قراءة في الروايات التاريخية التي تتحدث عن ترك الأشعريُ المعتزلةَ

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • حسن الخطاف
    عضو
    • Oct 2005
    • 10

    #1

    قراءة في الروايات التاريخية التي تتحدث عن ترك الأشعريُ المعتزلةَ

    قراءة في الروايات التاريخية التي تتحدث عن ترك الأشعريُ المعتزلةَ
    كان الأشعري يسير في أصول الفقه على نهج الإمام الشافعي كما يقول ابن فورك [ت:406] ، أما علم الكلام فقد تتلمذ فيه على يد أبي علي الجبائي[ت:303] رئيس معتزلة البصرة في عصره ، وكان خلال متابعته لشيخه ينهل من علم الكلام ، من منهجهم في البحث والمناظرة ، وتذْكر الروايات التاريخية أنه استمر في الاعتزال حتى الأربعين من عمره ، وفجأةََ تغيب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماَ،ثم خرج إلى الجامع فصعد المنبر وقال: " معاشر الناس إنما تغيبت عنكم في هذه المدة ، لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ، ولم يترجح عندي حق على باطل ، ولا باطل على حق ، فاستهديت الله فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه ، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده ،كما أنخلع من ثوبي هذا ، وانخلع من ثوبٍ كان عليه ، ورمى به ، ودفع الكتب إلى الناس ، ومنها كتاب (اللمع) وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه (كشف الأسرار وهتك الأستار )" .
    تبين مما سبق أنه استمر على الاعتزال أربعين سنة وأنَّ تركه الاعتزال كان فجأة ، فهل تركه الاعتزال كلن فجأة ؟ وهل استمر في الاعتزال أربعين سنة ؟
    اختلف القدامى والمعاصرون في تفسير هذا التحول ، والذي فتح المجال للاجتهاد أنَّ الأشعري لم ينص صراحةً على ذلك في كتبه الموجودة بين أيدينا ، ومن هنا تباينت التفسيرات ، ويمكن إجمالها في اتِّجاهين :
    الاتجاه الأول :
    عزا أصحابه ، أسباب التحول إلى رؤية الأشعري للنبي r، وعلى رأس هؤلاء ابن عساكر ونجد من المعاصرين من تابعهم فجعل الرؤية صدىً لما كان يحس به الأشعري ، وذلك نتيجةً لسيره على منهج المعتزلة المغالي في العقليات ، كما أنه لم يكن راضياً عن طريقة المحدثين والمشبهة فخشي على الأمة من التفرق وأخذته الحيرة فاستهدى الله فهداه برؤية رسوله r
    الاتجاه الثاني :
    لم يلتفت أصحابه إلى الرؤية ، فالشهرستاني[ت:548] يرى أن السبب هو المناقشة التي جرت بينه وبين أستاذه الجبائي في الأخوة الثلاثة في مسألة الصلاح والأصلح ويعزو الدكتور: جلال محمد عبد الحميد موسى سبب التحول ، إلى رؤية الأشعري للهوة الواسعة بين أصحاب الحديث والفقه الذين قصروا همتهم على التفقه في الدين – وبين المتكلمين الذين قصروا همتهم على الدفاع عن الدين ، وأن الاقتصار على ناحية هو الذي ساق إلى التناحر بينهم ، وقد رأى هذا التناحر ، فأراد نصرة الدين ، ويلزم لنصرة الدين الجمع بين الفقه وعلم الكلام ، وكان فقيهاً في المذهب الشافعي،والشافعي كان متكلماً فقيهاً ، فوجدت في شخصية الأشعري هذه المقومات ، ولا يبتعد الدكتور:أحمد محمود صبحي عن هذا الرأي كثيراً ؛ إذ يرى أن العامل الحاسم في تحوله هو مذهبه الفقهي الشافعي .
    والذي يبدو لي أنه يصعب أنْ نصدق الرؤية حسب الروايات التاريخية ، فالروايات التي تذكر الرؤية متعارضة : فرواية تذكر أن الرؤية حصلت بعد حيرة في مذهب الاعتزال ، لعدم وجود حلول مقنعة لأسئلته، والروايات الأخرى تظهِر أن شكوكه في المذهب حدثت بعد الرؤية ، ثم إذا كانت الحيرة قد حصلت بعد الرؤية ، فهذا يعني أن الرؤية ليست صدىً لما كان يشعر به ، والذي يزيد في شكنا ، أن روايةً تذكر الأشعري وهو يخاطب شخصية الرسول r قائلاً :" يا رسول الله كيف أدع مذهباً تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤية " ، ويفهم من هذا أنه ترك الاعتزال بعد ديمومةٍ عليه استمرت ثلاثين سنة ، فإذا كانت ولادته سنة 260هـ وعدل عن الاعتزال سنة 297 -باعتبار أنه كتب ( رسالة أهل الثغر ) سنة 297 -فهذا يعني أن الإلمام بمذهب المعتزلة تكون لديه وهو ابن سبع سنين ، وفي هذا من البعد ما ترى ، هذا إذا قلنا إن تركه كان سنة[297] وربما يكون هناك تأريخ أقرب من هذا التاريـخ في كتبه التي لم تصل إلينا .
    وكذلك ليس السبب في عدوله عن الاعتزال شافعية مذهبه ، أو الهوة الواسعة بين المتكلمين والمحدثين ، إذ لا نستطيع أن نجزم أنه كان سائراً على مذهب الإمام الشافعي دون غيره من المذاهب ، فابن عساكر - الذي اهتم به أكثر من غيره - يجعله مالكياً ،بينما يرى الشيخ زاهد الكوثري أنه كان حنفياً ، ونستبعد كذلك أن تكون الهوة الواسعة بين المحدثين والمتكلمين هي السبب ؛ لأن نقده الرئيسي كان موجهاً إلى المعتزلة دون غيرهم ، وإذا كانت الفجوة بينهما هي السبب فمن الذي صنعها ؟ هل هم الفقهاء والمحدثون ؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نجد لهم نقداً من قبل الأشعري ؟
    بعد هذا نرى أن السبب الحقيقي هو خوفه على النص[ القرآن والسنة] – وذلك بقطع النظر عن وجاهة هذا الخوف- من الفكر الاعتزالي الذي غاص بالفلسفة ، نتيجة الاحتكاك الفكري ، مع أصحاب الملل الأخرى من الفلاسفة والمجوس والثنوية … وبيان ذلك أن المعتزلة واجهوا خصوما من المجوس والفلاسفة واليهود والنصارى … فاضطر المعتزلة لدراسة الفلسفة للرد على خصومهم ، بتوجيه من السلطة ، بينما كان الفقهاء وحملة السنة يأبون الخوض في ذلك ، فتأثر المعتزلة بهم ؛ لاستخدامهم طرقهم في النظر والجدل لمعرفة شبههم ونقضها ، فلا غرابة إذا رأينا شذوذاََ في آراء بعض المعتزلة لتأثرهم بهذه المجادلات.
    والدليل على أن الأشعري خاف على النص ؛ أن النقد الذي وجهه للمعتزلة كان – من وجهة نظره- بسبب إهمالهم للنصوص ، وكتابه الإبانة شاهد على ذلك ، إذ يفتتحه بأنهم أولوا القرآن على آرائهم ، تأويلاً لم ينزل الله به سلطاناً فخالفوا روايات الصحابة في رؤية الله عز وجل بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفات وتواترت بها الآثار ، وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم،وردوا قول الله لنبيه : ] قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ[[الأعراف:188]، وأنكروا شفاعة الرسول r ، وردوا الروايات في ذلك عن السلف المتقدمين وحكموا على العصاة بالنار، والخلود فيها خلافاً لقول الله عز وجل : ]وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[[النساء:48] وأنكروا أن يكون لله وجه مع قوله عزوجل: ) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ([الرحمن:27] وأنكروا أن يكون له يدان مع قوله تعالى: )لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ [ص:75]وأنكروا أن يكون له عين مع قوله سبحانه: ]تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا[ [القمر:14]، ))
    وقد صنف الأشعري منهج المعتزلة في التعامل مع النصوص مع أهل البدع الذين ابتدعوا مخالفة الكتاب والسنة، و بمقابل ذلك جعل الأشعري منهجه التمسك بهما.
    وبناءً على ذلك نرى أن الخوف على النص من منهج المعتزلة هو الذي قاد أبا الحسن إلى هذا التحول ، وليست هي الرؤية كما أنها ليست شافعية مذهبه ولا الهوة الواسعة بين المتكلمين والمحدثين.
Working...