المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف نواجه حملات التشكيك المعاصرة حول القرآن الكريم ؟



الخطيب
11-03-2010, 07:50 PM
كيف نواجه حملات التشكيك المعاصرة حول القرآن الكريم ؟

أ.د. أحمد سعد الخطيب
محاضرة ألقيت في لقاء الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه
الرياض في: 25 - 11 - 1431 هـ
2 - 11 - 2010 م

مدخل الموضوع:
شهدت الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا واعتناءً واضحا من قبل الحاقدين على الإسلام بعرض الشبه حول القرآن الكريم سواء القديم منها بإعادة طرحه ، أو ما يزعمون أنه جديد وهو في أغلبه قديم مكرور.
وقد أسهم في ذيوع هذه الشبهات ثورة الاتصالات الهائلة التي وصلت أطراف العالم بعضها ببعض حتى بدا كأنه قرية صغيرة مما أدى إلى انتشار وسائل المعلومات وتعددها مع استحالة السيطرة عليها خصوصا شبكة الإنترنيت التي تقتحم بيوتنا وتدخل غرف أبنائنا لتفتح أذهانهم على مساوئ ما كانوا ليعرفونها لولا هذا الانفتاح والاستغلال السيء لهذا التقدم الملحوظ في تكنولوجيا الاتصالات.
لكن يبقى أخطر شيء يمكن أن يواجهه مجتمعنا المسلم هو ذلك الغزو الفكري الذي يتخذ من القرآن عدوا له ويحاول من خلال أكاذيبه وشبهه أن يحدث قطيعة بين المسلمين والقرآن.
وقد يغتر البعض - قلّوا أو كثروا - بهذا ، لأن تعمد الإلباس والتزييف مقصود عند المشتبهين ، وما سميت الشبهة بهذا إلا لكونها تلبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق فيقع الاشتباه فيغتر بها من لا يمتلك رصيدا من وعي ولا ثقافة مضادة ليقع فريسة سهلة في شباك هؤلاء.
كل هذا وأهل الاختصاص مختلفون فيما بينهم في أمر مواجهة هذا الخطر البيّن:
مواقف بعض المختصين في العصر الحاضر من مسألة طرح الشبه والإجابة عنها
فمن قائل: الأولى أن ندع الشبهة تموت بدلا من الرد عليها.
لكن الواقع يؤكد أن الشبه لا تموت بل يتوفر لها دائما من يعمل على إحيائها وبعثها من جديد.
ومن قائل: مهما رددنا من شبه فلن نأتي عليها جميعا ولن نستطيع إلجام الخصوم ومنعهم من طرح المزيد.
وعلى فرض التسليم فليس هذا مسوغا للتقصير في حق الدفاع عن القرآن وتبليغ منهجه الصحيح للكافة، وما كان بعث المرسلين وإرسالهم بقاض على الكفر بالله وبهم، وما كان عدم التصديق بهم مندوحة لترك البلاغ.
ومن قائل: نخشى بعرض الشبه أن يتشربها من لا يعرفها والأدهى أن يتشربها من يدافع عنها.
ونقول: هذه خشية إن جازت على العوام وأنصاف المثقفين فلا يجوز أن تكون مع أهل القرآن والعلم به.كيف وهم المنوط بهم الدفاع عن القرآن ؟
و إذا خشينا على أهل القرآن والعلم به الارتياب فماذا بقي لغيرهم ؟ !!! وإذا لم يتصد هؤلاء للدفاع عن القرآن فمن لذلك ؟
إن الإيمان يقين وثبات وصدق وإخلاص وجهاد ، وصدق الله إذ يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }الحجرات15
ولذلك كان شأن علماء الأمة المعتبرين مقاومة أهل الإلحاد والبدع وقطع الطريق أمام شبهاتهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "درء تعارض العقل والنقل": "َكُلُّ مَنْ لَمْ يُنَاظِرْ أَهْلَ الْإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ مُنَاظَرَةً تَقْطَعُ دَابِرَهُمْ لَمْ يَكُنْ أَعْطَى الْإِسْلَامَ حَقَّهُ وَلَا وَفَّى بِمُوجِبِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَلَا حَصَلَ بِكَلَامِهِ شِفَاءُ الصُّدُورِ وَطُمَأْنِينَةُ النُّفُوسِ وَلَا أَفَادَ كَلَامُهُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ "
وفي موضع آخر من ذات الكتاب بين رحمه الله أن المناظرة بالحق تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى.
وذكر الطوفي أن تعلم الجدل لإظهار الحق فرض كفاية لما في ذلك من المصلحة التي قد تفوت بفواته.
وقال في كتابه علَم الجذل في علم الجدل:
ومما يدل على أن علم الجدل فرض كفاية قوله سبحانه وتعالى[ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] أي جادلوهم وقال الله عز وجل [وجادلهم بالتي هي أحسن] وذلك أمر بالجدال لإظهار الحق والأمر يقتضي الوجوب عينا ،لكن تُرِك التعيين لحصول مصلحته بالبعض ، وبقي في الكفاية على مقتضى الأمر ، ولأنه حسنٌ عقلا وشرعا ، وورد الشرع باستدعائه ، وما كان كذلك فهو واجب ، ووجه حسنه ظهور الحق به.أ.ه بتصرف يسير
وكيف يغيب عنا مناظرة ابن عباس للخوارج ؟ ومناظرة عمر بن عبد العزيز لغيلان القدري ؟ ومناظرة الإمام أحمد لمن ادعوا خلق القرآن ؟ وكذلك مناظرات غيرهم وغيرهم ، وتاريخ الإسلام حافل بمثل هذه المناظرات التي كان هدفها إظهار الحق.
القرآن هو أول من دافع عن نفسه ودفع شبه المفترين
الشبه لا تخيفنا في شيء ، والقرآن الكريم هو من حكى شبه المخالفين عن نفسه ، وهذه فريدة من فرائد القرآن ، فإننا لم نعهد كتاب قط على وجه الدنيا يحكي افتراءات المخالفين له واتهاماتهم ضده كما فعل القرآن الكريم ، وهكذا تكون الثقة في النفس ، فالقرآن لا يخشى منتقديه ، وله في مناقشتهم منهاج جدلي هو أعلى ما عرفه علم الجدل من مناهج ، وله منطق وقوة حجة في استدلالاته هو أعلى ما عرفته الدنيا من فنون الاستدلال وأقواها إقناعا.
وفي مجال دفع شبه المفترين ومجادلتهم يزخر القرآن الكريم بالكثير من الحجج والبراهين التي لا يمكن لمنطق قديم أو جديد أن يبلغ شأوها، ولا أن يقاربها جمالا ورونقا ، فضلا عن يقينية المقدمات والنتائج التي لا توجد لها نظائر فيما سواه.
وصدق الغزالي أبو حامد رحمه الله حين وازن بين الأدلة القرآنية وأدلة المتكلمين المعتمدة على المنطق الأرسطي فقال:
أدلة القرآن مثل الغذاء، ينتفع به كل إنسان وأدلة المتكلمين مثل الدواء ينتفع به آحاد الناس، ويستضِرُّ به الأكثرون، بل إن أدلة القرآن كالماء الذي ينتفع به الصبي الرضيع، والرجل القوي، وسائر الأدلة كالأطعمة التي ينتفع بها الأقوياء مرة، ويمرضون بها أخرى، ولا ينتفع بها الصبيان أصلا أ0هـ
وهذه بعض آيات القرآن الجدلية في مواجهة المشتبهين عليه:
قال المشركون وقد أعياهم تحديد مصدر القرآن بعد أن جحدوا كونه وحيا من عند الله ، قالوا: لقد علمه إياه فلان في إشارة لغلام أعجمي غير عربي ، فحكى القرآن قولهم هذا وفنده في وجازة بالغة قطع بها ألسنتهم بحيث لم يبق لهم حجة تؤيد ما قالوا:
قال تعالى:
[وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ] (النحل:103)
ثم جاوزوا هذا الأمر واتهموه بأنه أساطير الأولين تملى عليه صلى الله عليه وسلم فحكى القرآن قولهم ورد عليه مع حكايته ، فقال سبحانه:
[وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا 5 قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا 6] (الفرقان: 5، 6)
أي: إن هذا الكتاب قد اشتمل على أسرار لم تحط بها أساطير الأولين ، ولا يعرفها أحد فكيف تصح التهمة ؟
هذا ، والآيات القرآنية التي تولت محاجة الكفار حول القرآن الكريم وصدق الرسالة كثيرة جدا ، والأساليب الجدلية المعنية بهذا متنوعة في الكتاب العزيز ففيه من أنواع الجدل (الإسجال، الانتقال، التسليم، القول بالموجب، السبر والتقسيم، المناقضة، مجاراة الخصم، إلجام الخصم بالحجة، القياس الإضماري، قياس التمثيل، قياس الخلف، قياس الشبه، قياس العلة، المذهب الكلامي) وغير ذلك من أساليب الجدل.

مصادر الشبهات وروافدها
الرافد الأول - لابد من أن نمتلك جرأة القول بأن ثغرات في فكرنا الإسلامي من خلال بعض كتب التراث التي تحتاج إلى دراسات ناقدة تكشف عن خطورة ما فيها مما يتعرض وقدسية كتاب الله عز وجل.
ومن أخطر هذه الكتب على الإطلاق كتاب "المصاحف" لابن أبي داود الذي يعد المرجع الأول في الكلام عن تاريخ القرآن ، وخصوصا ما يتعلق بجمعه وتدوينه.
وهو كتاب مليء بالثغرات محشو بالأخطاء العلمية والروايات التي تطعن في النص القرآني من جهة توثيقه.
ولقيمته في التشكيك احتفى به المستشرقون أيما احتفاء ، حتى كان الذي تولى نشره المستشرق آرثر جفري وكان ذلك عام 1355هـ 1936م وقدم له بمقدمة خطيرة تنتهك قدسية القرآن تأثر فيها كل التأثر بالمستشرق الألماني نولدكه في كتابه تاريخ القرآن حيث أثنى عليه عاطر الثناء وقد ساعده على ذلك مادة كتاب المصاحف المليئة بالترهات والأباطيل.
هذا والكتاب وإن كان خرج محققا فيما بعد في جامعة أم القرى من خلال الدكتور محب الدين عبد السبحان واعظ ، غير أنه يحتاج إلى دراسة من نوع جديد ، دراسة ناقدة تقويمية ، يُنَبَّه فيها على ما فيه مخاطر ثم تردف بعملية تقويم وتصويب يرد فيها الحق إلى نصابه.
والمقترح عندي في هذا أن يتجرد لهذا العمل المهم طالبان من طلاب الدكتوراه ممن لهم تمكن ورغبة في العمل النقدي ، ويبدأ النقد من دراسة صاحب الكتاب نفسه وهو: أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني. الشهير بابن أبي داود نسبة إلى أبيه أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب السنن.
ولماذا قال أبو داود عن ابنه عبد الله صاحب كتاب المصاحف: ابني عبد الله هذا كذاب أ.هـ نقله ابن عدي في الكامل في الضعفاء 4/ 265 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق 29/ 86 والذهبي في كتابيه تذكرة الحفاظ 2/ 238وميزان الاعتدال. وابن حجر في لسان الميزان 3/ 294 وغيرهم

*وأنبه أيضا على كتاب عزيز على النفس ، لأنه أصل في بابه ، لا يستغني عنه باحث في الدراسات القرآنية ، وهو كتاب الإتقان للسيوطي فهو على قيمته في بابه في حاجة أيضا إلى دراسة ناقدة ، تنقي ما فيه مما لا يليق وكتاب الله عز وجل ، ومن ذلك:
ما قاله صاحب الإتقان وهو بصدد الحديث عن نزول القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤدي إلى سلب القرآن أخص خصائصه وهو كونه منزلا من عند الله لفظا ومعنى
قال:
في المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أقوال:
أحدها:أنه اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعاني خاصة وأنه صلى الله عليه وسلم علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب وتمسك قائل هذا بظاهر قوله تعالى " نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ " الشعراء: 193 ، 194
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية ثم إنه نزل به كذلك بعد ذلك.
والسيوطي ينقل ذلك متابعا البرهان للزركشي فهل يليق أن يدون هذا الكلام في أهم كتب التراث ؟
ثم هل يليق بنا أن نقرأ هذا الكلام ولا ننبه على ما فيه من خطورة ثم نعلمه لطلابنا وهم بدورهم سيعلمونه لطلابهم وهلم جرا ؟
ومن ذلك أيضا ما نقله السيوطي وهو بصدد الحديث عن الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم عن الخويبي ما يوحي بأن هذه الحروف ليست مقصودة لذاتها بل قصد بها إيقاظ النبي صلى الله عليه وسلم وتنبيهه لسماع القرآن والتهيؤ له وقال في ذلك:
وقال الخويبي: القول بأنها تنبيهات جيد لأن القرآن كلام عزيز وفوائده عزيزة فينبغي أن يرد على سمع متنبه ، فكان من الجائز أن يكون الله قد علم في بعض الأوقات كون النبي صلى الله عليه وسلم في عالم البشر مشغولًا فأمر جبريل بأن يقول عند نزوله: الم ، والر ، وحم ، ليسمع النبي بصوت جبريل فيقبل عليه ويصغي إليه أ.هـ

بالله عليكم ، هل يمكن قبول مثل هذا الكلام الي قد يفهم منه أن الحروف المقطعة خارج النص القرآني ، وأن جبريل ربما أمر بأن ينبه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حال كونه مشغولا ؟
ناهيكم عن موضوعات أخرى ليس هذا محل تفصيلها تحتاج إلى إعادة قراءتها من جديد بفهم ووعي مستساغ ينزه القرآن الكريم عما لا يليق به ، ويقصي عنه ما لا فائدة فيه، بل ما يضر ولا ينفع.
الرافد الثاني للشبه حول القرآن هم الروافض
وأكثر شبههم المؤثرة تتعلق بقصة جمع القرآن وادعاء نقصانه وتحريفه ، وتعتبر شبه الروافض رافدا مهما جدا يستقي منه المستشرقون والنصارى مادتهم التشكيكية.
ويكفيك لكي ترى هذا بنفسك أن ترجع إلى ما سطره علي بن إبراهيم القمي في تفسيره، وكذا الكليني في الكافي ، والنوري الطبرسي في كتابه (فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب..)، وأبو الحسن العاملي في مقدمته (مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار) على تفسير (البرهان) لهاشم البحراني، ونعمة الله الجزائري في (الأنوار النعمانية).. وقائمة طويلة عريضة من هذه المصادر والمراجع.
وهذه مسألة جد مهمة ، ومقاومتها جهاد أكبر.
الرافد الثالث للشبه حول القرآن: المستشرقون:
وهؤلاء قد أغراهم ما وصلوا إليه من نتائج حول دراسة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد نتائج باهرة قطعت بأن هذا الكتاب لم يكتب في عهد أنبيائه وبأنه قد تأثر بثقافات عصر كتابته ولقد فرحوا بالوصول إلى هذه النتائج في إثر إخضاع هذا الكتاب المقدس لمنهج النقد الأعلى.
وأيضا منهج النقد الأدنى.
هنا ظن بعض الغربيين ومن تأثروا بهم من أبناء جلدتنا ممن اتشحوا بوشاح العلمانية أو التنوير والحداثة ظنوا أن بإمكانهم الوصول إلى نفس النتائج مع القرآن الكريم وهو الأمر الذي أعلن فشله كثير من الغربيين ومنهم المستشرق الإنجليزي آربرى وكذلك المستشرق السويدي" تور أندريه" مؤلف كتاب " محمد : حياته وعقيدته "وغيرهما
ومع هؤلاء كامل الحق لأن القرآن الكريم قد ثبت يقينا وبطرق التواتر المفيدة للعلم الضروري ثبت توثيق هذا الكتاب وحفظه صدرا وتدوينه كتابة في عهد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك منذ عهد بعيد منا فألف وأربعمائة سنة في عمر الزمن شيء يسير بالإضافة إلى هذه الخصوصية التي لم تتوفر لأي نص آخر على الإطلاق من التداول الشفاهي لهذا الكتاب الخالد من لدن عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإلى عصرنا الحاضر طبقة عن طبقة وجمعا عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب
الرافد الرابع - العلمانيون الحداثيون أحفاد الماركسيين وأبواق المستشرقين
وفي الواقع فإن العلمانيين العرب قد تأثروا بل تمذهب كثير منهم بالماركسية التي هي أس البلاء الفكري في بلادنا وعشقوها ودافعوا عنها وعملوا على تثبيت دعائمها من خلال ما بات يعرف بالقراءات المعاصرة أو العصرانية للقرآن الكريم.
وقد حاول بعضهم أن يستتر تحت شعار اليسار الإسلامي وهي محاولة في رأيي تشبه ما يعرف بمبدأ التقية عند الباطنية والروافض.
وتحت غطاء التحديث والتجديد ، وبركوب مركبة المجاز الذي ليس له أدنى صلة بالحقيقة فيما يسمونه هم بالتأويل ، خرجوا علينا بتأويلات يأباها الكتاب العزيز ، وترفضها أصول الإسلام ومقاصده.
وقد ظهر هذا في دراسات نصر أبو زيد وحسن حنفي وأركون وشحرور والجابري وغيرهم.
والأخطر من المسائل الجزئية التي توصلوا إليها جرّاء هذه القراءة المعاصرة كإلغاء الحدود وإباحة الربا وتسوية الذكر بالأنثى في الميراث وإنكار مشروعية الحجاب ، أقول: الأخطر من هذا هو محاولاتهم ترسيخ منهج في فهم النص الكريم ، لا يُرى للنص فيه أي اعتبار إلهي ، ولا غرو فهو في نظرهم منتج ثقافي تاريخي ، ولا يعدو أن يكون مرحلة تطورية خاصة بعصرها ، وهو تطور لابد أن يفهم في ظل ما يعرف عند الماركسيين بالدياليكتيك أو المادية الجدلية والمادية التاريخية ومن خلال هذه الرؤية الجدلية ، يؤمن الماركسيون بأن كل تطور في أي اتجاه هو تطور مادي طبيعي ، وليس له اتصال ميتافيزيقي أو غيبي ، فلا مكان للغيب في الفلسفات المادية.
تلك هي قصة العصرنة والتحديث التي يحاول الحداثيون جرنا إليها , ومن وسائلهم في سبيل تحقيق أغراضهم بجانب المدخل التأويلي الذي ألمحنا إليه مدخل آخر هو:
المدخل المقاصدي:
وهو مدخل مهم جدا وذلك أننا إذا كنا نحاول الآن التأصيل لعلم جديد من علوم القرآن هو علم "مقاصد القرآن" فإن الخطاب العلماني يحاول أن يسبقنا إلى فهم جديد لمنظومة المقاصد لا يُعوّل على حفظ كليات الإسلام وضروراته ، وذلك من خلال ترسيخ فهم جديد للمصلحة ، التي هي في نظرهم مقدمة على النص أبدا.
وفرَّعوا على هذا الأصل ألا ضرورة للحجاب لأنه يعيق حركة المرأة ، وأيضا لا بأس بالفوائد الربوية فهي منعشة للاقتصاد هكذا يزعمون. بل لا حاجة إلى الشريعة أصلا لأن عصرها قد ولّى.
ولا عجب فيما قالوا ، فأهداف هؤلاء معلومة ، لكن العجب أن نجد من يفتي في بعض بلداننا الإسلامية بجواز الفطر في رمضان لفريق كرة قدم يلعب مباراة في نهار رمضان ، باسم المصلحة أيضا.
أرأيتم ، إلى أي حد تدنى مفهوم المصلحة المعتبرة في التشريع في نظر بعضهم؟.

الرافد الخامس: القرآنيون
وهم قوم نسبوا أنفسهم إلى القرآن والقرآن منهم براء ، لأنهم أصحاب شبهة كبرى تنفي السنة مصدرا لفهم القرآن ، ومن ثم فهي عندهم أيضا ليست مصدرا للتشريع ، وقد استعاضوا عن السنة في فهم القرآن بعقول عليلة وأفهام سقيمة ، أرأيتم إلى أي مدى بلغ هؤلاء ، لا يعترفون بالسنة مصدرا لفهم القرآن ويذعنون لسلطان الهوى وزيغ العقل مصدرين لفهم القرآن.
ولهؤلاء سلف في الماضي فقد قال أحدهم لمُطَرِّف بن عبد الله بن الشِخِّير وهو من التابعين: " لا تحدثونا إلا بالقرآن قال: والله ما نبغي بالقرآن بدلاً ولكن نريد من هو أعلم منا بالقرآن"
وبعد ذلك بقرون ظهر لهذه الفرقة وجود في الهند ، ثم امتدت هذه الظاهرة خارج الهند ، ويقود القرآنيين الآن أحمد صبحي منصور الذي يلقب بشيخ القرآنيين ، وله في ذلك مؤلفات منها كتابه "حد الردة دراسة تاريخية أصولية" أنكر فيه أن يكون لحد الردة وجود في الإسلام محتجا بأنه لم يرد في القرآن ، وكان لنا وقفة معه ومع غيره من العلمانيين الذين التقوا معه على صعيد واحد في هذه المسألة من خلال كتابنا "الحملة العلمانية على حد الردة دوافعها ودفعها" ثم توالت كتبه التي تحمل منهجه الهدام إلى أن بلغ الأمر ذراه بهذا الكتاب الذي لم يخجل أن يكون عنوانه "القرآن وكفى مصدرا للتشريع" وآخر ما وصل إليه هذا المجتهد في إنكار السنة هو زعمه أن الأذان لا يشتمل على عبارة وأشهد أن محمدا رسول الله ، فليس فيه إلا شق الشهادة الأول: أشهد ألا لا إله إلا الله.
أرأيتم إلى أي مدًى بلغ العداء للسنة بل لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم ممن يزعمون أنهم أهل القرآن ؟
وقد كذبوا فلو كانوا أهلا للقرآن ، لكانوا أحرص على اتباعه وهو يقول: [وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا]
وإذا كان علماؤنا من أهل الحديث قد أشبعوا فرية عدم الاكتراث بالسنة ردا وتفنيدا ، فقد جاء دور أهل القرآن، إذ عليهم أن يكشفوا لهؤلاء وغيرهم أن فهم القرآن وبيانه وتفصيله منوط بالسنة المطهرة في مرتبته الأولى، والقرآن هو الذي قرر هذا في قوله سبحانه:
[وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ] وأما التفكر والتدبر فهو تال للبيان النبوي وليس سابقا عليه [وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] وهو التفكر المبني على مراعاة قواعد الدين وأصوله ، ولم يخرج فيه سالكه عن قواعد التفسير وأصوله.
فكيف إذا كان منبع هذا الاجتراء على تفسير كتاب الله عقلاً زائغا وهوًى متبعا ؟
إنني أقترح على أهل التخصص أن يقوم مشروع متكامل يحمل عنوان "جنايات القرآنيين على القرآن والتفسير" ينهض به عدد من طلاب الدراسات العليا المؤهلين للنقد ، تناقش فيه أصول هذه الطائفة – على تسامح في تسمية ما يعتمدون عليه أصولا - ثم تُستقرَى المواضع التي جنوا فيها على كتاب الله بإساءة فهمه ، لأنهم لم يعتمدوا في ذلك الفهم على أصول التفسير وقواعده ، ويكفي أنهم هدموا أصل الأصول في هذا الفهم وهو البيان النبوي للقرآن.
هذه هي القضية ، وذاك هو المقترح ، فهل من مشمر ؟
الرافد السادس للشبه المثارة حول القرآن في العصر الحاضر: النصارى
وأكثر شبههم من النوع الساذج اللهم إلا ما كان وسيلتهم فيه النقل عن الروافض والمستشرقين وأذنابهم من العلمانيين
وهؤلاء قد خصصوا للطعن في القرآن مواقع متعددة على شبكة الإنترنيت ، واجهتها مواقع أخرى إسلامية ، وواجهتها رسالة علمية لأحد الإخوة الأردنيين وهي رسالة "القرآن الكريم في مواقع الإنترنت العربية "
دراسة تحليلية نقدية
وهي في الواقع تعنى بالشبهات المثارة حول القرآن الكريم في المواقع التنصيرية خاصة.
أقول: جهد مشكور ، لكن الجهد الفردي لا يكفي في مواجهة هذا الطوفان ، إننا في حاجة إلى عمل مؤسسي يؤمن بأهمية القضية التي نطرحها وينطلق لأجل مواجهتها ، وليس أصلح لذلك من بيئة الدراسات العليا ، في ظل اتهام لا أراه صوابا حول شح الموضوعات في الدراسات القرآنية ، أدى إلى التعاطف مع بعض الموضوعات على ضعفها ، وقبولها للتسجيل ، علما بأن موضوعات كثيرة في هذا النطاق لم تطرق ، ويبقى مجال النقد ساحة مفتوحة لكل من يرى نفسه مؤهلا للدخول فيها ، بل واجبا يجب إبراء الذمة بأدائه ، من قبل المؤسسات القرآنية أساتذتها وطلابها.
فهل من مشمر للبدء بمدارسة كتاب خطير حول جمع القرآن للمنصر البروتستانتي " جون جلكرايست " ؟
هذه هي أخطر روافد الاشتباه على القرآن الكريم في العصر الحاضر
والآن ننتقل إلى بيان أسس موضوعية لابد من مراعاتها في الحوار الجدلي ، يتبعها الحديث عن خطوات عملية في مواجهة هذه الشبه والنماذج التي سنطرحها هي عبارة عن حوارات حية مع عدد من المشتبهين على اختلاف صنوفهم:
أسس موضوعية لابد من مراعاتها في الحوار الجدلي:
تحت هذا العنوان سنرشد إلى بعض الأسس التي ينبغي أن تكون حاضرة في ذهن من يريد النقد ، ومن يمارسه بالفعل ، وبارزة في سلوكه أثناء النقد ، سواء كان النقد شفاهيا أو كتابيا ومن ذلك:
1- ينبغي على المناظر كما يقول أبو الوليد الباجي في كتابه المنهاج: أن يتحلى بتقوى الله عز وجل ، وأن يقدمها على جدله ليزكو نظره ، ويحمد الله عز وجل ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم يسأل الله التوفيق لإدراك الحق ولا يقصد به المباهاة والمفاخرة فيذهب مقصوده ويكتسب إثمه. ... إلخ آداب مهمة يجمل مراجعتها في كتاب "المنهاج في ترتيب الحِجاج" لأبي الوليد الباجي.
2- مراعاة ألا يقوم بهذه العملية الحوارية إلا المؤهلون له ، وليس هذا تثبيطا لهمم من يحبون دينهم وقرآنهم ولا يملكون أنفسهم عندما تنتهك للرسول صلى الله عليه وسلم حرمة ، أو يتهم الدين بما هو منه براء ، أو تلصق بالقرآن الكريم افتراءات وأكاذيب ، فيهبون للرد والدفاع وهم غير مؤهلين ، نحن نغبطهم على شعورهم هذا ونشكر كل واحد منهم فردا فردا على انفعاله ووثبته ، التي هي في سبيل الله كما نرجو لها أن تكون ، وإني والله لأحبهم في الله وأحمد لهم حماستهم وغضبتهم لله ، لكن أن تدخل ساحة عراك وأنت غير مؤهل ، أو تقتحم ميدانا وأنت غير مسلح ، فأنت بذلك تضر ولا تنفع ، وتساعد على تثبيت شبهة الخصم ولا تدفع ، وتكون كمن ألقى بنفسه في التهلكة، وأخشى أن يكون من هذه حاله قد أضر بدينه وهو لا يشعر ، لأنه – لعدم تأهيله - ساعد خصمه على أن ينتصر عليه وأعانه على أن يشعر بنشوة الانتصار ويفاخر بها ، وقد وضعنا لهذا المعنى شعارا هو"ناظر وأنت مؤهل وحاور وأنت مؤمل" وهو عنوان مقالة كاملة لمحدثكم.
3- التحلي بالموضوعية والبعد عن السباب والغمز والانفعال فإن ذلك يضعف من قيمة الحوار مهما كانت قوة الردود.
4- تجديد الخطاب فكثير من المشككين في القرآن قد اطلعوا على ردود سابقة وحفظوها وربما تنبهوا إلى ثغرات في بعضها ، وقد يكون التجديد المطلوب ، هو تجديد في العرض بما يتناسب وطبيعة المشتبهين في العصر الحاضر.

الخطوات العملية في مواجهة الشبهة
أولا- عدم التسليم بالشبهة ، بل يجب العمل على تفكيكها وتقويضها ، فالدخول المباشر في الجواب عن الشبه يفقده الصواب والدقة ، ويكسب الخصم في رأيي ما يزيد على الستين أو السبعين في المائة انتصارا. لأن التسرع بالجواب معناه التسليم بصحة الشبهة ، والمطلوب من المجادل عن القرآن زعزعة الشبهة أولا وخلخلتها في ذهن ملقيها ، ليبدأ المناصر بعد ذلك في تصحيح المفاهيم ، وبيان الصواب من الأمر ، والكشف عن إيجابيات القرآن فيما يُطرح.
نقول هذا إيمانا منا بأن كل ما يشتبه به على القرآن ، هو مما لا يسلم لقائله لأنه إما قول ضعيف اتكأ عليه الخصم ، أو خطأ تمسك به ، أو سوء فهم تعلق به .
ومن الخطوات المطلوب مراعاتها قبل الدخول في الجواب أنه لابد من النظر إلى:
الدليل للتأكد من صحته ، فإن لم يكن له دليل أصلا، أو له دليل غير صحيح سواء كان دليلا من العقل أو النقل ، فإنه يُكشف له عن عقم دليله أو انعدامه.
أو يكشف له عن عدم اعتبار دليله ، إن كان دليله غير معتبر مطلقا أو في هذه المسألة تحديدا.
كمن يزعم أن لحنا في قوله تعالى: ((والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة)) وهو جزء آية من سورة النساء وهى قوله تعالى: ((لكن الراسخون فى العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجراً عظيماً)) ارتكازا على أنه جاء منصوباً بين مرفوعين هما قوله (والمؤمنون) وقوله (والمؤتون الزكاة)
فإن تتابع المعطوفات على حالة إعرابية واحدة قاعدة إعرابية معتبرة ، لكنها هنا غير معتبرة لأن للنص الكريم تخريجا نحويا آخر غير العطف وهو:
أن يوجّه النصب فى (المقيمين الصلاة) بأن:
يكون على المدح ، والناصب فعل مضمر تقديره أمدح ، أو أخص المقيمين الصلاة. والعلة بيان فضل الصلاة ومزيتها.
فإذا انتهت هذه الخطوة وبان أن دليله صحيح ، فلينظر إلى صحة الاستدلال بهذا الدليل ، إذ إنه قد يكون الدليل صحيحا لكن الاستدلال به غير صحيح.
كمن يستدل بقوله تعالى: [يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ] على أن الإسلام مايز بين نوع الرجال عن نوع النساء في الميراث ، فإن الدليل صحيح لكن الاستدلال به على الدعوى غير صحيح ، لأن الآية لا تتكلم عن النوع حتى يقال: إن الإسلام ميز الذكور على الإناث ، ولكن الحديث عن تقسيم التركة بين الأبناء فقط خاصة ، فمن مات وترك أبناء ذكورا وإناثا ، فإن نصيب الذكر يكون ضعف نصيب أخته ، لما على الذكر من مسؤوليات ليست على أخته الأنثى من النفقة على من يعولهم ، وهي ليست كذلك.
وبعد هذا البيان يُكشف للمشتبه أن فلسفة توزيع التركة في الإسلام لا تقوم على هذا التمايز الذي زعمه ، بدليل أن هنالك حالات يستوي فيها نصيب الذكر والأنثى وهم في درجة واحدة كالأخوة والأخوات لأم فإن نصيب كل واحد من الأخوين الذكر والأنثى السدس ، فإن كانوا أكثر من اثنين ، اشتركوا جميعا في الثلث ، فيقسم بينهم بالتساوي للأنثى مثل الذكر.
وللمسألة هذه تفاصيل أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه ، لكننا نتركها لنأتي إلى ما بعدها.
ثانيا- تأمل النص القرآني محل الاشتباه عند الخصم ، فلعل نظرة فيه متأنية ، تحل لك الإشكال وتدفع الشبهة ، لستريح من البداية.
قال لي أحد العلمانيين وكنا في نقاش عن التأويل في الفكر العلماني ، قال: ليس العلمانيون فقط هم الذين يستخدمون التأويل في خدمة قضاياهم ، فالشرعيون كذلك في استخدام التأويل الذي حافظ على بقاء النص الديني.
قلت: كيف ؟
قال: انظر مثلا آية [ويعلم ما في الأرحام] كان المفسرون قديما يقولون: معناه أن الله يعلم نوع في الأرحام هل هو ذكر أو أنثى ؟
لكن بعد اختراع جهاز الموجات فوق الصوتية "السونار" الذي يكشف نوع الجنين ، قال المؤولون: المعنى يعرفه هل هو شقي أو سعيد ؟ وما المدة التي سيعيشها ؟ وهل سيتزوج أو، لا ؟ ......إلخ ، فانظر كيف تغير التأويل ليحافظ على بقاء النص.
قلت له: بل النص هو الذي يمتلك في ذاته مقومات بقائه.
قال: إذن أجبني عما طرحت.
قلت: انظر إلى الآية هل قالت ويعلم من في الأرحام ؟ أو قال ما في الأرحام.
فلو قالت: مَن في الأرحام انصرافا إلى النوع ، لكان اتهامك في محله ، ولكن التعبير هنا بـ "ما" التي تشمل كل شيء يتعلق بما في الأرحام من أمر الأجنة ، وليس فقط نوعها ، وعلى هذا يكون النص الكريم هو الذي قرر هذا ، وليس التأويل.

ثالثا- الانطلاق في الجواب من المسلمات المشتركة ، فإن لم يكن فمن مسلمات الخصم المشتبه وليس من المنطلقات الإيمانية للمحاور المدافع وليس من المنطلقات الإيمانية للمحاور المدافع ، لأن ما يؤمن به ويعتقده الناقد قد لا يؤمن به ولا يعتقده الخصم.
وهذا يوجب عليك قراءة مخالفك وإلى أي مذهب أو عقيدة ينتمي ، أو قد لا يكون منتميا لكن له في قومه عادات وانحلالات هم ماضون عليها صارت بالنسبة لهم مذهبا ، وهذا دأب الإلحاد المعاصر بفلسفاته المادية التي تقدس الإنسان من حيث هو ، ولا ترى لأي خارج عنه سلطانا عليه بالأمر والنهي ، فالخير ما يراه هو خيرا والشر ما يراه هو كذلك.
ومن خلال قراءتك لمخالفك يمكنك التعامل معه ومحاورته ومحاجته، ولنا في ذلك سلف وهو ما أخرجه أبو نعيم في الحلية بسنده عن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه قال:
بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس ملك الإسكندرية فجئته بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلني في منزل فأقمت عنده ليالي، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام فأحب أن تفهمه مني، فقلت كلم فقال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ فقلت: بلى وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه حين أخرجوه من بلده؟ فقلت: عيسى ابن مريم أليس هو نبي؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قلت فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه أن لا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا قال: أحسنت أنت حكيم جاء من عند حكيم.

مثال تطبيقي من خلال حوار حي:
ناظرني واحد ممن يعادون السنة يوما على شاشة التلفزة المصرية ، وكان موضوع اللقاء عن "حد الردة" وهو ككثير برزوا الآن ينكرون حد الردة ، ودليل إنكارهم له عجيب ، وهو أن القرآن لم يذكره ، فلو كان مشروعا لذكره القرآن ، فإن قلت له: إن السنة الصحيحة قد صرحت به فعند بخاري حديث "من بدل دينه فاقتلوه" وعند مسلم حديث "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث .... ومنها التارك لدينه المفارق للجماعة" قال: ما علينا من السنة ، فنحن لا نعترف إلا بالقرآن ، ويظهر بعضهم علمه بالسنة ومراتبها فيقول: هذا خبر آحاد ، فكيف نقتل نفسا بشرية بخبر آحاد ؟
وأجزم أن أكثرهم لا يعرف معنى خبر الآحاد ، إذ هو عندهم ما رواه واحد.
المهم أن صاحبنا بدأ كلامه منكرا لحد الردة مستدلا بأن القرآن لم يذكره ثم تلا آية سورة البقرة [ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ثم قال: فأين حد الردة في هذه الآية ؟ إنها تتحدث عن عذاب الآخرة فقط جزاء الارتداد.
ثم تلا آية المائدة [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ] (المائدة: 54) وقال أيضا: هذه الآية كذلك ليس فيها كلام عن حد الردة ، إن هو غير مشروع ، وقتل المرتد قتل بغير دليل.
ثم طالبني مدير الحوار بالجواب.
نلحظ هنا أن محاوري لا يقول بالسنة ، وحينئذ فالدليل النبوي في هذه المجادلة يلزمني ولا يلزمه ، ولكن الذي يلزمه هو الدليل القرآن الذي هو به قائل.
فحمدت الله وأثنيت عليه وبينت في وجازة فساد القول بأن ما لم يرد في القرآن هو غير مشروع إذا أتت به السنة وثبت بطرق صحت بها النسبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قلت وأنا أضمر في نفسي شيئا: سآتي إلى ما استدل به صاحبي من آيات قرآنية نفى بها مشروعية حد الردة ، فتلوت آية البقرة متعمدا الخطأ هكذا:
[ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]
قال صاحبي: في الدنيا والآخرة.
قلت: إذن القرآن قال: في الدنيا والآخرة ، وليس فقط في الآخرة ؟
قال: الآية تقول: حبطت أعمالهم يعني بطل ثوابها.
قلت: وهل في الدنيا ثواب؟
قال: وما معنى هذا ؟
قلت: يدخل في حبوط أعماله في الدنيا حد الردة الذي صرحت به السنة.
وهذا الذي أقوله يا إخوان ليس بدعا مني ، ولكن قال به الفخر الرازي عند تفسيره للآية ، قال:
المسألة الثالثة : أما حبوط الأعمال في الدنيا ، فهو أنه يقتل عند الظفر به ويقاتل إلى أن يظفر به ولا يستحق من المؤمنين موالاة ولا نصراً ولا ثناء حسناً ، وتبين زوجته منه ولا يستحق الميراث من المسلمين ، ...إلى أن قال: وأما حبوط أعمالهم في الآخرة فمعناه أن هذه الردة تبطل استحقاقهم للثواب الذي استحقوه بأعمالهم السالفة ا.هـ تفسير الفخر الرازي
نعود إلى الحوار:
قال لي صاحبي: فماذا أنت قائل في آية المائدة ؟
قلت: هيا نتلوا الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ]
ثم قلت: هذه الآية استهلت بنداء للمؤمنين.
قلت: ثم كان المنادى من أجله جملة شرطية كاملة ، فيها شرط وجوابه [من يرتد ...فسوف يأتي] وجواب الشرط يقال له أيضا: جزاء الشرط ، لأنه جزاء عن فعل الشرط ، تأمل هذا المثال اليسير جدا:
من يذاكر ينجح ، ومن يهمل يرسب .
فانظر: كيف كان النجاح جزاء عن المذاكرة ، والرسوب جزاء عن الإهمال .
قال: وما معنى هذا ؟
قلت: معناه أن إتيان الله عز وجل بقوم يحبهم ويحبونه لا بد أن يكون مرتبطا بارتداد هؤلاء ارتباط الجواب بالشرط ، ليكون جزاءً له ، وعليه فإن هؤلاء القوم هم أئمة المسلمين الذين يقفون عند حدود الله ، ويطبقون شرع الله ، ومنه أنهم يقومون بتطبيق حد الردة على من يقعون في الارتداد بشروطه.
ولذلك قال كثير من السلف فيما نقله عنهم الطبري وغيره: إن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه في جهادهم المرتدين في حروب الردة.
فبهت الذي أنكر ، وأسقط في يده.

رابعا- ومن الخطوات المهمة أيضا في الرد على الشبه ، استقراء آراء العلماء في المسألة المطروحة إن كان للعلماء فيها مواقف متباينة ، وذلك لمعرفة أي أقوالهم أنجح للتعامل مع الشبهة.
فقد يكون الرد المناسب على الشبهة ماضيا على رأي بعض العلماء في مسألة خلافية فحينئذ ينبغي الاعتماد عليه في المحاجة الجدلية ، حتى لو عده بعض العلماء مرجوحا في الأصل ، فأنت هنا لست في مقام الموازنة بين الرأيين فذاك مقام آخر ، ولكنك في مقام اختيار أنسب الرأيين لمواجهة الشبهة ، أي أنه في هذه الحالة يمكن الاستئناس برأي مرجوح في معنى النص الذي أستند إليه لأنه الأقوى في مواجهة التشكيك.
وأنا أقول رأي مرجوح وليس رأيا باطلا أو ضعيفا
خامسا- هنالك كثير من الشبه يكون المرتكز فيها على قوة المناصر للقرآن الكريم وثقافته ومهارته وتمكنه الذاتي من الحوار والجدل ، واجتهاده في الجواب ، لأنه قد لا يجد من تعرض لمسألته هذه من السابقين ، إما لأنها شبهة جديدة لم تذكر في الماضي ، أو لأنها من ذلك النوع الساذَج الذي لم يكن المشتبهون السابقون يطرحونه ، وهذا اللون الآن صار كثيرا جدا ، ونسبته عالية بين الشبه المطروحة من المشككين.
التوصيات
1- أؤكد على دور الجامعات الإسلامية في التمكين لعلم الجدل عن القرآن والانتصار له وإذا كان لهذه الجامعات جهد مشكور لما تقوم به نشر الثقافة الإسلامية وتعليمها، لكن هذا ليس كافيا، فيجب أن يتعلم الطلاب أسس الجدل العلمي والحوار الجاد، إن المسلمين جميعهم يؤمنون بأن القرآن كلام الله، وفي المقابل فإن كثيرين منهم قد لا يستطيعون إثبات ذلك إذا ما جابههم مشكك يعرف كيف يدور برؤوس محاوريه.
إن من المهم جدا في جامعاتنا وخصوصا لطلاب الدراسات العليا في الدراسات القرآنية أن يتعلموا منهج دفع الشبه، وأن يتدربوا عليها، وأن يطلب منهم الإبداع في هذا وليس مجرد حفظ أجوبة جاهزة قد لا يقتنع بها المشتبه المعاصر.
لأن بعض من يلقي الشبه يحفظ الأجوبة الجاهزة عنها ، فيلقي شبهته ويؤكد على محاوره ألا يجيبه بكذا وكذا من الأجوبة الجاهزة لأنه يعرفها وأنها لا تقنعه.
إن المواجهات الآن بين الإيديولوجيات هي مواجهات ثقافية وباتت الحروب الآن حروبا فكرية والغزو الفكري بوسائل الاتصالات الحديثة فتح أمامه كل المنافذ، فإن لم تعد أمة القرآن العدة للدفاع عن سبب عزها وفخارها ونجاتها في الدنيا والآخرة فماذا هي قائلة غدا يوم العرض؟
وكيف نأمن على أبنائنا والأجيال القادمة في ظل غزو فكري لا يرحم، وثورة اتصالاتية لا حدود لها، وموروث متخاذل ظن أنه قد أحسن صنعا بترك الشبه لتموت في ظنه، والله يعلم ما هي فاعلة، فنسأل الله السلامة.
2- ومن التوصيات أيضا وجوب إنشاء موسوعة عالية الجودة من حيث اختيار عدد كبير جدا من الشبهات يستكتب المتخصصون المعنيون بعملية النقد لإنجازها.

الخطيب
04-05-2011, 02:05 PM
الرابط الصوتي للمحاضرة
http://www.4shared.com/audio/t_vRCH0o/____________1.html

عياض
04-11-2011, 02:56 AM
جزاكم الله خيرا أيها الشيخ الفاضل