ادّعاء الاجتهاد مع الجهل ، بدعوى أنْ : «لا كهنوتيةّ في الإسلام»

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • د. هشام عزمي
    باحث علمي
    • Dec 2003
    • 7007

    #1

    ادّعاء الاجتهاد مع الجهل ، بدعوى أنْ : «لا كهنوتيةّ في الإسلام»

    ادّعاء الاجتهاد مع الجهل ، بدعوى أنْ : «لا كهنوتيةّ في الإسلام»
    أبو الأعلى المودودي
    «نظريّة الإسلام وهديه في السياسة والقانون والدستور» : ص205-207



    نشأت في أيّامنا وجهة جديدة للتفكير ، تقول : أنْ لا كهنوتيّة في الإسلام ، فليس للعلماء من اختصاص بالقرآن والسنّة والشريعة حتى يكون لهم وحدهم الحق في التعبير عنها ، بل المسلمون جميعًا يتمتعون بهذا الحق معهم ، وما عند العلماء من حجّة تجعل آراءهم أرجح من آرائنا ، وأقوالهم أكثر وزنًا من أقوالنا في أمر الدِّين .

    فمثل هذه الأقوال التي يتشدَّق بها الذين ما أوتوا أدنى حظ من معرفة القرآن والسنَّة ، ولم يطّلعوا على النصوص الدينيّة ، ولم يصرفوا يومًا من أيام حياتهم في الدراسة الوافية للدين وتعاليمه .

    فبدلًا من أن يشعروا بقصورهم في معرفة تعاليم القرآن ، ويبذلوا جهدًا في تداركه ، أبوا إلا إنكار ضرورة هذه المعرفة ، وأصرّوا أن يُتركوا وشأنهم ليشوّهوا وجه الدِّين الحنيف ، ويموّهوا تعاليمه النزيهة بتأويلاتهم السخيفة من غير علم ولا معرفة .

    ولعمر الحق ! أنه لو تركت سَورة الجهل على حالها تشتدّ وتثور ، لا بيعد غدًا أن يقوم غدًا رجل منّا ، فيقول : أنْ لا قضاء في الإسلام ، فيجوز لكل أحد من الناس أنْ يدلي برأيه في القانون ، ولو لم يكن يعرف منه الألف والباء .

    ويقوم بعده رجل آخر ، ويعلن : أنْ لا هندسة في الإسلام ، فمن حق كل رجل أن يتكلّم في الهندسة ، ولو لم يكن على أدنى معرفة بمبادئها .

    ثم يقوم بعده رجل ثالث ، ويعلن : أنْ ليس هناك حاجة إلى حذق في مهنة الطب ، فيشرع في معالجة المرضى ومداواتهم من غير أن يكون على صلة بالطب .

    وليت شعري ! ما الذي جعل هؤلاء يُمعنون في السفاهة ، وتسوّل لهم نفوسهم أن يُخادعوا الأمة ، ويظنّونها مُصَدّقة لآرائهم الواهية ، وأقوالهم الباطلة ؟!

    نعم لا جرم أنه لا كهنوتيّة في الإسلام ، ولكن هل يعلم هؤلاء اليوم ما معنى ذلك ؟!

    إنما معناه : أن الإسلام ليس كاليهوديّة ، حتى ينحصر فيه علم الشريعة والقيام على الخدمات الدينية في سبط من الأسباط ، أو قبيلة من القبائل ، ولم يفرق فيه – كما في المسيحية – بين الدين والدنيا ، فتكون الدنيا للقياصرة ، ويكون الدين للرهبان والأحبار .

    ولا ريب – كذلك – أنْ لا اختصاص لأحد بتفسير القرآن والسنّة والشريعة ، وأنه لا ينحصر العلماء في سلالة خاصة من السلالات ، أو أسرة معينة من الأسَر ، فلا يكون إلا لأفرادها يتوارثونه كابرًا عن كابر ، ولهم وحدهم أن يتحدثوا باسم الدين ، ويجتهدوا في تعاليمه دون سائر المسلمين .

    فكما أنه من الممكن لكل أحد من الناس أن يكون محاميًا إذا درَس القانون أو مهندسًا إذا درس الهندسة أو طبيبًا إذا درس الطبّ ، فكذلك يجوز في الإسلام لكل فرد من أفراد المسلمين إذا درس القرآن والسنّة ، وصرف جانبًا من أوقاته وجهوده في تلقي علمهما أن يتكلم في مسائل الشريعة .

    وهذا هو المعنى الصحيح المعقول إنْ كان هناك معنى لانعدام الكهنوتية في الإسلام .

    ليس معناه أن الإسلام كالألعوبة في أيدي الأطفال ، يجوز لكل من شاء من الناس أن يعبث بأحكامه وتعاليمه ويصدر فيها آراءه ، كما هو الشأن في أقضية أعلام المجتهدين وفتاواهم ، ولو لم يكن قد بذل أدنى سعي في فهم القرآن والسنّة والتبصّر فيهما .

    وإذا لم يكن مقبولًا ولا معقولًا أن يدّعي المرء أنه مرجع في أمر من أمور الدنيا من غير علم به ، فما بالنا إذن نقبل في أمر الدين ادّعاء هؤلاء القوم الذين يتكلّمون فيه من غير معرفة بأصوله ومبادئه ؟
    إن عرفتَ أنك مُخلط ، مُخبط ، مهملٌ لحدود الله ، فأرحنا منك ؛ فبعد قليل ينكشف البهرج ، وَيَنْكَبُّ الزغلُ ، ولا يحيقُ المكرُ السيء إلا بأهلِهِ .
    [ الذهبي ، تذكرة الحفاظ 1 / 4 ].
    قال من قد سلف : ( لا ترد على أحد جواباً حتى تفهم كلامه ، فإن ذلك يصرفك عن جواب كلامه إلى غيره ، و يؤكد الجهل عليك ، و لكن افهم عنه ، فإذا فهمته فأجبه ولا تعجل بالجواب قبل الاستفهام ، ولا تستح أن تستفهم إذا لم تفهم فإن الجواب قبل الفهم حُمُق ) . [ جامع بيان العلم و فضله 1/148 ].
Working...