النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: بعد مابعد الحداثة: أزمة "الذات" في مجتمع مابعد المعلومات

  1. #1

    افتراضي بعد مابعد الحداثة: أزمة "الذات" في مجتمع مابعد المعلومات

    بعد مابعد الحداثة..الرقمية..ما بعد الإنسان..مابعد المعلومات..هي مسميات مختلفة تصف لنا حقبة واحدة يمتزج فيها الإنسان بالثورة البيولوجية والتكنولوجية الحديثة والتي لها انعكاسات وتأثيرات على مفهوم الإنسان في العصر الحديث حيث يبشر أنصارها بالإنسان الفائق أو الكائن السايبرنطيقي. ومعنى البادئة "سايبر cyber" هنا تفيد معلوماتي غير أن فيليب ريجو يرى أن لها 'معاني غير مستقرة وملتوية ومتعددة التوجيهات فهي تعود إلى كلمة kuberne اليونانية القديمة التي تعني الشخص الذي يوجه السفينة..يقود piloter..أو يحكم 1'gouverner وحسب هذا التعريف فإننا نكون أمام مركزية للذات فإذا كانت مابعد الحداثة تنادي بتفكيكها وإقصائها كسردية كبرى فإن بعد مابعد الحداثة هي إعادة صياغة لها بعد تفكيكها وتجميع مكوناتها من جديد في كيان تسميه دونا هاراواي الكائن السيبرنطيقي وتسيمه إلزا غودار الأنا الرقمية.
    "الأنا" في مجتمع مابعد المعلومات يحاصرها الإفتراضي والرقمي من كل الجهات وهو الواقع الذي كرسه فايروس كورونا لفترة ليست بالقصيرة وكأنه في تحالف غير معلن مع مقولات مابعد الإنسانية سواء في تكريسه للذات الإفتراضية ورفعه شعار stay home بجميع أبعاد هذا الشعار الإقتصادية والإجتماعية والترفيهية أو من خلال استهدافه لشريحة كبار السن والمرضى وكأنه يهاجم ما تعتبره ما بعد الإنسانية مناطق الضعف في الإنسان والتي تبشرنا بعد مابعد الحداثة بإمكانية تجاوزها مستقبلا باستخدام آليات البيولوجيا والروبوتية وتقنيات العالم الافتراضي والتي ستقضي على العيوب وتنتج الإنسان الفائق باعتباره كائنا سيبرنطيقيا لنكون بذلك أمام امتداد للفلسلفات الغربية ذات البعد التطوري الدارويني. إن الإهتمام بالجسم المثالي قد انتقل من المنظور الدارويني الكلاسيكي إلى منظور إصلاح الذات الفردية والقضاء على "العيوب " من خلال الموضة مستحضرات وعمليات التجميل الرفاهية الغذائية والتقنية بناء الأجسام. بعد مابعد الحداثة ليس إلا نظرة داروينية "لإصلاح الإنسان" في بعده البيولوجي والسلوكي والنفسي.
    هذا ما يحيلنا إلى مناقشة أزمة "الإنسان" أو أزمة "الذات" في فضاء يُنظر فيه للإنسان بنفس النظرة تجاه المعالجات والدارات الكهربائية والبرمجة اللوغارتيمية وهو ما يضع الذات في موضع معقد سيكولوجيا فعندما نجد أطفالا لا يبدون كأطفالا ورجالا في الخمسين يبدون كأطفالا في الثانية عشر..أثرياء يجدن متعتهم في انتحال صة الفقر ومبرمجو عقول إلكترونية يتعاطون عقار الهلوسة..وفوضويون هم في الحقيقة محافظون..ومحافظون هم في الحقيقة فوضويون يتساءل هنا ألفن توفلر: 'هل هناك من سبيل إلى تفسير مثل هذا المشهد دون اللجوء إلى غياهب التحليل النفسي؟ أو إلى الصيغ المصطنعة المظلمة للوجودية ؟ إن مجتمعا غريبا ينبثق بين ظهرانينا فهل من سبيل إلى فهمه أو إلى صياغة تطوره؟ كيف يمكن أن نتوافق معه ؟'2 ..وتتساءل المحللة النفسية الفرنسية الزا غودار: استغرتنا الآلة فهل نحن نمسك بالسمارت فون أم هو السمارت فون من يمسك بنا إنها حقيقة مشوقة ومقلقة.

    تغير مفهوم الزمن وتأثيراته على الذات
    إن مفهوم الإنسان عن الوقت مرتبط بسرعة التمثيل الداخلي (في الذهن) للأشياء الخارجية. فعندما نعيش في بيئة تكثر فيها عمليات التمثيل الداخلي وتتسارع داخلنا نشعر أن امتداد الزمن قد تقلص نتيجة استهلاكنا السريع للمواقف..ثم عندما نغادر تلك البيئة نحو بيئة أقل إيقاعا من ناحية التمثيل الداخلي نشعر أن الزمن يتحرك أبطأ وأن العالم من حولنا يسير ببطأ حتى عندما لا يكون ذلك صحيحا في الواقع. وهذا يعتبر متغير سيكولوجي من الخطورة والأهمية بحيث يستحيل تجاهله. هذا المتغير السيكولوجي يعتبره ألفن توفلر بكونه لا يمكن أن يوصف بأقل من شحنة متفجرات ويقول كريستوفر رايت من معهد دراسات العلم في النواحي الإنسانية: 'عندما تتغير الأشياء من حولك فإن تغيرا موازيا يحدث في داخلك'3 ..يمكن اختزال هذه التغيرات على مستوى الذات في ثلاث متغيرات أولها الإدمان على الإيقاع السريع المزيف..وثانيا تسارع الزمن يضفي على الموقف معنى اللهو والمرح..وثالثا فرط التنبيه الإدراكي وما يخلفه من اضطرابات على المستوى النفسي والعقلي.
    تأثير الإيقاع السريع
    إنه ينشأ من الإحساس بالضجر والقلق الذي ينتابنا كلما انتقلنا من بيئة ذات إيقاع سريع إلى بيئة ذات إيقاع عادي يقول ألفن توفلر: 'يشعرون بالضيق والقلق عندما يبطئ الخطو إنهم يرغبون بأي ثمن في أن يكونوا "حيث يقع الفعل"'4 وهذه علامة بارزة في مجتمع مابعد المعلومات إن حالة من الضجر والقلق تصيب الإنسان كلما شرد بناظريه خارج لوحته الذكية أو جهازه المحمول ولهذا نجد أغلب الناس في الحدائق العامة والمقاهي وغيرها من الأماكن العامة لا يطيقون البقاء خارج العالم الإفتراضي لكثيرٍ من الوقت وهذا يعود للتغيرات الخطيرة التي أصابت التكوين النفسي للإنسان..فالمشكلة هنا هي فارق سراعات شبيه إلى حد ما بفارق السرعة ما بين المدينة والريف فالذي يتعود على إيقاع المدينة الصاخب..الملاهي..والحفلات الصاخبة ذات الإيقاع الموسيقي السريع مدن الألعاب..عالم الوجبات السريعة بمعناه الشامل لن يقوى على العيش في حياة الأرياف حيث سيجد أن الإيقاع بطيئ ولهذا تم هجر الأرياف في عالم اليوم. نفس الهجرة وقعت داخل العالم الإفتراضي نفسه فالمواقع والمنتديات الكلاسيكية ذات الإيقاع البطيئ هجرها روادها لصالح مواقع التواصل الإجتماعي وتطبيقاته أنستغرام..فايسبوك..سنابشات..تويتر وغيرها حيث الإيقاع هناك سريع جدا إيقاعا محموما لا يهدأ..الصور تدفع بعضها بعضا مرورها أمام ناظرينا لا يتوقف أبدا..إيقاع الفيديوات التي نشاهدها سريع جدا الاخبار والأحداث تمر أسرع من الثواني توهمنا بوجود حركة دائمة تعددية في الأفعال وعجلة دائمة ثم عندما نخرج للعالم الواقعي أو بيئة أقل سرعة نجده بطيئا مقارنة بعالمنا الإفتراضي أحداثه تمر ببطء الصور الطبيعية لا تتغير بضغطة زر الأماكن والأشخاص لا يتغيرون بالتصفح لهذا نحتاج كثير من الوقت حتى يتغير الموقف وبالتالي المكان والأشخاص المحيطين به. فمن هذا المتغير السيكولوجي على مستوى مفهوم الزمن تشعر الذات بالضيق والقلق والأرق كلما غيرت الإيقاع الذي تعودت عليه في عالمها الإفتراضي ولهذا تسقط الذات في التسرع والإستعجال كمحاولة لتعويض فارق الوقت. تقول الزا غودار: 'تعبير يردده كل الناس: لا وقت لدي فهل لم يعد لدينا وقت حقا أم ان الزمن كما كنا نتصوره قديما قد اختفى؟ وما هو مآل الأنا التي قُذف بها داخل الإستعجال والتسرع ؟'5
    الإستعجال والتسرع الذي نراه استفشى في عالم اليوم ناتج عن هذا الضيق الذي أصاب الذات فما هو إلا محاولة لتعديل السرعة ما بين الإفتراضي والواقعي كما أنه غير أيضا مفهومنا عن "المكان" وهذا هو السبب في أنهم ينتقلون بوسائل النقل المختلفة البسيطة والمتطورة من مكان إلى مكان لغير ما سبب واضح في محاولة لاستهلاك المواقف في أقل وقت ممكن. فعندما يصعب المكوث في مكان بطيئ لا يتحرك يكثر السفر والتنقل لغير غاية تذكر حتى أن ألفن توفلر وصف مجتمع ما بعد الصناعي بالبدو الرُّحَّل الجدد يراها شبيهة بهجرة الجواميس أو الطيور بين الغابات يتجهون جماعات وأفراد كأنها تقودهم غريزة لا تخطئ إلى مكان بعينه يقول: 'هذا الإنتقال الذي يبدو بلا هدف هو في الحقيقة نوع من التعويض. وفهمنا لقوة الجذب الذي يفرضه إيقاع معين للحياة على سلوك الأفراد يساعد بلا شك على فهم ما قد يبدو لنا وكأنه سلوك بلا معنى أو هدف... الهروب من إيقاع سريع لخطو الحياة يراه الكثيرون فوق الإحتمال وليس من قبيل المصادفة أن نراهم يصفون المجتمع بأنه عبارة عن " سباق جرذان" وهو تعبير في الحد ذاته يعكس معنى الخطو المتسارع' 6
    تغير مذاق المواقف نحو اللهو والمرح
    إن البيئة السريعة تغير من "مذاق" المواقف وحقيقتها فعندما نُسرِّع الزمن نكون قد أحدثنا تغييرا على المستوى النفسي فنُغلِّب بطريقة لاواعية جانب المرح واللهو على الجوانب الشعورية الأخرى فالزمن هو القيمة أو العملة التبادلية لوقوع الأحداث يقول ألفن توفلر: 'فالزمن يدخل إلى لب الموقف ويمتزج به مغيرا من معناه أو محتواه تماما..كما لو عزفنا لحنا جنائزيا بسرعة أكبر فإننا حينئذ سنسمع نغما مرحا بدلا من النغم الحزين. كذلك فإن الموقف الذي يمر بطيئا متئدا إلى نهايته يختلف في مذاقه أو معناه عن ذلك الذي ينفذ إليه بشكل متقطع يبرز فجاة ثم يختفي بنفس السرعة' 7
    إن مثال اللحن الجنائزي وكيف يتغير محتواه إلى مرح بمجرد التسريع الزمني يفسر لنا بشكل ساخر ومثالي لماذا يوصف مجتمع ما بعد المعلومات بمجتمع التسلية والضحك إن الإيقاع السريع لا يترك لك مجالا للتفكير الواعي لأنه ينتقل بك من التركيز في موقف إلى موقف آخر بسرعة فائقة والحد الأدنى للوقت المتاح للنظرة الهادئة لكل مشكلة أو موقف أو فكرة يتقلص أكثر فأكثر فينتج عن هذا اضطراب في التركيز شلل في حل المشكلات فجوة لا يملاها إلا اللامبالاة و اللهو والنسيان السريع. ولهذا نجد الإيموجي الضاحك أكثر الإيموجيات استعمالا في العالم الإفتراضي فلم تعد الكلمات حضنا للإنفعالات التي يلتقطها الوجدان لقد حلت محلها فيضان لانهائي وسريع للصور وغادجات التسلية gadget بإيقاع لا يجعلنا نرى من الوجود سوى بعده المرح واللهواني يقول ميشال مافيزولي: 'إن الصورة بإعادة إنشائها وحدة الجسد والروح تحقق رهان التقاليد التشبيهية والتشخيصية المتمثلة في التركيز على البعد اللهواني والساخر للوجود' 8... إن ثقافة التسلية واللهو تملأ المكان في مجتمع ما بعد المعلومات وبطريقة ساخرة يقول هوركهايمر وأدورنو في كتابهما جدل التنوير: 'فالتسلية تعني دائما ألا تفكر بشيء وأنس العذاب حتى حيث يبدو ظاهرا للعيان..إن التحرر الذي تعِدُ التسلية به هو التحرر من التفكير بوصفه نفيًا.. التسلية هي بمثابة حمام مريح تحاول تجارة اللهو وصفه باستمرار إن جمهورًا يضحك بهذه الطريقة لهو محاكاةٍ ساخرة للإنسانية. وأفرادها هم مونودات يستسلم كل منها للشهوة الحسية على حساب كل شيء آخر.' 9
    فرط التنبيه الإدراكي
    يقول لاري بيج أحد مؤسسي غوغل: 'إن الذهن البشري هو حاسوب عتيق في حاجة إلى معالج إلكتروني أسرع وإلى ذاكرة اوسع' 10
    إن هذا الإعتراف بقصور الذهن البشري الذي جاء على لسان أحد مؤسسي غوغل يؤكد بأن وجود الإنسان في بيئة سريعة تغذي فرط التنبيه يجعل من الجهاز الحسي يستقبل عدد من المنبهات يفوق بكثير سرعة معالجته لها وهو ما يسمى بفرط التنبيه الإدراكي. هذا الفارق في السرعات بين الإستقبال والمعالجة يولد ضغطا شديدا ومستمرا على الجهاز العصبي يقول البروفيسور د.أ.برلين من جامعة تورنتو: 'إن الجهاز العصبي المركزي مصمم للتكيف مع بيئة تنتج معدلا معينا من التنبيه...وهو بالطبع لن يقدر على أداء وظيفته على خير وجه في بيئة تحمله فوق جهده.. ويقول الإخصائي جورج أ ميللر من جامعة روكفلر ' هناك قيود شديدة على ما نستطيع استقباله ومعالجته وتذكره من المعلومات ويقول جيمس ج ميللر مدير معهد بحوث الصحة العقلية بجامعة ميتشيغان 'إن اتخام المرء بأكثر مما يستطيع معالجته من معلومات يؤدي إلى اضطرابه' 11
    إن الإشارات السريعة والأصوات والصور في العالم الإفتراضي أو الحفلات الصاخبة حيث الألوان المتغيرة والألحان السريعة والصرخات العالية والأزياء العجيبة المتنوعة أو التنقل السريع بين الأماكن وغيرها تجتمع لتخلق بيئة حسية ذات منبهات سيكولوجية عالية. الشيء الذي يولد اضطرابا على مستوى آداء وظائف الوعي واتخاذ القرار الرشيد بمعنى تدمر قدرة الفرد على التصرف برشد. ويضرب ألفن توفلر مثالا على هذا بقوله تخيل عاملا على خط تجميع بمصنع ينتج لعب أطفال عمله أن يضغط على زر ما كلما مر مكعب أحمر على السير الناقل الذي أمامه فمادام يتحرك بسرعة معقولة فلن يلاقي هذا العامل أي صعوبة في عمله..وإذا تحرك السير سريعا جدا فسوف يتردد ويخطئ ويضطرب ويفقد تماسكه كما سيصبح على الأرجح متوترا ومهتاجا وقد يضرب الماكينة بدافع من الإحباط الخالص... لقد صعدت مثل هذه التجارب حتى وصلت مستويات مفزعة من التعقيد فشملت الإختبارات الأضواء الوامضة والانغام الموسيقية والحروف والنماذج والكلمات المنطوقة وتشكيلة واسعة من المنبهات الاخرى ..إن الذين طلب إليهم ممن أجريت عليهم الإختبارات أن ينقروا بأطراف أصابعهم والنطق بعبارات وحل ألغاز وأداء طائفة منوعة من غير ذلك من المهام قد تضاءلوا في أثناء الإختبارات إلى حالات يُرثى لها من الحمق والتخبط. 12
    إن قصور أعضاء الحس على تتبع الكثير من الأحداث من شأنه أن يؤدي إلى وقوع اضطرابات على المستوى النفسي مثل الشيزوفرينيا أي تمويه الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم وهذا ينشأ نتيجة الإحساس بالضياع لعدم التمكن من إدراك معاني الأشياء فسرعة منبهات وأحداث البيئة المحيطة التي تفوق سرعة تتبعها يعني أنها تمر دون أن نتمكن من إدراك معانيها وقد أجريت تجارب تحت إشراف اخصائيين نفسيين ج.اوزدانسكي و ل.ج. تشابمان أسفرت على أن زيادة سرعة الإستجابة تنتج عنه أشكال من الأخطاء بين الأشخاص الطبيعيين تتشابه بدرجة عجيبة بأخطاء المرضى بالفصام العقلي..والنتيجة أن المرضى بالإنفصام يرتكبون أخطاء عند المعدل المعتاد شبيهة بتلك التي يرتكبها الأشخاص العاديون تحت ظروف المعدلات السريعة والمفروضة فرضا. 13

    تأثير الصورة: الهشاشة النرجسية/السلطة القمعية /الإتجاه التسويقي للذات
    الهشاشة النرجسية
    كانت الصورة الذاتية منذ القدم وسيلة لاختبار الذات بداء من الأساطير الإغريقية وانعكاس صورة المرء على الغدير أو في المخيال الصوفي ودور المرآة في الكشف عن خبايا النفس أو المرآة في التحليل النفسي ودورها في دراسة وبناء شخصية الطفل وصولا إلى عصر الصورة وعصر السيلفي في مجتمع ما بعد المعلومات ولكنها صورة هشة مقلوبة إذ لم يعد من الممكن التعرف على الذات في شكل استبطان داخلي يتجه نحو الخارج كما في كوجيتو ديكارت بل بات التعرف على الذات في شكل صورة أو سيلفي على المستوى الحسي ولهذا عنونت المحللة النفسية الفرنسية إلزا غودار كتابها بــأنا أوسلفي إذا أنا موجود وهو عنوان يعبر عن أزمة الذات في مجتمع ما بعد المعلومات حيث صرنا نقدم أنفسها باعتبارنا صورا تقول الزا غودار: 'هناك سطوة للصورة الهشة التي لا تسهل إعادة امتلاك الأنا في شكل محكي داخلي وفي شكل فكر مبني وتساؤل فلسفي أو في شكل مناجاة. لقد كانت مرحلة ديكارت أكثر ملائمة لهذا النوع من الحركة الداخلية من مرحلتنا' 14
    إننا أمام عالم يتغذى على الصور فالتطبيقات تقوم بمحو الصور ثوان أو ساعات بعد رؤيتها ثم تختفي لتحل محلها صور أخرى وهكذا.. أو التصفح الذي ينتقل بك من صورة إلى أخرى بمجرد نقرة لا تمتلك أي وجود زمني فالإضافة لكونها صور هشة لا تترك وقتا للتفكير في معناها أو حتى في كونها بلا معنى فهي أيضا لغة بلا مضمون لا تستفز العقل كما هو الحال في سيمولوجيا الصورة فوفرتها تلغي المضمون ويجعل من مجرد رؤيتها في لحظة ما أو ومضة عابرة هو الذي يحظى بالأولوية..ففي نظر جون بودريار ليس المعادون للصورة هم أولئك الذين يحطمون الصور وإنما أولئك الذين ينتجون وفرة من الصور ليس فيها من شيء يُرى. 15
    إن التقاط صورة للذات سيلفي والقذف بها في شبكة تواصلية له دلالات نفسية تلقي بظلالها على علاقتنا بذاتنا وبالآخر وبطريقة إدراكنا للعالم إن انتظار حصول الصورة على لايكات وكومنتات هو تعبير عن 'هشاشة نرجسية يحاول طمئنة نفسه من خلال الإحالة على نفسه في صورة جميلة يمكن أن يعود لها دائما لأنها مصورة..الوقت الذي يستعيد فيه شيء من احترام الذات وبالإضافة إلى ذلك فإنه وهو يعرضها على الآخر في الشبكات الإجتماعية من خلال الكثير من اللايكات التي يتلقاها يشعر بالإطمئنان على الرأي الحسن الذي يبلوره عن نفسه' 16
    إنه نوع من استجداء القيمة والقوة من الآخر يقول اريك فروم في المجتمع السوي: 'التقاط الصور الفوتوغرافية أصبح من أهم نشاطات وقت الفراغ...إنه أحد أقدم أحوال اللجوء إلى الإحساس بالقوة بضغط الزر فأنت لا تفعل شيئا وليس عليك أن تعرف شيئا وقد تم صنع كل شيء من أجلك كل ما عليك أن تقوم به هو ضغط الزر. وبالفعل لقد أصبح التقاط الصور الفوتوغرافية تعبيرا من أهم التعابير عن الإدراك البصري الإغترابي عن محض الإستهلاك' 17
    إن التقاط الصورة من أجل البحث عن ذواتنا لدى الآخر يؤثر على علاقتنا بالعالم حيث نفقد الإحساس بالأشياء الواقعية فالأساسي لم يعد اللحظة المعاشة بل وجهها الرقمي إن الواقع الذي ينبغي أن يكون فعلا إنسانيا ملموسا يرتبط بحواسنا وحاجاتنا وذوقنا وهواياتنا صار لا يستقيم في أذهاننا إلا في شكل ذكرى مبكسلة بعيدة كل البعد عن كل فعل إنساني فما قيمة الطعام إذا لم يكن متنوعا أو جذابا للعين لكي يُنشر على النات بعيدا عن قيمته الغذائية فوائده ومضاره يقول فروم: 'نحن نأكل الخبز عديم المذاق والذي لا يغذي لأنه يروق لأخيولتنا عن الغنى والتميز فهو شديد البياض والطراوة وبالفعل نحن نأكل أخيولة ونفقد الإتصال بالشيء الحقيقي الذي نأكله' 18
    وما قيمة ممارسة الرياضة أو أن يتسلق المرء قمة افرست او كليمنجارو إذا لم ينشر ذلك في فايسبوك انستغرام وتويتر يقول فروم: ' "والسائح" ومعه الكاميرا التي تخصه رمز بارز لهذه العلاقة الإغترابية بالعالم وبما أنه مشغول باستمرار بالتقاط الصور فــ"هو" لا يرى فعل أي شيء قط باستثناء ما يراه من خلال وسيط الكاميرا. والكاميرا ترى بالنيابة عنه ونتيجة رحلته "السارة" مجموعة من اللقطات الخاطفة التي هي البديل من التجربة التي كان بإمكانه أن يعيشها ولكنه لم يعشها' 19
    لقد تقلص حجم الواقع وصار وهما أو شبحا مقابل إغراق المجتمع في اللإفتراضي والرقمي الذي قام بالسطو على مسافات شاسعة من أرض الواقع يقول الفيلسوف الألماني غانتر أنديرس "عندما يصبح الشبح واقعيا فإن الواقع هو الذي سيصبح شبحا ". ولكن إذا كان السيلفي أو الصورة وسيلة لإذابة جليد الشك من حول الذات وتحقيق حالة من الطمأنة فلماذا لا نرها تتوقف في نقطة ما لماذا هي حالة من الرغبة الغير قابلة للإشباع تقول الز غودار: 'بقدر ما أشك في "أنا" بقدر ما أسلفي ومع ذلك بقدر ما أوسلفي بقدر ما أشك. إنها حلقة مفرغة تحاصر "الأنا" وتحكم عليها أن تعيش مخاضا دائما لا يمكنه تجنبه فهي بلا أفق للتفتح وفي حركة دائمة. والمشكلة تكمن في أنها من الصعب الخروج من الشك في الأنا: إن نظرة الأخر على عكس كوجيطو ديكارت لا تكفي لكي نغير من نظرتنا لأنفسنا. فلن يكون عدد اللايكات كافيا ولذلك فما قد يشكل طمأنة يمكن أن يكون مصدرا للقلق' 20
    السلطة القمعية للصور
    إن الصورة حاملة للإنفعال كما أن الصورة في الإتصالات تعني صورة في العقل وبحكم أننا عرضة لسيل من الصور المتجددة اللامحدودة صرنا وعاءا انفعاليا نقبع تحت سطوة الصورة كسلطة فارضة للإنفعال صورة تستثير عنوة شعور الحزن وصورة تستثير عنوة شعور الضحك واللهو ولا يفصل بينهما سوى ومضة زمنية صغيرة لا تترك لنا مجالا للتفكير بأننا أصبحنا تحت سلطة قاهرة تفرض علينا تطبيق الأوامر الإنفعالية تقول إلزا غودار: 'إنها تعطينا أيضا الإنطباع بأننا لم نعد أسياد انفسنا: نحن مضطرون للإنتقال من الضحك إلى البكاء ومن البكاء إلى الضحك. فأنانا تفلت منا باستمرار' 21
    إننا هنا أمام حرية مزعومة للعرض توهمنا بأن هناك تحررا مزعوما من الأشكال الصريحة للسطة بينما عمليا هي متضمنة لعملية "فرض" لصور لم نسع لرؤيتها أصلا تثير فينا انفعالات لم تترك لنا مجالا حتى لاستيعاب وفهم تلك المشاعر داخليا إذ وقع تنميطها في أشكال الإيموجي والتي هي عبارة عن إعادة نمذجة للميول الوجودية ontologiques للإنسان فالإيموجات تقوم بترويض الأفكار والإنفعالات واختزالها في أشكال تنميط للمشاعر والأحاسيس لقد تساوت كل الإنفعالات في كل الحالات مع كل الناس. 'إن بعث إيموجي –قلب- إلى الأم أو إلى الإبن لقول شكرا سيكون له نفس قيمة القلب المرسل إلى حبيبة نطلبه للزواج ؟ وبذلك تحكم الإيمو-أيقونات على الذات بتطبيع إنفعالي وتقضي على كل أشكال التمييز فليس المطلوب فيه هو الغوص في الأعماق بحثا عن الحقيقي والأصيل في الذات: يكفي لذلك لصق صورة ' 22
    الإتجاه التسويقي
    يستمد الفرد معرفته بذاته في مجتمع ما بعد المعلومات بناء على المعطيات الحسية المتأتية من الخارج بعيدا عن تجاربه الذاتية السابقة هذا التفاعل مع الخارج ينتج لنا ما يسميه ألفن توفلر الذات الغشتلطية أو الصُوَرِية وهي ذات تُبنى وفقا لما يُعرف بقانون الشكل ..قانون التشابه..قانون التقارب..قانون الإغلاق..قانون التشارك وهي مصطلحات ومفاهيم مستمدة من علم نفس الشكل أو علم نفس الغشطلت حيث الوعي يتعامل مع الأخرين على أنهم نماذج وظيفية يتم تعديل الذات وفقا لما ترصده الحواس من تلك النماذج البصرية الماثلة أمامه. وهي نماذج في غالب الأحيان تكون مخادعة أو محدودة كأن تكون مجرد نماذج تسويقية غير واقعية أو نماذج مبنية على معطيات حسية مغلوطة كالفيلتر والتعديل الصُّوَرِي. إن الذات في مجتمع ما بعد المعلومات مطابقة لبناء الذات في علم نفس الشكل وهي سيكولوجيا فردية تركز على الذات العارفة كمصدر وحيد للمعرفة أدت إلي توليد مجموعة من السلوكيات الأنانية لدي الأفراد وغذت ما يدعوه النقاد بالوعي المتناغم monolithic conscience وهو التشجيع باستمرار على مقارنة الذات مع النماذج الوظيفية role models وتعديل نمط وأسلوب الحياة مقارنة بتلك النماذج الأسلوبية وطريقة حياتها.
    إن "الأنا" في مجتمع ما بعد المعلومات مطالب بمعرفة شروط ونموذج الشخصية الناجحة والشخصة الناجحة هي الشخصية الرائجة والأعلى سعرا فهذا هو مقياس الذات المثالية والسلطة الخفية التي تخبر المرء كيف يجب أن يكون ومن هنا يأتي التماثل فيحاول الشاب أو الشابة أن تتشبه في تعبيرات وجهها في لباسها تسريحة شعرها أكلها شربها إيماءاتها بنجم أو نجمة مرتفعة السعر سواء في سوق شخصيات الموضة أو السنيما أو الرياضة أو الغناء أو الإعلام أو حتى علماء أو دعاة فالمعرفة نفسها تصبح سلعة غرضها ترويج شخصية لا ترويج المعرفة كقيمة.
    إن "الأنا" صارت بضاعة تجارية يتم تسويقها كل فرد هو موزع لصورته الخاصة بصفته نجما أو بطلا أيقونيا تقول إلزا غودار: 'فمع التسويق الذاتي لا يكتفي الوجه السيلفي بأن يكون صورة بل يكون أيقونا أيضا Eikon يدعو إلى الإحتفاء والتزلف والعبادة وذلك بفضل الشعبية. لا يكفي أن نعيش يجب أن نباع أيضا وهكذا يتحول الأيقون السيلفي إلى ألوهية جديدة يجب عبادتها بكل ثمن باسم مجتمع الإستهلاك' 23 ويقول ميشال مافيزولي: 'ليس ثمة من منتوج بدون صورة تجعله معروفا وتمكن من تداوله ونشره وبيعه فلا شيء يفلت من هذا التشكيل' 24
    لقد تحول المجتمع شيئا فشيئا إلى حلبة لعرض أنواتنا (جمع أنا) حيث يعتمد النجاح إلى حد كبير على مسألة كم يجيد الشخص بيع نفسه في السوق كم يجيد إبانة شخصيته كم هو "حزمة" ظريفة وهل هو "بهيج" "عدواني" "موثوق به" "طموح" "شهادته العلمية" "فريقه المفضل" لونه المفضل لباسه المفضل إنه شبيه بالتوجه التسويقي الذي تحدث عنه فروم في كتابه الإنسان من أجل ذاته تحدث عن سوق الشخصية personality market وهذا السوق يتكون حسب فروم من موظفين وباعة ومدراء تنفيذ وأطباء محامين وفنانين إنه لصحيح أن أوضاعهم القانونية وأحوالهم الإقتصادية مختلفة ولكنهم جميعا يعتمدون في نجاحهم المادي على القبول الشخصي بهم من الذين يحتاجون إلى خدماتهم أو الذين يستخدمونهم. ومبدأ التقدير هو نفسه سواء في سوق الشخصية أو سوق السلعة. 25
    ويعتبر فروم أن الشخص لم يعد معنيا بحياته وسعادته ولم يعد يَخبَرُ نفسه بوصفه فاعلا نشيطا بوصفه الحامل للقدرات الإنسانية. وإحساسه بالذات لا ينبع من نشاطه بوصفه فردا محبا أومفكرا بل بأن يغدو رائجا وبالتالي لا يكون الإختلاف بين الناس إلا من حيث سعرهم في السوق وهذا الشعور يمكن أن يقارن حسب فروم بشعور سلعة بشعور حقيبة يد على منضدة في دكان يقول إذا أمكن للسلع أن تشعر وتفكر فإن كل حقيبة يد ستحاول أن تجعل نفسها "جذابة" ما أمكن لتجذب الزُّبُن وتبدو غالية ما أمكن لتنال سعرا أعلى من منافساتها. والحقيبة التي تباع بالسعر الأعلى ستشعر أنها مزهوة مادام من شأن ذلك أن يعني أنها السلعة "القيمة" والسلعة التي لم تُبع ستشعر بالحزن وتقتنع بعدم قيمتها 26
    وحتى إذا لم يستطع أن يكون رائجا مثلهم فيكفيه أن يتشبه بهم فبالنهاية شخصيته أو صورته عن ذاته تتطابق أو تشبه الشخصية الأعلى سعرا..إن استحواذ الفرد على ذوات إفتراضية مركبة لن يساعد إلا على تحييد الأنا الفعلي وإقصائه ذلك أن عالم اليوم القائم على قوانين علم نفس الشكل أفرز (( تنوعا مدهشا للنماذج الوظيفية والأساليب الحياتية التي يقارن الفرد خصائصه بها وبدلا من إعطائنا خيارات من الهويات المتماسكة لنصطفي منها ما يلائم طلب منا ضم الاجزاء إلى بعضها البعض لتكون الكل الكامل: الأنا الصوَرية أو المعدلة التردد modulater وهذا وضع صعب يفسر بحث ملايين الناس اليائس عن هوية... إن ثورة الإتصالات تعطي كل منا صورة مركبة عن الذات وتسرع العملية التي نجرب من خلالها صور تختلف عن صور ذاتنا... إننا نمتلك وسائل الوعي والعالم الذي ندخله ناء جدا عن تجاربنا السابقة والذي تهتز له باعتراف الجميع كافة النظريات السيكولوجية وما هو واضح بصورة مطلقة أن قوى جديدة تهب معا لتحويل وتغيير الشخصية الإجتماعية لاستخراج خصال معينة وقمع أخرى وبالتالي التغيير الكلي 27

    نظم المراقبة الشاملة Mass surveil-lance
    الأوليغارشية الفائقة: وادي السيليكون Silicon Valley /اللوغاريتمات
    سلوك الإنسان ميولاته الواعية أو اللا واعية رغباته أفكاره جميعها قابلة للبرمجة في مجتمع مابعد المعلومات فاللوغاريتمات تجمع المعلومات تكررها ثم تحدد وتوجه كل حسب رغبته وميولاته الشخصية. إن كل نقرة وإن كانت بسيطة لا نلق لها أي اهتمام كاللايك أو كومنت بسيط أو حتى مجرد التصفح تكشف عن رغبة أو ميل فينا أو رأي في السياسة والإجتماع والإيديولوجيا.. تطورت أشكال الرقابة وتنوعت بشكل مهول مواقع وتطبيقات تبرم معك عقدا يستبيح معطياتك الشخصية مقابل الخدمة المجانية التي يقدمها فعندما تفتح حساب عليك أن تملأ مطبوع رقمي يصف هويتك ويرقمن حياتك الواقعية ثم يكفي أن تضع علامة X على خانة "هل تقبلون بالشروط العامة للإستعمال" حتى يقوم اللوغاريتم بهضم معطياتك الشخصية واستيعاب كل الآثار التي نتركها في عالمهم الرقمي ومن ثم لا نكون إلا أمام حرية مزعومة للعرض فلا يرى المبحر نفس نتائج يراها مبحر آخر ولا يرى الإشهار ذاته ولا العروض التجارية نفسها نوعية الأطعمة والمشروبات والملابس أو المقالات والصور والفيديوات الأفلام الكتب الموسيقى المفضلة مواعيد عمله ونومه غذائه تحديد شبكة أصدقائه وعائلته كلها تُكَيَّف حسب ذوقه وانفعالاته وأفكاره وعلاقاته الإجتماعية أي من خلال تصرفاته كإنسان على الشبكة فمن خلال اللوغاريتم يتم بيع خصوصياته النفسية والعقلية والإجتماعية لفائدة المؤسسات التجارية حتى يكيفوا عروضهم مع حاجيات وميولات المستهلك أو استخدامها لفائدة المصالح الإستخباراتية.
    إن اللوغارتميات ليس فقط غير محايدة ورقابية...بل كذلك عنصرية ومتحيزة فيما يخص القضايا الإنسانية والسياسية فاللوغارتيمات تستخدم من قبل القطب المنتج والمتحكم للتأثير على توجهات الجماهير وانفعالاتها تجاه قضية ما أو انتخابات معينة. كذلك هناك مصطلحات ومواقف ترفضها اللغريتمات وتححددها كــ spams لكونها مخالفة للتوجه العام الذي لا بد أن تسير فيه البشرية.. إن اللغارتيمات عنصرية حتى في جانب اللون تقوم على معايير سوسيوديمغرافية متحيزة فقد 'كتب الأستاذ في هارفارد لانتانا سويبر lantana sweeper اسمه ولقبه في غوغل ظهر اشهار خاص بالمقاضاة يقترح عليه لإطلاع على سجله الجنائي. لماذا أوحت هذه النتيجة بأنه قد يكون موضع مساءلة قانونية ؟ لسبب بسيط وهو أن اللوغاريتم اعتقد أن الاسم لامرأة إفريقية أمريكية واستنتج أنه من المحتمل أن تكون لديها مشاكل مع العدالة فاللوغارتميات ليست فقط غير محايدة إنها تتضمن أحاكاما عنصرية أيضا' 28
    إننا امام إعادة صياغة لوغاريتمية للبشرية تتحكم في مراكز الإهتمام وتستوعب كل الآثار التي نتركها في العالم الرقمي حتى الإيمايلات لا تتمتع بطابعها الشخصي فبدوعى مقاومة رسائل الـspams تقوم غوعل بتكرير وتحليل ونسخ كل الإيمايلات وهنا 'يروي يانيك بولوري رئيس مجموعة شركات هافاس قصة سفره لسان فرانسيسكو لحضور اجتماع ثم عند وصوله تساءل أمام رؤساء المؤسسات: عندما حطت بنا الطائرة شغلت هاتفي وتلقيت رسالة نصية تخبرني أن هناك بجانب فندقي مطعما يابانيا يقدم السوشي سومون بتخفيض 15 في المائة . فأقلقني هذا النص فقد كانت وجبتي المفضلة وفي اليوم الموالي في مونتين فيو في مقل غوغل أخبرتهم بهذه الحكاية وتسائلت من يكون هذا الذي بعث لي هذا الإشهار فرد أصحاب غوغل نحن من فعل ذلك لقد حددنا موقعك منذ نزولك لقد اطلعنا على مذكرة بريدك وعرفنا في أي فندق ستننزل وأنك تحب السوشي سومون وهكذا اشترينا لك في الحال اشهارا يدعوك إلى مطعم بجوار الحي الذي ستقطن فيه' 29
    هذا المكان الذي حل به يانيك بولوري هو وادي السييكون Silicon Valley السلطة أو القطب الذي تتركز بيده جميع المعطيات والمعلومات لغالبية الأفراد حول العالم إنها أوليغارشية فائقة تقع في خليج سان فرنسيسكو بكاليفورنيا الأمريكية ففي هذا المجمع تطور وتنتج الشرائح والرقاقات السيليكونية وهوالأول في مجال التطوير المعلوماتي والتكنولجيا الفائفة high technology وتقيم بهذا الوادي ما يفوف ال1000 شركة عملاقة google..yahoo..apple..intel..tesla..facebook..twit ter وغيرها وفيه مراكز الأبحاث والمختبرات المتطورة ويضم أيضا جامعة stanford التي تُخرِّج علماء الوادي والمبرمجين. ملاك تلك الشركات يمثلون اوليغارشية ملوك تحتكر المال والنفوذ والتقنية وتحتكر المعلومات الاسخباراتية حول شعوب العالم بشكل مرعب لقد كان يخصص قديما إمكانات بشرية ولوجستية مهولة من قبل الإستخبارات التقليدية للحصول على جزء ضئيل من المعلومات هو هويات أشخاص بعينها أما اليوم فما تعرفه وكالة الأمن القومي NSA الأمريكية عن المواطنين الألمان أكثر مما كان يعرفه عنهم جهاز الأمن السري ستازي stasi في زمن ألمانيا الشرقية ولم يسبق للأنظمة الشيوعية والفاشية أن جمعت هذا الكم الهائل من العلومات حول كل مواطن من مواطنيها.
    التكنولوجيا المحمولة والمدن الذكية
    قد تعتقد أنه يكفي للإفلات من هذه الرقابة أن تكون غير متصل بالشبكة المعلوماتية. أبدا أنت تحت الرقابة الشاملة بدءا من التكنولوجيا المحمولة وأنترنات الأشياء الكاميراوات والسمارت فون المشغل حتى خارج التغطية انظمة الج ب س. لاقطات وأساور ذكية لقياس عدد الخطوات والسعرات الحرارية المستهلكة وتسجيل دقات القلب والضغط الدموي والسكري..شركات تأمين في امريكا تقترح عدد الخطوات الأدنى ولوغارتيمات تعتني بالصحة كل حسب بروفايله وتمنح جوائز حسب النقاط المتحصل عليها وخوف المخالفين من أن لا يكون ضمن المعيار وهذه نتيجة المراقبة الشاملة.30. وصولا إلى المدن الذكية المستمرة في التوسع والإنتشار وهي مدن تلعب فيها الأرصفة وجدران الشوارع والقمامات دور المخبرين من خلال المعلومات الواردة من المجسات وأجهزة الإستشعار فحاويات القمامة عندما تمتلأ تنذر العمال وحجم الإضاءة يتحدد بعدد المترجلين ومجسات حول حركة المرور وجودة الهواء والضجيج والطقس وكاميرات المراقبة الذكية القادرة على قراءة ما تقوله الشفاه على بعد 200 متر إضافة إلى تقنيات يصعب التنبؤ بها مستقبلا نتيجة إدخال الحسابات الكمومية والأقمار الصناعية فائقة الصغر .إنها مدن تحتوي على نظام إيكولوجي متطور ونظام مرقمن كل شيء فيه مراقب وآمن هذه المدن الذكية التي باتت تستقطب أغنياء العالم و تتطور في كل مكان هي عبارة عن فضاءات مغلقة بحراسة أمنية مشددة شبيهة لحد التطابق بالانظمة السجنية شديدة الرقابة!
    التماثل والإغتراب
    إن الإغتراب والتماثل يعني باختصار أن يضيع الإنسان في الآخرين وهو نمط الخبرة بحسب تعبير فروم الذي يَخبَرُ به الشخص أنه غريب. إن كل نقرة توهمه أن العالم قرية وأن الإتصال شامل مع كل الناس والحال أنه يترحل وحيدا داخل اللازمان واللامكان فضاء افتراضي تحكمه اللوغاريتمات بعيدا عن العالم الواقعي يحاصره وهم الكم من كل مكان فالكل يسعى للغاية ذاتها ألا وهي تحسين رقمه إنه وهم الكم وهي غاية مخالفة لما صرح به صناع المواقع كونو قريبين من الأشخاص الذين تحبونهم إنها مجرد خدعة لأنهم صمموا لوغارتيمات تسحبك نحو وهم الكم بعرض قوائم لانهائية لصداقات مزيفة لأشخاص لا تعرفهم وسيصبح الأمر أكثر مأساوية عندما يقترح عليك فايسبوك صداقة شخص ميت أو يتمادى ليحرمنا من حقنا في النسيان عندما يعرض علينا باستمرار تاريخ ميلاد لأفراد متوفين عارضا علينا بروفايلاتهم مقترحا علينا تهنئتهم!. إن اللوغارتيمات توهمك أن الصداقة مجرد كم هذا اللإفتتان "بعدد الأصدقاء" يردعك عن الذهاب لأرض الواقع للبحث عن أصدقاء حقيقيين وبالتالي يختزل الإختلاف بين الناس إلى مجرد الإختلاف الكمي والنتيجة عزلة وهوس سيكولوجي متزايد يبدأ من البارانويا وينتهي بالعصاب الإستحواذي evrose obsessionnelle. ولهذا ازدادت ظواهر الإنحراف والعصاب والهوس والعنف كالسلفيات التي تعبر عن أفعال تراجيدية وساخرة في نفس الوقت كتلك التي يتم التقطاها في عزاء أو بجانب ميت أو حادث سير أو تلك التي مات أصحابها وانتهت بكارثة أو بجانب أطفال بدون مأوى إضافة إلى ازدياد حالات الإنتحار التي يتم بثها مباشرة على الأنترنات والتي تتم محاكاتها كأنموذج قابل للنسخ كغيره من النماذج فإذا ما كان الهوس والعصاب أنموذج فإن انتشاره ومحاكاته لن يستغرق كثير من الوقت في مجتمع النسخ 'فقد قدم السوسيولوجي الأمريكي دافيد فيليبس david philipps دراسة عن ظاهرة "انتحار محاكاتي" ولاحظ سنة 1982 تزايد عدد حالات الإنتحار بعد نشر الصحف انتحار بعينها ..وبقدر ما كان الترويج الصحفي للحادث مكثفا كان عدد حالات الإنتحار كبيرا وخلص إلى وجود علاقة وطيدة بين الإثنين' 31
    وإذا ما كانت العلاقة بين الأفراد هي علاقة نسخ فإن العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان هي كما يقول اريك فروم 'علاقة بين شيئين مجردين آلتين حيتين تستخدم إحداهما الأخرى فالمستخدَم يستخدم الأشخاص الذين يستخدمونه ...وكل شخص هو بالنسبة لشخص غيره سلعة...يتألف المجتمع الحديث من ذرات جزيئات يغترب بعضها عن بعض ولكنها تتماسك بالمصالح الأنانية وضرورة استفادة كل شخص من الآخر' 32
    إن قانون التماثل سلطة مجهولة مُغلفة تمثلها نماذج أو فهم مشترك خطورتها تكمن في كونها ليست سلطة تقليدية يشعر فيها الفرد بخضوعه وهو الشعور الذي يستفز سلوكيات المقاومة والتمرد إنه إحساس بكون الفرد ليس غريبا ولا مختلفا وليس لأحد سلطان عليه إلا القطيع الذي يكون فيه الفرد جزء منه وخاضعا له في نفس الوقت ينبغي له أن يفعل ما يفعله كل شخص ومن ثم عليه أن يتماثل ويجب أن يكون مستعدا للتغير وفقا للتغيرات في النموذج حتى لو خالفت الذوق السليم والأحكام القيمية.
    فهل هم سعداء ؟ يقول فروم قلق وشعور بالدونية ينشأ عن سلبية التلقف المستمر فالسلع والمناظر والطعام والشراب ولفائف التبغ والناس والمحاضرات والكتب والأفلام تستهلك كلها وتبتلع وهكذا في حركة مستمرة لانهائية وهو الملاذ الوحيد للإحساس بالهوية إنهم 'يتنازلون عن حريتهم ويضحوا بأفكارهم من أجل ان يتحدوا في القطيع ويتطابقوا فينالوا بذلك الإحساس بالهوية ولو أنه إحساس وهمي' 33
    ما بعد الإنسان: البدائية الجديدة
    إن عالم ما بعد الإنسان هو عالم ميت لغويا ومعرفيا. هو عالم بدائي على المستوى اللغوي والمعرفي حيث تراجعت لغة الكلمات أو خطاب العقل اللوغوس لصالح الخطاب عن طريق الصورة البيك سبيك pic-speech إننا أمام عالم يُكتب بالصُّوَر الحياة الموت الإنفعالات الأحاسيس تم اختزالها في بيكسالات أو رسم بسيط جاهز للرؤية تسميها الزا غودار اللغة الإيموجية نسبة للإيموجي Emoji 'وهي كلمة يابانية تربط بين الحرف والصورة واللغة الإيموجية مكثفة ولا تكف عن التطور فهناك ما يقارب 1200 رمزا قادرا على تمثيل النماذج الإنفعالية التي تتوفر عليها الذات' 34 واللغة اليابانية عموما هي كتابة بدائية قائمة على طريقة الرموز التصويرية تماما كما كان يفعل الإنسان قديما إذا ما أراد أن يعبر عن شيء كان يرسمه وكأن الحضارة الأحدث اليوم تسير بنا في مسار دائري عاد بنا إلى عصر الكهوف حيث يجتاح العالم الرموز التصويرية كلغة عالمية ولهذا تتساءل إلزا غودار بقولهاز 'تجتاح الصورة الهشة العالم بالمعنى الواسع للكلمة. لقد أصبحت لغتنا الأولى وهي لغة تكون عادة صعبة الفهم فهل عدنا لمرحلة الكهوف ؟' 35 . بل نراها لغة أدنى من لغة الكهوف إلا أن يكون الكهف المقصود هو كهف أفلاطون فلغة الحضارات القديمة التي دونت على جدران الكهوف هي لغة سيمولوجية بسيطة وبدائية ولكنها تستفز العقل فتكشف عن مكنون الذات ومحيطها وغالبا ما تكشف عن الأسرار الحياتية والمعرفية لتلك الحضارات بينما صور حضارة اليوم فهي إما قوالب جاهزة غير مفكر فيها gadget تلك التي تمثلها مجموعة السمايلات emoji أو صور صنمية بلا معنى وبلا تاريخ صور تدفع بعضها بعضا كالخيالات شبيهة بخيالات كهف أفلاطون الذي يروي لنا قصة عن جماعة من الناس مكبيلين بالأغلال من خلفهم نار تثير لهم خيالات وصور وهمية على الجدار الذي أمامهم والذي يعتبر عالمهم الخاص منتشين به رافضين الخروج للعالم الواقعي ولهذا يسمي صاحبي كتاب "الإنسان العاري" مارك دوغان وكريستوف لابي مجتمع اليوم بعبيد أفلاطون..إحساس الإنتشاء الجماعي هذا النابع عن انغماس جماعي في عالم افتراضي غير واقعي يولد صوفية هذيانية أو فن إظهار الأشباح fantasmagorie نوع من الروح العظمى "الشامانية" بتعبير فيليب ريجو يتم تحضيرها بشكل تخاطري انطلاقا من كل واحد من مستخدمي الانترنت. 36 هذه المشاركة التقنية مع الآخرين هي مشاركة وجدانية شبيهة بالمشاركة الوجدانية للإنسان قديما مع التمائم يقول ميشيل مافيزوليز 'فالإنسان ما بعد الحداثي الذي يداعب سيارته المفتون بسجالة الفيديو أو أي شيء من ذلك القبيل يشبه الإنسان البدائي الذي حين يمس التمائم أو يصرف بسخاء لشراء حلية من الأصداف البحرية يشارك في القوة الأصلية للعالم المحيط وأثناء ذلك تنشأ مشاركة وجدانية صوفية' 37
    إنه نوع من اللإفتتان بالوهم كما في الأسطورة الإغريقية (النرجسية) التي تتحدث عن نرسيس وهو شاب جميل رفض حب "نيمفاتشو" والتي ماتت كسيرة القلب فعاقبه نيميسيس بجعله يسقط في حب خيال صورته في مياه البحيرة وأثناء ممارسة إعجابه بذاته سقط في البحيرة ومات. تشير الأسطورة الإغريقية إلى ان هذا النوع من حب الذات هو في الحقيقة لعنة وأن شكله المتطرف سينتهي بتدمير الذات. 38
    إن بعد مابعد الحداثة لا تخلو من الأسطورة في كل أبعادها فتعزيز القدرات الذهنية والجسدية التعزيزات التقنية والتكنولوجيا الحيوية في سبيل تجنب المرض الموت والشيخوخة ليست إلا تعبيرا عن تلك الرغبات البدائية ذات الطبيعة الميثولوجية المنثورة في الأساطير الإغريقية التي تتمحور أحداثها حول تقمص دور الإله والسعي إلى الخلود الأبدي وهي ذات الفكرة التي لازمت الحداثة الغربية على مر تاريخها باعتبارها حضارة متمركزة حول "الإنسان الأسطورة" ...
    وعلى المستوى المعرفي أصبحت الذات مفرغة من الداخل ذات لا تراكمية معرفيا لقد تم القضاء على الذاكرة المعرفية التراكمية فعندما نُسأل عمن قام بالحملة الفرنسية أو من فتح القسطنطينية لا داعي لفتح الكتب وتنشيط الذاكرة وربط الأحداث بين الماضي والحاضر والمستقبل يكفي أن ننقر في غوغل ويكون الجواب بين أيدينا لقد خسرنا ذاكرتنا تنازلنا عن جزء من دماغنا واستغرقنا في الحاضرية présentéisme وزمن الحاضرية أو الراهنية هو " باختصار كما يقول ميشيل مافيزولي زمن الأسطورة فهذا الأخير كما وضح ذلك جيلبير دوران لا يقوم بالمفهمة إنه "حامل للصور" أو لنقل إنه لا يبرهن ولا يستعمل السيرورة التطورية للبرهنة بل يقتصر على الإبداء والعرض montrer ومن ثم ذلك التكرار والحشو الملازمان "للإبداء والعرض" 39
    إن إنتفاء المعرفة عن الإنسان في زمن يعرف فيضان على مستوى الإنتاج المعرفي قد تبدوا مفارقة paradox و مفارقة ساخرة أيضا ذاك ان ترجع بالإنسان الأحدث إلى مستوى الإنسان البدائي ( بمفهوم محدودية آليات المعرفة وليس بالمفهوم التطوري البيولوجي) فلقد أصبح من الصعب ملاحقة طوفان المعرفة حتى في أضيق المجالات يقول الدكتور والين رئيس قيم علم المحيطات بمؤسسة سميثسونيانز 'إنني أنفق ما بين 25 إلى 50 بالمائة من وقت عملي في حاولة للحاق بما يجري' ويقول الدكتور ايمليو سيرجر الحائز على جائزة نوبل في الفيزياءز 'من المستحيل أن تراجع كل ما يكتب عن الميزونات (جزيئات نووية) وحدها ويقول عالم المحيطات آرثر ستامبز 'حتى تستطيع أن تجد إجابة ما لا بد من فرض حضر على المطبوعات الجديدة حول موضوعها لمدة عشر سنوات' 40
    وهذا ينتج مراجعة مستمرة ومتزايدة لمخزوننا المعرفي الذي ينفي بعضه بعضا بسرعة يصعب إدراكها أصلا وهو ما ينفي مسمى المعرفة ويلغي علاقتها بالإنسان فالإنسان لم يعد يدركها وهذا يشمل كل مستويات المعرفة المختلفة ..يقول لورد جيمس نائب مستشار جامعة يوركز 'لقد حصلت على أولى دراجاتي العلمية في الكيمياء من جامعة اوكسفورد واليوم عندما انظر إلى أسئلة امتحانات الكيمياء بجامعة اوكسفور فإني لا أكتشف انه ليس باستطاعتي الإجابة عليها فحسب وإنما أكتشف أن ثلثي المدركات التي تتضمنها لم يكن لها وجود عندما تخرجتُ من الجامعة' 41
    مابعد الإنسان/موت الإنسان
    ماذا بقي من الإنسان إذا ما تم تجريده من وعيه بذاته وبالعالم ومن إنفعالاته ماذا بقي منه إذا تم تجريده من الذاكرة والمعرفة.. إنه يتحول آليا إلى وعاء فارغ ليس له من غاية في الحياة سوى أن يقع ملأه..إن سوق الهويات والشخصيات مزدهر في الحضارة الغربية اليوم بشكل يصعب تصديقه لقد تجاوزوا مفهوم الهوية الجنسية وحرية كل شخص أن يصنف نفسه رجل أو أمرأة أو "متحول" إلى مفاهيم أكثر قتامة فمن حق الإنسان في الغرب أن يقدم نفسه لمدرسه أو للأخر عموما باعتباره ديناصور أو دجاجة أو كلب أو طاولة أو أي شيء آخر ويكون المدرس أو الآخر مجبر على معاملته وفق ما يعتقد أنه هويته الذاتية وإلا يصنّف كاعتداء على حقوق الآخرين وقد يخسر وظيفته إن رفض ما يعتقده الآخر عن نفسه وهذه الفكرة رائجة اليوم وآخذة في الرواج أكثر فأكثر.
    ماذا بقي من الإنسان عندما تحل الآلة محل الأفعال الإنسانية وأحكامها القيمية فما قيمة العمل حين يحل الإنسان الآلي محل البشر في خطوط الإنتاج ماذا عن قيمة الخصوصية والتي هي ميزة بشرية تميزه عن غيره من الكائنات والأشياء..ماذا عن قيمة الأسرة التي تم اختزالها في جروب على الواتس اب..ماذا عن قيمة السيادة في ظل حصول شركات تكنولوجيا المعلومات على معلومات مواطني جميع الدول..ماذا عن قيمة الولاء والإنتماء في ظل التماثل التام..ما قيمة المسؤولية الإنسانية فيما لو أن سيارة ذاتية القيادة قتلت طفلا هل ستتم محاسبة نظام السياقة الآلية أم مبرمج هذا النظام أم صاحب السيارة أم صانع السيارة وهذا التساؤل ينطبق على جميع الآلات ذاتية القيادة من طائرات وآلات وغيرها.
    ماذا بقي من الإنسان عندما ينعدم فيه الضمير. فالإنسان الفارغ والمتماثل هو إنسان بلا ضمير. والضمير هو مركز الحكم الأخلاقي والقيمي في الإنسان يقول إريك فروم: ' كيف يمكن أن ينمو الضمير عندما يكون مبدأ الحياة هو التماثل. والضمير هو في صميم طبيعته غير متماثل فهو يجب أن يقوى على أن يقول "لا" عندما يقول كل شخص سواه "نعم" ولا بد لكي يقول هذه الـ"لا" من أن يكون واثقا بصواب الحكم الذي تقوم عليه الـ"لا" وإلى الحد الذي يكون فيه المرء متماثلا لا يستطيع أن يسمع صوت ضميره. ولا يوجد الضمير إلا عندما يكون الإنسان قد خبر أنه إنسان لا شيء ولا سلعة'42

    بعد الإنسان أو بعد مابعد الحداثة ليست إلا استمرارية لإيديولوجيا العلمية scientism والتي هي إيديولوجيا متحيزة تعادي الإنسان تعتبر أن ما يسري على الطبيعة من قوانين فيزيائية يسري كذلك على نوازع الإنسان النفسية وأفكاره ولذلك كانت مبادئ الحداثة الأولى من علوم إنسانية ومعرفية في اتساق تام مع الفيزياء الكلاسيكية فيزياء نيوتن ونظرتها الميكانيكية الحتمية للكون وفق نظريات عامة كبرى ثم تحولت تلك المبادئ نحو ابستيمولوجيا مابعد حداثية تتسم باللامركزية الفوضى وعدم التحديد في اتساق مع مبادئ الفيزياء الحديثة لنظرية الكم والنظرية النسبية ونظرية الفوضى كايوس وهي نفس ملامح المعارف المابعد حداثية التي يلفها الغموض وعدم التحديد والفوضى وقد جاء الآن الدور على بعد مابعد الحداثة التي تقدم نفسها كقطيعة مع مشروع الحداثة وما بعد الحداثة في حين هي في الواقع استمرار لنفس الإيديولوجيا العلمية أو العلموية scientism والتي تنقل في كل مرة العلوم الإنسانية والمعرفية من قاموس علمي تقني سابق إلى قاموس أحدث منه علميا وتقنيا ولهذا يتم الربط والدمج بين الإنسان والمعرفة مع مفاهيم الثورة البيولوجية والتكنولوجية الحديثة وأصبح يُنظر للإنسان على أنه مجرد "معالج إلكتروني" ولكن حتما ستتغير كل هذه المفاهيم وسيتم تجاوز بعد مابعد الحداثة فقط بمجرد ظهور معجم علمي وتقني أكثر حداثة فهذا هو الطريق الوحيد الذي سطرته المعرفة الإنسانية في الغرب للتقدم. ما يجعلها وفي كل الحالات -أي الفلسفة الغربية- غارقة في أَنَوِيّتها ومركزيتها المعادية للإنسان، لم تبارح مكانها، تنظر للإنسان بمنظور الثورة الصناعية في القرن السابع عشر والثامن عشر، مادة ملقاة على سطح الأرض.

    1- ما بعد الإفتراضي// فيليب ريجو ص18
    2- صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد//ألفن توفلر ص10
    3- المرجع السابق ص36
    4- المرجع السابق ص39
    5- أنا أسيلفي إذن أنا موجود//إلزا غودار ص55-56
    6- صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد//ألفن توفلر ص39 -40
    7- المرجع السابق ص34
    8- تأمل العالم الصورة والأسلوب في الحياة الإجتماعية//ميشيل مافيزولي ص143
    9- جدل التنوير هوركهايمر وأدورنو ص164-165-169
    10- الإنسان العاري الدكتاتورية الخفية للرقمية//مارك دوغان وكريستوف لابي ص112
    11- صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد//ألفن توفلر ص361-369-372
    12- المرجع السابق ص370-371
    13- المرجع السابق ص373
    14- ص77
    15- تأمل العالم الصورة والأسلوب في الحياة الإجتماعية//ميشيل مافيزولي ص100
    16- أنا اوسلفي إذن أنا موجود تحولات الأنا في العصر الإفتراضي//إلزا غودار ص80-81
    17- المجتمع السوي//اريك فروم ص249
    18- المرجع السابق ص245
    19- المرجع السابق ص249
    20- أنا اوسلفي إذن أنا موجود تحولات الأنا في العصر الإفتراضي//إلزا غودار ص84
    21- المرجع السابق ص105
    22- المرجع السابق ص104
    23- المرجع السابق ص79
    24- تأمل العالم الصورة والأسلوب في الحياة الإجتماعية//ميشيل مافيزولي ص132
    25- الإنسان من أجل ذاته//اريك فروم ص101
    26- المرجع السابق ص102-103
    27- حضارة الموجة الثالثة//ألفن توفلير ص429-430
    28- الإنسان العاري الدكتاتورية الخفية للرقمية//مارك دوغان وكريستوف لابي ص48
    29- المرجع السابق ص29-30
    30- المرجع السابق ص86
    31- أنا اوسلفي إذن أنا موجود تحولات الأنا في العصر الإفتراضي//إلزا غودار ص157
    32- المجتمع السوي//اريك فروم ص251
    33- المرجع السابق ص171
    34- أنا اوسلفي إذن أنا موجود تحولات الأنا في العصر الإفتراضي//إلزا غودار ص104
    35- المرجع السابق ص93
    36- ما بعد الإفتراضي//فيليب ريجو ص195
    37- تأمل العالم الصورة والأسلوب في الحياة الإجتماعية//ميشيل مافيزولي ص133
    38-جوهر الإنسان//اريك فروم ص89-90
    39- تأمل العالم الصورة والأسلوب في الحياة الإجتماعية//ميشيل مافيزولي ص120
    40- صدمة المستقبل المتغيرات في عالم الغد//ألفن توفلر ص162
    41- المرجع السابق ص162-163
    42- المجتمع السوي// اريك فروم ص289
    التعديل الأخير تم 09-10-2023 الساعة 09:20 PM
    التعقيد في الفلسفة عقيدة، يُحرَّمُ الإقتراب منها بالتبسيط أو فك الطلاسم.
    ذلك أنه من خلال التبسيط يتكشَّف المعنى السخيف -لبداهَتِه أو لبلاهَتِه- المُتخفي وراء بهرج التعقيد وغموض التركيب..

    مقالاتي حول المذاهب والفلسفات المعاصرة


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء