
غشـاء الخليـة العاقــل يشهــد!
--------
* تتألف كل خلية من "هلام" يسمى "الهيولي" Cytoplasma ويحيط بـ"الهيــولي" سور يحمي عالم الخلية وسكانه، وسيمى هذا السور "غشاء (جدار) الخلية "Mmbrane of the cell" ويعد الغشاء الخلوي هذا من الأمور المدهشة حقًا من حيث تكوينه وثخانته والعمل الذي يقوم به.
حد فائق الرقة:
سأتكلم أولاً عن ثخانته، فلقد وُجد أن الغشاء يبلغ حدًا فائقـًا من الرقة، إذ يبلغ سمكه وسطيًا "75 انغستروما"*(1). وإذا ما تمزق هذا الغشاء أو تلف لسبب ما، فإن "الهيولي" تنسكب خارجًا، وعندئذ تذوي الخلية على فراقه وتموت كمدًا.
وفيما يتعلق بتركيب الغشاء الخلوي، نجد أن هناك نسبة متساوية من البروتين والدُّسُم "الليبيدات" LIPIDS، تتداخل معًا في أشكال هندسية مختلفة، ولكن في نظام خاص، والجزء الدسم كاره للماء كالشمع، فهو لا يبتل بسهولة، وهذه الخاصة تجعل من الغشاء الخلوي سورًا وحصنًا أمام ما يضر تلك المعامل التي تحويها الخلية، وسياجًا يمنع دخول المواد على اختلافها إلى الخلية، اللهم إلا ما تحتاج إليه..كالغذاء، فتتكون في الغشاء الخلوي آليات مخصوصة لنقله أو السماح له بالعبور.
ويشترك مع الدُّسُم في بناء غشاء الخلية- كما ذكرت آنفًا- البروتينات التي تتخلل هذا الغشاء في بعض المواضع.. وقد تبرز خارج الخلية، أو تبرز إلى داخلها وخارجها معًا، وتترتب البروتينات هنا في أشكال هندسية تلائم ترتيب الدُّسُم، تبعًا لخاصة حب الماء أو النفور منه.
أهذه الجمادات من البروتينات هي التي وعت حالها فرتبت نفسها هذا الترتيب ؟
أم أنها المصادفة التي التي خرجت بهذا التنسيق البديع ؟...
أم نقول سبحان الذي رتب شأن خلائقة فأحسن ترتيبها؟!..
(( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ))
السجدة.
السجدة.
جدار متماسك
أما عن عمل الجدار الخلوي وفائدة وجوده، فمن الوصف السابق لتركيب هذا الغشاء يتبين أنه مؤلف من مئات الجزيئات المتراصة التي يحتشد بعضها بجوار بعض، والبديع أنها غير مترابطة معًا، ومع هذا نجد أن الغشاء الخلوي متماسك بدرجة كافية تنتفي معها صفة الضعف والتخلخل...
وما ذلك إلا نتيجة لقوى التجاذب القائمة بين هذه الجزيئات، وأيضًا نتيجة لقوى التجاذب بين الوجهين الداخلي والخارجي للغشاء الخلوي مع الماء الموجود داخل الخلية وخارجها.
ومع أن أجزاء الغشاء الخلوي غير مترابطة فيما بينها، فهذا الغشاء كفيل بحفظ حدود كل خلية.. والإحتفاظ بشخصيتها، إذ يمنع إنتقال السوائل بحرية مطلقة داخل جسم الإنسان، وفي هذا تشبه الجُــدر الخلوية تلك التقسيمات التي تقام في باطن ناقلات البترول لتجزئتها إلى عناصر صغيرة حتى لا تتحرك حمولتها من البترول بحرية مطلقة تحت تأثير أمواج البحر.
فصُـنع من تلك الناقلة؟..
وصُـنع من تلك الخلية؟...
ولكن شتان بين ناقلة تزن بالأطنان .. وخلية لا تُـرى للعيان !!...
فتبارك الله الرحمن ..ذو الجلال والإكرام

وتلعب جزيئات البروتين البارزة على السطح الخارجي دورًا مهمًا في عمليات الدفاع والأمن داخل جسم الإنسان، وهي ما تسمى " العلامات" Tags... أو الهويات الشخصية، التي تميز خلايا جسم الإنسان عن غيرها من الخلايا الداخلية، وبذلك تتمكن وسائل الدفاع المدني من التعرف على خلايا الجسم بالنظر في هوياتها الشخصية المميزة لها، فتتركها وشأنها، ولكنها تهاجم كل خلية لا تبرز الهوية عينها الموجودة في جسم الإنسان، معتبرة إياها دخيلة مخرِّبة.
ولولا هذه العلامات والهــويات الشخصية.. لهاجمت خلايا الدفاع خلايا الجسم نفسه، ولانقلب السحر على الساحر، ولكان مصرع الإنسان بيديه.*(2)
ويمكن أن نشبه هذه العلامات المميزة بتلك العوامات المضيئة ليلا ً، التي تطفو على سطح البحر قريبًا من الموانيء..لهداية السفن إلى مداخل الميناء.
فسبحان الله العظيم!
أيضًا تلعب جزيئات البروتينات التي تتخلل غشاء الخلية دورًا فاعلا ً في نشاط الخلية، فهي تستقبل أنواعًا مختلفة من المواد والعناصر والهرمونات، وتكوِّن قنوات تيسِّـر سيرورات النقل والتبادل بين " الهيولــي" داخل الخلية والوسط المائي المحيط بالغشاء الخلوي.
وهذا الأمر ينظم دخول المواد اللازمة إلى الخلية، وأيضًا ينظم طرح الفضلات الناجمة عنها، والتخلص من المواد التالفة إلى خارجها.
وفي ذلك يشبه الغشاء الخلوي المرشحة الإنتقائية، إذ يُدخل المواد التي تحتاج إليها الخلية من السكر والماء وسواهما، وأيضًا ترشح عبرة من داخل الخلية إلى خارجها المواد الناتجة من طهي الأغذية ضمن الخلية لتوليد الطاقة اللازمة منها " أو تحولها إلى مدخرات تخزن إلى وقت الحاجة".
فسبحان الخالق.. ما أعقل هذا الغشاء ! ... يُدخل ما يشاء ويرفض ما يشاء!..
(( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) ))
الأعلى.

الأعلى.

فمثلا ً يسمح هذا الغشاء الخلوي العاقل - بمنتهى السرعة- بدخول مادة البوتاسيوم (k)، ويشكل البوتاسيوم الموجود ضمن الخلايا 98% من بوتاسيوم البدن عامة والـ 2% الباقية توجد في الدم، في حين يمنع هذا الغشاء الصوديوم (NA) والكلور (CL) من الدخول لأن المنطقة الإنتقالية لمادة الصوديوم هي خارج الخلايا...
مع أن البوتاسيوم معدن والصوديوم معدن وهما معدنان متقاربان، ولكن الغشاء يرفض الأول من عند الباب، في حين ينحني للآخر مرحبًا ..ويأخذ بيده إلى داخل الخلية!!..
إن هذا الغشاء يساعد على التحكم في أنواع الجزيئات التي تدخل كل خلية من خلايا أجسادنا أو تغادرها، وهو بذلك يساعد - بطريقة غير مباشرة- على تخصص الخلايا الذي شاهدناها في خلايا الإنسان.
إننا نرى هنا خاصة في الإنتقاء بديعة...
حقًا إنها خاصة عجيبة.
ولكن ما السر الذي يجعل هذا الغشاء يتصرف كالعاقل، فلا يسمح بدخول المواد البروتينية، في حين يسمح بدخول السكر؟..
ويسمح بدخول البوتاسيوم ولا يسمح بدخول الصوديوم؟..
ويسمح لبعض المواد بالنفاذ عبره، في حين يعارض بشدة نفاذ بعضها الآخر؟!
إنـــه ...
(( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ))
طه.
طه.
إن الغشاء الخلوي لا يتصرف- في انتقائه هذا- كحارس جاهل أو طائش أحمق أو متهاون مستهتر، بل يفوق من تخرج في كبرى أكاديميات العلوم، فهو خبير بكل ما تحتاج إليه الخلية نوعًا وكمًا، وهو يصطفي وينتقي من الوسط المحيط بالخلية المواد الضرورية لها بكل دقة، وبالمقادير التي تحتاج إليها ضبطًا وتمامًا!!..
والآن:كيف تمر المواد والذرات عبر الغشاء الخلوي؟
إن أحدث ما توصل إليه العلم عن طريق المجهر " المكبر" الإلكتروني (3)* يفيد أن : لهذا السور بوابات (4)*. تُفتح أمام القادمين المرحب بهم.. وحين يهم المغادرون لوداع الخلية، ولكنها توصد في وجه غير المرغوب في دخولهم.. وفي وجه من فرضت عليهم الإقامة الجبرية ضمن عالم الخلية.
وتبيّن بالمجهر الإلكتروني أيضًا أن البوابات بحال دَيْـنَمية غير ثابته، " أي أنها تتشكل من وقت لآخر"، وذلك عند دخول مادة أو خروجها، حيث تتعرى مناطق عند عبورها.. ثم تستتر بعدها، لتحدث في مناطق أخرى ثقوب جديدة عند عبور جديد.. وهكذا.
عزيزي القارىء
،’..يجب أن نقف متأملين هذا الغشاء الخلوي..
وأدعو أن تتأمل مليًا خلقه البديع سبحانه وتعالى، إذ تراه رقيقًا في ثخانته " نحو 75 انغستروما"، ولكنه سور حديدي وسياج متين، ثم يدرك بعد هذا كله..بين رقته ومتانته- لمن يسمح بالدخول ومن ينذر بالخروج!.
وإذا أردت أن تعرف مكان هذه البوابات، فالعلماء يقولون لك- بعد أن تأكدوا بالمجهر الإلكتروني- عبثـًا تحاول فهي تفتح من أي مكان يطرقه طارق مرغوب فيه، ثم يوصد وراءه.
فأخبرني بعد أن تساءل نفسك عن هذا الغشاء الرقيق الدقيق العجيب...
الرقيق في سماكته..
الدقيق في انتقائه...
العجيب في عمله، ألا يدل على خالق صنعه في أحسن تقويم؟!...
أم انه فلته رائعة حدثت من بين ملايين احتمالات المصادفة وحظوظها؟!..
ثم ها هي تتكرر بدقة ونظام في كل جيل بشري!!..أهي مصادفة وحسب؟؟!!!
أم أنــــه
(( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88))
النمل.
(( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88))
النمل.
----------------
الهوامش:
1- الانغستروم: يرمز له اختصارًا بـ (A)، وهو يساوي 1/000,1000 من السنتيمتر.
2- هذا ما يحدث بالفعل في الأمراض المناعية الذاتية.
3- يكبر الشىء من 60 ألفًا إلى 240 ألف مرة.
4- هي ثقوب دقيقة تشبه -من باب التقريب للأذهان-مسام الجلد.
----------------
د. معتز ياسين- مجلة الوعي الإسلامي- العدد 455- بتصرف .
----------------
Comment