(الغربُ غربٌ والشرقُ شرقٌ ولا يلتقيان)
من هذه النزعة الانتحارية التي أرى أنها ضد الإنسانية والحضارة العالمية, أبدء مشروعيّ هذا والذي هو عبارة عن طرح استفسارات والإجابة عنها وترك مجال للآخرين بإبداء الرأي مع الأخذ بعين الاعتبار نقطة هامة وهي أني لا أجور أو أتحايل وإنما اطرح الفكرة وأورد الرد مباشرة عليها والقارئ حرٌ في قناعاته.
ولنبدأ....
بسـم الله الرحمـن الرحيـم
(قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِـرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَـالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَـ فِي مَـا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
استهلال
منذ أن عقدت العزم على مناقشة هذا الكتاب، وأنا في حيرة من أمري، كيف سأبدأ؟ فالحديث عن الإساءة للدين بوجه عام والإسلام بوجه خاص ذو شجون. ويبدو أن الأخير حالة استثنائية في تاريخ العالم كله. قد لا تجد دعوة أو فكرة تم قبولها بدون ظهور معارضات وانتقادات لها، وهذا أمر طبيعي وظاهرة عادية كذلك. لكنك - في الجهة المقابلة - لن تجد مثل هذا الكم من الانتقادات الموجهة للدين الإسلامي!
ويبدو أن انتقاد الإسلام هو اللعبة المسلية لأي كان.
فمهما كانت درجة جهل من ينتقد الإسلام، فإن هذا لا يثني عن التصريح بمنتهى الوقار والثقة بإن الإسلام دعوة باطلة ورسالة زائفة، وأنه لا يجوز لها البقاء أكثر مما بقيت. الدين هي نظرية فاشلة والإسلام فكرة عقيمة! وفي معظم الأحوال تجد أن قراءة سريعة لمثل هذه "الانتقادات" لا تظهر لك إلا جهل أصحابها ليس فقط بالإسلام، بل بأبسط مبادئ وأسس التفكير العلمي والاستدلال المنطقي. لتقف في حيرة من أمرك، ما المفترض أن تفعله والحال هكذا؟! وهذا كان يؤدي بي في معظم الأحوال للزهد في المشاركة في الحديث مع من يسئ للإسلام.
لدينا حالة من الجهل واسع الانتشار بشأن حقيقة الإسلام، - وهذا موجود حتى بين كثيرين ممن يدعون التدين - إضافة إلى التفكير المبني على التمني لا على الحقيقة والواقع. عندما تجمع هذا إلى ذاك، الجهل، الموقف المسبق. تدرك مدى حساسية الموقف، وأسباب حيرتي. طريقة صياغة الكتاب تتوقف على القارئ الموجه له، هناك
من لديه خلفية جيدة عن الإسلام واقتناع تام به، ومن ثمّ فهو ليس بحاجة لقراءة كتاب تدعم معتقده. وعلى طرف النقيض هناك من قرر مسبقاً أن الإسلام دين زائف، وليس لديه استعداد لقراءة فكرة مخالفة لمعتقده، ناهيك عن الاقتناع بها، وهنا أيضاً لا داعي لانفاق الوقت فيما لا طائل منه. بين طرفي النقيض هناك من يمتلك حد أدنى من المعرفة تؤهله لتناول الموضوع.
لا أزعم أن الأفكار والمعلومات التي سأقدمها ستكون جديدة، فالكتب والدوريات المتخصصة وصفحات الانترنيت لم تترك شيئاً بدون التعليق عليه. فقط سأحاول - قدر الإمكان - جمع وعرض الأمور التي تبدو لي على قدر من الأهمية لجعل القارئ أكثر تفهماً لما يقال عن الإسلام. أي أن الغرض الأساسي لكل ما سأكتبه، هو دعوة كل قارئ ليخلق في نفسه، إن لم يكن حيزاً من الفهم والوضوح، فعلى الأقل حيزاً يكون فيه الجهل محصوراً، ومناطق العتمة محدودة.
كما أدعوكم - وأدعو نفسي كذلك - للتفكير ملياً في المواضيع المطروحة للنقاش قبل البحث عن إجابات لها، فيبدو أننا كثيراً ما نتوهم امتلاكنا إجابات ثم يثبت الزمن عدم فهمنا للأسئلة بعد.
ولا أجد شيئاً أنهي به هذا الاستهلال أفضل من التساؤل التالي: ما الذي تعنيه الإجابات عندما لا نكون قد استوعبنا فعلاً معنى الأسئلة؟
مقدمة توضيحية حول الكتاب وخطة العمل
الكتاب الذي نحن بصدد مناقشته ، يحمل عنوان (قراءة نقدية للإسلام) . لكن لا بد أن نفرق بين الإساءة و النقد. فعندما يدعي أحدهم أنه يتناول موضوعاً ما بالنقد، فهذا يعني أنه يتناوله من جميع جوانبه. وخاصة إذا هذا الأمر متعلقاً بمنظومة فكرية و اجتماعية متشعبة الجوانب. فلا بد للباحث والدارس أن يجد بعض الجوانب السيئة و
أخرى حسنة - وفق منظوره- وهذا ما نستطيع أن نسميه (نقداً).
أمّا الإساءة فيأخذ صفة العداء المسبق. ومن البديهي أن من يملك هـذه الرؤية فلـن يتناول الموضوع إلاّ من خلال جوانبه السيئة - وفق منظور ه أيضاً - فالأشياء
الحسنة تتغيب تماماً في فكره و يتم تجاهله عمداً.
وعلى الإطلاق لم نلحظ في كتابات هذا الكاتب أي مديح أو إشادة بأي شيء في الإسلام،كبيراًً كان ذلك الشيء أو ضئيلاً. فلا يجد الكاتب سوى الصفات السيئة في الإسلام، ولا يجد فيه إلا كلّ سوء. هكذا هو الأمر في فكر مؤلف الكتاب الدكتور (كامل النجار) الإساءة هي الأمر الوحيد الذي يستحق الذكر بحق الإسلام من منظوره ! وليته أتى بشيء جديد إنما هي أفكار مكررة سبقه بها كثيرون. هذا الدين لم يجد الدكتور كامل النجار فيه أي أمر مهما كان صغيراً يستحق به المديح أو الذكر الحسن.
لنرى ماذا فعل؟ على مدى الكتاب كله والذي يقع في عشرة فصول وتحت عناوين مختلفة. قام باسم "القراءة النقدية المحايدة"، بالافتراء على الإسلام افتراءاً لا حدود له، وأورد تهماً تنقصها الدليل, ولم أجد خلال قراءتي أي منهج يعتمده في قراءته للإسلام، سوى لمّ التهم ورصها من هنا وهناك.
قد يتفق معي بعض اللادينين أنفسهم أن الكتاب إجمالاً غير موضوعي وسطحي تماماً، ورغم ذلك تجد معظم الأفكار الإلحادية على الصفحات العربية للإنترنت موجودة في هذا المصدر. لذلك كانت فرصة جيدة أن تجتمع كل هذه الاتهامات الموجهة للإسلام أمامي للرد عليها، برغم أنها مكدسة ومكثفة جداً بدون فرصة لالتقاط الأنفاس.
وقد قمت بتتبع ما كتبه الرجل من المقدمة وحتى الخاتمة، متبقياً على نفس العناوين التي ذكرها. أيضاً قمت بإضافة بعض العناوين من عندي وسأشير إلى ذلك في وقتها. وهناك بعض المواضيع تكررت أكثر من مرة. وطبعاً لن أناقش أي موضوع مرتين، بل سأكتفي بالإشارة إلى إن هذا الموضوع سبق تعرض لـه. على سبيل المثال الفصل
العاشر والمسمى: (ماذا أخذ الإسلام من الأديان الأخرى) أهملناه، لأن ما يثار عن علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وما يقال عن اقتباس الإسلام من المسيحية واليهودية، وعن لغة القرآن سبق التعرض له.
و الكتاب عموماً يفتقر إلى الترابط و التماسك، وهذا يظهر بوضوح في الصفحات الأولى، فكل الكتاب عبارة عن فقرات متناثرة كان هم صاحبها الأول جمع ما يمكن جمعه من الطعون التي وجهت للإسلام قد تتناقض مع بعضها، ظناً منه أن بالكثرة يعطي لدعواه المصداقية. لذا كان من الصعب مناقشة الكتاب إجمالاُ، وكان أن اضطررت إلى مناقشة كل فقرة على حدة، وأتبعت في ذلك منهج الاقتباس من الكتاب، الذي يبدأ بـ : (يقول الكاتب) وبالخط العريض، ثم التعليق عليها فيما بعد. كما وردت بعض المواضيع التي ناقشناها بدون الاقتباس من الكتاب. ولن نعالج بطبيعة الحال في هذا الكتاب كل القضايا التي أثارها الكاتب بصدد الإسلام، لأن النقاش سيطول وسيشعر القارئ بالملل، بل سأكتفي بنقاش النقاط التي بدت لنا أكثر أهمية.
أما بالنسبة للمراجع المعتمدة في هذا الكتاب، فالقارئ سيلاحظ أن أسماء أغلب المراجع وردت في متن الكتاب، لذلك رأيت أن لا داع لإفراد هامش له. كما سيجد القارئ في نهاية الكتاب صفحة بأهم المواقع الانترنت التي اعتمدت عليها، والتي استفدت منها كثيراً.
هذا الكتاب الذي بين يديك ليس مجرد رد على شخص، ولكنه أكثر من ذلك؛ إنه حوار عام عن الإسلام، ومحاولة لفهم ما يقال عنه عموماً.
وألتمس من القارئ العزيز العذر على اللهجة المنفعلة في بعض المواقف، لأنني لم أستطع أن أكـون هادئاً كل الوقت، فتجاهل بعض الحقائق الواضحة، أو ليّ عنقها لأجل أحكام المسبقة، تجعل على الإنسان يخرج عن طوره أحياناً. ونحن في نهاية الأمر بشر، والكمال لله وحده.
نبدأ مع الكاتب من المقدمة:
(نعم أن العالم العربي يمر في مرحلة عصيبة، ولكن من المسئول عن هذه المحنة التي يمر بها العرب والمسلمون عامةً؟ لا شك أنها من صنع العرب والمسلمين أنفسهم ورغبتهم العارمة بالرجوع بأنفسهم إلى عصر الإسلام الذهبي قبل أربعة عشر قرناً من الزمان. وقاد هذا الهوس بالماضـي الجماعات السلفية إلى تنفيذ فاجعة 11 سبتمبر عام 2001 التـي جعلت الإسلام
مرادفاً للإرهاب والمسلم مرادفاً للإرهابي، وقسّموا العالم إلى معسكرين متناحرين في رأيهم: (إما فسطاط الإيمان أو فسطاط الكفر.. وإما نحن وإما هم ولا يمكن التعايش بينهما!!) على غرار بعض المتشددين الغربيين الذين قالوا: (الغربُ غربٌ والشرقُ شرقٌ ولا يلتقيان). وهذه النزعة الانتحارية هي ضد الإنسانية والحضارة العالمية، ناهيك عن تناقضها تماماً مع روح الأديان وجوهرها.)
هكذا تلاحظ تلميحاً أن الإسلام هو السبب في الوضع الحالي. ليست الغزوات الفكرية التي أهدرت سنين من عمر الأمة في تجارب لم تكن لتنجح قط.
الإسلام هو سبب كل خراب في العالم عند هؤلاء، حتى وهو يحارَب في داره.
هل الإسلام جاء ليقسم العالم، أم هم الذين قسموه لكتلة شرقية وغربية واستعمروا العالم كله. إن المرء ليأسف على هذه العقول المحتلة!
يقول الكاتب:
(ولكن هل كان عصر الخلفاء الراشدين عصراً إسلاميا ذهبياً كما يتوهم السلفيون؟ فإذا نظرنا لهذا العهد نجد أن الخلاف قد دب بين المسلمين بمجرد أن مات النبي. فنجد ان الأنصار والمهاجرين أوشكوا أن يتقاتلوا بالسيوف علي من سيخلف الرسول، هل يكون من الأنصار أم من المهاجرين. أراد الأنصار أن يبايعوا سعد بن عبادة، وأراد المهاجرون أن يكون الخليفة منهم.)
هنا يقرأ الكاتب التاريخ بدون اعتبار الواقع الاجتماعي والطابع الجدلي داخله. حين ندرس تاريخ الأمة الإسلامية، فلابد أن نعرف أن المسلمين بشر كسائر الناس. وليس من المعقول أن نتوقع تاريخاً ملائكياً خال من الصراعات. نحن لم نقل أن الإسلام قتل الطابع الجدلي داخل المجتمع البشري، فمن يقول ذلك كمن يقول أن الإسلام قضى على الفقر، أو قضى على الشر في العالم. مشكلة الكاتب وغيره من مدعي الطوباوية، أنهم ينظرون لحدث معين ويجعلون منه التاريخ كله. بل ويحصرون تقييم إحدى الفترات الفترات في نطاق ضيق يرفضون الخروج منه. لم يكن بمقدور الرسول الكريم أن يصب التاريخ في القالب الذي يريده ويتمناه، وهذه أيضاً ليس وظيفته فهو ليس إلهاً.
فالرسول صلي الله عليه وسلم توفي وترك في المسلمين خضوعاً لله من ناحية وثورة على الظلم من ناحية أخرى، فتجد المسلم خاضع وثائر في نفس الوقت، ونشأ عن هذا حركة اجتماعية قلما تجد لها نظيراً في التاريخ.
فترة الخلافة الراشدة التي يراها الكاتب غير جديرة بالثقة هي أفضل فترة عدالة مرت على البشرية في التاريخ، رغم وجود صراعات داخلية في بعض أوقاتها. هذه الصراعات من سنن هذا الكون تظهر وتختفي، ولكن المهم كيف نتعامل معها و نستوعبها.
هل معنى أن عمر بن الخطاب مات مقتولاً أن فترة حكمه فترة سيئة في التاريخ ؟ ما قوله إذن في ديكتاتور مثل ستالين الذي لم يمت مقتولاً، بل وصل لأرذل العمر وهو في منصبه. هل يرى فترة حكمه جيدة ومثالية؟
التاريخ يحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاش بسيطاً بدون حرس وحاشية. عاش وسط البسطاء وكأنه منهم، ينام في خيمة أو تحت شجرة، وهو الذي كان حاكماً لدولة مترامية الأطراف. أناس عاشوا بهذا الشكل كانوا عرضة للقتل في أي لحظة، ولكنهم لم يكونوا يخشون شيئاً. لابد أن نعرف أن الفارق كبير بين من يدعو للعدل وهو مظلوم، ومن يدعوا له وهو حاكم مسيطر بيده مقاليد الأمور. فارق كبير أن تنادي بالزكاة وأنت فقير معدم، وأن تدعو لها وأنت بيدك كنوز الدنيا. فارق كبير بين من يدعو للحق، لأن فيه مصلحته وبين من يدعو له لأن الله أمره بذلك. هذا هو الفارق بين الصادق والمدعي.
يقول الكاتب:
(وحتى البغاء كان متفشيا في تلك الحقبة الذهبية. ففي سنة سبع عشرة ولى عمر ابا موسى الأشعري على البصرة وأمره أن يُشخص إليـه ( يرسل إليه) المغيرة ، وكان المغيرة يختلف على أم جميل، امرأة من بني هلال توفى عنها زوجها. وكانت أم جميل تغشى المغيرة وتغشى الأمراء والأشراف، تبيع جسدها، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها
والسرقة كانت متفشية في المدينة في خلافة عمر بن الخطاب. فيحدثنا أهل الذكر إن عمر بن الخطاب جاء إلى عبد الرحمن بن عوف في وقتٍ متأخر من الليل، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: رفقةٌ نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُراق المدينة. فالخليفة كان يعلم أن المدينة مليئة بالسارقين، رغم قطـع الأيدي.)
سأفترض صحة هذه الروايات، ولكن ألم يتساءل الكاتب لماذا يكتب الإمام الطبري هذه الحوادث في كتابه تاريخ الطبري؟ هل تستحق حوادث السرقة و الزنا أن تسجل في كتب التاريخ؟ لو أن مؤرخاً معاصراً أراد أن يكتب تأريخاً عن عصرنا الحالي هل كان سيهتم بذكر حوادث السرقة والزنا؟ حتماً لم تكن هذه الأمور الصغيرة لتثير اهتمام أحد. فهي شيء تقليدي ومعتاد. بل سينبري أي مؤرخ للكتابة عن الأمور الهامة مثل الحروب الدولية و الصراعات الإقليمية ..إلخ .
أقول: أن ذكر حوادث السرقة والزنا في كتاب تاريخ هو دليل على ندرتها وغرابتها وليس لذلك معنى آخر.
يقول الكاتب:
(ولعل هذا الكتاب هو الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتنـاول الإسلام بقـراءة
نقدية علمية محايدة دون أي تطرف أو انحياز لأية جهة. وإني اعتمدت على المصادر الإسلامية الكلاسيكية المحترمة من قبل جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، في توضيح وإثبات هذا الرأي أو ذاك. ولكن رغم ذلك سيثور المتزمتون لأنهم لا يعرفون التسامح مع الناقدين.)
سنرى الآن ما هي المصادر المحترمة التي يتحدث عنها الكاتب، والتي ذكرها الرجل في الهامش . ينقل لمؤلف اسمه ابن وراق- اسم مستعار على ما يبدو- كتبه المنشورة
بالانكليزية تحمل أسماء: [لماذا أنا لست مسلما]، و[أصول القرآن]، و[ماذا الذي يقوله الإسلام حقا]. وكتابه الأخير هذا يزعم فيه أن الإسلام لا يدعو سوى للدمار والتخريب، ويزعم أن القرآن كتاب غير معتدل مختل مليء بالعنف والقسوة، ويدعو الناس إلى عدم تصديق المسلمين فهم كذبة على حد زعمه.
لا تجد أي معلومات تفيدك من هو ابن وراق هذا، وما هي مؤهلاته العلمية، وإلى أي مؤسسة ينتسب؟ الأمور ضبابية تماماً.
الرجل كما هو واضح من كتبه يتعامل مع الإسلام كدين شيطاني يجب أن ينسف من أساسه، لذلك فهو يلجأ لاستخدام كل الطرق، يكذب ويحرف اقتباساته ويستعين بكل أنواع الخداع. لماذا ؟ ببساطة الرجل يحارب ديناً شيطانياً!
هذا المؤلف رغم ادعائه انه كان مسلماً، وأنه كان يحفظ القرآن كاملاً، إلا ان من يقرأ مقتطفات من كتبه يدرك انه لو كان صادقاً حقاً فيما يقول فهو إذن يتمتع ببلادة تفكير وسوء فهم لا يقاس. أيضاً مراجع ابن وراق هذا كلها من كتب أشد المستشرقين عداوةً للإسلام وأكثرهم عنصرية، وهذا يجعلني أشك في قصة أصله الإسلامي المزعومة، بل أشك أيضاً إن كان يتكلم العربية، فالذي كان مسلماً لا يدرس الإسلام من كتابات تحارب الإسلام لأسباب عنصرية بشهادة الغربيين أنفسهم. أريد أن أقول أن كتب ابن وراق هذا لا تعتمد أي منهجية في دراسة الإسلام، بل هي كتابات سوقية مكتوبة بسطحية لإرضاء العوام والسذج، ناهيك عن لغة قاسيةجداً. الكاتب قام ببساطة بتجميع كتب ابن وراق في كتاب واحد.
يعتمد أيضاً على كتاب عنوانه [23 عاما] لكاتب اسمه (علي داشتي). وهو كاتب ماركسي كما هو واضح من كتاباته. الكتاب عن حياة النبي محمد ويعقد فيه الرجل مقارنات بين رسولنا الكريم وشخصيات مثل لينين ونابليون وجنكيز خان.
الرجل طبعاً كماركسي يرفض الوحي و الإسراء، ويتعامل بانتقائية غريبة مع الروايات، فما يؤيد مبادئه يصدقه ومـا يخالف تفكيره المادي يرفضه ويعتبره خرافات.
تشعر منه أيضاً بجهل واضح للإسلام، ورغم أنه في البداية يقول أنه يرفض كتابات المستشرقين عن الرسول ويعتبرها عنصرية، إلا أنه يعود ويكرر نفس كلامهم عندما يقع في مأزق سيقوده للاعتراف بصدق نبوة محمد صلي الله عليه وسلم.
كتابات علي داشتي مثل ابن وراق كتابات غير محايدة إطلاقاً لأشخاص مجهولون لا يقرأ كتبهم سوى المتعصبين، الذين يهدفون من وراء تشويه صورة الإسلام الحصول على أكبر ربح.
كاتب ثالث ينقل منه الكاتب وهو (روبرت سبنسر). سبنسر هذا صحفي أمريكي
يكره كل شيء اسمه إسلامي. أنا لا أتجنى على أحد فسبنسر نفسه يتفاخر بذلك في كل كتاباته. الكتاب الذي اختاره الكاتب لسبنسر يحمل عنوان : [إماطة اللثام عن الإسلام] وهو يتكلم عن موضوع الجهاد في الإسلام، وكيف أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تسبب في انتشار العنف العالمي.
أنا لا أفشي سراً عندما أقول أن أسرع وسيلة نجاح للفاشلين في الغرب هو أن تكتب كتاباً تهاجم فيه الإسلام والمسلمين. هذا أمر يعرفه الجميع! لو سألت مثقفاً غربياً محايداً من هم أكثر الكتاب تحيزاً ضد الإسلام والمسلمين؟ لقال لك ابن وراق و روبرت سبنسر الذي يزعم الكاتب أنها مصادر محايدة محترمة! لا أحد يمتلك الشجاعة ليدافع عن ابن وراق وسبنسر تحديداً.
بخصوص المصادر العربية للكاتب مثل: [تاريخ الطبري] و[مختصر السيرة] لابن هشام وكتب ابن كثير، فكثيراً ما ستجد الصيغة التي يوردها الكاتب للرواية تختلف عن الصيغة في المصدر الأصلي، وهذا يدلني أن الرجل ينقل الرواية من كتابات مترجمة - فالترجمة تغير كثيراً في الألفاظ - وحتى القرآن ينقله الرجل من كتب مترجمة.
وهذا طبعاً يجعلني أضع الكاتب مع أبن وراق وداشتي وسبنسر في نفس التصنيف. فهؤلاء مصادرهم جميعاً عن الإسلام هي كتابات المستشرقين، وهذا مثير للريبة إلى أبعد الحدود! يجب أن نعلم أن معظم المستشرقين والمبشرين كانوا يكتبون عن الإسلام من باب التعصب الأعمى. ومن حقي كمسلم ألا أغفر لهؤلاء كتاباتهم التخريبية عن الإسلام.
أذكر قول (غولذير) يوماً وهو يرى الهوس الغربي في الهجوم على القرآن متسائلاً: (ترى ماذا يبقى لنا من الكتاب المقدس لو عاملناه بنفس الطريقة؟).
إن الكاتب كما ترى يعتمد إما على كتابات سوقية غير منهجية مثل ابن وراق و داشتي وسبنسر، وإما اقتباسات مقتضبة غامضة لا تعكس الصورة كاملة، كما يفعل مع المصادر الأخرى كما سنرى لاحقاً، ويزعم لنا في النهاية أنه يقدم قراءة نقدية!
نبذة تاريخية عن نشأة الأديان
إحدى الملاحظات التي توقف عندها علماء الانثربولوجيا، والباحثون في تاريخ الأديان، أن الوجود الديني مترادف للوجود الإنساني. ولعل ما نطق به المؤرخ الإغريقي (بلوتارك) من أنه: (وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور... ومدن بلا مدارس ... ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد) يختصر هذه الفكرة.
هذا الأمر دفع الكثيرين إلى التساؤل: لماذا تدين الإنسان؟ وما سبب هذا التلازم بين وجود الإنسان وتدينه؟ ومن يتابع هذه المسألة سيجد اتجاهات كثيرة لتعريف الدين، وماهيته، وأسباب نشأته. وطبعاً فكل هذه آراء توصف في خانة النظريات، و إمكانية تخطيء النظرية شرط أساسي لصحتها، وإلا صارت بديهة لا يمكن إثباتها ولا نفيها. الكاتب يسمي هذا الفصل: (نبذة تاريخية عن نشأة الأديان)، وليس نظريات عن نشأة الأديان، وكأننا أمام بديهيات لا تتطلب مناقشة أو مراجعة.
وعلى العموم فالرجل يعتمد على النظريات التي ترى أن الإنسان عاش مراحله الأولى بدون عقيدة، وبدون أن يعرف شيئاً عن الإله، ولكنه اخترع فكرة الآلهة من خلال تفاعله مع ظواهر البيئة المحيطة به ، وتطورت العقائد من التعدد إلى التوحيد تماماً كما تطورت نتاجات البشرية، كوسائل الإنتاج والصناعات بفعل الأزمان. ليصل إلى نتيجة ترى الدين مجرد نمط في التفكير والشعور قابل للتجاوز. وهي النظرة التي عبر عنها كارل ماركس، وما سماه أوغست كونت بـ "قانون الحالات الثلاث".
يقول الكاتب:
(في بداية حياة الإنسان على هذه الأرض، على حسب رأي علماء علـم الأجناس "Anthropology" كان الإنسان بسيطاً في تفكيره وفي استيعابه للظواهر الطبيعية مثل الليل والنهار، والمطر والرعد والبرق وما شابه ذلك.)
إن الفكرة التي تقول بأن الإنسان كان بسيطاً في تفكيره ثم ارتقى بتفكيره في خط مستقيم من الأدنى إلى الأعلى، هي نظريات قديمة ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر. لكن مع تقدم الانثربولوجيا، والمراجعات التي تمت للمفاهيم القديمة حول المجتمعات التي تسمى بدائية، أدى ذلك إلى ظهور جيل من الانثروبولوجيين في الغرب أخذ يرى بوضوح أن المجتمعات التي ندعوها بدائية ليست مرحلة طفولية من مراحل تطور البشر، بل هي شكل تام من أشكال الحياة الإنسانية الناضجة والمكيفة بنفسها.
أشهر الكتب التي تجد فيها هذا المعنى واضحاً هو كتاب [البدائية] لأشلي مونتاغيو. وهو يضم عدة بحوث ممتازة كتبها انثروبولوجيون معاصرون حول إعادة مصطلح البدائية.
في هذا الكتاب يستعرض أحد الباحثين هو: (فرانسيس ك.ل.هسو) ثلاثين كتاباً في انثروبولوجيا يستخلص إلى أن استخدامات مصطلح البدائية تتسم بالغموض و التضارب، ويستنتج إلى أن مفهوم البدائية غدا من النواحي التجريبية، والتطورية، و العلمية مفهوماً بالياً، وإن كان ما يزال يتمتع بدرجة عالية من الشيوع بشكل يتصف بالغموض والتضارب، وانعدام المعنى من الناحية العلمية.
ويشير (مونتاغيو) إلى أن معظم الثقافات التي تدعي بدائية بعيدة عن البدائية وعن البساطة، فهذه الثقافات من العديد من النواحي أعقد من أي ثقافة غربية. ويشير أيضاً إلى أن مصطلحاً بهذا القدر من الغموض وعدم التحديد إما أن يعاد تحديد معناه أو إذا أمكن أن يشطب من قاموس العالم، وأنا اعتقد - يقول- أن المصطلح يستحق الحل الثاني.
وفي نفس الكتاب ينبه (إدوارد ب. دوزيير) إلى الفهم الخاطئ عند جمهور القراء من غير المختصين الذين قبلوا المعاني السلبية التي توحي بها المصطلحات الانثروبولوجية عن المجتمعات اللاكتابية، لذا فإن الافتراض الشائع بين الناس العاديين عندما يستخدم اصطلاح البدائية ليصف مجتمعاً لا كتابياً معيناً، هو أن مثل هذا المجتمع متخلف عرقياً وعقلياً وثقافياً.
يقول الكاتب:
( ولما عجز الإنسان البدائي عن تفسير هذه الظواهر عزاها إلى قوة خارقة تتحكم فيها وفي حياته. هذه القوة الخارقة لم تكن محسوسة لديه، اي بمعنى آخر، كانت قوة وراء الطبيعة اي قوة ميتافيزيقية "####physical" وبالتالي اعتقد الإنسان البدائي بوجودكيان روحي "Spiritual Being" يتحكم في الظواهر الطبيعية وفي حياة الإنسان. هذه كانت بداية فكرة الأديان عند الإنسان البدائي حسب اعتقاد خبير علم الأجناس الانكليزي تايلر "E.B.Taylor" فقد ألف هذا العالم كتاباً يدعى الثقافة البدائية Primitive" "Culture في العام 1871. ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في دراسة تاريخ الأديان. ويعتقد "تايلر" هذا أن الاعتقاد بـ " الكيان الروحي" هذا نتج من تجربة الإنسان الجماعية في أشياء مثل الموت والنوم والأحلام، فجعلته هذه التجارب يعتقد أن الكيان الروحي منفصل عن الجسم ويمكنه أن يعيش حياة مستقلة تماماً. وبالتالي أصبح الإنسان الأول يعتقد في ألأشباح والخيالات "Phantoms".)
تايلر كان يحصل على أغلب معلوماته من الرحالة والمبشرين، ووفقاً ما كان شائعاً في زمانه كانت فرضية التطور ذي اتجاه الواحد لوحدة النفسية للبشر هي السائدة.
يقول: (إدوارد ب.دوزيير) أستاذ انثروبولوجيا في جامعة أريزونا: (الدراسات انثربولوجيا كانت في طفولتها عندما كتب تايلر ما كتبه عن انطباعاته عن البدائيين و افتراضاته التخمينية غير العلمية). رواد المدرسة الوظيفية للانثربولوجية كـ (براون) و (مالينوفسكي) أثبتوا سطحية آراء تايلر وفريزر، وخرجوا بأنه لم يوجد مجتمع بدائي بدون دين وبدون علم.
افتراض (تايلر) لمبدأ الروحية كأساس لظهور الأديان هو افتراض قديم، ولم يقدم الرجل أدلة قوية تثبت أن القدماء كانوا يعتبرون مظاهر الطبيعة آلهة، وليست مجرد قوى أو أدوات للآلهة كما هو راجح الآن.
الكاتب يقول أن الخوف من مظاهر البيئة المحيطة كان السبب في انبثاق فكرة الله كقوة ميتافيزيقية تتحكم في مصير الإنسان، وهذا ليس بصحيح فالخوف في مواقف الخطر يعيد الإنسان إلى تذكر الله، ولكنه ليس الدافع والمحرك الأول لظهور الدين على وجه الأرض. فعندما يرى الإنسان الرعد في السماء مثلاً فإنه قد يظن أن الإله غاضب أو قد يظن أنه قوة شريرة غاضب، ولكنه لا يعتقد أن هذا الرعد هو خالق السماء والأرض. نحن نتحدث عن الله كمعنى موجود في الذهن. من أين جاء هذا المعنى؟ نظرية الخوف هذه لا تفسر أي شيء. وإلا فليخبرنا الكاتب ما هي العلاقة بين الخوف كشعور وانبثاق فكرة الله؟ هذا شعور وذاك تصور ومعنى، ما العلاقة بينهما؟ لا يمكن تفسير الأمر سوى بافتراض وجود الله كمعنى مرتبط بالنفس البشرية (فطرة) يتجلى هذا المعنى ويطفو على السطح عندما يتفاعل مع شعور الخوف.
موضوع الخوف هذا ذكره القرآن أيضاً، ولكن بمدلوله الصحيح: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) العنكبوت 65. وأيضاً: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) الروم 33.
كما تلاحظون فالقرآن يتحدث عن الخشوع والتذلل الذي يصيب الإنسان في أوقات الشدة نتيجة لتركيبته الإيمانية الفطرية، ويجد الإنسان نفسه متعلقاً بقوة علوية يشعر أنها الوحيدة القادرة علي مساعدته في بلائه وشدته. فالإنسان يبحث عن الأمان وقت الخوف وهو يعلم جيداً أن هذا الأمان لن يجده سوى مع المطلق الذي فطره هكذا، والخوف ليس عيباً بل هو نعمة وهدف مقصود في ذاته؛ لأنه يكسر غرور الإنسان وعجرفته ويعيده إلى واقعه بأنه مخلوق ضعيف مهما تسلط أو تجبر: (هُوَ الَّذِي
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) الرعد 12.
ستجد هذا الفكرة واضحة في كتاب العالم الرياضيات الأمريكي (جفري لانغ ) [الصراع من أجل الإيمان] الذي يحكي فيه تجربته الخاصة، وقصة إعتناقه الإسلام.
يقول الكاتب:
(وبالطبع لم يكن الانسان البدائي يعرف القراءة والكتابة ولذلك كل ما تعلمه كان عن طريق التلقين من آبائه واجداده وبالتالي اصبح علم وحكمة الاباء والاجداد، أي الاسلاف كنزاً قيماً يحفظه الاشخاص كبار السن في القرية او القبيلة. ويصبح الشخص الاكثر علماً رئيساً للقبيلة، وطبيباً يعالج امراضهم بما تعلمه من الاسلاف، ويحكم بينهم بما يراه عدلاً ان نشب بينهم خلاف. ولا شك ان موت شخص كهذا يمثل فقداً عظيماً للقبيلة، تحاول تعويضه بأن تتخيل ان روح هذا الفقيد ما زالت تعيش بينهم وتحاول ارشادهم الى ما فيه خيرهم. وبالتدريج اصبح لمثل هذه الروح مكانة عظيمة في ثقافة و" فولكلور" هذه المجموعات من البشر، ونتج عن هذا ما يسمى بـ "عبادة الاسلاف" . "Ancestor Worship" فكان اذا اصاب هذه المجموعة شر او مرض، عزوه الى ان روح احد الاسلاف غاضبة عليهم ولذلك وجب عليهم إرضاءها بالرقص وبتقديم الهدايا والقرابين. وهذه الهدايا والقرابين تمثل ركناً مهماً من اركان الدين، اذ يقوم الدين على ركنين: إيمان وعمل. والعمل تابع للايمان، فهو شعائره ومظهره.)
افتراض عبادة الأسلاف الذي قال به (سبنسر) تكمن نقاط ضعفه الأساسية في بساطته التي تقترب من حد السذاجة. فالدين عند الإنسان ليست بهذه البساطة، بل هي معاني معقدة جداً ومتشابكة. فالإنسان القديم لو كان يعتقد بإلوهية أسلافه فكيف كان يظنهم بشراً في البداية، ولو كان يعرف بأنهم بشر في الحقيقة فكيف تحولوا عنده لآلهة بكل بساطة؟
علماً بأن أرواحهم في حاجة لأجساد تستقر فيها ، والمفروض أن الآلهة ليست في حاجة لشيء. لاحظوا أننا نتكلم عن بدايات ظهور الدين ولا علاقة لنا بالحالات التي أضافت القدسية على بعض البشر فيما بعد. هناك أمثلة حية تنفي فرضية عبادة الأسلاف، وهم قبائل وسط استراليا فهم يؤمنون بعقيدة عودة أرواح أسلافهم، ولكنهم لا يعبدونهم ولا يعتبرونهم آلهة .
سبنسر لم يكن موفقاً في نظرية "الدار ونية الاجتماعية" على أي حال.
يقول الكاتب:
(ولكي يُقرّب الانسان البدائي كل هؤلاء الآلهة الى ذهنه تخيّل لهم اشكالاً معينـة ونحت اصناماً تمثلهم على الارض، وجاء وقت اعتقد فيه الانسان ان لهذه الاصنام قوة – اذا تقدم لها بقربان – على ان تفعل الخير له وتُلحق الضرر بأعدائه. فاذا تنازع رجل مع جاره جاء الى صنمه المحبوب وصلى له ليلحق الضرر بجاره، ولكن الجيران هم الاخرون كانت لهم اصنامهم. وبينما يدعو الرجل اصنامه لتضر أعداءه، راح يشعر بالقلق إزاء ما قد تفعله اصنام اعدائه له ولأهل بيته. واضطر الناس ان يفكروا في شئ يحميهم من اصنام اعدائهم، فوضعوا حول اعناقهم تماثيل صغيرة لاصنامهم لحماية انفسهم من قوة الارواح الشريرة التي تُحارب في صفوف الاعداء. واصبحت هذه التماثيل الصغيرة هي التمائم او الطواطم "Totem" وبدأ بعض الناس يعتقدون ان بعض هذه التمائم تستطيع القاء التعاويذ على الآخرين وتجعلهم يمارسون السحر. وراح هولاء البعض يؤمنون بأنهم بهذه التمائم ومناداة الاسماء الحقيقية لبعض الارواح يستطيعون فتح ابواب المستقبل ورؤية ما يُخبئه لهم.)
قام السيد (روبرتس سميث) بشرح تفصيلي لفكرة الطوطم في كتابه [ديانة الساميين] وقد أثرت آراءه في الدراسات التي أجريت على الأديان فيما بعد.
النقد الذي وجهه السيد (سميث) لهذه الصورة عن الدين البدائي يتمثل في الآتي:
- لا يوجد دليل على أن الإنسان كان يظن هذا الطوطم إلهاً، بل الراجح أن الطوطم يمثل في نظره شيئاً له احترامه.
- أمثلة كثيرة لقبائل لديها طوطم، ولكنهالم تعبده، ولم تضف عليه أي سمات إلهية.
- فكرة الطوطم ليست فكرة عالمية منتشرة، فكثير من المجتمعات لم تمر بهذه المرحلة الانتقالية من تطور الأديان.
- فكرة الله في المجتمعات عموماً هي إحساس بوجود قوة علوية تتحكم في الحياة وتدير شؤونها. والطوطم ليس هو هذه القوة، بل مجرد رمز لهذه القوة. أما الإله نفسه فيكمن فيما وراء الطوطم وليس في الطوطم نفسه.
- أما أقوى الانتقادات الموجهة لفكرة الطوطم سواء تم اعتبارها أساساً لبداية الأديان أو مرحلةً من مراحل تطورها، فهو يكمن في كون عقيدة الطوطم لم تكن أكثر من تعبير عن رمز للقبيلة أو المجتمع البسيط تستمد منها القبيلة قوتها الاجتماعية.
الجميع يتعامل مع فكرة العقيدة على أساس أنها تنشأ كفكرة موحدة من عقل المجتمع ككل وألغوا تماما العقل الفردي. صحيح عقلية الجماعة تؤثر في عقلية الفرد إلى حد ما، ولكنها لن تفكر بدلاً منه بطبيعة الحال. ما تناساه البعض هو أن البحث عن الله هو تفكير فردي خاص بكل فرد على حدة، الذي يرفض في أوقات كثيرة هيمنة العقل الجماعي وسيطرتها عليه. لهذا أقول أن الطوطم ليست عقائد في الواقع، بل مجرد تقليد اجتماعي، أو ربما عادة قبلية.
يتبع ...
من هذه النزعة الانتحارية التي أرى أنها ضد الإنسانية والحضارة العالمية, أبدء مشروعيّ هذا والذي هو عبارة عن طرح استفسارات والإجابة عنها وترك مجال للآخرين بإبداء الرأي مع الأخذ بعين الاعتبار نقطة هامة وهي أني لا أجور أو أتحايل وإنما اطرح الفكرة وأورد الرد مباشرة عليها والقارئ حرٌ في قناعاته.
ولنبدأ....
بسـم الله الرحمـن الرحيـم
(قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِـرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَـالِمَ الْغَيْبِ
وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَـ فِي مَـا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)
استهلال
منذ أن عقدت العزم على مناقشة هذا الكتاب، وأنا في حيرة من أمري، كيف سأبدأ؟ فالحديث عن الإساءة للدين بوجه عام والإسلام بوجه خاص ذو شجون. ويبدو أن الأخير حالة استثنائية في تاريخ العالم كله. قد لا تجد دعوة أو فكرة تم قبولها بدون ظهور معارضات وانتقادات لها، وهذا أمر طبيعي وظاهرة عادية كذلك. لكنك - في الجهة المقابلة - لن تجد مثل هذا الكم من الانتقادات الموجهة للدين الإسلامي!
ويبدو أن انتقاد الإسلام هو اللعبة المسلية لأي كان.
فمهما كانت درجة جهل من ينتقد الإسلام، فإن هذا لا يثني عن التصريح بمنتهى الوقار والثقة بإن الإسلام دعوة باطلة ورسالة زائفة، وأنه لا يجوز لها البقاء أكثر مما بقيت. الدين هي نظرية فاشلة والإسلام فكرة عقيمة! وفي معظم الأحوال تجد أن قراءة سريعة لمثل هذه "الانتقادات" لا تظهر لك إلا جهل أصحابها ليس فقط بالإسلام، بل بأبسط مبادئ وأسس التفكير العلمي والاستدلال المنطقي. لتقف في حيرة من أمرك، ما المفترض أن تفعله والحال هكذا؟! وهذا كان يؤدي بي في معظم الأحوال للزهد في المشاركة في الحديث مع من يسئ للإسلام.
لدينا حالة من الجهل واسع الانتشار بشأن حقيقة الإسلام، - وهذا موجود حتى بين كثيرين ممن يدعون التدين - إضافة إلى التفكير المبني على التمني لا على الحقيقة والواقع. عندما تجمع هذا إلى ذاك، الجهل، الموقف المسبق. تدرك مدى حساسية الموقف، وأسباب حيرتي. طريقة صياغة الكتاب تتوقف على القارئ الموجه له، هناك
من لديه خلفية جيدة عن الإسلام واقتناع تام به، ومن ثمّ فهو ليس بحاجة لقراءة كتاب تدعم معتقده. وعلى طرف النقيض هناك من قرر مسبقاً أن الإسلام دين زائف، وليس لديه استعداد لقراءة فكرة مخالفة لمعتقده، ناهيك عن الاقتناع بها، وهنا أيضاً لا داعي لانفاق الوقت فيما لا طائل منه. بين طرفي النقيض هناك من يمتلك حد أدنى من المعرفة تؤهله لتناول الموضوع.
لا أزعم أن الأفكار والمعلومات التي سأقدمها ستكون جديدة، فالكتب والدوريات المتخصصة وصفحات الانترنيت لم تترك شيئاً بدون التعليق عليه. فقط سأحاول - قدر الإمكان - جمع وعرض الأمور التي تبدو لي على قدر من الأهمية لجعل القارئ أكثر تفهماً لما يقال عن الإسلام. أي أن الغرض الأساسي لكل ما سأكتبه، هو دعوة كل قارئ ليخلق في نفسه، إن لم يكن حيزاً من الفهم والوضوح، فعلى الأقل حيزاً يكون فيه الجهل محصوراً، ومناطق العتمة محدودة.
كما أدعوكم - وأدعو نفسي كذلك - للتفكير ملياً في المواضيع المطروحة للنقاش قبل البحث عن إجابات لها، فيبدو أننا كثيراً ما نتوهم امتلاكنا إجابات ثم يثبت الزمن عدم فهمنا للأسئلة بعد.
ولا أجد شيئاً أنهي به هذا الاستهلال أفضل من التساؤل التالي: ما الذي تعنيه الإجابات عندما لا نكون قد استوعبنا فعلاً معنى الأسئلة؟
مقدمة توضيحية حول الكتاب وخطة العمل
الكتاب الذي نحن بصدد مناقشته ، يحمل عنوان (قراءة نقدية للإسلام) . لكن لا بد أن نفرق بين الإساءة و النقد. فعندما يدعي أحدهم أنه يتناول موضوعاً ما بالنقد، فهذا يعني أنه يتناوله من جميع جوانبه. وخاصة إذا هذا الأمر متعلقاً بمنظومة فكرية و اجتماعية متشعبة الجوانب. فلا بد للباحث والدارس أن يجد بعض الجوانب السيئة و
أخرى حسنة - وفق منظوره- وهذا ما نستطيع أن نسميه (نقداً).
أمّا الإساءة فيأخذ صفة العداء المسبق. ومن البديهي أن من يملك هـذه الرؤية فلـن يتناول الموضوع إلاّ من خلال جوانبه السيئة - وفق منظور ه أيضاً - فالأشياء
الحسنة تتغيب تماماً في فكره و يتم تجاهله عمداً.
وعلى الإطلاق لم نلحظ في كتابات هذا الكاتب أي مديح أو إشادة بأي شيء في الإسلام،كبيراًً كان ذلك الشيء أو ضئيلاً. فلا يجد الكاتب سوى الصفات السيئة في الإسلام، ولا يجد فيه إلا كلّ سوء. هكذا هو الأمر في فكر مؤلف الكتاب الدكتور (كامل النجار) الإساءة هي الأمر الوحيد الذي يستحق الذكر بحق الإسلام من منظوره ! وليته أتى بشيء جديد إنما هي أفكار مكررة سبقه بها كثيرون. هذا الدين لم يجد الدكتور كامل النجار فيه أي أمر مهما كان صغيراً يستحق به المديح أو الذكر الحسن.
لنرى ماذا فعل؟ على مدى الكتاب كله والذي يقع في عشرة فصول وتحت عناوين مختلفة. قام باسم "القراءة النقدية المحايدة"، بالافتراء على الإسلام افتراءاً لا حدود له، وأورد تهماً تنقصها الدليل, ولم أجد خلال قراءتي أي منهج يعتمده في قراءته للإسلام، سوى لمّ التهم ورصها من هنا وهناك.
قد يتفق معي بعض اللادينين أنفسهم أن الكتاب إجمالاً غير موضوعي وسطحي تماماً، ورغم ذلك تجد معظم الأفكار الإلحادية على الصفحات العربية للإنترنت موجودة في هذا المصدر. لذلك كانت فرصة جيدة أن تجتمع كل هذه الاتهامات الموجهة للإسلام أمامي للرد عليها، برغم أنها مكدسة ومكثفة جداً بدون فرصة لالتقاط الأنفاس.
وقد قمت بتتبع ما كتبه الرجل من المقدمة وحتى الخاتمة، متبقياً على نفس العناوين التي ذكرها. أيضاً قمت بإضافة بعض العناوين من عندي وسأشير إلى ذلك في وقتها. وهناك بعض المواضيع تكررت أكثر من مرة. وطبعاً لن أناقش أي موضوع مرتين، بل سأكتفي بالإشارة إلى إن هذا الموضوع سبق تعرض لـه. على سبيل المثال الفصل
العاشر والمسمى: (ماذا أخذ الإسلام من الأديان الأخرى) أهملناه، لأن ما يثار عن علاقة الإسلام بالأديان الأخرى، وما يقال عن اقتباس الإسلام من المسيحية واليهودية، وعن لغة القرآن سبق التعرض له.
و الكتاب عموماً يفتقر إلى الترابط و التماسك، وهذا يظهر بوضوح في الصفحات الأولى، فكل الكتاب عبارة عن فقرات متناثرة كان هم صاحبها الأول جمع ما يمكن جمعه من الطعون التي وجهت للإسلام قد تتناقض مع بعضها، ظناً منه أن بالكثرة يعطي لدعواه المصداقية. لذا كان من الصعب مناقشة الكتاب إجمالاُ، وكان أن اضطررت إلى مناقشة كل فقرة على حدة، وأتبعت في ذلك منهج الاقتباس من الكتاب، الذي يبدأ بـ : (يقول الكاتب) وبالخط العريض، ثم التعليق عليها فيما بعد. كما وردت بعض المواضيع التي ناقشناها بدون الاقتباس من الكتاب. ولن نعالج بطبيعة الحال في هذا الكتاب كل القضايا التي أثارها الكاتب بصدد الإسلام، لأن النقاش سيطول وسيشعر القارئ بالملل، بل سأكتفي بنقاش النقاط التي بدت لنا أكثر أهمية.
أما بالنسبة للمراجع المعتمدة في هذا الكتاب، فالقارئ سيلاحظ أن أسماء أغلب المراجع وردت في متن الكتاب، لذلك رأيت أن لا داع لإفراد هامش له. كما سيجد القارئ في نهاية الكتاب صفحة بأهم المواقع الانترنت التي اعتمدت عليها، والتي استفدت منها كثيراً.
هذا الكتاب الذي بين يديك ليس مجرد رد على شخص، ولكنه أكثر من ذلك؛ إنه حوار عام عن الإسلام، ومحاولة لفهم ما يقال عنه عموماً.
وألتمس من القارئ العزيز العذر على اللهجة المنفعلة في بعض المواقف، لأنني لم أستطع أن أكـون هادئاً كل الوقت، فتجاهل بعض الحقائق الواضحة، أو ليّ عنقها لأجل أحكام المسبقة، تجعل على الإنسان يخرج عن طوره أحياناً. ونحن في نهاية الأمر بشر، والكمال لله وحده.
نبدأ مع الكاتب من المقدمة:
(نعم أن العالم العربي يمر في مرحلة عصيبة، ولكن من المسئول عن هذه المحنة التي يمر بها العرب والمسلمون عامةً؟ لا شك أنها من صنع العرب والمسلمين أنفسهم ورغبتهم العارمة بالرجوع بأنفسهم إلى عصر الإسلام الذهبي قبل أربعة عشر قرناً من الزمان. وقاد هذا الهوس بالماضـي الجماعات السلفية إلى تنفيذ فاجعة 11 سبتمبر عام 2001 التـي جعلت الإسلام
مرادفاً للإرهاب والمسلم مرادفاً للإرهابي، وقسّموا العالم إلى معسكرين متناحرين في رأيهم: (إما فسطاط الإيمان أو فسطاط الكفر.. وإما نحن وإما هم ولا يمكن التعايش بينهما!!) على غرار بعض المتشددين الغربيين الذين قالوا: (الغربُ غربٌ والشرقُ شرقٌ ولا يلتقيان). وهذه النزعة الانتحارية هي ضد الإنسانية والحضارة العالمية، ناهيك عن تناقضها تماماً مع روح الأديان وجوهرها.)
هكذا تلاحظ تلميحاً أن الإسلام هو السبب في الوضع الحالي. ليست الغزوات الفكرية التي أهدرت سنين من عمر الأمة في تجارب لم تكن لتنجح قط.
الإسلام هو سبب كل خراب في العالم عند هؤلاء، حتى وهو يحارَب في داره.
هل الإسلام جاء ليقسم العالم، أم هم الذين قسموه لكتلة شرقية وغربية واستعمروا العالم كله. إن المرء ليأسف على هذه العقول المحتلة!
يقول الكاتب:
(ولكن هل كان عصر الخلفاء الراشدين عصراً إسلاميا ذهبياً كما يتوهم السلفيون؟ فإذا نظرنا لهذا العهد نجد أن الخلاف قد دب بين المسلمين بمجرد أن مات النبي. فنجد ان الأنصار والمهاجرين أوشكوا أن يتقاتلوا بالسيوف علي من سيخلف الرسول، هل يكون من الأنصار أم من المهاجرين. أراد الأنصار أن يبايعوا سعد بن عبادة، وأراد المهاجرون أن يكون الخليفة منهم.)
هنا يقرأ الكاتب التاريخ بدون اعتبار الواقع الاجتماعي والطابع الجدلي داخله. حين ندرس تاريخ الأمة الإسلامية، فلابد أن نعرف أن المسلمين بشر كسائر الناس. وليس من المعقول أن نتوقع تاريخاً ملائكياً خال من الصراعات. نحن لم نقل أن الإسلام قتل الطابع الجدلي داخل المجتمع البشري، فمن يقول ذلك كمن يقول أن الإسلام قضى على الفقر، أو قضى على الشر في العالم. مشكلة الكاتب وغيره من مدعي الطوباوية، أنهم ينظرون لحدث معين ويجعلون منه التاريخ كله. بل ويحصرون تقييم إحدى الفترات الفترات في نطاق ضيق يرفضون الخروج منه. لم يكن بمقدور الرسول الكريم أن يصب التاريخ في القالب الذي يريده ويتمناه، وهذه أيضاً ليس وظيفته فهو ليس إلهاً.
فالرسول صلي الله عليه وسلم توفي وترك في المسلمين خضوعاً لله من ناحية وثورة على الظلم من ناحية أخرى، فتجد المسلم خاضع وثائر في نفس الوقت، ونشأ عن هذا حركة اجتماعية قلما تجد لها نظيراً في التاريخ.
فترة الخلافة الراشدة التي يراها الكاتب غير جديرة بالثقة هي أفضل فترة عدالة مرت على البشرية في التاريخ، رغم وجود صراعات داخلية في بعض أوقاتها. هذه الصراعات من سنن هذا الكون تظهر وتختفي، ولكن المهم كيف نتعامل معها و نستوعبها.
هل معنى أن عمر بن الخطاب مات مقتولاً أن فترة حكمه فترة سيئة في التاريخ ؟ ما قوله إذن في ديكتاتور مثل ستالين الذي لم يمت مقتولاً، بل وصل لأرذل العمر وهو في منصبه. هل يرى فترة حكمه جيدة ومثالية؟
التاريخ يحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عاش بسيطاً بدون حرس وحاشية. عاش وسط البسطاء وكأنه منهم، ينام في خيمة أو تحت شجرة، وهو الذي كان حاكماً لدولة مترامية الأطراف. أناس عاشوا بهذا الشكل كانوا عرضة للقتل في أي لحظة، ولكنهم لم يكونوا يخشون شيئاً. لابد أن نعرف أن الفارق كبير بين من يدعو للعدل وهو مظلوم، ومن يدعوا له وهو حاكم مسيطر بيده مقاليد الأمور. فارق كبير أن تنادي بالزكاة وأنت فقير معدم، وأن تدعو لها وأنت بيدك كنوز الدنيا. فارق كبير بين من يدعو للحق، لأن فيه مصلحته وبين من يدعو له لأن الله أمره بذلك. هذا هو الفارق بين الصادق والمدعي.
يقول الكاتب:
(وحتى البغاء كان متفشيا في تلك الحقبة الذهبية. ففي سنة سبع عشرة ولى عمر ابا موسى الأشعري على البصرة وأمره أن يُشخص إليـه ( يرسل إليه) المغيرة ، وكان المغيرة يختلف على أم جميل، امرأة من بني هلال توفى عنها زوجها. وكانت أم جميل تغشى المغيرة وتغشى الأمراء والأشراف، تبيع جسدها، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها
والسرقة كانت متفشية في المدينة في خلافة عمر بن الخطاب. فيحدثنا أهل الذكر إن عمر بن الخطاب جاء إلى عبد الرحمن بن عوف في وقتٍ متأخر من الليل، فقال له عبد الرحمن: ما جاء بك في هذه الساعة يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: رفقةٌ نزلت في ناحية السوق خشيت عليهم سُراق المدينة. فالخليفة كان يعلم أن المدينة مليئة بالسارقين، رغم قطـع الأيدي.)
سأفترض صحة هذه الروايات، ولكن ألم يتساءل الكاتب لماذا يكتب الإمام الطبري هذه الحوادث في كتابه تاريخ الطبري؟ هل تستحق حوادث السرقة و الزنا أن تسجل في كتب التاريخ؟ لو أن مؤرخاً معاصراً أراد أن يكتب تأريخاً عن عصرنا الحالي هل كان سيهتم بذكر حوادث السرقة والزنا؟ حتماً لم تكن هذه الأمور الصغيرة لتثير اهتمام أحد. فهي شيء تقليدي ومعتاد. بل سينبري أي مؤرخ للكتابة عن الأمور الهامة مثل الحروب الدولية و الصراعات الإقليمية ..إلخ .
أقول: أن ذكر حوادث السرقة والزنا في كتاب تاريخ هو دليل على ندرتها وغرابتها وليس لذلك معنى آخر.
يقول الكاتب:
(ولعل هذا الكتاب هو الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتنـاول الإسلام بقـراءة
نقدية علمية محايدة دون أي تطرف أو انحياز لأية جهة. وإني اعتمدت على المصادر الإسلامية الكلاسيكية المحترمة من قبل جميع الفرق والمذاهب الإسلامية، في توضيح وإثبات هذا الرأي أو ذاك. ولكن رغم ذلك سيثور المتزمتون لأنهم لا يعرفون التسامح مع الناقدين.)
سنرى الآن ما هي المصادر المحترمة التي يتحدث عنها الكاتب، والتي ذكرها الرجل في الهامش . ينقل لمؤلف اسمه ابن وراق- اسم مستعار على ما يبدو- كتبه المنشورة
بالانكليزية تحمل أسماء: [لماذا أنا لست مسلما]، و[أصول القرآن]، و[ماذا الذي يقوله الإسلام حقا]. وكتابه الأخير هذا يزعم فيه أن الإسلام لا يدعو سوى للدمار والتخريب، ويزعم أن القرآن كتاب غير معتدل مختل مليء بالعنف والقسوة، ويدعو الناس إلى عدم تصديق المسلمين فهم كذبة على حد زعمه.
لا تجد أي معلومات تفيدك من هو ابن وراق هذا، وما هي مؤهلاته العلمية، وإلى أي مؤسسة ينتسب؟ الأمور ضبابية تماماً.
الرجل كما هو واضح من كتبه يتعامل مع الإسلام كدين شيطاني يجب أن ينسف من أساسه، لذلك فهو يلجأ لاستخدام كل الطرق، يكذب ويحرف اقتباساته ويستعين بكل أنواع الخداع. لماذا ؟ ببساطة الرجل يحارب ديناً شيطانياً!
هذا المؤلف رغم ادعائه انه كان مسلماً، وأنه كان يحفظ القرآن كاملاً، إلا ان من يقرأ مقتطفات من كتبه يدرك انه لو كان صادقاً حقاً فيما يقول فهو إذن يتمتع ببلادة تفكير وسوء فهم لا يقاس. أيضاً مراجع ابن وراق هذا كلها من كتب أشد المستشرقين عداوةً للإسلام وأكثرهم عنصرية، وهذا يجعلني أشك في قصة أصله الإسلامي المزعومة، بل أشك أيضاً إن كان يتكلم العربية، فالذي كان مسلماً لا يدرس الإسلام من كتابات تحارب الإسلام لأسباب عنصرية بشهادة الغربيين أنفسهم. أريد أن أقول أن كتب ابن وراق هذا لا تعتمد أي منهجية في دراسة الإسلام، بل هي كتابات سوقية مكتوبة بسطحية لإرضاء العوام والسذج، ناهيك عن لغة قاسيةجداً. الكاتب قام ببساطة بتجميع كتب ابن وراق في كتاب واحد.
يعتمد أيضاً على كتاب عنوانه [23 عاما] لكاتب اسمه (علي داشتي). وهو كاتب ماركسي كما هو واضح من كتاباته. الكتاب عن حياة النبي محمد ويعقد فيه الرجل مقارنات بين رسولنا الكريم وشخصيات مثل لينين ونابليون وجنكيز خان.
الرجل طبعاً كماركسي يرفض الوحي و الإسراء، ويتعامل بانتقائية غريبة مع الروايات، فما يؤيد مبادئه يصدقه ومـا يخالف تفكيره المادي يرفضه ويعتبره خرافات.
تشعر منه أيضاً بجهل واضح للإسلام، ورغم أنه في البداية يقول أنه يرفض كتابات المستشرقين عن الرسول ويعتبرها عنصرية، إلا أنه يعود ويكرر نفس كلامهم عندما يقع في مأزق سيقوده للاعتراف بصدق نبوة محمد صلي الله عليه وسلم.
كتابات علي داشتي مثل ابن وراق كتابات غير محايدة إطلاقاً لأشخاص مجهولون لا يقرأ كتبهم سوى المتعصبين، الذين يهدفون من وراء تشويه صورة الإسلام الحصول على أكبر ربح.
كاتب ثالث ينقل منه الكاتب وهو (روبرت سبنسر). سبنسر هذا صحفي أمريكي
يكره كل شيء اسمه إسلامي. أنا لا أتجنى على أحد فسبنسر نفسه يتفاخر بذلك في كل كتاباته. الكتاب الذي اختاره الكاتب لسبنسر يحمل عنوان : [إماطة اللثام عن الإسلام] وهو يتكلم عن موضوع الجهاد في الإسلام، وكيف أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تسبب في انتشار العنف العالمي.
أنا لا أفشي سراً عندما أقول أن أسرع وسيلة نجاح للفاشلين في الغرب هو أن تكتب كتاباً تهاجم فيه الإسلام والمسلمين. هذا أمر يعرفه الجميع! لو سألت مثقفاً غربياً محايداً من هم أكثر الكتاب تحيزاً ضد الإسلام والمسلمين؟ لقال لك ابن وراق و روبرت سبنسر الذي يزعم الكاتب أنها مصادر محايدة محترمة! لا أحد يمتلك الشجاعة ليدافع عن ابن وراق وسبنسر تحديداً.
بخصوص المصادر العربية للكاتب مثل: [تاريخ الطبري] و[مختصر السيرة] لابن هشام وكتب ابن كثير، فكثيراً ما ستجد الصيغة التي يوردها الكاتب للرواية تختلف عن الصيغة في المصدر الأصلي، وهذا يدلني أن الرجل ينقل الرواية من كتابات مترجمة - فالترجمة تغير كثيراً في الألفاظ - وحتى القرآن ينقله الرجل من كتب مترجمة.
وهذا طبعاً يجعلني أضع الكاتب مع أبن وراق وداشتي وسبنسر في نفس التصنيف. فهؤلاء مصادرهم جميعاً عن الإسلام هي كتابات المستشرقين، وهذا مثير للريبة إلى أبعد الحدود! يجب أن نعلم أن معظم المستشرقين والمبشرين كانوا يكتبون عن الإسلام من باب التعصب الأعمى. ومن حقي كمسلم ألا أغفر لهؤلاء كتاباتهم التخريبية عن الإسلام.
أذكر قول (غولذير) يوماً وهو يرى الهوس الغربي في الهجوم على القرآن متسائلاً: (ترى ماذا يبقى لنا من الكتاب المقدس لو عاملناه بنفس الطريقة؟).
إن الكاتب كما ترى يعتمد إما على كتابات سوقية غير منهجية مثل ابن وراق و داشتي وسبنسر، وإما اقتباسات مقتضبة غامضة لا تعكس الصورة كاملة، كما يفعل مع المصادر الأخرى كما سنرى لاحقاً، ويزعم لنا في النهاية أنه يقدم قراءة نقدية!
نبذة تاريخية عن نشأة الأديان
إحدى الملاحظات التي توقف عندها علماء الانثربولوجيا، والباحثون في تاريخ الأديان، أن الوجود الديني مترادف للوجود الإنساني. ولعل ما نطق به المؤرخ الإغريقي (بلوتارك) من أنه: (وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور... ومدن بلا مدارس ... ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد) يختصر هذه الفكرة.
هذا الأمر دفع الكثيرين إلى التساؤل: لماذا تدين الإنسان؟ وما سبب هذا التلازم بين وجود الإنسان وتدينه؟ ومن يتابع هذه المسألة سيجد اتجاهات كثيرة لتعريف الدين، وماهيته، وأسباب نشأته. وطبعاً فكل هذه آراء توصف في خانة النظريات، و إمكانية تخطيء النظرية شرط أساسي لصحتها، وإلا صارت بديهة لا يمكن إثباتها ولا نفيها. الكاتب يسمي هذا الفصل: (نبذة تاريخية عن نشأة الأديان)، وليس نظريات عن نشأة الأديان، وكأننا أمام بديهيات لا تتطلب مناقشة أو مراجعة.
وعلى العموم فالرجل يعتمد على النظريات التي ترى أن الإنسان عاش مراحله الأولى بدون عقيدة، وبدون أن يعرف شيئاً عن الإله، ولكنه اخترع فكرة الآلهة من خلال تفاعله مع ظواهر البيئة المحيطة به ، وتطورت العقائد من التعدد إلى التوحيد تماماً كما تطورت نتاجات البشرية، كوسائل الإنتاج والصناعات بفعل الأزمان. ليصل إلى نتيجة ترى الدين مجرد نمط في التفكير والشعور قابل للتجاوز. وهي النظرة التي عبر عنها كارل ماركس، وما سماه أوغست كونت بـ "قانون الحالات الثلاث".
يقول الكاتب:
(في بداية حياة الإنسان على هذه الأرض، على حسب رأي علماء علـم الأجناس "Anthropology" كان الإنسان بسيطاً في تفكيره وفي استيعابه للظواهر الطبيعية مثل الليل والنهار، والمطر والرعد والبرق وما شابه ذلك.)
إن الفكرة التي تقول بأن الإنسان كان بسيطاً في تفكيره ثم ارتقى بتفكيره في خط مستقيم من الأدنى إلى الأعلى، هي نظريات قديمة ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر. لكن مع تقدم الانثربولوجيا، والمراجعات التي تمت للمفاهيم القديمة حول المجتمعات التي تسمى بدائية، أدى ذلك إلى ظهور جيل من الانثروبولوجيين في الغرب أخذ يرى بوضوح أن المجتمعات التي ندعوها بدائية ليست مرحلة طفولية من مراحل تطور البشر، بل هي شكل تام من أشكال الحياة الإنسانية الناضجة والمكيفة بنفسها.
أشهر الكتب التي تجد فيها هذا المعنى واضحاً هو كتاب [البدائية] لأشلي مونتاغيو. وهو يضم عدة بحوث ممتازة كتبها انثروبولوجيون معاصرون حول إعادة مصطلح البدائية.
في هذا الكتاب يستعرض أحد الباحثين هو: (فرانسيس ك.ل.هسو) ثلاثين كتاباً في انثروبولوجيا يستخلص إلى أن استخدامات مصطلح البدائية تتسم بالغموض و التضارب، ويستنتج إلى أن مفهوم البدائية غدا من النواحي التجريبية، والتطورية، و العلمية مفهوماً بالياً، وإن كان ما يزال يتمتع بدرجة عالية من الشيوع بشكل يتصف بالغموض والتضارب، وانعدام المعنى من الناحية العلمية.
ويشير (مونتاغيو) إلى أن معظم الثقافات التي تدعي بدائية بعيدة عن البدائية وعن البساطة، فهذه الثقافات من العديد من النواحي أعقد من أي ثقافة غربية. ويشير أيضاً إلى أن مصطلحاً بهذا القدر من الغموض وعدم التحديد إما أن يعاد تحديد معناه أو إذا أمكن أن يشطب من قاموس العالم، وأنا اعتقد - يقول- أن المصطلح يستحق الحل الثاني.
وفي نفس الكتاب ينبه (إدوارد ب. دوزيير) إلى الفهم الخاطئ عند جمهور القراء من غير المختصين الذين قبلوا المعاني السلبية التي توحي بها المصطلحات الانثروبولوجية عن المجتمعات اللاكتابية، لذا فإن الافتراض الشائع بين الناس العاديين عندما يستخدم اصطلاح البدائية ليصف مجتمعاً لا كتابياً معيناً، هو أن مثل هذا المجتمع متخلف عرقياً وعقلياً وثقافياً.
يقول الكاتب:
( ولما عجز الإنسان البدائي عن تفسير هذه الظواهر عزاها إلى قوة خارقة تتحكم فيها وفي حياته. هذه القوة الخارقة لم تكن محسوسة لديه، اي بمعنى آخر، كانت قوة وراء الطبيعة اي قوة ميتافيزيقية "####physical" وبالتالي اعتقد الإنسان البدائي بوجودكيان روحي "Spiritual Being" يتحكم في الظواهر الطبيعية وفي حياة الإنسان. هذه كانت بداية فكرة الأديان عند الإنسان البدائي حسب اعتقاد خبير علم الأجناس الانكليزي تايلر "E.B.Taylor" فقد ألف هذا العالم كتاباً يدعى الثقافة البدائية Primitive" "Culture في العام 1871. ويعتبر هذا الكتاب من أهم المراجع في دراسة تاريخ الأديان. ويعتقد "تايلر" هذا أن الاعتقاد بـ " الكيان الروحي" هذا نتج من تجربة الإنسان الجماعية في أشياء مثل الموت والنوم والأحلام، فجعلته هذه التجارب يعتقد أن الكيان الروحي منفصل عن الجسم ويمكنه أن يعيش حياة مستقلة تماماً. وبالتالي أصبح الإنسان الأول يعتقد في ألأشباح والخيالات "Phantoms".)
تايلر كان يحصل على أغلب معلوماته من الرحالة والمبشرين، ووفقاً ما كان شائعاً في زمانه كانت فرضية التطور ذي اتجاه الواحد لوحدة النفسية للبشر هي السائدة.
يقول: (إدوارد ب.دوزيير) أستاذ انثروبولوجيا في جامعة أريزونا: (الدراسات انثربولوجيا كانت في طفولتها عندما كتب تايلر ما كتبه عن انطباعاته عن البدائيين و افتراضاته التخمينية غير العلمية). رواد المدرسة الوظيفية للانثربولوجية كـ (براون) و (مالينوفسكي) أثبتوا سطحية آراء تايلر وفريزر، وخرجوا بأنه لم يوجد مجتمع بدائي بدون دين وبدون علم.
افتراض (تايلر) لمبدأ الروحية كأساس لظهور الأديان هو افتراض قديم، ولم يقدم الرجل أدلة قوية تثبت أن القدماء كانوا يعتبرون مظاهر الطبيعة آلهة، وليست مجرد قوى أو أدوات للآلهة كما هو راجح الآن.
الكاتب يقول أن الخوف من مظاهر البيئة المحيطة كان السبب في انبثاق فكرة الله كقوة ميتافيزيقية تتحكم في مصير الإنسان، وهذا ليس بصحيح فالخوف في مواقف الخطر يعيد الإنسان إلى تذكر الله، ولكنه ليس الدافع والمحرك الأول لظهور الدين على وجه الأرض. فعندما يرى الإنسان الرعد في السماء مثلاً فإنه قد يظن أن الإله غاضب أو قد يظن أنه قوة شريرة غاضب، ولكنه لا يعتقد أن هذا الرعد هو خالق السماء والأرض. نحن نتحدث عن الله كمعنى موجود في الذهن. من أين جاء هذا المعنى؟ نظرية الخوف هذه لا تفسر أي شيء. وإلا فليخبرنا الكاتب ما هي العلاقة بين الخوف كشعور وانبثاق فكرة الله؟ هذا شعور وذاك تصور ومعنى، ما العلاقة بينهما؟ لا يمكن تفسير الأمر سوى بافتراض وجود الله كمعنى مرتبط بالنفس البشرية (فطرة) يتجلى هذا المعنى ويطفو على السطح عندما يتفاعل مع شعور الخوف.
موضوع الخوف هذا ذكره القرآن أيضاً، ولكن بمدلوله الصحيح: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) العنكبوت 65. وأيضاً: (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) الروم 33.
كما تلاحظون فالقرآن يتحدث عن الخشوع والتذلل الذي يصيب الإنسان في أوقات الشدة نتيجة لتركيبته الإيمانية الفطرية، ويجد الإنسان نفسه متعلقاً بقوة علوية يشعر أنها الوحيدة القادرة علي مساعدته في بلائه وشدته. فالإنسان يبحث عن الأمان وقت الخوف وهو يعلم جيداً أن هذا الأمان لن يجده سوى مع المطلق الذي فطره هكذا، والخوف ليس عيباً بل هو نعمة وهدف مقصود في ذاته؛ لأنه يكسر غرور الإنسان وعجرفته ويعيده إلى واقعه بأنه مخلوق ضعيف مهما تسلط أو تجبر: (هُوَ الَّذِي
يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) الرعد 12.
ستجد هذا الفكرة واضحة في كتاب العالم الرياضيات الأمريكي (جفري لانغ ) [الصراع من أجل الإيمان] الذي يحكي فيه تجربته الخاصة، وقصة إعتناقه الإسلام.
يقول الكاتب:
(وبالطبع لم يكن الانسان البدائي يعرف القراءة والكتابة ولذلك كل ما تعلمه كان عن طريق التلقين من آبائه واجداده وبالتالي اصبح علم وحكمة الاباء والاجداد، أي الاسلاف كنزاً قيماً يحفظه الاشخاص كبار السن في القرية او القبيلة. ويصبح الشخص الاكثر علماً رئيساً للقبيلة، وطبيباً يعالج امراضهم بما تعلمه من الاسلاف، ويحكم بينهم بما يراه عدلاً ان نشب بينهم خلاف. ولا شك ان موت شخص كهذا يمثل فقداً عظيماً للقبيلة، تحاول تعويضه بأن تتخيل ان روح هذا الفقيد ما زالت تعيش بينهم وتحاول ارشادهم الى ما فيه خيرهم. وبالتدريج اصبح لمثل هذه الروح مكانة عظيمة في ثقافة و" فولكلور" هذه المجموعات من البشر، ونتج عن هذا ما يسمى بـ "عبادة الاسلاف" . "Ancestor Worship" فكان اذا اصاب هذه المجموعة شر او مرض، عزوه الى ان روح احد الاسلاف غاضبة عليهم ولذلك وجب عليهم إرضاءها بالرقص وبتقديم الهدايا والقرابين. وهذه الهدايا والقرابين تمثل ركناً مهماً من اركان الدين، اذ يقوم الدين على ركنين: إيمان وعمل. والعمل تابع للايمان، فهو شعائره ومظهره.)
افتراض عبادة الأسلاف الذي قال به (سبنسر) تكمن نقاط ضعفه الأساسية في بساطته التي تقترب من حد السذاجة. فالدين عند الإنسان ليست بهذه البساطة، بل هي معاني معقدة جداً ومتشابكة. فالإنسان القديم لو كان يعتقد بإلوهية أسلافه فكيف كان يظنهم بشراً في البداية، ولو كان يعرف بأنهم بشر في الحقيقة فكيف تحولوا عنده لآلهة بكل بساطة؟
علماً بأن أرواحهم في حاجة لأجساد تستقر فيها ، والمفروض أن الآلهة ليست في حاجة لشيء. لاحظوا أننا نتكلم عن بدايات ظهور الدين ولا علاقة لنا بالحالات التي أضافت القدسية على بعض البشر فيما بعد. هناك أمثلة حية تنفي فرضية عبادة الأسلاف، وهم قبائل وسط استراليا فهم يؤمنون بعقيدة عودة أرواح أسلافهم، ولكنهم لا يعبدونهم ولا يعتبرونهم آلهة .
سبنسر لم يكن موفقاً في نظرية "الدار ونية الاجتماعية" على أي حال.
يقول الكاتب:
(ولكي يُقرّب الانسان البدائي كل هؤلاء الآلهة الى ذهنه تخيّل لهم اشكالاً معينـة ونحت اصناماً تمثلهم على الارض، وجاء وقت اعتقد فيه الانسان ان لهذه الاصنام قوة – اذا تقدم لها بقربان – على ان تفعل الخير له وتُلحق الضرر بأعدائه. فاذا تنازع رجل مع جاره جاء الى صنمه المحبوب وصلى له ليلحق الضرر بجاره، ولكن الجيران هم الاخرون كانت لهم اصنامهم. وبينما يدعو الرجل اصنامه لتضر أعداءه، راح يشعر بالقلق إزاء ما قد تفعله اصنام اعدائه له ولأهل بيته. واضطر الناس ان يفكروا في شئ يحميهم من اصنام اعدائهم، فوضعوا حول اعناقهم تماثيل صغيرة لاصنامهم لحماية انفسهم من قوة الارواح الشريرة التي تُحارب في صفوف الاعداء. واصبحت هذه التماثيل الصغيرة هي التمائم او الطواطم "Totem" وبدأ بعض الناس يعتقدون ان بعض هذه التمائم تستطيع القاء التعاويذ على الآخرين وتجعلهم يمارسون السحر. وراح هولاء البعض يؤمنون بأنهم بهذه التمائم ومناداة الاسماء الحقيقية لبعض الارواح يستطيعون فتح ابواب المستقبل ورؤية ما يُخبئه لهم.)
قام السيد (روبرتس سميث) بشرح تفصيلي لفكرة الطوطم في كتابه [ديانة الساميين] وقد أثرت آراءه في الدراسات التي أجريت على الأديان فيما بعد.
النقد الذي وجهه السيد (سميث) لهذه الصورة عن الدين البدائي يتمثل في الآتي:
- لا يوجد دليل على أن الإنسان كان يظن هذا الطوطم إلهاً، بل الراجح أن الطوطم يمثل في نظره شيئاً له احترامه.
- أمثلة كثيرة لقبائل لديها طوطم، ولكنهالم تعبده، ولم تضف عليه أي سمات إلهية.
- فكرة الطوطم ليست فكرة عالمية منتشرة، فكثير من المجتمعات لم تمر بهذه المرحلة الانتقالية من تطور الأديان.
- فكرة الله في المجتمعات عموماً هي إحساس بوجود قوة علوية تتحكم في الحياة وتدير شؤونها. والطوطم ليس هو هذه القوة، بل مجرد رمز لهذه القوة. أما الإله نفسه فيكمن فيما وراء الطوطم وليس في الطوطم نفسه.
- أما أقوى الانتقادات الموجهة لفكرة الطوطم سواء تم اعتبارها أساساً لبداية الأديان أو مرحلةً من مراحل تطورها، فهو يكمن في كون عقيدة الطوطم لم تكن أكثر من تعبير عن رمز للقبيلة أو المجتمع البسيط تستمد منها القبيلة قوتها الاجتماعية.
الجميع يتعامل مع فكرة العقيدة على أساس أنها تنشأ كفكرة موحدة من عقل المجتمع ككل وألغوا تماما العقل الفردي. صحيح عقلية الجماعة تؤثر في عقلية الفرد إلى حد ما، ولكنها لن تفكر بدلاً منه بطبيعة الحال. ما تناساه البعض هو أن البحث عن الله هو تفكير فردي خاص بكل فرد على حدة، الذي يرفض في أوقات كثيرة هيمنة العقل الجماعي وسيطرتها عليه. لهذا أقول أن الطوطم ليست عقائد في الواقع، بل مجرد تقليد اجتماعي، أو ربما عادة قبلية.
يتبع ...
العير والأسيرين. وهذا كان يمثل خمس الغنيمة، وكانت هذه أول غنيمة للمسلمين، وفادى الأسيرين بأربعين أوقية لكل منهما وهذا أول فداء لأول أسير في الإسلام. وهذه ألآية طبعاً عذر لا تسنده الوقائع، فقريش لم تكن تحاربهم في ذلك الوقت، بل بالعكس، حاول المسلمون اعتراض قوافل قريش ثلاث مرات قبل هذا. وحتى في هذه المرة لم تكن قريش قد اعتدت عليهم وإنما هم الذين اعتدوا، وفي الشهر الحرام.)
بقطع نخيلهم والتحريق فيها . فنادوا عليه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها، إذا كان لك هذا فخذه وان ان لنا فلا تقطعه. وتنبه جماعة من المسلمين إلى أن النخيل سوف يصير لهم بعد هزيمة بني النضير، فمنعوا أبا ليلى المازني وعبد الله بن سلام من أن يقطعوه، وكان النبي قد أوكل إليهما قطعه . وذهب جماعة منهم إلى النبي وقالوا له كيف نقطع النخيل وسوف يصير لنا؟ فانزل الله: "ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمة على أصولها فبأذن الله". ولما اشتد عليهم الحصار سألوا رسول الله أن يجليهم ويكف عن دمائهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم. فحملوا ما استطاعوا من أموالهم وخرجوا إلى خيبر ومنهم من سار إلى الشام. وخلوا النخيل والمزارع لرسول الله، فكانت له خاصة لان المسلمين لم يحاربوا من اجلها.)
Comment