منقول
المصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وآله الطاهرين، وصحابته أجمعين.
أما بعد، إن غرضي من هذا أن أثبت فيه لطلبة العلم، على سبيل التذكرة، بعض القواعد التي على طالب العلم أن يتبعها في مناقشات أهل البدع في توحيد الأسماء والصفات، طالباً للثواب راغباً إلى الله تعالى في التوفيق للصواب، إنه على ما يشاء قدير وبعباده خبير، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
القاعدة الأولى: (لازم المذهب ليس مذهباً)
أعلم يا طالب العلم، إن لازم أقوال العلماء غير قولهم، وليس لازم المذهب مذهباً، ، قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى 16/461):"لازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً"، وهذا هو الأصل؛ إلا إذا عُلم من العالم أنه لا يمنعه.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يثبت لله صفة الاستواء: إنه يلزمك من إثبات صفة الاستواء إثبات صفة العلو.
فيقول المثبت: نعم ألتزم به؛ لأن الاستواء دليل من أدلة العلو.
أما إذا منع العالم التلازم بأن بين امتناع وجه التلازم، فلا يجوز إضافته إليه.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يؤمن بصفة الكلام: "إنه يلزمك من إثبات صفة الكلام التشبيه".
فيقول المثبت: "لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الكلام إلى الخالق قطعنا توهم المشابهة، كما إنك أيها الكافر بصفة الكلام، تثبت لله ذاتاً وتمنع أن يكون الله مشابهاً للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في صفة الكلام إذ إن القول في الذات كالقول في الصفات".
أما إذا كان اللازم مسكوتاً عنه، فلا ينسب لازم القول إليه؛ لأن الأصل (لازم أقوال العلماء غير قولهم، وليس لازم المذهب مذهباً).
القاعدة الثانية: (عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم)
إن أكثر المبتدعة يجعل عمدته في نفي الأسماء والصفات، عدم علمه بالأدلة أو تأويلها، والأصل أن عدم العلم بدليل صفة ما أو تأويل الصفة، ليس علماً بعدم إثباتها، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، فالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (يونس: 39) فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه.
مثال ذلك:
إذا قال متكلم: "ليس لله يداً؛ بدليل إنه لا دليل على إن لله يداً".
قيل له: "عدم الدليل ليس دليلاً".
أما إذا قيل لمن ينفي صفة اليد: "إن لله يداً، بدليل قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح: 10)".
فتأول قائلاً: "ليس لله يداً؛ لأن اليد هنا بمعنى القدرة".
قيل له: "عدم الدليل ليس دليلاً؛ أي عدم ثبوت مدلول الآية على صفة اليد ليس دليلاً على عدم ثبوت هذه الصفة"، ومن ثم يبين فساد تأويله.
القاعدة الثالثة: (لا يجوز قطع الموصول من الدليل والاستدلال بجزئه)
قد جعل الله تعالى كلامه موصولاً، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (القصص: 51) "فهذه تسمية الله عز وجل لكلامه ووصفه له بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير وهو الذي اختاره لنفسه ولكلامه وارتضاه له، وقال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} (الرعد: 21) فامتدحهم بصلة ما وصل وأثنى عليهم في غير آية من كتابه ووعدهم على ذلك أحسن عدة وهي الجنة، وقال عز وجل: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 22-24) فهذه مدحة الله وهذا ثناء الله، وهذا جزاء الله لمن وصل ما وصل.
ولقد ذم الله عز وجل الذين قطعوا ما أمر الله بصلته وذمهم ولعنهم وجعلهم من الخاسرين فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (البقرة: 27) فهذا ذم الله لمن قطع ما وصل الله وما أمر بصلته وهو وعيد الله لهم بالنار" (انظر: الحيدة والاعتذار ص72-73).
فإن أكثر المبتدعة تقطع الموصول من الدليل استنصاراً لبدعتهم، فيجب عليك يا طالب العلم الحذر من هذا المسلك المذموم.
مثال ذلك:
ذكر الآجري في (الشريعة ص222) إن لما احتج غيلان الدمشقي القدري أمام عمر بن عبد العزيز على مقالته في القدر بقول الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان:2-3).
قال له عمر: "اقرأ آخر السورة: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الإنسان: 30-31)، ثم قال عمر: وما تقول يا غيلان؟
قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني...
فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك، فصلبه.
مثال آخر:
زعمت المبتدعة بأن الله تعالى أنكر على اليهود ولعنهم لإثبات اليد له، في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} (المائدة: 64)، وهذا باطل ينقضه تكملة الآية، بل إن صريح الآية في إثباتها، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} فالإنكار وقع لما نسبت اليهود يد الله إلى النقص والعيب، ولم ينكر عليهم إثبات اليد له تعالى، فلعنهم على وصف يده بالعيب، وأثبت له يدين مبسوطتين، وبهذا يعلم تلبيس المعطلة على أشباههم.
القاعدة الرابعة: (التوقف عند الإيهام والاستفصال عند الإجمال)
اعلم يا طالب العلم، إذا أورد عليك مبتدع لفظاً مجملاً يحتمل حقاً وباطلاً، لم يكن لك إثبات اللفظ أو نفيه، بل الواجب التوقف، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا لقصور أو تقصير في بيان الحق؛ ولكن لأن اللفظ مجمل، والعبارة موهمة مشتملة على الحق والباطل، ففي إثباتها إثبات الحق والباطل، وفي نفيها نفي الحق والباطل، فالواجب الامتناع عن كلا الإطلاقين، ثم الاستفسار عن مراد صاحبها بها فإن أراد بها حقاً قُبل، وإن أراد بها باطلاً رُد (انظر: درء التعارض 1/76).
مثال لك:
قال الإمام أحمد في (الرد على الجهمية ص73): "إذا سأل الجهمي فقال: أخبرونا عن القرآن، هو الله أو غيره؟ قيل له: وإن الله جل ثناؤه لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا، ولم يقل: غيري، وقال: هو كلامي، فسميناه باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين".
مثال آخر:
فلو سأل سائل: "هل تثبتون لله الجهة؟"
الجواب: "لفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لا إثباتاً ولا نفياً، فما هو مرادك بها؟ فإن أردت بها جهة السفل، فالمعنى باطل لمنافاته العلو لله تعالى الثابت في الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. أما لو أردت جهة العلو تحيط بالله تعالى، فالمعنى باطل – أيضاً -؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. وأما لو أريد جهة العلو لا تحيط به، المعنى حق يجب إثباته؛ لأن الله تعالى هو العلي الأعلى، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته".
القاعدة الخامسة: (موافقة النصوص لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ)
قد عَلَمَ رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – صاحِبَهُ البراء بن عازب – رضي الله عنه – كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه، وفيها: "... آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت" قال البراء: "فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت. قال – أي محمد رسول الله -: "قل آمنت بنبيك الذي أرسلت" (أخرجه مسلم). ومن فوائد هذا الحديث إن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ؛ لأن ذلك يكون تحقيقاً لكمال الموافقة.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يؤمن بصفة العلو: "أنت تثبت لله الجهة".
فيقول المثبت: "إن كان معنى الجهة صفة العلو، فالمعنى حق، ولكن الأولى موافقة النص باللفظ والمعنى، فيقال (صفة العلو) أو (الله في السماء) بدل (الجهة)".
القاعدة السادسة: (الاستنباط الفاسد فرع من أصل فاسد)
أعلم يا طالب العلم، إن الشيطان قد استحوذ على عقول المبتدعة حتى ظهر على أيديهم بدع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك لأنهم قد أعملوا عقولهم في اختراع أصول فاسدة استنبطوا منها استنباطات فاسدة؛ فكل استنباط فاسد لابد أن يكون أثر لأصل فاسد محدث، فابحث عن ذلك الأصل وانقضه؛ فإن أفضل طريقة للرد على أهل البدع بنقض أصولهم التي اعتمدوا عليها في الأسماء والصفات، وقد سلك ابن تيمية هذا المسلك في كتابه (بيان تلبيس الجهيمة في تأسيس بدعهم الكلامية) والمعروف بـ(نقض تأسيس الجهمية) أيضاً، وغيرها من المصنفات.
مثال ذلك:
بدعة القول بخلق القرآن، فهذه البدعة فرع من القول بعدم جواز تسلسل الحوادث في الماضي، فألزم أهل البدع أنفسهم بأن الله كان معطل عن الفعل، واستدلوا على إن الله معطل عن الفعل بما حكاه الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 75-78) واستشهدوا من هذه الآيات بقوله تعالى حاكياً عن إبراهيم - عليه السلام -: {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}، فزعموا بأن الأفول هي الحركة، والحركة فعل، والأفعال حوادث، وإبراهيم - عليه السلام - لا يحب الآفلين، أي لا يحب الحوادث، فعلم بأن الله معطل عن الفعل. وهذا الأصل باطل للأمور الآتية:
أولاً: إن الأفول ليس هو الحركة، وذلك باتفاق أهل اللغة والمفسرين فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلاً ولا يقال للمتحرك إنه آفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس، إنه أفول، فلا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت، وإنما يقال: "أفلت إذا غابت، واحتجبت"، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، إن آفلاً بمعنى غائب.
ثانياً: إن الكواكب التي رآها إبراهيم - عليه السلام - كانت متحركة في بزوغها فلو أنه - عليه السلام - كان يستدل بالحركة التي يسمونها تغيراً، لكان قد قال ذلك من حين رآها بازغة، ولما انتظر أفولها.
ثالثاً: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن بصدد إثبات الصانع، حتى يستدل بحادث على محدث؛ لأن قومه كانوا مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع، ولهذا قال الخليل - عليه السلام -: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 75-77) فذكر ما كانوا يصنعون من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر رباً يعبدونه، ويتقربون إليه، فكانوا بذلك يشركون معه غيره في العبادة، فأراد أن يبين لهم إن الله هو المستحق للعبادة وحده.
وبهذا ينتقض استدلال المتكلمين بقصة إبراهيم - عليه السلام -، في إثبات تعطيل الله عن الفعل، فانتقض أصلاً من الأصول التي اعتمدوا عليها في بدعة خلق القرآن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيَّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
أخوكم الفقير إلى الله الغني المنان/ أبو إبراهيم أحمد الرئيسي البلوشي
(8 صفر 1425هـ)
المصدر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وآله الطاهرين، وصحابته أجمعين.
أما بعد، إن غرضي من هذا أن أثبت فيه لطلبة العلم، على سبيل التذكرة، بعض القواعد التي على طالب العلم أن يتبعها في مناقشات أهل البدع في توحيد الأسماء والصفات، طالباً للثواب راغباً إلى الله تعالى في التوفيق للصواب، إنه على ما يشاء قدير وبعباده خبير، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
القاعدة الأولى: (لازم المذهب ليس مذهباً)
أعلم يا طالب العلم، إن لازم أقوال العلماء غير قولهم، وليس لازم المذهب مذهباً، ، قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى 16/461):"لازم المذهب لا يجب أن يكون مذهباً"، وهذا هو الأصل؛ إلا إذا عُلم من العالم أنه لا يمنعه.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يثبت لله صفة الاستواء: إنه يلزمك من إثبات صفة الاستواء إثبات صفة العلو.
فيقول المثبت: نعم ألتزم به؛ لأن الاستواء دليل من أدلة العلو.
أما إذا منع العالم التلازم بأن بين امتناع وجه التلازم، فلا يجوز إضافته إليه.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يؤمن بصفة الكلام: "إنه يلزمك من إثبات صفة الكلام التشبيه".
فيقول المثبت: "لا يلزم ذلك؛ لأننا عندما أضفنا الكلام إلى الخالق قطعنا توهم المشابهة، كما إنك أيها الكافر بصفة الكلام، تثبت لله ذاتاً وتمنع أن يكون الله مشابهاً للخلق في ذاته، فقل ذلك أيضاً في صفة الكلام إذ إن القول في الذات كالقول في الصفات".
أما إذا كان اللازم مسكوتاً عنه، فلا ينسب لازم القول إليه؛ لأن الأصل (لازم أقوال العلماء غير قولهم، وليس لازم المذهب مذهباً).
القاعدة الثانية: (عدم العلم بالدليل ليس علماً بالعدم)
إن أكثر المبتدعة يجعل عمدته في نفي الأسماء والصفات، عدم علمه بالأدلة أو تأويلها، والأصل أن عدم العلم بدليل صفة ما أو تأويل الصفة، ليس علماً بعدم إثباتها، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، فالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (يونس: 39) فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه.
مثال ذلك:
إذا قال متكلم: "ليس لله يداً؛ بدليل إنه لا دليل على إن لله يداً".
قيل له: "عدم الدليل ليس دليلاً".
أما إذا قيل لمن ينفي صفة اليد: "إن لله يداً، بدليل قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} (الفتح: 10)".
فتأول قائلاً: "ليس لله يداً؛ لأن اليد هنا بمعنى القدرة".
قيل له: "عدم الدليل ليس دليلاً؛ أي عدم ثبوت مدلول الآية على صفة اليد ليس دليلاً على عدم ثبوت هذه الصفة"، ومن ثم يبين فساد تأويله.
القاعدة الثالثة: (لا يجوز قطع الموصول من الدليل والاستدلال بجزئه)
قد جعل الله تعالى كلامه موصولاً، قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (القصص: 51) "فهذه تسمية الله عز وجل لكلامه ووصفه له بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير وهو الذي اختاره لنفسه ولكلامه وارتضاه له، وقال: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} (الرعد: 21) فامتدحهم بصلة ما وصل وأثنى عليهم في غير آية من كتابه ووعدهم على ذلك أحسن عدة وهي الجنة، وقال عز وجل: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 22-24) فهذه مدحة الله وهذا ثناء الله، وهذا جزاء الله لمن وصل ما وصل.
ولقد ذم الله عز وجل الذين قطعوا ما أمر الله بصلته وذمهم ولعنهم وجعلهم من الخاسرين فقال عز وجل: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (البقرة: 27) فهذا ذم الله لمن قطع ما وصل الله وما أمر بصلته وهو وعيد الله لهم بالنار" (انظر: الحيدة والاعتذار ص72-73).
فإن أكثر المبتدعة تقطع الموصول من الدليل استنصاراً لبدعتهم، فيجب عليك يا طالب العلم الحذر من هذا المسلك المذموم.
مثال ذلك:
ذكر الآجري في (الشريعة ص222) إن لما احتج غيلان الدمشقي القدري أمام عمر بن عبد العزيز على مقالته في القدر بقول الله تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (الإنسان:2-3).
قال له عمر: "اقرأ آخر السورة: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الإنسان: 30-31)، ثم قال عمر: وما تقول يا غيلان؟
قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالاً فهديتني...
فتاب، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك، فصلبه.
مثال آخر:
زعمت المبتدعة بأن الله تعالى أنكر على اليهود ولعنهم لإثبات اليد له، في قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} (المائدة: 64)، وهذا باطل ينقضه تكملة الآية، بل إن صريح الآية في إثباتها، قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} فالإنكار وقع لما نسبت اليهود يد الله إلى النقص والعيب، ولم ينكر عليهم إثبات اليد له تعالى، فلعنهم على وصف يده بالعيب، وأثبت له يدين مبسوطتين، وبهذا يعلم تلبيس المعطلة على أشباههم.
القاعدة الرابعة: (التوقف عند الإيهام والاستفصال عند الإجمال)
اعلم يا طالب العلم، إذا أورد عليك مبتدع لفظاً مجملاً يحتمل حقاً وباطلاً، لم يكن لك إثبات اللفظ أو نفيه، بل الواجب التوقف، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا لقصور أو تقصير في بيان الحق؛ ولكن لأن اللفظ مجمل، والعبارة موهمة مشتملة على الحق والباطل، ففي إثباتها إثبات الحق والباطل، وفي نفيها نفي الحق والباطل، فالواجب الامتناع عن كلا الإطلاقين، ثم الاستفسار عن مراد صاحبها بها فإن أراد بها حقاً قُبل، وإن أراد بها باطلاً رُد (انظر: درء التعارض 1/76).
مثال لك:
قال الإمام أحمد في (الرد على الجهمية ص73): "إذا سأل الجهمي فقال: أخبرونا عن القرآن، هو الله أو غيره؟ قيل له: وإن الله جل ثناؤه لم يقل في القرآن: إن القرآن أنا، ولم يقل: غيري، وقال: هو كلامي، فسميناه باسم سماه الله به، فقلنا: كلام الله، فمن سمى القرآن باسم سماه الله به كان من المهتدين، ومن سماه باسم غيره كان من الضالين".
مثال آخر:
فلو سأل سائل: "هل تثبتون لله الجهة؟"
الجواب: "لفظ الجهة لم يرد في الكتاب ولا في السنة، لا إثباتاً ولا نفياً، فما هو مرادك بها؟ فإن أردت بها جهة السفل، فالمعنى باطل لمنافاته العلو لله تعالى الثابت في الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة. أما لو أردت جهة العلو تحيط بالله تعالى، فالمعنى باطل – أيضاً -؛ لأن الله تعالى أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. وأما لو أريد جهة العلو لا تحيط به، المعنى حق يجب إثباته؛ لأن الله تعالى هو العلي الأعلى، ولا يحيط به شيء من مخلوقاته".
القاعدة الخامسة: (موافقة النصوص لفظاً ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ)
قد عَلَمَ رسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – صاحِبَهُ البراء بن عازب – رضي الله عنه – كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه، وفيها: "... آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت" قال البراء: "فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت. قال – أي محمد رسول الله -: "قل آمنت بنبيك الذي أرسلت" (أخرجه مسلم). ومن فوائد هذا الحديث إن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ؛ لأن ذلك يكون تحقيقاً لكمال الموافقة.
مثال ذلك:
إذا قيل لمن يؤمن بصفة العلو: "أنت تثبت لله الجهة".
فيقول المثبت: "إن كان معنى الجهة صفة العلو، فالمعنى حق، ولكن الأولى موافقة النص باللفظ والمعنى، فيقال (صفة العلو) أو (الله في السماء) بدل (الجهة)".
القاعدة السادسة: (الاستنباط الفاسد فرع من أصل فاسد)
أعلم يا طالب العلم، إن الشيطان قد استحوذ على عقول المبتدعة حتى ظهر على أيديهم بدع في توحيد الأسماء والصفات، وذلك لأنهم قد أعملوا عقولهم في اختراع أصول فاسدة استنبطوا منها استنباطات فاسدة؛ فكل استنباط فاسد لابد أن يكون أثر لأصل فاسد محدث، فابحث عن ذلك الأصل وانقضه؛ فإن أفضل طريقة للرد على أهل البدع بنقض أصولهم التي اعتمدوا عليها في الأسماء والصفات، وقد سلك ابن تيمية هذا المسلك في كتابه (بيان تلبيس الجهيمة في تأسيس بدعهم الكلامية) والمعروف بـ(نقض تأسيس الجهمية) أيضاً، وغيرها من المصنفات.
مثال ذلك:
بدعة القول بخلق القرآن، فهذه البدعة فرع من القول بعدم جواز تسلسل الحوادث في الماضي، فألزم أهل البدع أنفسهم بأن الله كان معطل عن الفعل، واستدلوا على إن الله معطل عن الفعل بما حكاه الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ} (الأنعام: 75-78) واستشهدوا من هذه الآيات بقوله تعالى حاكياً عن إبراهيم - عليه السلام -: {قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}، فزعموا بأن الأفول هي الحركة، والحركة فعل، والأفعال حوادث، وإبراهيم - عليه السلام - لا يحب الآفلين، أي لا يحب الحوادث، فعلم بأن الله معطل عن الفعل. وهذا الأصل باطل للأمور الآتية:
أولاً: إن الأفول ليس هو الحركة، وذلك باتفاق أهل اللغة والمفسرين فلا يسمى في اللغة كل متحرك أو متغير آفلاً ولا يقال للمتحرك إنه آفل، فلا يقال للمصلي، أو الماشي إنه آفل، ولا يقال للتغير الذي هو استحالة كالمرض واصفرار الشمس، إنه أفول، فلا يقال للشمس إذا اصفرت إنها أفلت، وإنما يقال: "أفلت إذا غابت، واحتجبت"، وهذا من المتواتر المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، إن آفلاً بمعنى غائب.
ثانياً: إن الكواكب التي رآها إبراهيم - عليه السلام - كانت متحركة في بزوغها فلو أنه - عليه السلام - كان يستدل بالحركة التي يسمونها تغيراً، لكان قد قال ذلك من حين رآها بازغة، ولما انتظر أفولها.
ثالثاً: إن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن بصدد إثبات الصانع، حتى يستدل بحادث على محدث؛ لأن قومه كانوا مشركين، يعبدون الكواكب والأصنام، ويقرون بالصانع، ولهذا قال الخليل - عليه السلام -: {أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء: 75-77) فذكر ما كانوا يصنعون من اتخاذ الكواكب والشمس والقمر رباً يعبدونه، ويتقربون إليه، فكانوا بذلك يشركون معه غيره في العبادة، فأراد أن يبين لهم إن الله هو المستحق للعبادة وحده.
وبهذا ينتقض استدلال المتكلمين بقصة إبراهيم - عليه السلام -، في إثبات تعطيل الله عن الفعل، فانتقض أصلاً من الأصول التي اعتمدوا عليها في بدعة خلق القرآن.
وصلى الله وسلم وبارك على نبيَّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
أخوكم الفقير إلى الله الغني المنان/ أبو إبراهيم أحمد الرئيسي البلوشي
(8 صفر 1425هـ)

Comment