقة ونظر الى ذراعيه كاني بك وقد البست سواري كسرى قال الشافعي وقد قال عمر لسراقة حين البسه سواري كسرى قل الله اكبر فقال الله اكبر ثم قال قل الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز والبسهما سراقة بن مالك الاعرابي من بنى مدلج وقال الهيثم بن عدي اخبرنا اسامة بن زيد الليثي حدثنا القاسم بن محمد بن ابي بكر قال بعث سعد بن ابي وقاص ايام القادسية الى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخفيه قال فنظر عمر في وجوه القوم وكان اجسمهم وابدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال ادبر فادبرت ثم قال اقبل فاقبلت ثم قال بخ بخ اعيرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفاه رب يوم يا سراق بن مالك لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى كان شرفا لك ولقومك تنزع فنزعت فقال اللهم منعت هذا رسولك ونبيك وكان احب اليك منى واكرم عليك منى ومنعته ابا بكر وكان احب اليك منى واكرم اليك منى واعطيتنيه فأعوذ بك ان تكون اعطيتنيه لتمكر بي ثم بكى حتى رحمه من كان عنده ثم قال لعبد الرحمن بن عوف اقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل ان تمسى
وذكر سيف بن عمر التميمي ان عمر حين ملك تلك الملابس والجواهر حىء بسيف كسرى ومعه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة وان عمر قال الحمد الله الذي جعل سيف كسرى فيما يضره ولا ينفعه ثم قال ان قوما ادوا هذا لامناء او لذوا امانة ثم قال ان كسرى لم يزد على أن تشاغل بما اوتى عن آخرته فجمع لزوج امرأته او زوج ابنته ولم يقدم لنفسه ولو قدم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصل له وقد قال بعض المسلمين وهو ابو نجيد نافع بن الاسود في ذلك
واملنا على المدائن خيلا * بحرها مثل برهن اريضا
فانتشلنا خزائن المرء كسرى * يوم ولوا وحاص منا جر يضا
*3* وقعة جلولاء
@ لما سار كسرى وهو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا الى حلوان شرع في أثناء الطريق في جمع رجال واعوان وجنود من البلدان التى هناك فاجتمع اليه خلق كثير وجم غفير من الفرس وامر على الجميع مهران وسار كسرى الى حلوان فاقام الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء واحتفروا خندقا عظيما حولها واقاموا بها في العدد والعدد والات الحصار فكتب سعد الى عمر يخبره بذلك فكتب اليه عمر ان يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن اخيه هاشم بن عتبة اميرا على الجيش الذي يبعثه الى كسرى ويكون على المقدمة القعقاع بن عمرو وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة اخوه عمر بن مالك وعلى الساقة عمرو بن مرة الجهنى ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن اخيه جيشا كثيفا يقارب اثني عشر الفا من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والانصار ورءوس العرب وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من امر المدائن فساروا حتى انتهوا الى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم فحاصرهم هاشم بن عتبة وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله وجعل كسرى يبعث اليهم الامداد وكذلك سعد يبعث المدد الى ابن اخيه مرة بعد اخرى وحمى القتال واشتد النزال واضطرمت نار الحرب وقام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة فحرضهم على القتال والتوكل على الله وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت وحلفوا بالنار ان لا يفروا ابدا حتى يفنوا العرب فلما كان الموقف الاخير وهو يوم الفيصل والفرقان تواقفوا من اول النهار فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فنى النشاب من الطرفين وتقصفت الرماح من هؤلاء ومن هؤلاء وصاروا الى السيوف والطبرزنيات وحانت صلاة الظهر فصلى المسلمون ايماءا وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها اخرى فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال اهالكم ما رايتم ايها المسلمون قالوا نعم انا كالون وهم مريحون فقال بل انا حاملون عليهم ومجدون في طلبهم حتى يحكم الله بيننا فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم فحمل وحمل الناس فأما القعقاع بن عمرو فانه صمم الحملة في جماعة من الفرسان والابطال والشجعان حتى انتهى الى باب الخندق واقبل الليل بظلامه وجالت بقية الابطال بمن معهم في الناس وجعلوا ياخذون في التحاجز من اجل اقبال الليل وفي الابطال يومئذ طليحة الاسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وقيس بن مكشوح وحجر بن عدي ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل ولم يشعروا بذلك لولا مناديه ينادي اين ايها المسلمون هذا اميركم على باب خندقهم فلما سمع ذلك المجوس فروا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فاذا هو على باب الخندق قد ملكه
عليهم وهربت الفرس كل مهرب واخذهم المسلمون من كل وجه وقعدوا لهم كل مرصد فقتل منهم في ذلك الموقف مائة الف حتى جللوا وجه الارض بالقتلى فلذلك سميت جلولاء وغنموا من الاموال والسلاح والذهب والفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها
وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في اثر من انهزم منهم وراء كسرى فساق خلفهم حتى ادرك مهران منهزما فقتله القعقاع بن عمرو وافلتهم الفيرزان فاستمر منهزما واسر سبايا كثيرة بعث بها الى هاشم بن عتبة وغنموا دواب كثيرة جدا ثم بعث هاشم بالغنائم والاموال الى عمه سعد بن ابي وقاص فنفل سعد ذوى النجدة ثم امر بقسم ذلك على الغانمين
قال الشعبي كان المال المتحصل من وقعه جلولاء ثلاثين الف الف فكان خمسه ستة الاف الف وقال غيره كان الذي اصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن يعني اثني عشر الفا لكل فارس وقيل اصاب كل فارس تسعة الاف وتسع دواب وكان الذي ولي قسم ذلك بين المسلمين وتحصيله سلمان الفارسي رضى الله عنه ثم وبعث بالاخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن ابي سفيان وقضاعي بن عمرو وابي مقرن الاسود فلما قدموا على عمر سال عمر زياد بن ابي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له وكان زياد فصيحا فاعجب ايراده لها عمر بن الخطاب رضى الله عنه واحب أن يسمع المسلمون منه ذلك فقال اتستطيع ان تخطب الناس بما اخبرتني به قال نعم يا امير المؤمنين انه ليس احد على وجه الارض اهيب عندي منك فكيف لا اقوى على هذا مع غيرك فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة وكم قتلوا وكم غنموا بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر ان هذا لهو الخطيب المصقع يعنى الفصيح فقال زياد ان جندنا اطلقوا بالفعال لساننا ثم حلف عمر بن الخطاب ان لا يجن هذا المال الذي جاؤا به سقف حتى يقسمه فبات عبدالله بن ارقم وعبدالرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد فلما اصبح جاء عمر في الناس بعدما صلى الغداة وطلعت الشمس فامر فكشف عنه جلابيبه فلما نظر الى ياقوته وزبرجده وذهبه الاصفر وفضته البيضاء بكى عمر فقال له عبدالرحمن ما يبكيك يا امير المؤمنين فوالله ان هذا لموطن شكر فقال عمر والله ما ذاك يبكيني وتالله ما اعطي الله هذا قوما الا تحاسدوا وتباغضوا ولا تحاسدوا الا لقي بأسهم بينهم ثم قسمه كما قسم اموال القادسية
وروى سيف بن عمرو عن شيوخه انهم قالوا وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة اشهر وقد تكلم ابن جرير ههنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بارض السواد وخراجها وموضع تحرير ذلك كتاب الاحكام
وقد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء
يوم جلولاء ويم رستم * ويوم زحف الكوفة المقدم
ويوم عرض الشهر المحرم * وايام خلت من بينهن صرم
شيبن اصدغي فهى هرم * مثل ثغام البلد المحرم
وقال ابو نجيد في ذلك * ويوم جلولاء الوقيعة اصبحت
كتائبنا تردى باسد عوابس
فضضت جموع الفرس ثم ائمتهم * فتبا لاجساد المجوس النجائس
وافلتهن الفيرزان بجرعة * ومهران اردت يوم حز القوانس
اقاموا بدار للمنية موعد * وللترب تحثوها خجوج الروامس
*3* ذكر فتح حلوان
@ ولما انقضت الوقعة اقام هشام بن عتبة بجلولاء عن امر عمر بن الخطاب في كتابه إلى سعد وتقدم القعقاع بن عمرو الى حلوان عن امر ايطا ليكون ردءا للمسلمين هنالك ومرابطا لكسرى حيث هرب فسار كما قدمنا وادرك امير الوقعة وهو مهران الرازي فقتله وهرب الفيرزان فلما وصل الى كسرى واخبره بماكان من امر جلولاء وما جرى على الفرس بعده وكيف قتل منهم مائة الف وادرك مهران فقتل هرب عند ذلك كسرى من حلوان الى الرى واستناب على حلوان اميرا يقال له خسروشنوم فتقدم اليه القعقاع بن عمرو وبزر اليه خسروشنوم الى مكان خارج حلوان فاقتتلوا قتالا شديدا ثم فتح الله ونصر المسلمين وانهزم خسروشنوم وساق القعقاع الى حلوان فتسلمها ودخلها المسلمون فغنموا وسبوا واقاموا في الإسلام فأبوا إلا الجزية فلم يزل القعقاع بها حتى تحول سعد من المدائن بها وضربوا الجزية على من حولها من الكور والأقاليم بعد ما دعوا إلى الدخول فسار اليها كما سنذكره ان شاء الله تعالى
*3* فتح تكريت والموصل
@ لما افتتح سعد المدائن بلغه ان اهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له الانطاق فكتب الى عمر بامر جلولاء واجتماع الفرس بها وبامر اهل الموصل فتقدم ذكرناه من كتاب عمر في اهل جلولاء وما كان من امرها وكتب عمر في قضية اهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الانطاق ان يعين جيشا لحربهم ويؤمر عليه عبدالله بن المعتم وان يجعل يجعل على مقدمته ربعي بن الافكل الغزى وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي وعلى الساقة هانىء بن قيس وعلى الخيل عرفجة بن هرثمة ففصل عبدالله ابن المعتم في خمسة الاف من المدائن فسار في اربع حتى نزل بتكريت على الانطاق وقد اجتمع
اليه جماعة من الروم ومن الشهارجة ومن نصارى العرب من اياد وتغلب والنمر وقد احدقوا بتكريت فحاصرهم عبدالله بن المعتم اربعين يوما وزاحفوه في هذه المدة اربعة وعشرين مرة ما من مرة الا وينتصر عليهم وراسل عبدالله بن المعنم إلى من هنالك من الأعراب فدعاهم الى الدخول معه في النصرة ويفل جموعهم فضعف جانبهم وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم على اهل البلد فجاءت القصاد اليه عنهم بالاجابة الى ذلك فارسل اليهم ان كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقروا بما جاء من عند الله فرجعت القصاد اليه بانهم قد اسلموا فبعث إليهم ان كنتم صادقين فاذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فامسكوا علينا ابواب السفن وامنعوهم ان يركبوا فيها واقتلوا منهم من قدرتم على قتله ثم شد عبدالله واصحابه وكبروا تكبيرة رجل واحد وحملوا على البلد فكبرت الاعراب من الناحية الاخرى فحار اهل البلد واخذوا في الخروج من الابواب التى تلي دجلة فتلقنهم اياد والنمر وتغلب فقتلوهم قتلا ذريعا وجاء عبدالله بن المعتم باصحابه من الابواب الاخر فقتل جميع اهل البلد عن بكرة ابيهم ولم يسلم الا من اسلم من الاعراب من اياد وتغلب والنمر وقد كان عمر عهد في كتابه اذا نصروا على تكريت ان يبعثوا ربعي بن الافكل الى الحصنين وهى الموصل سريعا فسار اليها كما امر عمر ومعه سرية كثيرة وجماعة من الابطال فسار اليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار اليها فما كان الا ان واقفها حتى اجابوا الى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون ثم قسمت الاموال التى تحصلت من تكريت فبلغ سهم الفارس ثلاثة الاف وسهم الراجل الف درهم وبعثوا بالاخماس مع فرات بن حيان وبالفتح مع الحارث بن حسان وولى امرة حرب الموصل ربعى بن الافكل وولى الخراج بها عرفجة بن هرثمة


يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:53 AM
*3* فتح ماسبذان من ارض العراق
@ لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء الى عمر بالمدائن بلغ سعدا ان آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس فكتب الى عمر في ذلك فكتب اليه ان ابعث جيشا وامر عليهم ضرار ابن الخطاب فخرج ضرار في جيش من المدائن وعلى مقدمته ابن الهزيل الاسدي فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش فالتقى مع آذين واصحابه قبل وصول ضرار اليه فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس واسراذين بن الهرمزان وفرعنه اصحابه وامر ابن ماسبذان وهي مدينة كبيرة فأخذها عنوة وهرب اهلها في رءوس الجبال والشعاب فدعاهم الهزيل فضرب عنق اذين بين يديه وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى فاستجابوا له وضرب على من لم يسلم الجزية واقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن الى الكوفة كما سيأتي
*3* فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة
@ قال ابن جرير وغيره لما رجع هاشم من جلولاء الى المدائن وكان اهل الجزيرة قد امدوا اهل حمص على قتال ابي عبيدة وخالد لما كان هرقل بقنسرين واجتمع اهل الجزيرة في مدينة هيت كتب سعد الى عمر في ذلك فكتب اليه ان يبعث اليهم جيشا وان يؤمر عليهم عمر بن مالك ابن عتبة بن نوفل بن عبد مناف فسار فيمن معه من المسلمين الى هيت فوجدهم قد خندقوا عليهم فحاصرهم حينا فلم يظفر بهم فسار في طائفة من اصحابه واستخلف على محاصرة هيت الحارث ابن يزيد فراح عمر بن مالك الى قرقيسيا فاخذها عنوة وانابوا الى بذل الجزية وكتب الى نائبه على هيت ان لم يصالحوا ان يحفر من وراء خندقهم خندقا ويجعل له ابوابا من ناحيته فلما بلغهم ذلك انابوا الى المصالحوا
قال شيخنا ابو عبدالله الحافظ الذهبي وفي هذه السنة بعث ابو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك الى قنسرين فصالح اهل حلب ومنبج وانطاكية على الجزية وفتح سائر بلاد قنسرين عنوة قال وفيها افتتحت سروج والرها على يدي عياض بن غنم
قال وفيها فيما ذكر ابن الكلبي سار ابو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد فحاصر ايليا فسالوا الصلح على ان يقدم عمر فيصالحهم على ذلك فكتب ابو عبيدة الى عمر فقدم حتى صالحهم واقام اياما ثم رجع الى المدينة قلت قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة والله اعلم
قال الواقدي وفي هذه السنة حمى عمر الربذة بخيل المسلمين وفيها غرب عمر ابا محجن الثقفي الى باضع وفيها تزوج عبدالله بن عمر صفية بنت ابي عبيد قلت الذي قتل يوم الجسر وكان امير السرية وهى اخت المختار بن ابي عبيد امير العراق فيما بعد وكانت امرأة صالحة وكان اخوها فاجرا وكافرا ايضا قال الواقدي وفيها حج عمر بالناس واستخلف على المدينة زيد بن ثابت قال وكان نائبه على مكة عتاب وعلى الشام ابو عبيدة وعلى العراق سعد وعلى الطائف عثمان ابن ابي العاص وعلى اليمن يعلي بن امية وعلى اليمامة والبحرين العلاء بن الحضرمي وعلى عمان حذيفة بن محصن وعلى البصرة المغيرة بن شعبة وعلى الموصل ربعى الافكل وعلى الجزيرة عياض بن غنم الاشعري
قال الواقدي وفي ربيع الاول من هذه السنة اعنى سنة ست عشرة كتب عمر بن الخطاب التاريخ وهو اول من كتبه قلت قد ذكرنا سببه في سيرة عمر وذلك انه رفع الى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان فقال اي شعبان امن هذه السنة
ام التي قبلها ام التي بعدها ثم جمع الناس فقال ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم فيقال انهم اراد بعضهم ان يؤرخ كما تؤرخ الفرس بملوكهم كلما هلك ملك ارخوا من تاريخ ولاية الذي بعده فكرهوا ذلك ومنهم من قال ارخوا بتاريخ الروم من زمان اسكندر فكرهوا ذلك ولطوله ايضا وقال قائلون ارخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اخرون من مبعثه عليه السلام واشا رعلي بن ابي طالب واخرون ان يؤرخ من هجرته من مكة الى المدينة لظهوره لكل احد فانه اظهر من المولد والمبعث فاستحسن ذلك عمر والصحابة فامر عمر ان يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وارخوا من اول تلك السنة من محرمها وعند مالك رحمه الله فيما حكاه عن السهيلي وغيره ان اول السنة من ربيع الاول لقدومه عليه السلام الى المدينة والجمهور على ان اول السنة من المحرم لانه اضبط لئلا تختلف الشهور فان المحرم اول السنة الهلالية العربية وفي هذه السنة اعنى سنة ست عشرة توفيت مارية ام ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي وابن جرير وغير واحد وصلى عليها عمر بن الخطاب وكان يجمع الناس لشهود جنازتها ودفنت بالبقيع رضى الله عنها وارضاها وهي مارية القبطية اهداها صاحب اسكندرية وهو جريج بن مينا في جملة تحف وهدايا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل ذلك منه وكان معها اختها شيرين التى وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبدالرحمن بن حسان ويقال اهدى المقوقس معهما جاريتين اخرتين فيحتمل انهما كانتا خادمتين لمارية ويرين واهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور واهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل واهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية وكان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان فحملت مارية من رسول الله صلى الله عليه وسلم بابراهيم عليهالسلام فعاش عشرين شهرا ومات قبل ابيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة سواء وقد حزن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى عليه وقال تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول الا ما يرضى ربنا وانا بك يا ابراهيم لمحزونون وقد تقدم ذلك في سنة عشر وكانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان وقد حظيت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم واعجب بها وكانت جميلة ملاحة أى حلوة وهى تشابه هاجر سرية الخليل فان كلا منهما من ديار مصر وتسراها نبي كريم وخليل جليل عليهما السلام
*2* ثم دخلت سنة سبع عشرة
@ في المحرم منها انتقل سعد بن ابي وقاص من المدائن الى الكوفة وذلك ان الصحابة استوخموا المدائن وتغيرت الوانهم وضعفت ابدانهم لكثرة ذبابها وغبارها فكتب سعد الى عمر في ذلك فكتب عمر ان العرب لا تصلح الا حيث يوافق ابلها فيعث سعد حذيفة وسلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم فمرا على ارض الكوفة وهى حصباء في رملة حمراء
فاعجبتهما ووجد هنالك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان ودير ام عمرو ودير سلسلة وبين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة فنزلا فصليا هنالك وقال كل واحد منهما اللهم رب السماء وما اظلت ورب الارض وما اقلت ورب الريح وما ذرت والنجوم وما هوت والبحار وما جرت والشياطين وما كتبا إلى سعد بالخبر فأمر سعد باختطاط الكوفة وسار اليها في اول اضلت والخصاص وما اجنت بارك لنا في هذه الكوفة واجعلها منزل ثبات ثم هذه السنة في محرمها فكان اول بناء وضع فيها المسجد وامر سعد رجلا راميا شديد الرمي فرمى من المسجد الى الاربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم وعمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة وبيت المال فكان اول ما بنوا المنازل بالقصب فاحترقت في اثناء السنة فبنوها باللبن عن امر عمر بشرط ان لا يسرفوا ولا يجاوزوا الحد وبعث سعد الى الامراء والقبائل فقدموا عليه فانزلهم الكوفة وامر سعد ابا هياج الموكل بانزال الناس فيها ان يعمروا ويدعوا للطريق المنهج وسع اربعين ذراعا ولما دون ذلك ثلاثين وعشرين ذراعا وللازقة سبعة اذرع وبنى لسعد قصر قريب من السوق فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث فكان يغلق بابه ويقول سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة فامره اذا انتهى إلى الكوفة ان يقدح زناده ويجمع حطبا ويحرق باب القصر ثم يرجع من فوره فلما نتهى الى الكوفة فعل ما امره به عمر وامر سعدا ان لا يغلق بابه عن الناس ولا يجعل على بابه احدا يمنع الناس عنه فامتثل ذلك سعد وعرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله ورجع الى المدينة واستمر سعيد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين ونصف حتى عزله عنها عمر من غير عجز ولا خيانة
*3* ابو عبيدة وحصر الروم له بحمص وقدوم عمر الى الشام
*2* ثم دخلت سنة ست عشرة
@ وذلك ان جمعا من الروم عزموا على حصار ابي عبيدة بحمص واستجاشوا باهل الجزيرة وخلق ممن هنالك وقصدوا ابا عبيدة فبعث ابو عبيدة الى خالد فقدم عليه من قنسرين وكتب الى عمر بذلك واستشار ابو عبيدة المسلمين في ان يناجز الروم او يتحصن بالبلد حتى يجىء امر عمر فكلهم اشار بالتحصن الا خالدا فانه اشار بمناجزتهم فعصاه واطاعهم وتحصن بحمص واحاط به الروم وكل بلد من بلدان الشام مشغول اهله عنه بامرهم ولو تركوا ما هم فيه واقبلوا الى حمص لا نخرم النظام في الشام كله وكتب عمر الى سعد ان يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويسيرهم الى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب نجدة لابي عبيدة فانه محصور وكتب اليه ان يجهز جيشا الى اهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار ابي عبيدة ويكون امير الجيش الى الجزيرة عياض ابن غنم فخرج الجيشان معا من الكوفة القعقاع في اربعة الاف نحو حمص لنجدة ابي عبيدة
وخرج عمر بنفسه من المدينة لينصر ابا عبيدة فبلغ الجابية وقيل انما بلغ سرع قاله ابن اسحاق وهو اشبه والله اعلم فلما بلغ اهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص ان الجيش قد طرق بلادهم انشمروا الى بلادهم وفارقوا الروم وسمعت الروم بقدوم امير المؤمنين عمر لينصر نائبه عليهم فضعف جانبهم جدا واشار خالد على ابي عبيدة بان يبرز اليهم ليقاتلهم ففعل ذلك ابو عبيدة ففتح الله عليه ونصره وهزمت الروم هزيمة فظيعة وذلك قبل ورود عمر عليهم وقبل وصول الامداد اليهم بثلاث بعد ثلاث ليال وسأله هل يدخلهم في القسم معهم مما افاء الله عليهم فجاء الجواب ليال فكتب أبو عبيدة إلى عمر وهو بالجابية يخبره بالفتح وأن المدد وصل إليهم بان يدخلهم معهم في الغنيمة فان العدو انما يضعف وانما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم فاشركهم ابو عبيدة في الغنيمة وقال عمر جزى الله اهل الكوفة خيرا يحمون حوزتهم ويمدون اهل الامصار
*3* فتح الجزيرة
@ قال ابن جرير وفي هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر قال ابن جرير في ذى الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة وقال ابن اسحاق كان ذلك في سنة تسع عشرة سار اليها عياض بن غنم وفي صحبته ابو موسى الاشعري وعمر بن سعد ابن ابي وقاص وهو غلام صغير السن ليس اليه من الامر شىء وعثمان بن ابي العاص فنزل الرها فصالحه اهلها على الجزية وصالحت حران على ذلك ثم بعث ابا موسى الاشعري الى نصيبين وعمر بن سعد الى راس العين وسار بنفسه الى دارا فافتتحت هذه البلدان وبعث عثمان بن ابي العاص الى ارمينية فكان عندها شىء من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا ثم صالحهم عثمان بن ابي العاص على الجزية على كل اهل بيت دينار
وقال سيف في روايته جاء عبدالله بن عبدالله بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى الى الموصل فعبر الى بلد حتى انتهى الى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع اهل الرقة وبعث الى عمر برءوس النصارى من عرب اهل الجزيرة فقال لهم عمر ادوا الجزية فقالوا ابلغنا مامننا فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن ارض الروم والله لتفضحنا من بين العرب فقال لهم انتم فضحتم انفسكم وخالفتم امتكم والله لتؤدن الجزية وانتم صغرة قمئة ولئن هربتم الى الروم لأكتبن فيكم ثم لاسبينكم قالوا فخذ منا شيئا ولا تسميه جزية فقال اما نحن فنسميه جزية واما انتم فسموه ما شئتم فقال له علي بن ابي طالب ألم يضعف عليهم سعد الصدقة قال بلى واصغى اليه ورضى به منهم
قال ابن جرير وفي هذه السنة قدم عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى الشام فوصل الى سرع
في قول محمد بن اسحاق وقال سيف وصل الى الجابية قلت والاشهر انه وصل سرع وقد تلقاه امراء الاجناد ابو عبيدة ويزيد بن ابي سفيان وخالد بن الوليد الى سرع فاخبروه ان الوباء قد وقع في الشام فاستشار عمر المهاجرين والانصار فاختلفوا عليه فمن قائل يقول انت قد جئت لامر فلا ترجع عنه ومن قائل يقول لا نرى ان تقدم بوجوه اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الوباء فيقال ان عمر امر الناس بالرجوع من الغد فقال ابو عبيدة افرارا من قدر الله قال نعم نفر من قدر الله الى قدر الله ارايت لو هبطت واديا ذا عدوتين احداهما مخصبة والاخرى مجدبة فان رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وان انت رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله ثم قال لو غيرك يقولها يا ابا عبيدة
قال ابن اسحاق في روايته وهو في صحيح البخاري وكان عبدالرحمن بن عوف متغيبا في بعض شانه فلما قدم قال ان عندي من ذلك علما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اذا سمعتم به بارض قوم فلا تقدموا عليه واذا وقع بارض وانتم فيها لا تخرجوا فرارا منه فحمد الله عمر يعنى لكونه وافق رايه ورجع بالناس وقال الامام احمد ثنا وكيع ثنا سفيان بن حسين بن ابي ثابت عن ابراهيم بن سعد عن سعد بن مالك بن ابي وقاص وخزيمة بن ثابت واسامة بن زيد قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به قوم قبلكم فاذا وقع بارض انتم فيها لا تخرجوا منها فرارا منه واذا سمعتم به بارض فلا تدخلوا عليه ورواه الامام احمد ايضا من حديث سعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد عن سعد بن ابي وقاص به قال سيف بن عمر كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع وكان سيفا يعتقد ان هذا الوباء هو طاعون عمواس الذي هلك فيه خلق من الامراء ووجوه المسلمين وليس الامر كما زعم بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه كما سنبينه ان شاء الله تعالى وذكر سيف بن عمر ان امير المؤمنين عمر كان قد عزم على ان يطوف البلدان ويزور الامراء وينظر فيما اعتمدوه وما آثروا من الخير فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول ابدا بالعراق ومن قائل يقول بالشام فعزم عمر على قدوم الشام لاجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس فانه اشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك وهذا يقتضى ان عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس وقد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي فهو قدوم آخر غير قدوم سرع والله اعلم
قال سيف عن ابي عثمان وابي حارثة والربيع بن النعمان قالوا قال عمر ضاعت مواريث الناس بالشام ابدا بها فاقسم المواريث واقيم لهم ما في نفسي ثم ارجع فاتقلب في البلاد وانبذ اليهم امري قالوا فاتى عمر الشام اربع مرات مرتين في سنة ست عشرة ومرتين في سنة سبع عشرة ولم يدخلها في الاولى من الاخريين وهذا يقتضى ما ذكرناه عن سيف انه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة وقد خالفه محمد بن اسحاق وابو معشر وغير واحد فذهبوا الى انه كان في سنة ثماني عشرة وفيه توفي ابو عبيدة ومعاذ ويزيد بن ابي سفيان وغيرهم من الاعيان على ما سياتي تفصيله ان شاء الله تعالى

شىء من اخبار طاعون عمواس
@ الذي توفي فيه ابو عبيدة ومعاذ ويزيد بن ابي سفيان وغيرهم من اشراف الصحابة وغيرهم اورده ابن جرير في هذه السنة
قال محمد بن اسحاق عن شعبة عن المختار بن عبدالله البجلي عن طارق بن شهاب البجلي قال اتينا ابا موسى وهو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال لا تحفوا فقد اصيب في الدار انسان بهذا السقم ولا عليكم ان تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم ونزهها حتى يرتفع هذا البلاء فاني ساخبركم بما يكره مما يتقى من ذلك ان يظن من خرج انه لو قام مات ويطن من اقام فاصابه ذلك انه لو خرج لم يصبه فاذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه ان يخرج وان يتنزه عنه اني كنت مع ابي عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس فلما اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب الى ابي عبيدة ليستخرجه منه ان سلام عليك اما بعد فانه قد عرضت لي اليك حاجة اريد ان اشافهك بها فعزمت عليك اذا نظرت في كتاب هذا ان لا تضعه من يدك حتى تقبل الي قال فعرف ابو عبيدة انه انما اراد ان يستخرجه من الوباء فقال يغفر الله لامير المؤمنين ثم كتب اليه يا امير المؤمنين اني قد عرفت حاجتك الى واني في جند من المسلمين لا اجد بنفسي رغبة عنهم فلست اريد فراقهم حتى يقضى الله في وفيهم امره وقضاءه فخلني من عزمتك يا امير المؤمنين ودعنى في جندي فلما قرا عمر الكتاب بكى فقال الناس يا امير المؤمنين امات ابو عبيدة قال لا وكان قد قال ثم كتب اليه سلام عليك اما بعد فانك انزلت الناس ارضا عميقة فارفعهم الى ارض مرتفعة نزهة قال ابو موسى فلما اتاه كتابه دعاني فقال يا ابا موسى ان كتاب امير المؤمنين قد جاءني بما ترى فاخرج فارتد للناس منزلا حتى اتبعك بهم فرجعت الى منزلى لارتحل فوجدت صاحبتي قد اصيبت فرجعت اليه وقلت والله لقد كان في اهلي حدث فقال لعل صاحبتك قد اصيبت قلت نعم فامر ببعير فرحل له فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال والله لقد اصبت ثم سار بالناس حتى نزل الجابية ورفع عن الناس الوباء
وقال محمد بن اسحاق عن ابان بن صالح عن شهر بن حوشب عن رابة رجل من قومه وكان قد خلف على امه بعد ابيه وكان قد شهد طاعون عمواس قال لما اشتغل الوجع قام ابو عبيدة في الناس خطيبا فقال ايها الناس ان هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وان ابا عبيدة يسال الله ان يقسم لابي عبيدة حظه فطعن فمات واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيبا بعده فقال ايها الناس ان هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم وان معاذ يسال الله تعالى ان يقسم لآل معاذ حظهم فطعن ابنه عبدالرحمن فمات ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رايته ينظر اليها ثم يقلب ظهر كفه ثم يقول ما احب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا فلما مات استخلف على الناس عمر بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال ايها الناس ان هذا الوجع اذا وقع فانما يشتعل اشتعال النار فتحصنوا منه في الجبال فقال ابو وائل الهذلي كذبت والله لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وانت شر من حماري هذا فقال والله ما ارد عليك ما تقول وايم الله لا نقيم عليه قال ثم خرج وخرج الناس فتفرقوا ودفعه الله عنهم
قال فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من راي عمرو بن العاص فوالله ما كرهه قال ابن اسحاق ولما انتهى الى عمر مصاب ابي عبيدة ويزيد بن ابي سفيان امر معاوية على جند دمشق وخراجها وامر شرحبيل بن حسنة على جند الاردن وخراجها
وقال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما وطال مكثه وفنى خلق كثير من الناس حتى طمع العدو وتخوفت قلوب المسلمين لذلك
قلت ولهذا قدم عمر بعد ذلك الى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما اشكل امرها على الامراء وطابت قلوب الناس بقدومه وانقمعت الاعداء من كل جانب لمجيئه الى الشام ولله الحمد والمنة
وقال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة قال فلما اراد القفول الى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال الا اني قد وليت عليكم وقضيت الذي علي في الذي ولاني الله من امركم ان شاء الله فبسطنا بينكم فيأكم ومنازلكم ومغازيكم وابلغناكم ما لدينا فجندنا لكم الجنود وهيأنا لكم العروج وبوأنا لكم ووسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم وما قاتلتم عليه من شامكم وسمينا لكم اطعماتكم وامرنا لكم باعطياتكم وارزاقكم ومغانمكم فمن علم منكم شيئا ينبغى العمل به فليعلمنا نعمل به ان شاء الله ولا قوة الا بالله قال وحضرت الصلاة فقال الناس لو امرت بلالا فاذن فامره فاذن فلم يبق احد كان ادرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن الا بكى حتى بل لحيته وعمر اشدهم بكاء وبكى من لم يدركه لبكائهم ولذكره صلى الله عليه وسلم
وذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن ابي المجالد ان عمر بن الخطاب
بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله الى الحمام وتدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر فقال في كتابه ان الله قد حرم ظاهر الخمر وباطنه كما حرم ظاهر الاثم وباطنه وقد حرم مس الخمر فلا تمسوها اجسامكم فانها نجس فان فعلتم فلا تعودوا فكتب اليه خالد انا قتلناها فعادت غسولا غير خمر فكتب اليه عمر انى اظن ان آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا اماتكم الله عليه فانتهى لذلك
قال سيف واصاب اهل البصرة تلك السنة الطاعون ايضا فمات بشر كثير وجم غفير رحمهم الله ورضى عنهم اجمعين قالوا وخرج الحارث بن هشام في سبعين من اهله الى الشام فلم يرجع منهم الا اربعة فقال المهاجر بن خالد في ذلك
من يسكن الشام يعرس به * والشام ان لم يفننا كارب
افنى بنى ريطة فرسانهم * عشرون لم يقصص لهم شارب
ومن بنى اعمامهم مثلهم * لمثل هذا يعجب العاجب
طعنا وطاعونا مناياهم * ذلك ما خط لنا الكاتب
*3* كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين ايضا
@ قال ابن جرير وفي هذه السنة ادرب خالد بن الوليد وعياض بن غنم اي سلكا درب الروم واغارا عليهم فغنموا اموالا عظيمة وسبيا كثيرا ثم روى من طريق سيف عن ابي عثمان وابي حارثة والربيع وابي المجالد قالوا لما رجع خالد ومعه اموال جزيلة من الصائفة انتجعه الناس يبتغون وفده ونائله فكان ممن دخل عليه الاشعث بن قيس فاجازه بعشرة الاف فلما بلغ ذلك عمر كتب الى ابي عبيدة يامره ان يقيم خالدا ويكشف عمامته وينزع عنه قلنسوته ويقيده بعمامته ويساله عن هذه العشرة الاف ان كان اجازها الاشعث من ماله فهو سرف وان كان من مال الصائفة فهى خيانة ثم اعزله عن عمله فطلب ابو عبيدة خالدا وصعد ابو عبيدة المنبر واقيم خالد بين يدي المنبر وقام اليه بلال ففعل ما امر به عمر بن الخطاب هو والبريد الذي قدم بالكتاب هذا وابو عبيدة ساكت لا يتكلم ثم نزل ابو عبيدة واعتذر الى خالد مما كان بغير اختياره وارادته فعذره خالد وعرف انه لا قصد له في ذلك ثم سار خالد الى قنسرين فخطب اهل البلد وودعهم وسار باهله الى حمص فخطبهم ايضا وودعهم وسار الى المدينة فلما دخل خالد على عمر انشد عمر قول الشاعر
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع * وما يصنع الاقوام فالله صانع
ثم ساله من اين هذا اليسار الذي تجيز منه بعشرة الاف فقال من الانفال والسهمان قال
فما زاد على الستين الفا فلك ثم قوم أمواله وعروضه واخذ منه عشرين الفا ثم قال والله انك على لكريم وانك الى لحبيب ولن تعمل لي بعد اليوم على شىء
وقال سيف عن عبدالله عن المستورد عن ابيه عن عدي بن سهل قال كتب عمر الى الامصار اني لم اعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ولكن الناس فتنوا به فاحببت ان يعلموا ان الله هو الصانع ثم رواه سيف عن مبشر عن سالم قال لما قدم خالد على عمر فذكر مثله قال الواقدي وفي هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها وعمر في المسجد الحرام وامر بتجديد انصاب الحرم امر بذلك لمخرمة بن نوفل وازهر بن عبدعوف وحويطب بن عبدالعزى وسعيد بن يربوع قال الواقدي وحدثني كثير بن عبدالله المرى عن ابيه عن جده قال قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة فمر في الطريق فكلمه اهل المياه ان يبنوا منازل بين مكة والمدينة ولم يكن قبل ذلك بناء فاذن لهم وشرط عليهم ان ابن السبيل احق بالظزل والماء
قال الواقدي وفيها تزوج عمر بام كلثوم بنت علي بن ابي طالب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ذى القعدة وقد ذكرنا في سيرة عمر ومسنده صفة تزويجه بها انه امهرها اربعين الفا وقال انما تزوجتها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سبب ونسب فانه ينقطع يوم القيامة الا وسببي ونسبي قال وفي هذه السنة ولى عمر ابا موسى الاشعري البصرة وامره ان يشخص اليه المغيرة بن شعبة في ربيع الاول فشهد عليه فيما حدثنى معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب ابو بكرة وشبل بن معبد البجلي ونافع بن عبيد وزياد ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة وملخصها ان امرأة كان يقال لها ام جميل بنت الافقم من نساء بنى عامر بن صعصعة ويقال من نساء بنى هلال وكان زوجها من ثقيف قد توفي عنها وكانت تغشى نساء الامراء والاسراف وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو امير البصرة وكانت دار المغيرة تجاه دار ابي بكرة وكان بينهما طريق وفي دار ابي بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة وكان لا يزال بين المغيرة وبين ابي بكرة شنآن فبينما ابو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية اذ فتحت الريح باب الكوة فقام ابو بكرة ليغلقها فاذا كوة المغيرة مفتوحة واذا هو على صدر امرأة وبين رجليها وهو يجامعها فقال ابو بكرة لاصحابه تعالوا فانظروا الى اميركم يزنى بام جميل فقاموا فنظروا اليه وهو يجامع تلك المرأة فقالوا لابي بكرة ومن اين قلت انها ام جميل وكا راساهما من الجانب الاخر فقال انتظروا فلما فرغا قامت المرأة فقال ابو بكرة هذه ام جميل فعرفوها فيما يظنون فلما خرج المغيرة وقد اغتسل ليصلي بالناس منعه ابو بكرة ان يتقدم وكتبوا الى عمر في ذلك فولى ابا موسى الاشعري اميرا على البصرة وعزل المغيرة فسار الى البصرة فنزل
البرد فقال المغيرة والله ما جاء ابو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء الا اميرا ثم قدم ابو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو اوجز كتاب فيه اما بعد فانه بلغني نبأ عظيم فبعثت ابا موسى اميرا فسلم ما في يديك والعجل وكتب الى اهل البصرة اني قد وليت عليكم ابا موسى لياخذ من قويكم لضعيفكم وليقاتل بكم عدوكم وليدفع عن دينكم وليجبى لكم فياكم ثم ليقسمه بينكم واهدى المغيرة لابي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال اني رضيتها لك وكانت فارهة وارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه وهم ابو بكرة ونافع بن كلدة وزياد بن امية وشبل بن معبد البجلي فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة فقال المغيرة سل هؤلاء الاعبد كيف راوني مستقبلهم او مستدبرهم وكيف راو المرأة وعرفوها فان كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا او مستدبري فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتى والله ما اتيت الا امرأتي وكانت تشبهها فبدأ عمر بابي بكرة فشهد عليه انه آه بين رجلي ام جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة قال كيف رايتهما قال مستدبرهما قال فكيف استبنت راسها قال تحاملت ثم دعا شبل ابن معبد فشهد بمثل ذلك فقال استقبلتهما ام استدبرتهما قال استقبلتهما وشهد نافع بمثل شهادة ابي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم قال رايته جالسا بين رجلي امرأة فرايت قدمين مخضوبتين يخفقان واستين مكشوفتين وسمعت حفزانا شديدا قال هل رايت كالميل في المكحلة قال لا قال فهل تعرف المرأة قال لا ولكن اشبهها قال فتنح وروى ان عمر رضى الله عنه كبر عند ذلك ثم امر بثلاث فجلدوا الحد وهو يقرأ قوله تعالى فاذا لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون فقال المغيرة اشفني من الاعبد قال اسكت اسكت الله فاك والله لم تمت الشهادة لرجمناك باحجارك
*3* فتح الاهواز ومناذر ونهر تيري
@ قال ابن جرير كان في هذه السنة وقيل في سنة ست عشرة ثم روى من طريق سيف عن شيوخه ان الهرمزان كان قد تغلب على هذه الاقاليم وكان ممن فر يوم القادسية من الفرس فجهز ابو موسى من البصرة وعتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله فنصرهم الله عليه واخذوا منه ما بين دجلة الى دجيل وغنموا من جيشه ما ارادوا وقتلوا من ارادوا ثم صانعهم وطلب مصالحتهم عن بقية بلاده فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه وبعث بالاخماس والبشارة الى عمر وبعث وفدا فيهم الاحنف بن قيس فاعجب عمر به وحظى عنده وكتب الى عتبة يوصيه به ويامره بمشاورته والاستعانة برايه ثم نقض الهرمزان العهد والصلح واستعان بطائفة من الاكراد وغرته نفسه وحسن له الشيطان عمله في ذلك فبرز اليه المسلمون فنصروا عليه وقتلوا من جيشه جما
غفيرا وخلقا كثيرا وجمعا عظيما واستلبوا منه ما بيده من الاقاليم والبلدان الى تستر فتحصن بها وبعثوا الى عمر بذلك وقد قال الاسود بن سريع في ذلك وكان صحابيا رضى الله عنه
لعمرك ما اضاع بنو ابينا * ولكن حافظوا فيمن يطيعوا
اطاعول ربهم وعصاه قوم * اضاعوا امره فيمن يضيع
مجوس لا ينهنهها كتاب * فلاقوا كبة فيها قبوع
وولى الهرمزان على جواد * سريع الشد يثفنه الجميع
وخلى سرة الاهواز كرها * غداة الجسر اذ نجم الربيع
وقال حرقوص بن زهير السعدي وكان صحابيا ايضا * غلبنا الهرمزان على بلاد
لها في كل ناحية ذخائر
سواء برهم والبحر فيها * اذا صارت نواحيها بواكر
لها بجر يعج بجانبيه * جعافر لا يزال لها زواخر
*3* فتح تستر المرة الاولى صلحا
@ قال ابن جرير كان ذلك في هذه السنة في قول سيف وروايته وقال غيره في سنة ست عشرة وقال غيره كانت في سنة تسع عشرة ثم قال ابن جرير ذكر الخبر عن فتحها ثم ساق من طريق سيف عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو قالوا ولما افتتح حرقوص بن زهير سوق الاهواز وفر الهرمزان بين يديه فبعث في اثره جزء بن معاوية وذلك عن كتاب عمر بذلك فما زال جزء يتبعه حتى انتهى الى رامهرمز فتحصن الهرمزان في بلادها واعجز جزءا تطلبه واستحوذ جزء على تلك البلاد والاقاليم والاراضي فضرب الجزية على اهلها وعمر عامرها وشق الانهار الى خرابها ومواتها فصارت في غاية العمارة والجودة ولما راى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين طلب من جزء بن معاوية المصالحة فكتب الى حرقوص فكتب حرقوص الى عتبة بن غزوان وكتب عتبة الى عمر في ذلك فجاء الكتاب العمرى بالمصالحة على رامهرمز وتستر وجندسابور ومدائن اخر مع ذلك فوقع الصلح على ذلك كما امر به عمر رضىة الله عنه
*3* ذكر غزوة بلاد فارس من ناحية البحرين عن ابن جرير عن سيف
@ وذلك ان العلاء بن الحضرمي كان على البحرين في ايام الصديق فلما كان عمر عزله عنها وولاها لقدامة بن مظعون ثم اعاد العلاء بن الحضرمي اليها وكان العلاء الحضرمي يباري سعد بن ابي وقاص فلما افتتح سعد القادسية وازاح كسرى عن داره واخذ حدود ما يلي السواد واستعلى

@ وذلك ان جمعا من الروم عزموا على حصار ابي عبيدة بحمص واستجاشوا باهل الجزيرة وخلق ممن هنالك وقصدوا ابا عبيدة فبعث ابو عبيدة الى خالد فقدم عليه من قنسرين وكتب الى عمر بذلك واستشار ابو عبيدة المسلمين في ان يناجز الروم او يتحصن بالبلد حتى يجىء امر عمر فكلهم اشار بالتحصن الا خالدا فانه اشار بمناجزتهم فعصاه واطاعهم وتحصن بحمص واحاط به الروم وكل بلد من بلدان الشام مشغول اهله عنه بامرهم ولو تركوا ما هم فيه واقبلوا الى حمص لا نخرم النظام في الشام كله وكتب عمر الى سعد ان يندب الناس مع القعقاع بن عمرو ويسيرهم الى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب نجدة لابي عبيدة فانه محصور وكتب اليه ان يجهز جيشا الى اهل الجزيرة الذين مالأوا الروم على حصار ابي عبيدة ويكون امير الجيش الى الجزيرة عياض ابن غنم فخرج الجيشان معا من الكوفة القعقاع في اربعة الاف نحو حمص لنجدة ابي عبيدة
وجاء باعظم مما جاء به العلاء بن الحضرمي من ناحية البحرين فاحب العلاء ان يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم فندب الناس الى حربهم فاستجاب له اهل بلاده فجزاهم اجزاء فعلى فرقة الجارود بن المعلي وعلى الاخرى السوار بن همام وعلى الاخرى خليد بن المنذر بن ساوى وخليد هو امير الجماعة فحملهم في البحر الى فارس وذلك بغير اذن عمر له في ذلك وكان عمر يكره ذلك لان رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر ما اغزيا فيه المسلمين فعبرت تلك الجنود من البحرين الى فارس فخرجوا من عند اصطخر فحالت فارس بينهم وبين سفنهم فقام في الناس خليد بن المنذر فقال ايها الناس انما اراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم وانتم جئتم لمحاربتهم فاستعينوا بالله وقاتلوهم فانما الارض والسفن لمن غلب واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين فاجابوه الى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الارض يدعى طاوس ثم امر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا فصبروا ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم ولم يجدوا الى الرجوع في البحر سبيلا ووجدوا شهرك في اهل اصطخر قد اخذوا على المسلمين بالطرق فعسكروا وامتنعوا من العدو ولما بلغ عمر صنع العلاء بن الحضرمي اشتد غضبه عليه وبعث اليه فعزله وتوعده وامره باثقل الاشياء عليه وابغض الوجوه اليه فقال الحق بسعد بن ابي وقاص فخرج العلاء الى سعد بن ابي وقاص مضافا اليه وكتب عمر الى عتبة بن غزوان ان العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فاقطعهم اهل فارس وعصاني واظنه لم يرد الله بذلك فخشيت عليهم ان لاينصروا ان يغلبوا وينشبوا فاندب اليهم الناس واضممهم اليك من قبل ان يجتاحوا فندب عتبة المسلمين واخبرهم بكتاب عمر اليه في ذلك فانتدب جماعة من الامراء الابطال منهم هاشم بن ابي وقاص وعاصم بن عمرو وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن والاحنف بن قيس وغيرهم في اثنى عشر الفا وعلى الجميع ابو سبرة بن ابي رهم فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا فساروا على الساحل لا يلقون احدا حتى انتهوا الى موضع الوقعة التى كانت بين المسلمين من اصحاب العلاء وبين اهل فارس بالمكان المسمى بطاوس واذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد احاط بهم العدو من كل جانب وقد تداعت عليهم تلك الامم من كل وجه وقد تكاملت امداد المشركبن ولم يبق الا القتال فقدم المسلمون اليهم في احوج ما هم فيه اليهم فالتقوا مع المشركين راسا فكسر ابو سبرة المشركين كسرة عظيمة وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا واخذ منهم اموالا جزيلة باهرة واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من ايديهم واعز به الاسلام واهله ودفع
الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا الى عتبة بن غزوان الى البصرة
ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية استاذن عمر في الحج فاذن له فسار الى الحج واستخلف على البصرة ابا سبرة بن ابي رهم واجتمع بعمر في الموسم وساله ان يقيله فلم يفعل واقسم عليه عمر ليرجعن الى عمله فدعا عتبة الله عز وجل فمات ببطن نخلة وهو منصرف من الحج فتاثر عليه عمر واثنى عليه خيرا وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة فوليها بقية تلك السنة والتى تليها لم يقع في زمانه حدث وكان مرزوق السلامة في عمله ثم وقع الكلام في تلك المرأة من ابي بكرة فكان امره ما قدمنا ثم بعث اليها ابا موسى الاشعري واليا عليها رضى الله عنهم

وقال سيف في روايته جاء عبدالله بن عبدالله بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى الى الموصل فعبر الى بلد حتى انتهى الى نصيبين فلقوه بالصلح وصنعوا كما صنع اهل الرقة وبعث الى عمر برءوس النصارى من عرب اهل الجزيرة فقال لهم عمر ادوا الجزية فقالوا ابلغنا مامننا فوالله لئن وضعت علينا الجزية لندخلن ارض الروم والله لتفضحنا من بين العرب فقال لهم انتم فضحتم انفسكم وخالفتم امتكم والله لتؤدن الجزية وانتم صغرة قمئة ولئن هربتم الى الروم لأكتبن فيكم ثم لاسبينكم قالوا فخذ منا شيئا ولا تسميه جزية فقال اما نحن فنسميه جزية واما انتم فسموه ما شئتم فقال له علي بن ابي طالب ألم يضعف عليهم سعد الصدقة قال بلى واصغى اليه ورضى به منهم
@ قال ابن جرير وفي هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر قال ابن جرير في ذى الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة وقال ابن اسحاق كان ذلك في سنة تسع عشرة سار اليها عياض بن غنم وفي صحبته ابو موسى الاشعري وعمر بن سعد ابن ابي وقاص وهو غلام صغير السن ليس اليه من الامر شىء وعثمان بن ابي العاص فنزل الرها فصالحه اهلها على الجزية وصالحت حران على ذلك ثم بعث ابا موسى الاشعري الى نصيبين وعمر بن سعد الى راس العين وسار بنفسه الى دارا فافتتحت هذه البلدان وبعث عثمان بن ابي العاص الى ارمينية فكان عندها شىء من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا ثم صالحهم عثمان بن ابي العاص على الجزية على كل اهل بيت دينار
*3* ذكر فتح تستر ثانية واسر الهرمزان وبعثه الى عمر بن الخطاب
@ قال ابن جرير كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي وكان سبب ذلك ان يزدجر كان يحرض اهل فارس في كل وقت ويؤنبهم بملك العرب بلادهم وقصدهم اياهم في حصونهم فكتب الى اهل الاهواز واهل فارس فتحركوا وتعاهدوا وتعاقدوا على حرب المسلمين وان يقصدوا البصرة وبلغ الخبر الى عمر فكتب الى سعد وهو بالكوفة ان ابعث جيشا كثيفا الى الاهواز مع النعمان بن مقرن وليكونوا بازاء الهرمزان وسمى رجالا من الشجعان الاعيان الامراء يكونون في هذا الجيش منهم جرير بن عبدالله البجلي وجرير بن عبدالله الحميري والنعمان بن مقرن وسويد بن مقرن وعبدالله بن ذى السهمين وكتب عمر الى ابي موسىوهو بالبصرة ان ابعث الى الاهواز جندا كثيفا وامر عليهم سهيل بن عدي وليكن معه البراء بن مالك وعاصم ابن عمرو ومجزأة بن ثور وكعب بن ثور وعرفجة بن هرثمة وحذيفة بن محصن وعبدالرحمن بن سهل والحصين بن معبد وليكن على اهل الكوفة واهل البصرة جميعا ابو سبرة بن ابي رهم وعلى كل من اتاه من المدد قالوا فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى الى رامهرمز وبها الهرمزان فخرج اليه الهرمزان في حنده ونقض العهد بينه وبين المسلمين فبادره طمعا ان يقتطعه قبل مجىء اصحابه من اهل البصرة رجاء ان ينصر اهل فارس فالتقى معه النعمان بن مقرن باربل فاقتتلا قتالا شديدا فهزم الهرمزان وفر الى تستر وترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة واخذ ما فيها من الحواصل والذخائر والسلاح والعدد فلما وصل الخبر الى اهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان وانه فر فلجا الى تستر ساروا اليها ولحقهم اهل الكوفة حتى احاطوا بها فحاصروها جميعا وعلى الجميع ابو سبرة فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا وجما غفيرا وكتبوا الى عمر في ذلك وسالوه ان يمدهم فكتب الى ابي موسى ان يسير اليهم فسار اليهم وكان امير اهل
البصرة واستمر ابو سبرة على الامرة على جميع اهل الكوفة والبصرة فحاصرهم اشهرا وكثر القتل من الفريقين وقتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك وكذلك فعل كعب بن ثور ومجزأة بن ثور وابو يمامة وغيرهم من اهل البصرة وكذلك اهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة وربعي بن عامر وعامر بن عبد الأسود وقد تزاحفوا اياما متعدده حتى اذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء بن مالك وكان محاب الدعوة يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا فقال اللهم اهزمهم لنا واستشهدني قال فهزمهم المسلمون حتى ادخلوهم خنادقهم واقتحموها عليهم ولجأ المشركون الى البلد فتحصنوا به وقد ضاقت بهم البلد وطلب رجل من اهل البلد الأمان من ابي موسى فأمنه فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه الى البلد وهو من مدخل الماء اليها فندب الأمراء الناس الى ذلك فانتدب رجال من الشجعان والأبطال وجاؤوا فدخلوا مع الماء كالبط الى البلد وذلك في الليل فيقال كان اول من دخلها عبد الله بن مغفل المزني وجاؤا الى البوابين فأناموهم وفتحوا الابواب وكبر المسلمون فدخلوا البلد وذلك في وقت الفجر الى ان تعالى النهار ولم يصلوا الصبح يومئذ الا بعد طلوع الشمس كما حكاه البخاري عن انس بن مالك قال شهدت فتح تستر وذلك عند صلاة الفجر فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح الا لمكحول والأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال وجنح إليه بعد طلوع الشمس فما احب ان لي بتلك الصلاة حمر النعم احتج بذلك البخاري البخاري واستدل بقصة الخندق في قوله عليه السلام شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا وبقوله يوم بنى قريظة لا يصلين احد منكم العصر الا في بني قريظة فأخرها فريق من الناس الى بعد غروب الشمس ولم يعنفهم وقد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح
والمقصود ان الهرمزان لما فتحت البلد لجأ الى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا وغيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة ولم يبق الا تلافة او تلافهم قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور رحمهما الله ان معي جعبة فيها مائة سهم وانه لا يتقدم الى احد منكم الا ميته بسهم فتلته ولا يسقط لي سهم الا في رجل منكم فماذا ينفعكم ان اسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل قالوا فماذا تريد قال تؤمنوني حتى اسلمكم يدي فتذهبوا بي الى عمر بن الخطاب فيحكم في كما يشاء فأجابوه الى ذلك فألقى قوسه ونشابه واسروه فشدوه وثاقا وارصدوه ليبعتوه الى امير
المؤمنين عمر ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا اربعة اخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل الف درهم
*3* فتح السويس
@ ثم ركب ابو سبرة في طائفة من الجيش ومعه ابو موسى الأشعري والنعمان بن مقرن واستصحبوا معهم الهرمزان وساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس فاحاطوا بها وكتب ابو سبرة الى عمر فجاء الكتاب بان يرجع ابو موسى الى البصرة وامر عمر زر بن عبد الله بن كليب العقيمي وهو صحابي ان يسير الى جند سابور فسار ثم بعث ابو سبرة بالخمس وبالهرمزان مع وفد فيهم انس بن مالك والأحنف بن قيس فلما اقتربوا من المدينة هيؤا الهرمزان بلبسه الذي كان يلبسه من الديباج والذهب المكلل بالياقوت واللآليء ثم دخلوا المدينة وهو كذلك فتيمموا به منزل امير المؤمنين فسألوا عنه فقالوا إنه ذهب الى المسجد بسبب وقد من الكوفة فجاؤا المسجد فلم يروا احدا فرجعوا فاذا غلمان يلعبون المسجد فإذا هو متوسد برنسا كان قد لبسه فسألوهم عنه فقال انه نائم في المسجد متوسدا برنسا له فرجعوا إلى للوفد فلما انصرفوا عنه توسد البرنس ونام وليس في المسجد غيره والدرة معلقة في يده فقال الهرمزان اين عمر فقالوا هوذا وجعل الناس يخفضون اصواتهم لئلا ينبهو وجعل الهرمزان يقول واين حجابه ابن حرسة فقالوا ليس له حجاب ولا حرس ولا كاتب ولا ديوان فقال ينبغي ان يكون نبيا فقالوا بل يعمل عمل الأنبياء وكثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا ثم نظر الى الهرمزان فقال الهرمزان قالوا نعم فتأمله وتأمل ما عليه ثم قال اعوذ بالله من النار واستعين بالله ثم قال الحمد لله الذي اذل بالاسلام هذا وأشياعه يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين واهتدوا بهدى نبيكم ولا تبطرانكم الدنيا فانها غدارة فقال له الوفد هذا ملك الأهواز فكلمه فقال لاحتى لايبقى عليه من حليته شيء ففعلوا ذلك والبسوه ثوبا صفيقا فقال عمر يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر وعاقبة امر الله فقال يا عمر انا واياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم اذ لم يكن معنا ولا معكم فلما كان معكم غلبتمونا فقال عمر انما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا ثم قال ما عذرك وما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة فقال اخاف ان تقتلني قبل ان اخبرك قال لاتخف ذلك استسقى الهرمزان ماء فأتى به في قدح غليظ فقال لو مت عطشا لم استطع ان اشرب في هذا فأتى به قدح آخر يرضاه فلما اخذه جعلت يده ترعد وقال اني اخاف ان اقتل وأنا اشرب فقال عمر لابأس عليك حتى تشربه وأكفأه فقال عمر
اعيدوه عليه ولا تجمعوا عليه القتل والعطش فقال لا حاجة لي في الماء انما اردت ان استانس به فقال له عمر اني قاتلك فقال انك امنتني قال كذبت فقال انس صدق يا امير المؤمنين فقال عمر ويحك يا انس انا اؤمن من قبل مجزأة والبراء لتاتيني بمخرج والا عاقبتك قال قلت لا بأس عليك حتى تخبرني وقلت لاباس عليك حتى تشربه وقال له من حوله مثل ذلك فاقبل على الهرمزان فقال خدعتني والله لا انخدع الا ان تسلم فاسلم ففرض له في الفين وانزله المدينة وفي رواية ان الترجمان بين عمر وبين الهرمزان كان المغيرة بن شعبة فقال له عمر قل له من أي ارض انت قال مهرجاني قال تكلم بحجتك فقال اكلام حي ام ميت قال بل كلام حي فقال قد امنتني فقال خدعتني ولا اقبل ذلك الا ان تسلم فاسلم ففرض له الفين وانزله المدينة ثم جاء زيد فترجم بينهما ايضا
قلت وقد حسن اسلام الهرمزان وكان لايفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بمملاة ابي لؤلؤة هو وجفينة فقتل عبد الله بن عمر الهرمزان وجفينة على ما سيأتي تفصيله
وقد روينا ان الهرمزان لما علاه عبيد الله بالسيف قال لاإله إلا الله واما جفينه فصلب على وجهه
والمقصود ان عمر كان يحجر على المسلمين ان يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم حتى اشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فان الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين وان لم يستأصل شأو العجم ولا طمعوا في الاسلام واهله فاستحسن عمر ذلك منه وصوبه واذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا ولله الحمد واكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سياتي بيانه فيها
ثم نعود الى فتح السوس وحند سابور وفتح نهاوند في قول سيف كان قد تقدم ان ابا سبرة سار بمن معه من عليه الأمراء من تستر الى السوس فنازلها حينا وقتل من الفريقين خلق كثير فأشرف عليه علماء اهلها فقالوا يامعشر المسلمين لاتتعبو في حصار هذا البلد فانا ناثر فيما نرويه عن قدمائنا من اهل هذا البلد انه لايفتحه الا الدجال او قوم معهم الدحال واتفق انه كان في جيش ابي موسى الأشعري صاف بن صياد فأرسله ابو موسى فيمن يحاصره فجاء الى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالامان ودعو ا الى الصلح فاجابوهم الى ذلك وكان على السوس شهر يار اخو الهرمزان فاستحوذ المسلمون على السوس وهو بلد قديم العمارة في الارض يقال إنه اول بلد وضع على وجه الأرض والله اعلم وذكر ابن جرير انهم وجدوا قبر دانيال بالسوس وان ابا موسى لما قدم بها بعد مضى ابي سبرة
الى جندي سابور كتب الى عمر في امره فكتب اليه ان يدفنه وان يغيب عن الناس موضع قبره ففعل وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد
قال ابن جرير وقال بعضهم ان فتح السوس ورامهز وتسيير الهرمزان من تستر الى عمر في سنة عشرين والله اعلم وكان الكتاب العمري قد ورد بان النعمان بن مقرن يذهب الى اهل نهاوند فسار اليها فمر بماه بلدة كبيرة قبلها فافتتحها ثم ذهب الى نهاوند ففتحها ولله الحمد
قلت المشهور ان فتح نهاوند انما وقع في سنة احدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك وهي وقعة عظيمة وفتح كمبير وخبر غريب ونبأ عجيب وفتح زر بن عبد الله الفقيمي مدينة جندي سابور فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين هذا وقد تحول يزدجرد من بلد الى بلد حتى انتهى امره الى الاقامة باصبهان وقد كان صرف طائفة من اشراف اصحابه فريبا من ثلثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له سياه فكانوا يفرون من المسلمين من بلد الى بلد حتى فتح المسلمون تستر واصطخر فقال سياه لأصحابه ان هؤلاء بعد الشقاء والذله ملكوا اماكن الملوك الأقدمين ولايلقون حندا الا كسروه والله ماهذا عن باطل ودخل في قلبه الإسلام وعظمته فقالو له نحن تبع لك وبعث عمار ابن ياسر في غصون ذلك يدعوهم الى الله فأرسلوا الى ابي موسى الاشعري باسلامهم وكتب فيهم الى عمر في ذلك فامره ان يفرض لهم في الفين الفين وفرض لستة منهم في الفين وخمسائة وحسن اسلامهم وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من امرهم انهم حاصروا حصنا فامتنع عليهم فجاء احدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن وضمخ ثيابه بدم فلما نظروا اليه حسبوا انه منهم ففتحوا اليه باب الحصن لياووه فثار الى البواب فقتله وجاء بقية اصحابه ففتحوا ذلك الحسن وقتلوا من فيه من المجوس الى غير ذلك من الأمور العجيبة اوالله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم
وذكر ابن جرير ان عمر بن الخطاب عقد الأوية والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما اشار عليه بذلك الأحنف بن قيس فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة
قال وحج بالناس في هذه السنة امير المؤمنين عمر بن الخطاب ثم ذكر نوابه على البلاد وهم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فان على البصرة بدله ابو موسى الأشعري
قلت وقد توفي في هذه السنة اقوام قيل انهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في اماكنهم والله تعالى اعلم


*2* ثم دخلت سنة ثماني عشرة
@ المشهور الذي عليه الجمهور ان طاعون عمواس كان بها وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في ايراده ذلك في السنة التي قبلها لكنا تذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة ان شاء الله تعالى قال ابن اسحاق وابو معشر كان في هذه السنة طاعون عمواس وعام الرمادة فتفاني فيهما الناس قلت كان في عام الرمادة جدب عم ارض الحجاز وجاع الناس جوعا شديدا وقد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر وسميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد وقيل لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد ويمكن ان تكون سميت لكل منها والله اعلم وقد اجدبت الناس في هذا السنة بارض الحجاز وجفلت الاحياء الى المدينة ولم يبق عند احد منهم زاد فلجأوا الى امير المؤمنين فانفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه منا الأطعمة والاموال حتى انفذه والزم نفسه ان لايأكل سمنا ولا سمينا حتى يكشف ما بالناس فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن والسمن ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل وكان يستمرئ الزيت وكان لايشبع مع ذلك فاسود لون عمر رضي الله عنه وتغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف واستمر هذا الحال في الناس تسعة اشهر ثم تحول الحال الى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة الى اما كنهم
قال الشافعي بلغني ان رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة لقد انجلت عنك ولانك لابن حرة أي واسيت الناس وانصفتهم واحسنت اليهم وقد روينا ان عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد احدا يضحك ولا يتحدث الناس في منازلهم على العادةولم ير سائلا يسأل فسأل عن سبب ذلك فقيل له يا امير المؤمنين ان السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال والناس في هم وضيق فهم لايتحدثون ولايضحكون فكتب عمر الى بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر وسائر الأطعمات ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة وهذا الأثر جيد الإسناد لكن ذكر عمرو بن العاص في ابي موسى بالبصرة ان يا غوثاه لامة محمد وكتب الى عمرو بن العاص عام الرمادة مشكل فان مصر لم تكن فتحن في سنة ثماني عشرة فاما ان يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة او يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهم والله اعلم
وذكر سيف عن شيوخه ان ابا عبيدة قدم المدينة ومعه اربعة آلاف راحله تحمل طعاما فامره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة فلما فرغ من ذلك امر له باربعة آلاف درهم فأبى ان يقبلها فلح عليه عمر حتى قبلها
وقال سيف بن عمرو عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة وأول سنة ثماني عشرة اصاب اهل المدينة وما حولها جوع فهلك كثير من الناس حتى جعلت الوحش تاوى الى الانس فكان الناس بذلك وعمر كالمحصور عن اهل الأمصار حتى اقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال انا رسول رسول الله اليك يقول لك رسول الله ص لقد عهدتك كيسا وما زلت على ذلك فما شأنك قال منى رايت هذا قال البراحة فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال ايها الناس انشدكم الله هل تعلمون منى امرا غيره خير منه فقالو اللهم لا فقال ان بلال بن الحارث يزعم ذية وذية قالوا صدق بلال فاستغث بالله ثم بالمسلمين فبعث اليهم وكان عمر عن ذلك محصورا فقال عمر الله اكبر بلغ البلاء مدته فانكشف ما اذن لقوم في الطلب الا وقد رفع عنهم الأذى والبلاء وكتب الى امراء الامصار ان اغيثوا اهل المدينة ومن حولها فانه قد بلغ جهدهم واخرج الناس الى الاستسقاء فخرج وخرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا فخطب واوجز وصلى ثم حتى لركبتيه وقال اللهم اياك نعبد واياك نستعين اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا ثم انصرف فما بلغو المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران
ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب ان رجلا من مزينة عام الرمادة سأله اهله ان يذبح لهم شاة فقال ليس فيهن شيء فالحوا عليه فذبح شاة فاذا عظامها حمر فقال يا محمداه فأقره مني السلام وقل له إن عهدي بك وفي العهد شديد العقد فالكيس الكيس يا عمر فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاتى عمر فاخبره ففزع فلما امسى ارى في المنام ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له أبشر بالحياة إيت عمر ثم صعد عمر المنبر فقال للناس انشدكم الله الذي هداكم للاسلام هل رأيتم مني شيئا تكرهونه فقالوا اللهم لاوعم ذلك فأخبروهم بقول المزني وهو بلال بن الحارث ففظنوا ولم يفطن فقالوا انما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال اللهم عجزت عنا انصارنا وعجز عنا حولنا وقوتنا وعجزت عن انفسنا ولا حول ولا قوة الا بك اللهم اسقنا وأحي العباد والبلاد
وقال الحافظ ابو بكر البيهقي اخبرنا ابو نصر بن قتادة وابو بكر الفارسي قالا حدثنا ابو عمر بن مطر حدثنا ابراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا ابو معاوية عن الأعمش عن ابي صالح عن مالك قال اصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل الى قبر النبي ص
فقال يارسول الله استسق الله لامتك فانهم قد هلكوا فأتاه رسول الله ص في المنام فقال ايت عمر فاقره مني السلام واخبرهم انه مسقون وقل له عليك بالكيس الكيس فاتى الرجل فاخبر عمر فقال يارب ما آلوا الا ما عجزت عنه وهذا اسناد صحيح
وقال الطبراني حدثنا ابو مسلم الكشي حدثنا ابو محمد الانصاري ثنا ابي عن ثمامة بن عبد الله ابن انس عن انس ان عمر خرج يستسقى وخرج بالعباس معه يستسقى يقول اللهم انا كنا اذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا اليك بنبينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا ص وقد رواه البخاري عن الحسن بن محمد عن محمد بن عبد الله به ولفظه عن انس ان عمر كان اذا قحطوا يستسقى بالعباس ابن عبد المطلب فيقول اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون وقال ابو بكر بن ابي الدنيا في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة حدثنا ابو بكر النيسابوري ثنا عطاء بن مسلم عن العمري عن خوات بن جبير قال خرج عمر يستسقى بهم فصلى ركعتين فقال اللهم انا نستغفرك ونستسقيك فما برح من مكانه حتى مطروا فقدم اعراب فقالوا يا امير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا اذ اظلتنا عمامة فسمعنا منها صوتا اتاك الغوث ابا حفص اتاك الغوص ابا حفص وقال ابن ابي الدنيا ثنا اسحق بن اسماعيل ثنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا يا امير المؤمنين ما نراك استسقيت فقال لقد طلبت المطر بمحاديج السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ثم قرأ وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه الآية
وذكر ابن جرير في هذا السنة من طريق سيف بن عمر عن ابي المجالد والربيع وابي عثمان وابي حارثة وعن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قالوا كتب ابو عبيدة الى عمر بن الخطاب ان نفرا من المسلمين اصابو الشراب منهم ضرار وابو جندل بن سهل فسألناهم فقالوا خيرنا فاخترنا قال فهل انتم منتهون ولم يعزم فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم وان المعنى فهل انتم منتهون أي انتهوا واجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين وان من تاول هذا التأويل واصر عليه يقتل فكتب عمر الى ابي عبيدة ان ادعهم فسلهم عن الخمر فان قالوا هي حلال فاقتلهم وان قالوا هي حرام م فاجلدهم فاعترف القوم بتحريمها فجلدوا الحد وندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه حتى وسوس ابو جندل في نفسه فكتب ابو عبيدة الى عمر في ذلك وسأله ان يكتب الى ابي جندل ويذكره فكتب اليه عمر بن الخطاب في ذلك من عمر الى ابي جندل ان الله لايغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فتب وارفع رأسك وابرز ولا تقنط فان الله تعالى يقول
قل ياعبادي الذين اسرفوا على انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله ان الله يفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم وكتب عمر الى الناس ان عليكم انفسكم ومن غير فغيروا عليه ولا تعيرو احدا فيفشوا فيكم البلاء وقد قال ابو الزهراء القشيري في ذلك
الم تر ان الدهر يعثر بالفتى * وليس على صرف المنون بقادر
صبرت ولم اجزع وقد مات اخوتي * ولست عن الصهباء يوما بصابر
رماها امير المؤمنين بحتفها * فخلانها يبكون حول المقاصر
قال الواقدي وغيره وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام وكان ملصقا بجدار الكعبة فأخره الى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفتين قلت قد ذكرت اسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد والمنه قال وفيها استقضى عمر شريحا على الكوفة وكعب ابن سور على البصرة قال وفيها حج عمر بالناس وكانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية وفيها فتحت الرقة والرها وحران على يدي عياض بن غنم قال وفتحت راس عين الوردة على يدي عمر بن سعد بن ابي وقاص وقال غيره خلاف ذلك وقال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه وفيها يعني هذه السنة افتتح ابو موسى الأشعري الرها وشمشاط عنوة وفي اوائلها وجه ابو عبيدة عياض بن غنيم الى الجزيرة فوافق ابا موسى فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل صلحا وفيها سار عياض الى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة وفيها بنى سعد جامع الكوفة وقال الواقدي وفيها كان طاعون عمواس فمات فيه خمسة وعشرون الفا قلت هذا الطاعون منسوب الى بلدة صغيرة يقال لها عمواس وهي بين القدس والرمله لأنها كان اول ما نجم الداء بها ثم انتشر في الشام منها فنسب اليها فانا الله وانا اليه راجعون قال الوقادي توفي في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون الفا وقال غيره ثلاثون الفا وهذا ذكر طائفة من اعيانهم رضي الله عنهم
*3* الحارث بن هشام
@ اخو ابي جهل اسلم يوم الفتح وكان سيدا شريفا في الاسلام كما كان في الجاهلية استشهد باشام في هذه السنة في قول وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة
*3* شرحبيل بن حسنة
@ احد امراء الأرباع وهو امير فلسطين وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع بن قطن الكندي حليف بني زهرة وحسنة امه نسب اليها وغلب عليه ذلك اسلم قديما وهاجر الى الحبشة وجهزه الصديق الى الشام فكان اميرا على ربع الجيش وكذلك في الدولة العمرية وطعن هو
وابو عبيدة وابو مالك الاشعري في يوم واحد سنة ثمانى عشرة له حديثان روى ابن ماجه احدهما في الوضوء وغيره
*3* عامر بن عبدالله بن الجراح
@ ابن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي ابو عبيدة بن الجراح الفهري امين هذه الأمة وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الخمسة الذين اسلموا في يوم واحد وهم عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبدالرحمن بن عوف وابو سلمة بن عبد الاسد وابو عبيدة بن الجراح اسلموا على يدي الصديق ولما هاجروا آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن معاذ وقيل بين محمد بن مسلمة وقد شهدا بدرا وما بعدها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لكل امة امينا وامين هذه الامة ابو عبيدة بن الجراح ثبت ذلك في الصحيحين وثبت في الصحيحين ايضا ان الصديق قال يوم السقيفة وقد رضيت لكم احد هذين الرجلين فبايعوه يعنى عمر بن الخطاب وابا عبيدة وبعثه الصديق اميرا على ربع الجيش الى الشام ثم لما انتدب خالدا من العراق كان اميرا على ابي عبيدة وغيره لعلمه بالحروب فلما انتهت الخلافة الى عمر عزل خالدا وولى ابا عبيدة ابن الجراح وامره ان يستشير خالدا فجمع للامة بين امانة ابي عبيدة وشجاعة خالد قال ابن عساكر وهو اول من سمى امير الامراء بالشام قالوا وكان ابو عبيدة طوالا نحيفا اجنى معروق الوجه خفيف اللحية اهتم وذلك لانه لما انتزع الحلقتين من وجنتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم احد خاف ان يؤلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحامل على ثنيتيه فسقطتا فما راى احسن هتما منه والصحيح أن عمواس كانت في هذه السنة سنة ثماني عشرة بقرية توفي بالطاعون عام عمواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر فحل وقيل بالجابية وقد اشتهر في هذه الاعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب اليه والله اعلم وعمره يوم مات ثمان وخمسون سنة
*3* الفضل بن عباس بن عبدالمطلب
@ كان حسنا وسيما جميلا اردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه يوم النحر من حجة الوداع وهو شاب حسن وقد شهد فتح الشام واستشهد بطاعون عمواس في قول محمد بن سعد والزبير بن بكار وابي حاتم وابن الرقى وهو الصحيح وقيل يوم مرج الصفر وقيل باجنادين ويقال باليرموك سنة ثمان وعشرين
*3* معاذ بن جبل
@ ابن عمرو بن اوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو بن ادى بن علي بن اسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الانصاري الخزرجي ابو عبدالرحمن المدني صحابي جليل كبير القدر
قال الواقدي كان طوالا حسن الشعر والثغر براق الثنايا لم يولد له وقال غيره بل ولد له ولد وهو عبدالرحمن شهد معه اليرموك وقد شهد معاذ العقبة ولما هاجر الناس آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بينه وبين ابن مسعود وحكى الواقدي الاجماع على ذلك وقد قال محمد بن اسحاق آخى بينه وبين جعفر بن ابي طالب وشهد بدرا وما بعدها وكان احد الاربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهم ابي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وابو زيد عمر بن انس بن مالك وصح في الحديث الذي رواه ابو داود والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن ابي عبدالرحمن الجيلي عن الصنابحى عن معاذ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ والله اني لاحبك فلا تدعن ان تقول في دبر كل صلاة اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وفي المسند والنسائي وابن ماجه من طريق ابى قلابة عن انس مرفوعا واعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن وقال له بم تحكم فقال بكتاب الله وبالحديث وكذلك اقره الصديق على ذلك يعلم الناس الخير باليمن ثم هاجر الى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه ابو عبيدة حين طعن ثم طعن بعده في هذه السنة وقد قال عمر بن الخطاب ان معاذا يبعث امام العلماء بربوة ورواه محمد بن كعب مرسلا وقال ابن مسعود كنا نشبهه بابراهيم الخليل وقال ابن مسعود ان معاذا كان قانتا لله حنيفا ولم يكن من المشركين وكانت وفاته شرقي غورينسان سنة ثماني عشرة وقيل سنة تسع عشرة وقيل سبع عشرة عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور وقيل غير ذلك والله اعلم
*3* يزيد بن ابي سفيان
@ ابو خالد صخر بن حرب بن امية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الاموي اخو معاوية وكان يزيد اكبر وافضل وكان يقال له يزيد الخير اسلم عام الفتح وحضر حنينا واعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من الابل واربعين اوقية واستعمله الصديق على ربع الجيش الى الشام وهو اول امير وصل اليها ومشى الصديق في ركابه يوصيه وبعث معه ابا عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة فهؤلاء امراء الارباع ولما افتتحوا دمشق دخل هو من باب الجابية الصغير عنوة كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوة وكان الصديق قد وعده بأمرتها فوليها عن امر عمر وانفذ له ما وعده الصديق وكان اول من وليها من المسلمين المشهور انه مات في طاعون عمواس كما تقدم وزعم الوليد بن مسلم انه توفي سنة تسع عشرة بعدما فتح قيسارية ولما مات كان قد استخلف اخاه معاوية على دمشق فامضى عمر بن الخطاب له ذلك رضى الله عنهم وليس في الكتب شىء وقد روى عنه ابو عبدالله الاشعري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل الذي يصلى ولا يتم ركوعه ولا سجوده مثل الجائع الذى لا يأكل الا التمرة والتمرتين لا يغنيان عنه شيئا
*3* ابو جندل بن سهيل
@ ابن عمرو وقيل اسمه العاص اسلم قديما وقد جاء يوم صلح الحديبية مسلما يوسف في قيوده لانه كان قد استضعف فرده ابوه وابي ان يصالح حتى يرد ثم لحق ابو جندل بأبي بصير الى سيف البحر ثم هاجر الى المدينة وشهد فتح الشام وقد تقدم انه تأول آية آية الخمر ثم رجع ومات بطاعون عمواس رحمه الله ورضى عنه ابو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبدالله تقدم ابو مالك الاشعري قيل اسمه كعب بن عاصم قدم مهاجرا سنة خيبر مع اصحاب السفينة وشهد ما بعدها واستشهد بالطاعون عام عمواس هو وابو عبيدة ومعاذ في يوم واحد رضى الله عنهم اجمعين
*2* ثم دخلت سنة تسع عشرة
@ قال الواقدي وغيره كان فتح المدائن وجلولاء فيها والمشهور خلاف ما قال كما تقدم وقال محمد ابن اسحاق كان فتح الجزيرة والرها وحران ورأس العين ونصيبين في هذه السنة وقد خالفه غيره وقال ابو معشر وخليفة وابن الكلبي كان فتح قيسارية في هذه السنة واميرها معاوية وقال غيره يزيد بن ابي سفيان وقد تقدم ان معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين وقال محمد بن اسحاق كان فتح قيسارية من فلسطين وهرب هرقل وفتح مصر في سنة عشرين وقال سيف بن عمر كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة قال ابن جرير فاما فتح قيسارية فقد تقدم واما فتح مصر فانى ساذكره في سنة عشرين ان شاء الله تعالى قال الواقدي وفي هذه السنة ظهرت نار من حرة ليلا فأراد عمر ان يخرج بالرجال اليها ثم امر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد ويقال كان فيها وقعه ارمينية واميرها عثمان بن ابي العاص وقد اصيب فيها صفوان بن المعطل بن رخصة السلمي ثم الذكواني وكان احد الامراء يومئذ وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمت عليه الا خيرا وهو الذي ذكره المنافقون في قصة الافك فبرأ الله ساحته وجناب ام المؤمنين زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا وقد كان الى حين قالوا لم يتزوج ولهذا قال والله ما كشفت كنف انثى قط ثم تزوج بعد ذلك وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها كما جاء في سنن ابي داود وغيره وكان شاعرا ثم حصلت له شهادة في سبيل الله قيل بهذا البلد وقيل بالجزيرة وقيل بشمشاط وقد تقدم بعض هذا فيما سلف وفيها فتحت تكريت في قول والصحيح قبل ذلك وفيها فيما ذكرنا اسرت الروم عبدالله بن حذافة وفيها في ذى الحجة منها كانت وقعة بأرض العراق قتل فيها امير المجوس شهرك وكان امير المسلمين يومئذ الحكم بن ابي العاص رضى الله عنه قال ابن جرير وفيها حج بالناس عمر ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها والله اعلم
*3* ذكر من توفى فيها من الاعيان
@ وممن توفي فيها من الاعيان ابي بن كعب سيد القراء وهو ابي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ابو المنذر وابو الطفيل الانصاري النجاري سيد القراء شهد العقبة وبدرا وما بعدهما وكان سيدا جليل القدر وهو احد القراء الاربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لعمر يوما انى تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب وفي المسند والنسائي وابن ماجه من طريق ابي قلابة عن انس مرفوعا اقرأ امتي ابي ابن كعب وفي الصحيح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ان الله امرني ان اقرا عليك القرآن قال وسمانى لك قال نعم فزرفت عيناه وقد تكلما على ذلك في التفسير عند سورة لم يكن الذين كفروا من اهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تاتيهم البينة قال الهيثم بن عدي توفي ابي سنة تسع عشرة وقال يحيى بن معين سنة سبع عشرة او عشرين وبه قال ابو عبيد وابن نمير وجماعة وقال الفلاس وخليفة توفي في خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وفيها مات خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين شهد بدرا وما بعدها وهو صحابي من السابقين وصلى عليه عمر ومات فيها صفوان بن المعطل في قول كما تقدم والله اعلم

المؤمنين عمر ثم تسلموا ما في البلد من الأموال والحواصل فاقتسموا اربعة اخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف وكل راجل الف درهم
*2* سنة عشرين من الهجرة
@ قال محمد بن اسحاق فيها كان فتح مصر وكذا قال الواقدي انها فتحت هي واسكندرية في هذه السنة وقال ابو معشر فتحت مصر سنة عشرين واسكندرية في سنة خمس وعشرين وقال سيف فتحت مصر واسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الاول منها ورجح ذلك ابو الحسن ابن الاثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة وهو معذور فيما رجحه والله اعلم وفيها كان فتح تستر في قول طائفة من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل سنة ونصف والله اعلم
*3* صفة فتح مصر عن ابن اسحاق وسيف
@ قالوا لما استكمل عمر والمسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص الى مصر وزعم سيف انه بعثه بعد فتح بيت المقدس واردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بشر بن ارطاة وخارجة بن حذافة وعمير ابن وهب الجمحي فاجتمعا على باب مصر فلقيهم ابو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف ابو مريام في اهل الثبات بعثه المقوقس صاحب اسكندرية لمنع بلادهم فلما تصافوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نعذر ليبرز الى بومريم وابو مريام راهبا هذه البلاد فبرزا اليه فقال لهما عمرو بن العاص انتما راهبا هذه البلاد فاسمعا ان الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وامره به وامرنا به محمد صلى الله عليه وسلم وادى
الينا كل الذي امر به ثم مضى وتركنا على الواضحة وكان مما امرنا به الاعذار الى الناس فنحن ندعوكم الى الاسلام فمن اجابنا اليه فمثلنا ومن لم يجبنا عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة وقد اعلمنا انا مفتتحوكم واوصانا بكم حفاظا لرحمنا منكم وان لكم ان اجبتمونا بذلك ذمة الى ذمة ومما عهد الينا اميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا فان رسول الله صلى الله عليه وسلم اوصانا بالقبطيين خيرا لان لم رحما وذمة فقالوا قرابة بعيدة لا يصل مثلها الا الانبياء معروفة شريفة كانت ابنة ملكنا وكانت من اهل منف والملك فيهم فاديل عليهم اهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت الى ابراهيم عليه السلام مرحبا به واهلا امنا حتى نرجع اليك فقال عمرو ان مثلي لا يخدع ولكنى اؤجلكما ثلاثا لتنظروا ولتناظرا قومكما والا ناجزتكم قالا زدنا فزادهم يوما فقالا زدنا فزادهم يوما فرجعا الى المقوقس فابى ارطبون ان يجيبهما وامر بمناهدتهم فقالا لأهل مصر اما نحن فسنجتهد ان ندفع عنكم ولا نرجع اليهم وقد بقيت اربعة ايام قاتلوا واشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين فقال الملأ منهم ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم فالح الأرطبون في ان يبيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشىء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع وارتقى الزبير عليهم سور البلد فلما احسوا بذلك خرجوا الى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الذي عليه عمرو فامضوا الصلح وكتب لهم عمرو كتاب امان بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اعطى عمرو بن العاص اهل مصر من الامان على انفسهم وملتهم واموالهم وكنائسهم وصلبهم وبرهم وبحرهم لا يدخل عليهم شىء من ذلك ولا ينتقص ولا يساكنهم النوبة وعلى اهل مصر ان يعطوا الجزية اذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادة نهرهم خمسين الف الف وعليهم ما حق لصونهم فان ابى احد منهم ان يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم وذمتنا ممن ابي بريئة وان نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك ومن دخل في صلحهم من الروم والنوبة فله مثل ما لهم وعليه مثل ما عليهم ومن ابى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه او يخرج من سلطاننا عليهم ما عليهم اثلاثا في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم على ما في هذ الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة امير المؤمنين وذمم المؤمنين وعلى النوبة الذين استجابوا ان يعينوا بكذا وكذا رأسا وكذا وكذا فرسا على ان لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة صادرة ولا واردة شهد الزبير وعبدالله ومحمد الخيول بمصر وعمروا الفسطاط وظهر ابو مريم وابو مريام فكلما عمرا في السبايا ابناه وكتب وردان وحضر فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت التي اصيبت بعد المعركة فابى عمرو ان يردهما عليهما وامر بطردهما واخراجهما من بين يديه فلما بلغ ذلك امير المؤمنين عمر بن
الخطاب امر ان كل سبي اخذ في الخمسة ايام التى امنوها فيها ان يرد عليهم وكل سبي اخذ ممن لم يقاتل وكذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه وقيل انه امره ان يخيروا من في ايديهم من السبي بين الاسلام وبين ان يرجع الى اهله فمن اختار الاسلام فلا يردوه اليهم ومن اختارهم ردوه عليهم واخذوا منه الجزية واما ما تفرق من سبيهم في البلاد ووصل الى الحرمين وغيرهما فانه لا يقدر على ردهم ولا ينبغي ان يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به ففعل عمرو ما امر به امير المؤمنين وجمع السبايا وعرضوهم وخيروهم فمنهم من اختار الاسلام ومنهم من عاد الى دينه وانعقد الصلح بينهم ثم ارسل عمرو جيشا الى اسكندرية وكان المقوقس صاحب اسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر الى ملك الروم فلما حاصره عمرو بن العاص جمع اساقفتة واكابر دولته وقال لهم ان هؤلاء العرب غلبوا وقيصر وازالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم والرأي عندى ان نؤدي الجزية اليهم ثم بعث الى عمرو بن العاص يقول انى كنت اؤدى الخراج الى من هو ابغض منكم فارس والروم ثم صالحه على اداء الجزية وبعث عمرو بالفتح والأخماس الى عمر بن الخطاب رضى الله عنه
وذكر سيف ان عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم ويحثهم على الثبات فقال له رجل من اهل اليمن انا لم نخلق من حجارة ولا حديد فقال عمرو اسكت فإنما انت كلب فقال له الرجل فأنت اذا امير الكلاب فاعرض عنه عمرو ونادى يطلب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما اجتمع اليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو تقدموا فيكم ينصر الله المسلمين فنهدوا الى القوم ففتح الله عليهم وظفروا اتم الظفر قال سيف ففتحت مصر في ربيع الاول من سنة ست عشرة وقام فيها ملك الاسلام ولله الحمد والمنة وقال غيره فتحت مصر في سنة عشرين وفتحت اسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة اشهر عنوة وقيل صلحا على ثنتى عشر الف دينار وقد ذكر ان المقوقس سأل من عمرو ان يهادنه اولا فلم يقبل عمرو وقال له قد علمتم ما فعلنا بملككم الاكبر هرقل فقال المقوقس لاصحابه صدق فنحن احق بالاذعان ثم صالح على ما تقدم وذكر غيره ان عمرا والزبير سارا الى عين شمس فحاصراها وان عمرا بعث الى الفرما ابرهة بن الصباح وبعث عوف بن مالك الى الاسكندرية فقال كل منهما لاهل بلده ان نزلتم فلكم الامان فتربصوا ماذ يكون من اهل عين شمس فلما صالحوا صالح الباقون وقد قال عوف بن مالك لاهل اسكندرية ما احسن بلدكم فقالوا ان اسكندر لما بناها قال لأبنين مدينة فقيرة الى الله غنية عن الناس فبقيت بهجتها وقال ابرهة لاهل الفرما ما اقبح مدينتكم فقالوا ان الفرما وهو اخو الاسكندر لما بناها قال لابنين مدينة
غنية عن الله فقيرة إلى الناس فهي لايزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك
وذكر سيف ان عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة ويعوضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوة وأقر ذلك عثمان بن عفان وولاة الامور بعده حتى كان عمر بن عبدالعزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم وإبقاء لعهدهم قلت وإنما سميت ديرا مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم وبنى الناس حوله وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعا وهو المنسوب إليه اليوم وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة وأصيبت أعين كثيرة لجودة رمى النوبة فسموهم حند الحدق ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة وقد اختلف في بلاد مصر فقيل فتحت صلحا إلا الاسكندرية وهو قول يزيد بن أبي حبيب وقيل كلها عنوة وهو قول ابن عمر وجماعة وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال ما قعدت مقعدي هذا ولاحد من القبط عندي عهد إن شئت قلت وإن شئت بعت وإن شئت خمست إلا لاهل الطابلس فان لهم عهدا نوفي به

يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 02:56 AM
3* قصة نيل مصر
@ روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما افتتحت مصر آتى اهلها عمرو بن العاص حين دخل بؤنة من أشهر العجم فقالوا أيها المير لنيلنا هذا سنة لايجري إلا بها قال وما ذلك قالوا إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من ابويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو إن هذا مما لايكون في الإسلام إن الاسلام يهدم ماقبله قال فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لايجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فكتب عمرو إلى عمر ابن الخطاب بذلك فكتب إليه إنك قد أصبت بالذي فعلت وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فاذا فيها من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر أما بعد فان كنت إنما تجري من قبلك ومن أمرك فلا تجر فلاحاجة لنا فيك وإن كنت إنما تجري بأمر الله الواحد القهار وهو الذي يجريك فنسأل الله تعالى أن يجريك قال فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم
قال سيف بن عمرو وفي ذي القعدة من هذه السنة وهي عنده سنة ست عشرة جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر قال ابن جرير وفي هذه
السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد الله بن قيس العبدي وهو أول من دخلها فيما قيل فسلم وغنم وقيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي قال الواقدي وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين وحده في الشراب وولي على البحرين واليمامة أبا هريرة الدوسي رضي الله عنه قال وفيها شكا أهل الكوفة سعدا في كل شيء حتى قالوا لايحسن يصلى فعزله عنها وولي عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان وكان نائب سعد وقيل بل ولاها عمرو بن ياسر وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان عن عبدالملك سمعه من جابر بن سمرة قال شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا إنه لايحسن يصلى قال الاعاريب والله ما آلو بهم صلاة رسول الله صلى ص في الظهر والعصر اردد في الأوليين وأصرف في الآخرين فسمعت عمر يقول كذا الظن بك يا أبا إسحق وفي صحيح مسلم أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرا إلا رجلا يقال له أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال أما إذا انشدتنا فان سعدا لايقسم بالسوية ولا يعدل في القضية ولا يخرج في السرية فقال سعد اللهم إن كان عبدك هذا قام مقام رياء سمعه فأطل عمره وأدم فقره وعرضه للفتن فأصابته دعوة سعد فكان شيخا كبيرا يرفع حاجبيه عن عينيه ويتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن فيقال له في ذلك ن فيقول شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد وقد قال عمر في وصيته وذكره في السته فان أصابت الامرة سعدا فذلك وإلا فليستعن به أيكم ولى فاني لم أعزله عن عجز ولا خيانة قال وفيها أجلي عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها وفيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضا إلى الكوفة وسم خيبر ووادي القرى ونجران بين المسلمين قال وفيها دون عمر الدواوين وزعم غيره أنه دونها قبل ذلك فالله أعلم قال وفيها بعث عمر علقمة بن مجزر المدجلي إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فآلى عمر على نفسه أن لايبعث جيشا في البحر بعدهاا وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين يعني في خلافة عثمان بن عفان والله أعلم قال الواقدي وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد بن عتةه التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون وهي أخت خالد بن الوليد قال وفيها مات هلال بدمشق وأسيد بن الحضير في شعبان وزينب بنت جحش أم المؤمنين وهي أول من مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنها قال وفيها مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين قال وحج بالناس في هذه السنة عمرو ونوابة وقضاته ومن تقدم في التي قبلها سوى من ذكرنا أنه عزل وولي غيره
*3* ذكر المتوفين من الأعيان أسيد بن الحضير
@ ابن سماك النصاري الأشهلي من الأوس ابو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث وكان قبل الهجرة بست سنين وكان يقال حضير الكتائب يقال إنه أسلم على يدي مصعب بن عمير ولما هاجر الناس آخى رسول الله ص بينه وبين زيد بن حارثة ولم يشهد بدرا وفي الحديث الذي صححه الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله ص قال نعم الرجل أبو بكر نعم الرجل عمر نعم الرجل اسيد بن الحضير وذكر جماعة وقدم الشام مع عمر وأثنت عليه عائشة وعلى سعد بن معاذ وعباد بن بشر رضي الله عنهم وذكر ابن بكير أنه توفي بالمدينة سنة عشرين وأن عمر حمل بين عموديه وصلى عليه ودفن بالبقيع وكذا أرخ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة
*3* أنيس بن مرثد بن ابي مرتذ الغنوي
@ هو وابوه وجده صحابة وكان أنيس هذا عينا لرسول الله يوم حنين يقال إنه الذي قال له رسول الله ص إغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها والصحيح أنه غيره فان في الحديث فقال لرجل من أسلم فقيل أنه أنيس بن الضحاك الأسلمي وقد مال ابن الأثير إلى ترجيجه والله أعلم له حديث في الفتنة قال إبراهيم بن المنذر توفي في ربيع الأول سنة عشرين
*3* بلال بن أبي رباح الحبشي المؤذن مولى أبي بكر
@ ويقال له بلال بن حمامة وهي امه اسلم قديما فعذب في الله فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه شهد بدرا وما بعدها وكان عمر يقول أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا رواه البخاري ولما شرع الأذان بالمدينة كان هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله ص وابن مكتوم يتناوبان تارة هذا وتارة هذا وكان بلال ندى الصوت حسنه فصيحا وما يروى أن سين بلال عند الله شينا فليس له أصل وقد أذن يوم الفتح على ظهر الكعبة ولما توفي رسول الله ص ترك الأذان ويقال أذن للصديق أيام خلافته ولا يصح ثم خرج إلى الشام مجاهدا ولما قدم عمر إلى الجابية اذن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر فانتحب الناس بالبكاء وقيل إنه زار المدينة في غضون ذلك فأذن فبكى الناس بكاء شديدا ويحق لهم ذلك رضي الله عنهم وثبت في الصحيح أن رسول الله ص قال لبلال إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك أمامي فأخبرني بأرجى عمل عملته فقال ما توضأت إلا وصليت ركعتين فقال بذاك وفي رواية ما أحدثت إلا توضأت وما توضأت إلا رأيت أن على أني أصلي ركعتين قالوا وكان بلال آدم شديد الأدمة طويلا نحيفا كثير الشعر خفيف العارضين قال ابن بكير توفي بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وقال محمد بن إسحق وغير واحد توفي سنة عشرين قال الواقدي ودفن بباب الصغير وله بضع وستون سنة
وقال غيره مات بداريا ودفن بباب كيسان وقيل دفن بداريا وقيل إنه مات بحلب والأول اصح والله أعلم
*3* سعيد بن عامر بن خذيم
@ من أشراف بني جمح شهد خيبر وكان من الزهاد والعباد وكان أميرا لعمر على حمص بعد ابي عبيدة بلغ عمر أنه قد أصابته جراجة شديدة فأرسل إليه بالف دينار فتصدق بها جميعا وقال لزوجته اعطيناها لمن يتجر لنا فيها رضي الله عنه قال خليفة فتح هو ومعاوية فيسارية كل منهما أمير على من معه
*3* عياض بن غنم
@ أبو سعد الفهري من المهاجرين الأولين شهد بدرا وما بعدها وكان سمحا جوادا شجاعا وهو الذي افتتح الجزيرة وهو أول من جاز درب الروم غازيا واستنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة
*3* ابو سفيان بن الحارث
@ ابن عبدالمطلب بن عم رسول الله ص قيل اسمه المغيرة أسلم عام الفتح فحسن إسلامه جدا وكان قبل ذلك من أشد الناس على رسول الله ص وعلى دينه ومن تبعه وكان شاعرا مطيقا يهجو الإسلام وأهله وهو الذي رد عليه حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله
ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء
هجوت محمدا وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
ولما جاء هو وعبد الله بن أبي أمية ليسلما لم يأذن لهما عليه السلام حتى شفعت أم سلمة لأخيها فأذن له وبلغه أن أبا سفيان هذا قال والله لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بني هذا لولد معه صغير فلأذهبن فلا يدري وأذن له ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين اذهب فرق حينئذ له رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبه يوم حنين وكان آخذا بلجام بغلته يومئذ وقد روى أن رسول الله ص احبه وشهد له بالجنة وقال أرجو أن تكون خلفا من حمزة وقد رثى رسول الله ص حين توفي بقصيدة ذكرناها فيما سلف وهي التي يقول فيها
ارقت فبات ليلى لايزول * وليل أخ المصيبة فيه طول
وأسعدني البكاء وذاك فيما * أصيب المسلمون به قليل
فقد عظمت مصيبتنا وجلت * عشية قيل قد قبض الرسول
فقدنا الوحي والتنزيل فينا * بروح به ويعدو جبرئيل
ذكروا أن أبا سفيان حج فلما حلق رأسه قطع الحالق ثؤلولاله في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد مرجعه إلى المدينة وصلى عليه عمر بن الخطاب وقد قيل إن أخاه نوفلا توفي قبله باربعة أشهر والله أعلم
*3* أبو الهيثم بن التيهان
@ هو مالك بن مالك بن عسل بن عمرو وبن عبد الأعلم بن عامر بن دعورا بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي شهد العقبة نقيبا وشهد بدرا وما بعدها ومات سنة عشرين وقيل إحدى وعشرين وقيل إنه شهد صفين مع علي قال ابن الأثير وهو الأكثر وقد ذكره شيخنا هنا فالله أعلم
*3* زينب بنت جحش
@ ابن ربان الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة أمها أميمة بنت عبدالمطلب وكان اسمها برة فسماها رسول الله زينب وتكنى ام الحكم وهي التي زوجه الله بها وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء قال الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثه فلما طلقها تزوجها رسول الله ص قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل اربع وهو الأشهر وقيل سنة خمس وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس وهي التي كانت تسامى عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة وذاك الذي اشار إليه رسول الله ص بقوله اسرعكن لحاقا بي اطولكن يدا أي بالصدقة وكانت امرأة صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء قالت عائشة ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين وأتقى لله واصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة من زينب بن جحش ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة لقوله عليه السلام لأزواجه هذه ثم ظهور الحصر وأما بقية أزواج النبي ص فكن يخرجن إلى الحج وقالتا زينتب وسودة والله لاتحركنا بعده دابة قالوا وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفا فتصدقت به في اقاربها ثم قالت اللهم لايدركني عطاء عمر بعد هذا فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر وهي اول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع
*3* صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول
@ وهي أم الزبير بن العوام وهي شقيقة حمزة والمقوم وحجل أمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابن زهرة لاخلاف في إسلامها وقد حضرت يوم أحد ووجدت على أخيها حمزة وجدا كثيرا وقتلت يوم الخندق رجلا من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه وهو فارع حصن حسان فقالت لحسان انزل فاقتله فأبى فنزلت إليه فقتلته ثم قالت انزل فاسليه فلولا أنه رجل لاستلبته فقال لا حاجة لي فيه وكانت أول امرأة قتلت رجلا من المشركين وقد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي ص فقيل اسلمت أروى وعاتكة قال ابن الأثير وشيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ والصحيح أنه لم يسلم منهن غيرها وقد تزوجت أولا بالحارث بن حرب بن أمية ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير وعبد الكعبة وقيل تزوج بها العوام بكرا والصحيح الأول توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث وسبعين سنة ودفنت بالبقيع رضي الله عنها وقد ذكر ابن إسحق من توفي غيرها
*3* عويم بن ساعدة الأنصاري
@ شهد العقبتين والمشاهد كلها وهو أول من استنجى بالماء وفيه نزل قوله تعالى فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين وله روايات توفي هذه السنة بالمدينة بشر بن عمرو بن حنش يلقب الجاورد اسلم في السنة العاشرة وكان شريفا مطاعا في عبد القيس وهو الذي شهد على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجاورد شهيدا أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي كان شاعرا مجيدا مخضرما أدرك الجاهلية والاسلام وكان إذا جرى سبق الخيل لهشته حية فمات بالمدينة
*2* ثم دخلت سنة احدى وعشرين وكانت وقعة نهاوند
@ وهي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع ونبأ عجيب وكان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
قال ابن إسحق والواقدي كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى وعشرين وقال سيف كانت في سنة سبع عشرة وقيل في سنة تسع عشرة والله أعلم وإنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك وجمعنا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقا واحدا حتى دخل سياق بعضهم في بعض قال سيف وغيره وكان الذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الأهواز ومنعوا جيش العلاء من أيديهم واستولوا على دار الملك القديم من اصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثا وهي المدائن وأخذ تلك المدائن والأقاليم والكور والبلدان الكثيرة فحموا عند ذلك واستجاشهم يزدجر الذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى اصبهان مبعدا طريدا لكنه في اسرة من قومه وأهله وماله وكتب إلى ناحية نهاوند وما ولاها من الجبال والبلدان فتجمعوا وتراسلوا حتى كمل لهم من الجنود مالم يجتمع لهم قبل ذلك فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك وثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال فشكوة في كل شيء حتى قالوا لايحسن يصلى كان الذي نهض
بهذه الشكوى رجل يقال له الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر إن الدليل على ماعندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه وهو مستعد لقتال أعداء الله وقد جمعوالكم ومع هذا لايمنعني أن أنظر في أمركم ثم بعث محمد بن مسلمة وكان رسول العمال فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل والعشائر والمساجد بالكوفة فكل يثني على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فانهم سكتوا فلم يذموا ولم يشكروا حتى انتهى إلى بني عبس فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال أما إذا ناشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية ولا يعدل في الرعية ولايغزو في السرية فدعا عليه سعد فقال اللهم إن كان قالها كذبا ورياءا وسمعة فاعم بصره وكثر عياله وعرضه لمضلات الفتن فعمى واجتمع عنده عشر بنات وكان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فاذا عثر عليه قال دعوة سعد الرجل المبارك ثم دعا سعد الجراح واصحابه فكل اصابته فارعة في جسده ومصيبة في ماله بعد ذلك واسنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب ثم سار سعد ومحمد بن مسلمة والجراح واصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر كيف يصلي فأخبره أنه يطول في الأوليين ويخفف في الأخريين وما آلوا ما اقتديت به من صلاة رسول الله ص فقال له عمر ذاك الظن بك يا أبا إسحق وقال سعد في هذه القصة لقد أسلمت خامس خمسة ولقد كنا ومالنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله ولقد جمع لي رسول الله ص أبويه وما جمعهما لأحد قبلي ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلي وفي رواية يغرر بي على الاسلام لقد خبت إذا ضل عملي ثم قال عمر لسعد من أستخلفت على الكوفة فقال عبد الله بن عبد الله ابن عتبان فأقره عمر على نيابته الكوفة وكان شيخا كبيرا من اشراف الصحابة حليفا لبني الحبلى من الأنصار واستمر سعد معزولا من غير عجز ولا خيانة ويهدد اولئك النفر وكان يوقع بهم بأسا ثم ترك ذلك خوفا من أن لايشكو أحدا أميرا
والمقصود أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون ألف مقاتل وعليهم الفيرزان ويقال بندار ويقال ذو الحاجب وتذامروا فيما بينهم وقالو إن محمدا الذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا ولم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا وأخذ بيت المملكة وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده وتواثقوا من أنفسهم وكتبوا بذلك عليهم كتابا فلما كتب سعد بذلك إلى عمر وكان قد عزل سعدا في غضون ذلك شافه سعد عمر بما
تمالؤا عليه وتصدوا إليه وأنه قد اجتمع منهم مائة وخمسون ألفا وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله ابن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبدي بأنهم قد اجتمعوا وهم منحرفون متذامرون على الاسلام وأهله وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعالجهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا فقال عمر لحامل الكتاب ما اسمك قال قريب قال ابن من قال ابن ظفر فتفاءل عمر بذلك وقال ظفر قريب ثم امر فنودى للصلاة جاممعة فاجتمع الناس وكان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن ابي وقاص فتفاءل عمر أيضا بسعد فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال إن هذا يوم له مابعده من الأيام ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بي هذين المصرين فاستفر الناس ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح الله عليهم فقام عثما وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن وأجاد واتفق رأيهم على أن لايسير من المدينة ولكن يبعث البعوث ويحصرهم برأيه ودعائه وكان من كلام علي رضي الله عنه أن قال يا أمير المؤمنين إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة هو دينه الذي أظهر وجنده الذي أعزه وأمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ فنحن على موعود من الله والله منجز وعده وناصر جنده ومكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه ويمسكه فاذا انحل تفرق ما فيه وذهب ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا والعرب اليوم وإن كانو قليلا فهم كثير عزيز بالاسلام فأقم مكانك واكتب إلى اهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم فليذهب منهم الثلثان ويقيم الثلث واكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا وكان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة فرد على علي عثمان في موافقته على الذهاب إلى مابين البصرة والكوفة كما تقدم ورد رأي عثمان فيم أستار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم ومن أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة فأعجب عمر قول علي وسر به وكان عمر إذا استشار أحدا لايبرم أمرا حتى يشاور العباس فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال يا أمير المؤمنين خفض عليك فانما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم ثم قال عمر اشيروا على بمن أوليه أمر الحرب وليكن عراقيا فقالوا أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين فقال ما والله لأولين رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا قالوا من يا أمير المؤمنين قال النعمان بن مقرن فقالوا هو لها وكان النعمان قد كتب إلى عمر وهو على كسكر وسأله أن يعزله عنها ويوليه قتال أهل نهاوند فلهذا أجابه إلى ذلك وعينه له ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود
منها وكتب الى ابي موسى ان يسير بجنود البصرة وكتب الى النعمان وكان بالبصرة ان يسير بمن هناك من الجنود الى نهاوند وإذا اجتمع الناس فكل امير على جيشه والامير على الناس كلهم النعمان بن مقرن فاذا قتل فحذيفة بن اليمان فان قتل فجرير بن عبدالله فان قتل فقيس بم مكشوح فان قتل قيس ففلان ثم فلان حتى عد سبعة احدهم المغيرة بن شعبة وقيل لم يسم فيهم والله اعلم
وصور الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر امير المؤمنين الى النعمان بن مقرن سلام عليك فاني احمد اليك الله الذي لا اله الا هو واما بعد فانه قد بلغني ان جموعا من الاعاجم كثيرة وقد جمعوا لكم بمدينة نهاوند فاذا اتاك كتابي هذا فسر بأمر الله وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين ولا توطئهم وعرا فتؤذيهم ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم ولا تدخلهم غيضة فان رجلا من المسلمين احب الى من مائة الف دينار والسلام عليك فسر في وجهك ذلك حتى تاتي ماه فاني قد كتب الى اهل الكوفة ان يوافوك بها فاذا اجتمع اليك جنودك فسر الى الفيرزان ومن جمع معه من الاعادجم من اهل فارس وغيرهم واستنصروا واكثروا من لا حول ولا قوة الا بالله وكتب عمر الى نائب الكوفة عبد الله بن عبدالله ان يعين جيشا ويبعثهم الى نهاوند وليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهي الى النعمان بن مقرن فان قتل النعمان فحذيفة فان قتل فنعيم بن مقرن وولي السائب بن الأقرع قسم الغنائم فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان ابن مقرن ليوافوه بماه وسار مع حذيفة خلق كثير من امراء العراق وقد ارصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتله وجعل الحرس في ناحية واحتاطوا احتياطا عظيما ثم انتهوا الى النعمان ابن مقرن حيث اتعدوا فدفع حذيفة بن اليمان الى النعمان كتاب عمر وفيه المر له بما يعتمده في هذه الوقعة فكل جيش المسلمين في ثلاثين الفا من المقاتله فيما رواه سيف عن الشعبي فمنهم من سادات الصحابة ورءوس العرب خلق كثير وجم غفير منهم عبد الله بن عمر امير المؤمنين وجرير بن عبد الله البجلي وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وطليحة بن خويلد الأسدي وقيس بن مكشوح المرادي فسار الناس نحو نهاوند وبعث النعمان بن مقرن الامير بين يديه طليعة ثلاثة وهم طليحة وعمرو بن معدي كرب الزبيدي وعمرو بن ابي سلمة ويقال له عمرو بني ثبي ايضا ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه فسارت الطليعة يوما وليلة فرجع عمرو بن ثبي فقيل له ما رجعك فقال كنت في ارض العجم وقتلت ارض جاهلها وقتل ارضا عالمها ثم رجع بعده عمرو بن معدي كرب وقال لم نر أحدا وخفت ان يؤخذ علينا الطريق ونفذ طليحة ولم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى الى نهاوند ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحب ثم رجع الى النعمان فأخبره بذلك وأنه ليس بينه وبين نهاوند
شيء يكرهه فسار النعمان على تعبئته وعلى المقدمة نعيم بن مقرن وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن وعلى المجردة القعقاع بن عمرو وعلى الساقة مجاشع بن مسعود حتى انتهوا الى الفرس وعليهم الفيرزان ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة وهو في مائة وخمسين الفا فلما تراءا الجمعان كبر النعمان وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعبا شديدا ثم امر النعمان بحط الاثقال وهو واقف فحط الناس اثقالهم وتركوا رحالهم وضربوا خيامهم وقبابهم وضربت خيمة للنعمان عظيمة وكان الذين ضربوا اربعة عشر من اشراف الجيش وهم حذيفة بن اليمان وعتبة بن عمرو والمغيرة بن شعبة وبشير بن الخصاصية وحنظلة الكاتب وابن الهوير وربعي بن عامر وعامر بن مطر وجرير بن عبد الله الحميري وجرير بن عبد الله البحلي والاقرع بن عبد الله الحميري والاشعث بن قيس الكندي وسعيد بن قيس الهمداني ووائل بن حجر فلم ير بالعراق خيمة عظيمة اعظم من بناء هذا الخيمة وحين حطو الاثقال امر النعمان بالقتال وكان يوم الاربعاء فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجال فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ماشاء الله والأعاجم يخرجون اذا ارادوا ويرجعون الى حصونهم اذا ارادوا وقد بعث امير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه فذهب اليه المغيرة بن شعبة فذكر من عظم ما رأى عليه من لبسه ومجلسه وفيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب واستهانته بهم وانهم كانوا اطول الناس جوعا واقلهم دار وقدرا وقال ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي ان ينتظموكم بالنشاب الا مجا من جيفكم فان تذهبوا نخل عنكم وان تأبوا نزركم مصارعكم قال فتشهدت وحمد الله وقلت لقد كنا اسوأ حالا مما ذكرت حتى بعث الله رسوله فوعدنا النصر في الدنيا والخير في الآخرة وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث الله رسوله الينا وقد جئناكم في بلادكم وانا لن نرجع الى ذلك الشقاء ابدا حتى نغلبكم على بلادكم وما في ايديكم اونقتل بأرضكم فقال اما والله ان الأعور لقد صدقكم ما في نفسه فلما طال على المسلمين هذا الحال واستمر جمع النعمان بن مقرن اهل الراي من الجيش وتشاوروا في ذلك وكيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم والمشركون في صعيد واحد فتكلم عمرو بن ابي سلمة اولا وهو اسن من كان هناك فقال ان بقاءهم على ماهم عليه اضر عليهم من الذي يطلبه منهم وابقى على المسلمين فرد الجميع عليه وقالوا انا لعلى يقين من اظهار ديننا وانجاز موعود الله لنا وتكلم عمرو بن معدي كرب فقال ناهدهم وكاثرهم ولا تخفهم فردوا جميعا عليه وقالوا انما تناطح بنا الجدران والجدران اعوان لهم علينا وتكلم طليحة الأسدي فقال إنهما لم يصيبا واني ارى ان تبعث سرية فتحدق بهم ويناوشوهم بالقتال ويحمشوهم فاذا برزوا اليهم فليفروا الينا هرابا فاذ استطردوا
وراءهم وانتموا الينا عزمنا ايضا على الفرار كلنا فانهم حينئد لايشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة ابيهم فاذا تكامل خروجهم رجعنا اليهم فجالدناهم حتى يقضى الله بيننا فاستجاد الناس هذا الرأي وامر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو وامرهم ان يذهبوا الى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا بين ايديهم اذا برزوا اليهم ففعل الققاع ذلك فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجم ففعلوا ما ظن طليحة وقالوا هي هي فخرجوا بأجمعهم ولم يبق بالبلد من المقاتلة الا من يحفظ لهم الأبواب حتى انتهوا الى الجيش والنعمان بن مقرن على تعبئته وذلك في صدر نهار جمعة فعزم الناس على مصادمتهم فنهاهم النعمان وأمرهم ان لايقاتلوا حتى تزول الشمس وتهب الأرواح وينزل النصر كما كان رسول الله ص بفعل وألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل وكان رجلا ثابتا فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له احوى قريبا من الأرض فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات ويقدم الى المسلمين انه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة ويكبر الثانية فلا يبقى لأحد اهبة ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة ثم رجع الى موقفه وتعبت الفرس تعبئة عظيمة واصطفوا صفوفا هائلة في عددوعدد لم ير مثله وقد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض والقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لايمكنهم الهرب ولا الفرار ولا التحيز ثم ان النعمان بن مقرن رضي الله عنه كبر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة ثم كبر الثانية وهز الراية فتأهبوا ايضا ثم كبر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة ولا سمع المسامعون بوقعة مثلها قتل من المشركين ما بين الزوال الى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما بحيث ان الدواب كانت تطبع فيه حتى قيل ان الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانة في ذلك الدم فوقع وجاءه سهم في خاصرته فقتله ولم يشعر به أحجد سوى اخيه سويد وقيل نعيم وقيل غطاه بثوبه واخفى موته ودفع الراية الى حذيفة بن اليمان فأقام حذيفة اخاه نعيما مكانه وأمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس فلما اظلم الليل انهزم المشركون مدبرين وتبعهم المسلمون وكان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين الفا بالسلاسل وحفروا حولهم خندقا فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية نحو مائة الف وجعلوا يتساقطون في اودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة الف او يزيدون سوى من قتل في المعركة ولم يفلت منهم الا الشريد وكان الفيرزان اميرهم قد صرع في المعركة فانفلت وانهزم واتبعه نعيم بن مقرن وقدم القعقاع بين يديه
وقصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع وادركه عند ثنية همدان وقد اقبل منها بغلل كثير وحمر تحمل عسلا فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم وذلك لحينه فترجل وتعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله وقال المسلمون يومئذ ان لله جنودا من عسل ثم غنموا ذلك العسل وماخالطه من الأحمال ووسميت تلك الثنية ثنية العسل ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم الى همدان وحاصرها وحوى ما حولها فنزل اليه صاحبها وهو خسر شنوم فصالحه عليها ثم رجع القعقاع الى حذيفة ومن معه من المسلمين وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة وقد جمعوا الأسلاب والمغانم الى صاحب الأقباض وهو السائب ابن الأقرغ ولما سمع أهل ماه بخبر اهل همدان بعثوا الى حذيفة وأخذوا لهم منه الأمان وجاء رجل يقل له الهرند وهو صاحب نارهم فسأل من حذيفة الأمان ويدفع اليهم وديعة عنده لكسرى ادخرها لنوائب الزمان فأمنه حذيفة وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم غير ان المسلمين لم يعبئوا به واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة وارسلوه صحبة الأخماس السائب بن الأرقع وأرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين ورضخ ونفل لذوي النجدات وقسم لمن كان قد ارصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم ومن كان رداءا لهم ومنسوبا اليهم واما امير المؤمنين فانه كان يدعو الله ليلا ونهارا لهم دعاء الحوامل المقربات وابتهال ذوي الضرورات وقد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة اذا هو براكب فسأله من أين اقبل فقال من نهاوند فقال ما فعل الناس قال فتح الله عليهم وقتل الأمير وغنم المسلمون غنيمة عظيمة اصاب الفارس ستة آلاف والراجل الفان ثم فاته وقدم ذلك الرجل المدينة فأخبره الناس وشاع الخبر حتى بلغ امير المؤمنين فطلبه فسأله عمن اخبره فقال راكب فقال انه لم يجئني وانما هو رجل من الجن وهو بريدهم واسمه عثيم ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بايام وليس معه سوى الفتح فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالأمر على جليته فإذا ذلك قد الجنى شهد الوقعة ورجع سريعا الى قومه نذيرا ولما اخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب وعمن قتل من المسلمين فقال فلان وفلان وفلان لاعيان الناس واشرافهم
ثم قال وآخرون من افناد الناس ممن لايعرفهم امير المؤمنين فجعل يبكي ويقول وما ضرهم ان لايعرفهم امير المؤمنين لكن الله يعرفهم وقد اكرمهم بالشهادة وما يصنعون بمعرفة عمر ثم امر بقسمة الخمس على عادته وحملت ذانك السفطان الى منزل عمر ورجعت الرسل فلما اصبح عمر طلبهم فلم يجدهم فارسل في اثرهم البرد فما لحقهم البريد الا بالكوفة
قال السائب بن الأقرع فلما انخت بعيري بالكوفة أناخ البريد على عرقوب بعيري وقال
اجب امير المؤمنين فقلت لماذا فقال لا ادري فرجعنا على اثرنا حتى انتهيت اليه قال مالي ولك يا ابن ام السائب بل مالا بن ام السائب ومالي قال فقلت وما ذاك يا امير المؤمنين فقال ويحك والله ان هو الا ان نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة الله تسحبني الى ذينك السفطين وهما يشتعلان نارا ويقولون لنكوينك بهما فاقول اني ساقسمهما بين المسلمين فاذهب بهما لا ابالك فبعهما فاقسمهما في اعطية المسلمين وارزاقهم فانهم لايدرون ما وهبوا ولم تدر انت معهم
قال السائب فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة وغشيتني التجار فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بالفى الف ثم خرج بهما الى ارض الأعاجم فباعهما باربعة آلاف الف فما زال اكثر اهل الكوفة مالا بعد ذلك قال سيف ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس اربعة آلاف درهم من ثمن السفطين قال الشعبي وحصل للفارس من اصل الغنيمة ستة آلاف وللراجل الفان وكان المسلمون ثلاثين الفا
قال وافتتحت نهاوند في اول سنة تسع عشرة لسبع سنين من امارة عمر ورواه سيف عن عمرو ابن محمد عنه وبه عن الشعبي قال لما قدم سبي نهاوند الى المدينة جعل ابو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة ابن شعبة لايلقى منهم صغيرا الا مسح رأسه وبكى وقال اكل عمر كبدي وكان اصل ابي لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم ايام فارس واسرته المسلمون بعد فنسب الى حيث سبى قالوا ولم تقم للاعاجم بعد هذه الوقعة قائمة واتحف عمر الذين ابلوا فيها بالفين تشريفا لهم واظهارا لشأنهم
وفي هذه السنة افتتح المسلمون ايضا بعد نهاوند مدينة حبي ؟ وهي مدينة اصبهان بعد قتال كثير وامور طويلة فصالحوا المسلمين وكتب لهم عبد الله بن عبد الله كتاب امان وصلح وفر منهم ثلاثون نفرا الى كرمان لم يصالحوا المسلمين وقيل ان الذي فتح اصبهان هو النعمان بن مقرن وانه قتل بها ووقع امير المجرس وهو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه ومات وانهزم اصحابه والصحيح ان الذي فتح اصبهان عبد الله بن عبد الله بن عتبان الذي كان نائب الكوفة وفيها افتتح ابو موسى قم وقاشان وافتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان
وذكر ابن جرير عن الواقدي ان عمرو بن العاص سار في جيش معه الى طرابلس قال وهي برقة فافتتحها صلحا على ثلاثة عشر الف دينار في كل سنة
قال وفيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري الى زويلة ففتحها بصلح وصار ما بين برقة الى زويلة سلما للملسلمين قال وفيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الذي ولاه بعد عبد الله بن عبد الله بن عتبان وجعل عبد الله بن مسعود على بيت المال فاشتكى
اهل الكوفة من عمار فاستعفى عمار من عمله فعزله وولي جبير بن مطعم وامره ان لايعلم احدا وبعث المغيرة بن شعبة امرأته الى امرأة جبير يعرض عليها طعاما للسفر فقالت اذهبي فأتيني به فذهب المغيرة الى عمر فقال بارك الله يا امير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة فقال وما ذاك وبعث الى جبير بن مطعم فعزله وولي المغيرة بن شعبة ثانية فلم يزل عليها حتى مات عمر رضي الله عنهم قال وفيها حج عمر واستخلف على المدينة زيد بن ثابت وكان عما له على البلدان المتقدمون في السنة التي قبلها سوى الكوفة
قال الواقدي وفيها توفي خالد بن الوليد بحمص وأوصى الى عمر بن الخطاب وقال غيره توفي سنة ثلاث وعشرين وقيل بالمدينة والأول اصح وقال غيره وفيها توفي العلاء بن الحضرمي فولى عمر مكانه ابا هريرة وقد قيل ان العلاء توفي قبل هذا كما تقدم والله اعلم
وقال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي وكان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد وهو ايضا على حمص وحوران وقنسرين والجزيرة وكان معاوية على البلقاء والأردن وفلسطين والسواحل وانطاكية وغير ذلك
*3* ذكر من توفي احدى وعشرين خالد بن الوليد
@ ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي ابو سليمان المخزومي سيف الله احد الشجعان المشهورين لم يقهر في جاهلية ولا اسلام وامه عصماء بنت الحارث اخت لبابة بنت الحارث واخت ميمونه بنت الحارث ام المؤمنين قال الوقدي اسلم اول يوم من صفر سنة ثمان وشهد مؤتة وانتهت اليه الامارة يومئذ من غير امرة فقاتل يومئذ قتالا شديدا لم ير مثله اندقت في يده تسعة اسياف ولم تثبت في يده الا صفيحة يمانية وقد قال رسول الله ص أخذ الراية زيد فاصيب ثم اخذها جعفر فاصيب ثم اخذها عبد الله بن رواحة فاصيب ثم اخذها سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه وقد روي ان خالدا سقطت قلنسوته يوم اليرموك وهو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك فقال ان فيها شيئا من شعر ناصية رسول الله ص وانها ما كانت معي في موقف الا نصرت بها
وقد روينا في مسند احمد من طريق الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي بن حرب عن ابي بكر الصديق انه لما امر خالدا على حرب اهل الردة قال سمعت رسول الله ص يقول فنعم عبد الله واخو العشيرة خالد بن الوليد خالد بن الوليد سيف من سيوف الله
سله الله على الكفار والمنافقين وقال احمد حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال استعمل عمر بن الخطاب ابا عبيدة على الشام وعزل خالد بن الوليد فقال خالد بعث اليكم امين هذ الأمة سمعت رسول الله ص يقول امين هذه الامة ابو عبيدة بن الجراح فقال ابو عبيدة سمعت رسول الله ص يقول خالد سيف من سيوف الله نعم فتى العشيرة وقد اورده ابن عساكر من حديث عبد الله بن أبي اوفى وابي هريرة ومن طرق مرسلة يقوى بعضها بعضا وفي الصحيح واما خالد فانكم تظلمون خالدا وقد احتبس ادراعه واعبده في سبيل الله وشهد الفتح وشهد حنينا وغزا بني جذيمة اميرا في حياته عليه السلام واختلف في شهوده خيبر وقد دخل مكة اميرا على طائفة من الجيش وقتل خلقا كثيرا من قريش كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه ولله الحمد والمنة وبعثه رسول الله ص الى العزى وكانت لهوزن فكسر قمتها اولا ثم دعثرها وجعل يقول ياعزي كفرانك لاسبحانك اني رايت الله قد اهانك ثم حرقها وقد استعمله الصديق بعد رسول الله ص على قتال اهل الردة وما نعى الزكاة فشفي واستشفى ثم وجهه الى العراق ثم اتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقربها القلوب والعيون وتتشنف بها الأسماع ثم عزله عمر عنها وولى ابا عبيدة وابقاه مستشارا في الحرب ولم يزل بالشام حتى مات على فراشه رضي الله عنه
وقد روي الواقدي عن عبد الرحمن بن ابي الزناد عن ابيه قال لما حضرت خالدا الوفاة بكى ثم قال لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي شبر الا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح او رمية بسهم وها أنا أموت على فراشي حتف انفي كما يموت البعير فلا نامت اعين الجبناء وقال ابو يعلى ثنا شريح بن يونس ثنا يحيى بن زكريا عن اسماعيل بن ابي خالد عن قيس قال قال خالد بن الوليد ما ليلة يهدي الى فيها عروس او ابشر فيها بغلام باحب الى من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين اصبح بهم العدو وقال ابو بكر بن عياش عن الأعمش عن خيثمة قال اتى خالد برجل معه زق خمر فقال اللهم اجعله عسلا فصار عسلا وله طرق وفي بعضها مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد ماهذا فقال عسل فقال اللهم اجعله خلا فلما رجع الى اصحابه قال جئتكم بخمر لم يشرب العرب مثله ثم فتحه فاذا هو خل فقال اصابته والله دعوة خالد رضي الله عنه وقال حماد بن سلمة عن ثمامة عن انس قال لقي خالد عدوا له فولى عنه المسلمون منهزمين وثبت هو واخو البراء بن مالك وكنت بينهما واقفا قال فنكس خالد رأسه ساعة الى الأرض ثم رفع رأسه الى السماء ساعة قال وكذلك كان يفعل اذا اصابه مثل هذا ثم
قال لاخي البراء قم فركبا واختطب خالد من معه من المسلمين وقال ماهو الا الجنة وما الى المدينة سبيل ثم حمل بهم فهزم المشركين


وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب انه قال لأبي بكر اكتب الى خالد ان لايعطى شاة ولا بعيرا الا بامرك فكتب ابو بكر الى خالد بذلك فكتب اليه خالد اما ان تدعني وعملي والا فشأنك بعملك فأشار عليه عمر بعزله فقال ابو بكر فمن يجزي عني جزاء خالد قال عمر انا قال فأنت فنجهر عمر حتى انيخ الظهر في الدار ثم جاء الصحابة فاشاروا على الصديق بابقاء عمر بالمدينة وابقاء خالد بالشام فلما ولي عمر كتب الى خالد بذلك فكتب اليه خالد بمثل ذلك فعزله وقال ما كان الله ليراني آمر ابا بكر بشيء لا انفذه انا وقد روى البخاري في التاريخ وغيره من طريق علي بن رباح عن ياسر بن سمي البرني قال سمعت عمر يعتذر الى الناس بالجابية من عزل خالد فقال امرته ان يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فاعطاه ذا البأس وذا الشرف واللسان فامرت أبا عبيدة فقال ابو عمرو بن حفص بن المغيرة ما اعتذرت ياعمر لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله ص ووضعت لواء رفعه رسول الله ص واغمدت سيفا سلة الله ولقد قطعت الرحم وحسدت ابن العم فقال عمر انك قريب القرابة حديث السن مغضب في ابن عمك
قال الواقدي رحمه الله ومحمد بن سعيد وغير واحد مات سنة احدى وعشرين بقرية على ميل من حمص وأوصى الى عمر بن الخطاب وقال دحيم وغيره مات بالمدينة والصحيح الأول وقدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين اعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف وأخذه من ماله عشرين الفا ايضا وقدمنا عتبه عليه لدخوله الحمام وتدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر واعتذار خالد اليه بانه صار غسولا وروينا عن خالد انه طلق امرأة من نسائه وقال اني لم أطلقها عن ريبة ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها وروى سيف وغيره ان عمر قال حين عزل خالدا عن الشام والمثنى بن حارثة عن العراق انما عزلتهما ليعلم الناس ان الله نصر الدين لابنصرهما وان القوة لله جميعا وروى سيف ايضا ان عمر قال حين عزل خالدا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ انك على لكريم وانك عند لعزيز ولن يصل اليك من امر تكرهه بعد ذلك وقد قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال اصطرع عمر وخالد وهما غلامان وكان خالد ابن خال عمر فكسر خالد ساق عمر فعولجت وجبرت وكان ذلك سبب العداوة بينهما وقال الأصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير فقال عمر ماهذا يا خالد فقال وما بأس يا امير المؤمنين اليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف فقال وانت مثل ابن عوف ولك مثل ما لابن عوف عزمت
على من في البيت الا اخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه قال فمزقوه حتى لم يبق منه شىء وقال عبدالله بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل ثم شك حماد في أبي وائل قال ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي وما من عملي شيء ارجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح حتى نغير على الكفار ثم قال إذا أنامت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة
قال ابن المختار النقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت وقد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال وقال عمر دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة وقال محمد بن سعد ثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد ابن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره فأرسل إليهن فانههن فقال عمر وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعا أو لقلقة ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه وقال إسحاق بن بشر وقال محمد مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا امه تندبه وتقول
انت خير من ألف ألف من القو * م إذا ما كبت وجوه الرجال
فقال صدقت والله إن كان لكذلك
وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرا لأمه فقال لها احدروني إلى مهاجري فقدمت به المدينة ومرضته فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمر بهم فقال خالد بن الوليد ثقيل لما به فطوى عمر ثلاثا في ليلة فادركه حين قضى فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز وبكته البواكي فقيل لعمر ألا تسمع الا تنهاهن فقال وما على نساء قريس أن يبكين أبا سليمان مالم يكن نقع ولا لقلقة فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول
أنت خير من ألف ألف من النا * س إذا ماكبت وجوه الرجال
أشجاع فأنت أشجع من ليث * ضمر بن جهم أبي أشبال
أجواد فأنت أجود من سيل * دياس يسيل بين الجبال
فقال عمر من هذه فقيل له أمه فقال أمه وإلا له ثلاثا وهل قامت النساء عن مثل خالد قال فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه
تبكي ما وصلت به الندامى * ولاتبكي فوارس كالجبال
أولئك إن بكيت أشد فقدا * من الاذهاب والعكر الجلال
تمنى بعدهم قوم مداهم * فلم يدنوا لأسباب الكمال
وفي رواية أن عمر قال لأم خالد أخالدا أو أجزه ترزئين عزمت عليك أن لاتبيني حتى تسود يداك من الخضاب وهذا كله مما يقتضى موته بالمدينة النبوية وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ولكن المشهور عن الجمهور وهم الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وابو عبيد القاسم ابن وموسى بن أيوب وابو سليمان بن ابي محمد وغيرهم أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين سلام وإبراهيم بن المنذر ومحمد بن عبدالله بن نمير وأبو عبدالله العصفري زاد الواقدي وأوصى إلى عمر بن الخطاب وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا قدم خالد بالمدينة بعد وعشرين وروى الواقدي أن عمر رأي حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال أين نزلتم ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى بالشام قال بحمص قال فهل من معرفة خبر قالوا نعم مات خالد بن الوليد قال فاسترجع عمر وقال كان والله سدادا لنحور العدو ميمون النقيبة فقال له على فلم عزلته قال لبذله المال لذوي الشرف واللسان
وفي رواية آن عمر قال لعلي ندمت على ماكان مني وقال محمد بن سعد أخبرنا عبدالله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا إسماعيل بن أبي خالد سمعت قيس بن أبي حازم يقول لما مات خالد بن الوليد قال عمر رحم الله أبا سليمان لقد كنا نظن به أمورا ما كانت وقال جويرية عن نافع قال لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه وقال القاضي المعافا بن زكريا الحريري ثنا أحمد بن العباس العسكري ثنا عبدالله بن ابي سعد حدثني عبدالرحمن بن حمزة اللخمي ثنا أبو علي الحرنازي قال دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له يا هشام أنشدني شعرك في خالد فأنشده فقال قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله إنه كان ليحب أن الشرك وأهله وإن كان الشامت به لمتعرضا لمقت الله ثم قال عمر قاتل الله أخا بني تميم ما اشعره
وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدى
@ ابن ربان الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة أمها أميمة بنت عبدالمطلب وكان اسمها برة فسماها رسول الله زينب وتكنى ام الحكم وهي التي زوجه الله بها وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء قال الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثه فلما طلقها تزوجها رسول الله ص قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل اربع وهو الأشهر وقيل سنة خمس وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس وهي التي كانت تسامى عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة وذاك الذي اشار إليه رسول الله ص بقوله اسرعكن لحاقا بي اطولكن يدا أي بالصدقة وكانت امرأة صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء قالت عائشة ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين وأتقى لله واصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة من زينب بن جحش ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة لقوله عليه السلام لأزواجه هذه ثم ظهور الحصر وأما بقية أزواج النبي ص فكن يخرجن إلى الحج وقالتا زينتب وسودة والله لاتحركنا بعده دابة قالوا وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفا فتصدقت به في اقاربها ثم قالت اللهم لايدركني عطاء عمر بعد هذا فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر وهي اول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع
فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي ولا موت من قد مات يوما بمخلدي
ثم قال عمر رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه ولقد مات سعيدا وعاش حميدا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل
*3* طليحة بن خويلد
@ ابن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير بن الحارث بن ثعلبة بن داود بن أسعد بن خزيمة الأسدي الفقعسي كان ممن شهد الخندق من ناحية المشركين ثم أسلم سنة تسع ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم ارتد بعد وفاة رسول الله ص في ايام الصديق وادعى النبوة كما تقدم وروى ابن عساكر الله صلى الله عليه وسلم فساله ما اسم الذي يأتي إلى أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ابنه خيال قدم على رسول أبيك فقال ذو النون الذي لايكذب ولا يخون ولا يكون كما يكون فقال لقد سمى ملكا عظيم الشأن ثم قال لابنه قتلك الله وحرمك الشهادة ورده كما جاء فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكاشة بن محصن ثم قتل طليحة عكاشة وله مع المسلمين وقائع ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد وتفرق حنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة فأقام عندهم حتى مات الصديق حياء منه ثم رجع إلى الإسلام واعتمر ثم جاء يسلم على عمر فقال له أغرب عني فأنك قاتل الرجلين الصالحين وعكاشة بن محصن وثابت بن أقرم فقال ياأمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما فأعجب عمر كلامه ورضي عنه وكتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاور ولا يولى شيئا من الأمر ثم عاد إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك وبعض حروب كالقادسية ونهاوند الفرس وكان من الشجعان المذكورين والأبطال المشهورين وقد حسن إسلامه بعد هذا كله وذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال كان يعد بألف فارس لشدته وشجاعته وبصره بالحرب وقال أبو نصر بن ماكولا اسلم ثم ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه وكان يعدل بألف فارس ومن شعره أيام ردته وادعائه النبوة في قتل المسلمين اصحابه
فما ظنكم بالقوم إذا تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فان يكن اذداد أصبن ونسوة * فلم يذهبوا فرعا بقتل خيال
نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قتل الكماة نزال
فيوما تراها في الجلال مصونة * ويوما في ظلال عوالي
تراها غير ذات جلال
ويوما تراها تضيء المشرفية نحوها * ويوما تراها
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمى عند مجال
وقال سيف بن عمر عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبدالله قال بالله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم طليحة بن خويلد الأسدي وعمر بن معدي كرب وقيس ابن المكشوح قال ابن عساكر ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن الفراس الوراق أن طليحة أستشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن وعمرو بن معدي كرب رضي الله عنهم
*3* عمرو بن معدي كرب
@ ابن عبدالله بن عمر بن عاصم بن عمرو بن زبيد الأصعر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة ابن شيبة وهو زبيد الأكبر بن الحارث بن صعف بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المدحجي أبو ثور أحد الفرسان المشاهير الأبطال والشجعان المذاكير قدم على رسول الله ص سنة تسع وقيل عشر مع وفد مراد وقيل في وفد مراد وقيل في وقد زبيد قومه وقد ارتد مع الأسود العنسي فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه وقد استلب خالد سيفه الصمصامة ثم اسر ودفع إلى أبي بكر فأنبه وعاتبه واستنابه فتاب وحسن إسلامه بعد ذلك فسيره إلى الشام فشهد اليرموك ثم أمره عمر بالمسير إلى سعد وكتب بالوصاة به وأن يشاور ولا يولى شيئا فنفع الله به الإسلام وأهله وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية وقيل إنه قتل بها وقيل بنهاوند وقيل مات عطشا في بعض القرى يقال لها روذة فالله أعلم وذلك كله في إحدى وعشرين فقال بعض من رثاه من قومه
لقد غادر الركبان يوم تحملوا * بروذة شخصا لا جبانا ولا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلها * رزئتم ابا ثور قريع الوغى عمرا
وكان عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه من الشعراء المجيدين فمن شعره
أعاذل عدتي بدني ورمحي * وكل مقلص سلس القياد
أعاذل انما أفنى شبابي * إجابتي الصريخ إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي * وأقرع عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي * ويفنى قبل زاد القوم زادي
تمنى أن يلاقيني قييس * وددت وأينما منى ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه * يرود بنفسه مني المرادى
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مرادي
له حديث واحد في التلبيه رواه شراحيل بن القعقاع عنه قال كنا نقول في الجاهلية إذا لبينا لبيك تعظيما إليك عذرا هذي زبيد قد أتتك قسرا يعدو بها مضمرات شزرا يقطعن خبتا وجبالا وعرا قد تركوا الأوثان خلوا صفرا قال عمرو فنحن نقول الآن ولله الحمد كما علمنا رسول الله
ص لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
*3* العلاء بن الحضرمي
@ امير البحرين لرسول الله ص وأقره عليها أبو بكر ثم عمر تقدم أنه توفي سنة اربع عشرة ومنهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين وعزله عمر عن البحرين وولي مكانه أبا هريرة وأمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج كما قدمنا ذلك والله أعلم وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات والله الحمد
*3* النعمان بن مقرن بن عائذ المزني
@ أمير وقعة نهاوند صحابي جليل قدم مع قومه من مزينة في اربعمائة راكب ثم سكن البصرة وبعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند ففتح الله على يديه فتحا عظيما ومكن الله له في تلك البلاد ومكنه من رقاب اولئك العباد ومكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وأتاح له بعدما أراه ما أحب شهادة عظيمة وذلك غاية المراد فكان ممن قال الله تعالى في حقه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
*2* ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وفيها كانت فتوحات كثيرة
@ منها فتح حمدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم اذربيجيان
قال الواقدي وأبو معشر كانت في سنة ثنتين وعشرين وقال سيف كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان والرى وجرجان وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة وعند الواقدي أن فتح همدان والرى في سنة ثلاث وعشرين فهمدان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر قال ويقال كان فتح الرى قبل وفاة عمر سنتين إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن اذربيجان في هذه السنة وتبعهما ابن جرير وغيره وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم فتحوا
حلوان وهمذان بعد ذلك ثم ان أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن ان يسير الى همذان وان يجعل على مقدمته اخاه سويد بن مقرن وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي ومهلهل بن زيد التميمي فسار حتى نزل على ثنية العسل ثم تحدر على همذان واستولى على بلادها وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها فبينما هو فيها ومعه اثني عشر الفا من المسلمين إذ تكاتف الروم والديلم وأهل الرى وأهل اذربيجان واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا وعلى أهل الرىي أبو الفرخان وعلى أذربيجان اسفندياذ أخو رستم فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الروذ فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا وجمعا صغيرا لايحصون كثرة وقتل ملك الديلم موتا وتمزق شملهم وانهزموا بأجمعهم مد من قتل بالمعركة منهم فكان تعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة فحمد الله واثنى عليه وأمر بالكتاب فقرئ على ناس ففرحوا وحمدوا الله عز وجل ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء وهم سماك بن خرشة ويعرف بأبي دجانة وسماك بن عبيد وسماك بن مخرمة فلما استسماهم عمر قال اللهم اسمك بهم الإسلام وأمد بهم الإسلام ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الرى فامتثل نعيم وقد قال نعيم في هذه الوقعة
ولما أتاني أن موتا ورهطه * بنى باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا * لأمنع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا * جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة * وقد جعلوا يسمعون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا * غداة رميناهم باحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة * لحد الرماح والسيوف الصوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم * جدار تشظى لبنة للهادم
أ * أصبنا بها موتا ومن لف جمعة
وفيها نهاب قسمه غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم * فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنهم في واج روذ وجوه * ضئين أصابتها فروج المخارم
*3* فتح الري
@ استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمداني وسار بالجيوش حتى لحق الري فلقي هناك جمعا كثيرا من المشركين فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا وصبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم النعمان بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن وصالح ابو الفرخان على الري وكتب له أمانا بذلك ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم الأخماس ولله الحمد والمنة
*3* فتح قومس
@ ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن
يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس فسار إليها سويد فلم يقم له شء حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح
*3* فتح جرجان
@ لما عسر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين ايام عثمان فالله أعلم
*3* وهذا فتح اذربيجيان
@ لما فتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبدالله من همذان إلى أذربيجان وأردفه بسماك بن خرشة فاقتتلوا فهزم الله المشركين وأسر بكير أسفندياذ فقال له اسفندياذ فلقي اسفندياذ بن الفرخزاذ بكيرا وأصحابه قبل أن يقدم عليهم سماك الصلح أحب إليك أم الحرب بل الصلح قال فأمسكني عندك فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر ثم جاء كتاب عمر بأن يتقد بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائبا لعبته بن فرقد وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وسلم إليه بكير أسفندياذ وسار كما أمره عمر إلى الباب قالوا وقد كان ا اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبه وهرب بهرام فلما بلغ ذلك اسفدياذ وهو في الأسر عند بكير قال الآن ثم الصلح وطفئت الحرب فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم وعادت اذربيجان سلما وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر وبعثوا بالأخماس إليه وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان وصلح
*3* فتح الباب
@ قال ابن جرير وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالأمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو الملقب بذي النور وجعل على مقدمته عبدالرحمن بن ربيعة ويقال له ذو النور ايضا وجعل على احدى المجنبتين حذيفة بن أسيد وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان قد تقدمهم إلى الباب وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته فلما انتهى مقدم العساكر وهو عبدالرحمن بن ربيعة إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهر براز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان فكتب شهر براز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنه عبدالرحمن بن ربيعة فقدم عليه الملك فأنهى إليه أن صغوة إلى المسلمين وانه مناصح للمسلمين فقال له إن فوقي رجلا فاذهب إليه فبعثه إلى سراقة ابن عمرو وأمير الجيش فسأل من سراقة الأمان فكتب إلى عمر فأجازما أعطاه من الأمان واستحسنه فكتب له سراقة كتابا بذلك ثم بعث سراقة بكيرا وحبيب بن مسلمة وحذيفة ابن اسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان وتفليس وموتان فافتتح بكير موقان وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أمير المسلمين هناك وهو سراقة بن عمرو واستخلف بعده بعد الرحمن بن ربيعة فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك
*3* أول غزو الترك
@ وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت في الصحيح عن ابي هريرة وعمر بن تغلب أن رسول الله ص قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه دلف الأنوف حمر الوجوه كأن وجوهم المجان المطرقة وفي رواية يبتلعون الشعر
لما جاء كتاب عمر إلى عبدالرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر فقال له شهر براز أين تريد قال أريد ملك الترك بلنجر فقال له شهر براز إنا لنرضى منهم الموادعة ونحن من وراء الباب فقال له عبد الرحمن إن الله بعث إلينا رسول ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر ونحن لا نزال منصورين فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ وغزا مرات متعددة ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى
وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة قال لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه وقالوا ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم كما كان يظفر بغيرهم فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض إنهم لايموتون وقال انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن موعدكم الجنة فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأت الترك بعدها ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون بقبره إلى اليوم وسيأتي تفصيل ذلك كله
*3* قصة السد
@ أن ذكر ابن جرير بسنده أن شهريراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهر براز أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولوني وبعثت لهم هدايا وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القزنين فينظر إليه ويأتينا بخبره فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه فبعثه إلى عامله مما يلي السد فبعث معه بازيارة ومعه عقابه فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه ثم لما هم بالإنصراف قال له البازيار على رسلك ثم شرح بضعة لحم معه فالقاها في ذلك الهواء وانقض عليها العقاب فقال إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء قال فلم تدركها حتى وقعت في اسفله واتبعها العقاب فأخرجها فاذا فيها ياقوته وهي هذه ثم ناولها الملك شهر براز لعبد الرحمن بن ربيعة فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها اليه فلما ردها إليه فرح وقال والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها وهي هذه خير من مملكة هذه المدينة يعني مدينة باب الأبواب التي خبرها لانتزعوها مني وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم وفي ملككم ووالله لأنتم أحب إلي اليوم من مملكة آل كسرى ولو كنت في سلطانهم وبلغهم الأكبر ثم أقبل عبدالرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال ما حال هذا الردم يعني ما صفته فاشار إلى ثوب في زرقه وحمرة فقال مثل هذا فقال رجل لعبد الرحمن صدق والله لقد نفذ ورأى فقال أجل وصف صفة الحديد والصفر قال الله تعلى آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا وقد ذكرت صفة السد في التفسير وفي أوائل هذا الكتاب وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنبي ص رأيت السد فقال كيف رأيته قال مثل البرد المحبر رأيته
قالوا ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهر براز كم كانت هديتك قال قيمة مائة آلف في بلادي وثلاثة آلاف آلف في تلك البلدان
*3* بقية من خبر السد
@ اورد شيخنا ابو عبدالله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب مسالك الممالك عما املاه عليه سلام الترجمان حين بعثه الواثق هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به وبعث معه الفي بغل تحمل طعاما فساروا بين س بامر الله بن المعتصم وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح فأرسل سلاما السرير الى ملك اللان فكتب سامرا الى اسحاق بتفليس فكتب لهم إلى صاحب السرير وكتب لهم صاحب لهم الى قبلان شاه فكتب لهم الى ملك الخزر فوجه معه خمسة اولاد فساروا ستة وعشرين يوما نتهوا الى ارض سواداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل فساروا فيها عشرة ايام فانتهوا الى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما وهي التي كانت يأجوج و مأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين و الى الان ثم انتهوا الى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية و بالفارسية و يحفظون القرآن ولهم مكاتب و مساجد فجعلوا يعجبون منهم و يسألونهم من أين أقبلوا فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية ثم انتهوا الى جبل أملس ليس عليه خضرا و إذا السد هنالك من لبن حديد مغيب في نحاس و هو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه وله شرفات من حديد و في وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين عرضهما مائة ذراع في طول مائة ذراع في ثخانة خمسة أذرع و عليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع وذكر أشياء كثيرة و عند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا كأن وراء هذا الباب حرس وحفظة وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة وفي احداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن وحديد وغير ذلك واذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله في سمك شبر وذكروا انهم سالوا اهل تلك البلاد هل راوا احدا من ياجوج وماجوج فاخبروهم انهم راوا منهم يوما أشخاصا فوق الشرفات فهبت الريح فالقتهم اليهم فاذا طول الرجل منهم شبر او نصف شبر والله اعلم
حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالما وفيها ولد يزيد وعبدالملك بن مروان وفيها قال الواقدي وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة من بلاد الروم وكان معه حج بالناس عمر ابن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد وهم الذين كانوا في السنة قبلها وذكر ان عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه اهلها وقالوا لا يحسن السياسة فعزله وولى ابا موسى الاشعري فقال اهل الكوفة لا نريده وشكوا من غلامه فقال دعوني انظر في امري وذهب الى طائفة من
المسجد ليفكر من يولى فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له ان هذا الامر عظيم يا امير المؤمنين الذي بلغ بك هذا قال وكيف واهل الكوفة مائة الف لا يرضون امير المؤمنين ولا يرضى عنهم امير ثم جمع الصحابة واستشارهم هل يولي عليهم قويا مشددا او ضعيفا مسلما فقال له المغيرة بن شعبة يا امير المؤمنين ان القوي قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه واما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين واسلامه لنفسه فقال عمر للمغيرة واستحسن ما قال له اذهب فقد وليتك الكوفة فرده اليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه والعلم عند الله عز وجل وبعث ابا موسى الاشعري الى البصرة فقيل لعمار اساءك العزل فقال والله ما سرتني الولاية ولقد ساءني العزل وفي رواية ان الذي ساله عن ذلك عمر رضى الله عنه ثم اراد عمر ان يبعث سعد بن ابي وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعالجته المنية سنة ثلاث وعشرين على ما سياتي بيانه ولهذا اوصى لسعد به
قال الواقدي وفي هذه السنة غزا الاحنف بن قيس بلاد خراسان وقصد البلد الذي فيه يزدجر ملك الفرس قال ابن جرير وزعم سيف ان هذا كان في سنة ثماني عشرة قلت والاول هو المشهور والله اعلم
*3* قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى
@ لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه ودار مقره وايوان سلطانه وبساط مشورته وحواصله تحول من هناك الى حلوان ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول الى الرى واخذ المسلمون حلوان ثم اخذت الرى فتحول منها الى اصبهان فسار الى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها فانتقل الى خراسان فنزلها هذا كله والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد الى بلد ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم وهو يحمل في الليل في مسيره الى هذا البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه اذا مروا به على مخاضة فارادوا ان ينبهوه قبلها لئلا ينزعج اذا استيقظ في المخاضة فلما ايقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم وقال حرمتموني ان اعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها اني رايت في منامي هذا اني ومحمدا عندالله فقال له ملككم مائة سنة فقال زدني فقال عشرا ومائة فقال زدني فقال عشرين ومائة سنة فقال زدني فقال لك وانبهتموني فلا تركتموني لعلمت مدة هذه الامة
*3* خراسان مع الاحنف بن قيس
@ وذلك ان الاحنف بن قيس هو الذي اشار على عمر بان يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم ويضيقوا على كسرى يزدجر فانه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين فاذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رايه وامر الاحنف وامره بغزو بلاد خراسان فركب الاحنف في جيش كثيف الى خراسان قاصدا حرب يزدجر فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ثم سار الى مرو الشاهجان وفيها يزدجر وبعث الاحنف بين يديه مطرف بن عبدالله بن الشخير الى نيسابور والحارث بن حسان الى سرخس ولما اقترب الاحنف من مروالشاهجان ترحل منها يزدجرد الى مرو الروذ فافتتح الاحنف مرو الشاهجان فنزلها وكتب يزدجرد حين نزل مروالروذ الى خاقان ملك الترك يستمده وكتب الى ملك الصفد يستمده وكتب الى ملك الصين يستعينه وقصده الاحنف بن قيس الى مروالروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان وقد وفدت الى الاحنف امداد من اهل الكوفة مع اربعة امراء فلما بلغ مسيرة إلى يزدجرد ترحل إلى بلخ فالتقى معه ببلخ يزدجرد فهزمه فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي الاحنف ابن قيس واستخلف في كل بلدة اميرا ورجع الاحنف فنزل مرو الروذ وكتب الى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها فقال عمر وددت انه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار فقال له علي ولم يا امير المؤمنين فقال ان اهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة فقال يا امير المؤمنين لان يكون ذلك باهلها احب الى من ان يكون ذلك بالمسلمين وكتب عمر الى الاحنف ينهاه عن العبور الى ما وراء النهر وقال احفظ ما بيدك من بلاد خراسان ولما وصل رسول يزدجرد الى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بامره فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما انجاده في شرع الملوك فسار معه خاقان الاعظم ملك الترك ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان فوصل الى بلخ واسترجعها وفر عمال الاحنف اليه الى مرو الروذ وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الاحنف بمرو الروذ فتبرز الاحنف بمن معه من اهل البصرة واهل الكوفة والجميع عشرون الفا فسمع رجلا يقول لآخر ان كان الامير ذا رأي فانه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا حوله فلا ياتيه العدو إلا من جهة واحدة فلما اصبح الاحنف امر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه
وكان امارة النصر والرشد وجاءت الاتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج فقام الاحنف في الناس خطيبا فقال إنكم قليل وعدوكم كثير فلا يهولنكم كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولايدري الاحنف اين يذهبون في الليل فسار ليلة مع طليعة من اصحابه نحو جيش خاقان فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز
ان على كل رئيس حقا * ان يحضب الصعدة او يندقا
ان لها شيخا بها ملقى * بسيف ابي حفص الذي تبقى
قال ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه فخرج آخر علم طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبله فتقدم اليه الاحنف فقتله ايضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله واخذ طوقه ثم اسرع الاحنف الرجوع الى جيشه ولا يعلم بذلك احد من الترك بكلية وكان من عادتهم بطبله ثم الثاني ثم الثالث ثم يخرجون بعد الثالث فلما خرجت الترك ليلتئذ سد انهم لايخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير وقال لعسكره قد طال قامنا وقد اصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير فانصرفوا بنا فرجعوا الى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا اليهم من شعبهم فلم يروا احدا منهم ثم بلغهم انصرافهم الى بلادهم راجعين عنهم وقد كان يزدجرد وخاقان في مقابلة الاحنف بن قيس ومقاتلته ذهب الى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع اليه
وقد قال المسلمون للاحنف ما ترى في اتباعهم فقال اقيموا بمكانكم ودعوهم وقد اصاب الاحنف في ذلك فقد جاء في الحديث اتركوا الترك ما تركوكم وقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل ولا حصل على خير ولا انتصر كما كان في زعمه بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه وتنحى عنه وتبرأ منه احوج ماكان اليه وبقي مذبذبا لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا وتحير في امره ماذا يصنع والى اين يذهب وقد اشار عليه بعض اولى النهى من قومه حين قال قد عزمت ان اذهب الى بلاد الصين او اكون مع خاقان في بلاده
فقالوا انا نرى ان نصانع هؤلاء القوم فان لهم ذمة ودينا يرجعون اليه فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا فهم خير لنا من غيرهم فابى عليهم كسرى ذلك ثم بعث الى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسال الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد فجعل يخبرة عن صفتهم وكيف يركبون الخيل والابل وماذا يصنعون وكيف يصلون فكتب معه الى يزدجرد انه لم يمنعنى ان ابعث اليك بجيش اوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ولو جئت لنصرك ازالوني ماداموا على ما وصف لي رسولك فسالمهم وارض منهم بالمسالمة فاقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه ولما بعث الاحنف بكتاب الفتح وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم وانهم قتلوا منهم مع ذلك مقتله عظيمة ثم ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه ثم قال عمر ان الله بعث محمدا بالهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فالحمد لله الذي انجز وعده ونصر جنده الا وان الله قد اهلك ملك المجوسية فرق شملهم فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم الا وان الله قد اورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون فقوموا في امره على وجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده ولا تغيروا يستبدل قوما غيركم فاني لا اخاف على هذه الامة ان تؤتى إلا من قبلكم
وقال شيخنا ابو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة اعني سنة ثنتين وعشرين وفيها فتحت اذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة قاله ابن اسحاق فيقال انه صالحهم على ثمانمائة الف درهم وقال ابو عبيدة فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة ومعه اهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد والله أعلم وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة بعدما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة وكانوا نقضوا ايضا عهد سعد وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة فكتب عمر ان الغيمة لمن شهد الوقعة قال ابو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة ولم تكن فتحت قبل ذلك واليها انتهى فتوح حذيفة قال ويقال افتتحها جرير بن عبدالله بأمر المغيرة ويقال افتتحها المغيرة سنة اربع وعشرين وفيا افتتحت جرجان قال خليفة وفيها افتتح عمرو بن العاص
طرابلس المغرب ويقال في السنة التي بعدها قلت وفي هذا كله غرابة لنسبته الى ما سلف والله اعلم قال شيخنا وفيها توفي ابي بن كعب في قول الواقدي وابن نمير والذهلي والترمذي وقد تقدم في سنة تسع عشرة ومعضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان ولا صحبه له
*2* ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب
@ قال الواقدي وابو معشر فيها كان فتح اصطخر وهمذان وقال سيف كان فتحها بعد فتح توج الآخرة ثم ذكر ان الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود بعد ما قتل من الفرس مقتله عظيمة وغنم منهم عنائم جمة ثم ضرب الجزية على اهلها وعقد لهم الذمة ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم ذكر ان عثمان بن ابي العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها ثم افتتح المسلمون اصطخر وهذه المرة الثانية وكان اهلها قد نقضوا العهد بعدما كان جند العلاء بن الحضرمي افتتحوها حين جاز في البحر من ارض البحرين والتقوا هم والفرس في مكان يقل له طاوس كما تقدم بسط ذلك في موضعه ثم صالحه الهربد على الجزية وان يضرب لهم الذمة ثم بعث بالأخماس والبشارة الى عمر قال ابن جرير وكانت الرسل لها جوائز وتقضي لهم حوائج كما كان رسول الله ص يعاملهم بذلك ثم ان شهرك خلع العهد ونقض الذمة ونشط الفرس فنقضوا فبعث اليهم عثمان بن أبي العاص ابنه وأخاه الحكم فاقتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين وقتل الحكم بن ابي العاص شهرك وقتل ابنه معه ايضا وقال ابو معشر كانت فارس الاولى واصطخر الآخرة سنة ثمان وعشرين في امارة عثمان وكانت فارس الآخرة ووقعه جور في سنة تسع وعشرين
*3* فتح فسا ودار ابجرد وقصة سارية بن زنيم
@ ذكر سيف عن مشايخه ان سارية بن زنيم قصد فسا ودارأبجرد فاجتمع له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير فراى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار وانهم في صحراء وهناك جبل ان اسندوا اليه لم يؤتوا الا من وجه واحد فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها خرج إلى الناس وصعد المنبر فخطب الناس واخبرهم بصفة مارأى ثم قال ياسارية الجبل الجبل ثم اقبل عليهم وقال ان لله جنودا ولعل بعضها ان يبلغهم قال ففعلوا ما قال عمر فنصرهم الله على عدوهم وفتحوا البلد وذكر سيف في رواية اخرى عن شيوخه ان عمر بينهما هو يخطب يوم الجمعة اذ قال ياسارية بن زنيم الجبل الجبل فلجأ المسلمون الى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم الا من جهة واحدة
فأظفرهم الله بهم وفتحوا البلد وغنموا شيئا كثيرا فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر فلما وصل اليه ما الاخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم فلما رآه عمر قال له اجلس ولم يعرفه فجلس الرجل فأكل مع الناس فلما فرغوا انطلق عمر الى منزله واتبعه الرجل فاستأذن فاذن له واذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح فقال ادن فكل قال فجلست فجعل يقول لامرأته ألا تخرجين ياهذه فتأكلين فقالت إني اسمع حس رجل عندك فقال أوماترضين ان يقال ام كلثوم بنت عمر على وامرأة عمر فقالت ما أقل غناء ذلك عني ثم قال للرجل ادن فكل فلوكانت راضية لكان اطيب مما ترى فـأكلا فلما فرغا قال أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين فقال مرحبا وأهلا ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته ثم سأله عن المسلمين ثم سأله عن سارية بن زنيم فأخبره ثم ذكرله شأن السفط من الجوهر فابى ان يقبله وامر برده الى الجند وقد سأل قال نعم سمعنا قائلا يقول يا سارية الجبل وقد كدنا نهلك فلجأنا اليه ففتح الله اهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم فسألوه هل سمعوا صوتا يوم الوقعة الوقعة ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا وقال عبد الله بن وهب عن يحيى بن ايوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر ان عمر وجه جيشا ورأس عليهم رجلا يقال له سارية قال فبينما عمر يخطب فجعل ينادي ياساري الجبل ياساري الجبل ثلاثا ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك اذا سمعنا مناديا ياسارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله قال فقيل لعمر انك كنت تصيح بذلك وهذا إسناد جيد حسن
وقال الواقدي حدثني نافع بن ابي نعيم عن نافع مولى ابن عمر ان عمر قال على المنبر ياسارية ابن زنيم الجبل فلم يدر الناس مايقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر فقال يا امير المؤمنين كنا محاصرىي العدو فكنا نقيم الأيام لايخرج علينا منهم احد نحن في خفض من الأرض وهم في حصن عال فسمعت صائحا ينادي بكذا وكذا ياسارية بن زنيم الجبل فعلوت بأصحابي الجبل فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا وقد رواه الحافظ ابو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه وفي صحته من حديث مالك نظر وقال الواقدي حدثني اسامة بن زيد عن اسلم عن ابيه وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة الى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح ياسارية بن زنيم الجبل ياسارية بن زنيم الحبل ظلم من استرعى الذئب الغنم ثم خطب حتى فرغ فجاء كتاب سارية الى عمر ان الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر قال سارية فسمعت صوتا
يا سارية بن زنيم الجبل ياسارية بن زنيم الجبل ظلم من استرعى الذئب الغنم فعلوت باصحابي الجبل ونحن قبل ذلك في بطن واد ونحن محاصروا العدو ففتح الله علينا فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام فقال والله ما القيت له إلابشيء القى علي لساني فهذه طرق يشد بعضها بعضا
ثم ذكر ابن جرير طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي وأمده عبدالله ابن عبد الله بن عتبان وقيل على يدي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو بعد قتال شديد وكانت ثغورها متسعة وبلادها متنائية مابين السند الى نهر بلخ وكانوا يقاتلون القند هار والترك من ثغورها وفروجها وذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو وأمده بشهاب بن المخارق بن شهاب وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند وغنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة وكتب الحكم ابن عمرو بالفتح وبعث بالاخماس مع صحار العبدي فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال يا أمير المؤمنين ارض سهلها جبل وماؤها وشل وثمرها دقل وعدوها بطل وخيرها قليل وشرها طويل والكثير بها قليل والقليل بها ضائع وماوراءها شر منها فقال عمر اسجاع انت ام مخبر فقال لا بل مخبر فكتب عمر الى الحكم بن عمرو وأن لايغزو بعد ذلك مكران وليقتصروا على مادون النهر وقد قال الحكم بن عمر في ذلك
لقد شبع الأرامل غير فخر * بقيء جاءهم من مكران
اتاهم بعد مسغبة وجهد * وقد صفر الشتاء من الدخان
فإنى لا يذم الجيش فعلى * ولاسيفى يذم ولا لساني
غداة أدافع الاوباش دفعا * الى السند العريضة والمداني
ومهران لنا فيما اردنا * مطيع غير مسترخي العناني
فلولا ما نهى عنه اميري * قطعناه الى البدد الزواني
غزة الأكراد
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه ان جماعة من الأكراد والتف اليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم ابو موسى بمكان من ارض بيروذقريب من نهر تيرى ثم سار عنهم ابو موسى الى اصبهان وقد استخلف على حربهم الربيع بن زناد بعد مقتل اخيه المهاجر بن زياد فتسلم الحرب وحنق عليهم فهزم الله العدو وله الحمد والمنه كما هي عادته المستمرة وسننه المستقره في عباده المؤمنين وحزبه المفلحين من اتباع سيد المرسلين ثم خمست الغنيمة وبعث بالفتح والخمس
الى عمر رضي الله عنه وقد سار ضبه بن محصن العنزي فاشتكى ابا موسى الى عمر وذكر عنه امورا لاينقم عليه بسببها فاستدعاه عمر فسأله عنها فاعتذر منها بوجوه مقبوله فسمعها عمرو وقبلها ورده الى عمله وعذر ضبه فيما تأوله ومات عمر وابو موسى على صلاة البصرة
*3* خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد
@ بعثه عمر على سرية ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله الحديث الى آخره فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم الى احدى ثلاث خلال فأبوا ان يقبلوا واحدة منها فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم وغنموا اموالهم ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح وبالغنائم فذكروا وروده على عمر وهو يطعم الناس وذهابه معه الى منزله كنحو ما تقدم من قصة ام كلثوم بنت علي وطلبها الكسوة كما يكسى طلحة وغيرة أزواجهم فقال الا يكفيك ان يقال بنت علي وأمرأة امير المؤمنين ثم ذكر طعامه الخشن وشرابه من سلت ثم شرع يستعمله عن أخبارالمهاجرين وكيف طعامهم واشعارهم وهل يأكلون اللحم الذي هو شجرتهم ولا بقاء للعرب دونه شجرتهم وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر فابى ان ياخذه واقسم على ذلك وامره بأن يرده فيقسم بين الغنمين وقد اورده ابن جرير مطولا جدا
وقال ابن جرير وفي هذه السنة حج عمر بازواج النبي ص وهي آخر حجة حجها رضي الله عنه قال وهي هذه السنة كانت وفاته ثم ذكر صفة قتله مطولا ايضا وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر فليكتب من هناك الى هنا
وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزاربن معد بن عدنان القرشي ابو حفص العدوي الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك اهل الكتاب وامه خنتمه بنت هشام اخت ابي حهل بن هشام اسلم عمر وعمره سبع وعشرين سنة وشهد بدرا واحدا والمشاهد كلها مع النبي ص وخرج في عدة سرايا وكان اميرا على بعضها وهو اول من دعىامير المؤمنين وأول من كتب التاريخ وجمع الناس على التراويح وأول من عس بالمدينة وحمل الدرة وادب بها وجلد في الخمر ثمانين وفتح الفتوح ومصر الأمصار وجند الأنجاد ووضع الخراج ودون الدواوين وعرض الأعطية واستقضى القضاه وكور الكور مثل السواد والآهواز والجبال وفارس وغيرها وفتح الشام كله ولجزيرة والموصل
وميافارقين وارمينية ومصر واسكندرية ومات عساكره على بلاد الرى فتح من الشام اليرموك وبصرى ودمشق والاردن وبيسان وطبرية والجابية وفلسطين والرملة وعسقلان وغزة والسواحل والقدس وفتح مصر واسكندرية وطرابلس الغرب وبرقة ومن مدن الشام بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وانطاكية وفتح الجزيرة وحران والرها والرقة ونصيبين وراس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وارمينية جميعها وبالعراق القادسية والحيرة ونهرسير وساباط ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والابلة والبصرة والاهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقومس وخراسان واصطخر واصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان واذربيجان وغير ذلك وقطعت جيوشه النهر مرارا وكان متواضعا في الله خشن العيش خشن المطعم شديدا في ذات الله يرقع الثوب بالاديم ويحمل القربة على كتفه مع عظم هيبته ويركب الحمار عريا والبعير مخطوما بالليف وكان قليل الضحك لا يمازح احدا وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر
وقال النبي صلى الله عليه وسلم اشد امتي في دين الله عمر وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان لي وزيرين من اهل السماء ووزيرين من اهل الارض فوزيراي من اهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من اهل الارض ابو بكر وعمر وانهما السمع والبصر وعن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الشيطان يفرق من عمر وقال ارحم امتى ابو بكر واشدها في دين الله عمر وقيل لعمر انك قضاء فقال الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحما وملأ قلوبهم لي رعبا وقال عمر لا يحل لي من مال الله الا حلتان حلة للشتاء وحلة للصيف وقوت اهلي كرجل من قريش ليس باغناهم ثم انا رجل من المسلمين وكان عمر اذا استعمل عاملا كتب له عهدا واشهد عليه رهطا من المهاجرين واشترط عليه ان لا يركب برذونا ولا ياكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوى الحاجات فان فعل شيئا من ذلك حملت عليه العقوبة وقيل انه كان اذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر احبس هذه احبس هذه فيقول الرجل والله كلما حدثتك به حق غير ما امرتني ان احبسه
وقال معاوية بن ابي سفيان اما ابو بكر فلم يرد الدنيا واما عمر فارادته فلم يردها واما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن وعوتب عمر فقيل له لو اكلت طعاما طيبا كان اقوى لك على الحق فقال اني تركت صاحبي على جادة فان أدركت جادتهما فلم ادركهما في المنزل وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بادم ويطوف بالاسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس واذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به
قال انس كان بين كتفي عمر اربع رقاع وازاره بادم وخطب على المنبر وعليه ازار


يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 03:01 AM
وقد حكى مالك عن عمر بن الخطاب انه قال لأبي بكر اكتب الى خالد ان لايعطى شاة ولا بعيرا الا بامرك فكتب ابو بكر الى خالد بذلك فكتب اليه خالد اما ان تدعني وعملي والا فشأنك بعملك فأشار عليه عمر بعزله فقال ابو بكر فمن يجزي عني جزاء خالد قال عمر انا قال فأنت فنجهر عمر حتى انيخ الظهر في الدار ثم جاء الصحابة فاشاروا على الصديق بابقاء عمر بالمدينة وابقاء خالد بالشام فلما ولي عمر كتب الى خالد بذلك فكتب اليه خالد بمثل ذلك فعزله وقال ما كان الله ليراني آمر ابا بكر بشيء لا انفذه انا وقد روى البخاري في التاريخ وغيره من طريق علي بن رباح عن ياسر بن سمي البرني قال سمعت عمر يعتذر الى الناس بالجابية من عزل خالد فقال امرته ان يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فاعطاه ذا البأس وذا الشرف واللسان فامرت أبا عبيدة فقال ابو عمرو بن حفص بن المغيرة ما اعتذرت ياعمر لقد نزعت عاملا استعمله رسول الله ص ووضعت لواء رفعه رسول الله ص واغمدت سيفا سلة الله ولقد قطعت الرحم وحسدت ابن العم فقال عمر انك قريب القرابة حديث السن مغضب في ابن عمك
قال الواقدي رحمه الله ومحمد بن سعيد وغير واحد مات سنة احدى وعشرين بقرية على ميل من حمص وأوصى الى عمر بن الخطاب وقال دحيم وغيره مات بالمدينة والصحيح الأول وقدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين اعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف وأخذه من ماله عشرين الفا ايضا وقدمنا عتبه عليه لدخوله الحمام وتدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر واعتذار خالد اليه بانه صار غسولا وروينا عن خالد انه طلق امرأة من نسائه وقال اني لم أطلقها عن ريبة ولكنها لم تمرض عندي ولم يصبها شيء في بدنها ولا رأسها ولا في شيء من جسدها وروى سيف وغيره ان عمر قال حين عزل خالدا عن الشام والمثنى بن حارثة عن العراق انما عزلتهما ليعلم الناس ان الله نصر الدين لابنصرهما وان القوة لله جميعا وروى سيف ايضا ان عمر قال حين عزل خالدا عن قنسرين وأخذ منه ما أخذ انك على لكريم وانك عند لعزيز ولن يصل اليك من امر تكرهه بعد ذلك وقد قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال اصطرع عمر وخالد وهما غلامان وكان خالد ابن خال عمر فكسر خالد ساق عمر فعولجت وجبرت وكان ذلك سبب العداوة بينهما وقال الأصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال دخل خالد على عمر وعليه قميص حرير فقال عمر ماهذا يا خالد فقال وما بأس يا امير المؤمنين اليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف فقال وانت مثل ابن عوف ولك مثل ما لابن عوف عزمت
على من في البيت الا اخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه قال فمزقوه حتى لم يبق منه شىء وقال عبدالله بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد الله بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل ثم شك حماد في أبي وائل قال ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي وما من عملي شيء ارجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتها وأنا متترس والسماء تهلني تمطر إلى الصبح حتى نغير على الكفار ثم قال إذا أنامت فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله فلما توفي خرج عمر على جنازته فذكر قوله ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة
قال ابن المختار النقع التراب على الرأس واللقلقة الصوت وقد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال وقال عمر دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة وقال محمد بن سعد ثنا وكيع وأبو معاوية وعبد الله بن نمير قالوا حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال لما مات خالد ابن الوليد اجتمع نسوة بني المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه وهن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره فأرسل إليهن فانههن فقال عمر وما عليهن أن ينزفن من دموعهن على أبي سليمان ما لم يكن نقعا أو لقلقة ورواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه وقال إسحاق بن بشر وقال محمد مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته وإذا امه تندبه وتقول
انت خير من ألف ألف من القو * م إذا ما كبت وجوه الرجال
فقال صدقت والله إن كان لكذلك
وقال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به وقد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج واشتكى خالد بعده وهو خارج من المدينة زائرا لأمه فقال لها احدروني إلى مهاجري فقدمت به المدينة ومرضته فلما ثقل وأظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمر بهم فقال خالد بن الوليد ثقيل لما به فطوى عمر ثلاثا في ليلة فادركه حين قضى فرق عليه واسترجع وجلس ببابه حتى جهز وبكته البواكي فقيل لعمر ألا تسمع الا تنهاهن فقال وما على نساء قريس أن يبكين أبا سليمان مالم يكن نقع ولا لقلقة فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه وتقول
أنت خير من ألف ألف من النا * س إذا ماكبت وجوه الرجال
أشجاع فأنت أشجع من ليث * ضمر بن جهم أبي أشبال
أجواد فأنت أجود من سيل * دياس يسيل بين الجبال
فقال عمر من هذه فقيل له أمه فقال أمه وإلا له ثلاثا وهل قامت النساء عن مثل خالد قال فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة وفي قدومه
تبكي ما وصلت به الندامى * ولاتبكي فوارس كالجبال
أولئك إن بكيت أشد فقدا * من الاذهاب والعكر الجلال
تمنى بعدهم قوم مداهم * فلم يدنوا لأسباب الكمال
وفي رواية أن عمر قال لأم خالد أخالدا أو أجزه ترزئين عزمت عليك أن لاتبيني حتى تسود يداك من الخضاب وهذا كله مما يقتضى موته بالمدينة النبوية وإليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ولكن المشهور عن الجمهور وهم الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وابو عبيد القاسم ابن وموسى بن أيوب وابو سليمان بن ابي محمد وغيرهم أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين سلام وإبراهيم بن المنذر ومحمد بن عبدالله بن نمير وأبو عبدالله العصفري زاد الواقدي وأوصى إلى عمر بن الخطاب وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا قدم خالد بالمدينة بعد وعشرين وروى الواقدي أن عمر رأي حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال أين نزلتم ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى بالشام قال بحمص قال فهل من معرفة خبر قالوا نعم مات خالد بن الوليد قال فاسترجع عمر وقال كان والله سدادا لنحور العدو ميمون النقيبة فقال له على فلم عزلته قال لبذله المال لذوي الشرف واللسان
وفي رواية آن عمر قال لعلي ندمت على ماكان مني وقال محمد بن سعد أخبرنا عبدالله بن الزبير الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا إسماعيل بن أبي خالد سمعت قيس بن أبي حازم يقول لما مات خالد بن الوليد قال عمر رحم الله أبا سليمان لقد كنا نظن به أمورا ما كانت وقال جويرية عن نافع قال لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه وقال القاضي المعافا بن زكريا الحريري ثنا أحمد بن العباس العسكري ثنا عبدالله بن ابي سعد حدثني عبدالرحمن بن حمزة اللخمي ثنا أبو علي الحرنازي قال دخل هشام بن البحتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له يا هشام أنشدني شعرك في خالد فأنشده فقال قصرت في الثناء على أبي سليمان رحمه الله إنه كان ليحب أن الشرك وأهله وإن كان الشامت به لمتعرضا لمقت الله ثم قال عمر قاتل الله أخا بني تميم ما اشعره
وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدى
@ ابن ربان الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة أمها أميمة بنت عبدالمطلب وكان اسمها برة فسماها رسول الله زينب وتكنى ام الحكم وهي التي زوجه الله بها وكانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول زوجكن أهلوكن وزوجني الله من السماء قال الله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها الآية وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثه فلما طلقها تزوجها رسول الله ص قيل كان ذلك في سنة ثلاث وقيل اربع وهو الأشهر وقيل سنة خمس وفي دخوله عليه السلام بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس وهي التي كانت تسامى عائشة بنت الصديق في الجمال والحظوة وكانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة وذاك الذي اشار إليه رسول الله ص بقوله اسرعكن لحاقا بي اطولكن يدا أي بالصدقة وكانت امرأة صناعا تعمل بيديها وتتصدق على الفقراء قالت عائشة ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين وأتقى لله واصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة من زينب بن جحش ولم تحج بعد حجة الوداع لا هي ولا سودة لقوله عليه السلام لأزواجه هذه ثم ظهور الحصر وأما بقية أزواج النبي ص فكن يخرجن إلى الحج وقالتا زينتب وسودة والله لاتحركنا بعده دابة قالوا وبعث عمر إليها فرضها اثني عشر ألفا فتصدقت به في اقاربها ثم قالت اللهم لايدركني عطاء عمر بعد هذا فماتت في سنة عشرين وصلى عليها عمر وهي اول من صنع لها النعش ودفنت بالبقيع
فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي ولا موت من قد مات يوما بمخلدي
ثم قال عمر رحم الله أبا سليمان ما عند الله خير له مما كان فيه ولقد مات سعيدا وعاش حميدا ولكن رأيت الدهر ليس بقائل
*3* طليحة بن خويلد
@ ابن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير بن الحارث بن ثعلبة بن داود بن أسعد بن خزيمة الأسدي الفقعسي كان ممن شهد الخندق من ناحية المشركين ثم أسلم سنة تسع ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم ارتد بعد وفاة رسول الله ص في ايام الصديق وادعى النبوة كما تقدم وروى ابن عساكر الله صلى الله عليه وسلم فساله ما اسم الذي يأتي إلى أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ابنه خيال قدم على رسول أبيك فقال ذو النون الذي لايكذب ولا يخون ولا يكون كما يكون فقال لقد سمى ملكا عظيم الشأن ثم قال لابنه قتلك الله وحرمك الشهادة ورده كما جاء فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكاشة بن محصن ثم قتل طليحة عكاشة وله مع المسلمين وقائع ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد وتفرق حنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة فأقام عندهم حتى مات الصديق حياء منه ثم رجع إلى الإسلام واعتمر ثم جاء يسلم على عمر فقال له أغرب عني فأنك قاتل الرجلين الصالحين وعكاشة بن محصن وثابت بن أقرم فقال ياأمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما فأعجب عمر كلامه ورضي عنه وكتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاور ولا يولى شيئا من الأمر ثم عاد إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك وبعض حروب كالقادسية ونهاوند الفرس وكان من الشجعان المذكورين والأبطال المشهورين وقد حسن إسلامه بعد هذا كله وذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال كان يعد بألف فارس لشدته وشجاعته وبصره بالحرب وقال أبو نصر بن ماكولا اسلم ثم ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه وكان يعدل بألف فارس ومن شعره أيام ردته وادعائه النبوة في قتل المسلمين اصحابه
فما ظنكم بالقوم إذا تقتلونهم * أليسوا وإن لم يسلموا برجال
فان يكن اذداد أصبن ونسوة * فلم يذهبوا فرعا بقتل خيال
نصبت لهم صدر الحمالة إنها * معاودة قتل الكماة نزال
فيوما تراها في الجلال مصونة * ويوما في ظلال عوالي
تراها غير ذات جلال
ويوما تراها تضيء المشرفية نحوها * ويوما تراها
عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة العمى عند مجال
وقال سيف بن عمر عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبدالله قال بالله الذي لا إله إلا هو ما اطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة ولقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم طليحة بن خويلد الأسدي وعمر بن معدي كرب وقيس ابن المكشوح قال ابن عساكر ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن الفراس الوراق أن طليحة أستشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النعمان بن مقرن وعمرو بن معدي كرب رضي الله عنهم
*3* عمرو بن معدي كرب
@ ابن عبدالله بن عمر بن عاصم بن عمرو بن زبيد الأصعر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة ابن شيبة وهو زبيد الأكبر بن الحارث بن صعف بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المدحجي أبو ثور أحد الفرسان المشاهير الأبطال والشجعان المذاكير قدم على رسول الله ص سنة تسع وقيل عشر مع وفد مراد وقيل في وفد مراد وقيل في وقد زبيد قومه وقد ارتد مع الأسود العنسي فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه وقد استلب خالد سيفه الصمصامة ثم اسر ودفع إلى أبي بكر فأنبه وعاتبه واستنابه فتاب وحسن إسلامه بعد ذلك فسيره إلى الشام فشهد اليرموك ثم أمره عمر بالمسير إلى سعد وكتب بالوصاة به وأن يشاور ولا يولى شيئا فنفع الله به الإسلام وأهله وأبلى بلاء حسنا يوم القادسية وقيل إنه قتل بها وقيل بنهاوند وقيل مات عطشا في بعض القرى يقال لها روذة فالله أعلم وذلك كله في إحدى وعشرين فقال بعض من رثاه من قومه
لقد غادر الركبان يوم تحملوا * بروذة شخصا لا جبانا ولا غمرا
فقل لزبيد بل لمذحج كلها * رزئتم ابا ثور قريع الوغى عمرا
وكان عمرو بن معدي كرب رضي الله عنه من الشعراء المجيدين فمن شعره
أعاذل عدتي بدني ورمحي * وكل مقلص سلس القياد
أعاذل انما أفنى شبابي * إجابتي الصريخ إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي * وأقرع عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي * ويفنى قبل زاد القوم زادي
تمنى أن يلاقيني قييس * وددت وأينما منى ودادي
فمن ذا عاذري من ذي سفاه * يرود بنفسه مني المرادى
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مرادي
له حديث واحد في التلبيه رواه شراحيل بن القعقاع عنه قال كنا نقول في الجاهلية إذا لبينا لبيك تعظيما إليك عذرا هذي زبيد قد أتتك قسرا يعدو بها مضمرات شزرا يقطعن خبتا وجبالا وعرا قد تركوا الأوثان خلوا صفرا قال عمرو فنحن نقول الآن ولله الحمد كما علمنا رسول الله
ص لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك
*3* العلاء بن الحضرمي
@ امير البحرين لرسول الله ص وأقره عليها أبو بكر ثم عمر تقدم أنه توفي سنة اربع عشرة ومنهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى وعشرين وعزله عمر عن البحرين وولي مكانه أبا هريرة وأمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج كما قدمنا ذلك والله أعلم وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات والله الحمد
*3* النعمان بن مقرن بن عائذ المزني
@ أمير وقعة نهاوند صحابي جليل قدم مع قومه من مزينة في اربعمائة راكب ثم سكن البصرة وبعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند ففتح الله على يديه فتحا عظيما ومكن الله له في تلك البلاد ومكنه من رقاب اولئك العباد ومكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد وأتاح له بعدما أراه ما أحب شهادة عظيمة وذلك غاية المراد فكان ممن قال الله تعالى في حقه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم
*2* ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وفيها كانت فتوحات كثيرة
@ منها فتح حمدان ثانية ثم الري وما بعدها ثم اذربيجيان
قال الواقدي وأبو معشر كانت في سنة ثنتين وعشرين وقال سيف كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان والرى وجرجان وأبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان ولكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة وعند الواقدي أن فتح همدان والرى في سنة ثلاث وعشرين فهمدان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر قال ويقال كان فتح الرى قبل وفاة عمر سنتين إلا أن الواقدي وأبا معشر متفقان على أن اذربيجان في هذه السنة وتبعهما ابن جرير وغيره وكان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم فتحوا
حلوان وهمذان بعد ذلك ثم ان أهل همذان نقضوا عهدهم الذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن ان يسير الى همذان وان يجعل على مقدمته اخاه سويد بن مقرن وعلى مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي ومهلهل بن زيد التميمي فسار حتى نزل على ثنية العسل ثم تحدر على همذان واستولى على بلادها وحاصرها فسألوه الصلح فصالحهم ودخلها فبينما هو فيها ومعه اثني عشر الفا من المسلمين إذ تكاتف الروم والديلم وأهل الرى وأهل اذربيجان واجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا وعلى أهل الرىي أبو الفرخان وعلى أذربيجان اسفندياذ أخو رستم فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج الروذ فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تك دونها فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا وجمعا صغيرا لايحصون كثرة وقتل ملك الديلم موتا وتمزق شملهم وانهزموا بأجمعهم مد من قتل بالمعركة منهم فكان تعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين وقد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك واغتم له فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة فحمد الله واثنى عليه وأمر بالكتاب فقرئ على ناس ففرحوا وحمدوا الله عز وجل ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء وهم سماك بن خرشة ويعرف بأبي دجانة وسماك بن عبيد وسماك بن مخرمة فلما استسماهم عمر قال اللهم اسمك بهم الإسلام وأمد بهم الإسلام ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الرى فامتثل نعيم وقد قال نعيم في هذه الوقعة
ولما أتاني أن موتا ورهطه * بنى باسل جروا جنود الأعاجم
نهضت إليهم بالجنود مساميا * لأمنع منهم ذمتي بالقواصم
فجئنا إليهم بالحديد كأننا * جبال تراءى من فروع القلاسم
فلما لقيناهم بها مستفيضة * وقد جعلوا يسمعون فعل المساهم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا * غداة رميناهم باحدى العظائم
فما صبروا في حومة الموت ساعة * لحد الرماح والسيوف الصوارم
كأنهم عند انبثاث جموعهم * جدار تشظى لبنة للهادم
أ * أصبنا بها موتا ومن لف جمعة
وفيها نهاب قسمه غير عاتم
تبعناهم حتى أووا في شعابهم * فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم
كأنهم في واج روذ وجوه * ضئين أصابتها فروج المخارم
*3* فتح الري
@ استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمداني وسار بالجيوش حتى لحق الري فلقي هناك جمعا كثيرا من المشركين فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا وصبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم النعمان بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن وصالح ابو الفرخان على الري وكتب له أمانا بذلك ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم الأخماس ولله الحمد والمنة
*3* فتح قومس
@ ولما ورد البشير بفتح الري وأخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن
يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس فسار إليها سويد فلم يقم له شء حتى أخذها سلما وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمان وصلح
*3* فتح جرجان
@ لما عسر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين ايام عثمان فالله أعلم
*3* وهذا فتح اذربيجيان
@ لما فتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري وكان قد بعث بين يديه بكير بن عبدالله من همذان إلى أذربيجان وأردفه بسماك بن خرشة فاقتتلوا فهزم الله المشركين وأسر بكير أسفندياذ فقال له اسفندياذ فلقي اسفندياذ بن الفرخزاذ بكيرا وأصحابه قبل أن يقدم عليهم سماك الصلح أحب إليك أم الحرب بل الصلح قال فأمسكني عندك فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا وعتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر ثم جاء كتاب عمر بأن يتقد بكير إلى الباب وجعل سماك موضعه نائبا لعبته بن فرقد وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد وسلم إليه بكير أسفندياذ وسار كما أمره عمر إلى الباب قالوا وقد كان ا اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبه وهرب بهرام فلما بلغ ذلك اسفدياذ وهو في الأسر عند بكير قال الآن ثم الصلح وطفئت الحرب فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم وعادت اذربيجان سلما وكتب بذلك عتبة وبكير إلى عمر وبعثوا بالأخماس إليه وكتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان وصلح
*3* فتح الباب
@ قال ابن جرير وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالأمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو الملقب بذي النور وجعل على مقدمته عبدالرحمن بن ربيعة ويقال له ذو النور ايضا وجعل على احدى المجنبتين حذيفة بن أسيد وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان قد تقدمهم إلى الباب وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة فساروا كما أمرهم عمر وعلى تعبئته فلما انتهى مقدم العساكر وهو عبدالرحمن بن ربيعة إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهر براز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان فكتب شهر براز لعبد الرحمن واستأمنه فأمنه عبدالرحمن بن ربيعة فقدم عليه الملك فأنهى إليه أن صغوة إلى المسلمين وانه مناصح للمسلمين فقال له إن فوقي رجلا فاذهب إليه فبعثه إلى سراقة ابن عمرو وأمير الجيش فسأل من سراقة الأمان فكتب إلى عمر فأجازما أعطاه من الأمان واستحسنه فكتب له سراقة كتابا بذلك ثم بعث سراقة بكيرا وحبيب بن مسلمة وحذيفة ابن اسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان وتفليس وموتان فافتتح بكير موقان وكتب لهم كتاب أمان ومات في غضون ذلك أمير المسلمين هناك وهو سراقة بن عمرو واستخلف بعده بعد الرحمن بن ربيعة فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك
*3* أول غزو الترك
@ وهو تصديق الحديث المتقدم الثابت في الصحيح عن ابي هريرة وعمر بن تغلب أن رسول الله ص قال لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه دلف الأنوف حمر الوجوه كأن وجوهم المجان المطرقة وفي رواية يبتلعون الشعر
لما جاء كتاب عمر إلى عبدالرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر فقال له شهر براز أين تريد قال أريد ملك الترك بلنجر فقال له شهر براز إنا لنرضى منهم الموادعة ونحن من وراء الباب فقال له عبد الرحمن إن الله بعث إلينا رسول ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر ونحن لا نزال منصورين فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ وغزا مرات متعددة ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء الله تعالى
وقال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة قال لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال الله بين الترك والخروج عليه وقالوا ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت فتحصنوا منه وهربوا بالغنم والظفر ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم كما كان يظفر بغيرهم فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد غزاهم فتذامرت الترك وقال بعضهم لبعض إنهم لايموتون وقال انظروا وفعلوا فاختفوا لهم في الغياض فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون فاقتتلوا قتالا شديدا ونادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن موعدكم الجنة فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف الناس وأخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها ونادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان واجترأت الترك بعدها ومع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون بقبره إلى اليوم وسيأتي تفصيل ذلك كله
*3* قصة السد
@ أن ذكر ابن جرير بسنده أن شهريراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب وأراه رجلا فقال شهر براز أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد وزودته مالا جزيلا وكتبت له إلى الملوك الذين يولوني وبعثت لهم هدايا وسألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سد ذي القزنين فينظر إليه ويأتينا بخبره فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السد في أرضه فبعثه إلى عامله مما يلي السد فبعث معه بازيارة ومعه عقابه فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين وإذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده فنظر إلى ذلك كله وتفرس فيه ثم لما هم بالإنصراف قال له البازيار على رسلك ثم شرح بضعة لحم معه فالقاها في ذلك الهواء وانقض عليها العقاب فقال إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء قال فلم تدركها حتى وقعت في اسفله واتبعها العقاب فأخرجها فاذا فيها ياقوته وهي هذه ثم ناولها الملك شهر براز لعبد الرحمن بن ربيعة فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها اليه فلما ردها إليه فرح وقال والله لهذه خير من مملكة هذه المدينة يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها وهي هذه خير من مملكة هذه المدينة يعني مدينة باب الأبواب التي خبرها لانتزعوها مني وأيم الله لا يقوم لكم شيء ما وفيتم وفي ملككم ووالله لأنتم أحب إلي اليوم من مملكة آل كسرى ولو كنت في سلطانهم وبلغهم الأكبر ثم أقبل عبدالرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السد فقال ما حال هذا الردم يعني ما صفته فاشار إلى ثوب في زرقه وحمرة فقال مثل هذا فقال رجل لعبد الرحمن صدق والله لقد نفذ ورأى فقال أجل وصف صفة الحديد والصفر قال الله تعلى آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا وقد ذكرت صفة السد في التفسير وفي أوائل هذا الكتاب وقد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنبي ص رأيت السد فقال كيف رأيته قال مثل البرد المحبر رأيته
قالوا ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهر براز كم كانت هديتك قال قيمة مائة آلف في بلادي وثلاثة آلاف آلف في تلك البلدان
*3* بقية من خبر السد
@ اورد شيخنا ابو عبدالله الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب مسالك الممالك عما املاه عليه سلام الترجمان حين بعثه الواثق هذا وكتب له إلى الملوك بالوصاة به وبعث معه الفي بغل تحمل طعاما فساروا بين س بامر الله بن المعتصم وكان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح فأرسل سلاما السرير الى ملك اللان فكتب سامرا الى اسحاق بتفليس فكتب لهم إلى صاحب السرير وكتب لهم صاحب لهم الى قبلان شاه فكتب لهم الى ملك الخزر فوجه معه خمسة اولاد فساروا ستة وعشرين يوما نتهوا الى ارض سواداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل فساروا فيها عشرة ايام فانتهوا الى مدائن خراب مدة سبعة وعشرين يوما وهي التي كانت يأجوج و مأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين و الى الان ثم انتهوا الى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية و بالفارسية و يحفظون القرآن ولهم مكاتب و مساجد فجعلوا يعجبون منهم و يسألونهم من أين أقبلوا فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية ثم انتهوا الى جبل أملس ليس عليه خضرا و إذا السد هنالك من لبن حديد مغيب في نحاس و هو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهي إليه وله شرفات من حديد و في وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين عرضهما مائة ذراع في طول مائة ذراع في ثخانة خمسة أذرع و عليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع وذكر أشياء كثيرة و عند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا كأن وراء هذا الباب حرس وحفظة وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة وفي احداهما بقايا العمارة من مغارف ولبن وحديد وغير ذلك واذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله في سمك شبر وذكروا انهم سالوا اهل تلك البلاد هل راوا احدا من ياجوج وماجوج فاخبروهم انهم راوا منهم يوما أشخاصا فوق الشرفات فهبت الريح فالقتهم اليهم فاذا طول الرجل منهم شبر او نصف شبر والله اعلم
حماد والصحابة فسار وغنم ورجع سالما وفيها ولد يزيد وعبدالملك بن مروان وفيها قال الواقدي وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفة من بلاد الروم وكان معه حج بالناس عمر ابن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد وهم الذين كانوا في السنة قبلها وذكر ان عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه اهلها وقالوا لا يحسن السياسة فعزله وولى ابا موسى الاشعري فقال اهل الكوفة لا نريده وشكوا من غلامه فقال دعوني انظر في امري وذهب الى طائفة من
المسجد ليفكر من يولى فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له ان هذا الامر عظيم يا امير المؤمنين الذي بلغ بك هذا قال وكيف واهل الكوفة مائة الف لا يرضون امير المؤمنين ولا يرضى عنهم امير ثم جمع الصحابة واستشارهم هل يولي عليهم قويا مشددا او ضعيفا مسلما فقال له المغيرة بن شعبة يا امير المؤمنين ان القوي قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه واما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين واسلامه لنفسه فقال عمر للمغيرة واستحسن ما قال له اذهب فقد وليتك الكوفة فرده اليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه والعلم عند الله عز وجل وبعث ابا موسى الاشعري الى البصرة فقيل لعمار اساءك العزل فقال والله ما سرتني الولاية ولقد ساءني العزل وفي رواية ان الذي ساله عن ذلك عمر رضى الله عنه ثم اراد عمر ان يبعث سعد بن ابي وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعالجته المنية سنة ثلاث وعشرين على ما سياتي بيانه ولهذا اوصى لسعد به
قال الواقدي وفي هذه السنة غزا الاحنف بن قيس بلاد خراسان وقصد البلد الذي فيه يزدجر ملك الفرس قال ابن جرير وزعم سيف ان هذا كان في سنة ثماني عشرة قلت والاول هو المشهور والله اعلم
*3* قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى
@ لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه ودار مقره وايوان سلطانه وبساط مشورته وحواصله تحول من هناك الى حلوان ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول الى الرى واخذ المسلمون حلوان ثم اخذت الرى فتحول منها الى اصبهان فسار الى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها فانتقل الى خراسان فنزلها هذا كله والنار التي يعبدها من دون الله يسير بها معه من بلد الى بلد ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم وهو يحمل في الليل في مسيره الى هذا البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه فبينما هو ذات ليلة في هودجه وهو نائم فيه اذا مروا به على مخاضة فارادوا ان ينبهوه قبلها لئلا ينزعج اذا استيقظ في المخاضة فلما ايقظوه تغضب عليهم شديدا وشتمهم وقال حرمتموني ان اعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها اني رايت في منامي هذا اني ومحمدا عندالله فقال له ملككم مائة سنة فقال زدني فقال عشرا ومائة فقال زدني فقال عشرين ومائة سنة فقال زدني فقال لك وانبهتموني فلا تركتموني لعلمت مدة هذه الامة
*3* خراسان مع الاحنف بن قيس
@ وذلك ان الاحنف بن قيس هو الذي اشار على عمر بان يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم ويضيقوا على كسرى يزدجر فانه هو الذي يستحث الفرس والجنود على قتال المسلمين فاذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رايه وامر الاحنف وامره بغزو بلاد خراسان فركب الاحنف في جيش كثيف الى خراسان قاصدا حرب يزدجر فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي ثم سار الى مرو الشاهجان وفيها يزدجر وبعث الاحنف بين يديه مطرف بن عبدالله بن الشخير الى نيسابور والحارث بن حسان الى سرخس ولما اقترب الاحنف من مروالشاهجان ترحل منها يزدجرد الى مرو الروذ فافتتح الاحنف مرو الشاهجان فنزلها وكتب يزدجرد حين نزل مروالروذ الى خاقان ملك الترك يستمده وكتب الى ملك الصفد يستمده وكتب الى ملك الصين يستعينه وقصده الاحنف بن قيس الى مروالروذ وقد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان وقد وفدت الى الاحنف امداد من اهل الكوفة مع اربعة امراء فلما بلغ مسيرة إلى يزدجرد ترحل إلى بلخ فالتقى معه ببلخ يزدجرد فهزمه فهزمه الله عز وجل وهرب هو ومن بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملك خراسان على يدي الاحنف ابن قيس واستخلف في كل بلدة اميرا ورجع الاحنف فنزل مرو الروذ وكتب الى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان بكمالها فقال عمر وددت انه كان بيننا وبين خراسان بحر من نار فقال له علي ولم يا امير المؤمنين فقال ان اهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة فقال يا امير المؤمنين لان يكون ذلك باهلها احب الى من ان يكون ذلك بالمسلمين وكتب عمر الى الاحنف ينهاه عن العبور الى ما وراء النهر وقال احفظ ما بيدك من بلاد خراسان ولما وصل رسول يزدجرد الى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بامره فلما عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعين عليهما انجاده في شرع الملوك فسار معه خاقان الاعظم ملك الترك ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان فوصل الى بلخ واسترجعها وفر عمال الاحنف اليه الى مرو الروذ وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الاحنف بمرو الروذ فتبرز الاحنف بمن معه من اهل البصرة واهل الكوفة والجميع عشرون الفا فسمع رجلا يقول لآخر ان كان الامير ذا رأي فانه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقا حوله فلا ياتيه العدو إلا من جهة واحدة فلما اصبح الاحنف امر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه
وكان امارة النصر والرشد وجاءت الاتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج فقام الاحنف في الناس خطيبا فقال إنكم قليل وعدوكم كثير فلا يهولنكم كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين فكانت الترك يقاتلون بالنهار ولايدري الاحنف اين يذهبون في الليل فسار ليلة مع طليعة من اصحابه نحو جيش خاقان فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الاحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الاحنف فقتله وهو يرتجز
ان على كل رئيس حقا * ان يحضب الصعدة او يندقا
ان لها شيخا بها ملقى * بسيف ابي حفص الذي تبقى
قال ثم استلب التركي طوقه ووقف موضعه فخرج آخر علم طوق ومعه طبل فجعل يضرب بطبله فتقدم اليه الاحنف فقتله ايضا واستلبه طوقه ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله واخذ طوقه ثم اسرع الاحنف الرجوع الى جيشه ولا يعلم بذلك احد من الترك بكلية وكان من عادتهم بطبله ثم الثاني ثم الثالث ثم يخرجون بعد الثالث فلما خرجت الترك ليلتئذ سد انهم لايخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم بذلك الملك خاقان وتطير وقال لعسكره قد طال قامنا وقد اصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير فانصرفوا بنا فرجعوا الى بلادهم وانتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا اليهم من شعبهم فلم يروا احدا منهم ثم بلغهم انصرافهم الى بلادهم راجعين عنهم وقد كان يزدجرد وخاقان في مقابلة الاحنف بن قيس ومقاتلته ذهب الى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة بن النعمان بها واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها ثم رجع وانتظره خاقان ببلخ حتى رجع اليه
وقد قال المسلمون للاحنف ما ترى في اتباعهم فقال اقيموا بمكانكم ودعوهم وقد اصاب الاحنف في ذلك فقد جاء في الحديث اتركوا الترك ما تركوكم وقد رد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ورجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل ولا حصل على خير ولا انتصر كما كان في زعمه بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه وتنحى عنه وتبرأ منه احوج ماكان اليه وبقي مذبذبا لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا وتحير في امره ماذا يصنع والى اين يذهب وقد اشار عليه بعض اولى النهى من قومه حين قال قد عزمت ان اذهب الى بلاد الصين او اكون مع خاقان في بلاده
فقالوا انا نرى ان نصانع هؤلاء القوم فان لهم ذمة ودينا يرجعون اليه فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا فهم خير لنا من غيرهم فابى عليهم كسرى ذلك ثم بعث الى ملك الصين يستغيث به ويستنجده فجعل ملك الصين يسال الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد وقهروا رقاب العباد فجعل يخبرة عن صفتهم وكيف يركبون الخيل والابل وماذا يصنعون وكيف يصلون فكتب معه الى يزدجرد انه لم يمنعنى ان ابعث اليك بجيش اوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق على ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها ولو جئت لنصرك ازالوني ماداموا على ما وصف لي رسولك فسالمهم وارض منهم بالمسالمة فاقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين ولم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه ولما بعث الاحنف بكتاب الفتح وما أفاء الله عليهم من أموال الترك ومن كان معهم وانهم قتلوا منهم مع ذلك مقتله عظيمة ثم ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا فقام عمر على المنبر وقرئ الكتاب بين يديه ثم قال عمر ان الله بعث محمدا بالهدى ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة فقال هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فالحمد لله الذي انجز وعده ونصر جنده الا وان الله قد اهلك ملك المجوسية فرق شملهم فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم الا وان الله قد اورثكم ارضهم وديارهم واموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون فقوموا في امره على وجل يوف لكم بعهده ويؤتكم وعده ولا تغيروا يستبدل قوما غيركم فاني لا اخاف على هذه الامة ان تؤتى إلا من قبلكم
وقال شيخنا ابو عبد الله الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة اعني سنة ثنتين وعشرين وفيها فتحت اذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة قاله ابن اسحاق فيقال انه صالحهم على ثمانمائة الف درهم وقال ابو عبيدة فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة ومعه اهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد والله أعلم وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة بعدما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة وكانوا نقضوا ايضا عهد سعد وكان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة فكتب عمر ان الغيمة لمن شهد الوقعة قال ابو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة ولم تكن فتحت قبل ذلك واليها انتهى فتوح حذيفة قال ويقال افتتحها جرير بن عبدالله بأمر المغيرة ويقال افتتحها المغيرة سنة اربع وعشرين وفيا افتتحت جرجان قال خليفة وفيها افتتح عمرو بن العاص
طرابلس المغرب ويقال في السنة التي بعدها قلت وفي هذا كله غرابة لنسبته الى ما سلف والله اعلم قال شيخنا وفيها توفي ابي بن كعب في قول الواقدي وابن نمير والذهلي والترمذي وقد تقدم في سنة تسع عشرة ومعضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان ولا صحبه له
*2* ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب
@ قال الواقدي وابو معشر فيها كان فتح اصطخر وهمذان وقال سيف كان فتحها بعد فتح توج الآخرة ثم ذكر ان الذي افتتح توج مجاشع بن مسعود بعد ما قتل من الفرس مقتله عظيمة وغنم منهم عنائم جمة ثم ضرب الجزية على اهلها وعقد لهم الذمة ثم بعث بالفتح وخمس الغنائم الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم ذكر ان عثمان بن ابي العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها ثم افتتح المسلمون اصطخر وهذه المرة الثانية وكان اهلها قد نقضوا العهد بعدما كان جند العلاء بن الحضرمي افتتحوها حين جاز في البحر من ارض البحرين والتقوا هم والفرس في مكان يقل له طاوس كما تقدم بسط ذلك في موضعه ثم صالحه الهربد على الجزية وان يضرب لهم الذمة ثم بعث بالأخماس والبشارة الى عمر قال ابن جرير وكانت الرسل لها جوائز وتقضي لهم حوائج كما كان رسول الله ص يعاملهم بذلك ثم ان شهرك خلع العهد ونقض الذمة ونشط الفرس فنقضوا فبعث اليهم عثمان بن أبي العاص ابنه وأخاه الحكم فاقتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين وقتل الحكم بن ابي العاص شهرك وقتل ابنه معه ايضا وقال ابو معشر كانت فارس الاولى واصطخر الآخرة سنة ثمان وعشرين في امارة عثمان وكانت فارس الآخرة ووقعه جور في سنة تسع وعشرين
*3* فتح فسا ودار ابجرد وقصة سارية بن زنيم
@ ذكر سيف عن مشايخه ان سارية بن زنيم قصد فسا ودارأبجرد فاجتمع له جموع من الفرس والأكراد عظيمة ودهم المسلمين منهم أمر عظيم وجمع كثير فراى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم وعددهم في وقت من النهار وانهم في صحراء وهناك جبل ان اسندوا اليه لم يؤتوا الا من وجه واحد فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها خرج إلى الناس وصعد المنبر فخطب الناس واخبرهم بصفة مارأى ثم قال ياسارية الجبل الجبل ثم اقبل عليهم وقال ان لله جنودا ولعل بعضها ان يبلغهم قال ففعلوا ما قال عمر فنصرهم الله على عدوهم وفتحوا البلد وذكر سيف في رواية اخرى عن شيوخه ان عمر بينهما هو يخطب يوم الجمعة اذ قال ياسارية بن زنيم الجبل الجبل فلجأ المسلمون الى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم الا من جهة واحدة
فأظفرهم الله بهم وفتحوا البلد وغنموا شيئا كثيرا فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر فلما وصل اليه ما الاخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم فلما رآه عمر قال له اجلس ولم يعرفه فجلس الرجل فأكل مع الناس فلما فرغوا انطلق عمر الى منزله واتبعه الرجل فاستأذن فاذن له واذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح فقال ادن فكل قال فجلست فجعل يقول لامرأته ألا تخرجين ياهذه فتأكلين فقالت إني اسمع حس رجل عندك فقال أوماترضين ان يقال ام كلثوم بنت عمر على وامرأة عمر فقالت ما أقل غناء ذلك عني ثم قال للرجل ادن فكل فلوكانت راضية لكان اطيب مما ترى فـأكلا فلما فرغا قال أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين فقال مرحبا وأهلا ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته ثم سأله عن المسلمين ثم سأله عن سارية بن زنيم فأخبره ثم ذكرله شأن السفط من الجوهر فابى ان يقبله وامر برده الى الجند وقد سأل قال نعم سمعنا قائلا يقول يا سارية الجبل وقد كدنا نهلك فلجأنا اليه ففتح الله اهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم فسألوه هل سمعوا صوتا يوم الوقعة الوقعة ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا وقال عبد الله بن وهب عن يحيى بن ايوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر ان عمر وجه جيشا ورأس عليهم رجلا يقال له سارية قال فبينما عمر يخطب فجعل ينادي ياساري الجبل ياساري الجبل ثلاثا ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك اذا سمعنا مناديا ياسارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله قال فقيل لعمر انك كنت تصيح بذلك وهذا إسناد جيد حسن
وقال الواقدي حدثني نافع بن ابي نعيم عن نافع مولى ابن عمر ان عمر قال على المنبر ياسارية ابن زنيم الجبل فلم يدر الناس مايقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر فقال يا امير المؤمنين كنا محاصرىي العدو فكنا نقيم الأيام لايخرج علينا منهم احد نحن في خفض من الأرض وهم في حصن عال فسمعت صائحا ينادي بكذا وكذا ياسارية بن زنيم الجبل فعلوت بأصحابي الجبل فما كان إلا ساعة حتى فتح الله علينا وقد رواه الحافظ ابو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه وفي صحته من حديث مالك نظر وقال الواقدي حدثني اسامة بن زيد عن اسلم عن ابيه وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة الى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح ياسارية بن زنيم الجبل ياسارية بن زنيم الحبل ظلم من استرعى الذئب الغنم ثم خطب حتى فرغ فجاء كتاب سارية الى عمر ان الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر قال سارية فسمعت صوتا
يا سارية بن زنيم الجبل ياسارية بن زنيم الجبل ظلم من استرعى الذئب الغنم فعلوت باصحابي الجبل ونحن قبل ذلك في بطن واد ونحن محاصروا العدو ففتح الله علينا فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام فقال والله ما القيت له إلابشيء القى علي لساني فهذه طرق يشد بعضها بعضا
ثم ذكر ابن جرير طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي وأمده عبدالله ابن عبد الله بن عتبان وقيل على يدي عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو بعد قتال شديد وكانت ثغورها متسعة وبلادها متنائية مابين السند الى نهر بلخ وكانوا يقاتلون القند هار والترك من ثغورها وفروجها وذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو وأمده بشهاب بن المخارق بن شهاب وسهيل بن عدي وعبد الله بن عبد الله واقتتلوا مع ملك السند فهزم الله جموع السند وغنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة وكتب الحكم ابن عمرو بالفتح وبعث بالاخماس مع صحار العبدي فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال يا أمير المؤمنين ارض سهلها جبل وماؤها وشل وثمرها دقل وعدوها بطل وخيرها قليل وشرها طويل والكثير بها قليل والقليل بها ضائع وماوراءها شر منها فقال عمر اسجاع انت ام مخبر فقال لا بل مخبر فكتب عمر الى الحكم بن عمرو وأن لايغزو بعد ذلك مكران وليقتصروا على مادون النهر وقد قال الحكم بن عمر في ذلك
لقد شبع الأرامل غير فخر * بقيء جاءهم من مكران
اتاهم بعد مسغبة وجهد * وقد صفر الشتاء من الدخان
فإنى لا يذم الجيش فعلى * ولاسيفى يذم ولا لساني
غداة أدافع الاوباش دفعا * الى السند العريضة والمداني
ومهران لنا فيما اردنا * مطيع غير مسترخي العناني
فلولا ما نهى عنه اميري * قطعناه الى البدد الزواني
غزة الأكراد
ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه ان جماعة من الأكراد والتف اليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم ابو موسى بمكان من ارض بيروذقريب من نهر تيرى ثم سار عنهم ابو موسى الى اصبهان وقد استخلف على حربهم الربيع بن زناد بعد مقتل اخيه المهاجر بن زياد فتسلم الحرب وحنق عليهم فهزم الله العدو وله الحمد والمنه كما هي عادته المستمرة وسننه المستقره في عباده المؤمنين وحزبه المفلحين من اتباع سيد المرسلين ثم خمست الغنيمة وبعث بالفتح والخمس
الى عمر رضي الله عنه وقد سار ضبه بن محصن العنزي فاشتكى ابا موسى الى عمر وذكر عنه امورا لاينقم عليه بسببها فاستدعاه عمر فسأله عنها فاعتذر منها بوجوه مقبوله فسمعها عمرو وقبلها ورده الى عمله وعذر ضبه فيما تأوله ومات عمر وابو موسى على صلاة البصرة
*3* خبر سلمة بن قيس الأشجعي والأكراد
@ بعثه عمر على سرية ووصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم اغزوا بسم الله قاتلوا من كفر بالله الحديث الى آخره فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم الى احدى ثلاث خلال فأبوا ان يقبلوا واحدة منها فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم وغنموا اموالهم ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح وبالغنائم فذكروا وروده على عمر وهو يطعم الناس وذهابه معه الى منزله كنحو ما تقدم من قصة ام كلثوم بنت علي وطلبها الكسوة كما يكسى طلحة وغيرة أزواجهم فقال الا يكفيك ان يقال بنت علي وأمرأة امير المؤمنين ثم ذكر طعامه الخشن وشرابه من سلت ثم شرع يستعمله عن أخبارالمهاجرين وكيف طعامهم واشعارهم وهل يأكلون اللحم الذي هو شجرتهم ولا بقاء للعرب دونه شجرتهم وذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر فابى ان ياخذه واقسم على ذلك وامره بأن يرده فيقسم بين الغنمين وقد اورده ابن جرير مطولا جدا
وقال ابن جرير وفي هذه السنة حج عمر بازواج النبي ص وهي آخر حجة حجها رضي الله عنه قال وهي هذه السنة كانت وفاته ثم ذكر صفة قتله مطولا ايضا وقد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر فليكتب من هناك الى هنا
وهو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبدالعزي بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزاربن معد بن عدنان القرشي ابو حفص العدوي الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك اهل الكتاب وامه خنتمه بنت هشام اخت ابي حهل بن هشام اسلم عمر وعمره سبع وعشرين سنة وشهد بدرا واحدا والمشاهد كلها مع النبي ص وخرج في عدة سرايا وكان اميرا على بعضها وهو اول من دعىامير المؤمنين وأول من كتب التاريخ وجمع الناس على التراويح وأول من عس بالمدينة وحمل الدرة وادب بها وجلد في الخمر ثمانين وفتح الفتوح ومصر الأمصار وجند الأنجاد ووضع الخراج ودون الدواوين وعرض الأعطية واستقضى القضاه وكور الكور مثل السواد والآهواز والجبال وفارس وغيرها وفتح الشام كله ولجزيرة والموصل
وميافارقين وارمينية ومصر واسكندرية ومات عساكره على بلاد الرى فتح من الشام اليرموك وبصرى ودمشق والاردن وبيسان وطبرية والجابية وفلسطين والرملة وعسقلان وغزة والسواحل والقدس وفتح مصر واسكندرية وطرابلس الغرب وبرقة ومن مدن الشام بعلبك وحمص وقنسرين وحلب وانطاكية وفتح الجزيرة وحران والرها والرقة ونصيبين وراس عين وشمشاط وعين وردة وديار بكر وديار ربيعة وبلاد الموصل وارمينية جميعها وبالعراق القادسية والحيرة ونهرسير وساباط ومدائن كسرى وكورة الفرات ودجلة والابلة والبصرة والاهواز وفارس ونهاوند وهمذان والري وقومس وخراسان واصطخر واصبهان والسوس ومرو ونيسابور وجرجان واذربيجان وغير ذلك وقطعت جيوشه النهر مرارا وكان متواضعا في الله خشن العيش خشن المطعم شديدا في ذات الله يرقع الثوب بالاديم ويحمل القربة على كتفه مع عظم هيبته ويركب الحمار عريا والبعير مخطوما بالليف وكان قليل الضحك لا يمازح احدا وكان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر
وقال النبي صلى الله عليه وسلم اشد امتي في دين الله عمر وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان لي وزيرين من اهل السماء ووزيرين من اهل الارض فوزيراي من اهل السماء جبريل وميكائيل ووزيراي من اهل الارض ابو بكر وعمر وانهما السمع والبصر وعن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الشيطان يفرق من عمر وقال ارحم امتى ابو بكر واشدها في دين الله عمر وقيل لعمر انك قضاء فقال الحمد لله الذي ملأ قلبي لهم رحما وملأ قلوبهم لي رعبا وقال عمر لا يحل لي من مال الله الا حلتان حلة للشتاء وحلة للصيف وقوت اهلي كرجل من قريش ليس باغناهم ثم انا رجل من المسلمين وكان عمر اذا استعمل عاملا كتب له عهدا واشهد عليه رهطا من المهاجرين واشترط عليه ان لا يركب برذونا ولا ياكل نقيا ولا يلبس رقيقا ولا يغلق بابه دون ذوى الحاجات فان فعل شيئا من ذلك حملت عليه العقوبة وقيل انه كان اذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة والكلمتين فيقول عمر احبس هذه احبس هذه فيقول الرجل والله كلما حدثتك به حق غير ما امرتني ان احبسه
وقال معاوية بن ابي سفيان اما ابو بكر فلم يرد الدنيا واما عمر فارادته فلم يردها واما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن وعوتب عمر فقيل له لو اكلت طعاما طيبا كان اقوى لك على الحق فقال اني تركت صاحبي على جادة فان أدركت جادتهما فلم ادركهما في المنزل وكان يلبس وهو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بادم ويطوف بالاسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس واذا مر بالنوى وغيره يلتقطه ويرمي به في منازل الناس ينتفعون به
قال انس كان بين كتفي عمر اربع رقاع وازاره بادم وخطب على المنبر وعليه ازار


فيه اثنى عشر رقعة وانفق في حجته ستة عشر دينارا وقال لابنه قد اسرفنا وكان لا يستظل بشيء غير انه كان يلقي كساءه على الشجرة ويستظل تحته وليس له خيمة ولا فسطاط ولما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل اورق تلوح صلعته للشمس ليس عليه قلنسوة ولا عمامه قد طبق رجليه بين شعبي الرحل بلا ركاب ووطاؤه كبش صوف وهو فراشه اذا نزل وحقيبته محشوة ليفا وهي وسادته اذا نام وعليه قميص من كرابيس قد رسم وتخرق جيبه فلما نزل قال ادعوا لي راس القرية فدعوه فقال اغسلوا قميصي وخيطوه واعيروني قميصا فاتى بقميص كتان فقال ما هذا فقيل كتان فقال فما الكتان فاخبروه فنزع قميصه فغسلوه وخاطوه ثم لبسه فقال له انت ملك العرب وهذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الابل فاتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج ولا رحل فلما سار جعل البرذون يهملج به فقال لمن معه احبسوا ما كنت اظن الناس يركبون الشياطين هاتوا جملي ثم نزل وركب الجمل
وعن انس قال كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول بينى وبينه جدار الحائط عمر بن الخطاب امير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله بني الخطاب او ليعذبنك وقيل انه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال ان نفسي اعجبتني فاردت ان اذلها وكان يصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر وما مات حتى سرد الصوم وكان في عام الرمادة لا ياكل الا الخبز والزيت حتى اسود جلده ويقول بئس الوالي ان شبعت والناس جياع وكان في وجهه خطان اسودان من البكاء وكان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا الى منزله فيعاد اياما ليس به مرض الا الخوف وقال طلحة بن عبدالله خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما اصبحت ذهبت الى ذلك البيت فاذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها ما بال هذا الرجل ياتيكي فقالت انه يتعاهدني مدة كذا وكذا ياتيني بما يصلحنى ويخرج عنى الاذى فقلت لنفسي ثكلتك امك يا طلحة اعثرات عمر تتبع
وقال اسلم مولى عمر قدم المدينة رفقة من تجار فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف هل لك ان نحرسهم الليلة قال نعم فباتا يحرسانهم ويصليان فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لامه اتق الله تعالى واحسني الى صبيك ثم عاد الى مكانه فسمع بكاءه فعاد الى امه فقال لها مثل ذلك ثم عاد مكانه فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبي فاتى الى امه فقال لها ويحك انك ام سوء مالى ارى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء فقالت يا عبدالله ان اشغله عن الطعام فيابى ذلك قال ولم قالت لان عمر لا يفرض الا للمفطوم قال وكم عمر ابنك هذا قالت كذا وكذا شهرا فقال ويحك لا تعجليه عن الفطام فلما صلى الصبح وهو لا يستبين للناس
قراءته من البكاء قال بؤسا لعمر كم قتل من اولاد المسلمين ثم امر مناديه فنادى لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فانا نفرض لكل مولود فيى الاسلام وكتب بذلك الى الافاق
وقال اسلم خرجت ليلة مع عمر الى ظاهر المدينة فلاح لنا بيت شعر فقصدناه فاذا فيه امرأة تمخض وتبكي فسالها عمر عن حالها فقالت انا امرأة عربية وليس عندي شىء فبكى عمر وعاد يهرول الى بيته فقال لامرأته ام كلثوم بنت علي بن ابي طالب هل لك في اجر ساقه الله اليك واخبرها الخبر فقالت نعم فحمل على ظهره دقيقا وشحما وحملت ام كلثوم ما يصلح للولادة وجاءا فدخلت ام كلثوم على المرأة وجلس عمر مع زوجها وهو لا يعرفه يتحدث فوضعت المراة غلاما فقالت ام كلثوم يا امير المؤمنين بشر صاحبك بغلام فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك واخذ يعتذر إلى عمر فقال عمر لا باس عليك ثم اوصلهم بنفقة وما يصلحهم وانصرف
وقال اسلم خرجت ليلة مع عمر الى حرة واقم حتى اذا كنا بصرار اذا بنار فقال يا اسلم ههنا ركب قد قصر بهم الليل انطلق بنا اليهم فاتيناهم فاذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يتضاغون فقال عمر السلام عليكم يا اصحاب الضوء قالت وعليك السلام قال ادنو قالت ادن أودع فدنا فقال ما بالكم قالت قصر بنا الليل والبرد قال فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون قالت من الجوع فقال واي شىء على النار قالت ماء اعللهم به حتى يناموا الله بيننا وبين عمر فبكى عمر ورجع يهرول الى دار الدقيق فاخرج عدلا من دقيق وجراب شحم وقال يا اسلم احمله على ظهري فقلت انا احمله عنك فقال انت تحمل وزري يوم القيامة فحمله على ظهره وانطلقنا الى المراة فالقى عن ظهره واخرج من الدقيق في القدر والقى عليه من الشحم وجعل ينفخ تحت القدر والدخان يتخلل لحيته ساعة ثم انزلها عن النار وقال ايتني بصحفة فاتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان وقال كلوا فأكلوا حتى شبعوا والمرأة تدعوا له وهى لا تعرفه فلم يزل عندهم حتى نام الضغار ثم اوصلهم بنفقة وانصرف ثم اقبل على فقال يا اسلم الجوع الذي اسهرهم وابكاهم
وقيل ان علي بن ابي طالب رضى الله عنه راى عمر وهو يعدو الى ظاهر المدينة فقال له الى اين يا امير المؤمنين فقال قد ند بعير من ابل الصدقة فانا اطلبه فقال قد اتعبت الخلفاء من بعدك وقيل انه راى جارية تتمايل من الجوع فقال من هذه فقالت ابنة عبدالله هذه ابنتي قال فما بالها فقالت انك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى فقال يا عبدالله بيني وبينكم كتاب الله والله اعطيكم إلا ما فرض الله لكم اتريدون منى ان اعطيكم ما ليس لكم
فاعود خائنا روى ذلك عن الزهري
وقال الواقدي حدثنا ابو حمزة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن ابراهيم عن ابي عمر قال قلت لعائشة من سمى عمر الفاروق امير المؤمنين قالت النبي صلى الله عليه وسلم قال امير المؤمنين هو واول من حياه بها المغيرة بن شعبة وقيل غيره والله اعلم
وقال ابن جرير حدثني احمد بن عبدالصمد الانصاري حدثتني ام عمر وبنت حسان الكوفية وكان قد اتى عليها مائة وثلاثون سنه عن ابيها قال لما ولي عمر قالوا يا خليفة خليفة رسول الله فقال عمر هذا امر يطول بل انتم المؤمنون وانا اميركم فسمي امير المؤمنين
وملخص ذلك ان رضى الله عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث وعشرين ونزل بالأبطح دعا الله عز وجل وشكا اليه انه قد كبرت سنه وضعفت قوته وانتشرت رعيته وخاف من التقصير وسال الله ان يقبضه اليه وان يمن عليه بالشهادة في بلد النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه في الصحيح انه كان يقول اللهم اني اسالك شهادة في سبيلك وموتا في بلد رسولك فاستجاب له الله هذا الدعاء وجمع له بين هذين الامرين الشهادة في المدينة النبوية وهذا عزيز جدا ولكن الله لطيف بمن يشاء تبارك وتعالى فاتفق له ان ضربه ابو لؤلؤة فيروز المجوسي الاصل الرومي الدار وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الصبح من يوم الاربعاء لاربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين فضربه ثلاث ضربات وقيل ست ضربات احداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته واستخلف عبدالرحمن بن عوف ورجع العلج بخنجره لا يمر باحد الا ضربه حتى ضرب ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة فألقى عليه عبدالله بن عوف برنسا فانتحر نفسه لعنه الله وحمل عمر الى منزله والدم يسيل من جرحه وذلك قبل طلوع الشمس فجعل يفيق ثم يغمى عليه ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول نعم ولاحظ في الاسلام لمن تركها ثم صلى في الوقت ثم سال عمن قتله من هو فقالوا له ابو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الايمان ولم يسجد لله سجدة ثم قال قبحه الله لقد كنا امرنا به معروفا وكان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر ان يزيد في خراجه فانه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه الى مائة في كل شهر وقال له لقد بلغني انك تحسن ان تعمل رحا تدور بالهواء فقال ابو لؤلؤة اماوالله لاعملن لك رحا يتحدث عنها الناس فيس المشارق والمغارب وكان هذا يوم الثلاثاء عشية وطعنه صبيحة الاربعاء لاربع بقين من ذى الحجةواوصى عمر ان يكون الامر شورى بعده في ستة ممن توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم وهم عثمان وعلي وطلحة والزبير
وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن ابي وقاص ولم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوى فيهم لكونه من قبيلته خشية ان يراعى في الامارة بسببه واوصى من يستخلف بعده بالناس خيرا على طبقاتهم ومراتبهم ومات رضى الله عنه بعد ثلاث ودفن يوم الاحد مستهل المحرم من سنة اربع وعشرين بالحجرة النبوية الى جانب الصديق عن اذن ام المؤمنين عائشة رضى الله عنها في ذلك وفي ذلك اليوم حكم امير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه
قال الواقدي رحمه الله حدثني ابو بكر بن اسماعيل بن محمد بن سعد عن ابيه قال طعن عمر يوم الاربعاء لاربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين ودفن يوم الاحد صباح هلال المحرم سنة اربع وعشرين فكانت ولايته عشر سنين وخمسة اشهر واحدا وعشرين يوما وبويع لعثمان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم قال فذكرت ذلك لعثمان الاخنس فقال ما اراك الا وهلت توفي عمر لاربع ليال بقين من ذي الحجة وبويع لعثمان لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل بخلافته المحرم سنة اربع وعشرين وقال ابو معشر قتل عمر لاربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث وعشرين وكانت خلافته عشر سنين وستة اشهر واربعة ايام وبويع عثمان ابن عفان
وقال ابن جرير حدثت عن هشام بن محمد قال قتل عمر لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته عشر سنين وستة اشهر واربعة ايام وقال سيف عن خليد بن وفرة ومجالد قالا استخلف عثمان لثلاث من المحرم فخرج فصلى بالناس صلاة العصر وقال علي بن محمد المدائني عن شريك عن الاعمش او جابر الجعفى عن عوف بن مالك الاشجعي وعامر بن ابي محمد عن اشياخ من قومه وعثمان بن عبدالرحمن عن الزهري قال طعن عمر يوم الاربعاء لسبع بقين من ذي الحجة والقول الاول هو الاشهر والله سبحانه وتعالى اعلم
*3* صفته رضي الله عنه
@ كان رجلا طوالا اصلع اعسر أيسر احور العينين آدم اللون وقيل كان ابيض شديد البياض تعلوه حمرة اشنب الاسنان وكان يصفر لحيته ويرجل راسه بالحناء
واختلف في مقدار سنه يوم مات رضى الله عنه على اقوال عدتها عشرة فقال ابن جرير حدثنا زيد بن احزم ابو قتيبة عن جرير بن حازم عن ايوب عن نافع عن ابن عمر قال قتل عمر ابن الخطاب وهو ابن خمس وخمسين سنة ورواه الدرواردى عن عبدالله عن نافع عن ابن عمر وقاله عبدالرزاق عن ابن جريج عن الزهري ورواه احمد بن هشيم عن علي بن زيد عن سالم بن عبدالله ابن عمر وعن نافع رواية اخرى ست وخمسون سنة قال ابن جرير وقال آخرون كان عمره ثلاث وخمسين سنة حدثت بذلك عن هشام بن محمد ثم روى عن عامر الشعبي انه توفي وله ثلاث وستون سنة
قلت وقد تقدم في عمر الصديق مثله وروى عن قتادة انه قال توفى عمر وهو ابن احدى وستين سنة وعن ابن عمر والزهري خمس وستون وعن ابن عباس ست وستون وروى ابن جرير عن اسلم مولى عمر انه قال توفي وهو ابن ستين سنة قال الواقدي وهذا اثبت الاقاويل عندنا وقال المدائني توفي عمر وهو ابن سبع وخمسين سنة
*3* ذكر زوجاته وابنائه وبناته
@ قال الواقدي وابن الكلبي وغيرهما تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون اخت عثمان ابن مظعون فولدت له عبدالله وعبدالرحمن الاكبر وحفصة رضى الله عنهم وتزوج مليكة بنت جرول فولدت له عبيد الله فطلقها في الهدنة فخلف عليها ابو الجهم بن حذيفة قاله المدائني
وقال الواقدي هي ام كلثوم بنت جرول فولدت له عبيد الله وزيدا الاصغر قاله المدائني وتزوج قريبة بنت ابي امية المخزومي ففارقها في الهدنة فتزوجها بعده عبدالرحمن بن ابي بكر
قالوا وتزوج ام حكيم بنت الحارث بن هشام بعد زوجها حين قتل في الشام فولدت له فاطمة ثم طلقها قال المدائني وقيل لم يطلقها قالوا تزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت بن ابي الافلح من الاوس وتزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وكانت قبله عند عبدالله بن ابي مليكة ولما قتل عمر تزوجها بعده الزبير بن العوام رضى الله عنهم ويقال هى ام ابنه عياض فالله اعلم قال المدائني وكان قد خطب ام كلثوم ابنة ابي بكر الصديق وهى صغيرة وارسل فيها عائشة فقالت ام كلثوم لا حاجة لي فيه فقالت عائشة اترغبين عن امير المؤمنين قالت نعم انه خشن العيش فارسلت عائشة الى عمرو بن العاص فصده عنها ودله على ام كلثوم بنت علي بن ابي طالب ومن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال تعلق منها بسبب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبها من علي فزوجه اياها فاصدقها عمر رضي الله عنه اربعين الفا فولدت له زيدا ورقية قالوا وتزوج لهية امرأة من اليمن فولدت له عبدالرحمن الاصغر وقيل الاوسط وقال الواقدي هي ام ولد وليست زوجة قالوا وكانت عنده فكيهة ام ولد فولدت له زينب قال الواقدي وهي اصغر ولده قال الواقدي وخطب ام ابان بنت عتبة بن شيبة فكرهته وقالت يغلق بابه ويمنع خيره ويدخل عابسا ويخرج عابسا
قلت فجملة اولاده رضى الله عنه وارضاه ثلاثة عشر ولدا وهم زيد الاكبر وزيد الاصغر وعاصم وعبدالله وعبدالرحمن الاكبر وعبدالرحمن الاوسط قال الزبير بن بكار وهو
ابو شحمة وعبدالرحمن الاصغر وعبيدالله وعياض وحفصة ورقية وزينب وفاطمة رضى الله عنهم ومجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية والاسلام ممن طلقهن او مات عنهن سبع وهن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الافلح وزينب بنت مظعون وعاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل وقريبة بنت ابي امية ومليكة بنت جرول وام حكيم بنت الحارث بن هشام وام كلثوم بنت علي بن ابي طالب وام كلثوم اخرى وهي مليكة بنت جرول وكانت له امتان له منهما اولاد هما فكيهة ولهية وقد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم كانت ام ولد وقال بعضهم كان اصلها من اليمن وتزوجها امير المؤمنين عمر بن الخطاب فالله اعلم
*3* ذكر بعض ما رثى به
@ قال علي بن محمد المدائني عن ابن داب وسعيد بن خالد عن صالح بن كيسان عن المغيرة ابن شعبة قال لما مات عمر بكته ابنة ابي خيثمة فقالت واعمراه اقام الاود وابر العهد امات الفتن واحيا السنن خرج نقي الثوب بريا من العيب
قال فقال علي بن ابي طالب والله لقد صدقت ذهب بخيرها ونجا من شرها اما والله ماقالت ولكن قولت وقالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل في زوجها عمر
فجعنى فيروز لا در دره * بابيض تال للكتاب منيب
رؤف على الادنى غليظ على العدى * اخى ثقة في النائبات نجيب
متى ما يقل لا يكذب القول فعله * سريع الى الخيرات غير معطوب
وقالت ايضا * عين جودى بعبرة ونحيب
لا تملى على الامام النجيب
فجعتنا المنون بالفارس العي * لم يوم الهياج والتلبيب
عصمة الناس والمعين على الدهر * ر وغيث المنتاب والمحروب
قل لاهل السراء والبؤس موتوا * وقد سقته المنون كاس سغوب
وقالت امرأة من المسلمين تبكيه * سيبكيك نساء الحى
يبكين شجيات
ويخمشن وجوها كالدنانير نقيات
ويلبسن ثياب الحز * ن بعد القصيبات
وقد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب وكذلك اطال ابن الجوزي في سيرته
وشيخنا الحافظ ابو عبدالله الذهبي في تاريخه وقد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد افردنا لما اسنده وروى عنه من من الاحكام مجلدا اخر كبيرا مرتبا على ابواب الفقه ولله الحمد
قال ابن جرير وفي هذه السنة توفي قتادة بن النعمان وفيها غزا معاوية معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية ومعه من الصحابة عبادة بن الصامت وابو ايوب وابو ذر وشداد بن اوس وفيها فتح معاوية عسقلان صلحا قال وفيها كان على قضاء الكوفة شريح وعلى قضاء البصرة كعب بن سوار قال واما مصعب الزبيري فانه ذكر ان مالكا روى عن الزهري ان ابا بكر وعمر لم يكن لهما قاض وقال شيخنا ابو عبدالله الذهبي في تاريخه في سنة ثلاث وعشرين فيها كانت قصة سارية بن زنيم وفيها فتحت كرمان واميرها سهيل بن عدي وفيها فتحت سجستان واميرها عاصم بن عمرو وفيها فتحت مكران واميرها الحكم بن ابي العاص اخو عثمان وهى من بلاد الجبل وفيها رجع ابو موسى الاشعري من بلاد اصبهان وقد افتتح بلادها وفيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمورية ثم ذكر وفاة من مات فيها فمنهم قتادة بن النعمان الانصاري الاوسي الظفري اخو ابي سعيد الخدري لامه وقتادة اكبر منه شهد بدرا واصيبت عينه في يوم احد حتى وقعت على خده فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت احسن عينيه وكان من الرماة المذكورين وكان على مقدمة عمر حين قدم الى الشام توفي في هذه السنة على المشهور عن خمس وستين سنة ونزل عمر في قبره وقيل انه توفى في التي قبلها ثم ذكر ترجمة عمر بن الخطاب فاطال فيها واكثر واطنب واتى بمقاصد كثيرة مهمة وفوائد جمة واشياء حسنة فاثابه الله الجنة ثم قال ذكر من توفى في خلافة عمر بن الخطاب رضى الله عنه
*3* الاقرع بن حابس
@ ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي قال ابن دريد واسمه فراس بن حابس ولقب بالاقرع لقرع في رأسه وكان احد الرؤساء قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد بنى تميم وهو الذي نادى من وراء الحجرات يا محمد ان مدحي زين وذمي شين وهو القائل وقد راى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن اتقبله والله ان لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم فقال من لا يرحم لا يرحم وفي رواية ما املك ان نزع الله الرحمة من قلبك وكان ممن تالفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعطاه يوم حنين مائة من الابل وكذلك لعيينة بن حصن الفزاري واعطى عباس بن مرداس خمسين من الابل فقال
اتجعل نهبي ونهب العبي * د بين عيينة والاقرع
فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرىء منهما * ومن يخفض اليوم لا يرفع
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انت القائل
اتجعل نهبي ونهب العبي * د بين عيينة والاقرع
ورواه البخاري قال السهلي انما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الاقرع قبل عيينة لان الاقرع كان خيرا من عيينة ولهذا لم يرتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما ارتد عيينة فبايع طليحة وصدقه ثم عاد والمقصود ان الاقرع كان سيدا مطاعا وشهد مع خالد وقائعه بارض العراق وكان على مقدمته يوم الانبار ذكره شيخنا فيمن توفى في خلافة عمر بن الخطاب والذي ذكره ابن الاثير في الغابة انه استعمله عبدالله بن عامر على جيش وسيره الى الجوزجان فقتل وقتلوا جميعا وذلك في خلافة عثمان كما سياتى ان شاء الله تعالى
*3* حباب من المنذر
@ ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة ابو عمر ويقال ابو عمرو الانصاري الخزرجي السلمي ويقال له ذو الراي لانه اشار يوم بدر ان ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ادني ماء يكون الى القوم وان يغور ما وراءهم من القلب فاصاب في هذا الراى ونزل الملك بتصديقه واما قوله يوم السقيفة انا جذيلها المحكك ومزيجها المرجب منا امير ومنكم امير فقد رده عليه الصديق والصحابة
*3* ربيعة بن الحارث بن عبدالمطلب
@ عتبة بن مسعود الهذلي هاجر مع اخيه لابويه عبدالله الى الحبشة شهد احدا وما بعدها قال الزهري ما كان عبدالله بافقه منه ولكن مات عتبة قبله وتوفي زمن عمر على الصحيح ويقال في زمن معاوية سنة اربع واربعين
*3* علقمة بن علاثة
@ ابن عوف بن الاحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي اسلم عام الفتح وشهد حنينا واعطى يومئذ مائة من الابل تاليفا لقلبة وكان يكون بتهامة وكان شريفا مطاعا في قومه وقد ارتد ايام الصديق فبعث اليه سرية فانهزم ثم اسلم وحسن اسلامه ووفد على عمر في خلافته وقدم دمشق في طلب ميراث له ثم ويقال استعمله عمر على حوران فمات بها وقد كان الحطيئة قصده ليمتدحه فمات قبل مقدمه بليل فقال
فما كان بيني لو لقيتك سالما * وبين الغنى الا ليال قلائل
*3* علقمة بن مجزز
@ ابن الاعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي فأجج نارا وأمر أصحابه أن يدخلوا فيها فامتنعوا فقال النبي صلى الله احد امراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض السرايا وكانت فيه دعابة منها وقال انما الطاعة في المعروف وقد كان علقمة جوادا ممدحا رثاه عليه وسلم لو دخلوا فيها ما خرجوا جواس العذرى فقال
ان السلام وحسن كل تحية * تغدو على ابن مجزز وتروح
*3* عويم بن ساعدة
@ ابن عباس ابو عبدالرحمن الانصاري الاوسي احد بنى عمرو بن عوف شهد العقبة وبدرا وما بعدها له حديث عند احمد وابن ماجة في الاستنجاء بالماء قال ابن عبدالبر توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في خلافة عمر وقال وهو واقف على قبره لا يستطيع احد ان يقول انا خير من صاحب هذا القبر ما نصبت راية للنبي صلى الله عليه وسلم الا وهو واقف تحتها وقد روى هذا الاثر ابن ابي عاصم كما اورده ابن الاثير من طريقه
*3* غيلان بن سلمة الثقفي
@ اسلم عام الفتح على عشر نسوة فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يختار منهن اربعا وقد وفد قبل الاسلام على كسرى فامره ان يبنى له قصرا بالطائف وقد سأله كسرى أى ولدك احب اليك قال الصغير حتى يكبر والمريض حتى يبرأ والغائب حتى يقدم فقال له كسرى انى لك هذا هذا كلام الحكماء قال فما غذائك قال البر قال نعم هذا من البر لا من التمر واللبن
*3* معمر بن الحارث
@ ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي اخو حاطب وحطاب امهم قيلة بنت مظعون اخت عثمان بن مظعون اسلم معمر قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الارقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين معاذ بن عفراء
*3* ميسرة بن مسروق العبسي
@ شيخ صالح قيل انه صحابي شهد اليرموك ودخل الروم اميرا على جيش ستة الاف وكانت له همة عالية فقتل وسبي وغنم وذلك في سنة عشرين وروى عن ابي عبيدة وعنه اسلم مولى عمر لم يذكره ابن الاثير في الغابة
*3* واقد بن عبدالله
@ بن عبد مناف بن عرين الحنظلي اليربوعى حليف بني عدي بن كعب اسلم قبل دخول النبي دار الأرقم وشهد بدرا وما بعدها وآخى رسول الله ص بينه وبين بشر من البراء بن معرور وهو اول من قتل في سبيل الله عز وجل ببطن نخلة مع عبد الله بن جحش حين قتل عمرو بن الحضرمي توفي في خلافة عمر رضي الله عنه
*3* ابو خراش الهذلي الشاعر
@ واسمه خويلد بن مرة كان يسبق الخيل على قدميه وكان فتاكا في الجاهلية ثم اسلم وحسن اسلامه وتوفي في زمن عمر اتاه حجاج فذهب يأتيهم بماء فنهشته حية فرجع اليهم بالماء واعطاهم شاة وقدرا ولم يعلمهم بما جرى له فاصبح فمات فدفنوه ذكره ابن عبد البروابن الأثير في اسماء الصحابة والظاهر انه ليست له وفادة وانما اسلم في حياة النبي فهو مخضرم والله أعلم .
*3*أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب ابن عمرو الأنصاري
@ شهد أحدا وما بعدها إلا تبوك فإنه تخلف لعذر الفقر وهو أحد البكائين المذكورين .
*3* سودة بنت زمعة
@ القرشية العامرية ام المؤمنين اول من دخل بها رسول الله ص بعد خديجة رضي الله عنها وكانت صوامة قوامة ويقال كان في خلقها حدة وقد كبرت فأراد رسول الله ص ان يفارقها ويقال بل فارقها فقالت يارسول الله لاتفارقني وانا اجعل يومي لعائشة فتركها رسول الله ص وصالحها على ذلك وفي ذلك انزل الله عز وجل وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير الآية قالت عائشة نزلت في سودة بنت زمعة توفيت في خلافة عمر بن الخطاب
*3* هند بن عتبة
@ يقال ماتت في خلافة عمر وقيل توفيت قبل ذلك كما تقدم فالله اعلم
*2* خلافة امير المؤمنين عثمان بن عفان ثم استهلت سنة اربع وعشرين
@ ففي أول يوم منها دفن امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك يوم الأحد في قول وبعد ثلاث ايام بويع امير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه
كان عمر رضي الله عنه قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر وهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وتحرج ان يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين وقال لا أتحمل امرهم حيا وميتا
وان يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم ص ومن تمام ورعة لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فلذلك تركه وهو احد العشرة المشهود لهم بالجنة بل جاء لأنة ابن عمه خشى أن يراعي فيولي لكونه ابن عمه في رواية المدائني عن شيوخه انه استثناه من بينهم وقال لست مدخلة فيهم وقال لأهل الشورى يحضركم عبد الله يعني ابنه وليس اليه من الأمر شيء يعني بل يحضر الشورى ويشير بالنصح ولا يولى شيئا وأوصى ان يصلي بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة ايام حتى تنقضي الشورى وان يجتمع اهل الشورى ويوكل بهم اناس حتى ينبرم الأمر ووكل بهم خمسين رجلا من المسلمين وجعل عليهم مستحثا ابا طلحة الأنصاري والمقداد بن الأسود الكندي وقد قال عمر بن الخطاب ما اظن الناس يعدلون بعثمان وعلى احدا انهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول الله ص بما ينزل به جبريل عليه قالوا فلما مات عمر رضي الله عنه واحضرت جنازته تبادر اليها على وعثمان ايهما يصلي عليه فقال لهما عبد الرحمن بن عوف لستما من هذا في شيء إنما هذا الى صهيب الذي امره عمر ان يصلي بالناس فتقدم صهيب وصلى عليه نزل في قبره مع ابنه عبد الله اهل الشورى سوى طلحة فانه كان غائبا فلما فرغ من شان عمر جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة وقيل في حجرة عائشة وقيل في بيت المال وقيل في بيت فاطمة بنت قيس اخت الضحاك بن قيس والأول اشبه والله أعلم فجلسوا في البيت وقام ابو طلحة يحجبهم وجاء عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد بن ابي وقاص وطردهما وقال جئتما لتقولا حضرنا امر الشورى رواه المدائني عن مشايخه والله أعلم بصحته
والمقصود ان القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في امرهم فكثر القول وعلت الأصوات وقال ابو طلحة اني كنت اظن ان تدافعوها ولم اكن اظن ان تنافسوها ثم صار الأمر بعد حضور طلحة الى ان فوض ثلاثة منهم مالهم في ذلك الى ثلاثة ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة الى علي وفوض سعد ماله في ذلك الى عبد الرحمن بن عوف وترك طلحة حقه الى عثمان ابن عفان رضي الله عنه فقال عبد الرؤحمن لعلي وعثمان ايكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر اليه والله عليه والاسلام ليولين افضل الرجلين الباقيين فاسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن اني اترك حقي من ذلك والله على الاسلام ان اجتهد فأولي اولا كما بالحق فقالا نعم ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل واخذ عليه العهد والميثاق لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن فقال كل منهما نعم ثم تفرقوا ويروى ان اهل الشورى جعلوا الأمر الى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في افضلهم ليوليه فيذكر انه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى وغيرهم فلا
يشير الا بعثمان بن عفان حتى انه قال يعلى ارايت ان لم اولك بمن تشير به علي قال بعثمان وقال لعثمان ارايت ان لم اولك بمن تشير به قال بعلي بن ابي طالب والظاهر ان هذا كان قبل ان ينحصر الامر في ثلاثة وينخلع عبد الرحمن منها ينظر الأفضل والله عليه والاسلام ليجتهدن في افضل الرجلين فيوليه ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع راي المسلمين برأي رؤس الناس واقيادهم جميعا واشتاتا مثنى وفرادى ومجتمعين سرا وجهرا حتى خلص الى النساء المخدرات في حجابهن وحتى سال الولدان في المكاتب وحتى سأل من يرد بمن الركبان والاعراب الى المدينة في مدة ثلاثة ايام بلياليها فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان الا ما ينقل عن عمار والمقداد انهما اشارا بعلي بن ابي طالب ثم بايعا مع الناس علي ما سنذكره فعسى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة ايام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم الا صلاة ودعاءا واستخارة وسؤالا من ذوي الراي عنهم فلم يجدا احدا يعدل بعثمان بن عفان رضي الله عنه فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء الى منزل ابن اخته المسور بن مخرمة وعثمان قال المسور فقلت بأيهما ابدأ فقال بأيهما شئت قال فذهبت الى علي فقلت ا فقال انائم يا مسور والله لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث أذهب فأدع إلى عليا أجب خالي فقال امرك ان تدعو معي احدا قلت نعم قال من قلت عثمان بن عفان قال بأينا بدا قلت لم يأمرني بذلك بل قال ادعو لي ايهما شئت اولا فجئت اليك قال فخرج معي فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس علي حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر فقال لي كما قال لي علي سواء ثم خرج فدخلت بهما على خالي وهو قائم يصلي فلما انصرف اقبل علي علي وعثمان فقال اني قد سألت الناس عنكما فلم اجد احدا يعدل بكما احدا ثم اخذ العهد على كل منهما ايضا لئن ولاه ليعدلن ولئن ولي عليه ليسمعن وليطيعن ثم خرج بهما الى المسجد وقد لبس عبد الرحمن العمامة التي عمه رسول الله ص وتقلد سيفا وبعث الى وجوه الناس من المهاجرين والانصار ونودي في الناس عامة الصلاة جامعة فامتلأ المسجد حتى غص بالناس وتراص الناس وتراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس الا في اخريات الناس وكان رجلا حييا رضي الله عنه ثم صعد عبدالرحمن بن عوف منبر رسول الله ص فوقف وقوفا طويلا ودعا دعاء طويلا لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال أيها الناس اني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم اجدكم تعدلون باحد هذين الرجلين اما علي وأما عثمان فقم الى يا علي فقام اليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبدالرحمن بيده فقال هل انت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ص وفعل ابي بكر وعمر قال اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال
فارسل يده وقال الى يا عثمان فاخذه بيده فقال هل انت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه ص وفعل ابي بكر وعمر قال اللهم نعم قال فرفع راسه الى سقف المسجد ويده في يد عثمان فقال اللهم اسمع واشهد اللهم اسمع واشهد اللهم اسمع واشهد اللهم اني قد خلعت مافي رقبتي من ذلك في رقبة عثمان قال وازدهم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي ص واجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية وجاء اليه الناس يبايعونه وبايعه علي بن ابي طالب اولا ويقال آخرا وما يذكره كثير من المؤرخين كان جرير وغيره عن رجال لا يعرفون ان عليا قال لعبد الرحمن خدعتني وانك انما وليته لنه صهرك وليشاورك كل يوم في شأنه وأنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه والله فسيؤتيه اجرا عظيما الى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردوده على قائليها وناقلها والله أعلم
والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تميز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ومستقيمها وسقيمها ومبادها وقويمها والله الموفق للصواب وقد اختلف علماء السير في اليوم الذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضي الله عنه فروى الواقدي عن شيوخه انه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين واستقبل بخلافته المحرم سنة اربع وعشرين وهذا غريب جدا وقد روي الواقدي ايضا عن ابن جرير عن ابن ابي مليكة قال بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال وهذا اعرب من الذي قبله وكذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي انه قال اجتمع اهل الشورى على عثمان لثلاث خلون الناس بين الأذان والإقامة فخرج فصلى بهم العصر وقال سيف عن خليفة بن زفر ومجالد قالا استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث وعشرين فخرج فصلى بالناس العصر وزاد الناس يعني من المحرم سنة أربع وعشرين وقد دخل وقت العصر وقد أذن مؤذن صهيب واجتمع في اعطياتهم مائة ووفد اهل الامصار وهو اول من صنع ذلك قلت ظاهر ما ذكرنا من سياق بيعته يقتضي ان ذلك كان قبل الزوال لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به الى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف فبايعه بقية الناس وكأنه لم يتم البيعة الا بعد الظهر وصلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي وكان اول صلاة صلاها الخليفة امير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر كما ذكره الشعبي وغيره واما اول خطبة خطبها بالمسلمين فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع اهل الشورى عثمان خرج وهو اشدهم كآبه فأتى منبر النبي ص فخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبي ص وقال انكم في دار قلعة وفي بقية أعمار
فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد اتيتم صبحتم او مسيتم الا وان الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا
اين ابناء الدنيا واخوانها الذين اثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا الم تلفظهم ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فان الله قد ضرب لها مثلا بالذي هو خير فقال تعالى واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شىء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير املا قال واقبل الناس يبايعونه
قلت وهذه الخطبة اما بعد صلاة العصر يومئذ او قبل الزوال وعبدالرحمن بن عوف جالس في راس المنبر وهو الاشبه والله اعلم وما يذكره بعض الناس من ان عثمان لما خطب اول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال ايها الناس ان اول مركب صعب وان اعش فستأتيكم الخطبة على وجهها فهو شىء يذكره صاحب العقد وغيره ممن يذكر طرف الفوائد ولكن لم ار هذا ياسناد تسكن النفس اليه والله اعلم
واما قول الشعبي انه زاد الناس مائة مائة يعني في عطاء كل واحد من جند المسلمين زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال وكان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه ولامهات المؤمنين درهمين درهمين فلما ولى عثمان اقر ذلك وزاده واتخذ سماطا في المسجد ايضا للمتعبدين والمعتكفين وابناء السبيل والفقراء والمساكين رضى الله عنه وقد كان ابو بكر اذا خطب يقوم على الدرجة التى تحت الدرجة التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عليها فلما ولى عمر نزل درجة اخرى عن درجة ابي بكر رضى الله عنهما فلما ولي عثمان قال ان هذا يطول فصعد الى الدرجة التى كان يخطب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد الاذان الاول يوم الجمعة قبل الاذان الذي كان يؤذن به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا جلس على المنبر واما اول حكومة حكم فيها فقضية عبيدالله بن عمر وذلك انه غدا على ابنة ابي لؤلؤة قاتل عمر فقتلها وضرب رجلا نصرانيا يقال له جفينة بالسيف فقتله وضرب الهرمزان الذي كان صاحب تستر فقتله وكان قد قيل انهما مالآ ابا لؤلؤة على قتل عمر فالله اعلم
وقد كان عمر قد امر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده فلما ولي عثمان وجلس للناس كان اول ما تحوكم اليه في شأن عبيدالله فقال على ما من العدل تركه وامر بقتله وقال بعض المهاجرين ايقتل ابوه بالامس ويقتل هو اليوم فقال عمرو بن العاص يا امير المؤمنين قد برأك الله من ذلك
قضية لم تكن في ايامك فدعها عنك فودى عثمان رضى الله عنه اولئك القتلى من ماله لان امرهم اليه اذ لا وارث لهم الا بيت المال والامام يرى الاصلح في ذلك وخلى سبيل عبيدالله قالوا فكان زياد بن لبيد البياضي اذا راى عبيدالله بن عمر يقول
الا يا عبيد الله مالك مهرب * ولا ملجا من ابن اروى ولا خفر
اصبت دما والله في غير حله * حراما وقتل الهرمزان له خطر
على غير شىء غير ان قال قائل * اتتهمون الهرمزان سلاح العبد في جوف بيته
يقلبها والأمر بالأمر يعتبر
بالامر يعتبر
على عمر
فقال سفيه والحوادث جمة * نعم اتهمه قد اشار وقد أمر
وكان قال فشكا عبيدالله بن عمر زيادا الى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فانشأ زياد يقول في عثمان * ابا عمرو عبيدالله رهن
فلا تشكك بقتل الهرمزان
فانك ان غفرت الجرم عنه * واسباب الخطا فرسارهان
اتعفوا اذ عفوت بغير حق * فمالك بالذي يخلى يدان
قال فنهاه عثمان عن ذلك وزبره فسكت زياد بن لبيد عما يقول ثم كتب عثمان بن عفان الى عماله على الامصار امراء الحرب والائمة على الصلوات والامناء على بيوت المال يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحثهم على طاعة الله وطاعة رسوله ويحرضهم على الاتباع وترك الابتداع قال ابن جرير وفي هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة وولى عليها سعد بن ابي وقاص فكان اول عامل ولاه لان عمر قال فان اصابت الامرة سعدا فذاك والا فليستعن به ايكم ولى فاني لم اعزله عن عجز ولا خيانة فاستعمل سعدا عليها سنة وبعض اخرى ثم رواه ابن جرير من طريق سيف عن مجالد عن الشعبي وقال الواقدي فيما ذكره عن زيد بن اسلم عن ابيه ان عمر اوصى ان تقرا عماله سنة فلما ولى عثمان اقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة ثم عزله واستعمل سعدا ثم عزله تكون ولاية سعد على الكوفة سنة خمس وعشرين قال ابن جرير وفي هذه السنة اعنى وولى الوليد بن عقبة بن ابي معيط قال ابن جرير فعلى ما ذكره الواقدي سنة اربع وعشرين غزا الوليد بن عقبة اذربيجان وارمينية حين منع اهلها ما كانوا صالحوا عليه اهل الاسلام في ايام عمر بن الخطاب وهذا في رواية ابي مخنف واما في رواية غيره فان ذلك كان في سنة ست وعشرين ثم ذكر ابن جرير ههنا هذه الوقعة وملخصها ان الوليد بن عقبة سار بجيش
الكوفة نحو اذربيجان وارمينية حين نقضوا العهد فوطىء بلادهم واغار باراضي تلك الناحية فغنم وسبى واخذ اموالا جزيلة فلما ايقنوا بالهلكة صالحهم اهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة الف درهم في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالما غانما الى الكوفة فمر بالموصل
وجاءه كتاب عثمان وهو بها يامره ان يمد اهل الشام على حرب اهل الروم قال ابن جرير وفي هذه السنة جاشت الروم حتى خاف اهل الشام وبعثوا الى عثمان رضى الله عنه يستمدونه فكتب الى الوليد بن عقبة ان اذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلا امينا كريما شجاعا قي ثمانية الاف او تسعة الاف او عشرة الاف الى اخوانكم بالشام فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبا حين وصل اليه كتاب عثمان فاخبرهم بما امر به امير المؤمنين وندب الناس وحثهم على الجهاد ومعاونة معاوية واهل الشام وامر سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون الى الشام فانتدب في ثلاثة ايام ثمانية الاف فبعثهم الى الشام وعلى جند المسلمين حبيب بن مسلم الفهري فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا وسبوا شيئا كثيرا وفتحوا حصونا كثيرة ولله الحمد
وزعم الواقدي ان الذي امد اهل الشام بسلمان بن ربيعة انما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان رضى الله عنه فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة في ستة الاف فارس حتى انتهى الى حبيب ابن مسلمة وقد اقبل اليه الموريان الرومي في ثمانين الفا من الروم والترك وكان حبيب بن مسلمة شجاعا شهما فعزم على ان يبيت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للامراء ذلك فقالت له فاين موعدي معك تعنى اين اجتمع بك غدا فقال لها موعدك سرادق الموريان او الجنة ثم نهض اليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من اشرف له وسبقته امرأته الى سرادق الموريان فكانت اول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق وقد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك فخلف عليها بعده الضحاك بن قيس الفهري فهى ام ولده قال ابن جرير واختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي وابو معشر حج بهم عبدالرحمن بن عوف بامر عثمان وقال آخرون حج بالناس عثمان بن عفان رضى الله عنه والاول هو الاشهر فان عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لاجل رعاف اصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه وكان يقال لهذه السنة سنة الرعاف وفيها افتتح ابو موسى الاشعري الرى بعد ما نقضوا العهد الذي كان واثقهم عليه حذيفة ابن اليمان رضى الله عنه وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ويكنى بابي سفيان كان ينزل قديدا وهو الذي اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وابا بكر وعامر بن فهيرة وعبدالله بن اريقط الديلي حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة المنورة فاراد ان يردهم على اهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي صلى الله عليه وسلم وابي بكر مائة من الابل فطمع ان يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه الله عليهم بل
لما اقترب منهم وسمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت قوائم فرسه فى الارض حتى ناداهم بالامان فاعطوه الامان وكتب له ابو بكر كتاب امان عن إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قدم به بعد غزوة الطائف فاسلم واكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القائل يا رسول الله اعمرتنا هذه لعامنا هذا ام للابد فقال له بل لابد الابد دخلت العمرة في الحج الى يوم القيامة
*2* ثم دخلت سنة خمس وعشرين
@ وفيها نقض اهل الاسكندرية العهد وذلك ان ملك الروم بعث اليهم معويل الخصى في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة ونقضوا ذمتهم فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الاول فافتتح الارض عنوة وافتتح المدينة صلحا وفيها حج بالناس عثمان بن عفان رضى الله عنه وفيها قول سيف عزل عثمان سعدا عن الكوفة وولى الوليد بن عقبة بن ابي معيط مكانه فكان هذا مما نقم على عثمان وفيها وجه عمرو بن العاص عبدالله بن سعد بن ابي سرح لغزو بلاد المغرب واستأذنه ابن ابي سرح في غزو افريقية فاذن له ويقال فيها ايضا عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبدالله بن سعد بن ابي سرح وقيل بل كان هذا في سنة سبع وعشرين كما سياتي والله اعلم وفيها فتح معاوية الحصون وفيها ولد ابنه يزيد بن معاوية
*2* ثم دخلت سنة ست وعشرين
@ قال الواقدي فيها امر عثمان بتجديد انصاب الحرم وفيها وسع المسجد الحرام وفيها عزل سعدا عن الكوفة وولاها الوليد بن عقبة وكان سبب عزل سعد انه اقترض من ابن مسعود مالا من بيت المال فلما تقاضاه به ابن مسعود ولم يتيسر قضاؤه نقاولا وجرت بينهما خصومة شديدة فغضب عليهما عثمان فعزل سعدا واستعمل الوليد بن عقبة وكان عاملا لعمر على عرب الجزيرة فلما قدمها اقبل عليه اهلها فاقام بها خمس سنين وليس على داره باب وكان فيه رفق برعيته قال الواقدي وفيها حج بالناس عثمان بن عفان رضى الله عنه وقال غيره وفيها افتتح عثمان بن ابي العاص سابور صلحا على ثلاثة الالف الف وثلثمائة الف
*2* ثم دخلت سنة سبع وعشرين
@ قال الواقدي وابو معشر وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبدالله بن سعد بن ابي سرح وكان اخا عثمان لامه وهو الذي شفع له يوم الفتح حين اهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه


يتبع

اخت مسلمة
04-13-2009, 03:05 AM
غزوة افريقية
@ امر عثمان عبدالله بن ابي سرح ان يغزو بلاد افريقية فاذا افتتحها الله عليه فله خمس
الخمس من الغنيمة نفلا فسار اليها في عشرة الاف فافتتحها سهلها وجبلها وقتل خلقا كثيرا من اهلها ثم اجتمعوا على الطاعة والاسلام وحسن اسلامهم واخذ عبدالله بن سعد خمس الخمس من الغنيمة وبعث باربعة اخماسه الى عثمان وقسم اربعة اخماس الغنيمة بين الجيش فاصاب الفارس ثلاثة الاف دينار والراجل الف دينار قال الواقدي وصالحه بطريقها على الفي ألف دينار وعشرين الف دينار فاطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ويقال لآل مروان
*3* غزوة الاندلس
@ لما افتتحت افريقية بعث عثمان الى عبدالله بن نافع بن عبد قيس وعبدالله بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما الى الاندلس فاتياها من قبل البحر وكتب عثمان الى الذين خرجوا اليها يقول ان القسطنطينية انما تفتح من قبل البحر وانتم اذا فتحتم الاندلس فانتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية فى الاجر آخر الزمان والسلام قال فسساروا اليها فافتتحوها ولله الحمد والمنة
*3* وقعة جرجير والبربر مع المسلمين
@ لما قصد المسلمون وهم عشرون الفا افريقية وعليهم عبدالله بن سعد بن ابي سرح وفي جيشه عبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير صمد اليهم ملك البربر جرجير في عشرين ومائة الف وقيل في مائتي الف فلما تراءى الجمعان امر جيشه فاحاطوا بالمسلمين هالة فوقف المسلمون في موقف لم ير اشنع منه ولا اخوف عليهم منه قال عبدالله بن الزبير فنظرت الى الملك جرجير من وراء الصفوف وهو راكب على برذون وجاريتان تظلانه بريش الطواويس فذهبت الى عبدالله بن سعد بن ابي سرح فسالته ان يبعث معى من يحمى ظهري واقصد الملك فجهز معى جماعة من الشجعان قال فامر بهم فحموا ظهرىوذهبت حتى خرقت الصفوف اليه وهم يظنون اني في رسالة الى الملك فلما اقتربت منه احس منى الشر ففر على برذونه فلحقته فطعنته برمحى وذففت عليه بسيفى واخذت راسه فنصبته على راس الرمح وكبرت فلما راى ذلك البربر فرقوا وفروا كفرار القطا واتبعهم المسلمون يقتلون وياسرون فغنموا غنائم جمة واموالا كثيرة وسببا عظيما وذلك ببلد يقال له سبيطلة على يومين من القيروان فكان هذا اول موقف اشتهر فيه امر عبدالله بن الزبير رضى الله عنه وعن ابيه واصحابهما اجمعين
قال الواقدي وفي هذه السنة افتتحت اصطخر ثانية على يدي عثمان بن ابي العاص وفيها غزا معاوية قنسرين وفيها حج بالناس عثمان بن عفان قال ابن جرير قال بعضهم وفي هذه السنة غزا معاوية قبرص وقال الواقدي كان ذلك في سنة ثمان وعشرين وقال ابو معشر غزاها معاوية سنة ثلاث وثلاثين فالله اعلم
*2* ثم دخلت سنة ثمان وعشرين
@ فتح قبرص
ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرص تبعا للواقدي وهى جزيرة غربي بلاد الشام في البحر مخلصة وحدها ولها ذنب مستطيل الى نحو الساحل مما يلي دمشق وغربيها اعرضها وفيها فواكه كثيرة ومعادن وهي بلد جيد وكان فتحها على يدي معاوية بن ابي سفيان ركب اليها في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت وزوجته ام حرام بنت ملحان التى تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت ما اضحكك يا رسول الله فقال ناس من امتى عرضوا علي يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الاسرة فقالت يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم فقال انت منهم ثم نام فاستيقظ وهو يضحك فقال مثل ذلك فقالت ادع الله ان يجعلني منهم فقال انت من الاولين فكانت في هذه الغزوة وماتت بها وكانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره والمقصود ان معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص ومعه جيش عظيم من المسلمين وذلك بامر من عثمان بن عفان رضى الله عنه له في ذلك بعد سؤاله اياه وقد كان سال في ذلك عمر بن الخطاب فابى ان يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الذي لو اضطرب لهلكوا عن اخرهم فلما كان عثمان لح معاوية عليه في ذلك فاذن له فركب في المراكب فانتهى اليها ووافاه عبدالله بن سعد بن ابي سرح اليها من الجانب الاخر فالتقيا على اهلها فقتلوا خلقا كثيرا وسبوا سبايا كثيرة وغنموا مالا جزيلا جدا ولما جىء بالاسارى جعل ابو الدرداء يبكي فقال له جبير بن نفير اتبكي وهذا يوم اعز الله فيه الاسلام واهله فقال ويحك ان هذه كانت امة قاهرة لهم ملك فلما ضيعوا امر الله صيرهم الى ما ترى سلط الله عليهم السبي واذا سلط على قوم السبي فليس لله فيهم حاجة وقال ما اهون العباد على الله تعالى اذا تركوا امره ثم صالحهم معاوية على سبعة الاف دينار في كل سنة وهادنهم فلما ارادوا الخروج منها قدمت لام حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه ويستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة
قال الواقدي وفي هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من ارض الروم وتزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية وكانت نصرانية فاسلمت قبل ان يدخل بها وفيها بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء وفيها حج بالناس امير المؤمنين عثمان بن عقان رضى الله عنه
*2* ثم دخلت سنة تسع وعشرين
@ ففيها عزل عثمان بن عفان ابا موسى الاشعري عن البصرة بعد عمله ست سنين وقيل ثلاث
وامر عليها عبدالله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن خال عثمان بن عفان وجمع له بين جند ابي موسى وجند عثمان بن ابي العاص وله من العمر خمس وعشرون سنة فأقام بها ست سنين وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن عامر فارس في قول الواقدي وابي معشر زعم سيف انه كان قبل هذه السنة فالله اعلم
وفيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي ص وبناه بالقصة وهي الكلس كان يؤتى به من بطن نخل والحجارة المنقوشة وجعل عمدة حجارة مرصعة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع وجعل ابوابه ستة على ماكانت عليه في زمان عمر بن الخطاب ابتدا بناءه في ربيع الأول منها
وفيه حج بالناس عثمان بن عفان وضرب له بمنى فسطاطا فكان اول فسطاط ضربه عثمان بمنى واتم الصلاة عامة هذا فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة كعلي وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود حتى قال ابن مسعود ليت حظي من اربع ركعات ركعتان متقبلتان وقد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله فروى ابن جرير انه قال تاهلت بمكة فقال له ولك اهل بالمدينة وانك تقوم حيث اهلك بالمدينة قال وان لي مالا بالطائف اريد ان اطلعه بعد الصدر قال انك بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث فقال وان طائفة من اهل اليمن قالوا ان الصلاة بالحضر ركعتان فربما راوني اصلي ركعتين فيحتجون بي فقال له قد كان رسول الله ص ينزل عليه الوحي والناس يومئذالاسلام فيهم قليل وكان يصلي ههنا ركعتين وكان ابو بكر يصلي ههنا ركعتين وكذلك عمر بن الخطاب وصليت انت ركعتين صدرا من امارتك قال فسكت عثمان ثم قال انما هو رأي رأيته
*2* سنة ثلاثين من الهجرة النبوية
@ فيها افتتح سعيد بن العاص طبر ستان في قول الواقدي وابي معشر والمدائني وقال هو اول من غزاها وزعم سيف انهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على ان لايغزوها على مال بذله له اصباها فالله اعلم فذكر المدائني ان سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين والعبادلة الأربعة وحذيفة بن اليمان في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على اموال جزيلة حتى انتهى الى بلد معاملة جرجان فقاتلوه حتى احتاجوا الى صلاة الخوف فسال حذيفة كيف صلى رسول الله ص فاخبره فصلى كما اخبره ثم ساله اهل ذلك الحصن الامان فاعطاهم على ان لايقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم الا رجلا واحدا وحوى ما كان في الحصن فاصاب رجل من بني نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد ففتحوه فاذا
فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها فاذا فيها خرفة حمراء فنشروها واذا داخلها خرقة صفراء وفيها ايران كميت وورد فقال شاعر يهجو بهما بني نهد
آب الكرام بالسبايا غنيمة * وفاز بنو نهد بايرين في سفط
كميت وورد وافرين كلاهما * فظنوهما غنما فناهيك من غلط
قالوا ثم نفض اهل جرجان ماكان صالحهم عليه سعيد بن العاص وامتنعوا عن اداء المال الذي ضربه عليهم وكان مائة الف دينار وقيل مائتي الف دينار وقيل ثلثمائة الف دينار ثم وجه اليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك كما سنذكره ان شاء الله تعالى وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة وولي عليها سعيد بن العاص وكان سبب عزلة انه صلى باهل الكوفة الصبح اربعا ثم التفت فقال ازيدكم فقال قائل مازلنا منك منذ اليوم في زيارة ثم انه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنآن فشكوه الى عثمان وشهد بعضهم عليه انه شرب الخمر وشهد آخر انه رآه يتقاياها فأمر عثمان باحضاره وأمر بجلده فيقال ان عليا نزع عنه حلته وان سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان وعزله وامر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص
وفي هذه السنة سقط خاتم النبي ص من يد عثمان في بئر اريس وهي على ميلين من المدينة وهي من اقل الآبار ماء فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل والأجتهاد في طلبه حتى الساعة فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة ونقش عليه محمد رسول الله فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلم يدر من اخذه وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي ص خاتما من ذهب ثم من فضة وبعثه عمر بن الخطاب الى كسرى ثم دحية الى قيصر وان الخاتم الذي كان في يد النبي ص ثم في يد ابي بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين ثم انه وقع في بئر اريس وقد تقدم بعض هذا في الصحيح وفي هذه السنة وقع بين معاوية وابي ذر بالشام وذلك ان ابا ذر انكر على معاوية بعض الأمور وكان ينكر على من يقتنى مالا من الأغنياء ويمنع ان يدخر فوق القوت ويوجب ان يتصدق بالفضل ويتأول قول الله سبحانه وتعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم فينهاه معاوية عن اشاعة ذلك فلا يمتنع فبعث يشكوه الى عثمان فكتب عثمان الى ابي ذر ان يقدم عليه المدينة فقدمها فلأمه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه فلم يرجع فامره بالمقام بالربذه وهي شرقي المدينة ويقال انه سال عثمان ان يقيم بها وقال أن رسول الله ص قال لي اذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها وقد بلغ لبناء سلعا فاذن له عثمان بالمقام بالربذه وامره ان يتعاهد المدينة في بعض الأحيان حتى لايرتد
اعرابيا بعد هجرته ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات على ما سنذكره رضي الله عنه وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء
*3* فصل ( وفاة خنساء أبو عبد الرحمن الأنصاري ) .
@ وممن ذكر شيخنا ابو عبد الله الذهبي انه توفي في هذه السنة اعني خنساء أبو عبدالرحمن الأنصاري عقبي بدري وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر خارصا وقد توفي عن ستين سنة
*3* حاطب بن بلتعة
@ ابن عمرو سنة ثلاثين ابي بن كعب فيما صححه الواقدي
*3* جبار بن صخر
@ ابن أمية بن بن عمير اللخمي حليف بني اسد بن عبد العزي شهد بدرا وما بعدها وهو الذي كان كتب الى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله ص على فتح مكة فعذره رسول الله ص بما اعتذر به ثم بعثه بعد ذلك برسالة الى المقوقس ملك الاسكندرية
*3* الطفيل بن الحارث
@ ابن المطلب اخو عبيدة وحصين شهد بدرا قال سعيد بن عمير توفي في هذه السنة
*3* عبد الله بن كعب
@ ابن عمر المازني ابو الحارث وقيل ابو يحيى الأنصاري شهد بدرا وكان على الخمس يومئذ
*3* عبد الله بن مظعون
@ أخو عثمان بن مظعون هاجر الى الحبشة وشهد بدرا
*3* عياض بن زهير
@ ابن ابي شداد بن ربيعة بن هلال ابو سعيد أبو عمر القاري شهد بدرا وما بعدها توفي عن نيف وستين سنة
*3* معمر بن ابي سرح
@ ابن ربيعة بن القرشي الفهري شهد بدرا وما بعدها
*3* مسعود بن ربيعة
@ وقيل ابن الربيع هلال القرشي ابو سعد الفهري وقيل اسمه عمرو بدري قديم الصحبة
*3* ابو اسيد
@ مالك بن ربيعة قال الفلاس مات في هذه السنة و الاصح انه مات سنة اربعين و قيل سنة ستين فالله أعلم
*2* ثم دخلت سنة احدى وثلاثين
@ ففيها كانت غزوة الصواري وغزوة الاساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال ابو معشر كانت غزوة الصواري سنة اربع وثلاثين وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما ان الشام كان قد جمعها لمعاوية بن ابي سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه وقد احرزه غاية الحفظ وحمى حوزته ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة فيقتلون خلقا وياسرون آخرين ويفتحون حصونا ويغنمون اموالا ويرعبون الاعداء فلما اصاب عبدالله بن سعد بن ابي سرح من اصاب من الفرنج والبربر ببلاد افريقية والاندلس حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل وساروا الى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الاسلام خرجوا في خمسمائة مركب وقصدوا عبدالله بن ابي سرح في اصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون وبات المسلمون يقرؤن ويصلون فلما اصبحوا صف عبدالله بن سعد اصحابه صفوفا في المراكب وامرهم بذكر الله وتلاوة القرآن قال بعض من حضر ذلك فاقبلوا الينا في امر لم ير مثله من كثرة المراكب وعقدوا صواريها وكانت الريح لهم وعلينا فارسينا ثم سكنت الريح عنا فقلنا لهم ان شئتم خرجنا نحن وانتم الى البر فمات الاعجل مناومنكم قال فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا الماء الماء قال فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم ثم اجتلدنا واياهم بالسيوف يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى الجأتها الى الساحل والقت الأمواج جثث الرجال الى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم وغلب الدم على لون الماء وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط وقتل منهم بشر كثير ومن الروم اضعاف ذلك ثم انزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه وقد قلوا جدا وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك واقام عبد الله بن سعد بذات الصواري اياما ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا قال الواقدي فحدثني معمر عن الزهري قال كان في هذه الغزوة محمد بن ابي حذيفة ومحمد بن ابي بكر فاظهرا عيب عثمان وماغير وما خالف ابا بكر وعمر ويقولان دمه حلال لانه استعمل عبد الله ابن سعد وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم واباح رسول الله ص دمه واخرج رسول الله ص اقواما واستعملهم عثمان ونزع اصحاب رسول الله ص واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن
عامر فبلغ ذلك عبدالله بن سعد فقال لا تركبا معنا فركبا في مركب ما فيه احد من المسلمين ولقوا العدو فكانا انكل المسلمين قتالا فقيل لهما في ذلك فقالا كيف نقاتل مع رجل لا ينبغى لنا ان نحكمه فارسل اليهما عبدالله بن سعد فنهاهما اشد النهي وقال والله لولا لا ادري ما يوافق امير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما قال الواقدي وفي هذه السنة فتحت ارمينية على يدي حبيب بن مسلمة وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس
*3* كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجر
@ قال ابن اسحاق هرب يزدجر من كرمان في جماعة يسيرة الى مرو فسأل من بعض اهلها مالا فمنعوه وخافوه على انفسهم فبعثوا الى الترك يستفزونهم عليه فاتوه فقتلوا اصحابه وهرب هو حتى اتى منزل رجل ينقر الارجية على شط فاوى اليه ليلا فلما نام قتله وقال المدائني لما هرب بعد قتل اصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه ومنطقته وسيفه فانتهى الى منزل هذ الرجل الذي ينقر على الارحية فجلس عنده فاستغفله وقتله واخذ ما كان عليه وجاءت الترك في طلبه فوجدوه وقد قتله واخذ حاصله فقتلوا ذلك الرجل واهل بيته واخذوا ما كان مع كسرى ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه الى اصطخر وقد كان يزدجر وطىء امرأة من اهل مرو قبل ان يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق وسمى ذلك الغلام المخدج وكان له نسل وعقب في خراسان وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتان من نسله فبعث باحداهما الى الحجاج فبعث بها الى الوليد بن عبدالملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد عبدالملك الملقب بالناقص وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه ان يزدجر لما انهزم عنه اصحابه عقر جواده وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرعاب فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر اين هو ثم جاء صاحب الرحى فراى كسرى وعليه ابهته فقال له ما انت انسي ام جنى قال انسي فهل عندك طعام قال نعم فاتاه بطعام فقال انى مزمزم فأتني بما ازمزم به قال فذهب الطحان الى اسوار من الاساورة فطلب منه ما يزمزم به قال وما تصنع به قال عندي رجل لم ار مثله قط وقد طلب منى هذا فذهب به الاسوار الى ملك البلد مرو واسمه ماهويه بن باباه فاخبره وخبره فقال هو يزدجر اذهبوا فجيئوني براسه فذهبوا مع الطحان فلما دنوا من دار الرحى هابوا ان يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان ادخل انت فاقتله فدخل فوجده نائما فاخذ حجرا فشدخ به راسه ثم احتزه فدفعه اليهم والقى جسده في النهر فخرجت العامة الى الطحان فقتلوه وخرج اسقف فاخذ جسده الى النهر وجعله في تابوت وحمله الى اصطخر فوضعه في ناووس ويروى انه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة ايام لا ياكل
حتى رق له وقال له ويحك يا مسكين الا تاكل واتاه بطعام فقال اني لا استطيع ان اكل الا بزمزمة فقال له كل وانا ازمزم لك فسال ان ياتيه بمزمزم فلما ذهب يطلب له من بعض الاساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل فانكروا رائحة المسك منه فسالوه فاخبرهم فقال ان عندي رجلا من صفته كيت وكيت فعرفوه وقصدوه مع الطحان وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه فعرف يزدجر ذلك فقال له ويحك خذ خاتمي سواري ومنطقتي ودعنى اذهب من ههنا فقال لا اعطني اربعة دراهم وانا اطلقك فزاده احدى قرطه من اذنه فلم يقبل حتى يعطيه اربعة دراهم اخرى فهم في ذلك اذ دهمهم الجند فلما احاطوا به وارادوا قتله قال ويحكم لا تقتلوني فانا نجد في كتبنا ان من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه فلا تقتلوني واذهبوا بي الى الملك او الى العرب فانهم يستحيون من قتل الملوك فابوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر والقوه في النهر فتعلق بعود فاخذه اسقف واسمه ايليا فحن عليه مما كان من اسلافه من الاحسان الى النصارى الذين كانوا ببلادهم فوضعه في تابوت ودفنه فى ناووس ثم حمل ما كان عليه من الحلي الى امير المؤمنين عثمان بن عفان ففقد قرط من حليه فبعث الى دهقان تلك البلاد فأغرمه ذلك وكان ملك يزدجر عشرين سنة منها اربع سنبن في دعة وباقي ذلك هاربا من بلد الى بلد خوفا من الاسلام واهله وهو اخر ملوك الفرس في الدنيا على الاطلاق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا هلك قيصر فلا قيصر بعده واذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفق كنوزهما في سبيل الله رواه البخاري وثبت في الحديث الصحيح انه لما جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه فدعا النبي صالى الله عليه وسلم عليه ان يمزق كل ممزق فوقع الامر كذلك وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض اهلها ما كان لهم من الصلح فمن ذلك ما فتح عنوة ومن ذلك ما فتح صلحا فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على الفي ألف ومائتي الف وقيل على ستة الاف الف مائتي الف وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان رضى الله عنه
*2* ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين
@ وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق مضيق القسطنطينية ومعه زوجته عاتكة ويقال فاطمة بنت قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبدمناف قاله ابو معشر والواقدي وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وامره ان يغزو الباب وكتب الى عبدالرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات ثم ان اهل بلنجر خرجوا اليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا وكانت الترك تهاب
قتال المسلمين ويظنون انهم لا يموتون حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا فقتل يومئذ عبدالرحمن بن ربيعة وكان يقال له ذو النون وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين ففرقة ذهبت الى بلاد الخزر وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان وفي هؤلاء ابو هريرة وسلمان الفارسي واخذت الترك جسد عبدالرحمن بن ربيعة وكان من سادات المسلمين وشجعانهم ودفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده الى اليوم ولما قتل عبدالرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة وامدهم عثمان باهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة فتنازع حبيب وسلمان في الامرة حتى اختلفا فكان اول اختلاف وقع بين اهل الكوفة واهل الشام حتى قال في ذلك رجل من اهل الكوفة وهو اوس
فان تضربوا سلمان نضرب حبيبكم * وان ترحلوا نحو ابن عفان نرحل
وان تقسطوا فالثغر ثغر اميرنا * وهذا امير في الكتائب مقبل
ونحن ولاة الثغر كنا حماته * ليالي نرمى كل ثغر وننكل
وفيها فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان فاما مرو الروذ فبعث اليهم أبو عامر الاحنف بن قيس فحصرها فخرجوا اليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم الى حصنهم ثم صالحوه على مال جزيل وعلى ان يضرب على اراضي الرعية الخراج ويدع الارض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان صاحب مرو حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس وتاكلهم فصالحهم الاحنف على ذلك وكتب لهم كتاب صلح بذلك ثم بعث الاحنف الاقرع بن حابس الى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم قتل فيه خلق من شجعان المسلمين ثم نصروا فقال في ذلك ابو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها
سقى مزن السحاب اذا استهلت * مصارع فتية بالجوزجان
الى القصرين من رستاق حوط * ابادهم هناك الاقرعان
ثم سار الاحنف من مرو الروذ الى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على اربعمائة الف واستناب ابن عمه اسيد بن المشمس على قبض المال ثم ارتحل يريد الجهاد وداهمه الشتاء فقال لاصحابه ما تشاؤون فقالوا قد قال عمرو بن معد يكرب
اذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه الى ما تستطيع
فامر الاحنف بالرحيل الى بلخ فاقام بها مدة الشتاء ثم عاد الى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على احد ما فتح عليك فارس وكرمان وسجستان وعامر وخراسان فقال لا جرم لاجعلن شكري لله على ذلك ان احرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فاحرم بعمرة من نيسابور فلما قدم على
عثمان لأمه على احرامه من خراسان وفيها اقبل قارن في اربعين الفا فالتقاه عبد الله بن حازم في اربعة الآف وجعل لهم مقدمة ستمائة رجل وامر كلا منهم ان يحمل على راس رمحه نارا واقبلوا اليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا اليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم واقبل عبد الله بن حازم بمن معه من المسلمين فاتفقواهم واياهم فولى المشركون مديرين واتبعهم المسلمون يقتلون من شاؤا كيف شاؤا وغنموا سبيا كثيرا واموالا جزيلة ثم بعث عبد الله بن حازم بالفتح الى ابن عامر فرضي عنه واقره على خراسان وكان قد عزله عنها فاستمر بها عبد الله بن حازم الى ما بعد ذلك
*3* ذكر من توفي من الاعيان في هذا السنة العباس بن عبد المطلب
@ ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابو الفضل المكي عم رسول الله ص ووالد الخلفاء العباسيين وكان اسن من رسول الله ص بسنتين او ثلاث اسر يوم بدر فافتدى نفسه بمال وافتدى ابني اخويه عقيل بن ابي طالب ونوفل بن الحارث وقد ذكرنا انه لما اسر وشد في الوثاق وامسى الناس ارق رسول ص فقيل يارسول الله مالك فقال اني اسمع انين العباس في وثاقه فلا انام فقام رجل من المسلمين فحل من وثاق العباس حتى سكن انينه فنام رسول الله ص ثم اسلم عام الفتح وتلقى رسول الله ص الى الجحفة فرجع معه وشهد الفتح ويقال انه اسلم قبل ذلك ولكنه اقام بمكة باذن النبي ص له في ذلك كما ورد به الحديث فالله اعلم وقد كان رسول الله ص يجله ويعظمه وينزله منزلة الوالد من الولد ويقول هذا بقية آبائي وكان من أوصل الناس لقريش واشفقهم عليهم وكان ذا رأي وعقل تام واف وكان طويلا جميلا ابيض بضا ذا طفرتين وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الاناث وهم تمام وكان اصغرهم والحارث وعبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وعون والفضل وقثم وكثير ومعبد واعتق سبعين مملوكا من غلمانه وقال الامام احمد ثنا علي بن عبدالله قال حدثني محمد بن طلحة التميمي من اهل المدينة حدثني ابو سهيل نافع بن مالك عن سعيد بن المسيب عن سعد بن ابي وقاص قال قال رسول الله ص للعباس هذا العباس بن عبد المطلب اجود قريش كفا واوصلها تفرد به وثبت في الصحيحين ان رسول الله ص قال لعمر حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ص فقال له رسول الله ص ما ينقم ابن جميل الا ان كان فقيرا فأغناه
واما خالد فانكم تظلمون خالدا وقد احتبس ادراعه واعتاده في سبيل الله واما العباس فهي على ومثلها ثم قال ياعمر اما شعرت ان عم الرجل صنوا ابيه وثبت في صحيح البخاري عن انس ان عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستقسي به وقال اللهم انا كنا إذا قحطنا توسلنا اليك بنبينا فتسقينا وانا نتوسل اليك بعم نبينا قال فيسقون ويقال ان عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا اذا مرا بالعباس وهما راكبان ترجلا اكراما له قال الواقدي وغير واحد توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين عن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع وقيل توفي سنة ثلاث وثلاثين وقيل سنة اربع وثلاثين وفضائله ومناقبه كثيرة جدا
*3* عبد الله بن مسعود
@ ابن غافل بن حبيب بن سمح بن فار بن مجزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر الهذلي ابو عبد الرحمن حليف بني زهرة اسلم قديما قبل عمر وكان سبب اسلامه حين مر به رسول الله ص وابو بكر رضي الله عنه وهو يرعى غنما فسألاه لبنا فقال اني مؤتمن قال فأخذ رسول الله ص عناقا لم ينزل عليها الفحل فاعتقلها ثم حلب وشرب وسقى ابا بكر ثم قال للضرع اقلص فقلص فقلت علمني من هذا الدعاء فقال انك غلام معلم الحديث وروى محمد بن اسحاق عن يحيى بن عروة عن ابيه ان ابن مسعود كان اول من جهر بالقرآن بمكة فقاموا إليه فضربوه ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحمل نعليه وسواكه وقال له اذنك على ان تسمع بعد النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت وقريش في أنديتها قرأ سورة الرحمن علم القرآن سوادي ولهذا كان يقال له صاحب السواك والوساد وهاجر الى الحبشة ثم عاد الى مكة ثم هاجر الى المدينة وشهد بدرا وهو الذي قتل أبا جهل بعد ما اثبته ابنا عفراء وشهد بقية المشاهد وقال له رسول الله ص يوما اقرأ علي فقلت اقرأ عليك وعليك انزل فقال أني احب ان اسمعه من غيري فقرأ عليه من أول سورة النساء الى قوله فكيف اذا وقال حسبك وقال أبو موسى قدمت أنا وأخي من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكثرة دخولهم بيت النبي ص وقال حذيفة ما رأيت احدا أشبه برسول الله ص في هديه ودله وسمته من ابن مسعود ولقد علم المحفوظون من اصحاب محمد ص ان ابن ام عبد أقربهم الى الله زلفى وفي الحديث وتمسكوا بعهد ابن ام عبد وفي الحديث الآخر الذي رواه احمد عن محمد بن فضيل عن مغيرة عن ام حرسي عن علي ان ابن مسعود صعد شجرة يجتني الكبات فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه فقال رسول الله ص والذي نفسي بيده لهما في الميزان اثقل من أحد وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد نظر الى قصره وكان يوازي بقامته الجلوس فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف مليء علما وقد شهد ابن مسعود بعد النبي ص مواقف كثيرة منها اليرموك وغيرها وكان قدم من العراق حاجا فمر بالربذه فشهد وفاة ابي ذر ودفنه ثم قدم الى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا فيروى انه قال له ما تشتكي قال ذنوبي قال فما تشتهي قال رحمه ربي قال الا آمر لك بطبيب فقال الطبيب امرضني قال الا آمر لك بعطائك وكان قد تركه سنتين فقال لاحاجة لي فيه فقال يكون لبناتك من بعدك فقال اتخشى على بناتي الفقر اني أمرت بناتي ان يقرآن كل ليلة سورة الواقعه واني سمعت رسول الله ص يقول من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة ابدا واوصى عبد الله بن مسعود الى الزبير بن العوام فيقال انه هو الذي صلى عليه ليلا ثم عاتب عثمان الزبير علىذلك وقيل بل صلى عليه عثمان وقيل عمار فالله اعلم ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة
*3* عبد الرحمن بن عوف
@ ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة ابو محمد القرشي الزهري اسلم فديما على يدي ابي بكر وهاجر الى الحبشة والى المدينة وآخى رسول الله ص بينه وبين سعد ابن الربيع وشهد بدرا وما بعدها وأمره رسول الله ص حين بعثه الى بني كلب وأرخى له عذته بين كتفية لتكون امارة عليه للامارة وهو احد العشرة المشهود لهم بالجنة واحد الثمانية السابقين الى الاسلام واحد الستة اصحاب الشورى ثم احد الثلاثة الذين انتهت اليهم منهم كما ذكرنا ثم كان هو الذي اجتهد في تقديم عثمان رضي الله عنه وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال فلما بلغ ذلك رسول الله ص قال لاتسبوا اصحابي فوالذي نفسي بيد ه لو انفق احدكم مثل احد ذهبا ما بلغ مد احدهم ولا نصيفه وهو في الصحيح وقال معمر عن الزهري تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي ص بشطر ماله اربعة آلاف ثم ثم تصدق بأربعين الفا ثم تصدق باربعين الف دينار ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله ثم حمل على خمسمائة راحله في سبيل الله وكان عامة ماله من التجارة فأما الحديث الذي قال عبد بن حميد في مسنده ثنا يحيى بن اسحق ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت البناني عن انس بن مالك ان عبد الرحمن بن عوف لما هاجر آخى رسول الله ص بينه وبين عثمان بن عفان فقال له ان لي حائطين فاختر ايهما شئت فقال بارك الله لك في حائطيك مالهذا اسلمت دلني على السوق قال فدله فكان يشتري السمنة والاقيطة والاهاب فجمع فتزوج فأتى النبي ص فقال بارك الله لك اولم ولو بشاة
قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحله تحمل البر وتحمل الدقيق والطعام قال فلما دخلت المدينة سمع لاهل المدينة رجه فقالت عائشة ما هذه الرجه فقيل لها عير قدمت بعبد الرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر والدقيق والطعام فقالت عائشة سمعت رسول الله ص يقول يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال اشهدك يا امة انها باحمالها واحلاسها واقتابها في سبيل الله وقال الامام احمد ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة هو ابن زاذان عن ثابت عن انس قال بينما عائشة في بيتها اذ سمعت صوتا في المدينة قالت ماهذا قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء قال وكانت سبعمائة بعير قال فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة سمعت رسول الله ص يقول قد رأيت عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبوا فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف قال لئن استطعت لادخلها قائما فجعلها فأقتابها واحمالها في سبيل الله فقد تفرد به عمارة بن زاذان الصيدلاني وهو ضعيف واما قوله في سياق عبد بن حميد انه آخى بينه وبين عثمان بن عفان فغلط محض مخالف لما في صحيح البخاري من أن الذي آخى بينه وبينه انما هو سعد بن الربيع الانصاري رضي الله عنهما وثبت في الصحيح ان رسول الله ص صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار وهذه منقبة عظيمة لاتبارى ولما حضرته الوفاة اوصى لكل رجل ممن بقي من اهل بدر باربعمائة دينار وكانوا مائة فاخذوها حتى عثمان وعلي وقال علي اذهب يا ابن عوف فقد ادركت صفوها وسبقت زيفها واوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل واعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا من ذلك ذهب قطع الفؤس حتى مجلت ايدي الرجال وترك الف بعير ومائة فرس وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع وكان نساؤه اربعا فصولحت احداهن من ربع الثمن بثمانين الفا ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان وحمل في جنازته سعد بن ابي وقاص ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة وكان ابيض مشربا حمرة حسن الوجه دقيق البشرة اعين اهدب الأشفار اقنى له جمة ضخم الكفين غليظ الأصابع لايغير شيبة رضي الله عنه
*3* ابو ذر الغفاري
@ واسمه جندب بن جنادة علي المشهور اسلم قديما بمكة فكان رابع اربعة او خامس خمسة وقصة اسلامه تقدمت قبل الهجرة وهو اول من حيا رسول الله ص بتحية الاسلام ثم رجع الى بلاده وقومه فكان هناك حتى هاجر رسول الله ص الى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله ص حضرا وسفرا وروى عنه احاديث كثيرة وجاء في فضله احاديث كثيرة من
اشهرها مارواه الأعمش عن ابي اليقظان عثمان بن عمير عن ابي حرب بن ابي الأسود عن عبد الله ابن عمرو ان رسول الله ص قال ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق لهجة من ابي ذر وفيه ضعف ثم لما مات رسول الله ص ومات ابو بكر خرج الى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان الى المدينة ثم نزل الربذه فاقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة وليس عنده سوى امرأته وأولاده فينما هم كذلك لايقدرون على دفنه اذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من اصحابه فحضروا موته وأوصاهم كيف يفعلون به وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه وكان قد امر أهله ان يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت وقد ارسل عثمان بن عفان الى اهله فضمهم مع اهله
*2* ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين
@ فيها كان فتح قبرص في قول ابي معشر وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم وفيه غزا عبد الله بن سعد بن ابي سرح افريقية ثانية حين نقض اهلها العهد وفيها سير امير المؤمنين جماعة من قراء اهل الكوفة الى الشام وكان سبب ذلك انهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر فكتب الى عثمان في امرهم فكتب اليه عثمان ان يجليهم عن بلده الى الشام وكتب عثمان الى معاوية امير الشام انه قد اخرج اليك قراء من اهل الكوفة فانزلهم واكرمهم وتألفهم فلما قدموا انزلهم معاوية واكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد فاجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة فاحتملهم معاوية لحلمه واخذ في مدح قريش وكانوا قد نالوا منهم واخذ في المدح لرسول الله ص والثناء عليه والصلاة والتسليم وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه وقال فيما قال واظن ابا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد الا حازما فقال له صعصعة بن صوحان كذبت قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من ابي سفيان من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وامر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر والفاجر والأحمق والكيس ثم بذل لهم النصح مرة اخرى فاذ هم يتمادون في غيهم ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم فعند ذلك اخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام لئلا يشوشوا عقول الطغام وذلك انه كان يشتمل مطاوى كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه من نصرة الدين وقمع المفسدين وانما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص وكانوا عشرة وقيل تسعة وهو الأشبه منهم كميل بن زياد والأشتر النخعي واسمه مالك بن يزيد وعلقمة بن قيس النخعيان وثابت بن قيس النخعي وجندب بن زهير العامري وجندب بن كعب الأزدي وعروة بن الجعد وعمرو بن الحمق الخزاعي فلما خرجوا من دمشق اووا الى الجزيرة فاجتمع بهم عبدالرحمن بن خالد بن الوليد وكان نائبا على الجزيرة ثم ولى حمص بعد فهددهم وتوعدهم فاعتذروا اليه وانابوا الى الاقلاع عما كانوا عليه فدعا لهم وسير مالكا الاشتر النخعي الى عثمان بن عفان ليعتذر اليه عن اصحابه بين يديه فقبل منهم وكف عنهم وخيرهم ان يقيموا حيث احبوا فاختاروا ان يكونوا في معاملة عبدالرحمن بن خالد بن الوليد فقدموا عليه حمص فامرهم بالمقام بالساحل واجرى عليهم الرزق ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم الى عثمان فجاءه كتاب عثمان ان يردهم الى سعيد بن العاص بالكوفة فردهم اليه فلما رجعوا كانوا ازلق السنة واكثر شرا فضج منهم سعيد بن العاص الى عثمان فامره ان يسيرهم الى عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بحمص وان يلزموا الدروب وفي هذه السنة سير عثمان بعض اهل البصرة منها الى الشام والى مصر باسباب مسوغة لما فعله رضى الله عنه فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالىء الاعداء في الحط والكلام فيه وهم الظالمون في ذلك وهو البار الراشد رضى الله عنه وفي هذه السنة حج بالناس امير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه وتقبل الله منه
*2* ثم دخلت سنة اربع وثلاثين
@ قال ابو معشر فيها كانت وقعة الصواري والصحيح في قول غيره انها كانت قبل ذلك كما تقدم وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان وكان جمهورهم من اهل الكوفة وهم في معاملة عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة وثاروا على سعيد بن العاص امير الكوفة وتالبوا عليه ونالوا منه ومن عثمان وبعثوا الى عثمان من يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتوليه جماعة من بنى امية من اقربائه واغلظوا له في القول وطلبوا منه ان كذا في الحلبية والذي في المصرية
كميل بن زياد والاشتر النخعي واسمه مالك بن الحارث وصعصعة بن صوحان واخوه زيد بن صوحان وكعب بن مالك الاوسي والاسود بن زيد بن علقمة بن قيس النخعيان وثابت بن قيس النخعى وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمرو ابن الحمق الخزاعي
والذي في الطبري
مالك بن الحارث الأشتر وثابت بن قيس النخعى وكميل بن زياد النخعي وزيد بن صوحان العبدي وجندب بن زهير الغامدي وجندب بن كعب الازدي وعروة بن الجعد وعمرو ابن الحمق الخزاعي
يعزله ويستبدل ائمة غيرهم من السابقين ومن الصحابة حتى شق ذلك عليه جدا وبعث الى امراء الاجناد فاحضرهم عنده ليستشيرهم فاجتمع اليه معاوية بن ابي سفيان امير الشام وعمرو بن العاص امير مصر وعبدالله ابن سعد بن ابي سرح امير المغرب وسعيد بن العاص امير الكوفة وعبدالله بن عامر امير البصرة فاستشارهم فيما حدث من الامر وافتراق الكلمة فاشار فاشار عبدالله بن عامر ان يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر فلا يكون هم احدهم الا نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته فان غوغاء الناس اذا تفرغوا وبطلوا واشتغلوا بما لا يغني وتكلموا بما لا يرضى واذا تفرقوا نفعوا انفسهم وغيرهم واشار سعيد بن العاص بأن يستاصل شأفة المفسدين ويقطع دابرهم واشار معاوية بان يرد عماله الى اقاليمهم وان لا يلتفت إلى هؤلاء وما تالبوا عليه من الشر فانهم اقل واضعف جندا واشار عبدالله بن سعد بن ابي سرح بان يتالفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم ويامن غائلتهم ويعطف به قلوبهم اليه واما عمرو بن العاص فقام فقال اما بعد يا عثمان فانك قد ركبت الناس ما يكرهون فاما ان تعزل عنهم ما يكرهون واما ان تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه وقال له كلاما فيه غلظة ثم اعتذر إليه في السر بانه انما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس ليرضوا من عثمان بهذا فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه وتالف قلوبهم اولئك بالمال وامر بان يبعثوا الى الغزو الى الثغور فجمع بين المصالح كلها ولما رجعت العمال الى اقاليمها امتنع اهل الكوفة من ان يدخل عليهم سعيد بن العاص ولبسوا السلاح وحلفوا ان لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان ويولي عليهم ابا موسى الاشعري وكان اجتماعهم بمكان يقال له الجرعة وقد قال يومئذ الاشتر النخعي والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا وتواقف الناس بالجرعة واحجم سعيد عن قتالهم وصمموا على منعه وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة وابو مسعود عقبة بن عمرو فجعل ابو مسعود يقول والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء فجعل حذيقة يقول والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم وما اعلم اليوم شيئا الا وقد علمته ومحمد صلى الله عليه وسلم حي والمقصود ان سعيد بن العاصص كر راجعا الى المدينة وكسر الفتنة فاعجب ذلك اهل الكوفة وكتبوا الى عثمان ان يولي عليهم ابا موسى الاشعري بذلك فاجابهم عثمان الى ما سالوا ازاحة لعذرهم وازالة لشبههم وقطعا لعللهم
وذكر سيف بن عمر ان سبب تالب الاحزاب على عثمان ان رجلا يقال له عبدالله بن سبأ كان يهوديا فاظهر الاسلام وصار الى مصر فاوحى الى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه مضمونه انه يقول للرجل فيقول له فرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا وهو اشرف من اليس قد ثبت ان عيسى بن مريم سيعود الى هذه الدنيا فيقول الرجل نعم عيسى ابن مريم عليه السلام ثم يقول وقد كان اوصى الى علي بن ابي طالب فمحمد خاتم الانبياء
وعلى خاتم الاوصياء ثم يقول فهو احق بالامرة من عثمان وعثمان معتد في ولايته ما ليس له فانكروا عليه واظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فافتتن به بشر كثير من اهل مصر وكتبوا الى جماعات من عوام اهل الكوفة والبصرة فتمائلوا على ذلك وتكاتبوا فيه وتواعدوا ان يجتمعوا في الانكار على عثمان وارسلوا اليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته اقرباءه وذوى رحمه وعزله كبار الصحابة فدخل هذا في قلوب كثير من الناس فجمع عثمان بن عفان نوابه من الامصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فالله اعلم
وقال الواقدي فيما رواه عن عبدالله بن محمد عن ابيه قال لما كانت سنة اربع وثلاثين اكثر الناس بالمقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه اقبح ما نيل من احد فكلم الناس علي بن ابي طالب ان يدخل على عثمان فدخل عليه فقال له ان الناس ورائي وقد كلموني فيك ووالله ما ادري ما اقول لك وما اعرف شيئا تجهله ولا ادلك على امر لا تعرفه انك لتعلم ما نعلم ما سبقناك الى شىء فنخبرك عنه ولا خلونا بشىء فنبلغكه وما خصصنا بامور خفى عنك ادراكها وقد رايت وسمعت وصحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونلت صهره وما ابن ابي قحافة باولى بعمل الحق منك ولا ابن الخطاب باولى بشىء من الخير منك وانك اقرب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحما ولقد نلت من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا ولا سبقاك الى شىء فالله الله في نفسك فانك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل وان الطريق لواضح بين وان اعلام الدين لقائمة تعلم يا عثمان ان افضل عباد الله عند الله امام عادل هدى وهدى فاقام سنة معلومة وامات بدعة معلومة فوالله ان كلا لبين وان السنن لقائمة لها اعلام وان البدع لقائمة لها اعلام وان شر الناس عندالله امام جائر ضل واضل به فامات سنة معلومة واحيا بدعة متروكة واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم واني احذرك الله واحذرك سطوته ونقمته فان عذابه اليم شديد واحذر ان تكون امام هذه الامة المقتول فانه كان يقال يقتل في هذه الامة امام فيفتح عليها القتل والقتال الى يوم القيامة وتلبس امورها عليها ويتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل يموجون فيها موجا ويمرحون فيها مرحا فقال عثمان قد والله علمت لتقولن الذي قلت اما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا اسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرا انى وصلت رحما وسددت خلة وآويت ضائعا ووليت شبيها بمن كان عمر يولى انشدك الله يا علي هل تعلم ان المغيرة بن شعبة ليس هناك قال نعم قال فتعلم ان عمر ولاه قال نعم قال فلم تلوموني ان وليت ابن عامر في رحمه وقرابته فقال علي ساخبرك ان عمر كان كلما ولى اميرا فانما يطا على صماخيه وانه ان بلغه حرف جاء به ثم بلغ
به اقصى الغاية في العقوبة وانت لا تفعل ضعفت ورفقت على اقربائك فقال عثمان هم اقرباؤك ايضا فقال على لعمري ان رحمهم منى لقريبة ولكن الفضل في غيرهم قال عثمان هل تعلم ان عمر ولى معاوية خلافته كلها فقد وليته فقال على انشدك الله هل تعلم ان معاوية كان اخوف من عمر من يرفا غلام عمر منه قال نعم قال علي فان معاوية يقطع الامور دونك وانت تعلمها ويقول للناس هذا امر عثمان فليبلغك فلا تنكر ولا تغير على معاوية ثم خرج علي من عنده وخرج عثمان على اثره فصعد المنبر فوعظ وحذر وانذر وتهدد وتوعد وابرق وارعد فكان فيما قال الا فقد والله عبتم على بما اقررتم به لابن الخطاب ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما احببتم او كرهتم ولنت لكم واوطات لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجتراتم علي اما والله لانا اعز نفرا واقرب ناصرا واكثر عددا واقمن ان قلت هلم الى الى ولقد اعددت لكم اقرانكم وافضلت عليكم فضولا وكشرت لكم عن نابي فاخرجتم منى خلقا لم اكن احسنه ومنطقا لم انطق به فكفوا السنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فاني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يليكم لرضيتم منه دون منطقي هذا الا فما تفقدون من حقكم فوالله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي ثم اعتذر عما كان يعطي اقرباءه بانه من فضل ماله فقام مروان بن الحكم فقال ان شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف نحن والله وانتم كما قال الشاعر
فرشنا لكم اعراضنا فنبت بكم * مغارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان اسكت لاسكت دعني واصحابي ما منطقك في هذا الم أتقدم اليك ان لا تنطق
فسكت مروان ونزل عثمان رضى الله عنه
وذكر سيف بن عمر وغيره ان معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج الى الشام عرض عليه ان يرحل معه الى الشام فانهم قوم كثيرة طاعتهم للامراء فقال لا اختار بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم سواه فقال اجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك فقال اني اخشى ان اضيق بهم بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم على اصحابه من المهاجرين والانصار قال معاوية فوالله يا امير المؤمنين لتغتالن او قال لتغزين فقال عثمان حسبي الله ونعم الوكيل ثم خرج معاوية من عنده وهو متقلد السيف وقوسه في يده فمر على ملأ من المهاجرين والانصار فيهم علي بن ابي طالب وطلحة والزبير فوقف عليهم واتكا على قوسه وتكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه والتحذير من اسلامه الى اعدائه ثم انصرف ذاهبا فقال الزبير ما رايت اهيب في عينى من يومه هذا وذكر ابن جرير ان معاوية استشعر الامر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة وذلك انه سمع حاديا يرتجز في ايام الموسم في هذا العام وهو يقول
قد علمت ضوامر المطى وضمرات عوج القسى ان الامير بعده علي وفي الزبير خلف رضى وطلحة الحامي لها ولي
فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه ان شاء الله وبه الثقة قال ابن جرير وفي هذ السنة مات ابو عبس بن جبير بالمدينة وهو بدري ومات ايضا مسطح بن اثاثة وغافل بن البكير وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه
*2* ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ففيها مقتل عثمان
@ وكان السبب في ذلك ان عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبدالله بن سعد بن ابي سرح وكان سبب ذلك ان الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص مقهورين معه لا يستطيعون ان يتكلموا بسوء في خليفة ولا امير
فما زالوا حتى شكوه الى عثمان لينزعه عنهم وولى عليهم من هو الين منه فلم يزل ذلك دابهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة وولى على الحرب والخراج عبدالله بن سعد بن ابي سرح ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما حتى كان بينهما كلام قبيح فارسل عثمان فجمع لابن ابي سرح جميع عمالة مصر خراجها وحربها وصلاتها وبعث الى عمرو يقول له لا خير لك في المقام عند من يكرهك فاقدم الى فانتقل عمرو بن العاص الى المدينة وفي نفسه من عثمان امر عظيم وشر كبير فكلمه فيما كان من امره بنفس وتقاولا في ذلك وافتخر عمرو بن العاص بابيه على عثمان وانه كان اعز منه فقال له عثمان دع هذا فانه من امر الجاهلية وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا وينقمون عليه في عزله جماعة من علية الصحابة وتوليته من دونهم او من لا يصلح عندهم للولاية
وكره اهل مصر عبدالله بن سعد بن ابي سرح بعد عمرو بن العاص واشتغل عبدالله بن سعد عنهم بقتال اهل المغرب وفتحه بلاد البربر والاندلس وافريقية وانشأ بمصر طائفة من ابناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والانكار عليه وكان عظم ذلك مسندا الى محمد بن ابي بكر ومحمد بن ابي حذيفة حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون الى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب لينكروا على عثمان فساروا اليها تحت اربع رفاق وامر الجميع الى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعبدالرحمن بن عديس البلوى وكنانة بن بشر التيجي وسودان بن حمران السكوني واقبل معهم محمد بن ابي بكر واقام بمصر محمد بن ابي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء وكتب عبدالله بن سعد بن ابي سرح الى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم الى المدينة منكرين عليه في صفة المعتمرين فلما اقتربوا من المدينة امر عثمان علي بن ابي طالب ان يخرج اليهم ليردهم الى بلادهم قبل ان يدخلوا المدينة ويقال بل ندب الناس اليهم فانتدب علي لذلك فبعثه
وخرج معه جماعة الاشراف وامره ان ياخذ معه عمار بن ياسر فقال على لعمار فابى عمار ان يخرج معه فبعث عثمان سعد بن ابي وقاص ان يذهب الى عمار ليحرضه على الخروج مع علي اليهم فابى عمار كل الاباء وامتنع اشد الامتناع وكان متعصبا على عثمان بسبب تاديبه له فيما تقدم على امر وضربه اياه في ذلك وذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن ابي لهب فادبهما عثمان فتآمر عمار عليه لذلك وجعل يحرض الناس عليه فنهاه سعد بن ابي وقاص عن ذلك ولامه عليه فلم يقلع عنه ولم يرجع ولم ينزع فانطلق علي بن ابي طالب اليهم وهم بالجحفة وكانوا يعظمونه ويبالغون في امره فردهم وانبهم وشتمهم فرجعوا على انفسهم بالملامة وقالوا هذا الذي تحاربون الامير بسببه وتحتجون عليه به ويقال انه ناظرهم في عثمان وسألهم ماذا ينقمون عليه فذكروا اشياء منها انه حمى الحمى وحرق المصاحف وانه اتم الصلاة وانه اولى الاحداث الولايات وترك الصحابة الاكابر واعطى بني امية اكثر من الناس فاجاب علي عن ذلك اما الحمى فانما حماه لإبل الصدقة لتسمن ولم يحمه لابله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله واما المصاحف فانما حرق ما وقع فيه اختلاف وابقى لهم المتفق عليه كما ثبت في العرضة الاخيرة واما إتمامه الصلاة بمكة فانه كان قد تاهل بها ونوى الاقامة فاتمها واما توليته الاحداث فلم يول الا رجلا سويا عدلا وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن اسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة وولى اسامة بن زيد بن حارثة وطعن الناس في امارته فقال انه لخليق بالامارة واما ايثاره قومه بنى امية فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤثر قريشا على الناس ووالله لو ان مفتاح الجنة بيدي لادخلت بنى امية اليها ويقال انهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن ابي بكر فذكر عثمان عذره في ذلك وانه اقام فيهما ما كان يجب عليهما وعتبوا عليه في ايوائه الحكم بن ابي العاص وقد نفاه اليها قال فقد نفاه رسول الله صلى إلى الطائف فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده ثم نفاه إليها قال فقد نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رده وروى ان عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر الله عليه وسلم من الصحابة وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له ويروى انهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه فلما تمهدت الاعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة اشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم رضى الله عنه وردهم الى قومهم فرجعوا خائبين من حيث اتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا املوا وراموا ورجع علي الى عثمان فاخبره برجوعهم عنه وسماعهم منه واشار على عثمان ان يخطب الناس خطبة يعتذر اليهم فيها مما وقع من الاثرة لبعض اقاربه ويشهدهم عليه بانه تاب من ذلك واناب الى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله وانه لا يحيد عنها كما كان الامر اولا في مدة ست سنين الاول فاستمع عثمان هذه النصيحة وقابلها بالسمع والطاعة ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس رفع يديه في اثناء الخطبة وقال اللهم اني استغفرك
واتوب اليك اللهم انى اول تائب مما كان منى وارسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون اجمعون وحصل للناس رقة شديدة على امامهم واشهد عثمان الناس على نفسه بذلك وانه قد لزم ما كان عليه الشيخان ابو بكر وعمر رضى الله عنهما وانه قد سبل بابه لمن اراد الدخول عليه لا يمنع احد من ذلك ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من اراد الدخول على امير المؤمنين لحاجة او مسألة او سؤال لا يمنع احد من ذلك مدة قال الواقدي فحدثني على بن عمر عن ابيه قال ثم ان عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له تكلم كلاما تسمعه الناس منكم ويشهدون عليك ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والانابة فان البلاد قد تمخضت عليك ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة فتقول يا علي اركب اليهم ويقدم آخرون من البصرة فتقول يا علي اركب اليهم فان لم افعل قطعت رحمك واستخففت بحقك قال فخرج عثمان فخطب الخطبة التى نزع فيها واعلم الناس من نفسه التوبة فقام فحمد الله واثنى عليه بما هو اهله ثم قال اما بعد ايها الناس فوالله ما عاب من من عاب شيئا اجهله وما جئت شيئا الا وانا اعرفه ولكن ضل رشدي ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من زل فليتب ومن اخطا فليتب ولا يتمادى في الهلكة ان من تمادى في الجور كان ابعد عن الطريق فانا اول اتعظ استغفر الله مما فعلت واتوب فمثلى نزع وتاب فاذا نزلت فلياتني اشرافكم فوالله لاكونن كالمرقوق ان ملك صبر وان عتق شكر وما عن الله مذهب الا اليه قال فرق الناس له وبكى من بكى وقال الي سعيد بن زيد فقال يا امير المؤمنين الله الله في نفسك فاتمم على ما قلت فلما انصرف عثمان الى منزله وجد به حماعة من اكابر الناس وجاءه مروان بن الحكم فقال اتكلم يا امير المؤمنين ام اصمت فقالت امرأة عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية من وراء الحجاب بل اصمت فوالله انهم لقاتلوه ولقد قال مقالة لا ينبغى النزوع عنها فقال لها وما انت وذاك فوالله لقد مات ابوك وما يحسن ان يتوضأ فقالت له دع ذكر الاباء ونالت من ابيه الحكم فاعرض عنها مروان وقال لعثمان يا امير المؤمنين اتكلم ام اصمت فقال له عثمان بل تكلم فقال مروان بابي انت وامي لوددت ان مقالتك هذه كانت وانت ممنع منيع فكنت اول من رضى بها واعان عليها ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين وبلغ السيل الزبا وحين اعطى الخطة الذليلة الذليل والله لا قامة على خطيئة يستغفر منها خير من توبة خوف عليها وانك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة وقد اجتمع اليك على الباب مثل الجبال من الناس فقال عثمان قم فاخرج اليهم فكلمهم فاني استحي ان اكلمهم قال فخرج مروان الى الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال ما شانكم
كانكم قد جئتم لنهب شاهت الوجوه كل انسان آخذ باذن صاحبه الا من اريد س جئتم تريدون ان تنزعوا ملكنا من ايدينا اخرجوا عنا اما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم امر يسؤكم ولا تحمدوا غبه ارجعوا الى منازلكم فوالله ما نحن مغلوبين على مابايدينا قال فرجع الناس وخرج بعضهم حتى اتى عليا فاخبره الخبر فجاء على مغضبا حتى دخل على عثمان فقال اما رضيت من مروان ولا رضى منك الا بتحويلك عن دينك وعقلك وان مثلك مثل جمل الضعينة سار حيث يسار به والله ما مروان بذى راي في دينه ولا نفسه وايم والله انى لأراه سيوردك ثم لا يصدرك وما انا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك اذهبت سوقك وغلبت امرك فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان فقالت اتكلم او اسكت فقال تكلمي فقالت سمعت قول علي انه ليس يعاودك وقد اطعت مروان حيث شاء قال فما اصنع قالت تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنة صاحبيك من قبلك فانك متى اطعت مروان قتلك ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة فارسل الى علي فاستصلحه فان له قرابة منك وهو لا يعصى قال فارسل عثمان الى علي فابى ان ياتيه وقال لقد اعلمته اني لست بعائد قال وبلغ مروان قول نائلة فيه فجاء الى عثمان فقال اتكلم او اسكت فقال تكلم فقال إن نائلة بنت الفرافصة فقال عثمان لا تذكرها بحرف فاسوء الى وجهك فهي والله انصح لي منك قال فكف مروان
*3* ذكر مجىء الاحزاب الى عثمان للمرة الثانية من مصر


وذلك ان اهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه ووجدوا الامر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه كاتب تكاتب اهل مصر واهل الكوفة اهل البصرة وتراسلوا وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان علي وطلحة والزبير يدعون الناس الى قتال عثمان ونصر الدين وانه اكبر الجهاد اليوم وأذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وابي حارثة وابي عثمان وقاله غيرهم ايضا قالوا لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين وخرج اهل مصر في اربع رفاق على اربعة امراء المقلل لهم يقول ستمائة والمكثر يقول الف على الرفاق عبدالرحمن ابن عديس البلوى وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة السكوني وعلي القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا ومعهم ابن السوداء وكان اصله ذميا فاظهر الاسلام واحدث بدعا قولية وفعلية قبحه الله وخرج اهل الكوفة في عدتهم من اربع رفاق وامراؤهم زيد بن صوحان والاشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثى وعبدالله بن الاصم وعلى الجميع عمرو بن الاصم وخرج الله البصرة في عدتهم ايضا في اربع
رايات مع حكيم بن جبلة العبدي وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي وذريح بن عباد العبدي وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي واهل مصر مصرون على ولاية علي بن ابي طالب واهل الكوفة عازمون على تامير الزبير واهل البصرة مصممون على تولية طلحة لا تشك كل فرقة ان امرها سيتم فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة كما تواعدوا في كتبهم في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب وطائفة بالاعوص والجمهور بذي المروة وهم على وجل من اهل المدينة فبعثوا قصادا وعيونا بين ايديهم ليخبروا الناس انهم انما جاؤا للحج لا لغيره وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله ما جئنا الا لذلك واستاذنوا للدخول فكل الناس ابى دخولهم ونهى عنه فتجاسروا واقتربوا من المدينة وجاءت طائفة من المصريين الى علي وهو في عسكر عند احجار الزيت عليه حلة اصواف معتم بشقيقة حمراء يمانية متقلدا السيف وليس عليه قميص وقد ارسل ابنه الحسن الى عثمان فيمن اجتمع اليه فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم وقال لقد علم الصالحون ان جيش ذى المروة وذي خشب نعم وانصرفوا من عنده على ذلك وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة اخرى الى جنب علي وقد ارسل ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا لا صبحكم الله قالوا ابنيه الى عثمان فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال علي لاهل مصر وكذلك كان رد الزبير على اهل الكوفة فرجع كل فريق منهم الى قومهم واظهروا للناس انهم راجعون الى بلدانهم وساروا اياما راجعين ثم كرو عائدين الى المدينة فما كان غير قليل حتى سمع اهل المدينة التكبير واذا القوم قد زحفوا على المدينة واحاطوا بها وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان وقالوا للناس من كف يده فهو آمن فكف الناس ولزموا بيوتهم واقام الناس على ذلك اياما هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون وفي كل ذلك وامير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس فيصلي وراءه اهل المدينة واولئك الآخرون وذهب الصحابة الى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم حتى قال على لاهل مصر ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رايكم فقالوا وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا وكذلك قال البصريون لطلحة والكوفيون للزبير وقال اهل كل مصر انما جئنا لننصر اصحابنا فقال لهم الصحابة كيف علمتم بذلك من اصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل انما هذا امر اتفقتم عليه فقالوا ضعوه على ما اردتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا ونحن نعتزله يعنون انه ان نزل عن الخلافة تركوه آمنا وكان المصريون فيما ذكر لما رجعوا الى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير فاخذوه ففتشوه فاذا معه في ادواة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم وبصلب آخرين وبقطع أيدي آخرين منهم وارجلهم وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان والبريد احد غلمان عثمان وعلى جمله فلما رجعوا جاءوا بالكتاب
وداروا به على الناس فكلم الناس امير المؤمنين في ذلك فقال بينة على بذلك والا فوالله لا كتبت ولا امليت ولا دريت بشىء من ذلك والخاتم قد يزور على الخاتم فصدقه الصادقون في ذلك وكذبه الكاذبون ويقال ان اهل مصر كانوا قد سالوا من عثمان ان يعزل عنهم ابن ابي سرح ويولي محمد بن ابي بكر فاجابهم الى ذلك فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد ابن ابي بكر وآخرين معه فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقا شديدا وطافوا بالكتاب على الناس فدخل ذلك في اذهان كثير من الناس وروى ابن جرير من طريق محمد بن اسحاق عن عمه عبدالرحمن بن يسار ان الذي كان معه الرسالة من جهة عثمان الى مصر ابو الاعور السلمي على جمل لعثمان وذكر ابن جرير من هذه الطريق ان الصحابة كتبوا الى الافاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه وهذا كذب على الصحابة وانما كتبت كتب مزورة عليهم كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير الى الخوارج كتبا مزورة عليهم انكروها وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان ايضا فانه لم يامر به ولم يعلم به ايضا واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الايام كلها وهم احقر في عينه من التراب فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر وفي يده العصا التي كان يعمد اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته وكذلك ابو بكر وعمر رضى الله عنهما من بعده فقام اليه رجل من اولئك فسبه ونال منه وانزله عن المنبر فطمع الناس فيه من يومئذ كما قال الواقدي حدثنى اسامة بن يزيد بن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب عن ابيه قال بينا انا انظر الى عثمان على عصا النبي صالى الله عليه وسلم التى يخطب عليها وابو بكر وعمر فقال له جهجاه قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر واخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقى الجرح حتى اصابته الاكلة فرايتها تدود فنزل عثمان وحملوه وامر بالعصا فشدوها فكانت مضببة فما خرج بعد ذلك اليوم الا خرجة او خرجتين حتى حصر فقتل
قال ابن جرير وحدثنا احمد بن ابراهيم حدثنا عبدالله ابن ادريس عن عبيدالله بن عمر عن نافع ان الجهجاه الغفاري اخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته فرمى في ذلك المكان بأكلة وقال الواقدي وحدثني ابن ابي الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن ابي حبيبة قال خطب عثمان الناس في بعض ايامه فقال عمرو بن العاص يا امير المؤمنين انك ركبت بهاتير وركبناها معك فتب نتب معك فاستقبل عثمان القبلة وشمر يديه وقال ابن ابي حبيبة فلم ار يوما اكثر باكيا ولا باكية من يومئذ ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام اليه جهجاه الغفاري فصاح اليه يا عثمان الا ان هذه شارف قد جئنابها عليها عباءة وجامعة فانزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة
ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان فقال عثمان قبحك الله وقبح ما جئت به ثم نزل عثمان قال ابن ابي حبيبة وكان آخر يوم رايته فيه وقال الواقدي حدثني ابو بكر بن اسماعيل عن ابيه عن عامر بن سعد قال كان اول من اجترا على عثمان بالنطق السىء جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه وفي يد جبلة جامعة فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة لم تردون عليه رجل قال كذا وكذا ثم اقبل على عثمان فقال والله لاطرحن هذه الجامعة في عنقك او لتتركن بطانتك هذه فقال عثمان ابي بطانة فوالله لأتخير الناس فقال مروان تخيرته ومعاوية تخيرته وعبدالله بن عامر بن كريز تخيرته وعبدالله بن سعد بن ابي سرح تخيرته منهم من نزل القرآن بذمه واباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه قال فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه الى هذا اليوم قال الواقدي وحدثني محمد بن صالح عن عبيدالله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد قال مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال يا نعثل والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك الى حرة النار ثم جاءه مرة اخرى وعثمان على المنبر فانزله عنه وذكر سيف بن عمر ان عثمان بعد ان صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم ايضا فقال في خطبته يا هؤلاء الغرباء الله الله فوالله ان اهل المدينة ليعلمون انكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فامحوا الخطأ بالصواب فان الله لا يمحو السىء الا بالحسن فقام محمد بن مسلمة فقال انا اشهد بذلك فاخذه حكيم بن جبلة فاقعده فقام زيد بن ثابت فقال انه في الكتاب فثار اليه من ناحية اخرى محمد بن ابي مريرة فاقعده وقال يا نطع وثار القوم باجمعهم فحصبوا الناس حتى اخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه فاحتمل وادخل داره وكان المصريون لا يطمعون في احد من الناس ان يساعدهم الا محمد بن ابي بكر ومحمد بن جعفر وعمار ابن ياسر واقبل على وطلحة والزبير الى عثمان في اناس يعودونه ويشكون اليه بثهم وما حل بالناس ثم رجعوا الى منازلهم واستقبل جماعة من الصحابة منهم ابو هريرة وابن عمر وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان فبعث اليهم يقسم عليهم لما كفوا ايديهم وسكنوا حتى يقضى الله ما يشاء
*3* ذكر حصر امير المؤمنين عثمان بن عفان
@ لما وقع ما وقع يوم الجمعة وشج امير المؤمنين عثمان وهو في راس المنبر وسقط مغشيا عليه واحتمل الى داره وتفاقم الامر وطمع فيه اولئك الاجلاف الاخلاط من الناس والجاوه الى داره وضيقوا عليه واحاطوا بها محاصرين له ولزم كثير من الصحابة بيوتهم وسار اليه جماعة من ابناء الصحابة عن امر أبائهم منهم الحسن والحسين وعبدالله بن الزبير وكان امير الدار وعبدالله ابن عمرو وصاروا يحاجون عنه ويناضلون دونه ان يصل اليه احد منهم واسلمه بعض الناس
رجاء ان يجيب اولئك الى واحدة مما سالوا فانهم كانوا قد طلبوا منه اما ان يعزل نفسه او يسلم اليهم مروان بن الحكم ولم يقع في خلد احد ان القتل كان في نفس الخارجين وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج الا قليلا في اوائل الامر ثم انقطع بالكلية في آخره وكان يصلي بالناس في هذه الايام الغافقي بن حرب وقد استمر الحصر اكثر من شهر وقيل اربعين يوما حتى كان آخر ذلك ان قتل شهيدا رضى الله عنه على ما سنبينه ان شاء الله تعالى والذي ذكره ابن جرير ان الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور طلحة بن عبيدالله وفي صحيح البخاري عن وروى الواقدي ان عليا صلى ايضا وصلى ابو ايوب وصلى بهم سهل بن حنيف وكان يجمع بهم علي وهوالذي صلى بهم بعد وقد خاطب الناس في غبوب ذلك باشياء وجرت امور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان
قال الامام احمد حدثنا بهز ثنا ابو عوانة حدثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال قال الاحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة فبينا نحن في منزلنا اذ جاءنا آت فقال الناس في المسجد فانطلقت انا وصاحبي فاذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال فتخللتهم حتى قمت عليهم فاذا علي بن ابي طالب والزبير وطلحة وسعد بن ابي وقاص قال فلم يكن ذلك قالوا نعم قال ههنا طلحة قالوا نعم قال ههنا سعد بن أبي وقاص قالوا نعم قال انشدكم باسرع من ان جاء عثمان يمشي فقال ههنا على قالوا نعم قال ههنا الزبير بالله الذي لا اله الا هو تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فاتيت رسول الله قالوا نعم قال أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يبتاع بئر رومة فابتعتها بكذا وكذا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إني قد ابتعتها يعني بئر رومة قال اجعلها صلى الله عليه وسلم فقلت اني قد ابتعته فقال اجعله في مسجدنا وأجره لك سقاية للمسلمين ولك أجرها قالوا نعم قال انشدكم بالله الذي لا اله الا هو تعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا قالوا اللهم نعم فقال اللهم اشهد اللهم اشهد ثم انصرف ورواه النسائي من حديث حصين وعنده جاء رجل وعليه ملاءة صفراء
*3* طريق اخرى
@ قال عبدالله بن احمد حدثني عبدالله بن عمر القواريري حدثنى القاسم بن الحكم بن اوس الانصاري حدثنى ابو عبادة الدرقى الانصاري من اهل الحديبية عن زيد بن اسلم عن ابيه قال شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز ولو القى حجر لم يقع الا على راس رجل فرايت عثمان اشرف من الخوخة التي تلى مقام جبريل فقال ايها الناس افيكم طلحة فسكتوا ثم قال ايها الناس افيكم طلحة فسكتوا ثم قال ايها الناس افيكم طلحة فقام طلحة بن عبيدالله فقال له عثمان الا اراك ههنا ما كنت ارى انك تكون في جماعة قوم تسمع نداى الى آخر ثلاث مرات ثم لا تجيبني انشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت وانا وأنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع كذا وكذا ليس معه احد من الصحابة غيرى وغيرك فقال نعم قال فقال لله رسول الله صلى الله عليه وسلم يا طلحة انه ليس من نبي الا ومعه من اصحابه رفيق من امته معه في الجنة وان عثمان بن عفان هذا يعني رفيقي في الجنة فقال طلحة اللهم نعم ثم انصرف لم يخرجوه
*3* طريق اخرى
@ قال عبدالله بن احمد حدثنا محمد بن ابي بكر المقدسي ثنا محمد بن عبدالله الانصاري حدثنا هلال بن اسحاق عن الجريري عن ثمامة بن جزء القشيري قال شهدت الدار يوم اصيب عثمان فاطلع عليه اطلاعه فقال ادعوا لي صاحبيكم اللذين الباكم عل فدعيا له فقال انشدكما الله تعلمان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد باهله فقال من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين وانتم تمنعونى ان اصلي فيه ركعتين ثم قال انشدكم الله اتعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه الا بئر رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتر يها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين وله خير منها في الجنة فاشتريتها من خالص مالي وانتم تمنعوني ان اشرب منها ثم قال هل تعلمون اني صاحب جيش العسرة قالوا اللهم نعم وقد رواه الترمذي عن عبدالله بن عبدالرحمن الدرامي وعباس الدوري وغير واحد اخرجه النسائي عن زياد بن ايوب كلهم عن سعيد بن عامر عن يحيى بن ابي الحجاج المنقري عن ابي مسعود الجريري به وقال الترمذي حسن صحيح
*3* طريق اخرى
@ قال الامام احمد حدثنا عبدالصمد حدثنا القاسم يعنى ابن المفضل حدثنا عمرو بن مرة عن سالم ابن ابي الجعد قال دعا عثمان رجالا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمار بن ياسر فقال اني سائلكم واني احب ان تصدقوني نشدتكم الله اتعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤثر قريش اعلى الناس ويؤثر بنى هاشم على سائر قريش فسكت القوم فقال لو ان بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بنى امية حتى يدخلوا من عند آخرهم فبعث الى طلحة والزبير فقال عثمان الا احدثكما عنه يعنى عمارا اقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ بيدي يمشى في البطحاء حتى اتى على ابيه وامه وهم يعذبون فقال ابو عمار يا رسول الله الدهر هكذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم اصبر ثم قال اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت تفرد به احمد ولم يخرجه احد من اصحاب الكتب
*3* طريق اخرى
@ قال الامام احمد حدثنا اسحاق بن سليمان سمعت معاوية بن سلم ان سلمة يذكر عن مطرف عن نافع ابن عمر ان عثمان اشرف على اصحابه وهو محصور فقال على لم تقتلونني فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحمل دم امرىء الا باحدى ثلاث رجل زنى بعد احصانه فعليه الرجم او قتل عمدا فعليه القتل او ارتد بعد اسلامه فعليه القتل فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام ولا قتلت احدا فاقيد نفسي منه ولا ارتددت منذ اسلمت اني اشهد ان لا اله الا الله ووان محمدا عبده رسوله ورواه النسائى عن احمد بن الازهر عن اسحاق بن سليمان به
*3* طريق اخرى
@ قال الامام احمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابي امامة ين سهل بن حنيف قال كنت مع عثمان في الدار وهو محصور قال وكنا ندخل مدخلا اذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط قال فدخل عثمان يوما لحاجته فخرج الينا منتقعا لونه فقال انهم ليتواعدوني بالقتل آنفا قال قلنا يكفيكهم الله يا امير المؤمنين قال ولم يقتلونني فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرىء مسلم الا باحدى ثلاث رجل كفر بعد اسلامه او زنى بعد احصانه او قتل نفسا بغير نفس فوالله ما زنيت في جاهلية ولا اسلام قط ولا تمنيت بدلا بديني منذ هداني الله له ولا قتلت نفسا فبم يقتلونني وقد رواه اهل السنن الاربعة من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثنى ابو اسامة زاد النسائي وعبدالله بن عامر بن ربيعة قالا كنا مع عثمان فذكره وقال الترمذي حسن وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه
*3* طريق اخرى
@ قال الامام احمد حدثنا قطن حدثنا يونس يعني ابن ابي اسحاق عن ابيه عن ابي سلمة بن عبدالرحمن قال اشرف عثمان من القصر وهو محصور فقال انشد بالله من شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حراء اذا اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال اسكن حراء ليس عليك الا نبي او صديق او شهيد وانا معه فانتشد له الرجال ثم قال انشد بالله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان اذ بعثنى الى المشركين الى اهل مكة فقال هذه يدي وهذه يد عثمان ووضع يديه احداهما على الاخرى فبايع لي فانتشد له رجال ثم قال
قال أنشد بالله من شهد رسول الله قال من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة فابتعته من مالي فوسعت به المسجد فانتشد له رجال ثم قال أنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال من ينفق اليوم نفقة متقبلة فجهزت نصف الجيش من مالي فانتشد له رجال ثم قال انشد بالله من شهد رومة يباع ملؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال فانتشد له رجال ورواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن جده أبي إسحاق السبيعي به
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان رضي الله عنه لما رأى ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار من محاصرته في داره ومنعه الخروج إلى المسجد كتب إلى معاوية بالشام وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة فبعث معاوية مسلمة بن ابن حبيب وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش وبعث أهل الكوفة جيشا وأهل البصرة جيشا فلما سمع اولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان رضي الله عنه كما سنذكره وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي وضعت لعثمان وسادة في كوة من داره فأشرف على الناس فقال له عثمان يا أشتر ماذا يريدون فقال إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الأمرة وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته أو جلدته أو حبسته وإما أن يقتلوك وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان ابن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر فخشى عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه فيكون سببا في قتل امرىء مسلم وما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن وأما ما سألوه من خلعه نفسه فأنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ويولي السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الأمر بسبب ذلك ووقع الأمر كما ظنه فسدت الأمة ووقع الهرج وقال لهم فيما قال وأي شيء إلى من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته وكلما رضيتم عنه وليته وقال لهم فيما قال والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي ولا تصلوا جميعا ابدا ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا وقد صدق رضي الله عنه فيما قال
وقال الأمام أحمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن أبي قيس حدثني النعمان بن بشير قال كتب معي عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثتني أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان إن الله لعله يقمصك قميصا فأن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه ثلاث مرات قال النعمان فقلت يا أم المؤمنين فأين كنت عن هذا الحديث فقالت يا بني والله أنسيته وقد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح
عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان عن عائشة به ثم قال هذا حديث حسن غريب ورواه ابن ماجه من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان فأسقط عبد الله بن عامر
قال الأمام أحمد حدثنا يحيى بن إسماعيل ثنا قيس عن أبي سهلة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعو لي بعض أصحابي قلت أبو بكر قال لا قلت عمر قال لا قلت ابن عمك علي قال لا قالت قلت عثمان قال نعم فلما جاء قال تنحى فجعل يساره ولون عثمان يتغير فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا يا أمير المؤمنين ألا تقاتل قال لا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى عهدا وإني صابر نفسي عليه تفرد به أحمد وقال محمد بن عائد الدمشقي حدثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفقيمي يقول قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته قال فكيف رأيتهم فقلت رأيت في وجوههم الشر وعليهم ابن عديس البلوي فصعد ابن عديس منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الجمعة وتنقص عثمان في خطبته فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم فقال كذب والله ابن عديس ولولا ما ذكر ما ذكرت إني رابع أربعة في الأسلام ولقد أنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام ولا تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أتت على جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عن ابن لهيعة قال لقد أختبأت عند ربي عشرا فذكرهن
*3* فصل (استمرار حصار عثمان بن عفان ).
@ كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة فلما كان قبل ذلك بيوم قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار وكانوا قريبا من سبعمائة فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه فقال لهم أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله وعنده من أعيان الصحابة وابنائهم جم غفير وقال لرقيقه من أغمد سيفه فهو حر فبرد القتال من داخل وحمى من خارج واشتد الأمر وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده وشوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليكون خيرا بني آدم حيث
قال حين أراد أخوه قتله إني أريد أن تبوء بأثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين وروى أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار بعد أن عزم عليهم في الخروج الحسن بن علي وقد خرج وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن عمر لم يلبس سلاحه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يوم الدار ويوم نجرة الحروري قال أبو جعفر الداري عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر أن عثمان رضي الله عنه أصبح يحدث الناس قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا عثمان افطر عندنا فأصبح صائما وقتل من يومه وقال سيف بن عمر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن رجل قال دخل عليه كثير بن الصلت فقال يا أمير المؤمنين أخرج فاجلس بالفناء فيرى الناس وجهك فأنك إن فعلت ارتدعوا فضحك وقال يا كثير رأيت البارحة وكأني دخلت على نبي الله وعنده أبو بكر وعمر فقال ارجع فانك مفطر عندي غدا ثم قال عثمان ولن تغيب الشمس والله غدا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة قال فوضع سعد وابو هرير السلاح وأقبلا حتى دخلا على عثمان وقال موسى بن عقبة حدثني أبو علقمة مولى لعبد الرحمن بن عوف حدثني ابن الصلت قال أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل فيه فاستيقظ فقال لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم قال قلنا أصلحك الله حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي هذا فقال إنك شاهد معنا الجمعة وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي ثنا خلف بن تميم ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي ثنا عبد الملك بن عمير حدثني كثير بن الصلت قال دخلت على عثمان وهو محصور فقال لي يا كثير ما أراني إلا مقتولا يومي هذا قال قلت ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين قال ثم أعاد علي فقلت وقت لك في هذا اليوم شيء أو قيل لك شيء قال لا ولكني سهرت في ليلتي هذا الماضية فلما كان وقت السحر أغفيت إغفاءه فرأيت فيما يرى النائم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لي يا عثمان الحقنا لا تحبسنا فأنا ننتظرك قال فقتل من يومه ذلك وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يزيد بن هارون عن فرج بن فضالة عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام قال أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور فدخلت عليه فقال مرحبا بأخي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه الخوخة قال وخوخة في البيت فقال يا عثمان حصروك قلت نعم قال عطشوك قلت نعم فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى إني
لاجد برده بين ثديي بين كتفي وقال لي إن شئت نصرت عليهم وإن شئت أفطرت عندنا فاخترت أن افطر عنده فقتل ذلك اليوم
وقال محمد بن سعد أناعفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود عن زياد بن عبد الله عن ام هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان قال وأحسبها بنت الفرافصة قالت أغفى عثمان فلما استيقظ قال إن القوم يقتلونني قلت كلا يا أمير المؤمنين قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر فقالوا أفطر عندنا الليلة أو إنك مفطر عندنا الليلة وقال الهيثم بن كليب حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبي راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي وعقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية امرأة عثمان قالت لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان فيه قتله صائما فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه وقالوا دونك ذلك الركي وركى في الدار الذي يلقى فيه النتن قالت فلم يفطر فرأيت جارا على أحاجير متواصلة وذلك في السحر فسألتهم الماء العذب فأعطوني كوزا من ماء فأتيته فقلت هذا ماء عذب أتيتك به قالت فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال إني أصبحت صائما قالت فقلت ومن اين أكلت ولم أر احدا أتاك بطعام ولا شراب فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع على من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال اشرب يا عثمان فشربت حتى رويت ثم قال ازدد فشربت حتى نهلت ثم قال أما أن القوم سينكرون عليك فإن قاتلتهم ظفرت وإن تركتهم أفطرت عندنا قالت فدخلوا عليه من يومه فقتلوه
وقال أبو يعلى الموصلي وعبد الله بن الإمام أحمد حدثني عثمان بن أبي شيبة ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي عن أبيه عن مسلم عن أبي سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان أعتق عشرين مملوكا ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام وقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبا بكر وعمر وأنهم قالوا لي اصبر فأنك تفطر عندنا القابلة ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه قلت إنما لبس السراويل رضي الله عنه في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فأنه كان شديد الحياء كانت تستحي منه ملائكة السماء كما نطق بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه واستسلم لقضاء الله عز وجل وكف يده عن القتال وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه ولكن كان أمر الله قدرا مقدرا وقال هشام بن عروة عن أبيه إن عثمان رضي الله عنه أوصى إلى الزبير وقال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه قال لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه
فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها هذه وصية عثمان بسم الله الرحمن الرحيم عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد عليها يحيى وعليها يموت وعليها يبعث إن شاء الله تعالى
وروى ابن عساكر أن عثمان رضي الله عنه قال يوم دخلوا عليه فقتلوه
أرى الموت لا يبقى عزيزا ولم يدع * لعاذ ملاذا في البلاد ومرتعا
وقال أيضا * يبيت أهل الحصن والحصن مغلق
ويأتي الجبال الموت في شماريخها العلا
*3* صفة قتله رضي الله عنه
@ وقال خليفة بن خياط حدثنا ابن علية ثا ابن عوف عن الحسن قال أنبأني رباب قال بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال ما يريد الناس قال ثلاث ليس من إحداهن بد قال ما هن قال يخبرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول هذا أمركم فاختاروا من شئتم وبين أن تقتص من نفسك فأن أبيت فأن القوم قاتلوك فقال أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله وأما أن اقتص لهم من نفسي فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي ولا تصلون بعدي جميعا ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا قال وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه فقال ما أغنى عنك معاوية وما أغنى عنك ابن عامر وما أغنت عنك كتبك قال اسل لحيتي يا ابن أخي قال فأنا رأيته استعدي رجلا من القوم بعينه يعين أشار إليه فقام إليه بمشقص فوجى به رأسه قلت ثم مه قال ثم تعاوروا عليه حتى قتلوه
قال سيف بن عمر التميمي رحمه الله عن العيص بن القاسم عن رجل عن خنساء مولاة أسامة بن زيد وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان أنها كانت في الدار ودخل محمد بن أبي بكر وأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فبحأ بها في حلقه فقال مهلا يا ابن أخي فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به فتركه وانصرف مستحييا نادما فاستقبله القوم على باب الصفة فردهم طويلا حتى غلبوه فدخلوا وخرج محمد راجعا فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه فقطر دمه على المصحف حتى لطخه ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه وقالت
يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين وأخذت السيف فقطع الرجل يدها وانتهبوا متاع الدار ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم قال والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به
وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الأنصراف ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه وليس فيهم أحد من الصحابة ولا ابنائهم إلا محمد بن أبي بكر وسبقه بعضهم فضربوه حتى غشى عليه وصاح النسوة فانزعروا وخرجوا ودخل محمد بن أبي بكر وهو يظن أنه قد قتل فلما رآه قد أفاق قال على أي دين أنت يا نعثل قال على دين الإسلام ولست بنعثل ولكني أمير المؤمنين فقال غيرت كتاب الله فقال كتاب الله بيني وبينكم فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا وشطحه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى بأبي رومان وقال قتادة أسمه رومان وقال غيره كان أزرق أشقر وقيل كان أسمه سودان بن رومان المرادي وعن ابن عمر قال كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا قال ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكى عليه وتحامل حتى قتله وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها رضي الله عنها ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت حلقه والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا
وروى ابن عساكر عن ابن عون أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبيه وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات وقال أما ثلاث منهن فلله وست لما كان في صدري عليه
وقال الطبراني حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي وإسحاق بن داود الصواف التستري قالا ثنا محمد بن خالد بن خداش ثنا مسلم بن قتيبة ثنا مبارك عن الحسن قال حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال ارجع يا ابن أخي فلست بقاتلي قال وكيف
علمت ذلك قال لأنه أتى بك النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال أنت قاتلي قال وما يدريك يا نعثل قال لأنه أتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة فحربت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فوثب على صدره وقبض على لحيته ووجأه بمشاقص كانت في يده هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة ايضا حين دخلوا عليه وليس ببعيد فأنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن
وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال بسم الله توكلت على الله فلما قطر الدم قال سبحان الله العظيم وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر فيه الأمر بقتل بعضهم وصلب بعضهم وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان متأولا قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من لأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من جملة المفسدين في الأرض ولا شك أنهم كذلك لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ويزور على خطه وخاتمه ويبعث غلامه على بعير بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر بخلاف ذلك كله ولهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه وظنوا أنه من عثمان أعظموا ذلك مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رؤس الصحابة وأعانهم على ذلك قوم آخرون حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان رضي الله عنه فلما قيل لعثمان رضي الله عنه في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين حلف بالله العظيم وهو الصادق البار الراشد أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه ولا علم به فقالوا له فإن عليه خاتمك فقال إن الرجل قد يزور علىخطه وخاتمه قالوا فأنه مع غلامك وعلى جملك فقال والله لم أشعر بشيء من ذلك فقالوا له بعد كل مقالة إن كنت قد كتبته فقد خنت وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت ومثلك لا يصلح للخلافة إما لخيانتك وإما لعجزك وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب وهو لم يكتبه في نفس الأمر لا يضره ذلك لأنه قد يكون رآى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام وأما إذا لم يكن قد علم به فأي
عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه رضي الله عنه وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد وتهددوه بالقتل ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها ومن أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا باحدى ثلاث النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة وذكر أنه لم يقتل نفسا ولا ارتد بعد إيمانه ولا زنى في جاهلية ولا إسلام بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منهم فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده حتى اشتد عليه الحال وضاق المجال ونفذ ما عنده من الماء فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهله اولئك كلام غليظ وتنفير لدابته وإخراق عظيم بليغ وكان قد زجرهم أتم الزجر حتى قال لهم فيما قال والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها فقالوا ما جاء بك فقالت إن عنده وصايا بني أمية لأيتام وأرامل فأحببت أن أذكره بها فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة وقطعوا حزام البغلة وندت بها وكادت أو سقطت عنها وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها ووقع أمر كبير جدا ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا فإنا لله وإنا إليه راجعون
ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا ولزم أكثر الناس بيوتهم وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج فقيل لها إنك لو أقمت كان أصلح لعل هؤلاء القوم يهابونك فقالت إني أخشى أن أشير عليهم برأى فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة فعزمت على الخروج واستخلف عثمان رضي الله عنه في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس فقال له عبد الله ابن عباس إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج فعزم عليه فخرج بالناس إلى الحج واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع اليسير من الحج فأخبر بسلامة الناس وأخبر اولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين وبلغتهم
ايضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج وأن اهل الكوفة قد بعثوا القعقاع بن عمرو في جيش وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش فعند ذلك صمموا على امرهم وبالغوا فيه وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج وأحاطوا بالدار وجدوا في الحصار وأحرقوا الباب وتسوروا من الدار المتاخمة للدار كدار عمرو بن حزم وغيرها وحاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة واقتتلوا على الباب قتالا شديدا وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم وجعل أبو هريرة يقول هذا يوم طاب في الضراب فيه وقتل طائفة من أهل الدار وآخرين من اولئك الفجار وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة وكذلك جرح الحسن بن علي ومروان ابن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أوقص حتى مات ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري والمغيرة بن الأخنس بن شريق ونيار بن عبد الله الأسلمي في أناس وقت المعركة ويقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم فانصرفوا كما تقدم فلم يبق عنده أحد سوى أهله فدخلوا عليه من الباب ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه وكان سريع القراءة فقرأها والناس في غلبة عظيمة قد احترق الباب والسقيفة التي عنده وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف وجعل يتلو هذه الآية الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشى عليه وجعلت نفسه تتردد في حلقه فتركه وهو يظن أنه قد قتله وخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ثم ند وخرج ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها فقيل إنه أبانها وقيل بل قطعها ولم يبنها إلا أن عثمان قال والله إنها أول يد كتبت المفصل فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه رضي الله عن عثمان وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في فيه ورفس المصحف الذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان رضي الله عنه وسالت عليه الدماء ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فما نعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده وقال إنها لكبيرة العجيزة وضرب عثمان فقتله فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله فضرب الغلام رجل يقال له قترة فقتله
وذكر ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله فصاح النساء وضربن وجوههن فيهن أمرأتاه
نائلة وأم البنين وبناته فقال ابن عديس اتركوه فتركوه ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه وذلك أنه نادى مناد منهم أيحل لنادمه ولا يحل لنا ماله فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وفسيلين معه فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي ملاءة نائلة فضربه غلام لعثمان فقتله وقتل الغلام ايضا ثم تنادى القوم أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه فسمعهم حفظه بيت المال فقالوا يا قوم النجا النجا فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله وكذبوا إنما قصدهم الدنيا فانهزموا وجاء الخوارج فاخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا
*3*فصل (مقتل عثمان رضي الله عنه ).
@ ولما وقع هذا الأمر العظيم الفضيع الشنيع أسقط في أيدي الناس فأعظموه جدا وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا وأشبهوا تقدمهم ممن قص الله علينا خبرهم في كتابة العزيز من الذين عبدوا العجل في قوله تعالى ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين
ولما بلغ الزبير مقتل عثمان وكان قد خرج من المدينة قال إنا لله وإنا إليه راجعون ثم ترحم على عثمان وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال تبا لهم ثم تلا قوله تعالى ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون وبلغ عليا قتله فترحم عليه وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه وتلا في حق الذين قتلوه قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ثم قال سعد اللهم اندمهم ثم خذهم وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا رواه ابن جرير
وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه منها دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح وقال بعضهم ما مات أحد منهم حتى جن وقال الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال الذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب النجيبي وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل حتى إذا كنا بالمرج سمعنا رجلا يغني تحت الليل
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة * قتيل النجيبي الذي جاء من مصر
ولما رجع الحج وجدوا عثمان رضي الله عنه قد قتل وبايع الناس على بن أبي طالب رضي الله عنه ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي
*3* فصل(مدة حصاره أربعون يوما ).
@ كانت مدة حصار عثمان رضي الله عنه في داره اربعين يوما على المشهور وقيل كانت بضعا وأربعين يوما وقال الشعبي كانت ثنتين وعشرين ليلة ثم كان قتله رضي الله عنه في يوم الجمعة بلا خلاف قال سيف بن عمر عن مشايخه في آخر ساعة منها ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون وقال آخرون ضحوة نهارها وهذا أشبه وكان ذلك لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور وقيل في أيام التشريق ورواه ابن جرير حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير سمعت يونس عن يزيد عن الزهري قال قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي الحجة وقيل قتل يوم النحر حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر
ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
قال والأول هو الأشهر وقيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة حلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور وقيل سنة ست وثلاثين قال مصعب بن الزبير وطائفة وهو غريب فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين فأما عمره رضي الله عنه فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة وقال صالح بن كيسان توفي عن ثنتين وثمانين سنة وأشهر وقيل أربع وثمانون سنة وقال قتادة توفي عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة وفي رواية عنه توفي عن ست وثمانين سنة وعن هشام بن الكلبي توفي عن خمس وسبعين سنة وهذا غريب جدا وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا قتل عثمان رضي الله عنه عن ثلاث وستين سنة
وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب شرقي البقيع وقد بنى عليه زمان بني أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم قال الإمام مالك رضي الله عنه بلغني أن عثمان رضي الله عنه كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول إنه سيدفن ههنا رجل صالح
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان رضي الله عنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن قلت وكأنه
اشتغل الناس عنه بمبايعة علي رضي الله عنه حتى تمت وقيل إنه مكث ليلتين وقيل بل دفن من ليلته ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج وقيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة فيهم حكيم بن حزام وحويطب بن عبد العزي وأبو الجهم بن حذيفة ونيار بن مكرم الأسلمي وجبير بن مطعم وزيد بن ثابت وكعب بن مالك وطلحة والزبير وعلي بن أبي طالب وجماعة من أصحابه ونسائه منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين وصبيان وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي وجماعة من خدمه حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن والصحيح الأول وصلى عليه جبير بن مطعم وقيل الزبير بن العوام وقيل حكيم بن حزام وقيل مروان ابن الحكم وقيل المسور بن مخرمة وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه وإلقاءه عن سريره وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع حتى بعث علي رضي الله عنه إليهم من نهاهم عن ذلك وحمل جنازته حكيم بن حزام وقيل مروان بن الحكم وقيل المسور بن مخرمة وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم وجبير بن مطعم وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلي عليه عند مصلى الجنائز أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك فقال أبو جهم بن حذيفة ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ثم قالوا لا يدفن في البقيع ولكن ادفنوه وراء الحائط فدفنوه شقري البقيع تحت نخلات هناك
وذكر الواقدي أن عمير بن ضابي نزل على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال أحبست ضابيا حتى مات في السجن وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابي هذا وقال البخاري في التاريخ حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول اللهم اغفر لي وما أظن أن تغفر لي فقلت يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول ما تقول قال كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن الطم وجه عثمان إلا لطمته فلما قتل وضع علي سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه فدخلت كأني أصلي عليه فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني قال بان سيرين فرأيتها يابسة كأنها عود ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار وهما صبيح ونجيح رضي الله عنهما فدفنا إلى جانبه بحش كوكب وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان ورفع الجدار بينه وبين البقيع وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين
*3* ذكر صفته رضي الله عنه
@ كان رضي الله عنه حسن الوجه دقيق البشرة كبير اللحية معتدل القامة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين كثير شعر الرأس حسن الثغر فيه سمرة وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدرى رضي الله عنه وعن الزهري كان حسن الوجه والثغر مربوعا أصلع أزوح الرجلين يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر
وقال الواقدي حدثنا ابن أبي سبرة عن سعيد بن أبي زيد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة قال كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم ومائة ألف دينار فانتهبت وذهبت وترك ألف بعير بالربذة وترك صدقات كان تصدق بها بئر أريس وخيبر ووادي القرى فيه مائتا ألف دينار وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها
*3* فصل (قتل عثمان أول الفتن ،وآخر الفتن الدجال ).
@ قال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن الدجال وروى الحافظ بن عساكر من طريق شبابه عن حفص بن مورق الباهلي عن حجاج بن أبي عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره أنا محمد بن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الأشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال اللهم إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا فليس لي فيه نصيب وإن كان قتله شرا فأنا منه برىء والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا وإن كان قتله شرا ليمتص به دما وقد ذكره البخاري في صحيحه

يتبع