فى عصور الظلام والنكبات تكثر الخفافيش والبومات , وتزداد نسب الحماقة والسفه والسفالة , ويكون لها اربابها , و بعد عصور النور التى عشناها فى ظل حضارة دولة الاسلام , والتى تطاولت اكثر من الف عام , دارت عجلة الزمن لتظلل بلادنا غيمة الجهل والتخلف والانحطاط , وتعشش فى بيوتنا طيور الظلامية والالحاد , وليس هذا بغريب , فتلك سنة كونية , لكن الغريب ان يدعى هؤلاء المفسدون انهم اصحاب منهج , وارباب رسالة , بل وحملة مشعل التنوير , وقادة التطوير , ومن احد هؤلاء المدعو سيد القمنى , الذى ما فتىء يهاجم الاسلام ويطعن فيه , ويتطاول على رموزه , ولن نهتم كثيرا بتحليل شخصيته وتناول فكره ومنهجه , بل سنعتنى بدراسة عينة من نتاج كتاباته , وهو الكتاب الذى عنونه بعنوان " الحزب الهاشمى .
وقيمة هذا الكتاب فى نظرى لا تنبع من كونه كتاب علمى منهجى , او انه واسع الانتشار وشديد التأثير , فكل كتابات القمنى وامثاله تكاد ينحصر تأثيرها فى قراء كرخانة روز اليوسف وما لف لفها من المطبوعات , لكن الرد على مثل هذا الكتاب انما نبع من اهتمام النصارى كثيرا بأطروحاته , واحتجاجهم بترهاته وتخريفاته , فعزمت ان افند هذا الكتاب كاشفا زيفه وكذبه , وموضحا خطأه ومبينا تخبطه .
ان شاء الله سيكون ردنا على الكتاب مقسم لأجزاء ثلاثة :
الاول يشمل استعراض لغاية الكاتب وللأسس التى بنى عليها فكرته ونظريته واسلوبه المتبع فى سبيل الوصول لغايته
الثانى هدفه نقد النظرية التى يطرحها الكاتب بحجج عقلية مجردة
الثالث سنتتبع فيه الاسس التى بنى عليها نظريته بالنقد والرد واظهار الحقائق وكشف الزيف والتدليس فى جوانب كتابه
اهداف سيد القمنى
" ان محمدا لم يصنع العرب لكن العرب هم من صنعوا محمد "
هذه هى الفكرة التى يود سيد القمنى ان يوصلها من خلال كتابه , وهى فكرة قديمة قدم عصور الظلام الفكرى التى نعيشها الان , فهو يود ان يوضح ان الاسلام كعقيدة لا تمثل اى قيمة روحية او فكرية او اجتماعية تنبنى عليها حضارتنا, فما حدث من نهضة اسلامية كبرى فى عصر صدر الاسلام وما تلاه من العصور انما هو نتاج ظروف طرأت على جزيرة العرب , وافرزت الاسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وبالتبعية افرزت الحضارة الاسلامية ككل .
وبالتالى يجب علينا نحن العرب والمسلمين ان نكف عن السعى وراء حلم اعادة الحضارة الاسلامية , وترك كل الصيحات التى تدعو لأصلاح الدنيا بالدين , فكل هذه الافكار مغلوطة , ومبنية على اساس خاطىء , وقراءة مشوشة جامدة للتاريخ الاسلامى , وعلينا ان نبحث فى حاضرنا وظروفنا الحالية عما يعيننا على تغيير واقعنا , كما سعى العرب منذ الف وخمسمائة عام لأيجاد طريقة تغير واقعهم ومستقبلهم .
ولتحقيق هذه الغايات يقدم القمنى نظريته فى اطار رؤية جديدة لتاريخ العرب فى الجاهلية وصدر الاسلام , قوامها ترتيب الاحداث السابقة للأسلام بصورة تجعل منها مقدمات منطقية لنتيجة حتمية هى ظهور الاسلام , وجعل الاسلام مجرد وسيلة عربية لبلوغ مآرب قومية , فالاسلام هنا محطة وليس قاطرة , وما حدث للعرب من تغير كامل وتحول جذرى فى تاريخهم لم يكن الا نتيجة حتمية للتطور الاجتماعى الذى شهدته الجزيرة العربية فى القرن السابق للأسلام .
سس النظرية
احتاج سيد القمنى لتقديم نظريته الى اعادة ترسيم تاريخ جزيرة العرب لخلق الظروف التى يفترض وجودها , فأعتمد على فرضية ان الصحوة القومية العربية قد اخذت فى التصاعد فى كل انحاء الجزيرة نتيجة لحدثين مهمين هما طرد الاحباش من اليمن وانتصار سيف بن ذى يزن عليهم بالاضافة لموقعة ذى قار التى انتصر فيها العرب على الفرس , وجعل من هذين الحدثين الشرارة التى اشعلت الحمية العربية .
وصاحب تلك الصحوة القومية عملية تحول فى الاوضاع الاقتصادية للجزيرة بصفة عامة , حيث زعم ان الجزيرة تحولت الى ممر تجارى عالمى , تعبر من خلاله كل تجارات العالم من اوروبا الى اسيا الى الهند والصين وشرق افريقيا , فكانت النهضة الاقتصادية الكبيرة المزعومة مصحوبة بالوعى القومى المتصور هما اساس الوحدة العربية اللاحقة .
لكن لو افترضنا ان الوعى السياسى والنمو الاقتصادى هما اساس قيام اى وحدة حضارية فان هذا لا يصح فى حالة العرب , الذين تمرسوا على الاستقلالية ونشأوا على النزعة القبلية , فكانت الحاجة ملحة لوجود عامل توحيد لهم , يوحد طاقاتهم وغاياتهم , ويستغل كل امكاناتهم , فكان الحل المنطقى حسبما افترضه القمنى هو النبوة .
لكن فكرة النبوة تحتاج لمقدمات ايديولوجية راسخة , فجعل من الحنيفية هى تلك الايديولوجيا , ورسمها على انها فرقة عقائدية منتشرة فى جزيرة العرب , ولها وضعها المعتبر , ولها غاياتها التى افترض انها تقوم على تنصيب شخص فى مكان النبوة ليكون القائد العربى الذى يوحد كل القبائل .
ولكى يبرر ظهور النبى فى مكة دون سائر البلدان , رسم لمكة صورة اخرى تقوم على نفس المحاور التى رسمها لجزيرة العرب , فهى كما ادعى ( ترانزيت عالمى ) , تمر من خلالها كل التجارة العالمية , فأكتسبت مكانتها بين العرب من هذا المنطلق وحده , وليس لأنها بلد الله الحرام , او لأن العرب عظموها لوجود الكعبة والحجر الاسود , فتطورت مكة سياسيا بعد نموها الاقتصادى وصارت الاصلح لقيادة العرب ولظهور النبوة فيها .
ثم بعد ذلك يجعل من بنى هاشم البيت الامثل لظهور النبوة , ففيهم عبد المطلب المصلح الاجتماعى الحنيفى – على حد زعمه – الذى اثر فى الرسول ايما تأثير , وصاحب الفكر السياسى الناضج , الذى مكنه من معرفة حقيقة ان النبوة هى التى ستوحد العرب لا شىء اخر .
وبعد كل هذه المقدمات , يفرغ الاسلام من كل اتصال له بالوحى والسماء , فيزعم ان فكرة النبوة انما اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم تبعا لتأثره بجده الحنيفى , والتشريعات الاسلامية انما استقاها مما شرعه زيد بن عمرو بن نفيل , اما القران فما هو الا اقتباس من اشعار امية بن ابى الصلت .
وبعد كل هذا الهذيان يمكن ان يتوصل بكل سهولة الى ان دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انما كانت مجرد تطبيق لطموح سياسى جال بخاطر الهاشميين ونضج فكريا فى ذهن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم , متزامنا مع الايديولوجيا الحنيفية ومتحالفا معها , وكان الرسول هو المنفذ لا اكثر لكل هذه النظريات والمساعى , ونجاح الدعوة وانتشارها بعد ذلك انما كان بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى جعلت العرب تواقين لحلم الوحدة القومية , لأستغلال كل امكاناتهم التى تساعدهم على بناء امبراطوريتهم .
وسوف نرد ان شاء الله على كل هذه الفرضيات متتبعين اسسها ومفاصلها التى تقوم عليها لنظهر مدى سقوط هذه القراءة للتاريخ الاسلامى .
نقد النظرية القمنية
ان افتراض ان النبوة هى الحل السياسى العبقرى لمعضلة غياب عامل التوحيد الذى يجمع العرب جميعا هو فرض ساقط عقلا , فالنزعة القبلية الاستقلالية كما ترفض اى توحد تحت راية سياسية واحدة كذلك ترفض التوحد تحت اى مسمى اخر حتى لو كان النبوة , فكما سيقول العربى لماذا نخضع لفلان ولا نخضع لرجل من قبيلتنا يمكنه ان يقول ايضا ولماذا لا يكون فينا هذا النبى , بل لقد قالوها فعلا , ولا ادل على ذلك من ظهور الانبياء الكذبة فى اليمامة واليمن ونجد , فقال اهل اليمامة " ان كاذب ربيعة خير عندنا من صادق مضر " , فالتعصب للقبيلة لا يغلب عليه خضوع لأى عامل اخر , وعليه فلا يمكن اعتبار ان النبوة مجرد حل لمعضلة التعصب القبلى .
وان قال احدهم ان النبى جعل المفاضلة تبعا للأنتماء العقيدى هى الاساس بغرض الغاء هذه العصبية لأغراض سياسية لقلنا ان هذا يستلزم طريقا طويلا يحتاج معه لأقناع الناس بهذا الانتماء العقائدى اولا , وترسيخه بقوة بحيث يصبح اقوى من العصبية القبلية , ولو كان الرسول يتحرك من منطلق سياسى محض – كما يزعم القمنى – فكان الاولى له ان يستخدم معيارا توحيديا موجودا اصلا فى نفوس العرب , ولا شىء فى هذه الحالة افضل من النزعة القومية العربية , فهو بذلك يوحدهم كأمة عربية واحدة , تكون المساواة فيها بين كل العرب هى الاساس , بل ويضمن عدم مخالفتهم اياه ومحاربتهم له فى مسائل الاعتقاد , وكذلك لا حاجة له ليصطدم معهم فى امور الحل والحرام وتقييد شهواتهم , وفوق هذا وذاك لن يساوى بينهم وبين الاجناس الاخرى ,فسيكونوا هم الاحق بكل الحقوق دون غيرهم , ويمكنه ان ينشىء - تبعا لهذا الانتماء القومى - كيانا اشبه بالكيان الرومانى .
واحد اوجه الخلل المنطقية فى النظرية ايضا كونها قائمة على فرضية هشة , وهى ان العرب سيغيب ان اذهانهم ان دعوة النبوة من قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – بغرض سياسى , فهذا اول ما سيتبادر الى اذهان القوم , ولن تنطلى عليهم هذه الحيلة السياسية , بل انهم ظنوا فعلا فى بادىء الامر ان هذه الدعوة انما لغرض سياسى بغية التملك عليهم , لكن طبع القمنى يرسم عبد المطلب وذريته وكأنهم العباقرة الذين ادركوا مالم يدركه غيرهم من العرب السذج .
نقطة ثالثة وهى الزعم بأن الاسلام كان دعوة حزبية من بنى هاشم بغرض التسلط على كل العرب , فأسأل لماذا آمن بالاسلام فى اضعف اللحظات واحرجها اناس ذوى مال وجاه وسلطان من بنى امية , المنافس التقليدى للهاشميين كما يحلو للقمنى ان يسميهم , الا يكفى هذا الامر لنسف الادعاء من اساسه ان الاسلام كان وسيلة لتحقيق الاطماع الهاشمية ؟
يتبع …
الرجاء المشاركة فى تفنيد هذا الكتاب
وقيمة هذا الكتاب فى نظرى لا تنبع من كونه كتاب علمى منهجى , او انه واسع الانتشار وشديد التأثير , فكل كتابات القمنى وامثاله تكاد ينحصر تأثيرها فى قراء كرخانة روز اليوسف وما لف لفها من المطبوعات , لكن الرد على مثل هذا الكتاب انما نبع من اهتمام النصارى كثيرا بأطروحاته , واحتجاجهم بترهاته وتخريفاته , فعزمت ان افند هذا الكتاب كاشفا زيفه وكذبه , وموضحا خطأه ومبينا تخبطه .
ان شاء الله سيكون ردنا على الكتاب مقسم لأجزاء ثلاثة :
الاول يشمل استعراض لغاية الكاتب وللأسس التى بنى عليها فكرته ونظريته واسلوبه المتبع فى سبيل الوصول لغايته
الثانى هدفه نقد النظرية التى يطرحها الكاتب بحجج عقلية مجردة
الثالث سنتتبع فيه الاسس التى بنى عليها نظريته بالنقد والرد واظهار الحقائق وكشف الزيف والتدليس فى جوانب كتابه
اهداف سيد القمنى
" ان محمدا لم يصنع العرب لكن العرب هم من صنعوا محمد "
هذه هى الفكرة التى يود سيد القمنى ان يوصلها من خلال كتابه , وهى فكرة قديمة قدم عصور الظلام الفكرى التى نعيشها الان , فهو يود ان يوضح ان الاسلام كعقيدة لا تمثل اى قيمة روحية او فكرية او اجتماعية تنبنى عليها حضارتنا, فما حدث من نهضة اسلامية كبرى فى عصر صدر الاسلام وما تلاه من العصور انما هو نتاج ظروف طرأت على جزيرة العرب , وافرزت الاسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وبالتبعية افرزت الحضارة الاسلامية ككل .
وبالتالى يجب علينا نحن العرب والمسلمين ان نكف عن السعى وراء حلم اعادة الحضارة الاسلامية , وترك كل الصيحات التى تدعو لأصلاح الدنيا بالدين , فكل هذه الافكار مغلوطة , ومبنية على اساس خاطىء , وقراءة مشوشة جامدة للتاريخ الاسلامى , وعلينا ان نبحث فى حاضرنا وظروفنا الحالية عما يعيننا على تغيير واقعنا , كما سعى العرب منذ الف وخمسمائة عام لأيجاد طريقة تغير واقعهم ومستقبلهم .
ولتحقيق هذه الغايات يقدم القمنى نظريته فى اطار رؤية جديدة لتاريخ العرب فى الجاهلية وصدر الاسلام , قوامها ترتيب الاحداث السابقة للأسلام بصورة تجعل منها مقدمات منطقية لنتيجة حتمية هى ظهور الاسلام , وجعل الاسلام مجرد وسيلة عربية لبلوغ مآرب قومية , فالاسلام هنا محطة وليس قاطرة , وما حدث للعرب من تغير كامل وتحول جذرى فى تاريخهم لم يكن الا نتيجة حتمية للتطور الاجتماعى الذى شهدته الجزيرة العربية فى القرن السابق للأسلام .
سس النظرية
احتاج سيد القمنى لتقديم نظريته الى اعادة ترسيم تاريخ جزيرة العرب لخلق الظروف التى يفترض وجودها , فأعتمد على فرضية ان الصحوة القومية العربية قد اخذت فى التصاعد فى كل انحاء الجزيرة نتيجة لحدثين مهمين هما طرد الاحباش من اليمن وانتصار سيف بن ذى يزن عليهم بالاضافة لموقعة ذى قار التى انتصر فيها العرب على الفرس , وجعل من هذين الحدثين الشرارة التى اشعلت الحمية العربية .
وصاحب تلك الصحوة القومية عملية تحول فى الاوضاع الاقتصادية للجزيرة بصفة عامة , حيث زعم ان الجزيرة تحولت الى ممر تجارى عالمى , تعبر من خلاله كل تجارات العالم من اوروبا الى اسيا الى الهند والصين وشرق افريقيا , فكانت النهضة الاقتصادية الكبيرة المزعومة مصحوبة بالوعى القومى المتصور هما اساس الوحدة العربية اللاحقة .
لكن لو افترضنا ان الوعى السياسى والنمو الاقتصادى هما اساس قيام اى وحدة حضارية فان هذا لا يصح فى حالة العرب , الذين تمرسوا على الاستقلالية ونشأوا على النزعة القبلية , فكانت الحاجة ملحة لوجود عامل توحيد لهم , يوحد طاقاتهم وغاياتهم , ويستغل كل امكاناتهم , فكان الحل المنطقى حسبما افترضه القمنى هو النبوة .
لكن فكرة النبوة تحتاج لمقدمات ايديولوجية راسخة , فجعل من الحنيفية هى تلك الايديولوجيا , ورسمها على انها فرقة عقائدية منتشرة فى جزيرة العرب , ولها وضعها المعتبر , ولها غاياتها التى افترض انها تقوم على تنصيب شخص فى مكان النبوة ليكون القائد العربى الذى يوحد كل القبائل .
ولكى يبرر ظهور النبى فى مكة دون سائر البلدان , رسم لمكة صورة اخرى تقوم على نفس المحاور التى رسمها لجزيرة العرب , فهى كما ادعى ( ترانزيت عالمى ) , تمر من خلالها كل التجارة العالمية , فأكتسبت مكانتها بين العرب من هذا المنطلق وحده , وليس لأنها بلد الله الحرام , او لأن العرب عظموها لوجود الكعبة والحجر الاسود , فتطورت مكة سياسيا بعد نموها الاقتصادى وصارت الاصلح لقيادة العرب ولظهور النبوة فيها .
ثم بعد ذلك يجعل من بنى هاشم البيت الامثل لظهور النبوة , ففيهم عبد المطلب المصلح الاجتماعى الحنيفى – على حد زعمه – الذى اثر فى الرسول ايما تأثير , وصاحب الفكر السياسى الناضج , الذى مكنه من معرفة حقيقة ان النبوة هى التى ستوحد العرب لا شىء اخر .
وبعد كل هذه المقدمات , يفرغ الاسلام من كل اتصال له بالوحى والسماء , فيزعم ان فكرة النبوة انما اختارها الرسول صلى الله عليه وسلم تبعا لتأثره بجده الحنيفى , والتشريعات الاسلامية انما استقاها مما شرعه زيد بن عمرو بن نفيل , اما القران فما هو الا اقتباس من اشعار امية بن ابى الصلت .
وبعد كل هذا الهذيان يمكن ان يتوصل بكل سهولة الى ان دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم انما كانت مجرد تطبيق لطموح سياسى جال بخاطر الهاشميين ونضج فكريا فى ذهن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم , متزامنا مع الايديولوجيا الحنيفية ومتحالفا معها , وكان الرسول هو المنفذ لا اكثر لكل هذه النظريات والمساعى , ونجاح الدعوة وانتشارها بعد ذلك انما كان بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى جعلت العرب تواقين لحلم الوحدة القومية , لأستغلال كل امكاناتهم التى تساعدهم على بناء امبراطوريتهم .
وسوف نرد ان شاء الله على كل هذه الفرضيات متتبعين اسسها ومفاصلها التى تقوم عليها لنظهر مدى سقوط هذه القراءة للتاريخ الاسلامى .
نقد النظرية القمنية
ان افتراض ان النبوة هى الحل السياسى العبقرى لمعضلة غياب عامل التوحيد الذى يجمع العرب جميعا هو فرض ساقط عقلا , فالنزعة القبلية الاستقلالية كما ترفض اى توحد تحت راية سياسية واحدة كذلك ترفض التوحد تحت اى مسمى اخر حتى لو كان النبوة , فكما سيقول العربى لماذا نخضع لفلان ولا نخضع لرجل من قبيلتنا يمكنه ان يقول ايضا ولماذا لا يكون فينا هذا النبى , بل لقد قالوها فعلا , ولا ادل على ذلك من ظهور الانبياء الكذبة فى اليمامة واليمن ونجد , فقال اهل اليمامة " ان كاذب ربيعة خير عندنا من صادق مضر " , فالتعصب للقبيلة لا يغلب عليه خضوع لأى عامل اخر , وعليه فلا يمكن اعتبار ان النبوة مجرد حل لمعضلة التعصب القبلى .
وان قال احدهم ان النبى جعل المفاضلة تبعا للأنتماء العقيدى هى الاساس بغرض الغاء هذه العصبية لأغراض سياسية لقلنا ان هذا يستلزم طريقا طويلا يحتاج معه لأقناع الناس بهذا الانتماء العقائدى اولا , وترسيخه بقوة بحيث يصبح اقوى من العصبية القبلية , ولو كان الرسول يتحرك من منطلق سياسى محض – كما يزعم القمنى – فكان الاولى له ان يستخدم معيارا توحيديا موجودا اصلا فى نفوس العرب , ولا شىء فى هذه الحالة افضل من النزعة القومية العربية , فهو بذلك يوحدهم كأمة عربية واحدة , تكون المساواة فيها بين كل العرب هى الاساس , بل ويضمن عدم مخالفتهم اياه ومحاربتهم له فى مسائل الاعتقاد , وكذلك لا حاجة له ليصطدم معهم فى امور الحل والحرام وتقييد شهواتهم , وفوق هذا وذاك لن يساوى بينهم وبين الاجناس الاخرى ,فسيكونوا هم الاحق بكل الحقوق دون غيرهم , ويمكنه ان ينشىء - تبعا لهذا الانتماء القومى - كيانا اشبه بالكيان الرومانى .
واحد اوجه الخلل المنطقية فى النظرية ايضا كونها قائمة على فرضية هشة , وهى ان العرب سيغيب ان اذهانهم ان دعوة النبوة من قبل الرسول – صلى الله عليه وسلم – بغرض سياسى , فهذا اول ما سيتبادر الى اذهان القوم , ولن تنطلى عليهم هذه الحيلة السياسية , بل انهم ظنوا فعلا فى بادىء الامر ان هذه الدعوة انما لغرض سياسى بغية التملك عليهم , لكن طبع القمنى يرسم عبد المطلب وذريته وكأنهم العباقرة الذين ادركوا مالم يدركه غيرهم من العرب السذج .
نقطة ثالثة وهى الزعم بأن الاسلام كان دعوة حزبية من بنى هاشم بغرض التسلط على كل العرب , فأسأل لماذا آمن بالاسلام فى اضعف اللحظات واحرجها اناس ذوى مال وجاه وسلطان من بنى امية , المنافس التقليدى للهاشميين كما يحلو للقمنى ان يسميهم , الا يكفى هذا الامر لنسف الادعاء من اساسه ان الاسلام كان وسيلة لتحقيق الاطماع الهاشمية ؟
يتبع …
الرجاء المشاركة فى تفنيد هذا الكتاب
ردود على افكار القمنى
Comment