النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: لمحة عن الفكر الأخلاقي في الفلسفة اليونانية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مِصر
    المشاركات
    34
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي لمحة عن الفكر الأخلاقي في الفلسفة اليونانية

    فلسفة الأخلاق



    يقوم بعض فلاسفة الأخلاق بتعريف الإنسان بأنه حيوان أخلاقي، فهو لديه الصفات الحيوانية لأنه يشارك الحيوانات في الرغبة لإشباع رغبات الجسد وحاجات الغريزة، فهو يسعى دومًا إلى البحث عن المأكل والمأوى والرفيق والعائلة لكي تستمر حياته ويحفظ نوعه، ويصدر عن سلوكه أمور طبيعية مثل الحب والكراهية، لكن الإنسان ينفرد عن الحيوان بخاصية التأمل العقلي، فهو يستطيع أن يتجرد من شهواته ويفكر ويتأمل، وهو لديه وعي ويستطيع أن يتخذ القرار وأن يضبط دوافعه وأن يسيطر على أهوائه وأن يُوجِّه قراراته، فهكذا يكون الإنسان هو الكائن الأخلاقي الوحيد الذي يحمل القيم الأخلاقية التي ترد للإنسان كرامته وتجعله ساميًا عن أية دوافع مادية وطبيعية، وفي الواقع فإن الإنسان لا يستطيع أن يترك واقعه الطبيعي المادي لأنه جزء منه لكنه يستطيع تسيير هذه الطبيعة لتحقيق قيمه السامية، وأيضًا فإن الإنسان حر، أما الحيوان فهو خاضع لنزواته ودوافعه ولا يستطيع الاختيار، فإذًا الإنسان هو الحيوان الأخلاقي القادر على تسيير حياته وسلوكه حسب المبادئ والقيم الأخلاقية فيسمو فوق الحيوان ليصبح الإنسان.

    لُغويًا، فكلمة (الأخلاق) في العربية جمع (خُلُق)، وفي لسان العرب تحت مادة (خلق) يقول ابن منظور: "الخُلُق السجيَّة والطبع والمرؤَة والعادة والدِّين"، وفي القرآن:"إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ"(1)، وفي الحديث: "إنما بعثت لأتمم مكارم [وفي رواية "صالح"] الأخلاق"(2). أما في الإنجليزية فكلمة Morals فهي مشتقة من الكلمة اللاتينية Mores جمع Mos، وكلمة Ethics التي تعني الأخلاق أيضًا مشتقة من كلمة Ethos اليونانية (3).

    اصطلاحيًا، فعلم الأخلاق لديه الكثير من التعريفات شأنه شأن العلوم الإنسانية، البعض يعرفه فيقول بأنه علم العادات (ونلاحظ أن هذا التعريف متأثر بالأصل اللغوي، والواقع أنه ليس دقيقًا فالعادات ليست إلا أشكالاً من السلوك الذي ترسخ من كثرة التكرار فهذا التعريف يلغي دور الاختيار)، والبعض يعرفه بأنه علم الخير والشر على أساس أن أهمية فلسفة الأخلاق تكمن في توضيح القيم وبيان الشر من الخير، وتعريف ثالث يقول أن علم الأخلاق هو المعايير التي تقنن سلوك الإنسان وتجعله يسمو روحيًا، أي أنه يقول بأن فلسفة الأخلاق هي مجموعة من اللوائح التي يجب أن يكون عليها الإنسان (نلاحظ أنه لا يتكلم عن الواقع بل عن المفروض).

    علم الأخلاق نظري بحت، فحينما يبحث الفيلسوف لا ينتظر عملاً أو تطبيقًا، يبحث فقط من أجل البحث عن الحقيقة في السلوك الإنساني، لذا هناك فرق بين السلوك وعلم الأخلاق فالإنسان يستطيع أن يسلك سلوكًا حسنًا ويسمو روحيًا دون أن يعرف علم الأخلاق، وممن أكدوا هذا الرأي من الفلاسفة المحدثين آرثر شبنهاور (Arthur Schopenhauer) فقال أن الأخلاق مبحث نظري لا يتسم بأي طابع علمي أو تطبيقي مثله مثل المنطق أو ما بعد الطبيعية، فالأخلاق لا تأمرنا ولا تفرض علينا أي شيء، وأن حياة الإنسان تمضي دون أن تهتم بالأخلاق التي لا يمكن أن تعطينا ما ينبغي أن يكون (4)، لكن الكثير من الفلاسفة رفضوا هذا الرأي لأننا إذا قلنا أن الأخلاق تهتم بالكشف عن حقيقة المعايير في السلوك الإنساني فهذا لا يمنعنا من أن نتعرض لنقد المعايير الخُلُقية القائمة، وبالتالي لا بد أن تكون الأخلاق عملية، فالمسألة خلافية إذًا بين فريقين أحدهما يؤكد أن الأخلاق نظرية والآخر يؤكد أنها عملية، لكن هناك فريق ثالث يقول أن الأخلاق تجمع بين الجانبين النظري والعملي، وهذا دفع البعض إلى التمييز بين الأخلاق النظرية والعملية، فقالوا أن الأخلاق النظرية تدرس الضمير والخير والشر والقيم والبواعث والمُثُل العليا والإرادة والاختيار، والأخلاق العملية تدرس الواجبات المختلفة على الإنسان مثل واجبه نحو نفسه ونحو ربه ونحو عائلته وأصدقائه ووطنه.

    هل الأخلاق نسبية أم مطلقة؟ .. يقول البعض أن عصرنا هذا هو عصر المرونة والتحرر من القيم الأخلاقية (*)، ويقولون أننا لو ربطنا الظاهرة الأخلاقية بعجلة التغير الاجتماعي فحتمًا سنصف الأخلاق بالنسبية، فصار هناك فريق يقولون بالنسبية الأخلاقية ويعارضون القيم المطلقة على اعتبار أن الطبيعة البشرية واحدة في كل زمان ومكان، ومن ثم فيمكننا أن نُشرِّع للإنسانية في جملتها، ويستندون على بعض الدراسات الحديثة في علم الإتنوجرافيا (**) التي تثبت أن للشعوب البدائية أساليب مختلفة في التفكير والشعور والعمل والسلوك عن الشعوب المعاصرة بحيث نستطيع أن نقول أن لكل عصر ومجتمع مفهومه عن الإنسان، ويؤكد أنصار هذا المذهب أن الأحكام الأخلاقية في جوهرها أحكام وجدانية تستند إلى العواطف وتركز على الانفعالات، وهي تختلف من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان ومن فرد إلى فرد، لكن هؤلاء وقعوا في خطأ عدم تمييز، فهم لم يميزوا بين المبدأ الخلقي وبين المظهر السلوكي، فمعروف أن القواعد السلوكية تختلف باختلاف الزمان والمكان ولكن المبدأ ذاته هو ثابت لا يتغير، على سبيل المثال فالمبارزة من أجل الشرف كانت مقبولة في عصور ماضية لكنها مستنكرة الآن (المظهر السلوكي) لكننا الآن ندافع ولا نستنكر الدفاع عن الشرف (المبدأ الخلقي)، فالقواعد السلوكية قد تتغير لكن المبادئ الخلقية ثابتة مطلقة.

    هل لفلسفة الأخلاق فائدة؟ .. قال الفيلسوف الإغريقي سقراط (Socrates) أن الفضيلة علم والرذيلة جهل، أي أن الإنسان حينما يعرف الفضيلة يكتسبها فيستحيل أن يعرف الإنسان الفضيلة ولا يمارسها، فسقراط هنا يدعو إلى المعرفة فلو أننا درسنا علم الأخلاق لأقبلنا على الفضائل وأدبرنا عن الرذائل، لكن على الجانب الآخر نجد بعض الفلاسفة يرفضون هذا القول، مثل هربرت سبنسر (Herbert Spencer) فهو يسخر من حماسة الفلاسفة الأخلاقيين في محاولاتهم لنشر القيم الأخلاقية، ويقول أننا كثيرًا ما رأينا علماء عارفون لكن فاسدون أخلاقيًا، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وكثيرًا ما نجد عامة جهّال مستقيمون أخلاقيًا، فالأخلاق لا تُعلَّم ولا تكون علمًا، لكن في الواقع فإن علم الأخلاق ليس بمقدوره أن يغير أفعال الناس ويقلبها كما يريد، لكنه مع ذلك لديه تأثير على بعض الناس وباستطاعته أن يهديهم إلى طريق الصواب، على سبيل المثال ففيلسوف الأخلاق مثل الطبيب الذي ينصح المريض بأن يمتنع أن يشربعن مشروب كذا، لكنه لا يستطيع أن يجبره على الامتناع، فعلم الأخلاق ليس ضمانًا أكيدًا على تسوية الأخلاق، وعدم معرفته لا تمنع أن يكون الإنسان على قدر عال من الأخلاق، لكن الأمر كله أن دراسة الأخلاق تمد صاحبها بالخبرة والدقة في تقدير السلوك الأخلاقية والحكم عليها، وهناك فرق بين حُكْم مرجعه البحث والدراسة وحكم مرجعه العادات والتقاليد.


    سقراط والسُفسطائيون

    حينما عبر السفسطائيون عن ضيقهم من القيم الأخلاقية التي كانت سائدة في عصرهم، بدأوا في هدمها ليمهدوا الطريق إلى بناء قيم أخرى أصلح وأسلم، وكانوا بهذا الموقف يمثلون النزعة الإنسانية من ناحية، ومن ناحية أخرى يمثلون عصر التنوير في الفكر اليوناني، لكن بعد أن بدأت أفكار السفسطائيين في الانتشار وترويجهم لآرائهم حول إنسانية القيم ونسبيتها والطابع الاتفاقي الاجتماعي الذي تمتاز به، كانت هذه الأفكار بمثابة هدم لأساسيات في الحياة الاجتماعية عند اليونان، فمن الطبيعي أن يأتي أشخاص من هذا المجتمع ليردوا على تلك الآراء ويدحضوا حججهم، فظهر سقراط الفيلسوف اليوناني الشهير الذي أعاد لليونانيين اتزانهم الأخلاقي بعد آراء السفسطائيين الهدَّامة، ويعتبره البعض أول مؤسس لعلم الأخلاق، فناهض سقراط السفسطائية منذ بداية حياته الفلسفية ولاحق السفسطائيين في كل مكان وظل يحاورهم في الأسواق ويجادلهم بالمنطق ويفضح جهلهم ويكشف مقصادهم، إلا أننا علينا أن نوضح نقطة في غاية الأهمية، فسقراط ليس بطل العادات والتقاليد اليونانية، فنرى مثلاً سخرية بعض أبطال العادات والتقاليد منه مثل المسرحي الكوميدي الشهير أرسطوفانس (Aristophanes) في مسرحية (The Clouds) أو السحب (3)، فنجد أرسطوفانس أظهر سقراط على أنه واحد من السفسطائيين، لكن سقراط ليس بسفسطائي طبعًا، وهو ضد أفكارهم الهدامة التي تخل بأسس أخلاق المجتمع، ومع هذا فهو ليس من المتشبثين بالعادات والتقاليد، أي أننا يمكن أن نقول عنه أنه (وسطي)، قال سقراط بأن الإنسان يمكنه أن يتوصل بعقله إلى مجموعة من المبادئ الأخلاقية التي تجعله يتمكن من التوفيق بين المنفعة الشخصية والمنفعة العامة، ويمكن أن تكون هذه المبادئ صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان، ونحن نجد أن السفسطائيين قدموا مصطلحات بليغة رنانة مثل "العدالة شريعة الأقوى" التي قالها ثراسيماخوس (Thrasymachus) و"الإنسان مقياس الأشياء كلها" لقائلها بروتاجوراس (Protagoras)، لكن سقراط بدأ في البحث عن الأخلاق الأرستقراطية وأخلاق الأسواق، فلم يجد القاعدة الكلية الواحدة التي كان يبحث عنها، واضطر إلى أن يقول بضرورة وجود هذه القواعد الكلية التي بدون وجودها لن نستطيع أن نسوغ الأفعال الإنسانية.


    سقراط: الفضيلة علم والرذيلة جهل


    أغلب المعلومات التي نعرفها عن سقراط هي من أفلاطون (Plato) في محاوراته الشهيرة، وهي محاورات يكون سقراط فيها المحاور البليغ الذي يفحم مجادليه، والعلماء المحققون انقسموا في هذه المسألة ثلاث فرق، الفرقة الأولى تعتقد أن سقراط هو الذي حاور في هذه المحاورات وأن أفلاطون سجلها في الصحائف، والفرقة الثانية تعتقد أن أفلاطون هو صاحب هذه الآراء والمحاورات وأنه استخدم سقراط كشخصية أدبية تقديرًا لمعلمه، والفرقة الثالثة - وهي الغالبة بعد الدراسات الحديثة - تعتقد أن المحاورات المتقدمة لأفلاطون تعبر عن آراء سقراط والآراء المتأخرة تعبر عن آراء أفلاطون لما لاحظوه من اختلاف كبير بين المحاورات المتقدمة والمتأخرة، وإذا اعتمدنا آراء الفرقة الثالثة أن المحاورات المتقدمة هي محاورات سقراطية وأن المحاورات المتأخرة هي محاورات أفلاطونية، فسنجد أن المحاورات السقراطية تركز بشكل أساسي على نقد المعتقدات المنتشرة في المجتمع آنذاك، والطرق إلى تغييرها، أما المحاورات الأفلاطونية فنجد أن ذلك تم وظهرت نتائج إيجابية كثيرة، وكذلك فالأولى تبحث في تعريف المفاهيم الأخلاقية، والثانية تهتم بتقديم تبريرات للتأمل في الحياة بطريقة تَحتَقِرُ فيهالذات الحواس لصالح ذات العقل، وأيضًا فالأولى تأتي على صورة نقاشية، أما الثانية فهي أكثر ديالكتيكية، وقد ذهب فريق من العلماء المحققين إلى أن الحديث في فلسفة الأخلاق عن سقراط وأفلاطون هو حديث واحد، فيمكن أن يكون أفلاطون قد قال بآراء غير آراء سقراط في الميتافيزيقا والمنطق والسياسة ولكنهما لا يختلفان في مسائل فلسفة الأخلاق، ويصعب على الناظر المدقق أن يفرق بين آرائهما، وعلى هذا الرأي فيكون أفلاطون مجرد مُسجلِّ لما قاله سقراط في الأخلاق، ومن أنصار هذا الفريق الدكتور بارتملي سانت هلير (Barthélemy Saint Hilaire) الفيلسوف والمؤرخ ووزير الخارجية الفرنسي (6)، والواقع أنه لا يمكن أن نسلم بهذا الرأي تسليمًا كاملاً كما سنوضح الآن، حينما كان سقراط يسأل (في المحاورات المتقدمة) عن معاني المفاهيم الأخلاقية كالعدالة والشجاعة والتقوى وغيرهم وتُعرَفُ هذه الأسئلة بالاستجواب السقراطي (Socratic Questioning)، كانت الإجابات التي تُقدَّم له تخضع لقساوة في النقد من قِبَلِ سقراط فيظل يصحح المغالطات الموجودة فيها إلى أن يصل إلى إجابة، لكن هناك سؤال، هل يمكننا أن نُعرِّف المفاهيم الأخلاقية عن طريق أمور الواقع؟ أو بصيغة أوضح: هل هناك أية علاقة بين أحكام القيمة وأحكام الواقع؟، الواقع أن سقراط لم يفصل بينهما ولم يظهر التمييز إلا بعد ذلك في عصور متأخرة على يد الفيلسوف والمؤرخ الاسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume)، وعلى الرغم من أن سقراط لم يفصل بينهما ولم يميز موضحًا ذلك إلا أن النتائج السلبية التي كان يحصل عليها بعد تساؤلاته فيها إيحاء بالتمييز بينهما، كان سقراط في كل مناقشاته للمفاهيم الأخلاقية يرفض تعريفات هذه المفاهيم في أمور الواقع الفعلية، فمثلاً نجد في محاوراتي بروتاجوراس (Protagoras) ولاكيس (Laches) يجد سقراط نفسه أمام تعريف للشجاعة على أنها (مواجهة الخطر بثبات)، فينظر للمسألة فيلاحظ أن الإنسان نفسه هو الذي يواجه الأخطار ومن الحكمة أن يبتعد عن هذا الخطر، لذا فالتعميم الذي رسم سقراط طريقه - وإن لم يصل إليه - هو أننا لا يمكننا أن نقوم بتعريف المفاهيم الأخلاقية على أساس الوقائع التي نلاحظها، وفي الحقيقة فإن كل النظريات الأخلاقية منذ أيام سقراط هي في الواقع محاولات للوصول إلى تفسير لعلاقة القيم والوقائع، ولهذا يعتبره بعض العلماء مؤسس الفلسفة الأخلاقية، وقد ذكرنا قبل قليل أننا نلاحظ في المحاورات السقراطية (المتقدمة)، إثارةً لتعريف المفاهيم الأخلاقية كالعدالة والشجاعة والتقوى وغيرهم، ويمكننا أن نقول أن أفلاطون قد غفل عن غرض سقراط هذه المرة، وأول من فَطِنَ لِمَقصد سقراط - أو اعتقد أنه فطن - هو شيخ الفلاسفة، العلامة أرسطوطاليس (Aristotle)، فذكر أن سقراط كان ينهمكُ في البحثِ عن الفضائل الأخلاقية من أجل التوصل إلى المعاني الكلية، ونَسَبَ إلى سقراط الاستدلال الاستقرائي (Inductive arguments) والتعريف الكلي (Universal definition) حسب اعتقاد أرسطو (7)، أي أن مَقصدَ سقراط كما فهمه أرسطو هو البحث عن طريقة منهجية استقرائية من أجل التوصل لمفاهيم كلية، ويرفض البعض تفسير أرسطو مثل الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي إميل برهييه (Emile Brehier)، بحجة أن سقراط لم يكن يبحث إلا عن البشر نفسهم ويريد فحصهم، ولم يكن يقصد البحث عن مفاهيم كلية أو غيرها، فعلى سبيل المثال لاكيس الذي كان يضرب به المثل في القوة والبأس لم يعرف معنى الشجاعة حينما سأله سقراط، وأوطيفرون الذي كان مثالاً للإنسان التقيّ السويّ لم يعرف معنى التقوى، لذا فكان مَقصد سقراط هو أن يجعل الناس يعرفون نفسهم بنفسهم، إيمانًا بحكمته التي عمل بها في كل مسائل الفلسفة، المقولة الشهيرة: (اعرف نفسك بنفسك)، فمعرفة النفس عند سقراط هي الفضيلة والخير الأسمى، إذن فاجتهاد أرسطو في فهم غرض سقراط خطأ على حسب هذا الرأي، وفعلاً لم يكن سقراط يبحث عن المفاهيم الأخلاقية، وحينما قال سقراط: (الفضيلة علم والرذيلة جهل) كان بسبب النزعة العقلية عند سقراط، فهو يقول بأن الإنسان لا يقترف الشرور حبًا في الشر، بل لأنه ضلّ الطريق ولا يعرف أن هذا الشر، فالإنسان بطبيعته يحب الخير ويبحث إليه، لكن لا يصل إليه دائمًا، وبهذا يوحد سقراط بين الفضيلة والعلم، فمن يعلم الخير يفعله، ومن يعلم الشر يجتنبه.


    أفلاطون: الصوفية والتقشُّف من أجل السعادة


    على الرغم من كثرة مؤلفات أفلاطون التي وصلتنا، إلى أنه لم يُضِف شيئًا يُعتَّد به في فلسفة الأخلاق (كعادته لم يُضِف إلا مجرد آراء حالمة لم تقدم للإنسانية الكثير)، وبدأ من آخر ما وصل إليه أستاذه سقراط فحاول فقط الإجابة عن الأسئلة التي طرحها سقراط، وكانت وجهته ميتافزيقية تقوم على الصور أو المُثُل، وقد اشتق نظرياته الأخلاقية من وجهات نظره المنظمة عن الطبيعة والله والإنسان، وكان أفلاطون يميل إلى الفكر السقراطي في الالتزام بالواجبات المتوارثة، فمثلاً في محاورة بروتاجوراس يرفض أفلاطون أن القانون ليس إلا اتفاق ومعاهدة كما كان يقول السفسطائيون، بل أن الفرد مرتبط بالقوانين التي تحكم الدولة برابطة قوية مثل ترابط أي عضو ببقية أعضاء الجسم، وكذلك في محاورة جورجياس فنجد أنه يقارن بين حياة الفلسفة وحياة اللذة، فيؤكد أن منتهى الحياة هو الخير، وأن حياة اللذة لا تسعى إلا لإشباع اللذات الدنيوية وهذا لا يأتي بالسعادة، فمن اتبع هواه وانحرف في طريق إشباع لذَّاته فسيشقى ولن يصل للسعادة أبدًا لأنه سيظل يسعى دومًا للمزيد من اللذة، ثم تتطور النظرية الأفلاطونية فيُكوِّن نظرية شاملة للذَّة فيقسم النفس الإنسانية ثلاثة أقسام كل قسم له لذّة خاصة به: اللذة الحسية وهي خاصة بالنفس الشهوانية، واللذة الانفعالية وهي خاصة بالنفس الغضبية، واللذة العقلية وهي خاصة بالنفس العاقلة، نلاحظ أن أفلاطون يؤكد فكرة أن الإنسان مُكوَّن من جزئين واحد منهما وحشيّ والآخر إنسانيّ، وعلى العقل أن يرشد الإنسان إلى الجزء الثاني فهو المُحرِّك الأساسي إلى طريق الفضيلة، وأنه للبحث عن القيم الأخلاقية يجب أن يتجرد الإنسان من لذات الجسد ويسلك طريقًا عقليًا وتقشفيًا، وظل أفلاطون يهاجم اللذات ويُغلِّب العقل على الجسد، ونجد ذلك واضحًا كل الوضوح في محاورة تيماوس (Timaeus) فنجد هجومًا شرسًا على اللذات البدنية، ففصل بين النفس والجسد، فكانت فلسفته صوفية مُتجرِّدة، وأغلب الأفكار كانت إجابات على أسئلة مُعلِّمه سقراط.


    أرسطو: العقل هو المُرشِد إلى الفضيلة



    عندي وعند البعض فأرسطو يعتبر المؤسس الفعلي لعلم الأخلاق، وهذا لأنه وضع قواعد وحدد كل شيء في فلسفته في عدة كتب، أهمها كتاب (الأخلاق إلى نيقوماخوس) (**) وعلى الرغم من أن أرسطو هو تلميذُ أفلاطون ودرس في أكاديميته سنوات عديدة فإنه لم يتأثر بأفكاره تأثرًا واضحًا، بل عرض كل أفكاره للنقد حتى سماه أفلاطون (العقل)، بوجه عام يمكن أن نقول أن أفلاطون كان مثاليًا في الأخلاق ومتبعًا للتقليد الديني، وكل الآراء التي وُضِعَت بعد ذلك في تاريخ الفلسفة الغربية من التي تتحدث عن المصدر الأعلى للطبيعة مثل الخالق أو العقل فأفلاطون أساسها، أما كل الفلاسفةِ الطبيعيين الذين بحثوا عن احتياجات الإنسان وقدراته وميوله فكان أرسطو مصدرهم الرئيسي، فأرسطو واقعيّ يؤمن بتحقيق الخير في هذه الدنيا التي نعرفها ونعيشها ويتمسك بالتجربة الإنسانية، أما أفلاطون فترك الواقع وأراد أن يسمو على دنيا الواقع، ربط أرسطو بين الخير الأعلى والسعادة، ويُعرِّف الخير الأعلى على أنه ليس إلا عمل القوى الإنسانية وفقًا للفضيلة، ويُعرِّف الفضيلة أنها المهارة المناسبة لأي قوة من القوى، أي أن الفضيلة تكون حيث تقوم قوى الإنسان بأداء وظائفها، وقسم أرسطو الإنسان قسمين: الجسم أي الجزء الحيواني ونفس أي الجزء العقلي، وقسم الفضائل قسمين: الفضائل العقلية والفضائل الأخلاقية، وأسمى الفضائل عند أرسطو هي فضيلة التأمل والتفكر النظري، لأنهما تسمو بالإنسان إلى مرحلة العلم بالكليات، على غِرارِ الفضائل الأخرى التي هي مُتعلِّقة بأمور جزئية قد تتوقف بناءً على ظروف متعددة، والفضيلة عند أرسطو أمر خُلُقي مكتسب ثابت يتولَّد منه الفعل الفاضل، والفضيلة ليست فطرية أو طبيعية بل يكون اكتسابها بالتَّعود، وحينما يتعود عليها الإنسان فتصبح يسيرة عليه، ومن يجد في ممارستها صعوبة فهو غير مُستعِّد لها، واللذة مُرشِدة إلى الفضيلة ومُقتِرنة بها، فيجد الإنسان الفاضل لذةً في ضبط نفسه، وكذلك يجد الشجاع لذةً في ضبط نفسه، وهكذا باختلاف أنواع الناس، ونلاحظ هنا ميزة في أرسطو غير أقرانِهِ من الفلاسفة في عرض آراءه، فهو عندما يشرح وجهة نظره يستخدم الكثير من التشبيهات ويعرض الآراء الشائعة في المجتمع، فمثلاً يُشبِّه العقل الفاضل بالصانع الذي يتحرى الدقة في صنعه فلا يزيد ولا ينقص، وبالطبيب الذي يعطي نسبًا دقيقةً من الأدوية، والنحات وغيرهم، فالفضيلة عند أرسطو هي الأخذ بأوسط الأمور، بين الإفراط والتفريط، فعلى سبيل المثال الشجاعة بين الجبن والتهور والكرم بين الإسراف والبخل والتواضع بين الفظاظة والخجل، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا ليس وسطًا حسابيًا بين مسافتين مرفوضتين، بل هذا وسط اعتباري قد يتغير بتغير الظروف والأشخاص، والعقل وقتئذٍ هو المُعين الوحيد للتميز والمعرفة، فنرى أن أرسطو وقف موقفًا وسطًا بين الذين يرفضون الدوافع الطبيعية وبين الذي يرون الفضيلة في إشباع اللذة، بالإضافة إلى ذكره لدور العقل في التعرُّف على الفضائل الأخلاقية.


    الملاحظات

    (*) لي رأي حول قول "هذا عصر ليس فيه من عندهم أخلاق"(تبًا، لا أحد يقول الجملة بتلك الطريقة أصلاً لكنني مشوش الآن ).

    الإنسان لم يتغير فجأة في عصر ما ويتحول إلى كائن لا أخلاقي، الإنسان هو الإنسان، لكن مع تطور الوسائل صار بإمكانه أن ينشر بعض القيم اللا أخلاقية فانتشرت هذه القيم بكثرة، لكن هذا هو نفس الإنسان، لكنه استطاع أن يوظف التقدم التكنولوجي في القيم اللا أخلاقية، فهذه الجملة أو ما شابهها خطأ، بل يمكننا أن نقول (هذا عصر استفحال قدرة الإنسان على نشر القيم اللا أخلاقية).

    (**) كتب أرسطو ثلاثة كتب في الأخلاق، (علم الأخلاق الكبير)، (علم الأخلاق إلى أويديم) و (علم الأخلاق إلى نيقوماخوس)، وهذا الأخير هو الأهم والوحيد المتأكد نسبته إلى أرسطو، وقيل أن (نيقوماخوس) هو ابن أرسطو وقد مات في حياة أرسطو فأهداه له، وقيل أن نيقوماخوس نفسه هو الذي كتب الكتاب (وهذا رأي شاذ).

    الهوامش


    (1) سورة الشعراء، الآية 137

    (2) صححه الألباني في صحيح الجامع رقم 2349، وصححه السيوطي في الجامع الصغير رقم 2584، وصححه الزرقاني في مختصر المقاصد رقم 184.

    (3) Ethics by Maria Imelda Pastrana Nabor, P. 2, Published 2003 by: Quezon City: Katha Publising Co

    (4) الأدب الإغريقي: تراثًا إنسانيًا وعالميًا، ص347، تأليف: أحمد عثمان، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية.

    (5)The Two Fundamental Problems of Ethics by Arthur Shopenhauer, Translated and edited by Christopher Janaway, P. 139, published 2009 by Cambridge University Press

    (6) Lectures on the Ethics of T.H. Green, Mr. Herbert Spencer and J. Martineau, by
    Henry Sidgwick, p. 29, Kraus Intl Pubns, Published August 28th 1968 by Kraus Intl Pubns

    (7) الأخلاق إلى نيقوماخوس، تأليف: أرسطوطاليس، ترجمة: أحمد لطفي السيد، الجزء الأول، ص92، القاهرة: دار الكتب المصرية، طبعة 1924 م.

    (8) Metaphysics By Aristotle, Translated by W. D. Ross, Book XIII, Part 4




    كتبه الفقير، الذي لا يرجو سوى رحمة الرحيم:
    أبو شمس الدين عليّ بن سعيد المكيّ السكندريّ
    في يوم السبت الموافق 26 مارس 2011 ميلاديًا و20 ربيع الثاني 1432 هجريًا
    التعديل الأخير تم 04-08-2011 الساعة 10:53 PM

  2. #2

    افتراضي

    جميل ،
    ردك على كلامي ليس جيدا ، و ليس أفضل ما عندك
    " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مِصر
    المشاركات
    34
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    أريني كلامك ثم سأضع ردي ثم أريني ما الخطأ في ردي أو النقص فيه

  4. #4

    افتراضي

    رأيت كلامي مرارا أم انك نسيت
    " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2010
    الدولة
    مِصر
    المشاركات
    34
    المذهب أو العقيدة
    مسلم

    افتراضي

    وأنت رأيتِ ردي
    فأريد معرفة النقص فيه ..

  6. #6

    افتراضي

    انس الأمر ،
    موضوعك جيد على أي حال
    " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مركزية الفلسفة اليونانية مجرد وهم عِرقي
    بواسطة elserdap في المنتدى قسم الحوار عن المذاهب الفكرية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 04-20-2014, 11:17 PM
  2. مركزية الفلسفة اليونانية مجرد وهم عِرقي
    بواسطة elserdap في المنتدى السرداب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-19-2014, 01:46 AM
  3. الفلسفة اليونانية ، فلسفة مصرية مسروقة
    بواسطة يـزيـد في المنتدى قسم الحوار العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-18-2010, 01:45 AM
  4. ما هو أفضل كتاب في عرض الفلسفة اليونانية ؟؟
    بواسطة RAKIZ1 في المنتدى المكتبة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 07-24-2009, 02:31 AM

Bookmarks

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
شبكة اصداء