مشاهدة النسخة كاملة : الكوميديا الإلحادية
هشام بن الزبير
10-07-2013, 12:21 PM
مرحبا بكم جميعا, وطبعا ما زال لدي جديد ما دام أبو الإلحاد سادرا في غيه.
muslim.pure
10-07-2013, 08:52 PM
مرحبا بكم جميعا, وطبعا ما زال لدي جديد ما دام أبو الإلحاد سادرا في غيه.
مرحبا بك أخ هشام بن الزبير
يبدو انك لا تعلم التحدي الذي تقف أمامه فالجميع ينتظر منك الوصول إلى 100 قصة قصيرة من قصص أبو الإلحاد:36:
فلا تبخل علينا في إخراج الجزء الثاني من سلسلة الكوميديا الإلحادية
هشام بن الزبير
12-07-2013, 06:42 PM
هذه اليومية كتبتها هذا الصباح على عجل, ثم نقحتها الآن, وهي هدية لأخي محمود المغيربي شكرا له لاهتمامه بهذه اليوميات العجيبة, التي أبشركم أنها مقبلة على انقلاب حقيقي يوشك أن يحدث, فبارك الله في كل من قرأها أو دعا لصاحبها بخير.
47- في ثنايا مخِّ مُلحد
دخل أبو الإلحاد جُحْره ليلة وبطنه تقرقر من الجوع, كانت أمعاؤه تصدر أصواتا حزينة كأنها تستعطفه أن يملأها بشيء ما.
شعر بالعجب من الحيل والوسائل التي ابتكرها التطور الدارويني للحفاظ على بقاء ابنه المدلل سليل القردة العليا.
إن هذه القرقرة أشبه شيء بأجهزة الإنذار المبكر, وقف عند باب الشقة فنفذت رائحة زكية إلى خياشيمه فازداد لها جوعه وسال لعابه.
أدار المفتاح بيد مرتعشة, هل هي بدايات داء الباركنسون, انتفض لهذا الخاطر المرعب, حرك رأسه, كلا إنه جائع هذا كل ما في الأمر.
فتح الباب فصرخ: "نوال.. نوال.. , بحق الصدفة التي جمعتنا تحت سقف واحد هات العشاء فأنا أكاد أموت من الجوع."
لم تجبه فقد كان الطعام ينتظره على المائدة.
ياه كأنها قرأت أفكاره, إنه يفكر منذ الصباح في طبق المخ بالثوم والكزبرة والفلفل الحار.
جلس يزدرد الطعام في شَرَهٍ, يا له من خروف مسكين!
لو استوعب آليات الإنتخاب الطبيعي لما انتهى به الحال إلى أشلاء ممزعة تمضغها أسنان ابن عمه الإنسان.
إن أبا الإلحاد يملك مثل هذه المادة اللزجة في جمجمته, ولولا التطور لكانت الآن قطعا يلتقمها أحد أبناء عمومته ممن كانوا يقفون يوما ما في خط انطلاق سباق التطور.
يا لهم من أغبياء أقاربه الداروينيون! إنهم لم يفهموا اللعبة جيدا!
لا أحد سوى الإنسان انتبه إلى الصناديق المبثوثة على طول طريق السباق التطوري, إنها صناديق اقتراع العملية الإنتخابية الداروينية,
إنها ليست صناديق حقيقية قطعا, لكن مخ أبي الإلحاد, بخلاف مخ الخروف المتخلف داروينيا يملك ترف التفكير التجريدي,
ويستطيع التنقل في يسر وسلاسة بين الصور الحقيقية والصور الذهنية.
كم هو لذيذ مخ الخروف! فجأة خطر له خاطر غريب:
تُرى كيف سيكون طعم دماغ أبي الإلحاد؟!
تخيل صاحبنا دماغه بعد نصف ساعة على المقلى في جوار فصوص الثوم المقلية, وقطع الفلفل الأحمر, وأوراق الكزبرة,
أخذته قشعريرة, وكاد يلفظ اللقمة التي وضعها لتوه في فيه,
لا بد أن يكون مخه في مرارة العلقم, كيف لا وأعاصير الحيرة والشك تعصف في رأسه بالليل والنهار.
إن دماغه مسرح متنقل للهواجس والكوابيس المتلاحقة,
تبا له! لماذا لا يستطيع أن يأكل ويكف عن الهلوسة؟
لماذا لا يملك أن يُسْكِتَ هذه الكتلة الرمادية المزعجة في جمجمته؟
ليت أحد الزملاء في الشمال المتنور يبتكر عقارا يقطع حبل أفكاره, ويُخرس فيه هذا الصوت الداخلي الذي لا يصمت أبدا.
فرغ من طعامه ولعق الصحن حتى عاد أبيض ناصعا, ذهب مخ الخروف إلى غير رجعة, وانتصر أبو الإلحاد مرة أخرى في معركة "البقاء للأصلح",
إنها جولة أخرى يخسرها مجتمع الخرفان في مواجهة الإنسان,
استوقفته كلمة "الأصلح" فاستطرد في هلاوسه متسائلا: لكن ما الذي يستفيده العالم من وجود أبي الإلحاد وأضرابه؟
إن الخروف كائن وديع جميل ذو منافع, لكنه منح الإنسان - على تخلفه الدارويني- لحما لذيذا وصوفا ناعما,
فما الذي تستفيده الأسرة الداروينية منك يا أبا الإلحاد؟
إنك أكول دائم التشكي والتسخط, تُرى لماذا لا تشعر بالرضا رغم سبقك الدارويني؟
هل أخطأ التطور حين وهبك عقلا لا يكف عن الإعتراض والإفتراض؟ لماذا تعترض على ما هو واقع, وتفترض ما ليس بكائن؟
ثم إنك لا تنتج شيئا, لا وَبَرَ ولا صوف, ولا يخرج منك إلا القذارة, إنك عالة على أقاربك الداروينيين,
فما الفائدة من بقائك إذن أيها المغرور المخادع؟
لماذا لا تفسح المجال لغيرك من العَجْماوات لعلها تكون خيرا منك؟ تَنَحَّ عن جادة التطور فأنت لست الأصلح قطعا,
إني أرى في الغنم سكينة ليست فيك,
وفي الجمال صبرا لا تملكه,
وفي الكلاب وفاء لا أراه منك,
فماذا لو تصدَّرَتِ الكلابُ وتأخَّرتَ أنت؟
دخل مخدعه فازداد غوصا في هلاوسه حتى خيل إليه أن مخَّه يغلي في رأسه,
بلع حبتين من عقار مُنَوِّم فرأى نفسه في عالم دارويني مختلف...
نظر إلى أطرافه فراعه ما رأى, لقد كسى جُثَّتَه وبرٌ كثيف أسود,
حاول أن يرفع رأسه لينظر إلى السماء فلم يستطع, لقد أعاد التطور تركيب فقرات عنقه تركيبا مُهينا يجبره على النظر إلى الأرض باستمرار,
حاول أن ينتصب على قدميه فلم يُفلحْ في ذلك أيضا, حاول أن ينطق بشيء فلم يخرج منه إلا نباح مزعج,
ركض إلى جدول ماء, نظر إلى صفحة وجهه,
فإذا هو هو, إنه أبو الإلحاد لحود بن التطور الدارويني بن الصدفة, لكن الجسد جسد كلب من كلاب الشوارع,
يا له من مستقبل مظلم ينتظره, فلْيُبْشِرْ بالرَّكْل والرَّفْس, وبالجوع والظَّمإ.
ليته انتكس كلبا راقيا من الأنواع التي يدلِّلُها الأثرياء, إذن لاستطاع أن ينعم بشيء من الرفاهية التي تليق بكلب عريق النسب,
بكى أبو الإلحاد حتى اختلطت دموعه بماء الجدول.
سمع وقع خطوات استدار فوجد طفلا بلباس رياضي له رأس كلب,
هَشَّ له أبو الإلحاد في صورته الكلبية واقترب منه فما كان من الطفل إلى أن ركله ركلة قوية على أم رأسه, فعوى صاحبنا من شدة الألم,
فانتبه من نومه وهو يلهث وشرع ينظر إلى أطرافه ويقلب كفيه ويلمس جلده,
شعر في أعماق قلبه بالإمتنان للتطور والإنتخاب الطبيعي والطفرات,
وتمنى لو يعتكف على رأس جبل ليرتل كتاب أصل الأنواع الذي كشف له حقيقة أصوله الحيوانية البعيدة.
يا له من سيناريو مرعب أن تقود الكلاب قاطرة التطور,
لكن ما الفرق بين الكلاب وبين القرود المتطورة؟
إنه ليس فرقا جوهريا أبدا, إنه فرق في درجة التطور فقط,
ما الذي يمنع إذن أن يرْتَدَّ أبو الإلحاد يوما ما قردا أو حمارا أو خنزيرا؟
وهَبْهُ ارْتَدًّ بهيمة كما كان أسلافه الأقدمون, وبقي معه دماغه المتطور, وتفكيره التجريدي, ففي أي شيء ينفعه ذلك وهو ملتصق بالأرض يمشي على أربع
وليست له يدان, بل هب أن له يدين وليس فيهما إبهام, فأي شيء يصنع ليفوز في حلبة الصراع الدارويني؟
إن التطور حقا لغز محير, وأعظم منه لغز الكلاب التي لبست الثياب,
والبغال التي ارتدت النعال,
والحمير التي ترفل في الحرير.
هشام بن الزبير
01-01-2014, 10:03 PM
48- عام الكلب
أبا الإلحاد, هاهو عام آخر يوليك قفاه, ويمضي سريعا ليلحق بسنين ضياعك المتعاقبة, هاأنتذا ما زلت تتخبط كالغريق في ظلمات بعضها فوق بعض, وتُمَنِّي النفس ببلوغ نهاية النفق الإلحادي حيث تنتظرك أنوار التنوير المزعوم.
صار صاحبنا يدخل بيته فيغلق عليه غرفة المكتب, ويجلس على البساط يتدرب على اليوغا, لكن أنّى لليوغا أن تصلح ما أفسده الإلحاد, إن نفسه كالبيت الخَرِب تنعق فيها غربان الهواجس, وتزمجر فيها رياح الشّك والحيرة. قبيل انصرام العام وجد نفسه مرة أخرى مُقْعِياً تحت الشجرة التي عبدها الألمان أيام همجيتهم الأولى, ثم أسموها شجرة عيد الميلاد بعدما وفد عليهم القسس والرهبان. نعم جلس صاحبنا تحت شجرة عيد الميلاد, ليس لأنه تنصَّر معاذ الله, كل ما في الأمر أنه رأى زملاءه من ملاحدة الشمال المتنور لا يجدون غضاضة في ذلك فصنع صنيعهم, في الواقع إنه ما تعلم الطعن في الإسلام إلا منهم, وما داموا قد ذهبوا إلى أن بعض طقوس عيد الميلاد ورأس السنة لا تخدش الإلحاد في شيء, فإنه يقبل ذلك, الإلحاد يتعايش مع أي دين إلا الإسلام, إنك تعجب حين يمدح ملحد عربي البوذية والهندوسية والكونفيشوسية, ويصفها بالتسامح ثم لا يجد في الإسلام شيئا واحدا يستحق المدح!
أغمض عينيه وبدأ يُقَلِّبُ صفحات عامه الذي يوشك أن يرحل, شعر بالعار حين تذكر كيف خدعه مُنَجِّمون انقرضوا قبل قرون, تذكر كيف صدَّق خرافة نبوءة المايا قبل عام. تبا له ولهم, لقد كاد يقضي رعبا خوفا من تلاشي العالم المادي الذي لا يرى في الوجود شيئا سواه, لكنه الآن يهتم باليوغا وبغيرها من فنون الشرق.. تفكر في أمره وفي تخبطه الشديد وتقَلُّبه المستمر بين المذاهب والأفكار.. لا يهمّ, إنه يُقِرُّ أنه إمَّعة, لكن لماذا يشعر المتنورون البيض بكل ذلك الافتتان بالشرق رغم تقدمهم التقني الهائل, لماذا لم تتخلص أوربا قط من انبهارها بسحر العالم الشرقي؟ أبسبب شعورها برتابة الفكر المادي وكآبته وهشاشة بنيانه؟
أبحر أبو الإلحاد على أمواج الشبكة هائما على وجهه, فوجد نفسه في موقع صيني يحرس بوّابته تنّينان مرعبان, إنه يحبُّ الميثولوجيا اليونانية تأسِّيا بالرجل الأبيض, فلِمَ لا يتأسَّى به أيضا في إعجابه بهذه الكائنات الأسيوية الخرافية؟ نقر زر الترجمة فتحولت الرموز الصينية إلى عربية ركيكة, بدأ يتنقل بين الأقسام, وقع بصره على قسم: "الصين التقويم" وتندرج تحته الأقسام التالية: -عام النمر, عام التنين, عام الخنزير, عام الكلب... يا له من تقويم حيواني فريد, هل اطلع قدماء الصينيين على سر نظرية التطور حين وضعوا هذا التقويم؟
وجد في أسفل الصفحة الرابط التالي: "عرض مجاني: احصل على تحليل شخصيتك وفق الأبراج الصينية" يمم فأرته شطر العرض المغري, بدأ يدخل المعلومات المطلوبة: الاسم, العنوان البريدي, تاريخ الإزدياد إضافة إلى قائمة طويلة من الأسئلة, يبدو أن أصحاب الموقع يسعون للحصول على "بروفايل" أبي الإلحاد حسب علم الأبراج الصيني العريق,كان بعضها متعلقا بنظرته إلى الطبيعة والحياة والمستقبل, وبعضها لمعرفة مزاجه العام, قرر ألا يكتب تاريخ ازدياده الحقيقي, وحين ضغط على زر الإرسال, خرجت له نافذة فيها: "أبو إلحاد هو برج الخنزير سنة سعيدة."شعر بالإشمئزاز يغمره من أرنبة أنفه إلى أخمص قدميه, خنزير! ولِمَ لا يا أبا الإلحاد؟ أليس الخنزير مجرد عضو آخر من أسرتك الداروينية العريقة؟ ما هذه الرجعية المقيتة؟ ألم تتخلص بعد من رواسب الإسلام في لاوعيك أيها الزميل؟ ما الذي يزعجك في مشابهتك للخنزير؟ لم تفلح كل ألاعيبه ليقبل الحصول على تقويم خنزيري, فضغط على زرِّ العودة, وأدخل تاريخ ميلاده الصحيح لعله يظفر بشهادة صينية بالبراءة من صفات الخنازير, ضغط ثانية وهو يُمَنِّي النفس بحظ أوفر, وسرعان ما ظهرت له نافذة أجمل وأضاءت الشاشة بألعاب نارية صينية, قرأ: "عزيزي أبو إلحاد برج الكلب في عام الكلب, جائزة لك, انظر إيميل."
قطب جبينه في حيرة, يبدو أن ليس له خيار سوى بين كينونة خنزيرية أو كلبية, لماذا لا يكون تنِّينا أو نمرا على الأقل؟ فتح الرسالة الجديدة فوجد نسخة تقويمه الصيني الخاص تزينه صور شتى أنواع الكلاب, يبدو أنه سيقضي عامه وأقاربه الداروينيون يرقبونه من الجدار, ضغط على زر الطباعة, ولم تمض إلا دقائق حتى أخذ التقويم الكلبي مكانه على الجدار قبالة المكتب, فجأة تذكر أن الصينيين يأكلون الكلاب, يا له من أمر مُقَزِّز, حمد الصدفة أنه لا يعيش في الصِّين, فربما أكلوه يوما بعدما استيقنوا طبيعته الكلبية.
Abdulhaq_Afghani
01-02-2014, 07:50 AM
رفع الله قدرك أخي الكريم عل هذه الكوميديا الرائعة والمعبرة حقا عن أحوال الملاحدة
وفعلا هي النقطة التي تجعل البعل "بغلا" والبغل "بعلا".. (:
هشام بن الزبير
01-08-2014, 09:56 PM
وإياك أخي عبد الحق. نعم إنها نقطة واحدة تجعل البعل المحترم بغلا مبردعا يأكل التبن, وهذه الكوميديا تأسست على تلك النقطة.
فياض دوابشة
01-16-2014, 06:19 AM
اطلعت هنا هذا الصباح على موضوع كتبه ملحد, انطوى على التهكم والسخرية.. فذكرني بهذا النمط من الكتابة الذي يستهوي ملاحدة الإنترنت.. فبدأت هذا الموضوع.. فشكرا للملحد الذي ذكرني بقيمة الأدب الساخر.. وهذه "الكوميديا الإلحادية" رسالة يفهمها المعني بها, ولن تضر من لم يكن من أهلها...
أبو الإلحاد الرقمي في أزمة :o:
جلس أبو الإلحاد الرقمي القرفصاء يلملم أفكاره ويراكم أوزاره.. لم يفتح عليه اليوم بشيء.. يا له من يوم عقيم من أيام "الإلحاد الإلكتروني" وياله من نهار مظلم من أيام "التنوير اللاديني" ترى لم غاب عنه اليوم شيطانه؟ ربما لأنه مال شيئا قليلا عن جادة الإلحاد.. تصور.. لقد خطر بباله لوهلة أن الإسلام قد يكون حقا دين الحق! كيف يحدث مثل هذا لمثله؟ إنه يتصفح أمهات كتب الملة الإسلامية كالغواص البصير, يتصيد العثرات, ويقتنص الهفوات, ويفرح بالتصحيف, ولا يبالي بتصحيح ولا تضعيف, يرى الجمال فيتوهم قبحه, ويرى الدليل كالشمس فيحسبه شبهة, يفعل ذلك كله ثم لا يشك في دينه طرفة عين..
تذكر نفسه يوما وهو في رحلة في بطون الكتب لاقتناص الشبهات المُردية, قلب مئات الصحائف دون طائل, لقد فضح النصارى الملاحدة.. لم يتركوا لنا شيئا يصلح شبهة إلا استخلصوه.. فماذا نصنع الآن؟ فجأة وجد شيئا جديدا لم يسبق إليه.. جحظت عيناه وتسمرت على الشبهة الموعودة.. شبهة بكر.. يا ليتهم ابتكروا نظاما لتسجيل براءات "الشبهات"... بدأ يدون الحديث "الغريب".. ابتسم في شماتة وهو يحدث نفسه: "كيف يصدق المسلمون مثل هذا الكلام": [لا تسافر امرأة فوق ثلاث ليال إلا مع بــغــل]!!! بدأ يفرع وجوه بيان الشبهة.. "كيف يكون هذا كلام نبي: المرأة تسافر على بــغــل, فكيف تسافر مع بــغــل!!!.. بدأ بحثا "جوجليا" سريعا عن معاني حروف الجر: كتب: "هل تأتي "مع" بمعنى "على"؟ لم يأت بحثه بشيء فزاد سروره.. بدأ يدبح مقالته بكلام الأخفش والفراء.. حين فرك وجهه أحس بنتوء دقيق على أرنبة أنفه.. حاول النظر إليه كهيئة الأحول فرأى سوادا.. قام إلى المرآة فشرع يحك البثرة السوداء حتى تفتتت.. ثم عاد ليتم مقالته.. لما نظر إلى شاشة حاسوبه لم ير "بغلا" وإنما رأى "بعلا" ترى أين ذهبت النقطة؟ نظر مرة أخرى إلى موضع البثرة من أنفه.. ففهم أن نقطة "البغل" زالت من على أنفه..:): وأن ليس في المكان بغل إلا هو.. لم يدر أيضحك أم يبكي.. رأى شبهته تتلاشى أمام عينيه كالسراب.. تتبع آثارها بفأرة الحاسوب ليلقيها في مثواها الأخير في "سلة المهملات"..
حتى في ذلك اليوم المخزي, لم يشك في إلحاده.. فما الذي دهاه اليوم؟ آه لقد تذكر.. إنه جاره سليمان.. إنه جاره منذ عشر سنين, يحييه.. يتبسم في وجهه.. يتفقده إن غاب.. يهنئه كل عيد.. يرسل إليه بين الحين والآخر بعض السمك والمحار.. سليمان بحار.. تصور.. إنه لم يعبس في وجهه يوما.. ولم يسمع منه كلمة عتاب.. ولم ينظر إليه يوما نظرة شزراء.. أيعقل أن يكون بهذه الأخلاق, ثم لا يكون لدينه دخل في ذلك؟ فرك أبو الإلحاد جبينه.. وشرد للحظات.. فعاوده السؤال: "ماذا لو كان هؤلاء على الحق؟" انتفض في مكانه مرتعبا.. صفع وجهه مرات لعله يعود لرشده.. بعثر أوراقه.. أقعى وهو يضع كفه تحت ذقنه.. فجأة تبسم.. :): نعم الأمر واضح.. كيف شك في إلحاده لأمر كهذا؟ كل ما هنالك أن سليمان إنسان يتصرف بمقتضى آليات التطور التي قرأ عنها في منتديات "الجرب والجذام".. سليمان خلايا ذكية تجمعت عبر بلايين السنين واجتازت أهوال العصور الجليدية.. واصطفت بمحض الصدفة لتشكل كائنا متطورا يحييه ويبتسم في وجهه.. تخيل إنسان "البلتادون" وهو يجري في الأدغال مبتسما.. وأي شيء في الابتسامة.. التطور يفسر كل شيء.. لا بد أن أجداد سليمان اكتشفوا أن البسمة تضاعف من فرص النجاة في معركة البقاء.. لابد أنهم شهدوا انقراض بعض القبائل العابسة.. لابد أنهم جلسوا في الكهوف يتمرنون على هذه الحركة الغريبة, التي لا يكاد يجد لها تفسيرا ماديا إلا بعد مشقة وعنت وتكلف.. تخيل "لوسي" وهي تستقي الماء لتغسل أول مولود لها يولد من غير ذيل.. لا بد أنها استغربت من هذا الجنين المشوه.. وحُق لها.. فإن التطور بقي سرا دفينا حتى أفشاه الإمام الأكبر أبو الطفرات شارل دارون.. يالهم من مكابرين هؤلاء المسلمون.. حتى متى تظل الغشاوة على أعينهم.. ألم يروا "آردي" كيف أحاط الشعر الناعم وجهها الأسمر.. لعلها "أفروديت" زمانها.. ألم يكفهم جمال عينيها وهي تكتسي شيئا فشيئا ببريق عيون البشر؟ ماذا يريدون منا؟ أيريدون أن نحيي لهم إنسان "أسترالوبيثيكس" حتى يصدقوا العلم؟ طيب لينتظروا قليلا.. ليروا نهاية الوهم بأعينهم.. كريك فينتر سيبهر العالم بابتكار أول "كائن حي مصنع".. بعدما "صنع أول خلية صناعية"..
بدأ أبو الإلحاد يغوص في تأملاته المادية حتى كاد يفقد صلته بالواقع.. ففك إقعائه ثم انبطح على بطنه.. أحس بنفسه ملتصقا بالأرض حتى كاد وجهه يتهشم.. أحس بالغثيان.. أحس كأن انفجارا عظيما يحصل في رأسه.. اهتزت أفكاره.. اضطربت نفسه.. جلس يرتل ترانيم إلحادية "مهدئة" : "يا أيتها الصدفة العمياء.. لك ندين وبك نستعين.. يامن لا نعرف لك مكانا فنأتيك, ولا نعرف لك وجها فنقصده.. أزيلي عنا الغم وأفيضي علينا العلم.." ردد الكلمات التي وجدها في توقيع أحد صناديد منتديات "الجرب والجذام" على أمل أن يشعر بشيء من السكينة.. تصور "نيتشه" وهو يعزف مقطوعة شيطانية على "الأوتار الفائقة" فتتموج أشكال مرعبة تكاد تتخطى "حاجز بلانك" حينها انفصل أبو الإلحاد الرقمي عن عالمنا تماما واستحال كالهباء المبثوث يسبح في "العوالم المتوازية"...
هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه هههههههههههههههههههه
رااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااائعه جداً
ناصر العقيدة1
01-19-2014, 03:10 PM
وفقك الله أنت والأخ محمود المغيربي:)
هشام بن الزبير
01-20-2014, 12:02 AM
بارك الله فيكما أخوي فياض وخالد. وربما نحتاج مبيد حشرات في هذا الركن, فقريبا ترون هنا يومية أبي الإلحاد الجديدة: "الذباب قاهر الإلحاد".
هشام بن الزبير
01-28-2014, 12:02 PM
49- الذُّباب: قاهر الإلحاد
لو قُدّر لك أن ترى أبا الإلحاد في غرفته هذه الأيام, لأشفقت عليه ولرثيت لحاله, إنه ينام أحيانا ووجهه ملتصق بشاشة الحاسوب, وأصابعه على لوحة المفاتيح, لقد سافرت زوجه عند أهلها لبضعة أيام فبقي لحود وحيدا تحيط به أعقاب السجائر وبقايا البيتزا وقنينات فارغة, صارت مواقع "الجرب والجذام" والخمور والحشرات المنزلية أنيسه الوحيد في هذه الأيام الكئيبة.
سكر صاحبنا ليلة حتى وقع على الأرض وله غطيط, بقي ممددا في الحمام حتى انتصف النهار, بدأ يصحو شيئا فشيئا إذ لم يعد في جسده موضع لذرة نوم واحدة, لكنه لم يستطع حراكا, كان خده الأيمن ملتصقا بالأرض, وعروق رأسه تكاد تنفجر.
تساءل عن سر الرائحة الكريهة التي تملأ المكان, كانت مادة لزجة تلصق وجهه بالأرض كأنها غِراء, أحس بين الفينة والأخرى بوخزات مؤلمة على وجهه وأطرافه.
أخذته إغفاءة خفيفة فرأى نفسه يغرق في مستنقع آسن أخضر اللون كريه الريح, ورأى وحوشا ضارية طائرة تغير عليه وتنهش لحمه. انتبه مذعورا فوجد نفسه يسبح في بركة لزجة من قيئه, ثم أبصر الوحش, إنه الذباب الأزرق, عجبا له من أين جاء؟ قال يخاطب نفسه: فيم العجب؟ لقد قدمت له دعوة عاجلة فلم يتأخر لحظة واحدة عن هذه المأدبة الفاخرة. شعر بالتقزز من حاله, ياله من طريق شاق, طريق التنوير يا أبا الإلحاد! إنه طريق يمر من دهاليز الشك والحيرة والتخبط والقذارة المادية والمعنوية! إن الإلحاد مذهب متعفن يسقى بماء المجاري الفكرية, فيؤدي بالكائنات الداروينية الواعية إلى الارتقاء في الدرجات البهيمية وتسنم المراتب الحيوانية.
بدأ عقله يدور كعادته في حلقات مفرغة كمثل حركة طيران الذباب في غرفته, تساءل: أي شيء يعجب الذباب في هذا القيء المقزز؟ وكيف استطاع هذا الكائن الحقير أن ينتصر في معركة البقاء التي خسرها الديناصور؟ ربما أخطأ الديناصور حيث بالغ في التطور حتى صار بذلك الحجم الهائل, ليته تعلم من ذكاء الذباب الذي قلص حجمه إلى أبعد الحدود وطور مهارات عجيبة في الطيران, إن حجمه الصغير يتيح له سرعة الحركة والمناورة.
نظر أبو الإلحاد إلى نفسه فتعجب من حاله, أليس هو ملك التطور وتاج الإنتخاب الطبيعي فلم لا يستطيع أن يتغلب على الذباب في سرعته وخفته ورشاقته؟ حمل جريدة وطواها جيدا وحاول أن يثبت لنفسه أنه الأصلح داروينيا في هذه الغرفة, حاول أن ينهي حياة المتطفل الأزرق, لكن هيهات, إنه صغير ظريف رشيق, في الحقيقة إنه يستحق أن يطلب منه توقيع "أتوغرام" بدل أن يسحقه. يا له من زميل دارويني خفيف سريع, لكن الديناصور الغبي ظل يأكل وينتفخ حتى صار هدفا سهلا للنيازك المدمرة!
كان الذباب الأزرق لا يكف عن التحليق في علو منخفض, ويحط في كل مرة على ساحل آخر من سواحل القيء الإلحادي, لا بد أنه يبدو له كأنه محيط متلاطم. نظر إليه يطير في حركة لولبية كأنه يؤدي مناورات عسكرية, استلقى على ظهره وقد امتلأ إعجابا من مهارته الخارقة, عجبا لقد منحه التطور كفاءة عجيبة في فن الطيران تبدو أمامها طائرة الأباتشي كأنها لعبة أطفال, إنه يطير في كل اتجاه ممكن ويغير مساره في لمح البصر, قام من مكانه ينظر إليه يغمره الإعجاب, تتبع مساره حتى كاد يفقد توازنه, تبا لقد آلمه عنقه من مجرد النظر إليه, طار في حركة عمودية ثم انقلب فجأة ليحط على السقف.
استمر يحدق في هذه الآلة الداروينية العجيبة حتى شعر بتشنج في عضلات رقبته, جلس إلى مكتبه وهو يتفكر في أمر هذه الحشرة الصغيرة الكبيرة, الحقيرة العظيمة, تساءل: لماذا يشمئز البشر من هذا الفنان البارع؟ ربما لأنهم يحسدونه على مهاراته الداروينية العجيبة؟ نعم إنه الحسد لا شك, فكثيرا ما يقع مثل ذلك بين الأقارب.
تفكر أبو الإلحاد في نفسه:لماذا يلتصق بالأرض إذا كان الطيران بهذا اليسر؟ لماذا لم يهبه التطور على الأقل قدرات بدائية في الطيران, تمنى في قرارة نفسه أن يمن عليه الانتخاب الطبيعي بكروموزوم واحد من كروموزومات الذباب لعل جيلا قادما من سلالته ينعم بهذه الرشاقة والخفة والقدرة على المناورة في الهواء التي يتقنها هذا الفنان الدارويني الطائر.
فجأة خطر له خاطر, فشرع يكتب رسالة إلكترونية:
"عزيزي كريك فينتر
سلام يفوح بعبق الصدفة, وتحية داروينية خالصة من أحد المعجبين المحبين المقيمين بين ظهراني أشد أعداء الملة الإلحادية, وأعتى خصوم النحلة التنويرية وأشد المنكرين للحقائق التطورية, وبعد,
فإني أكتب إلى مقامكم العالي وجنابك السامي في أمر فيه ظهور شمس الإلحاد وطمس خرافة الدين من عقول العباد, واستئصال لمرض الإيمان من كل البلاد, وبلوغ المتنورين غاية الأرب ,وقضاء مبرم على دين العرب, فقد زعموا أن البشر لن يخلقوا ذبابا, وأعلنوا التحدي بذلك منذ نيف وألف عام, فليكن الذباب صنيعتك بعد غزوة الخلية المباركة أيها العالم العلامة, والحبر الفهامة, وأنت لها يا ناصر الإلحاد, ويا قمر التنوير, فشمر عن ساعد الجد, وأسعف ملاحدة الشرق بذباب الخلاص, ذباب واحد تهدم به أعتى ملة, وليتك تسعى في تصميم الذباب الأزرق, أو فليكن أي لون من ألوان الذباب, فإن التحدي يبطل بذلك, وَقَتْكُم الصدفة المهالك.
خادمكم المطيع وجروكم الوفي أبو الإلحاد.
هشام بن الزبير
02-12-2014, 09:49 PM
هنا تجدون اليوميات التي اعتنى بها و سجلها الأخ الفاضل محمود المغيربي حفظه الله:
https://www.youtube.com/watch?v=vYGP8rMiyEk
https://www.youtube.com/watch?v=nswf1Cpu7sQ
https://www.youtube.com/watch?v=HvGwyqvxY5M
https://www.youtube.com/watch?v=OAJ4JNa53mY
هشام بن الزبير
02-12-2014, 09:50 PM
https://www.youtube.com/watch?v=9atAzcfYzBw
https://www.youtube.com/watch?v=WC5hS3NcbMw
https://www.youtube.com/watch?v=wCgFTLICzyo
https://www.youtube.com/watch?v=Ds1hOGJF8LQ
وأدعوكم إلى دعم قناة الأخ ونشر المقاطع, فإن الملاحدة يشنون حربا شعواء على ديننا ويسخرون كل طاقاتهم في ذلك, فتجد صفحاتهم على الفيسبوك وقنواتهم على اليوتيوب ليس فيها إلا الشتم والكلام البذيء وروادها بالآلاف, فلماذا نمر نحن على قنوات إخواننا فلا نترك حتى كلمة شكر, فضلا عن الاشتراك والدعم, فتعاونوا مع أخيكم, لعل الله أن يُنقذ بكم الشباب التائه الضائع, فإنها يوميات أدبية ساخرة لا شك, لكنها رد للعدوان وتسلية للإخوان.
محمود المغيربي
02-14-2014, 12:11 AM
بارك الله فيكم أخي هشام، وربما تأخذ الحلقة القادمة بعض الوقت حتى أسجلها وآرفعها، لظروف ألمّت بي، وجزاكم الله خيرا..
تعلم ثم تكلم
02-20-2014, 12:12 AM
رائع ..
بارك الله فيك وسلم يديك.
هشام بن الزبير
02-24-2014, 10:24 PM
بارك الله فيكم.
يوشك أبو الإلحاد أن يصل إلى نظرية فريدة تشرح سر الخلاف الجذري بين المؤمنين بالله وكتبه ورسله وبين المؤمنين بالمادة والعالم الطبيعي والتطور الدارويني.
لم يبق إلا صياغتها في القالب اللغوي اللائق بها, ثم ترونها هنا قريبا بعنوان: 50 نظرية الأنواع المتوازية
هشام بن الزبير
04-12-2014, 11:26 AM
50- نظرية الأنواع المتوازية: البشر وأشباه البشر
ما زال صاحبنا يترَنَّحُ كالسكران على أرجوحة الإلحاد, تتقاذفه عواصف الشك والحيرة, فيصبح ملحدا ويمسي لا أدريا, ويمسي لا أدريا ويصبح لادينيا. تعددت الأسماء والضلال واحد! إنه ينشُد الإستقرار والسكينة والسعادة وهو مُتَلَفِّعٌ بأسمال الإلحاد, فما أشبهه بمن يتقلب طول ليله على جمر ملتهب ثم ينشد النَّوم. إن الإلحاد واللاأدرية واللادينية مَحْرَقَةٌ للرُّوح مزرعة لليأس, إنها جمرات تذيب الأمل وتذهب بريح العقل, لكن الملحد يتسلى بتعداد أسماء ضلاله, لعله يخفف بها رتابة عالمه الكريه. إنه كائن بلا أمل ينتظر الإعدام, ويحاول أن يزين زنزانته الضيقة ببعض المحسنات اللفظية.
أدخل صاحبنا السؤال التالي في موقع البحث غوغل: "كيف تكون ملحدا سعيدا؟" فقرأ قصة ملحدٍ كفر بالقرآن كلِّه إلا آية جزم أنها كلام الخالق, لأنه كان يستشعر معناها في أعماق نفسه, {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } طه: 124, "ضنك" يا لها من كلمة تغني عن آلاف الكتب. خطر له أنه يستطيع أن يكتب سيرته الذاتية في دقيقة واحدة. يكتب كلمة واحدة تمتد على طول صفحات كتاب حياته التعيسة: السيرة الذاتية لأبي الإلحاد: ضنك, ضنك, ضنك....ضنك حتى الموت.
إنَّه يشعر بغَثيان مزمن يلازمه الليلَ والنهار. كان في بداية ضلاله يظن الإلحاد يبدأ بإنكار الخالق وإثبات الوجود المادي, ثم يمر عبر سلالم متدرجة تصل به إلى برج التنوير الآمن, فإذا به يكتشف أن الإلحاد ينتهي حيث يبدأ, ويبدأ حيث ينتهي, إنه حلَقة مفرغة من الإنكار والنفي, هذا كل شيء.
لم يعد يتعاهد هندامه, طال شعره وأظفاره حتى صار أشبه بصعاليك الستينات, لعله يريد بذلك أن يستغرق في وجوده المادي إلى أبعد حد, وكيف يقص ملحد أجزاء من كينونته المادية بدعوى موافقة معايير جمالية رجعية خلفتها الأديان الخرافية في لاوعيه؟ إن الطبيعة جميلة, فلماذا يرفض منها شيئا؟ ثم إن تلك التعاليم الميتافيزيقية المرتبطة بالطهارة والنجاسة دينية المنشإ والجوهر , فهل يتنكر لأصله المادي إرضاء لأوهام متدينين حالمين؟
إن الإلحاد يقذف بصاحبه في دوامة من الإشكالات القاتلة و المعضلات المستعصية, تبدأ بقضية الوجود ولا تنتهي بمعضلة الإنسان, إن الإلحاد لا يفسر أي شيء مطلقا, بل هو نفي للتفسير, ونفي للمعنى. إنه يخدعك ويخاتلك ويحتال عليك حين يوهمك أن صورة العالم المادي هي كل شيء, لكنك قطعا لن تصدق أن الصورة تغني عن المعنى, إنك لن تستطيع أبدا أن تنفك عن إدراكك للرمزية في هذا الوجود.
تفكر صاحبنا في أنه لا يرى العالم المادي إلا عبر عدسات رمزية تأويلية اكتسبها من محيطه الثقافي, تفكر أنه لا يفتأ يبحث عن الرسالة والغاية والمغزى مما تنقله إليه حواسه وعقله, لكنه لم يجد في الكون بأسره أي معنى أو نظام أو إحكام أو غاية. إن المتدينين فقط من يرون تلك الأشياء العجيبة! إنه لا يرى في نفسه وفي العالم من حوله سوى الفوضى والعبث.
لكن ما سرُّ هذا التباين العجيب بين المتدينين والمتنورين؟
تفكر في هذا الأمر طوال الليل, كان يمسك رأسه بكلتا كفيه ويسرح في عالمه الداخلي المضطرب يبحث عن جواب, وصل به الفكر آخر المطاف إلى أن هذه الإزدواجية في نظرة الفريقين للعالم هي منشأ الخلاف بينهما, وأن القضية ليست قضية أدلة ولا علم ولا منطق. إنها أعمق من ذلك بكثير. قال يحدث نفسه: "لأنك إنسان فيفترض أن لا تقنع فقط بالصورة بل..." ثم استطرد: "لكن مهلا: لماذا افترضت دوما أنك إنسان؟ هل نسيت أن دارون قد أزال الغشاوة عن عينيك أيها الحيوان المتطور؟ إنك مجرد حيوان ارتقى درجات سلم التطور الطبيعي." أمسك صاحبنا رأسه بكلتا يديه, كأنما يحاذر أن تتسلل هذه الفكرة العبقرية من أم رأسه, تنهّد وهو يقول: "وجدتها, وجدتها, لقد حللت اللغز." جرى إلى مكتبه, وأخرج كراسة يومياته وشرع يكتب:
"أشرقت في ذهني قبيل لحظات فكرة توشك أن تغير نظرتي لنفسي وللجنس المتنور كافة, إن الخلاف المحتدم بين المتدينين والمتنورين قد يكون انعكاسا لاختلاف جوهري بين الفريقين.
إني أبو الإلحاد أفترض أن الفريقين لا يختلفان فقط في الفكر والتصور, بل في النوع والجوهر, إنهما نوعان مختلفان, إنهما فصيلتان اثنتان, إنهما كائنان متباينان يرى كل منهما العالم وفق مؤهلاته المتأصلة فيه بحكم الأصل والطبيعة والمنشإ. إن الإنسان المخلوق المكرم مُحِقٌّ في اعتقاداته الميتافيزيقية وفي وجود النفخة النورانية التي يحملها بين جنبيه, إنه محق في كلامه عن وطنه الأول, وعن تكليفه الإلهي, وعن النبوات والرسالات, نعم إنه مُحِقٌّ في ذلك كله, كما أن المتنورين أيضا مُحقُّون, إنهم كائنات مادية بلا روح ولا رسالة ولا تكليف, إنهم أشباه بشر لا أقل ولا أكثر, كائنات متطورة بفعل عوامل مادية عشوائية غير عاقلة, تماما كما قرر ذلك الإمام الاكبر أبو الطفرات دارون.
لماذا لم أفكّر في ذلك من قبل؟ بل لماذا لم يخطر ذلك في بال أحد من فطالحة الإلحاد وفلاسفة المادية؟ إنهما نوعان وليسا نوعا واحدا. إن التشابه الظاهري بينهما ليس إلا خدعة تطورية باهرة. لقد سارا جنبا إلى جنب عبر تاريخهما الطويل, وتعلما من بعضهما بعضا حتى حسبا نفسيهما شيئا واحدا. إذن فالخلاف لا وجود له على الحقيقة, لقد كانا طول الوقت على حق, إن كليهما كان يتحدث ويدافع عن الحقيقة التي تتعلق به ككائن مستقل. المعادلة هكذا:
المتدين والملحد يشتركان في الصورة المادية, ثم يختلفان في كل شيء بعد ذلك.
المتدين له مراجع دينية تدل على أنه مخلوق.
الملحد له مراجع علمية تدل على أنه متطور.
المتدين له مطالب روحية يقدمها عند التعارض على المطالب المادية.
الملحد ليس له مطالب روحية, فهو لا يملك روحا.
الحيوان المتطور آلة داروينية مبرمجة تخضع لحتمية العالم المادي الصارمة.
والإنسان المخلوق كائن حر يملك الاختيار لأن ذلك شرط في تكليفه الإلهي الذي هو المغزى الأعظم من وجوده الأرضي.
الحيوان المتطور يتمتع بإدراك هو انعكاس لعمل الدماغ, فهو لا يدرك شيئا سوى العالم المادي.
الإنسان يتميز بالعقل وهو جوهر غير مادي, فبه يدرك عالم الألوهية والروح والجنة والنار وكل المسائل الغيبية.
المتدين الإنسان بن عالم آخر, والملحد الحيوان بن هذا العالم.
الإنسان مخلوق من جسد وروح يتطلع إلى عالم آخر ويحس بظمإ فطري إلى التعبد والتأله, لهذا فهو لا يقنع أبدا بظواهر العالم المادي, بل يسعى دوما إلى تأويلها وفق دلالاتها على معانيها العميقة, ويجتهد في استنتاج الحكمة والمعنى والمغزى الذي تدل عليه.
والملحد الحيوان يسخر من المؤمن الإنسان, ويتندر على نزعته الإيمانية الغيبية, والمؤمن الإنسان يسعى جهده لينقذه من زنزانته المادية الضيقة, لكنه للأسف لا يدرك أنه لا يخاطب أحد بني جنسه, بل يخاطب كينونة مادية صرفة. إن الإنسان المؤمن الذي يدعو الحيوان الملحد إلى الإيمان بالغيب, مثل الذي يقرأ ديوان شعر على قطيع من قردة البابون ويدعوها إلى تذوق ما فيه من جمال!...
فجأة نادته زوجه من غرفة النوم: "لحود, ألم تنم بعد!" قام من مكتبه وذهب إلى فراشه وهو يفكر في سر فشل حياته الأسرية ويتساءل: "تُرى, هل يعقل أن ينجح ارتباط بين إنسان وحيوان؟" شعر بصداع شديد, ورفض أن يتمدد ساعات يستجدي النوم, فبلع حبات منومة سرعان ما قذفت به بعيدا عن هذا العالم.
musta
11-14-2014, 06:08 PM
في الحقيقة افتقدناك يا استاد هشام وافتقدنا اخبار ابو الالحاد لعل سبب الغياب خير
وفي الحقيقة اغلب المختصين في هدا المجال تركوه وتركو شباب غير مختصين (وانا منهم ) يتساطحون مع هؤلاء المرضى النفسيين في الفايسبوك
اعرف ان هدا ممل وهؤلاء القوم لا منطق ولا حجة لهم ولكن كثير ما يحتاج السفيه من يبين له عور فكره فيا استاد هشام نحتاجك في هدا المجال وباقي الاخوة انضمو الينا في مجموعة ورينا نفسك وباقي المجموعات الاسلامية فهدا جهاد يا اخوان فلقد دهب ابو مريم و حسام الدين وعبد الواحد و الطعان وكثير ........................ فلا تدهبو انتم ايضا من له ىدرة وقت فليستغلها في الدعوة لعل الله ان يعتق رقابنا من النار .............فهده دعوة لاساتدتي هنا ابو جعفر و الفلسطيني و قواسمية ومحمد البتحت ومستفيد ومسلم اسود و انمت الدي لم ادكر اسمك
هشام بن الزبير
02-04-2016, 01:15 AM
51- الفداء في كنيسة الإلحاد
مضت على صاحبنا أيام داكنة رتيبة, وليال موحشة كئيبة, وهو يترنح في دهاليز الإلحاد المظلمة, يتصنع السرور بالنهار ,ويفترش الأسى بالليل, ولا تكاد عيناه تكتحلان بنوم, حتى تعيده هواجسه إلى عالم اليقظة البغيض إلى نفسه. انقطع زمانا عن الإنترنت إذ لم يعد جدال رفقائه الزنادقة يستهويه.
وضع رأسه على الوسادة في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل لعله يظفر بقسط من الراحة, ظل يتقلب ذات اليمين وذات الشمال حتى يئس من النوم, ويئس النوم منه فأوقد المصباح وحمله حاسوبه إلى حيث أقبية الإلحاد والشك والعناد.
حط الرحال في أحد مواقع الجرب والجذام المنتنة, وما فتئ ينقر هنا وهناك حتى وجد نفسه ضيفا على إمام المذهب الإلحادي ومجدد أساسه, ومحيي هذا الفن بعد اندراسه, ومُقَلم أشواكه ومتعهد أغراسه, القسيس الحبر, والأعجوبة البحر, ريتشارد دونكي.
غاص أبو الإلحاد في العالم الافتراضي حتى شعر أنه جالس في الصف الأمامي وأمامه إمامه. انفرجت أساريره وهو يستمع له ينافح عن الإلحاد بثقة وقوة.
إن الملحد العربي المسكين في حاجة ماسة لأخذ جرعة يومية من أمثال هاته المحاضرات الدونكية, لعلها تخفف عنه ما يلقاه من عنت وشدة في مجتمعه المحافظ بشقيه الأرضي والافتراضي. إنه أشبه شيء بالجبان يقطع نهاره يتلقى الصفع على قفاه, ثم يأوي إلى مخدعه يتفرج على برامج المصارعة.
أغمض صاحبنا عينيه وتخيل نفسه يصول ويجول في مجتمعه بذكاء دونكي ووقاحته ولسانه اللاذع. أحس ببصيص من الأمل في ظهور الملة الإلحادية بين ظهراني الأمة المحمدية, لكن صوتا هادرا انتشله من مستنقع أوهامه انتشالا: الله أكبر الله أكبر...
رفع صوت الحاسوب إلى أقصاه لعله يطغى على صوت الأذان البغيض إلى قلبه. كلما سمع الأذان يئس من تمام هذا الأمر الذي يبشر شيخه بظهوره. إن دونكي يتحدث بثقة لأنه في بيئة انقرضت فيها النصرانية أو كادت, فليأتنا وليرنا كيف يزحزح الملة الإسلامية بمهاراته الخطابية. كيف يطمع عاقل في نشر الإلحاد في أرض يرفع فيها الأذان خمس مرات في اليوم والليلة؟
فتح عينيه وتفكر في شخصية قدوته القسيس دونكي وتساءل: كيف اجتمعت فيه تلك الصفات الفريدة كلها؟
خطر له أن دونكي قد أفاد من علوم الأحياء, فأخذ من كل قريب دارويني أظهر أخلاقه, فلهو عندي أوفى للملة الإلحادية من كلب, وأشرس في حرب الدين من ذئب, وأمكر في جداله من ثعلب, وأزهى في سلوكه من طاووس, وأصبر على باطله من حمار, لكنه شاخ وابيض رأسه, والشيخوخة رسول الموت.
شعر أبو الإلحاد بالهلع, يا للهول! يجب على الزملاء أن يتداركوا الأمر قبل حلول الداهية العظمى, فإن خسارة دونكي لا تعوض, تبا! إن لينين ما زال محنطا منذ قرابة قرن من الزمان, تبا للملة الإلحادية التي لم تصنع شيئا للزميل الأحمر طوال تلك العقود, وماذا يغني عنه أن يكون جيفة نتنة يتفرج عليها السياح؟ كيف عجز عباقرة الملاحدة الأفذاذ عن خداع الموت؟ تبا للتطور الذي تركنا أمام هذه المعضلة التي لا حل لها! يا أيها الزملاء لا تتركوا الموت يخطف القسيس دونكي من بين أظهركم, من أين تأتون بملحد من طينته؟ سارعوا وبادروا فكأني بكم تكتبون غدا نعيه أو بعد غد!
وماذا عنك يا أبا الإلحاد, أنت أيضا تسير إلى الموت وتدنو منه كل ساعة, تفكر هنيهة وقال: لكن موتي ليس كموت دونكي, إنما أنا رجل من عامة الملحدين, لكن دونكي إمام المذهب, وسيد هذه الطائفة, وقدوة كل زنديق...
تحدرت دمعة داروينية حارة على خد أبي الإلحاد, ارتج كيانه, إن عينيه لم تدمعا لشيء منذ دخل نفق الإلحاد, فما الذي دهاه؟ إنه يخشى على الملة الإلحادية أن تموت بموت الإمام المحقق والعلامة المدقق.
فجأة نبت سؤال في رأسه: أكنت تفدي دونكي بحياتك لو كان ذلك ممكنا؟
سأل نفسه مخاتلا: ما الذي يعنيه هذا السؤال؟
فأجاب نفسه: أنت تعلم جيدا ما الذي يعنيه:
أنت أبو الإلحاد, أكنت تمنح حياتك ليحيا دونكي؟
سرت قشعريرة في كيانه, لم يخطر في باله يوما أن يتردد في نصرة ملته, لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف حين يتعلق الأمر بوجوده وحياته هو نفسه.
رفض أن يجيب عن السؤال, وفضل المراوغة, عجبا للإنسان يراوغ نفسه!
قال يحدث نفسه: لا يمكن اليوم أن يهب أحد حياته لأحد, فنحن لا نعرف ماهية الحياة...
إنك تعرف جيدا معنى السؤال يا أبا الإلحاد: هب أن دونكي ملقى هناك في مكان ما في جزيرة الضباب, على سرير معدني, وقد أخبره الأطباء أنه بحاجة إلى زراعة قلب أو كبد خلال أيام وإلا نفق كما نفق لينين وستالين وماو وغيرهم من صناديد الإلحاد من قبلهم, أكنت تفدي شيخك بحياتك؟
صمت أبو الإلحاد, وصمت إلحاده, وصمت كل شيء من حوله, ثم انفجر ضاحكا:
كلا ثم كلا, فليذهب دونكي إلى الجحيم, لا أحد ولا شيء في الوجود يستحق أن أموت من أجله, هذه هي الحقيقة, تسلل سؤال إلى رأسه: وأين حبك للإلحاد؟ فعاجل نفسه بالجواب: هذا هو الإلحاد, وكل ما سوى ذلك من كلام عن القيم والأخلاق والمغزى, كل ذلك هواء وهباء لا حقيقة له, كيف خفي علي ذلك كل تلك السنين؟
كلا إنه لم يخف عليك ساعة من نهار, إنك كنت تخادع الناس وتخادع نفسك, أما الحقيقة فإنها أوضح من الشمس, الإلحاد أنك هنا, وحيدا, تعصف رياح الشك والحيرة في تلافيف نفسك, وليس هناك شيء يستحق أن تكترث له, ليس ثمة معنى ولا مغزى لشيء أبدا, فما أعظم نفاق الملاحدة حين يلبسون مسوح الرهبان, ويدبجون المواعظ, ويينمقون الخطب كأنهم قسس في كنيسة, ما أشبههم وهم يحاضرون حول الأخلاق والعدل والفضيلة, بالمومس تخطب عن العفة! لا شيء يهم البتة.
حرك أبو الإلحاد رأسه: نعم, نعم, لا يهم شيء سوى نفسي, وهذا الهراء الفلسفي الذي يعصف في رأسي بالليل والنهار يسرع بانفراط عقد ساعاتي وأيامي, أليست الملذات قوام الحياة المادية؟ ففيم أتعب نفسي وعقلي في معارك دونكيشوطية لا طائل من ورائها؟ فليذهب الإلحاد إلى الجحيم وليمت دونكي كما مات لينين, المهم أن أحيا أنا ولو إلى حين.
لا فض قلمك يا بن الزبير... :):
أوحشتنا عاماً كاملاً لكى تتحفنا بهذه الجوهرة الجديدة !
لا حرمنا الله منك.
هشام بن الزبير
02-04-2016, 12:16 PM
و أنت جزاك الله خيرا أخي الكريم مارو, ولعل يوميات بطل الإلحاد العربي تأتيكم تباعا هنا إن شاء الله.
هشام بن الزبير
02-09-2016, 09:54 PM
بقي من الجزء الثاني من هذه الكوميديا الإلحادية بضع حلقات, يصل فيها صاحبكم إلى محطة النهاية, نهاية قطار الإلحاد, بعد أن يمر بمحن وأهوال تشيب لها القرود المتطورة. ولا أخفيكم سرا أني أترقب الجزء الثالث الذي يمكن أن أتفرغ لكتابته في وقت وجيز, ثم أسعى إن شاء الله في نشر السلسلة كاملة في نسخة ورقية أو إلكترونية.
لكن قبل هذا وذاك, فإني أرحب بملاحظاتكم وتعليقاتكم.
أسلمت لله 5
02-09-2016, 11:46 PM
بقي من الجزء الثاني من هذه الكوميديا الإلحادية بضع حلقات, يصل فيها صاحبكم إلى محطة النهاية, نهاية قطار الإلحاد, بعد أن يمر بمحن وأهوال تشيب لها القرود المتطورة. ولا أخفيكم سرا أني أترقب الجزء الثالث الذي يمكن أن أتفرغ لكتابته في وقت وجيز, ثم أسعى إن شاء الله في نشر السلسلة كاملة في نسخة ورقية أو إلكترونية.
لكن قبل هذا وذاك, فإني أرحب بملاحظاتكم وتعليقاتكم.
بارك الله فيك يا استاذنا الغالى .. هذا الموضوع والله من امتع ما قرأت فى وصف الملاحدة واصل لا أسكت الله قلما .. فكرة الكتاب الالكترونى افضل بالفعل وايسر فى تناقل الموضوع الذى أرجو من الله أن أجده منشورا فى إحدى دار الكتب يوما ما قريبا باذن الله :):
فريد محمد
03-02-2016, 09:22 PM
بارك الله فيك اخي هشام وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك
أبو مصعب المغربي
07-02-2016, 05:06 AM
ههههههه أضحك الله سنك وجعلك دائما مبسوط
رشيد أبو الوليد
08-01-2016, 12:42 PM
بارك الله فيك اخي هشام وجزاك الله خيرا.
أستأذنك في إنشاء مدونة تضم هذه اليوميات، لعل الله يرد بها أقواما عن غيهم.
ما زلنا ننتظر المزيد من أخبار أبي الإلحاد، منها فلنعم فاكهة المرء هي.
محمد حسين الشوبكي
09-08-2016, 10:17 AM
ما شاء الله ربنا يحفظك أخي هشام كنت أتابع هذه السلسة الماتعة منذ 2011 وحفظتها عندي منذ ذلك الحين لروعتها
حقاً من أروع ما قرأت على الشبكة العنكبوتية .. سلسلة ماتعة تجمع بين الواقع الساخر والواقع الأليم الذي يعيشه الملحد
ابداع وقراءة دقيقة لعقل الملحد وتصرفاته نسأل الله أن يهديهم سبيل الرشاد ..
ربنا يحفظك اخي هشام ويا ريت تكمل فيها ان شاء الله
ويا ريت لو تقدر أنت أو احد الاخوة ممن لديهم دراية بصناعة الكتب الالكترونية
ان يجمعها لنا في كتاب الكتروني ليسهل قراءتها ومتابعتها بسهولة
ولو تأذن لنا بنقل مقتطفات منها مع ذكر اسمكم الكريم
وجزاكم الله كل خير
muslim.pure
09-09-2016, 12:24 AM
بالفعل تم تجميع السلسلة في كتاب يمكن تحميله على هذا الرابط
http://honaalhakika.blogspot.fr/2013/06/blog-post.html
محمد حسين الشوبكي
09-10-2016, 01:59 PM
بالفعل تم تجميع السلسلة في كتاب يمكن تحميله على هذا الرابط
http://honaalhakika.blogspot.fr/2013/06/blog-post.html
جزاك الله كل خير اخي الفاضل
تم التحميل بنجاح
هشام بن الزبير
04-01-2017, 01:36 AM
52 تجليات صرصورية
تمر بصاحبنا أيام سود حوالك, تضيق عليه فيها شرنقة الإلحاد, وتشب نار القنوط في أعماقه, فيفزع لإطفائها إلى أحد شرابين: شراب حفدة الرفيق المرعب ستالين, أو جرعة من عصارة منتديات الجرب والجذام, وكلاهما يطمس فيه نور البصيرة الإنسانية, ويجلو منه الغريزة النسناسية.
اشتد عليه الأمر ليلة, وظللته سحائب داكنة من الكآبة والحزن, فجلس إلى حاسوبه يلتهم بيتزا رديئة باردة و يحتسي قنينة فودكا وهو يتنقل بين المواقع الإلحادية و يشاهد مختارات من مواعظ شيخه دونكي حتى كاد جيش الليل يندحر, ثم شاهد شريطا وثائقيا عن الصراصير وتميزها الدارويني المذهل, بدأ خيط النور يبدد ظلام الليل فزحف صاحبنا إلى سريره سكران مكدود الجثمان ليسقط في هوة سحيقة من الهلاوس والأحلام.
رأى نفسه يدب على الأرض في خفة, فتساءل: هل عاد فتى يافعا كما كان؟ شم من نفسه ريحا نتنة خبيثة, أراد أن ينظر إلى أنامله ففزع حتى كاد قلبه ينخلع, لم ير ذراعا ولا يدا ولا أنامل, بل رأى منظرا مفزعا كريها, جرى إلى الحمام لينظر في المرآة.
بدا كل شيء في طريقه بدا ضخما, نظر إلى المغسلة كأنه يقف في أصل جبل, تسلقه في خفة حتى وقف على سطح المرآة, فوقع بصره على أبشع صورة, لقد استحال أبو الإلحاد صرصورا من جنس الصراصير المنزلية التي تستوطن المراحيض والأقبية.
هاهوذا بأرجل ستة, و رأس قبيح يعلوه قرنا استشعار, دارت به الأرض, وقال يحدث نفسه: تنفس بعمق ولا تفقد أعصابك, انظر إلى نصف الكأس الممتلئ, لا بد أن ثمة جانبا مضيئا من هذا الذي يحصل لك.
استطرد: وأي شيء يفرح به من انقلب صرصارا بعدما كان يتربع على عرش العائلة الداروينية؟
نظر إلى جسده الجديد مليا, فتبسم:
لقد صار له جناحان, كان يتمنى دوما لو يطير, لعله يتقرب أكثر إلى الإله الإلحادي وحش السباجيتي الطائر, لكنه ود لو حظي بجسد أي قريب دارويني آخر من مملكة الطيور, ولو كان غرابا أبقع.
سمع صوت قرع أقدام, دخلت أم الإلحاد فجأة, فصرخت لمرأى زوجها الصرصور, ثم ركضت لتأتي بمبيد الحشرات, أراد صاحبنا أن يتكلم فلم يستطع, يا له من غبي, ومنذ متى كانت الصراصير تكلم البشر, وهب أنها تملك ذلك, فأين المرأة التي سيحظى صرصور بمتعة محادثتها وجها لوجه؟ فلا ينتظرن مثلُه من النواعم إلا الصراخ والفرار, أو السحق والدهس.
عادت أم الإلحاد لترش الكائن المتطفل, لكن دوافع حب البقاء الداروينية جعلت أبا الإلحاد في كينونته الصرصورية يندفع صوب المغسلة, ليختفي سريعا في عالم لم تطأه قدماه من قبل, لقد ولج امبراطورية المجاري من أضيق أبوابها, ولأمر ما لم تزعجه لا الروائح الكريهة, ولا الأقذار المتعفنة اللزجة, بل إنه شعر أنه في أحسن أحواله, وأنه جزء من هذا العالم السفلي الذي ولجه لتوه. سمع صوت هدير مرعب, أوه, لقد فتحت أم الإلحاد الصنبور, خيل إليه أن شلالات نياجارا تتدفق فوق رأسه.
يبدو أن نظام المواصلات في إمبراطورية المجاري قد صمم بغاية الإتقان, هاهو صرصور الإلحاد قد بلغ الشارع الرئيسي في العالم السفلي تحت المدينة, وجد نفسه يطفو على نهر تنتهي إليه كل مخلفات المجتمع البشري الصلبة والسائلة واللزجة. استلقى على ظهره متفكرا في أمره, عجب أن كل هذه القذارة والنجاسة لا تزعجه, بل إنه يستمتع بكل لحظة يقضيها في هذا المكان, لا عجب في ذلك البتة, فهو يستعذب زياراته لمنتديات الجرب والجذام. تمتم: النجاسة؟ تعجب من بقايا الرواسب الدينية في نظرته لتجليات العالم المادي. يا لها من أوهام ميتافيزيقية بالية هذه التصورات الدينية حول الطهارة والنجاسة.
فجأة أحس بشيء يندفع نحوه, ياللهول إنه جرذ ضخم الجثة, بدا قياسا إليه كأنه ديناصور, فر صرصور عبر أحد الشقوق ليجد نفسه أخيرا بين أقرانه, لقد ولج مملكة الصراصير, كانوا بعدد الحصى يملئون الأفق, لو صعد كل هؤلاء الرفاق الداروينيين إلى سطح الأرض لاحتلوا المدينة في ساعات.
دخل إلى مقهى الصراصير, فجلس إلى نفر يتسامرون, كانوا يشربون من كأس خضراء متعفنة, علم منهم أنها من مجاري خاصة, لا تلجها إلا الخاصة, فهي غنية بالمعادن والمخدرات والمضادات الحيوية وما شئت بعد, ويعزو إليها عباقرة الصراصير خواص عجيبة, منها مقاومة سائر الأمراض والفايروسات والأسلحة البشرية الكيميائية والنووية. لكنه فهم من كلامهم أن مختبرات البحث العلمي الصرصورية لم تفلح إلى اليوم في حل معضلة الأسلحة التقليدية, التفت إلى جليسه الشاب, كانت تصفيفة قرني استشعاره مواكبة لآخر صيحات الموضة الصرصورية, همس في أذنه: عفوا, ما هي الأسلحة التقليدية؟
فأجابه مستغربا من سذاجته: النعال والأحذية والشباشب, ألم تصعد قط إلى بيوت البشر, إنها الفصيلة الوحيدة التي تنتعل أسلحتها, يا لهم من أغبياء, لو أضافوا العض بالأنياب والأضراس والقواطع إلى السحق بالنعال لقضي علينا منذ زمان بعيد, ضحك لحود الصرصور حين تصور أم الإلحاد تقضم رأسه, إنها ستموت حتما من فرط الاشمئزاز, قبل أن تموت من لوك مخ صرصور ملحد, فهي يكاد يغشى عليها حين ترى صرصورا على شاشة التلفاز في نشرة الأخبار مثلا.
ما أكثر الصراصير اليوم الذين يقام لهم ويُقعد, يلبسون أفخر الثياب, وتخلع عليهم الألقاب الرنانة, وهم في حقيقتهم كائنات صرصورية متنكرة في صور بشرية.
عقّب صرصور كهل: لم أر إنسيا يُعمل القواطع والأضراس في بني جلدتنا حتى دخلت يوما بلادا بعيدة, فوجدتهم يطهون إخواننا في القدور, ثم يجففونهم تحت أشعة الشمس, ويأكلونهم أثناء مشاهدة التلفاز كما يأكل غيرهم رقائق البطاطس.
همّ أبو الإلحاد أن ينصرف حين سمع أحدهم يتحدث عن أغرب مكان دخله, فقال: كنت قبل سنوات في بلاد بعيدة, فدخلت يوما في نفق عجيب, لعلي أنفذ منه إلى بيت أحد الأثرياء, لكن يبدو أني أخطأت التقدير, كان طويلا لا شيء فيه, ولا يفضي إلى أي مكان آخر, كنت أسمع أصوات آلات وبشر, وبين الفينة والأخرى كان ذلك النفق يهتز اهتزازا شديدا, فأظن أني سأموت, بقيت هنالك زمانا حتى كدت أهلك, ثم انفتحت يوما فتحة صغيرة فنفذت بجلدي, آه تذكرت, كان ذلك في جنيف. فغر صاحبنا فاه, ورفع قرني استشعاره تعجبا, لقد حظي لتوه بلقاء سفير الصراصير إلى مسرع الجزيئات الشهير.
انسل صرصور الإلحاد من بين أقرانه, جرى مسرعا ليخرج من فتحة في السقف, أشار إليه جلساؤه يحذرونه وينهونه لكنه لم ينتبه لهم, ما أن وصل إلى آخر الممر حتى حمله تيار جارف وقذفه في البحر, عندها أفاق أبو الإلحاد من كوابيسه, تحسس يديه ووجهه ورأسه, شعر بالارتياح لانتهاء مغامرته الصرصورية, وحمد الطفرات التي فضلته على الصراصير والخنافس والديدان تفضيلا.
أشعل سيجارة, ونظر إلى زوجه متسائلا: هل حقا تراني صرصورا كريها أفسد عليها حياتها؟ ألا يجدر بمن كان مثله أن ينزلق إلى عالم المجاري حتى تتوافق بيئته مع ما يعتمل في نفسه؟
تخيل الرواية الإلحادية لبداية الكون من نقطة كرأس الدبوس, رأى مركبة فضائية تحوم حول تلك النقطة السحرية, كانت الآنسة "صدفة" تمسك عجلة القيادة, تساعدها في مهمتها الآنسة "طاقة".
فجأة رأى انفجارا عظيما نجم عنه ميلاد الكون الذي بقي زمانا طويلا مكانا مقفرا حتى حلت فيه فجأة الآنسة "حياة" التي استطاعت بمعية رديفتها الآنسة "طفرة" أن تملأ أرجاء الأرض بما لا يعد ولا يحصى من الكائنات الحية. تعجب من قصة الكون الإلحادية, لكنه شعر بوخز شديد في ظهره, لم يكترث له أول الأمر, تخيل أن سن الدبّوس الإلحادي قد انغرس في ظهره, إنه الدبوس الذي يزعم قسس الضلال أن الكون كله كان كامنا في نقطة في حجم رأسه, تساءل صاحبنا: لكن من أين جاء رأس الدبوس؟ ازداد الألم, استدار وتحسس ظهره بأنامله, لقد نسيت زوجه ابرة على الفراش, هاهي ذي مغروسة في ظهره, أزالها, لكن الدبوس الإلحادي ما زال ينخر في رأسه.
أمَة الرحمن
07-07-2017, 03:21 PM
تستحق هذه السلسلة البديعة أن تُعتبر من أروع ما كُتِبَ في الأدب العربي الساخر الهادف! أقولها و الله بلا أدنى مبالغة.
أسأله سبحانه أن يملىء ميزان حسناتك بكل حرف كتبته فيها.
هشام بن الزبير
08-08-2017, 11:41 PM
آمين وإياكم.
هشام بن الزبير
08-08-2017, 11:53 PM
من طرائف ما جرى أني نسيت الكراسة التي أدون فيها يوميات أبي الإلحاد في الطائرة, ولم أتذكرها حتى كدت أخرج من المطار. فماذا فعلت يا ترى؟ طلبت المساعدة, فتطوعت موظفة في المطار بإحضار الكراسة, ويبدو أنها تصفحتها, لأنها سلمتها إلي وهي تضحك.
لا بد أنها حسبتني مجنونا, فهل يتكبد عاقل مشقة ذلك الانتظار الطويل من أجل هذه الخربشات, فأنا لم أنس حاسوبا ولا جوالا ولا محفظة نقود, إنما هي أوراق فيها خبر أبي الإلحاد, وحلقات عديدة من رحلة تيهه من بينها حلقة حزينة اسمها: محطة النهاية.
وما دمت قد استعدت المخطوط العجيب, فإني سأستمر هنا عرفانا بجميل أصحاب الكلام الطيب في هذا الشريط.
فشكرا لكم.
هشام بن الزبير
08-09-2017, 11:44 AM
ترقبوا اليومية الجديدة:
53 على شاطئ الصدفة
هشام بن الزبير
08-10-2017, 06:31 PM
53 على شاطئ الصدفة
غاص صاحبنا في بحر الظلمات, ولم يقنع بالسباحة على ساحله, بل جازف وأوغل فيه, فهو يهوي أسفل سافلين, ويوشك أن يلحق بالملاحدة السالفين. غمرته ظلمات يركب بعضها بعضا, تَكلُّ عن وصف قتامتها ألسنة الواصفين, فلا يستقيم أن تنسب إلى السواد, فإن السواد سيبدو مشرقا لو خالط هذه العوالم الحوالك.
يا أبا الإلحاد, يا من نشأت بين المسلمين, من تحسب نفسك حتى تشرب من عصارة الإلحاد صرفا خالصة؟ هلا شربت من تلك المجاري الآسنة كأسا مزاجها شك وتشكيك؟ هل تحسب نفسك نيتشه؟ أغرّتك بدايته؟ أم استهوتك نهايته؟ عم قريب سيأتيك خبرك.
خيل إليه أنه يسمع صوتا رخيما يخاطبه:
"نتمنى لك رحلة ممتعة على متن خطوط الإلحاد الإلكتروني يا أبا الإلحاد."
استرسل في هلوسته, التفت حوله فرأى على المقاعد جمهرة من عتاة الملحدين من الأولين والآخرين, هذا آخرهم..., عجبا لقد نسي اسمه, إنه ذاك التعيس الذي فتك السرطان بحلقه, يا لها من صدفة قاتلة كسرت من الزميل الشرس البذيء أداة هرطقته, والتهمت على غفلة منه آلة تجديفه.
انظر إلى سلفك الغاوين وآبائك الغابرين لعل مرآهم يخفف عنك شيئا من غربتك المادية الخانقة, لا تجزع ولا تحزن يا أبا الإلحاد فإن الأعاصير الهوجاء التي تعصف بين مخك ومخيخك, قد هشمت من قبلك أقفية من هم أمتن منك كفرا وأعمق إلحادا.
شعر بضيق شديد يكاد يفتت أضلاعه, وبجشاء فلسفي كريه يملأ جمجمته, إنها الأعراض الجانبية للإلحاد التي لم يلتفت إليها قبل أن يبلع أول حبة منه؟ لقد اكتفى حينها بقراءة ما كتب بالخط العريض: الإلحاد تحرر وانعتاق ورقي وتنوير...
إنك لم تقرأ البنود المجهرية في العقد الإلحادي, بل سارعت بتوقيعه وبعت نفسك بلا ثمن, فماذا عساي أقول لك الآن؟ وبم أعزيك يا ابن التطور وخليفة الزواحف؟ وكيف أواسيك يا من استبدلت الجلد الناعم بالزعانف والحراشف؟ يا من حشرت أنفك في هذه المتاهات الوجودية وهذه المحارات الميتافيزيقية؟ هلا أكلت يا حيوان ما يتيسر لك من العلف, حتى تلحق في التراب بمن سلف؟
لقد تعفن الإلحاد وخمِج في رأسك, وهذا الريح النتن الذي يتردد في صدرك, هو زهومة الحمولة المنتنة في رأسك. هذا تشخيص حالتك, وهذه الأعراض تنبئك أنك تكاد تصل إلى آخر مراحل الإلحاد, إنك في آخر النفق فهل أهنئك أم أعزيك؟
دخل شقته ذلك المساء وهو ينوء بغمّه وقال لزوجه:
"عزيزتي عندي عطلة من بضعة أيام, ما رأيك أن نقضيها على شاطئ البحر خارج المدينة؟"
أجابته دون أن تصرف بصرها عن أحداث الحلقة السبعين من سلسلتها المفضلة (الضياع ):
"لحود, هل نسيت؟ ألم نتفق أني لا أبيت في العراء, انس التخييم. هل تذكر ما الذي حدث آخر مرة ..."
قاطعها متحمسا: " نعم نعم, كانت خيمة بدائية الآن الأمر مختلف...."
قالت بنبرة صارمة: " لا تتعب نفسك, احجز لنا غرفة في فندق أو انس الأمر."
نظر إليها مستعطفا وهو يكاد يجهش بالبكاء:
"كل ما في الأمر أني في ضيق شديد جدا, أكاد أختنق, أحيانا أظن أن رأسي ستنفجر, مللت هذه الحياة الرتيبة, أنا في حاجة ماسة لقضاء بعض الوقت أستمع لهدير أمواج البحر خارج المدينة, للأسف لا يوجد ثمة فنادق."
ختم استعطافه متنهدا واستدار وهو لا يشك لحظة أن كلامه تلاشى للأبد في فضاء الغرفة وهم بالانصراف.
يبدو أنه استعمل دون أن يدري أسلوب بطل السلسلة التلفزيونية التي تدمن زوجه مشاهدتها, فكان لكلماته عليها وقع السحر.
أجابته في حنان: " ولِمَ لا, بالطبع سنذهب سويّة, فقط أريدك أن تُعدّ كل شيء بعناية, هل تعدني بذلك؟
أجابها متلهفا وهو لا يكاد يصدق أذنيه: " أعدك أعدك, سأبدأ بإعداد ما نحتاجه حالا."
أعدّ أبو الإلحاد خيمة قال له البائع يوم اشتراها إنها من طراز قديم كانت تستعمله البعثات الاستكشافية, لكنها متينة تحتاج لشيء من الصبر والمهارة عند تركيبها أول مرة.
خرج الزوج الإلحادي والشمس لم تشرق بعد, لأن أبا الإلحاد أحب أن يشرب قهوة الصباح على مرأى الشروق, وصلا إلى الشاطئ وأنزلا أغراضهما وودّعا جارهما الذي قفل راجعا للمدينة بسيارته.
جلست أم الإلحاد تغالب النوم وافترش زوجها الرمل يحتسي قهوته وينظر إلى البحر وهو يخلع عنه لباس الظلام شيئا فشيئا, أقبلت الشمس ترتفع كأنها برتقالة ناضجة.
أخرج لحّود الخيمة من غشائها وشرع يتفحص الأجزاء التي ستصبح عما قريب هيكلا متينا يحملها. أمسك أهم شيء في العلبة على الإطلاق: كتيب تعليمات الصانع.
تبا لهذه الكومة من الأوراق, كم يكره قراءة هذه التعليمات الجوفاء, بدأ يقلب الصفحات في شرود, إنها مترجمة بعشرات اللغات, قلب صفحات الترجمة العربية فوجدها ركيكة, ثم نظر إلى صورة تصميم الخيمة, لكن سرعان ما نفد صبره.
قرّر أن يعتمد على ذكائه لبناء الخيمة, بدأ يحمل الأجزاء المعدنية وينظر إليها, ويقارن بينها, وهو يخمن: لا شك أن هذه هي الأضلاع, وهذه هي الأوتاد, تبدو هذه أجزاء يرتبط بعضها ببعض, هذه ستكون أعمدة..."
بدأ يجرب ربط بعضها ببعض, لكنها كانت كثيرة متشابهة. نظر إلى تصميم الهيكل فوجد بعض أجزائه مرقمة. حمل إحدى القطع المعدنية وقلّبها حتى وجد رقما في أحد طرفيها: رقم 13, تشاءم منه, فوضعه وحمل قطعة أخرى.
همهم: "حسنا علي الآن أن أجمع الأجزاء وفق الترتيب الصحيح, ثم أضع الخيمة فوق الهيكل, الأمر يسير."
فجأة احتجبت الشمس, والتفّ الشاطئ في ضباب بارد كثيف, نظرت إليه زوجه متسائلة: " كم سيستغرق الأمر إني أشعر بالبرد؟"
التفت إليها مبتسما: " لا تقلقي, ربع ساعة على الأكثر."
ما أكمل كلامه حتى هبت ريح شديدة, فطار الكتيب من يده بعيدا, همّ أن يجري ليمسكه, لكن إلى أين؟ كان الضباب كثيفا جدا, بدأ صاحبنا يمشي رافعا يديه لعله يمسك الكتيب الطائر صدفة, لكن هيهات, الصدفة لا تصنع في العالم الإلحادي مثل هذه الأمور التافهة, إنها مشغولة بعد تصميم الكون بالقيام على أمره, والحفاظ على توازنه, بذراته ومجراته, أما تصميم الخيمة فيبدو أنه استقر في البحر.
نظرت إليه زوجه مغضبة دون أن تنبس بشيء.
قضى ساعات وهو يخمّن وينظر ويُقدّر ويجرّب بلا طائل, خُيِّل إليه أنه يفهم الآن ما الذي قاساه صانع الساعات الأعمى بطل شيخه القسيس دونكي. لا بد أنه يشعر مثله بالضياع والغربة في عالم عبثي بلا غاية ولا قصد ولا معنى.
مضت ساعات ثقيلة كئيبة, اتصلت زوجه بأخيها فجاء ليحملها إلى البيت, وتركت أبا الإلحاد وحيدا.
قرر صاحبنا ألا يستسلم, ما زالت أمامه ساعات النهار الطويلة ليُركب الخيمة, إنه ليس أعمى كصانع ساعات دونكي, وهو ذات عاقلة وليس مجرد قوانين مادية صماء كالتي صممت كونه الإلحادي, لن يحتاج إلى آلاف السنين لينعم ببعض الراحة!
أمضى ساعات طويلة جرب فيها كل شيء, حاول عشرات المرات بناء الخيمة فباء بالخيبة والفشل في كل مرة.
نظر إلى الشمس تغيب شيئا فشيئا فاجتاحه غضب عارم, بدأ يقذف بالقطع المعدنية كأنه فارس من زمان آخر يصوب رماحه صوب قرص الشمس: " لا تذهبي, تريثي قليلا, لم أفرغ بعد."
لا تغضب يا أبا الإلحاد, هل قرأت في كتاب شيخك دونكي أن صانع الساعات الأعمى غضب أثناء تلك الأحقاب التي قضاها في مقامرته السرمدية؟ لا لا, العالم الإلحادي يحتاج بلايين السنين ليخرج للوجود, وبلايين السنين لترتيب نفسه, وأنت تريد منه أن يسعفك بحل سحري لمشاكلك في يوم أو بعض يوم؟ يا لك من كائن عجول جهول يا ابن الطبيعة العاق!
جلس أبو الإلحاد وقد أنهكه التعب وضع أغراضه تحت رأسه, والتحف بغشاء الخيمة, ولم يشعر كيف حمله النوم إلى عالم آخر, رأى نفسه قد اتخذ قصرا من زجاج على صفحة البحر, أعد مائدة العشاء وانتظر ضيوفه, جاءه دونكي وصانع الساعات الأعمى على كرسي متحرك يملك عجلات وزلاجات أيضا, جاءه شيخه يتزلج فوق الماء حتى وقف بباب قصره الفاره, قبل عميد الإلحاد العربي قدمي دونكي المشلولتين, ثم قدم له طبق السباجيتي بالصلصلة الحمراء, سأل أبو الإلحاد صانع الساعات الأعمى: هل جربت يوما أن تصنع شيئا آخر: علبة إكس بوكس أو آلة أيس كريم مثلا, كم سيستغرق ذلك؟ نظر إليه دونكي وصاح صيحة ارتج لها قصره الزجاجي, أحس بالبلل, عجبا, هل هشمت صرخة الشيخ زجاج القصر, لم يقرأ من قبل شيئا عن خوارق وأحوال شيوخ الإلحاد, اكفهر وجه دونكي كأنه قطعة من الليل, وبدأ ينبح نباحا شديدا, رأى أبو الإلحاد على أرض قصره شقا يتسرب منه الماء, فسده بعقبه, تعالى نباح دونكي حتى تمنى أن يضع له كمّامة, غمرته موجة باردة وأحس بالملوحة في حلقه, فتح عينيه فرأى كلبا ينبح عند أذنيه, يا للهول لقد ارتفع مدّ البحر عند منتصف الليل وكاد أبو الإلحاد يغرق, لقد أنقذ الكلب حياتك يا فارس الإلحاد الإلكتروني. قام يقطر ماء وركض صوب الشاطئ, حمد الآنسة صدفة التي أرسلت له كلبا ليقتحم عليه حلمه العجيب, وليستنقذه من براثن ميتة بشعة محققة, اعترف لها بالفضل وغفر لها خذلانه بالأمس, فالظاهر من تجربته في الإلحاد أن الصدفة تصنع ما تشاء وقتما تشاء, تمزج الحقيقة بالخيال, والواقع بالحلم, وتحيل دونكي كلبا, وفصاحته نباحا, لكن النباح الكلبي أنقذ حياته, فمن يا ترى ينقذه من النباح الإلحادي؟
هشام بن الزبير
08-13-2017, 02:30 AM
أيها القراء الأعزاء, بدأت هذه السلسلة في هذا الشريط منذ سنوات, وقد قرأها الآلاف في هذا الموقع وغيره, ونشرها كثيرون على صفحاتهم, واقترح علي كثيرون طباعتها, فبارك الله فيكم جميعا.
بقي من الجزء الثاني من الكوميديا الإلحادية بضع يوميات ترونها بإذن الله هنا تباعا على هذا النحو أو قريبا منه:
54 في ضيافة ابن العم شيمبانزي
55 التصوف الإلحادي
56 موسم الحصاد
57 خراب البيت الإلحادي
58 على الرصيف
59 محطة النهاية
والجزء الثالث سيصف إن شاء الله رحلة أبي الإلحاد من الظلمات إلى النور.
هشام بن الزبير
08-19-2017, 02:23 PM
54 أبو الإلحاد في طور الاستقراد
رُبّ متساءل مستفسر, عن أبي الإلحاد وأحواله, في حله وترحاله, وعن سر خفوت صوته, حتى أرجف مبغضوه بموته, بعدما ملأ الشبكة ضجيجا وجلبة, حتى ظن الجاهل أن له الغلبة, فما باله تقلص وانكمش, وصار يتخبط كالأعمش؟
ما له يدور ولا يتقدم, ويركض على أرض إلحاده فيتأخر؟ بل يدبّ ملتصقا بالتراب, فالخسة بيته, والذل رداؤه, والخزي لحافه, والضّعة خُلقه, والدناءة مرتبته, والضيم أنيسه, والخنوع جليسه.
ما لي أرى أبا الإلحاد في عراك وهِراش, تهوي عليه اللكمات, يدمى قلبه دون قالبه؟ وليس له من عدو سوى نفسه, فما أعجب عدو نفسه يصارع نفسه, فبئس الصارع والمصروع.
أهذا صنيع الإلحاد بأبيه وبنيه؟ يا تُرى هل ما أصابك سحابة صيف, أم جار سوء مقيمٌ لا ضيف؟
بل هي أحوال للإلحاد لازمة, ولمن رضي به ملازمة, فأبشر بطول مهانة يا ربيب الإنكار, إنها طبيعة الإلحاد يا عبد الطبيعة, لقد لبسته فزهوت بنفسك وانتفشت, وانتفخت حتى حسبت نفسك إلها صغيرا يطير حيثما شاء, ويفعل بلا حسيب ما يشاء, لبثت كذلك حتى انجلت عنك فورة الشباب وهيجان الّصبا, ثم هويت إلى الأرض على أم رأسك, فأنت في متاهات كفرك تتدحرج.
قفل أبو إلحاد راجعا إلى جُحره, يجرجر رجليه في عنت, كأنما حشيت ساقاه رصاصا, خُيّل إليه أنه يساق إلى زنزانة مظلمة, لعن الصدفة التي رمت به في أتون هذه المعركة المستعرة التي يسمونها "حياة", وهل هذه حياة؟ لقد ظل عشر سنين يعمل في تلك الشركة, يكدح وينصب لأجل فتات لا يغنيه ولا يُرديه, كأنه فأر غبي يدير عجلة لا يغادرها إلا لينام.
اشتدت محنته هذا العام, خُيّل إليه أن عالمه يتهاوى من حوله, طالما خفف عنه العمل بعض ما به, لكنه طُرد منه اليوم, ماذا تراه يصنع الآن؟ إنه يتوقع أياما سودا. إن البطالة الإلحادية والزلازل النفسية التي تعصف به خلطة قاتلة.
مكث الفأر الإلحادي في جُحْره شهورا يبحث عن عجلة أخرى, لم يترك بابا إلا طرقه, فما سمع إلا صدى طرقه, لم يكن يحظى حتى برسائل رفض واعتذار, كانت طلباته تتلاشى كما يتلاشى في حياته معنى الأمل. يبدو أن العالم المادي بذراته ومجراته قد خذله.
هجرته زوجه إلى بيت أبيها حتى تنجلي هذه المحنة فيما تزعم. صار يخرج باكرا هربا من صاحبة الشقة التي تأتيه كل يوم لاستخلاص أجر الكراء.
انقضى الشهر الخامس, فخرج يهيم على وجهه, يحمل خيبته, ودرهمين هي كل ما يملك, اشترى بهما جريدة, وأتى حديقة.
جلس يتصفح الإعلانات في لهفة وهو يدعو في سره الطبيعة والصدفة والحظ والطالع والبخت والنصيب أن يسعفوه في محنته, وقع بصره على إعلان كتب بخط عريض:
وظيفة شاغرة
هل تحب المغامرة؟ هل تحب التغيير؟
هل تحب الطبيعة؟ هل تحب الحيوانات؟
اتصل بنا مباشرة لمزيد من المعلومات
حديقة حيوانات القارات الخمس.
كان يقرأ ويتمتم: نعم, نعم, نعم... قام مسرعا إلى بيته, استحم ولبس وتعطر وتزين, ووقف أمام المرآة يرتل تعاويذ إلحادية ويحفّز نفسه بعبارات لم يعد يذكر أين قرأها أول مرة:
" الكون كله فيك مكنون يا ابن الكون,
فبك كان وبه تكون,
ذرة أنت تمخر عباب الكون,
تذروها الطبيعة وهي في سكون,
فلا تجزع ولا تفزع أيها المغبون,
اغسل همومك بالماء والصابون,
وتفاءل فالمادة عوّدتك الإحسان,
فلا تكفر بها أيها الإنسان,
أنا موهوب, أنا محبوب,
أنا جاذب أنا مجذوب,
فيا قوانين الجذب,
اجذبيني إلى هذا الرزق واجذبيه إلي,
كما جذبت الحديد إلى المغناطيس..."
تذكر الآن, إنها ترانيم ابتكرها أحد كهنة الزملاء, وضمنها تعاليم قانون الجذب, الذي كان يومها موضة معروضة.
انتهت المقابلة بقبوله في عمله الجديد. تلقى تدريبا لمدة أسبوع ثم تم تكليفه بالقيام على أمر أسرة شيمانزية عريقة تسكن قفصا عظيما كأنه قصر يتوسط حديقة الحيوان.إنك لو رأيته لرأيت مكانا واسعا. شتان بين رحابة أرجاءه وبين ضيق شقة لحود, بل إنه أجمل وأنظف وأطيب ريحا وأعظم أُنْسا و أوفر بِشرا.
يأوي أبو الإلحاد إلى جحره فلا يؤنس وحدته إلا قرينته التي ملّته واستثقلته, ولما ضاقت به الأرض قلَتْه, ثمّ إنها لم تعد إليه وقد مضى على عمله هنا شهران.
أما هنا وما أدراك ما هنا, هنا القصر الشيمبانزي العامر, هنا الفخامة والضخامة, هنا البنيان والعمران, هنا أجيال ثلاثة, متناغمة متراحمة, هنا الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد, يأتيهم رزقهم بكرة وعشيا, بلا كدّ ولا نصب, بل إنهم اتخذوا خادما مطيعا قنوعا اسمه أبو الإلحاد.
فرح صاحبنا بحظه, وانهمك مسرورا في عمله, كأنه حظي بخدمة ملك من الملوك, لا قطيع من القرود, وأحبّ أن يحيي مواهبه الأكاديمية, فصار يقيّد ملاحظاته الشيمبانزية في مذكرة, ويتفكر في تفاصيل التطور, كي يتبحر فيه أيما تبحّر.
ما أسعدك بالطبيعة وما أسعدها بك, لقد أتت بك إلى حيث انتماؤك, وصهرتك مع معدنك, وصنعت إليك ما أنت أهله, يبدو أن قانون الجذب صحيح من هذا الوجه, وليت دونكي يتخذ له مثل هذه الإقامة الفارهة لأيام تقاعده.
سرعان ما اعتادت القرود على أخيها الذي يلبس الثياب, وألفت ريحه, وأنِست به وأنس بها, وصار زملاؤه في العمل يدعونه فيما بينهم "زعطوط".
دخل عشية يتفقد آنسة شيمبانزية توشك أن تضع, فأخذته إغفاءة ولم ينتبه له زميله فأغلق عليه الباب. حين اكتشف صاحبكم ورطته أُسْقط في يده, فقد كان ذلك ليلة عطلة رسمية من يومين, واستيقن أنه سيقضيهما مضطرا في ضيافة أبناء العمومة.
شعر بالرعب أول وهلة, لكنه سرعان ما استأنس, بل الأفصح أن أقول إنه "استقرد", فهل يستأنس القرد حين يستقرد الإنسان؟ ما لنا ولهذا الآن؟ فلنعد إلى صاحبنا التعيس, قرر أن ينظر إلى الجانب المضيء, فرأى أنها فرصة للاحتكاك مع بني العم في خلوتهم, و مخالطتهم والسمر معهم بالليل, حين يغيب بقية البشر.
إن رواد الحديقة مزعجون, يلقون إلى إخوانه بالفاكهة كأنهم لا يفكرون بشيء سوى الطعام, هو مختلف لأنه ينظر إليهم بمنظار صنعه أبو الطفرات دارون منذ حوالي قرنين, إن المتنورين اليوم لا يجرؤون أبدا أن ينظروا إلى الحياة بدون هذا المنظار العتيق, ليس لدقّته, بل لأنهم ما أن يزيلوه حتى يبصروا حقيقة الخَلْق.
أبو الإلحاد ينظر إلى بني عمومته باحترام دارويني جمّ, ويعرف لهم فضلهم, ويقدّر سابقتهم.
إنه يدرك أن لازم مذهب الإلحاد أن المتنورين يمُتّون للقرود بأوثق العرى وأمتن الصّلات وأشد الحبال, ويعلم علم اليقين أن قطع تلك الأواصر يجعل بصر الإنسان يرتفع إلى السماء متسائلا عن الخالق.
ها قد أتيح لك يا ابن الطبيعة ونتاج الطفرات وصل تلك الأرحام البعيدة من أقرب سبيل. تذكر شريطا وثائقيا لباحث أوربي مشهور عاش بين القرود يدرس سلوكها, فشرع يصنع ما رآه يصنع:
نزع قميصه وسراويله, واكتفى بشورت رياضي, ولطخ جثمانه بالطين. أقعى وبدأ يقلد إخوانه الداروينيين ويحاكي حركاتهم وقفزاتهم وأصواتهم, وجد نفسه أخيرا بين أهله. وسرعان ما قبلوه واحتضنوه.
قضى ليلته الأولى بين أحضان القرود, ونام كالطفل كما لم ينم منذ سنين. فتح عينيه قبيل الشروق, فوجد آنسة شيمبانزية ظريفة قد وضعت كومة فاكهة عند رأسه, عجبا إنه لا يذكر أبدا أن زوجه أتته بوجبة الإفطار في سريره! تبّا له ولها, إنها لم تكن يوما ملحدة مثله.
مضى اليوم الثاني في سكينة ووئام, وضعت الحامل مولودها, وكان ذكرا, فاهتز القفص وارتجّ أركانه بصيحات الفرح, لا بد أن الجدّ جِدّ فخور بالحفيد الجديد, جلس صاحبنا طوال يومه يرقب الحفل القردي العائلي ولمساته الفنية ويتساءل: كيف يكون الإنسان أرقى ما أنتجه التطور, ثم تبدو القرود أسعد منه؟
آذنت الشمس بالمغيب فتقارب الزملاء وجلسوا يتسامرون ريثما يغلبهم النوم, قصت عليهم الجدة قصصا من طفولتها في الأدغال الإفريقية, واستند الجد على كتف أبي الإلحاد الأيمن ووضع أحد الصغار رأسه على فخذه, لم يجرؤ على الحركة, فنام على هذه الحال.
هبّ من نومه مذعورا حين أحس بشيء يقرصه, تبا إنها حشرات حادة اللسع, إنها تنفذ بوخزها عبر فرو القرود, فما بالكم بجلد لحّود الناعم المتنعم؟ مرّ بيده على شعره فوجد كتيبة كاملة من هذه الحشرات المزعجة تقوم بمناورات عسكرية, لكنه لم يستطع أن يفعل الكثير, لقد خشي من رد فعل إخوانه إن هو أيقظهم.
بدأ يحك جلده, فجأة استيقظت الجدة وأخذت تفلو رأسه في حنان دارويني لم يقرأ عنه قط في كتب شيخه دونكي, كانت تتبع البراغيث في خفة ورشاقة بأناملها, ثم تلتقطها بلسانها, شعر بدمعة حارّة تتحدر على خده, لقد مضى عليه زمان طويل لم يشعر فيه بمثل هذه المشاعر الجياشة, حاول أن يقوم لكن الجدة أمسكت به وأجلسته عند قدميها, وبدأت تنظف رأسه وجلده, يبدو أنها شعرت بضياعه وغربته, خطر في باله أنها ربما تبنّته, يا للهول, يوشك زملاؤه في العمل أن يحضروا, إنه لا يريدهم أن يروه على هذه الحال, أراد أن يصل إلى ثيابه ليلبسها, ضمته جدة القرود إليها كأنها تواسيه, يبدو أنها استشعرت غربته وضياعه.
حاول أن ينسل من بين يديها لكنها أمسكت به, جلس الآخرون من حولها ينظرون. فجأة وقف زميل له ينظر من خلال قضبان القفص, لقد دقت الساعة الثامنة, اختفى لحظات ثم عاد ومعه جميع عمال الحديقة, يقهقهون ويتعجبون ويلتقطون له الصور, لبس ثيابه وركض مسرعا لعله يحفظ قطرة من ماء وجهه, وأنهى مشواره العملي الفريد في ذلك اليوم المهين, خرج وهو يتمنى لو يستطيع أن يخترق الحجب إلى أحد العوالم المتوازية, لعله يكون هناك أوفر حظا وأحسن طالعا, لكنه علم أنه قد أمضى سنين طوالا يزرع الشوك, وأنْ قد آن أوان الحصاد.
هشام بن الزبير
08-20-2017, 03:13 PM
55 نظرات في التصوف الإلحادي
...
هشام بن الزبير
08-21-2017, 01:13 PM
قد يبدو عنوان اليومية القادمة غريبا, لكن هل التصوف الإلحادي محض خيال؟
الجواب في المقطع التالي, وأعتذر فهو غير مترجم:
https://www.youtube.com/watch?v=ndM-EkeMTHg
هشام بن الزبير
08-23-2017, 12:15 AM
56 نظرات في التصوف الإلحادي
2773
تربّع أبو الإلحاد على حصيره, مبحرا على زبد تفكيره, يراجع كتاب حياته, يقلّب صفحاته. فإذا بعضها ملطّخ بكل مستقذر, وأكثرها رتيب باهت مكرّر. توقف عند أيام الزهو واللهو, واجتهد أن يقتبس من ذكرى لذائذها ما يخفف أحزانه, فلم ينله منها إلا حسراتٌ تتردد في صدره, كما لا يجني الأكول من شرَهه إلا الجشاء وثقل الأعضاء. لم يجد في مسيرته موطنا يحنّ إليه سوى طفولته.
حالت أحواله واشتدت أهواله وتحقّقت كوابيسه, وامتلأ من النّكسات كيسه, ودهمته نكبات متتاليات, تغشاهن فتن ملتهبات, ذاب لهن عالمه كأنه قطعة ثلج, فيا له من بائس يائس مُفلس.
نظر حواليه فلم ير شيئا من متاع الدنيا, إلا حذاء باليا, وحقيبة ظهر, والثياب على عظامه, والحصير البلاستيكي من تحته. كانت الغرفة على السطح هذا الصيف كالأتون المستعر, كأن الشمس لا تشرق إلا لها وعليها.
قضى بعد استقالته من منصبه الشيمبانزي أياما باع فيها كل ما يملك: الأثاث والكتب والهاتف والتلفاز والحاسوب, واكترى هذه الزنزانة الضيقة المحرقة ليستر فيها حتى حين خيبته.
سرعان ما طلبت زوجه الطلاق, وأرسلت من يأتي بأغراضها. لما أراد أن يمحو ذاكرة الحاسوب ليبيعه, وجد ملفا بعنوان: رسائل الفرصة الأخيرة فقرأ فيه رسالتين: إحداهما وُضعت في قارورة على شاطئ البحر (http://www.eltwhed.com/vb/showthread.php?29323-%C7%E1%DF%E6%E3%ED%CF%ED%C7-%C7%E1%C5%E1%CD%C7%CF%ED%C9&p=2839985#post2839985)قضى بعدها أسابيع يحاول دون جدوى فك لغزها المحير! ثم وجد الثانية في علبة الرسائل. (www.eltwhed.com/vb/showthread.php?29323-%C7%E1%DF%E6%E3%ED%CF%ED%C7-%C7%E1%C5%E1%CD%C7%CF%ED%C9&p=2863480#post2863480)حصل ذلك قبل عام, ولم يدر في خلده هنيهة أنّ زوجه سميّة هي المرسلة, لقد استعانت قطعا بكاتب لعلها توقظه, لم ينتبه إلى محنتها معه, لم ير يدها ممدودة إليه. كان آخر بحث لها على الشبكة الإسلامية: ما حكم بقاء المسلمة مع زوج ملحد؟
يا لمصيبته كانت سمية أجمل شيء في حياته, لكن إلحاده سلبها منه كما سلب منه كل شيء جميل, كان المعتوه يدعوها نوال تيمنا بإحدى رائدات الزندقة الشرقيات. ويله كيف تجرأ أن يدعوها باسم عجوز شمطاء ملحدة؟ آه, إنه كان يخشى من الحمولة المعنوية لاسمها, وقد حصل ما كان يخشاه.
غشيته سحابة حزن سوداء مظلمة, نظر إلى سقف الغرفة وتساءل: أيقوى خيط الكهرباء على حمل جثته؟ لكنه مفلس لا يملك حبلا, حرك رأسه مستنكرا ما راوده, كلا كلا, إنه قانع من الحياة بما تهبه الحياة, ولو بقي له في بحر النكد ومحيط الشقاء قشّة لتشبت بها.
قام ينظر إلى الجدار فرأى نملة مسرعة, قال يحدث نفسه: يا ليتني فيها نملة, فإنّي حُمِّلتُ ما لا أطيق حمله, يا ليتني شعرة في ناصية حمار, ليتني مسمار مغروز في جدار, ليت التطور ما كان ولا كنت, ما لي ولهذه الأعاصير الوجودية؟ ليتني بقيت كائنا أحادي الخلية, ما لي وللوعي, ما لي وللحزن, ما لي وللفكر؟ ليتني ما أدركت قطّ معنى ليت وعسى ولعلّ.
تمتم: لا تجزع يا ابن المادة العاقّ, أولست تزعم أن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم! لا تجزع فالمادة إن منعت, فطالما أعطت, وإن امتحنت فطالما منحت, تأمل أيها الزميل في حالك, ولا تيأس من ليلك الحالك, فبعد حين يجيء النهار, وتسطع الأنوار. كرر هذه الجملة لأحد الزملاء رواد التنمية الذاتية عساه يطمئن قليلا, لكنه ما ازداد إلا قنوطا, يا ويله من تاجر كلام, لما أصبح مليونيرا مثله, فلربما وجدت طعم هذا الكلام!
حين باع جميع تراثه الأرضي, وحذف مدونته من العالم الافتراضي, ولم يبق له سوى ما يغطي عورته, وهم بمغادرة الشقة وجد شيئين قرر الاحتفاظ بهما: كتابا اشتراه قديما لعنوانه الطريف: (((هداية الملحد المتخوف إلى فضائل التصوف))). ومسبحة إلكترونية كانت زوجه تحتفظ بها بين أغراض زينتها.
اعتبر هذين الكنزين المنتناغمين هبة من الطبيعة, وإشارة منها لطيفة, فعكف على كتابه يطالعه في نهم, فولج ما يسميه صناديد الجرب والجذام بـعالم "الماورائيات", قرأ عن زهاد الملاحدة عبر التاريخ, وعن عالم التأمل, وعلم الطاقة, وطاقة الفكر, وعن وحدة الوجود, وعن الطاوية والبوذية, وعن اليوغا الهندية والتاي تشي الصينية, وصعد مع فصول الكتاب إلى الهيمالايا, ثم سبح في نهر الغانج, وجلس يقرأ عن بوذا ويتعجب من ضخامة كرشه, ويتساءل عن طول أحشائه, ثم ثنّى بالفصول التطبيقية, بعدما حفظ مدارج سلوك التصوف الإلحادي, و تشرّب مقامات العرفان المادي, فعقد العزم واستصحب الحزم ليقرن العلم بالعمل, فأناخ عند مشيخة صوفية الإلحاد راحلته, واستفتح بلفافة حشيش خلوته, وبدأ رحلة التأمل.
بدا كأنه بوذا نحيف برى الجوع عظمه وأذبل لحمه. أغمض عينيه ومكث ساعة حارسا على سره, لا ترِدُه فكرة إلا زجرها, ولا خطرة إلا هجرها, ولا سؤال إلا أعرض عنه, ولا اعتراض إلا انصرف عنه, حتى هدأت أمواج نفسه, وسكنت رياح رأسه, فغمره سكون لا ينغصه كسر ولا ضمّ, فاستبشر بسرعة هذا الفتح.
تخيل عينا جاحظة في جوفه, وجعلها بقوة بليون ميغا بيكسل, ليبصر بها ما نأى وغاب, فرأى نفسه يذوب ذوبان الملح في الماء, نظر إلى جثمانه وقد استحال بقعة تسيل على الأرض, تساءل إن كنت أنا المنظور هناك فمن الناظر؟ إن كنت أبصر بعد إغماض عيني فمن المبصر؟ تساءل: أهكذا حقيقة الموت؟ انتقال من طور إلى طور؟
صارت ذاته كينونة لطيفة لا يُدرى كنهها, تطير حيثما شاءت, نفذ من سقف الغرفة فوجد نفسه على قرص الشمس, طاف بها ولم يجد لها حرّا, ثم حط على القمر, فلم يجد عليه أثرا لبشر, طاف بين النجوم وأشرف على العالم المنظور بذراته ومجراته. فعل ذلك كله بلا جِرْم ولاجسم, ولا مادة ولا ذرة ولا إلكترون, طرد هذه الخواطر المتطفلة على خلوته, فلا حاجة له لشيء, لكن فكره أبى إلا أن يجول, قرر أن يطفئ الشمس ويطمس القمر والنجوم, تخيل ممحاة عظيمة تمر عليها فتحيلها أثرا بعد عين, فأظلم الكون أيما ظلام. أشرف على الأرض فألفاها بساطا ممتدا يتجارى فيه البشر. مقتهم واستكثرهم وتمنى زوالهم, نظر إليهم يذوبون ويتلاشون, فلم تبق إلا ذاته, تمتم: أليس هكذا أحسن؟ لا معنى الآن للضغائن والأحقاد, لم يبق عليها من يتحاسد, بقيت فردا فلا تحاسد ولا تنافس, ذهب الشركاء في البشرية فانتفت المشاركة. هاهي الأرض التي كنتم فيها تتنافسون بخيراتها, كلها تحت قدمي, فهل أسعد بها يا ترى؟ لم يجد لكل مُتع الأرض طعما, فزهد فيها فذابت كما ذاب أهلها, وذهبت أحجارها وأشجارها, واندكّت جبالها, حتى استوت صعيدا واحدا, فسقطت من عينه, وماذا عساه يفعل على صفحة مستوية ليس فيها معالم ولا ألوان.
تلاشت الأرض كما تلاشى كل شيء, وبقي أبو الإلحاد في كينونته العجيبة يطفو في الخواء كأنه ذرة من هباء. زالت المادة وما زال الفكر, زال كل شيء وبقي كل شيء, ذهب كل ما يستعمله الماديون لتفسير الوجود, فأعجزه إيجاد تفسير, إلا تفسيرا يحتاج بدوره لتفسير.
فني العالم من حوله ولم يفن العالم فيه. خيل إليه أن كينونته اللطيفة الحالمة المفكرة قد اختزلت الكون برمته, وأن الكون كله غدا شحنة مجهرية مركزة صُبّت في ذاته صبّا, وحلت فيه وبه اتحدت: حلول واتحاد, هذه عقيدة الإلحاد المحض.
اجتهد ثانية ليكنس من ذهنه ركام الفكر, لبث ساعة يمارس تمارين التنفس كما نقلها الكتاب عن شيخ شيوخ مشايخ اليوغا الذين نقلوها عبر القرون بالإسناد المنفصل فعاوده السكون, رأى الوجود فراغا لا شيء فيه, ورأى نفسه ينقلب دبّوسا صغيرا له رأس مدبّب, انغرز في بقعة ما من اللاشيء, اختمر في رأسه كل شيء, ثم انفجر فجأة صدفة, ونتج عن انفجاره العظيم طاقة هائلة فولد الكون من جديد, ودارت عجلة التطور طورا آخر, يا اللهول, عليه أن يوقف هذه العجلة البغيضة, لن يحصل من وجود الإنسان في هذا العالم إلا المآسي والطغيان, عاد بقوة التأمل إلى طوره اللطيف, وآثر أن يبقى وحيدا يطفو في عالم انطوى فيه بمجراته وأفلاكه. هذا هو العرفان المادي الحلولي إذن.
تفكّر: أنا الكون والكون أنا, ولستُ بالمُكَوِّن -بكسر الواو-, فمن تراه يكون؟ وُجِدتُ ههنا وما شهدتُ التكوين. تذكر أن مشيخة الإلحاد يفزعون عند هذه الأسئلة الوجودية العويصة إلى الفضائيين الخضر, إنهم "آلهة الفجوات الإلحادية" عند المتنورين, لكنه لم يفسح لهم المجال ليزاحموه في رحلة تأمله, فهو لا يأمنهم, ويتقزز من ضخامة رؤوسهم وبشاعة مناظرهم.
بدأ يقرأ أوراده وينتظر وارده, يكنس أفكاره ويتلو أذكاره, افتتح دعاء الصدفة:
يا أيتها الصدفة العمياء...
لك ندين وبك نستعين...
يامن لا نعرف لك مكانا فنأتيه...
ولا وجها فنقصده...
أزيلي عنا الغم وأفيضي علينا الحكمة...
نسألك العرفان والكشف...
والفيض والفتح...
ثم بدأ ينقر زر مسبحته الإلكترونية ذاكرا خاشعا متذللا يتلو ((( الحزب الكواركي الكبير))):
شين, شين, شين, شين...
يا شين, يا شين, يا شين...
لا شيء, لا شيء, لا شيء...
شيء, شيء, شيء, شي...
كل شيء, كل شيء...
كل شيء من لا شيء
كل شيء لا شيء
يا أيها اللاشيء ما أعظمك,
يا أيها اللاشيء ما أعلمك,
يا أيها اللاشيء ما أحكمك,
يا حساء الكوانتوم ذا السرّ المكتوم
فوتون, بروتون, إلكترون
يا كل شيء أنا لا شيء فعلمني كل شيء
يا أيتها المادة المظلمة علميني الحكمة
وانتشليني من هذا الثقب الأسود
غلوون جرافتون بوزون هيجز
بوزون, بوزون, بوزون,
كوارك, كوارك, كوراك...
لما بلغ من ابتهاله الكواركي ثلاثين ألفا ظهرت أمامه سحابة بيضاء, ورأى عليها أمّة من قردة المارموزيت تنظر إليه بأعينها الداكنة, فتح عينيه فرآها بالفعل تملأ فضاء الغرفة, فرك عينيه غير مصدّق, فبدأت كلها تفرك أعينها الصغيرة الجميلة, مد سبابته فحمل عليها أحدها, لم يدر صاحبنا هل هي مقدمات الكشف الصوفي الإلحادي, أم أنها إرهاصات الجنون, أم لعله الحشيش المغشوش أم أنه الجوع!
تدحرج على حصيره وأسلم نفسه للنوم بعد فنائه في المادة وفنائها فيه.
يوسف محمود
09-02-2017, 06:20 AM
للرفع..............
هشام بن الزبير
01-08-2018, 01:00 PM
للرفع..............
رفع الله قدرك أيها الكريم.
هشام بن الزبير
04-15-2018, 10:31 PM
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
كتبت هذه اليومية بواسطة تطبيق في إحدى الأجهزة التي يقال عنها ذكية, لكني لم أتمكن من تنسيقها, وربما كانت في حاجة إلى تنقيح, لكني أخاف أن تضيع, فلأحفظها هنا عسى أن يتيسر فيما بعد أمر ترتيبها وتنسيقها وتغيير حجم خطها.
57- أبو الإلحاد على قارعة الطريق
خرج أبو الإلحاد من غرفته شريدا, تتردد غصص حرى في صدره. لم يكن يوما غنيا, لكنه غُمس فجأة في بحر البؤس غمسة خلعت عنه كل شيء يفرح به أهل الدنيا. صار كمنبوذي الهند يستقذر نفسه قبل أن يستقذره الناس. ليته فيها راهبا بوذيا يهيم في عالم النيرفانا ويقضي وقته في التأمل, إن تقلل صاحب العقيدة أي عقيدة وزهده في زخرف الدنيا, وانخلاعه طوعا عن حطامها ولذائذها يضفي على حياته نكهة من السعادة الروحية, تقابلها شقوة بالغة وتعاسة عارمة تخنق أنفاس من يقبل على الدنيا إقبال المتيم التيهان, يحتضن ضرعها احتضان الرضيع ثدي أمه, ويستمسك بتلابيبها استمساك الغريق بحبل نجاته, ثم هي تدفعه وتزجره. إن أبا الإلحاد ابن الطبيعة وابنها المدلل وعبدها المطيع, لا يبغي بها بدلا ولا يصبر عنها طرفة عين, فما بالها تركله وتخمشه وتهينه.
هائنتذا يا فارس التنوير على قارعة العالم المادي الذي كنت تعبد من دون الله, لقد فنيت في المادة وفنيت فيك, فأبشر بالتنوير الذي كنت توعد, لقد جاءك الفتح وانكشفت عنك الحُجب, وطلعت عليك شمس الحقيقة المادية, ذق ما كنت تطلب, واشرب ما كنت تحلب. لا تشتك من مرارة شرابك ولا تندب رداءة طعامك, فأنت أوقدت عليه في فرن هواك سنين طوالا, ونفخت فيه هواء شهواتك وشبهاتك دهرا حتى استوى, فهنيئا مريئا.
هناك إلحادان متباينان, أحدهما إلحاد مشوب بشوائب ليست منه, كأنها منكهات تزينه في حلوق المغرورين المخدوعين, إنها شوائب رومانسية حالمة ينخدع بها من يطمع أن يزوق الإلحاد بمفاهيم العدل والإنسانية, إنها شوائب خادعة تتلألأ كالسراب يلهث خلفه بلداء الملاحدة حتى يسلمهم إلى دار الإلحاد الخالص, ويفد بهم إلى أرضه اليباب القفر, ملحدستان: فردوس التنوير المنشود, هناك فقط يُذبح الأمل في محراب الشيطان, ويرفع لواء اليأس وتنصب أعلامه. أليس هذا خليقا بك يا من لم تقنع أن تلحد في خاصة نفسك, بل سعيت في خراب بيت إيمان غيرك؟ بئس مثل الأعمى يتصدى لهداية الناس في المفاوز والصحاري.
لقد استيقنت أخيرا أن نشدان العدل والقيم الأخلاقية والتغني بها هرطقة في دين الإلحاد القح. إنما الملحد ذرات حقيرة تنفعل ولا تفعل, وتستجيب ولا تسأل, تلبث كذلك زمانا ثم تندثر. فيا أيتها الذرات المتكاثفة لغير معنى, مالك وللمعنى؟ قضي الأمر الذي كنت فيه تختصمين: أنت لم تكوني شيئا مذكورا, فكيف توهمت أن يكون لك من الأمر شيء, أو أن يجيء منك شيء, كيف خطر ببالك لحظة أن يكون لك شيء يا لا شيء؟
جلس صاحبنا على الرصيف مفترشا أساه, ملتحفا هواجسه. مرت قربه حافلة مهترئة صدئة, فغمره دخان وقودها المحترق, أحس له بوخز في عينيه لكنه انتشى لطعمه في حلقه, لم يحظ بلفافة تبغ هذا اليوم.
مشى ساعة مطرقا لعله يظفر بعقب سيجارة, فجأة بصر بعلبة كاملة, لم يشك هنيهة أنها فارغة. التقطها فإذا هي ملأى, إنها لحظة من لحظات أنسه بأمه الطبيعة.
حدق في الصورة المقززة على العلبة: شاب استئصل معظم فكه الأسفل بسبب السرطان. عجبا للمتنورين كيف يسمونه مرضا خبيثا, متى تتخلصون من أوهام الطهارة والنجاسة؟ أفلا تعقلون؟ إن لم يكن ثمة إله في السماء فالطبيعة هي الطبيعة, لا شيء منها يستقذر البتة!
نظر إلى العلبة وتساءل لماذا يدخن المدخنون رغم أنف من يرهبونهم بتلك الصور المرعبة؟ بل كيف يستقيم أن يوجد جراح يسترزق من استئصال تلك الأورام القاتلة من صدور فتتها الدخان, ثم يشعل هو نفسه سيجارة كلما فرغ من عمله؟
أليس العلم الدنيوي كفيلا بخلاص الإنسان وهدايته كما تزعمون يا أفراخ الإلحاد؟ أم أن معادلة السلوك الإنساني أشد تعقيدا من ذلك؟
إن الإدراك النظري لعوامل الربح والخسارة الماديين لا يكفي أبدا لكبح جماح نفس هذا الإنسان المتمرد على الطبيعة الجانح دوما إلى الاعتراض عليها بمفاهيمه الأخلاقية المتسامية.
وجد أبو الإلحاد نفسه تارة أخرى منزلقا في متاهات الأفكار الميتافيزيقة الحالمة, لكن مثال الجراح ناطق بقصور المذهب المادي عن تفسير لغز الإنسان. إن ذلكم الجراح يعلم علما ضروريا ومكتسبا, نظريا وعمليا , حصله خلال عقود متطاولة, أن التدخين مهلكة للإنسان, إنه يقضي ساعات منهكة يرمم أجسام من أرداهم التبغ وأتلف أبدانهم, ثم لا يجد لنفسه بعد ذلك كله رادعا عن حمقها وسفاهتها.
لن ينسى صاحبنا هذا المثال ما حيي, لن ينساه مذ سمعه من محاور مسلم فلم يحر له من يومها جوابا.
سأله: ما بال البروفيسور الجراح؟ أجاهل هو فيعلم؟ أم مجنون فيحجر عليه؟ أم الثالثة وفيها خراب بيت إلحادك؟
أما إنك تعلم الجواب غير أنك تكابر, إنه مثلك ومثل أكثر أهل الأرض صاحب هوى, فما بال العلوم المادية متظافرة لم تنفعه ولم تردعه عن غيه ولم تكبح جماح هواه؟ خذه مني توقيعا على صك موت الإلحاد, وإيذانا باندثاره وتلاشيه.
الإنسان كائن ملتقص بالأرض وهامته في السماء, كائن يسكن هذا العالم, ولا تسكن نفسه قط إلا بتطلعها إلى عالم آخر, إنه كائن ملابس للطبيعة متمرد عليها, مجنون بالقوة محب للرحمة, مجبول على الشح مقدس للبذل. ما أعظم تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين الإنسان إذ يكون عبدا لهواه ومطالبه الطينية, وبينه إذ يتعالى عليها ويتسامى ليعانق عالما آخر, عالم السماء والنبل والطهر والقداسة.
لكن أبا الإلحاد عبد هواه وعبد المادة وعبد الصدفة وعبد كل ذرة من هذا الوجود الفاني المتغير الزائل زوال ظل تلك المباني الممتدة أمام ناظريه. دخن سيجارة في شره, ثم أتبعها ثانية وثالثة وهو يتمنى أن تحبوه أمه الطبيعة بسرطان مثل الذي تصوره العلبة أو أشد منه تنكيلا.
ما أعجب الملحد, يحيا منتشيا بأوهام الشباب والقدرة والقوة والقهر, وإنما هو تحت القدرة والقوة والقهر لا يملك لذاته الفانية من نفع ولا ضر.
تبسم أبو الإلحاد ومشى لا يدري كيف يمشي ولا فيم يمشي, ذابت إرادته وتلاشت أمانيه, انصهر في العالم المادي الذي يعبده, مات فيه كل شيء جميل, لكن صوتا خافتا في أعماقه ذاته المتحيرة لم يزل يهمس به أن ثمة مخرجا من هذا الجحيم المستعر الذي يسميه حياة.
مضى بلا قصد ولا هدف, تتقاذفه الحارات وتتناوش عقله المحارات. ولما أن أظلم الليل صنعت له أمه الطبيعة هدفا لتخلع على تسكعه البئيس معنى.
صار يمشي يريد مكانا يصلح للنوم, تسلق سور حديقة عامة, جر أقدام خيبته إلى زاوية منها حيث ألقى عظامه المنهكة. التصق أبو الإلحاد بالعالم الذي لا يعرف له ربا سواه, وأمسى كأنه جذع ملقى على قارعة الطريق, طريق الإلحاد الشائك الطويل.
ابن سلامة القادري
04-16-2018, 04:09 PM
هائنتذا يا فارس التنوير على قارعة العالم المادي الذي كنت تعبد من دون الله, لقد فنيت في المادة وفنيت فيك, فأبشر بالتنوير الذي كنت توعد, لقد جاءك الفتح وانكشفت عنك الحُجب, وطلعت عليك شمس الحقيقة المادية, ذق ما كنت تطلب, واشرب ما كنت تحلب. لا تشتك من مرارة شرابك ولا تندب رداءة طعامك, فأنت أوقدت عليه في فرن هواك سنين طوالا, ونفخت فيه هواء شهواتك وشبهاتك دهرا حتى استوى, فهنيئا مريئا.
والفاهم يفهم .. جزاكم الله خيرا أستاذ هشام على هذه الخواطر الرائعة والتي أرجو أن تصل لكل ملحد ولاديني (يزعم التنوير ) وهو في ظلمات بحر لجي .. فهي بحق تقلب عليه المواجع وتقض المضاجع لمن لا يزال عنده ذرة عقل وبصيص نور.
هشام بن الزبير
04-20-2018, 12:33 AM
جزاك الله خيرا أخي الكريم بن سلامة.
كلماتي تصل حتما إلى المعني بها، ومن سار في طريق وصل يوما إلى نهايته وصاحبكم يوشك أن يبلغ محطة النهاية.
هشام بن الزبير
05-05-2018, 10:38 PM
58- محطة النهاية
...
وبها يسدل أبو الإلحاد الستار على رحلته العجيية، وإلى هاته المحطة يسير أكثر من يدخل نفق الإلحاد منتفشا منتشيا مزهوا مغرورا، لكنهم قوم لا يعلمون. اكتبها اداء لأمانة القلم، ولأختم بها رحلتي في تلافيف "عقل" الملحد العربي الافتراضي.
ترونها هنا قريبا بإذن الله.
أخوكم
04-15-2019, 04:24 PM
https://www.youtube.com/watch?v=DeY_56mfB6I
هشام بن الزبير
04-30-2019, 01:46 PM
58- محطة النهاية
قضى بطلنا الأسطوري ليلة أخرى في العراء المادي, إنه هناك كالخرقة البالية في أصل شجرة, انتشلته ترانيم العصافير من مملكة النوم, إنه يعجب أشد العجب لهذه الحيوانات الصغيرة, كيف تنشد أنغام البهجة في هذا العالم الكئيب,ليتها تعزف له سيمفونية من قاموس الحزن, لعلها تهيجه على البكاء, ما أحوجه أن يبكي فجيعته وضيعته وغربته.
لفحت شمس الصباح وجه أبي الإلحاد, فتح عينيه ليبصر عالما تنكّرت له ذراته, علقت بذهنه شذرات حلم غريب يتكرّر, رأى نفسه يخوض بحرا متلاطما في ليلة حالكة, كان كل شيء في حلمه أسود قاتما, البحر والليل وثبجه, وأشد من ذلك كله ظلمة نفسه.
لم يجزع صاحبنا من دنو هلاكه, بدا كأنه كان على موعد مع البحر لن يخلفه, أغمض عينيه لعله يرحمه فيبتلعه ويريحه من رحلة الضنك الأرضي, أو يقذف به بعيدا إلى أحد الأكوان المتوازية, لكنه وجد نفسه فجأة يمتطي كلبا أبيض, رأى نفسه ممسكا بلسانه حتى بلغ به الشاطئ, ياله من حلم غريب, والأغرب أنه حلم يرى أجزاء متفرقة منه في كل مرة, كأنها قطع وعاء خزفي متناثرة, أو كأنه دعاية شريط سينمائي صممت بعناية, وصففت لقطاتها الآسرة لتستحوذ على قلوب الجمهور, فيتشوف إلى مشاهدة الشريط بأكمله.
جلس صاحبنا القرفصاء وأمسك بوجهه بين كفيه, نفض التراب عن خده, أخذ نفسا عميقا وشرع يترنم على نسق العصافير من فوقه:
صحيت يا طير ويا ريتني ما صحيت
غدرت بيا الدنيا وناسها وما شكيت
عشت وشقيت ويا ريتني ما دريت
درست وتعلمت وجادلت وقاسيت
ضاع شقاي وما بقي غير عسى وليت
قولوا للبحر راني راجع للبيت
يا بحر ليتك تقبلني عندك يا ليت
كفور غروا كفرانه منه عانيت
يا بحر لا تلفظ عظامي بما جنيت
لم يدر صاحبنا كيف خرجت هذه الكلمات من فيه, بل لم يدر كيف تحدر الدمع من عينيه, لم يبك منذ طفولته. لقد علم الآن كيف سيسدل الستار على رحلته الأرضية التعيسة المضنية.
مضى عليه شهر آخر وهو يتجرع أبشع تجليات العالم المادي, تشرد جسدي وفكري, هزمك التطور يا أبا التطور, انطفأت فوانيس التنوير يا أبا التنوير, لعلك لم تؤد ثمن الفواتير, هل تحسب نفسك في فندق تقيم فيه الدهر بالمجان؟ (1) انتهى فرز الأصوات في لعبة الانتخاب الطبيعي, والنتيجة أنك حثالة لا تصلح لشيء, ماذا تنتظر؟ هل تنتظر طفرة تطورية تهب حياتك معنى؟ سيطول انتظارك يا مسكين, هذه الآليات الداروينية ليست عجولة أبدا, أنت قطعا لا تريد أن تنتظر بلايين السنين.
عزم صاحبنا أن ينسحب من حلبة الصراع المادي, إنه لم يعد يطيق نفسه, لم يعد يحتمل هذه الآلة الداروينية التي لم تقنع بكينونتها الشيمانزية, عليه الآن وقد حسم أمره, أن يجد وسيلة لإطفاء هذه الآلة المزعجة إلى الأبد.
الإلحاد يأتيك أول الأمر كأنه امرأة متبرجة في كامل زينتها, متفلسفا متمنطقا مترنما بأهازيج التنوير والحداثة والتحرر. لكنه يخبرك من أول يوم بأن وجودك لا معنى له ولا مغزى, وأنك لا تختلف عن الحشرات والبهائم في الجوهر, الآن وصل الباص الإلحادي إلى محطة النهاية يا أبا الإلحاد, انتهت الرحلة, إما أن تنزل أنت, أو ينزل الإلحاد.
عجيب أمر الإنسان, حتى حين يجزم أن حياته صفر من المعنى, فيقبل على الانتحار, فإنه يجتهد أن يجعل لانتحاره معنى, فيتخير كل شيء بدقة, الزمان والمكان والوسيلة. ما دام الإنسان عندكم معاشر الملحدين المتاعيس آلة بيولوجية, فلماذا يكتسي التخلص منها كل هذه الملامح الميتافيزيقية؟ هل رأيتم قط أحد يأخذ سيارته الخردة لمستودع المتلاشيات, محاطا بالطقوس الجنائزية, والمشاعر الميتافيزيقية؟
اغتسل أبو الإلحاد صبيحة يوم جميل ولبس ثيابا نظيفة, مشى يجر رجليه كأنه يحمل أوزار السنين المتطاولة, يمم شطر البحر, نظر إليه في هيبته وجبروته, إنها محطة النهاية, تمتم: "عم قريب ينتهي كل شيء.."
"رجاء خذني يا بحر, فقط خذني, ستحظى ببعض البروتين الحيواني, لكن رجاء إياك وإياك أن تفكر للحظة في أن تصنع بي ما صنعت بدب دارون, لا أريد قوائم إضافية ولا أجنحة ولا شيء, هل فهمت.."
طالما راودته فكرة موتة رحيمة, حبة أو جرعة سم تفصل الأسلاك الداروينية بين جثمانه ورأسه, لكنه نبذ هذه الفكرة, وقرر أن تكون نهايته درامية مثل أبطال الأساطير القديمة.
تخيل معلق كرة يصرخ كالمجنون في بث مباشر ينقل للمشاهدين تفاصيل المباراة النهائية:
" مشاهدينا الأعزاء, نتابع معكم اللحظات الأخيرة من الوقت "بدل الضائع" من نهاية دوري الأبطال الملاحدة الصناديد... أبو الإلحاد في مواجهة أبي الإلحاد, وأبو الإلحاد في مواجهة البحر, إنها مباراة ثلاثية الأبعاد, من فريقين, بسبب شيزوفرينيا الفريق الأول... من سينتصر يا ترى؟ تابعونا لحظة بلحظة...
يتقدم أبو الإلحاد في مواجهة تشكيلة دفاع البحر, يتردد أبو الإلحاد قليلا, لكنه يتمالك نفسه ويمشي بخطى ثابتة, يا له من موقف مهيب, يا له من مستوى عال من الروح الرياضية الإلحادية, اللاعب المخضرم يقدم نفسه قربانا للوهم الإلحادي كما سبقه إلى ذلك ألوف من هذه المدرسة الكروية العريقة, التي تجعل اللاعب نفسه كرة متدحرجة, الآن يقوم أبو الإلحاد بعملية اختراق ناجحة لدفاع الخصم, يا للعبقرية, يا للإبداع, اكتب يا تاريخ, يا سلام يا أبا الإلحاد, مباراة تاريخية بامتياز..."
خاض صاحبنا البحر, تلطمه أمواجه, خيل إليه أن الزبد من فوقه أنياب وحش كاسر يوشك أن يلتهمه, بدأ الماء يغمره, والملوحة تملأ فمه, صرخ صوت هادر من أعماقه: "لا تفعل, إياك أن تفعل, ما زال هناك أمل, ستشرق شمس يوم جديد من أجلك, لا تقطع على نفسك خط الرجعة... ربما كان هناك إ..."
لكن المرارة في نفس أبي الإلحاد, والأسى المضطرم في أحشائه جعلته يقدم ولا يحجم, صدمته موجة عاتية جعلته عاليه سافله, تدحرج في الرمل, وجذبه البحر جذبة كأنه دخل في بالوعة, أدركته نزعة حب البقاء فانتفض يريد السطح ليظفر بشيء من الهواء, لكن البحر ألقى عليه بكلكله كأنه جمل هائج, بدأ جوفه يمتلئ بالماء, ثم انقطع الإرسال...
مشاهدينا الكرام نعتذر عن هذا الانقطاع المفاجئ, سنوافيكم بآخر أنباء أبي الإلحاد ريثما يتجدد الاتصال, إلى ذلك الحين نترككم مع هذا الفاصل الذي نسميه حياة...
يتبع إن شاء الله.
(1) شكرا للدكتور هيثم طلعت على هذا التشبيه البليغ.
هشام بن الزبير
05-02-2019, 05:11 PM
58- أبو الإلحاد الرقمي: محطة النهاية (تتمة)
... لكن المرارة في نفس أبي الإلحاد, والأسى المضطرم في أحشائه جعلته يقدم ولا يحجم, صدمته موجة عاتية جعلته عاليه سافله, تدحرج في الرمل, وجذبه البحر جذبة كأنه دخل في بالوعة, أدركته نزعة حب البقاء فانتفض يريد السطح ليظفر بشيء من الهواء, لكن البحر ألقى عليه بكلكله كأنه جمل هائج, بدأ جوفه يمتلئ بالماء, ثم انقطع الإرسال...
شعر صاحبنا بشيء خشن لزج يلامس وجهه, فتح عينيه بصعوبة, فوجد كلبا يلعق وجهه, ويجره من ثيابه, شعر بالتقزز من لعاب الكلب الذي يسيل على خديه, فغلبه القيء, فقذفت بطنه قربة الماء المالح التي ابتلعها بالليل, سعل سعالا شديدا وشعر بإرهاق شديد, أغمض عينيه من الإعياء ومن وهج الشمس الطالعة, لكن الكلب شرع يلعقه من جديد, ويجره, وينبح نباحا شديدا كأنه يصرخ به أن يفارق موضعه, زحف أبو الإلحاد على بطنه قبل الشاطئ, وكلما توقف ليسترد أنفاسه نبح به الكلب حتى قطع عشرات الأمتار, فاستلقى على الرمال وهو يلهث وينظر إلى السماء...
ظل هنالك ممددا وهو يسمع هدير الموج, نظر تجاه البحر فإذا به قد امتد إلى الموضع الذي كان به قبيل قليل. تتتم يخاطب نفسه: "واعجبا, إن هذا الكلب قد أنقذك من موت محقق."
لفظتك الدنيا يا تعيس فطلبت الفناء في البحر فلفظك أيضا!
يبدو أنك أمر من العلقم يا فارس الإلحاد, إن البحر نفسه على عظم خلقه لم يستسغك في بطنه.
غفا إغفاءة استرد فيها أنفاسه, وأدار فيها شريط الأحداث العجيبة المتتالية منذ الليلة الفارطة.. فتح عينيه فإذا الكلب بين يديه كأنه يحرسه, أمعن النظر فيه وشعر بشيء لم يشعر به منذ سنين, شعر بحب عارم يغمر قلبه, ود لو يعانق هذا الكلب الأبيض, ارتعشت مفاصله, نعم إنه أبيض, تماما كما رآه في حلمه الغريب مرارا, فتح عينيه ينظر إليه فخيل إليه أنه يرى العالم لأول مرة كما هو, يبدو أن البحر قد خدش نظاراته المادية, أو لعله ذهب بها إلى غير رجعة, شعر بزلزال يعصف بتصوراته وأفكاره وأوهامه فيذرها هباء منثورا. جلس كأنه رضيع خرج من رحم البحر لا يعلم شيئا, نظر في نفسه وفيما حوله, فرأى ذات عاقلة تفترش الأرض وتلتحف السماء, شعر بالفرح لنجاته, وبالألم لما اصابه, هذا الحلم العجيب هو الحبل السري الذي يوشك أن يخرجه من ظلمات حياته البائسة الأولى ليبحث له عن حياة أخرى, كأن البحر أراد له أن يغتسل من أدران نفسه المستكبرة المارقة المستعلية, ويزيل عن سمعه وبصره الغشاوة, ويمحق من عقله أوهام المعرفة الزائفة.
من أين جاء ذلك الحلم العجيب الذي تحقق أمام عيني رأسه برموزه وتفاصيله؟
كيف يكون العالم ماديا تتجدد أحداثه وفق قوانين مادية صارمة صماء عمياء بكماء ثم يحدث شيء مثل هذا؟
وضع يده على رأس الكلب يربت عليه, فانسل من بين يديه واختفى بعيدا.
جلس صاحبنا منهك القوى, تذكر طفولته وأحلامه, تذكر أمه وأباه, تذكر زوجه وأصحابه, تذكر مشيه إلى المدرسة في الأيام الباردة, تذكر رائحة غبار الطباشير في الأقسام المكتظة, تذكر لعبه في الحارات الضيقة, تذكر ضيعته وتيهه في دهاليز الشبكة العنكبوتية, تذكر كيف أحاله الإلحاد كومة من البؤس تتدرحج على أرصفة الحياة بلا غاية, تذكر كيف جاء لينسلخ من الحياة فاستمسكت به الحياة قائلة له: " ويحك يا جويهل, أو تحسب أن لك أو لي أو للبحر شيئا من الأمر؟ متى تفهم؟ متى تبصر؟ متى تعقل؟"
جلس يبكي في صمت حتى جف دمعه, إن في البكاء لسرا, وإن فيه لرحمة, شعر أن المرارة التي ظلت تكتنف قلبه وتخنق أنفاسه قد خفت كثيرا.
تمتم: "نعم هناك إلـه... العلم بهذا الذي حدث كان سابقا للحدث نفسه..." تنهد وشعر بإن هذا الإقرار اللفظي أعطاه راحة لم يشعر بها منذ زمان بعيد.. نبت صوت في رأسه:
" لكن ربما كان هذا كله وهما, انظر إلى نفسك, ألقى بك البحر هنا, وأنت في صدمة, ليس هنا من كلب, إنها هلاوس.."
نظر حوله فلم ير للكلب من أثر, كاد يشك في عقله لولا أنها نظر في كفه, فوجد شعيرات بيضاء من وبر الكلب العجيب.
نظر إليها وهو يقول: "لن تخدعيني بعد اليوم أيتها النفس الماكرة االمتكبرة... اليوم ولدت من جديد.. لا كبر بعد اليوم.."
شعيرات كلب بإلحاد هوت,
شعيرات كلب ونفس غوت,
ردت كل برهان وما ارعوت,
حلم به انكسر الصنم,
حلم به الليل انصرم.
قام يمشي ويمسح عينيه وهو يهمس بصوت حزين: يا رب تعبت, يا رب اهدني...
هشام بن الزبير
06-09-2019, 01:51 AM
سأجمع اليومية الأخيرة في مقال واحدة ليسهل نشرها.
58-محطة النهاية
قضى بطلنا الأسطوري ليلة أخرى في العراء المادي, إنه هناك كالخرقة البالية في أصل شجرة, انتشلته ترانيم العصافير من مملكة النوم, إنه يعجب أشد العجب لهذه الحيوانات الصغيرة, كيف تنشد أنغام البهجة في هذا العالم الكئيب,ليتها تعزف له سيمفونية من قاموس الحزن, لعلها تهيجه على البكاء, ما أحوجه أن يبكي فجيعته وضيعته وغربته.
لفحت شمس الصباح وجه أبي الإلحاد, فتح عينيه ليبصر عالما تنكّرت له ذراته, علقت بذهنه شذرات حلم غريب يتكرّر, رأى نفسه يخوض بحرا متلاطما في ليلة حالكة, كان كل شيء في حلمه أسود قاتما, البحر والليل وثبجه, وأشد من ذلك كله ظلمة نفسه.
لم يجزع صاحبنا من دنو هلاكه, بدا كأنه كان على موعد مع البحر لن يخلفه, أغمض عينيه لعله يرحمه فيبتلعه ويريحه من رحلة الضنك الأرضي, أو يقذف به بعيدا إلى أحد الأكوان المتوازية, لكنه وجد نفسه فجأة يمتطي كلبا أبيض, رأى نفسه ممسكا بلسانه حتى بلغ به الشاطئ, ياله من حلم غريب, والأغرب أنه حلم يرى أجزاء متفرقة منه في كل مرة, كأنها قطع وعاء خزفي متناثرة, أو كأنه دعاية شريط سينمائي صممت بعناية, وصففت لقطاتها الآسرة لتستحوذ على قلوب الجمهور, فيتشوف إلى مشاهدة الشريط بأكمله.
جلس صاحبنا القرفصاء وأمسك بوجهه بين كفيه, نفض التراب عن خده, أخذ نفسا عميقا وشرع يترنم على نسق العصافير من فوقه:
صحيت يا طير ويا ريتني ما صحيت
غدرت بيا الدنيا وناسها وما شكيت
عشت وشقيت ويا ريتني ما دريت
درست وتعلمت وجادلت وقاسيت
ضاع شقاي وما بقي غير عسى وليت
قولوا للبحر راني راجع للبيت
يا بحر ليتك تقبلني عندك يا ليت
كفور غروا كفرانه منه عانيت
يا بحر لا تلفظ عظامي بما جنيت
لم يدر صاحبنا كيف خرجت هذه الكلمات من فيه, بل لم يدر كيف تحدر الدمع من عينيه, لم يبك منذ طفولته. لقد علم الآن كيف سيسدل الستار على رحلته الأرضية التعيسة المضنية.
مضى عليه شهر آخر وهو يتجرع أبشع تجليات العالم المادي, تشرد جسدي وفكري, هزمك التطور يا أبا التطور, انطفأت فوانيس التنوير يا أبا التنوير, لعلك لم تؤد ثمن الفواتير, هل تحسب نفسك في فندق تقيم فيه الدهر بالمجان؟ انتهى فرز الأصوات في لعبة الانتخاب الطبيعي, والنتيجة أنك حثالة لا تصلح لشيء, ماذا تنتظر؟ هل تنتظر طفرة تطورية تهب حياتك معنى؟ سيطول انتظارك يا مسكين, هذه الآليات الداروينية ليست عجولة أبدا, أنت قطعا لا تريد أن تنتظر بلايين السنين.
عزم صاحبنا أن ينسحب من حلبة الصراع المادي, إنه لم يعد يطيق نفسه, لم يعد يحتمل هذه الآلة الداروينية التي لم تقنع بكينونتها الشيمانزية, عليه الآن وقد حسم أمره, أن يجد وسيلة لإطفاء هذه الآلة المزعجة إلى الأبد.
الإلحاد يأتيك أول الأمر كأنه امرأة متبرجة في كامل زينتها, متفلسفا متمنطقا مترنما بأهازيج التنوير والحداثة والتحرر. لكنه يخبرك من أول يوم بأن وجودك لا معنى له ولا مغزى, وأنك لا تختلف عن الحشرات والبهائم في الجوهر, الآن وصل الباص الإلحادي إلى محطة النهاية يا أبا الإلحاد, انتهت الرحلة, إما أن تنزل أنت, أو ينزل الإلحاد.
عجيب أمر الإنسان, حتى حين يجزم أن حياته صفر من المعنى, فيقبل على الانتحار, فإنه يجتهد أن يجعل لانتحاره معنى, فيتخير كل شيء بدقة, الزمان والمكان والوسيلة. ما دام الإنسان عندكم معاشر الملحدين المتاعيس آلة بيولوجية, فلماذا يكتسي التخلص منها كل هذه الملامح الميتافيزيقية؟ هل رأيتم قط أحد يأخذ سيارته الخردة لمستودع المتلاشيات, محاطا بالطقوس الجنائزية, والمشاعر الميتافيزيقية؟
اغتسل أبو الإلحاد صبيحة يوم جميل ولبس ثيابا نظيفة, مشى يجر رجليه كأنه يحمل أوزار السنين المتطاولة, يمم شطر البحر, نظر إليه في هيبته وجبروته, إنها محطة النهاية, تمتم: "عم قريب ينتهي كل شيء.."
"رجاء خذني يا بحر, فقط خذني, ستحظى ببعض البروتين الحيواني, لكن رجاء إياك وإياك أن تفكر للحظة في أن تصنع بي ما صنعت بدب دارون, لا أريد قوائم إضافية ولا أجنحة ولا شيء, هل فهمت.."
طالما راودته فكرة موتة رحيمة, حبة أو جرعة سم تفصل الأسلاك الداروينية بين جثمانه ورأسه, لكنه نبذ هذه الفكرة, وقرر أن تكون نهايته درامية مثل أبطال الأساطير القديمة.
تخيل معلق كرة يصرخ كالمجنون في بث مباشر ينقل للمشاهدين تفاصيل المباراة النهائية:
" مشاهدينا الأعزاء, نتابع معكم اللحظات الأخيرة من الوقت "بدل الضائع" من نهاية دوري الأبطال الملاحدة الصناديد... أبو الإلحاد في مواجهة أبي الإلحاد, وأبو الإلحاد في مواجهة البحر, إنها مباراة ثلاثية الأبعاد, من فريقين, بسبب شيزوفرينيا الفريق الأول... من سينتصر يا ترى؟ تابعونا لحظة بلحظة...
يتقدم أبو الإلحاد في مواجهة تشكيلة دفاع البحر, يتردد أبو الإلحاد قليلا, لكنه يتمالك نفسه ويمشي بخطى ثابتة, يا له من موقف مهيب, يا له من مستوى عال من الروح الرياضية الإلحادية, اللاعب المخضرم يقدم نفسه قربانا للوهم الإلحادي كما سبقه إلى ذلك ألوف من هذه المدرسة الكروية العريقة, التي تجعل اللاعب نفسه كرة متدحرجة, الآن يقوم أبو الإلحاد بعملية اختراق ناجحة لدفاع الخصم, يا للعبقرية, يا للإبداع, اكتب يا تاريخ, يا سلام يا أبا الإلحاد, مباراة تاريخية بامتياز..."
خاض صاحبنا البحر, تلطمه أمواجه, خيل إليه أن الزبد من فوقه أنياب وحش كاسر يوشك أن يلتهمه, بدأ الماء يغمره, والملوحة تملأ فمه, صرخ صوت هادر من أعماقه: "لا تفعل, إياك أن تفعل, ما زال هناك أمل, ستشرق شمس يوم جديد من أجلك, لا تقطع على نفسك خط الرجعة... ربما كان هناك إ..."
لكن المرارة في نفس أبي الإلحاد, والأسى المضطرم في أحشائه جعلته يقدم ولا يحجم, صدمته موجة عاتية جعلته عاليه سافله, تدحرج في الرمل, وجذبه البحر جذبة كأنه دخل في بالوعة, أدركته نزعة حب البقاء فانتفض يريد السطح ليظفر بشيء من الهواء, لكن البحر ألقى عليه بكلكله كأنه جمل هائج, بدأ جوفه يمتلئ بالماء, ثم انقطع الإرسال...
... لكن المرارة في نفس أبي الإلحاد, والأسى المضطرم في أحشائه جعلته يقدم ولا يحجم, صدمته موجة عاتية جعلته عاليه سافله, تدحرج في الرمل, وجذبه البحر جذبة كأنه دخل في بالوعة, أدركته نزعة حب البقاء فانتفض يريد السطح ليظفر بشيء من الهواء, لكن البحر ألقى عليه بكلكله كأنه جمل هائج, بدأ جوفه يمتلئ بالماء, ثم انقطع الإرسال...
شعر صاحبنا بشيء خشن لزج يلامس وجهه, فتح عينيه بصعوبة, فوجد كلبا يلعق وجهه, ويجره من ثيابه, شعر بالتقزز من لعاب الكلب الذي يسيل على خديه, فغلبه القيء, فقذفت بطنه قربة الماء المالح التي ابتلعها بالليل, سعل سعالا شديدا وشعر بإرهاق شديد, أغمض عينيه من الإعياء ومن وهج الشمس الطالعة, لكن الكلب شرع يلعقه من جديد, ويجره, وينبح نباحا شديدا كأنه يصرخ به أن يفارق موضعه, زحف أبو الإلحاد على بطنه قبل الشاطئ, وكلما توقف ليسترد أنفاسه نبح به الكلب حتى قطع عشرات الأمتار, فاستلقى على الرمال وهو يلهث وينظر إلى السماء...
ظل هنالك ممددا وهو يسمع هدير الموج, نظر تجاه البحر فإذا به قد امتد إلى الموضع الذي كان به قبيل قليل. تتتم يخاطب نفسه: "واعجبا, إن هذا الكلب قد أنقذك من موت محقق."
لفظتك الدنيا يا تعيس فطلبت الفناء في البحر فلفظك أيضا!
يبدو أنك أمر من العلقم يا فارس الإلحاد, إن البحر نفسه على عظم خلقه لم يستسغك في بطنه.
غفا إغفاءة استرد فيها أنفاسه, وأدار فيها شريط الأحداث العجيبة المتتالية منذ الليلة الفارطة.. فتح عينيه فإذا الكلب بين يديه كأنه يحرسه, أمعن النظر فيه وشعر بشيء لم يشعر به منذ سنين, شعر بحب عارم يغمر قلبه, ود لو يعانق هذا الكلب الأبيض, ارتعشت مفاصله, نعم إنه أبيض, تماما كما رآه في حلمه الغريب مرارا, فتح عينيه ينظر إليه فخيل إليه أنه يرى العالم لأول مرة كما هو, يبدو أن البحر قد خدش نظاراته المادية, أو لعله ذهب بها إلى غير رجعة, شعر بزلزال يعصف بتصوراته وأفكاره وأوهامه فيذرها هباء منثورا. جلس كأنه رضيع خرج من رحم البحر لا يعلم شيئا, نظر في نفسه وفيما حوله, فرأى ذات عاقلة تفترش الأرض وتلتحف السماء, شعر بالفرح لنجاته, وبالألم لما اصابه, هذا الحلم العجيب هو الحبل السري الذي يوشك أن يخرجه من ظلمات حياته البائسة الأولى ليبحث له عن حياة أخرى, كأن البحر أراد له أن يغتسل من أدران نفسه المستكبرة المارقة المستعلية, ويزيل عن سمعه وبصره الغشاوة, ويمحق من عقله أوهام المعرفة الزائفة.
من أين جاء ذلك الحلم العجيب الذي تحقق أمام عيني رأسه برموزه وتفاصيله؟
كيف يكون العالم ماديا تتجدد أحداثه وفق قوانين مادية صارمة صماء عمياء بكماء ثم يحدث شيء مثل هذا؟
وضع يده على رأس الكلب يربت عليه, فانسل من بين يديه واختفى بعيدا.
جلس صاحبنا منهك القوى, تذكر طفولته وأحلامه, تذكر أمه وأباه, تذكر زوجه وأصحابه, تذكر مشيه إلى المدرسة في الأيام الباردة, تذكر رائحة غبار الطباشير في الأقسام المكتظة, تذكر لعبه في الحارات الضيقة, تذكر ضيعته وتيهه في دهاليز الشبكة العنكبوتية, تذكر كيف أحاله الإلحاد كومة من البؤس تتدرحج على أرصفة الحياة بلا غاية, تذكر كيف جاء لينسلخ من الحياة فاستمسكت به الحياة قائلة له: " ويحك يا جويهل, أو تحسب أن لك أو لي أو للبحر شيئا من الأمر؟ متى تفهم؟ متى تبصر؟ متى تعقل؟"
جلس يبكي في صمت حتى جف دمعه, إن في البكاء لسرا, وإن فيه لرحمة, شعر أن المرارة التي ظلت تكتنف قلبه وتخنق أنفاسه قد خفت كثيرا.
تمتم: "نعم هناك إلـه... العلم بهذا الذي حدث كان سابقا للحدث نفسه..." تنهد وشعر بإن هذا الإقرار اللفظي أعطاه راحة لم يشعر بها منذ زمان بعيد.. نبت صوت في رأسه:
" لكن ربما كان هذا كله وهما, انظر إلى نفسك, ألقى بك البحر هنا, وأنت في صدمة, ليس هنا من كلب, إنها هلاوس.."
نظر حوله فلم ير للكلب من أثر, كاد يشك في عقله لولا أنها نظر في كفه, فوجد شعيرات بيضاء من وبر الكلب العجيب.
نظر إليها وهو يقول: "لن تخدعيني بعد اليوم أيتها النفس الماكرة االمتكبرة... اليوم ولدت من جديد.. لا كبر بعد اليوم.."
شعيرات كلب بإلحاد هوت,
شعيرات كلب ونفس غوت,
ردت كل برهان وما ارعوت,
حلم به انكسر الصنم,
حلم به الليل انصرم.
قام يمشي ويمسح عينيه وهو يهمس بصوت حزين: يا رب تعبت, يا رب اهدني...
لماذا ينتهي كل جميل في منتدى التوحيد؟ :(:
هشام بن الزبير
06-13-2019, 04:23 PM
لماذا ينتهي كل جميل في منتدى التوحيد؟ :(:
لعل النهاية هي البداية.
Powered by vBulletin™ Version 4.2.1 Copyright © 2026 vBulletin Solutions, ENGAGS © 2010