الإلحاد والثورة

Collapse
X
 
  • الوقت
  • Show
Clear All
new posts
  • ياسين اليحياوي
    • Jul 2007
    • 1806

    #1

    الإلحاد والثورة

    عرفت البشرية مصطلح الثورة بشقه النظري والتطبيقي منذ وجودها على هذه الأرض، فهي ـ أي الثورة ـ غير مُقتصرة على العالم الحضري أو الاقتصادي أو السياسي، وكل ثورة سواء دارت رحاها في روما القديمة أو في عالمنا الحاضر تحمل في طياتها ملامح خاصة وتتسم بسمات مُعينة، يقول علي عزت بيكوفيتش: "كل ثورة حقيقة هي عضو في أسرة كبيرة تتميز بسمات: الإيمان، والشعور المتضخم بالقوة والأهمية، والعدوان، والرغبة العارمة، والتضحية والموت – هذه المشاعر التي هي أبعد ماتكون عن نطاق المصلحة والوجود"[1].

    والثائر يرى خطأ من يثور عليهم وأنه يحمل الصواب في فكره الجديد ويُريد نشر العدل ، فسواء أكان مؤمنا بأن الغاية تبرر الوسيلة أو غير مؤمن بها وسواء أكان على صواب أم لا، فهو يثور على الظلم والشر - حسب ما يرى- ويسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة بين المظلومين.

    كل هذه المشاعر من إيمان وشعور بالقوة والأهمية والعدوان والرغبة العارمة والتضحية والانتقام والتمييز بين الخير والشر، وكره الظلم والسعي لنشر العدالة ومساعدة المظلومين... كلها كما ذكر علي عزت بيكوفيتش "أبعد ما تكون عن نطاق المصلحة"

    إنها ملامح أخلاقية، يراها الثائر كملحمة درامية، تعجز الطبيعة أو العالم المادي عن إيجاد تفسير عقلاني لها.

    "وحتى لو أراد أصحاب الثورة إلباسها لباس الإلحاد كما فعلت الشيوعية، فإن مُجرد تدقيق النظر في الثورة من الداخل – لا باعتبارها عملية ولكن كجزء من الحياة – فستبدو لنا كالدراما التي تؤثر في الناس تأثير الأديان"[2].

    فلا تستقيم ثورة الملحد إلا إذا خلع عنه رداء الإلحاد ووضعه جانبا ولو لوهلة.

    فالتضحية ومساعدة الضعفاء - التي هي من أهم ركائز الثورة- ، لا يُمكن تفسيرها تفسيرا ماديا طبيعيا، فهي تُناقض المصلحة والمنفعة، بل إنها سبب في قصور الإنسان في قوته، يقول نيتشه تخلص من الضمير ومن الشفقة والرحمة ... تلك المشاعر التي تطغى على حياة الإنسان الباطنية ... اقهر الضعفاء واصعد فوق جُثثهم
    ويقول أيضا : إن قصور الإنسان في القوة ناتج عن إلتزامه الأخلاقي

    والثورة على الظلم والتي هي ثورة على شيء وُضع في غير موضعه، إيمان بوجود عالم غيبي وكُفر بالطبيعة، فالكون مادة ولا وجود لعالم الغيب حسب زعم المُلحد، وبالتالي فأي حدث يقع في هذا العالم قد وقع في موضعه المُخصص له، فلماذا إذا الثورة؟ فإما أن الملحد يثور على شيء غير موجود، أو أن المُلحد أثناء ثورته: إنسان متدين في عالمه الجواني، ويُحاول إخفاء فطرته عن الآخرين.

    وحب الإنسان للخير وكرهه للشر أكبر دليل على أن هذا الإنسان ابن الأرض نزل إليها بمقدمة سماوية، وليس كما زعم داروين أنه ابن الطبيعة، فالحيوان لا يستطيع التمييز بين الخير والشر وغير مُلزم أخلاقيا، لكن هل يستطيع الإنسان أن يخلع عن نفسه الإلزام الأخلاقي؟

    وأما سعي الثائر لتطبيق المساواة على جميع البشر فهو أمل لا يستقيم مع المذهب الإلحادي, فطالما نحن في عالم مادي كما يزعمون، فالناس بدون أي شك غير متساوين، والقانون الوحيد الذي يحكم الناس ليس المساواة أو العدل، بل الغلبة للأقوى، يقول داروين في كتابه أصل الانواع الأقوى والأفضل تكيفا هو الذي يفوز.



    هكذا نجد أن الثورة – كما عرفتها البشرية- تتناقض تناقضا كليا مع المذهب المادي الإلحادي.

    ونرى جليا كيف أن الملاحدة يسرقون أخلاقيات من الدين لمُحاولة إخفاء عوج مذهبهم


    وأختم مقالي بكلام لعلي عزت بيكوفيتش يقول فيه: "إن المجتمع العاجز عن التديّن، هو أيضاً عاجز عن الثورة. والبلاد التي تمارس الحماس الثوري تمارس نوعاً من المشاعر الدينية الحية. إن مشاعر الأخوة والتضامن والعدالة هي مشاعر دينية في صميم جوهرها، وإنما موجّهة في ثورة لتحقيق العدالة والجنة على هذه الأرض"[3].


    ــــــــ

    [1] الإسلام بين الشرق والغرب ص 114
    [2]نفسه
    [3] الإسلام بين الشرق والغرب ص 115
  • حمادة
    طالب علم
    • Jun 2008
    • 1733

    #2
    شكرا لك اخي الحبيب على المقال الرائع .
    وكما قلت اخي حتى الثورة هي تعبير عن تضامن واتحاد الانسان وايمانه بالعدل والمساواة بين الاخرين وهذه مفاهيم لا وجود لها في قاموس الالحاد!
    فالعدل والخير والشر مفاهيم لا يمكن ان تظهر في عالم متبع لقوانين حتمية ..مفاهيم لا يمكن ان تظهر لو كان كل ما في الوجود عبارة عن مادة ...لاتظهر لو كان قانونا هو قانون دارون .... فالعدل هو وضع الشيء في موضعه وبالتالي لا وجود للظلم في العالم المادي كون كل ذرة في الكون لم تخالف القوانين الفيزيائية ...وسؤالي هو من اين جاء الملحد بمفهوم الظلم ؟
    الله هو الواجب فلا موجود احق منه تعالى ان يكون موجودا فهو احق بالوجود من مثبتيه ونفاته ومن كل ما يتثبه المثبتون.وليس في الدنيا احمق واضل من نفاته او الشاكين في وجوده اذ يمكن كل شيء الا يكون موجودا او يشك في وجوده لانه ممكن يقبل الوجود والعدم ليس وجوده اذا اكان موجودا ,ضروريا ولا عدمه اذا كان معدوما ,,ولا يمكن الا يكون الله موجودا ,ولو فرض عدمه كان هذا فرض عدم من يجب وجوده ,وهو تناقض محال.(الشيخ مصطفى صبري).يقول حجة الإسلام الغزالي ( إن رد المذهب قبل فهمه و الاطلاع على كنهه هو رمي في عماية )

    Comment

    • ابو يوسف المصرى
      عضو
      • Mar 2009
      • 532

      #3
      السلام عليكم ورحمة الله
      بارك الله فيكما ...وزادكما علما

      متابع ان شاء الله تعالى

      (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). [الطور: 35].
      (أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ). [إبراهيم: 10]
      (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ). [يونس: 101]


      للسؤال عن الغائبين

      Comment

      • senchero
        عضو
        • Nov 2007
        • 70

        #4
        اين جاء الملحد بمفهوم الظلم
        بقايا و ذرات من الايمان ... و التي هيهات أن يقتلعها من نفسه .

        Comment

        • ياسين اليحياوي
          • Jul 2007
          • 1806

          #5
          جزاكم الله خيرا على المرور

          Comment

          Working...