المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قلب الحجة الفلسفية على المعترضين على التشريع والأخلاقيات في الإسلام



أبو الفداء
12-27-2011, 04:03 PM
المقدمة
الحمد لله وحده.
أما بعد:

فهذه ورقة بحثية موجزة في فلسفة الأديان، في بيان المنطق الشكلي لطريقتين لقلب الحجة على المخالف، رأيت أن أعرض لكيفية استعمالهما في نقض دعوى أهل الملل المخالفة (بما فيها الإلحاد بألوانه) أن من شرائع الإسلام ما يعد دليلا على بطلانه وعلى أنه ليس دين الله عز وجل. وهي شبهة مشتهرة مبثوثة في فضاء الشبكة العنكبوتية، لها أصلها في أعمال المستشرقين والمنصرين، وهي اليوم – على اختلاف صورها وموادها من أفراد شرائع وأحكام الإسلام – تعد المستند الوحيد الذي يستند إليه المعترضون على دين الله تعالى في الغرب، فترى ديدنهم الكلام في أحكام الإسلام في المرأة، وأحكامه في الرق وملك اليمين، وأحكامه فيما يسمى بحقوق الإنسان وحرية الفكر، وأحكامه في نحو ذلك مما لا يرضى أكثر أهل الغرب في زماننا هذا بأن يكون لخالقهم فيه حكما يخالفهم أهواءهم فيه، أو يحملهم على تغيير "نمط حياتهم" وما اعتادوا عليه في إطار ما بات هو تعريف الكثيرين منهم "للحضارة الغربية" المعاصرة نفسها!

ومع أنه ينبغي أن يكون غنيا عن الذكر والتقرير أن مجرد إثبات أن هذه الشريعة التي بين أيدينا مصدرها الخالق العليم جل وعلا يكفي لتصحيح أحكامها أخلاقيا ورفع تلك الأحكام فوق كل ما يخالفها مما أفرزته قرائح الفلاسفة في زماننا هذا وفي كل زمان أخذا بالظن والترجيح المنقطع عن وحي السماء، وعلى الرغم من أن سباكة الحجج في صورة مقدمات ونتائج على الطريقة الشكلية المشهورة لدى الفلاسفة كثيرا ما تكون سببا في إطالة الطريق إلى المطلوب، وفي فتح باب الجدل في المسلمات والبدهيات العقلية الأولى، إلا أنه قد تترجح المصلحة في استعمالها أحيانا، كما هو الحال فيما اعتزمته في هذا المبحث.

فقد رأيت أن عامة الملاحدة من كتاب المنتديات العربية في زماننا يتعلقون بتلك الدعوى الواهية السخيفة التي مفادها أن في دين الإسلام "شرا" و"وحشية" و"تخلفا" فيما جاء به من تشريع على المستوى الأخلاقي والجنائي (تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا)، ويحسبون – تبعا لبعض الفلاسفة المعاصرين الذين صنفوا فيما يسمى بمشكلة الشر – أن في مزاعمهم المرسلة من هذا الصنف ما يكفي لإقامة حجة عقلية على بطلان دين الإسلام وانقطاعه عن خالق السماوات والأرض، ومن ثم تسويغ وقوفهم على موقف "اللا-دينية" و"اللا-أدرية" ونحوه من أسماء ودرجات الإلحاد المعاصر. وكذلك الحال مع النصارى من كتاب المنتديات ولا فرق. فلعله يكون من المفيد بيان قوة منطق قلب الحجة في هدم ما يتمسكون به من وهم الحجاج، بما لا يترك متسعا لمتفلسف منهم بعدُ لأن يتطلع إلى التعلق بذاك الاعتراض السخيف، يتخذه تكأة لرفض الحق المنزل من رب العالمين. وذلك من خلال تحليل مستندهم العقلي في قالبه الشكلي formal، وبيان الطريق إلى إظهار ما فيه من مغالطة عقلية من جنسين على الأقل:

• المحاججة بالدعوى المجردة Fallacy of Assertion
• الاستناد إلى ما سنته وارتضته الكثرة argumentum ad populum

ولما كان منطق قلب الحجة على المخالفين – من حيث الأصل العقلي - طريقا معتبرا في إبطال حججهم وبيان افتقارها إلى المقدمات الكافية للوصول إلى المطلوب، وقد استعمله الرب جل وعلا في غير موضع من كتابه الكريم[1]، فقد رأيت أن أضع بين أيدي الباحثين في فلسفة الأديان والإلحاد من طلبة العلم المعاصرين طريقة يسيرة لصياغة تلك الحجج على الطريقة الشكلية، مع تطبيقها على تلك الشبهة سالفة الذكر، والله الموفق المعين على كل خير.

1- المنطق الشكلي لقلب الحجة على الخصم:

يقصد "بقلب الحجة": استخراج الدليل على بطلان حجة الخصم من منطوقها المجرد، من طريق عكس المقدمات المشتمل عليها في ذلك المنطوق على المخالف وبيان أن النتيجة التي يفضي إليها ذلك العكس (وهي مقلوب دعوى المخالف) هي الصواب في الحقيقة، وليس ما يزعمه المخالف. هذا البيان يأتي غالبا من بيان افتقار المخالف إلى مقدمة كافية أو خالية من التناقض لبناء دعواه، مع قيام مقلوب حجته على مقدمات كافية صحيحة.

ومن أمثلة قلب الحجة في القرءان، ما حكاه الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام من محاججته لقومه في قوله: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنعام 81).

فكأن حجة أو دعوى المشركين من قوم إبراهيم تنتظم في مقدمتين ونتيجة بيانها كالتالي:
1- الجماعة (م) تخاف الآلهة (الباطلة) ولا تخاف الله.

2- الجماعة (ع) تخاف الله ولا تخاف الآلهة (الباطلة).

3- إذن: (م) في أمن من أمرهم و(ع) على خطر عظيم.

حيث الجماعة (م): المشركون، والجماعة (ع): إبراهيم عليه السلام ومن وافقوه.

فعليه يكون مقلوب حجتهم "ق" كالتالي:

4- الجماعة (م) تخاف آلهتها (الباطلة) ولا تخاف الله........ ( 1)

5- الجماعة (ع) تخاف الله ولا تخاف الآلهة (الباطلة)...... ( 2)

6- إذن: (م) في خطر عظيم و(ع) في أمن من أمرهم. .......... (مقلوب 3)
وتأتي الغلبة والظهور للحجة "ق" (4، 5، 6) مما هو مستصحب ومعهود في الذهن من مقدمة أولى "أ" مفادها:

• إن الخالق (الله تعالى) لا يخاف من مخلوقاته (التي منها تلك الآلهة الباطلة)، وإنما يجب في العقل أن تخافه تلك المخلوقات جميعا.
فعلي أي شيء يقيم المشركون دعواهم في مقابل هذه المقدمة "أ"؟ لا شك أنه مقلوبها، وهو باطل كما لا يخفى.

فمن هنا، إذا جاءت دعوى المخالف في صيغة (1،2،3)، فإن أبسط مقلوب لها يكون (1، 2، مقلوب 3)، مع استصحاب المقدمة الأولى التي لا يملك المخالف نقضها.
هذه واحدة من صور قلب الحجج على المخالفين، التي تتفق كلها في منطق قلب المقدمات (و/أو) النتائج، والوصول إلى نقيض دعوى المخالف بناء على استحضار مقدمة ضرورية أهملها المخالف في بناء كلامه.

وفيما يلي نعرض لصورتين من تلك الصور، وكيفية تطبيقهما على الشبهة التي بين أيدينا. وللتفريق بين الصورتين في هذا المبحث، سأسمي إحداهما بمقلوب الحجة (ق)، والأخرى بعكس الحجة (ع).

2- الصياغة الشكلية العامة لشبهة المعترضين على الشريعة:

تجري تلك الشبهة (ش) في عامة صورها عند القائلين بها في مقدمتين ونتيجة، بيانها كالتالي:

1- جلد (أو رجم) الزناة / قطع يد السارق، الجهاد .. الخ = باطل أخلاقيا.

2- القرءان يحتوي هذا الحكم.

3- إذن: القرءان ليس كتابا منزلا!

أو كالتالي:

4- الأحكام المذكورة في (1) ونحوها باطلة أخلاقيا.

5- الإسلام يأمر بهذه الأحكام.

6- الإسلام دين باطل.

وسواء الصيغة (1، 2، 3) أو الصيغة (4، 5، 6) فالنتيجة واحدة = إبطال ملة الإسلام بناء على مقدمة واحدة: التقرير المرسل لدعوى أن تلك الأحكام باطلة أو فاسدة أخلاقيا!

2.1 مقلوب الشبهة (ق):

على المنطق الذي تقدم عرضه لقلب الحجة، فإن الحجة (ق) التي هي مقلوب الصياغة السابقة تكون كالتالي:

7- الأحكام (كذا وكذا) صحيحة أخلاقيا وما يخالفها باطل أخلاقيا.

8- الملة "م" (أي ملة باطلة بما في ذلك الإلحاد) تجيز مخالفة تلك الأحكام.

9- الملة "م" باطلة.


فيكون المنطق الشكلي للحجة (ق) التي هي مقلوب (ش) = (نقيض 1/4، نقيض 2/5، نقيض 3/6)، وتكون الغلبة للحجة (ق) على (ش) متحصلة من تقرير مقدمة أولى مستصحبة لدينا لزوما، يستصحب المخالف ضدها لزوما.

هذه المقدمة هي في الحقيقة محل نزاع أتباع الملل فيما بينها، فلا يصح في العقل لأي من الفريقين أن ينتصر لملته (كما هي غاية تلك الحجة أو الشبهة) بالتأسيس عليها وإلا وقع الدور المنطقي! بمعنى أن المخالف لو كان نصرانيا مثلا، ثم جاءنا يقول لنا إن أخلاقيات وأحكام شريعة الإسلام تدل على بطلان ملة الإسلام، لأن النصرانية لا تأمر بها أو تأمر بخلافها، فقد احتج بمحل النزاع بيننا وبينه، ألا وهو النزاع بين القضيتين الكليتين: "الإسلام دين الله الحق"، و"النصرانية دين الله الحق"! وكذلك الحال فيمن يقول إن فلسفة فلان التي أطبقت عليها أمم بأسرها اليوم، تخالف تلك الشرائع عندكم. فنحن إنما نستصحب مقدمة مفادها أن الإسلام دين الخالق، ومن ثم فشريعته هي الحق الأخلاقي المطلق ولابد، فما خالفها فهو باطل أخلاقيا مهما شاع وانتشر، بينما يستصحب المخالف ضد ذلك ليؤسس زعمه بأن هذه الأحكام باطلة أو فاسدة! فسواء كان زعمه مستندا إلى تصحيح ملة مخالفة يدين بها، أو نظرية فلسفية أخلاقية مخالفة يتمسك بها، فهو يستصحب ذلك المستند لا محالة كمقدمة أولى يؤسس عليها حكمه ببطلان تلك الأحكام الأخلاقية عندنا، ليحاكم الملة كلها إلى ذلك كما هو بناء تلك الشبهة عند أصحابها.

فإذا كانت المقدمة الأولى عندنا:

• القرءان كتاب منزل من الخالق قد ثبت له ذلك من طرق قطعية شتى، فكل ما فيه من أحكام وشرائع فهو حق ولابد، وكل ما يخالفه فهو باطل ولابد.

فإن المقدمة الأولى لدى المخالف تكون:

• النظرية الأخلاقية (خ) (سواء جاء بها من ملة يدين بصحتها أو من نظرية فلسفية تعجبه) هي الحق والصواب الأخلاقي المطلق، فما خالفها من ملة أو كتاب فهو باطل ولابد.
فكان مجرد ذكر تلك المقدمة عندنا ومقابلتها بتلك التي عند مخالفنا، دليلا على بطلان دعواه في هذه الشبهة وعلى أنها استدلال بمحل النزاع. فإذا ما زدنا في البيان وقررنا حججنا على أن القرءان كتاب منزل من خالق السماوات والأرض، وألزمنا المخالف بإثبات مقدمته الأولى في مقابل ذلك، فسيتبين بجلاء أنه إنما يتمسك بنظرية من نظريات الأخلاق لا لشيء إلا لأنها أصبحت فكرا سائدا بين أقرانه أو في مجتمعه أو في المجتمع الذي يراه مثاليا واجب التقليد في ذلك! فيكون بتقريره تلك الشبهة قد وقع في مغالطات عقلية بعضها فوق بعض:

• الدور المنطقي Circular Logic

• المحاججة بالتقرير المجرد على نمط "ما تكرر تقرر" Proof By Assertion

• المحاججة من اتباع سنن الآباء وما عليه الكثرة في زماننا Argumentum Ad Populum

وطالما كان الغرض من قلب الحجة إنما هو بيان بطلانها في نفسها وبيان أنها شبهة واهية لا أساس لها ولا تفضي مقدماتها إلى نتائجها المزعومة، فسيكون المقلوب (ق) كافيا لتحقيق ذلك الغرض كفاية تامة. فإذا ما انتهى المخالف إلى أن يقول: "أثبتوا إذن أن الإسلام هو دين الله الحق حتى نسلم لكم بأن الأخلاقيات التي جاء بها في تعاليمها والشرائع التي أمر بها كلها حق أخلاقي وصواب محض"، فقد تحقق لنا غاية ما نريد من الرد، وهو إلزام الخصم بأن الانطلاق بتصحيح أو إبطال جملة من الأحكام الأخلاقية المنسوبة إلى الإسلام إنما يأتي تبعا لإثبات صحة أو بطلان نسبة الإسلام نفسه إلى خالق السماوات والأرض، وليس العكس كما كانت دعواه!

2.2 معكوس الشبهة (ع):

أما الصورة الثانية التي نعرضها في هذا البحث لقلب الحجة، فتصرح في صياغتها باتخاذها نقيض نتيجة الخصم كمقدمة من مقدماتها، وذلك لبيان أن دعواه المجردة لا تخدمه فيما يريد بحال من الأحوال. هذه الصورة الثانية أسميتها بالحجة المعاكسة، على غرار ما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين Argument Shift، كما سماه اللا-لاهوتي الأمريكي ويليام روه بمعكوس مور G. E. Moore's Shift على اعتبار هذا الأخير أول من صاغه في صياغة شكلية واستعمله استعمالا مستفيضا في نقض دعاوى فلاسفة الشك المعرفي Skeptics أمثال هيوم وغيره.

وللتمثيل على ذلك المعكوس كما استمعله مور، فلنفترض أن رجلا متشككا وضع يده أمام وجهه، ثم جاءنا بهذه الدعوى (Murray, Rea2008, pp. 165):

• لو كان موقف الشك المطلق حقا، لما أمكنني معرفة أن هناك يدا أمام وجهي.

• موقف الشك المطلق حق.

• إذن لا يمكنني أن أعرف أن هناك يدا أمام وجهي.

فيكون جوابه بمعكوس الأمور كالتالي:

• لو كان موقف الشك المطلق حقا، لما أمكنني معرفة أن هناك يدا أمام وجهي.

• موقف الشك المطلق باطل.

• إذن يمكنني أن أعرف أن هناك يدا أمام وجهي.

فإذا كانت الدعوى تتكون من (1 ، 2، 3) فالجواب يكون: (1 ، نقيض 2، نقيض 3). فالمقدمة الأولى التي تكلمنا عنها فيما عرضناه آنفا من نسق للمحاججة، التي هي نقيض ما يريد صاحب الدعوى أن يصل إليه، قد أظهرها مور ههنا بجعلها المقدمة الثانية في صياغته (وهي تقرير أن موقف الشك المطلق باطل)، ليصل من ذلك إلى تحويل ما أراد المخالف الاحتجاج به إلى قضية تابعة تتفرع عن إثبات أو نفي الأصل الذي يريد المخالف نفيه! فيبطل بذلك استدلال المخالف وتسقط حجته رأسا، ويرجع الأمر إلى البحث في المقدمة الأولى (وهي المسألة: هل الشك المعرفي المطلق حق أم باطل؟) بعيدا عن تلك الشبهة الاستدلالية الواهية.

ولعله قد استغل مور البطلان البدهي الجلي للنتيجة التي ينتهي إليها المتشكك في صياغته لدعواه (ألا وهي زعمه أن هذا الذي أمامه ليس يدا!!)، ليقابله بمعقولية النتيجة التي ينتهي هو إليها من معكوس تلك الدعوى، فيتحقق له إبطال دعوى المخالف من هذا الطريق[2].

ولمعكوس مور أيضا ترتيب آخر يتخذ من نقيض نتيجة الدعوى المردود عليها مقدمة أولى، وصياغته الشكلية كالتالي (Rowe 1979, pp. 339):

ح: (1، 2، 3)

ع: (نقيض 3، 2، نقيض 1)

حيث "ح": الحجة المدعاة، و"ع": الحجة من معكوس "ح".

ويجري هذا الترتيب إذا ما طبقناه على دعوى المتشكك التي أوردناها في المثال السابق كالتالي:

دعوى المتشكك:

• مبادئ الشك صحيحة (أو على الأقل بعضها).

• لو كانت مبادئ الشك صحيحة، ما أمكنني أن أدري أن هذه التي أمامي هي يدي.

• إذن: أنا لا أدري ما إذا كانت هذه التي أمامي هي يدي.

معكوس الدعوى:

• أنا أدري أن هذه التي أمامي هي يدي.

• لو كانت مبادئ الشك صحيحة، ما أمكنني أن أدري أن هذه التي أمامي هي يدي.

• إذن: مبادئ الشك باطلة (أو على الأقل بعضها).

ومما لا شك فيه أن دعوى المتشكك كانت ولا تزال – في أيما قالب أو ترتيب عرضناها - من الهبوط والوهاء بما يغني مجرد ذكره عن تكلف رده، وإنما كان القصد من ذلك العرض بيان صور المنطق الشكلي لقلب الاستدلال وعكسه على صاحبه لإسقاط دعواه، أيا ما كانت نحلته الفلسفية وعلى أيما طريقة اختار أن يصوغ تلك الشبهة.

وعلى هذه الصورة وهذا الترتيب الأخير، اخترنا أن نكتب حجتنا المعاكسة (ع) لشبهة القوم واعتراضهم على أحكام الشريعة والأخلاق في القرءان، ليكون نظمها كالتالي:

1- القرءان كلام الله المنزل.

2- القرءان فيه الحكم بقطع يد السارق وجلد الزاني، والسنة الصحيحة فيها رجم الزناة وعليه الإجماع.

3- إذن: هذه الأحكام صحيحة أخلاقيا وهي عين العدالة في العقوبة (فما جاوزها فهو الإفراط وما قصر عنها فهو التفريط، على التعريف الصحيح).

فإذا استصحب المخالف أن فلسفته الأخلاقية هي الصواب الأخلاقي المطلق الذي استند إليه في الحكم على القرءان، قابلنا نحن ذلك بأن القرءان هو الكتاب الحق المنزل من الخالق، بما لا يكاد يحصى من الأدلة والبراهين القطعية، فلا شيء من كتب البشر يصح أن يكون حاكما عليه، وإنما يكون هو الحاكم على سائر كتب البشر ولابد.

ولعل هذه الصياغة (صورة معكوس الشبهة) تكون أقرب إلى الذهن في شبهتنا هذه من صورة مقلوب الشبهة، على اعتبار أنها تتحقق فيها خصلتان لا تتحققان في صورة المقلوب:

• أنها تصرح بالمقدمة الكلية التي تكتفي صيغة المقلوب باستصحابها وحسب دون ذكرها.

• أنها تتخذ تلك المقدمة على رأس مقدمات الحجة، لا كمقدمة ثانية أو ثالثة، بما يظهر معه أنها أساسها وقاعدتها التي تقوم عليها، كما هي حقيقة الأمر.
-----------------
مراجع:

• Murray, M. J. & Rea, M. C. (2008): An introduction to the philosophy of Religion, U.K: Cambridge University Press.

• Rowe, W. L. (1979) "The Problem of Evil and Some Varieties of Atheism.". American Philosophical Quarterly 16: 33541



------------------------------------------------------

[1] للفائدة ينظر في رسالة الماجستير للشيخ تميم بن عبد العزيز القاضي تحت عنوان «قلب الأدلة على الطوائف المخالفة في توحيد المعرفة والإثبات»، وقد قدمها في سنة 1430 هـ لنيل درجة الماجستير من قسم العقيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود، وفي حدود علمي فإن الرسالة حتى تاريخه لم تطبع ككتاب منشور.

[2] تقدم معنا أن إغراق الفلاسفة في ضرب الصياغات الشكلية قد أدى بهم – لا محالة – إلى تطويل الطريق إلى الحق، وفتح الباب أمام المسَلَّمات العقلية والبدهيات الأولى لأن تكون محلا للاشتباه والنظر! فلا يفوتني أن أنبه القارئ الكريم إلى أن هذه الحجة التي رد بها مور على هيوم في مثالنا هذا، إنما هي مثال واضح لهذا التطويل والتماس المعنى الأبعد للوصول إلى الأقرب (بحسب تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله)، الذي تورثه تلك الخصلة عند الفلاسفة في الحقيقة. فمع أن الأمر من الجلاء بما يكفي معه أن يقال للعاقل إنك لا يستقيم لك عقل ولا لغة لو أنك شككت يوما ما في أن هذا الذي أمامك هو يدك على الحقيقة، إلا أن أمثال هيوم لما وضعوا من الحجج السوفسطائية (الشبهات العقلية) ما يضرب في أصول البدهيات العقلية الأولى في قوالب مصوغة بأمثال تلك الصياغات الشكلية، خرج أقرانهم من مخالفيهم ليردوا عليها بمثلها، واستفاض الأمر حتى أصبح من الطبيعي أن نمر في كتب الفلسفة بحجج طويلة ينتهي منها صاحبها إلى إثبات ما يبدأ منه العقلاء بالضرورة المحضة والبداهة الأولى في كل نظر عقلي! فترى رجلا يكتب حجة منمقة طويلة، لينتهي منها إلى إثبات أن هذه التي يكتب بها هي يده، وإلى الله المشتكى!

لهذا جاء في الأثر عن بعض السلف أن العلم قطرة كثرها الجهلاء! ولهذا نقول إن من السفاهة بمكان أن يقال لطريقة السلف رضوان الله عليهم في فهم صفات خالقهم إنها "أسلم" في مقابل وصف طريقة من جاء بعدهم من المتأثرين بتلك المسالك بأنها "أحكم"، أو يقال إن العلم بالفلسفة والكلام ضرورة للعقلاء حتى يتمكنوا من معرفة الحق فيما جاء به المرسلون! لا والله إنما طريقة المرسلين ومن تبعهم هي الأسلم والأوفى والأجمع لخصال الحكمة لمن تأمل، وفيها الكفاية لكل عاقل صادق! فالحكمة إنما تكون في قصد السبيل، واحتواء المعنى الجزيل في اللفظ القليل، والتماس أقرب الطرق وأقصرها لبيان الدليل، والسعي إلى تقريب المعنى البعيد بالمعاني القريبة إلى الذهن لا العكس من ذلك، وتغليق الأبواب أمام دعاة السفسطة والتشكيك في المسلمات والبدهيات الأولى، فيا ليت الفلاسفة يتعلمون من طريقة القرءان ومن جوامع الكلم فيما جاء به النبي العدنان، صلوات ربي عليه وآله وسلم، ويا ليتهم يعقلون!



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/37087/#ixzz1hk4Y25oq

د. هشام عزمي
12-27-2011, 05:09 PM
ماتع ..!

أبو الفداء
10-10-2013, 02:54 PM
الحمد لله وحده، أما بعد، فأرجو المعذرة من القارئ الكريم عن نشري هذا المقال، فوالله ما أراني إلا نادما على ذلك (وعلى كتابة كل ما كان على شاكلة هذا البحث في هذا المنتدى وغيره) ولا أدري أي نية استحضرتها يوم شرعت في كتابته، أسأل الله العفو والمغفرة.

بل لا أرتاب الآن في أني قد حركني في ذلك محرك خفي من حب الظهور على أصحاب الصناعات العقلية والفلسفية، وإظهار التمكن من بضاعتهم والقدرة على مخاطبتهم بها، تماما كما تراني الآن أذمّ به عامة المتكلمين! أي "فلسفة أديان" هذه التي ولجت بابها بالتنظير والبحث حتى "أقلب الحجة الفلسفية" على من لا يعجبهم تشريع الإسلام وما فيه من أمر ونهي؟ وماذا تركت للمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة وأضرابهم ممن فتنتهم تلك الصناعات وطرائقها وأنا أزعم الانتساب إلى سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وأرضاهم، أتحرى منهجهم وأقتفي أثرهم؟ ومن ذا الذي كنت أراني مخاطبه بمقال كهذا أصلا؟
جاء في تقديمي للبحث قولي: "فهذه ورقة بحثية موجزة في فلسفة الأديان، في بيان المنطق الشكلي لطريقتين لقلب الحجة على المخالف، رأيت أن أعرض لكيفية استعمالهما في نقض دعوى أهل الملل المخالفة (بما فيها الإلحاد بألوانه) أن من شرائع الإسلام ما يعد دليلا على بطلانه وعلى أنه ليس دين الله عز وجل." اهـ. فبالله هل يحتاج العاقل إلى استعمال المنطق الشكلي التحليلي الذي شاع بين فلاسفة الغرب المعاصرين، أو إلى صياغة الحجج الكلامية على طريقة فلان أو فلان من الفلاسفة في الصياغة أو في "قلب الحجة المنطقية" أو نحو ذلك، حتى يتبين له ما هو واضح جلي من تهافت وبطلان اعتراضات المعترضين على شرائع هذا الدين (مستندين في ذلك - لا محالة - إلى أهوائهم وأهواء فلاسفتهم والمشرعين في مجتمعاتهم)، واتخاذهم تلك الاعتراضات دليلا على بطلان نسبته إلى رب العالمين؟ أما كان يكفيني تقرير ما أشرت إليه في مقدم المقال من كونها مسألة بدهية للغاية أن الرب سبحانه لا يأمر عباده إلا بالخير ولا ينهاهم إلا عن الشر، علم بذلك من علمه وجهل بذلك من جهله، وأن مدار المسألة في النهاية على التسليم بأن القرءان كتاب الله حقا وصدقا (وهو ما لا نفتقر فيه – أيضا – إلى برهان نظري، كما قررناه في هذا المجلد) وأن شريعة الإسلام هي شريعة الرحمن قطعا؟ بلى كان يكفي ولا شك، ولكن يبدو أنه قد كان في النفس ما فيها، أسأل الله العفو والغفران.
والعجيب أني فيما يبدو قد استوحشت هذا المسلك الذي سلكته في ذاك المقال، ونازعتني نفسي فيه، فلم أقو على زجرها عن نشره، واكتفيت بكتابة حاشية موجزة في ذيل البحث أكرر فيها ما ذكرته في صدر المقال من بيان عدم افتقار العاقل الصادق إلى تلك الألاعيب الفلسفية في معرفة الحق الذي معنا معاشر المسلمين أتباع المرسلين، فقلت:
تقدم معنا أن إغراق الفلاسفة في ضرب الصياغات الشكلية قد أدى بهم – لا محالة – إلى تطويل الطريق إلى الحق، وفتح الباب أمام المسَلَّمات العقلية والبدهيات الأولى لأن تكون محلا للاشتباه والنظر! فلا يفوتني أن أنبه القارئ الكريم إلى أن هذه الحجة التي رد بها مور على هيوم في مثالنا هذا، إنما هي مثال واضح لهذا التطويل والتماس المعنى الأبعد للوصول إلى الأقرب (بحسب تعبير شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله)، الذي تورثه تلك الخصلة عند الفلاسفة في الحقيقة. فمع أن الأمر من الجلاء بما يكفي معه أن يقال للعاقل إنك لا يستقيم لك عقل ولا لغة لو أنك شككت يوما ما في أن هذا الذي أمامك هو يدك على الحقيقة، إلا أن أمثال هيوم لما وضعوا من الحجج السوفسطائية (الشبهات العقلية) ما يضرب في أصول البدهيات العقلية الأولى في قوالب مصوغة بأمثال تلك الصياغات الشكلية، خرج أقرانهم من مخالفيهم ليردوا عليها بمثلها، واستفاض الأمر حتى أصبح من الطبيعي أن نمر في كتب الفلسفة بحجج طويلة ينتهي منها صاحبها إلى إثبات ما يبدأ منه العقلاء بالضرورة المحضة والبداهة الأولى في كل نظر عقلي! فترى رجلا يكتب حجة منمقة طويلة، لينتهي منها إلى إثبات أن هذه التي يكتب بها هي يده، وإلى الله المشتكى! لهذا جاء في الأثر عن بعض السلف أن العلم قطرة كثرها الجهلاء! ولهذا نقول إن من السفاهة بمكان أن يقال لطريقة السلف رضوان الله عليهم في فهم صفات خالقهم إنها "أسلم" في مقابل وصف طريقة من جاء بعدهم من المتأثرين بتلك المسالك بأنها "أحكم"، أو يقال إن العلم بالفلسفة والكلام ضرورة للعقلاء حتى يتمكنوا من معرفة الحق فيما جاء به المرسلون! لا والله إنما طريقة المرسلين ومن تبعهم هي الأسلم والأوفى والأجمع لخصال الحكمة لمن تأمل، وفيها الكفاية لكل عاقل صادق! فالحكمة إنما تكون في قصد السبيل، واحتواء المعنى الجزيل في اللفظ القليل، والتماس أقرب الطرق وأقصرها لبيان الدليل، والسعي إلى تقريب المعنى البعيد بالمعاني القريبة إلى الذهن لا العكس من ذلك، وتغليق الأبواب أمام دعاة السفسطة والتشكيك في المسلمات والبدهيات الأولى، فيا ليت الفلاسفة يتعلمون من طريقة القرءان ومن جوامع الكلم فيما جاء به النبي العدنان، صلوات ربي عليه وآله وسلم، ويا ليتهم يعقلون!
قلت: لو كان الأمر كذلك عندك، فأي خير يخرج به القارئ المسلم من بحثك هذا إذن يا أبا الفداء، ولماذا تكلفت كتابته أصلا هداك الله وأصلح حالك؟ ما ثمرة إيقاف قارئك على فكرة "معكوس مور" وجوابه عن دعوى "هيوم" أنه لا يدري هل هذه التي يكتب بها هي يده أم لا (!!)، وما تحذلقت بتسميته "معكوس الشبهة" وما سميته "بالحجة المعاكسة" وما استعرضته في متن البحث من طريقة صعبة المراس عسيرة الفهم (للوهلة الأولى على الأقل) في تحليل الدعوى إلى مقدمات ونتائج محررة، ثم قلب تلك المقدمات وعكس بعضها مع استظهار وتحرير ما كان شأنه أن يكون مستصحبا في كلام العقلاء من مسلمات أولية لا يحتاج العاقل إلى صياغته أصلا لبداهته؟ ما كل هذا العبث يرحمك الله، وما حاجة العقلاء إليه أصلا؟ وما الشأن مع من لم يفهم بعضه أو غمض عليه وجهه؟ هل تجيز له التوقف في إثبات ما تريد إثباته، وهل يتسع العقل لذلك الموقف عندك؟ ألا تتقي الله في نفسك وفي المسلمين؟ وإن كان الجواب بأنك لا تجيز لأحد من بني آدم أن يتوقف في هذه المسألة (وهو ما لا تملك إلا الجواب به): فما ثمرة هذا التكلف القبيح وما نفعه للمسلمين، وأي ثمرة ترجى من إلقائه بين أيدي المجرمين المعاندين؟
لا شيء! وكأني ما أردت في الحقيقة إلا استعراض "عضلاتي" الفلسفية، وإن زينت لي نفسي الظن بأني أنفع المسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ومما زاد الأمر قبحا أني حاولت أن أستخرج مثالا لذاك المسلك الفلسفي البعيد الذي جئت به في ذاك البحث، من كتاب الله جل وعلا! فصنعت كما يحلو لكثير من المتكلمين ومن الدعاة المتسننين المتأثرين بهم أن يصنعوا، فاستخرجت النص القرءاني الذي فيه المعنى المطلوب، ثم تكلفت إثبات أن الله تعالى قد خاطبنا "بقلب الحجة المنطقية" في القرءان! مع أني كنت أرى بجلاء شدة ما عانيته من شقشقة وتكلف وتنطع مذموم في العبارة، حتى أنتهي إلى ما أريد! فلا جاء النص القرءاني "بمقدمات" ولا "نتائج" ولا بتسلسل لدعوى الخصم يقلبه هو بعبارة وتسلسل آخر كذاك الذي تكلفته أنا في المقال المذكور، وإنما جاء بعبارة واضحة بينة موجزة لا مزيد عليها في أداء المطلوب وكفاية العقلاء، فأي خير في عمل كهذا؟
تأمل أيها القارئ الكريم فيما تكلفته – غفر الله لي – في ذاك المقال من تلبيس النص القرءاني لبوس تلك الطريقة الفلسفية وكأني أدعو القارئ لتعلمها وتكلفها في مثل ذلك. فقد قلت ما نصه:
ومن أمثلة قلب الحجة في القرءان، ما حكاه الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام من محاججته لقومه في قوله: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (الأنعام 81).
فكأن حجة أو دعوى المشركين من قوم إبراهيم تنتظم في مقدمتين ونتيجة بيانها كالتالي:
1- الجماعة (م) تخاف الآلهة (الباطلة) ولا تخاف الله.
2- الجماعة (ع) تخاف الله ولا تخاف الآلهة (الباطلة).
3- إذن: (م) في أمن من أمرهم و(ع) على خطر عظيم.
حيث الجماعة (م): المشركون، والجماعة (ع): إبراهيم عليه السلام ومن وافقوه.
فعليه يكون مقلوب حجتهم "ق" كالتالي:
4- الجماعة (م) تخاف آلهتها (الباطلة) ولا تخاف الله........... (1)
5- الجماعة (ع) تخاف الله ولا تخاف الآلهة (الباطلة) .......... (2)
6- إذن : (م) في خطر عظيم و(ع) في أمن من أمرهم .......... مقلوب (3)
وتأتي الغلبة والظهور للحجة "ق"، (4،5،6) مما هو مستصحب ومعهود في الذهن من مقدمة أولى "أ" مفادها:
• إن الخالق (الله تعالى) لا يخاف من مخلوقاته (التي منها تلك الآلهة الباطلة)، وإنما يجب في العقل أن تخافه تلك المخلوقات جميعا.
فعلى أي شيء يقيم المشركون دعواهم في مقابل هذه المقدمة "أ"؟ لا شك أنه مقلوبها، وهو باطل كما لا يخفى.
قلت: فما جوابك يا أبا الفداء إن سألك سائل هذا السؤال: "لو كنت حقا تراه باطلا لا يخفى بطلانه كما تقول، فلماذا تكلفت هذا التحرير وتلك الصياغة على طريقة المناطقة؟" لماذا تنطعت على نفسك وعلى الناس، وسعيت في استظهار المستصحبات والمعهودات الجلية وفي تحليل ما لا يحتاج العقلاء إلى تحليله وتفكيكه وتجريده في تراتيب منطقية "فورمالية" على نحو ما فعلت؟ فأقول: لست أجد لنفسي جوابا عن هذا السؤال إلا وهو راجع علي بتهمة الهوى الخفي، والله المستعان!
ومما يجدر بي أن أذكره كذلك، أني يوم نشرت ذاك المبحث، راجعته بعدها بسويعات، فوجدتني أخطأت الترقيم والترتيب فيما صغته في ذاك النص المقتبس آنفا من مقدمات ونتائج، فسارعت بمطالبة الإخوة بتعديله في محله، ثم مكثت طويلا في حيرة أتساءل هل يستقيم النص على هذا النحو أم على ما كان عليه قبل التعديل، حتى مالت نفسي إلى تركه على ما صار إليه! وليت شعري أي خير أو نفع سقته إلى المسلمين ببحث كهذا، وقد أبيت إلا أن أذيله بعزو القارئ إلى كتب وأبحاث الفلاسفة الأكاديميين الذين سلكت طريقتهم في ذاك البحث، كما هو عرف الأكاديميين في كل صنعة (حتى أني التزمت في إثبات المصادر بطريقة apa المشهورة أكاديميا في مثل ذلك: وهي المتبعة في هذا المجلد أيضا بالمناسبة)، فعزوت إلى مرجعين، أحدهما ورقة بحثية من أخبث ما أنت راء في تفلسف الملاحدة في إطار ما يقال له "مشكلة الشر" والانتصار بها لشتى صور النحل الإلحادية المعاصرة، والآخر كتاب فيه تقديم لأخبث صناعات الفلسفة على ظهر الأرض: "فلسفة الدين"، ولا حول ولا قوة إلا بالله! فهل أمثال تلك المواد مما لا يرى الباحث المسلم العاقل بأسا في إحالة القارئ المسلم عليه، حتى يقف على طريقة فلان أو فلان في قلب البرهان؟ سبحانك ربي، لا هداية إلا من عندك ولا بصيرة إلا بك، فاللهم عفوك ومغفرتك، كما هديتني أن أبرأ مما كان خافيا علي من قبل من مسالك المتكلمين، والحمد لله رب العالمين.
سيأتي معك أيها القارئ الكريم في الأبواب التالية من هذا الكتاب بيان أن التفلسف في الغيبيات (والتكلم فيها – أي على طرائق أهل الكلام – تبعا) إنما هو مرض نفسي عقلي خبيث في الحقيقة، يقلب البدهيات الأولية اليقينية إلى ظنيات نظرية احتمالية تفتقر إلى تحليل وتفكيك واستدلال، وليس هو فضيلة معرفية أو عقلية كما يزعمه أصحابه لأنفسهم! وهو مرض لا برء منه – عند من كتب الله له الرحمة منهم - إلا بأن يعالجوا نفوسهم بما جاء به القرءان من بشارة ونذارة، فإن آمنوا (وهو بعيد نادر الوقوع) فقد انشرحت صدورهم لبغض الباطل وكراهية العبث واللغو والتنطع وأهله والنفور منهم، ولمحبة الحق الذي عرفوا أنه لا حق سواه ومحبة أهله والتودد إليهم، وإذن فقد زالت الغشاوة من على أعينهم والقفل من على صدورهم ووافقوا العقلاء الأسوياء في ذلك، وإذن فقد اهتدوا وانعقد اليقين الصحيح في قلوبهم ولله الحمد، وإن صدوا واستكبروا وقالوا لا يكفينا هذا الكلام الذي تنسبونه إلى ربكم، بل نراه مفتقرا إلى الاستدلال النظري والبرهان الفلسفي لإثبات وجود الباري نفسه من الأساس (وهم أصحاب كبر وجحود وغرور عظيم بمجرد حقيقة إلحادهم وتشككهم نفسها، مهما زعموا خلاف ذلك)، فليملؤوا صدورهم بما يحلو لهم من بضاعة الفلاسفة واللاهوتيين وأهل الكلام، وإذن فليغرقوا أبدا في بحار الشك والجحود والاستكبار والمراء الخبيث، ومن يضلل الله فلا هادي له، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
انتهى وقد كتبته في الخامس من ذي الحجة سنة 1434 من الهجرة.
وهو منقول من كتاب لي أنا الآن عاكف على تصنيفه في علم نفس الشرك والإلحاد، أسأل الله أن يعينني على إتمامه وأن يرزقني فيه الإخلاص والسداد.

أبو جعفر المنصور
11-06-2014, 06:04 PM
يرفع للفائدة