بسم الله الرحمن الرحيم
وظهر الفساد !.
بقلم
الشيخ عــبـد الرحـمـن الـعيــسى
حلب
رمضان المبارك-1430هـ
وظهر الفساد !.
بقلم
الشيخ عــبـد الرحـمـن الـعيــسى
حلب
رمضان المبارك-1430هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وظهر الفساد!.
وظهر الفساد!.
---- يقول الله تبارك وتعالى , في محكم القرآن المجيد
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..).يتحدث القرآن المجيد , باستفاضة وبيان ,عن الفساد:ألوانِه وأشكاله وعن المفسدين في الأرض:طبيعتهم وأسلوبهم , ونمط تفكيرهم , وفحوى نظرتهم إلى أنفسهم , وإلى العالَم من حولهم , وأنه مسرح لهم , وساحات مفتوحة لخططهم الجهنمية , وأفعالهم التدميرية والمأساوية..---- و وجّه الله جل جلاله , تحذيراً لكل المفسدين في الأرض , أيْ الذين عندهم الاستعداد المفْرط للفساد و الإفساد , أي تخريب ما هو صالح وفالح أن لا يفعلوا ذلك , حفاظاً على ما قـد تم من إصلاح الأرض , وتسويــــــة أوضاعها المختلة , وتقويم اعواجاجها ..
فقال سبحانه
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).والله وحده , هو الذي يصلح الحياة , ويجعلها صالحة للمعايـش و التعايش, ويرسي قواعد العدل والإحسان فيها : منّـة منه وفضلاً , وإعـادة التوازن من جديد , وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور..
---- وذلك بما يبدعه الله سبحانه و يظهره , ويمهد له , من التحــولات
والتطورات و الأحداث , والناس عن كل ذلك غافلون وذاهلون..
---- ويقول سبحانه
وما كنا عن الخلق غافلين).---- ولا ينكِر القرآن المجيد , تعرضَ الأرض والبشر إلى ألوان من الفساد والعبث والإفراط والتفريط , والإساءة إلى واقع الجمال الإلهي الرائع , بسابق من العزم والعمد والتصور و التصميم..
ويقول سبحانه في هذا السياق
وكان في المدينة تسعة رهْط يفسدون في الأرض ولا يصلحون).ومن المؤسف أنْ كانت لهم الهيمنة والسيطرة على قومهم جميعاً , فأحبطوا دعوة نبيهم صالح , إلى الصلاح و الإصلاح المنشود..---- وفساد المفسدين , ينصب في أجلى مظاهره , على إفساد الأخلاق والضمائر و الذمم , وتشويه المبادئ والمواقف والقِـيم , وتخريب الوجدانيات والمشاعر الإنسانية السامية , وتعطيل مفاعيل الخير والبناء, والعطاء الحضاري المخْصِب , لدى الإنسان وطموحه وكدحه..
---- فيبقى إنساناً انتهازياً وصولياً تافهاً , وتتفجر في داخله طاقات الأنانية المرعبة , والنفعية الفردية المدمرة , مستبيحاً كل الأعراف والمعروف , والمعارف الحضارية الراقية..
وهذا هو سبيل المفسدين , في كل زمان ومكان..
---- ويقول سبحانه
ولا تتبع سبيل المفسدين).---- ويقول أيضاً
وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرْث والنسْل).---- وتنجلي ملحمة الخير والشر , والنور والظلمات , والإصلاح والإفساد , عن موروث ضخمٍ من أسباب الصراع والنزاع , وتداول المفاهيم والمعطيات : بناءً وهدماً , طهارةً وإثماً , عُرفاً ونُـكْراً ,عدلاً وظلماً..
---- إن منهج الله تبارك وتعالى , المناهضَ لعمل المفسدين في الأرض ,
يتجلى في قوله تعالى
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي..).---- ومن المستغرب والمستطرف , أن آليات الدفع والتدافع في الأرض بين البشر , قد تؤدي إلى منع وقوع فساد , لا تحتمله الكرة الأرضية , والحياة الإنسانية السوية..
---- ويقول سبحانه
ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعض لفسدت الأرض ولكنَّ الله ذو فضل على العالمين.)---- إن الناس بحكم ما فطرهم الله عليه , يعرفون ويفرقون بين ما هو إفساد وإصلاح , والتزام وتجاوز , ووقوف عند الحدود والحقوق ,وهتكٍ للمحارم , وهضم للكرامة الآدمية , والله يعلم المفسد من المصلح , ولكن المشكلة الحقيقية , هي في إرادة المفسدين , الذين قد يظنون أنهم مصلحون , وأنهم روّاد مبادئ ومبدعون , وقد يتعمدون الظلم والأذيّـة لعباد الله , وينشرون فلسفة الحياة الواقعية الوجودية , والأفكار الإباحية , وأن الغاية تبرر الوسيلة والواسطة , وأن طريقتهم في الحياة , هي الصالحة وهي الأصلح..
يقول سبحانه
وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون. ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون). ---- إن الخطورة الهائلة , تكمن في كون المفسدين في الأرض لا يتصورون أنهم دعاة سوء وفساد , وُصنّاع إفساد وسقوط , بل هم منسجمون مع أنفسهم , ومع مبادئهم الإبليسية ,التي تؤول بالوضع الإنساني على ظهر هذه البسيطة , إلى مراحل متوالية , من الرداءة والتداعي , على أيدي من تمت صياغتهم وتأهيلهم , لينجزوا ما تم إيكاله إليهم , ليزداد البشر تعباً ورهَـقاً , وانحلالاً شديداً..
---- يقول سبحانه
وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهَـقا.) ---- وبفعل عمليات الفساد العالمي المبرمج , تحول هذا العالم إلى فراغ وظلمات ومتاهات ودوامات , ومظالم متراكمة لا تمحوها الأيام , تراكم الصقيع في المحيطات..
---- فعيش الأكثرين دون حد الفقر , والمعاناة فوق حد القهر , وانطواءُ النفوس على أحزان دفينة , وشعورٍ باليأس والمرارة , ونهر من الدماء والدموع الجارية , والأشلاء الممزقة..
---- وإن أرحم الراحمين في عليائه , بريء من المفسدين , وسبحانه عما يعملون..
---- وفي القرآن المجيد
والله لا يحب الفساد).(والله لا يحب المفسدين).(إن الله لا يصلح عمل المفسدين). ---- هذا وإن التلوث البيئي المحموم , في البر والبحر , وما نجم عنه من تلوث الماء والهواء , والغذاء والدواء , والتربة والشجر والثمر , والسمع والبصر ,لهو إحدى النتائج الكبرى , التي تمخضت عنها سياسات وسلوكيات قادة الفساد و المفسدين , المدمرين للحضارة والتراث الإنساني العريق , في أبشع الخطط والإجراءات , وأشنع الغايات والمقاصد والأهداف..
---- وقديماً قالت الملائكة
أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء). ---- تقول وتقضي فلسفة الفساد والمفسدين , بتحول المناخ الأرضي:المادي والمعنوي ,إلى مستنقعات من النفايات , وتعفن الجثث ,وانتشار الفيروسات في كل الاتجاهات والمواقع , وتحطيم المقدسات والقوانين والسنن ..
---- إن تحول الفساد وعمل المفسدين , إلى برامج واستراتيجيات , ومنظمات عالمية , ودول ومعسكرات عدوانية , ومصانع للسلاح وللموت , وأجهزة للقمع والتجسس , أمر لم تعهده البشرية من قبل , في ضخامته وحجمه , ووسائله السريعة , وتجبُّـر فاعليه , وأنهم من العقاب والمؤاخذة ,والملاحقة القانونية آمنون , وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون..
أستغفر الله العظيم..
---- إن ذبح الأبرياء , وترويع الآمنين , وشن الهجوم على المستضعفين ,وزلزلة العقول , وتشويه النفوس , وتمزيق العواطف والأواصر , وقلب الحقائق والوقائع , ودَفْـع الكثيرين نحو هاوية العار والدمار , وأن الأخ يعادي آخاه , ويحقد عليه ويخذله , ويقطع رَحِـمه , إنْ كل ذلك إلا بعض المخاض والولادات العسيرة , الناجمة عن محاولات المفسدين في الأرض ,ليكون هذا الكوكب , في وضع لا يُحسد عليه , وأن تبكيه الأفلاك والعوالم والكواكب الأخرى..
---- ويقول سبحانه
فهل عسيتم إنْ توليتم أن تفسدوا في الأرض وتُقطِّعوا أرحامكم). ---- وبعد : ----
---- فإن القرآن المجيد , لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من صور الفساد و الإفساد في الأرض , إلا وذكره وأتى عليه , وحذّر منه , ونهى عنه ,رحمة بهذه الأمة –أمةِ القرآن- لكي تنأى بنفسها عن دواعي الإنحطاط والترهُّـل , والانسياق الأهوج وراء الناعقين بالفساد والخراب , من دعاة السوء , ومروِّجي الفاحشة , وحفّـاري القبور , ومفجري القلوب والأفئدة التي في الصدور..
---- ويقول سبحانه منوهاً بمسؤولية هذه الأمة , في منع أن تكون في الأرض فتنة مفرقة ومزلزلة , وفساد كبير , وعريض الجانب والتبرير
والذين كفروا بعضٌهم أولياء بعض إلاّ تفعلوه تكنْ فتنة في الأرض وفساد كبير). ---- وفي مجال النهي عن اتباع الأولين الغابرين, في فساد الدنيا والدين,ومسببات ذلك, يقول سبحانه
ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات..). ---- حيث التفرق والإختلاف , في صفوف هذه الأمة , هو الفساد الأكبر,والعذاب المؤلم , وهو البوابة التي يعبر منها أعداء الله , وجنود الأشرار المارقين , ليفجروا هذه الأمة : دماء ودماراً , واستعماراً طويلاً.
---- هذا وإن الإصلاح الحقيقي في الأرض , هو الأخذ بسنن الله الدؤوبة,وتعليماته وتوجيهاته , وهدي سيدنا رسول الله عليه صلى الله ..
---- مثلما أن الفساد الأكيد في هذه الدنيا , ينجم ويتمخض عن حالة العتـوِّ والتمرد , والاستكبار العالمي , والبغي والعلـوِّ بغير الحق ..
---- ويقول سبحانه
تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون عُـلُـوّاً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.) ---- الفساد في العصر :----
وفي هذا العصر بالذات , تدور رحى الإثم والعدوان والطغيان ,وتأليه القوة والحديد والنار , وعبادة الطاغوت والذهب والجنس , وتقديس الرذيلة والهزيمة , واهانة الشجاعة والفضيلة ..
---- وكيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً , ونهيتم عنه , ورأيتم المنكر معروفاً , وأمرتم به , وهذا قمة الفساد , الذي حذر منه نبينا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ..
---- ويتحدثون عن تلوث البيئة في الكون , ويركزون على التصدي لذلك , والتخفيف من أعبائه المتصاعدة , وأخطاره المستطيرة ,المحْبطة لكل إجراء ودواء ومعالجة ..
---- في الوقت الذي يتناسوْن ما هو أعظم تلوثاً و خطراً وإفساداً, من نحو تلوث البيئة الاجتماعية , والأخلاقية , والسلوكية , والثقافية , والاقتصادية , والسياسية , وغيرها من البيئات والأصعدة , والشعارات والأدمغة ..
---- الأمر الذي يستدعي علاجاً حقيقياً لهذه الظواهر التعيسة , التي تقتل الإنسان , وتقتل فيه قبل ذلك , النخوة والشرف والمروءة ,والإحساس والمشاعر الإنسانية الطيبة ..
---- وهذا بالطبع يقتضي من كل العناصر الخـيِّرة المتبقية في الأرض , وفي هذه الأمة حصراًَ ,حيث بقايا من العاملين المخلصين , والمكافحين العرب المؤمنين , أن يَعوا خطورة المرحلة الراهنة , ويبذلوا السعي الحثيث , بما أوتوا من قوة السلطان والفكر والرأي والعلم , والأسباب المتاحة , ليوقظوا النيام , ويكشفوا زيف هذا الواقع , الذي يلمع كالسراب , يحسبه الظمآن ماءَ , وأن يميطوا اللثام والقناع عن الحقيقة المغيبة والمضيَّعة ..
---- وهذا هو سبيل أن تستعيد هذه الأمة مقعدها تحت الشمس , وأن تؤدي مرةً أخرى , رسالتها إلى العالمين ..
وفي ذلك يقول عز وجهه و سلطانه : (فلولا كان من القرون مِن قبلكم أُلو بقيةٍ ينهـوْن عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم).
صدق الله العظيم
Comment