بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين والمبعوث رحمة
للعالمين.

ما هو الفرق بين الرفع والعروج في القرآن الكريم؟

في لسان العرب:

العُروج: الارتقاء. يقال عَرَج يعرُج عُروجاً ومَعْرَجاً.
والمَعْرَج: المَصْعَد. قال الله تعالى: تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ

الرَفْعُ: خلاف الوضع. يقال: رَفَعْتُهُ فارْتَفع.

الرفع في القرآن مثل العروج وهو الشيء يتحرك من أسفل إلى أعلى ولكن الفرق أن الرفع
فعل يحتاج لفاعل ليرفع الشىء المرفوع أمّا العروج فهو الشيء يُرفع بذاته

فالذي يعرج يستطيع ان يرتفع بذاته )يرتقي( أي عنده هذه
الخاصية أمّا الذي يُرفع فيحتاج إلى غيره ليرفعه.

قال تعالى:


قال تعالى:

يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴿السجدة: ٥﴾


فالأمر يعرج بذاته في يوم مقداره ألف سنه ولا يحتاج أن يرفعه رافع.



قال تعالى:

تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿المعارج: ٤﴾


والملائكة وسيدنا جبريل عليه السلام يعرجون في يوم مقداره خمسين ألف سنه وعروجهم بذاته ليس بمساعدة من شيئ آخر.



قال تعالى:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿البقرة: ١٢٧﴾


هنا سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو من رفع القواعد من البيت ولم تُرفع القواعد بذاتها وإنّما هناك من رفعها.



قال تعالى:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿يوسف: ١٠٠﴾

وهنا أيضاً نجد أن سيدنا يوسف صلّ الله عليه وسلّم هو الذي رفع أبويه ولم يعرجا بنفسيهما لإنتفاء صفة العروج الذاتية لديهم
.


قال تعالى:

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ﴿النساء: ١٥٤﴾

الله تعالى الذي رفع جبل الطور ولم يرتفع بذاته



وفي الحديث الشريف ستجد في أحاديث الإسراء والمعراج أن الرسول صلّ الله عليه وسلّم قد )عُرج به( ولم يَعرُج لذاته فقد صحبه سيدنا جبريل عليه السلام في رحلة العروج.


ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه ، وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه ، فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل ، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته ، حتى فرغ من صدره وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده ، حتى أنقى جوفه ، ثم أتي بطست من ذهب فيه تور من ذهب ، محشوا إيمانا وحكمة ، فحشي به صدره ولغاديده ، يعني عروق حلقه ، ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها ، فناداه أهل السماء : من هذا ؟ فقال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : معي محمد ، قال : وقد بعث ؟ قال : نعم ، قالوا : فمرحبا به وأهلا ، فيستبشر به أهل السماء ، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم ، فوجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أبوك فسلم عليه ، فسلم عليه ورد عليه آدم وقال : مرحبا وأهلا بابني ، نعم الابن أنت ، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان ، فقال : ( ما هذان النهران يا جبريل ) . قال : هذا النيل والفرات عنصرهما ، ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر ، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ، فضرب يده فإذا هو أمسك أذفر ، قال : ( ما هذا يا جبريل ) . قال : هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ، ثم عرج به إلى السماء الثانية ، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى : من هذا ؟ قال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله عليه وسلم ، قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم ، قالوا مرحبا به وأهلا ، ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ، ثم عرج به إلى الرابعة ، فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السماء الخامسة ، فقالوا مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السماء السادسة ، فقالوا له مثل ذلك ، ثم عرج به إلى السماء السابعة ، فقالوا له مثل ذلك ، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم ، فوعيت منهم إدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه ، وإبراهيم في السادسة ، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله ، فقال موسى : رب لم أظن أن ترفع علي أحدا ، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ، حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى الله فيما أوحى إليه : خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ، ثم هبط حتى بلغ موسى ، فاحتبسه موسى فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال : ( عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة ) . قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك ، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك ، فأشار إليه جبريل : أن نعم إن شئت ، فعلا به إلى الجبار ، فقال وهو مكانه : ( يا رب خفف عنا ، فإن أمتي لا تستطيع هذا ) . فوضع عنه عشر صلوات ، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه ، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال : يا محمد ، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه ، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا ، فارجع فليخفف عنك ربك ، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ، ولا يكره ذلك جبريل ، فرفعه عند الخامسة فقال : ( يا رب إن أمتي ضعفاء ، أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم ، فخفف عنا ) . فقال الجبار : يا محمد ، قال : ( لبيك وسعديك ) . قال : إنه لا يبدل القول لدي ، كما فرضت عليك في أم الكتاب ، قال : فكل حسنة بعشر أمثالها ، فهي خمسون في أم الكتاب ، وهي خمس عليك ، فرجع إلى موسى فقال : كيف فعلت ؟ فقال : ( خفف عنا ، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها ) . قال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه ، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا موسى ، قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه ) . قال : فاهبط باسم الله ، قال : واستيقظ وهو في مسجد الحرام .
الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 7517
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]




فالعروج هو الإرتقاء من أسفل إلى أعلى بامتلاك الذات لمقومات العروج – والرفع هو الإرتقاء من أسفل إلى أعلى بمساعدة خارجية على ذلك الإرتفاع


قال تعالى:

إِذْ قَالَ اللَّـهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴿آل عمران: ٥٥﴾


رفع الله تعالى سيدنا عيسى صلّ الله عليه وسلّم إليه وهو سبحانه وتعالى الذي رفعه إليه.

والحمد لله رب العالمين