النفثة الحادية عشر
قال الحافظ ابن الوزير :
وأما ما يختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة والدلالات الواضحة فأكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر وقد صنفت في ذلك مصنفات كثيرة منها كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي وغيره لكن تقصيها هنا مما لم تدع إليه الحاجة .. ولكنا نتبرك ونتشرف بذكر شيء يسير منها على جهة الاشارة والرمز إلى جمل من ذلك على حسب ما يليق بهذا المختصر فنقول كما قال واحد من علماء الاسلام
إن معجزاته صلى الله عليه وسلم قسمان حسية وعقلية أما الحسية فثلاثة أقسام أحدها أمور خارجة عن ذاته وثانيها أمور في ذاته وثالثها أمور في صفاته
أما القسم الأول وهو الاشياء الخارجة عن ذاته فمثل انشقاق القمر وطاعة الشجر في المشي إليه وتسليم الحجر وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين أصابعه واشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشكاة الناقة وشهادة الشاة المشوية واظلال السحاب قبل مبعثه وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أراد أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده المباركة على ضرعها وأمثال ذلك ولو ذكرت طرق ذلك وأسانيده لمنع عن المقصود بالاختصار وأخرج عنه إلى التآليف الكبار
وأما القسم الثاني وهي الأمور العائدة إلى ذاته فهو مثل ما كان من الخاتم بين كتفيه والنور الذي كان ينتقل من أب إلى أب إلى أن خرج إلى الدنيا وما شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته
وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها فمن ذلك أن أحدا ما سمع منه كذبا لا في أمور الدين ولا في أمور الدنيا ولو صدر عنه شيء من ذلك مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في نشره واظهاره
الثاني أنه ما فعل قبيحا منفرا عنه لا قبل النبوة ولا بعدها الثالث أنه لم يفر عن أحد من أعدائه لا قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف واشتد الأمر مثل يوم أحد ويوم الأحزاب الرابع أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على أمته كما قال الله تعالى( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات )وقال تعالى( فلعلك باخع نفسك )وقال تعالى (ولا تحزن عليهم )وقال تعالى (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )الخامس أنه كان في أعظم الدرجات في الكرم والسخاء حتى أن الله تعالى علمه التوسط في ذلك حيث قال له ولا تبسطها كل البسط السادس أنه ما كان للدنيا في قلبه وقع السابع أنه كان في غاية الفصاحة
الثامن أنه بقي على طريقته المرضية أول عمره إلى آخره والمزور لا يمكنه ذلك وإليه الاشارة بقوله تعالى وما أنا من المتكلفين التاسع أنه صلى الله عليه وسلم كان مع أهل الغنى والثروة في غاية البعد عن المطامع والترفع عنها ومع الفقراء والمساكين في غاية القرب منهم والتواضع لهم واللطف بهم العاشر أنه كان صلى الله عليه وسلم في كل واحدة من هذه الأخلاق الكريمة في الغاية القصوى من الكمال ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل العصمة من الله تعالى فكان اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات
وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع النوع الأول أنه ظهر بين قبيلة ما كانوا من أهل العلم ومن بلدة ما كان فيها أحد من العلماء في ذلك العصر بل كانت الجهالة غالبة عليهم ولم يتفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين كلاهما إلى الشام وكانت مدة سفر قليلة ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى بلده حتى يقال أنه تعلم العلم من ذلك الحكيم فاذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل هذه القبيلة رجل بارع الكمال فائق على فحول الرجال من غير أن يمارس شيئا من العلوم ولا يخالط أحدا من العلماء ألبتة ثم بلغ في معرفة الله تعالى وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الذي عجز عنه جميع الأذكياء من العقلاء بل عجزوا عن القرب منه والمداناة له بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن يزاد في تقرير أصول الدلائل ومهمات المعارف على ما ورد في القرآن العظيم ثم ذكر قصص الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الاعداء العارفين بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال عند مجادلتهم له (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)
فحادوا عن ذلك وعرفوا صدقه واجابة دعوته ولم يقدر أحد من أعدائه أن ينسب إليه أنه أخذ ذلك من مطالعة كتاب ولا صحبة أستاذ وكانت هذه الاحوال ظاهرة معلومة عند الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كما أشار إليه قوله تعالى(أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون )وقال (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )وقال (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن هذه الاحوال لا تتيسر إلا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني
النوع الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل اظهاره دعوى الرسالة غير باحث عن هذه الامور ولا مشغول بها ولا جرى على لسانه حديث
النبوة لنفسه ودعوى الرسالة والذي يدل على ذلك أنه لو اتفق له خوض في هذه المطالب لقال الكفار أنه أفنى عمره في ذلك وفي جمع القرآن حتى قدر على ذلك بعد طول التأمل والتدبر وجاء به ولما لم يذكر هذا عن أحد من الاعداء مع شدة حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا ذلك ومعلوم أن من انقضى من عمره أربعون سنة ولم يخض في شيء من هذه المطالب ثم أنه خاض فيها دفعة واحد وأتى بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته فصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا على سبيل الوحي من الله تعالى
النوع الثالث أنه صلى الله عليه وسلم تحمل في أداء الرسالة أنواع المتاعب والمشاق فلم يغيره ذلك عن المنهج الأول ولم يطمع في مال أحد ولا في جاهه بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ولا في اصطباره قصور ثم أنه لما قهر الأعداء وقويت شوكته ونفذت أوامره في الأموال والارواح لم يتغير عن منهجه الأول في الزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة وكل من أنصف علم أن المزور وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذكر ذلك لا يكون كذلك فان المزور إنما يروج الكذب والباطل على الحق لكي يتمكن من الدنيا فاذا وجدها لم يملك نفسه عن الانتفاع بها لكيلا يكون ساعيا في تضييع مطلوبه بل تضييع مطلوبه بل تضييع دنياه وآخرته وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء
النوع الرابع من معجزاته العقلية أنه كان مستجاب الدعوة وذلك معلوم بالتواتر الضروري لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آياته واعلامه وذلك ثابت في الكتب الست بالأسانيد المعروفة من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد وأبي زيد ابن أخطب ويزيد ابن أبي عبيد وابن مسعود وأنس والبراء بن عازب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم
قال الحافظ ابن الوزير :
وأما ما يختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات الباهرة والدلالات الواضحة فأكثر من أن يحصر وأشهر من أن يذكر وقد صنفت في ذلك مصنفات كثيرة منها كتاب الشفاء للقاضي عياض المالكي وغيره لكن تقصيها هنا مما لم تدع إليه الحاجة .. ولكنا نتبرك ونتشرف بذكر شيء يسير منها على جهة الاشارة والرمز إلى جمل من ذلك على حسب ما يليق بهذا المختصر فنقول كما قال واحد من علماء الاسلام
إن معجزاته صلى الله عليه وسلم قسمان حسية وعقلية أما الحسية فثلاثة أقسام أحدها أمور خارجة عن ذاته وثانيها أمور في ذاته وثالثها أمور في صفاته
أما القسم الأول وهو الاشياء الخارجة عن ذاته فمثل انشقاق القمر وطاعة الشجر في المشي إليه وتسليم الحجر وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين أصابعه واشباع الخلق الكثير من الطعام القليل وشكاة الناقة وشهادة الشاة المشوية واظلال السحاب قبل مبعثه وما كان من حال أبي جهل وصخرته حين أراد أن يضربها على رأسه وما كان من شاة أم معبد حين مسح يده المباركة على ضرعها وأمثال ذلك ولو ذكرت طرق ذلك وأسانيده لمنع عن المقصود بالاختصار وأخرج عنه إلى التآليف الكبار
وأما القسم الثاني وهي الأمور العائدة إلى ذاته فهو مثل ما كان من الخاتم بين كتفيه والنور الذي كان ينتقل من أب إلى أب إلى أن خرج إلى الدنيا وما شوهد من خلقته وصورته التي يحكم علم الفراسة بأنها دالة على نبوته
وأما القسم الثالث وهو ما يتعلق بصفاته فهي كثيرة ونحن نشير إلى بعضها فمن ذلك أن أحدا ما سمع منه كذبا لا في أمور الدين ولا في أمور الدنيا ولو صدر عنه شيء من ذلك مرة واحدة لاجتهد أعداؤه في نشره واظهاره
الثاني أنه ما فعل قبيحا منفرا عنه لا قبل النبوة ولا بعدها الثالث أنه لم يفر عن أحد من أعدائه لا قبل النبوة ولا بعدها وان عظم الخوف واشتد الأمر مثل يوم أحد ويوم الأحزاب الرابع أنه كان عظيم الشفقة والرحمة على أمته كما قال الله تعالى( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات )وقال تعالى( فلعلك باخع نفسك )وقال تعالى (ولا تحزن عليهم )وقال تعالى (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم )الخامس أنه كان في أعظم الدرجات في الكرم والسخاء حتى أن الله تعالى علمه التوسط في ذلك حيث قال له ولا تبسطها كل البسط السادس أنه ما كان للدنيا في قلبه وقع السابع أنه كان في غاية الفصاحة
الثامن أنه بقي على طريقته المرضية أول عمره إلى آخره والمزور لا يمكنه ذلك وإليه الاشارة بقوله تعالى وما أنا من المتكلفين التاسع أنه صلى الله عليه وسلم كان مع أهل الغنى والثروة في غاية البعد عن المطامع والترفع عنها ومع الفقراء والمساكين في غاية القرب منهم والتواضع لهم واللطف بهم العاشر أنه كان صلى الله عليه وسلم في كل واحدة من هذه الأخلاق الكريمة في الغاية القصوى من الكمال ولا يتفق ذلك لأحد من الخلق غير أهل العصمة من الله تعالى فكان اجتماع ذلك في صفاته من أعظم المعجزات
وأما المعجزات العقلية فهي ستة أنواع النوع الأول أنه ظهر بين قبيلة ما كانوا من أهل العلم ومن بلدة ما كان فيها أحد من العلماء في ذلك العصر بل كانت الجهالة غالبة عليهم ولم يتفق له سفر من تلك البلدة إلا مرتين كلاهما إلى الشام وكانت مدة سفر قليلة ولم يذهب أحد من العلماء والحكماء إلى بلده حتى يقال أنه تعلم العلم من ذلك الحكيم فاذا خرج من مثل هذه البلدة ومثل هذه القبيلة رجل بارع الكمال فائق على فحول الرجال من غير أن يمارس شيئا من العلوم ولا يخالط أحدا من العلماء ألبتة ثم بلغ في معرفة الله تعالى وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه هذا المبلغ العظيم الذي عجز عنه جميع الأذكياء من العقلاء بل عجزوا عن القرب منه والمداناة له بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن يزاد في تقرير أصول الدلائل ومهمات المعارف على ما ورد في القرآن العظيم ثم ذكر قصص الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الاعداء العارفين بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال بذلك أن يخطئه في شيء منها بل بلغ كلامه في البعد من الريب إلى أن قال عند مجادلتهم له (تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)
فحادوا عن ذلك وعرفوا صدقه واجابة دعوته ولم يقدر أحد من أعدائه أن ينسب إليه أنه أخذ ذلك من مطالعة كتاب ولا صحبة أستاذ وكانت هذه الاحوال ظاهرة معلومة عند الاصدقاء والأعداء والقرباء والبعداء كما أشار إليه قوله تعالى(أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون )وقال (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون )وقال (فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم علم أن هذه الاحوال لا تتيسر إلا بالتعليم الالهي والتوفيق الرباني
النوع الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان قبل اظهاره دعوى الرسالة غير باحث عن هذه الامور ولا مشغول بها ولا جرى على لسانه حديث
النبوة لنفسه ودعوى الرسالة والذي يدل على ذلك أنه لو اتفق له خوض في هذه المطالب لقال الكفار أنه أفنى عمره في ذلك وفي جمع القرآن حتى قدر على ذلك بعد طول التأمل والتدبر وجاء به ولما لم يذكر هذا عن أحد من الاعداء مع شدة حرصهم على الطعن فيه وفي نبوته علمنا ذلك ومعلوم أن من انقضى من عمره أربعون سنة ولم يخض في شيء من هذه المطالب ثم أنه خاض فيها دفعة واحد وأتى بكلام عجز الأولون والآخرون عن معارضته فصريح العقل يشهد بأن هذا لا يكون إلا على سبيل الوحي من الله تعالى
النوع الثالث أنه صلى الله عليه وسلم تحمل في أداء الرسالة أنواع المتاعب والمشاق فلم يغيره ذلك عن المنهج الأول ولم يطمع في مال أحد ولا في جاهه بل صبر على تلك المشاق والمتاعب ولم يظهر في عزمه فتور ولا في اصطباره قصور ثم أنه لما قهر الأعداء وقويت شوكته ونفذت أوامره في الأموال والارواح لم يتغير عن منهجه الأول في الزهد في الدنيا والاقبال على الآخرة وكل من أنصف علم أن المزور وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذكر ذلك لا يكون كذلك فان المزور إنما يروج الكذب والباطل على الحق لكي يتمكن من الدنيا فاذا وجدها لم يملك نفسه عن الانتفاع بها لكيلا يكون ساعيا في تضييع مطلوبه بل تضييع مطلوبه بل تضييع دنياه وآخرته وذلك ما لا يفعله أحد من العقلاء
النوع الرابع من معجزاته العقلية أنه كان مستجاب الدعوة وذلك معلوم بالتواتر الضروري لمن عرف سيرته وأخباره وأحواله بل لمن طالع كتب آياته واعلامه وذلك ثابت في الكتب الست بالأسانيد المعروفة من حديث جابر بن عبد الله وأبي هريرة والسائب بن يزيد وأبي زيد ابن أخطب ويزيد ابن أبي عبيد وابن مسعود وأنس والبراء بن عازب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم
Comment