أخلاق المسلمين مع الغربيين بين الجحود والغلو

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • مصطفى الفاسي
    عضو
    • Oct 2004
    • 23

    #16
    الفصل الثاني: اللين والرفق، ويشتمل على أربعة مباحث


    المبحث الأول: إسلامنا وخُلقَـا الرفق واللين

    إن الله سبحانه أمرنا أن ندعو إليه بالتي هي أحسن وليس بالتي هي أخشن، فاللين في الخطاب والرحمة بالخَلق خلق الأنبياء، كما أن الفظاظة وغلظة القلب خلق الأعمياء، قال سبحانه مخاطباً موسى عندما بعثـه إلى فـرعــون: "اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى، فَقُلْ هَل لَّكَ إلَى أَن تَزَكَّى، وَأَهْدِيَكَ إلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى" (57) وقال سبحانه: "اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى" (58) وبيّن القرآن الكريم أن هذا الخلق الذي أمر به موسى هو ذات خلق النبي وفطرته فقال سبحانه "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (59).

    ودعا النبي إلى الرفق في أحاديث كثيرة منها: ما رواه خالد بن معدان عن النبي : "إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف" (60) ، وعن جرير بن عبد الله عن النبي e: " من يحرم الرفق يحرم الخير" (61).

    وكان يأمر أصحابه رضوان الله عليهم به، فعندما بعث النبي معاذََ بن جبل إلى اليمن قال له (إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ...الحديث (62))

    فأمره أن يدعوهم إلى رسالة التوحيد بكل حِلم وتأنٍّ، وقال لمعاذ وأبي موسى الأشعري: حين أرسلهم إلى اليمن: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تُنفرا ) (63)، وها هو ذا النبي حتى في غزوة خيبر وهم يريدون فتح آخر حصن، يسأله عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ما اختاره لحمل الراية: (يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا. فقال "انفذ على رسلك. حتى تنـزل بساحتهم. ثم ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (64)..

    نعم هي خيبر التي كانت آخر معقل لليهود، وبعد كل ما فعلوا برسول الله وبالمسلمين، وفيهم وسلام بن مشكم؛ وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع وغيرهم، يقول رسول الله ادعُهم إلى الإسلام أولا !!، إنها قمة في الرجاء والأمل بأن يهتدي أحدهم إلى الحق بإذنه سبحانه، فيسلم، فيفوز بخيري الدنيا والآخرة.
    " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

    Comment

    • مصطفى الفاسي
      عضو
      • Oct 2004
      • 23

      #17
      المبحث الثاني: شهادات بعض المستشرقين

      يقول لويس سيديو: " كان يستقبل بلطف ورفق جميع من يودّون سؤاله، فيسحر كلماءه بما يعلو وجهه الرزين الزاهر من البشاشة، وكان لا يضج من طول الحديث، وكان لا يتكلم إلا قليلاً فلا ينمّ ما يقول على كبرياء أو استعلاء، وكان يوحي في كل مرة باحترام القوم له.. " (65).

      قال عالم الفلسفة اللاهوتية أوليفروس من كولونيا في رسالته إلى السلطان الكامل سنة 1221 (منذ تقادم العهود، لم يسمع المرء بمثل هذا الترفق والجود، خاصة إزاء أسرى العدو اللدود، ولما شاء الله أن تكون أسراك، لم نعرفك مستبدا طاغية، ولا سيدا داهية، وإنما عرفناك أبا رحيما شملنا بالإحسان والطيبات، وعونا منقذا في كل النوائب والملمات. ومن ذا الذي يمكن أن يشك لحظة في أن مثل هذا الجود والتسامح والرحمة من عند الله.. إن الرجال الذين قتلنا آباءهم وأبناءهم وبناتهم وإخوانهم وأخواتهم وأذقانهم مر العذاب، لما غدونا أسراهم وكدنا نموت جوعا، راحوا يؤثروننا على أنفسهم على ما بهم خصاصة، وأسدَوا إلينا كل ما استطاعوا من إحسان، بينما كنا تحت رحمتهم لا حول لنا ولا سلطان) (66)

      وقال هنري دي كاستري: هكذا جذب الإسلام قسمًا عظيمًا من العالم... بما اشتمل عليه من الترفق بطبيعة البشر حيث أتاح للناس شيئًا مما يشتهون. (67).

      ويقول "هربرت ولز : هذا الإلحاح على الرفق والرعاية في الحياة اليومية إنما هو واحد من فضائل الإسلام الكبرى بيد أنه ليس الفضيلة الوحيدة فيه (68).
      " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

      Comment

      • فارس الكلمة
        عضو
        • Jan 2009
        • 17

        #18
        جزاك الله خير

        Comment

        • مصطفى الفاسي
          عضو
          • Oct 2004
          • 23

          #19
          المبحث الثالث: نماذج من رفقه بالمخلوقات
          المطلب الأول: رفقه بغير المسلمين


          وانظر أيها القارئ الكريم إلى رسول الله يوم الفتح وقد أمر بقتل بعض المشركين ممن عثا في الأرض فسادا، وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم معلقين بأستار الكعبة، فجاءت أم هانئ وقالت ( زعم ابن أمي (69) أنه قاتلٌ رجلا قد أجَرْتـُه، فلان ابن هبيرة. فقال رسول الله : ( قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ ) (70) رجل مشرك أمر النبي القائد ورئيس الدولة بقتله بعينه، يعفو عنه ويتركه لامرأة أًجَرَته بكل سماحة ورحمة.

          بل إن رفق نبينا تعدى حتى إلى من دعا عليه من الكافرين، فاستمِع إليه وهو يرشد أمنا عائشة رضي الله عنها إلى أحسن القول وقد غاظها ما سمعته من رهط من اليهود استأذنوا على رسول اللَّه e فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم السام ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال : "مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف" (71) - أو الفحش - قالت: ألم تسمع ما قالوا ؟ قال: "قال ألم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم، فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيّ" (72)

          المطلب الثاني: أمره للأمراء بالرفق بالرعية


          وأمر الأمراء بالرفق بالناس، وعدم الشق على الرعية، فعن عبد الرحمن بن شماسة قال أتيت عائشة أسألها عن شيء فقالت ممن أنت فقلت رجل من أهل مصر. فقالت كيف كان صاحبكم لكم في غزاتكم هذه فقال ما نقمنا منه شيئا إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير والعبد فيعطيه العبد ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة فقالت أما إنه لا يمنعني الذي فعل في محمد بن أبى بكر أخي أن أخبرك ما سمعت من رسول الله يقول في بيتي هذا "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به" (73) اهـ

          المطلب الثالث: أمره بالرفق بالحيوانات


          نهى أن تصبر البهائم (74) ،

          ولعن من اتخذ شيئا فيه الروح غرضا (75) ،

          وأخبر بأن امرأة عذبت في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أعمتها وسقتها، إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" (76)

          وعن مجاهد مرسلا : "نهى رسول الله عن التحريش بين البهائم" (77)

          وعن جابر قال نهى رسول الله عن الضرب فى الوجه وعن الوسم فى الوجه (78).

          وأخبرنا بأن رجلا دخل الجنة في كلب سقاه شربة ماء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله قال (بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له) . قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا ؟ قال (في كل كبد رطبة أجر) (79)

          المبحث الرابع: إيقاظ ونصيحة

          فاعلم رحمك الله أن الخير كله في اللين، فما كان في شيء إلا زانه، فهو حلية الأتقياء، وزينة الأولياء، وحِلم العظماء، ووقار العلماء، وما دل على شيء دلالته على فقه صاحبه، وعقل حامله، وأدب لابسه، فإياك ثم إياك من غلظة السفهاء، وتسرع الأغبياء، وحماقة الضعفاء، وتخبط عشواء، وما ذكرناه نماذج تحتذى، ومهايع تنـتجع، ومسالك تنـتهج، فعُضَّ عليها بالنواجذ.
          Last edited by مصطفى الفاسي; 06-02-2009, 09:25 PM.
          " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

          Comment

          • اخت مسلمة
            محاور
            • Nov 2005
            • 6338

            #20
            تسجيل متابعه
            بارك الله فيك
            أعظَم مَن عُرِف عنه إنكار الصانع هو " فِرعون " ، ومع ذلك فإن ذلك الإنكار ليس حقيقيا ، فإن الله عزّ وَجَلّ قال عن آل فرعون :(وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا)
            وبُرهان ذلك أن فِرعون لَمّا أحسّ بالغَرَق أظْهَر مكنون نفسه ومخبوء فؤاده على لسانه ، فقال الله عزّ وَجَلّ عن فرعون : (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

            Comment

            • مصطفى الفاسي
              عضو
              • Oct 2004
              • 23

              #21

              الفصل الثالث: الرحمة، ويشتمل على أربعة مباحث

              المبحث الأول: إسلامنا وخلق الرحمة بالخلق
              المبحث الثاني: شهادة بعض المستشرقين
              المبحث الثالث: نماذج من رحمته
              المبحث الثالث: إيقاظ ونصيحة
              " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

              Comment

              • مصطفى الفاسي
                عضو
                • Oct 2004
                • 23

                #22
                الفصل الثالث: الرحمة، ويشتمل على أربعة مباحث

                إن الرحمة بالخَلق لهي أعظم صفة خلقية على الإطلاق، وهي أس النظام الأخلاقي وعموده الذي لا يستقيم شيء في حياة البشر إلا به، وما أُرسل رسول الله إلا رحمة للعالمين، فلِمَ لا نقتبس من نور رحمته، ونغترف من بحر رقته، الشيء الذي شهد له بها الأعاجم قبل الأعاريب، الأكابر قبل الأصاغر، الأوربيون قبل المسلمين

                المبحث الأول: إسلامنا وخلق الرحمة بالخلق:

                لقد أكد القرآن على أن الرحمة مبدأ وقيمة خالدة وحميدة كتبها الله سبحانه على نفسه "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"(80) ، ويرجوها الناس منه سبحانه، يقول تعالى: "أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ"(81) ، ويقول تعالى " وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" (82).

                كما أنه تعالى يأمر بها ويثيب عليها، يقول تعالى:" أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"(83) ، ويقول تعالى:" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا" (84) ،

                كما يتفضل تعالى على خلقه بكل أنواع الخير رحمة منه :" فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ" (85) ، وقال تعالى "وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا" (86).


                كما يذم سبحانه غلاظ القلوب، وكل من نزعت الرحمة من قلبه، يقول تعالى" فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (87) ، ويقول تعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً " (88) وقال تعالى: "فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ" (89)، ويقول تعالى: "لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" (90)

                بل وإن الله تعالى يعاقب ناقضي العهود من العصاة بقسوة القلب، يقول سبحانه: "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا "(91).

                أما رسوله فقد أمر بالرحمة وكانت خلقَه:

                فعن أنس بن مالك، قال رسول الله : "والذي نفسي بيده، لا يضع الله رحمته إلا على رحيم قالوا: يا رسول الله، كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم في خاصة صاحبه حتى يرحم الناس كافة" (92).

                كما تجلت مظاهر رحمته في كل تصرفاته مع الكبير والصغير، مع الأحياء والأموات، مع الإنسان والحيوان والجماد.
                " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

                Comment

                • مصطفى الفاسي
                  عضو
                  • Oct 2004
                  • 23

                  #23
                  المبحث الثاني: شهادة بعض المستشرقين:

                  • يقول وليم موير في كتابه (حياة محمد) ما نصه: "ومن صفات محمد الجليلة الجديرة بالذكر، والحَرية بالتنويه : الرقة و الاحترام، اللذان كان يعامل بهما أصحابه، حتى أقلهم شأناً ، فالسماحة والتواضع والرأفة والرقة تغلغلت في نفسه، ورسخت محبته عند كل من حوله، وكان يكره أن يقول لا ، فإن لم يمكنه أن يجيب الطالب على سؤاله ، فضل السكوت على الجواب ، ولقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، وقالت عائشة رضي الله عنها، :وكان إذا ساءه شيء تبينا ذلك في أسارير وجهه، ولم يمس أحدا بسوء الا في سبيل الله، ويُؤثر عنه أنه كان لا يمتنع عن إجابة الدعوة من أحد مهما كان حقيرا، ولا يرفض هدية مهداة إليه مهما كانت صغيره، وإذا جلس مع أحد أيا كان لم يرفع نحوه ركبته تشامخا وكِبرا"(93).

                  • ويقول واشنجتون ايرفنج، في كتابه (حياة محمد)، "كانت تصرفات الرسول عقب فتح مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو" (94).

                  • ويقول جوستاف لوبون في كتابه (الدين والحياة)، عن رحمته فيقول : "لقد كان محمد ذا أخلاق عالية، وحكمة، ورقة قلب، ورأفة، ورحمة، وصدق وأمانة" (95).

                  • ويقول توماس كارلايل عن رحمته: ".. لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير ... العظيم النفس، المملوء رحمة، وخيرًا، وحنانًا، وبرًا، وحكمة، وحجى، ونهى.. أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه" (96).

                  • يقول المستر جان ليك في كتابه (العرب) : "وحياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفها الله .. بألفاظ قليلة، بين بها سبب بعث النبي محمد "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" (97) وقد برهن بنفسه على أن لديه أعظم الرحمات لكل ضعيف، ولكل محتاج إلى المساعدة، كان محمد رحمة حقيقة لليتامى، والفقراء، وابن السبيل، والمنكوبين، والضعفاء، والعمال، وأصحاب الكد والعناء، وإني بلهفة وشوق.. أصلى عليه وعلى أتباعه " (98).

                  • يقول ديوان شند شرمة في كتابه (أنبياء الشرق) : (لقد كان محمد روح الرأفة والرحمة وكان الذين حوله يلمسون تأثيره ولم يغب عنهم أبدا) (99).

                  • قال القس ميشون الألماني في كتابه (سياحة دينية في الشرق): (إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التعامل وفضائل حسن المعاملة، وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم، كل ذلك بفضل تعاليم نبيهم محمد (100).


                  تكفينا هذه الشهادات لنبي الإسلام، وكفى بالرب الرحيم الذي هو بهذه الصفة عليم له شهادةً، فقال: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (101).
                  " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

                  Comment

                  • مصطفى الفاسي
                    عضو
                    • Oct 2004
                    • 23

                    #24
                    المبحث الثالث: نماذج من رحمته



                    نذكر نزرا يسيرا من مظاهر رحمته من باب التذكير:

                    المطلب الأول: رحمته بالضعفاء:

                    لقد كانت الأمة من إماء المدينة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت (102) وهذا ليس مقتصرا على الإماء والعبيد، أو على الرجال دون النساء، أو على الكبار دون الصغار، بل هذا حاله وديدنه مع الجميع، فلا يرتاح حتى يقضي حوائج الناس، لا مثل كثير من الدعاة والعلماء في هذه الأيام يحبون أن يخدموا أكثر من محبتهم لخدمة الناس إن هم خدموهم.

                    المطلب الثاني: رحمته بالبنات الصغار

                    فعن أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله مع أبي وعلي قميص أصفر قال رسول الله "سَنَه سَنَه" - قال عبد الله وهي بالحبشية حسنة - قالت فذهبت ألعب بخاتم النبوة فزبرني (103) أبي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "دَعْها". ثم قال رسول الله "أَبْلي وأَخْلقي ثم أبلي وأخلقي ثم أبلي وأخلقي" (104) .

                    فعن عائشة زوج النبي حدثته قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثم قامت فخرجت فدخل النبي صلى الله عليه و سلم فحدثته فقال: "من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كُن له سترا من النار" (105) ..

                    وعن أبي قتادة قال: خرج علينا النبي وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه فصلى فإذا ركع وضعها وإذا رفع رفعها (106).

                    المطلب الثالث: رحمته باليتامى:


                    قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى (107).

                    وعن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: "إني أحَرِّج (108) عليكم حق الضعيفين : اليتيم والمرأة" (109)

                    المطلب الرابع: رحمته بالأرامل

                    فعن أنس أن امرأة كان فى عقلها شيء فقالت يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال "يا أم فلان انظري أي السِكك شئت حتى أقضِيَ لك حاجتك ». فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها" (101).

                    وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "الساعي على الأرملةِ والمسكين كالمجاهدِ في سَبيلِ الله: كالقائم لا يَفتُر، وكالصائم لا يُفطِر" (111).

                    المطلب الخامس: رحمته بالمسنين:

                    وذلك لسنهم مهما كان لونهم ومهما كان دينهم ما رواه أنس بن مالك عن النبي r قال "ما أكرم شابٌ شيخا لسِنه إلا قيض الله له من يكرمه عند سنه" (112)

                    عن أبى موسى الأشعري قال: قال رسول الله "إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط" (113).

                    المطلب السادس: رحمته بالجمادات:

                    أنه كان يربط علاقة حميمة معها فيحبها ويسميها، وكأنني أنظر إليه وهو يكاد يعانق جبل أحد محبة له فقال حين طلع له "هذا جبل يحبنا ونحبه" (114).

                    ثم إنه كشف عن ثوبه حين هطل المطر، ليصيب البلل جلده الشريف، قال أنس "أصابنا ونحن مع رسول الله مطر، قال فحسر رسول الله ثوبه حتى أصابه من المطر. فقلنا يا رسول الله لم صنعتَ هذا قال "لأنه حديث عهد بربه تعالى" (115). قال النووي شارحا: ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها. اهـ

                    بل وأبعد من ذلك فكان يربط علاقات مع آنيته ودوابه ويسميها (116) ، فكانت له قصعة يقال لها الغراء، وكان له قدح من الحجارة يقال له الريان، وكان له سرج يقال له الراج، وكان له بساط يقال له الكج، وركوة (117) يقال لها الصادر، وناقته القصواء...، فقولوا لي أيها الإخوة مَن منا يسمّي سيارته، أو ثلاجته، أو كوبه المعتاد شيئا ؟!

                    المطلب السابع: رحمته بالأموات

                    أنه مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال ( ألست نفسا) (118)

                    ومر رسول الله على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما هذا فكان لا يستتر من بوله وأما هذا فكان يمشي بالنميمة" ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين فغرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا ثم قال "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا" (119)

                    المطلب الثامن: رحمته بأهل الذمة \

                    فعن عبد الله بن عمرو بن العاص: عن النبي قال: "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما" (120)
                    " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

                    Comment

                    • مصطفى الفاسي
                      عضو
                      • Oct 2004
                      • 23

                      #25
                      المبحث الثالث: إيقاظ ونصيحة



                      فهذا هو نبيك الرحيم أيها المغترب، وهذه نماذج عن رحمته بالآخر وخصوصا مع الكافرين، فمن حرمه الله من الرحمة، فقد حرم الخير كله، وأي شيء يبقى إن انعدمت الرحمة، فكن رحيما بنفسك، بزوجتك، بأبنائك، بأصحابك، بزملائك، بالخلق كلِّ الخلق، بالناس، كلِّ الناس.

                      فكن رحيما بحالنا الذي لا يخفى على أحد، فافعل ما يزين، لا ما يشين، وما يحسب لك، لا ما يحسب عليك، كن خير مثال للرحمة، وإن كانت من خصالك فاشكر الله على النعمة، ولا تتأثرْ بقُساة القلوب الذين لا يرقبون إلاًّ ولا ذمة، هؤلاء الذين يثبتون فشلهم في كل حين، هؤلاء المتسخطون على كل شيء، والناقدون لكل شيء، الذين لم يسلم أحد من لسانهم، ولا من أيديهم، هؤلاء الذين يفسدون ولا يصلحون، ويعسرون ولا ييسرون، ويهدمون ولا يبنون، هجروا المسلمين قبل الكافرين، المصلين قبل التاركين، كل واحد منهم يرى نفسه حقا مطلقا يمشي على الأرض، مَن خالفه رماه بالسخط، ومن ناقشه رماه بالغلط، يأخذ من الآراء أسودها لا أسدَدَها، أبعدها لا أجودها. وإلى الله المشتكى.
                      " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله"

                      Comment

                      Working...